‫خصائص الخلق السلمية‬
   ‫تمتاز الخلق السلمية بمنظومة من الخصائص العظيمة‬
‫الجميلة التي تعكس روح السلم وجماله وجاذبيته ، وإليك بيان‬
                         ‫جملة من هذه الخصائص .‬
                                                                        ‫أول :‬
                                                               ‫ربانية المصدر .‬
‫السلم كلُه عقائدُه وعباداتُه ومعاملتُه وأخلقُه وسلوكياتُه من‬
        ‫عند ا جل وعل ، وما من أمر من أمور السلم إل وهو‬
‫يستمد تعاليمه ونظمه ومبادئه من كتاب ا وسنة رسوله صلى‬
   ‫ا عليه وسلم ، ومعنى أن الخلق السلمية ربانية المصدر‬
‫أي أنها من ا تعالى هو الذي أمر بها وحث عليها ورغب فيها ،‬
‫ونهى عما يخالفها وحذر منه إما في القرآن الكريم أو في سنة‬
                                                  ‫النبي صلى ا عليه وسلم .‬
 ‫أرسل ا رسوله صلى ا عليه وسلم ليتمم مكارم الخلق ،‬
‫وأثنى عليه بالخلق العظيم }وَإِنّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ {]القلم/‬

  ‫4[ وكانت تزكية النفوس محورا من محاور دعوته عليه الصلة‬
     ‫والسلم }هُوَ الّذِي بَعَثَ فِي الُميّينَ رَسُول ً مّنْهُمْ يتْلُو عَلَيْهِمْ‬
                     ‫َ‬                        ‫ْ ّ‬
‫آيَاتهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي‬
                                                              ‫ّ‬                       ‫ِ‬
                                                      ‫ضَللٍ مبِينٍ {]الجمعة/2[ .‬
                                                                         ‫ّ‬   ‫َ‬
            ‫قال ابن كثير رحمه ا : " وذلك أن العرب كانوا قديما‬
     ‫متمسكين بدين إبراهيم الخليل عليه السلم فبدلوه وغيروه‬


                                            ‫1‬
‫وقلبوه وخالفوه واستبدلوا بالتوحيد شركا وباليقين شكا‬
     ‫وابتدعوا أشياء لم يأذن بها ا وكذلك أهل الكتاب قد بدلوا‬
 ‫كتبهم وحرفوها وغيروها وأولوها فبعث ا محمدا صلى ا‬
          ‫عليه وسلم بشرع عظيم كامل شامل لجميع الخلق فيه‬
        ‫هدايتهم والبيان لجميع ما يحتاجون إليه من أمر معاشهم‬
      ‫ومعادهم والدعوة لهم إلى ما يقربهم إلى الجنة ورضا ا‬
     ‫عنهم والنهي عما يقربهم إلى النار وسخط ا تعالى حاكم‬
‫فاصل لجميع الشبهات والشكوك والريب في الصول والفروع ،‬
    ‫وجمع له تعالى وله الحمد والمنة جميع المحاسن ممن كان‬
   ‫قبله وأعطاه ما لم يعط أحدا من الولين ول يعطيه أحدا من‬
      ‫الخرين فصلوات ا وسلمه عليه دائما إلى يوم الدين " .‬
                                            ‫تفسير القرآن العظيم )٤٦٣/٤(.‬

       ‫نشاط : في النص السابق ما يدل على أن تهذيب النفوس‬
                                            ‫وإصلحها مما بعث ا به نبيه‬
            ‫صلى ا عليه وسلم ، اذكر العبارات الدالة على ذلك .‬
‫...................................................................................‬
‫...................................................................................‬
‫...................................................................................‬
                                                                   ‫...............‬




                                        ‫2‬
‫فتزكية النفوس تطهيرها وتنمية الخير فيها ، وصيانتها من‬
                                     ‫النحراف والفساد ، فكل ما‬
     ‫جاء به النبي صلى ا عليه وسلم من الخلق العظيم كان‬
‫بوحي من ا تعالى }وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهوَى * إِنْ هُوَ إ ِل وَحْيٌ‬
       ‫ّ‬                   ‫َ‬

                                          ‫يُوحَى{ ]النجم /٣ ، ٤[.‬

‫إن ربانية هذه الخلق تعطيها ثقة وقبول ً ، وتجعلها في موضع‬
 ‫الرضا والتسليم ، لخلوها من التناقض والختلف والغموض .‬
‫إن ربانية هذه الخلق جعلتها في غاية الوضوح والجمال فهي‬
   ‫تدعو إلى نفسها بنفسها ، بخلف القيم الوضعية التي تحتاج‬
‫إلى وسائل بهرجة وتزيين للباسها ثوب الرواج والقبول الذي قد‬
                                      ‫ل تتصف به على الحقيقة .‬
‫لقد رأينا فيما مضى أن مصادر الخلق الوضعية يكتنفها النقص‬
   ‫والتناقض ، وتختلف باختلف الزمان والمكان والثقافات مما‬
  ‫عكر صفوها ، وجعل تعميمها وشمولها غير متاح ول ممكن .‬
   ‫إن خاصية ) الربانية ( في الخلق السلمية كالرأس للجسد‬
 ‫والروح للحياة ، ل قيام للخلق بدونه ، فكل ما يأتي بعد ذلك‬
            ‫من الخصائص تبع لهذه الخاصية سائر تحت لوائها .‬




                                ‫3‬
‫إن ا تعالى وصف كتابه بأنه }ل يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَل‬
‫َ‬                                            ‫َ‬

  ‫مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ {]فصلت/24[ ووصف رسوله‬

  ‫بأنه ل ينطق عن الهوى مما جعل كل أمر من أمور هذا الدين‬
                         ‫غاية في الكمال ومراعاة مصالح العباد .‬
       ‫وإذا تأملت الخلق السلمية وجدتها تدور في هذا الفلك‬
  ‫الجميل ، فكل خلق يكمل الخر ويجانسه ويرسخه ، وسيظهر‬
      ‫لك أيها القارئ الكريم مصداق هذا في ثنايا هذه المباحث‬
                         ‫القيمة موضحا بأدلته من الكتاب والسنة .‬

                                                  ‫ثانيا :‬
                                   ‫الشمول والعموم .‬
    ‫إن من أهم ما يميز الخلق السلمية أنها شاملة شأنها في‬
‫ذلك شأن الدين كله في شموله وعمومه ، ذلك أن السلم آخر‬
  ‫الديان ، ورسوله صلى ا عليه وسلم آخر النبياء وخاتمهم ،‬
 ‫وجاء القرآن الكريم وحيا من ا جل وعل مراعيا لهذا المر .‬
‫بَيّن القرآنُ الكريم علقةَ النسان بربه وخالقه جل وعل ، وبَيّن‬
     ‫علقة النسان بنفسه وما يجب عليه من صيانتها وحفظها ،‬
   ‫وكذلك علقة النسان بغيره من بني جنسه ، بل وتعدى إلى‬
   ‫ذكر ما يجب عليه من الرفق والتعامل برحمة مع المخلوقات‬
                         ‫التي تعيش حوله ، أو ينتفع بها بوجه ما .‬

                                              ‫تمرين تعاوني :‬


                                   ‫4‬
‫المطلوب : ذكر أدلة على شمول خلق الرحمة في السلم‬
                                                                  ‫للنسان والحيوان .‬
‫...................................................................................‬
‫...................................................................................‬
‫...................................................................................‬
                                                                             ‫...............‬



       ‫إنك تدرك شمول خلق السلم وهو يخاطب بدعوته الجن‬
     ‫والنس ، والعرب والعجم والبيض والسود على حد سواء‬
 ‫}وَمَا خَلَقْتُ الْجِنّ وَالِنسَ إ ِل لِيَعْبُدُونِ {]الذاريات/65[ ، ويقول‬
                                      ‫ّ‬        ‫ْ‬

     ‫سبحانه }يَا أَيهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْنَاكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلنَاكُمْ‬
            ‫ْ‬                                                         ‫ّ‬

‫شُعُوبا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ إِنّ اللهَ عَلِيمٌ‬
          ‫ّ‬
                                                              ‫خَبِيرٌ {]الحجرات/31[.‬

    ‫فإذا كانت دعوته عامة شاملة فكذلك قيمه الخلقية ومبادئه‬
     ‫توافق هذا الشمول ول تختزله في بعض جوانبه أو تمارسه‬
                               ‫على بعض الفئات من أتباعه دون بعض .‬
      ‫تدبر هذه الية الكريمة لترى خطابه الشامل وهو يدعو إلى‬
      ‫الخلق ويأمر بها}وَقُل لّعِبَادِي يَقُولُواْ الّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنّ‬

      ‫الشّيطَانَ يَنزَغُ بَينَهُمْ إِنّ الشّيْطَانَ كَانَ لِلِنسَانِ عَدُوّا مّبِينا {‬
                             ‫ْ‬                                  ‫ْ‬                ‫ْ‬

                                                                        ‫]السراء /٣٥[ .‬


                                              ‫5‬
‫" يأمر تبارك وتعالى عبده ورسوله صلى ا عليه وسلم أن‬
    ‫يأمر عباد ا المؤمنين أن يقولوا في مخاطبتهم ومحاورتهم‬
     ‫الكلم الحسن والكلمة الطيبة فإنهم إن لم يفعلوا ذلك نزغ‬
              ‫الشيطان بينهم وأخرج الكلم إلى الفعال ووقع الشر‬
  ‫والمخاصمة والمقاتلة فإنه عدو آدم وذريته من حين امتنع من‬
    ‫السجود لدم وعداوته ظاهرة بينة ".تفسير ابن كثير )٦٤/٣( .‬
‫إنها دعوة عامة للقول الطيب والعفة في المنطق بجميع أنواعه‬
                                                ‫في كل حال ومع كل أحد .‬
   ‫قال تعالي}إِنّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى‬

 ‫وَينْهَى عَنِ الْفَحشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلكُمْ تَذَكّرُونَ {‬
                   ‫ّ‬                                             ‫ْ‬                ‫َ‬

                                                                      ‫]النحل/٠٩[‬
         ‫نشاط : في الية الكريمة أمرٌ بأخلقٍ ونهي عن أخلق‬
                ‫أخرى ، تأمل ذلك ، وحاول إيجاد علقةَ تقابلٍ بينها.‬
‫١- ...............................................................................‬
                                                                               ‫.....‬
‫٢-................................................................................‬
                                                                               ‫.....‬
‫٣-................................................................................‬
                                                                               ‫.....‬




                                         ‫6‬
‫وتزخر السنة النبوية بالكثير من الدلة العامة والخاصة التي‬
   ‫تدعو إلى حسن الخلق ، وتحث على التعامل به ، ومن ذلك‬
 ‫قوله عليه الصلة والسلم ) اتق ا حيثما كنت ، واتبع السيئة‬
                ‫الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن ( .‬
‫إن المر بالتقوى حيثما كان المرء لهو أعظم دليل على شمول‬
 ‫الخلق السلمية للنسان في جميع أحواله في السر والعلن‬
       ‫والرضا والغضب ، على أي حال كان ، وفي أي زمان .‬
‫وفي قوله عليه الصلة والسلم ) وخالق الناس بخلق حسن (‬
‫أي عامل الناس كل الناس دون استثناء بجميع الخلق الحسنة‬
                                ‫التي تحب أن يعاملوك بها .‬

  ‫ولقد أَجَمل السلم في ذكر الخلق وفصل فيها وبيّن ليرفع‬
  ‫اللبس عن الناس فيما يلزمهم فعله والتحلي به ، وما يلزمهم‬
                                            ‫تركه واجتنابه .‬
                                                ‫ومن ذلك :‬
    ‫1-أن القرآن الكريم دعا إلى الوفاء بالعهود }وأوفوا‬
        ‫بالعهد إن العهد كان مسئول { ]السراء /٤٣[ .‬
  ‫2-وأمر بحفظ المانات وأدائها والعدل مع كل أحد }إن‬
  ‫ا بأمركم أن توأدوا المانات إلى أهلها وإذا حكمتم‬
         ‫بين الناس أن تحكموا بالعدل { ]النساء/ [ .‬




                            ‫7‬
‫3-ويأمر بالصدق ويرغب فيه ويصف أهله بأجمل‬
    ‫الصفات }يا أيها الذين آمنوا اتقوا ا وكونوا مع‬
                                ‫الصادقين {]التوبة / [‬

  ‫وعندما يأتي الحديث عن الخلق المرذولة القبيحة يسهب‬
‫ويتوسع في بيانها ويحذر من التصاف بها ، وينعت أهلها بما‬
                                           ‫تنفر منه النفوس .‬




                                        ‫تمرين‬
  ‫من خلل اليات ] ٦٢- ٧٣[ من سورة السراء ، وضح‬
    ‫عددا من الصفات التي نهى عنها السلم وحذر‬
                                                       ‫منها .‬
‫1 - ....................................................‬
                           ‫.........................‬
‫2 - ....................................................‬
                           ‫.........................‬
‫3- ....................................................‬
                           ‫.........................‬
‫4 - ....................................................‬
                           ‫.........................‬
‫5 - ....................................................‬
                           ‫.........................‬

                                              ‫إيضاح وبيان‬


                            ‫8‬
‫) وشمول الخلق في السلم نعني به أن دائرة الخلق‬
     ‫السلمية واسعة جدا ، فهي تشمل جميع أعمال النسان‬
    ‫الخاصة بنفسه أو المتعلقة بغيره ، سواء كان الغير فردا أو‬
   ‫جماعة أو دولة ( فل يخرج شيء عن دائرة الخلق ولزوم‬
  ‫مراعاة معانيها ، مما ل نجد له نظيرا في أية شريعة سماوية‬
                    ‫سابقة ، ول في أي قانون وضعي بشري‬

                                                ‫ثالثا :‬
                                        ‫الثبات واللزوم‬
    ‫من خصائص الخلق السلمية أنها ثابتة في مبادئها‬
 ‫وحقائقها وحدودها ، فالصدق خلق حميد دائما ل يمكن‬
  ‫ذلك في زمان دون آخر أو لدى جيل دون غيره ، وهذا‬
‫الثبات يضمن دقة المعايير واستقرار القيم وصحة التربية .‬
   ‫نعم قد يتطور عرض الخلق لكنه في الحقيقة تطور‬
    ‫شكلي ، ومن الصول العامة المشتركة بين الرسالت‬
        ‫السماوية الدعوة إلى الخلق الحميدة ، واجتناب‬
                                             ‫الرذائل ،‬



 ‫وهذه قمة الدللة على ثبات الخلق كما نلحظ ذلك في‬
‫كل فطرة سليمة في أي جيل أو عند أصحاب أي مذهب .‬
 ‫ومن صور الثبات في الخلق لزومها على كل حال " إن‬
 ‫اللتزام بمقتضى الخلق مطلوب في الوسائل والغايات‬


                            ‫9‬
‫فل يجوز الوصول إلى الغاية الشريفة بالوسيلة‬
‫الخسيسة ، ولهذا ل مكان في مفاهيم الخلق السلمية‬
    ‫للمبدأ الخبيث ، كقول أصحاب المفاهيم المادية البحتة‬
   ‫)الغاية تبرر الوسيلة ( وهو مبدأ ل مكان له في دستور‬
   ‫الخلق السلمية ، ومما يدل على ضرورة مشروعية‬
 ‫الوسيلة ومراعاة معاني الخلق فيها قوله تعالى }وَإِنِ‬

 ‫استَنصَرُوكُمْ فِي الدّينِ فَعلَيْكُمُ النّصْرُ إِل ّ عَلَى قَوْمٍ بيْنَكُمْ‬
         ‫َ‬                                     ‫َ‬                           ‫ْ‬
 ‫وَبيْنَهُم مّيثَاقٌ وَاللّهُ بِمَا تَعْملُونَ بَصِيرٌ{]النفال/27[ فهذه‬
                               ‫َ‬                                    ‫َ‬

        ‫الية الكريمة توجب على المسلمين نصرة إخوانهم‬
 ‫المظلومين قياما بحق الخوة في الدين ، ولكن إذا كانت‬
 ‫نصرتهم تستلزم نقض العهد مع الكفار الظالمين لم تجز‬
‫النصرة لن وسلتها الخيانة ونقض العهد ، والسلم يمقت‬
     ‫الخيانة ويكره الخائنين " ) أصول الدعوة لعبد الكريم‬
                                                              ‫زيدان ٩١(.‬

                            ‫أثر هذه الخاصية في المة‬
‫وبقدر ثبات الخلق وشيوع أثرها في حياة الناس بقدر ما‬
  ‫تزدهر المم وتتقدم حتى ولو كانت غير مسلمة ، فثبات‬
    ‫المعايير أمر عظيم ل مكان فيه للمجاملت والرشاوى‬
  ‫والنزوات الشخصية ، قال شيخ السلم ابن تيمية رحمه‬
   ‫ا ) إن ا يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة ، ول‬
                     ‫يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة ( .‬

                                        ‫01‬
‫إن الخلق في منابع السلم الولى - من كتاب وسنة –‬
 ‫هو الدين كله وهو الدنيا كلها ، فإذا نقصت أمة حظا من‬
    ‫رفعة ا في صلتها بالله ، أو في مكانتها بين الناس ،‬
       ‫فبقدر نقصان فضائلها وانهزام خلقها .)خلق المسلم‬
                     ‫للشيخ محمد الغزالي رحمه ا ص ٣٤( .‬

                                         ‫رابعا :‬
          ‫إقناع العقل وإشباع الوجدان . ) فطرية (‬
   ‫إن أي أمر يوافق الفطرة يسهل على النفس تقبله‬
                                             ‫والقيام به .‬
     ‫يسعى السلم في تربية الفضائل إلى إقناع العقل وإشباع‬
 ‫الوجدان والقلب بحب الخُلُق الكريم واللتزام به ، وكره الخلق‬
  ‫الذميم واجتنابه ، وهذه صورة من صور العظمة في الخلق‬
‫السلمية خاصة حيث ل يكون المر والنهي مطلقين أو مجردين‬
             ‫عن بيان العلة ، وإن حدث فاللتزام والطاعة واجبة .‬
                                                         ‫تطبيق :‬

 ‫}يَا أَيّهَا الّذِينَ آمنُوا اجْتنِبُوا كَثِيرا مّنَ الظّنّ إِنّ بَعْضَ الظّنّ إِثْمٌ‬
                                                     ‫َ‬        ‫َ‬

     ‫وَل تجَسّسُوا وَل يغْتَب بعْضُكُم بَعْضا أَيحِبّ أَحَدُكُمْ أَن يَأكُلَ‬
         ‫ْ‬                      ‫ُ‬                 ‫ّ‬      ‫َ َ‬           ‫َ َ‬
       ‫لَحْمَ أَخِيهِ ميْتا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتّقُوا اللهَ إِنّ اللّهَ تَوّابٌ رّحِيمٌ{‬
                                      ‫ّ‬                                 ‫َ‬

                                                               ‫]الحجرات / 21[ .‬
       ‫تأمل هذه الية لترى طريقة القرآن الكريم في النهي عن‬
      ‫الغيبة حيث لم يكتف بالنهي اللفظي بل أردف ذلك بصورة‬
          ‫عقلية تمثيلية تبين بشاعة هذا الخلق ، فجمع بين اللفظ‬

                                         ‫11‬
‫والصورة ليتحقق بذلك القناع العقلي الذي يدعو النسان إلى‬
                                                       ‫الترفع عن هذا الخلق .‬
      ‫إن الوامر اللفظية المجردة قد ل تحقق المرجو منها على‬
      ‫الوجه المطلوب لكنها عندما تقترن بالصور العقلية التمثيلية‬
    ‫تصبح أسهل ، ويكون النسان أقدر على فهمها واستيعابها ،‬
‫وهذا ما تحققه الخلق السلمية حينما تخاطب النسان خطابا‬
                            ‫إيمانيا عقليا فتقنع العقل وتشبع الوجدان .‬
   ‫لقد شبه ا الغيبة بأكل لحم إنسان ميت ، وهذا أمر يكرهه‬
     ‫النسان السوي ويشمئز منه بطبعه ، ومن كره ذلك بطبعه‬
       ‫السوي فعليه أن يكرهه بموجب أمر الشرع ، وهنا يجتمع‬
                                  ‫للنسان موافقة الشرع وحجة العقل .‬



     ‫وانظر كيف يقنع المنطق النبوي النسان بعدم الرجوع في‬
    ‫هبته ، قال صلى ا عليه وسلم : ) العائد في هبته كالكلب‬
                                                  ‫يقيء ثم يرجع في قيئه ( .‬
                                                                 ‫بحث ومناقشة‬
                                                                   ‫قال تعالى :‬
      ‫}يَا أَيّهَا الّذِينَ آمنُواْ إِنّمَا الْخَمْرُ وَالْميْسِرُ وَالَنصَابُ وَالَزْلَمُ‬
                                    ‫َ‬                             ‫َ‬

 ‫رِجْسٌ مّنْ عَمَلِ الشّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلّكُمْ تُفْلحُونَ * إِنّمَا يُرِيدُ‬
                        ‫ِ‬
‫الشّيطَانُ أَن يُوقِعَ بيْنَكُمُ الْعَدَاوةَ وَالْبغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ‬
                                  ‫َ‬        ‫َ‬                 ‫َ‬                  ‫ْ‬




                                          ‫21‬
‫وَيَصُدّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصّلَةِ فَهَلْ أَنتُم مّنتَهُونَ{ المائدة ]‬

                                                                      ‫٠٩ ، 19[.‬
  ‫- نهى ا عن أخلق وسلوكيات في هاتين اليتين ، ما هي ؟‬
‫...................................................................................‬
‫...................................................................................‬
                                                                        ‫..........‬
‫- بين ا سبب النهي عن هذه المحرمات بطريقة عقلية مقنعة‬
                                                                       ‫، وضح .‬
 ‫.............................. من تزيين الشيطان وإيقاعه بالنسان ،‬
                                                             ‫إذ ل خير له فيها.‬
                                                   ‫يكمن إقناع العقل في :‬
          ‫المخاطبة بقوله }..................{ إذ في ذلك تحفيز على‬
                                              ‫الستماع والتفكر والقناعة .‬

 ‫" وللعقل في الشرع مكان عظيم حيث إنه أساس كل فضيلة ،‬
        ‫وينبوع كل أدب ، أوجب ا التكليف بكماله ، وجعل الدنيا‬
  ‫مدبرة بأحكامه ، روي عن عمر بن الخطاب رضي ا عنه أنه‬
     ‫قال : ) أصل الرجل عقله ، وحسبه دينه ، ومروءته خلقه ( .‬
 ‫وقال الحسن البصري رحمه ا : ما استودع ا أحدا عقل إل‬
                                                        ‫استنقذه به يوما ما .‬
‫وقال بعض الحكماء : العقل أفضل مرجو ، والجهل أنكى عدو‬
                                                                                 ‫.‬

                                        ‫31‬
‫وقال آخر : خير المواهب العقل ، وشر المصائب الجهل .‬
              ‫ومع أهمية العقل وكونه أداة الفهم والتدبر والتأمل‬
    ‫والستنباط ، فليس كل الناس لديهم أهلية استخدام العقل‬
       ‫والقناع به ، فهناك من يغلب عليه التأثر بالقلب والضمير‬

  ‫والستجابة للفطرة والوحي الشريف لمجرد صدور المر من‬
‫الشرع وتأثر القلب به وميله إليه ومن هناك كانت سمة الخلق‬
‫السلمية الجمع بين المرين لموافقة أحوال جميع المخاطبين.‬
‫فمخاطبة القلب وإشباعه يحقق له السكينة والطمأنينة الكافية‬
                          ‫لستجابته والتزامه بأوامر الشرع ونواهيه .‬
  ‫قال تعالى } }الّذِينَ آمَنُواْ وَتطْمَئِنّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَل َ بِذِكْرِ‬
                                                    ‫َ‬

  ‫اللّهِ تَطْمَئِنّ الْقُلُوبُ{]الرعد/٨٢[ فالطمأنينة سكون القلب إلي‬

 ‫الشيء وعدم اضطرابه وقلقه ، وفي الثر )الصدق طمأنينة ،‬
 ‫والكذب ريبة ( أي أن الصدق يطمئن إليه قلب السامع ، ويجد‬
    ‫عنده سكونا، والكذب يوجب له اضطرابا وشكا ، ومنه قول‬
    ‫النبي صلى ا عليه وسلم ) البر ما اطمأن إليه القلب ( أي‬
                                 ‫سكن إليه وزال عنه اضطرابه وقلقه .‬
  ‫فالقرآن الكريم لم يكن يلقي القول على عل ّته ، وإنما يأتي‬
                                              ‫بالقضية مبرهنا عليها بالدليل‬
 ‫تلو الدليل ، فيرضي العقل ويطمئن النفس ويقود الضمير إلى‬
                                                                         ‫اليمان .‬



                                        ‫41‬
‫تهدف التربية الوجدانية إلى وقاية الضمير من عثرات الشك‬
  ‫والحيرة والضلل والوساوس ، وتحرص على صحة الوجدان‬
‫من الخلل والمرض القلبي ، ليصبح المرء سيد نفسه ويبدع في‬
‫ميدان السلوك الخلقي ، ويتحرر من براثن العادات المتحجرة‬
‫والتقاليد الزائفة والعراف البالية ، ويكون مدركا لفعله نبيل في‬
 ‫هدفه ، فما الذي يدفع النسان إلى التحلي بالفضائل والتخلي‬
‫عن الرذائل والمسارعة في المعالي إن لم يكن هناك قناعات‬
                          ‫نفسية مشبعة وحاجات وجدانية متطلعة ؟‬
    ‫إن الخلق السلمية تمتاز بمخاطبة العقل وإقناعه لتحمل‬
    ‫ذوي العقول والمنطق السوي على التزام مبادئها والتمسك‬
    ‫بها ، وهي كذلك تخاطب القلب والوجدان وتشبعهما لتكتمل‬
‫الصورة الفريدة للخلق السلمية في جانبيها النظري العلمي‬
                                                         ‫والعملي التطبيقي.‬
       ‫اعتدال وشمول وتوسط فل تركيز على العقل مع إهمال‬
 ‫الوجدان ، ول العكس ، وإنما مخاطبة شاملة في أعز ما يملك‬
     ‫النسان ويتصف به العقل والقلب والفكر والوجدان .‬

                                                                          ‫خامسا :‬
                                                          ‫المسئولية واللزام :‬
    ‫قال تعالى }الّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوكُمْ أَيّكُمْ أَحْسَنُ‬
                          ‫َ‬

‫عَمَل ً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ {]الملك/٢[ ، وقال سبحانه }قَالَ هَذَا‬




                                       ‫51‬
‫مِن فَضْلِ ربّي لِيَبلُوَنِي أَأَشكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ومَن شَكَرَ فَإِنّمَا يشْكُرُ‬
         ‫َ‬                     ‫َ‬                   ‫ْ‬            ‫ْ‬        ‫َ‬
                ‫لِنَفْسِهِ ومَن كَفَرَ فَإِنّ رَبّي غَنِيّ كَرِيمٌ {]النمل/٠٤[.‬
                                                                   ‫َ‬

     ‫يتميز النسان بحرية الرادة وحرية الختيار وعلى أساسهما‬
 ‫يكون التكليف والمسئولية . فالله سبحانه خلق النسان لعبادته‬
  ‫وجعله مهيئا وصالحا لفعل الخير والشر على السواء , ووعده‬
     ‫على الخير وتوعده على الشر , ول يجبر النسان على فعل‬
‫شي , وإل بطل الحساب والتكليف وانتفت المسؤولية وقد ابتلى‬
    ‫ا النسان وامتحنه في هذه الحياة بالخير والشر وإحسان‬
    ‫العمل أو الساءة والتقصير فيه , ومن ثم فالنسان مسئول‬
     ‫عن عمله وأسبابه ونتائجه , مسئول في الدنيا ومسئول في‬
‫الخرة ، قال تعالى}وَقِفُوهُمْ إِنّهُم مّسْئُولُونَ{ ]الصافات/42[ ،‬

  ‫وقال سبحانه}وَل َ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنّ السّمْعَ وَالبَصَرَ‬
        ‫ْ‬

               ‫وَالْفُؤَادَ كُلّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مسْؤُول ً {]السراء/63[.‬
                                     ‫َ‬

                                     ‫ما هي المسئولية ؟‬
       ‫والمسئولية تعني : تحمل الشخص نتيجة التزامه وقراراته‬
 ‫واختياراته العملية من الناحية اليجابية والسلبية , أمام ا في‬
          ‫الدرجة الول , وأمام ضميره في الدرجة الثانية , وأمام‬
                                              ‫المجتمع في الدرجة الثالثة .‬
  ‫والشخص الذي يتحمل مسئولية يجب أن يكون أهل ً لها وذلك‬
   ‫بأن يكون أنسانا عاقل ً، واعيا لطبيعة ذاته ولسلوكه وأهدافه‬




                                        ‫61‬
‫ونتائج تصرفاته , حر الرادة فيما يختاره , قادرا على تنفيذ‬
                                                                            ‫تصميماته واختياراته .‬



    ‫بهذه الشروط مجتمعه تتحد المسئولية قال تعالى}فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهُمْ‬

      ‫أَجْمَعِيَْ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ { ]الحجر/29، ٣٩[ ، وقال – صلى ا عليه‬

     ‫وسلم – ) رفع القلم عن ثلثة عن المجنون حتى يبرأ , وعن‬
                           ‫النائم حتى يستيقظ , وعن الصبي حتى يحتلم (.‬
       ‫ول مسئوليه على مضطر أو مكره أو مجبور قال تعالى }فَمَنَِ‬

‫اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَ عَادٍ فَل َ ِإثْمَ عَلَيْهِ { ]البقرة/٣٧١[ وقال سبحانه}إِلَّ مَنْ ُأكْرِهَ وَقَلْبُهُ‬
                                                                             ‫مُطْمَئِنٌّ بِالِيَانِ{]النحل/٦٠١[.‬


‫والمسئولية ل تعني تحمل النسان فوق طاقته والمشقة عليه ,‬
‫ول ينبغي النظر إليها على أنها حمل ثقيل فالله رحيم بعباده }لَ‬

‫يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلَّ وُسْعَهَا{]البقرة/٦٨٢[ ،}مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ{ ]الحج/‬

                                  ‫٦[ } يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرََ{]البقرة /٥٨١[.‬

     ‫وقد تحمل النسان أمانة التكاليف الشرعية والقيام بالعبودية‬
      ‫لله تعالى وعلى قدر التزامه وقيامه بهذه المانة يكون أجره‬
      ‫وثوابه , ل يظلم مثقال ذرة , وما يأتي من خير يضاعفه ا,‬
‫وما يأتي من شر فهو في مشيئة ا – ما دام مسلما – إن شاء‬
                                                                       ‫عفا عنه وإن شاء عذبه.‬


                                                        ‫71‬
‫والمسئولية رغم كونها تكليف بما في الوسع والطاقة , فهي‬
    ‫أيضا تشريف للنسان وتفضيل له على غيره مما خلق‬
                                                ‫ا , لماذا ؟‬
 ‫لن المسئولية عند النسان تعني الجدارة والهلية للقيام بها ,‬
  ‫وتكريم ا له بهذه المسئولية ومن ثم وجب عليه المجاهدة‬
        ‫والمثابرة والمصابرة والقيام بهذه المسئولية وأعبائها .‬
 ‫ثم إن تحمل المسئولية أمر ضروري للحياة الفردية الجتماعية‬
   ‫النسانية , وقد راعى السلم عند تحديده أن ل تكون فوق‬
                       ‫طاقة النسان , لكي ل يشقى بحملها.‬
                                 ‫الشعور بالمسئولية :‬
   ‫يجب على المسلم أن يوقن انه مسئول عن عمله في الدنيا‬
 ‫والخرة , فيدفعه ذلك إلى مزيد من محاسبة نفسه ومساءلتها‬
                   ‫وحملها على الحسان والتقان في عملها.‬
 ‫وإذا استشعر الوالد هذه المسئولية دفعه أن يربي أبناءه ومن‬
 ‫تحت وليته على استشعار المسئولية فتتقلص الخطاء ، وتزيد‬
       ‫الفرص الفضل لحياة أفضل ، لن بناء الخلق وترسيخه‬
 ‫ورعايته جزء من مهام الباء وهم أول من يجني ثماره الطيبة‬
   ‫بِرا وتقديرا ،وكيف يكون الحال إذا تعود النشء على الخلق‬
‫الحسن واستشعار المسئولية ؟ وما الفوائد العظيمة التي يجنيها‬
                 ‫الفرد والسرة والمجتمع كله من هذا المر .‬
                                        ‫مشاركة وتفاعل :‬



                            ‫81‬
‫من خلل ما تقدم بَيّن من خلل تجاربك الخاصة كيف أنّ‬
 ‫غرس الخلق وتحمل المسئولية يثمر في بناء الفرد والمجتمع .‬
‫...................................................................................‬
‫...................................................................................‬
‫...................................................................................‬
‫...................................................................................‬
                                                              ‫....................‬

                    ‫ومما سبق يمكن تقسيم المسئولية إلى قسمين‬
    ‫الول : المسئولية الشخصية , والثاني : المسئولية الجماعية .‬
                                   ‫أ / المسئولية الشخصية :‬
            ‫وتعني تحمل الفرد نتيجة أعماله الشخصية الختيارية ,‬
    ‫ومسئوليته عنها أمام ا ثم أما نفسه ، ثم أما المجتمع , في‬
                                                               ‫الدنيا والخرة .‬
  ‫ورغم ذلك فالمسئولية الشخصية ل تخلو من مسئولية عامة أو‬
          ‫اجتماعية فإذا كان المسلم مسئول ً عن عقيدته وعباداته‬
           ‫ومعاملته وسلوكه الشخصي , فإنه أيضا مسئول عن :‬
                                       ‫-والديه وبرهما أو عقوقهما .‬
                                   ‫-عن أبنائه وتربيتهم أو إهمالهم.‬

              ‫- عن مجتمعه وأمنه ونظامه ونهضته و غير ذلك .‬
            ‫كل ذلك يعني الترابط والتكامل بين شقي المسئولية .‬



                                        ‫91‬
‫لكن هناك ما هو مسئول عنه بمفرده , وما هو مسئول عنه مع‬
 ‫غيره محاسب على نيته وقصده وإن لم يظهر في صورة عمل‬
  ‫وسلوك حيث إن ا بكل شي عليم , يعلم الظاهر والباطن ,‬
                        ‫كما أنه محاسب عما تكلم به أو عمله وظهر منه.‬
    ‫هنا يقوم الطلب والطالبات بذكر أدلة على مسئولية النسان‬
                                                            ‫الفردية عن سلوكه وعمله .‬
                                                         ‫أدلة على المسئولية الفردية :‬
                                           ‫[‬      ‫/‬       ‫قال تعالى }............ { ]‬

                                                           ‫أي :...............................‬
                                                                 ‫................................‬
     ‫ويقول تعالى}.............. {]...../...[ أي معتقله محبوسة‬

                                                                       ‫بعملها يوم القيامة .‬
 ‫وقال تعالى } َألَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَن لَّيْسَ لِلِْنسَانَِ ِإلَّ مَا سَعَى{]النجم/،٨٣‬

        ‫٩٣[ ، أي كل نفس ظلمة نفسها بكفر أو شي من الذنوب ,‬
  ‫فإنما عليها وزرها ل يحمله عنها أحد , ول يحصل من الجر إل‬
                                                                       ‫ما كسب هو لنفسه .‬
‫فأعظم ما يسأل عنه المرء إنما هو نفسه , وأعظم ما يطلب له‬
  ‫النجاة والفوز إنما هو نفسه , ومن حمل نفسه على المعالي‬
  ‫وطلب الفردوس العلى , فإنما يقدم الثمن وهو النية والجهد‬
              ‫والمجاهدة وحمل نفسه على الخيرات والمداومة على‬
                                                                                          ‫الطاعات.‬


                                                   ‫02‬
‫قال صلى ا عليه وسلم- ) ل تزول قدما عبد يوم القيامة حتى‬
‫يسأل عن أربع : عن عمره فيما أفناه , وعن شبابه فيما أبله ,‬
 ‫وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه , وعن علمه ماذا عمل‬
                                                   ‫فيه ( .‬
       ‫وقال عليه الصلة والسلم ) إن ا سائل كل راع عما‬
                                               ‫استرعاه ( .‬



   ‫فهذه المسئولية الشخصية باستشعارها تحمل النسان على‬
  ‫التقان وطلب النجاة من عذ ١ب ا والفرار منه سبحانه إليه‬
                                                   ‫تعالى .‬
    ‫والمسئولية تدفع إلى اغتنام العمر والشباب والمال والعلم‬
  ‫وسائر ما منحه ا في طاعة ا , ولذلك من أيقن أنه ميت‬
   ‫وانه محاسب ومسئول اجتنب المعاصي واكتسب المعالي .‬
       ‫وقد ضرب لنا سلفنا الصالح أروع المثلة في الحساس‬
  ‫بالمسئولية حتى ماتوا وما ماتوا ناهيك عما بذله رسول ا –‬
‫صلى ا عليه وسلم – في سبيل تبلغ الدعوة ونصح المة ونفع‬
         ‫النسانية , وقد تربى على يديه خير جيل عرفته الدنيا‬
   ‫واستشعروا المسئولية الشخصية الجماعية حتى قال عمر –‬
‫رضي ا عنه – ) لو عثرت دابة في العراق لخشيت أن يسألني‬
  ‫ا عنها لما لم تمهد لها الطريق يا عمر ؟ ( وهو الذي قال :‬




                           ‫12‬
‫حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن‬
                                                                 ‫توزنوا ....(‬
  ‫ومن استشعارهم المسئولية حمل أمانة الدعوة ونشرها في‬
‫آفاق الدنيا المعمورة فضحوا بالراحة والوطن والهل , ليعيش‬
 ‫من بعدهم ومن معهم في غير بلدانهم في النور الذي عاشوا‬
  ‫فيه وينعموا بفضل ا ودينه وها نحن ومن بعدنا يجري أجر‬
                                                            ‫إسلمنا إليهم .‬
     ‫فحرى بكل مسلم أن يستشعر مسئوليته , ويقوم بواجبه ,‬
    ‫ويؤدي رسالته , بدافع من إيمانه بالله ورسوله , ووازع من‬
     ‫رقابته الذاتية أي رقابه أخرى ليسعد ويسعد غيره , ويأمن‬
‫ويؤمن لغيره سبل الخير والصلح وما التزم الخلق الحميدة إل‬
                        ‫أثر عظيم من أثار استشعار تلك المسئولية.‬
                            ‫ب / المسئولية الجماعية :‬
      ‫كما أن على الفرد مسئولية خاصة تجاه نفسه ومجتمعه ،‬
     ‫فكذلك الجماعة عليها مسئولية منوطة بها ل بد من أدائها .‬
    ‫والمسئولية الجماعية تعني سيادة روح الجماعة في تحمل‬
  ‫التزاماتها , ومسئولية كل مسلم تجاه غيره من أهله وجيرانه‬
                                          ‫وأمته كل على حسب وليته.‬



        ‫وجاءت نصوص قرآنية ونبوية متعددة تؤكد وجوب قيام‬
  ‫الجماعة متضامنة بمسئوليتها مثل قوله تعالى }يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا قُوا‬
                  ‫ِ‬



                                     ‫22‬
‫أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وقُودُهَا النَّاسُ وَالجَارَةُ عَلَيْهََا مَلَئِكَةٌ غِلَظٌَ شِدَادٌ لَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا َأمَرَهُمْ ويَفْعَلُونَ‬
                                                                                              ‫ِْ‬                    ‫َ‬

                                                                                                   ‫مَا يُؤْمَرُونَ {]التحريم/٦[ .‬

       ‫وحتى الجماعة المجتمع من تسلل الفساد إليه تُلزم أن تقف‬
‫في وجه الشر والنحراف ، وتُحذر من عاقبة التقاعس والتهاون‬
                                                                                                           ‫عن منابع الفساد.‬
‫إن على الجماعة أن تقوم بما يجب عليها حتى ل يطالها العذاب‬
           ‫العاجل والجل}وَاتَّقُواْ فِتْنَةًَ لَّ تُصِيبَّ الَّذينَ ظَلَمُواَْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواَْ َأنَّ اللّهَ شَدِيدُ‬
                                                                             ‫ِ‬

                                                                                                        ‫الْعِقَابِ {]النفال/٥٢[.‬

                                  ‫يقول الحافظ أبن كثير عند تفسيرها ما ملخصه :‬
       ‫" يحذر ا – تعالى – عباده المؤمنين فتنة أي اختبارا ومحنة‬
          ‫يعم بها المسيء وغيره , ل يخص بها أهل المعاصي ومن‬
                                          ‫باشر الذنب بل يعمهما حيث لم تدفع وترفع .‬
   ‫وعن أبن عباس – رضي ا عنها – قال في تفسير هذه الية‬
  ‫أمر ا المؤمنين أن ل يقروا المنكر بين ظهرانيهم فيعمهم ا‬
‫بالعذاب . والقول بأن هذا التحذير يعم الصحابة وغيرهم , وإن‬
             ‫كان الخطاب معهم هو الصحيح والحاديث في ذلك كثيرة‬
                                                                                                                                         ‫منها :‬
 ‫ما رواه المام عن حذيفة بن اليمان أن رسول ا – صلى ا‬
        ‫عليه وسلم – قال : ٠) والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف‬
    ‫ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن ا أن يبعث عليكم عقابا من‬



                                                                        ‫32‬
‫عنده ثم لتدعنه فل يستجب لكم " )المصباح المنير في تهذيب‬
                                      ‫تفسير ابن كثير ٢٣٥(.‬
 ‫ومن السنة ما روي عن النعمان بن بشير – رضي ا عنهما –‬
    ‫أن رسول ا – صلى ا عليه وسلم – قال : ) مثل القائم‬
  ‫على حدود ا والواقع فيها , كمثل قوم أستهموا على سفينة‬
    ‫فأصاب بعضهم أعلها وبعضهم أسفلها , فكان الذين في‬
 ‫أسفلهم أذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا : لو‬
‫أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم تؤذ من فوقنا , فان تركوهم وما‬
‫أرادوا هلكوا وهلكوا جمعيا وأن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا‬
                                                   ‫جميعا(.‬



 ‫وروى الشيخان عن أم المؤمنين زينب بن جحش – رضي ا‬
  ‫عنها – أن النبي – صلى ا عليه وسلم – دخل علينا منزعجا‬
    ‫يقول : ) ل إله إل ا , ويل للعرب من شر قد أقترب , فتح‬
   ‫اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه , وحلق بين أصبعيه‬
          ‫البهام والتي تليها , فقلت يا رسول ا : أنهلك وفينا‬
                                               ‫الصالحون ؟‬
              ‫قال : نعم إذا كثر الخبث )) الفسوق والمنكر ((.‬
   ‫وإن من وظيفة المة السلمية الجتماعية والعقدية حراسة‬
‫الرأي العام الذي يتمثل في المر بالمعروف والنهي عن المنكر‬
                 ‫, على مجموع المة على اختلف أصنافها و‬


                            ‫42‬
‫أنواعها , دون أن يكون بينها تفريق أو تميز , فرض ا ذلك‬
       ‫على الحكام والعلماء وعلى الخاصة والعامة وعلى الرجال‬
         ‫والنساء , والصغار والكبار , ولم يعف منها أي إنسان , كل‬
                                                                                  ‫حسب طاقته وحاله وإيمانه.‬
       ‫والصل في هذا قوله تعالى }كُنتُمَْ خَيْرَ ُأمَّةٍ أُخْرِجتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالَْعْرُوفِ‬
                                             ‫َ‬

                                                          ‫وَتَنْهَوْنَ عَنِ الُْنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ ِباللّهَِ{]آل عمران/٠١١[.‬

‫وقوله سبحانه :} وَالُْؤْمِنُونَ وَالُْؤْمِنَاتَُ بَعْضُهُمْ أَولِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالَْعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ الُْنكَرِ‬
                                                                  ‫ْ‬
          ‫وَيُقِيمُونَ الصَّلَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ ُأوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌَ {‬

                                                                                                                            ‫]التوبة/١٧[.‬
 ‫فهذه النصوص الشريفة وغيرها كثير تؤكد المسئولية الجماعية‬
‫ووجوب المر بالمعروف والنهي عن المنكر, وأن ذلكـ من أهم‬
‫خصائص وأسس قيام المجتمع المسلم , فيكون كل فرد – بعد‬
    ‫ا – رقيبا على إخوانه ومن يحيي معه في المجتمع الصغير‬
‫والكبير المحلي والعالمي , وهذه الرقابة رقابة توجيه وتواصي‬
            ‫وتواصل وتعاون , وفي بعض الحوال زجر وردع وهجر‬
        ‫ومقاطعه ومحاسبه وتأنيب كل ذلك من أجل شيوع الصلح‬
  ‫والخير بالمجتمع , وإضعاف وإماتة الشر والفحش بالمجتمع ,‬
    ‫حتى ل يطغى الفساد ول يجد من ينكره ويبتره فيعم الجميع‬
                                                                                                           ‫عقاب ا تعالى .‬




                                                                       ‫52‬
‫ول تعارض بين المسئولية الشخصية والمسئولية الجماعية حيث‬
‫إن النسان – والمسلم على وجه الخصوص- اجتماعي بطبيعته‬
    ‫مدني بفطرته ل يمكن أن يعيش وحده بل يحتاج إلى بني‬
 ‫جنسه يحبهم ويكره منهم , ويعطي ويأخذ , والناس مختلفون‬
‫في طباعهم وتفكيرهم وسلوكهم ، فيوجد من يخرج على نظام‬
    ‫الجماعة وقوانينها , فيجب على الجماعة التي تريد السلمة‬
   ‫والصلح والتقدم أن تأخذ على يد العابثين والمخالفين لهذه‬
‫النظمة , فالصالح ل يتم صلحه إل بدعوة الخرين إلى الصلح‬
 ‫والكف عن الفساد،وحيث إن الفساد إذا عم منعه من صلحه‬
 ‫وعكر عليه صفو حياته , ول يصح أن يكون أثر صلحه موقوفا‬
  ‫عليه , وإل لما تحرك السلم من مكة أو على الكثر الجزيرة‬
       ‫العربية , ولكن لما أيقن المسلمون اليمان واستشعروا‬
 ‫المسئولية تجاه إخوانهم في النسانية ورغبوا في أن ينعم ا‬
                                                       ‫عليهم‬
  ‫بالهداية في الدين العظيم مثلما أنعم عليهم حملوا المسئولية‬
     ‫وأدوا المانة وبلغوا نور الرسالة إلى آفاق الدنيا الواسعة.‬
   ‫ويتبقى على كل مسلم أن يقوم بمسئوليته بالتواصي بالحق‬
  ‫والصبر والمرحمة , والمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين‬
 ‫كل مجتمع يعيش فيه وعلى كل قوم له عليهم ولية بدءا من‬
     ‫زوجه وأولده وأهله وعشيرته وجيرانه وأقاربه وبلده في‬
   ‫حضره وسفره , حسب الحال والمقام ويحسن النية ويرفق‬
                                                  ‫في القول.‬

                            ‫62‬
‫) لكن ينبغي أن نفرق هنا بين مسئولية الفرد عن عمل غيره‬
   ‫ومسئولية صاحب العمل نفسه فصاحب العمل مسئول عن‬
‫إضلل غيره بآرائه وتوجيهاته أو سلوكه الفاسد , والخر مسئول‬
  ‫عن إتباعه لراء غيره وتقليد الفاسد , ثم لعدم مقاومته لهذه‬
‫الظروف من هذ ١ الفساد الصادرة من غيره . إذن فالمسئولية‬
‫مزدوجة من حيث أنه أحدث عمل ً فاسدا ثم أصبح الفاسد سببا‬
                     ‫بعمله الفاسد لعمل الخرين مثل عمله ولهذ ١ قال‬
    ‫تعالى} }لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَ سَاء مَا‬
                                                   ‫ِ‬

                                                                                                  ‫يَزِرُونَ {]النحل/52[.‬

‫كما ينبغي أن نفرق بين مسئولية المسلم عن كفر الكافر وبين‬
  ‫مسئوليته عن فساد المسلم وفعله المنكر أمامه . فالمسئولية‬
                                 ‫إزاء الكافر قاصرة على الدعوة إلى اليمان .‬
   ‫أما مسئوليته إزاء فساد المسلم والمجتمع السلمي فالمر‬
     ‫يختلف هنا ذلك أن المسئولية ل تقتصر على مجرد الدعوة‬
‫والرشاد , بل تشمل أيضا مقاومة الفساد وتغير المنكر وإرجاع‬
                                                           ‫المنحرف عن انحرافه بكل سبيل .‬
   ‫فيجب أن يستخدم في سبيل ذلك كل ما يمكنه أن يستخدمه‬
‫من قوة اليد أو اللسان وبمقاطعته وعدم التعامل معه مطلقا ,‬
                                                                            ‫وهذ ١ هو النكار بالقلب (.‬
   ‫فالمسئولية الجماعية شاملة لكل فئات المجتمع ولكن أيضا‬
  ‫محدودة لكل فئة بصفة خاصة فإذا كانت مرات التغيير للمنكر‬


                                                               ‫72‬
‫ثلثة هي اليد أو اللسان أو القلب , فهي تصلح أحيانا لواحد‬
     ‫فقط يتدرج فيها كأصحاب الولية الشرعية من والد وحاكم‬
   ‫ونائب عنهما ففي هذه الحالة يربي الوالد ولده بإنكاره عليه‬
‫الشر بالقلب والهجر وعدم الرضى إذا أجدى فيها وإل انتقل إلى‬
‫اللسان نصحا وتوجيها وتعليما أو زجرا أو توبيخا , وإل تنتقل لليد‬
 ‫وتكون اليد زاجرة رادعة ل قاصمة أو كاسرة وهكذ ١ كل من‬
     ‫له ولية عامة , وأحيانا يتعين طريق واحد للتغيير على فئة‬
  ‫بعينها ل يجوز لهم أن يتجاوزوها لما قد يترتب عليها من منكر‬
  ‫أعظم , فمن آداب وفقه الحتساب أل يؤدي تغيير المنكر إلى‬
                                               ‫منكر أشد منه .‬
‫يقول رسول ا – صلى ا عليه وسلم – ) كلكم راع ومسئول‬
‫عن رعيته , والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئوله عن رعيتها ,‬
             ‫والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته (.‬
   ‫وأن مما ينبغي على الوالدين والمربين غرس معاني تحمل‬
     ‫المسئولية لدى أبنائهم وتلمذتهم ففيها معاني عظيمه في‬
‫نشأة البناء الذين هم أباء ورجال ونساء المستقبل وفي تقوية‬
        ‫دواعي الرجولة والقوة والتحمل لديهم , فيتعلموا كيف‬
  ‫يتصرفون في المواقف المختلفة , ويخرجون مما يعرض لهم‬
‫من مشكلت وأزمات وتكون التربية بالمسئولية الكاملة الشاملة‬
     ‫أمام ا سبحانه أول ً , ثم أمام ضميره ووجدانه , ثم أمام‬
 ‫المجتمع , وأن غرس هذه المعاني في الصغر كما هو معلوم‬
    ‫يرسخ ويتعمق أثره في نفس الناشئة . ل سيما مراقبة ا‬

                             ‫82‬
‫وخشيته في السر والعلنية واطلعه على كافة شؤون المرء ,‬
‫وصدق ا إذ يقول حكاية عن لقمان مع ابنه }يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ‬
  ‫حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الَْرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ {‬

                                                                                                              ‫]لقمان /٦١[.‬

                                              ‫سادسا :‬
                  ‫التكامل في معاملة الظاهر والباطن .‬
‫تمتاز الخلق السلمية – شأن السلم كله – بالنظرة التكاملية‬
  ‫بحكمها على الشياء وإشباعها لغرائز النسان , فنرى أن ا‬
     ‫يؤكد مطالبته وأوامره للنسان بإصلح نفسه ظاهرا وباطنا‬
        ‫بكمال علم ا وشموله , ووقوع المحاسبة على العمال‬
                 ‫الظاهرة والسلوك الواضح , كما تقع أيضا على النوايا‬
                                                                                                                    ‫والبواعث.‬
   ‫) فالقانون الخلقي السلمي ل يكتفي فقط بالحكم على‬
‫أعمال النسان الظاهرة بالخير أو بالشر , بالفضيلة أو الرذيلة ,‬
            ‫ولكن يمتد إلى الحكم على النوايا والبواعث والمقاصد .‬
 ‫ولم تستطع أي نظرية أخلقية أخرى أنت تفعل ذلك , فليوقن‬
 ‫المسلم أنه يتعامل مع ا الذي يعلم خائنة العين وما تخفي‬
 ‫الصدور ، فعلم الظاهر والباطن يتساويان عند ا – تعالى –‬
‫ومن دللة ذلك مثوبته سبحانه لمن صلحت نيته , وصفة سريرته‬
‫, وحسن قصده , حتى وإن قصر به جهده ، قال تعالى }وَلَ عَلَى‬




                                                                ‫92‬
‫الَّذينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَ أَجِدُ مَا َأحْمِلُكُمَْ عَلَيْهَِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمَْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمعِ حَزَناً أَلَّ َيجِدُواْ مَا‬
                              ‫ْ‬                                                                                                                                 ‫ِ‬

                                                                                                                        ‫يُنفِقُونَ{]التوبة/٢٩[.‬

   ‫وعن أنس بن مالك – رضي ا عنه – أن رسول ا – صلى‬
      ‫ا عليه وسلم – قال : )إن بالمدينة أقواما , ما قطعتم وادياَ‬
        ‫ول سرتم مسيرا إل وهم معكم قالوا : وهم بالمدينة ؟ قال‬
                                                                                                              ‫نعم حبسهم العذر (.‬
   ‫فهؤلء صادقوا النية طيبوا النفس والقصد , حزنوا كثيرا لمّا لم‬
            ‫يجدوا عند الرسول – صلى ا عليه وسلم – حملهم وعدة‬
    ‫جهادهم في سبيل ا , حتى فاضت أعينهم من الدمع , وا‬
‫إنما يبتلي بالعمال ليظهر العامل من الخامل فلما تم جهدهم ,‬
    ‫وقصرت بهم المكانيات الخاصة والعامة أعظم ا لهم الجر‬
        ‫وأشركهم في ثواب الغزو ، فالهم والعزم على فعل الشيء‬
     ‫الطيب يؤجر عليه صاحبه – ومن رحمة ا – أن الهم والعزم‬
                                                               ‫على الفعل القبيح ل يؤاخذ به صاحبه .‬



           ‫ومن تكامل الخلق السلمية أنها تنظر إلى النسان نظرة‬
 ‫متكاملة بحسب تكوينه من جسد وروح , ولكل منهما متطلبات ,‬
 ‫فأخلق السلم ل تجعل الجسد يطغى على الروح , ول الروح‬
            ‫تطغى على الجسد قال تعالى } وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللّهُ الدّارَ‬

   ‫الخِرَةَ وَل تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدّنيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللّهُ إِلَيْكَ‬
                                               ‫ْ‬                          ‫َ‬         ‫ْ‬



                                                                               ‫03‬
‫وَل تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الَرْضِ إِنّ اللهَ ل يُحِبّ الْمُفْسِدِينَ {]التوبة /‬
                                   ‫ّ َ‬               ‫ْ‬                        ‫َ‬
                                                                           ‫٢٩[ ٠‬

‫يقول الحافظ أبن كثير في معناها : ) أي أستعمل ما وهبك ا‬
 ‫من هذا المال الجزيل والنعمة الطائلة في طاعة ربك والتقرب‬
         ‫إليه بأنواع القربات, التي يحصل لك بها الثواب في الدنيا‬
 ‫والخره } وَل تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدّنْيَا { أي : مما أباح ا فيها‬
                                                       ‫َ‬

    ‫من المأكل والمشارب والملبس والمساكن والمناكح , فإن‬
‫لربك عليك حقا ولنفسك عليك حقا ولهلك عليك حقا , ولزوجك‬
    ‫عليك حقا , فآتي كل ذي حق حقه وأحسن كما أحسن ا‬
   ‫عليك ( أي : أحسن إلى خلقه كما أحسن هو إليك } وَل تَبْغِ‬
          ‫َ‬

 ‫الْفَسَادَ فِي الَرْضِ{ أي : ل تكن همتك بما أنت فيه أن تفسد‬
                                           ‫ْ‬

   ‫به في الرض , وتسيء به إلى خلق ا , } إِنّ اللّهَ ل يُحبّ‬
     ‫َ ِ‬

                                                              ‫الْمُفْسِدِينَ { .‬

     ‫والخلق السلمية عملت على تلبية مطالب الجسد وتنميته‬
 ‫بطيب المأكل والمشرب والمسكن والمنكح والملبس , وألزمت‬
‫بأخلق وسلوكيات يقوم بها ذلك الجسد السوي القوي , وبنفس‬
       ‫الدرجة سعت الخلق السلمية إلى إشباع أشواق الروح‬
  ‫وتعبيد طريقها في العروج إلى ا , بالتوحيد الخالص والذكر‬
‫الدائم والفكر المستقيم والسلوك الطاهر مع ا ثم مع النفس‬
      ‫ثم مع الخرين . حدث ذلك في تواؤم وانسجام واعتدال .‬


                                      ‫13‬
‫وبضدها تتميز الشياء حيث قرآنا ورأينا دول ً وأمما غلبت جانبا‬
 ‫على آخر فما استقامت مسيرتها , ول طالت مدتها , بل سريعا‬
   ‫ما زالت وانهارت ليستوي في ذلك الفكر الوضعي والشرائع‬
‫السماوية المحرفة حيث تطرقت اليهودية المحرفة إلى المادية ,‬
       ‫وانحرفت المسيحية المحرفة إلى الغراق في الروحانية‬
                                                       ‫السلبية.‬



    ‫وها هي دول أوربا وأمريكا وروسيا نزعت إلى المادية في‬
    ‫عصرنا الحاضر وقبله فانحطت أخلقها , وفسدت أنظمتها ,‬
                                  ‫وساءت حياتها , واختل بناؤها.‬
                                                 ‫يقول الندوي :‬
    ‫" وانصرف اتجاه الغرب إلى المادية بكل معانيها , وبكل ما‬
   ‫تتضمنه هذه الكلمة من عقيدة ووجهة نظر ونفسية وعقلية‬
‫وأخلق واجتماع وعلم وأدب وسياسة وحكم ، فأصبحت الحياة‬
   ‫في أوربا في القرنين التاسع عشر والعشرين نسخة صادقه‬
  ‫من الحياة في يونان وروما الوثنيتين الجاهلتين , ومما ل شك‬
      ‫فيه أن دين أوربا اليوم الذي يملك عليها مشاعرها وقلبها‬
‫ويحكم على روحها هو المادية ل النصرانية , كما يعلم ذلك كل‬
‫من عرف النفسية الوربية واتصل بالوربيين عن كثب بل وعن‬
                                               ‫غير كثب أيضا" .‬




                             ‫23‬
‫يقول الستاذ اللماني المهتدي محمد أسد في كتابه )) السلم‬
   ‫على مفترق الطرق (( : -)..... إن الرجل العادي في أوربا ,‬
‫ديمقراطيا كان أو فاشيا , رأسماليا كان أو اشتراكيا , عامل ً باليد‬
‫أو رجل ً فكريا إنما يعرف دينا واحدا , وهو عبادة الرقي المادي‬
‫, والعتقاد بأنه ل غاية في الحياة غير أن يجعلها النسان أسهل‬
   ‫وبالتعبير الدارج "حرة مطلقه" من قيود الطبيعة , أما كنائس‬
           ‫هذا )) الدين (( فهي المصانع الضخمة ودور السينما‬
    ‫والمختبرات الكيماوية ومراكز توليد الكهرباء ودور الرقص .‬
     ‫و أما كهنتها فهم رؤساء الصيارف والمهندسون والممثلت‬
‫وكواكب السينما وأقطاب التجارة والصناعة ونتيجة هذه النهامة‬
   ‫للقوة , والشدة للذة , النتيجة اللزمة ظهور طوائف متنافسة‬
 ‫مدججة بالسلح , والستعدادات الحربية مستعدة لبادة بعضها‬
‫بعض إذا تصادمت أهواؤها ومصالحها , أما في جانب الحضارة‬
‫فنتيجتها ظهور طراز للنسان يعتقد الفضيلة في الفائدة العلمية‬
    ‫, والمثل الكامل عنده والفارق بين الخير والشر هو النجاح‬
                                               ‫المادي ل غير ( .‬
     ‫فهذه صورة لتغليب الجانب المادي على الجانب الروحي ,‬
      ‫وهناك صورة أخرى لتغليب الجانب الروحي على الجانب‬
   ‫المادي لعل من أبرزها سيطرة الكنيسة المسيحية وسلطان‬
 ‫كهنتها على الحياة في الشرق والغرب فيما سبق عصر النهضة‬
                                   ‫مما كان له الثر السيء في‬



                              ‫33‬
‫حياة الناس أكثر من غلبة الماديات . حيث إن كل طرفي المور‬
    ‫ذميم , وحيث إن النسان كائن مكرم متميز جامع بين الروح‬
                                ‫والبدن ول بد من إشباع حاجتهما وتنمتهما معا .‬
        ‫وكان تكامل السلم إعطاء كل من الجسد والروح حقهما‬
       ‫ليؤديا واجباتهما على الوجه الصحيح والطبيعي , فدعا إلى‬
‫تنمية الجسد بأكل الحلل الطيب , وشرب الحلل النافع , والبعد‬
    ‫عما يضره , وذلك من جنس ما خلق منه البدن وهو الرض‬
 ‫فقال تعالى } فَلْيَنظُرَِ الِْنسَانُ ِإلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنََا الَْاء صَبّاًَ * ثُمَّ شَقَقْنَا الَْرْضَ شَقّاً *‬
          ‫فَأَنبَتْنََا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباًَ وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً ونَخْلً * وَحَدَائِقَ غُلْباًَ * وَفَاكِهَةً وَأَبّاً * مَّتَاعاًَ لَّكُمْ‬
                                                                                           ‫وَلَِنْعَامِكُمْ {]عبس / ٤٢- ٢٣[ .‬

           ‫فحرم السلم القتل وشرب الخمر , ونهى عن السراف‬
         ‫والبخل , وحث على الرياضة البدنية , والنظافة الجسدية ,‬
           ‫وحسن التجميل وغير ذلك مما يحفظ البدن ويقوم بحقه‬
                                                                                                                               ‫وحفظه .‬
  ‫كما دعا السلم إلى تمنية الروح وإشباعا حاجتها في اليمان‬
 ‫بالله واليوم الخر والتفكير الرشيد والتأمل الصادق وطاعة ا‬
‫في الجملة وذلك من جنس ما خلقت منه قال تعالى } إِذْ قَالَ‬

   ‫رَبّكَ لِلمَلئكَةِ إِنّي خَالِقٌ بشَرا مِن طِينٍ * فَإِذَا سَوّيتُهُ ونَفَخْتُ‬
           ‫ْ َ‬                                 ‫َ‬                   ‫ْ َ ِ‬

          ‫فِيهِ مِن رّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ {]ص/ ١٧،٢٧[ . فروح‬

     ‫النسان نفخة كريمة ربانية ونماؤها يكون بامتثال وحي ا‬


                                                                    ‫43‬
‫والحياة في نور ذلك الوحي الذي هو حياة الروح قال تعالى‬
‫} وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحا مّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَل‬
‫َ‬

    ‫الِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورا نّهْدِي بهِ مَنْ نشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنّكَ‬
                                 ‫ّ‬        ‫ِ‬                                          ‫ْ‬
                                 ‫لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ {]الشورى/٢٥[ .‬

      ‫فوحي ا حياة للروح , وروح للحياة , إذا ما امتثله النسان‬
   ‫والتزمه واعتبر السلم عقل النسان سر تميزه فدعا للحفاظ‬
         ‫عليه وجعله من مقاصد الشريعة العظمى , وحكم القلب‬

 ‫السليم والفطرة النقية في معرفة البر من الثم , والصدق من‬
    ‫الكذب , وأمر بأداء الطاعات لما فيها من امتثال أمر ا , ثم‬
  ‫حياة للروح وتلبية حاجاتها وإشباع أشواقها , وإشاعة النور في‬
                                                               ‫جوانبها وغير ذلك .‬
‫أقام السلم ذلك في تكامل وواقعية وتواؤم النسان المتكامل‬
        ‫الواقعي في حياته عقيدة وشريعة وخلقا . وكل شي غير‬
                   ‫السلم إنما هو شقاء وبلء على الحياة والحياء.‬

                                                ‫سابعا :‬
                     ‫الصلحية العامة لكل زمان ومكان‬
      ‫الخلق السلمية صالحة لتطبيق اللتزام بها في كل زمان‬
              ‫ومكان وعلى أي حال كان النسان ويرجع ذلك إلى :‬




                                           ‫53‬
‫سهولة التكليف الخلقي وكونه نتيجة طبيعية للعقيدة الصحية‬
 ‫والشريعة السليمة , وإذا صحت المقدمات صحت النتائج , قال‬
                         ‫تعالى } يُرِيدُ اللّهَُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَ يُريدُ بِكُمُ الْعُسْرَ{]البقرة/ ٥٨١[ ٠‬
                                                             ‫ِ‬

 ‫كما ترجع تلك الصلحية العامة إلى كمال الشريعة السلمية ,‬
         ‫وضمان ا حفظ مصدرها العظم وهي الوحي اللهي‬
  ‫الشريف قال سبحانه} إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لََافِظُونَ {]الجر/٣[. وقال‬

 ‫} اليَوْمَ أَكْملْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ‬
                                                                         ‫َ‬           ‫ْ‬

                ‫ّ‬
    ‫الِسْلَمَ دِينا فَمَنِ اضْطُرّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِثْمٍ فَإِنّ‬
                                                            ‫اللّهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ{]الائدة/٣[ .‬

       ‫) أما شريعة السلم التي جاء بها محمد – صلى ا عليه‬
‫وسلم – فإنها جاءت وافية بمطالب الحياة النسانية تسد عوزها‬
  ‫, وتحقق أهداف العمران في شتى جوانب حياتها الجتماعية‬
       ‫والقتصادية والسياسية , فالسلم عقيدة وعبادة , وخلق‬
 ‫وتشريع , وحكم وقضاء , ومسجد وسوق , وهو علم وعمل ,‬
   ‫ومصحف وسيف , وهذا هو ما نعنيه عندما نقول : ) السلم‬
                                                                                     ‫دين ودولة (.‬

  ‫وقد اكتسب نصوص الشريعة السلمية من المرونة والعموم‬
          ‫ما جعل قواعدها صالحة للناس كافة في كل عصر من‬
         ‫العصور , تساير عوامل النمو والرتقاء , وتقود الحضارة‬




                                                 ‫63‬
‫النسانية إلى معالم الحق وسبيل الرشاد , ولهذا أكمل ا بها‬
                                                      ‫الدين وأتمم بها النعمة .‬
       ‫والشريعة السلمية شريعة أخلقية , وليست الخلق في‬
 ‫السلم أبا يجمل صاحبه , ولكنها التزامات من واجبات الدين ,‬
 ‫والخلق في السلم غاية تربوية للعبادات , والتزام أدبي في‬
‫المعاملت , يجعل حياة الناس قائمة على المعروف والحسنى‬
   ‫, وقد حث السلم على أمهات الفضائل النسانية , ودعا إلى‬
   ‫المثل العليا , وأثنى على مكارم الخلق والدعوة إلى تهذيب‬
                ‫النفس عامل ً مشتركا بين سائر الرسالت السماوية.‬

                                                ‫ثامنا :‬
           ‫ترسيخ الرقابة الذاتية وربطها بمعاني اليمان‬
                                                 ‫والتقوى .‬
   ‫إن معنى الرقابة الذاتية هو : أن يأخذ المسلم نفسه بمراقبة‬
   ‫ا تعالى , ويلزمها إياها في كل لحظة من لحظات الحياة ,‬
   ‫حتى يتم له اليقين بأن ا مطلع عليه , عالم بأسرار نفسه ,‬
 ‫رقيب على أعمالها , وعلى كل نفس بما كسبت , وبذلك تصبح‬
      ‫مستغرقة بملحظة جلل ا وكماله , شاعرة بالنس في‬
     ‫ذكره , واجدة الراحة في طاعته , راغبة في جواره , مقبلة‬
                                                  ‫عليه , معرضة عما سواه .‬
‫وهذا معنى إسلم الوجه لله في قوله } وَمَنْ أَحْسَنُ دِينا ممّنْ‬
    ‫ّ‬

‫أَسلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ محْسِنٌ واتّبَعَ مِلّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفا وَاتخَذَ اللّهُ‬
           ‫ّ‬                                               ‫ُ‬                         ‫ْ‬
‫إِبْرَاهِيمَ خَلِيل ً {]النساء/٥٢١[ . وهو عين ما دعا إليه ا تعالى‬

                                          ‫73‬
‫في قوله } وَاعْلَمُواْ أَنّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسكُمْ فَاحْذَرُوهُ {‬
                    ‫ِ‬

  ‫]البقرة/٥٣٢[ . وقوله – صلى ا عليه وسلم – )) اعبد ا كأنك‬

                              ‫تراه , فإن لم تكن تراه فهو يراك (( .‬
      ‫وهو ما درج عليه السابقون الولون من سلف هذه المة‬
     ‫الصالح , إذ أخذوا أنفسهم به حتى تم لهم اليقين , وبلغوا‬
                  ‫درجة المقربين , وهاهي آثارهم تشهد عليهم .‬

    ‫والمراقبة ثمرة علم العبد بأن ا – سبحانه – رقيب عليه ,‬
 ‫ناظر إليه , سامع لقوله , وهو مطلع على عمله كل وقت وكل‬
                                                              ‫طرفة عين .‬
 ‫وقال ذو النون : علمة المراقبة إيثار ما أنزله ا , وتعظيم ما‬
                                   ‫عظم ا , وتصغير ما صغر ا .‬
‫وقال إبراهيم الخَوّاص : المراقبة خلوص السر والعلنية لله عز‬
 ‫وجل , والمراقبة : هي التعبد لله بأسمائه ) الرقيب , الحفيظ ,‬
    ‫العليم , السميع , والبصير ( فمن عقل هذه السماء وتعبد‬
                                     ‫بمقتضاها : حصلت له المراقبة .‬
    ‫فالمسلم حينما يتعمق اليمان بالله في قلبه , ويستقر في‬
   ‫نفسه , يظهر أثره في سلوكه ومراقبته لله تعالى , ويخلص‬
 ‫النية والقصد في عمله ومنه ابتغاء مرضاة ا وحده , ويفعل‬
 ‫الخير والخلق الكريم لوجه ا , ويجتنب الشر والخلق الفاسد‬
                                              ‫أيضا لوجه ا – تعالى .‬



                                    ‫83‬
‫وبهذه التوجيهات السديدة والتربية اليمانية الحقة ينبغي أن‬
   ‫يأخذ المسلم نفسه ويربى الباء أولدهم على ذلك , ويعلم‬
  ‫المربون تلميذهم عليه , فيعم الخير ويضمحل الشر ويسعد‬
‫الخاصة والعامة , وتكفي الحكومات والمحكومين شر الشقياء‬
                                                            ‫.‬
 ‫) والشريعة السلمية تربي الضمير النساني ليكون رقيباُ‬
‫على المسلم في السر والعلن , ويخشى العقاب الخروي أكثر‬
   ‫من خشيته للعقاب الدنيوي . وبذلك يقيم السلم من داخل‬
‫النفس البشرية رقابة على تعاليمه , بحيث يرعاها المسلم في‬
                  ‫جوف الليل , كما يرعاها في وضح النهار (.‬
 ‫وبهذا تمتاز الخلق السلمية عن النظم والنظريات الخلقية‬
 ‫الوضعية التي ل تقيم أخلقها إل على المنفعة , وقوة الضغط‬
                       ‫الجتماعي و مراعاة الظاهر فحسب .‬




                                                 ‫وأخيرا :‬
               ‫الجزاء ثوابا وعقابا في الدنيا والخرة .‬
 ‫الجزاء هو : ما يجب أن يناله النسان بحكم عمله الحر الناتج‬
‫عن إرادة واختيار إن خيرا فخير , وإن شرا فشر , وسواء أكان‬
  ‫ذلك الجزاء ماديا أو معنويا مباشرا أو غير مباشرا , عاجل ً أو‬
                      ‫آجل ً , في هذه الحياة الدنيا أو الخرة .‬


                            ‫93‬
‫وتأتي أهمية الجزاء من وجوه :‬
    ‫الوجه الول : أن العدالة تقتضي الجزاء , لنه يفرق بين‬
      ‫الذي يبني بعمله والذي يهدم به, أو بين المصلح والمفسد‬
  ‫والطيب والخبيث , قال تعالى } قُل ل ّ يَستَوِي الخَبِيثُ وَالطّيّبُ‬
                    ‫ْ‬       ‫ْ‬

‫{ ]المائدة/٠٠١[ ،} حَتّىَ يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطّيّبِ {]آل عمران /‬
                                  ‫ْ‬

       ‫٩٧١[، }إِنّ الَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وإِنّ الْفُجّارَ لَفِي جَحِيمٍ {‬
                                      ‫َ‬                         ‫ْ‬

                                                       ‫]النفطار/٣١،٤١[ .‬
  ‫الوجه الثاني : أن الجزاء عامل مشوق ودافع إلى التمسك‬
       ‫بالقيم الخلقية , لن النسان يجب أن يرى ثمرة عمله ,‬
 ‫وكفاحه , سواء كانت هذه الثمرة مادية أو معنوية . وكلما كان‬
         ‫الجزاء دافعا إلى اللتزام بالقيم الخلقية , ورادعا عن‬
                                    ‫النحراف عنها كان له قيمة أكبر .‬
  ‫الوجه الثالث : أن التمسك بالقيم الخلقية عمل مقدس ,‬
 ‫لنه يمثل أوامر ا , وأن من يقدس ا ويحترم أوامره يلتزم‬
  ‫بهذه القيم , والتزامه بها في ضوء هذه المشاعر يضفي على‬
   ‫حياته قوة معنوية , وبهجة روحية , بطبيعة العتقاد وبطبيعة‬
                                                                  ‫الشعور .‬
   ‫ولهمية الجزاء نجد السلم نوع وعدد الجزاءات التي تحيط‬
       ‫بالعمل الخلقي من كل جهة , وذلك على النحو التالي :‬
                                                 ‫1 - الجزء اللهي :‬



                                    ‫04‬
‫هو مجازاة ا للعبد على سلوكه وعمله , وينقسم إلى عدة‬
   ‫أقسام بعدة اعتبارات أهما : الثواب في حالة الستقامة ,‬
‫والعقاب في حالة النحراف قال تعالى } مَنْ عَمِلَ صَالِحا‬



  ‫مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مؤْمِنٌ فَلَنحْيِينّهُ حَيَاةً طَيبَةً وَلَنَجْزِينّهُمْ‬
        ‫َ‬               ‫ّ‬               ‫ُ َ‬              ‫ُ‬
                 ‫أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْملُونَ {]النحل/٧٩[ .‬
                                    ‫َ‬

      ‫وفي حق المنحرفين الشرار يقول سبحانه }إِنّا أَعْتَدْنَا‬

 ‫لِلظّالِمِينَ نَارا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يسْتَغِيثُوا يغَاثُوا بمَاء‬
     ‫ِ‬        ‫ُ‬            ‫َ‬
       ‫كَالْمُهْلِ يشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشّرَابُ وسَاءتْ مُرْتَفَقا{‬
                         ‫َ‬                                  ‫َ‬

                                                                    ‫]الكهف/٩٢[ .‬
                              ‫٢ ـ الجزاء الوجداني :‬
‫وهو تلك الحركة الشعورية التي تحس بها في أعماق قلوبنا‬
‫بالفرح أو التأنيب مباشرة بعد كل فعل نعتقد أنه فعل حسن‬
                                                                          ‫أو قبيح .‬
‫والجزاء الوجداني أكثر تأثيرا من الجزاء المادي , لنه يقيني‬
  ‫الشعور , مستمر الثر قال – صلى ا عليه وسلم – ) من‬
   ‫ساء خلقه عذب نفسه , ومن كثر همه سقم بدنه ( وفي‬
    ‫حق الخيار يقول – صلى ا عليه وسلم – ) ذاق طعم‬
 ‫اليمان من رضي بالله ربا , والسلم دينا , وبمحمد نبيا ( .‬
                                                ‫٣ ـ الجزاء الجتماعي :‬



                                           ‫14‬
‫وهو الذي يشعر به المستقيم أو المنحرف من تقدير‬
   ‫المجتمع واحترامه له , أو من تأنيبه وهجره والنفور منه .‬
 ‫وهو أنواع منه الجزاء المباشر , والجزاء الدبي :‬
 ‫فالجزاء غير المباشر ما يجده النسان من حب وتفاؤل‬
     ‫ونزعة خيرة يظهر أثرها في المجتمع , أو حسد وحقد‬
   ‫ونفاق وكذب , يبدو أثره في الحياة حتى تصبح جحيما ل‬
  ‫يطاق وتضيق نفس الخيار بها , وأما الجزاء المباشر‬
‫ففيما قرره السلم من عقوبات على مفاسد السلوك كرجم‬
  ‫الزاني أو جلده , وقطع يد السارق , وجلد السكران وقتل‬
 ‫القاتل ونحوها وأما الجزاء الدبي فكاحترام الخيرين ,‬
     ‫وعدم العتداد بالفاسقين وحث السلم على مجالسة‬
                          ‫الصالحين , وهجران العاصين .‬
             ‫فهذه أهم خصائص الخلق السلمية.‬

                          ‫خلصة‬
      ‫قوام هذا الفصل على بيان الخصائص الهامة والبارزة‬
   ‫للخلق السلمية , التي تبين ملمح وطبيعة تلك الخلق ,‬
‫وتوضح سماتها وقسماتها التي تنفرد بها وتجعلها نسيجا وحدها‬
     ‫بين النظريات والفكار البشرية الناقصة القاصرة , كيف ل‬
 ‫والخلق في السلم قائمة على الوحيين الصادقيين , وثمرة‬
   ‫اللتزام بعقيدة السلم وشريعته . وأهم هذه الخصائص :‬
                                                  ‫١- الربانية‬


                            ‫24‬
‫٢ـ الشمول والعموم .‬
                                         ‫٣ـ الثبات واللزوم .‬
                          ‫٤ـ إقناع العقل وإشباع الوجدان .‬
                                      ‫٥ـ المسئولية اللزام .‬
                   ‫٦ـ التكامل في معاملة الظاهر والباطن .‬
                     ‫٧ـ الصلحية العامة لكل زمان ومكان .‬
    ‫٨ـ ترسيخ الرقابة الذاتية وربطها بمعاني اليمان والتقوى.‬
                  ‫٩- الجزاء ثوابا وعقابا في الدنيا والخرة .‬
‫وتكاد تكون هذه الخصائص في الجملة هي خصائص الدين‬
  ‫السلمي ذاته – في الغالب – مما يؤكد على أهمية ومكانة‬
‫الخلق السلمية , وإمكانية التصاف والتحلي بها , لنبعها من‬
                   ‫الفطرة السوية , والتشريع اللهي الحق .‬




                           ‫34‬

Islamicaklak

  • 1.
    ‫خصائص الخلق السلمية‬ ‫تمتاز الخلق السلمية بمنظومة من الخصائص العظيمة‬ ‫الجميلة التي تعكس روح السلم وجماله وجاذبيته ، وإليك بيان‬ ‫جملة من هذه الخصائص .‬ ‫أول :‬ ‫ربانية المصدر .‬ ‫السلم كلُه عقائدُه وعباداتُه ومعاملتُه وأخلقُه وسلوكياتُه من‬ ‫عند ا جل وعل ، وما من أمر من أمور السلم إل وهو‬ ‫يستمد تعاليمه ونظمه ومبادئه من كتاب ا وسنة رسوله صلى‬ ‫ا عليه وسلم ، ومعنى أن الخلق السلمية ربانية المصدر‬ ‫أي أنها من ا تعالى هو الذي أمر بها وحث عليها ورغب فيها ،‬ ‫ونهى عما يخالفها وحذر منه إما في القرآن الكريم أو في سنة‬ ‫النبي صلى ا عليه وسلم .‬ ‫أرسل ا رسوله صلى ا عليه وسلم ليتمم مكارم الخلق ،‬ ‫وأثنى عليه بالخلق العظيم }وَإِنّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ {]القلم/‬ ‫4[ وكانت تزكية النفوس محورا من محاور دعوته عليه الصلة‬ ‫والسلم }هُوَ الّذِي بَعَثَ فِي الُميّينَ رَسُول ً مّنْهُمْ يتْلُو عَلَيْهِمْ‬ ‫َ‬ ‫ْ ّ‬ ‫آيَاتهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫ضَللٍ مبِينٍ {]الجمعة/2[ .‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫قال ابن كثير رحمه ا : " وذلك أن العرب كانوا قديما‬ ‫متمسكين بدين إبراهيم الخليل عليه السلم فبدلوه وغيروه‬ ‫1‬
  • 2.
    ‫وقلبوه وخالفوه واستبدلوابالتوحيد شركا وباليقين شكا‬ ‫وابتدعوا أشياء لم يأذن بها ا وكذلك أهل الكتاب قد بدلوا‬ ‫كتبهم وحرفوها وغيروها وأولوها فبعث ا محمدا صلى ا‬ ‫عليه وسلم بشرع عظيم كامل شامل لجميع الخلق فيه‬ ‫هدايتهم والبيان لجميع ما يحتاجون إليه من أمر معاشهم‬ ‫ومعادهم والدعوة لهم إلى ما يقربهم إلى الجنة ورضا ا‬ ‫عنهم والنهي عما يقربهم إلى النار وسخط ا تعالى حاكم‬ ‫فاصل لجميع الشبهات والشكوك والريب في الصول والفروع ،‬ ‫وجمع له تعالى وله الحمد والمنة جميع المحاسن ممن كان‬ ‫قبله وأعطاه ما لم يعط أحدا من الولين ول يعطيه أحدا من‬ ‫الخرين فصلوات ا وسلمه عليه دائما إلى يوم الدين " .‬ ‫تفسير القرآن العظيم )٤٦٣/٤(.‬ ‫نشاط : في النص السابق ما يدل على أن تهذيب النفوس‬ ‫وإصلحها مما بعث ا به نبيه‬ ‫صلى ا عليه وسلم ، اذكر العبارات الدالة على ذلك .‬ ‫...................................................................................‬ ‫...................................................................................‬ ‫...................................................................................‬ ‫...............‬ ‫2‬
  • 3.
    ‫فتزكية النفوس تطهيرهاوتنمية الخير فيها ، وصيانتها من‬ ‫النحراف والفساد ، فكل ما‬ ‫جاء به النبي صلى ا عليه وسلم من الخلق العظيم كان‬ ‫بوحي من ا تعالى }وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهوَى * إِنْ هُوَ إ ِل وَحْيٌ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫يُوحَى{ ]النجم /٣ ، ٤[.‬ ‫إن ربانية هذه الخلق تعطيها ثقة وقبول ً ، وتجعلها في موضع‬ ‫الرضا والتسليم ، لخلوها من التناقض والختلف والغموض .‬ ‫إن ربانية هذه الخلق جعلتها في غاية الوضوح والجمال فهي‬ ‫تدعو إلى نفسها بنفسها ، بخلف القيم الوضعية التي تحتاج‬ ‫إلى وسائل بهرجة وتزيين للباسها ثوب الرواج والقبول الذي قد‬ ‫ل تتصف به على الحقيقة .‬ ‫لقد رأينا فيما مضى أن مصادر الخلق الوضعية يكتنفها النقص‬ ‫والتناقض ، وتختلف باختلف الزمان والمكان والثقافات مما‬ ‫عكر صفوها ، وجعل تعميمها وشمولها غير متاح ول ممكن .‬ ‫إن خاصية ) الربانية ( في الخلق السلمية كالرأس للجسد‬ ‫والروح للحياة ، ل قيام للخلق بدونه ، فكل ما يأتي بعد ذلك‬ ‫من الخصائص تبع لهذه الخاصية سائر تحت لوائها .‬ ‫3‬
  • 4.
    ‫إن ا تعالىوصف كتابه بأنه }ل يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَل‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ {]فصلت/24[ ووصف رسوله‬ ‫بأنه ل ينطق عن الهوى مما جعل كل أمر من أمور هذا الدين‬ ‫غاية في الكمال ومراعاة مصالح العباد .‬ ‫وإذا تأملت الخلق السلمية وجدتها تدور في هذا الفلك‬ ‫الجميل ، فكل خلق يكمل الخر ويجانسه ويرسخه ، وسيظهر‬ ‫لك أيها القارئ الكريم مصداق هذا في ثنايا هذه المباحث‬ ‫القيمة موضحا بأدلته من الكتاب والسنة .‬ ‫ثانيا :‬ ‫الشمول والعموم .‬ ‫إن من أهم ما يميز الخلق السلمية أنها شاملة شأنها في‬ ‫ذلك شأن الدين كله في شموله وعمومه ، ذلك أن السلم آخر‬ ‫الديان ، ورسوله صلى ا عليه وسلم آخر النبياء وخاتمهم ،‬ ‫وجاء القرآن الكريم وحيا من ا جل وعل مراعيا لهذا المر .‬ ‫بَيّن القرآنُ الكريم علقةَ النسان بربه وخالقه جل وعل ، وبَيّن‬ ‫علقة النسان بنفسه وما يجب عليه من صيانتها وحفظها ،‬ ‫وكذلك علقة النسان بغيره من بني جنسه ، بل وتعدى إلى‬ ‫ذكر ما يجب عليه من الرفق والتعامل برحمة مع المخلوقات‬ ‫التي تعيش حوله ، أو ينتفع بها بوجه ما .‬ ‫تمرين تعاوني :‬ ‫4‬
  • 5.
    ‫المطلوب : ذكرأدلة على شمول خلق الرحمة في السلم‬ ‫للنسان والحيوان .‬ ‫...................................................................................‬ ‫...................................................................................‬ ‫...................................................................................‬ ‫...............‬ ‫إنك تدرك شمول خلق السلم وهو يخاطب بدعوته الجن‬ ‫والنس ، والعرب والعجم والبيض والسود على حد سواء‬ ‫}وَمَا خَلَقْتُ الْجِنّ وَالِنسَ إ ِل لِيَعْبُدُونِ {]الذاريات/65[ ، ويقول‬ ‫ّ‬ ‫ْ‬ ‫سبحانه }يَا أَيهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْنَاكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلنَاكُمْ‬ ‫ْ‬ ‫ّ‬ ‫شُعُوبا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ إِنّ اللهَ عَلِيمٌ‬ ‫ّ‬ ‫خَبِيرٌ {]الحجرات/31[.‬ ‫فإذا كانت دعوته عامة شاملة فكذلك قيمه الخلقية ومبادئه‬ ‫توافق هذا الشمول ول تختزله في بعض جوانبه أو تمارسه‬ ‫على بعض الفئات من أتباعه دون بعض .‬ ‫تدبر هذه الية الكريمة لترى خطابه الشامل وهو يدعو إلى‬ ‫الخلق ويأمر بها}وَقُل لّعِبَادِي يَقُولُواْ الّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنّ‬ ‫الشّيطَانَ يَنزَغُ بَينَهُمْ إِنّ الشّيْطَانَ كَانَ لِلِنسَانِ عَدُوّا مّبِينا {‬ ‫ْ‬ ‫ْ‬ ‫ْ‬ ‫]السراء /٣٥[ .‬ ‫5‬
  • 6.
    ‫" يأمر تباركوتعالى عبده ورسوله صلى ا عليه وسلم أن‬ ‫يأمر عباد ا المؤمنين أن يقولوا في مخاطبتهم ومحاورتهم‬ ‫الكلم الحسن والكلمة الطيبة فإنهم إن لم يفعلوا ذلك نزغ‬ ‫الشيطان بينهم وأخرج الكلم إلى الفعال ووقع الشر‬ ‫والمخاصمة والمقاتلة فإنه عدو آدم وذريته من حين امتنع من‬ ‫السجود لدم وعداوته ظاهرة بينة ".تفسير ابن كثير )٦٤/٣( .‬ ‫إنها دعوة عامة للقول الطيب والعفة في المنطق بجميع أنواعه‬ ‫في كل حال ومع كل أحد .‬ ‫قال تعالي}إِنّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى‬ ‫وَينْهَى عَنِ الْفَحشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلكُمْ تَذَكّرُونَ {‬ ‫ّ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫]النحل/٠٩[‬ ‫نشاط : في الية الكريمة أمرٌ بأخلقٍ ونهي عن أخلق‬ ‫أخرى ، تأمل ذلك ، وحاول إيجاد علقةَ تقابلٍ بينها.‬ ‫١- ...............................................................................‬ ‫.....‬ ‫٢-................................................................................‬ ‫.....‬ ‫٣-................................................................................‬ ‫.....‬ ‫6‬
  • 7.
    ‫وتزخر السنة النبويةبالكثير من الدلة العامة والخاصة التي‬ ‫تدعو إلى حسن الخلق ، وتحث على التعامل به ، ومن ذلك‬ ‫قوله عليه الصلة والسلم ) اتق ا حيثما كنت ، واتبع السيئة‬ ‫الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن ( .‬ ‫إن المر بالتقوى حيثما كان المرء لهو أعظم دليل على شمول‬ ‫الخلق السلمية للنسان في جميع أحواله في السر والعلن‬ ‫والرضا والغضب ، على أي حال كان ، وفي أي زمان .‬ ‫وفي قوله عليه الصلة والسلم ) وخالق الناس بخلق حسن (‬ ‫أي عامل الناس كل الناس دون استثناء بجميع الخلق الحسنة‬ ‫التي تحب أن يعاملوك بها .‬ ‫ولقد أَجَمل السلم في ذكر الخلق وفصل فيها وبيّن ليرفع‬ ‫اللبس عن الناس فيما يلزمهم فعله والتحلي به ، وما يلزمهم‬ ‫تركه واجتنابه .‬ ‫ومن ذلك :‬ ‫1-أن القرآن الكريم دعا إلى الوفاء بالعهود }وأوفوا‬ ‫بالعهد إن العهد كان مسئول { ]السراء /٤٣[ .‬ ‫2-وأمر بحفظ المانات وأدائها والعدل مع كل أحد }إن‬ ‫ا بأمركم أن توأدوا المانات إلى أهلها وإذا حكمتم‬ ‫بين الناس أن تحكموا بالعدل { ]النساء/ [ .‬ ‫7‬
  • 8.
    ‫3-ويأمر بالصدق ويرغبفيه ويصف أهله بأجمل‬ ‫الصفات }يا أيها الذين آمنوا اتقوا ا وكونوا مع‬ ‫الصادقين {]التوبة / [‬ ‫وعندما يأتي الحديث عن الخلق المرذولة القبيحة يسهب‬ ‫ويتوسع في بيانها ويحذر من التصاف بها ، وينعت أهلها بما‬ ‫تنفر منه النفوس .‬ ‫تمرين‬ ‫من خلل اليات ] ٦٢- ٧٣[ من سورة السراء ، وضح‬ ‫عددا من الصفات التي نهى عنها السلم وحذر‬ ‫منها .‬ ‫1 - ....................................................‬ ‫.........................‬ ‫2 - ....................................................‬ ‫.........................‬ ‫3- ....................................................‬ ‫.........................‬ ‫4 - ....................................................‬ ‫.........................‬ ‫5 - ....................................................‬ ‫.........................‬ ‫إيضاح وبيان‬ ‫8‬
  • 9.
    ‫) وشمول الخلقفي السلم نعني به أن دائرة الخلق‬ ‫السلمية واسعة جدا ، فهي تشمل جميع أعمال النسان‬ ‫الخاصة بنفسه أو المتعلقة بغيره ، سواء كان الغير فردا أو‬ ‫جماعة أو دولة ( فل يخرج شيء عن دائرة الخلق ولزوم‬ ‫مراعاة معانيها ، مما ل نجد له نظيرا في أية شريعة سماوية‬ ‫سابقة ، ول في أي قانون وضعي بشري‬ ‫ثالثا :‬ ‫الثبات واللزوم‬ ‫من خصائص الخلق السلمية أنها ثابتة في مبادئها‬ ‫وحقائقها وحدودها ، فالصدق خلق حميد دائما ل يمكن‬ ‫ذلك في زمان دون آخر أو لدى جيل دون غيره ، وهذا‬ ‫الثبات يضمن دقة المعايير واستقرار القيم وصحة التربية .‬ ‫نعم قد يتطور عرض الخلق لكنه في الحقيقة تطور‬ ‫شكلي ، ومن الصول العامة المشتركة بين الرسالت‬ ‫السماوية الدعوة إلى الخلق الحميدة ، واجتناب‬ ‫الرذائل ،‬ ‫وهذه قمة الدللة على ثبات الخلق كما نلحظ ذلك في‬ ‫كل فطرة سليمة في أي جيل أو عند أصحاب أي مذهب .‬ ‫ومن صور الثبات في الخلق لزومها على كل حال " إن‬ ‫اللتزام بمقتضى الخلق مطلوب في الوسائل والغايات‬ ‫9‬
  • 10.
    ‫فل يجوز الوصولإلى الغاية الشريفة بالوسيلة‬ ‫الخسيسة ، ولهذا ل مكان في مفاهيم الخلق السلمية‬ ‫للمبدأ الخبيث ، كقول أصحاب المفاهيم المادية البحتة‬ ‫)الغاية تبرر الوسيلة ( وهو مبدأ ل مكان له في دستور‬ ‫الخلق السلمية ، ومما يدل على ضرورة مشروعية‬ ‫الوسيلة ومراعاة معاني الخلق فيها قوله تعالى }وَإِنِ‬ ‫استَنصَرُوكُمْ فِي الدّينِ فَعلَيْكُمُ النّصْرُ إِل ّ عَلَى قَوْمٍ بيْنَكُمْ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫وَبيْنَهُم مّيثَاقٌ وَاللّهُ بِمَا تَعْملُونَ بَصِيرٌ{]النفال/27[ فهذه‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫الية الكريمة توجب على المسلمين نصرة إخوانهم‬ ‫المظلومين قياما بحق الخوة في الدين ، ولكن إذا كانت‬ ‫نصرتهم تستلزم نقض العهد مع الكفار الظالمين لم تجز‬ ‫النصرة لن وسلتها الخيانة ونقض العهد ، والسلم يمقت‬ ‫الخيانة ويكره الخائنين " ) أصول الدعوة لعبد الكريم‬ ‫زيدان ٩١(.‬ ‫أثر هذه الخاصية في المة‬ ‫وبقدر ثبات الخلق وشيوع أثرها في حياة الناس بقدر ما‬ ‫تزدهر المم وتتقدم حتى ولو كانت غير مسلمة ، فثبات‬ ‫المعايير أمر عظيم ل مكان فيه للمجاملت والرشاوى‬ ‫والنزوات الشخصية ، قال شيخ السلم ابن تيمية رحمه‬ ‫ا ) إن ا يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة ، ول‬ ‫يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة ( .‬ ‫01‬
  • 11.
    ‫إن الخلق فيمنابع السلم الولى - من كتاب وسنة –‬ ‫هو الدين كله وهو الدنيا كلها ، فإذا نقصت أمة حظا من‬ ‫رفعة ا في صلتها بالله ، أو في مكانتها بين الناس ،‬ ‫فبقدر نقصان فضائلها وانهزام خلقها .)خلق المسلم‬ ‫للشيخ محمد الغزالي رحمه ا ص ٣٤( .‬ ‫رابعا :‬ ‫إقناع العقل وإشباع الوجدان . ) فطرية (‬ ‫إن أي أمر يوافق الفطرة يسهل على النفس تقبله‬ ‫والقيام به .‬ ‫يسعى السلم في تربية الفضائل إلى إقناع العقل وإشباع‬ ‫الوجدان والقلب بحب الخُلُق الكريم واللتزام به ، وكره الخلق‬ ‫الذميم واجتنابه ، وهذه صورة من صور العظمة في الخلق‬ ‫السلمية خاصة حيث ل يكون المر والنهي مطلقين أو مجردين‬ ‫عن بيان العلة ، وإن حدث فاللتزام والطاعة واجبة .‬ ‫تطبيق :‬ ‫}يَا أَيّهَا الّذِينَ آمنُوا اجْتنِبُوا كَثِيرا مّنَ الظّنّ إِنّ بَعْضَ الظّنّ إِثْمٌ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫وَل تجَسّسُوا وَل يغْتَب بعْضُكُم بَعْضا أَيحِبّ أَحَدُكُمْ أَن يَأكُلَ‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫َ َ‬ ‫َ َ‬ ‫لَحْمَ أَخِيهِ ميْتا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتّقُوا اللهَ إِنّ اللّهَ تَوّابٌ رّحِيمٌ{‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫]الحجرات / 21[ .‬ ‫تأمل هذه الية لترى طريقة القرآن الكريم في النهي عن‬ ‫الغيبة حيث لم يكتف بالنهي اللفظي بل أردف ذلك بصورة‬ ‫عقلية تمثيلية تبين بشاعة هذا الخلق ، فجمع بين اللفظ‬ ‫11‬
  • 12.
    ‫والصورة ليتحقق بذلكالقناع العقلي الذي يدعو النسان إلى‬ ‫الترفع عن هذا الخلق .‬ ‫إن الوامر اللفظية المجردة قد ل تحقق المرجو منها على‬ ‫الوجه المطلوب لكنها عندما تقترن بالصور العقلية التمثيلية‬ ‫تصبح أسهل ، ويكون النسان أقدر على فهمها واستيعابها ،‬ ‫وهذا ما تحققه الخلق السلمية حينما تخاطب النسان خطابا‬ ‫إيمانيا عقليا فتقنع العقل وتشبع الوجدان .‬ ‫لقد شبه ا الغيبة بأكل لحم إنسان ميت ، وهذا أمر يكرهه‬ ‫النسان السوي ويشمئز منه بطبعه ، ومن كره ذلك بطبعه‬ ‫السوي فعليه أن يكرهه بموجب أمر الشرع ، وهنا يجتمع‬ ‫للنسان موافقة الشرع وحجة العقل .‬ ‫وانظر كيف يقنع المنطق النبوي النسان بعدم الرجوع في‬ ‫هبته ، قال صلى ا عليه وسلم : ) العائد في هبته كالكلب‬ ‫يقيء ثم يرجع في قيئه ( .‬ ‫بحث ومناقشة‬ ‫قال تعالى :‬ ‫}يَا أَيّهَا الّذِينَ آمنُواْ إِنّمَا الْخَمْرُ وَالْميْسِرُ وَالَنصَابُ وَالَزْلَمُ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫رِجْسٌ مّنْ عَمَلِ الشّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلّكُمْ تُفْلحُونَ * إِنّمَا يُرِيدُ‬ ‫ِ‬ ‫الشّيطَانُ أَن يُوقِعَ بيْنَكُمُ الْعَدَاوةَ وَالْبغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫21‬
  • 13.
    ‫وَيَصُدّكُمْ عَن ذِكْرِاللّهِ وَعَنِ الصّلَةِ فَهَلْ أَنتُم مّنتَهُونَ{ المائدة ]‬ ‫٠٩ ، 19[.‬ ‫- نهى ا عن أخلق وسلوكيات في هاتين اليتين ، ما هي ؟‬ ‫...................................................................................‬ ‫...................................................................................‬ ‫..........‬ ‫- بين ا سبب النهي عن هذه المحرمات بطريقة عقلية مقنعة‬ ‫، وضح .‬ ‫.............................. من تزيين الشيطان وإيقاعه بالنسان ،‬ ‫إذ ل خير له فيها.‬ ‫يكمن إقناع العقل في :‬ ‫المخاطبة بقوله }..................{ إذ في ذلك تحفيز على‬ ‫الستماع والتفكر والقناعة .‬ ‫" وللعقل في الشرع مكان عظيم حيث إنه أساس كل فضيلة ،‬ ‫وينبوع كل أدب ، أوجب ا التكليف بكماله ، وجعل الدنيا‬ ‫مدبرة بأحكامه ، روي عن عمر بن الخطاب رضي ا عنه أنه‬ ‫قال : ) أصل الرجل عقله ، وحسبه دينه ، ومروءته خلقه ( .‬ ‫وقال الحسن البصري رحمه ا : ما استودع ا أحدا عقل إل‬ ‫استنقذه به يوما ما .‬ ‫وقال بعض الحكماء : العقل أفضل مرجو ، والجهل أنكى عدو‬ ‫.‬ ‫31‬
  • 14.
    ‫وقال آخر :خير المواهب العقل ، وشر المصائب الجهل .‬ ‫ومع أهمية العقل وكونه أداة الفهم والتدبر والتأمل‬ ‫والستنباط ، فليس كل الناس لديهم أهلية استخدام العقل‬ ‫والقناع به ، فهناك من يغلب عليه التأثر بالقلب والضمير‬ ‫والستجابة للفطرة والوحي الشريف لمجرد صدور المر من‬ ‫الشرع وتأثر القلب به وميله إليه ومن هناك كانت سمة الخلق‬ ‫السلمية الجمع بين المرين لموافقة أحوال جميع المخاطبين.‬ ‫فمخاطبة القلب وإشباعه يحقق له السكينة والطمأنينة الكافية‬ ‫لستجابته والتزامه بأوامر الشرع ونواهيه .‬ ‫قال تعالى } }الّذِينَ آمَنُواْ وَتطْمَئِنّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَل َ بِذِكْرِ‬ ‫َ‬ ‫اللّهِ تَطْمَئِنّ الْقُلُوبُ{]الرعد/٨٢[ فالطمأنينة سكون القلب إلي‬ ‫الشيء وعدم اضطرابه وقلقه ، وفي الثر )الصدق طمأنينة ،‬ ‫والكذب ريبة ( أي أن الصدق يطمئن إليه قلب السامع ، ويجد‬ ‫عنده سكونا، والكذب يوجب له اضطرابا وشكا ، ومنه قول‬ ‫النبي صلى ا عليه وسلم ) البر ما اطمأن إليه القلب ( أي‬ ‫سكن إليه وزال عنه اضطرابه وقلقه .‬ ‫فالقرآن الكريم لم يكن يلقي القول على عل ّته ، وإنما يأتي‬ ‫بالقضية مبرهنا عليها بالدليل‬ ‫تلو الدليل ، فيرضي العقل ويطمئن النفس ويقود الضمير إلى‬ ‫اليمان .‬ ‫41‬
  • 15.
    ‫تهدف التربية الوجدانيةإلى وقاية الضمير من عثرات الشك‬ ‫والحيرة والضلل والوساوس ، وتحرص على صحة الوجدان‬ ‫من الخلل والمرض القلبي ، ليصبح المرء سيد نفسه ويبدع في‬ ‫ميدان السلوك الخلقي ، ويتحرر من براثن العادات المتحجرة‬ ‫والتقاليد الزائفة والعراف البالية ، ويكون مدركا لفعله نبيل في‬ ‫هدفه ، فما الذي يدفع النسان إلى التحلي بالفضائل والتخلي‬ ‫عن الرذائل والمسارعة في المعالي إن لم يكن هناك قناعات‬ ‫نفسية مشبعة وحاجات وجدانية متطلعة ؟‬ ‫إن الخلق السلمية تمتاز بمخاطبة العقل وإقناعه لتحمل‬ ‫ذوي العقول والمنطق السوي على التزام مبادئها والتمسك‬ ‫بها ، وهي كذلك تخاطب القلب والوجدان وتشبعهما لتكتمل‬ ‫الصورة الفريدة للخلق السلمية في جانبيها النظري العلمي‬ ‫والعملي التطبيقي.‬ ‫اعتدال وشمول وتوسط فل تركيز على العقل مع إهمال‬ ‫الوجدان ، ول العكس ، وإنما مخاطبة شاملة في أعز ما يملك‬ ‫النسان ويتصف به العقل والقلب والفكر والوجدان .‬ ‫خامسا :‬ ‫المسئولية واللزام :‬ ‫قال تعالى }الّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوكُمْ أَيّكُمْ أَحْسَنُ‬ ‫َ‬ ‫عَمَل ً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ {]الملك/٢[ ، وقال سبحانه }قَالَ هَذَا‬ ‫51‬
  • 16.
    ‫مِن فَضْلِ ربّيلِيَبلُوَنِي أَأَشكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ومَن شَكَرَ فَإِنّمَا يشْكُرُ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫لِنَفْسِهِ ومَن كَفَرَ فَإِنّ رَبّي غَنِيّ كَرِيمٌ {]النمل/٠٤[.‬ ‫َ‬ ‫يتميز النسان بحرية الرادة وحرية الختيار وعلى أساسهما‬ ‫يكون التكليف والمسئولية . فالله سبحانه خلق النسان لعبادته‬ ‫وجعله مهيئا وصالحا لفعل الخير والشر على السواء , ووعده‬ ‫على الخير وتوعده على الشر , ول يجبر النسان على فعل‬ ‫شي , وإل بطل الحساب والتكليف وانتفت المسؤولية وقد ابتلى‬ ‫ا النسان وامتحنه في هذه الحياة بالخير والشر وإحسان‬ ‫العمل أو الساءة والتقصير فيه , ومن ثم فالنسان مسئول‬ ‫عن عمله وأسبابه ونتائجه , مسئول في الدنيا ومسئول في‬ ‫الخرة ، قال تعالى}وَقِفُوهُمْ إِنّهُم مّسْئُولُونَ{ ]الصافات/42[ ،‬ ‫وقال سبحانه}وَل َ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنّ السّمْعَ وَالبَصَرَ‬ ‫ْ‬ ‫وَالْفُؤَادَ كُلّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مسْؤُول ً {]السراء/63[.‬ ‫َ‬ ‫ما هي المسئولية ؟‬ ‫والمسئولية تعني : تحمل الشخص نتيجة التزامه وقراراته‬ ‫واختياراته العملية من الناحية اليجابية والسلبية , أمام ا في‬ ‫الدرجة الول , وأمام ضميره في الدرجة الثانية , وأمام‬ ‫المجتمع في الدرجة الثالثة .‬ ‫والشخص الذي يتحمل مسئولية يجب أن يكون أهل ً لها وذلك‬ ‫بأن يكون أنسانا عاقل ً، واعيا لطبيعة ذاته ولسلوكه وأهدافه‬ ‫61‬
  • 17.
    ‫ونتائج تصرفاته ,حر الرادة فيما يختاره , قادرا على تنفيذ‬ ‫تصميماته واختياراته .‬ ‫بهذه الشروط مجتمعه تتحد المسئولية قال تعالى}فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهُمْ‬ ‫أَجْمَعِيَْ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ { ]الحجر/29، ٣٩[ ، وقال – صلى ا عليه‬ ‫وسلم – ) رفع القلم عن ثلثة عن المجنون حتى يبرأ , وعن‬ ‫النائم حتى يستيقظ , وعن الصبي حتى يحتلم (.‬ ‫ول مسئوليه على مضطر أو مكره أو مجبور قال تعالى }فَمَنَِ‬ ‫اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَ عَادٍ فَل َ ِإثْمَ عَلَيْهِ { ]البقرة/٣٧١[ وقال سبحانه}إِلَّ مَنْ ُأكْرِهَ وَقَلْبُهُ‬ ‫مُطْمَئِنٌّ بِالِيَانِ{]النحل/٦٠١[.‬ ‫والمسئولية ل تعني تحمل النسان فوق طاقته والمشقة عليه ,‬ ‫ول ينبغي النظر إليها على أنها حمل ثقيل فالله رحيم بعباده }لَ‬ ‫يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلَّ وُسْعَهَا{]البقرة/٦٨٢[ ،}مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ{ ]الحج/‬ ‫٦[ } يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرََ{]البقرة /٥٨١[.‬ ‫وقد تحمل النسان أمانة التكاليف الشرعية والقيام بالعبودية‬ ‫لله تعالى وعلى قدر التزامه وقيامه بهذه المانة يكون أجره‬ ‫وثوابه , ل يظلم مثقال ذرة , وما يأتي من خير يضاعفه ا,‬ ‫وما يأتي من شر فهو في مشيئة ا – ما دام مسلما – إن شاء‬ ‫عفا عنه وإن شاء عذبه.‬ ‫71‬
  • 18.
    ‫والمسئولية رغم كونهاتكليف بما في الوسع والطاقة , فهي‬ ‫أيضا تشريف للنسان وتفضيل له على غيره مما خلق‬ ‫ا , لماذا ؟‬ ‫لن المسئولية عند النسان تعني الجدارة والهلية للقيام بها ,‬ ‫وتكريم ا له بهذه المسئولية ومن ثم وجب عليه المجاهدة‬ ‫والمثابرة والمصابرة والقيام بهذه المسئولية وأعبائها .‬ ‫ثم إن تحمل المسئولية أمر ضروري للحياة الفردية الجتماعية‬ ‫النسانية , وقد راعى السلم عند تحديده أن ل تكون فوق‬ ‫طاقة النسان , لكي ل يشقى بحملها.‬ ‫الشعور بالمسئولية :‬ ‫يجب على المسلم أن يوقن انه مسئول عن عمله في الدنيا‬ ‫والخرة , فيدفعه ذلك إلى مزيد من محاسبة نفسه ومساءلتها‬ ‫وحملها على الحسان والتقان في عملها.‬ ‫وإذا استشعر الوالد هذه المسئولية دفعه أن يربي أبناءه ومن‬ ‫تحت وليته على استشعار المسئولية فتتقلص الخطاء ، وتزيد‬ ‫الفرص الفضل لحياة أفضل ، لن بناء الخلق وترسيخه‬ ‫ورعايته جزء من مهام الباء وهم أول من يجني ثماره الطيبة‬ ‫بِرا وتقديرا ،وكيف يكون الحال إذا تعود النشء على الخلق‬ ‫الحسن واستشعار المسئولية ؟ وما الفوائد العظيمة التي يجنيها‬ ‫الفرد والسرة والمجتمع كله من هذا المر .‬ ‫مشاركة وتفاعل :‬ ‫81‬
  • 19.
    ‫من خلل ماتقدم بَيّن من خلل تجاربك الخاصة كيف أنّ‬ ‫غرس الخلق وتحمل المسئولية يثمر في بناء الفرد والمجتمع .‬ ‫...................................................................................‬ ‫...................................................................................‬ ‫...................................................................................‬ ‫...................................................................................‬ ‫....................‬ ‫ومما سبق يمكن تقسيم المسئولية إلى قسمين‬ ‫الول : المسئولية الشخصية , والثاني : المسئولية الجماعية .‬ ‫أ / المسئولية الشخصية :‬ ‫وتعني تحمل الفرد نتيجة أعماله الشخصية الختيارية ,‬ ‫ومسئوليته عنها أمام ا ثم أما نفسه ، ثم أما المجتمع , في‬ ‫الدنيا والخرة .‬ ‫ورغم ذلك فالمسئولية الشخصية ل تخلو من مسئولية عامة أو‬ ‫اجتماعية فإذا كان المسلم مسئول ً عن عقيدته وعباداته‬ ‫ومعاملته وسلوكه الشخصي , فإنه أيضا مسئول عن :‬ ‫-والديه وبرهما أو عقوقهما .‬ ‫-عن أبنائه وتربيتهم أو إهمالهم.‬ ‫- عن مجتمعه وأمنه ونظامه ونهضته و غير ذلك .‬ ‫كل ذلك يعني الترابط والتكامل بين شقي المسئولية .‬ ‫91‬
  • 20.
    ‫لكن هناك ماهو مسئول عنه بمفرده , وما هو مسئول عنه مع‬ ‫غيره محاسب على نيته وقصده وإن لم يظهر في صورة عمل‬ ‫وسلوك حيث إن ا بكل شي عليم , يعلم الظاهر والباطن ,‬ ‫كما أنه محاسب عما تكلم به أو عمله وظهر منه.‬ ‫هنا يقوم الطلب والطالبات بذكر أدلة على مسئولية النسان‬ ‫الفردية عن سلوكه وعمله .‬ ‫أدلة على المسئولية الفردية :‬ ‫[‬ ‫/‬ ‫قال تعالى }............ { ]‬ ‫أي :...............................‬ ‫................................‬ ‫ويقول تعالى}.............. {]...../...[ أي معتقله محبوسة‬ ‫بعملها يوم القيامة .‬ ‫وقال تعالى } َألَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَن لَّيْسَ لِلِْنسَانَِ ِإلَّ مَا سَعَى{]النجم/،٨٣‬ ‫٩٣[ ، أي كل نفس ظلمة نفسها بكفر أو شي من الذنوب ,‬ ‫فإنما عليها وزرها ل يحمله عنها أحد , ول يحصل من الجر إل‬ ‫ما كسب هو لنفسه .‬ ‫فأعظم ما يسأل عنه المرء إنما هو نفسه , وأعظم ما يطلب له‬ ‫النجاة والفوز إنما هو نفسه , ومن حمل نفسه على المعالي‬ ‫وطلب الفردوس العلى , فإنما يقدم الثمن وهو النية والجهد‬ ‫والمجاهدة وحمل نفسه على الخيرات والمداومة على‬ ‫الطاعات.‬ ‫02‬
  • 21.
    ‫قال صلى اعليه وسلم- ) ل تزول قدما عبد يوم القيامة حتى‬ ‫يسأل عن أربع : عن عمره فيما أفناه , وعن شبابه فيما أبله ,‬ ‫وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه , وعن علمه ماذا عمل‬ ‫فيه ( .‬ ‫وقال عليه الصلة والسلم ) إن ا سائل كل راع عما‬ ‫استرعاه ( .‬ ‫فهذه المسئولية الشخصية باستشعارها تحمل النسان على‬ ‫التقان وطلب النجاة من عذ ١ب ا والفرار منه سبحانه إليه‬ ‫تعالى .‬ ‫والمسئولية تدفع إلى اغتنام العمر والشباب والمال والعلم‬ ‫وسائر ما منحه ا في طاعة ا , ولذلك من أيقن أنه ميت‬ ‫وانه محاسب ومسئول اجتنب المعاصي واكتسب المعالي .‬ ‫وقد ضرب لنا سلفنا الصالح أروع المثلة في الحساس‬ ‫بالمسئولية حتى ماتوا وما ماتوا ناهيك عما بذله رسول ا –‬ ‫صلى ا عليه وسلم – في سبيل تبلغ الدعوة ونصح المة ونفع‬ ‫النسانية , وقد تربى على يديه خير جيل عرفته الدنيا‬ ‫واستشعروا المسئولية الشخصية الجماعية حتى قال عمر –‬ ‫رضي ا عنه – ) لو عثرت دابة في العراق لخشيت أن يسألني‬ ‫ا عنها لما لم تمهد لها الطريق يا عمر ؟ ( وهو الذي قال :‬ ‫12‬
  • 22.
    ‫حاسبوا أنفسكم قبلأن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن‬ ‫توزنوا ....(‬ ‫ومن استشعارهم المسئولية حمل أمانة الدعوة ونشرها في‬ ‫آفاق الدنيا المعمورة فضحوا بالراحة والوطن والهل , ليعيش‬ ‫من بعدهم ومن معهم في غير بلدانهم في النور الذي عاشوا‬ ‫فيه وينعموا بفضل ا ودينه وها نحن ومن بعدنا يجري أجر‬ ‫إسلمنا إليهم .‬ ‫فحرى بكل مسلم أن يستشعر مسئوليته , ويقوم بواجبه ,‬ ‫ويؤدي رسالته , بدافع من إيمانه بالله ورسوله , ووازع من‬ ‫رقابته الذاتية أي رقابه أخرى ليسعد ويسعد غيره , ويأمن‬ ‫ويؤمن لغيره سبل الخير والصلح وما التزم الخلق الحميدة إل‬ ‫أثر عظيم من أثار استشعار تلك المسئولية.‬ ‫ب / المسئولية الجماعية :‬ ‫كما أن على الفرد مسئولية خاصة تجاه نفسه ومجتمعه ،‬ ‫فكذلك الجماعة عليها مسئولية منوطة بها ل بد من أدائها .‬ ‫والمسئولية الجماعية تعني سيادة روح الجماعة في تحمل‬ ‫التزاماتها , ومسئولية كل مسلم تجاه غيره من أهله وجيرانه‬ ‫وأمته كل على حسب وليته.‬ ‫وجاءت نصوص قرآنية ونبوية متعددة تؤكد وجوب قيام‬ ‫الجماعة متضامنة بمسئوليتها مثل قوله تعالى }يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا قُوا‬ ‫ِ‬ ‫22‬
  • 23.
    ‫أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراًوقُودُهَا النَّاسُ وَالجَارَةُ عَلَيْهََا مَلَئِكَةٌ غِلَظٌَ شِدَادٌ لَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا َأمَرَهُمْ ويَفْعَلُونَ‬ ‫ِْ‬ ‫َ‬ ‫مَا يُؤْمَرُونَ {]التحريم/٦[ .‬ ‫وحتى الجماعة المجتمع من تسلل الفساد إليه تُلزم أن تقف‬ ‫في وجه الشر والنحراف ، وتُحذر من عاقبة التقاعس والتهاون‬ ‫عن منابع الفساد.‬ ‫إن على الجماعة أن تقوم بما يجب عليها حتى ل يطالها العذاب‬ ‫العاجل والجل}وَاتَّقُواْ فِتْنَةًَ لَّ تُصِيبَّ الَّذينَ ظَلَمُواَْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواَْ َأنَّ اللّهَ شَدِيدُ‬ ‫ِ‬ ‫الْعِقَابِ {]النفال/٥٢[.‬ ‫يقول الحافظ أبن كثير عند تفسيرها ما ملخصه :‬ ‫" يحذر ا – تعالى – عباده المؤمنين فتنة أي اختبارا ومحنة‬ ‫يعم بها المسيء وغيره , ل يخص بها أهل المعاصي ومن‬ ‫باشر الذنب بل يعمهما حيث لم تدفع وترفع .‬ ‫وعن أبن عباس – رضي ا عنها – قال في تفسير هذه الية‬ ‫أمر ا المؤمنين أن ل يقروا المنكر بين ظهرانيهم فيعمهم ا‬ ‫بالعذاب . والقول بأن هذا التحذير يعم الصحابة وغيرهم , وإن‬ ‫كان الخطاب معهم هو الصحيح والحاديث في ذلك كثيرة‬ ‫منها :‬ ‫ما رواه المام عن حذيفة بن اليمان أن رسول ا – صلى ا‬ ‫عليه وسلم – قال : ٠) والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف‬ ‫ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن ا أن يبعث عليكم عقابا من‬ ‫32‬
  • 24.
    ‫عنده ثم لتدعنهفل يستجب لكم " )المصباح المنير في تهذيب‬ ‫تفسير ابن كثير ٢٣٥(.‬ ‫ومن السنة ما روي عن النعمان بن بشير – رضي ا عنهما –‬ ‫أن رسول ا – صلى ا عليه وسلم – قال : ) مثل القائم‬ ‫على حدود ا والواقع فيها , كمثل قوم أستهموا على سفينة‬ ‫فأصاب بعضهم أعلها وبعضهم أسفلها , فكان الذين في‬ ‫أسفلهم أذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا : لو‬ ‫أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم تؤذ من فوقنا , فان تركوهم وما‬ ‫أرادوا هلكوا وهلكوا جمعيا وأن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا‬ ‫جميعا(.‬ ‫وروى الشيخان عن أم المؤمنين زينب بن جحش – رضي ا‬ ‫عنها – أن النبي – صلى ا عليه وسلم – دخل علينا منزعجا‬ ‫يقول : ) ل إله إل ا , ويل للعرب من شر قد أقترب , فتح‬ ‫اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه , وحلق بين أصبعيه‬ ‫البهام والتي تليها , فقلت يا رسول ا : أنهلك وفينا‬ ‫الصالحون ؟‬ ‫قال : نعم إذا كثر الخبث )) الفسوق والمنكر ((.‬ ‫وإن من وظيفة المة السلمية الجتماعية والعقدية حراسة‬ ‫الرأي العام الذي يتمثل في المر بالمعروف والنهي عن المنكر‬ ‫, على مجموع المة على اختلف أصنافها و‬ ‫42‬
  • 25.
    ‫أنواعها , دونأن يكون بينها تفريق أو تميز , فرض ا ذلك‬ ‫على الحكام والعلماء وعلى الخاصة والعامة وعلى الرجال‬ ‫والنساء , والصغار والكبار , ولم يعف منها أي إنسان , كل‬ ‫حسب طاقته وحاله وإيمانه.‬ ‫والصل في هذا قوله تعالى }كُنتُمَْ خَيْرَ ُأمَّةٍ أُخْرِجتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالَْعْرُوفِ‬ ‫َ‬ ‫وَتَنْهَوْنَ عَنِ الُْنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ ِباللّهَِ{]آل عمران/٠١١[.‬ ‫وقوله سبحانه :} وَالُْؤْمِنُونَ وَالُْؤْمِنَاتَُ بَعْضُهُمْ أَولِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالَْعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ الُْنكَرِ‬ ‫ْ‬ ‫وَيُقِيمُونَ الصَّلَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ ُأوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌَ {‬ ‫]التوبة/١٧[.‬ ‫فهذه النصوص الشريفة وغيرها كثير تؤكد المسئولية الجماعية‬ ‫ووجوب المر بالمعروف والنهي عن المنكر, وأن ذلكـ من أهم‬ ‫خصائص وأسس قيام المجتمع المسلم , فيكون كل فرد – بعد‬ ‫ا – رقيبا على إخوانه ومن يحيي معه في المجتمع الصغير‬ ‫والكبير المحلي والعالمي , وهذه الرقابة رقابة توجيه وتواصي‬ ‫وتواصل وتعاون , وفي بعض الحوال زجر وردع وهجر‬ ‫ومقاطعه ومحاسبه وتأنيب كل ذلك من أجل شيوع الصلح‬ ‫والخير بالمجتمع , وإضعاف وإماتة الشر والفحش بالمجتمع ,‬ ‫حتى ل يطغى الفساد ول يجد من ينكره ويبتره فيعم الجميع‬ ‫عقاب ا تعالى .‬ ‫52‬
  • 26.
    ‫ول تعارض بينالمسئولية الشخصية والمسئولية الجماعية حيث‬ ‫إن النسان – والمسلم على وجه الخصوص- اجتماعي بطبيعته‬ ‫مدني بفطرته ل يمكن أن يعيش وحده بل يحتاج إلى بني‬ ‫جنسه يحبهم ويكره منهم , ويعطي ويأخذ , والناس مختلفون‬ ‫في طباعهم وتفكيرهم وسلوكهم ، فيوجد من يخرج على نظام‬ ‫الجماعة وقوانينها , فيجب على الجماعة التي تريد السلمة‬ ‫والصلح والتقدم أن تأخذ على يد العابثين والمخالفين لهذه‬ ‫النظمة , فالصالح ل يتم صلحه إل بدعوة الخرين إلى الصلح‬ ‫والكف عن الفساد،وحيث إن الفساد إذا عم منعه من صلحه‬ ‫وعكر عليه صفو حياته , ول يصح أن يكون أثر صلحه موقوفا‬ ‫عليه , وإل لما تحرك السلم من مكة أو على الكثر الجزيرة‬ ‫العربية , ولكن لما أيقن المسلمون اليمان واستشعروا‬ ‫المسئولية تجاه إخوانهم في النسانية ورغبوا في أن ينعم ا‬ ‫عليهم‬ ‫بالهداية في الدين العظيم مثلما أنعم عليهم حملوا المسئولية‬ ‫وأدوا المانة وبلغوا نور الرسالة إلى آفاق الدنيا الواسعة.‬ ‫ويتبقى على كل مسلم أن يقوم بمسئوليته بالتواصي بالحق‬ ‫والصبر والمرحمة , والمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين‬ ‫كل مجتمع يعيش فيه وعلى كل قوم له عليهم ولية بدءا من‬ ‫زوجه وأولده وأهله وعشيرته وجيرانه وأقاربه وبلده في‬ ‫حضره وسفره , حسب الحال والمقام ويحسن النية ويرفق‬ ‫في القول.‬ ‫62‬
  • 27.
    ‫) لكن ينبغيأن نفرق هنا بين مسئولية الفرد عن عمل غيره‬ ‫ومسئولية صاحب العمل نفسه فصاحب العمل مسئول عن‬ ‫إضلل غيره بآرائه وتوجيهاته أو سلوكه الفاسد , والخر مسئول‬ ‫عن إتباعه لراء غيره وتقليد الفاسد , ثم لعدم مقاومته لهذه‬ ‫الظروف من هذ ١ الفساد الصادرة من غيره . إذن فالمسئولية‬ ‫مزدوجة من حيث أنه أحدث عمل ً فاسدا ثم أصبح الفاسد سببا‬ ‫بعمله الفاسد لعمل الخرين مثل عمله ولهذ ١ قال‬ ‫تعالى} }لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَ سَاء مَا‬ ‫ِ‬ ‫يَزِرُونَ {]النحل/52[.‬ ‫كما ينبغي أن نفرق بين مسئولية المسلم عن كفر الكافر وبين‬ ‫مسئوليته عن فساد المسلم وفعله المنكر أمامه . فالمسئولية‬ ‫إزاء الكافر قاصرة على الدعوة إلى اليمان .‬ ‫أما مسئوليته إزاء فساد المسلم والمجتمع السلمي فالمر‬ ‫يختلف هنا ذلك أن المسئولية ل تقتصر على مجرد الدعوة‬ ‫والرشاد , بل تشمل أيضا مقاومة الفساد وتغير المنكر وإرجاع‬ ‫المنحرف عن انحرافه بكل سبيل .‬ ‫فيجب أن يستخدم في سبيل ذلك كل ما يمكنه أن يستخدمه‬ ‫من قوة اليد أو اللسان وبمقاطعته وعدم التعامل معه مطلقا ,‬ ‫وهذ ١ هو النكار بالقلب (.‬ ‫فالمسئولية الجماعية شاملة لكل فئات المجتمع ولكن أيضا‬ ‫محدودة لكل فئة بصفة خاصة فإذا كانت مرات التغيير للمنكر‬ ‫72‬
  • 28.
    ‫ثلثة هي اليدأو اللسان أو القلب , فهي تصلح أحيانا لواحد‬ ‫فقط يتدرج فيها كأصحاب الولية الشرعية من والد وحاكم‬ ‫ونائب عنهما ففي هذه الحالة يربي الوالد ولده بإنكاره عليه‬ ‫الشر بالقلب والهجر وعدم الرضى إذا أجدى فيها وإل انتقل إلى‬ ‫اللسان نصحا وتوجيها وتعليما أو زجرا أو توبيخا , وإل تنتقل لليد‬ ‫وتكون اليد زاجرة رادعة ل قاصمة أو كاسرة وهكذ ١ كل من‬ ‫له ولية عامة , وأحيانا يتعين طريق واحد للتغيير على فئة‬ ‫بعينها ل يجوز لهم أن يتجاوزوها لما قد يترتب عليها من منكر‬ ‫أعظم , فمن آداب وفقه الحتساب أل يؤدي تغيير المنكر إلى‬ ‫منكر أشد منه .‬ ‫يقول رسول ا – صلى ا عليه وسلم – ) كلكم راع ومسئول‬ ‫عن رعيته , والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئوله عن رعيتها ,‬ ‫والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته (.‬ ‫وأن مما ينبغي على الوالدين والمربين غرس معاني تحمل‬ ‫المسئولية لدى أبنائهم وتلمذتهم ففيها معاني عظيمه في‬ ‫نشأة البناء الذين هم أباء ورجال ونساء المستقبل وفي تقوية‬ ‫دواعي الرجولة والقوة والتحمل لديهم , فيتعلموا كيف‬ ‫يتصرفون في المواقف المختلفة , ويخرجون مما يعرض لهم‬ ‫من مشكلت وأزمات وتكون التربية بالمسئولية الكاملة الشاملة‬ ‫أمام ا سبحانه أول ً , ثم أمام ضميره ووجدانه , ثم أمام‬ ‫المجتمع , وأن غرس هذه المعاني في الصغر كما هو معلوم‬ ‫يرسخ ويتعمق أثره في نفس الناشئة . ل سيما مراقبة ا‬ ‫82‬
  • 29.
    ‫وخشيته في السروالعلنية واطلعه على كافة شؤون المرء ,‬ ‫وصدق ا إذ يقول حكاية عن لقمان مع ابنه }يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ‬ ‫حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الَْرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ {‬ ‫]لقمان /٦١[.‬ ‫سادسا :‬ ‫التكامل في معاملة الظاهر والباطن .‬ ‫تمتاز الخلق السلمية – شأن السلم كله – بالنظرة التكاملية‬ ‫بحكمها على الشياء وإشباعها لغرائز النسان , فنرى أن ا‬ ‫يؤكد مطالبته وأوامره للنسان بإصلح نفسه ظاهرا وباطنا‬ ‫بكمال علم ا وشموله , ووقوع المحاسبة على العمال‬ ‫الظاهرة والسلوك الواضح , كما تقع أيضا على النوايا‬ ‫والبواعث.‬ ‫) فالقانون الخلقي السلمي ل يكتفي فقط بالحكم على‬ ‫أعمال النسان الظاهرة بالخير أو بالشر , بالفضيلة أو الرذيلة ,‬ ‫ولكن يمتد إلى الحكم على النوايا والبواعث والمقاصد .‬ ‫ولم تستطع أي نظرية أخلقية أخرى أنت تفعل ذلك , فليوقن‬ ‫المسلم أنه يتعامل مع ا الذي يعلم خائنة العين وما تخفي‬ ‫الصدور ، فعلم الظاهر والباطن يتساويان عند ا – تعالى –‬ ‫ومن دللة ذلك مثوبته سبحانه لمن صلحت نيته , وصفة سريرته‬ ‫, وحسن قصده , حتى وإن قصر به جهده ، قال تعالى }وَلَ عَلَى‬ ‫92‬
  • 30.
    ‫الَّذينَ إِذَا مَاأَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَ أَجِدُ مَا َأحْمِلُكُمَْ عَلَيْهَِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمَْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمعِ حَزَناً أَلَّ َيجِدُواْ مَا‬ ‫ْ‬ ‫ِ‬ ‫يُنفِقُونَ{]التوبة/٢٩[.‬ ‫وعن أنس بن مالك – رضي ا عنه – أن رسول ا – صلى‬ ‫ا عليه وسلم – قال : )إن بالمدينة أقواما , ما قطعتم وادياَ‬ ‫ول سرتم مسيرا إل وهم معكم قالوا : وهم بالمدينة ؟ قال‬ ‫نعم حبسهم العذر (.‬ ‫فهؤلء صادقوا النية طيبوا النفس والقصد , حزنوا كثيرا لمّا لم‬ ‫يجدوا عند الرسول – صلى ا عليه وسلم – حملهم وعدة‬ ‫جهادهم في سبيل ا , حتى فاضت أعينهم من الدمع , وا‬ ‫إنما يبتلي بالعمال ليظهر العامل من الخامل فلما تم جهدهم ,‬ ‫وقصرت بهم المكانيات الخاصة والعامة أعظم ا لهم الجر‬ ‫وأشركهم في ثواب الغزو ، فالهم والعزم على فعل الشيء‬ ‫الطيب يؤجر عليه صاحبه – ومن رحمة ا – أن الهم والعزم‬ ‫على الفعل القبيح ل يؤاخذ به صاحبه .‬ ‫ومن تكامل الخلق السلمية أنها تنظر إلى النسان نظرة‬ ‫متكاملة بحسب تكوينه من جسد وروح , ولكل منهما متطلبات ,‬ ‫فأخلق السلم ل تجعل الجسد يطغى على الروح , ول الروح‬ ‫تطغى على الجسد قال تعالى } وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللّهُ الدّارَ‬ ‫الخِرَةَ وَل تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدّنيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللّهُ إِلَيْكَ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫03‬
  • 31.
    ‫وَل تَبْغِ الْفَسَادَفِي الَرْضِ إِنّ اللهَ ل يُحِبّ الْمُفْسِدِينَ {]التوبة /‬ ‫ّ َ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫٢٩[ ٠‬ ‫يقول الحافظ أبن كثير في معناها : ) أي أستعمل ما وهبك ا‬ ‫من هذا المال الجزيل والنعمة الطائلة في طاعة ربك والتقرب‬ ‫إليه بأنواع القربات, التي يحصل لك بها الثواب في الدنيا‬ ‫والخره } وَل تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدّنْيَا { أي : مما أباح ا فيها‬ ‫َ‬ ‫من المأكل والمشارب والملبس والمساكن والمناكح , فإن‬ ‫لربك عليك حقا ولنفسك عليك حقا ولهلك عليك حقا , ولزوجك‬ ‫عليك حقا , فآتي كل ذي حق حقه وأحسن كما أحسن ا‬ ‫عليك ( أي : أحسن إلى خلقه كما أحسن هو إليك } وَل تَبْغِ‬ ‫َ‬ ‫الْفَسَادَ فِي الَرْضِ{ أي : ل تكن همتك بما أنت فيه أن تفسد‬ ‫ْ‬ ‫به في الرض , وتسيء به إلى خلق ا , } إِنّ اللّهَ ل يُحبّ‬ ‫َ ِ‬ ‫الْمُفْسِدِينَ { .‬ ‫والخلق السلمية عملت على تلبية مطالب الجسد وتنميته‬ ‫بطيب المأكل والمشرب والمسكن والمنكح والملبس , وألزمت‬ ‫بأخلق وسلوكيات يقوم بها ذلك الجسد السوي القوي , وبنفس‬ ‫الدرجة سعت الخلق السلمية إلى إشباع أشواق الروح‬ ‫وتعبيد طريقها في العروج إلى ا , بالتوحيد الخالص والذكر‬ ‫الدائم والفكر المستقيم والسلوك الطاهر مع ا ثم مع النفس‬ ‫ثم مع الخرين . حدث ذلك في تواؤم وانسجام واعتدال .‬ ‫13‬
  • 32.
    ‫وبضدها تتميز الشياءحيث قرآنا ورأينا دول ً وأمما غلبت جانبا‬ ‫على آخر فما استقامت مسيرتها , ول طالت مدتها , بل سريعا‬ ‫ما زالت وانهارت ليستوي في ذلك الفكر الوضعي والشرائع‬ ‫السماوية المحرفة حيث تطرقت اليهودية المحرفة إلى المادية ,‬ ‫وانحرفت المسيحية المحرفة إلى الغراق في الروحانية‬ ‫السلبية.‬ ‫وها هي دول أوربا وأمريكا وروسيا نزعت إلى المادية في‬ ‫عصرنا الحاضر وقبله فانحطت أخلقها , وفسدت أنظمتها ,‬ ‫وساءت حياتها , واختل بناؤها.‬ ‫يقول الندوي :‬ ‫" وانصرف اتجاه الغرب إلى المادية بكل معانيها , وبكل ما‬ ‫تتضمنه هذه الكلمة من عقيدة ووجهة نظر ونفسية وعقلية‬ ‫وأخلق واجتماع وعلم وأدب وسياسة وحكم ، فأصبحت الحياة‬ ‫في أوربا في القرنين التاسع عشر والعشرين نسخة صادقه‬ ‫من الحياة في يونان وروما الوثنيتين الجاهلتين , ومما ل شك‬ ‫فيه أن دين أوربا اليوم الذي يملك عليها مشاعرها وقلبها‬ ‫ويحكم على روحها هو المادية ل النصرانية , كما يعلم ذلك كل‬ ‫من عرف النفسية الوربية واتصل بالوربيين عن كثب بل وعن‬ ‫غير كثب أيضا" .‬ ‫23‬
  • 33.
    ‫يقول الستاذ اللمانيالمهتدي محمد أسد في كتابه )) السلم‬ ‫على مفترق الطرق (( : -)..... إن الرجل العادي في أوربا ,‬ ‫ديمقراطيا كان أو فاشيا , رأسماليا كان أو اشتراكيا , عامل ً باليد‬ ‫أو رجل ً فكريا إنما يعرف دينا واحدا , وهو عبادة الرقي المادي‬ ‫, والعتقاد بأنه ل غاية في الحياة غير أن يجعلها النسان أسهل‬ ‫وبالتعبير الدارج "حرة مطلقه" من قيود الطبيعة , أما كنائس‬ ‫هذا )) الدين (( فهي المصانع الضخمة ودور السينما‬ ‫والمختبرات الكيماوية ومراكز توليد الكهرباء ودور الرقص .‬ ‫و أما كهنتها فهم رؤساء الصيارف والمهندسون والممثلت‬ ‫وكواكب السينما وأقطاب التجارة والصناعة ونتيجة هذه النهامة‬ ‫للقوة , والشدة للذة , النتيجة اللزمة ظهور طوائف متنافسة‬ ‫مدججة بالسلح , والستعدادات الحربية مستعدة لبادة بعضها‬ ‫بعض إذا تصادمت أهواؤها ومصالحها , أما في جانب الحضارة‬ ‫فنتيجتها ظهور طراز للنسان يعتقد الفضيلة في الفائدة العلمية‬ ‫, والمثل الكامل عنده والفارق بين الخير والشر هو النجاح‬ ‫المادي ل غير ( .‬ ‫فهذه صورة لتغليب الجانب المادي على الجانب الروحي ,‬ ‫وهناك صورة أخرى لتغليب الجانب الروحي على الجانب‬ ‫المادي لعل من أبرزها سيطرة الكنيسة المسيحية وسلطان‬ ‫كهنتها على الحياة في الشرق والغرب فيما سبق عصر النهضة‬ ‫مما كان له الثر السيء في‬ ‫33‬
  • 34.
    ‫حياة الناس أكثرمن غلبة الماديات . حيث إن كل طرفي المور‬ ‫ذميم , وحيث إن النسان كائن مكرم متميز جامع بين الروح‬ ‫والبدن ول بد من إشباع حاجتهما وتنمتهما معا .‬ ‫وكان تكامل السلم إعطاء كل من الجسد والروح حقهما‬ ‫ليؤديا واجباتهما على الوجه الصحيح والطبيعي , فدعا إلى‬ ‫تنمية الجسد بأكل الحلل الطيب , وشرب الحلل النافع , والبعد‬ ‫عما يضره , وذلك من جنس ما خلق منه البدن وهو الرض‬ ‫فقال تعالى } فَلْيَنظُرَِ الِْنسَانُ ِإلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنََا الَْاء صَبّاًَ * ثُمَّ شَقَقْنَا الَْرْضَ شَقّاً *‬ ‫فَأَنبَتْنََا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباًَ وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً ونَخْلً * وَحَدَائِقَ غُلْباًَ * وَفَاكِهَةً وَأَبّاً * مَّتَاعاًَ لَّكُمْ‬ ‫وَلَِنْعَامِكُمْ {]عبس / ٤٢- ٢٣[ .‬ ‫فحرم السلم القتل وشرب الخمر , ونهى عن السراف‬ ‫والبخل , وحث على الرياضة البدنية , والنظافة الجسدية ,‬ ‫وحسن التجميل وغير ذلك مما يحفظ البدن ويقوم بحقه‬ ‫وحفظه .‬ ‫كما دعا السلم إلى تمنية الروح وإشباعا حاجتها في اليمان‬ ‫بالله واليوم الخر والتفكير الرشيد والتأمل الصادق وطاعة ا‬ ‫في الجملة وذلك من جنس ما خلقت منه قال تعالى } إِذْ قَالَ‬ ‫رَبّكَ لِلمَلئكَةِ إِنّي خَالِقٌ بشَرا مِن طِينٍ * فَإِذَا سَوّيتُهُ ونَفَخْتُ‬ ‫ْ َ‬ ‫َ‬ ‫ْ َ ِ‬ ‫فِيهِ مِن رّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ {]ص/ ١٧،٢٧[ . فروح‬ ‫النسان نفخة كريمة ربانية ونماؤها يكون بامتثال وحي ا‬ ‫43‬
  • 35.
    ‫والحياة في نورذلك الوحي الذي هو حياة الروح قال تعالى‬ ‫} وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحا مّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَل‬ ‫َ‬ ‫الِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورا نّهْدِي بهِ مَنْ نشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنّكَ‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫ْ‬ ‫لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ {]الشورى/٢٥[ .‬ ‫فوحي ا حياة للروح , وروح للحياة , إذا ما امتثله النسان‬ ‫والتزمه واعتبر السلم عقل النسان سر تميزه فدعا للحفاظ‬ ‫عليه وجعله من مقاصد الشريعة العظمى , وحكم القلب‬ ‫السليم والفطرة النقية في معرفة البر من الثم , والصدق من‬ ‫الكذب , وأمر بأداء الطاعات لما فيها من امتثال أمر ا , ثم‬ ‫حياة للروح وتلبية حاجاتها وإشباع أشواقها , وإشاعة النور في‬ ‫جوانبها وغير ذلك .‬ ‫أقام السلم ذلك في تكامل وواقعية وتواؤم النسان المتكامل‬ ‫الواقعي في حياته عقيدة وشريعة وخلقا . وكل شي غير‬ ‫السلم إنما هو شقاء وبلء على الحياة والحياء.‬ ‫سابعا :‬ ‫الصلحية العامة لكل زمان ومكان‬ ‫الخلق السلمية صالحة لتطبيق اللتزام بها في كل زمان‬ ‫ومكان وعلى أي حال كان النسان ويرجع ذلك إلى :‬ ‫53‬
  • 36.
    ‫سهولة التكليف الخلقيوكونه نتيجة طبيعية للعقيدة الصحية‬ ‫والشريعة السليمة , وإذا صحت المقدمات صحت النتائج , قال‬ ‫تعالى } يُرِيدُ اللّهَُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَ يُريدُ بِكُمُ الْعُسْرَ{]البقرة/ ٥٨١[ ٠‬ ‫ِ‬ ‫كما ترجع تلك الصلحية العامة إلى كمال الشريعة السلمية ,‬ ‫وضمان ا حفظ مصدرها العظم وهي الوحي اللهي‬ ‫الشريف قال سبحانه} إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لََافِظُونَ {]الجر/٣[. وقال‬ ‫} اليَوْمَ أَكْملْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ّ‬ ‫الِسْلَمَ دِينا فَمَنِ اضْطُرّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِثْمٍ فَإِنّ‬ ‫اللّهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ{]الائدة/٣[ .‬ ‫) أما شريعة السلم التي جاء بها محمد – صلى ا عليه‬ ‫وسلم – فإنها جاءت وافية بمطالب الحياة النسانية تسد عوزها‬ ‫, وتحقق أهداف العمران في شتى جوانب حياتها الجتماعية‬ ‫والقتصادية والسياسية , فالسلم عقيدة وعبادة , وخلق‬ ‫وتشريع , وحكم وقضاء , ومسجد وسوق , وهو علم وعمل ,‬ ‫ومصحف وسيف , وهذا هو ما نعنيه عندما نقول : ) السلم‬ ‫دين ودولة (.‬ ‫وقد اكتسب نصوص الشريعة السلمية من المرونة والعموم‬ ‫ما جعل قواعدها صالحة للناس كافة في كل عصر من‬ ‫العصور , تساير عوامل النمو والرتقاء , وتقود الحضارة‬ ‫63‬
  • 37.
    ‫النسانية إلى معالمالحق وسبيل الرشاد , ولهذا أكمل ا بها‬ ‫الدين وأتمم بها النعمة .‬ ‫والشريعة السلمية شريعة أخلقية , وليست الخلق في‬ ‫السلم أبا يجمل صاحبه , ولكنها التزامات من واجبات الدين ,‬ ‫والخلق في السلم غاية تربوية للعبادات , والتزام أدبي في‬ ‫المعاملت , يجعل حياة الناس قائمة على المعروف والحسنى‬ ‫, وقد حث السلم على أمهات الفضائل النسانية , ودعا إلى‬ ‫المثل العليا , وأثنى على مكارم الخلق والدعوة إلى تهذيب‬ ‫النفس عامل ً مشتركا بين سائر الرسالت السماوية.‬ ‫ثامنا :‬ ‫ترسيخ الرقابة الذاتية وربطها بمعاني اليمان‬ ‫والتقوى .‬ ‫إن معنى الرقابة الذاتية هو : أن يأخذ المسلم نفسه بمراقبة‬ ‫ا تعالى , ويلزمها إياها في كل لحظة من لحظات الحياة ,‬ ‫حتى يتم له اليقين بأن ا مطلع عليه , عالم بأسرار نفسه ,‬ ‫رقيب على أعمالها , وعلى كل نفس بما كسبت , وبذلك تصبح‬ ‫مستغرقة بملحظة جلل ا وكماله , شاعرة بالنس في‬ ‫ذكره , واجدة الراحة في طاعته , راغبة في جواره , مقبلة‬ ‫عليه , معرضة عما سواه .‬ ‫وهذا معنى إسلم الوجه لله في قوله } وَمَنْ أَحْسَنُ دِينا ممّنْ‬ ‫ّ‬ ‫أَسلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ محْسِنٌ واتّبَعَ مِلّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفا وَاتخَذَ اللّهُ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫إِبْرَاهِيمَ خَلِيل ً {]النساء/٥٢١[ . وهو عين ما دعا إليه ا تعالى‬ ‫73‬
  • 38.
    ‫في قوله }وَاعْلَمُواْ أَنّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسكُمْ فَاحْذَرُوهُ {‬ ‫ِ‬ ‫]البقرة/٥٣٢[ . وقوله – صلى ا عليه وسلم – )) اعبد ا كأنك‬ ‫تراه , فإن لم تكن تراه فهو يراك (( .‬ ‫وهو ما درج عليه السابقون الولون من سلف هذه المة‬ ‫الصالح , إذ أخذوا أنفسهم به حتى تم لهم اليقين , وبلغوا‬ ‫درجة المقربين , وهاهي آثارهم تشهد عليهم .‬ ‫والمراقبة ثمرة علم العبد بأن ا – سبحانه – رقيب عليه ,‬ ‫ناظر إليه , سامع لقوله , وهو مطلع على عمله كل وقت وكل‬ ‫طرفة عين .‬ ‫وقال ذو النون : علمة المراقبة إيثار ما أنزله ا , وتعظيم ما‬ ‫عظم ا , وتصغير ما صغر ا .‬ ‫وقال إبراهيم الخَوّاص : المراقبة خلوص السر والعلنية لله عز‬ ‫وجل , والمراقبة : هي التعبد لله بأسمائه ) الرقيب , الحفيظ ,‬ ‫العليم , السميع , والبصير ( فمن عقل هذه السماء وتعبد‬ ‫بمقتضاها : حصلت له المراقبة .‬ ‫فالمسلم حينما يتعمق اليمان بالله في قلبه , ويستقر في‬ ‫نفسه , يظهر أثره في سلوكه ومراقبته لله تعالى , ويخلص‬ ‫النية والقصد في عمله ومنه ابتغاء مرضاة ا وحده , ويفعل‬ ‫الخير والخلق الكريم لوجه ا , ويجتنب الشر والخلق الفاسد‬ ‫أيضا لوجه ا – تعالى .‬ ‫83‬
  • 39.
    ‫وبهذه التوجيهات السديدةوالتربية اليمانية الحقة ينبغي أن‬ ‫يأخذ المسلم نفسه ويربى الباء أولدهم على ذلك , ويعلم‬ ‫المربون تلميذهم عليه , فيعم الخير ويضمحل الشر ويسعد‬ ‫الخاصة والعامة , وتكفي الحكومات والمحكومين شر الشقياء‬ ‫.‬ ‫) والشريعة السلمية تربي الضمير النساني ليكون رقيباُ‬ ‫على المسلم في السر والعلن , ويخشى العقاب الخروي أكثر‬ ‫من خشيته للعقاب الدنيوي . وبذلك يقيم السلم من داخل‬ ‫النفس البشرية رقابة على تعاليمه , بحيث يرعاها المسلم في‬ ‫جوف الليل , كما يرعاها في وضح النهار (.‬ ‫وبهذا تمتاز الخلق السلمية عن النظم والنظريات الخلقية‬ ‫الوضعية التي ل تقيم أخلقها إل على المنفعة , وقوة الضغط‬ ‫الجتماعي و مراعاة الظاهر فحسب .‬ ‫وأخيرا :‬ ‫الجزاء ثوابا وعقابا في الدنيا والخرة .‬ ‫الجزاء هو : ما يجب أن يناله النسان بحكم عمله الحر الناتج‬ ‫عن إرادة واختيار إن خيرا فخير , وإن شرا فشر , وسواء أكان‬ ‫ذلك الجزاء ماديا أو معنويا مباشرا أو غير مباشرا , عاجل ً أو‬ ‫آجل ً , في هذه الحياة الدنيا أو الخرة .‬ ‫93‬
  • 40.
    ‫وتأتي أهمية الجزاءمن وجوه :‬ ‫الوجه الول : أن العدالة تقتضي الجزاء , لنه يفرق بين‬ ‫الذي يبني بعمله والذي يهدم به, أو بين المصلح والمفسد‬ ‫والطيب والخبيث , قال تعالى } قُل ل ّ يَستَوِي الخَبِيثُ وَالطّيّبُ‬ ‫ْ‬ ‫ْ‬ ‫{ ]المائدة/٠٠١[ ،} حَتّىَ يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطّيّبِ {]آل عمران /‬ ‫ْ‬ ‫٩٧١[، }إِنّ الَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وإِنّ الْفُجّارَ لَفِي جَحِيمٍ {‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫]النفطار/٣١،٤١[ .‬ ‫الوجه الثاني : أن الجزاء عامل مشوق ودافع إلى التمسك‬ ‫بالقيم الخلقية , لن النسان يجب أن يرى ثمرة عمله ,‬ ‫وكفاحه , سواء كانت هذه الثمرة مادية أو معنوية . وكلما كان‬ ‫الجزاء دافعا إلى اللتزام بالقيم الخلقية , ورادعا عن‬ ‫النحراف عنها كان له قيمة أكبر .‬ ‫الوجه الثالث : أن التمسك بالقيم الخلقية عمل مقدس ,‬ ‫لنه يمثل أوامر ا , وأن من يقدس ا ويحترم أوامره يلتزم‬ ‫بهذه القيم , والتزامه بها في ضوء هذه المشاعر يضفي على‬ ‫حياته قوة معنوية , وبهجة روحية , بطبيعة العتقاد وبطبيعة‬ ‫الشعور .‬ ‫ولهمية الجزاء نجد السلم نوع وعدد الجزاءات التي تحيط‬ ‫بالعمل الخلقي من كل جهة , وذلك على النحو التالي :‬ ‫1 - الجزء اللهي :‬ ‫04‬
  • 41.
    ‫هو مجازاة اللعبد على سلوكه وعمله , وينقسم إلى عدة‬ ‫أقسام بعدة اعتبارات أهما : الثواب في حالة الستقامة ,‬ ‫والعقاب في حالة النحراف قال تعالى } مَنْ عَمِلَ صَالِحا‬ ‫مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مؤْمِنٌ فَلَنحْيِينّهُ حَيَاةً طَيبَةً وَلَنَجْزِينّهُمْ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ُ َ‬ ‫ُ‬ ‫أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْملُونَ {]النحل/٧٩[ .‬ ‫َ‬ ‫وفي حق المنحرفين الشرار يقول سبحانه }إِنّا أَعْتَدْنَا‬ ‫لِلظّالِمِينَ نَارا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يسْتَغِيثُوا يغَاثُوا بمَاء‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫كَالْمُهْلِ يشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشّرَابُ وسَاءتْ مُرْتَفَقا{‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫]الكهف/٩٢[ .‬ ‫٢ ـ الجزاء الوجداني :‬ ‫وهو تلك الحركة الشعورية التي تحس بها في أعماق قلوبنا‬ ‫بالفرح أو التأنيب مباشرة بعد كل فعل نعتقد أنه فعل حسن‬ ‫أو قبيح .‬ ‫والجزاء الوجداني أكثر تأثيرا من الجزاء المادي , لنه يقيني‬ ‫الشعور , مستمر الثر قال – صلى ا عليه وسلم – ) من‬ ‫ساء خلقه عذب نفسه , ومن كثر همه سقم بدنه ( وفي‬ ‫حق الخيار يقول – صلى ا عليه وسلم – ) ذاق طعم‬ ‫اليمان من رضي بالله ربا , والسلم دينا , وبمحمد نبيا ( .‬ ‫٣ ـ الجزاء الجتماعي :‬ ‫14‬
  • 42.
    ‫وهو الذي يشعربه المستقيم أو المنحرف من تقدير‬ ‫المجتمع واحترامه له , أو من تأنيبه وهجره والنفور منه .‬ ‫وهو أنواع منه الجزاء المباشر , والجزاء الدبي :‬ ‫فالجزاء غير المباشر ما يجده النسان من حب وتفاؤل‬ ‫ونزعة خيرة يظهر أثرها في المجتمع , أو حسد وحقد‬ ‫ونفاق وكذب , يبدو أثره في الحياة حتى تصبح جحيما ل‬ ‫يطاق وتضيق نفس الخيار بها , وأما الجزاء المباشر‬ ‫ففيما قرره السلم من عقوبات على مفاسد السلوك كرجم‬ ‫الزاني أو جلده , وقطع يد السارق , وجلد السكران وقتل‬ ‫القاتل ونحوها وأما الجزاء الدبي فكاحترام الخيرين ,‬ ‫وعدم العتداد بالفاسقين وحث السلم على مجالسة‬ ‫الصالحين , وهجران العاصين .‬ ‫فهذه أهم خصائص الخلق السلمية.‬ ‫خلصة‬ ‫قوام هذا الفصل على بيان الخصائص الهامة والبارزة‬ ‫للخلق السلمية , التي تبين ملمح وطبيعة تلك الخلق ,‬ ‫وتوضح سماتها وقسماتها التي تنفرد بها وتجعلها نسيجا وحدها‬ ‫بين النظريات والفكار البشرية الناقصة القاصرة , كيف ل‬ ‫والخلق في السلم قائمة على الوحيين الصادقيين , وثمرة‬ ‫اللتزام بعقيدة السلم وشريعته . وأهم هذه الخصائص :‬ ‫١- الربانية‬ ‫24‬
  • 43.
    ‫٢ـ الشمول والعموم.‬ ‫٣ـ الثبات واللزوم .‬ ‫٤ـ إقناع العقل وإشباع الوجدان .‬ ‫٥ـ المسئولية اللزام .‬ ‫٦ـ التكامل في معاملة الظاهر والباطن .‬ ‫٧ـ الصلحية العامة لكل زمان ومكان .‬ ‫٨ـ ترسيخ الرقابة الذاتية وربطها بمعاني اليمان والتقوى.‬ ‫٩- الجزاء ثوابا وعقابا في الدنيا والخرة .‬ ‫وتكاد تكون هذه الخصائص في الجملة هي خصائص الدين‬ ‫السلمي ذاته – في الغالب – مما يؤكد على أهمية ومكانة‬ ‫الخلق السلمية , وإمكانية التصاف والتحلي بها , لنبعها من‬ ‫الفطرة السوية , والتشريع اللهي الحق .‬ ‫34‬