‫ح ف لر‬
                           ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                       ‫نح‬
                        ‫مكتبة مشكاة السلمية‬

           ‫ح ف لر‬
           ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                       ‫نح‬
        ‫صلح الدين الزعبلوي‬
‫هذا بحث طريف، حاجة الك ّاب إليه ماسة ملحة، وهم‬
                      ‫ت‬
‫إذا أصابوا فيه خطأ وظفروا منه بطائل وتعلقوا بسبب‬
‫وثيق، كان لهم من ذلك مادة قوية في ممارسة الكتابة‬
‫وإتقانها، وعون وظهير في تصريف المعاني وتوجيه‬
 ‫دللتها، وسوقها متناسقة متناظمة، دون لبس أو‬
                      ‫خلل.‬

  ‫وقد جاء للمتقدمين وكثير من المحدثين المتأخرين‬
  ‫من هذا النمط ما ل يدافع في حسنه. وإذا هم أخّوا‬
    ‫ل‬
      ‫بالصل المع ّل عليه في استعمال هذه الحروف‬
                                  ‫و‬
‫وعبثوا بضوابطها فجروا على غير العرف العربي في‬
    ‫تصريفها أسخفوا بالكتابة وانح ّوا بها إلى ركاكة‬
                    ‫ط‬
‫العامة، فطال الخطب في ذلك وعسر واستوسع الوهي‬
 ‫وكثر، وكان لنا منه أمثلة غثة باردة هي أشبه شيء‬
‫ح ف لر‬
                           ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                       ‫نح‬
                        ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


  ‫بالثياب المتداعية كلما حيصت من جانب تهتكت من‬
                                             ‫آخر.‬

‫ولبد في بلوغ الغاية في هذا المطلب من أعمال الفكر‬
    ‫وتدقيق النظر، وبذل الطوق في تحصيل ما يتصل‬
‫بجوانب البحث، إذ ل مجال لتحقيق المراد منه بأهون‬
      ‫سعي وأقرب طلب. وليس القائل في هذا بعلمه‬
                    ‫واجتهاده كالقائل بظنه وتقليده.‬

‫وقد عقدت في كتابي )مسالك القول في النقد اللغوي(‬
   ‫فص ً سابغاً أفضت فيه بعض الفاضة في استيفاء‬
                                         ‫ل‬
  ‫طرف من الصول في هذا الباب، ورأيت أن أتدارك‬
‫هنا ما جمعت يدي عليه من دقائق، فيما اتفق لي بعد‬
  ‫ذلك من تحقيق، واعترض من تمحيص واستقراء.‬
   ‫ولو شئت لوردت منه شيئاً كثيراً تضيق عنه هذه‬
                                         ‫الوراق.‬

                     ‫ضوابط في استعمال الحروف:‬
‫ح ف لر‬
                           ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                       ‫نح‬
                        ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


   ‫قال أبو نزار المعروف بملك النحاة، على ما حكاه‬
  ‫المام السيوطي في الشباه والنظائر )٣ / ٦٧١(،‬
   ‫وأبو نزار هذا المام بارع من فقهاء الشافعية، ذو‬
‫نظم ونثر، له مصنفات في النحو والصرف والقراءات‬
 ‫والفقه والصول وديوان شعر )مولده ببغداد ووفاته‬
 ‫في دمشق ٨٦٥ هـ( قال: )إن الفعل قد يتعدى بعدة‬
‫من حروف الجر على مقدار المعنى اللغوي المراد من‬
 ‫وقوع الفعل، لن هذه المعاني كامنة في الفعل، وإنما‬
‫يثيرها ويظهرها حروف الجر( وأردف )وذلك أنك إذا‬
     ‫قلت خرجت فأردت أن تبين ابتداء خروجك قلت‬
    ‫خرجت من الدار، فإن أردت أن تبين أن خروجك‬
 ‫مقارن لستعلئك قلت خرجت على الدابة، فإن أردت‬
  ‫المجاوزة للمكان قلت خرجت عن الدار، وإن أردت‬
‫الصحبة قلت خرجت بسلحي فقد وضح بهذا أنه ليس‬
            ‫يلزم في كل أل يتعدى إل بحرف واحد(.‬
‫ح ف لر‬
                         ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                     ‫نح‬
                      ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


 ‫فثبت بهذا أن الفعل يص ّف في وجوه عدة بقدر من‬
                      ‫ر‬
  ‫حروف الجر أطرد تصريفها فيها. وقد أحاطت كتب‬
 ‫اللغة بوجوده تصريف كل حرف فاستعمل فيها، على‬
  ‫جهة القياس والطراد. تقول في تصريف )أجاب(:‬
   ‫)أجبت في الكتاب، وبالكتاب، وأجبت عنك، وعلى‬
  ‫ورقة بيضاء، ولمر مهم، وعن السئلة، من أولها‬
 ‫إلى آخرها(. كما أحاطت المعجمات بتصريف الفعال‬
‫في معانيها فن ّت على تعديتها بحروف ل يتحكم بها‬
                               ‫ص‬
   ‫قياس ظاهر، كقولك )أعنتك على عدوك، وتدربت‬
  ‫على العمل، وحزنت عليه وغضبت، وحسدتك على‬
 ‫كذا، وتوفرت على صاحبي، وارتحت إليه، واعتذرت‬
    ‫إليه، وأنست به ورغبت على كذا، وتوفرت على‬
   ‫صاحبي، وارتحت إليه، واعتذرت إليه، وأنست به‬
‫ورغبت فيه( وهكذا. فإذا جمعت القياس في استعمال‬
  ‫هذه الحروف على ما نصت عليه كتب اللغة عامة،‬
 ‫إلى السماع فيما نصت عليه المعجمات خاصة، أقول‬
‫إذا ضممت يدك على هذا وذاك، كان لبد من أن تلحظ‬
‫ح ف لر‬
                           ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                       ‫نح‬
                        ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


    ‫أن تصريف الفعل بحرف من الحروف إنما يفرده‬
‫بمعنى ل يؤديه تصريفه حرف آخر، وإن داناه أحيان ً،‬
 ‫ا‬
        ‫لن لكل حرف وجهة اختص بها دون سواه.‬

                          ‫لكل حرف وجهة خاصة:‬

  ‫يقول أبو البقاء الكفوي في كلياته فيما نحن بسبيله‬
 ‫)الفعل المتعدي بالحروف المتعددة لبد من أن يكون‬
‫له مع كل حرف معنى زائد على معنى الحرف الخر،‬
     ‫وهذا بحسب اختلف معاني الحروف. فإن ظهر‬
 ‫اختلف الحرفين ظهر الفرق نحو رغبت فيه وعنه،‬
   ‫وعدلت إليه وعنه، وملت إليه وعنه، وسعيت إليه‬
   ‫وبه. وإن تقارب معاني الدوات عسر الفرق، نحو‬
     ‫قصدت إليه وله، وهديت إلى كذا ولكذا. فالنحاة‬
   ‫يجعلون أحد الحرفين بمعنى الخر. أما فقهاء أهل‬
  ‫العربية فل يرتضون هذه الطريقة بل يجعلون للفعل‬
    ‫معنى مع الحرف ومعنى مع غيره، فينظرون إلى‬
  ‫الحرف وما يستدعي من الفعال، وهذه طريقة إمام‬
‫ح ف لر‬
                           ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                       ‫نح‬
                        ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


  ‫الصناعة: سيبويه(. وأبو البقاء من تعلم تبسط ً في‬
     ‫ا‬
  ‫العربية واستبحاراً وإيغالً في البحث، وسعة إطلع.‬

      ‫ويفسر ما جاء به أبو البقاء من تمايز وجهات‬
  ‫الحروف ولو تدانى بعضها وتعاقب على معنى، قول‬
 ‫البيضاوي في تفسير قوله تعالى ‪‬قل هل من شركائكم‬
   ‫من يهدي إلى الحق، قل ال يهدي للحق ـ يونس /‬
‫‪ (:٣٥‬وهدى كما يتعدى بالى لتضمينه معنى النتهاء،‬
   ‫ُع ّى باللم للدللة على أن المنتهى غاية الهداية،‬
                                              ‫يد‬
   ‫وأنها لم توجه نحوه على سبيل التفاق، ولذا ُ ّي‬
    ‫عد‬
    ‫بها ما أسند إلى ال(. والموضع الذي ُديت فيه‬
           ‫ع‬
‫الهداية باللم في التنزيل هو ما صح أن يكون المهدي‬
‫إليه فيه غاية الهداية حقً، كاليمان، والتي هي أقوم.‬
                         ‫ا‬
                        ‫ونور ال، والحق، وهكذا..‬

                                       ‫اللم وإلى:‬

‫فالقريب المختار، بل الصل على هذا، هو التفريق في‬
‫الداء بين )اللم وإلى(، وإذا كان بعض الئمة قد قال‬
‫ح ف لر‬
                            ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                        ‫نح‬
                         ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


           ‫بتعاقبهما حين ً، كما فعل الخفش والزجاج‬
                                  ‫ا‬
‫والزمخشري وأبو ح ّان، أو ذهب إلى تعاقبهما قياس ً،‬
 ‫ا‬                             ‫ي‬
  ‫كما فعل المام المالقي فذلك لتقاربهما وتماثلهما في‬
    ‫كثير من المواضع. قال المالقي في كتابه )رصف‬
      ‫المباني في شرح حروف المعاني(. )والموضع‬
 ‫الخامس أن تكون اللم بمعنى إلى، وذلك قياس، لن‬
       ‫إلى يقرب معناها من اللم، وكذلك لفظها(، ثم‬
‫استدرك فقال: )وإن كان بينهما فرق من حيث أن إلى‬
         ‫لنتهاء الغاية، واللم عارية عنها( وأردف:‬
‫)فاستعمال أحدهما في موضع الخر جائز( وأنت تعلم‬
 ‫أن إغناء أحد الحرفين عن الخر ل يعني أنهما على‬
 ‫معنى. وهذا ما حمل أبا البقاء أن يقول: )ثم أن فعل‬
   ‫الهداية، متى ُ ّي بالى تضمن اليصال إلى الغاية‬
                                ‫عد‬
‫المطلوبة فأتى بحرف الغاية. ومتى ُ ّي باللم تضمن‬
            ‫عد‬
                     ‫التخصيص بالشيء المطلوب(.‬

                           ‫القول في تعدية )اعتذر(‬
‫ح ف لر‬
                             ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                         ‫نح‬
                          ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


 ‫العتذار كما ل يخفى هو التيان بالعذر وطلب قبوله.‬
   ‫قال صاحب المفردات: )واعتذرت إليه أتيت بعذر(،‬
 ‫والعذر كما جاء في اللسان، )الحجة التي تعتذر بها(‬
‫أي تحتج. ففي اللفاظ الكتابية لعبد الرحمن بن عيسى‬
    ‫الهمذاني )اعتذر وتعذر إذا احتج(، فإذا أنت أدليت‬
 ‫بعذرك إلى صاحبك وطلبت قبول العذر قلت )اعتذرت‬
‫إلى فلن(. ول تستطيع أن تقول )اعتذرت عن فلن(‬
     ‫حتى يكون اعتذارك نيابة عنه. قال المرزوقي في‬
     ‫شرح الحماسة )٧١١(: )حتى أن بعضهم اعتذر‬
                        ‫عمن مات على فراشه فقال:‬

‫أبا ُ ّا َ ِ ّ على‬
    ‫قر ن مت‬                        ‫ن نك‬
                                   ‫بحم ٍ من س ِا ِ َ‬
                                               ‫د‬
            ‫ِثا ِ(‬
             ‫م ل‬                              ‫م‬
                                              ‫ل بذ ّ‬

                                  ‫والمثال: الفراش.‬

    ‫أما إذا أردت الكشف عن سبب اعتذارك وما حملك‬
    ‫عليه، فأنت تقول )اعتذرت إليه تقصيري( هذا هو‬
          ‫الصل، وعليه نص المعاجم، ولكن هل تقول‬
‫ح ف لر‬
                           ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                       ‫نح‬
                        ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


   ‫)اعتذرت إليه عن تقصيري(؟ أقول ما دمت تقصد‬
  ‫بقولك )عن تقصيري( ذكر )سبب العتذار وعّته(‬
     ‫ل‬
 ‫وما حملك عليه، فالكلم سائغ مستقيم. وقد م ّت به‬
     ‫ر‬
  ‫المعاجم وجرت عليه ألسنة اليمة. قال الفيومي في‬
‫المصباح: )واعتذار إلي: طلب قبول معذرته، واعتذر‬
        ‫عن فعله، أظهر عذره(. وجاء في الفصاح،‬
     ‫والفصاح خلصة المخصص لبن سيده وبعض‬
‫المظان المعتمدة )العذر ما أدليت به من حجة لسقاط‬
  ‫الملمة.. عذر فلن ً فيما صنع يعذره عذرً ومعذرة،‬
          ‫ا‬                   ‫ا‬
   ‫وأعذره: رفع اللوم عنه، واعتذر إليه: طلب قبوله‬
      ‫معذرته، واعتذر عن فعله ومنه: أظهر عذره /‬
                                         ‫٥٥٢(.‬

 ‫أما استعمال اليمة له فقول ابن جني في الخصائص‬
‫)١ / ٥١٤(: )ويؤكده لك أننا نعتذر لهم عن مجيئهم‬
  ‫بلفظ المنصوب في التثنية على لفظ المجرور(، أي‬
‫نعتذر عن فعلهم هذا. وكذلك قول المرزوقي في شرح‬
‫ح ف لر‬
                          ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                      ‫نح‬
                       ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


   ‫الحماسة )٦٢١(: )كالعتذار عن الخذ بالفضل‬
   ‫عليهم، وترك الصفح عنهم(. وما جاء في المثل‬
 ‫السائر لنصر ال بن الثير الجرزي )٣٦٤(: )فإن‬
     ‫هذا من أحسن ما يجيء في باب العتذار عن‬
‫الذنب(. ما جاء في اللسان )في عسق(: )هذا قول‬
   ‫ابن سيده، والعجب من كونه لم يعتذر عن سائر‬
‫كلماته(. وقد كرر هذا فقال: )ومن الممكن أن يكون‬
   ‫ابن سيده، رحمه ال، ترك العتذار عن كلماته..‬
 ‫وعن لفظة: شانني... واعتذر عن لفظة َ ِقني(.‬
      ‫عس‬
   ‫واتفق في الشباه والنظائر ـ ٤ / ٦١( من كلم‬
  ‫المام جمال الدين بن هشام النصاري ما ع ّى به‬
      ‫د‬
    ‫)اعتذر( بـ )عن( غير مرة ونحو هذا كثير في‬
                                        ‫كلمهم.‬

                         ‫مواضع استعمال )عن(:‬

 ‫ولكن ِمَ كان النص في المعاجم على تعدية الفعل بـ‬
                                          ‫ل‬
‫)من( غالباً دون )عن(؟ فأنت تقول )قد تسبب هذا‬
‫ح ف لر‬
                            ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                        ‫نح‬
                         ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


  ‫عن هذا(. قال الفيومي: )وهذا مسبب عن هذا( وقد‬
     ‫تكرر ذلك في كلم ابن جني في الخصائص )٣ /‬
  ‫٠٦١( ، كما تقول )اعتللت بمرضي عن غيابي، أي‬
  ‫احتججت بهذه العلة. قال الفيومي )واعت ّ إذا تمسك‬
           ‫ل‬
    ‫بحجة، ذكر بمعناه الفارابي(. وقال ابن جني )٣ /‬
     ‫٦٠٢(: )واعتل لهذا القول بأن ما قبلها ساكن(.‬

    ‫قال الستاذ محمد علي النجار في كتابه )لغويات /‬
  ‫٢٤١(، )لقد استعملت العلة أيض ً في العذر، ويعتذر‬
                   ‫ا‬
  ‫به النسان عن لوم يوجه إليه في التقصير في بعض‬
     ‫المر(. وقال: )ومما يؤنس لما نحن فيه أنه ورد‬
   ‫العتلل في ذكر العلة، ويقول الفارابي، على ما في‬
  ‫المصباح: اعت ّ إذا تمسك بحجته، وقال أبو قيس بن‬
                                  ‫ل‬
                                         ‫السلت:‬

‫وتعت ّ عن إتيانهن‬
           ‫ل‬                     ‫وتكرمها جاراتها‬
           ‫فتعذر‬                         ‫فيزرنها‬
‫ولكنها منهن تحيا‬                    ‫وليس بها أن‬
‫ح ف لر‬
                            ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                        ‫نح‬
                         ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


         ‫وتخفر‬                      ‫تستهين بجارة‬

 ‫فقوله: تعتل عن إتيانهن أي تعتذر بذكر وجه تخلفها‬
 ‫عن زيارتهن فظهر أن التعلل في معنى ذكر العّة، له‬
      ‫ل‬
                                 ‫وجهه الصحيح(.‬

‫وقد ذكر النحاة من معاني )عن( المطردة: )التعليل(،‬
‫قاله صاحب المغنى )١ / ٧٢١( وم ّل له بقول تعالى‬
               ‫ث‬
‫‪‬وما كان استغفار إبراهيم لبيه إل عن موعدة ـ التوبة‬
    ‫/ ‪ .١١٥‬وفي الهمع للسيوطي )٢ / ٩٢( ما في‬
‫المغنى. وفي شروح اللفية وغيرها من المهات نحو‬
 ‫من ذلك وانظر إلى ما جاء في أمالي المرتضى حول‬
    ‫تخريج قوله تعالى ‪‬فخرعليهم السقف من فوقهم ـ‬
   ‫النحل / ‪ ٢٦‬قال المرتضى )١ / ١٥٣(: )قيل في‬
   ‫ذلك أجوبة أولها أن يكون على معنى عن فيكون ـ‬
    ‫فخر عنهم السقف من فوقهم ـ أي خ ّ عن كفرهم‬
             ‫ر‬
‫وجحودهم بال تعالى وآياته، كما يقول القائل: اشتكى‬
‫ح ف لر‬
                           ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                       ‫نح‬
                        ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


‫فلن عن دواء شربه، وعلى دواء شربه، فيكون على‬
                   ‫وعن، بمعنى من أجل الدواء(!.‬

    ‫وإذا صح هذا ف ِمَ ل نقول )اعتذرت إليه لغيابي(‬
                                  ‫ل‬
  ‫واللم فيه للتعليل أيض ً؟ والجواب عن ذلك: نقوله،‬
                          ‫ا‬
    ‫وقد أجريت اللم في مجراها ووضعت موضعها،‬
  ‫والكلم صحيح ل َين فيه. ففي محاضرات الدباء‬
                            ‫ش‬
  ‫للراغب )٠٥٤(: )المعتذر لتركه الصلة( ومعناه‬
   ‫)المعتذر بسبب تركه الصلة(. وقد تكرر ذلك في‬
  ‫المحاضرات فجاء فيه )٦٨٢(: )المعتذر للقصر(‬
   ‫و)الممدوح بالخفة والمعتذر للنحافة(، وعلى هذا‬
 ‫القول )اعتذرت لغيابي يوم الجمعة(. وهو مستقيم.‬

       ‫المانعون لقول القائل )اعتذر عن التقصير(:‬

   ‫منع الدكتور مصطفى جواد عضو المجمع العلمي‬
   ‫العراقي، رحمه ال في كتابه )دراسات في فلسفة‬
    ‫النحو( قول القائل )اعتذر عن التقصير والذنب(‬
 ‫وجعل صوابه )من التقصير والذنب(، وأتى بشواهد‬
‫ح ف لر‬
                          ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                      ‫نح‬
                       ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


  ‫من نصوص المعاجم وكلم اليمة، بمجئ التعدية بـ‬
‫)من(. وقال: )وإنما تستعمل عن مع اعتذر ومصدره‬
 ‫لفادة معنى النيابة، يقال: اعتذر زيد عن عمرو من‬
 ‫الذنب الذي جناه أو من تقصيره..(. أما ما جاء في‬
  ‫المصباح )واعتذر عن فعله: أظهرعذره( فقد ذهب‬
                           ‫جواد إلى أنه مح ّف.‬
                             ‫ر‬

   ‫أقول في الجواب عن ذلك أن صاحب المصباح لم‬
  ‫ينفرد بهذه التعدية كما رأيت، وليس ثمة ما يوجب‬
 ‫الرتياب بنصه، وأما قول جواد )وإنما تستعمل عن‬
   ‫لفادة معنى النيابة( فهو صحيح، ولكن إذا دخلت‬
‫)عن( على )من وجب عليه العتذار( ل على )سبب‬
      ‫العتذار وعلته( وهذا واضح وقد أشرنا إليه.‬

      ‫المجيزون لقول القائل )اعتذر عن التقصير(:‬

   ‫جاء في المعجم الوسيط، معجم المجمع القاهري:‬
   ‫)ويقال اعتذار من ذنبه وعن فعله(، فهل أراد أن‬
   ‫يخص الذنب بـ )من(، والفعل بـ )عن(؟ أقول إذا‬
‫ح ف لر‬
                            ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                        ‫نح‬
                         ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


‫أراد ذلك فل وجه له البتة، وإذا لم يعنِ ذلك فما الذي‬
       ‫حمله على أن يحكي بالحرف عبارة الجوهري‬
   ‫)العتذار من الذنب( ويضم إليها عبارة المصباح‬
 ‫)واعتذر عن فعله( فيجمع بينهما ويوهم أن )من(‬
  ‫في استعمال الفعل غير )عن(؟ وقد كان المثل أن‬
  ‫يطبع على غرار الفصاح فيقول )واعتذر عن فعله‬
               ‫ومنه( أو )واعتذر من ذنبه وعنه(.‬

  ‫وعرض الستاذ محمد العدناني لتعدية )اعتذر( في‬
 ‫معجمه )الخطاء اللغوية الشائعة( فأقر تعدية الفعل‬
 ‫بمن وعن لذكر العلة، لكنه عطف المر على )إنابة‬
‫حرف مكان حرف( وليس ثمة )إنابة(، وإنما أجري‬
 ‫كل حرف من الحرفين المذكورين في مجراه ووضع‬
 ‫موضعه. ثم أنكر قول القائل )يع ُر( بالضم كين ُر،‬
   ‫ص‬             ‫ذ‬
         ‫وجعل صوابه )يعذر( بالكسر كيضرب، قال‬
     ‫)ويقولون: يع ُر فل صديقه فيما صنع، بالضم،‬
                                ‫ذ‬
                 ‫والصواب يعذر صديقه بالكسر..(.‬
‫ح ف لر‬
                            ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                        ‫نح‬
                         ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


       ‫أقول: جاء الفعل على )يعذر( كيضرب، وعلى‬
      ‫)يع ُر( كين ُر. قال ابن سيده في المخصص )‬
                                 ‫ص‬       ‫ذ‬
    ‫٣١ / ١٨(: )عذرته أع ُره عذرً ومعذرة بالفتح‬
                  ‫ا‬      ‫ذ‬
 ‫حكاها سيبويه..( فضم الذال في )أع ُره( وكسرها:‬
            ‫ذ‬
‫وقال ابن منظور في اللسان )وعذره يع ُره فيما صنع‬
           ‫ذ‬
    ‫عذرً..( فأتت الذال في المضارع الفعل مضمومة‬
                                          ‫ا‬
‫ومكسورة أيض ً. فقول الكتاب )يع ُره( بالضم صحيح‬
              ‫ذ‬                  ‫ا‬
                    ‫كما رأيت ول وجه فيه للتخطئة.‬

                              ‫تعدية )اعتذر( بعلى:‬

   ‫أقول إذا كان )اعتذر( قد جاء بمعنى )احت ّ( كما‬
        ‫ج‬
‫ذكره الهمذاني في اللفاظ الكتابية فقال )اعتذر وتعذر‬
‫إذا احت ّ( وكان )العذر( كـ )الحجة( على ما جاء في‬
                                       ‫ج‬
  ‫اللسان )العذر: الحجة التي تعتذر بها( فقد اتفق أن‬
    ‫ع ّي )اعتذر( بـ )على( كما ُعدى )احت ّ( فأنت‬
          ‫ج‬         ‫ي‬                       ‫د‬
‫تقول: )اعتذرت على فلن بعذر( كما تقول )احتججت‬
    ‫عليه بحجة( فانظر إلى قول منصور بن مشحاج:‬
‫ح ف لر‬
                            ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                        ‫نح‬
                         ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


‫فما اعتذرتْ إبلي‬                  ‫ومختب ٍ قد جاء،‬
                                          ‫ط‬
 ‫عليه ول نفسي‬                         ‫ق ة‬
                                      ‫أو ذي َراب ٍ‬

   ‫قال المرزوقي في شرح الحماسة )٥٧٦١(: )فل‬
     ‫نفسي احتجزت عنه بمنع ول إبلي اعتذرت عليه‬
   ‫بعذر، كأن عذر البل تأخ ُها عن مباءتها، أو ذكر‬
                        ‫ر‬
       ‫وقوع آفة فيها أو تسلط جدب عليها، واحتجاز‬
 ‫النفس: ُخلها بها وإقامة المعاذير الكاذبة دونها وما‬
                                           ‫ب‬
‫يجري هذا المجرى(. وأصل الختباط في الورق تقول‬
  ‫اختبطت الورق إذا نفضته من الشجر، وكما يستعار‬
   ‫الورق ف ُك ّى به عن المال يستعار الخبط فيك ّى به‬
       ‫ن‬                               ‫ين‬
                                         ‫عن طلبه.‬

                           ‫القول في تعديه )ك َف(‬
                             ‫ش‬

   ‫قال الدكتور مصطفى جواد في كتابه )دراسات في‬
     ‫فلسفة النحو والصرف..( ينتقد على كاتب بعض‬
  ‫كلمه: )وكشف كنوزها.. ونظامها البديع، وقد أراد‬
  ‫الكشف عن كنوزها. ومن العجب أنه قال قبيل ذلك:‬
‫ح ف لر‬
                           ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                       ‫نح‬
                        ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


  ‫وكشف فيه عن سعة إطلع، فس ّى بين كشف عنه‬
               ‫و‬
                                        ‫وكشفه(.‬

     ‫أقول أراد الستاذ جواد أن )كشفه( غير )كشف‬
  ‫عنه(. فالكشف إنما يكون )للساتر( وهو الغطاء أو‬
‫ما يقوم مقامه ، فالغطاء هو المكشوف. أما المكشوف‬
‫عنه فهو )المستور( أو ما ينوب منابه. قال )والصل‬
        ‫كشف الغطاء أو الستار أو الحجاب( وأردف‬
  ‫)والجملة( الثانية ـ أي كشف عنه ـ أريد بها إزاحة‬
  ‫ما يس ُر، عن الشيء المستور حسب(، فما صواب‬
                                    ‫ت‬
                                         ‫المسألة؟‬

                    ‫الصل في معنى )كشف عنه(:‬

  ‫ل خفاء بأن الصل في الكشف هو إزاحة الغطاء أو‬
‫الستار ورفعه عن المستور. تقول )كشف الخمار عن‬
   ‫الوجه( و)كشف الغطاء عما وراءه(. قال صاحب‬
‫العين )الكشف رفعك عن الشيء ما يواريه ويغطيه(.‬
‫ح ف لر‬
                           ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                       ‫نح‬
                        ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


  ‫فتعدية الفعل إلى )الغطاء( أو )الحجاب( إنما يكون‬
     ‫نفسه، وإلى )المستور أو المحجوب( بـ )عن(.‬

   ‫وقد يطبق الغطاء على النسان فيغمره ويثقل عليه‬
   ‫ويشتد، كالهم إذا غشي النسان فاحتواه، بل عظم‬
  ‫عليه وشق، فتقول فيه: )جلوت اله ّ عنه وس ّيته،‬
      ‫ر‬        ‫م‬
 ‫بل كشفت عنه السوء أو الضر أو العذاب، وعلى هذا‬
 ‫الحدآي التنزيل: )لئن كشفت عنا الرجز ـ العراف /‬
 ‫‪ ١٣٣‬وفلما كشفنا عنه ض ّه ـ يونس / ‪ ١٢‬وكشفنا‬
      ‫‪‬‬               ‫ر‬                 ‫‪‬‬
                        ‫عنهم العذاب يونس / ‪.٣٨‬‬

   ‫وقد ُل ٌ بالنسان ما يحجب عنه النظر كشاغل من‬
                                      ‫يم‬
   ‫غمرة فيذهب ببصره كل مذهب، وقد ُ ّر به قوله‬
            ‫فس‬
      ‫تعالى: )لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك‬
   ‫غطاءك فبص ُك اليوم حديد ـ ق / ‪ .٢٢‬قال المام‬
                                    ‫ر‬
‫البيضاوي: )الغطاء الحاجب لمور المعاد وهو الغفلة‬
‫والنهماك.. وقيل الخطاب للنبي صلى ال عليه وسلم،‬
‫والمعنى كنت في غفلة من أمور الديانة، فكشفنا عنك‬
‫ح ف لر‬
                          ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                      ‫نح‬
                       ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


‫غطاء الغفلة بالوحي القرآن، وبصرك اليوم حديد ترى‬
                  ‫ما ل يرون وتعلم ما ل يعلمون(.‬

    ‫ومما قيل على حد )كشف الغطاء( قول أبي علي‬
 ‫المرزوقي في شرح الحماسة )٠٦٠١(: )ثم كشفت‬
‫الغمة وأثب ّ الحجة بكلم فصيح ل يلتبس( أي رفعت‬
                                 ‫ت‬
     ‫الغمة عنه وأزحتها( وقوله )١٩٠١(: )فتركت‬
    ‫بعدها دواهي وخطوباً عظيمة هي في أغطيتها لم‬
‫تظهر ولم يكشف عنها(، أي لم يكشف عنها غطاؤها،‬
     ‫وقوله )٣٩٠١(: )فتذكر معايبهم وتكشف عن‬
  ‫مستور مخازيهم ومجهول مقابحهم ومساويهم( أي‬
 ‫تكشف عنها ما كان يحجبها، وقوله )٠٦٧(: )تند ٌ‬
 ‫م‬
  ‫على ما ق ّر فيه من النظر والفحص والكشف عن‬
                                 ‫ص‬
‫عقبى المر(. وقول الخفاجي صاحب س ّ الفصاحة )‬
          ‫ر‬
     ‫١٣(: )وذلك أليق بالمتكلمين الذين هم أصحاب‬
  ‫التحقيق، والكشف عن أسرار المعلومات وغوامض‬
‫الشياء( أي كشف الغطاء عما ُوي عن فهم الناس.‬
                ‫ط‬
‫ح ف لر‬
                          ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                      ‫نح‬
                       ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


                       ‫الصل في معنى )كشفه(:‬

 ‫أقول إذا اتفق قول صاحب العين )الكشف رفعك عن‬
  ‫الشيء ما يواريه ويغطيه( كما حكاه ابن سيده في‬
    ‫المخصص )٣١ / ٤٤١(، فقد أردف: )وكشفت‬
 ‫المر أكشفه كشف ً: أظهرته(. وحكى ابن سيده عن‬
                            ‫ا‬
   ‫أبي زيد أيض ً )جلوت المر وجّيته وجّيت عنه:‬
          ‫ل‬      ‫ل‬              ‫ا‬
    ‫كشفته وأظهرته، وقد انجلى وتجّى(. وقال ابن‬
                ‫ل‬
    ‫منظور في اللسان: )وكشف المر يكشفه كشف ً:‬
     ‫ا‬
                                       ‫أظهره(.‬

‫وهذا يعني أن للفعل منحى آخر يتعدى فيه بنفسه إلى‬
    ‫)المجهول أو المخفي(، تقول: )كشفت المر إذا‬
     ‫جلوته وأظهرته(. فإذا كان )كشفت الغطاء عن‬
      ‫المجهول( هو الصل، فكيف تف ُع عليه هذا؟.‬
                  ‫ر‬

 ‫أقول: الصل قولك )كشفت الحجاب عن المجهول(،‬
‫ولك أن تقول: )كشفت حجاب المجهول(، فإذا عرفت‬
    ‫أن )الحجاب( يلزم )المجهول(، واعتذرت بهذا‬
‫ح ف لر‬
                           ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                       ‫نح‬
                        ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


‫فاستغنيت عنه بذكر )المجهول( حذفت المضاف فقلت‬
        ‫)كشفت المجهول إذا أظهرته. وأكثر ما يكون‬
‫الستغناء عن )الحجاب( أي المضاف ها هنا، إذا كان‬
 ‫الحاجب دون المجهول هو الغموض والخفاء والجهل‬
  ‫والضياع، فيكون معنى كشف المجهول هو الهتداء‬
   ‫إليه وإظهاره. وحذف المضاف في القرآن والشعر،‬
‫وفصيح الكلم في عدد الرمل سعة، أستغفر ال وربما‬
      ‫ا ا‬
      ‫حذفت العرب المضاف بعد المضاف مكررً أنس ً‬
 ‫بالحال ودللة على موضوع الكلم، كما قال أبو الفتح‬
‫)المحتسب ـ ١ / ٨٨١( فعلى هذا القول ابن جني في‬
 ‫المحتسب )١ / ٩٣٢(: )وكشفت هذا الموضع يوم ً‬
 ‫ا‬
 ‫لبعض ما كان له مذهب في المشاغبة(. وقول ُ َيبة‬
    ‫جر‬
                                       ‫الفقعسي:‬

‫من العار أو ُههم‬
   ‫ج‬                             ‫هم كشفوا عي َة‬
                                  ‫ب‬
         ‫كال ُمم‬
           ‫ح‬                            ‫العائبين‬
‫ح ف لر‬
                            ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                        ‫نح‬
                         ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


 ‫قال المرزوقي في شرح الحماسة )٤٧٧(: )وقولهم‬
  ‫هم كشفوا عيبة العائبين... أي أظهروا من عيب من‬
      ‫كان يطلب عيبهم، ما كان خافي ً.. فكأنهم كشفوا‬
                     ‫ا‬
  ‫عيابهم المنطوية على عيوبهم فأسو ّت وجوههم بما‬
              ‫د‬
            ‫غشيها من العار، حتى صارت كال ُمم(.‬
                ‫ح‬

  ‫والعيبة هنا موطن العيوب ومودعه. وانظر إلى قول‬
             ‫أبي الحجناء: )شرح الحماسة / ٣٢٩(‬

‫ول يكشف الفتيان‬                        ‫وج ّب ُ ما‬
                                          ‫رت‬
    ‫غير التجارب‬                        ‫جربت منه‬
                                          ‫ف ّرني‬
                                             ‫س‬

                               ‫أي يكشف دخيلتهم.‬

     ‫وهذا قول المرزوقي )٠٢٥(: )وهذا المعنى قد‬
      ‫ك َف غير ُ( أي أظهره وجله. وقول الخفاجي‬
                                   ‫ه‬      ‫ش‬
   ‫صاحب سر الفصاحة )٠٣(: )ويكشف هذا المعنى‬
   ‫للمتأمل أن العرب( وقوله )وكشف هذا.. ما أريد(‬
‫ح ف لر‬
                           ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                       ‫نح‬
                        ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


 ‫وقوله )١٧(: )فالعلم بها واضح وكشفهاجلي(. فل‬
 ‫بأس بعد هذا بأن تقول: )كشفت كنوزها.. ونظامها‬
  ‫البديع( إذا اهتديت إلى هذه الكنوز فأظهرتها، وإلى‬
  ‫هذا النظام فجلوته؟ ول وجه لطعن جوا ٍ على قائله‬
            ‫د‬
        ‫بأن الغطاء هو المكشوف، وأن المستور هو‬
‫المكشوف عنه. ذلك بأن قول اليمة صريح بأن كشف‬
     ‫المر: إظهاره وجلؤه، وإذا ذهبت تخ ّجه على‬
           ‫ر‬
  ‫الصل قلت: إن الكنوز ها هنا هي المجهول، وأنت‬
      ‫تكشف حجاب المجهول، على الصل، وتكشف‬
 ‫المجهول أي الكنوز على حذف المضاف كما مر بك.‬

 ‫وقد بسط ـ الدكتور جواد رأيه الذي ذكرنا، في كتاب‬
 ‫آخر له، هو )قل ول تقل( فمنع قول القائل )كشفت‬
   ‫المر الخفي( أول المر. ثم عدل عن التلحين إلى‬
   ‫اليثار فقال: )فالفصيح أن يقال الكشف عن المر‬
     ‫الخفي( وكان قد بدأ قوله )قل كشفت عن المر‬
‫الخفي خفاءه، ول تقل: كشفت المر الخفي(. أقول ل‬
‫ح ف لر‬
                          ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                      ‫نح‬
                       ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


  ‫وجه، بل ل مساغ البتة لما ذهب إليه الستاذ، وإل‬
‫فما معنى قول اليمة بل إطباقهم على أنك )إذا كشفت‬
    ‫المر( فقد أظهرته، أو يخرج المر عن أن يكون‬
    ‫)أمرً( إذا كان خفي ً؟ وإذا كان ل يصح أن يكون‬
                            ‫ا‬              ‫ا‬
 ‫المكشوف غير غطاء وحجاب أو خفاء أو قناع، كما‬
   ‫ذهب إليه جواد، فكيف أطرد عن الفصحاء الثبات‬
   ‫قولهم )كشف فلن عورة جاره(؟ فانظر إلى قول‬
‫الجاحظ في كتابه )حجج النبوة(: )ولو كان كل كشف‬
‫هتك ً، وكل امتحان تجسسً، لكان القاضي أهتك الناس‬
                        ‫ا‬                 ‫ا‬
     ‫لس ٍ وأشد الناس كشفاً لعورة(، وقوله: )ل من‬
                                           ‫ر‬
‫طريق العتساف، ول من طريق كشف العورة( فليس‬
   ‫المكشوف فيه كما رأيت، غطاء، أو ما يشاكله أو‬
                                     ‫يغني ُغناة.‬
                                          ‫م‬

                   ‫فرق ما بين كشفه وكشف عنه:‬

‫أقول ل شك أن استعمال )عن( على الصل أدل على‬
‫أبرز ما قام دون )المجهول( من حجاب حائل، واتفق‬
‫ح ف لر‬
                          ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                      ‫نح‬
                       ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


  ‫من غطاء ساتر، كما هو حال )الكنوز( حين تخفى‬
  ‫وتخبأ وتطوى، لذا كان قولك )كشفت عن الكنوز(‬
 ‫أليق بالمراد. وهذا ما أوحى به المرزوقي حين قال:‬
       ‫)فتذكر معايبهم وتكشف عن مستور مخازيهم‬
   ‫ومجهول مقابحهم ومساويهم(، وما أراده إذ قال:‬
‫)من النظر والفحص والكشف عن عقبى المر( فم ّد‬
 ‫ه‬
    ‫للكشف بالنظر والفحص وما أفصح عنه بقوله )‬
    ‫٦٣١١(: " وما يظهر من معادن الذهب صبيحة‬
  ‫مطرة تكشف عن عروق الذهب". بل هذا ما قصده‬
     ‫الخفاجي بقوله )وذلك أليق بالمتكلمين أصحاب‬
  ‫التحقيق والكشف عن أسرار المعلومات وغوامض‬
    ‫الشياء، إذ لو لم يكن هؤلء أصحاب تدبر وتأمل‬
        ‫وتحقيق ما ظفروا بالكشف عن هذه السرار‬
                                     ‫والغوامض.‬

                 ‫خلصة القول في تعدية )كشف(:‬
‫ح ف لر‬
                           ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                       ‫نح‬
                        ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


  ‫والخلصة أنك تقول على الصل كشفت الغطاء عن‬
‫المستور، فإذا حذفت المفعول لظهوره قلت كشفت عن‬
  ‫المستور، ويغلب هذا حين يكون المستور خفي ً. كما‬
       ‫ا‬
 ‫تقول كشفت غطاء المستور فإذا حذفت المضاف قلت‬
       ‫كشفت المستور، ول يشترط في هذا أن يكون‬
    ‫المستور خفي ً. ولكن هل تقول كشفت عن الغطاء‬
                                 ‫ا‬
 ‫وتريد أنك كشفت عن الغطاء ما واراه، أي انصرفت‬
‫عنه إلى ما وراءه؟ أقول الصل أن تقول مث ً: كشفت‬
      ‫ل‬
    ‫المرأة وجهها، فإذا اعتادت أن تخفيه قلت كشفت‬
  ‫المرأة عن وجهها وتقول كشفت المرأة قناعها عن‬
‫وجه مضيء، على الصل، وكشفت عن قناعها وجهاً‬
‫مضيئاً إذا أظهرت وجهها المضيء، فتكون )عن( هنا‬
‫)للمجاوزة(، أي كشفت الوجه المضيء منصرفة عن‬
‫القناع إلى ما واراه أو ما وراءه. وقد جاء في رسائل‬
  ‫الجاحظ )رسالته في الشارب والمشروب، ورسالته‬
                                   ‫في بني أمية(:‬
‫ح ف لر‬
                           ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                       ‫نح‬
                        ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


‫)كشفت عن القناع(. وفي مقدمة المرزوقي في شرح‬
  ‫الحماسة قوله )والكشف عن قناع المعنى بلفظ هو‬
                          ‫في الختيار أولى / ٦(.‬

                           ‫القول في تعدية )قسم(‬

 ‫أخذ الدكتور مصطفى جواد على الشيخ رؤوف جمال‬
 ‫الدين قوله: )الفعل ينقسم إلى قسمين متعدٍ ولزم(،‬
‫وجعل صوابه )ينقسم على قسمين..( فقال في كتابه‬
     ‫)دراسات في فلسفة النحو والصرف..(: )فمن‬
 ‫استعمل من النحويين ـ قسم إلى كذا ـ بد ً من ـ قسم‬
          ‫ل‬
‫على كذا ـ فهو محجوج بما ذكره هو نفسه من معاني‬
 ‫إلى، وبما استعمله الفصحاء كالجاحظ وغيره(. وقد‬
‫استظهر الستاذ بعبارة الجاحظ في كتابه )الحيوان(:‬
 ‫)وبعض الناس يقسم الجن على قسمين(، وقول ابن‬
    ‫حزم الندلسي في نسب النصار )زيد بطن ضخم‬
   ‫ينقسم على بطون(، ووقل أبي علي النصاري في‬
          ‫بعض كتبه )كنفس ُ ّمت على جسمين(.‬
                        ‫قس‬
‫ح ف لر‬
                          ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                      ‫نح‬
                       ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


‫أقول لم يزد الستاذ فيما قرر وجزم، على أن َرد ما‬
     ‫س‬
    ‫سرد، ولم يورد على قوله الب ّنه ليكون رأيه هو‬
                    ‫ي‬
    ‫الس ّ وحكمه هو الحجى. بل لم يفصح عما ذكر‬
                                       ‫د‬
 ‫النحاة من معاني )إلى(. ولك ما عمد إليه أنه حكى‬
 ‫ما اتفق للجاحظ وابن حزم وأبي علي النصاري أن‬
  ‫قالوه فأجروا فيه تعدية الفعل بـ )على(. ونحن لو‬
  ‫حكينا من كلم اليمة الفحول ما ع ّوا فيه الفعل بـ‬
                 ‫د‬
   ‫)إلى( لما أقنعه سفر بجملته، فما صواب المسألة‬
               ‫ووجه الكلم فيما نزع إليه الستاذ؟.‬

 ‫تعدية )قسم( وما اشتق منه بع ّة من حروف الجر،‬
                ‫د‬
                                 ‫منها على وإلى:‬

     ‫قال ابن منظور في اللسان: )القسم مصدر قسم‬
   ‫الشيء يقسمه َسم ً فانقسم.. وق ّمه ج ّأه، وهي‬
          ‫ز‬     ‫س‬             ‫ق ا‬
     ‫القسمة. والقسم بالكسر النصيب والحظ والجمع‬
                                        ‫القسام(.‬
‫ح ف لر‬
                            ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                        ‫نح‬
                         ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


    ‫وقال )والقسام بالتشديد الذي يق ّم الدور والرض‬
                 ‫س‬
 ‫بين الشركاء فيها(، وقال: )والقسامة بالضم الص َقة‬
   ‫د‬
                         ‫لنها تقسم على الضعفاء(.‬

 ‫وقال الراغب في مفرداته: )القسم الفراز يقال قسمته‬
    ‫كذا قسماً و ِسمة، وقسم ُ الميراث وقسمة الغنيمة‬
                          ‫ة‬          ‫ق‬
                           ‫تفريقهما على أربابهما(.‬

  ‫والذي يتبين من هذا أنك إذا أردت أن )تقسم( المال‬
 ‫مث ً على جماعة فتجعل لكل فرد نصيباً قلت: )قسمت‬
                                           ‫ل‬
 ‫المال بين هؤلء( أو )قسمت المال على هؤلء(. أي‬
   ‫ف ّقته بينهم. قال الجاحظ في كتابه )حجج النب ّة(:‬
      ‫و‬                                         ‫ر‬
   ‫)يجعل فضله مق ّم ً بين جميع الولياء(. وقال في‬
                              ‫س ا‬
 ‫كتابه )التربيع والتدوير(: )أو الدول بينهما مقسومة‬
     ‫وعليهما موقوفة(. وقال فيه: )وزعم آخرون أن‬
    ‫الخير والشر عليهما مقسومان( وقد تقول )ق ّمته‬
       ‫س‬
 ‫فيهم(. ففي محاضرات الدباء للراغب )٣ / ٤٩٢(:‬

‫ط ً م‬
‫في الناس ُرُ لت ّ‬
     ‫ا‬                                 ‫لو ق ّم ال‬
                                           ‫س‬
‫ح ف لر‬
                               ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                           ‫نح‬
                            ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


      ‫الحسن في‬                              ‫جزءً من‬
                                               ‫ا‬
        ‫الناس(.‬                              ‫محاسنه‬

                                 ‫وقال عروة بن الورد:‬

    ‫وأحسو َراح‬
       ‫ق‬                             ‫أق ّم جسمي في‬
                                              ‫س‬
‫الماء والماء بارد‬                        ‫جسومٍ كثيرة‬

‫قال ابن السكيت: )قوله: أق ّم جسمي، الجسم ها هنا‬
                    ‫س‬
    ‫طعامه، يقول أقسم ما أريد أن أطعمه في محاويج‬
    ‫قومي، ومن يلزمني حقه والضيفان. وأحسو قراح‬
  ‫الماء، والماء ال َراح الذي ل يخالطه لبن ول غيره،‬
                                ‫ق‬
                    ‫والماء البارد أي في الشتاء / ٢٥(.‬

   ‫على أن لك أن تع ّي الفعل بـ )إلى( أيضاً إذا أردت‬
                                  ‫د‬
     ‫معناها، كأن تروم بيان الجزاء التي انتهت إليها‬
    ‫القسمة. فانظر إلى قول المام أبي حيان في البحر‬
‫المحيط: )وافتراق الناس إلى ثلث فرق(. ولو أحللت‬
    ‫)النقسام( محل )الفتراق( لكان الكلم )وانقسام‬
‫ح ف لر‬
                            ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                        ‫نح‬
                         ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


 ‫الناس إلى ثلثة أقسام(. وتأويله: أنهم قد انتهوا في‬
‫افتراقهم أو انقسامهم إلى ثلث شعب. و)إلى( ها هنا‬
  ‫لنتهاء الغاية، وهو رأس معانيها وملكه، فإذا قلت‬
 ‫)قسمت كتابي إلى ثلثة أبواب( أردت أن الكتاب قد‬
 ‫انتهى بهذه القسمة أو صار إلى هذه البواب الثلثة،‬
   ‫وكله صحيح على تأويله وبابه. وانظر إلى ما قاله‬
‫ثعلب في تفسير قوله تعالى ‪‬انطلقوا إلى ظ ٍ ذي ثلث‬
       ‫ل‬
‫شعب ـ المرسلت / ‪) : ٣٠‬يقال أن النار يوم القيامة‬
‫تنفرق ثلث فرق، فكلما ذهبوا أن يخرجوا إلى موضع‬
   ‫ردتهم..( على ما جاء في التاج، وقد جاء ذلك في‬
 ‫اللسان فزاد في روايته )إلى( أي )تنفرق إلى ثلث‬
                                           ‫فرق(.‬

‫وإذا قلت )قسمت الكتاب قسمين( أو )شطرين(. كان‬
‫انتصاب )قسمين( على المصدر. ولك أن تنصبه حا ً‬
‫ل‬
    ‫مقدرً فيه )قسمت الكتاب متفرق ً(. فإذا صح هذا‬
                  ‫ا‬                        ‫ا‬
     ‫وأمكن مثل هذا التقدير، قلت: قسمت الكتاب إلى‬
‫ح ف لر‬
                             ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                         ‫نح‬
                          ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


   ‫قسمين( على معنى )قسمته متفرقاً إلى قسمين(.‬
‫فانظر إلى قول المرزوقي في شرح الحماسة )٦٢٨(‬
‫حول قول الشاعر )قسمنا بذاك الدهر شطرين بيننا(:‬
‫)وانتصب شطرين على المصدر كأنه قال قسمنا الدهر‬
    ‫قسمين. ويجوز أن يكون حا ً على معنى قسمناه‬
                    ‫ل‬
‫مختلف ً فوقع السم موقع الصفة لما تضمن معناه، كما‬
                                         ‫ا‬
     ‫تقول طرحت متاعي بعضه فوق بعض كأنك قلت‬
‫متفرق ً، والمراد جعلنا أوقات الدهر بيننا وبين أعدائنا‬
                                              ‫ا‬
                                   ‫مقسومة قسمين(.‬

  ‫وتأمل قول المرزوقي في شرح الحماسة )١٩١١(‬
                           ‫حول بيت يزيد بن الحكم:‬

             ‫م‬
             ‫والنا ُ مب َنيانِ محمود البناي ِ أو ذمي ُ‬
                      ‫ة‬                   ‫س ت‬

  ‫: )ومعنى البيت أن أفعال عقلء الناس ل تخلو من‬
     ‫أن تكون مما ُستحق به حم ٌ أو ذ ٌ، فهم يبنون‬
                ‫م‬      ‫د‬           ‫ي‬
‫مبانيهم ويؤسسون مكاسبهم على أحد هذين الركنين،‬
    ‫وذلك لن الفعال تابعة للغراض، وغرض العاقل‬
‫ح ف لر‬
                          ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                      ‫نح‬
                       ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


   ‫إليهما ينقسم(. فتأويل قوله هذا أن غرض العاقل‬
    ‫ينتهي في قسمته أو يصير إليهما، أي إلى هذين‬
  ‫الركنين. وأردف المرزقي: )فانظر ماذا تجلب على‬
 ‫نفسك ما تبتغيه من فعلك وتدخره من كسبك(. وقال‬
    ‫على هذا الغرار )٦١٣١(: )وإذا تأملت حوادث‬
 ‫الدهر وجدتها ل تنقسم إل إلى قسمته، لنها ل تخلو‬
 ‫أن تكون محبوبة أو مكروهة، أو واقعة أو منتظرة،‬
  ‫أو مخوفة أو مرجوة(. وهذا قول ابن جني في سر‬
  ‫الصناعة )١ / ٩٦(: )وللحروف انقسام آخر إلى‬
   ‫الش ّة والرخاوة وما بينهما(، وقوله )١ / ١٧(:‬
                                          ‫د‬
‫)وللحروف قسمة أخرى إلى الصل والزيادة(. وقوله‬
  ‫في الخصائص )٣ / ٧٦(: )وذلك كأن تقسم نحو‬
 ‫مروان إلى ما يحتمل حاله من التمثيل له فتقول: ل‬
‫يخلو من أن يكون َعلن أو مفعال أو فعوال(. ونحو‬
                            ‫ف‬
  ‫ذلك قول صاحب سر الفصاحة )٤٢(: )وللحروف‬
     ‫انقسام إلى الصحة والعتلل والزيادة والسكون‬
                            ‫والحركة وغير ذلك(.‬
‫ح ف لر‬
                           ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                       ‫نح‬
                        ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


‫أقول: ومن هنا إطباق العلماء والنحاة والكتاب قديماً‬
    ‫على هذه التعدية. فقد جاء في مقدمة كتاب كليلة‬
   ‫ودمنة )وينبغي للناظر في هذا الكتاب أن يعلم أنه‬
   ‫ينقسم إلى أربعة أغراض: أحدها ما قصد فيه إلى‬
 ‫وضعه على ألسنة البهائم..( قال هذا لن الكتاب في‬
    ‫الصل جملة مسائل ُبحث وأغراض ُشرح وقال‬
            ‫ت‬           ‫ت‬
   ‫الجاحظ في بعض رسائله )الخاصة: )وقد تنقسم‬
  ‫المودة إلى ثلث منازل: منها ما يكون عن اهتزاز‬
 ‫الريحية وطبع الحرية..(، وقال صاحب الكليات أبو‬
     ‫البقاء )١١٤(: )لسان العرب ينقسم إلى ما ل‬
  ‫يقاس... وإلى ما يطرد فيه القياس، وأن ما يجري‬
                      ‫فيه قياس مقرون بالسماع(.‬

                    ‫الصل في تعدية )قسم( بعلى:‬

   ‫والصل في استعمال )على( مع الفعل ها هنا، أن‬
‫يكون )المقسوم( غير )المقسوم( عليه كما في قولك‬
   ‫)قسمت الغنيمة على أربابها( أو )قسمت الصدقة‬
‫ح ف لر‬
                          ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                      ‫نح‬
                       ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


 ‫على الضعفاء(. فالغنيمة غير الرباب والصدقة غير‬
  ‫الضغفاء. ومن ذلك قول المرزوقي في مقدمة شرح‬
‫الحماسة )وكان اللفظ مقسوم ً على رتب المعاني، قد‬
                    ‫ا‬
           ‫ُعل الخ ّ للخص، والخ ّ للخس(.‬
                  ‫س‬            ‫ص‬       ‫ج‬

  ‫والصل في أعمال )إلى( إن يكون )المقسوم إليه(‬
  ‫هو )المقسوم( نفسه، كما في قولك )انقسم الناس‬
‫إلى ثلثة أصناف(، أي انتهوا في القسمة أو آلوا إلى‬
     ‫هذه الصناف. ولكن يصح أن تح ّ )على( محل‬
               ‫ل‬
  ‫)إلى( فتقول )قسمت كتابي على ثلثة أبواب( أي‬
‫فرقت ما فيه وج ّأته ثلثة أجزاء فجعلت كل جزء من‬
                              ‫ز‬
‫الجزاء في باب من البواب وخصصته به، كأن الباب‬
  ‫غير الكتاب. ول يص ّ أن تحل )إلى( محل )على(‬
                         ‫ح‬
    ‫في مثل قولك )قسمت الميراث على الورثة( لن‬
     ‫فحواه أنك قسمت الميراث أنص َة كعدد الوارثين‬
                    ‫ب‬
  ‫وجعلت لكل نصيبه، ول يمكن أن تؤدي )إلى( هذا‬
 ‫المؤدى لنها لمجرد الشارة إلى ما آلت إليه القسمة‬
‫ح ف لر‬
                         ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                     ‫نح‬
                      ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


  ‫من أجزاء، فاستعمال )على( هو المراد من قسمة‬
    ‫الميراث دون )إلى( وهو ألصق بالمعنى وأوفى‬
                                      ‫بالغرض.‬

‫وهكذا ما م ّ بك من قول الجاحظ )كنفس ُسمت على‬
       ‫ق‬                        ‫ر‬
   ‫جسمين( فإن معناه )كنفس ُطرت بين جسمين(‬
                 ‫ش‬
 ‫فكان لكل جسم من هذه النفس شطر ونصيب. وهذا‬
 ‫موضع )على( ل موضع )إلى(، ولو قلت: )كنفس‬
   ‫ق ّمت إلى قسمين( لم يستقم المعنى الذي أردت.‬
                                           ‫س‬

   ‫متى تصح تعدية )قسم( بإلى، ومتى تصح بعلى:‬

   ‫كلما صح قولك )قسمت الشيء قسمين أو ثلثة(‬
     ‫وهو أصل التعبير، على ح ّ ما جاء في الحديث‬
                      ‫د‬
    ‫)ستفترق أمتي ثلث ً وسبعين فرقة(، جاز قولك‬
                           ‫ا‬
     ‫)قسمته إلى قسمين أو ثلثة( أو )قسمته على‬
     ‫قسمين أو ثلثة(. وكلما ساغ أن تقول )قسمت‬
  ‫الشيء بينهما، أو بين هذه الشياء أو بين هؤلء(‬
‫كقول علي عليه السلم في نهج البلغة )٢ / ٥٨١(‬
‫ح ف لر‬
                            ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                        ‫نح‬
                         ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


   ‫)فقسم بينهم معايشهم( وهو أصل التعبير عن هذا‬
‫المعنى، استقام قولك )قسمت الشيء عليهما أو على‬
 ‫هذه الشياء أو على هؤلء( ولم ُغ ِ قولك )قسمت‬
            ‫ين‬
                   ‫الشيء إليهما أو إليها أو إليهم(.‬

‫شواهد تبرز الغرض من تعدية الفعال بإلى، كما ع ّي‬
 ‫د‬
                                           ‫)قسم(:‬

 ‫من أمثلة ما ُ ّي بـ )إلى( لنتهاء الغاية، كما ع ّي‬
  ‫ُد‬                               ‫عد‬
‫)قسم(، أي لنتهاء فاعل الفعل أو ما ينوب منابه إلى‬
      ‫غاية، تعدية )س ّل وأبدل وقلب وتقّب وانقلب‬
              ‫ل‬                ‫ه‬
 ‫وانفصل..(. تقول )س ّل الشيء إلى كذا( أي سهله‬
                         ‫ه‬
    ‫فانتهى بالتسهيل إليه، و)أبدله إلى كذا( أي أبدله‬
‫فانتهى بالبدال إليه، كما كان )قسمه إلى كذا( بمعنى‬
                ‫)قسمه فانتهى بالقسمة إلى كذا..(.‬

 ‫قال صاحب المصباح في مقدمته )وإن وقعت الهمزة‬
‫عيناً وانكسر ما قبلها جعلت مكان الياء لنها ـ تس ّل‬
 ‫ه‬
                         ‫إليها ـ نحو البئر والذئب(.‬
‫ح ف لر‬
                           ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                       ‫نح‬
                        ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


   ‫وقال ابن جني )٢ / ٩(: )وأبدل إلى الهمز حرف ً‬
   ‫ا‬
     ‫لح ّ في الهمز له، بض ّ ما يجب لنه لو التقت‬
                         ‫د‬                 ‫ظ‬
     ‫همزتان عن وجوب صنعة للزم تغيير إحداهما(،‬
  ‫وأردف )فكيف يقلب إلى الهمز قلباً ساذج ً عن غير‬
         ‫ا‬
                     ‫صنعة ما لحظ له من الهمز(.‬

‫وقال ابن جني في سر صناعة العراب )٣ / ١٣٢(:‬
   ‫)قد قدمنا في كتابنا الخصائص صدراً صالحاً من ـ‬
‫تقلب الصل الواحد والمادة إلى صور مختلفة يخط ُها‬
  ‫م‬
 ‫ـ يريد ينتظمها ويقودها ـ كلها معنى واحد، ووسمناه‬
                            ‫بباب الشتقاق الكبر(.‬

  ‫وجاء في نهج البلغة )٢ / ٨٥( وليكن من أبناء‬
   ‫الخرة فإنه منها َ ِم، واليها ينقلب(. ول ننسَ أن‬
                               ‫قد‬
      ‫)انقلب( قد ُ ّي بإلى غير مرة، في أي الذكر‬
                                 ‫عد‬
                  ‫الحكيم، حين جاء بمعنى )رجع(.‬

  ‫وجاء في محاضرات الدباء للراغب )٣ / ١١٢(:‬
   ‫)وكتب الصابئ عن عز الدولة إلى أبي تغلب، وقد‬
‫ح ف لر‬
                          ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                      ‫نح‬
                       ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


  ‫نقل ابنته إليه: قد وجهت الوديعة، وإنما نقلت من‬
‫وطن إلى سكن، ومن مغرس إلى مغرس. وهي مني‬
  ‫انفصلت إليك وثمرة من جني قلبي حصلت لديك(.‬
                                  ‫وهو جل ّ ب ّن.‬
                                    ‫ي ي‬

                     ‫القول في معنى )تع ّض له(‬
                          ‫ر‬

     ‫مذهب جواد في استعمال )تع ّض له( وحجته:‬
                 ‫ر‬

 ‫قطع الدكتور مصطفى جواد في كتابه )قل ول تقل(‬
    ‫أن قولك )تع ّض له( ين ّ على رغبة الفاعل في‬
                       ‫م‬         ‫ر‬
 ‫الفعل، والمفعول إن وجد، فيمتنع على هذا أن تقول‬
‫)تع ّض فلن للتعذيب( أو نحو ذلك، إذ ل يستقيم أن‬
                                         ‫ر‬
  ‫يكون المتع ّض راغباً في )التعذيب( أو ما يشاكله‬
                                    ‫ر‬
   ‫من معاناة ومقاساة، وأن صواب التعبير أن تقول‬
                               ‫) ُ ّض للتعذيب(.‬
                                          ‫عر‬

‫قال الستاذ جواد: )وإن من الغلط ما ارتكبه أدباء‬
   ‫كبراء كالدكتور طه حسين وعباس محمود العقاد‬
‫ح ف لر‬
                           ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                       ‫نح‬
                        ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


     ‫وتابعهما عليه مقلدوهما غير عالمين بها لنهما‬
‫قدوتهم وموضع ثقتهم. فالفعل الشائع اليوم في أقوال‬
  ‫الك ّاب: تع ّض، والخطأ في استعماله إنما ظهر في‬
                                   ‫ر‬       ‫ت‬
   ‫كتاب اليام، ففي الصفحة.. منه قول الكاتب وكان‬
‫ذكاؤه واضحاً وإتقانه للغة ب ّن ً. وحسن تصرفه فيه ل‬
                  ‫يا‬
  ‫يتعرض للشك.. وفي الصفحة.. قوله: وكان الزهر‬
              ‫قد تعرض للوان مختلفة من النظام(.‬

‫وقد استشهد بما جاء في المقاييس لحمد بن فارس:‬
       ‫)تعرض لي بما أكره..( والصحاح ومختاره:‬
‫)وتع ّض لفلن: تص ّى له..( والمصباح: )وتع ّض‬
 ‫ر‬                       ‫د‬           ‫ر‬
‫للمعروف وتع ّضه يتع ّى بنفسه وبالحرف إذا تص ّى‬
 ‫د‬                       ‫د‬       ‫ر‬
      ‫لذكره(، واللسان: )انطلق فلن يتع ّض بج َله‬
        ‫َم‬    ‫ر‬
‫للسوق إذا عرضه على البيع.. والعرب تقول: عرض‬
‫لي الشيء وأعرض وتعرض واعترض بمعنى واحد(.‬

      ‫القول فيما أتى به جواد من نصوص وشواهد:‬
‫ح ف لر‬
                            ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                        ‫نح‬
                         ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


     ‫أقول ليس فيما بسط الستاذ جواد من النصوص‬
‫والشواهد ما يوجب أن يكون )المتع ّض( راغب ً فيما‬
     ‫ا‬        ‫ر‬
‫تع ّض له، لكنه يكون طالباً له مبتغياً إياه، وقد يطلب‬
                                                ‫ر‬
    ‫المرء شيئاً ول يرغب فيه. وإذا كان )تعرض له‬
 ‫كتص ّى( فالطلب والبتغاء شرط في التع ّض. ومن‬
       ‫ر‬                               ‫د‬
 ‫هذا قولك )تعرضت لمعروفه( إذا طلبته. ولكنه قيل‬
      ‫أيضاً )تع ّض فلن للتلف( و)تع ّض للخزي(‬
              ‫ر‬                  ‫ر‬
‫و)تعرض للهلك( كما ثبت اطراده عن الفصحاء فما‬
                                            ‫وجهه؟.‬

     ‫أقول: )تعرض( كما قال ابن منظور كـ ) َ َ َ‬
     ‫عرض‬
 ‫واعترض(. فالصل أ ّ تتعرض للتلف أو تعرض له‬
                        ‫ل‬
‫أو تعترضه، وإنما الوجه أن يتع ّض لك فيبتغيك، أو‬
                ‫ر‬
 ‫يعرض لك أو يعترضك. فإذا قلت )تعرض للمكروه(‬
    ‫أو )للتعذيب( فهو كما يبدو، على القلب، ل على‬
   ‫الصل، لنه بمعنى تع ّض لك المكروه أو التعذيب‬
                          ‫ر‬
 ‫مجازً، فأصبحت له ُرضة وغرض ً. وقد اتفق بهذا‬
                ‫ا‬         ‫ع‬            ‫ا‬
‫ح ف لر‬
                           ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                       ‫نح‬
                        ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


  ‫أن يكون المتعرض مبتغياً في اللفظ، وهو المتبغى‬
     ‫والهدف في المعنى، وأن يكون )تعرض له( كـ‬
‫) ُ ّض له(. وحين بدا للستاذ جواد هذا ود ّ عليه‬
     ‫ل‬                                   ‫عر‬
   ‫نص صريح نكر النص وعاف الدليل، وقال )وقد‬
 ‫تركت نصاً واحداً ورد في الصحاح ومختاره يخالف‬
‫واقع اللغة، وإني ذاكره بعد إيراد شواهد واقع اللغة،‬
 ‫أي استعمال تعرض في كتب الدب وكتب التاريخ(.‬
‫أما نص الصحاح ومختاره فهو )وعرضت فلن ً لكذا‬
     ‫ا‬
                  ‫فتع ّض هو له( أي غدا هدف ً له.‬
                      ‫ا‬                    ‫ر‬

 ‫وثمة نص آخر أتى به الستاذ جواد، على أنه حجة‬
‫له، وهو حجة عليه. قال ابن منظور: )والعرب تقول‬
‫عرض لي الشيء وأعرض وتع ّض واعترض بمعنى‬
              ‫ر‬
                                           ‫واحد(.‬

   ‫فإذا كان )تع ّض له( كـ )أعرض له(، فما الذي‬
                               ‫ر‬
 ‫يعنيه قولك، على المجاز، )أعرض فلن للمكروه(؟‬
 ‫إنه يعني أنه أبدى )عرضه( بالضم للمكروه فأمكنه‬
‫ح ف لر‬
                           ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                       ‫نح‬
                        ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


  ‫منه، كأعور الشيء إذا أبدى عورته. فالمعرض أو‬
    ‫المعور هو الذي أمكن آخر من ُرضه بالضم أو‬
                ‫ع‬
‫عورته فغدا له هدفاً وغرض ً. ففي الساس: )أعرض‬
                  ‫ا‬
 ‫لك الصيد فأرمه، وهو ُعرض لك( وفيه )وقد أعور‬
                       ‫م‬
   ‫لك الصي ُ وأعورك: أمكنك( فغدا هدفاً لك. هذا إذا‬
                                         ‫د‬
 ‫كان الشيء هو المعرض أو المعور، فإذا كان المرء‬
   ‫كما مثلنا هو المعرض أو المعور غدا هو الغرض‬
 ‫والهدف. فقولك و أعرض فلن للمكروه( معناه أمكن‬
   ‫المكروه من نفسه وكذا المتعرض فقولك )تعرض‬
   ‫فلن للتلف( مث ً مؤداه أنه أمكن التلف من نفسه‬
                                ‫ل‬
     ‫فغدا غرض ً له. وهذا ما عناه الك ّاب حين جرت‬
               ‫ت‬                      ‫ا‬
‫أقلمهم به، ونطقت ألسنة اليمة على منهاجه وطبعت‬
                                      ‫على غراره.‬

‫أمثلة من كلم الفصحاء تشهد بصحة ما أنكره جواد:‬

 ‫وهذه طائفة من أقوال أصحاب البيان وفصحاء القوم‬
   ‫تشهد بأن ما ذكره الستاذ جواد، على أنه مخالف‬
‫ح ف لر‬
                           ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                       ‫نح‬
                        ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


  ‫لواقع اللغة، إنما هو من طرائق اللغة وأساليب، بل‬
  ‫تقيم الدليل على سداد ما ذهبنا إليه وتنسخ عنه كل‬
  ‫شك. فقد جاء في نهج البلغة )٢ / ١٥١(: )فكم‬
 ‫خصكم بنعمة، وتدارككم برحمة. أعورتم له فستركم،‬
 ‫وتعرضتم لخذه فأمهلكم(. قال الشارح: )أعورتم له‬
   ‫أي ظهرت عوراتكم وعيوبكم، وتع ّضتم لخذه أي‬
              ‫ر‬
‫يأخذكم بالعقاب(. ففحواه إذً: أبديتم عوراتكم فستركم‬
                       ‫ا‬
                  ‫وع ّضتم أنفسكم لعقابه فأمهلكم(.‬
                                             ‫ر‬

 ‫وفي كليلة ودمنة: )فإذا اجتمع عليه هذان الص ّفان‬
    ‫ن‬
     ‫فقد تع ّض للهلك ـ باب السد وابن آوى( وفيه‬
                                      ‫ر‬
 ‫)والرجل الرمد العين إذا استقبل بها الريح، تع ّض‬
  ‫ر‬
 ‫لن تزداد رمدً ـ باب الملك والطائر( وقال أبو حيان‬
                                    ‫ا‬
     ‫التوحيدي في كتابه )أخلق الوزيرين(: )وال،‬
 ‫للخروج من الطارف والتليد أسهل من التع ّض لهذا‬
       ‫ر‬
    ‫القول والصبر عليه وقلة الكتراث به / ٠٩( قال‬
           ‫هذا، في اليزيدي هجاه شاع ٌ هجاء م ّا.‬
             ‫ر‬        ‫ر‬
‫ح ف لر‬
                            ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                        ‫نح‬
                         ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


  ‫وقال المرزوقي في شرح الحماسة )٩٨٧(: )حتى‬
 ‫كان يترك السفر واكتساب الحدوثة بما ُمتهن فيه،‬
          ‫ي‬
  ‫ويتعرض من أجله للتلف(. قال فيه )٨٣٧(: )أما‬
 ‫تخافون أن يحق عليكم العذاب إذا استهنتم بالوعيد..‬
 ‫وتعرضتم لسخط ال عز وجل، في تجاوز مأموره(.‬
      ‫وقال )٠٨(: )وأما قت ٌ، وهو بالح ّ أجدر من‬
              ‫ر‬           ‫ل‬
 ‫التعرض لما ُخزيه و ُكسبه الذل(. وقال ) ٦١٨(:‬
                         ‫ي‬       ‫ي‬
‫)وابتذاله النفس وتعرضه للحتف(، والحتف: الهلك.‬

‫وقال ابن جني في الخصائص )٠٧٤(: )وإنما وجب‬
     ‫أن ير ّب هذا العمل هذا الترتيب من قبل أنك ل ّا‬
      ‫م‬                                     ‫ت‬
‫كرهت الواو هنا لما تتعرض له من الكسرة والياء(،‬
‫وقال في المحتسب )١ / ٩٧١(: )والفضلة متع ّضة‬
  ‫ر‬
‫للحذف والبذلة(. وقال فيه )١ / ٣٤٢(: )إن ال َعلة‬
   ‫ف‬
‫واحدة من جنسها، والواحد ُع ّض للتثنية والجمع(،‬
                  ‫مر‬
     ‫أفرأيت كيف جعل )متعرضة( من تع ّض له. كـ‬
             ‫ر‬
‫ح ف لر‬
                           ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                       ‫نح‬
                        ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


‫)مع ّضة( من ُ ّض له، فأنزلهما في المعنى منزلة‬
                              ‫عر‬        ‫ر‬
                                            ‫واحدة.‬

              ‫خلصة القول في معنى )تع ّض له(:‬
                    ‫ر‬

‫فاستبان بما تقدم أن )تعرض له( كـ ) ُ ّض له( أو‬
        ‫عر‬
  ‫)أعرض له(، من قولك ع ّضته لكذا فتعرض له،‬
                    ‫ر‬
‫فيكون )تع ّض( هذا من قبيل )تفعل( الذي يدل على‬
                                  ‫ر‬
 ‫المطاوعة نحو ح ّرته فتحذر ون ّهته فت ّن ّه وع ّيته‬
    ‫ز‬     ‫بب‬         ‫ب‬             ‫ذ‬
   ‫فتع ّى، وقد أنكره الستاذ جواد بل ب ّنه وأباه بل‬
              ‫ي‬                              ‫ز‬
‫سلطان. ويأتي )تع ّض له( بهذا المعنى كلما ابتغاك‬
                             ‫ر‬
  ‫الشيء فجعلك غرض ً له، نحو قولك )تركت السفر‬
                           ‫ا‬
    ‫الطويل مخافة التعرض للمرض(. أما إذا ابتغيت‬
     ‫الشيء وعزمت على طلبه كان )تع ّض له( كـ‬
             ‫ر‬
‫)تص ّى له(. ويكون )تعرض( هذا من قبيل )تف ّل(‬
  ‫ع‬                                    ‫د‬
  ‫الذي يدل على تكلف الفاعل بإصرار كتتبع وتق ّي‬
   ‫ص‬
    ‫وتح ّى، وذلك كقولك )ينبغي للمرء أن يتعرض‬
                                       ‫ر‬
      ‫لسباب المرض فيعالجها ويحاول أن ي ّقيها(.‬
            ‫ت‬
‫ح ف لر‬
                           ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                       ‫نح‬
                        ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


 ‫وليست المفارقة أن تأتي صيغة )تف ّل( للتكلف حين ً‬
 ‫ا‬              ‫ع‬
 ‫والمطاوعة حيناً آخر، ولكن المفارقة أن يجتمع لفعل‬
          ‫واحد بهذه الصيغة وهو )تع ّض(، التكلف‬
                    ‫ر‬
‫والمطاوعة جميع ً. والذي عندي أن الصل فيه التكلف‬
                               ‫ا‬
   ‫وهو المعنى الغالب لتفعل. أما المطاوعة فقد كانت‬
   ‫فرع ً عليه. فالصل أل تتعرض للتلف إذا عنيت به‬
                                          ‫ا‬
  ‫أنك أبديت ُرضك له وأمكنته منه، وإنما الوجه أن‬
                                    ‫ع‬
  ‫يتعرض لك أن يبتغيك ويعرض لك ويعترضك،، فإذا‬
 ‫قلت )تعرضت للتلف( وأردت المعنى الول فهو على‬
  ‫القلب ل على الصل. وشبيه بهذا ما مثل به المب ّد‬
   ‫ر‬
 ‫للقلب من كلم العرب في كتابه )الكامل( وهو قولهم‬
      ‫)المرأة تنوء بها عجيزتها( أي تثقلها، وقولهم‬
       ‫)وهي تنوء بعجيزتها( أي تنهض بها مثقلة.‬

 ‫على أنه إذا كان الصل أ ّ يبتغي المرء ما يتفق منه‬
                         ‫ل‬
  ‫معاناة أو نصب أو يتعرض فيتص ّى لما يجلب عليه‬
                 ‫د‬
  ‫العناء والشقاء، فقد يطلب المرء المشقة نفسها، بل‬
‫ح ف لر‬
                            ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                        ‫نح‬
                         ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


  ‫يركب أكتاف الشدائد ليحقق بذلك غاية ويبل ِ ُنية.‬
      ‫غم‬
    ‫فانظر إلى قول الجاحظ في كتاب الحيوان حول ما‬
  ‫قاسى من نصب وعانى من صعد ولقي من بر ٍ في‬
     ‫ح‬
‫تأليف كتابه واستتمام فصوله، )لني كنت ل أفرغ فيه‬
  ‫إلى تلفظ الشعار وتتبع المثال واستخراج الي من‬
  ‫القرآن، والحجج من الرواية، مع تف ّق هذه المور‬
             ‫ر‬
   ‫في الكتب، وتباعد ما بين الشكال. فإن وجدت فيه‬
  ‫خلل من اضطراب لفظ ومن سوء تأليف.. فل تنكر‬
‫بعد أن صورت عندك حالي التي ابتدأت عليها كتابي،‬
       ‫ولول ما أرجو من عون ال على إتمامه.. لما‬
  ‫تعرضت لهذا المكروه(. فليس التعرض ها هنا على‬
    ‫معنى إبداء ُرضه للمكروه وتعريض صفحته له‬
                               ‫ع‬
     ‫لتل ّي أثره واحتمال بوائقه، وإنما هو على معنى‬
                                             ‫ق‬
                                ‫التصدي والبتغاء.‬

        ‫وعندي أن من هذا القبيل قول زاهر التيمي:‬

‫للموت غير ُع ّد‬
 ‫مر‬                                  ‫ش ب‬
                                     ‫ومح ّ حر ٍ‬
‫ح ف لر‬
                           ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                       ‫نح‬
                        ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


            ‫ح ّاد‬
              ‫ي‬                     ‫ُق ِم متع ّض‬
                                     ‫ر‬      ‫مد‬
    ‫خوف الردى‬                      ‫كالليث ل َثنيه‬
                                       ‫ي‬
   ‫وقعاقع اليعاد‬                       ‫عن إقدامه‬
‫ة‬
‫خوف المنية نجد ُ‬                  ‫م ِلْ بمهجته إذا‬
                                               ‫ذ‬
          ‫النجاد‬                         ‫ما ك ّبت‬
                                           ‫ذ‬

  ‫قال المرزوقي )٣٨٦(: )يريد أنه يقدم ول ُحجم...‬
        ‫ي‬
 ‫هو في بأسه وإقدامه مثل الليث ل يصرفه عن الوجه‬
   ‫الذي يؤمه، والمر الذي ُهمه ما يستشعره الجبان‬
                        ‫ي‬
  ‫من خوف الموت وقعقعة الوعيد(، وأردف )وقوله:‬
      ‫َذل بمهجته، كأنه يطول تع ّضه للشدائد ويدوم‬
                      ‫ر‬                        ‫م‬
     ‫ابتذاله لما يجب صونه من كرائم النفس، فعل من‬
      ‫ضجر بمهجته فاستقتل واستطاب الموت فتعجل.‬
                    ‫ويقال َ ِل بس ّه: إذا باح به(.‬
                                   ‫ر‬     ‫مذ‬

‫القول في تعدية )تعرض( هل يكون بـ )إلى( كما كان‬
                                            ‫باللم؟‬
‫ح ف لر‬
                            ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                        ‫نح‬
                         ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


   ‫جاء في كتاب )تذكرة الكاتب( للستاذ أسعد خليل‬
      ‫داغر، رحمه ال: )ويع ّون الفعل تعرض بإلى‬
                        ‫د‬
‫فيقولون ـ لم يفكروا أن يتعرضوا إلى أحد ـ وهو بهذا‬
  ‫المعنى إنما يتعدى باللم تقول- تعرض له وطلبه(.‬
‫فأنكر بذلك تعدية )تع ّض( بإلى، وليس هذا صحيح ً.‬
 ‫ا‬                       ‫ر‬
 ‫فإذا قلت )تع ّض إلى فلن( فقد قصدت أن تع ّضك‬
   ‫ر‬                          ‫ر‬
   ‫إنما تناول فلن ً بطلبه وابتغائه. وإذا قلت )تع ّض‬
    ‫ر‬                              ‫ا‬
  ‫لفلن( فقد أردت أن تعرضك بالطلب والبتغاء إنما‬
  ‫انتهى وصار إليه. فقد جاء في كتاب لطائف اللطف‬
   ‫لبي منصور النيسابوري الثعالبي المتوفى )٩٢٤‬
‫هـ(: )معن بن زائدة تعرض إليه رجل فقال: احملني‬
 ‫أيها المير، فقال: أعطوه جم ً وفرساً وبغ ً وحمارً‬
 ‫ا‬      ‫ل‬            ‫ل‬
 ‫وجارية، وقال: لو علمت أن ال تعالى خلق مركوباً‬
   ‫سوى ما ذكرناه لمرنا لك به(. فقال )تعرض إليه‬
 ‫رجل( وع ّى الفعل بإلى خلف ً لما ذهب إليه الستاذ‬
                     ‫ا‬                 ‫د‬
 ‫داغر. ونحو من ذلك ما جاء في النهاية لبن الثير:‬
    ‫)وفي حديث الوليد بن يزيد عبد الملك: أفقر بعد‬
‫ح ف لر‬
                           ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                       ‫نح‬
                        ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


   ‫مسلمة الصيد لمن رمى أي أمكن الصيد من فقاره‬
  ‫لراميه. أراد أن عمه مسلمة كان كثير الغزو يحمي‬
  ‫بيضة السلم ويتولى سداد الثغور، فلما مات اختل‬
  ‫ذلك وأمكن السلم لمن يتعرض إليه، فقال: أفقرك‬
     ‫الصيد، فارمه أي أمكنك من نفسه ـ مادة فقر(.‬

                           ‫القول في تعدية )أجاب(‬

      ‫ومما نحن على سمته تعدية )أجاب( ومصدره‬
‫)الجابة( واسم مصدره )الجواب(. ففي شرح مجمع‬
   ‫المثال )يقال أجاب إجابة وجابة وجواب ً وجيبة(.‬
           ‫ا‬
  ‫وتعدية الفعل في الصل تكون بـ )عن(، فاستعمال‬
 ‫الفعل بـ )على( دون )عن( لحن إذا أريد بـ )على(‬
 ‫ما ُراد بـ )عن( من الجابة عن السؤال أو ما يقوم‬
                                           ‫ي‬
 ‫مقامه. لكن تص ّف الفعل ب، )عن( ل يمنع تعديته‬
                              ‫ر‬
‫بغيره من الحروف الجا ّة التي ُ ّت معانيها الم ّردة‬
   ‫ط‬              ‫حد‬        ‫ر‬
‫في المهات، إذا اتسعت لها معاني الفعل. فأنت تقول‬
  ‫مث ً )أجبت في الكتاب( على الظرفية، و)بالكتاب(‬
                                           ‫ل‬
‫ح ف لر‬
                           ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                       ‫نح‬
                        ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


  ‫على الستعانة والظرفية أيض ً، و)أجبت عنه( على‬
                   ‫ا‬
‫البدلية، و)على ورقة بيضاء( على الستعلء الح ّي،‬
  ‫س‬
      ‫و)أجبت لمر مهم( على التعليل، و)أجبت عن‬
     ‫السئلة من أولها إلى آخرها( على ابتداء الغاية‬
                                       ‫وانتهائها.‬

 ‫وإذا أردت بالفعل أو مصدره أن يترتب على أمر من‬
    ‫المور أو ُبنى عليه فعدولك بالتعدية إلى )على(‬
                                      ‫ي‬
    ‫سائغ مستقيم، كقولك )وإنما أجبتكم عن أسئلتكم،‬
‫على ما جاء في كتابكم( أو )إنما جوابي عن أسئلتكم،‬
     ‫على ما جاء في كتابكم(. وتحذف إن شئت )عن‬
 ‫أسئلتكم( لظهور الغرض، استغناء بما في الكتاب من‬
     ‫ترتب الجواب الذي يقتضي )على( إذا أردت أن‬
‫ينصرف الذهن إلى هذا فتقول: وإنما أجبتكم، على ما‬
  ‫جاء في كتابكم،( و)إنما جوابي، على ما جاء فيه(‬
   ‫فيكون كلمك صحيح ً، إذا انتويت فيه هذه الجهة.‬
                              ‫ا‬
‫ح ف لر‬
                           ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                       ‫نح‬
                        ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


‫فانظر إلى ما جاء في أمالي المرتضى )١ / ٠٩٤(:‬
‫)فإن قيل كيف يجوز أن يقول: السجن أحب إلي مما‬
 ‫يدعونني إليه يوسف / ٣٣، وهو ل يحب ما دعونه‬
    ‫جملة... قلنا قد تستعمل هذه اللفظة في مثل هذا‬
     ‫الموضع، وإن لم يكن في معناها اشتراك، على‬
   ‫الحقيقة. وإنما يسوغ ذلك على أحد الوجهين دون‬
   ‫الخر، من حيث كان المخ ّر بين الشيئين ل يخ ّر‬
    ‫ي‬                   ‫ي‬
 ‫بينهما إل وهما مرادان أو مما يصح أن يريدهما...‬
  ‫والمجيب على هذا، متى قال كذا أح ّ إل ّ من كذا،‬
          ‫ب ي‬
‫كان مجيب ً على ما يقتضيه موضوع التخيير، وإن لم‬
                                    ‫ا‬
‫يكن المران يشتركان في تناول محبته(. فتقدير قوله‬
‫)والمجيب على هذا متى قال...( والمجيب بناء على‬
‫هذا متى قال، وقوله )كان مجيب ً على ما يقتضيه..(‬
                 ‫ا‬
          ‫كان مجيب ً جواب ً مترتب ً على ما يقتضيه..‬
                          ‫ا‬       ‫ا‬      ‫ا‬
‫ح ف لر‬
                           ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                       ‫نح‬
                        ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


 ‫وقد جاء في الشباه والنظائر )٣ / ٧٥٢(: )فتقول‬
‫الجواب عليه من وجهين( أي الجواب المترتب عليه،‬
                            ‫إنما يكون من وجهين.‬

 ‫وجاء في الخصائص لبن جني )٢ / ٦٦٢(: )ومن‬
 ‫ذلك قولك في جواب من قال لك: الحسن أو الحسين‬
   ‫أفضل، أم ابن الحنفية؟ الحسن، أو قولك الحسين،‬
  ‫وهذا تطوع من المجيب بما ل يلزم.. ذلك أن جوابه‬
 ‫على ظاهر سؤاله، أن يقول له: أحدهما. أل ترى أنه‬
‫لما قال له: الحسن أو الحسين أفضل أم ابن الحنفية،‬
‫فكأنه قال أحدهما أفضل أم ابن الحنفية؟ فجوابه، على‬
     ‫ظاهر سؤاله، أن يقول أحدهما(. فما تعليل قوله‬
    ‫)جوابه على ظاهر سؤاله( أقول أنه على تقدير.‬
‫جوابه المبني على ظاهر سؤاله. وقد أردف ابن جني:‬
      ‫)ونظير قوله في الجواب على اللفظ..( أي في‬
   ‫الجواب المحمول على اللفظ، و)على( في كل ذلك‬
                                 ‫للستعلء مجازً.‬
                                  ‫ا‬
‫ح ف لر‬
                           ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                       ‫نح‬
                        ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


     ‫تعدية )أجاب( بعن وعلى ومعناه مع كل منهما:‬

 ‫ومن هنا كان الطعن على تعدية )أجاب( بغير )عن(‬
      ‫دون تدبر معناه وما هو عليه من تقدير الكلم،‬
‫مجازفة في القول، وحكم ل تناط به ثقة ول ُخلد إليه‬
        ‫ي‬
                                           ‫بيقين.‬

‫ونحو من ذلك قول الدكتور مصطفى جواد في كتابه )‬
    ‫وهذا جواب على الكتاب. وذلك لن المسموع عن‬
‫العرب، والمذكور في كتب العربية: أجاب عن السؤال،‬
   ‫ل أجاب عليه، ولن معنى الفعل، أجاب، يستوجب‬
    ‫استعمال ـ أجاب، يستوجب استعمال ـ عن ـ لفادة‬
‫الزاحة والكشف والبانة والقطع والخرق، ول يصلح‬
  ‫معه استعمال ـ على ـ التي هي للظرفية الستعلئية.‬
  ‫قال ابن مكرم النصاري: الجابة رجع للكلم، تقول‬
      ‫فيه: أجابه عن سؤاله، وقد أجاب إجابة وإجاب ً‬
      ‫ا‬
                                  ‫وجواباً وجابة(.‬
‫ح ف لر‬
                           ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                       ‫نح‬
                        ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


‫كما كان إطلق القول في جواز استعمال )أجاب على(‬
‫محل )أجاب عن( غير صحيح، وعلى نحو من هذا ما‬
   ‫جاء به الستاذ صبحي الب ّام فيما استدركه على‬
                      ‫ص‬
‫كتاب )قل ول تقل(، قال: )قلت يجوز أن تقول أجاب‬
      ‫عن السؤال، وهو أصل، وأن تقول: أجاب على‬
‫السؤال، وفي السؤال، وكلهما فرع. وأنا باسط الكلم‬
  ‫على ذلك ها هنا بعض البسط(، ثم أتى بشواهد من‬
‫كلم البلغاء، فيها تعدية )أجاب( بعن، وشواهد أخرى‬
‫فيها تعديته بعلى، وذهب إلى أن )على( قد حّت فيها‬
      ‫ل‬
    ‫مح ّ )عن( وأدت معناها، كما حّت )على( محل‬
               ‫ل‬                        ‫ل‬
‫)عن( في قولك )رضي عليه( و)رمى على القوس(‬
‫و)ذهب عل ّ( مما اعتاد النحاة أن يذكروه في المثلة‬
                                      ‫ي‬
               ‫التي أ ّت فيها )على( مؤدى )عن(.‬
                                      ‫د‬

  ‫أقول المعنى المطرد لعلى هو الستعلء ح ّ ً نحو‬
      ‫سا‬
‫قوله تعالى ‪‬وعليها وعلى الفلك تحملون ـ المؤمنون /‬
    ‫‪ ٢٢‬أو معنى نحو قوله تعالى ‪‬ف ّلنا بعضهم على‬
                 ‫ض‬
‫ح ف لر‬
                           ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                       ‫نح‬
                        ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


      ‫بعض ـ البقرة / ‪ .٢٥٣‬أما ما ذكره النحاة من‬
   ‫المواضع التي فيها )على( محل )عن( فينبغي أن‬
   ‫تقصر على المثلة المحكية وما شابهها، ولو جاز‬
      ‫استعمال )على( لكل المعاني المذكورة، في كل‬
  ‫موضع، لصح قولك )نبت على فلن(. بمعنى قولك‬
  ‫ُب ُ عنه(، وهذا محال. في كل موضع، لصح قولك‬
                                        ‫نت‬
   ‫)نبت على فلن(. بمعنى قولك ُب ُ عنه(، وهذا‬
              ‫نت‬
‫محال. فانظر إلى ما جاء في المغني لبن هشام )على‬
    ‫أن البصريين ومن تابعهم يرون في الماكن التي‬
  ‫ا ّعيت فيها النيابة أن الحرف باق على معناه، وأن‬
                                              ‫د‬
    ‫العامل ُ ّن معنى عامل يتع ّى بذلك الحرف لن‬
                   ‫د‬                ‫ضم‬
‫التجوز في الفعل أسهل منه في الحرف ـ ٢ / ٣٧١(‬
‫وفي )الهمع( للمام السيوطي )والبصريون قالوا لو‬
    ‫كان لعلى هذه المعاني لوقعت موقع هذه الحروف‬
‫فكنت تقول ُل ّت عليه أنه عنه. وكتبت على القلم أي‬
                                  ‫وي‬
    ‫به، وجاء زيد على عمرو أي معه، والدرهم على‬
     ‫الصندوق أي فيه، وأخذت على الكيس أي منه(‬
‫ح ف لر‬
                            ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                        ‫نح‬
                         ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


‫وأردف: )وأ ّلوا ما تقدم على الضمين ونحوه فض ّن‬
 ‫م‬                                ‫و‬
    ‫تتلو معنى تقول، ورضي معنى عطف... واكتالوا‬
      ‫معنى حكموا في الكيل..(. ذلك أن للفعل مع كل‬
‫حروف وجهة خاصة قد تداني وجهته مع حرف آخر،‬
  ‫لكنها ل تطابقها ول تواقعها. وهذا ما أكده أبو نزار‬
     ‫ملك النحاة حين قال: )إن الفعل يتعدى بعدة من‬
   ‫حروف الجر على مقدار المعنى اللغوي المراد من‬
  ‫وقوع الفعل، لن هذه المعاني كامنة في الفعل وإنما‬
‫يثيرها ويظهرها حروف الجر( وأردف )وذلك إذا قلت‬
‫خرجت فأردت أن تبين ابتداء خروجك قلت خرجت من‬
         ‫الدار، فإن أردت أن تبين أن خروجك مقارن‬
        ‫لستعلئك قلت خرجت على الدابة، فإن أردت‬
 ‫المجاوزة للمكان قلت خرجت عن الدار...( فأتى لكل‬
    ‫حرف بمعناه الذي ُ ّ به، وأوضح هذا صاحب‬
                       ‫خص‬
 ‫الكليات فقال )الفعل المتع ّي بالحروف المتعدية لبد‬
                       ‫د‬
     ‫أن يكون له مع كل حرف معنى زائد على معنى‬
   ‫الحرف الخر، وهذا بحسب اختلف الحروف. فإن‬
‫ح ف لر‬
                           ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                       ‫نح‬
                        ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


  ‫ظهر اختلف الحرفين ظهر الفرق..( وأردف )وإن‬
  ‫تقارب معاني الدوات عسر الفرق نحو قصدت إليه‬
      ‫وله وهديت إلى كذا ولكذا، فالنحاة يجعلون أحد‬
    ‫الحرفين بمعنى الخر، أما فقهاء أهل العربية فل‬
    ‫يرتضون هذه الطريقة بل يجعلون للفعل معنى مع‬
  ‫الحرف ومعنى مع غيره..(. فقد يغنى قولك )أجاب‬
   ‫على( عن قولك )أجاب عنه( حين ً لكن إغناء أحد‬
                 ‫ا‬
    ‫الحرفين عن الخر ل يعني البتة أنهما على معنى‬
    ‫واحد، كما بسطنا الكلم عليه في أمثلتنا السابقة.‬

 ‫وفي كتاب الفروق اللغوية لبي هلل العسكري )قال‬
 ‫المحققون من أهل العربية أن حروف الجر ل تتعاقب‬
‫حتى قال ابن درستويه: في جواز تعاقبها أبطال حقيقة‬
   ‫اللغة وإفساد الحكمة فيها والقول بخلف ما يوجبه‬
                                  ‫العقل والقياس(.‬

     ‫بعض ما تع ّى بعن وعلى ومعناه مع كل منهما:‬
                                   ‫د‬
‫ح ف لر‬
                           ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                       ‫نح‬
                        ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


‫تقول )سك ّ عن الكلم( إذا امتنعت منه و)سك ّ عن‬
   ‫ت‬                               ‫ت‬
   ‫المر( إذا أغفلته وتجاوزت وتغاضيت عنه مجازً،‬
    ‫ا‬
    ‫لكنك إذا قلت )سك ّ عليه( فقد أردت شيئاً آخر.‬
                              ‫ت‬

                                     ‫قال الشاعر:‬

‫تمام العمى طول‬                   ‫ليس العمى طول‬
   ‫السكوت على‬                       ‫السؤال وإنما‬
         ‫الجهل‬

    ‫أقول قد ض ّن السكوت هنا معنى الصبر، وبينهما‬
                                    ‫ُم‬
‫اشتراك في المعنى. فإذا قلت )سك ّ على الجهل( كان‬
               ‫ت‬
              ‫معناه: سك ّ عن الجهل صابرً عليه.‬
                    ‫ا‬              ‫ت‬

 ‫وتقول )نمت عنه( إذا نمت حقاً كما جاء في الحديث‬
  ‫)تنام عن العجين( فإذا أردت المجاز فيه كان معناه‬
  ‫غفلت عنه. ففي نهج البلغة )١ / ٨٧(: )ل ينام‬
     ‫عنكم وأنتم في غفلة ساهون( لكنك تقول )نمت‬
   ‫عليه( كما جاء في نهج البلغة )٣ / ٨٧( )ينام‬
‫ح ف لر‬
                            ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                        ‫نح‬
                         ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


 ‫الرجل على الثكل ول ينام على ال َر َ(. قال الرضي‬
             ‫ح ب‬
    ‫)ومعنى ذلك أنه يصبر على قتل الولد ول يصبر‬
‫على سلب الموال(، والحرب بالتحريك سلب الموال.‬

‫وتقول )خرج عن القانون( إذا حاد عنه و)خرج على‬
    ‫القانون( إذا تمرد عليه وتصدى لمخالفته، كقولك‬
         ‫)خرج على السلطان أو المام أو الخليفة(.‬

     ‫وتقول )نبا عنه( إذا حاد ورجع و)نبا عليه( إذا‬
‫اشتد عليه ولم ين َدْ، ذلك نحو ما جاء في نهج البلغة‬
                                ‫ق‬
         ‫)٣ / ١٠١(: )يرأف بالضعفاء وينبو على‬
                                        ‫القوياء(.‬

 ‫وهكذا قولك )شرد عنه وعليه( و)نشز عنه وعليه(‬
                             ‫و)صبر عنه وعليه(.‬

‫وقصاري ما هناك أنه قد صح بما قدمنا أنه ل يجزيك‬
        ‫في اختيار الحرف لتصريف الفعل العودة إلى‬
  ‫المعجمات لتقع على الحرف الذي ُ ّ به الفعل في‬
              ‫خص‬
‫ح ف لر‬
                          ‫الَُاة وُروُ اَّ‬
                                      ‫نح‬
                       ‫مكتبة مشكاة السلمية‬


     ‫معنى من المعاني، أو إلى كتب اللغة لتقف على‬
‫المعاني الم ّردة لكل حرف، بل لبد أن تحظى بنصيب‬
                                 ‫ط‬
  ‫من الدراية وتضرب بسهم من الفقه، بمطالعة كتب‬
 ‫الدب نثره وشعره وطول مدارستها، فلشك في أنها‬
   ‫ستطلعك على ما ُطرفك في هذا الباب، وتسبق بك‬
                              ‫ي‬
‫إلى الحكم على ما يفضي إليه الفعل من معنى مع كل‬
                                         ‫حرف.‬

النُحَاة وحُروفُ الجَرّ ـــ صلاح الدين الزعبلاوي

  • 1.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫صلح الدين الزعبلوي‬ ‫هذا بحث طريف، حاجة الك ّاب إليه ماسة ملحة، وهم‬ ‫ت‬ ‫إذا أصابوا فيه خطأ وظفروا منه بطائل وتعلقوا بسبب‬ ‫وثيق، كان لهم من ذلك مادة قوية في ممارسة الكتابة‬ ‫وإتقانها، وعون وظهير في تصريف المعاني وتوجيه‬ ‫دللتها، وسوقها متناسقة متناظمة، دون لبس أو‬ ‫خلل.‬ ‫وقد جاء للمتقدمين وكثير من المحدثين المتأخرين‬ ‫من هذا النمط ما ل يدافع في حسنه. وإذا هم أخّوا‬ ‫ل‬ ‫بالصل المع ّل عليه في استعمال هذه الحروف‬ ‫و‬ ‫وعبثوا بضوابطها فجروا على غير العرف العربي في‬ ‫تصريفها أسخفوا بالكتابة وانح ّوا بها إلى ركاكة‬ ‫ط‬ ‫العامة، فطال الخطب في ذلك وعسر واستوسع الوهي‬ ‫وكثر، وكان لنا منه أمثلة غثة باردة هي أشبه شيء‬
  • 2.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫بالثياب المتداعية كلما حيصت من جانب تهتكت من‬ ‫آخر.‬ ‫ولبد في بلوغ الغاية في هذا المطلب من أعمال الفكر‬ ‫وتدقيق النظر، وبذل الطوق في تحصيل ما يتصل‬ ‫بجوانب البحث، إذ ل مجال لتحقيق المراد منه بأهون‬ ‫سعي وأقرب طلب. وليس القائل في هذا بعلمه‬ ‫واجتهاده كالقائل بظنه وتقليده.‬ ‫وقد عقدت في كتابي )مسالك القول في النقد اللغوي(‬ ‫فص ً سابغاً أفضت فيه بعض الفاضة في استيفاء‬ ‫ل‬ ‫طرف من الصول في هذا الباب، ورأيت أن أتدارك‬ ‫هنا ما جمعت يدي عليه من دقائق، فيما اتفق لي بعد‬ ‫ذلك من تحقيق، واعترض من تمحيص واستقراء.‬ ‫ولو شئت لوردت منه شيئاً كثيراً تضيق عنه هذه‬ ‫الوراق.‬ ‫ضوابط في استعمال الحروف:‬
  • 3.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫قال أبو نزار المعروف بملك النحاة، على ما حكاه‬ ‫المام السيوطي في الشباه والنظائر )٣ / ٦٧١(،‬ ‫وأبو نزار هذا المام بارع من فقهاء الشافعية، ذو‬ ‫نظم ونثر، له مصنفات في النحو والصرف والقراءات‬ ‫والفقه والصول وديوان شعر )مولده ببغداد ووفاته‬ ‫في دمشق ٨٦٥ هـ( قال: )إن الفعل قد يتعدى بعدة‬ ‫من حروف الجر على مقدار المعنى اللغوي المراد من‬ ‫وقوع الفعل، لن هذه المعاني كامنة في الفعل، وإنما‬ ‫يثيرها ويظهرها حروف الجر( وأردف )وذلك أنك إذا‬ ‫قلت خرجت فأردت أن تبين ابتداء خروجك قلت‬ ‫خرجت من الدار، فإن أردت أن تبين أن خروجك‬ ‫مقارن لستعلئك قلت خرجت على الدابة، فإن أردت‬ ‫المجاوزة للمكان قلت خرجت عن الدار، وإن أردت‬ ‫الصحبة قلت خرجت بسلحي فقد وضح بهذا أنه ليس‬ ‫يلزم في كل أل يتعدى إل بحرف واحد(.‬
  • 4.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫فثبت بهذا أن الفعل يص ّف في وجوه عدة بقدر من‬ ‫ر‬ ‫حروف الجر أطرد تصريفها فيها. وقد أحاطت كتب‬ ‫اللغة بوجوده تصريف كل حرف فاستعمل فيها، على‬ ‫جهة القياس والطراد. تقول في تصريف )أجاب(:‬ ‫)أجبت في الكتاب، وبالكتاب، وأجبت عنك، وعلى‬ ‫ورقة بيضاء، ولمر مهم، وعن السئلة، من أولها‬ ‫إلى آخرها(. كما أحاطت المعجمات بتصريف الفعال‬ ‫في معانيها فن ّت على تعديتها بحروف ل يتحكم بها‬ ‫ص‬ ‫قياس ظاهر، كقولك )أعنتك على عدوك، وتدربت‬ ‫على العمل، وحزنت عليه وغضبت، وحسدتك على‬ ‫كذا، وتوفرت على صاحبي، وارتحت إليه، واعتذرت‬ ‫إليه، وأنست به ورغبت على كذا، وتوفرت على‬ ‫صاحبي، وارتحت إليه، واعتذرت إليه، وأنست به‬ ‫ورغبت فيه( وهكذا. فإذا جمعت القياس في استعمال‬ ‫هذه الحروف على ما نصت عليه كتب اللغة عامة،‬ ‫إلى السماع فيما نصت عليه المعجمات خاصة، أقول‬ ‫إذا ضممت يدك على هذا وذاك، كان لبد من أن تلحظ‬
  • 5.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫أن تصريف الفعل بحرف من الحروف إنما يفرده‬ ‫بمعنى ل يؤديه تصريفه حرف آخر، وإن داناه أحيان ً،‬ ‫ا‬ ‫لن لكل حرف وجهة اختص بها دون سواه.‬ ‫لكل حرف وجهة خاصة:‬ ‫يقول أبو البقاء الكفوي في كلياته فيما نحن بسبيله‬ ‫)الفعل المتعدي بالحروف المتعددة لبد من أن يكون‬ ‫له مع كل حرف معنى زائد على معنى الحرف الخر،‬ ‫وهذا بحسب اختلف معاني الحروف. فإن ظهر‬ ‫اختلف الحرفين ظهر الفرق نحو رغبت فيه وعنه،‬ ‫وعدلت إليه وعنه، وملت إليه وعنه، وسعيت إليه‬ ‫وبه. وإن تقارب معاني الدوات عسر الفرق، نحو‬ ‫قصدت إليه وله، وهديت إلى كذا ولكذا. فالنحاة‬ ‫يجعلون أحد الحرفين بمعنى الخر. أما فقهاء أهل‬ ‫العربية فل يرتضون هذه الطريقة بل يجعلون للفعل‬ ‫معنى مع الحرف ومعنى مع غيره، فينظرون إلى‬ ‫الحرف وما يستدعي من الفعال، وهذه طريقة إمام‬
  • 6.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫الصناعة: سيبويه(. وأبو البقاء من تعلم تبسط ً في‬ ‫ا‬ ‫العربية واستبحاراً وإيغالً في البحث، وسعة إطلع.‬ ‫ويفسر ما جاء به أبو البقاء من تمايز وجهات‬ ‫الحروف ولو تدانى بعضها وتعاقب على معنى، قول‬ ‫البيضاوي في تفسير قوله تعالى ‪‬قل هل من شركائكم‬ ‫من يهدي إلى الحق، قل ال يهدي للحق ـ يونس /‬ ‫‪ (:٣٥‬وهدى كما يتعدى بالى لتضمينه معنى النتهاء،‬ ‫ُع ّى باللم للدللة على أن المنتهى غاية الهداية،‬ ‫يد‬ ‫وأنها لم توجه نحوه على سبيل التفاق، ولذا ُ ّي‬ ‫عد‬ ‫بها ما أسند إلى ال(. والموضع الذي ُديت فيه‬ ‫ع‬ ‫الهداية باللم في التنزيل هو ما صح أن يكون المهدي‬ ‫إليه فيه غاية الهداية حقً، كاليمان، والتي هي أقوم.‬ ‫ا‬ ‫ونور ال، والحق، وهكذا..‬ ‫اللم وإلى:‬ ‫فالقريب المختار، بل الصل على هذا، هو التفريق في‬ ‫الداء بين )اللم وإلى(، وإذا كان بعض الئمة قد قال‬
  • 7.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫بتعاقبهما حين ً، كما فعل الخفش والزجاج‬ ‫ا‬ ‫والزمخشري وأبو ح ّان، أو ذهب إلى تعاقبهما قياس ً،‬ ‫ا‬ ‫ي‬ ‫كما فعل المام المالقي فذلك لتقاربهما وتماثلهما في‬ ‫كثير من المواضع. قال المالقي في كتابه )رصف‬ ‫المباني في شرح حروف المعاني(. )والموضع‬ ‫الخامس أن تكون اللم بمعنى إلى، وذلك قياس، لن‬ ‫إلى يقرب معناها من اللم، وكذلك لفظها(، ثم‬ ‫استدرك فقال: )وإن كان بينهما فرق من حيث أن إلى‬ ‫لنتهاء الغاية، واللم عارية عنها( وأردف:‬ ‫)فاستعمال أحدهما في موضع الخر جائز( وأنت تعلم‬ ‫أن إغناء أحد الحرفين عن الخر ل يعني أنهما على‬ ‫معنى. وهذا ما حمل أبا البقاء أن يقول: )ثم أن فعل‬ ‫الهداية، متى ُ ّي بالى تضمن اليصال إلى الغاية‬ ‫عد‬ ‫المطلوبة فأتى بحرف الغاية. ومتى ُ ّي باللم تضمن‬ ‫عد‬ ‫التخصيص بالشيء المطلوب(.‬ ‫القول في تعدية )اعتذر(‬
  • 8.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫العتذار كما ل يخفى هو التيان بالعذر وطلب قبوله.‬ ‫قال صاحب المفردات: )واعتذرت إليه أتيت بعذر(،‬ ‫والعذر كما جاء في اللسان، )الحجة التي تعتذر بها(‬ ‫أي تحتج. ففي اللفاظ الكتابية لعبد الرحمن بن عيسى‬ ‫الهمذاني )اعتذر وتعذر إذا احتج(، فإذا أنت أدليت‬ ‫بعذرك إلى صاحبك وطلبت قبول العذر قلت )اعتذرت‬ ‫إلى فلن(. ول تستطيع أن تقول )اعتذرت عن فلن(‬ ‫حتى يكون اعتذارك نيابة عنه. قال المرزوقي في‬ ‫شرح الحماسة )٧١١(: )حتى أن بعضهم اعتذر‬ ‫عمن مات على فراشه فقال:‬ ‫أبا ُ ّا َ ِ ّ على‬ ‫قر ن مت‬ ‫ن نك‬ ‫بحم ٍ من س ِا ِ َ‬ ‫د‬ ‫ِثا ِ(‬ ‫م ل‬ ‫م‬ ‫ل بذ ّ‬ ‫والمثال: الفراش.‬ ‫أما إذا أردت الكشف عن سبب اعتذارك وما حملك‬ ‫عليه، فأنت تقول )اعتذرت إليه تقصيري( هذا هو‬ ‫الصل، وعليه نص المعاجم، ولكن هل تقول‬
  • 9.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫)اعتذرت إليه عن تقصيري(؟ أقول ما دمت تقصد‬ ‫بقولك )عن تقصيري( ذكر )سبب العتذار وعّته(‬ ‫ل‬ ‫وما حملك عليه، فالكلم سائغ مستقيم. وقد م ّت به‬ ‫ر‬ ‫المعاجم وجرت عليه ألسنة اليمة. قال الفيومي في‬ ‫المصباح: )واعتذار إلي: طلب قبول معذرته، واعتذر‬ ‫عن فعله، أظهر عذره(. وجاء في الفصاح،‬ ‫والفصاح خلصة المخصص لبن سيده وبعض‬ ‫المظان المعتمدة )العذر ما أدليت به من حجة لسقاط‬ ‫الملمة.. عذر فلن ً فيما صنع يعذره عذرً ومعذرة،‬ ‫ا‬ ‫ا‬ ‫وأعذره: رفع اللوم عنه، واعتذر إليه: طلب قبوله‬ ‫معذرته، واعتذر عن فعله ومنه: أظهر عذره /‬ ‫٥٥٢(.‬ ‫أما استعمال اليمة له فقول ابن جني في الخصائص‬ ‫)١ / ٥١٤(: )ويؤكده لك أننا نعتذر لهم عن مجيئهم‬ ‫بلفظ المنصوب في التثنية على لفظ المجرور(، أي‬ ‫نعتذر عن فعلهم هذا. وكذلك قول المرزوقي في شرح‬
  • 10.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫الحماسة )٦٢١(: )كالعتذار عن الخذ بالفضل‬ ‫عليهم، وترك الصفح عنهم(. وما جاء في المثل‬ ‫السائر لنصر ال بن الثير الجرزي )٣٦٤(: )فإن‬ ‫هذا من أحسن ما يجيء في باب العتذار عن‬ ‫الذنب(. ما جاء في اللسان )في عسق(: )هذا قول‬ ‫ابن سيده، والعجب من كونه لم يعتذر عن سائر‬ ‫كلماته(. وقد كرر هذا فقال: )ومن الممكن أن يكون‬ ‫ابن سيده، رحمه ال، ترك العتذار عن كلماته..‬ ‫وعن لفظة: شانني... واعتذر عن لفظة َ ِقني(.‬ ‫عس‬ ‫واتفق في الشباه والنظائر ـ ٤ / ٦١( من كلم‬ ‫المام جمال الدين بن هشام النصاري ما ع ّى به‬ ‫د‬ ‫)اعتذر( بـ )عن( غير مرة ونحو هذا كثير في‬ ‫كلمهم.‬ ‫مواضع استعمال )عن(:‬ ‫ولكن ِمَ كان النص في المعاجم على تعدية الفعل بـ‬ ‫ل‬ ‫)من( غالباً دون )عن(؟ فأنت تقول )قد تسبب هذا‬
  • 11.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫عن هذا(. قال الفيومي: )وهذا مسبب عن هذا( وقد‬ ‫تكرر ذلك في كلم ابن جني في الخصائص )٣ /‬ ‫٠٦١( ، كما تقول )اعتللت بمرضي عن غيابي، أي‬ ‫احتججت بهذه العلة. قال الفيومي )واعت ّ إذا تمسك‬ ‫ل‬ ‫بحجة، ذكر بمعناه الفارابي(. وقال ابن جني )٣ /‬ ‫٦٠٢(: )واعتل لهذا القول بأن ما قبلها ساكن(.‬ ‫قال الستاذ محمد علي النجار في كتابه )لغويات /‬ ‫٢٤١(، )لقد استعملت العلة أيض ً في العذر، ويعتذر‬ ‫ا‬ ‫به النسان عن لوم يوجه إليه في التقصير في بعض‬ ‫المر(. وقال: )ومما يؤنس لما نحن فيه أنه ورد‬ ‫العتلل في ذكر العلة، ويقول الفارابي، على ما في‬ ‫المصباح: اعت ّ إذا تمسك بحجته، وقال أبو قيس بن‬ ‫ل‬ ‫السلت:‬ ‫وتعت ّ عن إتيانهن‬ ‫ل‬ ‫وتكرمها جاراتها‬ ‫فتعذر‬ ‫فيزرنها‬ ‫ولكنها منهن تحيا‬ ‫وليس بها أن‬
  • 12.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫وتخفر‬ ‫تستهين بجارة‬ ‫فقوله: تعتل عن إتيانهن أي تعتذر بذكر وجه تخلفها‬ ‫عن زيارتهن فظهر أن التعلل في معنى ذكر العّة، له‬ ‫ل‬ ‫وجهه الصحيح(.‬ ‫وقد ذكر النحاة من معاني )عن( المطردة: )التعليل(،‬ ‫قاله صاحب المغنى )١ / ٧٢١( وم ّل له بقول تعالى‬ ‫ث‬ ‫‪‬وما كان استغفار إبراهيم لبيه إل عن موعدة ـ التوبة‬ ‫/ ‪ .١١٥‬وفي الهمع للسيوطي )٢ / ٩٢( ما في‬ ‫المغنى. وفي شروح اللفية وغيرها من المهات نحو‬ ‫من ذلك وانظر إلى ما جاء في أمالي المرتضى حول‬ ‫تخريج قوله تعالى ‪‬فخرعليهم السقف من فوقهم ـ‬ ‫النحل / ‪ ٢٦‬قال المرتضى )١ / ١٥٣(: )قيل في‬ ‫ذلك أجوبة أولها أن يكون على معنى عن فيكون ـ‬ ‫فخر عنهم السقف من فوقهم ـ أي خ ّ عن كفرهم‬ ‫ر‬ ‫وجحودهم بال تعالى وآياته، كما يقول القائل: اشتكى‬
  • 13.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫فلن عن دواء شربه، وعلى دواء شربه، فيكون على‬ ‫وعن، بمعنى من أجل الدواء(!.‬ ‫وإذا صح هذا ف ِمَ ل نقول )اعتذرت إليه لغيابي(‬ ‫ل‬ ‫واللم فيه للتعليل أيض ً؟ والجواب عن ذلك: نقوله،‬ ‫ا‬ ‫وقد أجريت اللم في مجراها ووضعت موضعها،‬ ‫والكلم صحيح ل َين فيه. ففي محاضرات الدباء‬ ‫ش‬ ‫للراغب )٠٥٤(: )المعتذر لتركه الصلة( ومعناه‬ ‫)المعتذر بسبب تركه الصلة(. وقد تكرر ذلك في‬ ‫المحاضرات فجاء فيه )٦٨٢(: )المعتذر للقصر(‬ ‫و)الممدوح بالخفة والمعتذر للنحافة(، وعلى هذا‬ ‫القول )اعتذرت لغيابي يوم الجمعة(. وهو مستقيم.‬ ‫المانعون لقول القائل )اعتذر عن التقصير(:‬ ‫منع الدكتور مصطفى جواد عضو المجمع العلمي‬ ‫العراقي، رحمه ال في كتابه )دراسات في فلسفة‬ ‫النحو( قول القائل )اعتذر عن التقصير والذنب(‬ ‫وجعل صوابه )من التقصير والذنب(، وأتى بشواهد‬
  • 14.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫من نصوص المعاجم وكلم اليمة، بمجئ التعدية بـ‬ ‫)من(. وقال: )وإنما تستعمل عن مع اعتذر ومصدره‬ ‫لفادة معنى النيابة، يقال: اعتذر زيد عن عمرو من‬ ‫الذنب الذي جناه أو من تقصيره..(. أما ما جاء في‬ ‫المصباح )واعتذر عن فعله: أظهرعذره( فقد ذهب‬ ‫جواد إلى أنه مح ّف.‬ ‫ر‬ ‫أقول في الجواب عن ذلك أن صاحب المصباح لم‬ ‫ينفرد بهذه التعدية كما رأيت، وليس ثمة ما يوجب‬ ‫الرتياب بنصه، وأما قول جواد )وإنما تستعمل عن‬ ‫لفادة معنى النيابة( فهو صحيح، ولكن إذا دخلت‬ ‫)عن( على )من وجب عليه العتذار( ل على )سبب‬ ‫العتذار وعلته( وهذا واضح وقد أشرنا إليه.‬ ‫المجيزون لقول القائل )اعتذر عن التقصير(:‬ ‫جاء في المعجم الوسيط، معجم المجمع القاهري:‬ ‫)ويقال اعتذار من ذنبه وعن فعله(، فهل أراد أن‬ ‫يخص الذنب بـ )من(، والفعل بـ )عن(؟ أقول إذا‬
  • 15.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫أراد ذلك فل وجه له البتة، وإذا لم يعنِ ذلك فما الذي‬ ‫حمله على أن يحكي بالحرف عبارة الجوهري‬ ‫)العتذار من الذنب( ويضم إليها عبارة المصباح‬ ‫)واعتذر عن فعله( فيجمع بينهما ويوهم أن )من(‬ ‫في استعمال الفعل غير )عن(؟ وقد كان المثل أن‬ ‫يطبع على غرار الفصاح فيقول )واعتذر عن فعله‬ ‫ومنه( أو )واعتذر من ذنبه وعنه(.‬ ‫وعرض الستاذ محمد العدناني لتعدية )اعتذر( في‬ ‫معجمه )الخطاء اللغوية الشائعة( فأقر تعدية الفعل‬ ‫بمن وعن لذكر العلة، لكنه عطف المر على )إنابة‬ ‫حرف مكان حرف( وليس ثمة )إنابة(، وإنما أجري‬ ‫كل حرف من الحرفين المذكورين في مجراه ووضع‬ ‫موضعه. ثم أنكر قول القائل )يع ُر( بالضم كين ُر،‬ ‫ص‬ ‫ذ‬ ‫وجعل صوابه )يعذر( بالكسر كيضرب، قال‬ ‫)ويقولون: يع ُر فل صديقه فيما صنع، بالضم،‬ ‫ذ‬ ‫والصواب يعذر صديقه بالكسر..(.‬
  • 16.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫أقول: جاء الفعل على )يعذر( كيضرب، وعلى‬ ‫)يع ُر( كين ُر. قال ابن سيده في المخصص )‬ ‫ص‬ ‫ذ‬ ‫٣١ / ١٨(: )عذرته أع ُره عذرً ومعذرة بالفتح‬ ‫ا‬ ‫ذ‬ ‫حكاها سيبويه..( فضم الذال في )أع ُره( وكسرها:‬ ‫ذ‬ ‫وقال ابن منظور في اللسان )وعذره يع ُره فيما صنع‬ ‫ذ‬ ‫عذرً..( فأتت الذال في المضارع الفعل مضمومة‬ ‫ا‬ ‫ومكسورة أيض ً. فقول الكتاب )يع ُره( بالضم صحيح‬ ‫ذ‬ ‫ا‬ ‫كما رأيت ول وجه فيه للتخطئة.‬ ‫تعدية )اعتذر( بعلى:‬ ‫أقول إذا كان )اعتذر( قد جاء بمعنى )احت ّ( كما‬ ‫ج‬ ‫ذكره الهمذاني في اللفاظ الكتابية فقال )اعتذر وتعذر‬ ‫إذا احت ّ( وكان )العذر( كـ )الحجة( على ما جاء في‬ ‫ج‬ ‫اللسان )العذر: الحجة التي تعتذر بها( فقد اتفق أن‬ ‫ع ّي )اعتذر( بـ )على( كما ُعدى )احت ّ( فأنت‬ ‫ج‬ ‫ي‬ ‫د‬ ‫تقول: )اعتذرت على فلن بعذر( كما تقول )احتججت‬ ‫عليه بحجة( فانظر إلى قول منصور بن مشحاج:‬
  • 17.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫فما اعتذرتْ إبلي‬ ‫ومختب ٍ قد جاء،‬ ‫ط‬ ‫عليه ول نفسي‬ ‫ق ة‬ ‫أو ذي َراب ٍ‬ ‫قال المرزوقي في شرح الحماسة )٥٧٦١(: )فل‬ ‫نفسي احتجزت عنه بمنع ول إبلي اعتذرت عليه‬ ‫بعذر، كأن عذر البل تأخ ُها عن مباءتها، أو ذكر‬ ‫ر‬ ‫وقوع آفة فيها أو تسلط جدب عليها، واحتجاز‬ ‫النفس: ُخلها بها وإقامة المعاذير الكاذبة دونها وما‬ ‫ب‬ ‫يجري هذا المجرى(. وأصل الختباط في الورق تقول‬ ‫اختبطت الورق إذا نفضته من الشجر، وكما يستعار‬ ‫الورق ف ُك ّى به عن المال يستعار الخبط فيك ّى به‬ ‫ن‬ ‫ين‬ ‫عن طلبه.‬ ‫القول في تعديه )ك َف(‬ ‫ش‬ ‫قال الدكتور مصطفى جواد في كتابه )دراسات في‬ ‫فلسفة النحو والصرف..( ينتقد على كاتب بعض‬ ‫كلمه: )وكشف كنوزها.. ونظامها البديع، وقد أراد‬ ‫الكشف عن كنوزها. ومن العجب أنه قال قبيل ذلك:‬
  • 18.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫وكشف فيه عن سعة إطلع، فس ّى بين كشف عنه‬ ‫و‬ ‫وكشفه(.‬ ‫أقول أراد الستاذ جواد أن )كشفه( غير )كشف‬ ‫عنه(. فالكشف إنما يكون )للساتر( وهو الغطاء أو‬ ‫ما يقوم مقامه ، فالغطاء هو المكشوف. أما المكشوف‬ ‫عنه فهو )المستور( أو ما ينوب منابه. قال )والصل‬ ‫كشف الغطاء أو الستار أو الحجاب( وأردف‬ ‫)والجملة( الثانية ـ أي كشف عنه ـ أريد بها إزاحة‬ ‫ما يس ُر، عن الشيء المستور حسب(، فما صواب‬ ‫ت‬ ‫المسألة؟‬ ‫الصل في معنى )كشف عنه(:‬ ‫ل خفاء بأن الصل في الكشف هو إزاحة الغطاء أو‬ ‫الستار ورفعه عن المستور. تقول )كشف الخمار عن‬ ‫الوجه( و)كشف الغطاء عما وراءه(. قال صاحب‬ ‫العين )الكشف رفعك عن الشيء ما يواريه ويغطيه(.‬
  • 19.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫فتعدية الفعل إلى )الغطاء( أو )الحجاب( إنما يكون‬ ‫نفسه، وإلى )المستور أو المحجوب( بـ )عن(.‬ ‫وقد يطبق الغطاء على النسان فيغمره ويثقل عليه‬ ‫ويشتد، كالهم إذا غشي النسان فاحتواه، بل عظم‬ ‫عليه وشق، فتقول فيه: )جلوت اله ّ عنه وس ّيته،‬ ‫ر‬ ‫م‬ ‫بل كشفت عنه السوء أو الضر أو العذاب، وعلى هذا‬ ‫الحدآي التنزيل: )لئن كشفت عنا الرجز ـ العراف /‬ ‫‪ ١٣٣‬وفلما كشفنا عنه ض ّه ـ يونس / ‪ ١٢‬وكشفنا‬ ‫‪‬‬ ‫ر‬ ‫‪‬‬ ‫عنهم العذاب يونس / ‪.٣٨‬‬ ‫وقد ُل ٌ بالنسان ما يحجب عنه النظر كشاغل من‬ ‫يم‬ ‫غمرة فيذهب ببصره كل مذهب، وقد ُ ّر به قوله‬ ‫فس‬ ‫تعالى: )لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك‬ ‫غطاءك فبص ُك اليوم حديد ـ ق / ‪ .٢٢‬قال المام‬ ‫ر‬ ‫البيضاوي: )الغطاء الحاجب لمور المعاد وهو الغفلة‬ ‫والنهماك.. وقيل الخطاب للنبي صلى ال عليه وسلم،‬ ‫والمعنى كنت في غفلة من أمور الديانة، فكشفنا عنك‬
  • 20.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫غطاء الغفلة بالوحي القرآن، وبصرك اليوم حديد ترى‬ ‫ما ل يرون وتعلم ما ل يعلمون(.‬ ‫ومما قيل على حد )كشف الغطاء( قول أبي علي‬ ‫المرزوقي في شرح الحماسة )٠٦٠١(: )ثم كشفت‬ ‫الغمة وأثب ّ الحجة بكلم فصيح ل يلتبس( أي رفعت‬ ‫ت‬ ‫الغمة عنه وأزحتها( وقوله )١٩٠١(: )فتركت‬ ‫بعدها دواهي وخطوباً عظيمة هي في أغطيتها لم‬ ‫تظهر ولم يكشف عنها(، أي لم يكشف عنها غطاؤها،‬ ‫وقوله )٣٩٠١(: )فتذكر معايبهم وتكشف عن‬ ‫مستور مخازيهم ومجهول مقابحهم ومساويهم( أي‬ ‫تكشف عنها ما كان يحجبها، وقوله )٠٦٧(: )تند ٌ‬ ‫م‬ ‫على ما ق ّر فيه من النظر والفحص والكشف عن‬ ‫ص‬ ‫عقبى المر(. وقول الخفاجي صاحب س ّ الفصاحة )‬ ‫ر‬ ‫١٣(: )وذلك أليق بالمتكلمين الذين هم أصحاب‬ ‫التحقيق، والكشف عن أسرار المعلومات وغوامض‬ ‫الشياء( أي كشف الغطاء عما ُوي عن فهم الناس.‬ ‫ط‬
  • 21.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫الصل في معنى )كشفه(:‬ ‫أقول إذا اتفق قول صاحب العين )الكشف رفعك عن‬ ‫الشيء ما يواريه ويغطيه( كما حكاه ابن سيده في‬ ‫المخصص )٣١ / ٤٤١(، فقد أردف: )وكشفت‬ ‫المر أكشفه كشف ً: أظهرته(. وحكى ابن سيده عن‬ ‫ا‬ ‫أبي زيد أيض ً )جلوت المر وجّيته وجّيت عنه:‬ ‫ل‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫كشفته وأظهرته، وقد انجلى وتجّى(. وقال ابن‬ ‫ل‬ ‫منظور في اللسان: )وكشف المر يكشفه كشف ً:‬ ‫ا‬ ‫أظهره(.‬ ‫وهذا يعني أن للفعل منحى آخر يتعدى فيه بنفسه إلى‬ ‫)المجهول أو المخفي(، تقول: )كشفت المر إذا‬ ‫جلوته وأظهرته(. فإذا كان )كشفت الغطاء عن‬ ‫المجهول( هو الصل، فكيف تف ُع عليه هذا؟.‬ ‫ر‬ ‫أقول: الصل قولك )كشفت الحجاب عن المجهول(،‬ ‫ولك أن تقول: )كشفت حجاب المجهول(، فإذا عرفت‬ ‫أن )الحجاب( يلزم )المجهول(، واعتذرت بهذا‬
  • 22.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫فاستغنيت عنه بذكر )المجهول( حذفت المضاف فقلت‬ ‫)كشفت المجهول إذا أظهرته. وأكثر ما يكون‬ ‫الستغناء عن )الحجاب( أي المضاف ها هنا، إذا كان‬ ‫الحاجب دون المجهول هو الغموض والخفاء والجهل‬ ‫والضياع، فيكون معنى كشف المجهول هو الهتداء‬ ‫إليه وإظهاره. وحذف المضاف في القرآن والشعر،‬ ‫وفصيح الكلم في عدد الرمل سعة، أستغفر ال وربما‬ ‫ا ا‬ ‫حذفت العرب المضاف بعد المضاف مكررً أنس ً‬ ‫بالحال ودللة على موضوع الكلم، كما قال أبو الفتح‬ ‫)المحتسب ـ ١ / ٨٨١( فعلى هذا القول ابن جني في‬ ‫المحتسب )١ / ٩٣٢(: )وكشفت هذا الموضع يوم ً‬ ‫ا‬ ‫لبعض ما كان له مذهب في المشاغبة(. وقول ُ َيبة‬ ‫جر‬ ‫الفقعسي:‬ ‫من العار أو ُههم‬ ‫ج‬ ‫هم كشفوا عي َة‬ ‫ب‬ ‫كال ُمم‬ ‫ح‬ ‫العائبين‬
  • 23.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫قال المرزوقي في شرح الحماسة )٤٧٧(: )وقولهم‬ ‫هم كشفوا عيبة العائبين... أي أظهروا من عيب من‬ ‫كان يطلب عيبهم، ما كان خافي ً.. فكأنهم كشفوا‬ ‫ا‬ ‫عيابهم المنطوية على عيوبهم فأسو ّت وجوههم بما‬ ‫د‬ ‫غشيها من العار، حتى صارت كال ُمم(.‬ ‫ح‬ ‫والعيبة هنا موطن العيوب ومودعه. وانظر إلى قول‬ ‫أبي الحجناء: )شرح الحماسة / ٣٢٩(‬ ‫ول يكشف الفتيان‬ ‫وج ّب ُ ما‬ ‫رت‬ ‫غير التجارب‬ ‫جربت منه‬ ‫ف ّرني‬ ‫س‬ ‫أي يكشف دخيلتهم.‬ ‫وهذا قول المرزوقي )٠٢٥(: )وهذا المعنى قد‬ ‫ك َف غير ُ( أي أظهره وجله. وقول الخفاجي‬ ‫ه‬ ‫ش‬ ‫صاحب سر الفصاحة )٠٣(: )ويكشف هذا المعنى‬ ‫للمتأمل أن العرب( وقوله )وكشف هذا.. ما أريد(‬
  • 24.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫وقوله )١٧(: )فالعلم بها واضح وكشفهاجلي(. فل‬ ‫بأس بعد هذا بأن تقول: )كشفت كنوزها.. ونظامها‬ ‫البديع( إذا اهتديت إلى هذه الكنوز فأظهرتها، وإلى‬ ‫هذا النظام فجلوته؟ ول وجه لطعن جوا ٍ على قائله‬ ‫د‬ ‫بأن الغطاء هو المكشوف، وأن المستور هو‬ ‫المكشوف عنه. ذلك بأن قول اليمة صريح بأن كشف‬ ‫المر: إظهاره وجلؤه، وإذا ذهبت تخ ّجه على‬ ‫ر‬ ‫الصل قلت: إن الكنوز ها هنا هي المجهول، وأنت‬ ‫تكشف حجاب المجهول، على الصل، وتكشف‬ ‫المجهول أي الكنوز على حذف المضاف كما مر بك.‬ ‫وقد بسط ـ الدكتور جواد رأيه الذي ذكرنا، في كتاب‬ ‫آخر له، هو )قل ول تقل( فمنع قول القائل )كشفت‬ ‫المر الخفي( أول المر. ثم عدل عن التلحين إلى‬ ‫اليثار فقال: )فالفصيح أن يقال الكشف عن المر‬ ‫الخفي( وكان قد بدأ قوله )قل كشفت عن المر‬ ‫الخفي خفاءه، ول تقل: كشفت المر الخفي(. أقول ل‬
  • 25.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫وجه، بل ل مساغ البتة لما ذهب إليه الستاذ، وإل‬ ‫فما معنى قول اليمة بل إطباقهم على أنك )إذا كشفت‬ ‫المر( فقد أظهرته، أو يخرج المر عن أن يكون‬ ‫)أمرً( إذا كان خفي ً؟ وإذا كان ل يصح أن يكون‬ ‫ا‬ ‫ا‬ ‫المكشوف غير غطاء وحجاب أو خفاء أو قناع، كما‬ ‫ذهب إليه جواد، فكيف أطرد عن الفصحاء الثبات‬ ‫قولهم )كشف فلن عورة جاره(؟ فانظر إلى قول‬ ‫الجاحظ في كتابه )حجج النبوة(: )ولو كان كل كشف‬ ‫هتك ً، وكل امتحان تجسسً، لكان القاضي أهتك الناس‬ ‫ا‬ ‫ا‬ ‫لس ٍ وأشد الناس كشفاً لعورة(، وقوله: )ل من‬ ‫ر‬ ‫طريق العتساف، ول من طريق كشف العورة( فليس‬ ‫المكشوف فيه كما رأيت، غطاء، أو ما يشاكله أو‬ ‫يغني ُغناة.‬ ‫م‬ ‫فرق ما بين كشفه وكشف عنه:‬ ‫أقول ل شك أن استعمال )عن( على الصل أدل على‬ ‫أبرز ما قام دون )المجهول( من حجاب حائل، واتفق‬
  • 26.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫من غطاء ساتر، كما هو حال )الكنوز( حين تخفى‬ ‫وتخبأ وتطوى، لذا كان قولك )كشفت عن الكنوز(‬ ‫أليق بالمراد. وهذا ما أوحى به المرزوقي حين قال:‬ ‫)فتذكر معايبهم وتكشف عن مستور مخازيهم‬ ‫ومجهول مقابحهم ومساويهم(، وما أراده إذ قال:‬ ‫)من النظر والفحص والكشف عن عقبى المر( فم ّد‬ ‫ه‬ ‫للكشف بالنظر والفحص وما أفصح عنه بقوله )‬ ‫٦٣١١(: " وما يظهر من معادن الذهب صبيحة‬ ‫مطرة تكشف عن عروق الذهب". بل هذا ما قصده‬ ‫الخفاجي بقوله )وذلك أليق بالمتكلمين أصحاب‬ ‫التحقيق والكشف عن أسرار المعلومات وغوامض‬ ‫الشياء، إذ لو لم يكن هؤلء أصحاب تدبر وتأمل‬ ‫وتحقيق ما ظفروا بالكشف عن هذه السرار‬ ‫والغوامض.‬ ‫خلصة القول في تعدية )كشف(:‬
  • 27.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫والخلصة أنك تقول على الصل كشفت الغطاء عن‬ ‫المستور، فإذا حذفت المفعول لظهوره قلت كشفت عن‬ ‫المستور، ويغلب هذا حين يكون المستور خفي ً. كما‬ ‫ا‬ ‫تقول كشفت غطاء المستور فإذا حذفت المضاف قلت‬ ‫كشفت المستور، ول يشترط في هذا أن يكون‬ ‫المستور خفي ً. ولكن هل تقول كشفت عن الغطاء‬ ‫ا‬ ‫وتريد أنك كشفت عن الغطاء ما واراه، أي انصرفت‬ ‫عنه إلى ما وراءه؟ أقول الصل أن تقول مث ً: كشفت‬ ‫ل‬ ‫المرأة وجهها، فإذا اعتادت أن تخفيه قلت كشفت‬ ‫المرأة عن وجهها وتقول كشفت المرأة قناعها عن‬ ‫وجه مضيء، على الصل، وكشفت عن قناعها وجهاً‬ ‫مضيئاً إذا أظهرت وجهها المضيء، فتكون )عن( هنا‬ ‫)للمجاوزة(، أي كشفت الوجه المضيء منصرفة عن‬ ‫القناع إلى ما واراه أو ما وراءه. وقد جاء في رسائل‬ ‫الجاحظ )رسالته في الشارب والمشروب، ورسالته‬ ‫في بني أمية(:‬
  • 28.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫)كشفت عن القناع(. وفي مقدمة المرزوقي في شرح‬ ‫الحماسة قوله )والكشف عن قناع المعنى بلفظ هو‬ ‫في الختيار أولى / ٦(.‬ ‫القول في تعدية )قسم(‬ ‫أخذ الدكتور مصطفى جواد على الشيخ رؤوف جمال‬ ‫الدين قوله: )الفعل ينقسم إلى قسمين متعدٍ ولزم(،‬ ‫وجعل صوابه )ينقسم على قسمين..( فقال في كتابه‬ ‫)دراسات في فلسفة النحو والصرف..(: )فمن‬ ‫استعمل من النحويين ـ قسم إلى كذا ـ بد ً من ـ قسم‬ ‫ل‬ ‫على كذا ـ فهو محجوج بما ذكره هو نفسه من معاني‬ ‫إلى، وبما استعمله الفصحاء كالجاحظ وغيره(. وقد‬ ‫استظهر الستاذ بعبارة الجاحظ في كتابه )الحيوان(:‬ ‫)وبعض الناس يقسم الجن على قسمين(، وقول ابن‬ ‫حزم الندلسي في نسب النصار )زيد بطن ضخم‬ ‫ينقسم على بطون(، ووقل أبي علي النصاري في‬ ‫بعض كتبه )كنفس ُ ّمت على جسمين(.‬ ‫قس‬
  • 29.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫أقول لم يزد الستاذ فيما قرر وجزم، على أن َرد ما‬ ‫س‬ ‫سرد، ولم يورد على قوله الب ّنه ليكون رأيه هو‬ ‫ي‬ ‫الس ّ وحكمه هو الحجى. بل لم يفصح عما ذكر‬ ‫د‬ ‫النحاة من معاني )إلى(. ولك ما عمد إليه أنه حكى‬ ‫ما اتفق للجاحظ وابن حزم وأبي علي النصاري أن‬ ‫قالوه فأجروا فيه تعدية الفعل بـ )على(. ونحن لو‬ ‫حكينا من كلم اليمة الفحول ما ع ّوا فيه الفعل بـ‬ ‫د‬ ‫)إلى( لما أقنعه سفر بجملته، فما صواب المسألة‬ ‫ووجه الكلم فيما نزع إليه الستاذ؟.‬ ‫تعدية )قسم( وما اشتق منه بع ّة من حروف الجر،‬ ‫د‬ ‫منها على وإلى:‬ ‫قال ابن منظور في اللسان: )القسم مصدر قسم‬ ‫الشيء يقسمه َسم ً فانقسم.. وق ّمه ج ّأه، وهي‬ ‫ز‬ ‫س‬ ‫ق ا‬ ‫القسمة. والقسم بالكسر النصيب والحظ والجمع‬ ‫القسام(.‬
  • 30.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫وقال )والقسام بالتشديد الذي يق ّم الدور والرض‬ ‫س‬ ‫بين الشركاء فيها(، وقال: )والقسامة بالضم الص َقة‬ ‫د‬ ‫لنها تقسم على الضعفاء(.‬ ‫وقال الراغب في مفرداته: )القسم الفراز يقال قسمته‬ ‫كذا قسماً و ِسمة، وقسم ُ الميراث وقسمة الغنيمة‬ ‫ة‬ ‫ق‬ ‫تفريقهما على أربابهما(.‬ ‫والذي يتبين من هذا أنك إذا أردت أن )تقسم( المال‬ ‫مث ً على جماعة فتجعل لكل فرد نصيباً قلت: )قسمت‬ ‫ل‬ ‫المال بين هؤلء( أو )قسمت المال على هؤلء(. أي‬ ‫ف ّقته بينهم. قال الجاحظ في كتابه )حجج النب ّة(:‬ ‫و‬ ‫ر‬ ‫)يجعل فضله مق ّم ً بين جميع الولياء(. وقال في‬ ‫س ا‬ ‫كتابه )التربيع والتدوير(: )أو الدول بينهما مقسومة‬ ‫وعليهما موقوفة(. وقال فيه: )وزعم آخرون أن‬ ‫الخير والشر عليهما مقسومان( وقد تقول )ق ّمته‬ ‫س‬ ‫فيهم(. ففي محاضرات الدباء للراغب )٣ / ٤٩٢(:‬ ‫ط ً م‬ ‫في الناس ُرُ لت ّ‬ ‫ا‬ ‫لو ق ّم ال‬ ‫س‬
  • 31.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫الحسن في‬ ‫جزءً من‬ ‫ا‬ ‫الناس(.‬ ‫محاسنه‬ ‫وقال عروة بن الورد:‬ ‫وأحسو َراح‬ ‫ق‬ ‫أق ّم جسمي في‬ ‫س‬ ‫الماء والماء بارد‬ ‫جسومٍ كثيرة‬ ‫قال ابن السكيت: )قوله: أق ّم جسمي، الجسم ها هنا‬ ‫س‬ ‫طعامه، يقول أقسم ما أريد أن أطعمه في محاويج‬ ‫قومي، ومن يلزمني حقه والضيفان. وأحسو قراح‬ ‫الماء، والماء ال َراح الذي ل يخالطه لبن ول غيره،‬ ‫ق‬ ‫والماء البارد أي في الشتاء / ٢٥(.‬ ‫على أن لك أن تع ّي الفعل بـ )إلى( أيضاً إذا أردت‬ ‫د‬ ‫معناها، كأن تروم بيان الجزاء التي انتهت إليها‬ ‫القسمة. فانظر إلى قول المام أبي حيان في البحر‬ ‫المحيط: )وافتراق الناس إلى ثلث فرق(. ولو أحللت‬ ‫)النقسام( محل )الفتراق( لكان الكلم )وانقسام‬
  • 32.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫الناس إلى ثلثة أقسام(. وتأويله: أنهم قد انتهوا في‬ ‫افتراقهم أو انقسامهم إلى ثلث شعب. و)إلى( ها هنا‬ ‫لنتهاء الغاية، وهو رأس معانيها وملكه، فإذا قلت‬ ‫)قسمت كتابي إلى ثلثة أبواب( أردت أن الكتاب قد‬ ‫انتهى بهذه القسمة أو صار إلى هذه البواب الثلثة،‬ ‫وكله صحيح على تأويله وبابه. وانظر إلى ما قاله‬ ‫ثعلب في تفسير قوله تعالى ‪‬انطلقوا إلى ظ ٍ ذي ثلث‬ ‫ل‬ ‫شعب ـ المرسلت / ‪) : ٣٠‬يقال أن النار يوم القيامة‬ ‫تنفرق ثلث فرق، فكلما ذهبوا أن يخرجوا إلى موضع‬ ‫ردتهم..( على ما جاء في التاج، وقد جاء ذلك في‬ ‫اللسان فزاد في روايته )إلى( أي )تنفرق إلى ثلث‬ ‫فرق(.‬ ‫وإذا قلت )قسمت الكتاب قسمين( أو )شطرين(. كان‬ ‫انتصاب )قسمين( على المصدر. ولك أن تنصبه حا ً‬ ‫ل‬ ‫مقدرً فيه )قسمت الكتاب متفرق ً(. فإذا صح هذا‬ ‫ا‬ ‫ا‬ ‫وأمكن مثل هذا التقدير، قلت: قسمت الكتاب إلى‬
  • 33.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫قسمين( على معنى )قسمته متفرقاً إلى قسمين(.‬ ‫فانظر إلى قول المرزوقي في شرح الحماسة )٦٢٨(‬ ‫حول قول الشاعر )قسمنا بذاك الدهر شطرين بيننا(:‬ ‫)وانتصب شطرين على المصدر كأنه قال قسمنا الدهر‬ ‫قسمين. ويجوز أن يكون حا ً على معنى قسمناه‬ ‫ل‬ ‫مختلف ً فوقع السم موقع الصفة لما تضمن معناه، كما‬ ‫ا‬ ‫تقول طرحت متاعي بعضه فوق بعض كأنك قلت‬ ‫متفرق ً، والمراد جعلنا أوقات الدهر بيننا وبين أعدائنا‬ ‫ا‬ ‫مقسومة قسمين(.‬ ‫وتأمل قول المرزوقي في شرح الحماسة )١٩١١(‬ ‫حول بيت يزيد بن الحكم:‬ ‫م‬ ‫والنا ُ مب َنيانِ محمود البناي ِ أو ذمي ُ‬ ‫ة‬ ‫س ت‬ ‫: )ومعنى البيت أن أفعال عقلء الناس ل تخلو من‬ ‫أن تكون مما ُستحق به حم ٌ أو ذ ٌ، فهم يبنون‬ ‫م‬ ‫د‬ ‫ي‬ ‫مبانيهم ويؤسسون مكاسبهم على أحد هذين الركنين،‬ ‫وذلك لن الفعال تابعة للغراض، وغرض العاقل‬
  • 34.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫إليهما ينقسم(. فتأويل قوله هذا أن غرض العاقل‬ ‫ينتهي في قسمته أو يصير إليهما، أي إلى هذين‬ ‫الركنين. وأردف المرزقي: )فانظر ماذا تجلب على‬ ‫نفسك ما تبتغيه من فعلك وتدخره من كسبك(. وقال‬ ‫على هذا الغرار )٦١٣١(: )وإذا تأملت حوادث‬ ‫الدهر وجدتها ل تنقسم إل إلى قسمته، لنها ل تخلو‬ ‫أن تكون محبوبة أو مكروهة، أو واقعة أو منتظرة،‬ ‫أو مخوفة أو مرجوة(. وهذا قول ابن جني في سر‬ ‫الصناعة )١ / ٩٦(: )وللحروف انقسام آخر إلى‬ ‫الش ّة والرخاوة وما بينهما(، وقوله )١ / ١٧(:‬ ‫د‬ ‫)وللحروف قسمة أخرى إلى الصل والزيادة(. وقوله‬ ‫في الخصائص )٣ / ٧٦(: )وذلك كأن تقسم نحو‬ ‫مروان إلى ما يحتمل حاله من التمثيل له فتقول: ل‬ ‫يخلو من أن يكون َعلن أو مفعال أو فعوال(. ونحو‬ ‫ف‬ ‫ذلك قول صاحب سر الفصاحة )٤٢(: )وللحروف‬ ‫انقسام إلى الصحة والعتلل والزيادة والسكون‬ ‫والحركة وغير ذلك(.‬
  • 35.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫أقول: ومن هنا إطباق العلماء والنحاة والكتاب قديماً‬ ‫على هذه التعدية. فقد جاء في مقدمة كتاب كليلة‬ ‫ودمنة )وينبغي للناظر في هذا الكتاب أن يعلم أنه‬ ‫ينقسم إلى أربعة أغراض: أحدها ما قصد فيه إلى‬ ‫وضعه على ألسنة البهائم..( قال هذا لن الكتاب في‬ ‫الصل جملة مسائل ُبحث وأغراض ُشرح وقال‬ ‫ت‬ ‫ت‬ ‫الجاحظ في بعض رسائله )الخاصة: )وقد تنقسم‬ ‫المودة إلى ثلث منازل: منها ما يكون عن اهتزاز‬ ‫الريحية وطبع الحرية..(، وقال صاحب الكليات أبو‬ ‫البقاء )١١٤(: )لسان العرب ينقسم إلى ما ل‬ ‫يقاس... وإلى ما يطرد فيه القياس، وأن ما يجري‬ ‫فيه قياس مقرون بالسماع(.‬ ‫الصل في تعدية )قسم( بعلى:‬ ‫والصل في استعمال )على( مع الفعل ها هنا، أن‬ ‫يكون )المقسوم( غير )المقسوم( عليه كما في قولك‬ ‫)قسمت الغنيمة على أربابها( أو )قسمت الصدقة‬
  • 36.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫على الضعفاء(. فالغنيمة غير الرباب والصدقة غير‬ ‫الضغفاء. ومن ذلك قول المرزوقي في مقدمة شرح‬ ‫الحماسة )وكان اللفظ مقسوم ً على رتب المعاني، قد‬ ‫ا‬ ‫ُعل الخ ّ للخص، والخ ّ للخس(.‬ ‫س‬ ‫ص‬ ‫ج‬ ‫والصل في أعمال )إلى( إن يكون )المقسوم إليه(‬ ‫هو )المقسوم( نفسه، كما في قولك )انقسم الناس‬ ‫إلى ثلثة أصناف(، أي انتهوا في القسمة أو آلوا إلى‬ ‫هذه الصناف. ولكن يصح أن تح ّ )على( محل‬ ‫ل‬ ‫)إلى( فتقول )قسمت كتابي على ثلثة أبواب( أي‬ ‫فرقت ما فيه وج ّأته ثلثة أجزاء فجعلت كل جزء من‬ ‫ز‬ ‫الجزاء في باب من البواب وخصصته به، كأن الباب‬ ‫غير الكتاب. ول يص ّ أن تحل )إلى( محل )على(‬ ‫ح‬ ‫في مثل قولك )قسمت الميراث على الورثة( لن‬ ‫فحواه أنك قسمت الميراث أنص َة كعدد الوارثين‬ ‫ب‬ ‫وجعلت لكل نصيبه، ول يمكن أن تؤدي )إلى( هذا‬ ‫المؤدى لنها لمجرد الشارة إلى ما آلت إليه القسمة‬
  • 37.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫من أجزاء، فاستعمال )على( هو المراد من قسمة‬ ‫الميراث دون )إلى( وهو ألصق بالمعنى وأوفى‬ ‫بالغرض.‬ ‫وهكذا ما م ّ بك من قول الجاحظ )كنفس ُسمت على‬ ‫ق‬ ‫ر‬ ‫جسمين( فإن معناه )كنفس ُطرت بين جسمين(‬ ‫ش‬ ‫فكان لكل جسم من هذه النفس شطر ونصيب. وهذا‬ ‫موضع )على( ل موضع )إلى(، ولو قلت: )كنفس‬ ‫ق ّمت إلى قسمين( لم يستقم المعنى الذي أردت.‬ ‫س‬ ‫متى تصح تعدية )قسم( بإلى، ومتى تصح بعلى:‬ ‫كلما صح قولك )قسمت الشيء قسمين أو ثلثة(‬ ‫وهو أصل التعبير، على ح ّ ما جاء في الحديث‬ ‫د‬ ‫)ستفترق أمتي ثلث ً وسبعين فرقة(، جاز قولك‬ ‫ا‬ ‫)قسمته إلى قسمين أو ثلثة( أو )قسمته على‬ ‫قسمين أو ثلثة(. وكلما ساغ أن تقول )قسمت‬ ‫الشيء بينهما، أو بين هذه الشياء أو بين هؤلء(‬ ‫كقول علي عليه السلم في نهج البلغة )٢ / ٥٨١(‬
  • 38.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫)فقسم بينهم معايشهم( وهو أصل التعبير عن هذا‬ ‫المعنى، استقام قولك )قسمت الشيء عليهما أو على‬ ‫هذه الشياء أو على هؤلء( ولم ُغ ِ قولك )قسمت‬ ‫ين‬ ‫الشيء إليهما أو إليها أو إليهم(.‬ ‫شواهد تبرز الغرض من تعدية الفعال بإلى، كما ع ّي‬ ‫د‬ ‫)قسم(:‬ ‫من أمثلة ما ُ ّي بـ )إلى( لنتهاء الغاية، كما ع ّي‬ ‫ُد‬ ‫عد‬ ‫)قسم(، أي لنتهاء فاعل الفعل أو ما ينوب منابه إلى‬ ‫غاية، تعدية )س ّل وأبدل وقلب وتقّب وانقلب‬ ‫ل‬ ‫ه‬ ‫وانفصل..(. تقول )س ّل الشيء إلى كذا( أي سهله‬ ‫ه‬ ‫فانتهى بالتسهيل إليه، و)أبدله إلى كذا( أي أبدله‬ ‫فانتهى بالبدال إليه، كما كان )قسمه إلى كذا( بمعنى‬ ‫)قسمه فانتهى بالقسمة إلى كذا..(.‬ ‫قال صاحب المصباح في مقدمته )وإن وقعت الهمزة‬ ‫عيناً وانكسر ما قبلها جعلت مكان الياء لنها ـ تس ّل‬ ‫ه‬ ‫إليها ـ نحو البئر والذئب(.‬
  • 39.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫وقال ابن جني )٢ / ٩(: )وأبدل إلى الهمز حرف ً‬ ‫ا‬ ‫لح ّ في الهمز له، بض ّ ما يجب لنه لو التقت‬ ‫د‬ ‫ظ‬ ‫همزتان عن وجوب صنعة للزم تغيير إحداهما(،‬ ‫وأردف )فكيف يقلب إلى الهمز قلباً ساذج ً عن غير‬ ‫ا‬ ‫صنعة ما لحظ له من الهمز(.‬ ‫وقال ابن جني في سر صناعة العراب )٣ / ١٣٢(:‬ ‫)قد قدمنا في كتابنا الخصائص صدراً صالحاً من ـ‬ ‫تقلب الصل الواحد والمادة إلى صور مختلفة يخط ُها‬ ‫م‬ ‫ـ يريد ينتظمها ويقودها ـ كلها معنى واحد، ووسمناه‬ ‫بباب الشتقاق الكبر(.‬ ‫وجاء في نهج البلغة )٢ / ٨٥( وليكن من أبناء‬ ‫الخرة فإنه منها َ ِم، واليها ينقلب(. ول ننسَ أن‬ ‫قد‬ ‫)انقلب( قد ُ ّي بإلى غير مرة، في أي الذكر‬ ‫عد‬ ‫الحكيم، حين جاء بمعنى )رجع(.‬ ‫وجاء في محاضرات الدباء للراغب )٣ / ١١٢(:‬ ‫)وكتب الصابئ عن عز الدولة إلى أبي تغلب، وقد‬
  • 40.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫نقل ابنته إليه: قد وجهت الوديعة، وإنما نقلت من‬ ‫وطن إلى سكن، ومن مغرس إلى مغرس. وهي مني‬ ‫انفصلت إليك وثمرة من جني قلبي حصلت لديك(.‬ ‫وهو جل ّ ب ّن.‬ ‫ي ي‬ ‫القول في معنى )تع ّض له(‬ ‫ر‬ ‫مذهب جواد في استعمال )تع ّض له( وحجته:‬ ‫ر‬ ‫قطع الدكتور مصطفى جواد في كتابه )قل ول تقل(‬ ‫أن قولك )تع ّض له( ين ّ على رغبة الفاعل في‬ ‫م‬ ‫ر‬ ‫الفعل، والمفعول إن وجد، فيمتنع على هذا أن تقول‬ ‫)تع ّض فلن للتعذيب( أو نحو ذلك، إذ ل يستقيم أن‬ ‫ر‬ ‫يكون المتع ّض راغباً في )التعذيب( أو ما يشاكله‬ ‫ر‬ ‫من معاناة ومقاساة، وأن صواب التعبير أن تقول‬ ‫) ُ ّض للتعذيب(.‬ ‫عر‬ ‫قال الستاذ جواد: )وإن من الغلط ما ارتكبه أدباء‬ ‫كبراء كالدكتور طه حسين وعباس محمود العقاد‬
  • 41.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫وتابعهما عليه مقلدوهما غير عالمين بها لنهما‬ ‫قدوتهم وموضع ثقتهم. فالفعل الشائع اليوم في أقوال‬ ‫الك ّاب: تع ّض، والخطأ في استعماله إنما ظهر في‬ ‫ر‬ ‫ت‬ ‫كتاب اليام، ففي الصفحة.. منه قول الكاتب وكان‬ ‫ذكاؤه واضحاً وإتقانه للغة ب ّن ً. وحسن تصرفه فيه ل‬ ‫يا‬ ‫يتعرض للشك.. وفي الصفحة.. قوله: وكان الزهر‬ ‫قد تعرض للوان مختلفة من النظام(.‬ ‫وقد استشهد بما جاء في المقاييس لحمد بن فارس:‬ ‫)تعرض لي بما أكره..( والصحاح ومختاره:‬ ‫)وتع ّض لفلن: تص ّى له..( والمصباح: )وتع ّض‬ ‫ر‬ ‫د‬ ‫ر‬ ‫للمعروف وتع ّضه يتع ّى بنفسه وبالحرف إذا تص ّى‬ ‫د‬ ‫د‬ ‫ر‬ ‫لذكره(، واللسان: )انطلق فلن يتع ّض بج َله‬ ‫َم‬ ‫ر‬ ‫للسوق إذا عرضه على البيع.. والعرب تقول: عرض‬ ‫لي الشيء وأعرض وتعرض واعترض بمعنى واحد(.‬ ‫القول فيما أتى به جواد من نصوص وشواهد:‬
  • 42.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫أقول ليس فيما بسط الستاذ جواد من النصوص‬ ‫والشواهد ما يوجب أن يكون )المتع ّض( راغب ً فيما‬ ‫ا‬ ‫ر‬ ‫تع ّض له، لكنه يكون طالباً له مبتغياً إياه، وقد يطلب‬ ‫ر‬ ‫المرء شيئاً ول يرغب فيه. وإذا كان )تعرض له‬ ‫كتص ّى( فالطلب والبتغاء شرط في التع ّض. ومن‬ ‫ر‬ ‫د‬ ‫هذا قولك )تعرضت لمعروفه( إذا طلبته. ولكنه قيل‬ ‫أيضاً )تع ّض فلن للتلف( و)تع ّض للخزي(‬ ‫ر‬ ‫ر‬ ‫و)تعرض للهلك( كما ثبت اطراده عن الفصحاء فما‬ ‫وجهه؟.‬ ‫أقول: )تعرض( كما قال ابن منظور كـ ) َ َ َ‬ ‫عرض‬ ‫واعترض(. فالصل أ ّ تتعرض للتلف أو تعرض له‬ ‫ل‬ ‫أو تعترضه، وإنما الوجه أن يتع ّض لك فيبتغيك، أو‬ ‫ر‬ ‫يعرض لك أو يعترضك. فإذا قلت )تعرض للمكروه(‬ ‫أو )للتعذيب( فهو كما يبدو، على القلب، ل على‬ ‫الصل، لنه بمعنى تع ّض لك المكروه أو التعذيب‬ ‫ر‬ ‫مجازً، فأصبحت له ُرضة وغرض ً. وقد اتفق بهذا‬ ‫ا‬ ‫ع‬ ‫ا‬
  • 43.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫أن يكون المتعرض مبتغياً في اللفظ، وهو المتبغى‬ ‫والهدف في المعنى، وأن يكون )تعرض له( كـ‬ ‫) ُ ّض له(. وحين بدا للستاذ جواد هذا ود ّ عليه‬ ‫ل‬ ‫عر‬ ‫نص صريح نكر النص وعاف الدليل، وقال )وقد‬ ‫تركت نصاً واحداً ورد في الصحاح ومختاره يخالف‬ ‫واقع اللغة، وإني ذاكره بعد إيراد شواهد واقع اللغة،‬ ‫أي استعمال تعرض في كتب الدب وكتب التاريخ(.‬ ‫أما نص الصحاح ومختاره فهو )وعرضت فلن ً لكذا‬ ‫ا‬ ‫فتع ّض هو له( أي غدا هدف ً له.‬ ‫ا‬ ‫ر‬ ‫وثمة نص آخر أتى به الستاذ جواد، على أنه حجة‬ ‫له، وهو حجة عليه. قال ابن منظور: )والعرب تقول‬ ‫عرض لي الشيء وأعرض وتع ّض واعترض بمعنى‬ ‫ر‬ ‫واحد(.‬ ‫فإذا كان )تع ّض له( كـ )أعرض له(، فما الذي‬ ‫ر‬ ‫يعنيه قولك، على المجاز، )أعرض فلن للمكروه(؟‬ ‫إنه يعني أنه أبدى )عرضه( بالضم للمكروه فأمكنه‬
  • 44.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫منه، كأعور الشيء إذا أبدى عورته. فالمعرض أو‬ ‫المعور هو الذي أمكن آخر من ُرضه بالضم أو‬ ‫ع‬ ‫عورته فغدا له هدفاً وغرض ً. ففي الساس: )أعرض‬ ‫ا‬ ‫لك الصيد فأرمه، وهو ُعرض لك( وفيه )وقد أعور‬ ‫م‬ ‫لك الصي ُ وأعورك: أمكنك( فغدا هدفاً لك. هذا إذا‬ ‫د‬ ‫كان الشيء هو المعرض أو المعور، فإذا كان المرء‬ ‫كما مثلنا هو المعرض أو المعور غدا هو الغرض‬ ‫والهدف. فقولك و أعرض فلن للمكروه( معناه أمكن‬ ‫المكروه من نفسه وكذا المتعرض فقولك )تعرض‬ ‫فلن للتلف( مث ً مؤداه أنه أمكن التلف من نفسه‬ ‫ل‬ ‫فغدا غرض ً له. وهذا ما عناه الك ّاب حين جرت‬ ‫ت‬ ‫ا‬ ‫أقلمهم به، ونطقت ألسنة اليمة على منهاجه وطبعت‬ ‫على غراره.‬ ‫أمثلة من كلم الفصحاء تشهد بصحة ما أنكره جواد:‬ ‫وهذه طائفة من أقوال أصحاب البيان وفصحاء القوم‬ ‫تشهد بأن ما ذكره الستاذ جواد، على أنه مخالف‬
  • 45.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫لواقع اللغة، إنما هو من طرائق اللغة وأساليب، بل‬ ‫تقيم الدليل على سداد ما ذهبنا إليه وتنسخ عنه كل‬ ‫شك. فقد جاء في نهج البلغة )٢ / ١٥١(: )فكم‬ ‫خصكم بنعمة، وتدارككم برحمة. أعورتم له فستركم،‬ ‫وتعرضتم لخذه فأمهلكم(. قال الشارح: )أعورتم له‬ ‫أي ظهرت عوراتكم وعيوبكم، وتع ّضتم لخذه أي‬ ‫ر‬ ‫يأخذكم بالعقاب(. ففحواه إذً: أبديتم عوراتكم فستركم‬ ‫ا‬ ‫وع ّضتم أنفسكم لعقابه فأمهلكم(.‬ ‫ر‬ ‫وفي كليلة ودمنة: )فإذا اجتمع عليه هذان الص ّفان‬ ‫ن‬ ‫فقد تع ّض للهلك ـ باب السد وابن آوى( وفيه‬ ‫ر‬ ‫)والرجل الرمد العين إذا استقبل بها الريح، تع ّض‬ ‫ر‬ ‫لن تزداد رمدً ـ باب الملك والطائر( وقال أبو حيان‬ ‫ا‬ ‫التوحيدي في كتابه )أخلق الوزيرين(: )وال،‬ ‫للخروج من الطارف والتليد أسهل من التع ّض لهذا‬ ‫ر‬ ‫القول والصبر عليه وقلة الكتراث به / ٠٩( قال‬ ‫هذا، في اليزيدي هجاه شاع ٌ هجاء م ّا.‬ ‫ر‬ ‫ر‬
  • 46.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫وقال المرزوقي في شرح الحماسة )٩٨٧(: )حتى‬ ‫كان يترك السفر واكتساب الحدوثة بما ُمتهن فيه،‬ ‫ي‬ ‫ويتعرض من أجله للتلف(. قال فيه )٨٣٧(: )أما‬ ‫تخافون أن يحق عليكم العذاب إذا استهنتم بالوعيد..‬ ‫وتعرضتم لسخط ال عز وجل، في تجاوز مأموره(.‬ ‫وقال )٠٨(: )وأما قت ٌ، وهو بالح ّ أجدر من‬ ‫ر‬ ‫ل‬ ‫التعرض لما ُخزيه و ُكسبه الذل(. وقال ) ٦١٨(:‬ ‫ي‬ ‫ي‬ ‫)وابتذاله النفس وتعرضه للحتف(، والحتف: الهلك.‬ ‫وقال ابن جني في الخصائص )٠٧٤(: )وإنما وجب‬ ‫أن ير ّب هذا العمل هذا الترتيب من قبل أنك ل ّا‬ ‫م‬ ‫ت‬ ‫كرهت الواو هنا لما تتعرض له من الكسرة والياء(،‬ ‫وقال في المحتسب )١ / ٩٧١(: )والفضلة متع ّضة‬ ‫ر‬ ‫للحذف والبذلة(. وقال فيه )١ / ٣٤٢(: )إن ال َعلة‬ ‫ف‬ ‫واحدة من جنسها، والواحد ُع ّض للتثنية والجمع(،‬ ‫مر‬ ‫أفرأيت كيف جعل )متعرضة( من تع ّض له. كـ‬ ‫ر‬
  • 47.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫)مع ّضة( من ُ ّض له، فأنزلهما في المعنى منزلة‬ ‫عر‬ ‫ر‬ ‫واحدة.‬ ‫خلصة القول في معنى )تع ّض له(:‬ ‫ر‬ ‫فاستبان بما تقدم أن )تعرض له( كـ ) ُ ّض له( أو‬ ‫عر‬ ‫)أعرض له(، من قولك ع ّضته لكذا فتعرض له،‬ ‫ر‬ ‫فيكون )تع ّض( هذا من قبيل )تفعل( الذي يدل على‬ ‫ر‬ ‫المطاوعة نحو ح ّرته فتحذر ون ّهته فت ّن ّه وع ّيته‬ ‫ز‬ ‫بب‬ ‫ب‬ ‫ذ‬ ‫فتع ّى، وقد أنكره الستاذ جواد بل ب ّنه وأباه بل‬ ‫ي‬ ‫ز‬ ‫سلطان. ويأتي )تع ّض له( بهذا المعنى كلما ابتغاك‬ ‫ر‬ ‫الشيء فجعلك غرض ً له، نحو قولك )تركت السفر‬ ‫ا‬ ‫الطويل مخافة التعرض للمرض(. أما إذا ابتغيت‬ ‫الشيء وعزمت على طلبه كان )تع ّض له( كـ‬ ‫ر‬ ‫)تص ّى له(. ويكون )تعرض( هذا من قبيل )تف ّل(‬ ‫ع‬ ‫د‬ ‫الذي يدل على تكلف الفاعل بإصرار كتتبع وتق ّي‬ ‫ص‬ ‫وتح ّى، وذلك كقولك )ينبغي للمرء أن يتعرض‬ ‫ر‬ ‫لسباب المرض فيعالجها ويحاول أن ي ّقيها(.‬ ‫ت‬
  • 48.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫وليست المفارقة أن تأتي صيغة )تف ّل( للتكلف حين ً‬ ‫ا‬ ‫ع‬ ‫والمطاوعة حيناً آخر، ولكن المفارقة أن يجتمع لفعل‬ ‫واحد بهذه الصيغة وهو )تع ّض(، التكلف‬ ‫ر‬ ‫والمطاوعة جميع ً. والذي عندي أن الصل فيه التكلف‬ ‫ا‬ ‫وهو المعنى الغالب لتفعل. أما المطاوعة فقد كانت‬ ‫فرع ً عليه. فالصل أل تتعرض للتلف إذا عنيت به‬ ‫ا‬ ‫أنك أبديت ُرضك له وأمكنته منه، وإنما الوجه أن‬ ‫ع‬ ‫يتعرض لك أن يبتغيك ويعرض لك ويعترضك،، فإذا‬ ‫قلت )تعرضت للتلف( وأردت المعنى الول فهو على‬ ‫القلب ل على الصل. وشبيه بهذا ما مثل به المب ّد‬ ‫ر‬ ‫للقلب من كلم العرب في كتابه )الكامل( وهو قولهم‬ ‫)المرأة تنوء بها عجيزتها( أي تثقلها، وقولهم‬ ‫)وهي تنوء بعجيزتها( أي تنهض بها مثقلة.‬ ‫على أنه إذا كان الصل أ ّ يبتغي المرء ما يتفق منه‬ ‫ل‬ ‫معاناة أو نصب أو يتعرض فيتص ّى لما يجلب عليه‬ ‫د‬ ‫العناء والشقاء، فقد يطلب المرء المشقة نفسها، بل‬
  • 49.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫يركب أكتاف الشدائد ليحقق بذلك غاية ويبل ِ ُنية.‬ ‫غم‬ ‫فانظر إلى قول الجاحظ في كتاب الحيوان حول ما‬ ‫قاسى من نصب وعانى من صعد ولقي من بر ٍ في‬ ‫ح‬ ‫تأليف كتابه واستتمام فصوله، )لني كنت ل أفرغ فيه‬ ‫إلى تلفظ الشعار وتتبع المثال واستخراج الي من‬ ‫القرآن، والحجج من الرواية، مع تف ّق هذه المور‬ ‫ر‬ ‫في الكتب، وتباعد ما بين الشكال. فإن وجدت فيه‬ ‫خلل من اضطراب لفظ ومن سوء تأليف.. فل تنكر‬ ‫بعد أن صورت عندك حالي التي ابتدأت عليها كتابي،‬ ‫ولول ما أرجو من عون ال على إتمامه.. لما‬ ‫تعرضت لهذا المكروه(. فليس التعرض ها هنا على‬ ‫معنى إبداء ُرضه للمكروه وتعريض صفحته له‬ ‫ع‬ ‫لتل ّي أثره واحتمال بوائقه، وإنما هو على معنى‬ ‫ق‬ ‫التصدي والبتغاء.‬ ‫وعندي أن من هذا القبيل قول زاهر التيمي:‬ ‫للموت غير ُع ّد‬ ‫مر‬ ‫ش ب‬ ‫ومح ّ حر ٍ‬
  • 50.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫ح ّاد‬ ‫ي‬ ‫ُق ِم متع ّض‬ ‫ر‬ ‫مد‬ ‫خوف الردى‬ ‫كالليث ل َثنيه‬ ‫ي‬ ‫وقعاقع اليعاد‬ ‫عن إقدامه‬ ‫ة‬ ‫خوف المنية نجد ُ‬ ‫م ِلْ بمهجته إذا‬ ‫ذ‬ ‫النجاد‬ ‫ما ك ّبت‬ ‫ذ‬ ‫قال المرزوقي )٣٨٦(: )يريد أنه يقدم ول ُحجم...‬ ‫ي‬ ‫هو في بأسه وإقدامه مثل الليث ل يصرفه عن الوجه‬ ‫الذي يؤمه، والمر الذي ُهمه ما يستشعره الجبان‬ ‫ي‬ ‫من خوف الموت وقعقعة الوعيد(، وأردف )وقوله:‬ ‫َذل بمهجته، كأنه يطول تع ّضه للشدائد ويدوم‬ ‫ر‬ ‫م‬ ‫ابتذاله لما يجب صونه من كرائم النفس، فعل من‬ ‫ضجر بمهجته فاستقتل واستطاب الموت فتعجل.‬ ‫ويقال َ ِل بس ّه: إذا باح به(.‬ ‫ر‬ ‫مذ‬ ‫القول في تعدية )تعرض( هل يكون بـ )إلى( كما كان‬ ‫باللم؟‬
  • 51.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫جاء في كتاب )تذكرة الكاتب( للستاذ أسعد خليل‬ ‫داغر، رحمه ال: )ويع ّون الفعل تعرض بإلى‬ ‫د‬ ‫فيقولون ـ لم يفكروا أن يتعرضوا إلى أحد ـ وهو بهذا‬ ‫المعنى إنما يتعدى باللم تقول- تعرض له وطلبه(.‬ ‫فأنكر بذلك تعدية )تع ّض( بإلى، وليس هذا صحيح ً.‬ ‫ا‬ ‫ر‬ ‫فإذا قلت )تع ّض إلى فلن( فقد قصدت أن تع ّضك‬ ‫ر‬ ‫ر‬ ‫إنما تناول فلن ً بطلبه وابتغائه. وإذا قلت )تع ّض‬ ‫ر‬ ‫ا‬ ‫لفلن( فقد أردت أن تعرضك بالطلب والبتغاء إنما‬ ‫انتهى وصار إليه. فقد جاء في كتاب لطائف اللطف‬ ‫لبي منصور النيسابوري الثعالبي المتوفى )٩٢٤‬ ‫هـ(: )معن بن زائدة تعرض إليه رجل فقال: احملني‬ ‫أيها المير، فقال: أعطوه جم ً وفرساً وبغ ً وحمارً‬ ‫ا‬ ‫ل‬ ‫ل‬ ‫وجارية، وقال: لو علمت أن ال تعالى خلق مركوباً‬ ‫سوى ما ذكرناه لمرنا لك به(. فقال )تعرض إليه‬ ‫رجل( وع ّى الفعل بإلى خلف ً لما ذهب إليه الستاذ‬ ‫ا‬ ‫د‬ ‫داغر. ونحو من ذلك ما جاء في النهاية لبن الثير:‬ ‫)وفي حديث الوليد بن يزيد عبد الملك: أفقر بعد‬
  • 52.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫مسلمة الصيد لمن رمى أي أمكن الصيد من فقاره‬ ‫لراميه. أراد أن عمه مسلمة كان كثير الغزو يحمي‬ ‫بيضة السلم ويتولى سداد الثغور، فلما مات اختل‬ ‫ذلك وأمكن السلم لمن يتعرض إليه، فقال: أفقرك‬ ‫الصيد، فارمه أي أمكنك من نفسه ـ مادة فقر(.‬ ‫القول في تعدية )أجاب(‬ ‫ومما نحن على سمته تعدية )أجاب( ومصدره‬ ‫)الجابة( واسم مصدره )الجواب(. ففي شرح مجمع‬ ‫المثال )يقال أجاب إجابة وجابة وجواب ً وجيبة(.‬ ‫ا‬ ‫وتعدية الفعل في الصل تكون بـ )عن(، فاستعمال‬ ‫الفعل بـ )على( دون )عن( لحن إذا أريد بـ )على(‬ ‫ما ُراد بـ )عن( من الجابة عن السؤال أو ما يقوم‬ ‫ي‬ ‫مقامه. لكن تص ّف الفعل ب، )عن( ل يمنع تعديته‬ ‫ر‬ ‫بغيره من الحروف الجا ّة التي ُ ّت معانيها الم ّردة‬ ‫ط‬ ‫حد‬ ‫ر‬ ‫في المهات، إذا اتسعت لها معاني الفعل. فأنت تقول‬ ‫مث ً )أجبت في الكتاب( على الظرفية، و)بالكتاب(‬ ‫ل‬
  • 53.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫على الستعانة والظرفية أيض ً، و)أجبت عنه( على‬ ‫ا‬ ‫البدلية، و)على ورقة بيضاء( على الستعلء الح ّي،‬ ‫س‬ ‫و)أجبت لمر مهم( على التعليل، و)أجبت عن‬ ‫السئلة من أولها إلى آخرها( على ابتداء الغاية‬ ‫وانتهائها.‬ ‫وإذا أردت بالفعل أو مصدره أن يترتب على أمر من‬ ‫المور أو ُبنى عليه فعدولك بالتعدية إلى )على(‬ ‫ي‬ ‫سائغ مستقيم، كقولك )وإنما أجبتكم عن أسئلتكم،‬ ‫على ما جاء في كتابكم( أو )إنما جوابي عن أسئلتكم،‬ ‫على ما جاء في كتابكم(. وتحذف إن شئت )عن‬ ‫أسئلتكم( لظهور الغرض، استغناء بما في الكتاب من‬ ‫ترتب الجواب الذي يقتضي )على( إذا أردت أن‬ ‫ينصرف الذهن إلى هذا فتقول: وإنما أجبتكم، على ما‬ ‫جاء في كتابكم،( و)إنما جوابي، على ما جاء فيه(‬ ‫فيكون كلمك صحيح ً، إذا انتويت فيه هذه الجهة.‬ ‫ا‬
  • 54.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫فانظر إلى ما جاء في أمالي المرتضى )١ / ٠٩٤(:‬ ‫)فإن قيل كيف يجوز أن يقول: السجن أحب إلي مما‬ ‫يدعونني إليه يوسف / ٣٣، وهو ل يحب ما دعونه‬ ‫جملة... قلنا قد تستعمل هذه اللفظة في مثل هذا‬ ‫الموضع، وإن لم يكن في معناها اشتراك، على‬ ‫الحقيقة. وإنما يسوغ ذلك على أحد الوجهين دون‬ ‫الخر، من حيث كان المخ ّر بين الشيئين ل يخ ّر‬ ‫ي‬ ‫ي‬ ‫بينهما إل وهما مرادان أو مما يصح أن يريدهما...‬ ‫والمجيب على هذا، متى قال كذا أح ّ إل ّ من كذا،‬ ‫ب ي‬ ‫كان مجيب ً على ما يقتضيه موضوع التخيير، وإن لم‬ ‫ا‬ ‫يكن المران يشتركان في تناول محبته(. فتقدير قوله‬ ‫)والمجيب على هذا متى قال...( والمجيب بناء على‬ ‫هذا متى قال، وقوله )كان مجيب ً على ما يقتضيه..(‬ ‫ا‬ ‫كان مجيب ً جواب ً مترتب ً على ما يقتضيه..‬ ‫ا‬ ‫ا‬ ‫ا‬
  • 55.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫وقد جاء في الشباه والنظائر )٣ / ٧٥٢(: )فتقول‬ ‫الجواب عليه من وجهين( أي الجواب المترتب عليه،‬ ‫إنما يكون من وجهين.‬ ‫وجاء في الخصائص لبن جني )٢ / ٦٦٢(: )ومن‬ ‫ذلك قولك في جواب من قال لك: الحسن أو الحسين‬ ‫أفضل، أم ابن الحنفية؟ الحسن، أو قولك الحسين،‬ ‫وهذا تطوع من المجيب بما ل يلزم.. ذلك أن جوابه‬ ‫على ظاهر سؤاله، أن يقول له: أحدهما. أل ترى أنه‬ ‫لما قال له: الحسن أو الحسين أفضل أم ابن الحنفية،‬ ‫فكأنه قال أحدهما أفضل أم ابن الحنفية؟ فجوابه، على‬ ‫ظاهر سؤاله، أن يقول أحدهما(. فما تعليل قوله‬ ‫)جوابه على ظاهر سؤاله( أقول أنه على تقدير.‬ ‫جوابه المبني على ظاهر سؤاله. وقد أردف ابن جني:‬ ‫)ونظير قوله في الجواب على اللفظ..( أي في‬ ‫الجواب المحمول على اللفظ، و)على( في كل ذلك‬ ‫للستعلء مجازً.‬ ‫ا‬
  • 56.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫تعدية )أجاب( بعن وعلى ومعناه مع كل منهما:‬ ‫ومن هنا كان الطعن على تعدية )أجاب( بغير )عن(‬ ‫دون تدبر معناه وما هو عليه من تقدير الكلم،‬ ‫مجازفة في القول، وحكم ل تناط به ثقة ول ُخلد إليه‬ ‫ي‬ ‫بيقين.‬ ‫ونحو من ذلك قول الدكتور مصطفى جواد في كتابه )‬ ‫وهذا جواب على الكتاب. وذلك لن المسموع عن‬ ‫العرب، والمذكور في كتب العربية: أجاب عن السؤال،‬ ‫ل أجاب عليه، ولن معنى الفعل، أجاب، يستوجب‬ ‫استعمال ـ أجاب، يستوجب استعمال ـ عن ـ لفادة‬ ‫الزاحة والكشف والبانة والقطع والخرق، ول يصلح‬ ‫معه استعمال ـ على ـ التي هي للظرفية الستعلئية.‬ ‫قال ابن مكرم النصاري: الجابة رجع للكلم، تقول‬ ‫فيه: أجابه عن سؤاله، وقد أجاب إجابة وإجاب ً‬ ‫ا‬ ‫وجواباً وجابة(.‬
  • 57.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫كما كان إطلق القول في جواز استعمال )أجاب على(‬ ‫محل )أجاب عن( غير صحيح، وعلى نحو من هذا ما‬ ‫جاء به الستاذ صبحي الب ّام فيما استدركه على‬ ‫ص‬ ‫كتاب )قل ول تقل(، قال: )قلت يجوز أن تقول أجاب‬ ‫عن السؤال، وهو أصل، وأن تقول: أجاب على‬ ‫السؤال، وفي السؤال، وكلهما فرع. وأنا باسط الكلم‬ ‫على ذلك ها هنا بعض البسط(، ثم أتى بشواهد من‬ ‫كلم البلغاء، فيها تعدية )أجاب( بعن، وشواهد أخرى‬ ‫فيها تعديته بعلى، وذهب إلى أن )على( قد حّت فيها‬ ‫ل‬ ‫مح ّ )عن( وأدت معناها، كما حّت )على( محل‬ ‫ل‬ ‫ل‬ ‫)عن( في قولك )رضي عليه( و)رمى على القوس(‬ ‫و)ذهب عل ّ( مما اعتاد النحاة أن يذكروه في المثلة‬ ‫ي‬ ‫التي أ ّت فيها )على( مؤدى )عن(.‬ ‫د‬ ‫أقول المعنى المطرد لعلى هو الستعلء ح ّ ً نحو‬ ‫سا‬ ‫قوله تعالى ‪‬وعليها وعلى الفلك تحملون ـ المؤمنون /‬ ‫‪ ٢٢‬أو معنى نحو قوله تعالى ‪‬ف ّلنا بعضهم على‬ ‫ض‬
  • 58.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫بعض ـ البقرة / ‪ .٢٥٣‬أما ما ذكره النحاة من‬ ‫المواضع التي فيها )على( محل )عن( فينبغي أن‬ ‫تقصر على المثلة المحكية وما شابهها، ولو جاز‬ ‫استعمال )على( لكل المعاني المذكورة، في كل‬ ‫موضع، لصح قولك )نبت على فلن(. بمعنى قولك‬ ‫ُب ُ عنه(، وهذا محال. في كل موضع، لصح قولك‬ ‫نت‬ ‫)نبت على فلن(. بمعنى قولك ُب ُ عنه(، وهذا‬ ‫نت‬ ‫محال. فانظر إلى ما جاء في المغني لبن هشام )على‬ ‫أن البصريين ومن تابعهم يرون في الماكن التي‬ ‫ا ّعيت فيها النيابة أن الحرف باق على معناه، وأن‬ ‫د‬ ‫العامل ُ ّن معنى عامل يتع ّى بذلك الحرف لن‬ ‫د‬ ‫ضم‬ ‫التجوز في الفعل أسهل منه في الحرف ـ ٢ / ٣٧١(‬ ‫وفي )الهمع( للمام السيوطي )والبصريون قالوا لو‬ ‫كان لعلى هذه المعاني لوقعت موقع هذه الحروف‬ ‫فكنت تقول ُل ّت عليه أنه عنه. وكتبت على القلم أي‬ ‫وي‬ ‫به، وجاء زيد على عمرو أي معه، والدرهم على‬ ‫الصندوق أي فيه، وأخذت على الكيس أي منه(‬
  • 59.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫وأردف: )وأ ّلوا ما تقدم على الضمين ونحوه فض ّن‬ ‫م‬ ‫و‬ ‫تتلو معنى تقول، ورضي معنى عطف... واكتالوا‬ ‫معنى حكموا في الكيل..(. ذلك أن للفعل مع كل‬ ‫حروف وجهة خاصة قد تداني وجهته مع حرف آخر،‬ ‫لكنها ل تطابقها ول تواقعها. وهذا ما أكده أبو نزار‬ ‫ملك النحاة حين قال: )إن الفعل يتعدى بعدة من‬ ‫حروف الجر على مقدار المعنى اللغوي المراد من‬ ‫وقوع الفعل، لن هذه المعاني كامنة في الفعل وإنما‬ ‫يثيرها ويظهرها حروف الجر( وأردف )وذلك إذا قلت‬ ‫خرجت فأردت أن تبين ابتداء خروجك قلت خرجت من‬ ‫الدار، فإن أردت أن تبين أن خروجك مقارن‬ ‫لستعلئك قلت خرجت على الدابة، فإن أردت‬ ‫المجاوزة للمكان قلت خرجت عن الدار...( فأتى لكل‬ ‫حرف بمعناه الذي ُ ّ به، وأوضح هذا صاحب‬ ‫خص‬ ‫الكليات فقال )الفعل المتع ّي بالحروف المتعدية لبد‬ ‫د‬ ‫أن يكون له مع كل حرف معنى زائد على معنى‬ ‫الحرف الخر، وهذا بحسب اختلف الحروف. فإن‬
  • 60.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫ظهر اختلف الحرفين ظهر الفرق..( وأردف )وإن‬ ‫تقارب معاني الدوات عسر الفرق نحو قصدت إليه‬ ‫وله وهديت إلى كذا ولكذا، فالنحاة يجعلون أحد‬ ‫الحرفين بمعنى الخر، أما فقهاء أهل العربية فل‬ ‫يرتضون هذه الطريقة بل يجعلون للفعل معنى مع‬ ‫الحرف ومعنى مع غيره..(. فقد يغنى قولك )أجاب‬ ‫على( عن قولك )أجاب عنه( حين ً لكن إغناء أحد‬ ‫ا‬ ‫الحرفين عن الخر ل يعني البتة أنهما على معنى‬ ‫واحد، كما بسطنا الكلم عليه في أمثلتنا السابقة.‬ ‫وفي كتاب الفروق اللغوية لبي هلل العسكري )قال‬ ‫المحققون من أهل العربية أن حروف الجر ل تتعاقب‬ ‫حتى قال ابن درستويه: في جواز تعاقبها أبطال حقيقة‬ ‫اللغة وإفساد الحكمة فيها والقول بخلف ما يوجبه‬ ‫العقل والقياس(.‬ ‫بعض ما تع ّى بعن وعلى ومعناه مع كل منهما:‬ ‫د‬
  • 61.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫تقول )سك ّ عن الكلم( إذا امتنعت منه و)سك ّ عن‬ ‫ت‬ ‫ت‬ ‫المر( إذا أغفلته وتجاوزت وتغاضيت عنه مجازً،‬ ‫ا‬ ‫لكنك إذا قلت )سك ّ عليه( فقد أردت شيئاً آخر.‬ ‫ت‬ ‫قال الشاعر:‬ ‫تمام العمى طول‬ ‫ليس العمى طول‬ ‫السكوت على‬ ‫السؤال وإنما‬ ‫الجهل‬ ‫أقول قد ض ّن السكوت هنا معنى الصبر، وبينهما‬ ‫ُم‬ ‫اشتراك في المعنى. فإذا قلت )سك ّ على الجهل( كان‬ ‫ت‬ ‫معناه: سك ّ عن الجهل صابرً عليه.‬ ‫ا‬ ‫ت‬ ‫وتقول )نمت عنه( إذا نمت حقاً كما جاء في الحديث‬ ‫)تنام عن العجين( فإذا أردت المجاز فيه كان معناه‬ ‫غفلت عنه. ففي نهج البلغة )١ / ٨٧(: )ل ينام‬ ‫عنكم وأنتم في غفلة ساهون( لكنك تقول )نمت‬ ‫عليه( كما جاء في نهج البلغة )٣ / ٨٧( )ينام‬
  • 62.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫الرجل على الثكل ول ينام على ال َر َ(. قال الرضي‬ ‫ح ب‬ ‫)ومعنى ذلك أنه يصبر على قتل الولد ول يصبر‬ ‫على سلب الموال(، والحرب بالتحريك سلب الموال.‬ ‫وتقول )خرج عن القانون( إذا حاد عنه و)خرج على‬ ‫القانون( إذا تمرد عليه وتصدى لمخالفته، كقولك‬ ‫)خرج على السلطان أو المام أو الخليفة(.‬ ‫وتقول )نبا عنه( إذا حاد ورجع و)نبا عليه( إذا‬ ‫اشتد عليه ولم ين َدْ، ذلك نحو ما جاء في نهج البلغة‬ ‫ق‬ ‫)٣ / ١٠١(: )يرأف بالضعفاء وينبو على‬ ‫القوياء(.‬ ‫وهكذا قولك )شرد عنه وعليه( و)نشز عنه وعليه(‬ ‫و)صبر عنه وعليه(.‬ ‫وقصاري ما هناك أنه قد صح بما قدمنا أنه ل يجزيك‬ ‫في اختيار الحرف لتصريف الفعل العودة إلى‬ ‫المعجمات لتقع على الحرف الذي ُ ّ به الفعل في‬ ‫خص‬
  • 63.
    ‫ح ف لر‬ ‫الَُاة وُروُ اَّ‬ ‫نح‬ ‫مكتبة مشكاة السلمية‬ ‫معنى من المعاني، أو إلى كتب اللغة لتقف على‬ ‫المعاني الم ّردة لكل حرف، بل لبد أن تحظى بنصيب‬ ‫ط‬ ‫من الدراية وتضرب بسهم من الفقه، بمطالعة كتب‬ ‫الدب نثره وشعره وطول مدارستها، فلشك في أنها‬ ‫ستطلعك على ما ُطرفك في هذا الباب، وتسبق بك‬ ‫ي‬ ‫إلى الحكم على ما يفضي إليه الفعل من معنى مع كل‬ ‫حرف.‬