‫بيان صلة الرحم‬

                                                                   ‫تقديم‬

    ‫هل الخلق أوهام وقيود توهمها فئة من الناس ففرضوها على المجتمعات‬
           ‫فرضا وكبلوا بها اليدي والرجل والقلوب استثمارا للسذج والبسطاء ؟‬
 ‫أو هي آداب ومواضعات درج عليها الناس في حياتهم العامة والخاصة وانحدرت ـ‬
    ‫مع بعض التطور ـ من الباء إلى البناء ، تجعل النسان محدود التصرف في‬
                                                          ‫طيشه ونزغاته ؟‬
‫أو هي افكار فلسفية نتجت عن عقول سليمة درست كل صغير وكبير من المظاهر‬
 ‫الجتماعية وغيرها ؛ دراسات مستوعبة لتستخلص منها التجارب الخالصة وتقدمها‬
 ‫الى الجيال المقبلة نبراسا ينير لهم سبل الحياة ويشع لهم طريق العيش الهنئ ؟‬
     ‫ان الراء في موضوع الخلق والداب مختلفة متضاربة ، والنظريات حولها ل‬
  ‫تجتمع في نقطة خاصة . وهو موضوع يستحق التحدث عنه بشيء من التفصيل‬
          ‫والعناية ل نجد الن مجال كافيا لستيفائه في هذه المقدمة القصيرة .‬
 ‫والذي نعتقده في هذا المجال ان النسان مجبول بطبعه على اتباع بعض الداب‬
‫الجتماعية واتخاذ جملة من المسالك الخلقية ، وذلك لنه ليس بمقدوره أن يدرج‬
        ‫مدارج الحياة ال تحت ضوابط وأصول تكون منهاجا له يسير على ضوئها .‬
     ‫ولذا نرى المجتمعات كلها ـ بل استثناء مجتمع منها ـ ل تشذ عن وضع قوانين‬
      ‫وآداب تحترمها وتفرض على نفسها اللتزام بها وجعلها نصب العين في كل‬
    ‫تصرفاتها . وحتى الماركسية التي تناهض بشدة الصول الخلقية وتصر على‬
 ‫نبذها والتخلي عنها وتراها حجر عثرة في طريق التقدم ، تلتزم ان شاءت أو أبت‬
               ‫بأسس وآداب أخلقية تبثها في تعاليمها القتصادية والجتماعية .‬
‫طبعا ، تختلف البيئات والمجتمعات والمدارس الفلسفية في آدابها وأسسها‬
  ‫الخلقية حسب تكونها ونشأتها وتدرجها في مدراج الكمال أو نظرتها الى الكون‬
                                                         ‫والنسان والحياة .‬
   ‫والسلم ـ الذي هو دستور ا ال قوم للنسانية ـ اهتم اهتماما بالغا بالخلق‬
 ‫وأقام لها دعائم مركزة في كل مرافق البشر العتقادية والجتماعية والقتصادية‬
                                                                 ‫وغيرها .‬
    ‫فالقرآن الكريم جل آياته تتحدث بصراحة عن خلق المسلم وما يلزم عليه في‬
  ‫سلوكه ، والحاديث الشريفة كثير منها توجهه الى تقويم أفكاره وتعديل تصرفاته‬
                                    ‫في دينه ونفسه وأهله ومجتمعه و و . . .‬
     ‫ان أبرز صفة للنبي )صلّى ا عليه وآله( يذكرها ا تعالى في قرآنه الكريم‬
  ‫بالعظمة هي الخلق النبوي حيث يقول عز شأنه " انك لعلى خلق عظيم " ، كما‬
‫أن النبي نفسه يعلل بعثته الى الخلق رسول بتميم الخلق حيث يقول عليه الصلة‬
                                     ‫والسلم " بعثت لتمم مكارم الخلق " .‬
  ‫ونرى ان السلم في اكثر نظمه الخلقية يسعى في أن يوجد ترابطا كامل ً بين‬
   ‫الفرد وسائر أعضاء المجتمع ، فيدعوه الى البذل والسخاء ونبذ العداء وصدق‬
‫اللهجة والوفاء بالوعد وتعظيم الباء وصلة الرحام والقارب وتجليل ذوي المراتب‬
    ‫العلمية وقول الحق وحسن الظن بالخرين وتقدير ذوي المواهب والكف عن‬
      ‫الذى الى الخ المسلم والجار والنصاف في التعامل واعطاء الحقوق الي‬
   ‫أصحابها والسعي في قضاء الحوائج ، كما أنه يحذره من المكر والحيلة وسوء‬
   ‫الظن والنتقام بغير الحق والعنف في الخلق والحقد والعداوة وبذاءة اللسان‬
‫والتكبر على الخرين والعجب بالنفس والعصبية والقساوة وكتمان الحق والتعدي‬
     ‫الى الموال والعراض والنفس والبخل في العطاء والغدر والغيبة والنميمة‬
   ‫وافشاء السر وطلب العثرات والشماتة والسخرية والكذب وخلف الوعد والرياء‬
                                                              ‫والنفاق . . .‬
‫لو التزم المسلم بهذه الخلق وما شابهها مما هي من صميم النظام السلمي ،‬
   ‫لكنت ترى مجتمعا مترابطا يسوده الهناء والرغد والطمئنان ، بعيدا عما يشوب‬
                                               ‫حياته من القلق والضطراب .‬
‫أما الرسالة التي تراها ماثلة أمامك ـ أيها القارئ الكريم ـ فهي تستعرض موضوعا‬
‫هاما من الخلق السلمية التي حث القرآن الكريم والسنة الطاهرة على اتباعها‬
                                                ‫وتطبيقها في مجالت الحياة .‬
                                              ‫والموضوع هو ) صلة الرحم ( .‬
     ‫يبدأ المؤلف رسالته بمقدمة في أهمية صلة الرحم وبعض اليات والحاديث‬
    ‫الواردة فيها ، ثم مقالة فيها ستة مطالب يورد في المطلب الول معنى الرحم‬
    ‫والقرابة لغة وعرفا وشرعا ، وفي الثاني معنى الصلة وما يتعلق بذلك ، وفي‬
 ‫الثالث أحكام الصلة فقها ، وفي الرابع ضرورة صلة قاطع الرحم ، وفي الخامس‬
       ‫فوائد صلة الرحم التي من أبرزها طول العمر ، وفي السادس صلة الذرية‬
 ‫الصالحة ويريد بهم الئمة الطاهرين من ذرية الرسول )صلّى ا عليه وعليهم( .‬
      ‫ان هذه الرسالة مع اختصارها تستوعب موضوع ) صلة الرحم ( كتابا وسنة‬
    ‫وفقها ، وتذكر في طياتها كثيرا من أقوال كبار الفقهاء والمفسرين ، ونرى في‬
           ‫طبعها ونشرها فائدة كبرى للمسلمين وللمعنيين بالمباحث السلمية .‬




                                                                ‫أما المقدمة‬
            ‫فالصلة توجب الذكر الجميل في العاجلة ورفيع الدرجات في الجلة .‬
‫ول ريب أنها من الفروض العينية ، حتى قيل ان تركها من الكبائر الموبقة .‬
    ‫والذي يظهر لي أن السر في ذلك ان الجتماع مطلوب للشارع في بقاء نظام‬
‫النوع الذي انما يتحصل ببقاء أشخاصه ، والقرابة موجبة للمودة واللفة ، ولذلك لم‬
      ‫يشرع النكاح الجانب تحصيل لللفة المطلوبة للشارع ... صلة الرحم سببان‬
      ‫يوجبانها ، فكان توكها من الذنب العظيم ، وقد ... الشارع على الترغيب فيها‬
                                                          ‫والوعيد على تركها .‬
 ‫وفي عدة مواضع قد حض ا سبحانه في كتابه العزيز عليها ، مثل قوله تعالى :‬
   ‫) ووصينا النسان بوالديه حسنا وان جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فل‬
                                                                  ‫تطعهما ( .‬
                                           ‫) وبالوالدين احسانا وذي القربى ( .‬
                          ‫) ان ا يأمر بالعدل والحسان وايتاء ذي القربى ( .‬
                                ‫) قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والقربين ( .‬
                                    ‫) ال ترك خيرا الوصية للوالدين والقربين ( .‬
                                        ‫) وآتى المال على حبه ذوي القربى ( .‬
                   ‫) ول يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى ( .‬
                                       ‫) وأولو الرحام بعضهم اولى ببعض ( .‬
   ‫ومن ذلك المر بالشكر للوالدين في قوله جل ثناؤه ) أن اشكر لي ولوالديك ( .‬
     ‫وقد أمر عزوجل نبيه )صلّى ا عليه وآله( بقوله ) وأنذر عشيرتك القربين ( .‬
                                                       ‫) وأمر أهلك بالصلة ( .‬
 ‫وفي أمره بأمرهم بذلك على الخصوص نظرا الى أن الهل أحق بالشفقة ايماء‬
                                                               ‫الى المطلوب .‬
      ‫والسر في البدأة في بعض هذه اليات بذكر الوالدين : أن حق ذوي القربى‬
 ‫كالتابع لحقهما ، لتفرع اتصالهم عليهما . ضرورة ان النسان انما يتصل به اقرباؤه‬
                                                           ‫بواسطة اتصالهما .‬
‫وكذا السر في تقديم ذكرهم : انهم أولى بالشفقة ، فان القرابة مظنة التحاد‬
  ‫واللفة والرعاية والنصرة ، فلو لم يحصل شيء من ذلك لكان أشق على القلب‬
   ‫وأبلغ في اليلم . والضرر كلما كان أقوى كان دفعه أوجب ، فلهذا وجبت رعاية‬
                                                      ‫حقوق أولي الرحام .‬
                                                  ‫وأما الخبار الناطقة بذلك :‬
     ‫فمنها ما رواه الثقة الجليل محمد بن يعقوب الكليني في الكافي باسناده عن‬
      ‫جميل بن دراج قال : سألت ابا عبد ا )عليه السلم( عن قول ا عزوجل‬
‫) واتقوا ا الذي تسائلون به والرحام ان ا كان عليكم رقيبا ( )1( . قال : فقال‬
  ‫هي ارحام الناس ، ان ا عزوجل أمر بصلتها وعظمها ، أل ترى انه جعلها منه .‬
   ‫قلت : اراد )عليه السلم( بالمر بصلتها المر على سبيل الوجوب ، ويلزم منه أن‬
       ‫يكون المعنى اتقوا الرحام أن تقطعوها ، عن ابن عباس وقتادة ومجاهد‬
      ‫والضحاك ، وهو المروي عن ابي جعفر )عليه السلم( . فعلى هذا يكون "‬
                                      ‫الرحام " منصوبا عطفا على اسم ا .‬
       ‫وآخر الية يجري مجرى الوعد والوعيد والترهيب والترغيب فان الرقيب هو‬
   ‫المراقب الذي يحفظ جميع الفعال ، ومن هذه صفته يجب أن يخاف ويرجى .‬
      ‫وروى أيضا الثقة المذكور باسناده عن ابن أبي عمير عن أبي عبد ا )عليه‬
    ‫السلم( قال : ) الذين يصلون ما أمر ا به أن يوصل ( )2( نزلت في رحم آل‬
  ‫محمّد عليه و)عليهم السلم( ، وقد تكون في قرابتك . ثم قال : ول تكونن ممن‬
                                           ‫يقول للشيء انه في شيء واحد .‬
‫قلت : لعله )عليه السلم( يشير بذلك الى أنه ل عبرة بخصوص سبب النزول ، وانما‬
‫العبرة بعموم اللفظ ، وحينئذ ل يبعد الستدلل بذلك على الترغيب في صلة مطلق‬
                                           ‫القرابة حتى النائية بسبب اليمان .‬
         ‫وروى أيضا باسناده عن أبي بصير عن أبي عبد ا )عليه السلم( مثله .‬
     ‫وباسناده عن محمّد بن فضيل الصيرفي عن الرضا )عليه السلم( مثله أيضا .‬
‫وباسناده عن حنان بن سدير عن أبيه عن ابي جعفر )عليه السلم( قال : قال‬
‫ابوذر رحمه ا : سمعت رسول ا )صلّى ا عليه وآله( يقول : حافتا الصراط )‬
  ‫1( يوم القيامة الرحم والمانة ، فاذا مر الوصول للرحم المؤدي للمانة نفذ الى‬
  ‫الجنة ، واذا مر الخائن للمانة القطوع للرحم لم ينفعه معهما عمل ويكبونه في‬
 ‫النار )2( وباسناده عن يونس بن عمار قال : قال ابوعبد ا )عليه السلم( : أول‬
 ‫ناطق من الجوارح يوم القيامة الرحم ، تقول : يا رب من وصلني في الدنيا فصل‬
         ‫اليوم ما بينك وبينه ، ومن قطعني في الدنيا فاقطع اليوم ما بينك وبينه .‬
 ‫وروى ابو علي الفضل بن الحسن الطبرسي في مجمع البيان باسناده عن النبي‬
  ‫)صلّى ا عليه وآله( قال : قال ا تعالى : أنا الرحمن ، خلقت الرحم وشققت‬
                     ‫لها اسما من اسمي ، فمن وصلها وصلته ومن قطعها بتته .‬
                                             ‫قال : وفي أمثال هذا الخبر كثرة .‬
                                      ‫قلت : أراد بذلك أنه بمنزلة التواتر معنى .‬
  ‫وباسناده عن الصبغ بن نباتة عن امير المؤمنين )عليه السلم( قال : ان احدكم‬
 ‫ليغضب فما يرضى حتى يدخل به النار ، فأيما رجل غضب على رحمه فليمسنه ،‬
‫فان الرحم اذا مستها الرحم استقرت ، وانها معلقة بالعرش تنادي : اللهم صل من‬
                                                  ‫وصلني واقطع من قطعني .‬
‫قلت : ل ينافي ذلك مارواه الصدوق في عيون اخبار الرضا عن ابيه موسى عليهما‬
‫السلم قال : أخبرني أبي عن آبائه عن جدي عن رسول ا )صلّى ا عليه وآله(‬
                              ‫قال : الرحم اذا مستها الرحم تحركت واضطربت .‬
        ‫وذلك لن استقرارها من الغضب وزوال سورته عنها انما هو تحرك الدم‬
                        ‫واضطراب العروق الناشئين من المس المثمرين للرقة .‬
  ‫وروى الشيخ ابو جعفر محمد بن الحسن الطوسي في التهذيب عن السكوني ،‬
     ‫ورواه ايضا الصدوق في من ل يحضره الفقيه باسناده قال : قال رسول ا‬
‫)صلّى ا عليه وآله( : الصدقة بعشرة ، والقرض بثمانية عشر ، وصلة الخوان‬
                                     ‫بعشرين ، وصلة الرحم بأربعة وعشرين .‬
 ‫وباسناده عن عبد ا بن عجلن قال : قال لبي جعفر )عليه السلم( : اني ربما‬
‫قسمت الشيء بين أصحابي أصلهم به فكيف أعطيهم ؟ قال : اعطهم على الهجر‬
                                                    ‫في الدين والفقه والعلم .‬
 ‫ول خلف وفي جواز الوصية للرحم ، لما فيه من الجمع بين الصدقة والصلة ، بل‬
‫قد ورد النص بجواز الوصية له وان كان كافرا وهو الذي نقله الطبرسي في مجمع‬
                                                  ‫البيان عن كثير من العلماء .‬
  ‫ونقل عن اصحابنا أنها جائزة للوالدين والولد ، وحجتهم في جوازها للوالدين ما‬
 ‫تقدم من اليات الدال بعضها على ذلك بالنص الصريح ، ولهذا يجب أن يخص بها‬
 ‫مجموع ما سيأتي من الدلة الدالة على المنع من صلة كل عدو لله سبحانه بسبب‬
                                                       ‫استثناء هذا الفرد منه .‬
  ‫وقد أجمعوا على استحباب اختصاص الرحم بالصدقة الواجبة مع وجود الصفات‬
        ‫المقتضية للستحقاق ، لقوله )عليه السلم( : ل صدقة وذو رحم محتاج .‬
  ‫ولن العتناء به في نظر الشارع أتم من غيره ، ولهذا ورثه وكتب له الوصية عند‬
‫حضور الموت بتوفير نصيبه في قوله ) كتب عليكم اذا حضر أحدكم الموت ان ترك‬
               ‫خيرا الوصية للوالدين والقربين ( )1( ، لما فيها من زيادة الصلة .‬
‫وامر الولد الكبر بوجوب التحمل عن أبيه ما فاته من صلة وصيام تمكن منه ومات‬
                                   ‫قبل أدائه ، واستحباب الحج عنه مع المكنة .‬
  ‫ونهى عن الرجوع فيما وهبه لقريبه ولو بدون التصرف والتعويض ، فكان الدفع‬
                           ‫اليه أولى ، وهو المروي عن الكاظم )عليه السلم( .‬
            ‫وكذا صدقة التطوع مستحب له ، لقوله تعالى ) يتيما ذا مقربة ( )2( .‬
‫وقال )عليه السلم( : الصدقة على المسكين صدقة ، وهي على ذي الرحم صدقة‬
                                                                       ‫وصلة .‬
                                             ‫واما المقالة ففيها مطالب :‬
‫المطلب الول‬
                                                 ‫) في بيان معنى الرحم (‬

   ‫" الرحم " لغة القرابة المطلقة ، وكذا عرفا )1( . وأورد ابو القاسم الراغب في‬
 ‫مفرداته ان استعارته من رحم النثى ، لكونهم خارجين من رحم واحدة ، وأصله‬
         ‫الرحمة ، وذلك لنها مما يتراحم به ويتعاطف ، يقولون " وصلتك رحم " .‬
 ‫ومن أجل ما ذكرناه من اللغة والعرف ذهب علماؤنا الى تسمية القرابة المطلقة‬
‫رحما ، سواء الذكر والثنى والوارث وغير الوارث والمحرم وغير المحرم والمسلم‬
 ‫والكافر ، من قبل الب والم أو من قبل أحدهما ، لن السم يتناول الجميع على‬
  ‫السواء ولم يعهد في الشرع معنى آخر وضع هذا اللفظ له ، فوجب صرفه الى‬
                                  ‫المتعارف ، كما هو المعهود من عادة الشرع .‬
 ‫ويؤيده ما رواه علي بن ابراهيم في تفسيره عن علي )عليه السلم( قال : قوله‬
  ‫تعالى ) فهل عسيتم ان توليتم أن تفسدوا في الرض وتقطعوا ارحامكم ( )1(‬
                              ‫نزلت في بني امية بقتلهم الحسين )عليه السلم( .‬
 ‫وذلك لنهم لصاق بعبد مناف ، بسبب أن اخاه ربى عبدا له روميا اسمه " امية " )‬
 ‫2( ، والى ذلك اشار أمير المؤمنين )عليه السلم( لما كتب اليه معاوية " انما نحن‬
‫وانتم بنو عبد مناف " : ليس المهاجر كالطليق ول الصريح كاللصيق وبعض العامة‬
‫قصر ذلك على المحارم الذين يحرم التناكح بينهم ان كانوا ذكورا و اناثا ، وان كانوا‬
    ‫من قبيل يقدر احدهما ذكرا والخر أنثى ، فان حرم التناكح بينهم فهم الرحم .‬
   ‫محتجا بأن تحريم الختين انما كان لما يتضمن من قطيعة الرحم ، وكذا تحريم‬
  ‫اصالة الجمع بين العمة والخالة وابنة الخ و الخت مع عدم الرضا عندنا ومطلقا‬
                                                                      ‫عندهم .‬
                                                               ‫ويرده ما تقدم .‬
‫نعم يشترط أن ل يبعد الشخص جدا بحيث ل يعد في العرف انه من القرابة ، وال‬
                   ‫لكان جميع الناس أقرباء ، لشتراكهم في آدم )عليه السلم( .‬
‫وللمفيد قول بارتقاء القرابة الى آخر أب وأم في السلم ، وهو قول الشيخ في‬
 ‫النهاية ، ونقحه العلمة في القواعد بأن المراد بهمن يتقرب اليه ولو بأبعد جد أو‬
    ‫جدة ، بشرط كونهما مسلمين ، فالجد البعيد ومن كان من فروعه وان بعدت‬
                                ‫مرتبته بالنسبة اليه معدود قرابة اذا كان مسلما .‬
  ‫ويضعف بأنه قد ل يساعد العرف عليه ، فان من عرض تقربه الى جد بعيد جدا‬
    ‫ليعد قرابة عرفا وان كان الجد مسلما ، للعلة المتقدمة . وما قلناه أول ً مختار‬
‫المبسوط والخلف ، واليه ذهب ابن البراج وابن ادريس واكثر المتأخرين ، وقد مر‬
                                                                        ‫وجهه .‬
  ‫ووجه الثاني قوله )عليه السلم( " قطع السلم ارحام الجاهلية " وقوله تعالى‬
                                            ‫لنوح عن ابنه ) انه ليس من أهلك (‬
       ‫ورده ابو القاسم جعفر بن سعيد في الشرايع بأنه غير مستند الى شاهد .‬
    ‫وتوجيهه : انتفاء النص الصريح فيه ، اذ لم يرد فيه ال هذه الرواية ، وهي مع‬
  ‫تسليم سندها غير دالة على المراد ، لن قطع الرحم للجاهلية ل يدل على قطع‬
                    ‫القرابة مطلقا مع أصناف الكفار وكذا قطع الهلية عن نوح .‬
                   ‫قال ابن الجنيد : القريب من تقرب من جهة الب أو الوالدين .‬
 ‫قال : ول اختار أن يتجاوز بالتفرقة ولد الب الرابع ، لن النبي صلى ا عليه وآله‬
‫لم يتجاوز ذلك في تفرقة سهم ذوي القربى من الخمس ، ول دللة على أن ذوي‬
‫القربى حقيقة في مستحق الخمس ، وانما ذلك أمر أراده ا تعالى وفسره النبي‬
    ‫)صلّى ا عليه وآله( ، بدليل ما روى أنه لما نزل ) قل ل أسئلكم عليه أجرا ال‬
     ‫المودة في القربى ( )2( قيل : يا رسول ا من قرابتك هؤلء الذين وجبت‬
    ‫علينا مودتهم ؟ قال : علي وفاطمة وابناهما . ذكره الزمخشري في الكشاف‬
 ‫وغيره ، واخبارنا ناطقة بأن باقي الئمة المعصومين من قرباه الذين وجبت علينا‬
                                                                      ‫مودتهم .‬
‫هذا معنى آخر للقرابة بالنسبة اليه )عليه السلم( سوى الول ، وهو قاض بأن‬
   ‫للنبي )صلّى ا عليه وآله( في القرابة معنى خاصا به ، للقطع بأن القرابة في‬
 ‫حق غيره )عليه السلم( ل يقتصر فيها على احدى بناته وأولدها وبعلها الذي من‬
                                         ‫شجرته . فالمرجع حيئذ الى العرف .‬
     ‫وعن أبي حنيفة وابي يوسف عدم اطلق اسم القريب على الجد وولد الولد‬
 ‫والوالدين والولد حي ، لن عندهم من سمى والده قريبا كان عاقا ، لن القريب‬
   ‫من يتقرب الى غيره بواسطة الغير ، وتقرب الوالد والولد بنفسهما ل بغيرهما ،‬
                ‫لقوله تعالى " والقربين " عطفه على الوالدين . ول حجة فيه .‬
 ‫وقال فخر الدين الرازي في تفسيره الكبير: لو أوصى لقرابته دخل قرابة الم في‬
‫وصية العجم ول تدخل في وصية العرب على الظهر ، لنهم ل يعدون ذلك قرابة ،‬
  ‫بخلف ما لو أوصى لرحامه فانه يدخل قرابة الب والم . والحق عدم الفرق .‬



                                                     ‫المطلب الثاني‬
                             ‫) في بيان معنى الصلة وما يتعلق بذلك (‬

                 ‫قال الجوهري : الوصل ضد الهجران ، والتواصل ضد التصارم .‬
‫فالقطيعة تحصل بالهجران وعدم الحسان وماشاكلهما من وجوه الصلة ، وتحصل‬
                                             ‫ايضا بنفي النسب الثابت شرعا .‬
  ‫والمرجع في الصلة الى العرف ، اذ لحقيقة لها شرعية ول لغوية . وهو يختلف‬
 ‫باختلف العادات وبعد المنازل وقربها ، فربما تحققت الصلة في عرف قوم بأمر‬
                         ‫في حالة ول تتحقق في عرف آخرين في تلك الحالة .‬
    ‫وربما كان بعد المنازل سببا لسقوط المر ببعض أنواعها ، كالزيارة فان البعد‬
                                        ‫سبب في سقوط المر بها مع العسر .‬
  ‫وقد روى الثقة الكليني عن جابر عن أبي جعفر )عليه السلم( قال : قال رسول‬
      ‫ا )صلّى ا عليه وآله( : أوصى الشاهد من أمتي والغائب منهم ومن في‬
‫أصلب الرجال وأرحام النساء أن يصل الرحم وان كانت منه على مسيرة سنة ،‬
                                                         ‫فان ذلك من الدين .‬
‫واعلم أن صلة من يطلب وصله من الرحام والقرابات ـ ويدخل فيه قرابة الرسول‬
‫)صلّى ا عليه وآله( وقرابة المؤمنين الثابتة بسبب اليمان ـ تتأدى بالحسان اليهم‬
  ‫بحسب الطاقة والذب عنهم ونصرتهم والنصيحة لهم ودعوة المخالفين منهم الى‬
‫اليمان وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وحسن الخلق معهم وايصال حقهم‬
  ‫اليهم وحفظ أموالهم عليهم وعيادة مرضاهم وحضور جنائزهم ومراعاة حقوق‬
                 ‫الرفقاء منهم في السفر والمجاورين والخدم منهم ونحو ذلك .‬
‫ول ريب انه مع فقر بعض الرحام ـ وهم العمودان أعني الباء وان علوا والولد‬
    ‫وان نزلوا ـ تجب الصلة بالمال ، وتستحب لباقي القارب ، وتتأكد في الوارث .‬
 ‫للعلم بأنه اذا كانت القرابة قريبة كان المر بالصلة آكد وأقوى ، والموصول به هو‬
                                                                 ‫قدر النفقة .‬
 ‫ولو كان له قريبان مضطران الى النفاق وليس هناك ما يفضل عن أحدهما قدم‬
   ‫واجب النفقة ، فان وجبت نفقتهما قدم القرب فالقرب ، فان تساويا فالقسمة‬
                                                                ‫على القرب .‬
‫ولو كان عنده ما لو أطعمه أحدهما لعاش يوما ولو قسمه بينهما لعاش كل منهما‬
‫نصف يوم ، فالظاهر القسمة ، لعموم قوله تعالى ) ان ا يأمر بالعدل والحسان‬
                                    ‫( )1( ، ولرجاء ما يتمم به حياة كل منهما .‬
   ‫وهل القسمة على الرؤوس أو على سد الخلقة ؟ احتمالن ، ويرجح الثاني أنه‬
     ‫داخل في العدل ، اذ يجب عليه مع القدرة اشباعهما مع اختلف قدر أكلهما ،‬
                                                      ‫فليكن كذلك مع العجز .‬
 ‫ول تجب عليه هذه الصلة مع غنى القريب وان كان أحد العمودين . نعم تستحب‬
                                                 ‫الهدية اليه بنفسه أو رسوله .‬
‫قال الشهيد في قواعده : وأعظم الصلة ما كان بالنفس ، وفيه أخبار كثيرة ، ثم‬
    ‫بدفع الضرر عنها ، ثم بجلب النفع اليها ، ثم بصلة من تحب وان لم يكن رحما‬
   ‫للواصل كزوجة الب والخ وموله ، وأدناها السلم بنفسه أو رسوله ، والدعاء‬
                                            ‫بظهر الغيب والثناء في المحضر .‬
‫قلت : الذي يدل على أن أدناها مثل ذلك قوله )عليه السلم( " صلوا أرحامكم ولو‬
    ‫بالسلم " ، ولو أداه بنفسه كان أفضل ، ولو انضم الى ذلك الصلة بالمال لمن‬
     ‫لتجب عليه نفقته كان أكمل . نعم لو كان على غير التقوى فينبغي أن يكون‬
                  ‫الدعاء له بخلوصه من الثم أولى من زيارته وامداده بالمال .‬
  ‫وفي الدعاء بظهر الغيب أجر عظيم ، فقد روى عن النبي صلّى ا عليه و آله :‬
                  ‫من دعا لخيه بظهر الغيب ناداه ملك من السماء : ولك مثله .‬

                                                         ‫المطلب الثالث‬
                                               ‫) في بيان احكام الصلة (‬

    ‫الصلة تنقسم بانقسام الحكام القتضائية : فالواجب ما يخرج به عن القطيعة‬
  ‫المحرمة ، والمستحب ما زاد على ذلك ، والحرام قطيعة القرابة او صلة الكافر ،‬
  ‫ومنه مخالف الحق الشريف وان لم يكن ناصبا ، فان من هذا شأنه يجب البراءة‬
‫منه وإن كان أقرب الناس وألصقهم نسبا ، لقوله تعالى ) ل تجد قوما يؤمنون بالله‬
‫واليوم الخر يوادون من حاد ا ورسوله ولو كانوا آباءهم او أبناءهم أو اخوانهم‬
                                                         ‫أو عشيرتهم ( )1( .‬
‫قال الزمخشري في الكشاف : معناه ان من الممتنع المحال أن تجد قوما مؤمنين‬
 ‫يوادون المخالفين لله ، والغرض انه ل ينبغي أن يكون ذلك ، وحقه ان يمتنع ول‬
‫يوجد بحال ، مبالغة في النهي عنه والزجر عن ملبسته والتصلب في مجانبة أعداء‬
   ‫ا ومباعدتهم . وانما حرمت صلته لنها تقتضي خلف ما أمر ا به من ذلك .‬
       ‫وبمدلول هذه الية جملة من النصوص ، وقد أشرنا فيما تقدم الى استثناء‬
                                                    ‫الوالدين للية المتقدمة .‬
‫والمكروه صلة المستضعف ، وهو من ل يعرف الحق ول يعاند فيه ول يوالي أحدا‬
                    ‫بعينه ، فانه ليس بمؤمن ، والمأمور بصلته انما هو المؤمن .‬
   ‫ولما كانت الصلة عبادة امتنع انقسامها الى المباح ، لخلوه من الرجحان المعتبر‬
                                                                ‫في العبادة .‬

                                                           ‫المطلب الرابع‬
                                                 ‫) في بيان صلة القاطع (‬

 ‫القاطع ل ينقطع حقه من الصلة اجماعا ، اذ بترك عبادة من مكلف لتسقط تلك‬
‫العبادة من مكلف آخر ضرورة ، وقد ورد في ذلك من النصوص ما ل يحصى كثرة‬
                                                                            ‫:‬
 ‫فمنها ما رواه الثقة الكليني باسناده عن علي بن النعمان قال اسحاق بن عمار :‬
   ‫بلغني عن ابي عبد ا )عليه السلم( أن رجل ً أتى النبي )صلّى ا عليه وآله(‬
‫فقال : يا رسول ا أهل بيتي أبوا ال تقريبا ) كذا ( على )1( وقطيعة لي وشتيمة‬
‫فأرفضهم ؟ قال : فاذا يرفضكم ا جيمعا . قال : فكيف أصنع ؟ قال : تصل من‬
  ‫قطعك ، وتعطي من حرمك ، وتعفو عمن ضلمك ، فانك اذا فعلت ذلك كان لك‬
                                                        ‫من ا عليهم ظهيرا .‬
           ‫وباسناده عن عبد ا بن سنان عن أبي عبد ا )عليه السلم( مثله .‬
 ‫وباسناده عن السكوني عنه )عليه السلم( قال : قال رسول ا )صلّى ا عليه‬
                                          ‫وآله( : ل تقطع رحمك وان قطعك .‬
   ‫وروى الشيخ في التهذيب باسناده عن السكوني عنه )عليه السلم( قال : سئل‬
    ‫رسول ا )صلّى ا عليه وآله( : أي الصدقة أفضل ؟ قال : على ذي الرحم‬
                                                                    ‫الكاشح .‬
‫قال الجوهري : الكاشح الذي يضمر لك العداوة ، يقال كشح له بالعداوة وكاشحه‬
                                                                     ‫بمعنى .‬
‫وباسناده عن محمد بن ابي عمير عن عبد الحميد عن سلمى مولة ولد ابي عبد‬
‫ا )عليه السلم( قال : كنت عند ابي عبد ا )عليه السلم( حين حضرته الوفاة ،‬
 ‫فأغمي عليه فلما أفاق قال : أعطوا الحسن بن علي بن الحسين بن علي ـ وهو‬
                                                   ‫الفطس ـ سبعين دينارا .‬
   ‫قلت له : أفتعطي رجل ً حمل عليك بالشفرة ؟ فقال : ويحك أما تقرأ القرآن ؟‬
‫قلت : بلى . قال : أما سمعت قوله تعالى ) والذين يصلون ما أمر ا به أن يوصل‬
                                    ‫ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب ( .‬
 ‫ول يضر ضعف بعض أسانيدها ، لعتضادها بما هو أصح اسنادا وانجبارها بعمل‬
                                                                 ‫الصحاب .‬
 ‫وكل حديث اشتمل على مقابلة المسيء بالحسان والمحسن بالمتنان فهو نص‬
‫في الباب ، وكذا الية الواردة بالعراض عن الجاهلين ، بناءا على ما أورده القوم‬
‫ـ منهم المقداد بن عبد ا السيوري ـ من أنها لما نزلت سأل رسول ا )صلّى ا‬
 ‫عليه وآله( جبرئيل عن معناها ، فقال : ل أدري حتى أسأل ربك . ثم رجع فقال :‬
‫يا محمد ان ربك أمرك أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ضلمك‬
                                                                          ‫.‬
                                                    ‫المطلب الخامس‬
                                   ‫) في بيان أن الصلة تعطيل العمر (‬

    ‫قد تظافرت الخبار بذلك ، ورواه الثقة الكليني باسناده عن محمد بن عبد ا‬
 ‫قال : قال ابو الحسن الرضا )عليه السلم( : يكون الرجل يصل رحمه فيكون قد‬
      ‫بقي من عمره ثلث سنين فيصيرها ا ثلثين سنة ، ويفعل ا ما يشاء .‬
 ‫وباسناده عن اسحاق بن عمار قال : قال ابو عبد ا )عليه السلم( ما نعلم شيئا‬
   ‫يزيد في العمر ال صلة الرحم ، حتى أن الرجل يكون عمره ثلث سنين فيكون‬
 ‫وصول للرحم فيزيد ا في عمره ثلثين سنة فيجعلها ثلثا وثلثين سنة ، ويكون‬
‫اجله ثلثا وثلثين سنة فيكون قاطعا للرحم فينقصه ا عزوجل ويجعل أجله الى‬
                                                                   ‫ثلث سنين .‬
‫وباسناده عن الحسن بن علي الوشاء عن ابي الحسن الرضا )عليه السلم( مثله .‬
‫قلت : ل يضر تفاوت الزيادة في هذا الحديث والذي تقدمه على الول ، لن الزيادة‬
 ‫غير المنافية مقبولة ، وفي قوله )عليه السلم( " ما نعلم شيئا " الخ ، مزيد ترغيب‬
                                              ‫في الصلة وتأكيد لكونها سببا لها .‬
 ‫وباسناده عن ابي حمزة قال : قال ابو جعفر )عليه السلم( : صلة الرحام تزكي‬
   ‫العمال ، وتنمي الموال ، وتدفع البلوى ، وتيسر الحساب ] وتنسيء [ )1( في‬
                                                                        ‫الجل .‬
        ‫وباسناده عن عبد الحميد عن الحكم الحناط قال : قال ابو عبد ا )عليه‬
        ‫السلم( : صلة الرحم وحسن الجوار يعمران الديار ويزيدان في العمار .‬
    ‫باسناده عن عبد ا بن سنان عن ابي عبد ا )عليه السلم( قال : ان القوم‬
  ‫ليكونوا فجرة ويكونون بررة ، فتنموا أموالهم وتطول أعمارهم ، فكيف أذا كانوا‬
                                                               ‫أبرارا بررة )1( .‬
 ‫وربما استشكل ذلك باعتبار أن المقدر في الزل والمكتوب في اللوح المحفوظ ل‬
                    ‫يتغير بالزيادة والنقصان ، لستحالة خلف معلوم ا تعالى .‬
   ‫وأجيب بأن المراد به الترغيب أوالثناء بعد الموت ، ومثله " ماتوا فعاشوا بحسن‬
                    ‫الذكر بعدهم " ، أو زيادة البركة في الجل دون الزيادة فيه .‬
   ‫وهذا الشكال وارد في كل ترغيب ووعد ووعيد ورد في الكتاب المجيد والسنة‬
                                                                     ‫المطهرة .‬
    ‫ويندفع بما تقرر عندنا في علم الكلم من أن العلم تابع للمعلوم لمؤثر فيه ،‬
‫فكلما يحدث في العالم معلوم لله تعالى على ما هو عليه واقع من شرط أو سبب‬
 ‫، فاذا قال الصادق " ان زيدا إذا وصل رحمه زاد ا في عمره " ففعل ذلك كان‬
  ‫ذلك اخبارا بأن ا تعالى علم أن زيدا يفعل ما يزداد به عمره ، كما انه اذا أخبر‬
‫انه اذا قال " ل اله ال ا " دخل الجنة ففعل تبين ان ا علم انه يفعل ذلك‬
                                                               ‫ويدخل الجنة .‬
‫ول يشكل أيضا بقوله تعالى ) فاذا جاء أجلهم ل يستأخرون ساعة ول يستقدمون (‬
                              ‫)1( ، ) ولن يؤخر ا نفسا اذا جاء أجلها ( )2( .‬
  ‫وذلك لن الجل يصدق على الجل الموهبي والمسببي ، فيحمل في الية على‬
                                                                   ‫الموهبي .‬
   ‫أويقال : الجل هو الوقت ، فأجل الموت هو الوقت الذي علم ا وقوعه فيه ،‬
  ‫سواء كان بعد العمر الموهبي أو السببي . وليس المراد به العمر ، اذ هو مجرد‬
‫الوقت . وينبه عليه بعد دللة الخبار قوله تعالى : ) وما يعمر من معمر ول ينقص‬
                                                ‫من عمره ال في كتاب ( )3( .‬
                                                        ‫المطلب السادس‬
                                     ‫) في بيان صلة الذرية الصالحة (‬
 ‫قد مضى في الحاديث النبوية المروية عن ابن أبي عمير وابي بصير عن ابي عبد‬
  ‫ا )عليه السلم( في صدر المقدمة ماهو صريح في الحظ على ذلك ، ول ريب‬
      ‫أن في صلتهم من الثواب ما ل يحصى كثرة ، فان ا قد اكد الوصية فيهم ،‬
                                            ‫خصوصا اذا كانوا أرحاما للواصل .‬
   ‫وقد روى الصدوق في من ل يحضره الفقيه عن أبي عبد ا )عليه السلم( أنه‬
     ‫قال : قوله تعالى ) من ذا الذي يقرض ا قرضا حسنا ( )1( نزلت في صلة‬
‫المام . وقال : درهم يوصل به المام أفضل من ألف ألف درهم في غيره . وقال‬
    ‫: من لم يقدر على صلتنا فليصل صالحي اخوانه يكتب له ثواب صلتنا ، ومن لم‬
                   ‫يقدر على زيارتنا فليزر صالحي موالينا يكتب له ثواب زيارتنا .‬
                        ‫وأيضا روى الثقة الكليني باسنادين أنها نزلت في صلته .‬
   ‫ول يتوهم من ذلك احتياجه الى الصلة ، لما رواه الثقة الكليني عن الحسين بن‬
  ‫محمد بن عامر قال : قال ابو عبد ا )عليه السلم( : من زعم أن المام محتاج‬
‫الى ما في أيدي الناس فهو كافر ، انما الناس محتاجون أن يقبل منهم المام ،‬
              ‫قال ا عز وجل ) خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها (.‬

‫وفي الحديث المستفيض عن النبي )صلّى ا عليه وآله( ورواه الشيخ في التهذيب‬
 ‫باسناده عن عيسى بن عبد ا عن ابي عبد ا )عليه السلم( قال : قال رسول‬
‫ا )صلّى ا عليه وآله( : من صنع الى أحد من أهل بيتي يدا كافأته يوم القيامة .‬
 ‫وباسناده عن علي بن ابراهيم عن أبيه عن بعض اصحابنا عن ابي عبد ا )عليه‬
‫السلم( قال : قال رسول ا )صلّى ا عليه وآله( : اني شافع يوم القيامة لربعة‬
   ‫اصناف ولو جاؤا بذنوب أهل الدنيا : رجل بصر ذريتي ، ورجل بذل ماله لذريتي‬
‫عند المضيق ، ورجل أحب ذريتي باللسان والقلب ، ورجل سعى في حوائج ذريتي‬
                                                         ‫اذا طردوا أو شردوا .‬
 ‫وفي من ل يحضره الفقيه عن الصادق )عليه السلم( : اذا كان يوم القيامة نادى‬
    ‫مناد : أيها الخلئق أنصتوا فان محمدا يكلمكم . فتنصت الخلئق ، فيقوم النبي‬
    ‫)صلّى ا عليه وآله( فيقول : يامعشر الخلئق من كانت له عندي يد أو منة أو‬
       ‫معروف فليقم حتى أكافئه . فيقولون : بآبائنا وأمهاتنا وأي يد وأي منة وأي‬
‫معروف لنا ، بل اليد والمنة والمعروف لله ولرسوله على جميع الخلئق . فيقول :‬
‫بلى ، ومن آوى أحدا من أهل بيتي أو برهم أو كساهم من عرى أو أشبع جائعهم‬
    ‫فليقم حتى أكافئه . فيقوم أناس قد فعلوا ذلك ، فيأتي النداء من عند ا : يا‬
    ‫محمد ياحبيبي قد جعلت مكافأتهم اليك فأسكنهم من الجنة حيث شئت . قال :‬
                   ‫فيسكنهم في الوسيلة حتى ل يحجبون عن محمد وأهل بيته .‬
‫قلت : قد تضمن ذلك كله الحض العظيم منه )صلّى ا عليه وآله( على صلة ذريته‬
‫وأطائب عترته ، وقد وظف سهم ا سبحانه وسهمه لولى الناس به وأقربهم اليه‬
 ‫نسبا ، وهو المام القائم مقامه ، مضافا الى ما له بالصالة ، وجعل النصف الخر‬
    ‫لباقي قرابته ـ أعني يتامى اهل بيته ومساكينهم وأبناء سبيلهم رعاية لصلتهم .‬
‫وفي صحيحة ربعي بن عبد ا بن الجارود عن الصادق )عليه السلم( : ان‬
   ‫رسول ا صلى ا عليه وآله كان يقسم الخمس الذي أخذه خمسة أخماس ،‬
    ‫يأخذ خمس ا عزوجل لنفسه ، ثم يقسم الربعة الخماس من ذوي القربى‬
                             ‫واليتامى والمساكين ، يعطي كل واحد منهم حقا .‬
‫وهو محمول على أنه كان يأخذ دون حقه توفيرا على قرباه ، جمعا بين ذلك وبين‬
                     ‫الخبار الصحيحة الصريحة في قسمة الخمس ستة أسهم .‬
    ‫والحق ان الصدقة المندوبة لها حكم الواجبة في التحريم عليه وعلى أهل بيته‬
   ‫الذين هم الئمة المعصومين عليه و)عليهم السلم( ، فل يكون في عدم دفعها‬
  ‫اليهم ترك لصلتهم ، وهو الذي اختاره العلمة في التذكرة ، لما فيهم من الغض‬
      ‫والنقص وتسلط المتصدق وعلو مرتبته على المتصدق عليه ، ومنصب النبوة‬
     ‫والمامة أرفع من ذلك وأجل وأشرف . بخلف الهدية ، فانها لتقتضي ذلك .‬
‫أما سائر بني هاشم فصدقات بعضهم على بعض حلل ، والمفروض من صدقات‬
 ‫غيرهم عليهم حرام ، ال مع اعواز الخمس ، فانها حلل لهم عندنا للضرورة . أما‬
                                            ‫المندوبة فانها حلل لهم مطلقا .‬
     ‫وكذا يحل لمواليهم مطلق الصدقات عندنا ، لنهم لم يعوضوا عنها بالخمس ،‬
   ‫فانهم ل يعطون منهم ، فل يجوز أن يحرموها كسائر الناس ، وهو المروي عن‬
                                                 ‫أبي عبد ا )عليه السلم( .‬
   ‫وقد روينا بالسانيد المعتبرة أن ترك زيارة الحسين )عليه السلم( جفاء لرسول‬
                                        ‫ا )صلّى ا عليه وآله( وعقوق له .‬
                       ‫والخبار الواردة في زيارة الئمة )عليهم السلم( كثيرة :‬
 ‫فمنها ما روينا عن أبي عبد ا )عليه السلم( قال : من زار اماما مفترض الطاعة‬
                                                 ‫كان له ثواب حجة مبرورة .‬
‫وعن الرضا )عليه السلم( : ان لكل امام عهدا في اعناق أوليائه وشيعته ، وان من‬
  ‫تمام الوفاء بالعهد وحسن الداء زيارة قبورهم ، فمن زارهم رغبة في زيارتهم‬
                   ‫وتصديقا بما رغبوا فيه كانت ائمتهم شفعاءهم يوم القيامة .‬
‫ول ريب أن زيارتهم معدودة من الصلة التي قد ندب ا سبحانه اليها وأثنى على‬
‫ممتثلها بقوله عزوجل ) والذين يصلون ما امر ا به أن يوصل ( )1( ، وكذا وليتهم‬
   ‫وعدم العراض عن الرواية عنهم وعدم انكار جواز الصلة عليهم وما أنزل ا‬
    ‫فيهم والنقياد اليهم والتحامي عن ظلمهم وتسليم حقوقهم اليهم من الخلفة‬
                                  ‫والفيء والغنيمة والرث والنحلة ونحو ذلك .‬
    ‫وقد روى الشيخ في التهذيب باسناده عن أبي الصامت عن أبي عبد ا )عليه‬
    ‫السلم( قال : الكبائر سبع : الشرك بالله العظيم ، وقتل النفس الذي حرم ا‬
‫عزوجل ، وأكل أموال اليتامى ، وعقوق الوالدين ، وقذف المحصنات ، والفرار من‬
    ‫الزحف ، وانكار ما أنزل ا عزوجل . فأما الشرك بالله العظيم فقد بلغكم ما‬
‫أنزل ا فينا وما قال رسول ا )صلّى ا عليه وآله( ، فردوه على ا ورسوله .‬
    ‫وأما قتل النفس الحرام فقتل الحسين وأصحابه . وأما أكل أموال اليتامى فقد‬
    ‫ظلمنا فيئنا وذهبوا . وأما عقوق الوالدين فان ا تعالى قال في كتابه ) النبي‬
    ‫أولى بالمؤمنين من أنفسهم وازواجه امهاتهم ( )1( ، وهو أب لهم فعقوه في‬
     ‫ذريته وفي قرابته . وأما قتل المحصنات فقد قذفوا فاطمة عليها السلم على‬
  ‫منابرهم . وأما الفرار من الزحف فقد أعطوا أمير المؤمنين )عليه السلم( البيعة‬
   ‫طائعين غير مكرهين ثم فروا عنه وخذلوه . واما انكار ما أنزل ا فقد أنكروا‬
  ‫حقه وجحدوا ماجعله ا له ، وهذا ل يتعاجم فيه أحد ، فالله يقول ) ان تجتنبوا‬
           ‫كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخل ً كريما ( )2( .‬
     ‫وباسناده عن الحارث بن المغيرة البصري قال : دخلت على أبي جعفر )عليه‬
‫السلم( فجلست عنده فاذا نجية قد استأذن عليه ، فأذن له فدخل فجثا على ركبتيه‬
    ‫ثم قال : جعلت فداك اني أريد أن اسألك عن مسألة وا ما اريد بها إل ّ فكاك‬
                                                            ‫رقبتي من النار .‬
  ‫فكأنه رق له فاستوى جالسا ، فقال : يا نجية سلني فل تسألني اليوم عن شيء‬
 ‫ال اخبرتك به . قال : جعلت فداك ما تقول في فلن وفلن ؟ قال : يا نجية ان لنا‬
‫الخمس في كتاب ا ولنا النفال ولنا صفو الموال ، وهما وا اول من ظلمنا‬
 ‫حقنا في كتاب ا ، واول من حمل الناس على رقابنا ، ودماؤنا في أعناقهما الى‬
‫يوم القيامة بظلمنا اهل البيت . فقال نجية : انا ا وانا اليه راجعون ـ ثلث مرات ـ‬
  ‫هلكنا ورب الكعبة . قال : فرفع جسده عن الوسادة فاستقبل القبلة ودعا بدعاء‬
‫لم افهم منه شيئا ال سمعناه في آخر دعائه وهو يقول : اللهم احللنا ذلك لشيعتنا .‬
       ‫قال : ثم اقبل الينا بوجهه فقال : يا نجية ما على فطرة السلم غيرنا وغير‬
                                                                   ‫شيعتنا . . .‬
   ‫وهذا النحو في كتب أصحابنا لو تحرى المتصدي لحصره جمع منه مجلدات ولم‬
                                                              ‫يأت على آخره .‬
      ‫وقد روى اصحابنا اخبارا كثيرة تبلغ التواتر في التشدد من ائمة الهدى )عليهم‬
‫السلم( في الخمس والستبداد به ، وعدم رخصتهم فيه ال لشيعتهم لتطيب لهم به‬
                                                                      ‫الولدة .‬
     ‫ونقل المفيد عن بعض اصحابنا ان مستحق المام حال الغيبة من الخماس‬
‫والنفال وغيرهما يرى صلة الذرية وفقراء الشيعة به على طريق الستحباب . قال‬
                                    ‫: ولست ادفع قرب هذا القول من الصواب .‬
     ‫قلت : يؤيده ما روى عنهم )عليهم السلم( رواية مستفيضة من اباحة البعض‬
                               ‫لشيعتهم حال ظهورهم ، ففي حال الغيبة أولى .‬
  ‫وكذا صرفه الى أنسابهم حال الغيبة على وجه التتميم ، لستغنائه )عليه السلم(‬
  ‫وحاجتهم ، ولن عليه العوز عن مؤنة السنة على القل حال ظهوره ، فل يسقط‬
                                                            ‫هذا الحكم بغيبته .‬
                                ‫وبهذا استدل والدي قدس ا روحه على ذلك .‬
  ‫فان توهم متوهم أن وجوب اتمام العوز عليه من باب الحسبة ولمانع أن يكون‬
    ‫من غير الحصة . رددناه بأن أخذه مايفضل من نصيبهم عن حاجتهم سنة على‬
                ‫القتضاء يقتضي أن يكون ما اعوزهم من نصيبه )عليه السلم( .‬
‫وممن قال بمقالة المفيد في صلة فقراء الشيعة غير الهاشميين به ابن حمزة ،‬
‫وهذه عبارته : واذا لم يكن المام حاضرا فقد ذكر فيه اشياء ، والصحيح عندي انه‬
      ‫يقسم نصيبه على مواليه العارفين بحقه من أهل الفقه والصلح والسداد .‬
                     ‫* وا الهادي الى سبيل الرشاد ، ومنه المبدأ واليه المعاد .‬
 ‫وفرغ من هذا التأليف أقل العباد الفقير الى ا المتعالى حسن ابن علي بن عبد‬
‫العالي بلغه ا ما يعامله ، بمشهد ثامن ائمة السلم علي بن موسى الرضا عليه‬
        ‫افضل الصلة والسلم في شهر ربيع الخر من شهور سنة ست وسبعين‬
                                                ‫وتسعمائة من الهجرة النبوية .‬

بيان صلة الرحم.doc

  • 1.
    ‫بيان صلة الرحم‬ ‫تقديم‬ ‫هل الخلق أوهام وقيود توهمها فئة من الناس ففرضوها على المجتمعات‬ ‫فرضا وكبلوا بها اليدي والرجل والقلوب استثمارا للسذج والبسطاء ؟‬ ‫أو هي آداب ومواضعات درج عليها الناس في حياتهم العامة والخاصة وانحدرت ـ‬ ‫مع بعض التطور ـ من الباء إلى البناء ، تجعل النسان محدود التصرف في‬ ‫طيشه ونزغاته ؟‬ ‫أو هي افكار فلسفية نتجت عن عقول سليمة درست كل صغير وكبير من المظاهر‬ ‫الجتماعية وغيرها ؛ دراسات مستوعبة لتستخلص منها التجارب الخالصة وتقدمها‬ ‫الى الجيال المقبلة نبراسا ينير لهم سبل الحياة ويشع لهم طريق العيش الهنئ ؟‬ ‫ان الراء في موضوع الخلق والداب مختلفة متضاربة ، والنظريات حولها ل‬ ‫تجتمع في نقطة خاصة . وهو موضوع يستحق التحدث عنه بشيء من التفصيل‬ ‫والعناية ل نجد الن مجال كافيا لستيفائه في هذه المقدمة القصيرة .‬ ‫والذي نعتقده في هذا المجال ان النسان مجبول بطبعه على اتباع بعض الداب‬ ‫الجتماعية واتخاذ جملة من المسالك الخلقية ، وذلك لنه ليس بمقدوره أن يدرج‬ ‫مدارج الحياة ال تحت ضوابط وأصول تكون منهاجا له يسير على ضوئها .‬ ‫ولذا نرى المجتمعات كلها ـ بل استثناء مجتمع منها ـ ل تشذ عن وضع قوانين‬ ‫وآداب تحترمها وتفرض على نفسها اللتزام بها وجعلها نصب العين في كل‬ ‫تصرفاتها . وحتى الماركسية التي تناهض بشدة الصول الخلقية وتصر على‬ ‫نبذها والتخلي عنها وتراها حجر عثرة في طريق التقدم ، تلتزم ان شاءت أو أبت‬ ‫بأسس وآداب أخلقية تبثها في تعاليمها القتصادية والجتماعية .‬
  • 2.
    ‫طبعا ، تختلفالبيئات والمجتمعات والمدارس الفلسفية في آدابها وأسسها‬ ‫الخلقية حسب تكونها ونشأتها وتدرجها في مدراج الكمال أو نظرتها الى الكون‬ ‫والنسان والحياة .‬ ‫والسلم ـ الذي هو دستور ا ال قوم للنسانية ـ اهتم اهتماما بالغا بالخلق‬ ‫وأقام لها دعائم مركزة في كل مرافق البشر العتقادية والجتماعية والقتصادية‬ ‫وغيرها .‬ ‫فالقرآن الكريم جل آياته تتحدث بصراحة عن خلق المسلم وما يلزم عليه في‬ ‫سلوكه ، والحاديث الشريفة كثير منها توجهه الى تقويم أفكاره وتعديل تصرفاته‬ ‫في دينه ونفسه وأهله ومجتمعه و و . . .‬ ‫ان أبرز صفة للنبي )صلّى ا عليه وآله( يذكرها ا تعالى في قرآنه الكريم‬ ‫بالعظمة هي الخلق النبوي حيث يقول عز شأنه " انك لعلى خلق عظيم " ، كما‬ ‫أن النبي نفسه يعلل بعثته الى الخلق رسول بتميم الخلق حيث يقول عليه الصلة‬ ‫والسلم " بعثت لتمم مكارم الخلق " .‬ ‫ونرى ان السلم في اكثر نظمه الخلقية يسعى في أن يوجد ترابطا كامل ً بين‬ ‫الفرد وسائر أعضاء المجتمع ، فيدعوه الى البذل والسخاء ونبذ العداء وصدق‬ ‫اللهجة والوفاء بالوعد وتعظيم الباء وصلة الرحام والقارب وتجليل ذوي المراتب‬ ‫العلمية وقول الحق وحسن الظن بالخرين وتقدير ذوي المواهب والكف عن‬ ‫الذى الى الخ المسلم والجار والنصاف في التعامل واعطاء الحقوق الي‬ ‫أصحابها والسعي في قضاء الحوائج ، كما أنه يحذره من المكر والحيلة وسوء‬ ‫الظن والنتقام بغير الحق والعنف في الخلق والحقد والعداوة وبذاءة اللسان‬ ‫والتكبر على الخرين والعجب بالنفس والعصبية والقساوة وكتمان الحق والتعدي‬ ‫الى الموال والعراض والنفس والبخل في العطاء والغدر والغيبة والنميمة‬ ‫وافشاء السر وطلب العثرات والشماتة والسخرية والكذب وخلف الوعد والرياء‬ ‫والنفاق . . .‬
  • 3.
    ‫لو التزم المسلمبهذه الخلق وما شابهها مما هي من صميم النظام السلمي ،‬ ‫لكنت ترى مجتمعا مترابطا يسوده الهناء والرغد والطمئنان ، بعيدا عما يشوب‬ ‫حياته من القلق والضطراب .‬ ‫أما الرسالة التي تراها ماثلة أمامك ـ أيها القارئ الكريم ـ فهي تستعرض موضوعا‬ ‫هاما من الخلق السلمية التي حث القرآن الكريم والسنة الطاهرة على اتباعها‬ ‫وتطبيقها في مجالت الحياة .‬ ‫والموضوع هو ) صلة الرحم ( .‬ ‫يبدأ المؤلف رسالته بمقدمة في أهمية صلة الرحم وبعض اليات والحاديث‬ ‫الواردة فيها ، ثم مقالة فيها ستة مطالب يورد في المطلب الول معنى الرحم‬ ‫والقرابة لغة وعرفا وشرعا ، وفي الثاني معنى الصلة وما يتعلق بذلك ، وفي‬ ‫الثالث أحكام الصلة فقها ، وفي الرابع ضرورة صلة قاطع الرحم ، وفي الخامس‬ ‫فوائد صلة الرحم التي من أبرزها طول العمر ، وفي السادس صلة الذرية‬ ‫الصالحة ويريد بهم الئمة الطاهرين من ذرية الرسول )صلّى ا عليه وعليهم( .‬ ‫ان هذه الرسالة مع اختصارها تستوعب موضوع ) صلة الرحم ( كتابا وسنة‬ ‫وفقها ، وتذكر في طياتها كثيرا من أقوال كبار الفقهاء والمفسرين ، ونرى في‬ ‫طبعها ونشرها فائدة كبرى للمسلمين وللمعنيين بالمباحث السلمية .‬ ‫أما المقدمة‬ ‫فالصلة توجب الذكر الجميل في العاجلة ورفيع الدرجات في الجلة .‬
  • 4.
    ‫ول ريب أنهامن الفروض العينية ، حتى قيل ان تركها من الكبائر الموبقة .‬ ‫والذي يظهر لي أن السر في ذلك ان الجتماع مطلوب للشارع في بقاء نظام‬ ‫النوع الذي انما يتحصل ببقاء أشخاصه ، والقرابة موجبة للمودة واللفة ، ولذلك لم‬ ‫يشرع النكاح الجانب تحصيل لللفة المطلوبة للشارع ... صلة الرحم سببان‬ ‫يوجبانها ، فكان توكها من الذنب العظيم ، وقد ... الشارع على الترغيب فيها‬ ‫والوعيد على تركها .‬ ‫وفي عدة مواضع قد حض ا سبحانه في كتابه العزيز عليها ، مثل قوله تعالى :‬ ‫) ووصينا النسان بوالديه حسنا وان جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فل‬ ‫تطعهما ( .‬ ‫) وبالوالدين احسانا وذي القربى ( .‬ ‫) ان ا يأمر بالعدل والحسان وايتاء ذي القربى ( .‬ ‫) قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والقربين ( .‬ ‫) ال ترك خيرا الوصية للوالدين والقربين ( .‬ ‫) وآتى المال على حبه ذوي القربى ( .‬ ‫) ول يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى ( .‬ ‫) وأولو الرحام بعضهم اولى ببعض ( .‬ ‫ومن ذلك المر بالشكر للوالدين في قوله جل ثناؤه ) أن اشكر لي ولوالديك ( .‬ ‫وقد أمر عزوجل نبيه )صلّى ا عليه وآله( بقوله ) وأنذر عشيرتك القربين ( .‬ ‫) وأمر أهلك بالصلة ( .‬ ‫وفي أمره بأمرهم بذلك على الخصوص نظرا الى أن الهل أحق بالشفقة ايماء‬ ‫الى المطلوب .‬ ‫والسر في البدأة في بعض هذه اليات بذكر الوالدين : أن حق ذوي القربى‬ ‫كالتابع لحقهما ، لتفرع اتصالهم عليهما . ضرورة ان النسان انما يتصل به اقرباؤه‬ ‫بواسطة اتصالهما .‬
  • 5.
    ‫وكذا السر فيتقديم ذكرهم : انهم أولى بالشفقة ، فان القرابة مظنة التحاد‬ ‫واللفة والرعاية والنصرة ، فلو لم يحصل شيء من ذلك لكان أشق على القلب‬ ‫وأبلغ في اليلم . والضرر كلما كان أقوى كان دفعه أوجب ، فلهذا وجبت رعاية‬ ‫حقوق أولي الرحام .‬ ‫وأما الخبار الناطقة بذلك :‬ ‫فمنها ما رواه الثقة الجليل محمد بن يعقوب الكليني في الكافي باسناده عن‬ ‫جميل بن دراج قال : سألت ابا عبد ا )عليه السلم( عن قول ا عزوجل‬ ‫) واتقوا ا الذي تسائلون به والرحام ان ا كان عليكم رقيبا ( )1( . قال : فقال‬ ‫هي ارحام الناس ، ان ا عزوجل أمر بصلتها وعظمها ، أل ترى انه جعلها منه .‬ ‫قلت : اراد )عليه السلم( بالمر بصلتها المر على سبيل الوجوب ، ويلزم منه أن‬ ‫يكون المعنى اتقوا الرحام أن تقطعوها ، عن ابن عباس وقتادة ومجاهد‬ ‫والضحاك ، وهو المروي عن ابي جعفر )عليه السلم( . فعلى هذا يكون "‬ ‫الرحام " منصوبا عطفا على اسم ا .‬ ‫وآخر الية يجري مجرى الوعد والوعيد والترهيب والترغيب فان الرقيب هو‬ ‫المراقب الذي يحفظ جميع الفعال ، ومن هذه صفته يجب أن يخاف ويرجى .‬ ‫وروى أيضا الثقة المذكور باسناده عن ابن أبي عمير عن أبي عبد ا )عليه‬ ‫السلم( قال : ) الذين يصلون ما أمر ا به أن يوصل ( )2( نزلت في رحم آل‬ ‫محمّد عليه و)عليهم السلم( ، وقد تكون في قرابتك . ثم قال : ول تكونن ممن‬ ‫يقول للشيء انه في شيء واحد .‬ ‫قلت : لعله )عليه السلم( يشير بذلك الى أنه ل عبرة بخصوص سبب النزول ، وانما‬ ‫العبرة بعموم اللفظ ، وحينئذ ل يبعد الستدلل بذلك على الترغيب في صلة مطلق‬ ‫القرابة حتى النائية بسبب اليمان .‬ ‫وروى أيضا باسناده عن أبي بصير عن أبي عبد ا )عليه السلم( مثله .‬ ‫وباسناده عن محمّد بن فضيل الصيرفي عن الرضا )عليه السلم( مثله أيضا .‬
  • 6.
    ‫وباسناده عن حنانبن سدير عن أبيه عن ابي جعفر )عليه السلم( قال : قال‬ ‫ابوذر رحمه ا : سمعت رسول ا )صلّى ا عليه وآله( يقول : حافتا الصراط )‬ ‫1( يوم القيامة الرحم والمانة ، فاذا مر الوصول للرحم المؤدي للمانة نفذ الى‬ ‫الجنة ، واذا مر الخائن للمانة القطوع للرحم لم ينفعه معهما عمل ويكبونه في‬ ‫النار )2( وباسناده عن يونس بن عمار قال : قال ابوعبد ا )عليه السلم( : أول‬ ‫ناطق من الجوارح يوم القيامة الرحم ، تقول : يا رب من وصلني في الدنيا فصل‬ ‫اليوم ما بينك وبينه ، ومن قطعني في الدنيا فاقطع اليوم ما بينك وبينه .‬ ‫وروى ابو علي الفضل بن الحسن الطبرسي في مجمع البيان باسناده عن النبي‬ ‫)صلّى ا عليه وآله( قال : قال ا تعالى : أنا الرحمن ، خلقت الرحم وشققت‬ ‫لها اسما من اسمي ، فمن وصلها وصلته ومن قطعها بتته .‬ ‫قال : وفي أمثال هذا الخبر كثرة .‬ ‫قلت : أراد بذلك أنه بمنزلة التواتر معنى .‬ ‫وباسناده عن الصبغ بن نباتة عن امير المؤمنين )عليه السلم( قال : ان احدكم‬ ‫ليغضب فما يرضى حتى يدخل به النار ، فأيما رجل غضب على رحمه فليمسنه ،‬ ‫فان الرحم اذا مستها الرحم استقرت ، وانها معلقة بالعرش تنادي : اللهم صل من‬ ‫وصلني واقطع من قطعني .‬ ‫قلت : ل ينافي ذلك مارواه الصدوق في عيون اخبار الرضا عن ابيه موسى عليهما‬ ‫السلم قال : أخبرني أبي عن آبائه عن جدي عن رسول ا )صلّى ا عليه وآله(‬ ‫قال : الرحم اذا مستها الرحم تحركت واضطربت .‬ ‫وذلك لن استقرارها من الغضب وزوال سورته عنها انما هو تحرك الدم‬ ‫واضطراب العروق الناشئين من المس المثمرين للرقة .‬ ‫وروى الشيخ ابو جعفر محمد بن الحسن الطوسي في التهذيب عن السكوني ،‬ ‫ورواه ايضا الصدوق في من ل يحضره الفقيه باسناده قال : قال رسول ا‬
  • 7.
    ‫)صلّى ا عليهوآله( : الصدقة بعشرة ، والقرض بثمانية عشر ، وصلة الخوان‬ ‫بعشرين ، وصلة الرحم بأربعة وعشرين .‬ ‫وباسناده عن عبد ا بن عجلن قال : قال لبي جعفر )عليه السلم( : اني ربما‬ ‫قسمت الشيء بين أصحابي أصلهم به فكيف أعطيهم ؟ قال : اعطهم على الهجر‬ ‫في الدين والفقه والعلم .‬ ‫ول خلف وفي جواز الوصية للرحم ، لما فيه من الجمع بين الصدقة والصلة ، بل‬ ‫قد ورد النص بجواز الوصية له وان كان كافرا وهو الذي نقله الطبرسي في مجمع‬ ‫البيان عن كثير من العلماء .‬ ‫ونقل عن اصحابنا أنها جائزة للوالدين والولد ، وحجتهم في جوازها للوالدين ما‬ ‫تقدم من اليات الدال بعضها على ذلك بالنص الصريح ، ولهذا يجب أن يخص بها‬ ‫مجموع ما سيأتي من الدلة الدالة على المنع من صلة كل عدو لله سبحانه بسبب‬ ‫استثناء هذا الفرد منه .‬ ‫وقد أجمعوا على استحباب اختصاص الرحم بالصدقة الواجبة مع وجود الصفات‬ ‫المقتضية للستحقاق ، لقوله )عليه السلم( : ل صدقة وذو رحم محتاج .‬ ‫ولن العتناء به في نظر الشارع أتم من غيره ، ولهذا ورثه وكتب له الوصية عند‬ ‫حضور الموت بتوفير نصيبه في قوله ) كتب عليكم اذا حضر أحدكم الموت ان ترك‬ ‫خيرا الوصية للوالدين والقربين ( )1( ، لما فيها من زيادة الصلة .‬ ‫وامر الولد الكبر بوجوب التحمل عن أبيه ما فاته من صلة وصيام تمكن منه ومات‬ ‫قبل أدائه ، واستحباب الحج عنه مع المكنة .‬ ‫ونهى عن الرجوع فيما وهبه لقريبه ولو بدون التصرف والتعويض ، فكان الدفع‬ ‫اليه أولى ، وهو المروي عن الكاظم )عليه السلم( .‬ ‫وكذا صدقة التطوع مستحب له ، لقوله تعالى ) يتيما ذا مقربة ( )2( .‬ ‫وقال )عليه السلم( : الصدقة على المسكين صدقة ، وهي على ذي الرحم صدقة‬ ‫وصلة .‬ ‫واما المقالة ففيها مطالب :‬
  • 8.
    ‫المطلب الول‬ ‫) في بيان معنى الرحم (‬ ‫" الرحم " لغة القرابة المطلقة ، وكذا عرفا )1( . وأورد ابو القاسم الراغب في‬ ‫مفرداته ان استعارته من رحم النثى ، لكونهم خارجين من رحم واحدة ، وأصله‬ ‫الرحمة ، وذلك لنها مما يتراحم به ويتعاطف ، يقولون " وصلتك رحم " .‬ ‫ومن أجل ما ذكرناه من اللغة والعرف ذهب علماؤنا الى تسمية القرابة المطلقة‬ ‫رحما ، سواء الذكر والثنى والوارث وغير الوارث والمحرم وغير المحرم والمسلم‬ ‫والكافر ، من قبل الب والم أو من قبل أحدهما ، لن السم يتناول الجميع على‬ ‫السواء ولم يعهد في الشرع معنى آخر وضع هذا اللفظ له ، فوجب صرفه الى‬ ‫المتعارف ، كما هو المعهود من عادة الشرع .‬ ‫ويؤيده ما رواه علي بن ابراهيم في تفسيره عن علي )عليه السلم( قال : قوله‬ ‫تعالى ) فهل عسيتم ان توليتم أن تفسدوا في الرض وتقطعوا ارحامكم ( )1(‬ ‫نزلت في بني امية بقتلهم الحسين )عليه السلم( .‬ ‫وذلك لنهم لصاق بعبد مناف ، بسبب أن اخاه ربى عبدا له روميا اسمه " امية " )‬ ‫2( ، والى ذلك اشار أمير المؤمنين )عليه السلم( لما كتب اليه معاوية " انما نحن‬ ‫وانتم بنو عبد مناف " : ليس المهاجر كالطليق ول الصريح كاللصيق وبعض العامة‬ ‫قصر ذلك على المحارم الذين يحرم التناكح بينهم ان كانوا ذكورا و اناثا ، وان كانوا‬ ‫من قبيل يقدر احدهما ذكرا والخر أنثى ، فان حرم التناكح بينهم فهم الرحم .‬ ‫محتجا بأن تحريم الختين انما كان لما يتضمن من قطيعة الرحم ، وكذا تحريم‬ ‫اصالة الجمع بين العمة والخالة وابنة الخ و الخت مع عدم الرضا عندنا ومطلقا‬ ‫عندهم .‬ ‫ويرده ما تقدم .‬ ‫نعم يشترط أن ل يبعد الشخص جدا بحيث ل يعد في العرف انه من القرابة ، وال‬ ‫لكان جميع الناس أقرباء ، لشتراكهم في آدم )عليه السلم( .‬
  • 9.
    ‫وللمفيد قول بارتقاءالقرابة الى آخر أب وأم في السلم ، وهو قول الشيخ في‬ ‫النهاية ، ونقحه العلمة في القواعد بأن المراد بهمن يتقرب اليه ولو بأبعد جد أو‬ ‫جدة ، بشرط كونهما مسلمين ، فالجد البعيد ومن كان من فروعه وان بعدت‬ ‫مرتبته بالنسبة اليه معدود قرابة اذا كان مسلما .‬ ‫ويضعف بأنه قد ل يساعد العرف عليه ، فان من عرض تقربه الى جد بعيد جدا‬ ‫ليعد قرابة عرفا وان كان الجد مسلما ، للعلة المتقدمة . وما قلناه أول ً مختار‬ ‫المبسوط والخلف ، واليه ذهب ابن البراج وابن ادريس واكثر المتأخرين ، وقد مر‬ ‫وجهه .‬ ‫ووجه الثاني قوله )عليه السلم( " قطع السلم ارحام الجاهلية " وقوله تعالى‬ ‫لنوح عن ابنه ) انه ليس من أهلك (‬ ‫ورده ابو القاسم جعفر بن سعيد في الشرايع بأنه غير مستند الى شاهد .‬ ‫وتوجيهه : انتفاء النص الصريح فيه ، اذ لم يرد فيه ال هذه الرواية ، وهي مع‬ ‫تسليم سندها غير دالة على المراد ، لن قطع الرحم للجاهلية ل يدل على قطع‬ ‫القرابة مطلقا مع أصناف الكفار وكذا قطع الهلية عن نوح .‬ ‫قال ابن الجنيد : القريب من تقرب من جهة الب أو الوالدين .‬ ‫قال : ول اختار أن يتجاوز بالتفرقة ولد الب الرابع ، لن النبي صلى ا عليه وآله‬ ‫لم يتجاوز ذلك في تفرقة سهم ذوي القربى من الخمس ، ول دللة على أن ذوي‬ ‫القربى حقيقة في مستحق الخمس ، وانما ذلك أمر أراده ا تعالى وفسره النبي‬ ‫)صلّى ا عليه وآله( ، بدليل ما روى أنه لما نزل ) قل ل أسئلكم عليه أجرا ال‬ ‫المودة في القربى ( )2( قيل : يا رسول ا من قرابتك هؤلء الذين وجبت‬ ‫علينا مودتهم ؟ قال : علي وفاطمة وابناهما . ذكره الزمخشري في الكشاف‬ ‫وغيره ، واخبارنا ناطقة بأن باقي الئمة المعصومين من قرباه الذين وجبت علينا‬ ‫مودتهم .‬
  • 10.
    ‫هذا معنى آخرللقرابة بالنسبة اليه )عليه السلم( سوى الول ، وهو قاض بأن‬ ‫للنبي )صلّى ا عليه وآله( في القرابة معنى خاصا به ، للقطع بأن القرابة في‬ ‫حق غيره )عليه السلم( ل يقتصر فيها على احدى بناته وأولدها وبعلها الذي من‬ ‫شجرته . فالمرجع حيئذ الى العرف .‬ ‫وعن أبي حنيفة وابي يوسف عدم اطلق اسم القريب على الجد وولد الولد‬ ‫والوالدين والولد حي ، لن عندهم من سمى والده قريبا كان عاقا ، لن القريب‬ ‫من يتقرب الى غيره بواسطة الغير ، وتقرب الوالد والولد بنفسهما ل بغيرهما ،‬ ‫لقوله تعالى " والقربين " عطفه على الوالدين . ول حجة فيه .‬ ‫وقال فخر الدين الرازي في تفسيره الكبير: لو أوصى لقرابته دخل قرابة الم في‬ ‫وصية العجم ول تدخل في وصية العرب على الظهر ، لنهم ل يعدون ذلك قرابة ،‬ ‫بخلف ما لو أوصى لرحامه فانه يدخل قرابة الب والم . والحق عدم الفرق .‬ ‫المطلب الثاني‬ ‫) في بيان معنى الصلة وما يتعلق بذلك (‬ ‫قال الجوهري : الوصل ضد الهجران ، والتواصل ضد التصارم .‬ ‫فالقطيعة تحصل بالهجران وعدم الحسان وماشاكلهما من وجوه الصلة ، وتحصل‬ ‫ايضا بنفي النسب الثابت شرعا .‬ ‫والمرجع في الصلة الى العرف ، اذ لحقيقة لها شرعية ول لغوية . وهو يختلف‬ ‫باختلف العادات وبعد المنازل وقربها ، فربما تحققت الصلة في عرف قوم بأمر‬ ‫في حالة ول تتحقق في عرف آخرين في تلك الحالة .‬ ‫وربما كان بعد المنازل سببا لسقوط المر ببعض أنواعها ، كالزيارة فان البعد‬ ‫سبب في سقوط المر بها مع العسر .‬ ‫وقد روى الثقة الكليني عن جابر عن أبي جعفر )عليه السلم( قال : قال رسول‬ ‫ا )صلّى ا عليه وآله( : أوصى الشاهد من أمتي والغائب منهم ومن في‬
  • 11.
    ‫أصلب الرجال وأرحامالنساء أن يصل الرحم وان كانت منه على مسيرة سنة ،‬ ‫فان ذلك من الدين .‬ ‫واعلم أن صلة من يطلب وصله من الرحام والقرابات ـ ويدخل فيه قرابة الرسول‬ ‫)صلّى ا عليه وآله( وقرابة المؤمنين الثابتة بسبب اليمان ـ تتأدى بالحسان اليهم‬ ‫بحسب الطاقة والذب عنهم ونصرتهم والنصيحة لهم ودعوة المخالفين منهم الى‬ ‫اليمان وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وحسن الخلق معهم وايصال حقهم‬ ‫اليهم وحفظ أموالهم عليهم وعيادة مرضاهم وحضور جنائزهم ومراعاة حقوق‬ ‫الرفقاء منهم في السفر والمجاورين والخدم منهم ونحو ذلك .‬ ‫ول ريب انه مع فقر بعض الرحام ـ وهم العمودان أعني الباء وان علوا والولد‬ ‫وان نزلوا ـ تجب الصلة بالمال ، وتستحب لباقي القارب ، وتتأكد في الوارث .‬ ‫للعلم بأنه اذا كانت القرابة قريبة كان المر بالصلة آكد وأقوى ، والموصول به هو‬ ‫قدر النفقة .‬ ‫ولو كان له قريبان مضطران الى النفاق وليس هناك ما يفضل عن أحدهما قدم‬ ‫واجب النفقة ، فان وجبت نفقتهما قدم القرب فالقرب ، فان تساويا فالقسمة‬ ‫على القرب .‬ ‫ولو كان عنده ما لو أطعمه أحدهما لعاش يوما ولو قسمه بينهما لعاش كل منهما‬ ‫نصف يوم ، فالظاهر القسمة ، لعموم قوله تعالى ) ان ا يأمر بالعدل والحسان‬ ‫( )1( ، ولرجاء ما يتمم به حياة كل منهما .‬ ‫وهل القسمة على الرؤوس أو على سد الخلقة ؟ احتمالن ، ويرجح الثاني أنه‬ ‫داخل في العدل ، اذ يجب عليه مع القدرة اشباعهما مع اختلف قدر أكلهما ،‬ ‫فليكن كذلك مع العجز .‬ ‫ول تجب عليه هذه الصلة مع غنى القريب وان كان أحد العمودين . نعم تستحب‬ ‫الهدية اليه بنفسه أو رسوله .‬
  • 12.
    ‫قال الشهيد فيقواعده : وأعظم الصلة ما كان بالنفس ، وفيه أخبار كثيرة ، ثم‬ ‫بدفع الضرر عنها ، ثم بجلب النفع اليها ، ثم بصلة من تحب وان لم يكن رحما‬ ‫للواصل كزوجة الب والخ وموله ، وأدناها السلم بنفسه أو رسوله ، والدعاء‬ ‫بظهر الغيب والثناء في المحضر .‬ ‫قلت : الذي يدل على أن أدناها مثل ذلك قوله )عليه السلم( " صلوا أرحامكم ولو‬ ‫بالسلم " ، ولو أداه بنفسه كان أفضل ، ولو انضم الى ذلك الصلة بالمال لمن‬ ‫لتجب عليه نفقته كان أكمل . نعم لو كان على غير التقوى فينبغي أن يكون‬ ‫الدعاء له بخلوصه من الثم أولى من زيارته وامداده بالمال .‬ ‫وفي الدعاء بظهر الغيب أجر عظيم ، فقد روى عن النبي صلّى ا عليه و آله :‬ ‫من دعا لخيه بظهر الغيب ناداه ملك من السماء : ولك مثله .‬ ‫المطلب الثالث‬ ‫) في بيان احكام الصلة (‬ ‫الصلة تنقسم بانقسام الحكام القتضائية : فالواجب ما يخرج به عن القطيعة‬ ‫المحرمة ، والمستحب ما زاد على ذلك ، والحرام قطيعة القرابة او صلة الكافر ،‬ ‫ومنه مخالف الحق الشريف وان لم يكن ناصبا ، فان من هذا شأنه يجب البراءة‬ ‫منه وإن كان أقرب الناس وألصقهم نسبا ، لقوله تعالى ) ل تجد قوما يؤمنون بالله‬ ‫واليوم الخر يوادون من حاد ا ورسوله ولو كانوا آباءهم او أبناءهم أو اخوانهم‬ ‫أو عشيرتهم ( )1( .‬ ‫قال الزمخشري في الكشاف : معناه ان من الممتنع المحال أن تجد قوما مؤمنين‬ ‫يوادون المخالفين لله ، والغرض انه ل ينبغي أن يكون ذلك ، وحقه ان يمتنع ول‬ ‫يوجد بحال ، مبالغة في النهي عنه والزجر عن ملبسته والتصلب في مجانبة أعداء‬ ‫ا ومباعدتهم . وانما حرمت صلته لنها تقتضي خلف ما أمر ا به من ذلك .‬ ‫وبمدلول هذه الية جملة من النصوص ، وقد أشرنا فيما تقدم الى استثناء‬ ‫الوالدين للية المتقدمة .‬
  • 13.
    ‫والمكروه صلة المستضعف، وهو من ل يعرف الحق ول يعاند فيه ول يوالي أحدا‬ ‫بعينه ، فانه ليس بمؤمن ، والمأمور بصلته انما هو المؤمن .‬ ‫ولما كانت الصلة عبادة امتنع انقسامها الى المباح ، لخلوه من الرجحان المعتبر‬ ‫في العبادة .‬ ‫المطلب الرابع‬ ‫) في بيان صلة القاطع (‬ ‫القاطع ل ينقطع حقه من الصلة اجماعا ، اذ بترك عبادة من مكلف لتسقط تلك‬ ‫العبادة من مكلف آخر ضرورة ، وقد ورد في ذلك من النصوص ما ل يحصى كثرة‬ ‫:‬ ‫فمنها ما رواه الثقة الكليني باسناده عن علي بن النعمان قال اسحاق بن عمار :‬ ‫بلغني عن ابي عبد ا )عليه السلم( أن رجل ً أتى النبي )صلّى ا عليه وآله(‬ ‫فقال : يا رسول ا أهل بيتي أبوا ال تقريبا ) كذا ( على )1( وقطيعة لي وشتيمة‬ ‫فأرفضهم ؟ قال : فاذا يرفضكم ا جيمعا . قال : فكيف أصنع ؟ قال : تصل من‬ ‫قطعك ، وتعطي من حرمك ، وتعفو عمن ضلمك ، فانك اذا فعلت ذلك كان لك‬ ‫من ا عليهم ظهيرا .‬ ‫وباسناده عن عبد ا بن سنان عن أبي عبد ا )عليه السلم( مثله .‬ ‫وباسناده عن السكوني عنه )عليه السلم( قال : قال رسول ا )صلّى ا عليه‬ ‫وآله( : ل تقطع رحمك وان قطعك .‬ ‫وروى الشيخ في التهذيب باسناده عن السكوني عنه )عليه السلم( قال : سئل‬ ‫رسول ا )صلّى ا عليه وآله( : أي الصدقة أفضل ؟ قال : على ذي الرحم‬ ‫الكاشح .‬ ‫قال الجوهري : الكاشح الذي يضمر لك العداوة ، يقال كشح له بالعداوة وكاشحه‬ ‫بمعنى .‬
  • 14.
    ‫وباسناده عن محمدبن ابي عمير عن عبد الحميد عن سلمى مولة ولد ابي عبد‬ ‫ا )عليه السلم( قال : كنت عند ابي عبد ا )عليه السلم( حين حضرته الوفاة ،‬ ‫فأغمي عليه فلما أفاق قال : أعطوا الحسن بن علي بن الحسين بن علي ـ وهو‬ ‫الفطس ـ سبعين دينارا .‬ ‫قلت له : أفتعطي رجل ً حمل عليك بالشفرة ؟ فقال : ويحك أما تقرأ القرآن ؟‬ ‫قلت : بلى . قال : أما سمعت قوله تعالى ) والذين يصلون ما أمر ا به أن يوصل‬ ‫ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب ( .‬ ‫ول يضر ضعف بعض أسانيدها ، لعتضادها بما هو أصح اسنادا وانجبارها بعمل‬ ‫الصحاب .‬ ‫وكل حديث اشتمل على مقابلة المسيء بالحسان والمحسن بالمتنان فهو نص‬ ‫في الباب ، وكذا الية الواردة بالعراض عن الجاهلين ، بناءا على ما أورده القوم‬ ‫ـ منهم المقداد بن عبد ا السيوري ـ من أنها لما نزلت سأل رسول ا )صلّى ا‬ ‫عليه وآله( جبرئيل عن معناها ، فقال : ل أدري حتى أسأل ربك . ثم رجع فقال :‬ ‫يا محمد ان ربك أمرك أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ضلمك‬ ‫.‬ ‫المطلب الخامس‬ ‫) في بيان أن الصلة تعطيل العمر (‬ ‫قد تظافرت الخبار بذلك ، ورواه الثقة الكليني باسناده عن محمد بن عبد ا‬ ‫قال : قال ابو الحسن الرضا )عليه السلم( : يكون الرجل يصل رحمه فيكون قد‬ ‫بقي من عمره ثلث سنين فيصيرها ا ثلثين سنة ، ويفعل ا ما يشاء .‬ ‫وباسناده عن اسحاق بن عمار قال : قال ابو عبد ا )عليه السلم( ما نعلم شيئا‬ ‫يزيد في العمر ال صلة الرحم ، حتى أن الرجل يكون عمره ثلث سنين فيكون‬ ‫وصول للرحم فيزيد ا في عمره ثلثين سنة فيجعلها ثلثا وثلثين سنة ، ويكون‬
  • 15.
    ‫اجله ثلثا وثلثينسنة فيكون قاطعا للرحم فينقصه ا عزوجل ويجعل أجله الى‬ ‫ثلث سنين .‬ ‫وباسناده عن الحسن بن علي الوشاء عن ابي الحسن الرضا )عليه السلم( مثله .‬ ‫قلت : ل يضر تفاوت الزيادة في هذا الحديث والذي تقدمه على الول ، لن الزيادة‬ ‫غير المنافية مقبولة ، وفي قوله )عليه السلم( " ما نعلم شيئا " الخ ، مزيد ترغيب‬ ‫في الصلة وتأكيد لكونها سببا لها .‬ ‫وباسناده عن ابي حمزة قال : قال ابو جعفر )عليه السلم( : صلة الرحام تزكي‬ ‫العمال ، وتنمي الموال ، وتدفع البلوى ، وتيسر الحساب ] وتنسيء [ )1( في‬ ‫الجل .‬ ‫وباسناده عن عبد الحميد عن الحكم الحناط قال : قال ابو عبد ا )عليه‬ ‫السلم( : صلة الرحم وحسن الجوار يعمران الديار ويزيدان في العمار .‬ ‫باسناده عن عبد ا بن سنان عن ابي عبد ا )عليه السلم( قال : ان القوم‬ ‫ليكونوا فجرة ويكونون بررة ، فتنموا أموالهم وتطول أعمارهم ، فكيف أذا كانوا‬ ‫أبرارا بررة )1( .‬ ‫وربما استشكل ذلك باعتبار أن المقدر في الزل والمكتوب في اللوح المحفوظ ل‬ ‫يتغير بالزيادة والنقصان ، لستحالة خلف معلوم ا تعالى .‬ ‫وأجيب بأن المراد به الترغيب أوالثناء بعد الموت ، ومثله " ماتوا فعاشوا بحسن‬ ‫الذكر بعدهم " ، أو زيادة البركة في الجل دون الزيادة فيه .‬ ‫وهذا الشكال وارد في كل ترغيب ووعد ووعيد ورد في الكتاب المجيد والسنة‬ ‫المطهرة .‬ ‫ويندفع بما تقرر عندنا في علم الكلم من أن العلم تابع للمعلوم لمؤثر فيه ،‬ ‫فكلما يحدث في العالم معلوم لله تعالى على ما هو عليه واقع من شرط أو سبب‬ ‫، فاذا قال الصادق " ان زيدا إذا وصل رحمه زاد ا في عمره " ففعل ذلك كان‬ ‫ذلك اخبارا بأن ا تعالى علم أن زيدا يفعل ما يزداد به عمره ، كما انه اذا أخبر‬
  • 16.
    ‫انه اذا قال" ل اله ال ا " دخل الجنة ففعل تبين ان ا علم انه يفعل ذلك‬ ‫ويدخل الجنة .‬ ‫ول يشكل أيضا بقوله تعالى ) فاذا جاء أجلهم ل يستأخرون ساعة ول يستقدمون (‬ ‫)1( ، ) ولن يؤخر ا نفسا اذا جاء أجلها ( )2( .‬ ‫وذلك لن الجل يصدق على الجل الموهبي والمسببي ، فيحمل في الية على‬ ‫الموهبي .‬ ‫أويقال : الجل هو الوقت ، فأجل الموت هو الوقت الذي علم ا وقوعه فيه ،‬ ‫سواء كان بعد العمر الموهبي أو السببي . وليس المراد به العمر ، اذ هو مجرد‬ ‫الوقت . وينبه عليه بعد دللة الخبار قوله تعالى : ) وما يعمر من معمر ول ينقص‬ ‫من عمره ال في كتاب ( )3( .‬ ‫المطلب السادس‬ ‫) في بيان صلة الذرية الصالحة (‬ ‫قد مضى في الحاديث النبوية المروية عن ابن أبي عمير وابي بصير عن ابي عبد‬ ‫ا )عليه السلم( في صدر المقدمة ماهو صريح في الحظ على ذلك ، ول ريب‬ ‫أن في صلتهم من الثواب ما ل يحصى كثرة ، فان ا قد اكد الوصية فيهم ،‬ ‫خصوصا اذا كانوا أرحاما للواصل .‬ ‫وقد روى الصدوق في من ل يحضره الفقيه عن أبي عبد ا )عليه السلم( أنه‬ ‫قال : قوله تعالى ) من ذا الذي يقرض ا قرضا حسنا ( )1( نزلت في صلة‬ ‫المام . وقال : درهم يوصل به المام أفضل من ألف ألف درهم في غيره . وقال‬ ‫: من لم يقدر على صلتنا فليصل صالحي اخوانه يكتب له ثواب صلتنا ، ومن لم‬ ‫يقدر على زيارتنا فليزر صالحي موالينا يكتب له ثواب زيارتنا .‬ ‫وأيضا روى الثقة الكليني باسنادين أنها نزلت في صلته .‬ ‫ول يتوهم من ذلك احتياجه الى الصلة ، لما رواه الثقة الكليني عن الحسين بن‬ ‫محمد بن عامر قال : قال ابو عبد ا )عليه السلم( : من زعم أن المام محتاج‬
  • 17.
    ‫الى ما فيأيدي الناس فهو كافر ، انما الناس محتاجون أن يقبل منهم المام ،‬ ‫قال ا عز وجل ) خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها (.‬ ‫وفي الحديث المستفيض عن النبي )صلّى ا عليه وآله( ورواه الشيخ في التهذيب‬ ‫باسناده عن عيسى بن عبد ا عن ابي عبد ا )عليه السلم( قال : قال رسول‬ ‫ا )صلّى ا عليه وآله( : من صنع الى أحد من أهل بيتي يدا كافأته يوم القيامة .‬ ‫وباسناده عن علي بن ابراهيم عن أبيه عن بعض اصحابنا عن ابي عبد ا )عليه‬ ‫السلم( قال : قال رسول ا )صلّى ا عليه وآله( : اني شافع يوم القيامة لربعة‬ ‫اصناف ولو جاؤا بذنوب أهل الدنيا : رجل بصر ذريتي ، ورجل بذل ماله لذريتي‬ ‫عند المضيق ، ورجل أحب ذريتي باللسان والقلب ، ورجل سعى في حوائج ذريتي‬ ‫اذا طردوا أو شردوا .‬ ‫وفي من ل يحضره الفقيه عن الصادق )عليه السلم( : اذا كان يوم القيامة نادى‬ ‫مناد : أيها الخلئق أنصتوا فان محمدا يكلمكم . فتنصت الخلئق ، فيقوم النبي‬ ‫)صلّى ا عليه وآله( فيقول : يامعشر الخلئق من كانت له عندي يد أو منة أو‬ ‫معروف فليقم حتى أكافئه . فيقولون : بآبائنا وأمهاتنا وأي يد وأي منة وأي‬ ‫معروف لنا ، بل اليد والمنة والمعروف لله ولرسوله على جميع الخلئق . فيقول :‬ ‫بلى ، ومن آوى أحدا من أهل بيتي أو برهم أو كساهم من عرى أو أشبع جائعهم‬ ‫فليقم حتى أكافئه . فيقوم أناس قد فعلوا ذلك ، فيأتي النداء من عند ا : يا‬ ‫محمد ياحبيبي قد جعلت مكافأتهم اليك فأسكنهم من الجنة حيث شئت . قال :‬ ‫فيسكنهم في الوسيلة حتى ل يحجبون عن محمد وأهل بيته .‬ ‫قلت : قد تضمن ذلك كله الحض العظيم منه )صلّى ا عليه وآله( على صلة ذريته‬ ‫وأطائب عترته ، وقد وظف سهم ا سبحانه وسهمه لولى الناس به وأقربهم اليه‬ ‫نسبا ، وهو المام القائم مقامه ، مضافا الى ما له بالصالة ، وجعل النصف الخر‬ ‫لباقي قرابته ـ أعني يتامى اهل بيته ومساكينهم وأبناء سبيلهم رعاية لصلتهم .‬
  • 18.
    ‫وفي صحيحة ربعيبن عبد ا بن الجارود عن الصادق )عليه السلم( : ان‬ ‫رسول ا صلى ا عليه وآله كان يقسم الخمس الذي أخذه خمسة أخماس ،‬ ‫يأخذ خمس ا عزوجل لنفسه ، ثم يقسم الربعة الخماس من ذوي القربى‬ ‫واليتامى والمساكين ، يعطي كل واحد منهم حقا .‬ ‫وهو محمول على أنه كان يأخذ دون حقه توفيرا على قرباه ، جمعا بين ذلك وبين‬ ‫الخبار الصحيحة الصريحة في قسمة الخمس ستة أسهم .‬ ‫والحق ان الصدقة المندوبة لها حكم الواجبة في التحريم عليه وعلى أهل بيته‬ ‫الذين هم الئمة المعصومين عليه و)عليهم السلم( ، فل يكون في عدم دفعها‬ ‫اليهم ترك لصلتهم ، وهو الذي اختاره العلمة في التذكرة ، لما فيهم من الغض‬ ‫والنقص وتسلط المتصدق وعلو مرتبته على المتصدق عليه ، ومنصب النبوة‬ ‫والمامة أرفع من ذلك وأجل وأشرف . بخلف الهدية ، فانها لتقتضي ذلك .‬ ‫أما سائر بني هاشم فصدقات بعضهم على بعض حلل ، والمفروض من صدقات‬ ‫غيرهم عليهم حرام ، ال مع اعواز الخمس ، فانها حلل لهم عندنا للضرورة . أما‬ ‫المندوبة فانها حلل لهم مطلقا .‬ ‫وكذا يحل لمواليهم مطلق الصدقات عندنا ، لنهم لم يعوضوا عنها بالخمس ،‬ ‫فانهم ل يعطون منهم ، فل يجوز أن يحرموها كسائر الناس ، وهو المروي عن‬ ‫أبي عبد ا )عليه السلم( .‬ ‫وقد روينا بالسانيد المعتبرة أن ترك زيارة الحسين )عليه السلم( جفاء لرسول‬ ‫ا )صلّى ا عليه وآله( وعقوق له .‬ ‫والخبار الواردة في زيارة الئمة )عليهم السلم( كثيرة :‬ ‫فمنها ما روينا عن أبي عبد ا )عليه السلم( قال : من زار اماما مفترض الطاعة‬ ‫كان له ثواب حجة مبرورة .‬ ‫وعن الرضا )عليه السلم( : ان لكل امام عهدا في اعناق أوليائه وشيعته ، وان من‬ ‫تمام الوفاء بالعهد وحسن الداء زيارة قبورهم ، فمن زارهم رغبة في زيارتهم‬ ‫وتصديقا بما رغبوا فيه كانت ائمتهم شفعاءهم يوم القيامة .‬
  • 19.
    ‫ول ريب أنزيارتهم معدودة من الصلة التي قد ندب ا سبحانه اليها وأثنى على‬ ‫ممتثلها بقوله عزوجل ) والذين يصلون ما امر ا به أن يوصل ( )1( ، وكذا وليتهم‬ ‫وعدم العراض عن الرواية عنهم وعدم انكار جواز الصلة عليهم وما أنزل ا‬ ‫فيهم والنقياد اليهم والتحامي عن ظلمهم وتسليم حقوقهم اليهم من الخلفة‬ ‫والفيء والغنيمة والرث والنحلة ونحو ذلك .‬ ‫وقد روى الشيخ في التهذيب باسناده عن أبي الصامت عن أبي عبد ا )عليه‬ ‫السلم( قال : الكبائر سبع : الشرك بالله العظيم ، وقتل النفس الذي حرم ا‬ ‫عزوجل ، وأكل أموال اليتامى ، وعقوق الوالدين ، وقذف المحصنات ، والفرار من‬ ‫الزحف ، وانكار ما أنزل ا عزوجل . فأما الشرك بالله العظيم فقد بلغكم ما‬ ‫أنزل ا فينا وما قال رسول ا )صلّى ا عليه وآله( ، فردوه على ا ورسوله .‬ ‫وأما قتل النفس الحرام فقتل الحسين وأصحابه . وأما أكل أموال اليتامى فقد‬ ‫ظلمنا فيئنا وذهبوا . وأما عقوق الوالدين فان ا تعالى قال في كتابه ) النبي‬ ‫أولى بالمؤمنين من أنفسهم وازواجه امهاتهم ( )1( ، وهو أب لهم فعقوه في‬ ‫ذريته وفي قرابته . وأما قتل المحصنات فقد قذفوا فاطمة عليها السلم على‬ ‫منابرهم . وأما الفرار من الزحف فقد أعطوا أمير المؤمنين )عليه السلم( البيعة‬ ‫طائعين غير مكرهين ثم فروا عنه وخذلوه . واما انكار ما أنزل ا فقد أنكروا‬ ‫حقه وجحدوا ماجعله ا له ، وهذا ل يتعاجم فيه أحد ، فالله يقول ) ان تجتنبوا‬ ‫كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخل ً كريما ( )2( .‬ ‫وباسناده عن الحارث بن المغيرة البصري قال : دخلت على أبي جعفر )عليه‬ ‫السلم( فجلست عنده فاذا نجية قد استأذن عليه ، فأذن له فدخل فجثا على ركبتيه‬ ‫ثم قال : جعلت فداك اني أريد أن اسألك عن مسألة وا ما اريد بها إل ّ فكاك‬ ‫رقبتي من النار .‬ ‫فكأنه رق له فاستوى جالسا ، فقال : يا نجية سلني فل تسألني اليوم عن شيء‬ ‫ال اخبرتك به . قال : جعلت فداك ما تقول في فلن وفلن ؟ قال : يا نجية ان لنا‬
  • 20.
    ‫الخمس في كتابا ولنا النفال ولنا صفو الموال ، وهما وا اول من ظلمنا‬ ‫حقنا في كتاب ا ، واول من حمل الناس على رقابنا ، ودماؤنا في أعناقهما الى‬ ‫يوم القيامة بظلمنا اهل البيت . فقال نجية : انا ا وانا اليه راجعون ـ ثلث مرات ـ‬ ‫هلكنا ورب الكعبة . قال : فرفع جسده عن الوسادة فاستقبل القبلة ودعا بدعاء‬ ‫لم افهم منه شيئا ال سمعناه في آخر دعائه وهو يقول : اللهم احللنا ذلك لشيعتنا .‬ ‫قال : ثم اقبل الينا بوجهه فقال : يا نجية ما على فطرة السلم غيرنا وغير‬ ‫شيعتنا . . .‬ ‫وهذا النحو في كتب أصحابنا لو تحرى المتصدي لحصره جمع منه مجلدات ولم‬ ‫يأت على آخره .‬ ‫وقد روى اصحابنا اخبارا كثيرة تبلغ التواتر في التشدد من ائمة الهدى )عليهم‬ ‫السلم( في الخمس والستبداد به ، وعدم رخصتهم فيه ال لشيعتهم لتطيب لهم به‬ ‫الولدة .‬ ‫ونقل المفيد عن بعض اصحابنا ان مستحق المام حال الغيبة من الخماس‬ ‫والنفال وغيرهما يرى صلة الذرية وفقراء الشيعة به على طريق الستحباب . قال‬ ‫: ولست ادفع قرب هذا القول من الصواب .‬ ‫قلت : يؤيده ما روى عنهم )عليهم السلم( رواية مستفيضة من اباحة البعض‬ ‫لشيعتهم حال ظهورهم ، ففي حال الغيبة أولى .‬ ‫وكذا صرفه الى أنسابهم حال الغيبة على وجه التتميم ، لستغنائه )عليه السلم(‬ ‫وحاجتهم ، ولن عليه العوز عن مؤنة السنة على القل حال ظهوره ، فل يسقط‬ ‫هذا الحكم بغيبته .‬ ‫وبهذا استدل والدي قدس ا روحه على ذلك .‬ ‫فان توهم متوهم أن وجوب اتمام العوز عليه من باب الحسبة ولمانع أن يكون‬ ‫من غير الحصة . رددناه بأن أخذه مايفضل من نصيبهم عن حاجتهم سنة على‬ ‫القتضاء يقتضي أن يكون ما اعوزهم من نصيبه )عليه السلم( .‬
  • 21.
    ‫وممن قال بمقالةالمفيد في صلة فقراء الشيعة غير الهاشميين به ابن حمزة ،‬ ‫وهذه عبارته : واذا لم يكن المام حاضرا فقد ذكر فيه اشياء ، والصحيح عندي انه‬ ‫يقسم نصيبه على مواليه العارفين بحقه من أهل الفقه والصلح والسداد .‬ ‫* وا الهادي الى سبيل الرشاد ، ومنه المبدأ واليه المعاد .‬ ‫وفرغ من هذا التأليف أقل العباد الفقير الى ا المتعالى حسن ابن علي بن عبد‬ ‫العالي بلغه ا ما يعامله ، بمشهد ثامن ائمة السلم علي بن موسى الرضا عليه‬ ‫افضل الصلة والسلم في شهر ربيع الخر من شهور سنة ست وسبعين‬ ‫وتسعمائة من الهجرة النبوية .‬