‫جديد مفهوم الفطرة‬
                                     ‫بينات قرآنية لم تستثمر بعد‬

                                       ‫تقديم : عثمان مصباح‬
 ‫التمهيد : كل خطاب قبل أن ينظر في سياقه المقالي ، ل بد أن يحيط القارئ علما بسياقه الحالي ، وإل‬
‫صار موردا لحتمالت شتى ، فيتولد عن ذلك خلف ل ينحصر ول ينحسم. والقرآن العظيم هو خطاب ال تعالى‬
   ‫لهذا النسان ، ف ُسن الفهم عن ال ، واستنباط المعاني الصحيحة من كلمه ، وتنزيلها بحكمة على واقع الناس‬
                                                                                    ‫ح‬
                                                                    ‫يقتضي منا المعرفة الجيدة بثلث جهات :‬
      ‫‪‬حقيقة المتكلم بهذا الخطاب المنزل ، وهو ال سبحانه . وحقيقته عز وجل نعرف ما نحتاج منها من‬
                                                  ‫جملة ما أخبرنا به عن نفسه على لسان رسولـه ة .‬
        ‫‪‬حقيقة الخطاب المنزل ، وهو القرآن العظيم ، فل شك أن لهذا الكتاب خصائص ليست لغيره من‬
      ‫الكتب السماوية ، مع أنها كلها من عند ال ، فمنها أنه بلسان عربي وصل في البيان حد العجاز ،‬
    ‫ومنها أنه الرسالة الخاتمة ، ومنها أنه ميسر للذكر ، ومنها أنه خطاب للعالمين ، ومنها أنه رحمة كله‬
                             ‫ليس في شرائعه إحراج ول إعنات ، بريء من كل الصار والغلل . . .‬
     ‫‪‬الجهة الثالثة : حقيقة المخاطب أو المرسل إليه ، وهو النسان . وحقيقته هي المعبر عنها في القرآن‬
                                                                                    ‫والسنة بالفطرة .‬
    ‫وهذه الصول العظمى مفروغ منها ، فهي يقينيات كبرى ، ول يتصور أن تكون مسكوتا عنها ، لن‬
   ‫حاجة المة إليها في العلم والعمل حاجة ماسة ، ول يجوز أن يتصور في حق الهادي اللطيف بعباده ، الرحمن‬
   ‫الرحيم أن يؤخر البيان عن وقت الحاجة . ولكن سنة ال جرت على هذه المة كما جرت على السابقين : ) إن‬
‫الدين عند اللـه السلم ، وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إل من بعد ما جاءهم العلم بغـيا بينهم ‪ ] ‬آل عمران : ٩١‬
                                                                                                        ‫[.‬
   ‫فمزقت الهواء شمل المة ، وطمست معالم الرشد فيها أو كادت ، وصار الكتاب الهادي كالمفقود : )‬
     ‫ولقد آتينا موسى الكتاب فاختُلف فيه ، ولول كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم ، وإنهم لفي شك منه مريب ‪‬‬
                                                                        ‫ـ‬
                                                                                             ‫] فصلت : ٤٤ [‬
‫هكذا يصـير اليقيـن شكـا ، فيندفـع المتشككون عـن مصـدر آخـر لليقيـن ، فيلتمسـه بعضهـم فيمـا يتوهمونـه‬
                             ‫) عقل ( ، وبعضهم فيما يتوهمونه ) كشفا ( ، فإذا بالجميع يجرون خلف السراب.‬
‫وفـي هذا السـياق صـار مفهوم الفطرة مفهومـا يكتنفـه الغموض والضطراب إلى الحـد الذي عطـل فاعليتـه‬
                                               ‫المنهجية . ويمكن رد قضية هذا المفهوم إلى إشكالين أساسيين :‬
‫الشكال الول : كثرة اختلف المسـلمين فـي الفطرة بعـد سـلفهم ، حتـى لقـد حكـى ابـن عبـد البر فـي كتابـه‬
‫التمهيـد سـبع مقالت لعلماء أهـل السـنة والجماعـة ، وهذا يعنـي أنهـا أكثـر مـن ذلك )1( ، ولقـد قال المام ابـن قيـم‬
                                 ‫الجوزية : " هذا موضع اضطربت فيه القدام ، وطال فيه النزاع والخصام " )2( .‬
‫الشكال الثانـي : الضطراب فـي تقريـر مذهـب السـلف ، وقـد كان المعروف عـن عامـة أهـل التأويـل منهـم‬
‫تفسـير الفطرة بالسـلم ، ول يزيدون على ذلك تفصـيل . لكـن فقهاء ومتكلميـن أثاروا حول هذا المذهـب شبهات ،‬
‫فكان الذيـن يقولون بقول السـلف يجيبون فتختلف أجوبتهـم ، فصـار السـؤال الذي ل تكاد تجـد لــه جوابـا شافيـا هـو :‬
‫مــا معنــى كون الفطرة هـي السـلم ؟ حتـى لقـد قال العلمــة الطاهـر بـن عاشور : " هـو معنــى لم أر مــن أتقــن‬
                          ‫ـ‬             ‫ـ ـ‬                      ‫ـ ـ‬          ‫ـ‬     ‫ـ‬
                                                                                                         ‫)3(‬   ‫الفصاح عنه "‬
‫مـن هنـا يأخـذ البحـث فـي مفهوم الفطرة أهميتـه . فكيـف إذن تقلب هذا المفهوم بيـن السـلف‬
‫والخلف ؟ وما أسـباب ذلك مـن طبائع العمران بلغـة ابن خلدون ؟ وكيـف يمكـن أن نقرر هذا المفهوم‬
                     ‫بما يقطع دابر اللتباس ، ول يخالف ما ترسمه السلف بتوجيه من رسول ال ا ؟‬


                         ‫المبحث الول : مفهوم الفطرة من الجماع إلى الختلف‬
  ‫التأريخ لمفهوم الفطرة يقتضي تتبع الطوارئ التي طرأت عليه عبر الجيال ، وأول جيل يجب الوقوف‬
   ‫عنده هو جيل الصحابة الكرام ، إل أن الوقفة مع هذا الجيل تقتضي استقراء النبع الذي نهلوا منه علومهم وهو‬
                                          ‫القرآن العظيم الذي تلقوه عن رسول ال ن نصا منزل ، وحكمة وعمل .‬
                                                                 ‫أول – الفطرة في القرآن لفظا ومعنى‬
                                               ‫المطلب الول – استقراء لمادة ) فطر ( في القرآن :‬
                                                   ‫مادة: ) فطر( في القرآن الكريم تحيل على ثلثة معان4 :‬
      ‫1-الـوهـي والختلل على سبيل الفساد وهو المنفي عن خلق اللـه في قولـه تعالى : ) فارجع البصر هل‬
   ‫ترى من فـطـور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير ]الملك:٣-٤[ ، وهذا يعني‬
                           ‫‪‬‬
     ‫أن الكائن منه ل يحدث إل على سبيل الصلح ، كما في قولـه تعالى:) فكيف تتقون يوما يجعل الولدان‬
     ‫شيبا السماء منفطر به كان وعده مفعول ‪] ‬المزمل:٦١[ . وعلى هذا الوجه تنهدم الدنيا لتقوم الخرة: )‬
                                                                         ‫والخرة خير وأبقى ‪] ‬العلى : ٧١[ .‬
       ‫2-النفعال من الشق ، كـقـولـه تعالى: ) إذا السماء انفطرت ‪ ] ‬النفطار:١ [ وهـو بمعـنى: ) إذا السماء‬
                                                                                          ‫انشقت ] النشقاق : ١ [‬
                                                                                                          ‫‪‬‬



                                                                                ‫1) (- هي بحسب تتبعي الشخصي إحدى عشر مقالة .‬     ‫)‬
                                                                                                   ‫2)) (- أحكام أهل الذمة : ٦٢/٢ .‬
                                                                                            ‫3)) (- مقاصد الشريعة السلمية : ٧٥ .‬
 ‫4 - انظر المعنى الول والثاني عند الراغب الصفهاني » المفردات في غريب القرآن « : ٢٨٣. ت: محمد سيد الكيلني . ١٨٣١ هـ - ١٦٩١‬
                                                                                   ‫م . مصطفى البابي الحلبي وأولده بمصر‬
‫3-الخلقة المبتدأة على غـيـر مـثـال سـابـق1 ، ومنها قولـه تعالى في عدة مواضع2 : ) فاطر السماوات‬
  ‫والرض ‪ ، ‬وقولـه تعالى : ) . . . فسيقولون : من يعيدنا ؟ قل : الذي فطركم أول مرة ‪ ] ‬السراء: ١٥ [‬
                                                                                                                                         ‫.‬
    ‫كل هذه المعاني الثلث – سوى ما ُف َ – متصل بعضها ببعض في الوجود. فالخلق كما يستنتج من‬
                                                      ‫ني‬
   ‫القرآن العظيم يمر عبر مراحل: اختلل وتداع في مخلوق سابق، يترتب عنه انشقاق يؤذن بزوال ما كان بعد‬
‫أن يخرج منه شيء لم يكن من قبل . ثم يتدرج هذا الخارج نحو كمالـه المقدر لـه على غير مثال سابق لنفسه أو‬
                                                                                     ‫لنوعه . ولذلك أمثلة كثيرة في القرآن ، منها :‬
  ‫قولـه تعالى : ) َلْ َنْ ُرْ ا ِن َا ُ َِى َ َا ِهِ ، ِ ّا َ َبْ َا الْ َا َ َ ّا ، ُ ّ َ َقْ َا ا َرْ َ َ ّا ، ََنْ َتْ َا ِي َا‬
   ‫ف ي ظ لْ س ن إل طع م إن صب ن م ء صب ثم شق ن لْ ض شق فأ ب ن ف ه‬
       ‫َ ّا ، َ ِ َ ًا َ َضْ ًا ، َ َيْ ُو ًا َ َخْ ً ، َ َ َا ِقَ ُلْ ًا َ َا ِ َ ً ََ ّا َ َا ًا َ ُمْ َ َنْ َا ِ ُمْ ‪ ] ‬عبس : ٤٢-٢٣ [‬
                           ‫حب وعنب وق ب وز ت ن ون ل وحد ئ غ ب وف كهة وأب مت ع لك و ِ ع مك‬
                                    ‫ل‬
      ‫فهذا النص وأمثالـه من النصوص في القرآن تأتي للدللة – بعد المتنان – على البعث والحساب ،‬
                     ‫ولـهذا يتصل سياقها دائما بالحديث عن اليوم الخر كما في نصنا هذا ، فإننا نجد بعده مباشرة :‬
‫) َِ َا َا َتْ ال ّا ّ ُ ، َوْ َ َ ِ ّ الْ َرْ ُ ِنْ َ ِي ِ ، َُ ّ ِ ََ ِي ِ ، َ َا ِ َ ِ ِ َ َ ِي ِ ، ِ ُ ّ امْ ِئٍ ِنْ ُمْ َوْ َ ِذٍ‬
  ‫فإذ ج ء ص خة ي م يفر م ء م أخ ه وأمه وأب ه وص حبته وبن ه لكل ر م ه ي مئ‬
                                                                                              ‫َأْ ٌ ُغْ ِي ِ . . . ( ] عبس : ٣٣-٧٣ [ .‬
                                                                                                                        ‫شني نه‬
   ‫والمتأمل في مثل هذه اليات يلحظ التشابه بين التعبير عن وصف ما يحدث في الشهادة ، والتعبير‬
‫عما سيحدث في التي ، وذلك من التعليم اللـهي للناس كي يعرفوا أن الخلق والعادة في قدرة اللـه على وزان‬
                                                                                              ‫واحد ، فهكذا يدل الشاهد على الغائب .‬
      ‫وقد صار من دللت الخروج والخراج في عرف القرآن البعث والحساب ، كقولـه تعالى : ) يوم‬
      ‫يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج ‪ ] ‬ق : ٢٤ [ ، وقولـه : ) ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به‬
‫جنا ٍ و َ ّ الحصيد ، والنخ َ باسقاتٍ لـها طلع نضيد ، رزقا للعباد ، وأحيينا به بلدة ميتا ، كذلك الخروج ‪ ] ‬ق‬
                                                                               ‫ل‬                ‫ت حب‬
    ‫: ٩-١١ [ ، وقولـه : ) واللـه أنبتكم من الرض نباتا ، ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا ‪ ] ‬نوح : ٧١-٨١ [‬
                                                                 ‫ومن المثلة على مراحل الخلق الثلثة قولـه تعالى :‬
         ‫) أولم ير الذين كفروا أن السموات والرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي ‪‬‬
                                                                                                                        ‫] النبياء : ٠٣ [ .‬
    ‫فهذه الية تشير إلى الصل الذي خرج منه هذا الوجود المشهود : كتلة أوهاها اختلل عظيم ، وحل‬
   ‫نظامها السابق ، فانشقت بإذن ربها ليخرج منها ما لم يكن من قبل ، هذا الذي سيصيره اللـه سبحانه بعد حين‬
                                                                                                                   ‫أرضا وسبع سماوات :‬
‫) ُلْ َ ِ ّ ُمْ َ َكْ ُ ُو َ ِاّ ِي ََقَ ا َرْ َ ِي يوْ َيْ ِ َ َجْ َُو َ لـه َن َا ًا ، َِكَ َ ّ الْ َاَ ِي َ . َ َ َ َ ِي َا‬
 ‫ق أئنك لت فر ن ب لذ خل لْ ض ف َ م ن وت عل ن أ د د ذل رب ع لم ن وجعل ف ه‬
‫رو سي م ف قه وب ر ف ه وقد ف ه أ و ته ف أ بع أي م سو ء ل س ئل ن ثم تو إل سم وه دخ ن‬
‫َ َا ِ َ ِنْ َوْ ِ َا َ َا َكَ ِي َا َ َ ّرَ ِي َا َقْ َا َ َا ِي َرْ َ َةِ َ ّا ٍ َ َا ً ِل ّا ِِي َ . ُ ّ اسْ َ َى َِى ال ّ َاءِ َ ِيَ ُ َا ٌ‬



                                                                                            ‫1 - انظر فتح الباري : ٦١٤/٠١ . لبن حجر‬
                                      ‫2 - انظر : النعام : ٥١ . ويوسف : ١٠١ . وإبراهيم : ٣١ . وفاطر : ١ . والزمر : ٣٤ . والشورى : ٩ .‬
‫وللْ ض ا تي ط ْع َ ك ه ق لت أت ن ط ئع فقض هن س ع سم و ت ف ي م ن وأ ح ف كل‬
     ‫َ َا َ لـها َِ َرْ ِ ِي ِ َا َو ًا أوْ َرْ ًا َاَ َا َ َيْ َا َا ِ ِينَ َ َ َا ُ ّ َبْ َ َ َا َا ٍ ِي َوْ َيْ ِ ََوْ َى ِي ُ ّ‬
                                                                                                                             ‫فق ل‬
           ‫َ َا ٍ َمْ َ َا َ َ ّ ّا ال ّـ َـاءَ الـ ّنْـ َا ِـ َ َا ِي َ َ ِـفْـ ًا َِكَ َقْ ِي ُ الْـ َـ ِيزِ الْ َِي ِ ‪ ] ‬فصلت : ٨-١١ [‬
                             ‫د ي ب مص ب ح وح ظ ذل ت د ر ع ز عل م‬                                          ‫سم ء أ ره وزين س م‬
     ‫فهذا التركيب الكوني المدهش والعظيم خرج من رحم مادة كانت متجمعة قبلـه ، ثم انتقل بعد ذلك‬
           ‫طورا فطورا حتى استوى واكتمل ، وهذا شأن كل المخلوقات : ) الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى ‪‬‬
 ‫] العلى : ٢-٣ [ ، ‪ ‬يا أيها النسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك ، فسواك ، فعدلك في أي صورة ما شاء‬
            ‫ركبك ‪ ] ‬النفطار : ٦-٨ [ ، ‪ ‬ما لكم ل ترجون للـه وقارا وقد خلقكم أطـوارا ‪ ] ‬نوح : ٣١-٤١ [ .‬
‫فالخلق إذن ل يوجد دفعة واحدة وبدون مقدمات ، بل يخرج بعضه من بعض1 ، ويكتمل عبر صيرورة‬
                                                                                 ‫تكوينية ، وهذه الصيرورة التكوينية نوعان :‬
      ‫الولى : صيرورة تسخير ، قال تعالى : ) هو الذي خلق لكم ما في الرض جميعا ثم استوى إلى‬
‫السماء فسواهن سبع سموات وهو بكل شيء عليم ‪ ] ‬البقرة : ٨٢ [ ، وتفصيل هذه الية في سورة فصلت ، وقد‬
                                                                                                                       ‫أوردناه سابقا .‬
    ‫الثانية : صيرورة ابتلء ، الكمال فيها موقوف على إرادة النسان ، مشروط بمجاهداته : ) والذين‬
‫جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ‪ ] ‬العنكبوت : ٩٦ [ ، ‪ ‬وقل جاء الحق من ربكم فمن شاء فليومن ومن شاء فليكفر ‪] ‬‬
        ‫الكهف : ٩٢ [ ، ‪ ‬الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عمل ‪ ] ‬الملك : ٢ [ ، ‪ ‬ونفس وما سواها‬
                    ‫فـألـهـمـهـا فجورها وتقواها ، قد أفلح من زكاها ، وقد خاب من دساها ‪ ] ‬الشمس : ٧-٠١ [ .‬
                                              ‫هذه الضواء التي سلطناها على لفظ ) فطر ( في القرآن تفيدنا :‬
‫1-أن ) ال َـطـْرَ( أخـص مـن الخلق ، إذ هـو يتعـلق بالبداية التي تقـترن فيها ثلثة أحوال : اختلل شيء اختلل‬
                                                                                             ‫ف‬
   ‫عظيما بحيث يحدث عنه انشقاق يسمح بخروج شيء بديع ليس هو نفس الشيء المختل . ومعلوم أن هذه‬
    ‫الطوار تتبعها أطوار أخرى في الخلق ، كالتسوية والتعديل والتصوير التي ذكرت في سورة النفطار .‬
‫2-أن ) ال َـطـْرَ( عام وخاص ، فالعام هو الذي كان بإخراج السموات والرض ، والخاص هو الذي يتكرر مع‬
                                                                                    ‫ف‬
 ‫ولدة كل إنسان . وظني أن الراغب الصفهاني )ت : ٢٠٥ هـ( رحمه ال قد انطلق من شعور واضح بمثل‬
    ‫هـذا حين قال : " ) فطر ال الخلق ( وهو إيجاده الشيء وإبداعه على هيئة مترشحة لفعل من الفعال "2.‬
                 ‫فجعل هذا الكلم تعريفا عاما يشمل كل الخلق ، ثم انتقل إلى تعريف الفطرة النسانية خاصة .‬
     ‫3-أن )فطرة( السموات والرض –إذا صح هذا التعبير– مقصودة لغيرها ، أي لخراج )فطرة( النسان ،‬
    ‫ولـهذا كانت الفطرة الولى مفروغا منها ، ل يحيد مسارها قيد أنملة عما رشحت لـه . أما الثانية – وهي‬
‫فطرة النسان – فشرط كمالها اليمان بالرسل والقتداء بهديهم ، لنها فطرة مستخلف ممتحن، قال تعالى : )‬
 ‫كل والقمر ، والليل إذ أدبر ، والصبح إذا أسفر ، إنها لحدى الكبر ، نذيرا للبشر ، لمن شاء منكم أن يتقدم‬
                                                                                               ‫أو يتأخر ‪ ] ‬المدثر : ٢٣-٧٣ [‬



 ‫1 - ليس مقصودي بهذا الكلم أن أنواع الحيوان خرجت من أصل واحد كما زعم دارون ، وإنما المراد أن ) الخلق ( كما فهمت من القرآن هو‬
   ‫إخراج من مواد جزئية سابقة متعينة في الوجود الخارجي ، خلفا لما زعمه الفلسفة قديما في مـادة الـكـون التي يـسـمـونـها ) الـهيولى ( .‬
                                                                                                ‫2 - المفردات في غريب القرآن : ٢٨٣ .‬
‫4-أن )الفطرة( النسانية ل معنى لـها خارج سياقها الكوني الذي هو )فطرة( السموات والرض ، ومن هنا كان‬
                                ‫ل بد لنا من الكلم أول عن حقيقة ما فطر اللـه عليه السموات والرض .‬


                                   ‫المطلب الثاني – ما فطر اللـه عليه السموات والرض :‬
                                                     ‫سنجد هذا المعنى إذا أجبنا عن السؤال التالي :‬
                                                         ‫لـمـاذا خـلـق اللـه الـسـمـوات والرض ؟‬
                                      ‫والجواب مبسوط في عدة آيات من القرآن العظيم ، فمن ذلك :‬
         ‫•قولـه تعالى : ) أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة ، إن هو إل نذير مبين . أولم ينظروا في ملكوت‬
       ‫السموات والرض وما خلق اللـه من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلـهم ؟! فبأي حديث بعده‬
                                                                  ‫يومنون ‪ ] ‬العراف : ٤٨١-٥٨١ [‬
      ‫•وقولـه : ) اللـه الذي خلق سبع سموات ومن الرض مثلـهن ، يتنزل المر بينهن لتعلموا أن اللـه على‬
                                   ‫كل شيء قدير وأن اللـه قد أحاط بكل شيء علما ‪ ] ‬الطلق : ٢١ [ .‬
           ‫•وقولـه : ) أولم يروا أن اللـه الذي خلق السموات والرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي‬
                                             ‫الموتى ؟ بلى ! إنه على كل شيء قدير ‪ ] ‬الحقاف : ٢٣ [‬
    ‫•وفي ] آل عمران :٠٩١-١٩١ [: ) إن في خلق السموات والرض واختلف الليل والنهار ليات لولي‬
   ‫اللباب ، الذين يذكرون اللـه قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والرض ، ربنا ما‬
                                                             ‫خلقت هذا باطل سبحانك فقنا عذاب النار ‪‬‬
    ‫•وفي ] الجاثية : ٢١ [ : ) سخر لكم ما في السموات وما في الرض جميعا منه ، إن في ذلك ليات لقوم‬
                                                                                            ‫يتفكرون ‪‬‬
 ‫هذه اليات مجرد نماذج ، وغيرها في القرآن كثير ، وكلـها يجمعها قولـه تعالى : ) وما خلقنا السموات‬
        ‫والرض إل بالحق ‪ ] ‬الحجر : ٥٨ [ ، والحق الذي خلقت به السموات والرض مركب من مقصدين :‬
 ‫الول : النتصاب لمتحان الناس عبر أدوار استخلفية ، وهذا يستلزم نهاية لـهذه الدنيا ، وبعثا وحسابا‬
                                                                                                  ‫وجزاء .‬
‫الثاني : الشهادة لما جاءت به الرسل ، ولما خلق لجلـه الناس . أي الدللة على اللـه عز وجل ، لن هذه‬
                                                      ‫الشهادة ما هي في حقيقتها إل تجل لسمائه الحسنى .‬
  ‫ولجل هذين المقصدين العظيمين تضمن الحق الذي في بنية السموات والرض أيضا أمرين تابعين :‬
    ‫الول : قابلية الرتفاق ، فاللـه تعالى جعل هذا الكون موطأ الكناف ليحتضن في رفق وسلسة هذا‬
                         ‫النسان المستخلف ، وسخر لـه القوى المذخورة فيه من حيث يعلم ومن حيث ل يعلم.‬
‫المر الثاني : قابلية التعقل ، فآفاق السموات والرض ليست ألغازا مستغلقة ، بل هي كتاب مفتوح ، من‬
‫قرأه وتفكر فيه تعرف على ربه ، وسبح بحمده ، ونزهه عن العبث الذي من اعتقده لجهلـه تجرأ أعظم من تجرئ‬
‫اللئام : ) يا أيها النسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك ؟! كل بل‬
                                                                                               ‫تكذبون بالدين ‪ ] ‬النفطار : ٦-٩ [ .‬
   ‫فبنية السموات والرض هي بالضرورة بنية غائية ، ولـهذا فالذين انحصرت أبصارهم في بعض من‬
‫ظواهرها ، وعطلوا السباب عن غاياتها ، وفرحوا بما عندهم من العلم ، هم في الحقيقة بمثابة من ل يعلم شيئا ،‬
‫يقول تعالى : ) . . . َعْ َ اللـه ، ل ُخل ُ اللـه َعْ َ ُ ولكن أكثر الناس ل يعلمون ، يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا‬
                                                         ‫و ده‬          ‫ي ف‬             ‫و د‬
‫وهم عن الخرة هم غافلون . أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق اللـه السموات والرض وما بينهما إل بالحق وأجل‬
                                                    ‫مسمى ، وإن كثيرا من الناس بلـقـاء ربهـم لـكـافـرون ‪ ] ‬الروم :٥-٧ [‬
     ‫فهذا – واللـه أعلم – هو الحق الذي فطرت عليه السموات والرض ، ودعي النسان المستخلف إلى‬
                                                                                                              ‫موافقته ، لن هذا الحق :‬
          ‫–هو شرط بقائه : ) ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والرض ومن فيهن ‪] ‬المومنون : ٢٧[‬
  ‫–وهو شرط لصلح معاشه : ) ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا‬
                                                                                                ‫لعلـهم يرجعون ‪ ] ‬الروم : ٠٤ [‬
‫–وهو شرط سعادته الدنيوية والخروية : ) أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلـهم كالذين آمنوا وعملوا‬
‫الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون . وخلق اللـه السماوات والرض بالحق ولتجزى كل نفس‬
                                                                               ‫بما كسبت وهم ل يظلمون ‪] ‬الجاثية:٠٢-١٢[‬


                                                      ‫المطلب الثالث – معنى الفطرة النسانية في القرآن :‬
          ‫ليس المقصود في هذه الفقرة أن نحسم – قبل الوان – هذه المسألة التي هي من معضلت الفكر‬
‫السلمي ، فل زال أمامنا سبح طويل قبل أن نصل إلى ذلك المبتغى ، ولكن بدا لي أن ل بأس من التعجيل برؤية‬
                                                                        ‫أولية تسهل تتبع ما هو آت من مباحثات ، وعليه أقول :‬
   ‫نص القرآن بصريح العبارة على لفظ ) الفطرة ( في آية واحدة ، وهي التي في سورة الروم ، قال عز‬
‫وجل : ) فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة اللـه التي فطر الناس عليها ل تبديل لخلق اللـه ، ذلك الدين القيم ولكن أكثر‬
                                                                                                                ‫الناس ل يعلمون ‪[٢٩] ‬‬
‫والية واضحة الدللة على أن الفطرة التي فطر الناس عليها ، والتي ل تبديل لـها هي إقامة الوجه للدين‬
                                                                                                                                     ‫حنيفا .‬
     ‫وفيما سوى هذا الموضع لم ترد في القرآن إل إشارات إلى معنى الفطرة التي فطر ال الناس عليها ،‬
          ‫ومن ذلك قولـه عز وجل : ) َ َاُوا ُوُوا ُو ًا َوْ َ َا َى َهْ َ ُوا . ُلْ َلْ ِّ َ ِبْ َا ِيمَ َ ِي ًا َ َا َا َ ِنْ‬
            ‫وق ل ك ن ه د أ نص ر ت تد ق ب ملة إ ر ه حن ف وم ك ن م‬
‫ق ل من ب وم أ زل إل ن وم أ زل إل إ ر ه وإ م ع ل وإ ح وي ق ب و لْ ب وم أ تي‬
‫الْ ُشْ ِ ِينَ . ُوُوا آ َ ّا ِاللـه َ َا ُن ِ َ َِيْ َا َ َا ُن ِ َ َِى ِبْ َا ِيمَ َِسْ َا ِي َ َِسْ َاقَ َ َعْ ُو َ َا َسْ َاطِ َ َا ُو ِ َ‬
                                                                                                                                   ‫م رك‬
  ‫ُو َى َ ِي َى َ َا ُو ِ َ ال ّ ِيئو َ ِنْ َ ّ ِمْ َ ُ َ ّ ُ َيْ َ َ َ ٍ ِنْ ُمْ َ َح ُ لـه ُسِْ ُو َ . َِنْ آ َ ُوا ِ ِثْ ِ َا آ َن ُمْ‬
    ‫م س وع س وم أ تي نب ن م ربه ل نفرق ب ن أحد م ه ون ْن م لم ن فإ من بم ل م م ت‬
‫ِ ِ َ َدْ اهْ َ َوا َإنْ َ َّوْا َِ ّ َا ُمْ ِي ِ َاقٍ َ َ َكْ ِي َ ُمْ اللـه َ ُ َ ال ّ ِي ُ الْ َِي ُ . ِبْ َةَ اللـه َ َنْ َحْ َ ُ ِنْ اللـه‬
          ‫وم أ سن م‬               ‫وهو سم ع عل م ص غ‬                         ‫به فق تد وِ تول فإنم ه ف شق فسي ف كه‬
                                                                                ‫ِبْ َةً َ َحْ ُ لـه َا ِ ُو َ ‪ ] ‬البقرة : ٤٣١-٧٣١ [‬
                                                                                                       ‫ص غ ون ن ع بد ن‬
  ‫فقولـه تعالى:) صبغة اللـه ‪ ‬بعد قولـه:) قل بل ملة إبراهيم حنيفا ‪ ‬كقولـه:) فطرة اللـه ‪ ‬بعد قولـه : ) فأقم‬
   ‫وجهك للدين حنيفا ‪ . ‬وبهذا التفسير صرح طائفة من السلف رضي اللـه عنهم1. وقولـه تعالى:) َ َنْ َحْ َ ُ ِنْ‬
     ‫وم أ سن م‬
                                                     ‫اللـه ِبْ َ ً ‪ ‬كقولـه:) لقد خلقنا النسان في أحسن تقويم ‪ ] ‬التين : ٤ [ .‬
                                                                                                                 ‫ص غة‬
‫والفرق بين الصبغة والفطرة كما يبدو من سياقهما في القرآن ، أن صبغة اللـه تحصل حينما يختار النسان لنفسه‬
  ‫أن يكون على الفطرة . أو كما قيل أن يكون عبدا للـه اختيارا ، كما هو عبد للـه اضطرارا ، واللـه تعالى أعلم .‬
   ‫وفي معنى الفطرة أيضا جاء قولـه تعالى : ) َِذْ َ َ َ َ ّكَ ِنْ َ ِي آ َ َ ِنْ ُ ُو ِ ِمْ ُ ّيا ِ ُمْ ََشْ َ َ ُمْ‬
     ‫وإ أخذ رب م بن دم م ظه ره ذر ته وأ هده‬
                                                          ‫ََى َن ُ ِ ِمْ ََسْ ُ ِ َ ّ ُمْ ؟ َاُوا : ََى َ ِدْ َا ‪ ] ‬العراف : ٢٧١ [‬
                                                                              ‫عل أ فسه أل ت بربك ق ل بل شه ن‬
  ‫و ) الخذ ( المذكور في هذه الية هو الذي يقع بالميلد المشار إليه في قولـه صلى اللـه عليه وسلم : »‬
                                                                                                        ‫كل مولود يولد على الفطرة « .‬
‫وأما ) الشهاد ( فهو ما يجده النسان في نفسه إذا عقل من القرار للـه تعالى بالربوبية . والقرآن مليء‬
   ‫بالسئلة التقريرية التي تؤكد حصول هذا ) الشهاد ( بالفعل ، كقولـه تعالى:) ولئن سألتهم : من خلق السموات‬
    ‫والرض ؟ ليقولن : اللـه ! قل أفرأيتم ما تدعون من دون اللـه إن أرادني اللـه بضر هل هن كاشفات ضره أو‬
              ‫أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته ؟ قـل حـسـبـي اللـه عـلـيه يتوكل المتوكلون ‪ ] ‬الزمر : ٦٣ [‬
                                ‫فُلزموا حجة التوحيد وبطلن الشرك بناء على اعترافهم بالربوبية للـه تعالى .‬
                                                                                                      ‫أ‬
‫فإذا اجتمع القراران في قلب واحد كان – مع صدر صاحبه – هو المقصود بالمثل المضروب في قولـه‬
‫تعالى : ) اللـه ُو ُ ال ّ َا َا ِ َا َرْ ِ ، َ َ ُ ُو ِ ِ َ ِشْ َا ٍ ِي َا ِصْ َا ٌ ، الْ ِصْ َا ُ ِي ُ َا َةٍ ، ال ّ َا َ ُ ََ ّ َا‬
 ‫زج جة كأنه‬             ‫ن ر سم و ت و لْ ض مثل ن ره كم ك ة ف ه م ب ح م ب ح ف زج ج‬
‫َوْ َ ٌ ُ ّ ّ ُو َ ُ ِنْ َ َ َةٍ ُ َا َ َ ٍ َيْ ُو ِ ٍ َ َرْ ِ ّةٍ َ َ َرْ ِ ّةٍ َ َا ُ َيْ ُ َا ُ ِي ُ َلوْ َمْ َمْ َسْ ُ َا ٌ ، ُو ٌ ََى‬
 ‫ك كب دري ي قد م شجر مب ركة ز ت نة ل ش قي ول غ بي يك د ز ته يض ء وَ ل ت س ه ن ر ن ر عل‬
           ‫ُو ٍ ، َهْ ِي اللـه ِ ُو ِ ِ َنْ َ َا ُ ، َ َضْ ِ ُ اللـه ا َمْ َا َ ِل ّاسِ ، َاللـه ِ ُ ّ َيْ ٍ َِي ٌ ‪ ] ‬النور : ٥٣ [‬
                            ‫و بكل ش ء عل م‬                ‫لْ ث ل ل ن‬            ‫لن ره م يش ء وي رب‬                     ‫ن ر يد‬
                                                                                                    ‫قال ابن القيم رحمه اللـه :‬
                                                                                                ‫" ) المشكاة ( صدر المؤمن .‬
                                      ‫و) الزجاجة ( قلبه . شبه قلبه بالزجاجة لرقتها ، وصفائها ، وصلبتها. . .‬
                                                                                  ‫و) المصباح ( هو نور اليمان في قلبه .‬
   ‫و) الشجرة المباركة ( هي شجرة الوحي المتضمنة للـهدى ودين الحق ، وهي مادة المصباح التي يتقد‬
                                                                                                                                         ‫منها .‬
   ‫و) النور على النور ( نور الفطرة الصحيحة والدراك الصحيح ونور الوحي والكتاب ، فينضاف أحد‬
‫النورين إلى الخر فيزداد العبد نورا على نور . ولـهذا يكاد ينطق بالحق والحكمة قبل أن يسمع ما فيه بالثر ، ثم‬
                ‫يبلغه الثر بمثل ما وقع في قلبه ونطق به ، فيتفق عنده شاهد العقل والشرع ، والفطرة والوحي "2 .‬


                              ‫1 - انظر تفسير الطبري :٠٧٥/١-٢٧٥. ت: مصطفى مسلم محمد . ط ١ / ٥٠٤١ هـ . دار الفكر ، بيروت‬
                 ‫2 - اجتماع الجيوش السلمية على غزو المعطلة والجهمية:٣١-٤١. دار الكتب العلمية، بيروت ، ط ١ /٤٠٤١هـ -٤٨٩١ م‬
‫ثانيا – تقرير السنة لمعنى الفطرة :‬
 ‫السنة النبوية هي المدرسة التي تلقى فيها الصحابة تعاليم القرآن ، ورأوا كيف كان عليه الصلة والسلم‬
   ‫ينزل معانيه على الواقع ، فتتسع بذلك مداركهم ، وتتقوى عندهم ملكة الفهم والتأويل . وقد دل الستقراء1 على‬
                                                                    ‫أن الفطرة استعملت في نصوص السنة للدللة على معنيين :‬
‫الول الهيئة التي يولد عليها كل الناس ، وهي هيئة محمودة ، ورد النهي عن تغييرها . ومما جاء في هذا‬
       ‫المعنى الحديث المشهور الذي ل تكاد تخلو منه الجوامع والسنن والمسانيد وغيرها من دواوين السنة ، ومن‬
      ‫م ِ م ل إل ي لد عل ْف ر فأبو ه‬
      ‫ألفاظه ما رواه البخاري عنْ َ ِي ُ َيْ َ َ َالَ : َا َ َ ُو ُ اللـه ه: َا منْ َوُْودٍ ِ ّ ُوَ ُ ََى ال ِطْ َةِ ، ََ َ َا ُ‬
                                                                   ‫ق ل رس ل‬         ‫َ أب هر رة ق‬
             ‫ُ َ ّ َا ِ ِ َ ُ َ ّ َا ِ ِ ، َ َا ُنْ ِ ُو َ الْ َ ِي َةَ ، َلْ َ ِ ُو َ ِي َا ِنْ َدْ َا َ َ ّى َ ُو ُوا َنْ ُمْ َجْ َ ُو َ َا ؟ 2 .‬
                    ‫يهود نه وينصر نه كم ت تج ن به م ه تجد ن ف ه م ج ع ء حت تك ن أ ت ت دع نه‬
  ‫م م م ل د إل ي لد عل ف رة فأبو ه‬
  ‫وأخرج مسلم عنْ أبي هريرة أيضا َالَ : َا َ َ ُو ُ اللـه ج َا ِنْ َوُْو ٍ ِ ّ ُوَ ُ ََى الْ ِطْ َ ِ ، ََ َ َا ُ‬
                                                               ‫ق ل رس ل‬         ‫ق‬                  ‫َ‬
                                                                                                    ‫ُ َ ّ َا ِ ِ ، َ ُ َ ّ َا ِهِ ، َ ُ َ ّ َا ِهِ3 .‬
                                                                                                         ‫يهود نه وينصر ن ويشرك ن‬
                                                                                   ‫ومن ألفاظ المام مسلم في هذا الحديث :‬
                                                                                     ‫– َا منْ َوُْو ٍ ُوَ ُ ِ ّ َ ُ َ ََى الْ ِّ ِ .‬
                                                                                       ‫م ِ م ل د ي لد إل وهو عل ملة‬
                                                                             ‫–. . . ِ ّ ََى َ ِ ِ الْ ِّ ِ َ ّى ُ َ ّنَ َنْ ُ ِ َا ُ ُ .‬
                                                                               ‫إل عل هذه ملة حت يبي ع ه لس نه‬
                                                    ‫–َيْ َ ِنْ َوُْودٍ ُوَ ُ ِ ّ ََى َذ ِ الْ ِطْ َ ِ َ ّى ُ َ ّرَ َن ُ ِ َا ُ ُ4 .‬
                                                       ‫ل س م م ل ي لد إل عل ه ِه ف رة حت يعب ع ْه لس نه‬
                                                                                             ‫– َنْ ُوَ ُ ُوَ ُ ََى َ ِ ِ ال ِطْ َةِ5 .‬
                                                                                                  ‫م ي لد ي لد عل هذه ْف ر‬
  ‫وأخرج مسلم في صحيحه َنْ ِ َا ِ بْ ِ ِ َارٍ الْ ُ َا ِ ِي َ ّ َ ُو َ اللـه ج َالَ فيما يروي عن ربه :‬
                        ‫ق‬         ‫ع عي ض ن حم مج شع ّ أن رس ل‬
        ‫ِ ّي َلقْ ُ ِ َا ِي ُ َ َا َ ُلـهمْ ، َِ ّ ُمْ َ َتْ ُ ُ ال ّ َا ِي ُ َاجْ َاَتْ ُمْ عنْ ِي ِ ِمْ ، َ َ ّ َتْ ََيْ ِمْ َا َحَلْ ُ لـهمْ ،‬
                ‫وإنه أت هم شي ط ن ف ت ل ه َ د نه وحرم عل ه م أ ْل ت‬                                                ‫إن خَ ت عب د حنف ء ك‬
                                                                                   ‫ََ َ َتْ ُمْ َنْ ُشْ ِ ُوا ِي َا َمْ ُنْ ِلْ ِ ِ ُلْ َا ًا 6 .‬
                                                                                        ‫وأمر ه أ ي رك ب م ل أ ز به س ط ن‬
       ‫وفي مسند أحمد ع ِ ا َسْ َدِ ب ِ َ ِيعٍ َ ّ َ ُو َ اللـه ي َ َ َ َ ِ ّةً َوْ َ ُ َيْ ٍ ، َ َا َُوا الْ ُشْ ِ ِينَ ،‬
            ‫بعث سري ي م حن ن فق تل م رك‬                                 ‫َن لْ و ْن سر أن رس ل‬
     ‫ََفْضَى ِ ِ ُ الْ َتْ ُ َِى ال ّ ّ ّ ِ ، ََ ّا َا ُوا َا َ َ ُو ُ اللـه َّى اللـه ََي ِ َ َّمَ : َا َ ََ ُمْ ََى َتْ ِ ال ّ ّ ّ ِ ؟‬
       ‫عل ْه وسل م حملك عل ق ل ذرية‬                           ‫صل‬       ‫بهم ق ل إل ذرية فلم ج ء ق ل رس ل‬                               ‫فأ‬
    ‫َاُوا َا َ ُو َ اللـه ! ِ ّ َا َا ُوا أوْ َ َ الْ ُشْ ِ ِينَ . َالَ : أ َ َلْ ِ َا ُ ُمْ ِ ّ أوْ َ ُ الْ ُشْ ِ ِينَ ! َاّ ِي َفْ ُ ُ َ ّدٍ‬
      ‫و لذ ن س محم‬            ‫َوه خي رك إل َ لد م رك‬                          ‫ق‬      ‫إنم ك ن َ لد م رك‬                         ‫ق ل ي رس ل‬
                                                            ‫ِ َ ِ ِ ، َا ِنْ َ َ َ ٍ ُوَ ُ ِ ّ ََى الْ ِطْ َ ِ َ ّى ُعْ ِبَ َنْ َا ِ َا ُ َا7 .‬
                                                                ‫بيده م م نسمة ت لد إل عل ف رة حت ي ر ع ه لس نه‬
‫أما المعنى الثاني الذي دلت عليه الفطرة في السنة فهو دين السلم ، فقد ورد أن الفطرة هي صفة محمد‬
        ‫وصفة أمته ، فقد أخرج البخاري في كتاب المناقب عن َاِكِ بْ ِ َعْ َ َ َ َ ِي اللـه َنْه َ ّ َ ِ ّ اللـه‬
              ‫ع أن نبي‬              ‫م ل ن ص صعة رض‬
‫َ ّ َ ُمْ َنْ َيْل ِ ُسْ ِيَ ِ ِ : ُ ّ ُ ِي ُ ِِ َا ٍ ِنْ َمْ ٍ َِ َا ٍ ِنْ َ َ ٍ َِ َا ٍ ِنْ َ َلٍ ََ َذْ ُ الّب َ َ َالَ ِ َ الْ ِطْ َ ُ اّ ِي‬
 ‫حدثه ع ل َة أ ر به ثم أت ت بإن ء م خ ر وإن ء م لبن وإن ء م عس فأخ ت ل َن فق هي ف رة لت‬
                                                                                                                         ‫َنْ َ ََيْ َا َُ ّ ُ َ8 .‬
                                                                                                                            ‫أ ت عل ه وأمتك‬


                                                           ‫1 - الحاديث الواردة في الفطرة كثيرة ل يتسع المجال هاهنا لسردها ، وسنكتفي ببعض منها.‬
                                                        ‫2 - صحيح البخاري ، رقم الحديث : ٩٩٥٦ . وانظر أيضا : ٨٥٣١، ٩٥٣١ ، ٥٧٧٤ .‬
                                                           ‫3 - صحيح مسلم ، رقم الحديث : ٥٠٨٤ . وانظر أيضا : ٣٠٨٤ ، ٤٠٨٤ ، ٦٠٨٤ .‬
                                                                                                                   ‫4 - مسلم : ٥٠٨٤ .‬
                                                                                                                   ‫5 - مسلم : ٦٠٨٤ .‬
                                                                                                                   ‫6 - مسلم : ٩٠١٥ .‬
                                                      ‫7 - أحمد : ٦٣٠٥١ . قال ابن عبد البر : هو حديث بصري صحيح ] التمهيد : ٨٦/٨١ [ .‬
                                                                                                               ‫8 - البخاري : ٨٩٥٣ .‬
‫وفي لفظ آخر عنده : ََ َذْ ُ اّ ِي ِي ِ الّ َ ُ َ َ ِبْ ُ . َ ِيلَ ِي : َ َبْتَ ال ِطْ َةَ َنْ َ َُ ّ ُكَ9 .‬
                   ‫فأخ ت لذ ف ه لبن فشر ت فق ل أص ْف ر أ ت وأمت‬
    ‫ويدخل ضمن هذا المعنى الثاني ما ورد من الحث على لزوم الفطرة ، ومن ذلك قوله ل : َمْ ٌ ِ َ‬
    ‫خ س من‬
                                                     ‫الْ ِطْ َة الْ ِ َا ُ َا ِسْ ِحْ َا ُ َ َتْ ُ ا ِبْ ِ َ َقِْي ُ ا َظْ َارِ َ َ ّ ال ّا ِبِ2 .‬
                                                          ‫ف ر ِ خت ن و ل ت د د ون ف لْ ط وت ل م لْ ف وقص ش ر‬
 ‫ومنها الدعاء المعروف : َصْ َحْ َا ََى ِطْ َةِ ا ِسْ َمِ ، َ َِ َ ِ ا ِخْ َ ِ ، َ ُ ّ ِ َ ِ ّ َا ُ َ ّدٍ َّى اللـه‬
        ‫أ ب ن عل ف ر لْ ل وكلمة لْ لص وسنة نبين محم صل‬
                                                        ‫ََيْ ِ َ َّمَ ، َ ِّ ِ َ ِي َا ِبْ َا ِيمَ َ ِي ًا ُسِْ ًا َ َا َا َ ِ َ الْ ُشْ ِ ِينَ 3.‬
                                                              ‫عل ه وسل وملة أب ن إ ر ه حن ف م لم وم ك ن من م رك‬
 ‫و َنْ َرْ َدِ بْ ِ َبْدِ اللـه َالَ : َ ّا َ ِمَ ََيْ َا َ ُو َ ّو َ َا ِ ًا ، َعقْ َ ُ بْ ُ َا ِرٍ َوْ َ ِ ٍ ََى ِصْرَ ، ََ ّرَ‬
   ‫فأخ‬        ‫لم قد عل ن أب أي ب غ زي و ُ بة ن ع م ي مئذ عل م‬                                    ‫ق‬           ‫ع م ث نع‬
 ‫الْ َغْ ِبَ ، َ َا َ َِيْ ِ َ ُو َ ّو َ َ َا َ لـه : َا َ ِ ِ ال ّ َ ُ َا ُقْب ُ ؟ َ َالَ : ُ ِلْ َا . َالَ : َ َا َ ِعْتَ َ ُو َ اللـه َ‬
         ‫أم سم رس ل‬               ‫شغ ن ق‬            ‫م هذه صلة ي ع َة فق‬                     ‫فق م إل ه أب أي ب فق ل‬               ‫مر‬
                     ‫4‬
                         ‫أ ق عل ف ر م ل يؤخر م رب إل َ ت تب نج م‬
                         ‫َ ُو ُ : َ َ َا ُ ُ ّ ِي ِ َيْرٍ ، َوْ َالَ ََى الْ ِطْ َةِ ، َا َمْ ُ َ ّ ُوا الْ َغْ ِ َ َِى أنْ َشْ َ ِكَ ال ّ ُو ُ‬
                                                                                                                   ‫يق ل ل تز ل أمت بخ‬
      ‫وأما الثار الواردة عن الصحابة – وهي كثيرة – فل تخرج عن هذين المعنيين . وقد استمرت هذه‬
‫الوراثة الصالحة في جيل التابعين والتباع ، والنصوص الدالة على ذلك من أقوالهم كثيرة أيضا ل يتسع المجال‬
                                                                                                                                      ‫لذكرها .‬
       ‫والحاصل أنه لم يعرف عن سلف المة خلل الجيال الثلثة الولى خـروج عن هذا المعنى في‬
    ‫استعمال لفظ ) الفطرة ( ، بل نقل ابن عبد البر النمري ) ت : ٣٦٤ هـ ( إجماع أهل التأويل منهم على تفسير‬
 ‫) الفطرة ( بالسلم5 . وهذا ما يستفاد من صنيع ابن جرير الطبري ) ت : ٠١٣ هـ ( في تفسير آية الفطرة من‬
                                                                                                 ‫سورة الروم ، إذ لم يذكر فيها خلفا .‬
                                        ‫ظهور الختلف في الفطرة وأسبابه‬
   ‫ظهر الخلف في ) الفطرة ( ظهورا بينا في المائة الثالثة للـهجرة ، وأول من وثق هذا الخلف المام‬
‫محـمـد بن نصـر الـمـروزي ) ت : ٤٩٢ هـ ( ، فـقـد حـكى سبع مـقـالت فـي ) الفطرة ( ، وعنه نقل المام ابن‬
      ‫عبد البر6 ) ت: ٣٦٤ هـ( في التمهيد والستذكار ، وقال في وصف هذا الختلف العجيب في الفطرة 7 : "‬
  ‫اختلف العلماء فيها ، واضطربوا في معناها ، وذهبوا في ذلك مذاهب متباينة ، ونزعت كل فرقة منهم في ذلك‬
                                                                                                             ‫8‬
                                                                                                                 ‫بظاهر آية أو نص حديث "‬
 ‫إن الذين يتحدث عنهم ابن عبد البر هاهنا ل يدخل فيهم عنده من كان من أهل البدع الحادثة ، بدليل أنه‬
     ‫قال بعد سرد المذاهب : " فهذا ما انتهى إلينا عن العلماء أهل الفقه والثر ، وهم الجماعة ، في تأويل حديث‬
    ‫رسول اللـه ل » كل مولود يولد على الفطرة « وأما أهل البدع فمنكرون لكل ما قالـه العلماء"9. وهذا الكلم‬
‫يعني أن مقالت الناس في الفطرة هي أكثر من سبعة ، وهذا من أعجب ما وقع من الخلف في أصل من أصول‬
                                                                                                                                        ‫الدين !‬
                                                                                                           ‫9 - البخاري : ٩٧١٥ .‬
                                                                                            ‫2 - البخاري : ٩٣٤٥ . مسلم : ٧٧٣ .‬
                                                                           ‫3 - أحمد : ٩١٢٠٢ . وانظر أيضا : ١٢٨٤١ ، ٨١٨٤١ .‬
                                                                                                             ‫4 - أبو داود : ٤٥٣ .‬
‫5 - انظر تفسير الطبري عند قولـه تعالى من سورة الروم:) فطرة اللـه التي فطر الناس عليها ٠٤/١٢‪ .٤١-‬والتمهيد لبن عبد البر : ٢٧/٨١ .‬
                 ‫6 - صرح ابن عبد البر بذلك في كتاب الستذكار : ٠٩٣/٨. ت: عبد المعطي أمين قلعجي . ط ١/ ٤١٤١هـ – 3991م. القاهرة‬
‫7 - ويحتمل أن يكون هذا القول من كلم ابن نصر نفسه ، فلم يميز ابن عبد البر كلمه عن كلمه ، ولكنه قال في خاتمته : " وكل ما ذكرناه قد ذكره أبو عبد‬
                                          ‫ال محمد بن نصر المروزي فيما وصفنا في معنى الحديث المذكور " أي حديث الفطرة ]الستذكار :٠٩٣/٨ [‬
                                                                                                                           ‫8 - التمهيد : ٦٦/٨١‬
                                                                                                                          ‫9 - نفسه : ٤٩/٨١-٥٩‬
‫وقال ابن رشد الجد ) ت: ٠٢٥ هـ(:" هذه مسألة قد اختلف أهل العلم فيها اختلفا كثيرا"1.‬
  ‫وقال ابن تيمية ) ت: ٨٢٧ هـ( عن الخائضين في هذا الباب :" إنهم تشعبوا في حديث الفطرة "2 ، وقد‬
‫بين تلميذه ابن القيم ) ت: ١٥٧ هـ( حقيقة هذا التشعب حين قال : " هذا موضع اضطربت فيه القدام ، وطال فيه‬
                                                                                                    ‫النزاع والخصام"3.‬
         ‫والسؤال الذي يلح في هذا المقام هو : كيف حدث هذا الختلف في الفطرة بعد الجماع القديم؟‬
    ‫مما ل شك فيه أن لهذا الختلف العجيب ملبسات تاريخية ومنهجية ، وقد وجدت بالتتبع أن أسباب‬
                                                                     ‫اضطراب هذا المفهوم يمكن ردها إلى ما يلي :‬
                                          ‫أول– انفصال العلم عن العمل في حياة المة .‬
                                 ‫ثانيا– استعمال السرائيليات في توجيه معاني القرآن .‬
                                                          ‫ثالثا– انتشار الخوض في القدر.‬
                                             ‫رابعا– دخول الفلسفة إلى العالم السلمي .‬
‫فهذه السباب في رأيي هي التي أدت إلى تشويش الرؤية ، واضطراب النظر، وتبدل الموازين التي جاء‬
‫بهــا القرآن ، وجرت عليهـا السـنة ، ومضـى عليهـا السـلف الولون . والشأن ل يخـص فقـط مفهوم الفطرة ، بــل‬
                     ‫ـ‬    ‫ـ‬                       ‫ـ ـ‬          ‫ـ‬        ‫ـ ـ‬
                                                               ‫يتعداه إلى مفاهيم شتى قد يكون بعضها أهم وأخطر .‬
   ‫ففي إطار السبب الول الذي هو انفصال العلم عن العمل ، يمكن أن ندرج ثلثة نماذج من التشوهات‬
                                                                                            ‫التي لحقت بمعنى الفطرة :‬
                 ‫الول : قول المام محمد بن الحسن الشيباني بأن هذا المعنى قد نسخ بشريعة الجهاد .‬
          ‫والثاني : قول بعض قدماء المالكية أن العموم الذي دلت عليه ظواهر النصوص ، إنما يراد به‬
                                                       ‫الخصوص . وقصدهم ليس كل الناس يولدون على الفطرة .‬
‫والثالث : ما روي في فقه المام أحمد من أنه بنى على مجرد المارات الشكلية في التفريق بين من يبقى‬
   ‫على الفطرة ومن يتهود ويتنصر ويتمجس . فالطفل الذي فقد أبويه أو أحدهما هو مسلم بغض النظر عن جميع‬
  ‫العتبارات . وبهذا أسقط المعنى المقصود من حديث أبي هريرة في بيان سبب التغييرات الطارئة على الفطرة‬
                                                                                       ‫وهو التربية مهما كان المربي .‬
 ‫وفي إطار السبب الثاني الذي هو استعمال السرائيليات في توجيه معاني القرآن يمكن أن ندرج المذهب‬
   ‫الذي اشتهر عن المام إسحاق بن راهويه الحنظلي وهو عبارة عن تفسير غريب لقوله تعالى في العراف : )‬
    ‫وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ؟ قالوا : بلى شهدنا . . . (‬
 ‫الية فزعم ابن راهويه أن ال خلق الرواح دفعة واحدة قبل أن يخلق الجساد ، ثم عرض عليهم الميثاق عرضا‬
                ‫عاما ، فأقروا ل بالربوبية ، منهم من أقر طائعا راضيا ، ومنهم من أقر مكرها من باب التقية .‬



              ‫1 - مسائل أبي الوليد ابن رشد: ٣٧٥/١. ط ٢ / ٤١٤١ هـ - ٣٩٩١ م . دار الجيل ، بيروت . دار الفاق الجديدة ، المغرب‬
                                                                                                ‫2 - درء التعارض : ١٢٤/٨‬
                                                                                                ‫3 - أحكام أهل الذمة : ٦٢/٢‬
‫وأما السبب الثالث من أسباب الضطراب في الفطرة وهو انتشار الخوض في القدر ، فقد أدى إلى‬
                                                                                                            ‫ظهور عدة مذاهب :‬
                        ‫الول قول من قال أن الفطرة ما يكتب لكل إنسان في بطن أمه من شقاوة أو سعادة .‬
                                                       ‫والثاني قول من قال أن الفطرة هي كل ما سبق به القدر .‬
                                      ‫والثالث قول من قال أن الفطرة حالة على الحياد ليست بإيمان ول كفر .‬
 ‫والرابع قول المعتزلة أن الفطرة قبول التوحيد ، لن السلم مساوق للنظر الصحيح . ويزعمون أن هذا‬
                                                                                         ‫هو معنى كون الفطرة هي السلم .‬
   ‫والخامس قول ابن قتيبة وغي ِه أن الفطرة معرفةٌلزمة عن الطبيعة النسانية ، وأصلُها الميثاق الذي‬
                  ‫ـ‬                                                 ‫ر‬
‫أخذ على جميع بني آدم حين أخرجوا من ظهره فأقروا ل بالربوبية. وليست تلك المعرفة ول ذلك القرار بإيمان.‬
   ‫فهذه المذاهب الخمسة كلها نشأت في سياق الجدل الكلمي المتعلق بمسائل القدر . وكل واحد من هذه‬
     ‫المذاهب في الفطرة مبني إما على مبدأ المناقضة ، وإما على مبدأ الفرار من اللزامات الفقهية والكلمية ،أو‬
                                                                                                             ‫على المبدأين معا .‬
 ‫أما السبب الرابع من أسباب الضطراب في الفطرة فهو ظهور الفلسفة بين المسلمين ، وقد ظهرت آثار‬
‫هذا السبب ظهورا بينا في القرن الخامس للهجرة ، ويمكن نسبة المذهب الذي تولد عن هذا السبب لشيخ المتفلسفة‬
 ‫في السلم أبي علي ابن سينا، فهو الذي عبر عنه بلسان عربي، وإن كان في حقيقته مجرد ترجمة لفلسفة قديمة.‬
                                                                              ‫ومذهب ابن سينا مبني على أساسين :‬
  ‫الول : القول بازدواج الفطرة النسانية ، فللروح فطرة وللبدن فطرة ، وهما فطرتان متنافيتان . ولكل‬
                                                                                          ‫فطرة منطقها ومنهاجها وأحكامها .‬
       ‫والساس الثاني : أن الناس في أصل خلقتهم ينقسمون إلى ذوي فطر فائقة ) العارفون ، الحكماء ،‬
 ‫المشتغلون بالفلسفة (، وذوي فطر ناقصة ) العوام ورؤوسهم من المتكلمة والمتفقهة (، وذلك لختلف قوابلهم .‬
                                              ‫وهكذا نصبح أمام سلمين للفطرة ، وكل سلم ل تنحصر درجاته .‬
‫والمقام ل يتسـع لتحليـل هذه السـباب ، وبيان مـا أنتجتـه مـن مقالت فـي هذا الباب . إل أن المبدأ الجامـع‬
‫لكل هذا هو ما تمخضت عنه الفتن المتعاقبة في تاريخنا من نقض لعرى السلم عروة عروة ، فكل فتنة حدثت‬
‫فـي المـة منـذ سـقوط الخلفـة الراشدة كانـت تعفـي على سـنة قائمـة ، وتطمـس معالم مـن تراث النبوة وسـياسات‬
‫الراشديـن ، فلم تكـد المئة الثالثـة تطـل بقرنهـا حتـى أخذت الحيرة تعـم ، وبدأ التحلل فـي النظام الفكري والجتماعـي‬
‫يسـري فـي خفاء ، فلمـا حلت المائة الخامسـة بلغ التحلل ذروتـه . فإلى هذه المائة كان المجتمـع السـلمي قـد قطـع‬
‫ثلثـة أشواط ، عاشـت المـة أولهـا فـي ظلل شريعـة منزلة ، وعاشـت ثانيهـا فـي ظلل شريعـة مؤولة ، ثـم أشرع‬
                                                     ‫التيه أبوابه في الشوط الثالث فصار المسلمون تحت شريعة مبدلة1 .‬




   ‫1 - ل أقصد بالشريعة هاهنا نصوص الوحي – فهي محفوظة – ولكن أقصد ما كان للنصوص من سلطان في الحياة العامة وكيفية توظيفها نظرا وعمل ،‬
                                                                                                                       ‫فكرا وسلوكا .‬
‫المبحث الثاني : نظرية الترك والتخلية في الميزان‬

                                                                ‫أول– ما المقصود بنظرية الترك والتخلية ؟‬
  ‫الترك والتخلية حالة افتراضية معناها عزل النسان منذ طفولته عن المؤثرات الجتماعية ، حتى يسلم‬
‫من سطوة الموروث ، ويحتكم فقط إلى أولياته الفطرية ، وهي أوليات صادقة عند من يقول بهذه النظرية ل يأتيها‬
‫الباطل من بين يديها ول من خلفها ، ولهذا صارت هذه الحالة المتوهمة مرجعية عليا يحتكم إليها المتخاصمون1 .‬


                                          ‫ثانيا– ما أصل القول بالترك والتخلية ؟ ومن القائلون بهذه النظرية ؟‬
     ‫في القرن الثالث للهجرة كثر التعمق المذموم في المعاني بدون حاجة ماسة من واقع الناس إل شهوة‬
     ‫الرياسة والعلو ، فكثر الجدل لنصرة الراء الحادثة في الملة أو دفعها ، وفي هذا السياق وقع الضطراب في‬
                                                                                               ‫تقرير مذهب السلف في الفطرة .‬
     ‫وأهم السباب المباشرة لهذا الضطراب زعم القدرية أنهم يقولون بأن الفطرة هي السلم ، مكايدة‬
     ‫لهل السنة ، إذ كانوا يظنون أن هذا القول في الفطرة يناقض القول بخلق أفعال العباد ، فكانت القدرية وعلى‬
‫رأسهم المعتزلة يقولون : كل مولود يولد على فطرة السلم وال ل يضل أحدا ، وإنما أبواه هما اللذان يفعلن به‬
                                                                                  ‫ذلك ، بدليل حديث أبي هريرة في الفطرة 2.‬
 ‫حدث هذا في زمن أطلت فيه الفتن برؤوسها ، واشتدت وطأتها على المسلمين ، وتبدل الحال من مجرد‬
‫الستبداد بالحكم والستئثار بالمال ، إلى تسلط المبتدعة بجاه السلطان ، فأجروا المحنة على العلماء ، وأرادوا أن‬
                                                                                           ‫يحملوا المة بالكراه على مقالتهم.‬
        ‫وفي هذه الجواء المشحونة بالصراع والثارات ، تختلط العبرات بالنظرات ، ويتنافس الفرقاء في‬
    ‫حرمان الخصم من الحجج ، فيلجأ كثير منهم إلى التحريف باسم التأويل ، ويستتبعون الدلة بدل أن يتبعوها ،‬
     ‫ويصير القرآن للعتضاد ل للعتماد ، يؤمنون ببعض منه ويكفرون ببعض ، على سنة الذين خلوا من قبل .‬
  ‫إذن قول المعتزلة أن الفطرة هي السلم هو في حقيقته مذهب جدلي ، وليس من صريح مذهبهم . لن‬
  ‫أصولهم تقتضي أن المولود ل يولد على إيمان أو كفر ، بل يفطر على هيئة صالحة للضدين3 ، وهذا يشبه قول‬
   ‫الفلسفة في العقل الـهيولني ، وليس ببعيد أن يكون أولئك قد تلقوه عن هؤلء ، فبينهم في هذا الباب وشائج ل‬
   ‫تنكر،منها إنكار أن تكون أفعال الحيوان مخلوقة للـه، ولـهذا كان السلف يقولون:"القدرية مجوس هذه المة"4.‬
                               ‫ونقل ابن تيمية عن بعض العلماء على وجه القرار:"إن المعتزلة مخانيث الفلسفة "5.‬



‫1 - انظر بالخصوص الجدل الذي دار حول ) التحسين والتقبيح ( عند الغزالي في »المستصفى« و»القتصاد في العتقاد«، وعند الرازي في:»المحصول« ،‬
                      ‫وعند المدي في »الحكام في أصول الحكام« و عند بيانه للفرق بين البديهي والنظري من كتاب »غاية المرام في علم الكلم« .‬
                                                                                ‫2 - انظر درء تعارض العقل والنقل : ٧٧٣/٨.‬
                                                                                    ‫3 - انظر درء التعارض : ٧٧٣/٨-٠٨٧٣‬
                                                                 ‫4 - عند أبي داود حديث في معناه برقم : ٢٧٠٤ ، لكنه ضعيف .‬
                  ‫5 - حكاه ابن تيمية في عدة مواضع وأيده ، انظر مثل:»مجموع الفتاوى« : ٩٥٣/٦ ، و ٦٦٢/٩ ، و ١٣/٢١ ، و ٩٤٣/٤١‬
‫وقد كان لمذهب المعتزلة هذا بشقيه الجدلي والصريح أثر بالغ على مذاهب أهل السنة في الفطرة ،‬
                                                                                                 ‫وكانوا في ذلك ثلثة أصناف :‬
  ‫الصنف الول ناقض المعتزلة أبلغ مناقضة ، ليقطع عليهم الطريق ، إذ كان ينظر إليهم بمنظار السخط‬
    ‫والرتياب ، فقال بعضهم : الفطرة هي كل ما يقدر للمولود ، وقال آخرون : هي ما يقدر من شقاوة وسعادة ،‬
 ‫وقال فريق ثالث : هي معرفة بالرب تقررت في عالم الذر حين أخذ عليهم العهد ، وليست تلك المعرفة بإيمان ،‬
 ‫ومن هذا الفريق الثالث محمد بن قتيبة الدينوري ) ت : ٦٧٢ هـ ( ، فانظر إليه كيف زل حين قال : " إن الفطرة‬
 ‫عند أهل القدر السلم "1 ، بل قال : " فرق ما بيننا وبين أهل القدر في هذا الحديث أن الفطرة عندهم السلم ،‬
                                                                    ‫والفطرة عندنا القرار باللـه والمعرفة به ل السلم "2.‬
   ‫أما الصنف الثاني من أهل السنة فقد قال من حيث ل يشعر بصريح مذهب المعتزلة ، وأقدم من علمته‬
‫وقع في هذا المام أبو سليمان الخطابي ) ت : ٨٨٣ هـ ( ، قال في شرحه على حديث أبي هريرة في الفطرة : "‬
    ‫المعنى الذي تضمنه الخبر : أن كل مولود من البشر إنما يولد في أول مبدأ الخلق ، وأصل الجبلة على الفطرة‬
‫السليمة ، والطبع المتهيئ لقبول الدين ، فلو ترك عليها وخلي وسومها لستمر على لزومها ، ولم ينتقل عنها إلى‬
‫غيرها ، وذلك أن هذا الدين باد حسنه في العقول ، ويسره في النفـوس ، وإنما يعدل عـنـه مـن يعـدل إلى غيره ،‬
 ‫ويؤثره عليه لفة من آفات الشر3 والتقليد ، ولو سلم المولود من تلك الفات لم يعتقد غيره ، ولم يختر عليه سواه‬
 ‫" ، ثم قال : " وحاصل المعنى من هذا الحديث إنما هو الثناء على هذا الدين ، والخبار عن محلـه من العقول ،‬
                            ‫وحسن موقعه من النفوس . وليس من إيجاب حكم اليمان للمولود سبيل ، واللـه أعلم "4.‬
‫فقارن هذا الكلم بكلم المام الزمخشري ) ت : ٨٣٥ هـ ( وهو من خلص المعتزلة ، فقد قال رحمه ال‬
   ‫عند تفسير آية الفطرة من سورة الروم : " والمعنى أنه خلقهم قابلين للتوحيد ودين السلم غير نائين عنه، ول‬
 ‫منكرين لـه،] لكونه [ مجاوبا للعقل ، مساوقا للنظر الصحيح ، حتى لو تركوا لما اختاروا عليه دينا آخر . ومن‬
                                                                              ‫غوى منهم فبإغواء شياطين النس والجن "5 .‬
     ‫وقال في التعليق على حديث أبي هريرة في الفطرة : " والمعنى أنه يولد على نوع من الجبلة ، وهو‬
        ‫فطرة اللـه ، وكونه متهيئا مستهدفا لقبول الحنيفية طوعا ل كرها ، وطبعا ل تكلفا ، لو خلته شياطين الجن‬
                                                     ‫6‬
                                                         ‫والنس وما يختاره لم يختر إل إياها ، ولم يلتفت إلى جنبة سواها "‬




                                                                                                    ‫1 - تأويل مختلف الحديث : ٥٩-٦٩ .‬
                                                                                        ‫2 - نقل عن زاد المسير في علم التفسير : ١٠٣/٦ .‬
‫3 - كـذا في أعـلم السـنن، لكنها في شـرح سـنن أبي داود:"آفـات الـنـشـوء"، وهـذا هـو الصحيح، فـيكون الذي في العلم تصحيف ، بدليل أن‬
                                                                   ‫كلم الخطابي هذا نقلـه عدد من الشراح وكلـهم يقول : " آفات النشوء " .‬
                 ‫4 - أعلم السنن في شرح صحيح البخاري : ٨٢٤/١-٩٢٤ . وانظر أيضا : معالم السنن شرح سنن أبي داود:٠٠٣/٤-١٠٣.‬
‫5 - الكشاف عن حقائق التنزيل:٢٢٢/٣] دار الفكر. بيروت [. عند اللوسي :" نابين عنه " بدل " نائين عنه " ، وقد أضفنا كلمة ] لكونه [ من‬
‫تفسير النسفي ، وكل هذين المفسرين قد نقل كلم الزمخشري دون الحالة عليه ، وهذا للسف من العيوب الفاشية في كتب التراث ، وهو عيب‬
                                                       ‫مضلل إذ يوقع في نسبة القوال إلى غير قائليها ، كما يتعب الباحث في تاريخ الفكار.‬
                   ‫6 - الفائق في غريب الحديث : ٧٢١/٢ . ت : علي محمد البجاوي ، ومحمد أبو الفضل إبراهيم . ط ٢ . دار المعرفة . لبنان‬
‫1‬
 ‫والغريب أن هذا القول هو أكثر القوال شيوعا إلى اليوم ، وإليه ذهب من القدماء أبو عمر ابن عبد البر‬
       ‫) ت : ٣٦٤ هـ( ، والفقيه أبو الوليد ابن رشد الجد2 )ت: ٠٢٥ هـ( ، وعدد من مشاهير شراح الحديث كابن‬
‫الثير3 ) ت : ٦٠٦ هـ ( ، والنووي4 ) ت : ٦٧٦ هـ ( ، والحسين بن محمد الطيبي ) ت : ٣٤٧ ( صاحب شرح‬
       ‫مشكاة المصابيح 5 ، والمناوي ) ت : ١٣٠١ هـ ( في عدة مواضع من كتابه الشهير : » فيض القدير شرح‬
                                                                                                             ‫الجامع الصغير « 6.‬
 ‫ومن المفسرين ابن عطية 7 ) ت : ٦٤٥ هـ ( ، وأبو عبد ال القرطبي المفسر8 ) ت:١٧٦ هـ( ، وشيخه‬
    ‫أبو العباس القرطبي صاحب المفهم9 ، وأبو البركات النسفي01 ) ت: ٠١٧ هـ(، واللوسي11 ) ت: ٠٧٢١ هـ( ،‬
    ‫وذكره ابن عاشور في التحرير21 ، مع أن ابن عاشور يذهب في الفطرة إلى صريح قول الفلسفة كما سنرى .‬
      ‫وأما الصنف الثالث : فهم يذهبون مذهب السلف ، لكنهم يقررونه مع ذلك بشيء من كلم المعتزلة ،‬
                       ‫وعلى رأس هؤلء المام ابن تيمية ) ت: ٨٢٧ هـ( وقد وقفت له على نصين في هذا السياق :‬
    ‫النص الول : قولـه " إذا خَلَتْ ) أي الفطرة ( عن السباب الخارجة لم يكن بد من وجود صلحها أو‬
                                                                 ‫ــ‬
                                  ‫فسادها والثاني ممتنع فتعين الول "31 . ويقصد بالسباب الخارجة التعليم والتربية .‬
 ‫النص الثاني : قوله في معنى الفطرة أنها " سلمة القلب وقبوله وإرادته للحق الذي هو السلم ، بحيث‬
                                                                               ‫لو تُرك من غير مغير لما كان إل مسلما "41.‬
                                                                                                                   ‫ـ‬
       ‫وقد فسر ابن قيم الجوزية ) ت : ٢٥٧ هـ( كلم شيخه هذا فقال : " إن في الفطرة قوة تقتضي طلب‬
       ‫معرفة الحق وإيثاره على ما سواه ، وإن ذلك حاصل مركوز فيها من غير تعلم البوين ول غيرهما ، بل لو‬
                        ‫ُرض أن النسان تربى وحده ، ثم عقل وميز لوجد نفسه مائلة إلى ذلك نافرة عن ضده "51 .‬
                                                                                                       ‫ف‬
      ‫وابن القيم يكثر من القول بالترك والتخلية في بيان معنى الفطرة ، كقولـه : " الخلق مفطورون على‬
                                      ‫معرفته وتوحيده ، فلو خلوا وهذه الفطرة لنشأوا على معرفته وعبادته وحده "61.‬


                                                                                                    ‫1 - انظر التمهيد : ٨٦/٨١-١٧ .‬
                                                                                ‫2 - انظر مسائل أبي الوليد ابن رشد : ٨٧٥/١-٩٧٥ .‬
‫3 - انظر النهاية في غريب الحديث:٧٤٢/١ وأيضا:٧٥٤/٣. ت: طاهر أحمد الزاوي ، ومحمود محمد الطناحي. ٩٩٣١ هـ - ٩٧٩١ م . المكتبة‬
                                                                                                                  ‫العلمية . بيروت‬
                              ‫4 - انظر شرح النووي على صحيح مسلم : ٨٠٢/٦١ . ط ٢ / ٢٩٣١ هـ . دار إحياء التراث العربي . بيروت‬
                                                                                                    ‫5 - انظر فتح الباري : ٨١٣/٣ .‬
‫6 - انظر منه مثل: ٠٠٥/٢ . و ٦١٤/٤ . و ٣٣/٥-٤٣ . لكن المناوي ممن يخلطون في تفسير الفطرة ، انظر مثل ما قالـه في : ٦١٤/٤ . و /٥‬
                                                                      ‫٠٠٤-١٠٤ . ط ١ / ٦٥٣١ هـ . المكتبة التجارية الكبرى . مصر‬
  ‫7 - انظر: ابن عطية الندلسي:» المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز « ٣٥٤/١١ .ت:عبد اللـه بن إبراهيم النصاري ، والسيد عبد العال‬
                                                                                ‫السيد إبراهيم . ط ١ . ٦٠٤١ هـ – ٥٨٩١ م . الدوحة‬
                                                                                           ‫8 - انظر الجامع لحكام القرآن : ٩٢/٤١ .‬
                                                                                                                             ‫9 - نفسه .‬
      ‫01 - انظر تفسيرالنسفي المسمى : » مدارك التنزيل وحقائق التأويل « : ٣٧٢/٣. ت: صفوان عدنان داوودي. ط ٥١٤١/١هـ. دار القلم ،‬
                                                                ‫دمشق . الدار الشامية ، بيروت . وقيل في سنة وفاة النسفي أنها ١٠٧ هـ .‬
                                                                                                          ‫11 - وروح المعاني : ٠٤/١٢.‬
                           ‫21 - انظر تفسير التحرير والتنوير : م ٠١ ، ج ١٢ ، ص : ٠٩ . الدار التونسية للنشر – الدار الجماهيرية للنشر .‬
                                                                                                         ‫31 - درء التعارض : ٤٦٤/٨ .‬
                                                                                                       ‫41 - مجموع الفتاوى : ٧٤٢/٤ .‬
                                                                                                              ‫51 - شفاء العليل : ٤٠٣ .‬
 ‫61 - شفاء العليل:٣٥٢. وانظر أيضا : » إعلم الموقعين «١٩١/١ ]ت : طه عبد الرؤوف سعد . دار الجيل بيروت [ ومفتاح دار السعادة:٨/٢‬
    ‫٧. وطريق الـهجرتين:٤٣٢ ] ت: عمر بن محمود. ط ٤١٤١/٢هـ-٤٩٩١م. دار ابن القيم ، الدمام [. وحادي الرواح :٨٥٢- ٩٥٢ ] دار‬
                                                                                                                ‫الكتب العلمية بيروت [.‬
‫وممن قرر مذهب السلف بمثل هذا المام ابن حجر ، يقول في الفتح : " إن كل أحد لو ترك من وقت‬
                                                           ‫ولدته وما يؤديه إليه نظره ، لداه إلى الدين الحق وهو التوحيد "1.‬
‫فافتراض الترك والتخلية الذي صار جزء من تعريف الفطرة عند هؤلء المتأخرين لم ينقل عن السلف ،‬
     ‫ول دلت عليه نصوص الكتاب والسنة دللة صريحة2 ، ول هو من صميم المنهجية المعرفية التي ميزت دين‬
     ‫السلم ، فل محل هاهنا للمكانات الذهنية غير المجربة ، والتي هي في الحقيقة مجرد خيالت ، وال تعالى‬
                                                       ‫يقول : ) قل هاتوا برهانكم ‪ 3‬فأين افتراضات الذهان من البرهان ؟‍ !‬
‫والحاصل أن الذين قالوا في تفسير الفطرة بالترك والتخلية ثلث طوائف : المعتزلة ، وكل من قال بقول‬
    ‫الخطابي من أهل السنة ، وكل من قرر مذهب السلف على طريقة ابن تيمية . وهناك طائفة رابعة هم الفلسفة‬
‫ورأسهم في ذلك ابن سينا )ت: ٨٢٤ هـ( فقد قال في كتاب النجاة : " معنى الفطرة أن يتوهم النسان نفسه حصل‬
‫في الدنيا دفعة وهو عاقل ، لكنه لم يسمع رأيا ، ولم يعتقد مذهبا ، ولم يعاشر أمة ، ولم يعرف سياسة . لكنه شاهد‬
‫المحسوسات ، وأخذ منها الحالت 4، ثم يعرض على ذهنه شيئا ويتشكك فيه ، فإن أمكنه الشك ، فالفطرة ل تشهد‬
                                                                            ‫به ، وإن لم يمكنه الشك فهو ما توجبه الفطرة . . . "5.‬
 ‫وهذا التوهم السينوي هو الذي أخرجه ابن طفيل المغربي ) ت: ١٨٥ هـ( في رسالة » حي بن يقظان «‬
     ‫بقصد بيان » أسرار الفلسفة المشرقية «6 وهي الفلسفة التي ذهب إليها ابن سينا ولكنه لم يصرح بها تصريحا‬
    ‫اتقاء لتباع أرسطو ) أصحاب الفلسفة المغربية ( 7 ، وهي أيضا الفلسفة التي أخرجها أبو حامد الغزالي ) ت:‬
 ‫٥٠٥ هـ( في قالب المكاشفة8 ، وقد صرح الغزالي في كتبه المنطقية بنفس ما قرره ابن سينا في تفسير الفطرة9 .‬
  ‫والعجيب أن الطاهر بن عاشور لم يجد حرجا في ادعاء أن هذا التفسير هو التقرير الصحيح لمعنى كون الفطرة‬
                                                                                                                              ‫هي السلم 01.‬
 ‫فهل في سنن ال تعالى ما يسمح بظهور ) حي بن يقظان ( ذي الفطرة الفائقة ؟ أو بظهور فطرة تشهد –‬
                                                           ‫مع انقطاعها التام عن المجتمع – لملة إبراهيم الخليل عليه السلم ؟‬
                                 ‫ولكي ندفع بالتحدي إلى مداه ، سنقنع في مطالبتنا بأقل من ذلك ، فنسأل هاهنا :‬
    ‫هل في وسع الفطرة المحرومة من مددها الجتماعي أن تعطينا مجرد إنسان كهذا الذي على دين آبائه‬
                                                                                                                                ‫بلغة الحنفاء ؟‬


                                                                                                                       ‫1 - فتح الباري : ٨١٣/٣ .‬
‫2 - استخرج ابن تيمية القول بالترك والتخلية من إيماءات النصوص ، فإضافة الفطرة إلى ال كما جاءت في سورة الروم تدل على الصطفاء والتفضيل ، كما‬
       ‫أن المقصود بها مدح شريعة السلم والشهادة بصلحيته وحده من بين سائر الديان . كما أن حديث أبي هريرة نص على أن البوين قد يغيران فطرة‬
                                                                        ‫مولودهما ، مما يدل أنها كانت موجودة قبل التغيير وجودا مستغنيا عنهما .‬
                                                                                  ‫3 - البقرة : ٠١١ . النبياء : ٤٢ . النمل : ٤٦ . القصص : ٥٧ .‬
                                                                                   ‫4 - يقصد بذلك تجريد الكليات الذهنية من الموجودات الحسية.‬
                                                                                               ‫5 - النجاة في المنطق واللـهيات : ٩٧/١-٠٨ .‬
                                                                                    ‫6 - انظر مقدمة هذه الرسالة فإن ابن طفيل يصرح فيها بهذا القصد .‬
   ‫7 - يمكن مراجعة تفاصيل هذه المسألة ضمن الفصل الذي خصصه الستاذ الجابري لفلسفة ابن سينا من كتابه : » نحن والتراث « ، والتقابل بين المشرق‬
                                           ‫والمغرب هو في حقيقته تقابل بين المدرسة الشراقية ذات الروح المجوسية ، وبين المدرسة اليونانية العقلية .‬
                                                                                                 ‫8 - انظر : مجموع الفتاوى لبن تيمية : ٧٢٢/١١.‬
                                                                              ‫9 - انظر مثل المقدمة المنطقية التي في كتاب : » المستصفى « : ٨٣-٩٣ .‬
‫01 - مقاصد الشريعة السلمية : ٦٥. وإعجاب ابن عاشور بفطرة ابن سينا ورطه في جعلـها تفسيرا لقولـه تعالى : ) فطرة اللـه التي فطر الناس‬
                                                             ‫عليها ‪ ‬انظر ذلك في تفسيره المسمى التحرير والتنوير : المجلد : ٠١ ، ص : ٨٨ .‬
‫أو نقول – تنزل على اصطلح الفلسفة والمتصوفة – : هل في وسعها أن تعطينا فطرة ناقصة كفطرة‬
                                                       ‫العوام والمحجوبين من المتكلمين والفقهاء ؟‬
‫المبحث الثالث : نحو رؤية جديدة لمفهوم الفطرة‬
                                                                  ‫سنسلك في الجواب على السئلة السابقة ثلث مراحل :‬
                                                              ‫‪‬المرحلة الولى : نستهدي فيها بدللة القرآن .‬
                                                  ‫‪‬المرحلة الثانية : نستعرض فيها شهادة الحس والعيان .‬
            ‫‪‬المرحلة الثالثة : نركب فيها مما تقدم رؤية جديدة ، قد تزيل كثيرا من اللتباس عن‬
                                                            ‫حقيقة ما فطر ال عليه الناس . وال المستعان .‬
                                                                                                      ‫أول– شـــــهــادة الـقـــرآن :‬
                                                        ‫أليق حديث بإشكالنا قصة البداية ، ويهمنا منها الحقائق التالية :‬
  ‫١( آدم عليه الصلة والسلم هو أول إنسان خلقه ال تعالى . خلقه من طين بيديه الكريمتين ، فل أب لـه‬
                                    ‫ول أم ، ول هو فرع عن أصل حيواني آخر ، ثم أنسل منه ومن حواء أجيال البشرية .‬
     ‫فإذ سو ته ونف ت ف ه ِ ر ح فقع َه‬
     ‫قال تعالى ‪ِ ‬ذْ َالَ َ ّ َ ِلْ َ َ ِ َ ِ ِ ّي َاِ ٌ َ َ ًا منْ ِينٍ . َِ َا َ ّيْ ُ ُ َ َ َخْ ُ ِي ِ منْ ُو ِي َ َ ُوا ل ُ‬
                                                               ‫إ ق ربك ل ملئكة إن خ لق بشر ِ ط‬
   ‫َا ِ ِينَ . َ َ َدَ الْ َ َ ِ َ ُ ُّ ُمْ َجْ َ ُو َ . ِ ّ ِبِْي َ اسْ َكْ َرَ َ َا َ منْ الْ َا ِ ِينَ . َالَ َا ِبِْي ُ َا َ َ َكَ أنْ َسْ ُدَ‬
     ‫ق ي إ ل س م منع َ ت ج‬                     ‫فسج ملئكة كله أ مع ن إل إ ل س ت ب وك ن ِ ك فر‬                                                ‫س جد‬
       ‫ِ َا ََق ُ ِ َ َ ّ أسْ َكْ َرْتَ أمْ ُن َ ِنْ الْ َاِي َ . َا َ َ َا َيْ ٌ ِنْ ُ ََقْ َ ِي ِنْ َا ٍ َ ََقْت ُ ِنْ ِي ٍ ] ص : ٠٧-‬
                 ‫‪‬‬ ‫ك ت م ع ل ن ق ل أن خ ر م ه خل تن م ن ر وخل َه م ط ن‬                                     ‫لم خل ْت بيدي ت ب‬
                                                                                                                                                ‫٥٧ [.‬
   ‫وقال أيضا : ) َِ َ َاِ ُ الْ َيْ ِ َال ّ َا َ ِ الْ َ ِيزُ ال ّ ِي ُ . اّ ِي َحْ َ َ ُ ّ َيْءٍ ََق ُ َ َ ََ َلْقَ ا ِن َا ِ‬
   ‫ذلك ع لم غ ب و شه دة عز رح م لذ أ سن كل ش خل َه وبدأ خ لْ س ن‬
   ‫ِنْ ِي ٍ . ُ ّ َ َ َ َسَْ ُ ِنْ ُ ََ ٍ منْ َا ٍ َ ِينٍ . ُ ّ َـ ّا ُ َ َف َ ِيهِ ِـنْ ُو ِـ ِ َ َـ َـلَ َـ ُمْ ال ّمْعَ َا َبْ َارَ‬
      ‫ثم س و ه ون َخ ف م ر ح ه وج ع ل ك س و لْ ص‬                                   ‫م ط ن ثم جعل ن له م سللة ِ م ء مه‬
                                                                                            ‫َا َفْ ِ َ َ َِي ً َا َشْ ُ ُونَ ‪ ] ‬السجدة : ٥-٨ [‬
                                                                                                                  ‫و لْ ئدة قل ل م ت كر‬
     ‫٢( ال تعالى هو الذي تولى بنفسه تعليم آدم ، علمه البيان ل بمجرد غريزة غرزها فيه ، وإنما بتلقين‬
                                                  ‫اختصه به دون سواه بعد أن أتم خلقه ، ثم جعل ذلك ميراثا لذريته من بعده .‬
  ‫قال تعالى : ) َِذْ َالَ َ ّ َ ِلْ َ َ ِ َ ِ ِ ّي َا ِ ٌ ِي ا َرْ ِ َِي َ ً َاُوا َ َجْ َ ُ ِي َا َنْ ُفْ ِ ُ ِي َا َ َسْ ِ ُ‬
  ‫وإ ق ربك ل ملئكة إن ج عل ف لْ ض خل فة ق ل أت عل ف ه م ي سد ف ه وي فك‬
         ‫ال ّ َاءَ َ َحْ ُ ُ َ ّ ُ ِ َمْ ِكَ َ ُ َ ّ ُ َ َ َالَ ِ ّي َعَْ ُ َا َ َعَْ ُو َ . و َّمَ آ َ َ ا َسْ َاءَ ُّ َا ُ ّ َ َ َ ُمْ ََى‬
          ‫دم ون ن نسبح بح د ونقدس لك ق إن أ لم م ل ت لم ن َعل دم لْ م كله ثم عرضه عل‬
‫الْ َ َ ِك ِ َ َالَ َنْ ِ ُو ِي َِسْ َاءِ ه ُ َء ِنْ ُن ُمْ َا ِ ِينَ َاُوا ُبْ َا َكَ َ ِلْ َ َ َا ِ ّ َا َّمْ َ َا ِ ّكَ َنْ َ الْ َِي ُ الْ َ ِي ُ .‬
  ‫ملئ َة فق أ بئ ن بأ م َؤل إ ك ت ص دق ق ل س ح ن ل ع م لن إل م عل تن إن أ ت عل م حك م‬
 ‫َالَ َا آ َ ُ َنْ ِئْ ُمْ َِسْ َا ِ ِمْ ََ ّا َنْ ََ ُمْ َِسْ َا ِ ِمْ َا َ ََمْ َ ُلْ َ ُمْ ِ ّي َعَْ ُ َيْ َ ال ّ َا َا ِ َا َرْ ِ ََعَْ ُ َا ُبْ ُو َ‬
 ‫ق ي دم أ ب ه بأ م ئه فلم أ بأه بأ م ئه ق ل أل أق لك إن أ لم غ ب سم و ت و لْ ض وأ لم م ت د ن‬
                                                                                                     ‫َ َا ُن ُمْ َكْ ُ ُو َ ‪ ] ‬البقرة : ٩٢-٢٣ [‬
                                                                                                                          ‫وم ك ت ت تم ن‬
            ‫وقال سبحانه في معرض المتنان على الناس : ) الرحمن علم القرآن خلق النسان علمه البيان ‪‬‬
                                                                                                                               ‫] الرحمن : ١-٢ [‬
            ‫وفي حديث الشفاعة » يجتمع المؤمنون يوم القيامة فيقولون : لو استشفعنا إلى ربنا ! فيأتون آدم‬
     ‫فيقولون : أنت أبو الناس ، خلقك ال بيده ، وأسجد لك ملئكته ، وعلمك أسماء كل شيء ، فاشفع لنا عند ربك‬
                                                                                                                ‫1‬
                                                                                                                    ‫حتى يريحنا من مكاننا هذا «‬

                                                                                                                       ‫1 - صحيح البخاري : ٦١١٤ .‬
‫٣( ومع كل هذا اختاره ال نبيا ، فكان أول من تلقى الوحي وبلغه .‬
                        ‫قال عز وجل : ) إن ال اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم على العالمين ‪ ] ‬آل عمران : ٣٣ [‬
   ‫وقال سبحانه : ) قلنا اهبطوا منها جميعا فإما ياتينكم مني هدى فمن تبع هداي فل خوف عليهم ول هم‬
‫يحزنون ‪ ] ‬البقرة : ٧٣ [ ، وفي سورة طه : ) قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو ، فإما ياتينكم مني هدى‬
  ‫فمن اتبع هداي فل يضل ول يشقى ، ومن أعرض عن ذكري فإن لـه معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى ‪‬‬
                                                                                                               ‫]طه : ٠٢١-٢٢١[‬
 ‫وفي الحديث أنه ي قال : » َ َا َ ّ ُ ََ ِ آ َمَ يوْمَ ال ِ َا َ ِ َ َ َخْرَ ، َ ِ َ ِي ِ َا ُ الْ َمْ ِ َ َ َخْرَ ، َ َا منْ‬
   ‫وم ِ‬         ‫وبيد لو ء ح د ول ف‬                    ‫أن سيد ولد د َ ْقي مة ول ف‬
                                                                             ‫1‬
                                                                              ‫َ ِ ّ َوْ َ ِ ٍ – آ َمَ َ َنْ ِ َا ُ – ِ ّ َحْ َ ل َا ِي «‬
                                                                                 ‫نبي ي مئذ د فم سو ه إل ت ت ِو ئ‬
   ‫وقد أخرج الحاكم في مستدركه عن أبي أمامة د أن رجل قال : يا رسول ال ! أنبي كان آدم ؟ قال :‬
                                                                                                                ‫نعم ، معلم مكلم 2 .‬
   ‫بأدنى تأمل في هذه الحقائق يتبين أن أبانا آدم عليه الصلة والسلم مع خلوه من الموانع الجتماعية ،‬
      ‫احتاج إلى شيئين اثنين بهما اكتملت فيه صورة النسانية ، وبهما تأهل للخلفة ، أل وهما : التعليم والنبوة .‬
  ‫وهذان هما روح الجتماع النساني من بعده كما يشهد القرآن : ) وإن من أمة إل خل فيها نذير ‪ ] ‬فاطر:٤٢ [‬
‫ولن آدم عليه السلم لم ينشأ في مجتمع ، فقد تكفل ال لـه بهذين الركنين العظيمين ، فجعله معلما مكلما.‬
‫ولو كان من هو مستغن بفطرته عن ذلك لكان هو آدم ! إذ ل شك – على مذهب ابن تيمية – أن اقتضاءه الفطري‬
    ‫للسلم هو عنده تام وسالم عن المعارض المقاوم ، بل حاله في ذلك أنموذج ل مثيل لـه ، فلماذا إذن لم يترك‬
             ‫لمجرد فطرته ؟ ولم احتاج أن يتعلم السماء كلها ؟ ولماذا توقفت حياته في الرض على نبأ السماء ؟‬
  ‫بهذا يظهر غلو ابن تيمية في العتداد بما تصوره الفطرة النسانية ، كما يتبين جموح ابن قيم الجوزية‬
    ‫في افتراض إنسان يتربى وحده ، فينشأ مستقيما حنيفا بسبب زوال الموانع . أما ابن طفيل المغربي فقد أوغل‬
                      ‫كعادة الفلسفة في الخيال ، واغتر بالمحال . وسيتبين هذا بما ل يدع مجال للشك فيما سيأتي .‬
                                                                            ‫ثانيا– شــهـادة الـحـس والـعــيـان :‬
 ‫ظهرت في القرن الماضي دراسات علمية حول ظاهرة من أغرب الظواهر في تاريخ النسان ، كائنات‬
‫بشرية تنشأ في عزلة تامة عن المجتمع ، ومع ذلك يسر ال لها برحمته من أسباب البقاء ما هو أبعد من خيال ابن‬
                ‫طفيل ، لكنها من جهة أخرى بقيت على مسافة بعيدة من أفق النسانية ، مما أثار الدهشة والجدل .‬
      ‫لقد وضعت هذه الظاهرة كل ما قاله الفلسفة عن طبيعة النسان وفطرته في مهب الرياح ، بعد أن‬
                                                                                                                     ‫صيرته رمادا .‬
‫ولن هذه الظاهرة وما قيل عنها وصفا وتأويل يكاد أن يكون مجهول حتى بالنسبة لهل العلم – لسباب‬
      ‫سنعرفها – أرى من المفيد أن أقدم في البداية تحليل وصفيا للظاهرة ، ثم نردفه بقراءة فلسفية أنجزها رجل‬



                                                                    ‫1 - الترمذي : ٨٤٥٣ . قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح .‬
                            ‫2 - قال الحاكم : » هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه « ] المستدرك على الصحيحين : ٨٨٢/٢ [ .‬
‫متخصص في علم النفس الجتماعي تكشف عن بعض ما كان ينبغي أن تحدثه هذه الحقائق الجديدة من زلزال‬
                                               ‫هائل في صرح الفلسفة الغربية المطبوعة في جملتها باللحاد1 والداروينية .‬


                                 ‫المطلب الول : ظاهرة النسان الوحشي ) تحليل وصفي (‬
‫تعرف هذه الظاهرة باسم ) النسان الوحشي ( أو ) الطفال الوحشيون ( ، والطفل الوحشي هو من ُـ ِـد‬
  ‫ُق‬ ‫ف‬
      ‫أو تُ ُـّـي عنه في مراحل التنشئة الولى ، و ُـرك وحيدا في معترك البقاء ، محروما من كل صلة بالمجتمع‬
                                                           ‫ت‬                                  ‫ـخ ل‬
     ‫النساني 2 ، وكثير منهم يلقون رعاية من بعض الحيوانات الوديعة منها والضارية ، كالغزلن ، والخرفان ،‬
                                               ‫والبقر ، والقردة ، والكلب ، والذئاب ، والدببة ، والخنازير ، والنمور . . .‬
‫فـي سـنة ٣٦٩١ م كـان الستاذ ليـسـيان مـالـصون ‪ Lucien Malson‬قد أحصى في كتابه : » الطفال‬
      ‫الوحشيون السطورة والحقيقة « اثنين وخمسين واقعة من وقائع التوحش النساني المكتشفة3 ، أما اليوم فقد‬
                                                                                                              ‫بلغت ضعف هذا العدد 4 .‬
 ‫ل يعرف إل نادرا السن الذي فارق فيه هؤلء الطفال مجتمعاتهم الصلية ، وقد تراوحت أعمارهم في‬
                                                                              ‫تاريخ العثور عليهم بين سنة واحدة وأربعين عاما .‬
  ‫ل يختص هؤلء الوحشيون بجهة واحدة من جهات العالم ، بل قد ظهروا في كل أنحاء الرض ، حتى‬
 ‫البقاع المتطورة عمرانيا ، وقد وجد أطفال في أوربا والوليات المتحدة عاشوا توحشا قسريا داخل منازلهم تحت‬
 ‫إشراف ذويهم5 . أما الذين وجدوا في الغابات والبراري – وهم الغلبية – فمنهم من عاش فيها فردا ، ومنهم من‬
                                        ‫كفلتهم بعض الحيوانات وهم الكثرية ، ومنهم من لم يعرف حاله لشحة الخبار .‬
 ‫خضعت بعض الحالت لرعاية علمية متخصصة راكمت تراثا علميا هاما . وكثير منها لم يحظ بذلك ،‬
                      ‫ولكن جمعت المعلومات عنها من مصادرها التاريخية ، وقد ل يوجد من ذلك إل النزر اليسير .‬



      ‫1 - أفضل استعمال مصطلح ) اللحاد ( بدل ) المادية ( ، لن الول مصطلح قرآني ، وهو القدر على تفسير الحالة الغربية بالنسبة للعقل‬
        ‫المسلم . وأما مصطلح ) المادية ( فهو مصطلح فلسفي ملتبس يضرب بجذوره في الثنائية الوجودية التي سبق لنا الحديث عنها ، فهو أحد‬
    ‫مرادفات العالم السفلي ، عالم المحسوسات ، عالم الكون والفساد ، المقابل للعالم العقلي الروحاني . ومن المصطلحات الرائجة إلى اليوم في‬
‫الفلسفة الغربية ، والتي تقربنا أكثر من مفهوم ) المادية ( مصطلح ) الطبيعة / الفيزيقا ( المقابل لـ ) ما بعد الطبيعة / الميتافيزيقا ( . وقد بينا من‬
                                                                                                   ‫قبل أن هذه التقابلت ل مكان لها في السلم .‬
         ‫ومقصودنا باللحاد تعطيل الرب سبحانه كليا بإنكار وجوده ، أو جزئيا بإنكار طائفة من صفاته إنكارا صريحا، وهذا الجزئي هو الكثر‬
       ‫شيوعا ، وهو الذي دل عليه قوله تعالى : ) ول السماء الحسنى فادعوه بها ، وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون ‪‬‬
 ‫] العراف : ٠٨١ [ ، أما الكلي فهو نادر في العالم ، ولم يذكر القرآن أحدا ادعاه إل فرعون ونمرود. لكن يلزم عن كل التعطيلين جحد قدرته‬
   ‫تعالى على البعث والنشور ، قال تعالى : ) ومن آياته أنك ترى الرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت ، إن الذي أحياها لمحيي‬
      ‫الموتى ، إنه على كل شيء قدير . إن الذين يلحدون في آياتنا ل يخفون علينا ‪]‬فصلت:٨٣-٩٣[ ولذلك كان من أحسن ما سمي به الملحدة‬
   ‫)الدهريون( و)الدنيويون(. فاللحاد يطلق عليهم بالنظر إلى أسماء ال وصفاته ، والدهرية والدنيوية بالنظر إلى اليوم الخر ، وهما اعتباران‬
                                                                                   ‫متلزمان ، وكلهما صحيح النسبة لمجالنا الدللي ، وال أعلم .‬
                   ‫04-93:‪Voir Lucien Malson : « Les enfants sauvages , Mythe et Réalité » p‬‬                                                 ‫2-‬
                                                                                                  ‫4691 ; ‪Union Générale D’éditions‬‬
                     ‫57-27 :‪. Ibid‬‬                                                                 ‫3 - سيأتي الكلم عن صاحب هذا الكتاب قريبا‬
                                          ‫4 - راجع الموقع اللكتروني : ) ‪ ( feralchildren.com/en/children.php‬وهو موقع متخصص .‬
    ‫5 - انظر على الخصوص حالة الصبية جيني )‪ ( Genie‬التي اكتشفت سنة ٠٧٩١ م بمنزل أسرتها بكليفورنيا في سن ٣١ ، وإيـزابـيـل )‬
  ‫‪ ( Isabelle‬الـتي عـثـر عليها فـي ســن السـادسة عام ٨٣٩١ م في أوهايو بالوليات المتحدة أيضا، وجاسبار هـوسـر )‪(Gaspar Hauser‬‬
  ‫الـذي ظهـر سـنة ٨٢٨١ م في ألمانيا ، راجع الموقع اللكتروني المشار إليه سابقا ، وبالنسبة لحالة ) جاسبار ( يمكن الطلع على تفاصيلها‬
                                                                                        ‫في مؤلف مالصون ‪ Malson‬الذي سبق ذكره : ٥٧-٤٨ .‬
‫ولكي نقترب من هذه الظاهرة أكثر سنتعرف فيما يلي على العراض المشتركة أو الغالبة على هؤلء‬
                                          ‫الوحشيين ، سواء ما تعلق منها بالنمو العضوي ، أو النفسي ، أو العقلي1 .‬
                                                                                      ‫١ – الناحية الجسمانية2 :‬
‫لوحظت مجموعة كبيرة ومتنوعة من الظواهر الجسدية الغريبة على الطفال الوحشيين ، منها اختلفات‬
  ‫في شكل الجمجمة ، والذراع الذي هو لديهم أطول من المعتاد ، مع أنه ل يوجد في لبن الذئاب مثل ما قد يسبب‬
 ‫تغير حجم العظام أو شكل الجمجمة . وهذا ما أدى إلى ظهور تصنيف ليناني ) ‪ 3(Linnaenus‬في أوربا حينما‬
  ‫بدأ النتباه إلى أطفال متخلى عنهم ، يعيشون في الغابات بعيدا عن الناس . كان هؤلء متشابهين إلى الحد الذي‬
‫حمل ليناني على تصنيفهم باعتبارهم جنسا متميزا سماه النسان الوحشي ) ‪ ، (Homo Furus‬وقد افترض أنهم‬
   ‫نوع من القزام الخرافية التي نادرا ما تظهر . لم يستطع ليناني أن يستوعب أن هذه الكائنات النصف عاقلة قد‬
 ‫ولدت من أصل بشري ، وأن مشكلتهم جميعا هي الحرمان من الرتباط بأبناء جنسهم . فهذا الرتباط هو السبيل‬
                                                 ‫الوحيد الكفيل بصقل الحواس النسانية ، وإعطائها شكلها الصحيح .‬
‫كثير من الخواص الجسدية التي تميز الطفال الوحشيين مردها إلى كونهم يمشون على أربع ، مما يجعل‬
    ‫العضلت تنمو بشكل مختلف ، فتظهر لديهم تصلبات بالراحة والركبة والكعب ، وباقي مفاصل الرجل تعتاد‬
                                                                                              ‫النثناء في غالب الحيان .‬
 ‫) كــمــل ‪ ( Kamala‬إحــدى هــؤلء الطـفـال ، تـم تـعـلمـيها النتصاب حتى تمكنت من المشي على‬
‫قدميها ، لكنها مع ذلك كانت تفضل استعمال أطرافها الربع عند الجري ، وكانت تستطيع في هذه الحال أن تسبق‬
                                                                                                           ‫البشر العاديين .‬
‫أما الطفال الوحشيون الذين وجدوا يمشون على اثنين ، ويجرون بشكل عادي ، فقد ثبت أن بعضهم كان‬
                                          ‫يستطيع ذلك قبل انفصاله عن المجتمع ، ولهذا يرجح مثل ذلك في بقيتهم .‬
  ‫غالب هؤلء الطفال أقوياء ، ذوو أجسام ممشوقة ، يستطيعون العدو على أربع ، ويتسلقون بسهولة ،‬
‫ويقفزون في العالي بخفة ورشاقة كأنهم البرق . والذين يعيشون منهم في كنف الحيوانات تصير لديهم حاسة شم‬
         ‫قوية ، وسمع مرهف ، وبصر حاد خاصة بالليل . وكلهم ذوو صبر عجيب على الحر والقر والمطار .‬
‫والغريــب أن عددا مــن هؤلء الصــبية لزمتهــم روائح كريهــة رغــم الســتحمام والغتذاء على أطايــب‬
                                                                                                      ‫الطعام لعدة شهور .‬
       ‫ومما لوحظ على هؤلء الوحشيين عجزهم عن استعمال أصابعهم كما يستعملها النسان العادي ،‬
                                                    ‫فأياديهم ليست ماهرة في إمساك الجسام ، ول معالجتها بحذق 4.‬



    ‫1 - أشار الستاذ ليسيان مالصون إلى كثير من هذه العراض في كتابه المذكور ص : ٢٥-٥٥ . لكننا سنعتمد بشكل أكبر معلومات الموقع‬
                                                                                                ‫اللكتروني المشار إليه سابقا .‬
                                                                   ‫2 - ‪www. Feralchildren . com / en / physical . php‬‬
    ‫3 - هو العالم الطبيعي والطبيب السويدي ليني كارل فون ‪١٧٧٨ -١٧٠٧ ) Linné Carl von‬م ( ، اشتهر بجهوده في تصنيف النواع ،‬
                                                   ‫وكان ينشر مؤلفاته باسم كارلي ليناني أو كارلوس لينانوس ‪. Carlus Linnaenus‬‬
                                                                                                 ‫انظر موسـوعة :‪. Encarta‬‬
                                                                              ‫4 - 45 : ‪. Malson. Les enfants sauvages‬‬
‫٢ – الناحية النفسية والجتماعية1 :‬
   ‫يعاني الطفال الوحشيون من تخلف النمو النفسي والجتماعي . ومن المعلوم أن هورمونات الضغط‬
                                                ‫والتوتر تكبح في هذه الحوال هورمونات النمو لدى الطفل .‬
    ‫كل هؤلء الطفال تقريبا قاوموا محاولة اصطيادهم ، وعدة منهم بعد ذلك حاولوا الفرار ، وقد نجح‬
   ‫بعضهم في العودة إلى الغابة . يبدو أنهم في جملتهم ل يحبذون العيش في المجتمع النساني ، ونادرا ما أبدى‬
                ‫بعضهم تعلقا بأحد الناس . وإذا وضعوا بين أترابهم العاديين لم يظهر عليهم أي اهتمام باللعب .‬
      ‫يتمثل الطفال الوحشيون سلوك الحيوانات التي كفلتهم ، يتعلمون أصواتها وحركاتها ، ويكتسبون‬
  ‫عاداتها الغذائية ، وهذا ما يعني في الغالب تناول اللحم النيئ ، والعزوف – في حال العودة إلى المجتمع – عن‬
‫أنواع الغذية الخرى كالخضار ، بل حتى اللحم المطهي ، وقد عبر بعضهم عن رغبة متأججة في تناول الدم ،‬
  ‫ورئي آخرون وهم يفترسون الدجاج . أما المشروبات فيلعقونها ، وأما الملبس فكانوا يرفضونها ويمزقونها .‬
       ‫وفي مقابل توجسهم من المجتمع النساني كانوا يتوقون إلى رفقة الحيوان ، خاصة إذا أشبه نوع‬
‫الحاضن ، فقد لوحظ مثل أن أطفال الذئاب تأنس إلى الكلب . والعجب أن الحيوانات البرية إذا لقيتهم كأنها تميز‬
                                                       ‫فيهم شيئا ما ، فتقترب منهم مع أنها تفر من غيرهم .‬
‫أما العواطف فلم يعرف أن الطفال الوحشيين يضحكون أو يبكون ، لكن تعرض لهم نوبات من الغضب‬
     ‫الشديد والهيجان قد تؤدي بهم إلى حال من الضراوة ، فيضربون ويخمشون ، وقد يخمشون أنفسهم أيضا .‬
                                                             ‫٣ – الناحية الذهنية ومسألة الكلم2 :‬
                                 ‫من حيث اكتساب اللغة يمكن تقسيم هؤلء الطفال إلى مجموعتين :‬
 ‫المجموعة الولى لم يعرف عنها شيء ، إذ أغفلت المصادر التاريخية الشارة إلى هذا الجانب ، وكأن‬
                                     ‫المؤرخين يفترضون في هذه الوحوش الغريبة العجز الذاتي عن الكلم .‬
    ‫المجموعة الثانية : لقيت رعاية ، وبذلت جهود منظمة مع طائفة منهم لتعليمهم الكلم . وأطفال هذه‬
                                                                                       ‫المجموعة قسمان :‬
       ‫قسم تعلموا الكلم بشكل طبيعي ، وهم عدد قليل جدا ، وقد علل ذلك بأنه سبق لهم تعلم اللغة قبل‬
                                                                               ‫اعتزالهم المجتمع البشري .‬
‫القسم الثاني فشلت الجهود المبذولة حتى من طرف تربويين متخصصين في الوصول بهؤلء إلى الكمال‬
                                                                           ‫العادي لبسط إنسان اجتماعي .‬
        ‫يقول الستاذ مالصون ‪ L.Malson‬أن هناك خاصتين تتأكدان في المقام الول بالنسبة للنسان‬
   ‫الوحشي ، فهو غالبا يمشي على أربع ، وهو أيضا عديم النطق 3 . ثم يقول : جل الوحشيين تقريبا لم يتوفروا‬
    ‫مطلقا على لغة ، برغم المجهودات الكبيرة التي بذلت في بعض الحالت ، وفي المقابل قد يتمكن العديد منهم‬
                                                ‫بالتدريج أن يصيروا منتصبين ، أو أن يستعيدوا انتصابهم4 .‬
                                                               ‫1 - ‪www.feralchildren.com/en/social.php‬‬
                                                              ‫2 - ‪www.feralchildren.com/en/language.php‬‬
                                                                           ‫3 -25 : ‪. Les enfants sauvages‬‬
                                                                                            ‫4 - 35 : ‪. Ibid‬‬
‫وإذا أضفنا إلى مشكل اللغة عند هؤلء الوحشيين ما لوحظ عليهم من سوء تمييز للتضاريس والنقوش‬
    ‫المرسومة على الورق ، وخلطهم بين الشياء وصورها ، وعدم تعرفهم على أنفسهم في المرآة 1 ، علمنا أنهم‬
     ‫عاجزون عجزا جذريا عن التفكير التجريدي . وحتى ل يساء فهم هذه المسألة ينبه الستاذ مالصون على أن‬
 ‫التخلف العقلي لـه سببان : أحدهما عضوي ، والخر عارض لسباب تربوية . وهذا الخير هو الذي يفسر بدقة‬
                      ‫حالة الطفال الوحشيين ، ويعصم الملحظة العلمية من الخلط بينهم وبين البله والمعتوهين 2.‬
        ‫ولهذا اعترضت محاولت ) تأنيسهم ( صعوبات بالغة ، وبقيت رغم بعض النجاحات منقوصة ،‬
    ‫وتتضاءل نسب النجاح بقدر ما يكون سن الطفل المستعاد متقدما . يعلل الستاذ مالصون ذلك بثلثة أشياء 3 :‬
                                           ‫–استحالة العودة إلى السن الذي توقف عنده النمو النفسي والذهني .‬
                                                                            ‫–استحالة الشفاء من التصلب الذهني .‬
                                      ‫–ما نتج عن العزلة المطولة من مضاعفات نفسية مؤلمة وعميقة الثر .‬
  ‫أخيرا لم نقل كل شيء ، ول إلى ذلك قصدنا ، فلهؤلء الوحشيين غرائب وأسرار يمكن الوقوف عليها‬
        ‫بمراجعة الدبيات المتخصصة 4، لكن أغرب شيء لم نذكره ، وأغرب من كل ما ذكرنا ، هو غياب القوة‬
   ‫الجنسية عند النسان الوحشي . وسبب الغرابة أنه يظهر بادي الرأي أن وجود هذه الغريزة ل صلة لـه بالتعلم‬
         ‫والتربية ، وإنما هو شأن عضوي صـرف ، يقـول الستاذ مالصون : " كـل الكـتاب سجلوا بدهشة زائدة‬
                                                                             ‫اللمبالة الجنسية عند النسان الوحشي " 5.‬
  ‫وبهذا يتبين تهافت الفلسفة في تهويماتهم ، وبطلن نظرية ) الترك والتخلية ( التي اغتر بها متكلمون‬
‫وفقهاء ، وفساد القياسات التي اصطنعها ابن تيمية وتلميذه ابن القيم لثبات إمكانية استغناء الفطرة في اقتضائها‬
                                                                                           ‫للسلم عن الشرط الجتماعي .‬
        ‫ولنه قد جدت رؤى فلسفية ومزاعم ) علمية ( حول طبيعة النسان في سياق الحضارة الغربية ،‬
              ‫سنعرض فيما يلي رأي أحد الدارسين الغربيين ، ثم نتعقبها ببعض التوجيهات والنتقادات المركزة .‬




                                                                                                                ‫1 - 55 : ‪. Ibid‬‬
                                                                                                                ‫2 - 96 : ‪. Ibid‬‬
                                                                                                                ‫3 - 49 : ‪. Ibid‬‬
‫4 - من فوائد الموقع اللكتروني الذي أخذنا عنه هاهنا تعريفه بالدراسات التي صدرت في هذا الشأن ، واشتماله على روابط تصل بمواقع بيعها‬
                                           ‫على الشبكة العالمية ، ويمكن أيضا مراجعة لئحة بيبليوغرافية مفصلة عند الستاذ مالصون .‬
                                                                                                                 ‫5 -45 : ‪. Ibid‬‬
‫المطلب الثاني : ظاهرة النسان الوحشي ) رؤية فلسفية (‬

  ‫ل يتمالك الواقف على وقائع التوحش عند بني النسان من التعجب كيف لم تأخذ مكانها اللئق في دنيا‬
  ‫العلم ، ولم تشتهر بين الناس كما اشتهرت نظريات مفلسة ل تملك على مزاعمها واقعة عينية واحدة . وسينقلب‬
  ‫العجب إلى صدمة إذا علم أن سدنة ) العلم ( في الغرب يضربون على هذه الظاهرة ستارا حديديا ، وإذا جادلوا‬
                                            ‫المهتمين بها قللوا من شأنها ، أو سخروا وتهكموا كما هو شأن المبطلين1 .‬
    ‫ولو فرضنا أن تلك الوقائع قد أعطت غير ما أعطت ، بحيث تعزز التجاه الطاغي المطبوع باللحاد‬
   ‫والداروينية2 ، لصبحت حججا دامغة مشهرة يعرفها الخواص والعوام ، ولصارت وقائعها الحية مبسوطة في‬
      ‫المقررات التعليمية عوضا عن تلك الخيالت المفترضة عن نشأة النسانية ، والتي تحشى بها أفئدة الناشئين‬
                                                                                                                   ‫وطلبة العلم3 .‬
     ‫ليسيان مالصون ‪ Lucien Malson‬أحد القلئل الذين اعتنوا بهذه الظاهرة العجيبة ، بل امتاز عن‬
‫غيره بخصلتين : الشجاعة ، والعمق الفلسفي . فهو ل يبالي في خلصاته أن تتهاوى تحت أقدامه أوثان العصر ،‬
‫وأن تنهار الساطير المؤسسة للحضارة الغربية . ولعل هذا هو سبب تجاهله عينا وأثرا ، بحيث ل يعرف عنه إل‬
 ‫ما كتب تحت اسمه في صفحة العنوان الداخلية من أنه أستاذ علم النفس الجتماعي بالمركز الوطني للبيداغوجيا‬
  ‫) علوم التربية ( بمدينة بومون ‪ Beaumont‬الفرنسية ، وحينما استعنت بمحركات البحث على الشبكة العالمية‬
      ‫وجدت اسمه في عدة مواقع تجارية وإعلمية وعلمية ، ول شيء غير اسمه وبعض كتبه المعروضة للبيع ،‬
      ‫والتي تدل عناوينها على أنه ذا خبرة بفن الموسيقى وتاريخها . ومع ذلك لم أجد لـه ترجمة في الموسوعات‬
‫العلمية العامة التي تحتفي بمن هو أقل منه شأنا . هذا مع العلم أنه ألف كتابه عن الطفال الوحشيين سنة ٣٦٩١ م‬
    ‫وطبعه في السنة الموالية ، ثم صدر بعد ذلك في عدة طبعات . بل إن تواريخ صدور بعض كتبه تدل على أنه‬
                                                                           ‫كان من أهل القلم منذ أربعينات القرن العشرين .‬
    ‫ثم انقطع رجائي لما وجدت في أحد المواقع الفرنسية ملخصا لكتابه يقول صاحبه بأنه قد بذل مجهودا‬
                                ‫4‬
                                 ‫كبيرا للتعرف على الكاتب دون طائل ، وقال إنه ل يدري حتى إن كان حيا أو ميتا !‬
        ‫أما الكتاب فهو باللغة الفرنسية ، ولم يترجم إلى العربية حسب علمي ، وعنوانه الكامل : » ‪Les‬‬
‫‪ ، «enfants sauvages , Mythe et Réalité‬ويقع في مائة صفحة من الحجم الصغير ، لكنه معزز بثلث‬
     ‫ملحقات ، الول بيبلوغرافي وثائقي يشتمل على بيانات تتعلق بمائة ونيف من العناوين ذات الصلة ، وأغلبها‬

                                                                      ‫1 - انظر : 87 ‪L. Malson : Les enfants sauvages , 11 et‬‬
‫2 - مما ينبغي أن يعلم أن ما يسمى ) نظرية الخلق ( المبنية على أصول توراتية ، والمقابلة في الغرب لنظرية داروين في النشوء والتطور ، لم‬
    ‫تنقرض قط ، وبقي من يقول بها من العلماء حتى مع اشتداد وطأة اللحاد ، أما اليوم فهي في ازدهار ، وبهذه المناسبة أزف إلى أهل اليمان‬
‫هذه البشرى ، إذ في عدد من آخر أعداد مجلة ) ‪ ( Science et Vie‬جاء تحت عنوان » العودة القوية لنظرية الخلق « : " لم يسبق لصحاب‬
   ‫نظرية الخلق أن أثاروا الهتمام كما هو الحال منذ أن صرح جورج بوش في الثاني من غشت ٥٠٠٢ بدعمه نظرية ذات أصل إلهي للحياة ،‬
                                                                                  ‫معتبرا أنها تستحق أن تدرس كما تدرس نظرية داروين.‬
    ‫إذا صدقنا استطلعات الرأي ، فإن ٠٤ % من المريكيين تقريبا يعتنقون هذا المذهب الفكري المنبثق عن الصولية النجيلية . وبفضل هذا‬
 ‫النجاح القوي صاروا يمتلكون اليوم " متحف الخلق " في كنتاكي ‪ ، Kentacky‬وهو يحكي تاريخ الحياة من وجهة نظر دينية " . ]‪Science‬‬
                                                                                       ‫5002 ‪[et Vie n° 1059 p:63 Nevembre‬‬
      ‫3 - صار من المعلوم الن خضوع المراكز الكبرى للبحث العلمي وكثير من الجامعات الشهيرة لهواء أباطرة العالم وضغوطهم ، ولهيمنة‬
                                             ‫بعض التيارات العقائدية ، مما يعني حجب الحقائق المضادة ، والتلبيس على الناس باسم العلم .‬
                                                                                                       ‫4 - انظر : ‪www.lesocial.fr‬‬
‫باللغتين اللمانية والنجليزية . أما الملحق الثاني والثالث فقد تضمنا وثيقتين كان للكاتب الفضل في التعريف بهما‬
‫، وهما عبارة عن تقريرين كتبهما الطبيب والبيداغوجي الفرنسي جــون إيــطاغ ‪١٨٣٨-١٧٧٤ ) Jean Itar‬م (‬
 ‫حول حالة الطفل الوحشي الذي سماه فيكتور دولفيغون ‪ Victor de l'Aveyron‬بعد الجهود التي بذلها لعادة‬
                                          ‫إدماجه في المجتمع . كتب التقرير الول سنة ١٠٨١ م والثاني سنة ٦٠٨١ .‬
                                     ‫فما هي أهم الخلصات التي توصل إليها ليسيان مالصون في كتابه هذا ؟‬
                                                                  ‫١– الطبيعة النسانية في الفكر الغربي الحديث‬
  ‫كان العتقاد السائد في أوربا إلى نهاية القرن التاسع عشر أن النسان يولد بكل مقومات النسانية ، أي‬
   ‫أنه يتوفر في ذاته على كائن مكتمل البنية ، قد تحددت طبيعته منذ البدء دفعة واحدة ، ول يحتاج إل إلى إظهار‬
                                                                   ‫كوامنه بحسب ما يناسب كل مرحلة من مراحل النشأة .‬
       ‫ومع شيوع الداروينية1 زعم ويليام جيمس ) ٢٤٨١- ٠١٩١م ( " أن البشر قد طوروا سلوكهم بأن‬
 ‫أضافوا غرائز لغرائز أسلفهم ، وليس بأن أحلوا التعلم مكان الغرائز "2 ، وزعم أيضا " أن سلوك البشر يظهر‬
                                                          ‫براهين على غرائز أكثر استقلل عما للحيوانات وليس أقل "3.‬
‫وردد بعضهم في اغترار ما ذهب إليه أحد علماء الحياة الفرنسيين ، إذ اعتبر النتقال من السطورة إلى‬
                                                    ‫العقلنية نتيجة لعامل فيزيائي–كيميائي في تركيب الخلية البشرية4 .‬
      ‫لكن تطورات البحث العلمي خلل النصف الول من القرن العشرين أدت إلى إسقاط فكرة الطبيعة‬
‫النسانية ذات الغرائز الصلبة 5. وأخذت مختلف المدارس الفلسفية تعلن أن ليس للنسان طبيعة بالمعنى العضوي‬
‫6 ، حتى غلت الكثير من التيارات في العتدادا بالحتميات ذات الصبغة الجتماعية ) اقتصادية – سياسية – ثقافية‬
                                                                                                                           ‫...(.‬
  ‫في هذا السياق ظهرت دراسة الستاذ ليسيان مالصون عن ظاهرة التوحش النساني لتلقي الضوء على‬
‫قطاع من البحث يكاد أن يكون مجهول ، وهو وإن لم يكتب لـه الذيوع والشهرة على ما يزخر به من أسرار ، فقد‬
          ‫فتح بدون شك أفقا جديدا تنطق فيه البينات والحجج بلسان أفصح مما تنطق به في فروع أخرى من علوم‬
                                                                                                                          ‫النسان.‬
‫ولو أن هذا القطاع أخذ ما يستحق من العتبار ، لنحسم التردد الذي ل يزال يتجاذب الساحة العلمية في‬
   ‫شأن الطبيعة النسانية ، ولستحيى أولئك النفسانيون الذين سعوا في ثمانينات القرن العشرين إلى إحياء مذهب‬



  ‫1 - الداروينية نسبة إلى عالم الطبيعة النجليزي شارل دارون ) ٩٠٨١-٢٨٨١م ( ، وهو مؤسس نظرية النشوء والتطور التي يفسر بها أصل‬
 ‫الحياة وسر التنوع الحيواني ، عرض نظريته في كتابه الشهير » أصل النواع « الذي صدر سنة ٩٥٨١ م ، وزعم فيه أن كل النواع تشعبت‬
‫عن أصل حيواني واحد بفضل حكمة ) النتخاب الطبيعي ( الذي ينحاز دائما للقوى ، ويحكم بالفناء على الضعف لعدم صلحيته للحياة . وقد‬
‫تحولت هذه النظرية إلى عقيدة اجتماعية نقلت قواعدها من الطبيعة إلى التاريخ فصاغت أبشع صفحاته ، ورغم أن بريق هذه العقيدة لم يبق على‬
                                                                                 ‫توهجه الول ، فل زال لها رسوخ في الغرب إلى اليوم .‬
                ‫2 - الجينوم السيرة الذاتية للنوع البشري : ٣٢١ . تأليف مات ريدلي . ترجمة د. مصطفى إبراهيم فهمي . سلسلة عالم المعرفة .‬
                                                                                                                   ‫3 - نفسه : ٣١١ .‬
             ‫4 - الطاهر وعزيز: » نظرة في تواريخ العلم : نشأة علم الفلك نموذجا « ضمن كتاب جماعي بعنوان : » دراسات في تاريخ العلوم‬
                                                  ‫والبستيمولوجيا « ص : ٣١ . منشورات كلية الداب والعلوم النسانية بالرباط ، ٦٩٩١ .‬
                                                                                                                   ‫5 - 9 : ‪Malson‬‬
                                                                                                                       ‫6 - 7 : ‪.Ibid‬‬
‫وليام جيمس7 ، ولكف غلة الوراثيين عن العتقاد بأنهم قد اكتشفوا سر الحياة مسطورا في الخلية ، وهيهات‬
                                                                                                                         ‫هيهات !‬
                                                                        ‫٢– مذهب مالصون في الطبيعة النسانية‬
                                         ‫السؤال الذي شغل بال مالصون في دراسته عن ظاهرة التوحش هو :‬
                                     ‫ما الذي يجعل من ابن النسان إنسانا ؟‬
                                                                    ‫يعبر السيد مالصون عن هذا الشكال بالقول :‬
     ‫هل كل إنسان يتوفر بالوراثة – مهما كان الحال – على كل استعدادات النوع ودوافعه ؟ هل هناك ما‬
    ‫يمنع في أسوأ الحوال من التلشي ، ويبقي على ذلك ) العمق النوعي ( الذي من أثره أن أي وليد للنسان لن‬
                                                                                               ‫يكون سليل للقرد أو للنملة ؟ 1.‬
                                                                  ‫يقول السيد مالصون في مدخل كتابه2 ما معناه :‬
 ‫إن علماء السلوك برغم أنهم قد سجلوا ظواهر من التعلم عند الحيوانات ذوات الجهاز العصبي المتطور‬
      ‫جدا كالقردة ، وسجلوا أيضا ظواهر من الخضوع ليحاء المجموعة عند الحيوانات السفلى فيما يشبه التنويم‬
    ‫المغناطيسي ، فإن ذلك ل يمنع فردا من أفرادها حين يفصل مبكرا عن جماعته أن يظهر – بالرغم من بعض‬
    ‫الختللت – مميزات نوعه بكل دقة 3 ، مما يدل على أن الصلة بالشباه عند هذه النواع ليس ضروريا إلى‬
                                                                     ‫الحد الذي يعطل غيابه النشأة العادية للفرد المعزول .‬
 ‫أما عند الطفل فإن كل عزل تام يشي بفقدانه لولياته الصلبة ، أي لقابليات التكيف النوعي. هذا ما تشهد‬
    ‫به وقائع الطفال المحرومين باكرا من كل الصلت الجتماعية ، أولئك الذين نسميهم » وحشيين «4 . فهؤلء‬
‫يبقون في وحدتهم يتلشون إلى حد يبدون فيه مثل بهائم مثيرة للشفقة ، في الدرك السفل من الحيوانية ، وعوض‬
       ‫أن نجدهم في حال من الطـبيعة تـسـمـح بظهـور النسان في مراحله البدائية الولى كما افترضها أصحاب‬
                   ‫نظريات التطور ، نجد أنفسنا أمام حالة شاذة تتحول فيها كل دراسة نفسية إلى دراسة تشوهات )‬
                                                                                                              ‫‪.(Tératologie‬‬
        ‫السلوك عند النسان في حقيقته ل يدين لوراثة الخصائص النوعية ، كما هو الشأن عند الحيوان ،‬
           ‫فمنظومة الحاجات والوظائف الحيوية ) البيولوجية ( المنقولة وراثيا إلى النسان ل تميزه عن أي كائن‬
                                                                        ‫متحرك ، بله أن تصنفه ضمن " النوع النساني" .‬
 ‫لكن هذا الغياب لتحديدات تفصيلية يرادف تماما حضور إمكانات غير محصورة. فبدل من حياة مغلقة ،‬
     ‫محكومة وموجهة بطبيعة معطاة ، تتجلى هاهنا كينونة منفتحة خلقة ومنظمة لطبيعة مكتسبة . وهكذا – تبعا‬

                                                                                                      ‫7 - انظر » الجينوم « : ٤٢١ .‬
                                                                                                                ‫1 - 72 : ‪. Malson‬‬
‫2 - لخص الستاذ مالصون أطروحته في مدخل كتابه ) ص : ٧-٢١ ( ، ولهذا سنعتمدها اعتمادا أساسيا في عرض أفكاره ، مع بعض التصرف‬
                                                                                          ‫، وسنشير إلى كل إدراج في هذه الهوامش .‬
 ‫3 - بـل هـنـاك حـيـوانـات ببـنـيات فـطـرية تكون عند ولدتها كما هي عند نضجها ، وهذا شأن كل النواع التي تستغني عن الحاضن والمربي‬
         ‫كالسلمون ، والسلحفاة البحرية ، وثعبان السمك ) النقليس (، بل إن فراخ الوقاويق الطفيلية تربيها غير أمهاتها ومع ذلك تحافظ على‬
                                                                                                                ‫خصائصها النوعية .‬
         ‫4 - تجدر الشارة إلى أن التوحش هاهنا لـه معـنى غـير المعـنى المتداول عـند عـلـماء التاريخ ، وغير المعنى الذي تسب به الشعوب‬
                       ‫المستضعفة فتستباح من طرف من يرون لنفسهم منزلة في النسانية والتحضر يبوئهم مقام السيد في مجتمع العبيد.‬
‫للظروف الثقافية – يمكن أن تظهر مجموعة من النماط الجتماعية وليس نمطا واحدا بعينه ، فتتنوع بذلك‬
                                                                        ‫النسانية بحسب الزمان والفضاء .‬
        ‫إذن ما يتبقى من المشترك النساني – بعد البحث في الشباه والنظائر– هو عبارة عن بنية من‬
‫المكانات ، بل قل : من الحتمالت ! التي ل يتحقق واحد منها دون سياق اجتماعي كيفما كان . إذ قبل التصال‬
   ‫بالخر ، وملقاة الجماعة ، ل يكون النسان سوى افتراضات أخف من بخار شفاف! وكل تك ّـف فيه يقتضي‬
               ‫ث‬
                                                                                 ‫وسطا ، أي عالم الغيار.‬
 ‫ل ندري أي فرضية صالحة لن تصاغ حول أصل النسان ، نستطيع فقط أن نخمن أن كائنات طافرة‬
  ‫استفادت إفادة جليلة من مجتمع سبق ظهور النسان ، مجتمع ل بد من وجوده قبل أن يكون ممكنا وجود إنسان‬
                                                                                                        ‫واحد .‬
  ‫مهما كانت حقيقة تلك الطفرات التي حرصت نظريات التطور على تصويرها لنا ، ودعانا علم النفس‬
     ‫الجتماعي إلى تسليمها، فإننا نستنتج على القل أنه يوجد اليوم كائن ليس قطعا كباقي الكائنات ، "منظومة‬
‫مركبة" ، لكن عليه أن يتلقى كل شيء ، وأن يتعلم كل شيء ، نموه الداخلي – ذاك الذي نعزوه إلى قواه الخالصة‬
                                      ‫واستعداداته الفطرية – هو – كما قلنا ونعيد القول– في صلبة سحابة !‬
      ‫سقوط فكرة الطبيعة النسانية يرجع بدون شك إلى متغيرات اجتماعية اقتصادية ، ودوافع سياسية‬
     ‫قيمية ، لكن لـه بدون جدال أسبابه العلمية ، هذه السباب هي التي سنتصدى لتمحيصها في هذا الكتاب1. . .‬
   ‫الطبيعي في النسان هو ثمرة الوراثة ، والثقافي ثمرة التراث ) توريث فطري ‪ congénital‬يحصل‬
 ‫أثناء التخلق نفسه ، قبل الولدة وبعدها ، ويستمر بعد الميلد طيلة مرحلة التربية ( . ليس من السهل – أصل –‬
   ‫وضع حدود للثقافي وحدود للطبيعي في المجال العضوي الخالص ، فحجم الطفل ووزنه مثل يتبعان القدرات‬
   ‫الوراثية ، لكنهما أيضا يتبعان شروط المعيشة الجيدة أو غير الجيدة التي يسمح بها مستوى التحضر ونمطه .‬
 ‫فبقدر ما ينقص الغذاء ، والضوء ، والحرارة ، وأيضا العواطف ، بقدر ما تضطرب الصورة المثلى للنمو . أما‬
       ‫في ميدان علم النفس ، فإن صعوبات الفرز الحاد بين الطبيعي والثقافي ، قد صارت – بكل بساطة – من‬
   ‫المستحيلت المحضة . إن الحياة العضوية لها شروط فيزيائية خارجية تسمح لها بالوجود والنتهاض ، كذلك‬
                                        ‫الحياة النفسية للنسان لها شروط اجتماعية تمكنها من النشأة والبقاء .‬
    ‫هـنـاك مـلحـظـة يتناقـص وضـوحها كلما تدرج النظر من النواع السفلى إلى العليا ، أل وهـي أن‬
   ‫سـلــوك الـحـيــوان شـديــد الرتـبـاط بالـنـظـام الـذاتـي للـبـدن )‪ ، ( automatismes corporels‬مما يدل‬
   ‫على أن وراثة الغرائز ليست في العمق سوى تجل من تجليات الوراثة الفيزيولوجية . أما عند النسان فمفهوم‬
    ‫الوراثة النفسانية على العكس من ذلك ، خاصة إذا كان المقصود بتلك الوراثة النفسانية انتقال جوانيا للفكار‬
‫والحاسيس والرادات ، مهما كانت الصيرورة العضوية المتخيلة لمنبعها ، وعليه يفقد مبدأ الوراثة النفسانية كل‬
                                                                                        ‫دللة يمكن تفهمها .‬



                                                                                 ‫1 - يقصد كتابه الذي نقتبس منه .‬
‫هذا ما توجهنا علوم النسان لعتقاده . في مجال الحياة الفكرية وضعت الحتمية الوراثية ، الفردية منها‬
         ‫والنوعية1 ، في غربال المناهج الموضوعية ففقدت انتسابها إلى الحقائق ، والتحقت بالمزاعم في متحف‬
  ‫الخرافات والساطير! يبدو للوهلة الولى أن مراجعة الرث النفساني الفردي كان وقعها على اليقينيات القديمة‬
   ‫أقل أثرا من الصدمة التي أحدثتها مراجعة الرث النفساني النوعي ، على القل أول مفهوم متهافت – ولو أنه‬
    ‫ظل قائما– هو كون الجنين يتوفر على استعدادات نفسية للنوع ، أو لنقل للنسان عموما. إن إعادة النظر في‬
‫المفهوم الثاني يعتبر مراجعة أكثر عمقا للمسلمات العتيقة ، وأسلوبا أكثر جذرية في تفكيك فكرة الطبيعة النسانية‬
      ‫. من هنا نفهم لماذا لقيت هذه الحركة – المناهضة للطبيعة خاصة – أشرس معارضة من طرف " الرأي‬
                                                                                                                         ‫العام".‬
   ‫نقد الرث النفساني الفردي انتجز ضمن اتجاهين مختلفين لكنهما مترابطان : علم الجتماع العائلي ،‬
  ‫ودراسة التوائم . كما انتظم نقد الرث النفساني النوعي بمنهجين مختلفين : علم الناسة الثقافية ) النثربولوجيا‬
                                                                                   ‫الثقافية ( ، وتحليل حالت العزل التام .‬
 ‫ونحو هذا القطاع الخير ، الذي ل يعرف عنه إل القليل ، والذي يكاد يكون جل ما ألف فيه هو باللغتين‬
   ‫اللمانية والنجليزية ، سوف نوجه اهتمامنا ، دون أن نهمل التذكير، قبل كل شيء، بالمكتسبات الساسية في‬
          ‫القطاعات الخرى ، إنارة ، وتأكيدا ، وتشجيعا على قبول الحقائق التي سيتوالى ظهورها في قطاعنا .‬
   ‫وهكذا ستصلح كل المعارف الحالية عن الوراثة العقلية أن تكون حججا إضافية تتوارد نتائجها على‬
   ‫إثبات أن الطبيعة النسانية عند الطفال " الوحشيين" كانت دائما تتوارى عن النظار ، لنها ل تظهر إل بعد‬
                                                                                                      ‫الوجود الجتماعي .اهـ‬
                                                                              ‫٣– تعقيب فيه استكمال واستشكال‬
  ‫هذه هي الرؤية التي خرج بها الستاذ ليسيان مالصون من دراسته الجريئة لموضوع التوحش عند بني‬
    ‫النسان ، ولهذه الرؤية ذيول وتفاصيل ، ولوازم وتداعيات ذوات شأن وخطر ، لكننا سنكتفي من ذلك بما لـه‬
                                                                                           ‫صلة مباشرة بقضية هذا البحث .‬
     ‫أخطر ما أكدته دراسة مالصون الحقيقة التي أعلنها في السطر الولى من كتابه ، وهي التي تتعلق‬
     ‫بالجواب على سؤال : ما النسان ؟ ذلك السؤال الذي أثاره قديما فلسفة اليونان المفتونون بقدرة العقل على‬
        ‫اقتناص الجواهر والذاتيات ، والتفريـق بينها وبين الصـفـات العـرضية ، وكـان أشـهـر جواب سارت به‬
‫الركبان : ) النسان حيوان ناطق ( . ومهما أخذنا في العتبار ما اقترحه المعترضون من خواص وفصول بديلة‬
 ‫أو إضافية لحكام هذا الحد جمعا ومنعا ، كالقول بأنه المفكر ، أو الـمـنـتـصب عـلى قدمـيـه ، أو الضـاحـك . .‬
 ‫. فإن جميع تلك القيود تنحل إذا وقــع النسان فـي أسر التوحش ، حيث تندثر بكل بساطة » ماهيته « ، وتغيب‬
      ‫فجأة » ذاتياته « ، فإذا بنا إزاء » إنسان « بدون إنسانية ، مادة بل صورة ، شبح يشهد على ذاته بالقصور‬
                                                                                                                      ‫الجذري .‬



            ‫1 - يقصد بالوراثة النوعية ما يحقق المشترك النساني . أما الوراثة الفردية فهي التي تعطي فروقا بين الفراد في إطار النوع .‬
‫لقد أحسن الستاذ مالصون حين اختار أن يعرف ) النسان ( بأنه " كائن لـه تاريخ ، أو بالحرى هو‬
    ‫نفسه تاريخ "1 . وقصده بذلك أن ) النسانية ( ليست معطى طبيعيا ، وإنما هي نتيجة النتماء الثقافي للفرد .‬
  ‫فصلته ببني جنسه ، والدروس التي يتلقاها قصدا أو عفوا عن محيطه الجتماعي ، والنماذج السائدة في مجاله‬
   ‫الثقافي ، هذه البعاد هي التي تشكل إنسانيته 2 . هكذا إذن يدعونا الستاذ مالصون إلى التسليم بأن النسان لن‬
   ‫يكون إنسانا خارج الفضاء الجتماعي 3 ، لنه ل وجود لطبيعة إنسانية سابقة على وجود المجتمع 4 . ومن ثم‬
                                                     ‫يصر بعناد على أن " النسان ل يولد ، ولكن يبنى "5 .‬
‫ل ينبغي أن نتسرع في اتهام مالصون بإنكار الغرائز ، وعدم العتراف بأهمية البنية العضوية في النشأة‬
    ‫النسانية ، لنه يقر مبدئيا بجدلية تتفاعل في إطارها الـوراثـة الجـينية بالتراث القومي ، فيخصص كل منهما‬
     ‫الخر ، ويعطيه صورة معينة 6 ، لكن مالصون بدون شك يدافع باستماتة عن رجحان التراث في إطار تلك‬
     ‫الجدلية ، وعن أثره الحاسم في بناء النسان ، وتشكيل مداركه المعرفية والعاطفية ، وهذا ما تشهد به علوم‬
                  ‫النسان 7 ، في مقابل عجز وراثي ل يصدق لول أن وقائع التوحش تقطع قول كل خطيب 8 .‬
    ‫إذن ما نسميه ) عقل ( هو في نهاية التحليل عند مالصون مجرد توريث ثقافي ، وما نسميه ) طبيعة‬
 ‫إنسانية ( هو في حقيقته مستفاد من التربية والتعليم في سياق مـطـبـوع بميسم التاريـخ . ومن هنا يندفع مالصون‬
  ‫بدون تردد ول احتياط إلى إنكار ) الطبيعة النسانية ( باعتبارها مشتركا نوعيا ، ويقطع بأن هذا المصطلح هو‬
             ‫عبارة فارغة مطلقا من أي معنى 9. والحاصل الذي ل حاصل سواه أن النسان ) كائن تاريخي ( .‬
  ‫هكذا يحول مالصون عملية الحفر عن الجذور من مجال التشريح إلى المأثورات الثقافية ..إلى السؤال‬
                          ‫عن أسانيد ) النسانية ( التي ل بد أن تتصل ببداية ما ، فماذا كان في البدء يا ترى ؟‬
‫يبدو السيد مالصون مرتبكا إزاء هذا السؤال المشكل ، لقتناعه بأن نظريات التطور ومدارس علم النفس‬
        ‫في الغرب تقف عاجزة في بداية العقبة ، وهو نفسه يعترف بالعجز عن صياغة فرض محكم حول أصل‬
‫النسان ، لكنه ينكس على رأسه ويقتحم اقتحام الكسيح قائل : " نستطيع فقط أن نخمن أن كائنات طافرة استفادت‬
‫إفادة جليلة من مجتمع سبق ظهور النسان ، مجتمع ل بد من وجوده قبل أن يكون ممكنا وجود إنسان واحد "01.‬
     ‫هذا لعمري موضع المثل الشعبي : " الفيل يحتاج إلى فيلة " ! فقد كنا أمام إشكال واحد هو ) أصل‬
 ‫النسان ( فزادنا مالصون من شدة الذهول إشكال آخر هو أشد استغلقا : ) مجتمع كـان قبـل النسان فيه انبثقت‬
‫أصول النسانـيـة ( ، فهل سيحل هذا الـفـرض المـقـترح طـلـسـم )النسانية( ، أم سيدفع بنا إلى متاهة البحث عن‬
                                                ‫الصول في سلسلة من الحلقات المفقودة ، والتي ل أول لها !‬
                                                  ‫هذا الستعجام العقلي يعود في نظري إلى أمرين :‬
                                                                                            ‫1 - 7 : ‪. Malson‬‬
                                                                                              ‫2 - 001 : ‪. Ibid‬‬
                                                                                                ‫3 - 55 : ‪. Ibid‬‬
                                                                                                ‫4 - 93 : ‪. Ibid‬‬
                                                                                                ‫5 - 19 : ‪. Ibid‬‬
                                                                                                ‫6 - 62 : ‪. Ibid‬‬
                                                                                          ‫7 - 82-72 : ‪. Ibid‬‬
                                                                                                ‫8 - 91 : ‪. Ibid‬‬
                                                                                                ‫9 - 04 : ‪. Ibid‬‬
                                                                                                 ‫01 - 9 : ‪. Ibid‬‬
‫الول : أن الحضارة الغربية أسست علومها على اللحاد ، ول تعترف بأي تفسير علمي ينطلق من‬
                                    ‫العتقاد بالخالقية ، والتدبير اللهي للكون ، والرعاية الرحمانية للنسان .‬
    ‫والثاني : سيادة التفسير الدارويني لصل النسان ، وهو مذهب – على تهافته – ل يزال راسخا في‬
 ‫الوجدان الغربي ، ل لجدارته ، بل لن البديل عنه هو اليمان بالخالق المدبر الحكيم ، لكن هذا البديل يتمثل لهم‬
                                                                ‫في شبح الكنيسة ، فينفرون عنه أشد النفار .‬
     ‫على أننا لو تأملنا ما خمنه مالصون ، بغض النظر عن نقائضه وما أكثرها ، فسنجد فيه بداية طيبة‬
‫لمسار جديد ، لن قصده أن ) النسانية ( ل صفر لها في تاريخ النسان ، ومن هنا كان ل بد أن نسأل : من علم‬
 ‫النسان الول أن يكون إنسانا ؟ ما دام هذا الكائن الغريب – كما يؤكد مالصون – يحتاج أن يتعلم كل شيء في‬
                                                                           ‫عود أبدي يتجدد مع كل مولود .‬
 ‫ولكي نعي ما تحت هذا التأكيد من أسرار ، يكفي أن نقول من باب الفتراض المستند إلى ما سبق بيانه‬
  ‫في خصائص التوحش النساني : إن النسان لو لم يتعلم مبدأ الزوجية ، لما أفلح فيما تفلح فيه أقل النواع شأنا‬
‫بمجرد توجيه غريزي وهو حفظ النوع ، إذن لنقرض لول عهده بالظهور ، ولكان مجرد ) طفرة ( خائبة أشبه‬
                                   ‫بحصاد الطفار الفاشل الذي ُطفره علماء الحياء في تجارب الستنساخ .‬
                                                                        ‫ي‬
  ‫فما بالك – بعد هذا – بما هو أعقد من حفظ النوع ؟ ما بالك باللغة ؟ وما بالك بما وراء اللغة من علوم‬
     ‫فطرية ل يكاد يخلو عنها ناطق ؟ فهل ينبغي لهذه العلوم وما تولد عنها إل أن تكون تعليما من رب العالمين‬
                                                                                         ‫الرحمن الرحيم ؟‬
‫فما أعقل من قال : ) سبحانك ل علم لنا إل ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ‪ ] ‬البقرة : ١٣ [ وما أصدق‬
‫من قال : ) الرحمن علم القرآن ، خلق النسان علمه البيان ، الشمس والقمر بحسبان ، والنجم والشجر يسجدان ،‬
‫والسماء رفعها ووضع الميزان ، أل تطغوا في الميزان ، وأقيموا الوزن بالقسط ول تخسروا الميزان ، والرض‬
      ‫وضعها للنام ، فيها فاكهة والنخل ذات الكمام ، والحب ذو العصف والريحان ، فبأي آلء ربكما تكذبان ‪‬‬
                                                                                     ‫] الرحمن : ١-١١ [ .‬
   ‫ختاما ماذا سنستفيد نحن المسلمون من هذه الية التي أذن لها اليوم أن تنطق بما يحير اللباب ، نحن‬
  ‫الذين نعتقد بأن القرآن يستحيل أن يرد بما يخالف الحـس . ونحن الذين عندنا وعد من ال تعالى بأن يظهر من‬
‫المؤيدات على تعاقب الزمان ما يشهد لمحمد ت بالنبوة ، ولهذا القرآن بأنه ‪ ‬كتاب عزيز ل يأتيه الباطل من بين‬
    ‫يديه ول من خلفه ، تنزيل من حكيم حميد ‪] ‬فصلت:٠٤-١٤[ قال عز وجل ‪ ‬قل أرأيتم إن كان من عند ال ثم‬
‫كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد ! سنريهم آياتنا في الفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ، أولم‬
                                                 ‫يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ‪ ] ‬فصلت : ١٥-٢٥ [ .‬
‫المبحث الثالث : نحو رؤية جديدة لمفهوم الفطرة‬
    ‫إذا اطرحنا ما أخذناه على ابن تيمية من اشتطاط في نفي الشروط ، سيحصل عندنا من مفهوم الفطرة‬
     ‫مسائل تأتلف عليها نصوص الوحي ، ول تنقضها الوقائع . وإذا اطرحنا من جهة أخرى عدمية مالصون في‬
   ‫موضوع الطبيعة النسانية المشتركة ، أو ما يسميه : " الموروث النوعي "1 ، ستحصل عندنا أيضا خلصات‬
                                                                               ‫تؤيدها الوقائع ، ول تنقضها بيانات الصانع .‬
‫فلم يبق إل أن نقول مع ابن تيمية : إن الفطرة قوة توجب اعتقاد الحق وإرادة الخير . وأن نقول بناء على‬
                                         ‫ما أفادناه الستاذ مالصون : إن ذلك موقوف على الوجود في مجتمع إنساني .‬
  ‫وقبل أن نقرر كيف يمكن أن نجمع بين طرفي هذه الثنائية ، نقدم بين يدي ذلك ما يؤكدها – أول – من‬
  ‫الحقائق العلمية ، ثم من آراء بعض الفلسفة والباحثين المحدثين ، حتى إذا انتهينا إلى ما يلزمهم من محالت ،‬
                              ‫وما تورطوا فيه من مآزق ، شرعنا في بيان المذهب الذي نرتضيه . . وال المستعان .‬
                                         ‫المطلب الول – أدلة وآراء تؤيد أن الفطرة تتخلق في رحم المجتمع‬
      ‫من المعلوم اليوم بالقطع أن دماغ المولود ل يكون تام البنية ، مستعدا ولو بالقوة لكل الوظائف التي‬
‫يؤديها دماغ البالغ ، بل يحتاج لسنوات كي يستكمل نضجه2 . فالجهاز البصري مثل ل يكون كما هو عند البالغين‬
‫إل في السنة العاشرة بعد الولدة3 . ولكي يفهم الطفل الخطاب ويحسن الجواب يحتاج في المتوسط من خمس إلى‬
‫سبع سنوات من المخالطة واللقاء بالغيار . ول يتمكن تماما من النتصاب والمشي في اعتداد على قدميه إل بعد‬
   ‫السنة الولى من عمره . ول يمهر في معالجة الجسام بيديه ، واستعمال أصابعه بحذق إل بعد ذلك بكثير . . .‬
  ‫كل هذا وغيره يدل على أن الكفايات ذات الطابع النساني الصرف هي كفايات غير مبرمجة عضويا .‬
                                                                                ‫فعلى أي أساس إذن توصف بكونها فطرية ؟‬
  ‫يـقـول عـالـم الجـتـمـاع والفيلسوف الفرنسي إدﮔـار موران ‪ . . . . -١٩٢١ ) Edgar Morin‬م( : "‬
      ‫هي فطرية بالنظر إلى كونها مبنية على ترتيب دماغي محدد وراثيا . فبعض تلك الكفايات تؤسس في الحال‬
     ‫بنيات أولية لتنظيم الدراك . . . بينما ينطلق بعضها الخر من طور بعدي أثناء تشكل الدماغ ، حيث تظهر‬
    ‫بنيات لتنظيم التفكير واللغة ، لكنها متوقفة في تحققها على تجارب حساسة . أي أنها تحتاج إلى التدخل الفعال‬
                                                      ‫للمحيط ) الجتماعي ( والثقافة من أجل المشاركة في تنظيمها "4 .‬
 ‫ويقول أيضا : " لكي ينبثق العقل من الدماغ ، ل يكفي أن يعمل الدماغ وحده ، بل ل بد أن يستثار عمله‬
 ‫بالمحيط المومي ، واللغة الملقنة ، والثقافة . بتعبير آخر ل يكون العقل ممكنا إل بوجود ثقافة ودماغ . فالكـائـن‬
‫الـذي لـم يـعـرف الثقافة ، ليس إل كائنا في أدنى مراتب الرئيسات ) ‪ ، 5(Les Primates‬يتسربل بالعجـز عـن‬

      ‫1 - يميل الستاذ مالصون كما رأينا قبل إلى أن الطبيعة النسانية طبيعة احتمالية ، وكأنه يقول بوجود إنسانيات ل إنسانية واحدة ، ومرجع‬
                                 ‫تعددها في نظره إلى التعدد الثقافي ، وقد شكك في الصفحة ١٣ من كتابه في وجود طبيعة إنسانية مشتركة.‬
‫2 - يصل الدماغ إلى حجمه الكامل عندما يبلغ الشخص سن السابعة عشر . انظر كتاب : » عقل النسان في الفلسفة والطب والقرآن « : ٢٤١ .‬
                                                                             ‫ط ١ / ٣٢٤١ هـ - ٢٠٠٢ م . دار النفائس ، دمشق- بيروت‬
  ‫3 - انظر مقال : » العجاز العلمي للقرآن الكريم في السمع والبصر والفؤاد « د. صادق الهللي . ع ٩ من مجلة العجاز العلمي ٢٢٤١ هـ .‬
                                                       ‫231 : ‪. le Paradigme perdu : la nature humaine, 1973, p‬‬                    ‫4-‬
                   ‫‪www.univ-tls2.fr/multimedia/bazdsc/intra/intra nour1 1.htm‬‬                                            ‫نقل عن :‬
 ‫5 - الرئيسات مجموعة من الثدييات يصنف ضمنها النسان . أهم خواصها اليدي والرجل القادرة على المساك بالصابع ، تتمكن ولو جزئيا‬
                                       ‫من النتصاب ، وليس لها مخالب بل أظافر مسطحة . ول يخفى أن هذا التصنيف ذو أصل دارويني .‬
‫تنمية مـواهـبه العقلية . هكذا نستوعب إذن روعة العتماد المتبادل بين مكتسبات النسان الفكرية والنفسية ،‬
                                                                               ‫ومواهبه الدماغية والبيولوجية "1 .‬
      ‫وانطلقا من عقيدة داروينية راسخة ل يجد البروفيسور موران ‪ Morin‬أدنى حـرج في أن يخلط‬
     ‫الحصافة بالسخافة وذلك حين يقول: " إن الغاية التي انتهت إليها ) النسنة ( ] أي في سلم التطور [ هي في‬
       ‫الوقت نفسه بدايتها ، فالنسان الذي اكتمل فـي طـور الكـائـن المـفـكـر ‪ Homo sapiens‬هـو نـوع هـش‬
  ‫وطـفـولي ، دمـاغـه الـرائـع أخرق في غياب الجهاز الثقافي ، مواقفه كلها تحتاج إلى تغذية صناعية . على هذا‬
                                        ‫تستوي ) النسنة ( ، على النقص التام والجذري المبدع للنسان ! "2 .‬
  ‫ما أشبه آخر هذا الكلم بنقيضة مالصون ، ول يعدو أن يكون زخرفا من القول ، فيا ليت شعري كيف‬
                           ‫يهب النقص الجذري كمال ؟ وكيف يكون العاجز مبدعا ؟ وهل فاقد الشيء يعطيه؟!‬
  ‫خواص النسان إذن بنات عوائد ، يتطبع بها الطفل وترسخ في وجدانه وسلوكه بالتقليد والتكرار ، مع‬
   ‫أنها – وهذه هي المفارقة – ضرورية لتحقيق صورة النـسـانية ، وقـد تنبه الـعـلمة ابن خلدون إلى شيء من‬
 ‫هذا وسجل ملحظته قائل : " إن النسان ابن عوائده ومألوفه ، ل ابن طبيعته ومزاجه ، فالذي ألفه في الحوال‬
                                               ‫حتى صار ُلقا وملكة وعادة ، تنزل منزلة الطبيعة والجبلة "3 .‬
                                                                                                ‫خ‬
    ‫ويعجبني في هذا الباب ما نقله الستاذ مالصون عن أحد المهتمين بظاهرة التوحش إذ قال : " يتميز‬
‫النسان عن الحيوان بكونه يولد ناقصا ، وتأخذ شخصيته في التخلق بعد الولدة عبر سلسلة من الرحام الثقافية ،‬
                                                                        ‫4‬
                                                                            ‫والتي هي أهم في نموه من رحم الم "‬
     ‫ويـنـقـل أيضـا عن الفيلسوف اللماني كارل جاسبي ‪ ١٩٦٩-١٨٨٣) Karl Jaspers‬م( قولـه : "‬
                              ‫مكتسباتنا ، وتقاليدنا ، وتربيتنا هي التي تجعل منا إنسانا من الناحية النفسانية "5 .‬
   ‫وقد ادخرت لخاتمة هذا المطلب كلمة نفيسة لستاذنا جودت سعيد المفكر السلمي المعروف ، وهي‬
‫كلمة وإن كانت مبنية على أساس الظن والتخمين ، فإن ما ظنه وخمنه قد أصاب فيه ما شاء ال ، حتى كأنه مطلع‬
    ‫على وقائع التوحش النساني ، وعلى ما قرره بعض فضلء الغرب حول حقيقة النسانية التي يتمتع بها هذا‬
                                                                        ‫الكائن الغريب ، يقول أطال ال عمره :‬
‫" لو أخذنا مولودا حديثا من الحيوانات ، وليكن من البقر ، وربيناه من غير أن يرى واحدا من بني جنسه‬
   ‫، حتى إذا بلغ مرحلة الخصاب ، وأدخلناه بين بني جنسه ، ل نجد فرقا كبيرا بينه وبين الذي عاش بين أفراد‬
    ‫جنسه . ولكن لو تصورنا هذا المر في جنس النسان ، فأخذنا طفل من يوم ولدته ، وبطريقة ما وصل هذا‬
 ‫الطفل إلى مرحلة الخصاب ، دون أن يرى أحدا من بني آدم ، كيف نتصور أن يكون هذا النسان عندما ندخله‬
                                      ‫إلى بني جنسه ؟ يمكنك أيها القارئ أن تتخيل كيف سيكون هذا النسان ؟‬

                                                                      ‫1 - 81 : ‪. Cyrulnik et Morin , 2000 , p‬‬
               ‫‪www.univ-tls2.fr/multimedia/bazdsc/intra/intra nour1 3.htm‬‬                         ‫نقل عن :‬
                                                ‫2 - 301 : ‪. le Paradigme perdu : la nature humaine, 1973, p‬‬
               ‫‪www.univ-tls2.fr/multimedia/bazdsc/intra/intra nour2 2.htm‬‬                         ‫نقل عن :‬
                                                                                             ‫3 - المقدمة : ٥٩ .‬
                                                                       ‫98 : ‪. Malson‬‬                        ‫4-‬
                                                                                               ‫5 - 65 : ‪. Ibid‬‬
‫إنه ل يستطيع أن يتكلم أية لغة من اللغات ، بل تكون قد فاتته المرحلة الذهبية في تعلم لغة ما بسهولة‬
  ‫ويسر . ثم كم جانب من جوانب القدرات النسانية يظل ضائعا ؟ بل إن هذا النسان يكون أدنى من الحيوانات ،‬
  ‫لن الحيوانات بغرائزها تنظم حياتها ، بينما النسان مركب من قدرات النسان التاريخية التي اكتسبها عبر مر‬
                ‫التاريخ ، كالمور الخلقية ، ومعنى الحلل والحرام ، والحق والواجب ، وما إلى ذلك من أمور .‬
                  ‫ومهما حلقت في التفكير ، فما أظنك تحيط بما يفقد هذا النسان بفقده الحياة مع بني جنسه.‬
    ‫ومن هنا نعلم أن النسان ل يمكن أن يستقل عن بني جنسه ، ليس عن بني جنسه المعاصرين لـه ، بل‬
            ‫عن بني جنسه القدمين ، لن كل المعارف التي للجيال الماضية تعطى مختصرة للطفل الذي ينشأ في‬
  ‫المجتمع . وبهذا يعرف أن النسان يكتسب قدرات هائلة ، ولو كان في قبيلة بدائية1 ، لننا ل نشك في أن الفرق‬
                                                        ‫كبير بين من نشأ في قبيلة ولو بدائية ، وبين من لم ير إنسانا قط .‬
    ‫وكذلك يمكن ملحظة الفرق بين من نشأ في قبيلة بدائية ، وبين من نشأ في مجتمع متمدن . وهذا يدلنا‬
             ‫على أن النسان حين يولد فإن المجتمع هو الذي يعطيه القدرات المكتسبة المتراكمة على مر التاريخ .‬
  ‫ينبغي أن ل ننسى هذا ، وهو أن النسان في قدراته وصلته بالكون والنسان في حاجة إلى أن نلخص‬
      ‫لـه تاريخ مكاسب النسان كلها ، لنعطي لـه خلل سنوات قصيرة كل ما تعبت به البشرية في الحصول عليه‬
     ‫خلل آلف السنين . وهذا أوضح ما يكون في العلوم : الطب ، والفلك ، والرياضيات . . . فكم تعبت البشرية‬
                                                                         ‫حتى وصلت إلى ما وصلت إليه في هذه العلوم "2.‬
‫آن لنا أن نثير الشكال العضال : كيف حدثت تلك الرحام الثقافية ؟ وما أصل العوائد والتقاليد ؟ وما مبدأ‬
                                                                                                    ‫التراث القومي والنساني ؟‬
       ‫بصيغة أبسط : كيف صار أول إنسي إنسانا ؟ ومن أفاده – وهو العاجز الناقص – كماله المعهود ؟‬
                                                                         ‫المطلب الثاني – عودة إلى البيان القرآني‬
‫قد رأينا في قصة البداية ما يتوافق مع ما استخلصناه من وقائع التوحش ، أي حاجة النسان إلى اقتباس )‬
   ‫إنسانيته ( من خارج ، وعجزه الجذري عن أن يكون إنسانا بمجرد الغريزة . فأبونا آدم عليه الصلة والسلم –‬
    ‫وهو أول إنسان – كان نبيا معلما مكلما . وحين واقع الخطيئة وهبط من الجنة احتاج أن يتعلم التوبة لنها أول‬
‫خطيئة في قصة النسانية : ) فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم ‪ ] ‬البقرة : ٦٣ [ ثم عقبه‬
  ‫بقوله : ) قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فل خوف عليهم ول هم يحزنون . والذين‬
   ‫كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ‪ ] ‬البقرة : ٧٣-٨٣ [ فدل ذلك على أنه ل مؤاخذة إل‬
 ‫بعد مجيء الرسل وبلوغ الحجة ، لن صورة النسانية بدون ذلك تبقى ناقصة ، وهذا يشبه في المعنى قوله د :‬
         ‫» رفع القلم عن ثلثة : عن النائم حتى يستيقظ ، وعن الصبي حتى يحتلم ، وعن المجنون حتى يعقل «3 .‬
     ‫1 - لي تحفظ كبير على استعمال لفظ ) البدائية ( في وصف بعض التجمعات النسانية ، فهذا اللفظ خرج من رؤية غربية للوجود والتاريخ .‬
‫وهي رؤية فيها من الغرور والستعلء ما يكشف عن مدى جهل أصحابها وظلمهم . مع أنه قد صار معروفا عن كثير من القبائل المدموغة بهذه‬
 ‫الصفة أنها سليلة أمم بلغت في الحضارة شأوا بعيدا . ول زالت كثير من الثار المتاخمة لهذه القبائل ألغازا تحير أكبر العقول في الغرب ، ومن‬
               ‫هؤلء عرب الجاهلية ، فقد كانت جزيرتهم مهدا لحضارات قال ال تعالى عن إحداها : ) لم يخلق مثلها في البلد ‪ ] ‬الفجر : ٨ [ .‬
                           ‫2 - جودت سعيد » العمل قدرة وإرادة « : ٣٩١-٤٩١ . ط ٢ /٤١٤١هـ - ٣٩٩١ م . دار الفكر المعاصر ، بيروت .‬
    ‫3 - أخرجه أبو داود عن علي رضي ال عنه في كتاب الحدود ، باب في المجنون يسرق أو يصيب حدا . كما أخرجه في أبواب أخرى بألفاظ‬
  ‫متقاربة . وبنحو هذا أخرجه الترمذي في جامعه ، وابن ماجه في سننه ، وأحمد في مسنده ، والدارمي في سننه ، وابن خزيمة في صحيحه عن‬
                                                                                                        ‫علي وعائشة رضي ال عنهما .‬
‫وقد وقعت النسانية في حياة آدم وبعده في مآزق لم يكن لها مخرج إل بالنبوة أو بالتعليم اللهي عن‬
   ‫طريق ضرب المثال في اليقظة أو في المنام ، وكلهما دال على عدم الكفاية الذاتية في أداء الوظيفة الكونية ،‬
                                                          ‫وهذا يعني أن ) الخلفة (1 أعظم من أن تؤسس على الغرائز وحدها .‬
                                               ‫ومن أمثلة ذلك في قصة البداية أيضا ما حكاه ال عز وجل في قوله :‬
   ‫) َاتْ ُ ََيْ ِمْ َ ََ ابْ َيْ آ َ َ ِالْ َ ّ ِذْ َ ّ َا ُرْ َا ًا َ ُ ُ ّلَ ِنْ َ َ ِ ِ َا ََمْ ُ َ َ ّلْ ِنْ الْ َرِ ، َا َ : َقْ َُ ّكَ .‬
       ‫ق ل ل تلن‬           ‫خ‬       ‫و ل عل ه نبأ ن دم ب حق إ قرب ق ب ن فتقب م أحدهم ول يتقب م‬
  ‫إنم يتقبل ّ ِ متق ن لئ بس ت إلي يدك لت تلن م أن بب س يد إل ك ِ تل إن أخ ف ّ رب‬
  ‫َالَ : ِ ّ َا َ َ َ ّ ُ ا ُ منْ الْ ُ ّ ِي َ ، َ ِنْ َ َط َ َِ ّ َ َ َ ِ َقْ َُ ِي َا َ َا ِ َا ِطٍ َ ِي َِيْ َ َقْ َُكَ ، ِ ّي َ َا ُ ا َ َ ّ‬
      ‫ل‬                        ‫ل‬                                                                                     ‫ل‬                         ‫ق‬
‫الْ َاَ ِينَ ، ِ ّي ُ ِي ُ أنْ َ ُو َ ِِثْ ِي َِثْ ِكَ َ َ ُو َ منْ َصْ َابِ ال ّارِ ، َ َِ َ َ َا ُ ال ّاِ ِي َ . َ َ ّ َتْ َ ُ نفْ ُ ُ َتْلَ‬
    ‫وذلك جز ء ظ لم ن فطوع له َ سه ق‬                          ‫ن‬       ‫إن أر د َ تب ء بإ م وإ م فتك ن ِ أ ح‬                            ‫ع لم‬
‫َ ِي ِ َ َ ََ ُ ، ََصْ َحَ منْ الْ َا ِ ِينَ . َ َ َثَ ا ُ ُ َا ًا َبْ َ ُ ِي ا َرْ ِ ِ ُ ِ َ ُ َيْفَ ُ َا ِي َوَْ َ َ ِي ِ ، َالَ َا َيَْ َا‬
 ‫ّ غر ب ي حث ف لْ ض ليريه ك يو ر س أة أخ ه ق ي و لت‬                                ‫فبع ل‬            ‫أخ ه فقتله فأ ب ِ خ سر‬
                  ‫َ َ َزْ ُ َنْ َ ُو َ ِثْ َ َ َا الْ ُ َا ِ َُ َا ِيَ َوْأ َ َ ِي ! ََصْ َحَ ِنْ ال ّا ِ ِينَ ‪ ] ‬المائدة : ٩٢-٣٣[ .‬
                                            ‫أعج ت أ أك ن م ل هذ غر ب فأو ر س َة أخ فأ ب م ن دم‬
‫هذه أول واقعة قتل في تاريخ البشرية2 ، وهي أيضا أول ما وقع من مصيبة الموت بين الناس ، بدليل أن‬
                      ‫ابن آدم القاتل لم يدر ما يفعل بأخيه المقتول ، فلم تكن هناك إذن سنة سابقة في الدفن ول تعاليم .‬
                                                                         ‫وما يعنينا من هذه القصة في المقام الول فائدتان :‬
   ‫الفائدة الولى أن هذه اليات تضع بين أيدينا حصيلة أول تجربة تربوية في التاريخ ، ول شك أن ابني‬
‫آدم هذين قد مرا بنفس المراحل التي يمر بها أي إنسان خلفا لبيهما : حمل ، فولدة ، فرضاع ، فطفولة ، فبلوغ‬
   ‫. وفي أثناء ذلك تلقيا رعاية أبوية محنكة ، واعية على مقاصدها ، كأنها خبرة أجيال ، وخلصة قرون ، بدليل‬
   ‫هذا الشتراك المفهومي الذي حفل به الخطاب ، والتمكن العجيب من لغة مفصلة مبينة ، والقتدار الفائق على‬
                                         ‫تسمية الواقع والمتوقع ، بالضافة إلى تلك المعاني الكبار التي ازدان بها الحوار .‬
   ‫الفائدة الثانية : أنه مقابل هذا التفوق البديع نقف على عجز فادح ، حيرة القاتل إزاء جثمان أخيه ، ماذا‬
‫عليه أن يفعل في مثل هذه الحال ؟! أيتركه كجيف البهائم للجوارح والسباع ؟ أم يحتفظ بجثة قد تتفسخ بعد حين ،‬
                                                                     ‫وتنقلب إلى كتلة بشعة تجتاحها الديدان ، وتنبعث منها النتان؟‬
      ‫كان هذا وقت الحاجة إلى بيان ما يليق بهذا الكائن المكرم ، فجاء البيان لكن على وجه يومئ إلى أن‬
 ‫الرحمن قد اشتد غضبه على هذا القاتل الغبي ، فتركه في خزي وهوان يتعلم من غراب ما كان ينبغي أن يتعلمه‬
                                                                                                                                              ‫من نبي .‬
‫فظهر بهذا الخذلن أن النسان متى انقطعت عنه هداية السماء ، كان أعجز مخلوق على وجه الرض .‬
        ‫ولهذا جاءت رسل ال تترى ، تجدد ما بلي ، وتحيي ما نسي ، وتفتح لمآزق النسانية الطارئة آفاق جديدة .‬
‫وقد تضمن القرآن إشارات كثيرة تنبه على أن ) النسانية ( و ) الحضارة ( و) اليمان ( كلها من بركات‬
                                                                       ‫النبياء وآثار الرسالت السماوية ، وإليك بعض اللـمـحـات :‬



   ‫1 - أقصد خلفة ال التي دل عليها قوله تعالى : ) إني جاعل في الرض خليفة ‪ ] ‬البقرة : ٩٢ [ ولعل في تسميته خليفة ما يؤكد شدة قصوره‬
   ‫الغريزي ، فحتى الوظائف الحيوية المفروغ منها عند سواه يحتاج فيها إلى تعليم ، ومع التعليم إلى نظام أخلقي يديم فاعليتها ، ويحفظها من‬
                                                                                                                    ‫التغيير والتعطيل .‬
  ‫2 - في الحديث المتفق عليه : » ل تقتل نفس ظلما إل كان على ابن آدم الول كفل من دمها ، لنه أول من سن القتل « واللفظ للبخاري ، انظر‬
           ‫كتاب النبياء ، باب خلق آدم وذريته . وانظر عند مسلم كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات ، باب بيان إثم من سن القتل‬
‫ففي قصة نوح ، وهو الرسول الذي بعث في أول أمة نشأت على وجه الرض حين بدلت شرائع‬
‫الفطرة ، نجد الشارة إلى السفينة التي جعلها ال آية للعالمين3 ، بما يشعر بأنها كانت فتحا حضاريا ، يقول تعالى‬
                                                                ‫مخاطبا نوحا ) : ا واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ‪ ] ‬هود : ٧٣ [ .‬
                                                                               ‫وفي قصة ذي القرنين ما ل يحتاج إلى تعليق :‬
 ‫) َ َسَُْو َكَ َنْ ِي ال َرْ َيْنِ ُلْ ََتُْوا ََيْ ُمْ ِنْ ُ ِكْ ًا ِ ّا َ ّ ّا َ ُ ِي ا َرْضِ َآ َيْ َا ُ ِنْ ُ ّ َيْءٍ َ َ ًا ‪‬‬
    ‫و ت ن ه م كل ش سبب‬                  ‫وي أل ن ع ذ ْق ن ق سأ ل عل ك م ه ذ ر إن مكن له ف لْ‬
        ‫] الكهف : ٢٨-٣٨ [ ثم قال تعالى : ) ُ ّ َ ّب َ َ َ ًا َ ّى ِ َا ََ َ َيْ َ ال ّ ّيْ ِ َ َ َ ِنْ ُو ِ ِ َا َوْ ًا َ َ َا ُو َ‬
        ‫ثم ات ع سبب حت إذ بلغ ب ن سد ن وجد م د نهم ق م ل يك د ن‬
  ‫ي قه ن ق ل ق ل ي ذ ْق ن ِن ي ج ج وم ج ج م سد ن ف لْ ض فه ن عل لك خ ج عل أ ت عل‬
  ‫َفْ َ ُو َ َوْ ً ، َاُوا : َا َا ال َرْ َيْنِ إ ّ َا ُو َ َ َا ُو َ ُفْ ِ ُو َ ِي ا َرْ ِ َ َلْ َجْ َ ُ َ َ َرْ ًا ََى َنْ َجْ َ َ‬
   ‫َيْ َ َا َ َيْ َ ُمْ س ّا ؟ َالَ : َا َ ّ َ ِي ِي ِ َ ّي َيْ ٌ ! ََ ِي ُو ِي ِق ّ ٍ َجْ َلْ َيْ َ ُمْ َ َيْ َ ُمْ َدْ ًا ، آ ُو ِي ُ َرَ الْ َ ِيدِ !‬
        ‫م مكنن ف ه رب خ ر فأع ن ن ب ُوة أ ع ب نك وب نه ر م ت ن زب حد‬                                                       ‫ب نن وب نه د ق‬
    ‫َ ّى ِ َا َا َى َي َ ال ّ َ َيْنِ َالَ : ان ُ ُوا ! َ ّى ِ َا َ ََ ُ َا ًا َا َ : آ ُو ِي ُفْ ِغْ ََيْ ِ ِطْ ًا . َ َا ا َ َا ُوا أنْ‬
      ‫فخ حت إذ جعله ن ر ق ل ت ن أ ر عل ه ق ر فم سْط ع َ‬                                               ‫حت إذ س و ب ْن صدف ق‬
     ‫َظْ َ ُو ُ َ َا اسْ َ َا ُوا َ ُ َقْ ًا . َالَ : َ َا َحْ َ ٌ ِنْ َ ّي ، َِ َا َا َ َعْ ُ َ ّي َ ََ ُ َ ّا َ َا َ َعْ ُ َ ّي َ ّا ‪‬‬
        ‫هذ ر مة م رب فإذ ج ء و د رب جعله دك وك ن و د رب حق‬                                   ‫ي هر ه وم تط ع له ن ب ق‬
                                                                                                                             ‫] الكهف : ٩٨-٤٩ [‬
 ‫وفي قصة يوسف عليه السلم لما عجز أهل الحضارة عن قراءة تلك الرؤيا الستشرافية ، واستخلص‬
       ‫ما تنبه عليه من خطط مستقبلية ، ابتعثه ال لكي يعلم الناس كيف يأخذون من رخائهم لشدتهم ، وكيف يكون‬
                                                                                                         ‫الحزم في تدبير الزمات المتوقعة .‬
       ‫وفي قصة داود النبي الملك – الذي ألن ال لـه الحديد – جاء في معرض المتنان على الناس قوله‬
                               ‫تعالى:) و َّمناه َنْع َ لبو ٍ َ ُمْ ِ ُحْ ِ َ َمْ ِن َأ ِ ُمْ ، فهل أنتم شاكرون ‪ ]‬النبياء :٩٧[‬
                                                                   ‫عل ص ة س لك لي صنك م ب سك‬
       ‫والملحظ على جملة هذه النماذج أن التعليم فيها موجه لعامة الناس ، وليس للمؤمنين خاصة ، وأن‬
‫الرسل أنجزوا وظائف كونية ، ذلك أن مبدأ الزوجية وحده غير كاف لحفظ النوع ، فقد يحدث من أسباب الفناء –‬
‫كالكوارث الطبيعية والمجاعات والحروب والوبئة – ما يوجب الستئصال . ولهذا أرشد ال سبحانه البشرية عن‬
                                      ‫طريق أنبيائه إلى وجوه الحتيال في حفظ أنفسهم وأنسالهم حذر أن يحيط بهم الموت.‬
‫وفي قوله تعالى : ) َ َدْ َرْ َلْ َا ُ َُ َا ِالْ َ ّ َاتِ ََنْ َلْ َا َ َ ُمْ الْ ِ َا َ َالْ ِي َانَ ِ َ ُو َ ال ّا ُ ِالْ ِسْطِ . ََنْ َلْ َا‬
 ‫وأ ز ن‬           ‫لق أ س ن رسلن ب بين وأ ز ن معه كت ب و م ز ليق م ن س ب ق‬
  ‫الْ َ ِيدَ ِي ِ َأْ ٌ َ ِي ٌ َ َ َا ِ ُ ِل ّا ِ َِ َعَْمَ ا ُ َنْ َنْ ُ ُ ُ َ ُ َُ ُ ِالْ َيْبِ ، ِ ّ ا َ َ ِ ّ َ ِي ٌ . َل َدْ َرْ َلْ َا ُو ًا‬
   ‫إن ّ قوي عز ز وَق أ س ن ن ح‬           ‫ل‬             ‫حد ف ه ب س شد د ومن فع ل ن س ولي ل ّ م ي صره ورسله ب غ‬
                                                                                     ‫ل‬
     ‫َِبْ َا ِيمَ َ َ َلْ َا ِي ُ ّ ّ ِ ِ َا ال ّ ُوء َ َالْ ِ َا َ ، َ ِنْ ُمْ ُهْ َدٍ َ َ ِي ٌ ِنْ ُمْ َا ِ ُو َ ‪ ] ‬الحديد : ٤٢-٥٢ [ ففي هذا‬
                                  ‫وإ ر ه وجع ن ف ذريتهم نب ة و كت ب فم ه م ت وكث ر م ه ف سق ن‬
   ‫الكلم المبارك إشارة كلية إلى ما نحن بصدده ، فلو أخرجنا لوازم هذه الكلمات النيرات ، لحاطت بكل شؤون‬
                                                                                                                                              ‫النسان .‬
‫وإذا علمنا أن للنبوة سبقا في الوجود ، وأن أهل اليمان متقدمون في الزمان على أهل الوثان ، زال كل‬
     ‫شك ، وانحسمت كل شبهة حول من هم عظماء النسانية بحق ، ومن هم معلمو الحكمة ، وصناع الحضارة .‬
              ‫فالنبياء بالقطع هم أول من أعرب فأفصح ، وأول من علم نحو النسانية ، وبلغة الجتماع .‬
  ‫وصلة المعارف النسانية وفضائِها بالنبوات أمر انتبه إليه علماؤنا قديما ، بل إن المام الغزالي ) ت :‬
                                                                      ‫ل‬
‫٥٠٥ هـ( رحمه ال جرد من ذلك حجة ذكية على منكري النبوة فقال : " دليل وجودها وجود معارف في العالم ل‬

                                                                                                                 ‫3 - انظر سورة العنكبوت الية : ٤١ .‬
‫يتصور أن تنال بالعقل ، كعلمي الطب والنجوم ، فإن من بحث عنها علم بالضرورة أنها ل تدرك إل بإلهام‬
    ‫وتوفيق من جهة ال تعالى ، ول سبيل إليها بالتجربة . فمن الحكام النجومية ما ل يقع إل في ألف سنة مرة ،‬
                                                               ‫فكيف ينال ذلك بالتجربة ، وكذلك خواص الدوية "1.‬
     ‫وكـذلك قال عـصـريه المام الراغب الصفهاني رحمه ال ) ت : ٢٠٥ هـ( : " أصول الصناعات‬
 ‫والمكاسب مأخوذة عن الوحي ، وذلك أن نقص البشر ، وحاجة بعضهم إلى بعض أمر ظاهر ، والناقص محتاج‬
      ‫إلى الكامل . فل يخلو إما أن يكون قد أخذ ذلك واحد عن واحد بل نهاية ، وذلك إيجاب ما ل نهاية لـه وهو‬
‫محال ، وإما أن ينتهي إلى واحد من البشر علمه ال الصناعات ، إما بسماع من المل العلى ، أو بإلهام أو منام ،‬
    ‫وهذا هو الوحي . فمعلو ٌ ِذي اللب أن قوى العقاقير ، وطبائع الحيوانات مما ل يمكن إدراك خواصها بأفهام‬
                                                                             ‫مل‬
                                                          ‫البشر وتجربتهم ، ورؤساء كل صناعة يقرون بذلك 2"3 .‬
 ‫هذا غيض من فيض ، وباب واسع يحتاج حقا إلى بحث وتنقيب في صحيح الخبار ، وشاخص الثار ،‬
    ‫لكن من وقف وقفة ذوي البصار على ما سقناه هاهنا سيقر معنا بل شك أن المام ابن القيم رحمه ال ) ت :‬
                                                                                      ‫١٥٧ هـ( لم يكن مبالغا حين قال :‬
     ‫" لول النبوات لم يكن في العالم علم نافع البتة ، ول عمل صالح ، ول صلح في معيشة ، ول قوام‬
‫لمملكة . ولكان الناس بمنزلة البهائم والسباع العادية ، والكلب الضارية التي يعدو بعضها على بعض . وكل دين‬
                ‫في العالم فمن آثار النبوة . وكل شر4 وقع في العالم أو سيقع فبسبب خفاء آثار النبوة ودروسها .‬
  ‫فالعالم حينئذ روحه النبوة ، ول قيام للجسد بدون روحه . ولهذا إذا تم انكساف شمس النبوة من العالم ،‬
 ‫ولم يبق في الرض شيء من آثارها البتة ، انشقت سماؤه ، وانتثرت كواكبه ، وكورت شمسه ، وخسف قمره ،‬
‫ونسفت جباله ، وزلزلت أرضه ، وأهلك من عليها . فل قيام للعالم إل بآثار النبوة . ولهذا كان كل موضع ظهرت‬
                               ‫فيه آثار النبوة فأهله أحسن حال وأصلح بال من الموضع الذي يخفى فيه آثارها .‬
     ‫وبالجملة فحاجة العالم إلي النبوة أعظم من حاجتهم إلى نور الشمس ، وأعظم من حاجتهم إلي الماء‬
                                                                                     ‫والهواء الذي ل حياة لهم بدونه "5.‬
   ‫ومن أحسن المثلة على أثر النبياء في المدنية ما ورد في خصال الفطرة ، فقد أخرج المام البخاري‬
‫عن أبي هريرة رضي ال عنه أن رسول ال ن قال : » خمس من الفطرة : الختان ، والستحداد ، ونتف البط ،‬
   ‫وتقليم الظفار ، وقص الشارب «6 . ولمسلم من حديث عائشة : » عشر من الفطرة «7 ، وقد تتبع العلمة ابن‬
‫حجر رحمه ال ) ت : ٢٥٨ هـ( ما جاء في هذا الباب ، فوقف على خمس عشرة خصلة ، وهي بالضافة إلى ما‬




                                                                                                   ‫1 - المنقذ من الضلل : ٤٥ .‬
                        ‫2 - قابل فصاحة العقل هذه بعجمة مالصون حين افترض ما افترض في أصل النسان ، وبعي إيد َار موران .‬
                                  ‫ك‬
                                                                                          ‫3 - الذريعة إلى مكارم الشريعة : ٧٨٣ .‬
                                                  ‫4 - في الصل ) شيء ( بدل ) شر ( وهو خطأ بين ، والسياق يدل على ما أثبتناه .‬
                                                  ‫5 - مفتاح دار السعادة : ٨١١/٢ . وانظر أيضا طبعة دار ابن عفان : ٢٢/٣-٣٢ .‬
                                                                                       ‫6 - انظر كتاب اللباس ، باب قص الشارب .‬
                                                                                  ‫7 - انظر باب خصال الفطرة من كتاب الطهارة .‬
‫1‬
    ‫سبق : الوضوء ، والستنشاق ، والستنثار ، والستنجاء ، والسواك ، وغسل الجمعة ، وإعفاء اللحية ، والفرق‬
                                                                                        ‫4‬
                                                                                            ‫، وغسل البراجم2 ، والنتضاح3 .‬
‫يبدو من خلل هذه التعاليم النبوية أن الفصل بين الشأن العام والخاص مجرد تحكم نظري ، ذلك أن البعد‬
     ‫الجتماعي جزء ل يتجزأ من مفهوم النسانية ، ومن حقيقة الفطرة ، فهذه الخصال وإن خوطب بها الفراد في‬
    ‫خاصة أنفسهم ليكونوا على أشرف الحوال من حفظ للصحة ، وإجمام للقلب ، وإصلح للبال ، وإراحة للبدن ،‬
      ‫فقد روعي فيها الغيار مراعاة ، ففي هذه الخصال من تحسين للهيئة ، وتجميل للصورة ، ما يبهج المخالطين‬
                              ‫والقرناء ، ويشيع التآلف والمحبة ، ويصقل الذوق الجتماعي ، ويرهف حواس الناس .‬
        ‫ألـيـس فـي هـذه الـتـهـذيـبات إخراج للنسان من الهمجية التي هي أقرب إليه مـن حـبـل الـوريـد ،‬
‫وإعلء لشأنه أن ينحط إلى حضيض وراء مدارك البهائم ؟ فلول الرشـاد اللهي إلى هـذا الـنـظام الفطري البديع‬
 ‫، الجامع بين فوائد نفسية وبدنية واجتماعية ، والهادي لفاق التمدن النساني الرفيع ، لخطأت الكائنات البشرية‬
                               ‫طريقها إلى النسانية ، وفي أحسن الحوال سيكون الجتماع النساني شرا ل بد منه .‬
        ‫ومن السرار المستفادة من أحاديث خصال الفطرة اليماء إلى أن ما يوصف بكونه فطريا ل يكون‬
     ‫بالضرورة من لوازم الطبيعة التي ل تنفك عنها ، بحيث يحدث عنها بصفة آلية حتمية كما شرحنا من قبل ، فقد‬
    ‫تقرر لدينا الن أن الطبع وحده غير كاف في إتيان الفضائل النسانية وإن كان يقتضيها ، وهذا يعني بالمقابل أن‬
       ‫التعليم والكسب والتكلف ل تنافي بالضرورة وصف الفطرة . ولجل ذلك فسواء علينا أقلنا هاهنا : » خصال‬
‫الفطرة « أو قلنا » سنن النبياء « فالمر سيان . قال المام أبو سليمان الخطابي ." فسر أكثر العلماء الفطرة في‬
     ‫هذا الحديث بالسنة "5 ، قال ابن حجر معقبا : " وكذا قال غيره ، والمعنى أنها من سنن النبياء "6 ، وقـال ابن‬
     ‫الملك ) ت : ٧٩٧ هـ( في شرحه على مشارق النوار في معنى الفطرة : " هي السنة الـقـديـمـة التي اختارها‬
                                                                                                                  ‫النبياء "7 .‬
       ‫وفي جامع الترمذي عن أبي أيوب النصاري قال : قال رسول ال ي : » أربع من سنن المرسلين :‬
                                                                               ‫الحياء ، والتعطر ، والسواك ، والنكاح «8 .‬




                                                     ‫1 - هو قسمة الشعر في المفرق ، وهو وسط الرأس . انظر فتح الباري : ٢٢٤/٠١ .‬
                                                                     ‫2 - البراجم عقد الصابع التي في ظهر الكف . نفسه : ٥١٤/٠١ .‬
                  ‫3 - مما فسر به النتضاح أن يأخذ المتطهر قليل من الماء فينضح به مذاكيره بعد الوضوء نفيا للوسواس . نفسه : ٥١٤/٠١.‬
                                                                                                  ‫4 - انظر فتح الباري : ٦١٤/٠١ .‬
                                                               ‫5 - معالم السنن : ٧٢/٤ . والحديث المقصود هو حديث خصال الفطرة .‬
                                                                                                       ‫6 - فتح الباري : ٩٣٣/٠١ .‬
                 ‫7 - مبارق الزهار في شرح مشارق النوار:٩٠١/٢. بعناية خليل الميس . ط ١/ ٦٠٤١ هـ - ٦٨٩١ م . دار القلم ، بيروت.‬
    ‫8 - كتاب النكاح ، باب ما جاء في فضل التزويج والحث عليه ، قال الترمذي : حديث أبي أيوب حديث حسن غريب . وهذا الحديث عند أحمد‬
                                                                                               ‫في مسنده مع اختلف في الترتيب .‬
‫المطلب الثالث – أصول الفطرة النسانية‬
‫يمكن أن نستنتج مما مضى أن للفطرة أصول مركوزة في الكيان العضوي للنسان ، وأصول من خارج‬
                                                                 ‫هذا الكيان ، فأصولها التي من خارج هي :‬
                                                                                                         ‫1(‬
   ‫بقية آدم : وأقصد بها ما اختصه ال به من تعليم السماء ، وما ابتدأه في الرض عليه السلم من تأسيس لحياة‬
                                        ‫اجتماعية كانت منذ بدايتها مرتبطة بمرجعية عليا ، ومسيجة بال ُرم .‬
                                            ‫ح‬
                                                                                                         ‫2(‬
     ‫سنن النبياء : ويدخل فيها إحياء ما كان ، وإحداث ما لم يكن استجابة للحاجات المتجددة . ولكي نعلم الثر‬
                                        ‫المؤكد لهذه السنن في حياة البشرية ، يكفي أن نتذكر الحقائق التالية :‬
                                                                                                         ‫1-‬
  ‫شعوب الرض كلها تنتسب إلى أنبياء ، قال تعالى : ) إن ال اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على‬
‫العالمين ، ذرية بعضها من بعض ، وال سميع عليم ‪ ] ‬آل عمران : ٣٣-٤٣ [ ، وقـال عـن نـوح بعـد واقـعـة‬
     ‫الـطـوفان:) وجعلنا ذريته هم الباقين ‪]‬الصافات : ٧٧ [ . وإبراهيم عليه السلم هو الجد المشترك للعرب‬
‫والعبرانيين ، فالعرب المستعربة تنتهي في أنسابها إلى إسماعيل الذبيح ، والعبرانيون ينتسبون إلى يعقوب بن‬
                                                                                                ‫إسحاق.‬
                                                                                                         ‫2-‬
‫عدد من النبياء كان لهم ملك أو رياسة وتمكين ، كيوسف وداود وسليمان عليهم الصلة والسلم ، وقبلهم كان ذو‬
                                               ‫القرنين واسع السلطان ، عظيم المعارف ، فائق الصنائع .‬
                                                                                                         ‫3-‬
  ‫وأعظم من ذلك ما أخرجه ال على يد موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلة والسلم من أمم ذات أمجاد وتراث‬
   ‫عظيم ، فقد استوعبت كتب هؤلء العظماء الثلثة كل ما سبق ، وجاءت بما لم تسبق إليه . وآثار اليهودية‬
                                  ‫والنصرانية والسلم في تاريخ البشرية إلى اليوم ملء السمع والبصر .‬
     ‫أما أصول الفطرة النسانية التي من الطبيعة ، فهي التي ينبه عليها القرآن في عدة مواضع : السمع‬
   ‫والبصر والفؤاد ، كقوله تعالى : ) قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والبصار والفئدة قليل ما تشكرون ‪‬‬
 ‫]الملك:٣٢[، وكقوله عز وجل: ) وال أخرجكم من بطون أمهاتكم ل تعلمون شيئا ، وجعل لكم السمع والبصار‬
                                                                   ‫والفئدة لعلكم تشكرون ‪ ] ‬النحل : ٨٧ [‬
    ‫فهذه الثلثة هي أمهات الغرائز النسانية ، وهي حصيلة لنضج البنية التي امتزج فيها الروح بالجسد‬
 ‫امتزاجا ل يعلم حقيقته إل ال تعالى ، لكن قد ثبت في كتاب ال وسنة نبيه ا أن الجسد يسبق في الوجود ، وفي‬
     ‫مرحلة من مراحل تخلقه تحدث الروح بعد أن لم تكن ، وقد خلقت في جسد آدم من نفخة نفخها ال سبحانه ،‬
                                                                ‫وتخلق في بنيه من نفخ الملك الموكل بذلك .‬
‫ومن العبث الذي سقطت فيه مذاهب وفلسفات وأديان الخوض النظري في تفكيك البنية ، وإعطاء أفضلية‬
  ‫للروح ، أو اختزال النسان في بدنه وإنكار أصله السماوي . فكل هذا من التبديل الذي وقع في تراث النبياء ،‬
      ‫وأفضى إلى تخيير البشرية بين الرمضاء والنار . وإن كان ل بد من بحث عن محل للسرار فهو في لسان‬
        ‫النبياء بل ريب » القلب « ، انظر إلى قولـه تعالى:) فإنها ل تعمى البصار ولكن تعمى القلوب التي في‬
 ‫: » أل وإن في الجسد مضغ ً إذا صَحت صَح الجس ُ كّه، وإذا ف َدت‬
   ‫س‬          ‫د ل‬        ‫ل‬    ‫ل‬      ‫ة‬                                              ‫الصدور ‪] ‬الحج:٦٤[ وإلى قول النبي‬
                                                                                        ‫ف َد الجس ُ كّه،أل وهي القلب«1.‬
                                                                                                         ‫د ل‬        ‫س‬
  ‫إن العمق الكوني للنساني – الذي هو الفطرة – غير قابل لعمليات التفكيك والختزال ، وهو ل يعطي‬
     ‫إنسانية إل إذا قدحت النبوة زناده ، ولول ذلك لظل خامدا جامدا . فهذا القدح الرباني المبارك هو الذي وهب‬
      ‫البشرية كمالها الول والثاني . وأقصد بالكمال الول ما يعتقد أنه المشترك الطبيعي ، وهو في الحقيقة بقايا‬
                                                      ‫الفطرة المورثة التي ل يخلو عنها آدمي نشأ في مجتمع إنساني .‬
‫وأما الكمال الثاني فأقصد به العبودية ل وحده ، أو ما عبرت عنه اليات السابقة بالشكر ، وهذا ل يتحقق‬
                                                           ‫إل باتباع صريح ما جاء به النبياء عليهم الصلة والسلم .‬
‫الكمال الول هو في الصل كما قررنا قبس من الثاني ، إذ لم ينشأ كما رأينا مستقل ، وإنما هو حظ غير‬
      ‫الحنفاء من تركة النبياء . وهو في الحقيقة ل ينفع وحده في هذه الدنيا إل قليل ، وأما في الخرة فل يجدي‬
       ‫فتيل ، وما أحسن ما كان يردد الفقيه العلمة أبو العباس ابن تيمية رحمه ال فيقول : " إنما الكمال بالفطرة‬
                                                                                       ‫المُكـ ّـلـة بالـشـرعة المـنـ ّلـة "2.‬
                                                                                              ‫ز‬                      ‫ـ م‬
 ‫وإلى هذين الرافدين للفطرة : الرافد الذي من خارج الطبيعة ، والرافد الذي من داخلها ، وقعت الشارة‬
      ‫في سورة التين ، التي تفتتح بالقسم بمواطن الرسل الثلثة : عيسى وموسى ومحمد عليهم الصلة والسلم ،‬
  ‫لتقرير أن النسان مركب بديع ، لكنه بدون اتباع النبياء علما وعمل يهوي من ضعفه وسخفه إلى درك سحيق‬
                                                                                                          ‫ووضيع ، فتأمل :‬
                                                ‫بسم ال الرحمن الرحيم‬
                       ‫والتين والزيتون )١( وطور سينين )٢( وهذا البلد المين )٣( لقد خلقنا‬
                      ‫النسان في أحسن تقويم )٤( ثم رددناه أسفل سافلين )٥( إل الذين آمنوا‬
                    ‫وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون )٦( فـما يكـذبك بعد بالدين )٧(‬
                                                                            ‫أليس ال أحكـم الحاكمين )٨(‬




  ‫1 - متفق عليه ، انظر صحيح البخاري ، كتاب اليمان ، باب فضل من استبرأ لدينه . وصحيح مسلم ، كتاب المساقاة ، باب أخذ الحلل وترك‬
                                                                                                                     ‫الشبهات .‬
‫2 - ذكر ذلك في عدد من كتبه منها : درء التعارض : ٨٣٢/٨ ، و ٧٧٢/٠١ . ومجموع الفتاوى : ٨٤٣/٦١ . وبيان تلبيس الجهمية : ٣٧٣/١ .‬
                                                                    ‫والصفدية : ٧٥١/٢ ]ت : د. محمد رشاد سالم . ط ٢ / ٦٠٤١ هـ [‬
‫خاتمة البحث‬

‫مفهوم الفطرة ليس مفهوما فرعيا أو هامشيا ، بل هو أصل من أصول السلم العظيمة ، وحقه أن يكون‬
  ‫كلمة إجماع . لكنه كما قال ابن القيم : " موضع اضطربت فيه القدام ، وطال فيه النزاع والخصام"1 ! من هنا‬
        ‫كان الكشف عن سيرة هذا المصطلح وأسراره خلل ثمانية قرون من تاريخ السلم أمرا بالغ الهمية .‬
  ‫وقد أثبت – ول الحمد – أن الخلف متأخر ، وأن السلف كانوا مجمعين على أن الفطرة هي السلم .‬
                                      ‫وكيف يختلفون ونصوص الكتاب والسنة متظاهرة على هذا المعنى ؟!‬
  ‫فل بد إذن أن يكون قد حدث من السباب ما أوجب وقوع الختلف ، فهذا ما حرصت في هذا البحث‬
‫على بيانه . ويمكن أن أقول الن بكل اطمئنان أن هذه السباب كلها قد خرجت من رحم فتن كقطع الليل المظلم ،‬
                                                                    ‫وحق المفتون أن نعذره ل أن نتبعه .‬
       ‫وقد آن لمتنا أن تتخلص من تراث الفتن ، بالشروع في تمحيصه ، والتحقيق في ملبساته ، ورد‬
  ‫مشتبهاته إلى محكمات الكتاب وأصول الحكمة النبوية. فهذا هو الطريق إلى استرجاع الرشد ، والتوبة إلى ال‬
‫توبة نصوحا ، وقد قال تعالى : ) ليس بأمانيكم ول أماني أهل الكتاب من يعمل سوء يجز به ول يجد لـه من دون‬
                                                                 ‫ال وليا ول نصيرا ‪ ] ‬النساء : ٢٢١ [ .‬
‫والخلل المنهجي يعشش أول ما يعشش في قلب المصطلح المتداول ، فيحل في جسمه ولو جزيئا ، ثم تبدأ‬
  ‫مرحلة إجهاض لبقايا المفهوم الصيل ، واستدعاء لبقايا المفهوم الدخيل . فإذا تم الجهاض والستدعاء ببطء ،‬
‫وفي زمن متطاول ، لم يكد يشعر بالتبدل إل القليل . فيتعجب الواخر من تخلفهم عن الوائل ، مع أن الدين واحد‬
                                                                  ‫، والكتاب محفوظ ، والسنة ممحصة .‬
  ‫هذا ما يعطي لعلم المصطلح أهمية قصوى في مجال المعرفة والحضارة . وهذا الحقل المعرفي الجديد‬
    ‫يحتاج إلى جهود ومجاهدات كي يتخلص العلم من سجنه التاريخي ، ويتاح لجيال المة التية أن تساهم في‬
                                                                  ‫صناعة تاريخ العلم كما ساهم الوائل .‬
 ‫ومن نتائج هذا البحث إبطال القول بالترك والتخلية ، ومقتضاه أن الفطرة يمكن أن تستغني عن حضانة‬
    ‫المجتمع ، ولو استغنت لكانت على خير حال . وهذا القول الفتراضي اكتسب مرجعية غريبة ، بحيث صار‬
    ‫المتنازعون يحتكمون إليه ، لكنهم يصدرون عنه كما وردوا عليه ، لنه في الحقيقة ل يرجع لهم قول ، وإنما‬
                                                                     ‫يسمع كل واحد عنده صدى مذهبه.‬
      ‫وقد أعدت إثارة هذا الشكال الفلسفي الجذور بطريقة حررته في إطارها من التجريدات الذهنية ،‬
  ‫ووضعته على محك البيانات اللهية والتجربة النسانية . وقد أثب ّ – بما ل يدع مجال للشك – أن الفطرة التي‬
                                         ‫ت‬
    ‫فطر ال الناس عليها تنطمس خارج المجتمع النساني ، ول تعطي إل مسخا يسخر من كل المزاعم الفلسفية‬
                                                   ‫والتخرصات ) العلمية ( التي تقولت على ال في خلقه .‬




                                                                                 ‫1 - أحكام أهل الذمة : ٦٢/٢‬
‫لقد بينت – بفضل ال – كيف أن النسان هو في حقيقته كائن ل سلف لـه ، وتاريخ ل صفر لـه . هو‬
   ‫تاريخ أبطاله الحقيقيون النبياء ، وتراثه الول هو وحي السماء . ول معنى للنسانية والحضارة خارج هذا‬
                                                                                                 ‫السياق .‬
‫وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن كل حق ، وكل خير عرفته البشرية قديما وحديثا ، فمرده إلى‬
     ‫التعليم اللهي . بل حتى الباطل لم يستطع أن يدخل التاريخ إل حينما تشبه بالحق أو لبسه ، أما إذا تكشف‬
                      ‫وصرح فإنه يسقط من ذاته كما قال تعالى : ) إن الباطل كان زهوقا ‪ ] ‬السراء : ١٨ [‬
    ‫أخيرا فإن أعظم عبرة وقفت عليها في هذا البحث هي النتباه لعظمة القرآن ، الذي أنزل تبيانا لكل‬
 ‫شيء ، فهو الكتاب الذي يغني عن غيره ول يغني عنه غيره شيئا ، لكن ما أحدثه المسلمون بعد سلفهم أورثهم‬
     ‫سوء الظن بدللته ، فصاروا يسمونه في كتب الكلم والصول دللت لفظية أو نقلية ، وينزلونه منازل‬
‫الظنون ، ويح ّمون فيه ما يزعمون أنه قواطع عقلية ، وما هي إل أهواء طائفية ومذهبية ، وتخرصات وظنون‬
                                                                                  ‫ك‬
                                                                                ‫ل تغني من الحق شيئا .‬
‫وقد آن الوان لستعادة أمجاد القرآن ومكرماته ، لكي يكون كتاب هذه المة ل كتاب لها سواه ، وشرط‬
  ‫ذلك عدة منهجية محكمة ، وهو نفسه مئنة هذه العدة لمن قرأه قراءة مستهد بهديه ، متبرئ من أهوائه وظنونه‬
                                                                                    ‫المخالفة لمقرراته .‬
‫فهرس المصادر‬

                                                                                   ‫•القرآن الكريم برواية ورش‬
                                                                                           ‫•المصادر العربية‬
                                                                               ‫* المدي ، سيف الدين‬
                                            ‫1.الحكام في أصول الحكام . ت: إبراهيم العجوز . دار الكتب العلمية ، بيروت‬
         ‫2.غاية المرام في علم الكلم . ت: حسن محمود عبد اللطيف . ١٩٣١ هـ . المجلس العلى للشؤون السلمية ، القاهرة‬
                                                                                         ‫* ابن الثير ، الجزري‬
‫3.النهاية في غريب الثر . ت : طاهر أحمد الزاوي ، ومحمود محمد الطناحي . ٩٩٣١ هـ - ٩٧٩١ م . المكتبة العلمية . بيروت‬
                                                                                        ‫* اللوسي ، أبو الفضل‬
  ‫4.روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني .ت: د.محمد السيد الجليند .ط ٢ / ٤٠٤١. دار إحياء التراث العربي .‬
                                                                                                               ‫بيروت‬
                                                                     ‫* البخاري ، محمد بن إسماعيل‬
                            ‫5.الجامع الصحيح . ضمن برنامج الكتب التسعة ، الصدار الول . شركة صخر لبرامج الحاسب‬
                                                                                  ‫* التجكاني ، الحبيب‬
               ‫6.مسائل أبي الوليد ابن رشد . ط ٢ / ٤١٤١ هـ - ٣٩٩١ م . دار الجيل ، بيروت . دار الفاق الجديدة ، المغرب‬
                                                                               ‫* الترمذي ، أبو عيسى‬
                           ‫7.الجامع ) السنن ( . ضمن برنامج الكتب التسعة ، الصدار الول . شركة صخر لبرامج الحاسب‬
                                                                            ‫* ابن تيمية ، أبو العباس‬
 ‫8.بيان تلبيس الجهمية في تأسيس عقائدهم الكلمية . ت : محمد بن عبد الرحمن بن قاسم . ط ١ / ٢٩٣١ هـ . مطبعة الحكومة ،‬
                                                                                                     ‫مكة المكرمة‬
                       ‫9.درء تعارض العقل والنقل . ت: محمد رشاد سالم . ط ٢ / ١٩٣١ هـ . دار الكنوز الدبية ، الرياض‬
                                                              ‫01.الصفدية . ت : د. محمد رشاد سالم . ط ٢ / ٦٠٤١ هـ‬
‫11.مجموع الفتاوى . جمع عبد الرحمن بن قاسم النجدي وابنه محمد . ط ١ / ٨٩٣١ . رئاسة‬
                                                  ‫إدارات البحوث العلمية ، السعودية‬
                                                            ‫* الجابري ، عابد‬
               ‫21.نحن والتراث : قراءة معاصرة في تراثنا الفلسفي . ط ٦ / ٣٩٩١ م . المركز الثقافي العربي . الدار البيضاء‬
                                                                                       ‫* جودت ، سعيد‬
                                        ‫31.العمل قدرة وإرادة . ط ٢ / ٤١٤١ هـ - ٣٩٩١ م . دار الفكر المعاصر ، بيروت‬
                                                                           ‫* ابن الجوزي ، أبو الفرج‬
                                           ‫41.زاد المسير في علم التفسير . ط ٣ / ٤٠٤١ هـ . المكتب السلمي . بيروت .‬
                                                                              ‫* ابن حجر ، العسقلني‬
     ‫51.فتح الباري شرح صحيح البخاري . ت: عبد العزيز بن باز . ط ١ / ٠١٤١ هـ - ٩٨٩١ م . دار الكتب العلمية ، بيروت‬
                                                                                ‫* الحاكم ، أبو عبد ال‬
     ‫61.المستدرك على الصحيحين . ت: مصطفى عبد القادر عطا . ط ١ / ١١٤١ هـ - ٠٩٩١ م . دار الكتب العلمية ، بيروت‬
                                                                                     ‫* ابن حنبل ، أحمد‬
                                    ‫71.المسند . ضمن برنامج الكتب التسعة ، الصدار الول شركة صخر لبرامج الحاسب‬
‫* الخطابي ، أبو سليمان‬
‫81.معالم السنن شرح سنن أبي داود .بعناية محمد عبد السلم عبد الشافي.ط ١ / ١١٤١ هـ - ١٩٩١ م.دار الكتب العلمية.بيروت‬
                        ‫91.أعلم السنن في شرح صحيح البخاري . ت : د. يوسف الكتاني . مطابع منشورات عكاظ . الرباط‬
                                                                           ‫* ابن خلدون ، عبد الرحمن‬
                                                 ‫02.المقدمة . مكتبة ومطبعة الحاج عبد السلم بن محمد بن شقرون . مصر‬
                                                                          ‫* الدارمي ، عثمان بن سعيد‬
                                     ‫12.السنن . ضمن برنامج الكتب التسعة ، الصدار الول . شركة صخر لبرامج الحاسب‬
                                                                     ‫* أبو داود ، سليمان بن الشعث‬
                                    ‫22.السنن . ضمن برنامج الكتب التسعة ، الصدار الول . شركة صخر لبرامج الحاسب‬
                                                                                     ‫* الرازي ، فخر الدين‬
                                   ‫32.المحصول في علم الصول . ط ١ / ٨٠٤١ هـ - ٨٨٩١ م . دار الكتب العلمية بيروت‬
                                                                   ‫* الراغب الصفهاني ، أبو القاسم‬
            ‫42.الذريعة إلى مكارم الشريعة . ت: د. أبو اليزيد العجمي .ط ٢ / ٨٠٤١ هـ - ٧٨٩١ م . دار الوفاء ، المنصورة‬
       ‫52.المفردات في غريب القرآن . ت: محمد سيد الكيلني . ١٨٣١ هـ - ١٦٩١ م . مصطفى البابي الحلبي وأولده بمصر‬
                                                                  ‫* الزمخشري ، أبو القاسم جار ال‬
                             ‫62.الفائق . ت : علي محمد البجاوي ، ومحمد أبو الفضل إبراهيم . ط ٢ . دار المعرفة . لبنان‬
                                     ‫72.الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون القاويل في وجوه التأويل . دار الفكر . بيروت‬
                                                                        ‫* السحمراني ، أسعد . وكنعان ، أحمد‬
                    ‫82.عقل النسان في الفلسفة والطب والقرآن . ط ١ / ٣٢٤١ هـ - ٢٠٠٢ م . دار النفائس ، دمشق- بيروت‬
                                                                                  ‫* ابن سينا ، أبو علي‬
                                     ‫92.الشارات والتنبيهات . ت : سليمان دنيا . ط ٣ / ٣٨٩١ م . دار المعارف ، القاهرة‬
                    ‫03.النجاة في المنطق واللهيات . ت: د. عبد الرحمن عميرة . ٢١٤١ هـ - ٢٩٩١ م . دار الجيل ، بيروت‬
                                                                                  ‫* الطبري ، ابن جرير‬
                      ‫13.جامع البيان عن تأويل آي القرآن . ت: مصطفى مسلم محمد . ط ١ / ٥٠٤١ هـ . دار الفكر ، بيروت‬
                                                                                   ‫* ابن طفيل ، أبو بكر‬
                            ‫23.حي بن يقظان . ت: أحمد أمين . دار المدى للثقافة والنشر . سلسلة الكتاب للجميع ، العدد ٨ .‬
                                                                                       ‫* ابن عبد البر ، أبو عمر‬
   ‫33.التمهيد لما في الموطأ من المعاني والسانيد . ج ٨١ . ت: سعيد أعراب .٧٠٤١ هـ - ٧٨٩١ م . وزارة الوقاف والشؤون‬
                                                                                               ‫السلمية المملكة المغربية‬
     ‫43.الستذكار الجامع لمذاهب فقهاء المصار وعلماء القطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والثار وشرح ذلك كله‬
                       ‫باليجاز والختصار . ج ٨ . ت: عبد المعطي أمين قلعجي . ط ١ / ٤١٤١ هـ – 3991 م . القاهرة‬
                                                                                 ‫* ابن عاشور ، الطاهر‬
                                  ‫53.تفسير التحرير والتنوير . الشركة التونسية للتوزيع والنشر ، والدار الجماهيرية للنشر .‬
                     ‫63.مقاصد الشريعة السلمية . الشركة التونسية للتوزيع والنشر ، والمؤسسة الوطنية للكتاب ، الجزائر .‬
                                                                   ‫* ابن عطية الندلسي ، أبو محمد‬
‫73.المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز .ت: عبد ال بن إبراهيم النصاري ، والسيد عبد العال السيد إبراهيم . ط ١ . ٦٠٤١‬
                                                                                              ‫هـ – ٥٨٩١ م . الدوحة‬
‫* الغزالي ، أبو حامد‬
                                         ‫83.القتصاد في العتقاد . ط ١ / ٣٠٤١ هـ -٣٨٩١ م . دار الكتب العلمية ، بيروت‬
     ‫93.المستصفى في علم الصول. ت: محمد عبد السلم عبد الشافي . ط ١ / ٣١٤١ هـ - ٣٩٩١ م . دار الكتب العلمية بيروت‬
                                                           ‫04.المنقذ من الضلل . بعناية محمد محمد جابر . مكتبة الجندي‬
                                                                                 ‫* ابن قتيبة ، أبو محمد‬
            ‫14.تأويل مختلف الحديث . ت : عبد القادر أحمد عطا . ط ١ / ٨٠٤١ هـ - ٨٨٩١ م . مؤسسة الكتب الثقافية .بيروت‬
                                                                                         ‫* القرطبي ، أبو عبد ال‬
                             ‫24.الجامع لحكام القرآن . ت: أحمد عبد العليم البردوني . ط ٢ / ٢٧٣١ هـ . دار الشعب ، القاهرة‬
                                                                    ‫* ابن قيم الجوزية ، شمس الدين‬
               ‫34.أحكام أهل الذمة . ت : طه عبد الرؤوف سعد . ط ١ . ٥١٤١ هـ ، ٥٩٩١ م . دار الكتب العلمية . بيروت .‬
                                       ‫44.إعلم الموقعين عن رب العالمين . ت : طه عبد الرؤوف سعد . دار الجيل بيروت .‬
          ‫54.اجتماع الجيوش السلمية على غزو المعطلة والجهمية . ط ١ /٤٠٤١هـ -٤٨٩١ م .دار الكتب العلمية ، بيروت‬
                                                            ‫64.حادي الرواح إلى بلد الفراح . دار الكتب العلمية ، بيروت‬
                   ‫74.شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل . ٨٩٣١ هـ - ٨٧٩١ م . دار المعرفة ، بيروت‬
                  ‫84.طريق الهجرتين وباب السعادتين . ت: عمر بن محمود . ط ٤١٤١/٢هـ-٤٩٩١م. دار ابن القيم ، الدمام‬
                                             ‫94.مفتاح دار السعادة ومنشور ولية العلم والرادة . دار الكتب العلمية ، بيروت‬
‫05.مفتاح دار السعادة ومنشور ولية أهل العلم والرادة . ت: علي بن حسن بن علي بن عبد الحميد الحلبي الثري . ط ١ / ٦١٤١‬
                                                                                ‫هـ - ٦٩٩١ م . دار ابن عفان ، السعودية‬
                                                                                             ‫* مات ريدلي‬
                              ‫15.الجينوم السيرة الذاتية للنوع البشري . ترجمة د. مصطفى إبراهيم فهمي . سلسلة عالم المعرفة‬
                                                                           ‫* ابن ماجه ، محمد بن يزيد‬
                                      ‫25.السنن . ضمن برنامج الكتب التسعة ، الصدار الول . شركة صخر لبرامج الحاسب‬
                                                                                   ‫* مسلم ، ابن الحجاج‬
                            ‫35.الجامع الصحيح . ضمن برنامج الكتب التسعة ، الصدار الول . شركة صخر لبرامج الحاسب‬
                                                                                 ‫* ابن الملك ، عز الدين‬
            ‫45.مبارق الزهار في شرح مشارق النوار . بعناية خليل الميس . ط ١ / ٦٠٤١ هـ - ٦٨٩١ م . دار القلم ، بيروت‬
                                                                              ‫* المناوي ، عبد الرؤوف‬
                                   ‫55.فيض القدير شرح الجامع الصغير . ط ١ / ٦٥٣١ هـ . المكتبة التجارية الكبرى . مصر‬
                                                                                ‫* النسفي ، أبو البركات‬
   ‫65.مدارك التنزيل وحقائق التأويل . ت: صفوان عدنان داوودي . ط ١ / ٥١٤١ هـ . دار القلم ، دمشق . الدار الشامية ، بيروت‬
                                                                                   ‫* النووي ، أبو زكريا‬
                                   ‫75.شرح النووي على صحيح مسلم . ط ٢ / ٢٩٣١ هـ . دار إحياء التراث العربي . بيروت‬
                                                                                       ‫* وعزيز ، الطاهر‬
‫85.» نظرة في تواريخ العلم : نشأة علم الفلك نموذجا « ضمن كتاب جماعي بعنوان : » دراسات في تاريخ العلوم والبستيمولوجيا‬
                                                           ‫« منشورات كلية الداب والعلوم النسانية بالرباط ، ٦٩٩١ .‬
: ‫•المجلت‬
                                                                     ٩ ‫مجلة العجاز العلمي ٢٢٤١ هـ . ع‬

                                                            : ‫•مواقع على الشبكة العنكبوتية‬
– www.feralchildren.com
– www.lesocial.fr
– www.univ-tls2.fr



                                                                           : ‫أجنبية‬   ‫•مصادر‬
– Encyclopédie Encarta .
– Lucien Malson : Les enfants sauvages , Mythe et Réalité . 1964 UNION GÉNÉRALE D’ÉDITIONS . PARIS
– Science et Vie , n° 1059 . p : 63 . Nevembre 2005 .

Mesbah

  • 1.
    ‫جديد مفهوم الفطرة‬ ‫بينات قرآنية لم تستثمر بعد‬ ‫تقديم : عثمان مصباح‬ ‫التمهيد : كل خطاب قبل أن ينظر في سياقه المقالي ، ل بد أن يحيط القارئ علما بسياقه الحالي ، وإل‬ ‫صار موردا لحتمالت شتى ، فيتولد عن ذلك خلف ل ينحصر ول ينحسم. والقرآن العظيم هو خطاب ال تعالى‬ ‫لهذا النسان ، ف ُسن الفهم عن ال ، واستنباط المعاني الصحيحة من كلمه ، وتنزيلها بحكمة على واقع الناس‬ ‫ح‬ ‫يقتضي منا المعرفة الجيدة بثلث جهات :‬ ‫‪‬حقيقة المتكلم بهذا الخطاب المنزل ، وهو ال سبحانه . وحقيقته عز وجل نعرف ما نحتاج منها من‬ ‫جملة ما أخبرنا به عن نفسه على لسان رسولـه ة .‬ ‫‪‬حقيقة الخطاب المنزل ، وهو القرآن العظيم ، فل شك أن لهذا الكتاب خصائص ليست لغيره من‬ ‫الكتب السماوية ، مع أنها كلها من عند ال ، فمنها أنه بلسان عربي وصل في البيان حد العجاز ،‬ ‫ومنها أنه الرسالة الخاتمة ، ومنها أنه ميسر للذكر ، ومنها أنه خطاب للعالمين ، ومنها أنه رحمة كله‬ ‫ليس في شرائعه إحراج ول إعنات ، بريء من كل الصار والغلل . . .‬ ‫‪‬الجهة الثالثة : حقيقة المخاطب أو المرسل إليه ، وهو النسان . وحقيقته هي المعبر عنها في القرآن‬ ‫والسنة بالفطرة .‬ ‫وهذه الصول العظمى مفروغ منها ، فهي يقينيات كبرى ، ول يتصور أن تكون مسكوتا عنها ، لن‬ ‫حاجة المة إليها في العلم والعمل حاجة ماسة ، ول يجوز أن يتصور في حق الهادي اللطيف بعباده ، الرحمن‬ ‫الرحيم أن يؤخر البيان عن وقت الحاجة . ولكن سنة ال جرت على هذه المة كما جرت على السابقين : ) إن‬ ‫الدين عند اللـه السلم ، وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إل من بعد ما جاءهم العلم بغـيا بينهم ‪ ] ‬آل عمران : ٩١‬ ‫[.‬ ‫فمزقت الهواء شمل المة ، وطمست معالم الرشد فيها أو كادت ، وصار الكتاب الهادي كالمفقود : )‬ ‫ولقد آتينا موسى الكتاب فاختُلف فيه ، ولول كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم ، وإنهم لفي شك منه مريب ‪‬‬ ‫ـ‬ ‫] فصلت : ٤٤ [‬ ‫هكذا يصـير اليقيـن شكـا ، فيندفـع المتشككون عـن مصـدر آخـر لليقيـن ، فيلتمسـه بعضهـم فيمـا يتوهمونـه‬ ‫) عقل ( ، وبعضهم فيما يتوهمونه ) كشفا ( ، فإذا بالجميع يجرون خلف السراب.‬ ‫وفـي هذا السـياق صـار مفهوم الفطرة مفهومـا يكتنفـه الغموض والضطراب إلى الحـد الذي عطـل فاعليتـه‬ ‫المنهجية . ويمكن رد قضية هذا المفهوم إلى إشكالين أساسيين :‬
  • 2.
    ‫الشكال الول :كثرة اختلف المسـلمين فـي الفطرة بعـد سـلفهم ، حتـى لقـد حكـى ابـن عبـد البر فـي كتابـه‬ ‫التمهيـد سـبع مقالت لعلماء أهـل السـنة والجماعـة ، وهذا يعنـي أنهـا أكثـر مـن ذلك )1( ، ولقـد قال المام ابـن قيـم‬ ‫الجوزية : " هذا موضع اضطربت فيه القدام ، وطال فيه النزاع والخصام " )2( .‬ ‫الشكال الثانـي : الضطراب فـي تقريـر مذهـب السـلف ، وقـد كان المعروف عـن عامـة أهـل التأويـل منهـم‬ ‫تفسـير الفطرة بالسـلم ، ول يزيدون على ذلك تفصـيل . لكـن فقهاء ومتكلميـن أثاروا حول هذا المذهـب شبهات ،‬ ‫فكان الذيـن يقولون بقول السـلف يجيبون فتختلف أجوبتهـم ، فصـار السـؤال الذي ل تكاد تجـد لــه جوابـا شافيـا هـو :‬ ‫مــا معنــى كون الفطرة هـي السـلم ؟ حتـى لقـد قال العلمــة الطاهـر بـن عاشور : " هـو معنــى لم أر مــن أتقــن‬ ‫ـ‬ ‫ـ ـ‬ ‫ـ ـ‬ ‫ـ‬ ‫ـ‬ ‫)3(‬ ‫الفصاح عنه "‬ ‫مـن هنـا يأخـذ البحـث فـي مفهوم الفطرة أهميتـه . فكيـف إذن تقلب هذا المفهوم بيـن السـلف‬ ‫والخلف ؟ وما أسـباب ذلك مـن طبائع العمران بلغـة ابن خلدون ؟ وكيـف يمكـن أن نقرر هذا المفهوم‬ ‫بما يقطع دابر اللتباس ، ول يخالف ما ترسمه السلف بتوجيه من رسول ال ا ؟‬ ‫المبحث الول : مفهوم الفطرة من الجماع إلى الختلف‬ ‫التأريخ لمفهوم الفطرة يقتضي تتبع الطوارئ التي طرأت عليه عبر الجيال ، وأول جيل يجب الوقوف‬ ‫عنده هو جيل الصحابة الكرام ، إل أن الوقفة مع هذا الجيل تقتضي استقراء النبع الذي نهلوا منه علومهم وهو‬ ‫القرآن العظيم الذي تلقوه عن رسول ال ن نصا منزل ، وحكمة وعمل .‬ ‫أول – الفطرة في القرآن لفظا ومعنى‬ ‫المطلب الول – استقراء لمادة ) فطر ( في القرآن :‬ ‫مادة: ) فطر( في القرآن الكريم تحيل على ثلثة معان4 :‬ ‫1-الـوهـي والختلل على سبيل الفساد وهو المنفي عن خلق اللـه في قولـه تعالى : ) فارجع البصر هل‬ ‫ترى من فـطـور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير ]الملك:٣-٤[ ، وهذا يعني‬ ‫‪‬‬ ‫أن الكائن منه ل يحدث إل على سبيل الصلح ، كما في قولـه تعالى:) فكيف تتقون يوما يجعل الولدان‬ ‫شيبا السماء منفطر به كان وعده مفعول ‪] ‬المزمل:٦١[ . وعلى هذا الوجه تنهدم الدنيا لتقوم الخرة: )‬ ‫والخرة خير وأبقى ‪] ‬العلى : ٧١[ .‬ ‫2-النفعال من الشق ، كـقـولـه تعالى: ) إذا السماء انفطرت ‪ ] ‬النفطار:١ [ وهـو بمعـنى: ) إذا السماء‬ ‫انشقت ] النشقاق : ١ [‬ ‫‪‬‬ ‫1) (- هي بحسب تتبعي الشخصي إحدى عشر مقالة .‬ ‫)‬ ‫2)) (- أحكام أهل الذمة : ٦٢/٢ .‬ ‫3)) (- مقاصد الشريعة السلمية : ٧٥ .‬ ‫4 - انظر المعنى الول والثاني عند الراغب الصفهاني » المفردات في غريب القرآن « : ٢٨٣. ت: محمد سيد الكيلني . ١٨٣١ هـ - ١٦٩١‬ ‫م . مصطفى البابي الحلبي وأولده بمصر‬
  • 3.
    ‫3-الخلقة المبتدأة علىغـيـر مـثـال سـابـق1 ، ومنها قولـه تعالى في عدة مواضع2 : ) فاطر السماوات‬ ‫والرض ‪ ، ‬وقولـه تعالى : ) . . . فسيقولون : من يعيدنا ؟ قل : الذي فطركم أول مرة ‪ ] ‬السراء: ١٥ [‬ ‫.‬ ‫كل هذه المعاني الثلث – سوى ما ُف َ – متصل بعضها ببعض في الوجود. فالخلق كما يستنتج من‬ ‫ني‬ ‫القرآن العظيم يمر عبر مراحل: اختلل وتداع في مخلوق سابق، يترتب عنه انشقاق يؤذن بزوال ما كان بعد‬ ‫أن يخرج منه شيء لم يكن من قبل . ثم يتدرج هذا الخارج نحو كمالـه المقدر لـه على غير مثال سابق لنفسه أو‬ ‫لنوعه . ولذلك أمثلة كثيرة في القرآن ، منها :‬ ‫قولـه تعالى : ) َلْ َنْ ُرْ ا ِن َا ُ َِى َ َا ِهِ ، ِ ّا َ َبْ َا الْ َا َ َ ّا ، ُ ّ َ َقْ َا ا َرْ َ َ ّا ، ََنْ َتْ َا ِي َا‬ ‫ف ي ظ لْ س ن إل طع م إن صب ن م ء صب ثم شق ن لْ ض شق فأ ب ن ف ه‬ ‫َ ّا ، َ ِ َ ًا َ َضْ ًا ، َ َيْ ُو ًا َ َخْ ً ، َ َ َا ِقَ ُلْ ًا َ َا ِ َ ً ََ ّا َ َا ًا َ ُمْ َ َنْ َا ِ ُمْ ‪ ] ‬عبس : ٤٢-٢٣ [‬ ‫حب وعنب وق ب وز ت ن ون ل وحد ئ غ ب وف كهة وأب مت ع لك و ِ ع مك‬ ‫ل‬ ‫فهذا النص وأمثالـه من النصوص في القرآن تأتي للدللة – بعد المتنان – على البعث والحساب ،‬ ‫ولـهذا يتصل سياقها دائما بالحديث عن اليوم الخر كما في نصنا هذا ، فإننا نجد بعده مباشرة :‬ ‫) َِ َا َا َتْ ال ّا ّ ُ ، َوْ َ َ ِ ّ الْ َرْ ُ ِنْ َ ِي ِ ، َُ ّ ِ ََ ِي ِ ، َ َا ِ َ ِ ِ َ َ ِي ِ ، ِ ُ ّ امْ ِئٍ ِنْ ُمْ َوْ َ ِذٍ‬ ‫فإذ ج ء ص خة ي م يفر م ء م أخ ه وأمه وأب ه وص حبته وبن ه لكل ر م ه ي مئ‬ ‫َأْ ٌ ُغْ ِي ِ . . . ( ] عبس : ٣٣-٧٣ [ .‬ ‫شني نه‬ ‫والمتأمل في مثل هذه اليات يلحظ التشابه بين التعبير عن وصف ما يحدث في الشهادة ، والتعبير‬ ‫عما سيحدث في التي ، وذلك من التعليم اللـهي للناس كي يعرفوا أن الخلق والعادة في قدرة اللـه على وزان‬ ‫واحد ، فهكذا يدل الشاهد على الغائب .‬ ‫وقد صار من دللت الخروج والخراج في عرف القرآن البعث والحساب ، كقولـه تعالى : ) يوم‬ ‫يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج ‪ ] ‬ق : ٢٤ [ ، وقولـه : ) ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به‬ ‫جنا ٍ و َ ّ الحصيد ، والنخ َ باسقاتٍ لـها طلع نضيد ، رزقا للعباد ، وأحيينا به بلدة ميتا ، كذلك الخروج ‪ ] ‬ق‬ ‫ل‬ ‫ت حب‬ ‫: ٩-١١ [ ، وقولـه : ) واللـه أنبتكم من الرض نباتا ، ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا ‪ ] ‬نوح : ٧١-٨١ [‬ ‫ومن المثلة على مراحل الخلق الثلثة قولـه تعالى :‬ ‫) أولم ير الذين كفروا أن السموات والرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي ‪‬‬ ‫] النبياء : ٠٣ [ .‬ ‫فهذه الية تشير إلى الصل الذي خرج منه هذا الوجود المشهود : كتلة أوهاها اختلل عظيم ، وحل‬ ‫نظامها السابق ، فانشقت بإذن ربها ليخرج منها ما لم يكن من قبل ، هذا الذي سيصيره اللـه سبحانه بعد حين‬ ‫أرضا وسبع سماوات :‬ ‫) ُلْ َ ِ ّ ُمْ َ َكْ ُ ُو َ ِاّ ِي ََقَ ا َرْ َ ِي يوْ َيْ ِ َ َجْ َُو َ لـه َن َا ًا ، َِكَ َ ّ الْ َاَ ِي َ . َ َ َ َ ِي َا‬ ‫ق أئنك لت فر ن ب لذ خل لْ ض ف َ م ن وت عل ن أ د د ذل رب ع لم ن وجعل ف ه‬ ‫رو سي م ف قه وب ر ف ه وقد ف ه أ و ته ف أ بع أي م سو ء ل س ئل ن ثم تو إل سم وه دخ ن‬ ‫َ َا ِ َ ِنْ َوْ ِ َا َ َا َكَ ِي َا َ َ ّرَ ِي َا َقْ َا َ َا ِي َرْ َ َةِ َ ّا ٍ َ َا ً ِل ّا ِِي َ . ُ ّ اسْ َ َى َِى ال ّ َاءِ َ ِيَ ُ َا ٌ‬ ‫1 - انظر فتح الباري : ٦١٤/٠١ . لبن حجر‬ ‫2 - انظر : النعام : ٥١ . ويوسف : ١٠١ . وإبراهيم : ٣١ . وفاطر : ١ . والزمر : ٣٤ . والشورى : ٩ .‬
  • 4.
    ‫وللْ ض اتي ط ْع َ ك ه ق لت أت ن ط ئع فقض هن س ع سم و ت ف ي م ن وأ ح ف كل‬ ‫َ َا َ لـها َِ َرْ ِ ِي ِ َا َو ًا أوْ َرْ ًا َاَ َا َ َيْ َا َا ِ ِينَ َ َ َا ُ ّ َبْ َ َ َا َا ٍ ِي َوْ َيْ ِ ََوْ َى ِي ُ ّ‬ ‫فق ل‬ ‫َ َا ٍ َمْ َ َا َ َ ّ ّا ال ّـ َـاءَ الـ ّنْـ َا ِـ َ َا ِي َ َ ِـفْـ ًا َِكَ َقْ ِي ُ الْـ َـ ِيزِ الْ َِي ِ ‪ ] ‬فصلت : ٨-١١ [‬ ‫د ي ب مص ب ح وح ظ ذل ت د ر ع ز عل م‬ ‫سم ء أ ره وزين س م‬ ‫فهذا التركيب الكوني المدهش والعظيم خرج من رحم مادة كانت متجمعة قبلـه ، ثم انتقل بعد ذلك‬ ‫طورا فطورا حتى استوى واكتمل ، وهذا شأن كل المخلوقات : ) الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى ‪‬‬ ‫] العلى : ٢-٣ [ ، ‪ ‬يا أيها النسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك ، فسواك ، فعدلك في أي صورة ما شاء‬ ‫ركبك ‪ ] ‬النفطار : ٦-٨ [ ، ‪ ‬ما لكم ل ترجون للـه وقارا وقد خلقكم أطـوارا ‪ ] ‬نوح : ٣١-٤١ [ .‬ ‫فالخلق إذن ل يوجد دفعة واحدة وبدون مقدمات ، بل يخرج بعضه من بعض1 ، ويكتمل عبر صيرورة‬ ‫تكوينية ، وهذه الصيرورة التكوينية نوعان :‬ ‫الولى : صيرورة تسخير ، قال تعالى : ) هو الذي خلق لكم ما في الرض جميعا ثم استوى إلى‬ ‫السماء فسواهن سبع سموات وهو بكل شيء عليم ‪ ] ‬البقرة : ٨٢ [ ، وتفصيل هذه الية في سورة فصلت ، وقد‬ ‫أوردناه سابقا .‬ ‫الثانية : صيرورة ابتلء ، الكمال فيها موقوف على إرادة النسان ، مشروط بمجاهداته : ) والذين‬ ‫جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ‪ ] ‬العنكبوت : ٩٦ [ ، ‪ ‬وقل جاء الحق من ربكم فمن شاء فليومن ومن شاء فليكفر ‪] ‬‬ ‫الكهف : ٩٢ [ ، ‪ ‬الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عمل ‪ ] ‬الملك : ٢ [ ، ‪ ‬ونفس وما سواها‬ ‫فـألـهـمـهـا فجورها وتقواها ، قد أفلح من زكاها ، وقد خاب من دساها ‪ ] ‬الشمس : ٧-٠١ [ .‬ ‫هذه الضواء التي سلطناها على لفظ ) فطر ( في القرآن تفيدنا :‬ ‫1-أن ) ال َـطـْرَ( أخـص مـن الخلق ، إذ هـو يتعـلق بالبداية التي تقـترن فيها ثلثة أحوال : اختلل شيء اختلل‬ ‫ف‬ ‫عظيما بحيث يحدث عنه انشقاق يسمح بخروج شيء بديع ليس هو نفس الشيء المختل . ومعلوم أن هذه‬ ‫الطوار تتبعها أطوار أخرى في الخلق ، كالتسوية والتعديل والتصوير التي ذكرت في سورة النفطار .‬ ‫2-أن ) ال َـطـْرَ( عام وخاص ، فالعام هو الذي كان بإخراج السموات والرض ، والخاص هو الذي يتكرر مع‬ ‫ف‬ ‫ولدة كل إنسان . وظني أن الراغب الصفهاني )ت : ٢٠٥ هـ( رحمه ال قد انطلق من شعور واضح بمثل‬ ‫هـذا حين قال : " ) فطر ال الخلق ( وهو إيجاده الشيء وإبداعه على هيئة مترشحة لفعل من الفعال "2.‬ ‫فجعل هذا الكلم تعريفا عاما يشمل كل الخلق ، ثم انتقل إلى تعريف الفطرة النسانية خاصة .‬ ‫3-أن )فطرة( السموات والرض –إذا صح هذا التعبير– مقصودة لغيرها ، أي لخراج )فطرة( النسان ،‬ ‫ولـهذا كانت الفطرة الولى مفروغا منها ، ل يحيد مسارها قيد أنملة عما رشحت لـه . أما الثانية – وهي‬ ‫فطرة النسان – فشرط كمالها اليمان بالرسل والقتداء بهديهم ، لنها فطرة مستخلف ممتحن، قال تعالى : )‬ ‫كل والقمر ، والليل إذ أدبر ، والصبح إذا أسفر ، إنها لحدى الكبر ، نذيرا للبشر ، لمن شاء منكم أن يتقدم‬ ‫أو يتأخر ‪ ] ‬المدثر : ٢٣-٧٣ [‬ ‫1 - ليس مقصودي بهذا الكلم أن أنواع الحيوان خرجت من أصل واحد كما زعم دارون ، وإنما المراد أن ) الخلق ( كما فهمت من القرآن هو‬ ‫إخراج من مواد جزئية سابقة متعينة في الوجود الخارجي ، خلفا لما زعمه الفلسفة قديما في مـادة الـكـون التي يـسـمـونـها ) الـهيولى ( .‬ ‫2 - المفردات في غريب القرآن : ٢٨٣ .‬
  • 5.
    ‫4-أن )الفطرة( النسانيةل معنى لـها خارج سياقها الكوني الذي هو )فطرة( السموات والرض ، ومن هنا كان‬ ‫ل بد لنا من الكلم أول عن حقيقة ما فطر اللـه عليه السموات والرض .‬ ‫المطلب الثاني – ما فطر اللـه عليه السموات والرض :‬ ‫سنجد هذا المعنى إذا أجبنا عن السؤال التالي :‬ ‫لـمـاذا خـلـق اللـه الـسـمـوات والرض ؟‬ ‫والجواب مبسوط في عدة آيات من القرآن العظيم ، فمن ذلك :‬ ‫•قولـه تعالى : ) أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة ، إن هو إل نذير مبين . أولم ينظروا في ملكوت‬ ‫السموات والرض وما خلق اللـه من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلـهم ؟! فبأي حديث بعده‬ ‫يومنون ‪ ] ‬العراف : ٤٨١-٥٨١ [‬ ‫•وقولـه : ) اللـه الذي خلق سبع سموات ومن الرض مثلـهن ، يتنزل المر بينهن لتعلموا أن اللـه على‬ ‫كل شيء قدير وأن اللـه قد أحاط بكل شيء علما ‪ ] ‬الطلق : ٢١ [ .‬ ‫•وقولـه : ) أولم يروا أن اللـه الذي خلق السموات والرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي‬ ‫الموتى ؟ بلى ! إنه على كل شيء قدير ‪ ] ‬الحقاف : ٢٣ [‬ ‫•وفي ] آل عمران :٠٩١-١٩١ [: ) إن في خلق السموات والرض واختلف الليل والنهار ليات لولي‬ ‫اللباب ، الذين يذكرون اللـه قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والرض ، ربنا ما‬ ‫خلقت هذا باطل سبحانك فقنا عذاب النار ‪‬‬ ‫•وفي ] الجاثية : ٢١ [ : ) سخر لكم ما في السموات وما في الرض جميعا منه ، إن في ذلك ليات لقوم‬ ‫يتفكرون ‪‬‬ ‫هذه اليات مجرد نماذج ، وغيرها في القرآن كثير ، وكلـها يجمعها قولـه تعالى : ) وما خلقنا السموات‬ ‫والرض إل بالحق ‪ ] ‬الحجر : ٥٨ [ ، والحق الذي خلقت به السموات والرض مركب من مقصدين :‬ ‫الول : النتصاب لمتحان الناس عبر أدوار استخلفية ، وهذا يستلزم نهاية لـهذه الدنيا ، وبعثا وحسابا‬ ‫وجزاء .‬ ‫الثاني : الشهادة لما جاءت به الرسل ، ولما خلق لجلـه الناس . أي الدللة على اللـه عز وجل ، لن هذه‬ ‫الشهادة ما هي في حقيقتها إل تجل لسمائه الحسنى .‬ ‫ولجل هذين المقصدين العظيمين تضمن الحق الذي في بنية السموات والرض أيضا أمرين تابعين :‬ ‫الول : قابلية الرتفاق ، فاللـه تعالى جعل هذا الكون موطأ الكناف ليحتضن في رفق وسلسة هذا‬ ‫النسان المستخلف ، وسخر لـه القوى المذخورة فيه من حيث يعلم ومن حيث ل يعلم.‬ ‫المر الثاني : قابلية التعقل ، فآفاق السموات والرض ليست ألغازا مستغلقة ، بل هي كتاب مفتوح ، من‬ ‫قرأه وتفكر فيه تعرف على ربه ، وسبح بحمده ، ونزهه عن العبث الذي من اعتقده لجهلـه تجرأ أعظم من تجرئ‬
  • 6.
    ‫اللئام : )يا أيها النسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك ؟! كل بل‬ ‫تكذبون بالدين ‪ ] ‬النفطار : ٦-٩ [ .‬ ‫فبنية السموات والرض هي بالضرورة بنية غائية ، ولـهذا فالذين انحصرت أبصارهم في بعض من‬ ‫ظواهرها ، وعطلوا السباب عن غاياتها ، وفرحوا بما عندهم من العلم ، هم في الحقيقة بمثابة من ل يعلم شيئا ،‬ ‫يقول تعالى : ) . . . َعْ َ اللـه ، ل ُخل ُ اللـه َعْ َ ُ ولكن أكثر الناس ل يعلمون ، يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا‬ ‫و ده‬ ‫ي ف‬ ‫و د‬ ‫وهم عن الخرة هم غافلون . أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق اللـه السموات والرض وما بينهما إل بالحق وأجل‬ ‫مسمى ، وإن كثيرا من الناس بلـقـاء ربهـم لـكـافـرون ‪ ] ‬الروم :٥-٧ [‬ ‫فهذا – واللـه أعلم – هو الحق الذي فطرت عليه السموات والرض ، ودعي النسان المستخلف إلى‬ ‫موافقته ، لن هذا الحق :‬ ‫–هو شرط بقائه : ) ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والرض ومن فيهن ‪] ‬المومنون : ٢٧[‬ ‫–وهو شرط لصلح معاشه : ) ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا‬ ‫لعلـهم يرجعون ‪ ] ‬الروم : ٠٤ [‬ ‫–وهو شرط سعادته الدنيوية والخروية : ) أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلـهم كالذين آمنوا وعملوا‬ ‫الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون . وخلق اللـه السماوات والرض بالحق ولتجزى كل نفس‬ ‫بما كسبت وهم ل يظلمون ‪] ‬الجاثية:٠٢-١٢[‬ ‫المطلب الثالث – معنى الفطرة النسانية في القرآن :‬ ‫ليس المقصود في هذه الفقرة أن نحسم – قبل الوان – هذه المسألة التي هي من معضلت الفكر‬ ‫السلمي ، فل زال أمامنا سبح طويل قبل أن نصل إلى ذلك المبتغى ، ولكن بدا لي أن ل بأس من التعجيل برؤية‬ ‫أولية تسهل تتبع ما هو آت من مباحثات ، وعليه أقول :‬ ‫نص القرآن بصريح العبارة على لفظ ) الفطرة ( في آية واحدة ، وهي التي في سورة الروم ، قال عز‬ ‫وجل : ) فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة اللـه التي فطر الناس عليها ل تبديل لخلق اللـه ، ذلك الدين القيم ولكن أكثر‬ ‫الناس ل يعلمون ‪[٢٩] ‬‬ ‫والية واضحة الدللة على أن الفطرة التي فطر الناس عليها ، والتي ل تبديل لـها هي إقامة الوجه للدين‬ ‫حنيفا .‬ ‫وفيما سوى هذا الموضع لم ترد في القرآن إل إشارات إلى معنى الفطرة التي فطر ال الناس عليها ،‬ ‫ومن ذلك قولـه عز وجل : ) َ َاُوا ُوُوا ُو ًا َوْ َ َا َى َهْ َ ُوا . ُلْ َلْ ِّ َ ِبْ َا ِيمَ َ ِي ًا َ َا َا َ ِنْ‬ ‫وق ل ك ن ه د أ نص ر ت تد ق ب ملة إ ر ه حن ف وم ك ن م‬ ‫ق ل من ب وم أ زل إل ن وم أ زل إل إ ر ه وإ م ع ل وإ ح وي ق ب و لْ ب وم أ تي‬ ‫الْ ُشْ ِ ِينَ . ُوُوا آ َ ّا ِاللـه َ َا ُن ِ َ َِيْ َا َ َا ُن ِ َ َِى ِبْ َا ِيمَ َِسْ َا ِي َ َِسْ َاقَ َ َعْ ُو َ َا َسْ َاطِ َ َا ُو ِ َ‬ ‫م رك‬ ‫ُو َى َ ِي َى َ َا ُو ِ َ ال ّ ِيئو َ ِنْ َ ّ ِمْ َ ُ َ ّ ُ َيْ َ َ َ ٍ ِنْ ُمْ َ َح ُ لـه ُسِْ ُو َ . َِنْ آ َ ُوا ِ ِثْ ِ َا آ َن ُمْ‬ ‫م س وع س وم أ تي نب ن م ربه ل نفرق ب ن أحد م ه ون ْن م لم ن فإ من بم ل م م ت‬
  • 7.
    ‫ِ ِ ََدْ اهْ َ َوا َإنْ َ َّوْا َِ ّ َا ُمْ ِي ِ َاقٍ َ َ َكْ ِي َ ُمْ اللـه َ ُ َ ال ّ ِي ُ الْ َِي ُ . ِبْ َةَ اللـه َ َنْ َحْ َ ُ ِنْ اللـه‬ ‫وم أ سن م‬ ‫وهو سم ع عل م ص غ‬ ‫به فق تد وِ تول فإنم ه ف شق فسي ف كه‬ ‫ِبْ َةً َ َحْ ُ لـه َا ِ ُو َ ‪ ] ‬البقرة : ٤٣١-٧٣١ [‬ ‫ص غ ون ن ع بد ن‬ ‫فقولـه تعالى:) صبغة اللـه ‪ ‬بعد قولـه:) قل بل ملة إبراهيم حنيفا ‪ ‬كقولـه:) فطرة اللـه ‪ ‬بعد قولـه : ) فأقم‬ ‫وجهك للدين حنيفا ‪ . ‬وبهذا التفسير صرح طائفة من السلف رضي اللـه عنهم1. وقولـه تعالى:) َ َنْ َحْ َ ُ ِنْ‬ ‫وم أ سن م‬ ‫اللـه ِبْ َ ً ‪ ‬كقولـه:) لقد خلقنا النسان في أحسن تقويم ‪ ] ‬التين : ٤ [ .‬ ‫ص غة‬ ‫والفرق بين الصبغة والفطرة كما يبدو من سياقهما في القرآن ، أن صبغة اللـه تحصل حينما يختار النسان لنفسه‬ ‫أن يكون على الفطرة . أو كما قيل أن يكون عبدا للـه اختيارا ، كما هو عبد للـه اضطرارا ، واللـه تعالى أعلم .‬ ‫وفي معنى الفطرة أيضا جاء قولـه تعالى : ) َِذْ َ َ َ َ ّكَ ِنْ َ ِي آ َ َ ِنْ ُ ُو ِ ِمْ ُ ّيا ِ ُمْ ََشْ َ َ ُمْ‬ ‫وإ أخذ رب م بن دم م ظه ره ذر ته وأ هده‬ ‫ََى َن ُ ِ ِمْ ََسْ ُ ِ َ ّ ُمْ ؟ َاُوا : ََى َ ِدْ َا ‪ ] ‬العراف : ٢٧١ [‬ ‫عل أ فسه أل ت بربك ق ل بل شه ن‬ ‫و ) الخذ ( المذكور في هذه الية هو الذي يقع بالميلد المشار إليه في قولـه صلى اللـه عليه وسلم : »‬ ‫كل مولود يولد على الفطرة « .‬ ‫وأما ) الشهاد ( فهو ما يجده النسان في نفسه إذا عقل من القرار للـه تعالى بالربوبية . والقرآن مليء‬ ‫بالسئلة التقريرية التي تؤكد حصول هذا ) الشهاد ( بالفعل ، كقولـه تعالى:) ولئن سألتهم : من خلق السموات‬ ‫والرض ؟ ليقولن : اللـه ! قل أفرأيتم ما تدعون من دون اللـه إن أرادني اللـه بضر هل هن كاشفات ضره أو‬ ‫أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته ؟ قـل حـسـبـي اللـه عـلـيه يتوكل المتوكلون ‪ ] ‬الزمر : ٦٣ [‬ ‫فُلزموا حجة التوحيد وبطلن الشرك بناء على اعترافهم بالربوبية للـه تعالى .‬ ‫أ‬ ‫فإذا اجتمع القراران في قلب واحد كان – مع صدر صاحبه – هو المقصود بالمثل المضروب في قولـه‬ ‫تعالى : ) اللـه ُو ُ ال ّ َا َا ِ َا َرْ ِ ، َ َ ُ ُو ِ ِ َ ِشْ َا ٍ ِي َا ِصْ َا ٌ ، الْ ِصْ َا ُ ِي ُ َا َةٍ ، ال ّ َا َ ُ ََ ّ َا‬ ‫زج جة كأنه‬ ‫ن ر سم و ت و لْ ض مثل ن ره كم ك ة ف ه م ب ح م ب ح ف زج ج‬ ‫َوْ َ ٌ ُ ّ ّ ُو َ ُ ِنْ َ َ َةٍ ُ َا َ َ ٍ َيْ ُو ِ ٍ َ َرْ ِ ّةٍ َ َ َرْ ِ ّةٍ َ َا ُ َيْ ُ َا ُ ِي ُ َلوْ َمْ َمْ َسْ ُ َا ٌ ، ُو ٌ ََى‬ ‫ك كب دري ي قد م شجر مب ركة ز ت نة ل ش قي ول غ بي يك د ز ته يض ء وَ ل ت س ه ن ر ن ر عل‬ ‫ُو ٍ ، َهْ ِي اللـه ِ ُو ِ ِ َنْ َ َا ُ ، َ َضْ ِ ُ اللـه ا َمْ َا َ ِل ّاسِ ، َاللـه ِ ُ ّ َيْ ٍ َِي ٌ ‪ ] ‬النور : ٥٣ [‬ ‫و بكل ش ء عل م‬ ‫لْ ث ل ل ن‬ ‫لن ره م يش ء وي رب‬ ‫ن ر يد‬ ‫قال ابن القيم رحمه اللـه :‬ ‫" ) المشكاة ( صدر المؤمن .‬ ‫و) الزجاجة ( قلبه . شبه قلبه بالزجاجة لرقتها ، وصفائها ، وصلبتها. . .‬ ‫و) المصباح ( هو نور اليمان في قلبه .‬ ‫و) الشجرة المباركة ( هي شجرة الوحي المتضمنة للـهدى ودين الحق ، وهي مادة المصباح التي يتقد‬ ‫منها .‬ ‫و) النور على النور ( نور الفطرة الصحيحة والدراك الصحيح ونور الوحي والكتاب ، فينضاف أحد‬ ‫النورين إلى الخر فيزداد العبد نورا على نور . ولـهذا يكاد ينطق بالحق والحكمة قبل أن يسمع ما فيه بالثر ، ثم‬ ‫يبلغه الثر بمثل ما وقع في قلبه ونطق به ، فيتفق عنده شاهد العقل والشرع ، والفطرة والوحي "2 .‬ ‫1 - انظر تفسير الطبري :٠٧٥/١-٢٧٥. ت: مصطفى مسلم محمد . ط ١ / ٥٠٤١ هـ . دار الفكر ، بيروت‬ ‫2 - اجتماع الجيوش السلمية على غزو المعطلة والجهمية:٣١-٤١. دار الكتب العلمية، بيروت ، ط ١ /٤٠٤١هـ -٤٨٩١ م‬
  • 8.
    ‫ثانيا – تقريرالسنة لمعنى الفطرة :‬ ‫السنة النبوية هي المدرسة التي تلقى فيها الصحابة تعاليم القرآن ، ورأوا كيف كان عليه الصلة والسلم‬ ‫ينزل معانيه على الواقع ، فتتسع بذلك مداركهم ، وتتقوى عندهم ملكة الفهم والتأويل . وقد دل الستقراء1 على‬ ‫أن الفطرة استعملت في نصوص السنة للدللة على معنيين :‬ ‫الول الهيئة التي يولد عليها كل الناس ، وهي هيئة محمودة ، ورد النهي عن تغييرها . ومما جاء في هذا‬ ‫المعنى الحديث المشهور الذي ل تكاد تخلو منه الجوامع والسنن والمسانيد وغيرها من دواوين السنة ، ومن‬ ‫م ِ م ل إل ي لد عل ْف ر فأبو ه‬ ‫ألفاظه ما رواه البخاري عنْ َ ِي ُ َيْ َ َ َالَ : َا َ َ ُو ُ اللـه ه: َا منْ َوُْودٍ ِ ّ ُوَ ُ ََى ال ِطْ َةِ ، ََ َ َا ُ‬ ‫ق ل رس ل‬ ‫َ أب هر رة ق‬ ‫ُ َ ّ َا ِ ِ َ ُ َ ّ َا ِ ِ ، َ َا ُنْ ِ ُو َ الْ َ ِي َةَ ، َلْ َ ِ ُو َ ِي َا ِنْ َدْ َا َ َ ّى َ ُو ُوا َنْ ُمْ َجْ َ ُو َ َا ؟ 2 .‬ ‫يهود نه وينصر نه كم ت تج ن به م ه تجد ن ف ه م ج ع ء حت تك ن أ ت ت دع نه‬ ‫م م م ل د إل ي لد عل ف رة فأبو ه‬ ‫وأخرج مسلم عنْ أبي هريرة أيضا َالَ : َا َ َ ُو ُ اللـه ج َا ِنْ َوُْو ٍ ِ ّ ُوَ ُ ََى الْ ِطْ َ ِ ، ََ َ َا ُ‬ ‫ق ل رس ل‬ ‫ق‬ ‫َ‬ ‫ُ َ ّ َا ِ ِ ، َ ُ َ ّ َا ِهِ ، َ ُ َ ّ َا ِهِ3 .‬ ‫يهود نه وينصر ن ويشرك ن‬ ‫ومن ألفاظ المام مسلم في هذا الحديث :‬ ‫– َا منْ َوُْو ٍ ُوَ ُ ِ ّ َ ُ َ ََى الْ ِّ ِ .‬ ‫م ِ م ل د ي لد إل وهو عل ملة‬ ‫–. . . ِ ّ ََى َ ِ ِ الْ ِّ ِ َ ّى ُ َ ّنَ َنْ ُ ِ َا ُ ُ .‬ ‫إل عل هذه ملة حت يبي ع ه لس نه‬ ‫–َيْ َ ِنْ َوُْودٍ ُوَ ُ ِ ّ ََى َذ ِ الْ ِطْ َ ِ َ ّى ُ َ ّرَ َن ُ ِ َا ُ ُ4 .‬ ‫ل س م م ل ي لد إل عل ه ِه ف رة حت يعب ع ْه لس نه‬ ‫– َنْ ُوَ ُ ُوَ ُ ََى َ ِ ِ ال ِطْ َةِ5 .‬ ‫م ي لد ي لد عل هذه ْف ر‬ ‫وأخرج مسلم في صحيحه َنْ ِ َا ِ بْ ِ ِ َارٍ الْ ُ َا ِ ِي َ ّ َ ُو َ اللـه ج َالَ فيما يروي عن ربه :‬ ‫ق‬ ‫ع عي ض ن حم مج شع ّ أن رس ل‬ ‫ِ ّي َلقْ ُ ِ َا ِي ُ َ َا َ ُلـهمْ ، َِ ّ ُمْ َ َتْ ُ ُ ال ّ َا ِي ُ َاجْ َاَتْ ُمْ عنْ ِي ِ ِمْ ، َ َ ّ َتْ ََيْ ِمْ َا َحَلْ ُ لـهمْ ،‬ ‫وإنه أت هم شي ط ن ف ت ل ه َ د نه وحرم عل ه م أ ْل ت‬ ‫إن خَ ت عب د حنف ء ك‬ ‫ََ َ َتْ ُمْ َنْ ُشْ ِ ُوا ِي َا َمْ ُنْ ِلْ ِ ِ ُلْ َا ًا 6 .‬ ‫وأمر ه أ ي رك ب م ل أ ز به س ط ن‬ ‫وفي مسند أحمد ع ِ ا َسْ َدِ ب ِ َ ِيعٍ َ ّ َ ُو َ اللـه ي َ َ َ َ ِ ّةً َوْ َ ُ َيْ ٍ ، َ َا َُوا الْ ُشْ ِ ِينَ ،‬ ‫بعث سري ي م حن ن فق تل م رك‬ ‫َن لْ و ْن سر أن رس ل‬ ‫ََفْضَى ِ ِ ُ الْ َتْ ُ َِى ال ّ ّ ّ ِ ، ََ ّا َا ُوا َا َ َ ُو ُ اللـه َّى اللـه ََي ِ َ َّمَ : َا َ ََ ُمْ ََى َتْ ِ ال ّ ّ ّ ِ ؟‬ ‫عل ْه وسل م حملك عل ق ل ذرية‬ ‫صل‬ ‫بهم ق ل إل ذرية فلم ج ء ق ل رس ل‬ ‫فأ‬ ‫َاُوا َا َ ُو َ اللـه ! ِ ّ َا َا ُوا أوْ َ َ الْ ُشْ ِ ِينَ . َالَ : أ َ َلْ ِ َا ُ ُمْ ِ ّ أوْ َ ُ الْ ُشْ ِ ِينَ ! َاّ ِي َفْ ُ ُ َ ّدٍ‬ ‫و لذ ن س محم‬ ‫َوه خي رك إل َ لد م رك‬ ‫ق‬ ‫إنم ك ن َ لد م رك‬ ‫ق ل ي رس ل‬ ‫ِ َ ِ ِ ، َا ِنْ َ َ َ ٍ ُوَ ُ ِ ّ ََى الْ ِطْ َ ِ َ ّى ُعْ ِبَ َنْ َا ِ َا ُ َا7 .‬ ‫بيده م م نسمة ت لد إل عل ف رة حت ي ر ع ه لس نه‬ ‫أما المعنى الثاني الذي دلت عليه الفطرة في السنة فهو دين السلم ، فقد ورد أن الفطرة هي صفة محمد‬ ‫وصفة أمته ، فقد أخرج البخاري في كتاب المناقب عن َاِكِ بْ ِ َعْ َ َ َ َ ِي اللـه َنْه َ ّ َ ِ ّ اللـه‬ ‫ع أن نبي‬ ‫م ل ن ص صعة رض‬ ‫َ ّ َ ُمْ َنْ َيْل ِ ُسْ ِيَ ِ ِ : ُ ّ ُ ِي ُ ِِ َا ٍ ِنْ َمْ ٍ َِ َا ٍ ِنْ َ َ ٍ َِ َا ٍ ِنْ َ َلٍ ََ َذْ ُ الّب َ َ َالَ ِ َ الْ ِطْ َ ُ اّ ِي‬ ‫حدثه ع ل َة أ ر به ثم أت ت بإن ء م خ ر وإن ء م لبن وإن ء م عس فأخ ت ل َن فق هي ف رة لت‬ ‫َنْ َ ََيْ َا َُ ّ ُ َ8 .‬ ‫أ ت عل ه وأمتك‬ ‫1 - الحاديث الواردة في الفطرة كثيرة ل يتسع المجال هاهنا لسردها ، وسنكتفي ببعض منها.‬ ‫2 - صحيح البخاري ، رقم الحديث : ٩٩٥٦ . وانظر أيضا : ٨٥٣١، ٩٥٣١ ، ٥٧٧٤ .‬ ‫3 - صحيح مسلم ، رقم الحديث : ٥٠٨٤ . وانظر أيضا : ٣٠٨٤ ، ٤٠٨٤ ، ٦٠٨٤ .‬ ‫4 - مسلم : ٥٠٨٤ .‬ ‫5 - مسلم : ٦٠٨٤ .‬ ‫6 - مسلم : ٩٠١٥ .‬ ‫7 - أحمد : ٦٣٠٥١ . قال ابن عبد البر : هو حديث بصري صحيح ] التمهيد : ٨٦/٨١ [ .‬ ‫8 - البخاري : ٨٩٥٣ .‬
  • 9.
    ‫وفي لفظ آخرعنده : ََ َذْ ُ اّ ِي ِي ِ الّ َ ُ َ َ ِبْ ُ . َ ِيلَ ِي : َ َبْتَ ال ِطْ َةَ َنْ َ َُ ّ ُكَ9 .‬ ‫فأخ ت لذ ف ه لبن فشر ت فق ل أص ْف ر أ ت وأمت‬ ‫ويدخل ضمن هذا المعنى الثاني ما ورد من الحث على لزوم الفطرة ، ومن ذلك قوله ل : َمْ ٌ ِ َ‬ ‫خ س من‬ ‫الْ ِطْ َة الْ ِ َا ُ َا ِسْ ِحْ َا ُ َ َتْ ُ ا ِبْ ِ َ َقِْي ُ ا َظْ َارِ َ َ ّ ال ّا ِبِ2 .‬ ‫ف ر ِ خت ن و ل ت د د ون ف لْ ط وت ل م لْ ف وقص ش ر‬ ‫ومنها الدعاء المعروف : َصْ َحْ َا ََى ِطْ َةِ ا ِسْ َمِ ، َ َِ َ ِ ا ِخْ َ ِ ، َ ُ ّ ِ َ ِ ّ َا ُ َ ّدٍ َّى اللـه‬ ‫أ ب ن عل ف ر لْ ل وكلمة لْ لص وسنة نبين محم صل‬ ‫ََيْ ِ َ َّمَ ، َ ِّ ِ َ ِي َا ِبْ َا ِيمَ َ ِي ًا ُسِْ ًا َ َا َا َ ِ َ الْ ُشْ ِ ِينَ 3.‬ ‫عل ه وسل وملة أب ن إ ر ه حن ف م لم وم ك ن من م رك‬ ‫و َنْ َرْ َدِ بْ ِ َبْدِ اللـه َالَ : َ ّا َ ِمَ ََيْ َا َ ُو َ ّو َ َا ِ ًا ، َعقْ َ ُ بْ ُ َا ِرٍ َوْ َ ِ ٍ ََى ِصْرَ ، ََ ّرَ‬ ‫فأخ‬ ‫لم قد عل ن أب أي ب غ زي و ُ بة ن ع م ي مئذ عل م‬ ‫ق‬ ‫ع م ث نع‬ ‫الْ َغْ ِبَ ، َ َا َ َِيْ ِ َ ُو َ ّو َ َ َا َ لـه : َا َ ِ ِ ال ّ َ ُ َا ُقْب ُ ؟ َ َالَ : ُ ِلْ َا . َالَ : َ َا َ ِعْتَ َ ُو َ اللـه َ‬ ‫أم سم رس ل‬ ‫شغ ن ق‬ ‫م هذه صلة ي ع َة فق‬ ‫فق م إل ه أب أي ب فق ل‬ ‫مر‬ ‫4‬ ‫أ ق عل ف ر م ل يؤخر م رب إل َ ت تب نج م‬ ‫َ ُو ُ : َ َ َا ُ ُ ّ ِي ِ َيْرٍ ، َوْ َالَ ََى الْ ِطْ َةِ ، َا َمْ ُ َ ّ ُوا الْ َغْ ِ َ َِى أنْ َشْ َ ِكَ ال ّ ُو ُ‬ ‫يق ل ل تز ل أمت بخ‬ ‫وأما الثار الواردة عن الصحابة – وهي كثيرة – فل تخرج عن هذين المعنيين . وقد استمرت هذه‬ ‫الوراثة الصالحة في جيل التابعين والتباع ، والنصوص الدالة على ذلك من أقوالهم كثيرة أيضا ل يتسع المجال‬ ‫لذكرها .‬ ‫والحاصل أنه لم يعرف عن سلف المة خلل الجيال الثلثة الولى خـروج عن هذا المعنى في‬ ‫استعمال لفظ ) الفطرة ( ، بل نقل ابن عبد البر النمري ) ت : ٣٦٤ هـ ( إجماع أهل التأويل منهم على تفسير‬ ‫) الفطرة ( بالسلم5 . وهذا ما يستفاد من صنيع ابن جرير الطبري ) ت : ٠١٣ هـ ( في تفسير آية الفطرة من‬ ‫سورة الروم ، إذ لم يذكر فيها خلفا .‬ ‫ظهور الختلف في الفطرة وأسبابه‬ ‫ظهر الخلف في ) الفطرة ( ظهورا بينا في المائة الثالثة للـهجرة ، وأول من وثق هذا الخلف المام‬ ‫محـمـد بن نصـر الـمـروزي ) ت : ٤٩٢ هـ ( ، فـقـد حـكى سبع مـقـالت فـي ) الفطرة ( ، وعنه نقل المام ابن‬ ‫عبد البر6 ) ت: ٣٦٤ هـ( في التمهيد والستذكار ، وقال في وصف هذا الختلف العجيب في الفطرة 7 : "‬ ‫اختلف العلماء فيها ، واضطربوا في معناها ، وذهبوا في ذلك مذاهب متباينة ، ونزعت كل فرقة منهم في ذلك‬ ‫8‬ ‫بظاهر آية أو نص حديث "‬ ‫إن الذين يتحدث عنهم ابن عبد البر هاهنا ل يدخل فيهم عنده من كان من أهل البدع الحادثة ، بدليل أنه‬ ‫قال بعد سرد المذاهب : " فهذا ما انتهى إلينا عن العلماء أهل الفقه والثر ، وهم الجماعة ، في تأويل حديث‬ ‫رسول اللـه ل » كل مولود يولد على الفطرة « وأما أهل البدع فمنكرون لكل ما قالـه العلماء"9. وهذا الكلم‬ ‫يعني أن مقالت الناس في الفطرة هي أكثر من سبعة ، وهذا من أعجب ما وقع من الخلف في أصل من أصول‬ ‫الدين !‬ ‫9 - البخاري : ٩٧١٥ .‬ ‫2 - البخاري : ٩٣٤٥ . مسلم : ٧٧٣ .‬ ‫3 - أحمد : ٩١٢٠٢ . وانظر أيضا : ١٢٨٤١ ، ٨١٨٤١ .‬ ‫4 - أبو داود : ٤٥٣ .‬ ‫5 - انظر تفسير الطبري عند قولـه تعالى من سورة الروم:) فطرة اللـه التي فطر الناس عليها ٠٤/١٢‪ .٤١-‬والتمهيد لبن عبد البر : ٢٧/٨١ .‬ ‫6 - صرح ابن عبد البر بذلك في كتاب الستذكار : ٠٩٣/٨. ت: عبد المعطي أمين قلعجي . ط ١/ ٤١٤١هـ – 3991م. القاهرة‬ ‫7 - ويحتمل أن يكون هذا القول من كلم ابن نصر نفسه ، فلم يميز ابن عبد البر كلمه عن كلمه ، ولكنه قال في خاتمته : " وكل ما ذكرناه قد ذكره أبو عبد‬ ‫ال محمد بن نصر المروزي فيما وصفنا في معنى الحديث المذكور " أي حديث الفطرة ]الستذكار :٠٩٣/٨ [‬ ‫8 - التمهيد : ٦٦/٨١‬ ‫9 - نفسه : ٤٩/٨١-٥٩‬
  • 10.
    ‫وقال ابن رشدالجد ) ت: ٠٢٥ هـ(:" هذه مسألة قد اختلف أهل العلم فيها اختلفا كثيرا"1.‬ ‫وقال ابن تيمية ) ت: ٨٢٧ هـ( عن الخائضين في هذا الباب :" إنهم تشعبوا في حديث الفطرة "2 ، وقد‬ ‫بين تلميذه ابن القيم ) ت: ١٥٧ هـ( حقيقة هذا التشعب حين قال : " هذا موضع اضطربت فيه القدام ، وطال فيه‬ ‫النزاع والخصام"3.‬ ‫والسؤال الذي يلح في هذا المقام هو : كيف حدث هذا الختلف في الفطرة بعد الجماع القديم؟‬ ‫مما ل شك فيه أن لهذا الختلف العجيب ملبسات تاريخية ومنهجية ، وقد وجدت بالتتبع أن أسباب‬ ‫اضطراب هذا المفهوم يمكن ردها إلى ما يلي :‬ ‫أول– انفصال العلم عن العمل في حياة المة .‬ ‫ثانيا– استعمال السرائيليات في توجيه معاني القرآن .‬ ‫ثالثا– انتشار الخوض في القدر.‬ ‫رابعا– دخول الفلسفة إلى العالم السلمي .‬ ‫فهذه السباب في رأيي هي التي أدت إلى تشويش الرؤية ، واضطراب النظر، وتبدل الموازين التي جاء‬ ‫بهــا القرآن ، وجرت عليهـا السـنة ، ومضـى عليهـا السـلف الولون . والشأن ل يخـص فقـط مفهوم الفطرة ، بــل‬ ‫ـ‬ ‫ـ‬ ‫ـ ـ‬ ‫ـ‬ ‫ـ ـ‬ ‫يتعداه إلى مفاهيم شتى قد يكون بعضها أهم وأخطر .‬ ‫ففي إطار السبب الول الذي هو انفصال العلم عن العمل ، يمكن أن ندرج ثلثة نماذج من التشوهات‬ ‫التي لحقت بمعنى الفطرة :‬ ‫الول : قول المام محمد بن الحسن الشيباني بأن هذا المعنى قد نسخ بشريعة الجهاد .‬ ‫والثاني : قول بعض قدماء المالكية أن العموم الذي دلت عليه ظواهر النصوص ، إنما يراد به‬ ‫الخصوص . وقصدهم ليس كل الناس يولدون على الفطرة .‬ ‫والثالث : ما روي في فقه المام أحمد من أنه بنى على مجرد المارات الشكلية في التفريق بين من يبقى‬ ‫على الفطرة ومن يتهود ويتنصر ويتمجس . فالطفل الذي فقد أبويه أو أحدهما هو مسلم بغض النظر عن جميع‬ ‫العتبارات . وبهذا أسقط المعنى المقصود من حديث أبي هريرة في بيان سبب التغييرات الطارئة على الفطرة‬ ‫وهو التربية مهما كان المربي .‬ ‫وفي إطار السبب الثاني الذي هو استعمال السرائيليات في توجيه معاني القرآن يمكن أن ندرج المذهب‬ ‫الذي اشتهر عن المام إسحاق بن راهويه الحنظلي وهو عبارة عن تفسير غريب لقوله تعالى في العراف : )‬ ‫وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ؟ قالوا : بلى شهدنا . . . (‬ ‫الية فزعم ابن راهويه أن ال خلق الرواح دفعة واحدة قبل أن يخلق الجساد ، ثم عرض عليهم الميثاق عرضا‬ ‫عاما ، فأقروا ل بالربوبية ، منهم من أقر طائعا راضيا ، ومنهم من أقر مكرها من باب التقية .‬ ‫1 - مسائل أبي الوليد ابن رشد: ٣٧٥/١. ط ٢ / ٤١٤١ هـ - ٣٩٩١ م . دار الجيل ، بيروت . دار الفاق الجديدة ، المغرب‬ ‫2 - درء التعارض : ١٢٤/٨‬ ‫3 - أحكام أهل الذمة : ٦٢/٢‬
  • 11.
    ‫وأما السبب الثالثمن أسباب الضطراب في الفطرة وهو انتشار الخوض في القدر ، فقد أدى إلى‬ ‫ظهور عدة مذاهب :‬ ‫الول قول من قال أن الفطرة ما يكتب لكل إنسان في بطن أمه من شقاوة أو سعادة .‬ ‫والثاني قول من قال أن الفطرة هي كل ما سبق به القدر .‬ ‫والثالث قول من قال أن الفطرة حالة على الحياد ليست بإيمان ول كفر .‬ ‫والرابع قول المعتزلة أن الفطرة قبول التوحيد ، لن السلم مساوق للنظر الصحيح . ويزعمون أن هذا‬ ‫هو معنى كون الفطرة هي السلم .‬ ‫والخامس قول ابن قتيبة وغي ِه أن الفطرة معرفةٌلزمة عن الطبيعة النسانية ، وأصلُها الميثاق الذي‬ ‫ـ‬ ‫ر‬ ‫أخذ على جميع بني آدم حين أخرجوا من ظهره فأقروا ل بالربوبية. وليست تلك المعرفة ول ذلك القرار بإيمان.‬ ‫فهذه المذاهب الخمسة كلها نشأت في سياق الجدل الكلمي المتعلق بمسائل القدر . وكل واحد من هذه‬ ‫المذاهب في الفطرة مبني إما على مبدأ المناقضة ، وإما على مبدأ الفرار من اللزامات الفقهية والكلمية ،أو‬ ‫على المبدأين معا .‬ ‫أما السبب الرابع من أسباب الضطراب في الفطرة فهو ظهور الفلسفة بين المسلمين ، وقد ظهرت آثار‬ ‫هذا السبب ظهورا بينا في القرن الخامس للهجرة ، ويمكن نسبة المذهب الذي تولد عن هذا السبب لشيخ المتفلسفة‬ ‫في السلم أبي علي ابن سينا، فهو الذي عبر عنه بلسان عربي، وإن كان في حقيقته مجرد ترجمة لفلسفة قديمة.‬ ‫ومذهب ابن سينا مبني على أساسين :‬ ‫الول : القول بازدواج الفطرة النسانية ، فللروح فطرة وللبدن فطرة ، وهما فطرتان متنافيتان . ولكل‬ ‫فطرة منطقها ومنهاجها وأحكامها .‬ ‫والساس الثاني : أن الناس في أصل خلقتهم ينقسمون إلى ذوي فطر فائقة ) العارفون ، الحكماء ،‬ ‫المشتغلون بالفلسفة (، وذوي فطر ناقصة ) العوام ورؤوسهم من المتكلمة والمتفقهة (، وذلك لختلف قوابلهم .‬ ‫وهكذا نصبح أمام سلمين للفطرة ، وكل سلم ل تنحصر درجاته .‬ ‫والمقام ل يتسـع لتحليـل هذه السـباب ، وبيان مـا أنتجتـه مـن مقالت فـي هذا الباب . إل أن المبدأ الجامـع‬ ‫لكل هذا هو ما تمخضت عنه الفتن المتعاقبة في تاريخنا من نقض لعرى السلم عروة عروة ، فكل فتنة حدثت‬ ‫فـي المـة منـذ سـقوط الخلفـة الراشدة كانـت تعفـي على سـنة قائمـة ، وتطمـس معالم مـن تراث النبوة وسـياسات‬ ‫الراشديـن ، فلم تكـد المئة الثالثـة تطـل بقرنهـا حتـى أخذت الحيرة تعـم ، وبدأ التحلل فـي النظام الفكري والجتماعـي‬ ‫يسـري فـي خفاء ، فلمـا حلت المائة الخامسـة بلغ التحلل ذروتـه . فإلى هذه المائة كان المجتمـع السـلمي قـد قطـع‬ ‫ثلثـة أشواط ، عاشـت المـة أولهـا فـي ظلل شريعـة منزلة ، وعاشـت ثانيهـا فـي ظلل شريعـة مؤولة ، ثـم أشرع‬ ‫التيه أبوابه في الشوط الثالث فصار المسلمون تحت شريعة مبدلة1 .‬ ‫1 - ل أقصد بالشريعة هاهنا نصوص الوحي – فهي محفوظة – ولكن أقصد ما كان للنصوص من سلطان في الحياة العامة وكيفية توظيفها نظرا وعمل ،‬ ‫فكرا وسلوكا .‬
  • 12.
    ‫المبحث الثاني :نظرية الترك والتخلية في الميزان‬ ‫أول– ما المقصود بنظرية الترك والتخلية ؟‬ ‫الترك والتخلية حالة افتراضية معناها عزل النسان منذ طفولته عن المؤثرات الجتماعية ، حتى يسلم‬ ‫من سطوة الموروث ، ويحتكم فقط إلى أولياته الفطرية ، وهي أوليات صادقة عند من يقول بهذه النظرية ل يأتيها‬ ‫الباطل من بين يديها ول من خلفها ، ولهذا صارت هذه الحالة المتوهمة مرجعية عليا يحتكم إليها المتخاصمون1 .‬ ‫ثانيا– ما أصل القول بالترك والتخلية ؟ ومن القائلون بهذه النظرية ؟‬ ‫في القرن الثالث للهجرة كثر التعمق المذموم في المعاني بدون حاجة ماسة من واقع الناس إل شهوة‬ ‫الرياسة والعلو ، فكثر الجدل لنصرة الراء الحادثة في الملة أو دفعها ، وفي هذا السياق وقع الضطراب في‬ ‫تقرير مذهب السلف في الفطرة .‬ ‫وأهم السباب المباشرة لهذا الضطراب زعم القدرية أنهم يقولون بأن الفطرة هي السلم ، مكايدة‬ ‫لهل السنة ، إذ كانوا يظنون أن هذا القول في الفطرة يناقض القول بخلق أفعال العباد ، فكانت القدرية وعلى‬ ‫رأسهم المعتزلة يقولون : كل مولود يولد على فطرة السلم وال ل يضل أحدا ، وإنما أبواه هما اللذان يفعلن به‬ ‫ذلك ، بدليل حديث أبي هريرة في الفطرة 2.‬ ‫حدث هذا في زمن أطلت فيه الفتن برؤوسها ، واشتدت وطأتها على المسلمين ، وتبدل الحال من مجرد‬ ‫الستبداد بالحكم والستئثار بالمال ، إلى تسلط المبتدعة بجاه السلطان ، فأجروا المحنة على العلماء ، وأرادوا أن‬ ‫يحملوا المة بالكراه على مقالتهم.‬ ‫وفي هذه الجواء المشحونة بالصراع والثارات ، تختلط العبرات بالنظرات ، ويتنافس الفرقاء في‬ ‫حرمان الخصم من الحجج ، فيلجأ كثير منهم إلى التحريف باسم التأويل ، ويستتبعون الدلة بدل أن يتبعوها ،‬ ‫ويصير القرآن للعتضاد ل للعتماد ، يؤمنون ببعض منه ويكفرون ببعض ، على سنة الذين خلوا من قبل .‬ ‫إذن قول المعتزلة أن الفطرة هي السلم هو في حقيقته مذهب جدلي ، وليس من صريح مذهبهم . لن‬ ‫أصولهم تقتضي أن المولود ل يولد على إيمان أو كفر ، بل يفطر على هيئة صالحة للضدين3 ، وهذا يشبه قول‬ ‫الفلسفة في العقل الـهيولني ، وليس ببعيد أن يكون أولئك قد تلقوه عن هؤلء ، فبينهم في هذا الباب وشائج ل‬ ‫تنكر،منها إنكار أن تكون أفعال الحيوان مخلوقة للـه، ولـهذا كان السلف يقولون:"القدرية مجوس هذه المة"4.‬ ‫ونقل ابن تيمية عن بعض العلماء على وجه القرار:"إن المعتزلة مخانيث الفلسفة "5.‬ ‫1 - انظر بالخصوص الجدل الذي دار حول ) التحسين والتقبيح ( عند الغزالي في »المستصفى« و»القتصاد في العتقاد«، وعند الرازي في:»المحصول« ،‬ ‫وعند المدي في »الحكام في أصول الحكام« و عند بيانه للفرق بين البديهي والنظري من كتاب »غاية المرام في علم الكلم« .‬ ‫2 - انظر درء تعارض العقل والنقل : ٧٧٣/٨.‬ ‫3 - انظر درء التعارض : ٧٧٣/٨-٠٨٧٣‬ ‫4 - عند أبي داود حديث في معناه برقم : ٢٧٠٤ ، لكنه ضعيف .‬ ‫5 - حكاه ابن تيمية في عدة مواضع وأيده ، انظر مثل:»مجموع الفتاوى« : ٩٥٣/٦ ، و ٦٦٢/٩ ، و ١٣/٢١ ، و ٩٤٣/٤١‬
  • 13.
    ‫وقد كان لمذهبالمعتزلة هذا بشقيه الجدلي والصريح أثر بالغ على مذاهب أهل السنة في الفطرة ،‬ ‫وكانوا في ذلك ثلثة أصناف :‬ ‫الصنف الول ناقض المعتزلة أبلغ مناقضة ، ليقطع عليهم الطريق ، إذ كان ينظر إليهم بمنظار السخط‬ ‫والرتياب ، فقال بعضهم : الفطرة هي كل ما يقدر للمولود ، وقال آخرون : هي ما يقدر من شقاوة وسعادة ،‬ ‫وقال فريق ثالث : هي معرفة بالرب تقررت في عالم الذر حين أخذ عليهم العهد ، وليست تلك المعرفة بإيمان ،‬ ‫ومن هذا الفريق الثالث محمد بن قتيبة الدينوري ) ت : ٦٧٢ هـ ( ، فانظر إليه كيف زل حين قال : " إن الفطرة‬ ‫عند أهل القدر السلم "1 ، بل قال : " فرق ما بيننا وبين أهل القدر في هذا الحديث أن الفطرة عندهم السلم ،‬ ‫والفطرة عندنا القرار باللـه والمعرفة به ل السلم "2.‬ ‫أما الصنف الثاني من أهل السنة فقد قال من حيث ل يشعر بصريح مذهب المعتزلة ، وأقدم من علمته‬ ‫وقع في هذا المام أبو سليمان الخطابي ) ت : ٨٨٣ هـ ( ، قال في شرحه على حديث أبي هريرة في الفطرة : "‬ ‫المعنى الذي تضمنه الخبر : أن كل مولود من البشر إنما يولد في أول مبدأ الخلق ، وأصل الجبلة على الفطرة‬ ‫السليمة ، والطبع المتهيئ لقبول الدين ، فلو ترك عليها وخلي وسومها لستمر على لزومها ، ولم ينتقل عنها إلى‬ ‫غيرها ، وذلك أن هذا الدين باد حسنه في العقول ، ويسره في النفـوس ، وإنما يعدل عـنـه مـن يعـدل إلى غيره ،‬ ‫ويؤثره عليه لفة من آفات الشر3 والتقليد ، ولو سلم المولود من تلك الفات لم يعتقد غيره ، ولم يختر عليه سواه‬ ‫" ، ثم قال : " وحاصل المعنى من هذا الحديث إنما هو الثناء على هذا الدين ، والخبار عن محلـه من العقول ،‬ ‫وحسن موقعه من النفوس . وليس من إيجاب حكم اليمان للمولود سبيل ، واللـه أعلم "4.‬ ‫فقارن هذا الكلم بكلم المام الزمخشري ) ت : ٨٣٥ هـ ( وهو من خلص المعتزلة ، فقد قال رحمه ال‬ ‫عند تفسير آية الفطرة من سورة الروم : " والمعنى أنه خلقهم قابلين للتوحيد ودين السلم غير نائين عنه، ول‬ ‫منكرين لـه،] لكونه [ مجاوبا للعقل ، مساوقا للنظر الصحيح ، حتى لو تركوا لما اختاروا عليه دينا آخر . ومن‬ ‫غوى منهم فبإغواء شياطين النس والجن "5 .‬ ‫وقال في التعليق على حديث أبي هريرة في الفطرة : " والمعنى أنه يولد على نوع من الجبلة ، وهو‬ ‫فطرة اللـه ، وكونه متهيئا مستهدفا لقبول الحنيفية طوعا ل كرها ، وطبعا ل تكلفا ، لو خلته شياطين الجن‬ ‫6‬ ‫والنس وما يختاره لم يختر إل إياها ، ولم يلتفت إلى جنبة سواها "‬ ‫1 - تأويل مختلف الحديث : ٥٩-٦٩ .‬ ‫2 - نقل عن زاد المسير في علم التفسير : ١٠٣/٦ .‬ ‫3 - كـذا في أعـلم السـنن، لكنها في شـرح سـنن أبي داود:"آفـات الـنـشـوء"، وهـذا هـو الصحيح، فـيكون الذي في العلم تصحيف ، بدليل أن‬ ‫كلم الخطابي هذا نقلـه عدد من الشراح وكلـهم يقول : " آفات النشوء " .‬ ‫4 - أعلم السنن في شرح صحيح البخاري : ٨٢٤/١-٩٢٤ . وانظر أيضا : معالم السنن شرح سنن أبي داود:٠٠٣/٤-١٠٣.‬ ‫5 - الكشاف عن حقائق التنزيل:٢٢٢/٣] دار الفكر. بيروت [. عند اللوسي :" نابين عنه " بدل " نائين عنه " ، وقد أضفنا كلمة ] لكونه [ من‬ ‫تفسير النسفي ، وكل هذين المفسرين قد نقل كلم الزمخشري دون الحالة عليه ، وهذا للسف من العيوب الفاشية في كتب التراث ، وهو عيب‬ ‫مضلل إذ يوقع في نسبة القوال إلى غير قائليها ، كما يتعب الباحث في تاريخ الفكار.‬ ‫6 - الفائق في غريب الحديث : ٧٢١/٢ . ت : علي محمد البجاوي ، ومحمد أبو الفضل إبراهيم . ط ٢ . دار المعرفة . لبنان‬
  • 14.
    ‫1‬ ‫والغريب أنهذا القول هو أكثر القوال شيوعا إلى اليوم ، وإليه ذهب من القدماء أبو عمر ابن عبد البر‬ ‫) ت : ٣٦٤ هـ( ، والفقيه أبو الوليد ابن رشد الجد2 )ت: ٠٢٥ هـ( ، وعدد من مشاهير شراح الحديث كابن‬ ‫الثير3 ) ت : ٦٠٦ هـ ( ، والنووي4 ) ت : ٦٧٦ هـ ( ، والحسين بن محمد الطيبي ) ت : ٣٤٧ ( صاحب شرح‬ ‫مشكاة المصابيح 5 ، والمناوي ) ت : ١٣٠١ هـ ( في عدة مواضع من كتابه الشهير : » فيض القدير شرح‬ ‫الجامع الصغير « 6.‬ ‫ومن المفسرين ابن عطية 7 ) ت : ٦٤٥ هـ ( ، وأبو عبد ال القرطبي المفسر8 ) ت:١٧٦ هـ( ، وشيخه‬ ‫أبو العباس القرطبي صاحب المفهم9 ، وأبو البركات النسفي01 ) ت: ٠١٧ هـ(، واللوسي11 ) ت: ٠٧٢١ هـ( ،‬ ‫وذكره ابن عاشور في التحرير21 ، مع أن ابن عاشور يذهب في الفطرة إلى صريح قول الفلسفة كما سنرى .‬ ‫وأما الصنف الثالث : فهم يذهبون مذهب السلف ، لكنهم يقررونه مع ذلك بشيء من كلم المعتزلة ،‬ ‫وعلى رأس هؤلء المام ابن تيمية ) ت: ٨٢٧ هـ( وقد وقفت له على نصين في هذا السياق :‬ ‫النص الول : قولـه " إذا خَلَتْ ) أي الفطرة ( عن السباب الخارجة لم يكن بد من وجود صلحها أو‬ ‫ــ‬ ‫فسادها والثاني ممتنع فتعين الول "31 . ويقصد بالسباب الخارجة التعليم والتربية .‬ ‫النص الثاني : قوله في معنى الفطرة أنها " سلمة القلب وقبوله وإرادته للحق الذي هو السلم ، بحيث‬ ‫لو تُرك من غير مغير لما كان إل مسلما "41.‬ ‫ـ‬ ‫وقد فسر ابن قيم الجوزية ) ت : ٢٥٧ هـ( كلم شيخه هذا فقال : " إن في الفطرة قوة تقتضي طلب‬ ‫معرفة الحق وإيثاره على ما سواه ، وإن ذلك حاصل مركوز فيها من غير تعلم البوين ول غيرهما ، بل لو‬ ‫ُرض أن النسان تربى وحده ، ثم عقل وميز لوجد نفسه مائلة إلى ذلك نافرة عن ضده "51 .‬ ‫ف‬ ‫وابن القيم يكثر من القول بالترك والتخلية في بيان معنى الفطرة ، كقولـه : " الخلق مفطورون على‬ ‫معرفته وتوحيده ، فلو خلوا وهذه الفطرة لنشأوا على معرفته وعبادته وحده "61.‬ ‫1 - انظر التمهيد : ٨٦/٨١-١٧ .‬ ‫2 - انظر مسائل أبي الوليد ابن رشد : ٨٧٥/١-٩٧٥ .‬ ‫3 - انظر النهاية في غريب الحديث:٧٤٢/١ وأيضا:٧٥٤/٣. ت: طاهر أحمد الزاوي ، ومحمود محمد الطناحي. ٩٩٣١ هـ - ٩٧٩١ م . المكتبة‬ ‫العلمية . بيروت‬ ‫4 - انظر شرح النووي على صحيح مسلم : ٨٠٢/٦١ . ط ٢ / ٢٩٣١ هـ . دار إحياء التراث العربي . بيروت‬ ‫5 - انظر فتح الباري : ٨١٣/٣ .‬ ‫6 - انظر منه مثل: ٠٠٥/٢ . و ٦١٤/٤ . و ٣٣/٥-٤٣ . لكن المناوي ممن يخلطون في تفسير الفطرة ، انظر مثل ما قالـه في : ٦١٤/٤ . و /٥‬ ‫٠٠٤-١٠٤ . ط ١ / ٦٥٣١ هـ . المكتبة التجارية الكبرى . مصر‬ ‫7 - انظر: ابن عطية الندلسي:» المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز « ٣٥٤/١١ .ت:عبد اللـه بن إبراهيم النصاري ، والسيد عبد العال‬ ‫السيد إبراهيم . ط ١ . ٦٠٤١ هـ – ٥٨٩١ م . الدوحة‬ ‫8 - انظر الجامع لحكام القرآن : ٩٢/٤١ .‬ ‫9 - نفسه .‬ ‫01 - انظر تفسيرالنسفي المسمى : » مدارك التنزيل وحقائق التأويل « : ٣٧٢/٣. ت: صفوان عدنان داوودي. ط ٥١٤١/١هـ. دار القلم ،‬ ‫دمشق . الدار الشامية ، بيروت . وقيل في سنة وفاة النسفي أنها ١٠٧ هـ .‬ ‫11 - وروح المعاني : ٠٤/١٢.‬ ‫21 - انظر تفسير التحرير والتنوير : م ٠١ ، ج ١٢ ، ص : ٠٩ . الدار التونسية للنشر – الدار الجماهيرية للنشر .‬ ‫31 - درء التعارض : ٤٦٤/٨ .‬ ‫41 - مجموع الفتاوى : ٧٤٢/٤ .‬ ‫51 - شفاء العليل : ٤٠٣ .‬ ‫61 - شفاء العليل:٣٥٢. وانظر أيضا : » إعلم الموقعين «١٩١/١ ]ت : طه عبد الرؤوف سعد . دار الجيل بيروت [ ومفتاح دار السعادة:٨/٢‬ ‫٧. وطريق الـهجرتين:٤٣٢ ] ت: عمر بن محمود. ط ٤١٤١/٢هـ-٤٩٩١م. دار ابن القيم ، الدمام [. وحادي الرواح :٨٥٢- ٩٥٢ ] دار‬ ‫الكتب العلمية بيروت [.‬
  • 15.
    ‫وممن قرر مذهبالسلف بمثل هذا المام ابن حجر ، يقول في الفتح : " إن كل أحد لو ترك من وقت‬ ‫ولدته وما يؤديه إليه نظره ، لداه إلى الدين الحق وهو التوحيد "1.‬ ‫فافتراض الترك والتخلية الذي صار جزء من تعريف الفطرة عند هؤلء المتأخرين لم ينقل عن السلف ،‬ ‫ول دلت عليه نصوص الكتاب والسنة دللة صريحة2 ، ول هو من صميم المنهجية المعرفية التي ميزت دين‬ ‫السلم ، فل محل هاهنا للمكانات الذهنية غير المجربة ، والتي هي في الحقيقة مجرد خيالت ، وال تعالى‬ ‫يقول : ) قل هاتوا برهانكم ‪ 3‬فأين افتراضات الذهان من البرهان ؟‍ !‬ ‫والحاصل أن الذين قالوا في تفسير الفطرة بالترك والتخلية ثلث طوائف : المعتزلة ، وكل من قال بقول‬ ‫الخطابي من أهل السنة ، وكل من قرر مذهب السلف على طريقة ابن تيمية . وهناك طائفة رابعة هم الفلسفة‬ ‫ورأسهم في ذلك ابن سينا )ت: ٨٢٤ هـ( فقد قال في كتاب النجاة : " معنى الفطرة أن يتوهم النسان نفسه حصل‬ ‫في الدنيا دفعة وهو عاقل ، لكنه لم يسمع رأيا ، ولم يعتقد مذهبا ، ولم يعاشر أمة ، ولم يعرف سياسة . لكنه شاهد‬ ‫المحسوسات ، وأخذ منها الحالت 4، ثم يعرض على ذهنه شيئا ويتشكك فيه ، فإن أمكنه الشك ، فالفطرة ل تشهد‬ ‫به ، وإن لم يمكنه الشك فهو ما توجبه الفطرة . . . "5.‬ ‫وهذا التوهم السينوي هو الذي أخرجه ابن طفيل المغربي ) ت: ١٨٥ هـ( في رسالة » حي بن يقظان «‬ ‫بقصد بيان » أسرار الفلسفة المشرقية «6 وهي الفلسفة التي ذهب إليها ابن سينا ولكنه لم يصرح بها تصريحا‬ ‫اتقاء لتباع أرسطو ) أصحاب الفلسفة المغربية ( 7 ، وهي أيضا الفلسفة التي أخرجها أبو حامد الغزالي ) ت:‬ ‫٥٠٥ هـ( في قالب المكاشفة8 ، وقد صرح الغزالي في كتبه المنطقية بنفس ما قرره ابن سينا في تفسير الفطرة9 .‬ ‫والعجيب أن الطاهر بن عاشور لم يجد حرجا في ادعاء أن هذا التفسير هو التقرير الصحيح لمعنى كون الفطرة‬ ‫هي السلم 01.‬ ‫فهل في سنن ال تعالى ما يسمح بظهور ) حي بن يقظان ( ذي الفطرة الفائقة ؟ أو بظهور فطرة تشهد –‬ ‫مع انقطاعها التام عن المجتمع – لملة إبراهيم الخليل عليه السلم ؟‬ ‫ولكي ندفع بالتحدي إلى مداه ، سنقنع في مطالبتنا بأقل من ذلك ، فنسأل هاهنا :‬ ‫هل في وسع الفطرة المحرومة من مددها الجتماعي أن تعطينا مجرد إنسان كهذا الذي على دين آبائه‬ ‫بلغة الحنفاء ؟‬ ‫1 - فتح الباري : ٨١٣/٣ .‬ ‫2 - استخرج ابن تيمية القول بالترك والتخلية من إيماءات النصوص ، فإضافة الفطرة إلى ال كما جاءت في سورة الروم تدل على الصطفاء والتفضيل ، كما‬ ‫أن المقصود بها مدح شريعة السلم والشهادة بصلحيته وحده من بين سائر الديان . كما أن حديث أبي هريرة نص على أن البوين قد يغيران فطرة‬ ‫مولودهما ، مما يدل أنها كانت موجودة قبل التغيير وجودا مستغنيا عنهما .‬ ‫3 - البقرة : ٠١١ . النبياء : ٤٢ . النمل : ٤٦ . القصص : ٥٧ .‬ ‫4 - يقصد بذلك تجريد الكليات الذهنية من الموجودات الحسية.‬ ‫5 - النجاة في المنطق واللـهيات : ٩٧/١-٠٨ .‬ ‫6 - انظر مقدمة هذه الرسالة فإن ابن طفيل يصرح فيها بهذا القصد .‬ ‫7 - يمكن مراجعة تفاصيل هذه المسألة ضمن الفصل الذي خصصه الستاذ الجابري لفلسفة ابن سينا من كتابه : » نحن والتراث « ، والتقابل بين المشرق‬ ‫والمغرب هو في حقيقته تقابل بين المدرسة الشراقية ذات الروح المجوسية ، وبين المدرسة اليونانية العقلية .‬ ‫8 - انظر : مجموع الفتاوى لبن تيمية : ٧٢٢/١١.‬ ‫9 - انظر مثل المقدمة المنطقية التي في كتاب : » المستصفى « : ٨٣-٩٣ .‬ ‫01 - مقاصد الشريعة السلمية : ٦٥. وإعجاب ابن عاشور بفطرة ابن سينا ورطه في جعلـها تفسيرا لقولـه تعالى : ) فطرة اللـه التي فطر الناس‬ ‫عليها ‪ ‬انظر ذلك في تفسيره المسمى التحرير والتنوير : المجلد : ٠١ ، ص : ٨٨ .‬
  • 16.
    ‫أو نقول –تنزل على اصطلح الفلسفة والمتصوفة – : هل في وسعها أن تعطينا فطرة ناقصة كفطرة‬ ‫العوام والمحجوبين من المتكلمين والفقهاء ؟‬
  • 17.
    ‫المبحث الثالث :نحو رؤية جديدة لمفهوم الفطرة‬ ‫سنسلك في الجواب على السئلة السابقة ثلث مراحل :‬ ‫‪‬المرحلة الولى : نستهدي فيها بدللة القرآن .‬ ‫‪‬المرحلة الثانية : نستعرض فيها شهادة الحس والعيان .‬ ‫‪‬المرحلة الثالثة : نركب فيها مما تقدم رؤية جديدة ، قد تزيل كثيرا من اللتباس عن‬ ‫حقيقة ما فطر ال عليه الناس . وال المستعان .‬ ‫أول– شـــــهــادة الـقـــرآن :‬ ‫أليق حديث بإشكالنا قصة البداية ، ويهمنا منها الحقائق التالية :‬ ‫١( آدم عليه الصلة والسلم هو أول إنسان خلقه ال تعالى . خلقه من طين بيديه الكريمتين ، فل أب لـه‬ ‫ول أم ، ول هو فرع عن أصل حيواني آخر ، ثم أنسل منه ومن حواء أجيال البشرية .‬ ‫فإذ سو ته ونف ت ف ه ِ ر ح فقع َه‬ ‫قال تعالى ‪ِ ‬ذْ َالَ َ ّ َ ِلْ َ َ ِ َ ِ ِ ّي َاِ ٌ َ َ ًا منْ ِينٍ . َِ َا َ ّيْ ُ ُ َ َ َخْ ُ ِي ِ منْ ُو ِي َ َ ُوا ل ُ‬ ‫إ ق ربك ل ملئكة إن خ لق بشر ِ ط‬ ‫َا ِ ِينَ . َ َ َدَ الْ َ َ ِ َ ُ ُّ ُمْ َجْ َ ُو َ . ِ ّ ِبِْي َ اسْ َكْ َرَ َ َا َ منْ الْ َا ِ ِينَ . َالَ َا ِبِْي ُ َا َ َ َكَ أنْ َسْ ُدَ‬ ‫ق ي إ ل س م منع َ ت ج‬ ‫فسج ملئكة كله أ مع ن إل إ ل س ت ب وك ن ِ ك فر‬ ‫س جد‬ ‫ِ َا ََق ُ ِ َ َ ّ أسْ َكْ َرْتَ أمْ ُن َ ِنْ الْ َاِي َ . َا َ َ َا َيْ ٌ ِنْ ُ ََقْ َ ِي ِنْ َا ٍ َ ََقْت ُ ِنْ ِي ٍ ] ص : ٠٧-‬ ‫‪‬‬ ‫ك ت م ع ل ن ق ل أن خ ر م ه خل تن م ن ر وخل َه م ط ن‬ ‫لم خل ْت بيدي ت ب‬ ‫٥٧ [.‬ ‫وقال أيضا : ) َِ َ َاِ ُ الْ َيْ ِ َال ّ َا َ ِ الْ َ ِيزُ ال ّ ِي ُ . اّ ِي َحْ َ َ ُ ّ َيْءٍ ََق ُ َ َ ََ َلْقَ ا ِن َا ِ‬ ‫ذلك ع لم غ ب و شه دة عز رح م لذ أ سن كل ش خل َه وبدأ خ لْ س ن‬ ‫ِنْ ِي ٍ . ُ ّ َ َ َ َسَْ ُ ِنْ ُ ََ ٍ منْ َا ٍ َ ِينٍ . ُ ّ َـ ّا ُ َ َف َ ِيهِ ِـنْ ُو ِـ ِ َ َـ َـلَ َـ ُمْ ال ّمْعَ َا َبْ َارَ‬ ‫ثم س و ه ون َخ ف م ر ح ه وج ع ل ك س و لْ ص‬ ‫م ط ن ثم جعل ن له م سللة ِ م ء مه‬ ‫َا َفْ ِ َ َ َِي ً َا َشْ ُ ُونَ ‪ ] ‬السجدة : ٥-٨ [‬ ‫و لْ ئدة قل ل م ت كر‬ ‫٢( ال تعالى هو الذي تولى بنفسه تعليم آدم ، علمه البيان ل بمجرد غريزة غرزها فيه ، وإنما بتلقين‬ ‫اختصه به دون سواه بعد أن أتم خلقه ، ثم جعل ذلك ميراثا لذريته من بعده .‬ ‫قال تعالى : ) َِذْ َالَ َ ّ َ ِلْ َ َ ِ َ ِ ِ ّي َا ِ ٌ ِي ا َرْ ِ َِي َ ً َاُوا َ َجْ َ ُ ِي َا َنْ ُفْ ِ ُ ِي َا َ َسْ ِ ُ‬ ‫وإ ق ربك ل ملئكة إن ج عل ف لْ ض خل فة ق ل أت عل ف ه م ي سد ف ه وي فك‬ ‫ال ّ َاءَ َ َحْ ُ ُ َ ّ ُ ِ َمْ ِكَ َ ُ َ ّ ُ َ َ َالَ ِ ّي َعَْ ُ َا َ َعَْ ُو َ . و َّمَ آ َ َ ا َسْ َاءَ ُّ َا ُ ّ َ َ َ ُمْ ََى‬ ‫دم ون ن نسبح بح د ونقدس لك ق إن أ لم م ل ت لم ن َعل دم لْ م كله ثم عرضه عل‬ ‫الْ َ َ ِك ِ َ َالَ َنْ ِ ُو ِي َِسْ َاءِ ه ُ َء ِنْ ُن ُمْ َا ِ ِينَ َاُوا ُبْ َا َكَ َ ِلْ َ َ َا ِ ّ َا َّمْ َ َا ِ ّكَ َنْ َ الْ َِي ُ الْ َ ِي ُ .‬ ‫ملئ َة فق أ بئ ن بأ م َؤل إ ك ت ص دق ق ل س ح ن ل ع م لن إل م عل تن إن أ ت عل م حك م‬ ‫َالَ َا آ َ ُ َنْ ِئْ ُمْ َِسْ َا ِ ِمْ ََ ّا َنْ ََ ُمْ َِسْ َا ِ ِمْ َا َ ََمْ َ ُلْ َ ُمْ ِ ّي َعَْ ُ َيْ َ ال ّ َا َا ِ َا َرْ ِ ََعَْ ُ َا ُبْ ُو َ‬ ‫ق ي دم أ ب ه بأ م ئه فلم أ بأه بأ م ئه ق ل أل أق لك إن أ لم غ ب سم و ت و لْ ض وأ لم م ت د ن‬ ‫َ َا ُن ُمْ َكْ ُ ُو َ ‪ ] ‬البقرة : ٩٢-٢٣ [‬ ‫وم ك ت ت تم ن‬ ‫وقال سبحانه في معرض المتنان على الناس : ) الرحمن علم القرآن خلق النسان علمه البيان ‪‬‬ ‫] الرحمن : ١-٢ [‬ ‫وفي حديث الشفاعة » يجتمع المؤمنون يوم القيامة فيقولون : لو استشفعنا إلى ربنا ! فيأتون آدم‬ ‫فيقولون : أنت أبو الناس ، خلقك ال بيده ، وأسجد لك ملئكته ، وعلمك أسماء كل شيء ، فاشفع لنا عند ربك‬ ‫1‬ ‫حتى يريحنا من مكاننا هذا «‬ ‫1 - صحيح البخاري : ٦١١٤ .‬
  • 18.
    ‫٣( ومع كلهذا اختاره ال نبيا ، فكان أول من تلقى الوحي وبلغه .‬ ‫قال عز وجل : ) إن ال اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم على العالمين ‪ ] ‬آل عمران : ٣٣ [‬ ‫وقال سبحانه : ) قلنا اهبطوا منها جميعا فإما ياتينكم مني هدى فمن تبع هداي فل خوف عليهم ول هم‬ ‫يحزنون ‪ ] ‬البقرة : ٧٣ [ ، وفي سورة طه : ) قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو ، فإما ياتينكم مني هدى‬ ‫فمن اتبع هداي فل يضل ول يشقى ، ومن أعرض عن ذكري فإن لـه معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى ‪‬‬ ‫]طه : ٠٢١-٢٢١[‬ ‫وفي الحديث أنه ي قال : » َ َا َ ّ ُ ََ ِ آ َمَ يوْمَ ال ِ َا َ ِ َ َ َخْرَ ، َ ِ َ ِي ِ َا ُ الْ َمْ ِ َ َ َخْرَ ، َ َا منْ‬ ‫وم ِ‬ ‫وبيد لو ء ح د ول ف‬ ‫أن سيد ولد د َ ْقي مة ول ف‬ ‫1‬ ‫َ ِ ّ َوْ َ ِ ٍ – آ َمَ َ َنْ ِ َا ُ – ِ ّ َحْ َ ل َا ِي «‬ ‫نبي ي مئذ د فم سو ه إل ت ت ِو ئ‬ ‫وقد أخرج الحاكم في مستدركه عن أبي أمامة د أن رجل قال : يا رسول ال ! أنبي كان آدم ؟ قال :‬ ‫نعم ، معلم مكلم 2 .‬ ‫بأدنى تأمل في هذه الحقائق يتبين أن أبانا آدم عليه الصلة والسلم مع خلوه من الموانع الجتماعية ،‬ ‫احتاج إلى شيئين اثنين بهما اكتملت فيه صورة النسانية ، وبهما تأهل للخلفة ، أل وهما : التعليم والنبوة .‬ ‫وهذان هما روح الجتماع النساني من بعده كما يشهد القرآن : ) وإن من أمة إل خل فيها نذير ‪ ] ‬فاطر:٤٢ [‬ ‫ولن آدم عليه السلم لم ينشأ في مجتمع ، فقد تكفل ال لـه بهذين الركنين العظيمين ، فجعله معلما مكلما.‬ ‫ولو كان من هو مستغن بفطرته عن ذلك لكان هو آدم ! إذ ل شك – على مذهب ابن تيمية – أن اقتضاءه الفطري‬ ‫للسلم هو عنده تام وسالم عن المعارض المقاوم ، بل حاله في ذلك أنموذج ل مثيل لـه ، فلماذا إذن لم يترك‬ ‫لمجرد فطرته ؟ ولم احتاج أن يتعلم السماء كلها ؟ ولماذا توقفت حياته في الرض على نبأ السماء ؟‬ ‫بهذا يظهر غلو ابن تيمية في العتداد بما تصوره الفطرة النسانية ، كما يتبين جموح ابن قيم الجوزية‬ ‫في افتراض إنسان يتربى وحده ، فينشأ مستقيما حنيفا بسبب زوال الموانع . أما ابن طفيل المغربي فقد أوغل‬ ‫كعادة الفلسفة في الخيال ، واغتر بالمحال . وسيتبين هذا بما ل يدع مجال للشك فيما سيأتي .‬ ‫ثانيا– شــهـادة الـحـس والـعــيـان :‬ ‫ظهرت في القرن الماضي دراسات علمية حول ظاهرة من أغرب الظواهر في تاريخ النسان ، كائنات‬ ‫بشرية تنشأ في عزلة تامة عن المجتمع ، ومع ذلك يسر ال لها برحمته من أسباب البقاء ما هو أبعد من خيال ابن‬ ‫طفيل ، لكنها من جهة أخرى بقيت على مسافة بعيدة من أفق النسانية ، مما أثار الدهشة والجدل .‬ ‫لقد وضعت هذه الظاهرة كل ما قاله الفلسفة عن طبيعة النسان وفطرته في مهب الرياح ، بعد أن‬ ‫صيرته رمادا .‬ ‫ولن هذه الظاهرة وما قيل عنها وصفا وتأويل يكاد أن يكون مجهول حتى بالنسبة لهل العلم – لسباب‬ ‫سنعرفها – أرى من المفيد أن أقدم في البداية تحليل وصفيا للظاهرة ، ثم نردفه بقراءة فلسفية أنجزها رجل‬ ‫1 - الترمذي : ٨٤٥٣ . قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح .‬ ‫2 - قال الحاكم : » هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه « ] المستدرك على الصحيحين : ٨٨٢/٢ [ .‬
  • 19.
    ‫متخصص في علمالنفس الجتماعي تكشف عن بعض ما كان ينبغي أن تحدثه هذه الحقائق الجديدة من زلزال‬ ‫هائل في صرح الفلسفة الغربية المطبوعة في جملتها باللحاد1 والداروينية .‬ ‫المطلب الول : ظاهرة النسان الوحشي ) تحليل وصفي (‬ ‫تعرف هذه الظاهرة باسم ) النسان الوحشي ( أو ) الطفال الوحشيون ( ، والطفل الوحشي هو من ُـ ِـد‬ ‫ُق‬ ‫ف‬ ‫أو تُ ُـّـي عنه في مراحل التنشئة الولى ، و ُـرك وحيدا في معترك البقاء ، محروما من كل صلة بالمجتمع‬ ‫ت‬ ‫ـخ ل‬ ‫النساني 2 ، وكثير منهم يلقون رعاية من بعض الحيوانات الوديعة منها والضارية ، كالغزلن ، والخرفان ،‬ ‫والبقر ، والقردة ، والكلب ، والذئاب ، والدببة ، والخنازير ، والنمور . . .‬ ‫فـي سـنة ٣٦٩١ م كـان الستاذ ليـسـيان مـالـصون ‪ Lucien Malson‬قد أحصى في كتابه : » الطفال‬ ‫الوحشيون السطورة والحقيقة « اثنين وخمسين واقعة من وقائع التوحش النساني المكتشفة3 ، أما اليوم فقد‬ ‫بلغت ضعف هذا العدد 4 .‬ ‫ل يعرف إل نادرا السن الذي فارق فيه هؤلء الطفال مجتمعاتهم الصلية ، وقد تراوحت أعمارهم في‬ ‫تاريخ العثور عليهم بين سنة واحدة وأربعين عاما .‬ ‫ل يختص هؤلء الوحشيون بجهة واحدة من جهات العالم ، بل قد ظهروا في كل أنحاء الرض ، حتى‬ ‫البقاع المتطورة عمرانيا ، وقد وجد أطفال في أوربا والوليات المتحدة عاشوا توحشا قسريا داخل منازلهم تحت‬ ‫إشراف ذويهم5 . أما الذين وجدوا في الغابات والبراري – وهم الغلبية – فمنهم من عاش فيها فردا ، ومنهم من‬ ‫كفلتهم بعض الحيوانات وهم الكثرية ، ومنهم من لم يعرف حاله لشحة الخبار .‬ ‫خضعت بعض الحالت لرعاية علمية متخصصة راكمت تراثا علميا هاما . وكثير منها لم يحظ بذلك ،‬ ‫ولكن جمعت المعلومات عنها من مصادرها التاريخية ، وقد ل يوجد من ذلك إل النزر اليسير .‬ ‫1 - أفضل استعمال مصطلح ) اللحاد ( بدل ) المادية ( ، لن الول مصطلح قرآني ، وهو القدر على تفسير الحالة الغربية بالنسبة للعقل‬ ‫المسلم . وأما مصطلح ) المادية ( فهو مصطلح فلسفي ملتبس يضرب بجذوره في الثنائية الوجودية التي سبق لنا الحديث عنها ، فهو أحد‬ ‫مرادفات العالم السفلي ، عالم المحسوسات ، عالم الكون والفساد ، المقابل للعالم العقلي الروحاني . ومن المصطلحات الرائجة إلى اليوم في‬ ‫الفلسفة الغربية ، والتي تقربنا أكثر من مفهوم ) المادية ( مصطلح ) الطبيعة / الفيزيقا ( المقابل لـ ) ما بعد الطبيعة / الميتافيزيقا ( . وقد بينا من‬ ‫قبل أن هذه التقابلت ل مكان لها في السلم .‬ ‫ومقصودنا باللحاد تعطيل الرب سبحانه كليا بإنكار وجوده ، أو جزئيا بإنكار طائفة من صفاته إنكارا صريحا، وهذا الجزئي هو الكثر‬ ‫شيوعا ، وهو الذي دل عليه قوله تعالى : ) ول السماء الحسنى فادعوه بها ، وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون ‪‬‬ ‫] العراف : ٠٨١ [ ، أما الكلي فهو نادر في العالم ، ولم يذكر القرآن أحدا ادعاه إل فرعون ونمرود. لكن يلزم عن كل التعطيلين جحد قدرته‬ ‫تعالى على البعث والنشور ، قال تعالى : ) ومن آياته أنك ترى الرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت ، إن الذي أحياها لمحيي‬ ‫الموتى ، إنه على كل شيء قدير . إن الذين يلحدون في آياتنا ل يخفون علينا ‪]‬فصلت:٨٣-٩٣[ ولذلك كان من أحسن ما سمي به الملحدة‬ ‫)الدهريون( و)الدنيويون(. فاللحاد يطلق عليهم بالنظر إلى أسماء ال وصفاته ، والدهرية والدنيوية بالنظر إلى اليوم الخر ، وهما اعتباران‬ ‫متلزمان ، وكلهما صحيح النسبة لمجالنا الدللي ، وال أعلم .‬ ‫04-93:‪Voir Lucien Malson : « Les enfants sauvages , Mythe et Réalité » p‬‬ ‫2-‬ ‫4691 ; ‪Union Générale D’éditions‬‬ ‫57-27 :‪. Ibid‬‬ ‫3 - سيأتي الكلم عن صاحب هذا الكتاب قريبا‬ ‫4 - راجع الموقع اللكتروني : ) ‪ ( feralchildren.com/en/children.php‬وهو موقع متخصص .‬ ‫5 - انظر على الخصوص حالة الصبية جيني )‪ ( Genie‬التي اكتشفت سنة ٠٧٩١ م بمنزل أسرتها بكليفورنيا في سن ٣١ ، وإيـزابـيـل )‬ ‫‪ ( Isabelle‬الـتي عـثـر عليها فـي ســن السـادسة عام ٨٣٩١ م في أوهايو بالوليات المتحدة أيضا، وجاسبار هـوسـر )‪(Gaspar Hauser‬‬ ‫الـذي ظهـر سـنة ٨٢٨١ م في ألمانيا ، راجع الموقع اللكتروني المشار إليه سابقا ، وبالنسبة لحالة ) جاسبار ( يمكن الطلع على تفاصيلها‬ ‫في مؤلف مالصون ‪ Malson‬الذي سبق ذكره : ٥٧-٤٨ .‬
  • 20.
    ‫ولكي نقترب منهذه الظاهرة أكثر سنتعرف فيما يلي على العراض المشتركة أو الغالبة على هؤلء‬ ‫الوحشيين ، سواء ما تعلق منها بالنمو العضوي ، أو النفسي ، أو العقلي1 .‬ ‫١ – الناحية الجسمانية2 :‬ ‫لوحظت مجموعة كبيرة ومتنوعة من الظواهر الجسدية الغريبة على الطفال الوحشيين ، منها اختلفات‬ ‫في شكل الجمجمة ، والذراع الذي هو لديهم أطول من المعتاد ، مع أنه ل يوجد في لبن الذئاب مثل ما قد يسبب‬ ‫تغير حجم العظام أو شكل الجمجمة . وهذا ما أدى إلى ظهور تصنيف ليناني ) ‪ 3(Linnaenus‬في أوربا حينما‬ ‫بدأ النتباه إلى أطفال متخلى عنهم ، يعيشون في الغابات بعيدا عن الناس . كان هؤلء متشابهين إلى الحد الذي‬ ‫حمل ليناني على تصنيفهم باعتبارهم جنسا متميزا سماه النسان الوحشي ) ‪ ، (Homo Furus‬وقد افترض أنهم‬ ‫نوع من القزام الخرافية التي نادرا ما تظهر . لم يستطع ليناني أن يستوعب أن هذه الكائنات النصف عاقلة قد‬ ‫ولدت من أصل بشري ، وأن مشكلتهم جميعا هي الحرمان من الرتباط بأبناء جنسهم . فهذا الرتباط هو السبيل‬ ‫الوحيد الكفيل بصقل الحواس النسانية ، وإعطائها شكلها الصحيح .‬ ‫كثير من الخواص الجسدية التي تميز الطفال الوحشيين مردها إلى كونهم يمشون على أربع ، مما يجعل‬ ‫العضلت تنمو بشكل مختلف ، فتظهر لديهم تصلبات بالراحة والركبة والكعب ، وباقي مفاصل الرجل تعتاد‬ ‫النثناء في غالب الحيان .‬ ‫) كــمــل ‪ ( Kamala‬إحــدى هــؤلء الطـفـال ، تـم تـعـلمـيها النتصاب حتى تمكنت من المشي على‬ ‫قدميها ، لكنها مع ذلك كانت تفضل استعمال أطرافها الربع عند الجري ، وكانت تستطيع في هذه الحال أن تسبق‬ ‫البشر العاديين .‬ ‫أما الطفال الوحشيون الذين وجدوا يمشون على اثنين ، ويجرون بشكل عادي ، فقد ثبت أن بعضهم كان‬ ‫يستطيع ذلك قبل انفصاله عن المجتمع ، ولهذا يرجح مثل ذلك في بقيتهم .‬ ‫غالب هؤلء الطفال أقوياء ، ذوو أجسام ممشوقة ، يستطيعون العدو على أربع ، ويتسلقون بسهولة ،‬ ‫ويقفزون في العالي بخفة ورشاقة كأنهم البرق . والذين يعيشون منهم في كنف الحيوانات تصير لديهم حاسة شم‬ ‫قوية ، وسمع مرهف ، وبصر حاد خاصة بالليل . وكلهم ذوو صبر عجيب على الحر والقر والمطار .‬ ‫والغريــب أن عددا مــن هؤلء الصــبية لزمتهــم روائح كريهــة رغــم الســتحمام والغتذاء على أطايــب‬ ‫الطعام لعدة شهور .‬ ‫ومما لوحظ على هؤلء الوحشيين عجزهم عن استعمال أصابعهم كما يستعملها النسان العادي ،‬ ‫فأياديهم ليست ماهرة في إمساك الجسام ، ول معالجتها بحذق 4.‬ ‫1 - أشار الستاذ ليسيان مالصون إلى كثير من هذه العراض في كتابه المذكور ص : ٢٥-٥٥ . لكننا سنعتمد بشكل أكبر معلومات الموقع‬ ‫اللكتروني المشار إليه سابقا .‬ ‫2 - ‪www. Feralchildren . com / en / physical . php‬‬ ‫3 - هو العالم الطبيعي والطبيب السويدي ليني كارل فون ‪١٧٧٨ -١٧٠٧ ) Linné Carl von‬م ( ، اشتهر بجهوده في تصنيف النواع ،‬ ‫وكان ينشر مؤلفاته باسم كارلي ليناني أو كارلوس لينانوس ‪. Carlus Linnaenus‬‬ ‫انظر موسـوعة :‪. Encarta‬‬ ‫4 - 45 : ‪. Malson. Les enfants sauvages‬‬
  • 21.
    ‫٢ – الناحيةالنفسية والجتماعية1 :‬ ‫يعاني الطفال الوحشيون من تخلف النمو النفسي والجتماعي . ومن المعلوم أن هورمونات الضغط‬ ‫والتوتر تكبح في هذه الحوال هورمونات النمو لدى الطفل .‬ ‫كل هؤلء الطفال تقريبا قاوموا محاولة اصطيادهم ، وعدة منهم بعد ذلك حاولوا الفرار ، وقد نجح‬ ‫بعضهم في العودة إلى الغابة . يبدو أنهم في جملتهم ل يحبذون العيش في المجتمع النساني ، ونادرا ما أبدى‬ ‫بعضهم تعلقا بأحد الناس . وإذا وضعوا بين أترابهم العاديين لم يظهر عليهم أي اهتمام باللعب .‬ ‫يتمثل الطفال الوحشيون سلوك الحيوانات التي كفلتهم ، يتعلمون أصواتها وحركاتها ، ويكتسبون‬ ‫عاداتها الغذائية ، وهذا ما يعني في الغالب تناول اللحم النيئ ، والعزوف – في حال العودة إلى المجتمع – عن‬ ‫أنواع الغذية الخرى كالخضار ، بل حتى اللحم المطهي ، وقد عبر بعضهم عن رغبة متأججة في تناول الدم ،‬ ‫ورئي آخرون وهم يفترسون الدجاج . أما المشروبات فيلعقونها ، وأما الملبس فكانوا يرفضونها ويمزقونها .‬ ‫وفي مقابل توجسهم من المجتمع النساني كانوا يتوقون إلى رفقة الحيوان ، خاصة إذا أشبه نوع‬ ‫الحاضن ، فقد لوحظ مثل أن أطفال الذئاب تأنس إلى الكلب . والعجب أن الحيوانات البرية إذا لقيتهم كأنها تميز‬ ‫فيهم شيئا ما ، فتقترب منهم مع أنها تفر من غيرهم .‬ ‫أما العواطف فلم يعرف أن الطفال الوحشيين يضحكون أو يبكون ، لكن تعرض لهم نوبات من الغضب‬ ‫الشديد والهيجان قد تؤدي بهم إلى حال من الضراوة ، فيضربون ويخمشون ، وقد يخمشون أنفسهم أيضا .‬ ‫٣ – الناحية الذهنية ومسألة الكلم2 :‬ ‫من حيث اكتساب اللغة يمكن تقسيم هؤلء الطفال إلى مجموعتين :‬ ‫المجموعة الولى لم يعرف عنها شيء ، إذ أغفلت المصادر التاريخية الشارة إلى هذا الجانب ، وكأن‬ ‫المؤرخين يفترضون في هذه الوحوش الغريبة العجز الذاتي عن الكلم .‬ ‫المجموعة الثانية : لقيت رعاية ، وبذلت جهود منظمة مع طائفة منهم لتعليمهم الكلم . وأطفال هذه‬ ‫المجموعة قسمان :‬ ‫قسم تعلموا الكلم بشكل طبيعي ، وهم عدد قليل جدا ، وقد علل ذلك بأنه سبق لهم تعلم اللغة قبل‬ ‫اعتزالهم المجتمع البشري .‬ ‫القسم الثاني فشلت الجهود المبذولة حتى من طرف تربويين متخصصين في الوصول بهؤلء إلى الكمال‬ ‫العادي لبسط إنسان اجتماعي .‬ ‫يقول الستاذ مالصون ‪ L.Malson‬أن هناك خاصتين تتأكدان في المقام الول بالنسبة للنسان‬ ‫الوحشي ، فهو غالبا يمشي على أربع ، وهو أيضا عديم النطق 3 . ثم يقول : جل الوحشيين تقريبا لم يتوفروا‬ ‫مطلقا على لغة ، برغم المجهودات الكبيرة التي بذلت في بعض الحالت ، وفي المقابل قد يتمكن العديد منهم‬ ‫بالتدريج أن يصيروا منتصبين ، أو أن يستعيدوا انتصابهم4 .‬ ‫1 - ‪www.feralchildren.com/en/social.php‬‬ ‫2 - ‪www.feralchildren.com/en/language.php‬‬ ‫3 -25 : ‪. Les enfants sauvages‬‬ ‫4 - 35 : ‪. Ibid‬‬
  • 22.
    ‫وإذا أضفنا إلىمشكل اللغة عند هؤلء الوحشيين ما لوحظ عليهم من سوء تمييز للتضاريس والنقوش‬ ‫المرسومة على الورق ، وخلطهم بين الشياء وصورها ، وعدم تعرفهم على أنفسهم في المرآة 1 ، علمنا أنهم‬ ‫عاجزون عجزا جذريا عن التفكير التجريدي . وحتى ل يساء فهم هذه المسألة ينبه الستاذ مالصون على أن‬ ‫التخلف العقلي لـه سببان : أحدهما عضوي ، والخر عارض لسباب تربوية . وهذا الخير هو الذي يفسر بدقة‬ ‫حالة الطفال الوحشيين ، ويعصم الملحظة العلمية من الخلط بينهم وبين البله والمعتوهين 2.‬ ‫ولهذا اعترضت محاولت ) تأنيسهم ( صعوبات بالغة ، وبقيت رغم بعض النجاحات منقوصة ،‬ ‫وتتضاءل نسب النجاح بقدر ما يكون سن الطفل المستعاد متقدما . يعلل الستاذ مالصون ذلك بثلثة أشياء 3 :‬ ‫–استحالة العودة إلى السن الذي توقف عنده النمو النفسي والذهني .‬ ‫–استحالة الشفاء من التصلب الذهني .‬ ‫–ما نتج عن العزلة المطولة من مضاعفات نفسية مؤلمة وعميقة الثر .‬ ‫أخيرا لم نقل كل شيء ، ول إلى ذلك قصدنا ، فلهؤلء الوحشيين غرائب وأسرار يمكن الوقوف عليها‬ ‫بمراجعة الدبيات المتخصصة 4، لكن أغرب شيء لم نذكره ، وأغرب من كل ما ذكرنا ، هو غياب القوة‬ ‫الجنسية عند النسان الوحشي . وسبب الغرابة أنه يظهر بادي الرأي أن وجود هذه الغريزة ل صلة لـه بالتعلم‬ ‫والتربية ، وإنما هو شأن عضوي صـرف ، يقـول الستاذ مالصون : " كـل الكـتاب سجلوا بدهشة زائدة‬ ‫اللمبالة الجنسية عند النسان الوحشي " 5.‬ ‫وبهذا يتبين تهافت الفلسفة في تهويماتهم ، وبطلن نظرية ) الترك والتخلية ( التي اغتر بها متكلمون‬ ‫وفقهاء ، وفساد القياسات التي اصطنعها ابن تيمية وتلميذه ابن القيم لثبات إمكانية استغناء الفطرة في اقتضائها‬ ‫للسلم عن الشرط الجتماعي .‬ ‫ولنه قد جدت رؤى فلسفية ومزاعم ) علمية ( حول طبيعة النسان في سياق الحضارة الغربية ،‬ ‫سنعرض فيما يلي رأي أحد الدارسين الغربيين ، ثم نتعقبها ببعض التوجيهات والنتقادات المركزة .‬ ‫1 - 55 : ‪. Ibid‬‬ ‫2 - 96 : ‪. Ibid‬‬ ‫3 - 49 : ‪. Ibid‬‬ ‫4 - من فوائد الموقع اللكتروني الذي أخذنا عنه هاهنا تعريفه بالدراسات التي صدرت في هذا الشأن ، واشتماله على روابط تصل بمواقع بيعها‬ ‫على الشبكة العالمية ، ويمكن أيضا مراجعة لئحة بيبليوغرافية مفصلة عند الستاذ مالصون .‬ ‫5 -45 : ‪. Ibid‬‬
  • 23.
    ‫المطلب الثاني :ظاهرة النسان الوحشي ) رؤية فلسفية (‬ ‫ل يتمالك الواقف على وقائع التوحش عند بني النسان من التعجب كيف لم تأخذ مكانها اللئق في دنيا‬ ‫العلم ، ولم تشتهر بين الناس كما اشتهرت نظريات مفلسة ل تملك على مزاعمها واقعة عينية واحدة . وسينقلب‬ ‫العجب إلى صدمة إذا علم أن سدنة ) العلم ( في الغرب يضربون على هذه الظاهرة ستارا حديديا ، وإذا جادلوا‬ ‫المهتمين بها قللوا من شأنها ، أو سخروا وتهكموا كما هو شأن المبطلين1 .‬ ‫ولو فرضنا أن تلك الوقائع قد أعطت غير ما أعطت ، بحيث تعزز التجاه الطاغي المطبوع باللحاد‬ ‫والداروينية2 ، لصبحت حججا دامغة مشهرة يعرفها الخواص والعوام ، ولصارت وقائعها الحية مبسوطة في‬ ‫المقررات التعليمية عوضا عن تلك الخيالت المفترضة عن نشأة النسانية ، والتي تحشى بها أفئدة الناشئين‬ ‫وطلبة العلم3 .‬ ‫ليسيان مالصون ‪ Lucien Malson‬أحد القلئل الذين اعتنوا بهذه الظاهرة العجيبة ، بل امتاز عن‬ ‫غيره بخصلتين : الشجاعة ، والعمق الفلسفي . فهو ل يبالي في خلصاته أن تتهاوى تحت أقدامه أوثان العصر ،‬ ‫وأن تنهار الساطير المؤسسة للحضارة الغربية . ولعل هذا هو سبب تجاهله عينا وأثرا ، بحيث ل يعرف عنه إل‬ ‫ما كتب تحت اسمه في صفحة العنوان الداخلية من أنه أستاذ علم النفس الجتماعي بالمركز الوطني للبيداغوجيا‬ ‫) علوم التربية ( بمدينة بومون ‪ Beaumont‬الفرنسية ، وحينما استعنت بمحركات البحث على الشبكة العالمية‬ ‫وجدت اسمه في عدة مواقع تجارية وإعلمية وعلمية ، ول شيء غير اسمه وبعض كتبه المعروضة للبيع ،‬ ‫والتي تدل عناوينها على أنه ذا خبرة بفن الموسيقى وتاريخها . ومع ذلك لم أجد لـه ترجمة في الموسوعات‬ ‫العلمية العامة التي تحتفي بمن هو أقل منه شأنا . هذا مع العلم أنه ألف كتابه عن الطفال الوحشيين سنة ٣٦٩١ م‬ ‫وطبعه في السنة الموالية ، ثم صدر بعد ذلك في عدة طبعات . بل إن تواريخ صدور بعض كتبه تدل على أنه‬ ‫كان من أهل القلم منذ أربعينات القرن العشرين .‬ ‫ثم انقطع رجائي لما وجدت في أحد المواقع الفرنسية ملخصا لكتابه يقول صاحبه بأنه قد بذل مجهودا‬ ‫4‬ ‫كبيرا للتعرف على الكاتب دون طائل ، وقال إنه ل يدري حتى إن كان حيا أو ميتا !‬ ‫أما الكتاب فهو باللغة الفرنسية ، ولم يترجم إلى العربية حسب علمي ، وعنوانه الكامل : » ‪Les‬‬ ‫‪ ، «enfants sauvages , Mythe et Réalité‬ويقع في مائة صفحة من الحجم الصغير ، لكنه معزز بثلث‬ ‫ملحقات ، الول بيبلوغرافي وثائقي يشتمل على بيانات تتعلق بمائة ونيف من العناوين ذات الصلة ، وأغلبها‬ ‫1 - انظر : 87 ‪L. Malson : Les enfants sauvages , 11 et‬‬ ‫2 - مما ينبغي أن يعلم أن ما يسمى ) نظرية الخلق ( المبنية على أصول توراتية ، والمقابلة في الغرب لنظرية داروين في النشوء والتطور ، لم‬ ‫تنقرض قط ، وبقي من يقول بها من العلماء حتى مع اشتداد وطأة اللحاد ، أما اليوم فهي في ازدهار ، وبهذه المناسبة أزف إلى أهل اليمان‬ ‫هذه البشرى ، إذ في عدد من آخر أعداد مجلة ) ‪ ( Science et Vie‬جاء تحت عنوان » العودة القوية لنظرية الخلق « : " لم يسبق لصحاب‬ ‫نظرية الخلق أن أثاروا الهتمام كما هو الحال منذ أن صرح جورج بوش في الثاني من غشت ٥٠٠٢ بدعمه نظرية ذات أصل إلهي للحياة ،‬ ‫معتبرا أنها تستحق أن تدرس كما تدرس نظرية داروين.‬ ‫إذا صدقنا استطلعات الرأي ، فإن ٠٤ % من المريكيين تقريبا يعتنقون هذا المذهب الفكري المنبثق عن الصولية النجيلية . وبفضل هذا‬ ‫النجاح القوي صاروا يمتلكون اليوم " متحف الخلق " في كنتاكي ‪ ، Kentacky‬وهو يحكي تاريخ الحياة من وجهة نظر دينية " . ]‪Science‬‬ ‫5002 ‪[et Vie n° 1059 p:63 Nevembre‬‬ ‫3 - صار من المعلوم الن خضوع المراكز الكبرى للبحث العلمي وكثير من الجامعات الشهيرة لهواء أباطرة العالم وضغوطهم ، ولهيمنة‬ ‫بعض التيارات العقائدية ، مما يعني حجب الحقائق المضادة ، والتلبيس على الناس باسم العلم .‬ ‫4 - انظر : ‪www.lesocial.fr‬‬
  • 24.
    ‫باللغتين اللمانية والنجليزية. أما الملحق الثاني والثالث فقد تضمنا وثيقتين كان للكاتب الفضل في التعريف بهما‬ ‫، وهما عبارة عن تقريرين كتبهما الطبيب والبيداغوجي الفرنسي جــون إيــطاغ ‪١٨٣٨-١٧٧٤ ) Jean Itar‬م (‬ ‫حول حالة الطفل الوحشي الذي سماه فيكتور دولفيغون ‪ Victor de l'Aveyron‬بعد الجهود التي بذلها لعادة‬ ‫إدماجه في المجتمع . كتب التقرير الول سنة ١٠٨١ م والثاني سنة ٦٠٨١ .‬ ‫فما هي أهم الخلصات التي توصل إليها ليسيان مالصون في كتابه هذا ؟‬ ‫١– الطبيعة النسانية في الفكر الغربي الحديث‬ ‫كان العتقاد السائد في أوربا إلى نهاية القرن التاسع عشر أن النسان يولد بكل مقومات النسانية ، أي‬ ‫أنه يتوفر في ذاته على كائن مكتمل البنية ، قد تحددت طبيعته منذ البدء دفعة واحدة ، ول يحتاج إل إلى إظهار‬ ‫كوامنه بحسب ما يناسب كل مرحلة من مراحل النشأة .‬ ‫ومع شيوع الداروينية1 زعم ويليام جيمس ) ٢٤٨١- ٠١٩١م ( " أن البشر قد طوروا سلوكهم بأن‬ ‫أضافوا غرائز لغرائز أسلفهم ، وليس بأن أحلوا التعلم مكان الغرائز "2 ، وزعم أيضا " أن سلوك البشر يظهر‬ ‫براهين على غرائز أكثر استقلل عما للحيوانات وليس أقل "3.‬ ‫وردد بعضهم في اغترار ما ذهب إليه أحد علماء الحياة الفرنسيين ، إذ اعتبر النتقال من السطورة إلى‬ ‫العقلنية نتيجة لعامل فيزيائي–كيميائي في تركيب الخلية البشرية4 .‬ ‫لكن تطورات البحث العلمي خلل النصف الول من القرن العشرين أدت إلى إسقاط فكرة الطبيعة‬ ‫النسانية ذات الغرائز الصلبة 5. وأخذت مختلف المدارس الفلسفية تعلن أن ليس للنسان طبيعة بالمعنى العضوي‬ ‫6 ، حتى غلت الكثير من التيارات في العتدادا بالحتميات ذات الصبغة الجتماعية ) اقتصادية – سياسية – ثقافية‬ ‫...(.‬ ‫في هذا السياق ظهرت دراسة الستاذ ليسيان مالصون عن ظاهرة التوحش النساني لتلقي الضوء على‬ ‫قطاع من البحث يكاد أن يكون مجهول ، وهو وإن لم يكتب لـه الذيوع والشهرة على ما يزخر به من أسرار ، فقد‬ ‫فتح بدون شك أفقا جديدا تنطق فيه البينات والحجج بلسان أفصح مما تنطق به في فروع أخرى من علوم‬ ‫النسان.‬ ‫ولو أن هذا القطاع أخذ ما يستحق من العتبار ، لنحسم التردد الذي ل يزال يتجاذب الساحة العلمية في‬ ‫شأن الطبيعة النسانية ، ولستحيى أولئك النفسانيون الذين سعوا في ثمانينات القرن العشرين إلى إحياء مذهب‬ ‫1 - الداروينية نسبة إلى عالم الطبيعة النجليزي شارل دارون ) ٩٠٨١-٢٨٨١م ( ، وهو مؤسس نظرية النشوء والتطور التي يفسر بها أصل‬ ‫الحياة وسر التنوع الحيواني ، عرض نظريته في كتابه الشهير » أصل النواع « الذي صدر سنة ٩٥٨١ م ، وزعم فيه أن كل النواع تشعبت‬ ‫عن أصل حيواني واحد بفضل حكمة ) النتخاب الطبيعي ( الذي ينحاز دائما للقوى ، ويحكم بالفناء على الضعف لعدم صلحيته للحياة . وقد‬ ‫تحولت هذه النظرية إلى عقيدة اجتماعية نقلت قواعدها من الطبيعة إلى التاريخ فصاغت أبشع صفحاته ، ورغم أن بريق هذه العقيدة لم يبق على‬ ‫توهجه الول ، فل زال لها رسوخ في الغرب إلى اليوم .‬ ‫2 - الجينوم السيرة الذاتية للنوع البشري : ٣٢١ . تأليف مات ريدلي . ترجمة د. مصطفى إبراهيم فهمي . سلسلة عالم المعرفة .‬ ‫3 - نفسه : ٣١١ .‬ ‫4 - الطاهر وعزيز: » نظرة في تواريخ العلم : نشأة علم الفلك نموذجا « ضمن كتاب جماعي بعنوان : » دراسات في تاريخ العلوم‬ ‫والبستيمولوجيا « ص : ٣١ . منشورات كلية الداب والعلوم النسانية بالرباط ، ٦٩٩١ .‬ ‫5 - 9 : ‪Malson‬‬ ‫6 - 7 : ‪.Ibid‬‬
  • 25.
    ‫وليام جيمس7 ،ولكف غلة الوراثيين عن العتقاد بأنهم قد اكتشفوا سر الحياة مسطورا في الخلية ، وهيهات‬ ‫هيهات !‬ ‫٢– مذهب مالصون في الطبيعة النسانية‬ ‫السؤال الذي شغل بال مالصون في دراسته عن ظاهرة التوحش هو :‬ ‫ما الذي يجعل من ابن النسان إنسانا ؟‬ ‫يعبر السيد مالصون عن هذا الشكال بالقول :‬ ‫هل كل إنسان يتوفر بالوراثة – مهما كان الحال – على كل استعدادات النوع ودوافعه ؟ هل هناك ما‬ ‫يمنع في أسوأ الحوال من التلشي ، ويبقي على ذلك ) العمق النوعي ( الذي من أثره أن أي وليد للنسان لن‬ ‫يكون سليل للقرد أو للنملة ؟ 1.‬ ‫يقول السيد مالصون في مدخل كتابه2 ما معناه :‬ ‫إن علماء السلوك برغم أنهم قد سجلوا ظواهر من التعلم عند الحيوانات ذوات الجهاز العصبي المتطور‬ ‫جدا كالقردة ، وسجلوا أيضا ظواهر من الخضوع ليحاء المجموعة عند الحيوانات السفلى فيما يشبه التنويم‬ ‫المغناطيسي ، فإن ذلك ل يمنع فردا من أفرادها حين يفصل مبكرا عن جماعته أن يظهر – بالرغم من بعض‬ ‫الختللت – مميزات نوعه بكل دقة 3 ، مما يدل على أن الصلة بالشباه عند هذه النواع ليس ضروريا إلى‬ ‫الحد الذي يعطل غيابه النشأة العادية للفرد المعزول .‬ ‫أما عند الطفل فإن كل عزل تام يشي بفقدانه لولياته الصلبة ، أي لقابليات التكيف النوعي. هذا ما تشهد‬ ‫به وقائع الطفال المحرومين باكرا من كل الصلت الجتماعية ، أولئك الذين نسميهم » وحشيين «4 . فهؤلء‬ ‫يبقون في وحدتهم يتلشون إلى حد يبدون فيه مثل بهائم مثيرة للشفقة ، في الدرك السفل من الحيوانية ، وعوض‬ ‫أن نجدهم في حال من الطـبيعة تـسـمـح بظهـور النسان في مراحله البدائية الولى كما افترضها أصحاب‬ ‫نظريات التطور ، نجد أنفسنا أمام حالة شاذة تتحول فيها كل دراسة نفسية إلى دراسة تشوهات )‬ ‫‪.(Tératologie‬‬ ‫السلوك عند النسان في حقيقته ل يدين لوراثة الخصائص النوعية ، كما هو الشأن عند الحيوان ،‬ ‫فمنظومة الحاجات والوظائف الحيوية ) البيولوجية ( المنقولة وراثيا إلى النسان ل تميزه عن أي كائن‬ ‫متحرك ، بله أن تصنفه ضمن " النوع النساني" .‬ ‫لكن هذا الغياب لتحديدات تفصيلية يرادف تماما حضور إمكانات غير محصورة. فبدل من حياة مغلقة ،‬ ‫محكومة وموجهة بطبيعة معطاة ، تتجلى هاهنا كينونة منفتحة خلقة ومنظمة لطبيعة مكتسبة . وهكذا – تبعا‬ ‫7 - انظر » الجينوم « : ٤٢١ .‬ ‫1 - 72 : ‪. Malson‬‬ ‫2 - لخص الستاذ مالصون أطروحته في مدخل كتابه ) ص : ٧-٢١ ( ، ولهذا سنعتمدها اعتمادا أساسيا في عرض أفكاره ، مع بعض التصرف‬ ‫، وسنشير إلى كل إدراج في هذه الهوامش .‬ ‫3 - بـل هـنـاك حـيـوانـات ببـنـيات فـطـرية تكون عند ولدتها كما هي عند نضجها ، وهذا شأن كل النواع التي تستغني عن الحاضن والمربي‬ ‫كالسلمون ، والسلحفاة البحرية ، وثعبان السمك ) النقليس (، بل إن فراخ الوقاويق الطفيلية تربيها غير أمهاتها ومع ذلك تحافظ على‬ ‫خصائصها النوعية .‬ ‫4 - تجدر الشارة إلى أن التوحش هاهنا لـه معـنى غـير المعـنى المتداول عـند عـلـماء التاريخ ، وغير المعنى الذي تسب به الشعوب‬ ‫المستضعفة فتستباح من طرف من يرون لنفسهم منزلة في النسانية والتحضر يبوئهم مقام السيد في مجتمع العبيد.‬
  • 26.
    ‫للظروف الثقافية –يمكن أن تظهر مجموعة من النماط الجتماعية وليس نمطا واحدا بعينه ، فتتنوع بذلك‬ ‫النسانية بحسب الزمان والفضاء .‬ ‫إذن ما يتبقى من المشترك النساني – بعد البحث في الشباه والنظائر– هو عبارة عن بنية من‬ ‫المكانات ، بل قل : من الحتمالت ! التي ل يتحقق واحد منها دون سياق اجتماعي كيفما كان . إذ قبل التصال‬ ‫بالخر ، وملقاة الجماعة ، ل يكون النسان سوى افتراضات أخف من بخار شفاف! وكل تك ّـف فيه يقتضي‬ ‫ث‬ ‫وسطا ، أي عالم الغيار.‬ ‫ل ندري أي فرضية صالحة لن تصاغ حول أصل النسان ، نستطيع فقط أن نخمن أن كائنات طافرة‬ ‫استفادت إفادة جليلة من مجتمع سبق ظهور النسان ، مجتمع ل بد من وجوده قبل أن يكون ممكنا وجود إنسان‬ ‫واحد .‬ ‫مهما كانت حقيقة تلك الطفرات التي حرصت نظريات التطور على تصويرها لنا ، ودعانا علم النفس‬ ‫الجتماعي إلى تسليمها، فإننا نستنتج على القل أنه يوجد اليوم كائن ليس قطعا كباقي الكائنات ، "منظومة‬ ‫مركبة" ، لكن عليه أن يتلقى كل شيء ، وأن يتعلم كل شيء ، نموه الداخلي – ذاك الذي نعزوه إلى قواه الخالصة‬ ‫واستعداداته الفطرية – هو – كما قلنا ونعيد القول– في صلبة سحابة !‬ ‫سقوط فكرة الطبيعة النسانية يرجع بدون شك إلى متغيرات اجتماعية اقتصادية ، ودوافع سياسية‬ ‫قيمية ، لكن لـه بدون جدال أسبابه العلمية ، هذه السباب هي التي سنتصدى لتمحيصها في هذا الكتاب1. . .‬ ‫الطبيعي في النسان هو ثمرة الوراثة ، والثقافي ثمرة التراث ) توريث فطري ‪ congénital‬يحصل‬ ‫أثناء التخلق نفسه ، قبل الولدة وبعدها ، ويستمر بعد الميلد طيلة مرحلة التربية ( . ليس من السهل – أصل –‬ ‫وضع حدود للثقافي وحدود للطبيعي في المجال العضوي الخالص ، فحجم الطفل ووزنه مثل يتبعان القدرات‬ ‫الوراثية ، لكنهما أيضا يتبعان شروط المعيشة الجيدة أو غير الجيدة التي يسمح بها مستوى التحضر ونمطه .‬ ‫فبقدر ما ينقص الغذاء ، والضوء ، والحرارة ، وأيضا العواطف ، بقدر ما تضطرب الصورة المثلى للنمو . أما‬ ‫في ميدان علم النفس ، فإن صعوبات الفرز الحاد بين الطبيعي والثقافي ، قد صارت – بكل بساطة – من‬ ‫المستحيلت المحضة . إن الحياة العضوية لها شروط فيزيائية خارجية تسمح لها بالوجود والنتهاض ، كذلك‬ ‫الحياة النفسية للنسان لها شروط اجتماعية تمكنها من النشأة والبقاء .‬ ‫هـنـاك مـلحـظـة يتناقـص وضـوحها كلما تدرج النظر من النواع السفلى إلى العليا ، أل وهـي أن‬ ‫سـلــوك الـحـيــوان شـديــد الرتـبـاط بالـنـظـام الـذاتـي للـبـدن )‪ ، ( automatismes corporels‬مما يدل‬ ‫على أن وراثة الغرائز ليست في العمق سوى تجل من تجليات الوراثة الفيزيولوجية . أما عند النسان فمفهوم‬ ‫الوراثة النفسانية على العكس من ذلك ، خاصة إذا كان المقصود بتلك الوراثة النفسانية انتقال جوانيا للفكار‬ ‫والحاسيس والرادات ، مهما كانت الصيرورة العضوية المتخيلة لمنبعها ، وعليه يفقد مبدأ الوراثة النفسانية كل‬ ‫دللة يمكن تفهمها .‬ ‫1 - يقصد كتابه الذي نقتبس منه .‬
  • 27.
    ‫هذا ما توجهناعلوم النسان لعتقاده . في مجال الحياة الفكرية وضعت الحتمية الوراثية ، الفردية منها‬ ‫والنوعية1 ، في غربال المناهج الموضوعية ففقدت انتسابها إلى الحقائق ، والتحقت بالمزاعم في متحف‬ ‫الخرافات والساطير! يبدو للوهلة الولى أن مراجعة الرث النفساني الفردي كان وقعها على اليقينيات القديمة‬ ‫أقل أثرا من الصدمة التي أحدثتها مراجعة الرث النفساني النوعي ، على القل أول مفهوم متهافت – ولو أنه‬ ‫ظل قائما– هو كون الجنين يتوفر على استعدادات نفسية للنوع ، أو لنقل للنسان عموما. إن إعادة النظر في‬ ‫المفهوم الثاني يعتبر مراجعة أكثر عمقا للمسلمات العتيقة ، وأسلوبا أكثر جذرية في تفكيك فكرة الطبيعة النسانية‬ ‫. من هنا نفهم لماذا لقيت هذه الحركة – المناهضة للطبيعة خاصة – أشرس معارضة من طرف " الرأي‬ ‫العام".‬ ‫نقد الرث النفساني الفردي انتجز ضمن اتجاهين مختلفين لكنهما مترابطان : علم الجتماع العائلي ،‬ ‫ودراسة التوائم . كما انتظم نقد الرث النفساني النوعي بمنهجين مختلفين : علم الناسة الثقافية ) النثربولوجيا‬ ‫الثقافية ( ، وتحليل حالت العزل التام .‬ ‫ونحو هذا القطاع الخير ، الذي ل يعرف عنه إل القليل ، والذي يكاد يكون جل ما ألف فيه هو باللغتين‬ ‫اللمانية والنجليزية ، سوف نوجه اهتمامنا ، دون أن نهمل التذكير، قبل كل شيء، بالمكتسبات الساسية في‬ ‫القطاعات الخرى ، إنارة ، وتأكيدا ، وتشجيعا على قبول الحقائق التي سيتوالى ظهورها في قطاعنا .‬ ‫وهكذا ستصلح كل المعارف الحالية عن الوراثة العقلية أن تكون حججا إضافية تتوارد نتائجها على‬ ‫إثبات أن الطبيعة النسانية عند الطفال " الوحشيين" كانت دائما تتوارى عن النظار ، لنها ل تظهر إل بعد‬ ‫الوجود الجتماعي .اهـ‬ ‫٣– تعقيب فيه استكمال واستشكال‬ ‫هذه هي الرؤية التي خرج بها الستاذ ليسيان مالصون من دراسته الجريئة لموضوع التوحش عند بني‬ ‫النسان ، ولهذه الرؤية ذيول وتفاصيل ، ولوازم وتداعيات ذوات شأن وخطر ، لكننا سنكتفي من ذلك بما لـه‬ ‫صلة مباشرة بقضية هذا البحث .‬ ‫أخطر ما أكدته دراسة مالصون الحقيقة التي أعلنها في السطر الولى من كتابه ، وهي التي تتعلق‬ ‫بالجواب على سؤال : ما النسان ؟ ذلك السؤال الذي أثاره قديما فلسفة اليونان المفتونون بقدرة العقل على‬ ‫اقتناص الجواهر والذاتيات ، والتفريـق بينها وبين الصـفـات العـرضية ، وكـان أشـهـر جواب سارت به‬ ‫الركبان : ) النسان حيوان ناطق ( . ومهما أخذنا في العتبار ما اقترحه المعترضون من خواص وفصول بديلة‬ ‫أو إضافية لحكام هذا الحد جمعا ومنعا ، كالقول بأنه المفكر ، أو الـمـنـتـصب عـلى قدمـيـه ، أو الضـاحـك . .‬ ‫. فإن جميع تلك القيود تنحل إذا وقــع النسان فـي أسر التوحش ، حيث تندثر بكل بساطة » ماهيته « ، وتغيب‬ ‫فجأة » ذاتياته « ، فإذا بنا إزاء » إنسان « بدون إنسانية ، مادة بل صورة ، شبح يشهد على ذاته بالقصور‬ ‫الجذري .‬ ‫1 - يقصد بالوراثة النوعية ما يحقق المشترك النساني . أما الوراثة الفردية فهي التي تعطي فروقا بين الفراد في إطار النوع .‬
  • 28.
    ‫لقد أحسن الستاذمالصون حين اختار أن يعرف ) النسان ( بأنه " كائن لـه تاريخ ، أو بالحرى هو‬ ‫نفسه تاريخ "1 . وقصده بذلك أن ) النسانية ( ليست معطى طبيعيا ، وإنما هي نتيجة النتماء الثقافي للفرد .‬ ‫فصلته ببني جنسه ، والدروس التي يتلقاها قصدا أو عفوا عن محيطه الجتماعي ، والنماذج السائدة في مجاله‬ ‫الثقافي ، هذه البعاد هي التي تشكل إنسانيته 2 . هكذا إذن يدعونا الستاذ مالصون إلى التسليم بأن النسان لن‬ ‫يكون إنسانا خارج الفضاء الجتماعي 3 ، لنه ل وجود لطبيعة إنسانية سابقة على وجود المجتمع 4 . ومن ثم‬ ‫يصر بعناد على أن " النسان ل يولد ، ولكن يبنى "5 .‬ ‫ل ينبغي أن نتسرع في اتهام مالصون بإنكار الغرائز ، وعدم العتراف بأهمية البنية العضوية في النشأة‬ ‫النسانية ، لنه يقر مبدئيا بجدلية تتفاعل في إطارها الـوراثـة الجـينية بالتراث القومي ، فيخصص كل منهما‬ ‫الخر ، ويعطيه صورة معينة 6 ، لكن مالصون بدون شك يدافع باستماتة عن رجحان التراث في إطار تلك‬ ‫الجدلية ، وعن أثره الحاسم في بناء النسان ، وتشكيل مداركه المعرفية والعاطفية ، وهذا ما تشهد به علوم‬ ‫النسان 7 ، في مقابل عجز وراثي ل يصدق لول أن وقائع التوحش تقطع قول كل خطيب 8 .‬ ‫إذن ما نسميه ) عقل ( هو في نهاية التحليل عند مالصون مجرد توريث ثقافي ، وما نسميه ) طبيعة‬ ‫إنسانية ( هو في حقيقته مستفاد من التربية والتعليم في سياق مـطـبـوع بميسم التاريـخ . ومن هنا يندفع مالصون‬ ‫بدون تردد ول احتياط إلى إنكار ) الطبيعة النسانية ( باعتبارها مشتركا نوعيا ، ويقطع بأن هذا المصطلح هو‬ ‫عبارة فارغة مطلقا من أي معنى 9. والحاصل الذي ل حاصل سواه أن النسان ) كائن تاريخي ( .‬ ‫هكذا يحول مالصون عملية الحفر عن الجذور من مجال التشريح إلى المأثورات الثقافية ..إلى السؤال‬ ‫عن أسانيد ) النسانية ( التي ل بد أن تتصل ببداية ما ، فماذا كان في البدء يا ترى ؟‬ ‫يبدو السيد مالصون مرتبكا إزاء هذا السؤال المشكل ، لقتناعه بأن نظريات التطور ومدارس علم النفس‬ ‫في الغرب تقف عاجزة في بداية العقبة ، وهو نفسه يعترف بالعجز عن صياغة فرض محكم حول أصل‬ ‫النسان ، لكنه ينكس على رأسه ويقتحم اقتحام الكسيح قائل : " نستطيع فقط أن نخمن أن كائنات طافرة استفادت‬ ‫إفادة جليلة من مجتمع سبق ظهور النسان ، مجتمع ل بد من وجوده قبل أن يكون ممكنا وجود إنسان واحد "01.‬ ‫هذا لعمري موضع المثل الشعبي : " الفيل يحتاج إلى فيلة " ! فقد كنا أمام إشكال واحد هو ) أصل‬ ‫النسان ( فزادنا مالصون من شدة الذهول إشكال آخر هو أشد استغلقا : ) مجتمع كـان قبـل النسان فيه انبثقت‬ ‫أصول النسانـيـة ( ، فهل سيحل هذا الـفـرض المـقـترح طـلـسـم )النسانية( ، أم سيدفع بنا إلى متاهة البحث عن‬ ‫الصول في سلسلة من الحلقات المفقودة ، والتي ل أول لها !‬ ‫هذا الستعجام العقلي يعود في نظري إلى أمرين :‬ ‫1 - 7 : ‪. Malson‬‬ ‫2 - 001 : ‪. Ibid‬‬ ‫3 - 55 : ‪. Ibid‬‬ ‫4 - 93 : ‪. Ibid‬‬ ‫5 - 19 : ‪. Ibid‬‬ ‫6 - 62 : ‪. Ibid‬‬ ‫7 - 82-72 : ‪. Ibid‬‬ ‫8 - 91 : ‪. Ibid‬‬ ‫9 - 04 : ‪. Ibid‬‬ ‫01 - 9 : ‪. Ibid‬‬
  • 29.
    ‫الول : أنالحضارة الغربية أسست علومها على اللحاد ، ول تعترف بأي تفسير علمي ينطلق من‬ ‫العتقاد بالخالقية ، والتدبير اللهي للكون ، والرعاية الرحمانية للنسان .‬ ‫والثاني : سيادة التفسير الدارويني لصل النسان ، وهو مذهب – على تهافته – ل يزال راسخا في‬ ‫الوجدان الغربي ، ل لجدارته ، بل لن البديل عنه هو اليمان بالخالق المدبر الحكيم ، لكن هذا البديل يتمثل لهم‬ ‫في شبح الكنيسة ، فينفرون عنه أشد النفار .‬ ‫على أننا لو تأملنا ما خمنه مالصون ، بغض النظر عن نقائضه وما أكثرها ، فسنجد فيه بداية طيبة‬ ‫لمسار جديد ، لن قصده أن ) النسانية ( ل صفر لها في تاريخ النسان ، ومن هنا كان ل بد أن نسأل : من علم‬ ‫النسان الول أن يكون إنسانا ؟ ما دام هذا الكائن الغريب – كما يؤكد مالصون – يحتاج أن يتعلم كل شيء في‬ ‫عود أبدي يتجدد مع كل مولود .‬ ‫ولكي نعي ما تحت هذا التأكيد من أسرار ، يكفي أن نقول من باب الفتراض المستند إلى ما سبق بيانه‬ ‫في خصائص التوحش النساني : إن النسان لو لم يتعلم مبدأ الزوجية ، لما أفلح فيما تفلح فيه أقل النواع شأنا‬ ‫بمجرد توجيه غريزي وهو حفظ النوع ، إذن لنقرض لول عهده بالظهور ، ولكان مجرد ) طفرة ( خائبة أشبه‬ ‫بحصاد الطفار الفاشل الذي ُطفره علماء الحياء في تجارب الستنساخ .‬ ‫ي‬ ‫فما بالك – بعد هذا – بما هو أعقد من حفظ النوع ؟ ما بالك باللغة ؟ وما بالك بما وراء اللغة من علوم‬ ‫فطرية ل يكاد يخلو عنها ناطق ؟ فهل ينبغي لهذه العلوم وما تولد عنها إل أن تكون تعليما من رب العالمين‬ ‫الرحمن الرحيم ؟‬ ‫فما أعقل من قال : ) سبحانك ل علم لنا إل ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ‪ ] ‬البقرة : ١٣ [ وما أصدق‬ ‫من قال : ) الرحمن علم القرآن ، خلق النسان علمه البيان ، الشمس والقمر بحسبان ، والنجم والشجر يسجدان ،‬ ‫والسماء رفعها ووضع الميزان ، أل تطغوا في الميزان ، وأقيموا الوزن بالقسط ول تخسروا الميزان ، والرض‬ ‫وضعها للنام ، فيها فاكهة والنخل ذات الكمام ، والحب ذو العصف والريحان ، فبأي آلء ربكما تكذبان ‪‬‬ ‫] الرحمن : ١-١١ [ .‬ ‫ختاما ماذا سنستفيد نحن المسلمون من هذه الية التي أذن لها اليوم أن تنطق بما يحير اللباب ، نحن‬ ‫الذين نعتقد بأن القرآن يستحيل أن يرد بما يخالف الحـس . ونحن الذين عندنا وعد من ال تعالى بأن يظهر من‬ ‫المؤيدات على تعاقب الزمان ما يشهد لمحمد ت بالنبوة ، ولهذا القرآن بأنه ‪ ‬كتاب عزيز ل يأتيه الباطل من بين‬ ‫يديه ول من خلفه ، تنزيل من حكيم حميد ‪] ‬فصلت:٠٤-١٤[ قال عز وجل ‪ ‬قل أرأيتم إن كان من عند ال ثم‬ ‫كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد ! سنريهم آياتنا في الفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ، أولم‬ ‫يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ‪ ] ‬فصلت : ١٥-٢٥ [ .‬
  • 30.
    ‫المبحث الثالث :نحو رؤية جديدة لمفهوم الفطرة‬ ‫إذا اطرحنا ما أخذناه على ابن تيمية من اشتطاط في نفي الشروط ، سيحصل عندنا من مفهوم الفطرة‬ ‫مسائل تأتلف عليها نصوص الوحي ، ول تنقضها الوقائع . وإذا اطرحنا من جهة أخرى عدمية مالصون في‬ ‫موضوع الطبيعة النسانية المشتركة ، أو ما يسميه : " الموروث النوعي "1 ، ستحصل عندنا أيضا خلصات‬ ‫تؤيدها الوقائع ، ول تنقضها بيانات الصانع .‬ ‫فلم يبق إل أن نقول مع ابن تيمية : إن الفطرة قوة توجب اعتقاد الحق وإرادة الخير . وأن نقول بناء على‬ ‫ما أفادناه الستاذ مالصون : إن ذلك موقوف على الوجود في مجتمع إنساني .‬ ‫وقبل أن نقرر كيف يمكن أن نجمع بين طرفي هذه الثنائية ، نقدم بين يدي ذلك ما يؤكدها – أول – من‬ ‫الحقائق العلمية ، ثم من آراء بعض الفلسفة والباحثين المحدثين ، حتى إذا انتهينا إلى ما يلزمهم من محالت ،‬ ‫وما تورطوا فيه من مآزق ، شرعنا في بيان المذهب الذي نرتضيه . . وال المستعان .‬ ‫المطلب الول – أدلة وآراء تؤيد أن الفطرة تتخلق في رحم المجتمع‬ ‫من المعلوم اليوم بالقطع أن دماغ المولود ل يكون تام البنية ، مستعدا ولو بالقوة لكل الوظائف التي‬ ‫يؤديها دماغ البالغ ، بل يحتاج لسنوات كي يستكمل نضجه2 . فالجهاز البصري مثل ل يكون كما هو عند البالغين‬ ‫إل في السنة العاشرة بعد الولدة3 . ولكي يفهم الطفل الخطاب ويحسن الجواب يحتاج في المتوسط من خمس إلى‬ ‫سبع سنوات من المخالطة واللقاء بالغيار . ول يتمكن تماما من النتصاب والمشي في اعتداد على قدميه إل بعد‬ ‫السنة الولى من عمره . ول يمهر في معالجة الجسام بيديه ، واستعمال أصابعه بحذق إل بعد ذلك بكثير . . .‬ ‫كل هذا وغيره يدل على أن الكفايات ذات الطابع النساني الصرف هي كفايات غير مبرمجة عضويا .‬ ‫فعلى أي أساس إذن توصف بكونها فطرية ؟‬ ‫يـقـول عـالـم الجـتـمـاع والفيلسوف الفرنسي إدﮔـار موران ‪ . . . . -١٩٢١ ) Edgar Morin‬م( : "‬ ‫هي فطرية بالنظر إلى كونها مبنية على ترتيب دماغي محدد وراثيا . فبعض تلك الكفايات تؤسس في الحال‬ ‫بنيات أولية لتنظيم الدراك . . . بينما ينطلق بعضها الخر من طور بعدي أثناء تشكل الدماغ ، حيث تظهر‬ ‫بنيات لتنظيم التفكير واللغة ، لكنها متوقفة في تحققها على تجارب حساسة . أي أنها تحتاج إلى التدخل الفعال‬ ‫للمحيط ) الجتماعي ( والثقافة من أجل المشاركة في تنظيمها "4 .‬ ‫ويقول أيضا : " لكي ينبثق العقل من الدماغ ، ل يكفي أن يعمل الدماغ وحده ، بل ل بد أن يستثار عمله‬ ‫بالمحيط المومي ، واللغة الملقنة ، والثقافة . بتعبير آخر ل يكون العقل ممكنا إل بوجود ثقافة ودماغ . فالكـائـن‬ ‫الـذي لـم يـعـرف الثقافة ، ليس إل كائنا في أدنى مراتب الرئيسات ) ‪ ، 5(Les Primates‬يتسربل بالعجـز عـن‬ ‫1 - يميل الستاذ مالصون كما رأينا قبل إلى أن الطبيعة النسانية طبيعة احتمالية ، وكأنه يقول بوجود إنسانيات ل إنسانية واحدة ، ومرجع‬ ‫تعددها في نظره إلى التعدد الثقافي ، وقد شكك في الصفحة ١٣ من كتابه في وجود طبيعة إنسانية مشتركة.‬ ‫2 - يصل الدماغ إلى حجمه الكامل عندما يبلغ الشخص سن السابعة عشر . انظر كتاب : » عقل النسان في الفلسفة والطب والقرآن « : ٢٤١ .‬ ‫ط ١ / ٣٢٤١ هـ - ٢٠٠٢ م . دار النفائس ، دمشق- بيروت‬ ‫3 - انظر مقال : » العجاز العلمي للقرآن الكريم في السمع والبصر والفؤاد « د. صادق الهللي . ع ٩ من مجلة العجاز العلمي ٢٢٤١ هـ .‬ ‫231 : ‪. le Paradigme perdu : la nature humaine, 1973, p‬‬ ‫4-‬ ‫‪www.univ-tls2.fr/multimedia/bazdsc/intra/intra nour1 1.htm‬‬ ‫نقل عن :‬ ‫5 - الرئيسات مجموعة من الثدييات يصنف ضمنها النسان . أهم خواصها اليدي والرجل القادرة على المساك بالصابع ، تتمكن ولو جزئيا‬ ‫من النتصاب ، وليس لها مخالب بل أظافر مسطحة . ول يخفى أن هذا التصنيف ذو أصل دارويني .‬
  • 31.
    ‫تنمية مـواهـبه العقلية. هكذا نستوعب إذن روعة العتماد المتبادل بين مكتسبات النسان الفكرية والنفسية ،‬ ‫ومواهبه الدماغية والبيولوجية "1 .‬ ‫وانطلقا من عقيدة داروينية راسخة ل يجد البروفيسور موران ‪ Morin‬أدنى حـرج في أن يخلط‬ ‫الحصافة بالسخافة وذلك حين يقول: " إن الغاية التي انتهت إليها ) النسنة ( ] أي في سلم التطور [ هي في‬ ‫الوقت نفسه بدايتها ، فالنسان الذي اكتمل فـي طـور الكـائـن المـفـكـر ‪ Homo sapiens‬هـو نـوع هـش‬ ‫وطـفـولي ، دمـاغـه الـرائـع أخرق في غياب الجهاز الثقافي ، مواقفه كلها تحتاج إلى تغذية صناعية . على هذا‬ ‫تستوي ) النسنة ( ، على النقص التام والجذري المبدع للنسان ! "2 .‬ ‫ما أشبه آخر هذا الكلم بنقيضة مالصون ، ول يعدو أن يكون زخرفا من القول ، فيا ليت شعري كيف‬ ‫يهب النقص الجذري كمال ؟ وكيف يكون العاجز مبدعا ؟ وهل فاقد الشيء يعطيه؟!‬ ‫خواص النسان إذن بنات عوائد ، يتطبع بها الطفل وترسخ في وجدانه وسلوكه بالتقليد والتكرار ، مع‬ ‫أنها – وهذه هي المفارقة – ضرورية لتحقيق صورة النـسـانية ، وقـد تنبه الـعـلمة ابن خلدون إلى شيء من‬ ‫هذا وسجل ملحظته قائل : " إن النسان ابن عوائده ومألوفه ، ل ابن طبيعته ومزاجه ، فالذي ألفه في الحوال‬ ‫حتى صار ُلقا وملكة وعادة ، تنزل منزلة الطبيعة والجبلة "3 .‬ ‫خ‬ ‫ويعجبني في هذا الباب ما نقله الستاذ مالصون عن أحد المهتمين بظاهرة التوحش إذ قال : " يتميز‬ ‫النسان عن الحيوان بكونه يولد ناقصا ، وتأخذ شخصيته في التخلق بعد الولدة عبر سلسلة من الرحام الثقافية ،‬ ‫4‬ ‫والتي هي أهم في نموه من رحم الم "‬ ‫ويـنـقـل أيضـا عن الفيلسوف اللماني كارل جاسبي ‪ ١٩٦٩-١٨٨٣) Karl Jaspers‬م( قولـه : "‬ ‫مكتسباتنا ، وتقاليدنا ، وتربيتنا هي التي تجعل منا إنسانا من الناحية النفسانية "5 .‬ ‫وقد ادخرت لخاتمة هذا المطلب كلمة نفيسة لستاذنا جودت سعيد المفكر السلمي المعروف ، وهي‬ ‫كلمة وإن كانت مبنية على أساس الظن والتخمين ، فإن ما ظنه وخمنه قد أصاب فيه ما شاء ال ، حتى كأنه مطلع‬ ‫على وقائع التوحش النساني ، وعلى ما قرره بعض فضلء الغرب حول حقيقة النسانية التي يتمتع بها هذا‬ ‫الكائن الغريب ، يقول أطال ال عمره :‬ ‫" لو أخذنا مولودا حديثا من الحيوانات ، وليكن من البقر ، وربيناه من غير أن يرى واحدا من بني جنسه‬ ‫، حتى إذا بلغ مرحلة الخصاب ، وأدخلناه بين بني جنسه ، ل نجد فرقا كبيرا بينه وبين الذي عاش بين أفراد‬ ‫جنسه . ولكن لو تصورنا هذا المر في جنس النسان ، فأخذنا طفل من يوم ولدته ، وبطريقة ما وصل هذا‬ ‫الطفل إلى مرحلة الخصاب ، دون أن يرى أحدا من بني آدم ، كيف نتصور أن يكون هذا النسان عندما ندخله‬ ‫إلى بني جنسه ؟ يمكنك أيها القارئ أن تتخيل كيف سيكون هذا النسان ؟‬ ‫1 - 81 : ‪. Cyrulnik et Morin , 2000 , p‬‬ ‫‪www.univ-tls2.fr/multimedia/bazdsc/intra/intra nour1 3.htm‬‬ ‫نقل عن :‬ ‫2 - 301 : ‪. le Paradigme perdu : la nature humaine, 1973, p‬‬ ‫‪www.univ-tls2.fr/multimedia/bazdsc/intra/intra nour2 2.htm‬‬ ‫نقل عن :‬ ‫3 - المقدمة : ٥٩ .‬ ‫98 : ‪. Malson‬‬ ‫4-‬ ‫5 - 65 : ‪. Ibid‬‬
  • 32.
    ‫إنه ل يستطيعأن يتكلم أية لغة من اللغات ، بل تكون قد فاتته المرحلة الذهبية في تعلم لغة ما بسهولة‬ ‫ويسر . ثم كم جانب من جوانب القدرات النسانية يظل ضائعا ؟ بل إن هذا النسان يكون أدنى من الحيوانات ،‬ ‫لن الحيوانات بغرائزها تنظم حياتها ، بينما النسان مركب من قدرات النسان التاريخية التي اكتسبها عبر مر‬ ‫التاريخ ، كالمور الخلقية ، ومعنى الحلل والحرام ، والحق والواجب ، وما إلى ذلك من أمور .‬ ‫ومهما حلقت في التفكير ، فما أظنك تحيط بما يفقد هذا النسان بفقده الحياة مع بني جنسه.‬ ‫ومن هنا نعلم أن النسان ل يمكن أن يستقل عن بني جنسه ، ليس عن بني جنسه المعاصرين لـه ، بل‬ ‫عن بني جنسه القدمين ، لن كل المعارف التي للجيال الماضية تعطى مختصرة للطفل الذي ينشأ في‬ ‫المجتمع . وبهذا يعرف أن النسان يكتسب قدرات هائلة ، ولو كان في قبيلة بدائية1 ، لننا ل نشك في أن الفرق‬ ‫كبير بين من نشأ في قبيلة ولو بدائية ، وبين من لم ير إنسانا قط .‬ ‫وكذلك يمكن ملحظة الفرق بين من نشأ في قبيلة بدائية ، وبين من نشأ في مجتمع متمدن . وهذا يدلنا‬ ‫على أن النسان حين يولد فإن المجتمع هو الذي يعطيه القدرات المكتسبة المتراكمة على مر التاريخ .‬ ‫ينبغي أن ل ننسى هذا ، وهو أن النسان في قدراته وصلته بالكون والنسان في حاجة إلى أن نلخص‬ ‫لـه تاريخ مكاسب النسان كلها ، لنعطي لـه خلل سنوات قصيرة كل ما تعبت به البشرية في الحصول عليه‬ ‫خلل آلف السنين . وهذا أوضح ما يكون في العلوم : الطب ، والفلك ، والرياضيات . . . فكم تعبت البشرية‬ ‫حتى وصلت إلى ما وصلت إليه في هذه العلوم "2.‬ ‫آن لنا أن نثير الشكال العضال : كيف حدثت تلك الرحام الثقافية ؟ وما أصل العوائد والتقاليد ؟ وما مبدأ‬ ‫التراث القومي والنساني ؟‬ ‫بصيغة أبسط : كيف صار أول إنسي إنسانا ؟ ومن أفاده – وهو العاجز الناقص – كماله المعهود ؟‬ ‫المطلب الثاني – عودة إلى البيان القرآني‬ ‫قد رأينا في قصة البداية ما يتوافق مع ما استخلصناه من وقائع التوحش ، أي حاجة النسان إلى اقتباس )‬ ‫إنسانيته ( من خارج ، وعجزه الجذري عن أن يكون إنسانا بمجرد الغريزة . فأبونا آدم عليه الصلة والسلم –‬ ‫وهو أول إنسان – كان نبيا معلما مكلما . وحين واقع الخطيئة وهبط من الجنة احتاج أن يتعلم التوبة لنها أول‬ ‫خطيئة في قصة النسانية : ) فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم ‪ ] ‬البقرة : ٦٣ [ ثم عقبه‬ ‫بقوله : ) قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فل خوف عليهم ول هم يحزنون . والذين‬ ‫كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ‪ ] ‬البقرة : ٧٣-٨٣ [ فدل ذلك على أنه ل مؤاخذة إل‬ ‫بعد مجيء الرسل وبلوغ الحجة ، لن صورة النسانية بدون ذلك تبقى ناقصة ، وهذا يشبه في المعنى قوله د :‬ ‫» رفع القلم عن ثلثة : عن النائم حتى يستيقظ ، وعن الصبي حتى يحتلم ، وعن المجنون حتى يعقل «3 .‬ ‫1 - لي تحفظ كبير على استعمال لفظ ) البدائية ( في وصف بعض التجمعات النسانية ، فهذا اللفظ خرج من رؤية غربية للوجود والتاريخ .‬ ‫وهي رؤية فيها من الغرور والستعلء ما يكشف عن مدى جهل أصحابها وظلمهم . مع أنه قد صار معروفا عن كثير من القبائل المدموغة بهذه‬ ‫الصفة أنها سليلة أمم بلغت في الحضارة شأوا بعيدا . ول زالت كثير من الثار المتاخمة لهذه القبائل ألغازا تحير أكبر العقول في الغرب ، ومن‬ ‫هؤلء عرب الجاهلية ، فقد كانت جزيرتهم مهدا لحضارات قال ال تعالى عن إحداها : ) لم يخلق مثلها في البلد ‪ ] ‬الفجر : ٨ [ .‬ ‫2 - جودت سعيد » العمل قدرة وإرادة « : ٣٩١-٤٩١ . ط ٢ /٤١٤١هـ - ٣٩٩١ م . دار الفكر المعاصر ، بيروت .‬ ‫3 - أخرجه أبو داود عن علي رضي ال عنه في كتاب الحدود ، باب في المجنون يسرق أو يصيب حدا . كما أخرجه في أبواب أخرى بألفاظ‬ ‫متقاربة . وبنحو هذا أخرجه الترمذي في جامعه ، وابن ماجه في سننه ، وأحمد في مسنده ، والدارمي في سننه ، وابن خزيمة في صحيحه عن‬ ‫علي وعائشة رضي ال عنهما .‬
  • 33.
    ‫وقد وقعت النسانيةفي حياة آدم وبعده في مآزق لم يكن لها مخرج إل بالنبوة أو بالتعليم اللهي عن‬ ‫طريق ضرب المثال في اليقظة أو في المنام ، وكلهما دال على عدم الكفاية الذاتية في أداء الوظيفة الكونية ،‬ ‫وهذا يعني أن ) الخلفة (1 أعظم من أن تؤسس على الغرائز وحدها .‬ ‫ومن أمثلة ذلك في قصة البداية أيضا ما حكاه ال عز وجل في قوله :‬ ‫) َاتْ ُ ََيْ ِمْ َ ََ ابْ َيْ آ َ َ ِالْ َ ّ ِذْ َ ّ َا ُرْ َا ًا َ ُ ُ ّلَ ِنْ َ َ ِ ِ َا ََمْ ُ َ َ ّلْ ِنْ الْ َرِ ، َا َ : َقْ َُ ّكَ .‬ ‫ق ل ل تلن‬ ‫خ‬ ‫و ل عل ه نبأ ن دم ب حق إ قرب ق ب ن فتقب م أحدهم ول يتقب م‬ ‫إنم يتقبل ّ ِ متق ن لئ بس ت إلي يدك لت تلن م أن بب س يد إل ك ِ تل إن أخ ف ّ رب‬ ‫َالَ : ِ ّ َا َ َ َ ّ ُ ا ُ منْ الْ ُ ّ ِي َ ، َ ِنْ َ َط َ َِ ّ َ َ َ ِ َقْ َُ ِي َا َ َا ِ َا ِطٍ َ ِي َِيْ َ َقْ َُكَ ، ِ ّي َ َا ُ ا َ َ ّ‬ ‫ل‬ ‫ل‬ ‫ل‬ ‫ق‬ ‫الْ َاَ ِينَ ، ِ ّي ُ ِي ُ أنْ َ ُو َ ِِثْ ِي َِثْ ِكَ َ َ ُو َ منْ َصْ َابِ ال ّارِ ، َ َِ َ َ َا ُ ال ّاِ ِي َ . َ َ ّ َتْ َ ُ نفْ ُ ُ َتْلَ‬ ‫وذلك جز ء ظ لم ن فطوع له َ سه ق‬ ‫ن‬ ‫إن أر د َ تب ء بإ م وإ م فتك ن ِ أ ح‬ ‫ع لم‬ ‫َ ِي ِ َ َ ََ ُ ، ََصْ َحَ منْ الْ َا ِ ِينَ . َ َ َثَ ا ُ ُ َا ًا َبْ َ ُ ِي ا َرْ ِ ِ ُ ِ َ ُ َيْفَ ُ َا ِي َوَْ َ َ ِي ِ ، َالَ َا َيَْ َا‬ ‫ّ غر ب ي حث ف لْ ض ليريه ك يو ر س أة أخ ه ق ي و لت‬ ‫فبع ل‬ ‫أخ ه فقتله فأ ب ِ خ سر‬ ‫َ َ َزْ ُ َنْ َ ُو َ ِثْ َ َ َا الْ ُ َا ِ َُ َا ِيَ َوْأ َ َ ِي ! ََصْ َحَ ِنْ ال ّا ِ ِينَ ‪ ] ‬المائدة : ٩٢-٣٣[ .‬ ‫أعج ت أ أك ن م ل هذ غر ب فأو ر س َة أخ فأ ب م ن دم‬ ‫هذه أول واقعة قتل في تاريخ البشرية2 ، وهي أيضا أول ما وقع من مصيبة الموت بين الناس ، بدليل أن‬ ‫ابن آدم القاتل لم يدر ما يفعل بأخيه المقتول ، فلم تكن هناك إذن سنة سابقة في الدفن ول تعاليم .‬ ‫وما يعنينا من هذه القصة في المقام الول فائدتان :‬ ‫الفائدة الولى أن هذه اليات تضع بين أيدينا حصيلة أول تجربة تربوية في التاريخ ، ول شك أن ابني‬ ‫آدم هذين قد مرا بنفس المراحل التي يمر بها أي إنسان خلفا لبيهما : حمل ، فولدة ، فرضاع ، فطفولة ، فبلوغ‬ ‫. وفي أثناء ذلك تلقيا رعاية أبوية محنكة ، واعية على مقاصدها ، كأنها خبرة أجيال ، وخلصة قرون ، بدليل‬ ‫هذا الشتراك المفهومي الذي حفل به الخطاب ، والتمكن العجيب من لغة مفصلة مبينة ، والقتدار الفائق على‬ ‫تسمية الواقع والمتوقع ، بالضافة إلى تلك المعاني الكبار التي ازدان بها الحوار .‬ ‫الفائدة الثانية : أنه مقابل هذا التفوق البديع نقف على عجز فادح ، حيرة القاتل إزاء جثمان أخيه ، ماذا‬ ‫عليه أن يفعل في مثل هذه الحال ؟! أيتركه كجيف البهائم للجوارح والسباع ؟ أم يحتفظ بجثة قد تتفسخ بعد حين ،‬ ‫وتنقلب إلى كتلة بشعة تجتاحها الديدان ، وتنبعث منها النتان؟‬ ‫كان هذا وقت الحاجة إلى بيان ما يليق بهذا الكائن المكرم ، فجاء البيان لكن على وجه يومئ إلى أن‬ ‫الرحمن قد اشتد غضبه على هذا القاتل الغبي ، فتركه في خزي وهوان يتعلم من غراب ما كان ينبغي أن يتعلمه‬ ‫من نبي .‬ ‫فظهر بهذا الخذلن أن النسان متى انقطعت عنه هداية السماء ، كان أعجز مخلوق على وجه الرض .‬ ‫ولهذا جاءت رسل ال تترى ، تجدد ما بلي ، وتحيي ما نسي ، وتفتح لمآزق النسانية الطارئة آفاق جديدة .‬ ‫وقد تضمن القرآن إشارات كثيرة تنبه على أن ) النسانية ( و ) الحضارة ( و) اليمان ( كلها من بركات‬ ‫النبياء وآثار الرسالت السماوية ، وإليك بعض اللـمـحـات :‬ ‫1 - أقصد خلفة ال التي دل عليها قوله تعالى : ) إني جاعل في الرض خليفة ‪ ] ‬البقرة : ٩٢ [ ولعل في تسميته خليفة ما يؤكد شدة قصوره‬ ‫الغريزي ، فحتى الوظائف الحيوية المفروغ منها عند سواه يحتاج فيها إلى تعليم ، ومع التعليم إلى نظام أخلقي يديم فاعليتها ، ويحفظها من‬ ‫التغيير والتعطيل .‬ ‫2 - في الحديث المتفق عليه : » ل تقتل نفس ظلما إل كان على ابن آدم الول كفل من دمها ، لنه أول من سن القتل « واللفظ للبخاري ، انظر‬ ‫كتاب النبياء ، باب خلق آدم وذريته . وانظر عند مسلم كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات ، باب بيان إثم من سن القتل‬
  • 34.
    ‫ففي قصة نوح، وهو الرسول الذي بعث في أول أمة نشأت على وجه الرض حين بدلت شرائع‬ ‫الفطرة ، نجد الشارة إلى السفينة التي جعلها ال آية للعالمين3 ، بما يشعر بأنها كانت فتحا حضاريا ، يقول تعالى‬ ‫مخاطبا نوحا ) : ا واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ‪ ] ‬هود : ٧٣ [ .‬ ‫وفي قصة ذي القرنين ما ل يحتاج إلى تعليق :‬ ‫) َ َسَُْو َكَ َنْ ِي ال َرْ َيْنِ ُلْ ََتُْوا ََيْ ُمْ ِنْ ُ ِكْ ًا ِ ّا َ ّ ّا َ ُ ِي ا َرْضِ َآ َيْ َا ُ ِنْ ُ ّ َيْءٍ َ َ ًا ‪‬‬ ‫و ت ن ه م كل ش سبب‬ ‫وي أل ن ع ذ ْق ن ق سأ ل عل ك م ه ذ ر إن مكن له ف لْ‬ ‫] الكهف : ٢٨-٣٨ [ ثم قال تعالى : ) ُ ّ َ ّب َ َ َ ًا َ ّى ِ َا ََ َ َيْ َ ال ّ ّيْ ِ َ َ َ ِنْ ُو ِ ِ َا َوْ ًا َ َ َا ُو َ‬ ‫ثم ات ع سبب حت إذ بلغ ب ن سد ن وجد م د نهم ق م ل يك د ن‬ ‫ي قه ن ق ل ق ل ي ذ ْق ن ِن ي ج ج وم ج ج م سد ن ف لْ ض فه ن عل لك خ ج عل أ ت عل‬ ‫َفْ َ ُو َ َوْ ً ، َاُوا : َا َا ال َرْ َيْنِ إ ّ َا ُو َ َ َا ُو َ ُفْ ِ ُو َ ِي ا َرْ ِ َ َلْ َجْ َ ُ َ َ َرْ ًا ََى َنْ َجْ َ َ‬ ‫َيْ َ َا َ َيْ َ ُمْ س ّا ؟ َالَ : َا َ ّ َ ِي ِي ِ َ ّي َيْ ٌ ! ََ ِي ُو ِي ِق ّ ٍ َجْ َلْ َيْ َ ُمْ َ َيْ َ ُمْ َدْ ًا ، آ ُو ِي ُ َرَ الْ َ ِيدِ !‬ ‫م مكنن ف ه رب خ ر فأع ن ن ب ُوة أ ع ب نك وب نه ر م ت ن زب حد‬ ‫ب نن وب نه د ق‬ ‫َ ّى ِ َا َا َى َي َ ال ّ َ َيْنِ َالَ : ان ُ ُوا ! َ ّى ِ َا َ ََ ُ َا ًا َا َ : آ ُو ِي ُفْ ِغْ ََيْ ِ ِطْ ًا . َ َا ا َ َا ُوا أنْ‬ ‫فخ حت إذ جعله ن ر ق ل ت ن أ ر عل ه ق ر فم سْط ع َ‬ ‫حت إذ س و ب ْن صدف ق‬ ‫َظْ َ ُو ُ َ َا اسْ َ َا ُوا َ ُ َقْ ًا . َالَ : َ َا َحْ َ ٌ ِنْ َ ّي ، َِ َا َا َ َعْ ُ َ ّي َ ََ ُ َ ّا َ َا َ َعْ ُ َ ّي َ ّا ‪‬‬ ‫هذ ر مة م رب فإذ ج ء و د رب جعله دك وك ن و د رب حق‬ ‫ي هر ه وم تط ع له ن ب ق‬ ‫] الكهف : ٩٨-٤٩ [‬ ‫وفي قصة يوسف عليه السلم لما عجز أهل الحضارة عن قراءة تلك الرؤيا الستشرافية ، واستخلص‬ ‫ما تنبه عليه من خطط مستقبلية ، ابتعثه ال لكي يعلم الناس كيف يأخذون من رخائهم لشدتهم ، وكيف يكون‬ ‫الحزم في تدبير الزمات المتوقعة .‬ ‫وفي قصة داود النبي الملك – الذي ألن ال لـه الحديد – جاء في معرض المتنان على الناس قوله‬ ‫تعالى:) و َّمناه َنْع َ لبو ٍ َ ُمْ ِ ُحْ ِ َ َمْ ِن َأ ِ ُمْ ، فهل أنتم شاكرون ‪ ]‬النبياء :٩٧[‬ ‫عل ص ة س لك لي صنك م ب سك‬ ‫والملحظ على جملة هذه النماذج أن التعليم فيها موجه لعامة الناس ، وليس للمؤمنين خاصة ، وأن‬ ‫الرسل أنجزوا وظائف كونية ، ذلك أن مبدأ الزوجية وحده غير كاف لحفظ النوع ، فقد يحدث من أسباب الفناء –‬ ‫كالكوارث الطبيعية والمجاعات والحروب والوبئة – ما يوجب الستئصال . ولهذا أرشد ال سبحانه البشرية عن‬ ‫طريق أنبيائه إلى وجوه الحتيال في حفظ أنفسهم وأنسالهم حذر أن يحيط بهم الموت.‬ ‫وفي قوله تعالى : ) َ َدْ َرْ َلْ َا ُ َُ َا ِالْ َ ّ َاتِ ََنْ َلْ َا َ َ ُمْ الْ ِ َا َ َالْ ِي َانَ ِ َ ُو َ ال ّا ُ ِالْ ِسْطِ . ََنْ َلْ َا‬ ‫وأ ز ن‬ ‫لق أ س ن رسلن ب بين وأ ز ن معه كت ب و م ز ليق م ن س ب ق‬ ‫الْ َ ِيدَ ِي ِ َأْ ٌ َ ِي ٌ َ َ َا ِ ُ ِل ّا ِ َِ َعَْمَ ا ُ َنْ َنْ ُ ُ ُ َ ُ َُ ُ ِالْ َيْبِ ، ِ ّ ا َ َ ِ ّ َ ِي ٌ . َل َدْ َرْ َلْ َا ُو ًا‬ ‫إن ّ قوي عز ز وَق أ س ن ن ح‬ ‫ل‬ ‫حد ف ه ب س شد د ومن فع ل ن س ولي ل ّ م ي صره ورسله ب غ‬ ‫ل‬ ‫َِبْ َا ِيمَ َ َ َلْ َا ِي ُ ّ ّ ِ ِ َا ال ّ ُوء َ َالْ ِ َا َ ، َ ِنْ ُمْ ُهْ َدٍ َ َ ِي ٌ ِنْ ُمْ َا ِ ُو َ ‪ ] ‬الحديد : ٤٢-٥٢ [ ففي هذا‬ ‫وإ ر ه وجع ن ف ذريتهم نب ة و كت ب فم ه م ت وكث ر م ه ف سق ن‬ ‫الكلم المبارك إشارة كلية إلى ما نحن بصدده ، فلو أخرجنا لوازم هذه الكلمات النيرات ، لحاطت بكل شؤون‬ ‫النسان .‬ ‫وإذا علمنا أن للنبوة سبقا في الوجود ، وأن أهل اليمان متقدمون في الزمان على أهل الوثان ، زال كل‬ ‫شك ، وانحسمت كل شبهة حول من هم عظماء النسانية بحق ، ومن هم معلمو الحكمة ، وصناع الحضارة .‬ ‫فالنبياء بالقطع هم أول من أعرب فأفصح ، وأول من علم نحو النسانية ، وبلغة الجتماع .‬ ‫وصلة المعارف النسانية وفضائِها بالنبوات أمر انتبه إليه علماؤنا قديما ، بل إن المام الغزالي ) ت :‬ ‫ل‬ ‫٥٠٥ هـ( رحمه ال جرد من ذلك حجة ذكية على منكري النبوة فقال : " دليل وجودها وجود معارف في العالم ل‬ ‫3 - انظر سورة العنكبوت الية : ٤١ .‬
  • 35.
    ‫يتصور أن تنالبالعقل ، كعلمي الطب والنجوم ، فإن من بحث عنها علم بالضرورة أنها ل تدرك إل بإلهام‬ ‫وتوفيق من جهة ال تعالى ، ول سبيل إليها بالتجربة . فمن الحكام النجومية ما ل يقع إل في ألف سنة مرة ،‬ ‫فكيف ينال ذلك بالتجربة ، وكذلك خواص الدوية "1.‬ ‫وكـذلك قال عـصـريه المام الراغب الصفهاني رحمه ال ) ت : ٢٠٥ هـ( : " أصول الصناعات‬ ‫والمكاسب مأخوذة عن الوحي ، وذلك أن نقص البشر ، وحاجة بعضهم إلى بعض أمر ظاهر ، والناقص محتاج‬ ‫إلى الكامل . فل يخلو إما أن يكون قد أخذ ذلك واحد عن واحد بل نهاية ، وذلك إيجاب ما ل نهاية لـه وهو‬ ‫محال ، وإما أن ينتهي إلى واحد من البشر علمه ال الصناعات ، إما بسماع من المل العلى ، أو بإلهام أو منام ،‬ ‫وهذا هو الوحي . فمعلو ٌ ِذي اللب أن قوى العقاقير ، وطبائع الحيوانات مما ل يمكن إدراك خواصها بأفهام‬ ‫مل‬ ‫البشر وتجربتهم ، ورؤساء كل صناعة يقرون بذلك 2"3 .‬ ‫هذا غيض من فيض ، وباب واسع يحتاج حقا إلى بحث وتنقيب في صحيح الخبار ، وشاخص الثار ،‬ ‫لكن من وقف وقفة ذوي البصار على ما سقناه هاهنا سيقر معنا بل شك أن المام ابن القيم رحمه ال ) ت :‬ ‫١٥٧ هـ( لم يكن مبالغا حين قال :‬ ‫" لول النبوات لم يكن في العالم علم نافع البتة ، ول عمل صالح ، ول صلح في معيشة ، ول قوام‬ ‫لمملكة . ولكان الناس بمنزلة البهائم والسباع العادية ، والكلب الضارية التي يعدو بعضها على بعض . وكل دين‬ ‫في العالم فمن آثار النبوة . وكل شر4 وقع في العالم أو سيقع فبسبب خفاء آثار النبوة ودروسها .‬ ‫فالعالم حينئذ روحه النبوة ، ول قيام للجسد بدون روحه . ولهذا إذا تم انكساف شمس النبوة من العالم ،‬ ‫ولم يبق في الرض شيء من آثارها البتة ، انشقت سماؤه ، وانتثرت كواكبه ، وكورت شمسه ، وخسف قمره ،‬ ‫ونسفت جباله ، وزلزلت أرضه ، وأهلك من عليها . فل قيام للعالم إل بآثار النبوة . ولهذا كان كل موضع ظهرت‬ ‫فيه آثار النبوة فأهله أحسن حال وأصلح بال من الموضع الذي يخفى فيه آثارها .‬ ‫وبالجملة فحاجة العالم إلي النبوة أعظم من حاجتهم إلى نور الشمس ، وأعظم من حاجتهم إلي الماء‬ ‫والهواء الذي ل حياة لهم بدونه "5.‬ ‫ومن أحسن المثلة على أثر النبياء في المدنية ما ورد في خصال الفطرة ، فقد أخرج المام البخاري‬ ‫عن أبي هريرة رضي ال عنه أن رسول ال ن قال : » خمس من الفطرة : الختان ، والستحداد ، ونتف البط ،‬ ‫وتقليم الظفار ، وقص الشارب «6 . ولمسلم من حديث عائشة : » عشر من الفطرة «7 ، وقد تتبع العلمة ابن‬ ‫حجر رحمه ال ) ت : ٢٥٨ هـ( ما جاء في هذا الباب ، فوقف على خمس عشرة خصلة ، وهي بالضافة إلى ما‬ ‫1 - المنقذ من الضلل : ٤٥ .‬ ‫2 - قابل فصاحة العقل هذه بعجمة مالصون حين افترض ما افترض في أصل النسان ، وبعي إيد َار موران .‬ ‫ك‬ ‫3 - الذريعة إلى مكارم الشريعة : ٧٨٣ .‬ ‫4 - في الصل ) شيء ( بدل ) شر ( وهو خطأ بين ، والسياق يدل على ما أثبتناه .‬ ‫5 - مفتاح دار السعادة : ٨١١/٢ . وانظر أيضا طبعة دار ابن عفان : ٢٢/٣-٣٢ .‬ ‫6 - انظر كتاب اللباس ، باب قص الشارب .‬ ‫7 - انظر باب خصال الفطرة من كتاب الطهارة .‬
  • 36.
    ‫1‬ ‫سبق : الوضوء ، والستنشاق ، والستنثار ، والستنجاء ، والسواك ، وغسل الجمعة ، وإعفاء اللحية ، والفرق‬ ‫4‬ ‫، وغسل البراجم2 ، والنتضاح3 .‬ ‫يبدو من خلل هذه التعاليم النبوية أن الفصل بين الشأن العام والخاص مجرد تحكم نظري ، ذلك أن البعد‬ ‫الجتماعي جزء ل يتجزأ من مفهوم النسانية ، ومن حقيقة الفطرة ، فهذه الخصال وإن خوطب بها الفراد في‬ ‫خاصة أنفسهم ليكونوا على أشرف الحوال من حفظ للصحة ، وإجمام للقلب ، وإصلح للبال ، وإراحة للبدن ،‬ ‫فقد روعي فيها الغيار مراعاة ، ففي هذه الخصال من تحسين للهيئة ، وتجميل للصورة ، ما يبهج المخالطين‬ ‫والقرناء ، ويشيع التآلف والمحبة ، ويصقل الذوق الجتماعي ، ويرهف حواس الناس .‬ ‫ألـيـس فـي هـذه الـتـهـذيـبات إخراج للنسان من الهمجية التي هي أقرب إليه مـن حـبـل الـوريـد ،‬ ‫وإعلء لشأنه أن ينحط إلى حضيض وراء مدارك البهائم ؟ فلول الرشـاد اللهي إلى هـذا الـنـظام الفطري البديع‬ ‫، الجامع بين فوائد نفسية وبدنية واجتماعية ، والهادي لفاق التمدن النساني الرفيع ، لخطأت الكائنات البشرية‬ ‫طريقها إلى النسانية ، وفي أحسن الحوال سيكون الجتماع النساني شرا ل بد منه .‬ ‫ومن السرار المستفادة من أحاديث خصال الفطرة اليماء إلى أن ما يوصف بكونه فطريا ل يكون‬ ‫بالضرورة من لوازم الطبيعة التي ل تنفك عنها ، بحيث يحدث عنها بصفة آلية حتمية كما شرحنا من قبل ، فقد‬ ‫تقرر لدينا الن أن الطبع وحده غير كاف في إتيان الفضائل النسانية وإن كان يقتضيها ، وهذا يعني بالمقابل أن‬ ‫التعليم والكسب والتكلف ل تنافي بالضرورة وصف الفطرة . ولجل ذلك فسواء علينا أقلنا هاهنا : » خصال‬ ‫الفطرة « أو قلنا » سنن النبياء « فالمر سيان . قال المام أبو سليمان الخطابي ." فسر أكثر العلماء الفطرة في‬ ‫هذا الحديث بالسنة "5 ، قال ابن حجر معقبا : " وكذا قال غيره ، والمعنى أنها من سنن النبياء "6 ، وقـال ابن‬ ‫الملك ) ت : ٧٩٧ هـ( في شرحه على مشارق النوار في معنى الفطرة : " هي السنة الـقـديـمـة التي اختارها‬ ‫النبياء "7 .‬ ‫وفي جامع الترمذي عن أبي أيوب النصاري قال : قال رسول ال ي : » أربع من سنن المرسلين :‬ ‫الحياء ، والتعطر ، والسواك ، والنكاح «8 .‬ ‫1 - هو قسمة الشعر في المفرق ، وهو وسط الرأس . انظر فتح الباري : ٢٢٤/٠١ .‬ ‫2 - البراجم عقد الصابع التي في ظهر الكف . نفسه : ٥١٤/٠١ .‬ ‫3 - مما فسر به النتضاح أن يأخذ المتطهر قليل من الماء فينضح به مذاكيره بعد الوضوء نفيا للوسواس . نفسه : ٥١٤/٠١.‬ ‫4 - انظر فتح الباري : ٦١٤/٠١ .‬ ‫5 - معالم السنن : ٧٢/٤ . والحديث المقصود هو حديث خصال الفطرة .‬ ‫6 - فتح الباري : ٩٣٣/٠١ .‬ ‫7 - مبارق الزهار في شرح مشارق النوار:٩٠١/٢. بعناية خليل الميس . ط ١/ ٦٠٤١ هـ - ٦٨٩١ م . دار القلم ، بيروت.‬ ‫8 - كتاب النكاح ، باب ما جاء في فضل التزويج والحث عليه ، قال الترمذي : حديث أبي أيوب حديث حسن غريب . وهذا الحديث عند أحمد‬ ‫في مسنده مع اختلف في الترتيب .‬
  • 37.
    ‫المطلب الثالث –أصول الفطرة النسانية‬ ‫يمكن أن نستنتج مما مضى أن للفطرة أصول مركوزة في الكيان العضوي للنسان ، وأصول من خارج‬ ‫هذا الكيان ، فأصولها التي من خارج هي :‬ ‫1(‬ ‫بقية آدم : وأقصد بها ما اختصه ال به من تعليم السماء ، وما ابتدأه في الرض عليه السلم من تأسيس لحياة‬ ‫اجتماعية كانت منذ بدايتها مرتبطة بمرجعية عليا ، ومسيجة بال ُرم .‬ ‫ح‬ ‫2(‬ ‫سنن النبياء : ويدخل فيها إحياء ما كان ، وإحداث ما لم يكن استجابة للحاجات المتجددة . ولكي نعلم الثر‬ ‫المؤكد لهذه السنن في حياة البشرية ، يكفي أن نتذكر الحقائق التالية :‬ ‫1-‬ ‫شعوب الرض كلها تنتسب إلى أنبياء ، قال تعالى : ) إن ال اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على‬ ‫العالمين ، ذرية بعضها من بعض ، وال سميع عليم ‪ ] ‬آل عمران : ٣٣-٤٣ [ ، وقـال عـن نـوح بعـد واقـعـة‬ ‫الـطـوفان:) وجعلنا ذريته هم الباقين ‪]‬الصافات : ٧٧ [ . وإبراهيم عليه السلم هو الجد المشترك للعرب‬ ‫والعبرانيين ، فالعرب المستعربة تنتهي في أنسابها إلى إسماعيل الذبيح ، والعبرانيون ينتسبون إلى يعقوب بن‬ ‫إسحاق.‬ ‫2-‬ ‫عدد من النبياء كان لهم ملك أو رياسة وتمكين ، كيوسف وداود وسليمان عليهم الصلة والسلم ، وقبلهم كان ذو‬ ‫القرنين واسع السلطان ، عظيم المعارف ، فائق الصنائع .‬ ‫3-‬ ‫وأعظم من ذلك ما أخرجه ال على يد موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلة والسلم من أمم ذات أمجاد وتراث‬ ‫عظيم ، فقد استوعبت كتب هؤلء العظماء الثلثة كل ما سبق ، وجاءت بما لم تسبق إليه . وآثار اليهودية‬ ‫والنصرانية والسلم في تاريخ البشرية إلى اليوم ملء السمع والبصر .‬ ‫أما أصول الفطرة النسانية التي من الطبيعة ، فهي التي ينبه عليها القرآن في عدة مواضع : السمع‬ ‫والبصر والفؤاد ، كقوله تعالى : ) قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والبصار والفئدة قليل ما تشكرون ‪‬‬ ‫]الملك:٣٢[، وكقوله عز وجل: ) وال أخرجكم من بطون أمهاتكم ل تعلمون شيئا ، وجعل لكم السمع والبصار‬ ‫والفئدة لعلكم تشكرون ‪ ] ‬النحل : ٨٧ [‬ ‫فهذه الثلثة هي أمهات الغرائز النسانية ، وهي حصيلة لنضج البنية التي امتزج فيها الروح بالجسد‬ ‫امتزاجا ل يعلم حقيقته إل ال تعالى ، لكن قد ثبت في كتاب ال وسنة نبيه ا أن الجسد يسبق في الوجود ، وفي‬ ‫مرحلة من مراحل تخلقه تحدث الروح بعد أن لم تكن ، وقد خلقت في جسد آدم من نفخة نفخها ال سبحانه ،‬ ‫وتخلق في بنيه من نفخ الملك الموكل بذلك .‬
  • 38.
    ‫ومن العبث الذيسقطت فيه مذاهب وفلسفات وأديان الخوض النظري في تفكيك البنية ، وإعطاء أفضلية‬ ‫للروح ، أو اختزال النسان في بدنه وإنكار أصله السماوي . فكل هذا من التبديل الذي وقع في تراث النبياء ،‬ ‫وأفضى إلى تخيير البشرية بين الرمضاء والنار . وإن كان ل بد من بحث عن محل للسرار فهو في لسان‬ ‫النبياء بل ريب » القلب « ، انظر إلى قولـه تعالى:) فإنها ل تعمى البصار ولكن تعمى القلوب التي في‬ ‫: » أل وإن في الجسد مضغ ً إذا صَحت صَح الجس ُ كّه، وإذا ف َدت‬ ‫س‬ ‫د ل‬ ‫ل‬ ‫ل‬ ‫ة‬ ‫الصدور ‪] ‬الحج:٦٤[ وإلى قول النبي‬ ‫ف َد الجس ُ كّه،أل وهي القلب«1.‬ ‫د ل‬ ‫س‬ ‫إن العمق الكوني للنساني – الذي هو الفطرة – غير قابل لعمليات التفكيك والختزال ، وهو ل يعطي‬ ‫إنسانية إل إذا قدحت النبوة زناده ، ولول ذلك لظل خامدا جامدا . فهذا القدح الرباني المبارك هو الذي وهب‬ ‫البشرية كمالها الول والثاني . وأقصد بالكمال الول ما يعتقد أنه المشترك الطبيعي ، وهو في الحقيقة بقايا‬ ‫الفطرة المورثة التي ل يخلو عنها آدمي نشأ في مجتمع إنساني .‬ ‫وأما الكمال الثاني فأقصد به العبودية ل وحده ، أو ما عبرت عنه اليات السابقة بالشكر ، وهذا ل يتحقق‬ ‫إل باتباع صريح ما جاء به النبياء عليهم الصلة والسلم .‬ ‫الكمال الول هو في الصل كما قررنا قبس من الثاني ، إذ لم ينشأ كما رأينا مستقل ، وإنما هو حظ غير‬ ‫الحنفاء من تركة النبياء . وهو في الحقيقة ل ينفع وحده في هذه الدنيا إل قليل ، وأما في الخرة فل يجدي‬ ‫فتيل ، وما أحسن ما كان يردد الفقيه العلمة أبو العباس ابن تيمية رحمه ال فيقول : " إنما الكمال بالفطرة‬ ‫المُكـ ّـلـة بالـشـرعة المـنـ ّلـة "2.‬ ‫ز‬ ‫ـ م‬ ‫وإلى هذين الرافدين للفطرة : الرافد الذي من خارج الطبيعة ، والرافد الذي من داخلها ، وقعت الشارة‬ ‫في سورة التين ، التي تفتتح بالقسم بمواطن الرسل الثلثة : عيسى وموسى ومحمد عليهم الصلة والسلم ،‬ ‫لتقرير أن النسان مركب بديع ، لكنه بدون اتباع النبياء علما وعمل يهوي من ضعفه وسخفه إلى درك سحيق‬ ‫ووضيع ، فتأمل :‬ ‫بسم ال الرحمن الرحيم‬ ‫والتين والزيتون )١( وطور سينين )٢( وهذا البلد المين )٣( لقد خلقنا‬ ‫النسان في أحسن تقويم )٤( ثم رددناه أسفل سافلين )٥( إل الذين آمنوا‬ ‫وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون )٦( فـما يكـذبك بعد بالدين )٧(‬ ‫أليس ال أحكـم الحاكمين )٨(‬ ‫1 - متفق عليه ، انظر صحيح البخاري ، كتاب اليمان ، باب فضل من استبرأ لدينه . وصحيح مسلم ، كتاب المساقاة ، باب أخذ الحلل وترك‬ ‫الشبهات .‬ ‫2 - ذكر ذلك في عدد من كتبه منها : درء التعارض : ٨٣٢/٨ ، و ٧٧٢/٠١ . ومجموع الفتاوى : ٨٤٣/٦١ . وبيان تلبيس الجهمية : ٣٧٣/١ .‬ ‫والصفدية : ٧٥١/٢ ]ت : د. محمد رشاد سالم . ط ٢ / ٦٠٤١ هـ [‬
  • 39.
    ‫خاتمة البحث‬ ‫مفهوم الفطرةليس مفهوما فرعيا أو هامشيا ، بل هو أصل من أصول السلم العظيمة ، وحقه أن يكون‬ ‫كلمة إجماع . لكنه كما قال ابن القيم : " موضع اضطربت فيه القدام ، وطال فيه النزاع والخصام"1 ! من هنا‬ ‫كان الكشف عن سيرة هذا المصطلح وأسراره خلل ثمانية قرون من تاريخ السلم أمرا بالغ الهمية .‬ ‫وقد أثبت – ول الحمد – أن الخلف متأخر ، وأن السلف كانوا مجمعين على أن الفطرة هي السلم .‬ ‫وكيف يختلفون ونصوص الكتاب والسنة متظاهرة على هذا المعنى ؟!‬ ‫فل بد إذن أن يكون قد حدث من السباب ما أوجب وقوع الختلف ، فهذا ما حرصت في هذا البحث‬ ‫على بيانه . ويمكن أن أقول الن بكل اطمئنان أن هذه السباب كلها قد خرجت من رحم فتن كقطع الليل المظلم ،‬ ‫وحق المفتون أن نعذره ل أن نتبعه .‬ ‫وقد آن لمتنا أن تتخلص من تراث الفتن ، بالشروع في تمحيصه ، والتحقيق في ملبساته ، ورد‬ ‫مشتبهاته إلى محكمات الكتاب وأصول الحكمة النبوية. فهذا هو الطريق إلى استرجاع الرشد ، والتوبة إلى ال‬ ‫توبة نصوحا ، وقد قال تعالى : ) ليس بأمانيكم ول أماني أهل الكتاب من يعمل سوء يجز به ول يجد لـه من دون‬ ‫ال وليا ول نصيرا ‪ ] ‬النساء : ٢٢١ [ .‬ ‫والخلل المنهجي يعشش أول ما يعشش في قلب المصطلح المتداول ، فيحل في جسمه ولو جزيئا ، ثم تبدأ‬ ‫مرحلة إجهاض لبقايا المفهوم الصيل ، واستدعاء لبقايا المفهوم الدخيل . فإذا تم الجهاض والستدعاء ببطء ،‬ ‫وفي زمن متطاول ، لم يكد يشعر بالتبدل إل القليل . فيتعجب الواخر من تخلفهم عن الوائل ، مع أن الدين واحد‬ ‫، والكتاب محفوظ ، والسنة ممحصة .‬ ‫هذا ما يعطي لعلم المصطلح أهمية قصوى في مجال المعرفة والحضارة . وهذا الحقل المعرفي الجديد‬ ‫يحتاج إلى جهود ومجاهدات كي يتخلص العلم من سجنه التاريخي ، ويتاح لجيال المة التية أن تساهم في‬ ‫صناعة تاريخ العلم كما ساهم الوائل .‬ ‫ومن نتائج هذا البحث إبطال القول بالترك والتخلية ، ومقتضاه أن الفطرة يمكن أن تستغني عن حضانة‬ ‫المجتمع ، ولو استغنت لكانت على خير حال . وهذا القول الفتراضي اكتسب مرجعية غريبة ، بحيث صار‬ ‫المتنازعون يحتكمون إليه ، لكنهم يصدرون عنه كما وردوا عليه ، لنه في الحقيقة ل يرجع لهم قول ، وإنما‬ ‫يسمع كل واحد عنده صدى مذهبه.‬ ‫وقد أعدت إثارة هذا الشكال الفلسفي الجذور بطريقة حررته في إطارها من التجريدات الذهنية ،‬ ‫ووضعته على محك البيانات اللهية والتجربة النسانية . وقد أثب ّ – بما ل يدع مجال للشك – أن الفطرة التي‬ ‫ت‬ ‫فطر ال الناس عليها تنطمس خارج المجتمع النساني ، ول تعطي إل مسخا يسخر من كل المزاعم الفلسفية‬ ‫والتخرصات ) العلمية ( التي تقولت على ال في خلقه .‬ ‫1 - أحكام أهل الذمة : ٦٢/٢‬
  • 40.
    ‫لقد بينت –بفضل ال – كيف أن النسان هو في حقيقته كائن ل سلف لـه ، وتاريخ ل صفر لـه . هو‬ ‫تاريخ أبطاله الحقيقيون النبياء ، وتراثه الول هو وحي السماء . ول معنى للنسانية والحضارة خارج هذا‬ ‫السياق .‬ ‫وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن كل حق ، وكل خير عرفته البشرية قديما وحديثا ، فمرده إلى‬ ‫التعليم اللهي . بل حتى الباطل لم يستطع أن يدخل التاريخ إل حينما تشبه بالحق أو لبسه ، أما إذا تكشف‬ ‫وصرح فإنه يسقط من ذاته كما قال تعالى : ) إن الباطل كان زهوقا ‪ ] ‬السراء : ١٨ [‬ ‫أخيرا فإن أعظم عبرة وقفت عليها في هذا البحث هي النتباه لعظمة القرآن ، الذي أنزل تبيانا لكل‬ ‫شيء ، فهو الكتاب الذي يغني عن غيره ول يغني عنه غيره شيئا ، لكن ما أحدثه المسلمون بعد سلفهم أورثهم‬ ‫سوء الظن بدللته ، فصاروا يسمونه في كتب الكلم والصول دللت لفظية أو نقلية ، وينزلونه منازل‬ ‫الظنون ، ويح ّمون فيه ما يزعمون أنه قواطع عقلية ، وما هي إل أهواء طائفية ومذهبية ، وتخرصات وظنون‬ ‫ك‬ ‫ل تغني من الحق شيئا .‬ ‫وقد آن الوان لستعادة أمجاد القرآن ومكرماته ، لكي يكون كتاب هذه المة ل كتاب لها سواه ، وشرط‬ ‫ذلك عدة منهجية محكمة ، وهو نفسه مئنة هذه العدة لمن قرأه قراءة مستهد بهديه ، متبرئ من أهوائه وظنونه‬ ‫المخالفة لمقرراته .‬
  • 41.
    ‫فهرس المصادر‬ ‫•القرآن الكريم برواية ورش‬ ‫•المصادر العربية‬ ‫* المدي ، سيف الدين‬ ‫1.الحكام في أصول الحكام . ت: إبراهيم العجوز . دار الكتب العلمية ، بيروت‬ ‫2.غاية المرام في علم الكلم . ت: حسن محمود عبد اللطيف . ١٩٣١ هـ . المجلس العلى للشؤون السلمية ، القاهرة‬ ‫* ابن الثير ، الجزري‬ ‫3.النهاية في غريب الثر . ت : طاهر أحمد الزاوي ، ومحمود محمد الطناحي . ٩٩٣١ هـ - ٩٧٩١ م . المكتبة العلمية . بيروت‬ ‫* اللوسي ، أبو الفضل‬ ‫4.روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني .ت: د.محمد السيد الجليند .ط ٢ / ٤٠٤١. دار إحياء التراث العربي .‬ ‫بيروت‬ ‫* البخاري ، محمد بن إسماعيل‬ ‫5.الجامع الصحيح . ضمن برنامج الكتب التسعة ، الصدار الول . شركة صخر لبرامج الحاسب‬ ‫* التجكاني ، الحبيب‬ ‫6.مسائل أبي الوليد ابن رشد . ط ٢ / ٤١٤١ هـ - ٣٩٩١ م . دار الجيل ، بيروت . دار الفاق الجديدة ، المغرب‬ ‫* الترمذي ، أبو عيسى‬ ‫7.الجامع ) السنن ( . ضمن برنامج الكتب التسعة ، الصدار الول . شركة صخر لبرامج الحاسب‬ ‫* ابن تيمية ، أبو العباس‬ ‫8.بيان تلبيس الجهمية في تأسيس عقائدهم الكلمية . ت : محمد بن عبد الرحمن بن قاسم . ط ١ / ٢٩٣١ هـ . مطبعة الحكومة ،‬ ‫مكة المكرمة‬ ‫9.درء تعارض العقل والنقل . ت: محمد رشاد سالم . ط ٢ / ١٩٣١ هـ . دار الكنوز الدبية ، الرياض‬ ‫01.الصفدية . ت : د. محمد رشاد سالم . ط ٢ / ٦٠٤١ هـ‬ ‫11.مجموع الفتاوى . جمع عبد الرحمن بن قاسم النجدي وابنه محمد . ط ١ / ٨٩٣١ . رئاسة‬ ‫إدارات البحوث العلمية ، السعودية‬ ‫* الجابري ، عابد‬ ‫21.نحن والتراث : قراءة معاصرة في تراثنا الفلسفي . ط ٦ / ٣٩٩١ م . المركز الثقافي العربي . الدار البيضاء‬ ‫* جودت ، سعيد‬ ‫31.العمل قدرة وإرادة . ط ٢ / ٤١٤١ هـ - ٣٩٩١ م . دار الفكر المعاصر ، بيروت‬ ‫* ابن الجوزي ، أبو الفرج‬ ‫41.زاد المسير في علم التفسير . ط ٣ / ٤٠٤١ هـ . المكتب السلمي . بيروت .‬ ‫* ابن حجر ، العسقلني‬ ‫51.فتح الباري شرح صحيح البخاري . ت: عبد العزيز بن باز . ط ١ / ٠١٤١ هـ - ٩٨٩١ م . دار الكتب العلمية ، بيروت‬ ‫* الحاكم ، أبو عبد ال‬ ‫61.المستدرك على الصحيحين . ت: مصطفى عبد القادر عطا . ط ١ / ١١٤١ هـ - ٠٩٩١ م . دار الكتب العلمية ، بيروت‬ ‫* ابن حنبل ، أحمد‬ ‫71.المسند . ضمن برنامج الكتب التسعة ، الصدار الول شركة صخر لبرامج الحاسب‬
  • 42.
    ‫* الخطابي ،أبو سليمان‬ ‫81.معالم السنن شرح سنن أبي داود .بعناية محمد عبد السلم عبد الشافي.ط ١ / ١١٤١ هـ - ١٩٩١ م.دار الكتب العلمية.بيروت‬ ‫91.أعلم السنن في شرح صحيح البخاري . ت : د. يوسف الكتاني . مطابع منشورات عكاظ . الرباط‬ ‫* ابن خلدون ، عبد الرحمن‬ ‫02.المقدمة . مكتبة ومطبعة الحاج عبد السلم بن محمد بن شقرون . مصر‬ ‫* الدارمي ، عثمان بن سعيد‬ ‫12.السنن . ضمن برنامج الكتب التسعة ، الصدار الول . شركة صخر لبرامج الحاسب‬ ‫* أبو داود ، سليمان بن الشعث‬ ‫22.السنن . ضمن برنامج الكتب التسعة ، الصدار الول . شركة صخر لبرامج الحاسب‬ ‫* الرازي ، فخر الدين‬ ‫32.المحصول في علم الصول . ط ١ / ٨٠٤١ هـ - ٨٨٩١ م . دار الكتب العلمية بيروت‬ ‫* الراغب الصفهاني ، أبو القاسم‬ ‫42.الذريعة إلى مكارم الشريعة . ت: د. أبو اليزيد العجمي .ط ٢ / ٨٠٤١ هـ - ٧٨٩١ م . دار الوفاء ، المنصورة‬ ‫52.المفردات في غريب القرآن . ت: محمد سيد الكيلني . ١٨٣١ هـ - ١٦٩١ م . مصطفى البابي الحلبي وأولده بمصر‬ ‫* الزمخشري ، أبو القاسم جار ال‬ ‫62.الفائق . ت : علي محمد البجاوي ، ومحمد أبو الفضل إبراهيم . ط ٢ . دار المعرفة . لبنان‬ ‫72.الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون القاويل في وجوه التأويل . دار الفكر . بيروت‬ ‫* السحمراني ، أسعد . وكنعان ، أحمد‬ ‫82.عقل النسان في الفلسفة والطب والقرآن . ط ١ / ٣٢٤١ هـ - ٢٠٠٢ م . دار النفائس ، دمشق- بيروت‬ ‫* ابن سينا ، أبو علي‬ ‫92.الشارات والتنبيهات . ت : سليمان دنيا . ط ٣ / ٣٨٩١ م . دار المعارف ، القاهرة‬ ‫03.النجاة في المنطق واللهيات . ت: د. عبد الرحمن عميرة . ٢١٤١ هـ - ٢٩٩١ م . دار الجيل ، بيروت‬ ‫* الطبري ، ابن جرير‬ ‫13.جامع البيان عن تأويل آي القرآن . ت: مصطفى مسلم محمد . ط ١ / ٥٠٤١ هـ . دار الفكر ، بيروت‬ ‫* ابن طفيل ، أبو بكر‬ ‫23.حي بن يقظان . ت: أحمد أمين . دار المدى للثقافة والنشر . سلسلة الكتاب للجميع ، العدد ٨ .‬ ‫* ابن عبد البر ، أبو عمر‬ ‫33.التمهيد لما في الموطأ من المعاني والسانيد . ج ٨١ . ت: سعيد أعراب .٧٠٤١ هـ - ٧٨٩١ م . وزارة الوقاف والشؤون‬ ‫السلمية المملكة المغربية‬ ‫43.الستذكار الجامع لمذاهب فقهاء المصار وعلماء القطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والثار وشرح ذلك كله‬ ‫باليجاز والختصار . ج ٨ . ت: عبد المعطي أمين قلعجي . ط ١ / ٤١٤١ هـ – 3991 م . القاهرة‬ ‫* ابن عاشور ، الطاهر‬ ‫53.تفسير التحرير والتنوير . الشركة التونسية للتوزيع والنشر ، والدار الجماهيرية للنشر .‬ ‫63.مقاصد الشريعة السلمية . الشركة التونسية للتوزيع والنشر ، والمؤسسة الوطنية للكتاب ، الجزائر .‬ ‫* ابن عطية الندلسي ، أبو محمد‬ ‫73.المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز .ت: عبد ال بن إبراهيم النصاري ، والسيد عبد العال السيد إبراهيم . ط ١ . ٦٠٤١‬ ‫هـ – ٥٨٩١ م . الدوحة‬
  • 43.
    ‫* الغزالي ،أبو حامد‬ ‫83.القتصاد في العتقاد . ط ١ / ٣٠٤١ هـ -٣٨٩١ م . دار الكتب العلمية ، بيروت‬ ‫93.المستصفى في علم الصول. ت: محمد عبد السلم عبد الشافي . ط ١ / ٣١٤١ هـ - ٣٩٩١ م . دار الكتب العلمية بيروت‬ ‫04.المنقذ من الضلل . بعناية محمد محمد جابر . مكتبة الجندي‬ ‫* ابن قتيبة ، أبو محمد‬ ‫14.تأويل مختلف الحديث . ت : عبد القادر أحمد عطا . ط ١ / ٨٠٤١ هـ - ٨٨٩١ م . مؤسسة الكتب الثقافية .بيروت‬ ‫* القرطبي ، أبو عبد ال‬ ‫24.الجامع لحكام القرآن . ت: أحمد عبد العليم البردوني . ط ٢ / ٢٧٣١ هـ . دار الشعب ، القاهرة‬ ‫* ابن قيم الجوزية ، شمس الدين‬ ‫34.أحكام أهل الذمة . ت : طه عبد الرؤوف سعد . ط ١ . ٥١٤١ هـ ، ٥٩٩١ م . دار الكتب العلمية . بيروت .‬ ‫44.إعلم الموقعين عن رب العالمين . ت : طه عبد الرؤوف سعد . دار الجيل بيروت .‬ ‫54.اجتماع الجيوش السلمية على غزو المعطلة والجهمية . ط ١ /٤٠٤١هـ -٤٨٩١ م .دار الكتب العلمية ، بيروت‬ ‫64.حادي الرواح إلى بلد الفراح . دار الكتب العلمية ، بيروت‬ ‫74.شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل . ٨٩٣١ هـ - ٨٧٩١ م . دار المعرفة ، بيروت‬ ‫84.طريق الهجرتين وباب السعادتين . ت: عمر بن محمود . ط ٤١٤١/٢هـ-٤٩٩١م. دار ابن القيم ، الدمام‬ ‫94.مفتاح دار السعادة ومنشور ولية العلم والرادة . دار الكتب العلمية ، بيروت‬ ‫05.مفتاح دار السعادة ومنشور ولية أهل العلم والرادة . ت: علي بن حسن بن علي بن عبد الحميد الحلبي الثري . ط ١ / ٦١٤١‬ ‫هـ - ٦٩٩١ م . دار ابن عفان ، السعودية‬ ‫* مات ريدلي‬ ‫15.الجينوم السيرة الذاتية للنوع البشري . ترجمة د. مصطفى إبراهيم فهمي . سلسلة عالم المعرفة‬ ‫* ابن ماجه ، محمد بن يزيد‬ ‫25.السنن . ضمن برنامج الكتب التسعة ، الصدار الول . شركة صخر لبرامج الحاسب‬ ‫* مسلم ، ابن الحجاج‬ ‫35.الجامع الصحيح . ضمن برنامج الكتب التسعة ، الصدار الول . شركة صخر لبرامج الحاسب‬ ‫* ابن الملك ، عز الدين‬ ‫45.مبارق الزهار في شرح مشارق النوار . بعناية خليل الميس . ط ١ / ٦٠٤١ هـ - ٦٨٩١ م . دار القلم ، بيروت‬ ‫* المناوي ، عبد الرؤوف‬ ‫55.فيض القدير شرح الجامع الصغير . ط ١ / ٦٥٣١ هـ . المكتبة التجارية الكبرى . مصر‬ ‫* النسفي ، أبو البركات‬ ‫65.مدارك التنزيل وحقائق التأويل . ت: صفوان عدنان داوودي . ط ١ / ٥١٤١ هـ . دار القلم ، دمشق . الدار الشامية ، بيروت‬ ‫* النووي ، أبو زكريا‬ ‫75.شرح النووي على صحيح مسلم . ط ٢ / ٢٩٣١ هـ . دار إحياء التراث العربي . بيروت‬ ‫* وعزيز ، الطاهر‬ ‫85.» نظرة في تواريخ العلم : نشأة علم الفلك نموذجا « ضمن كتاب جماعي بعنوان : » دراسات في تاريخ العلوم والبستيمولوجيا‬ ‫« منشورات كلية الداب والعلوم النسانية بالرباط ، ٦٩٩١ .‬
  • 44.
    : ‫•المجلت‬ ٩ ‫مجلة العجاز العلمي ٢٢٤١ هـ . ع‬ : ‫•مواقع على الشبكة العنكبوتية‬ – www.feralchildren.com – www.lesocial.fr – www.univ-tls2.fr : ‫أجنبية‬ ‫•مصادر‬ – Encyclopédie Encarta . – Lucien Malson : Les enfants sauvages , Mythe et Réalité . 1964 UNION GÉNÉRALE D’ÉDITIONS . PARIS – Science et Vie , n° 1059 . p : 63 . Nevembre 2005 .