‫بعض علماء الفيزياء ..‬

‫ابن الهائم )357-518 هـ / 0531 -2141 م(‬
‫أبو العباس شهاب الدين أحمد بن محمد بن عماد الدين بن علي المعروف بابن الهائم المصري المقدسي ،‬
‫رياضي وعالم فرائض اشتهر في القرن الثامن الهجري / الرابع عشر الميلدي. ولد بالقاهرة ، وفيها حفظ القرآن‬
‫ودرس مبادئ العلم الولى. وعندما بلغ سن الشباب غادر إلى القدس وفيها أقام بقية عمره، ومنها جاء نسبه‬
‫المقدسي.‬
‫قام ابن الهائم بعد استقراره في القدس بتدريس علم الرياضيات وعلوم الشريعة لطلب العلم، فاشتهر بذلك وعل‬
‫شأنه وأصبح من أبرز علماء الرياضيات في العالم السلمي. ولعل أهم ما ميز ابن الهائم هو طريقته في التدريس‬
‫التي أسسها على تقوى ال، فكثيرا ما كان يحث طلبه أن يكونوا قدوة حسنة في العمل الجاد والتمسك بدينهم‬
‫الحنيف. فلقبه الناس بالمعلم، فأحبه تلميذه وقدروه وحاولوا تقليده.‬
‫ولقد كان ابن الهائم يقضي نهاره في التدريس، ثم ينتقل بعد ذلك إلى المسجد القصى فكان يقضي وقته هناك يعظ‬
‫الناس ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويفقههم في الدين حتى صار من كبار فقهاء السلم في الدعوة‬
‫والرشاد والفتاء.‬
‫وقد كان لهتمام ابن الهائم بعلوم الشريعة أثر كبير في توجيهه علم الرياضيات لخدمة الدين، فاهتم اهتماما بالغا‬
‫بعلم الفرائض ومسائل حساب الميراث وتوزيع التركات حتى أصبح أعلم أهل زمانه في هذا العلم لدرجة أنه‬
‫عرف بالفرضي ،وما زال ابن الهائم على هذه الحال حتى وافته المنية عام 518هـ / 2141 م. عن عمر يناهز‬
‫اثنين وستين عاما.‬
‫وتتجلى شهرة ابن الهائم في علم الحساب أنه ابتكر طرقا مبسطة لعمليات ضرب العداد )فمثل يكون ضرب أي‬
‫عدد في خمسة عشر بجمع نصف قيمة ذلك العدد إليه ثم الضرب في عشرة(. ولقد أودع هذه الطريقة في كتابه‬
‫المعروف باسم اللمع في الحساب وهي رسالة تجمع بين العلم والدب وقد قام بشرحها تلميذه سبط المارديني.‬
‫كما ترك ابن الهائم عددا آخر من المؤلفات كان معظمها في علم الحساب والجبر والفرائض من أهمها: كتابه‬
‫أسنان المفتاح وهي ملخص لكتابه المعونة في الحساب الهوائي ، وله في الحساب الهوائي أيضا كتاب مختصر‬
‫في علم الحساب المفتوح الهوائي ، ومن كتبه أيضا كتاب الحاوي في الحساب ، وكتاب /1 2 مرشدة الطالب‬
‫إلى أسنى المطالب وقد شرح هذا الكتاب الشيخ عبدال الشنشوري. ومن مؤلفاته في الجبر كتاب المقنع في‬
‫الجبر والمقابلة ، وقد قام بنظمه في قصيدة لمية من حوالي ستين بيتا شرحها في رسالة بعنوان المسمع في‬
‫شرح المقنع . كما له شرح الرجوزة الياسمينية لبن الياسمين في الجبر. ومن أعماله في الفرائض كتاب غاية‬
‫السول في القرار بالدين المجهول ، ورسالة التحفة المقدسية /21 وهي نظم في كيفية حساب الرث.‬

‫البيروني )263-044هـ / 379 -8401م(‬

‫رسالة في صنعة السطرلب‬
‫أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني، فيلسوف ومؤرخ ورحالة وجغرافي ولغوي وشاعر، وعالم في الرياضيات‬
‫والطبيعيات والصيدلة. اشتهر في القرن الرابع الهجري / العاشر الميلدي. ولد في قرية من ضواحي مدينة كاث‬
‫عاصمة دولة خوارزم. ولكن ل يعرف نسبته على وجه التحديد، كما أشار هو نفسه بقوله "أنا في الحقيقة ل‬
‫أعرف نسبتي... ول أعرف من كان جدي".‬
‫رحل البيروني عن مسقط رأسه وهو في العشرين من عمره، حيث ظهرت عبقريته في علوم كثيرة، وتفتحت‬
‫على مختلف فروع العلم. وعندما سمت مكانته العلمية، وارتفعت منزلته الدبية، بدأت تتنافس عليه العروش‬
‫والقصور. فتبناه أول بناة الحكمة والعلم من بني سامان ببخارى ، حيث ذاع صيته، وقدرت مكانته العلمية‬
‫والدبية عندهم، وتوثقت صلته بهم. وهناك تعرف على الشيخ الرئيس ابن سينا الذي زامله قرابة عشرين عاما.‬
‫فانتظما معا في المذاكرة والمناظرة، وتبادل الراء والرسائل، وعلت مكانتهما عند المير نوح بن منصور‬
‫الساماني، الذي ازدانت مكتبته بنفائس وذخائر مؤلفاتهما.‬
‫وفي عام 883هـ / 899 م. تألق نجم المير الديب الحكيم قابوس بن وشمكير أمير جرجان الملقب بشمس‬
‫المعالي، حيث أخذ ينافس آل سامان على جذب هذين النجمين اللذين كانا يضيئان قصور آل سامان ببخارى. فأخذ‬
‫المير شمس المعالي يطلب من أبي الريحان النتقال إليه ، لكنه رفض وفاءا لل سامان الذين كان ملكهم يومئذ‬
‫اً‬
‫يضطرب تحت الفتن والدسائس الداخلية والحروب الخارجية مع ملوك كاشغر في الشرق، وملوك غزنة في‬
‫الغرب.‬
‫وعندما سقط ملك السامانيين خرج أبو الريحان مستصحبا معه ابن سينا إلى جرجان تلبية لرغبة أميرها شمس‬
‫المعالي الذي أحسن ضيافتهما، وطابت نفسهما بالقامة في قصره ، حيث كان يهتم بجهابذة العلم وعباقرة الحكمة‬
‫وعمالقة الدب. وفي هذا القصر كتب البيروني كتابه الاثار الباقية من القرون الخالية وأهداه إلى شمس المعالي.‬
‫وفي جرجان قابل البيروني أيضا أستاذه في الطب أبا سهل عيسى. وظل معا حتى قامت الثورة العسكرية التي‬
‫أطاحت بعرش شمس المعالي وأتت على حياته فخرج البيروني راجعا إلى وطنه خوارزم. وهناك استقر في مدينة‬
‫جرجانية أصبحت فيما بعد ع اصمة خوارزم. وهناك اشتغل البيروني في مجمع العلوم الذي أسسه أمير خوارزم‬
‫مأمون بن مأمون. وفي هذا المجمع قابل البيروني العالم مسكويه ، وانضم إليه لحقا زميل رحلته ابن سينا.‬
‫وفي خوارزم أقام البيروني سبع سنوات في خدمة المير مأمون، حيث أصبحت له عند المير مكانة كبيرة،‬
‫وقدرا عظيما، إذ عرف المير مكانته من العلم، فاتخذه مستشارا له، وأسكنه معه في قصره، وكان يبدي له‬
‫اً‬
‫مظاهر الحترام والتقدير.‬
‫وفي عام 704هـ / 6101 م. قام بعض جنود المير مأمون بثورة ضده وقتلوه، مما أدى إلى دخول صهره محمود‬
‫بن سبكتكين الغزنوي خوارزم للنتقام من القتلة، وضم البيروني إلى حاشيته، وانتقل معه إلى بلده غزنة.‬
‫لزم البيروني السلطان محمود الغزنوي في كل رحلته وغزواته. ومن خلل هذه الرحلت دخل البيروني الهند‬
‫مع السلطان محمود في غزواته لهذه البلد والتي بلغت سبع عشرة غزوة في المنطقة الشمالية الغربية من الهند،‬
‫واستمرت حتى سنة 414 هـ / 4201 م. ولقد صاحب البيروني السلطان الغزنوي ثلث عشرة مرة، مما أتاح له‬
‫أن يحيط بعلوم الهند وتعلم من لغاتها السنسكريتية، إلى جانب إجادته العربية، والفارسية، واليونانية، والسريانية،‬
‫فاستطاع أن يتوصل إلى المراجع الرئيسية. وهو ما كان ما يريده البيروني.‬
‫ولكن المور لم تساعد البيروني كثيرا، إذ لم يكن السلطان محمود الغزنوي من المهتمين بالعلم كثيرا، لذا كان‬
‫عديم الهتمام بأحاديث البيروني ومحاضراته. ولحسن حظه أن هذا المر لم يدم كثيرا، إذ ما لبث أن اعتلى‬
‫عرش البلد أكبر أولد السلطان وهو مسعود الغزنوي وكان ذا رغبة مشتعلة، وبصيرة نافذة لتقبل العلوم ودراسة‬
‫أسرارها. فأعطى البيروني المكانة اللئقة وقدم له ما يحتاجه من معونة أثناء بقائه في الهند. وعندما رجع‬
‫البيروني من الهند ليستقر في قصر المير مسعود، أهدى له كتابه الشهير القانون المسعودي في الهيئة والنجوم.‬
‫ولما حمل البيروني هذه الهدية إلى السلطان مسعود، أراد السلطان أن يكافئه على هذه الهدية الثمينة، فأرسل له‬
‫ثلثة جمال محملة من نقود الفضة ، فردها أبو الريحان البيروني قائل: إنه إنما يخدم العلم للعلم ل للمال. كما ألف‬
‫البيروني كتابا آخر وهو الدستور وأهداه إلى شقي ق المير مودود بن محمود الغزنوي. ولقد بقي البيروني في‬
‫غزنة، ولم يغادرها منقطعا إلى الدرس والبحث والعلم والتأليف حيث كتب معظم مؤلفاته الشهيرة.‬
‫ولقد كان البيروني مجتهدا في البحث لدرجة أن أحد أصدقائه كان يزوره وهو مريض جدا ، فسأله البيروني عن‬
‫موضوع سبق أن ناقشه فيه. فقال له صديقه: أفي هذه الحالة؟ فرد البيروني: يا هذا أودع الدنيا وأنا عالم بهذه‬
‫المسألة، أل يكون خيرا من أن أتركها وأنا جاهل بها. فدار النقاش بينهما حتى اقتنع البيروني ثم خرج صديقه،‬
‫وفي الطريق سمع عن وفاة البيروني. فكانت وفاته عام 044هـ / 8401 م عن عمر يناهز الثمانين.‬
‫وتعود شهرة البيروني الحقيقية إلى مؤلفاته الغزيرة التي تظهر علمه الوافر ونبوغه الفكري بالضافة إلى انتمائه‬
‫الديني الواضح في كل كتابته التي يزينها دائما بآيات القرآن الكريم. ويظهر انتماؤه إلى السلم ولغة القرآن بقوله‬
‫في مقدمة كتابه الصيدنة في الطب : "ديننا والدولة عربيان توءمان، يرفرف على أحدهما القوة اللهية وعلى‬
‫الخر اليد السماوية؛ وكم احتشد طوائف من التوابع، وخاصة منهم الحيل والديلم في إلباس الدولة جلبيب العجمة‬
‫فلم تنفق لهم في المراد سوق. ومادام الذان يقرع آذانهم كل يوم خمسا؛ وتقام الصلوات بالقرآن العربي المبين‬
‫خلف الئمة صفا صفا؛ ويخطب به لهم في الجوامع بالصلح كانوا لليدين والفم، وحبل السلم غير منفصم ،‬
‫وحصنه غير منثلم ".‬
‫كتب البيروني في شتى المعارف فألف في حقل الرياضيات والفلك والطب والصيدلة، والداب والجغرافيا‬
‫والتاريخ. ولكن أكثر اهتمامه قد تركز على الفلك والرياضيات والطبيعيات. ففي علم الفلك برهن البيروني على‬
‫حقائق علمية هامة منها مساحة الرض ونسبتها للقمر ، وعن أن الشمس هي مركز الكون الرضي، وعن بعد‬
‫الشمس عن القمر، وعن مساحة الرض ونسبتها للقمر، وبعدها عن جرم الشمس وأبعاد المجموعة الشمسية عن‬
‫الرض، وبعد الكوكب عن الخر في المجموعة وهو أول من قال إن الشمس هي مركز الكون الرضي مخالفا‬
‫كل ما كان سائدا في وقته من آراء تتفق كلها على أن الرض هي مركز الكون. كما أثبت أن أوج الشمس غير‬
‫ثابت. وقد استطاع ب ناء على أربعة أرصاد في المواسم الربعة أن يحسب مقدار هذه الحركة بواسطة الحساب‬
‫التفاضلي، وقد كان المقدار النهائي الذي أثبته الفلكيون المسلمون لهذه الحركة هو )90.21( ثانية في السنة، وهو‬
‫تحديد يختلف قليل عن المقدار المثبت في العصر الحاضر وهو )64.11( ثانية في السنة. كما رصد الكسوف‬
‫والخسوف وشرح بطريقة واضحة، الشفق والغسق. وحسب محيط الرض بدقة فائقة ، وحدد القبلة التي يتجه‬
‫إليها المسلمون عند أداء صلتهم ، مستعمل نظرياته الرياضية. ومن المسائل المعروفة باسم البيروني مسائل‬
‫عديدة ، منها التي ل تحل بالمسطرة والفرجار ، مثل: محاولة قسمة الزاوية إلى ثلثة أقسام متساوية ، وحساب‬
‫قطر الرض، وأن سرعة الضوء تفوق سرعة الصوت .‬
‫وقد أولى البيروني عناية كبيرة لعلم الجبر فدرس مؤلفات محمد بن موسى الخوارزمي وفهمها فهما تاما ،‬
‫وأضاف إليها الكثير من التعليقات ، كما درس المعادلة الجبرية ذات الدرجة الثالثة وطورها بحلوله الهندسية‬
‫والتحليلية. وحل المعادلة المشهورة في القرون الوسطى )س 3 = 1 3س(، وحصل على نتيجة مرضية لجذورها‬
‫مقربة للغاية إلى ستة منازل عشرية. واشتهر ببرهان القانون المعروف بجيب الزاوية مستخدما المثلث المستوى.‬
‫وفي حقل الكيمياء اتفق البيروني مع الكندي في رفض ادعاء القائلين بإمكانية تحويل المعادن الرخيصة إلى‬
‫ذهب ، وأنكر سعيهم وراء الكسير. وقد انصبت اهتماماته على دراسة عدة صناعات كانت قائمة في زمنه،‬
‫كطلء الواني الفخارية، وتحضير الفولذ المعد لصنع السيوف ، واستخل ص الزئبق من الزنجفر. وعرف بعض‬
‫الطرائق الكيمياوية الهامة كالتصعيد، والتسامي، والتقطير، والتشميع، والترشيح إضافة إلى تحضير عدد من‬
‫المركبات الكيمياوية.‬
‫ويعرف أبو الريحان البيروني أيضا بالصيدلني المحترف بجمع الدوية واختيار الجود من أنواعها مفردة‬
‫ومركبة على أفضل التراكيب التي خلدها له مبرزو أهل الطب ، وهذه أولى مراتب صناعة الطب ، إذا كان‬
‫الترقي فيها من أسفل إلى أعلى.‬
‫ترك البيروني ما يقارب ثلثمائة مؤلف من بين كتاب ورسالة بشتى اللغات. منها حوالي )381( مؤلفا باللغات‬
‫العربية من أشهرها بخلف ما ذكر كتاب ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة ، وكتاب الجماهر في‬
‫معرفة الجواهر ، وكتاب التفهيم لوائل صناعة التنجيم ، وكتاب تحديد نهايات الماكن لتصحيح مسافات‬
‫المساكن ، ورسالة استيعاب الوجوه الممكنة في صنعة السطرلب . وكتاب رؤية الهلة ، ومقالة في تحديد‬
‫مكان البلد باستخدام خطوط الطول والعرض ، وكتاب المسائل الهندسية ، ورسالة في معرفة سمت القبلة ،‬
‫ورسالة في الميكانيكا واليدروستاتيكا .‬

‫ابن سينا )073-824هـ / 089 -7301م(‬

‫كتاب القانون في الطب لبن سينا‬
‫أبو علي الحسين بن عبد ال بن الحسن بن علي بن سينا، فيلسوف وطبيب وعالم طبيعي اشتهر في القرنين الرابع‬
‫والخامس الهجريين / الحايدي عشر الميليدي. ولد في أفشنة وهي قرية مجاورة لبخارى )التي تقع ال ن في‬
‫جمهورية أزبكستا ن السوفيتية(.‬
‫نشأ ابن سينا وترعرع في ظل أسرة مستقيمة متكاملة، فقد كا ن والده من بلخ، ثم انتقل إلى بخارى في أيام حكم‬
‫المير نوح بن منصور حيث قام على ضيعة من ضياع بخارى اسمها خرميثن، ولكنه سكن بأفشنة وأقام بها،‬
‫حيث كانت قريبة من مقر عمله، ومن هذه القرية اختار زوجته سارة التي أنجبت له ولدين أكبرهما هو ابن سينا‬
‫ثم انتقلت السرة بعد ذلك إلى بخارى.‬
‫ولما كا ن أبوه من الحكام فقد استطاع أ ن يوفر له ولخيه تعليما مثاليا بالنسبة لثقافـة ذلك العصر. فأحضر لهما‬
‫والدهما معلما للقرآ ن ومعلما لليدب. وفي سن العاشرة كا ن ابن سينا قد أتم حفظ القرآ ن ويدرس كثيرا من كتب‬
‫اليدب، ثم أرسله أبوه إلى رجل يعلمه الحساب، وكا ن هذا الرجل بقال، إل أنه كا ن عليما بالحساب. ثم يدرس ابن‬
‫سينا الفقه وطرق البحث والمناظرة، وقرأ التصوف فكا ن من أفضل السالكين فيه.‬
‫ثم قدم إلى بخارى رجل اسمه أبو عبد ال الناتلي وكا ن يدعى المتفلسف، فنزل ضيفا في يدار ابن سينا فعلمه شيئا‬
‫من الفلسفة أثناء إقامته عندهم. فبدأ الناتلي بكتاب في المنطق. ولكن ابن سينا كا ن يتصور المسائل المنطقية خيرا‬
‫منه، وكثيرا ما بهر أستاذه بمعرفته بدقائق المنطق وتفصيلته. وتولى ابن سينا بعد ذلك قراءة كتب المنطق‬
‫هُ‬
‫وشروحها بنفسه حتى أتقن هذا العلم ووقف على يدقائقه. ثم شرع بعد ذلك في يدراسة كتاب في أصول الهندسة‬
‫وقرأه على أستاذه أيضا، لكنه لم يقرأ عليه سوى خمسة أو ستة أشكال من أول الكتاب، ثم تولى بعد ذلك تعلم بقية‬
‫الكتاب بنفسه. ولما غايدر أستاذه إلى بخارى، أخذ ابن سينا في يدراسة العلم الطبيعي، وانفتحت عليه أبواب العلم‬
‫فعرج على الطب فدرسه ونبغ فيه في مدة قصيرة، إذ لم يجده ابن سينا من العلوم الصعبة فأتقنه حتى أصبح‬
‫متميزا فيه، ولجأ إليه كبراء الطب يقرءو ن عليه أنواعه والمعالجات المقتبسة من التجربة، كما تولى علج‬
‫المرضى، ولم يكن يتقاضى أجرا نظير ذلك.‬
‫تفرغ ابن س ينا للدرس وانقطع للعلم، فلم ينم ليلة واحدة بطولها ول اشتغل في النهار بغير العلم، وفي خلل هذه‬
‫المدة لم ينقطع عن يدراسة الفقه وجميع أجزاء الفلسفة. وكانت له طريقته الخاصة في فهم القضايا والحجج، فقد‬
‫كا ن يرتب المسألة التي يريد فهمها على شكل قياس منطقي، ويجتهد في إيجايد الحد الوسط واستكشافه، لنه كا ن‬
‫يعتقد أنه ل يمكنه فهم المسألة إل إذا عرف الحد الوسط. وكا ن يجهد نفسه في ذلك، فأحيانا يقع على الحد الوسط‬
‫بعد طول عناء، وأحيانا أخرى ييأس من ذلك فيقوم إلى الجامع فيتوضأ ويصلي ويتجه إلى ال بالدعاء رجاء أ ن‬
‫يوفقه ويفتح عليه مغاليق المسألة، ثم يأوي إلى فراشه فيفتح ال عليه في المنام ما انغلق عليه فيستيقظ في الصباح‬
‫ويتصدق على الفقراء حمدا ل على ما أنعم عليه من نعم.‬
‫ولقد أنهى ابن سينا تحصيل جميع العلوم المعروفة في عصره وهو في سن السايدسة عشرة. وحدث بعد ذلك أ ن‬
‫المير نوح بن منصور مرض، وحار الطباء في علجه، فجرى اسم ابن سينا في حضرة المير، فأمر بإحضاره‬
‫ليشارك الطباء المشورة والعلج. فحضر وقام على علج المير حتى شفي. فقربه المير، ثم استأذنه ابن سينا‬
‫بعد ذلك في أ ن يدخل مكتبة القصر، فأذ ن له المير. وكانت مكتبة ضخمة لم يكن يدخلها أحد إل بإذ ن المير. فقرأ‬
‫ابن سينا كل ما في المكتبة وظفر بفوائدها وعرف مرتبة كل رجل في علمه حتى احترقت هذه المكتبة في‬
‫اضطرابات حدثت بالدولة السامانية، ولم يبق منها إل ما حواه ابن سينا بعقله وقلبه.‬
‫ولقد فرغ ابن سينا من تحصيل جميع العلوم من لغة وفقه وحساب وهندسة ومنطق وفلسفة وطب وهو في سن‬
‫الثامنة عشر، ووقف على تفصيلتها ويدقائقها وأغراضها، إل علما واحد استعصى عليه ولم يفهمه وهو علم ما‬
‫بعد الطبيعة )اللهيات(. فقد قرأ كتاب أرسطو في هذا العلم ولم يفهم منه شيئا، وأعايد قراءته أربعين مرة حتى‬
‫حفظه عن ظهر قلب يدو ن أ ن يفهمه. وفي يوم من اليام ذهب إلى السوق فعرض عليه يدلل كتابا صغيرا في‬
‫أغراض ما بعد الطبيعة، فريده ابن سينا ريدا متبرما متحججا بأنه علم ل فائدة منه. فأخبره الدلل بأ ن الكتاب سعره‬
‫ثلثة يدنانير فقط وصاحبه في حاجة إلى ثمنه، فاشتراه منه، فإذا هو كتاب الفارابي في أغراض ما بعد الطبيعة.‬
‫فأسرع ابن سينا إلى البيت وقرأه فانفتح ما استغلق عليه في الحال لنه كا ن يحفظ كت اب أرسطو، ففرح لهذا‬
‫وتصدق كثيرا على الفقراء. لكن العلم لم ينضج في ذهنه إل بعد أ ن بلغ مدارك الرجال، واكتسب الخبرات من‬
‫السفر والترحال.‬
‫بدأ ابن سينا أسفاره بعد أ ن اضطربت أمور الدولة السامانية، وبعد أ ن مات والده وكا ن عمره اثنتين وعشرين سنة‬
‫آنذاك، فخرج من بخارى إلى كركانج، وكا ن يلبس زي الفقهاء، فأكرمه أمير خوارزم وقرر له راتبا شهريا يقوم‬
‫به. وانتقل بعد ذلك إلى جرجا ن وخراسا ن وقصد المير قابوس فأكرم وفايدته. ولما أسر المير قابوس وسجن‬
‫غايدر إلى يدهستا ن ومرض بها مرضا صعبا، فغايدر إلى جرجا ن، حيث التقى بأبي عبد ال الجوزجاني.‬
‫وفي جرجا ن تنقل ابن سينا من قصر أمير إلى آخر حتى تقلد الوزارة مرتين لشمس الدولة في همدا ن. وقد عانى‬
‫كثيرا من الدسائس والفتن التي كانت مستعرة بين أمراء ذلك العصر حتى أنه تعرض للتشريد والنهب والسجن‬
‫والطريد من الوظائف السياسية. ولكنه رغم هذه الحياة السياسية المتقلبة لم ينقطع عن الكتابة والدرس والتأليف.‬
‫فكا ن يبدأ الدرس مع تلميذه في أول الليل، يملي عليهم الكتب يدو ن أ ن يحضره الكتاب، وفي الصباح يذهب إلى‬
‫الوزارة يدير شئونها.‬
‫ولقد تميزت إسهامات ابن سينا في جوانب كثيرة من المعرفة أويدعها مؤلفاته العديدة التي وصلت ما يقارب مائتين‬
‫وخمسين مؤلفا، بين كتاب ورسالة ومقالة، صنفها في شتى أنواع العلوم والمعارف منها الرياضيات والمنطق،‬
‫والخلق، والطبيعيات، والطب، والفلسفة. إل أ ن أبرز إنجازاته تظهر في مجال الطب فصنف فيه كتابه القانون‬
‫، الذي وضع فيه ملحظات يدقيقة مثل ربطه بين السل وأمراض الرئة الخرى، والشارة إلى يدور الماء والتربة‬
‫في نقل العدوى المرضية إضافة إلى الربط بين العوامل النفسية والعاطفية والمرض وأسباب الشذوذ. ولقد نال هذا‬
‫الكتاب شهرة كبيرة في الوساط الطبية، فقد شرحه من قبل عديد كبير من الطباء الذين جاءوا من بعده. كما ترجم‬
‫إلى لغات أوروبية عديدة، حيث ظل يدرس في جامعات أوروبا طوال أربعة قرو ن متصلة. علوة على ذلك فيعد‬
‫ابن سينا واحدا من أشهر الشعراء الذين وضعوا أرجوزات في العلوم. وتعد أرجوزته في الطب من أشهر هذه‬
‫الرجوزات.‬
‫أما عن إسهاماته في الطبيعيات، فتظهر في كتبه الشفاء ، والنجاة ، والاشارات . ولقد تميزت فلسفة ابن سينا‬
‫بأنها تؤلف بين الفلسفة اليونانية والفلسفة السلمية. وقد كا ن ابن سينا من الرافضين لفكرة تحويل المعايد ن‬
‫الرخيصة إلى ذهب . كما يدرس الظواهر الطبيعية كقوس قزح وتشكل الصورة بورويد الضوء إلى العين. وناقش‬
‫فكرة الما ل نهاية، وقال إ ن سرعة الضوء ل نهائية، ويدرس علقة الزمن بالحركة، وأجرى تجاربه وقياساته‬
‫لحساب الكثافة النوعية للعديد من الموايد، وابتكر ميزانا للحرارة يقوم على تمديد الغاز المحصور.‬
‫و مما يؤسف له أ ن ابن سينا رغم عقليته الفذة في الطب وسائر العلوم لم يكن من المهتمين بصحتهم. ففي آخر‬
‫حياته كثرت عليه المراض، وحاول بعض خدمه التخلص منه لنهب أمواله، وشعر هو بضعف صحته، وعرف‬
‫أ ن قوته قد سقطت فامتنع عن مداواة نفسه حتى أيدركته المنية عام 824هـ / 7301 م بهمدا ن.‬

‫فخر الدين الرازي )345-606هـ / 8411 -9021م(‬

‫أول كتاب شرح الكليات لفخر الدين الرازي‬
‫محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين بن علي التميمي البكري الرازي المعروف بفخر الدين الرازي أو ابن‬
‫خطيب الري. وهو عالم موسوعي امتدت بحوثه ويدراساته ومؤلفاته من العلوم النسانية اللغوية والعقلية إلى‬
‫العلوم البحتة في: الفيزياء، الرياضيات، الطب، الفلك.‬
‫ولد فخر الدين الرازي بمدينة الري عام 345هـ /8411 م، وكا ن والده المام ضياء الدين عمر بن الحسن فقيها‬
‫اشتغل بعلم الخلف في الفقه وأصول الفقه، وله تصانيف كثيرة في الصول والوعظ وغيرهما. وعلى يد والده‬
‫تعلم فخر الدين العلوم اللغوية والدينية، وتتلمذ العلوم العقلية على يد مجد الدولة الجيلي بمدينة مراغة ) قرية‬
‫مشهورة بأذربيجا ن (.‬
‫وصار لفخر الدين الرازي تلميذ صاروا علماء كبارا من بينهم: زين الدين الكشي، والقطب المصري، وشهاب‬
‫الدين المصري. وقد كا ن فخر الدين الرازي شديد الدقة في أبحاثه، جيد الفطرة، حايد الذكاء، حسن العبارة، قوي‬
‫النظر في صناعة الطب ومباحثها، عارفا باليدب، ويتقن العربية والفارسية، وله شعر باللغتين العربية والفارسية.‬
‫وكا ن طلب العلم يقصدونه من كافة البلدا ن يعشقو ن مجلسه والستماع إليه، وكا ن يعقد مجالسه العلمية حيثما حل‬
‫في بليد فارس، وخراسا ن، وبليد ما وراء النهر، وكا ن يقرب منه في حلقات يدرسه تلميذه الكبار، وبقية الطلب‬
‫والمراء والعظماء من مستمعيه في حلقات تتلوها حلقات.‬
‫وقد حدث في إحدى هذه المجالس أ ن حمامة يطاريدها‬
‫صقر رفرفت في يدائر صحن جامع هراة وسقيفته،‬
‫وكانت العيو ن ترقبها فلم تجد ملذا لها سوى أ ن تدخل‬
‫إيوا ن الجامع، ومرت بين الصفوف المتحلقة، وفوق‬
‫الرءوس، واستقرت في حجر فخر الدين الرازي، فراح‬
‫يربت على رأسها وريشها، ففر الصقر هاربا ونجت‬
‫الحمامة، وكا ن الشاعر شرف الدين حاضرا المجلس،‬
‫فارتجل شعرا في حكاية الحمامة، ومدح فخر الدين‬
‫الرازي.‬
‫وقد عانى فخر الدين الرازي في صباه وشبابه الكثير من أخيه الكبر سنا الملقب بالركن، وكا ن أخوه الركن‬
‫يعرف شيئا من علوم الفقه والصول، لكنه كا ن أهوج كثير الختلل، ولذلك كا ن أبوهما ل يخفي إيثار فخر الدين‬
‫الرازي على أخيه الكبر، لذا كا ن هذا ال خ الكبر يشعر بالغيرة من أخيه فخر الدين الرازي. فقد كا ن يتبعه في‬
‫أسفاره ويسير خلفه يشنع عليه ويسفه المشتغلين بكتبه والناظرين في أقواله محتجا بأنه أكبر منه وأعلم وأكثر‬
‫معرفة بالفقه وأصوله، متعجبا من الناس كيف يقولو ن فخر الدين الرازي ول يقولو ن ركن الدين، ومع ذلك كا ن‬
‫فخر الدين الرازي حينما يبلغه هذا المر يشعر بالشفاق عليه ويسارع بالحسا ن إليه.‬
‫وقد عانى فخر الدين الرازي في شبابه المشقات في أسفاره في طلب العلم، فقد غايدر الري قاصدا بخارى ليكتسب‬
‫جديدا من العلم، ويكسب بعض المال وكانت بخارى ما زالت منارة من منارات العلم والمعرفة، ونزل في الطريق‬
‫بخوارزم وعقد بها حلقة للعلم تحدث فيها بالفارسية والعربية بآراء لم ترض أهل خوارزم فأخرجوه منها، وقصد‬
‫ ِ‬
‫بخارى فوجد أهلها مثل أهل خوارزم، وعانى من الفقر والجوع، فآوى إلى مسجدها الجامع إلى أ ن رعاه رجل من‬
‫أهل بخارى، وجمع له مال من أموال الصدقات. وعايد فخر الدين الرازي بعد ذلك إلى الري وأمن إلى طبيب‬
‫حاذق له ثروة وله بنتا ن تزوج إحداهما، وتوفي هذا الطبيب بعد قليل فورثت ابنته ثروة ل بأس بها.‬
‫وتوجه فخر الدين الرازي إلى السلطا ن شهاب الدين الغوري صاحب غزنة، فبالغ في إكرامه، ثم توجه فخر الدين‬
‫الرازي إلى خراسا ن، واتصل بالسلطا ن خوارزم شاه محمد بن تكش، ويقال إنه قد أرسله رسول إلى الهند في‬
‫بعض أموره.‬
‫ومن بعد خراسا ن توجه فخر الدين الرازي إلى هراة )بلدة في إيرا ن(، وقد عزم على القامة مع أهله وولديه بها،‬
‫واستقر فخر الدين الرازي في أواخر حياته بمدينة هراة، وصارت له بها يدار فخمة أعطاها له السلطا ن خوارزم‬
‫شاه محمد بن تكش الذي كا ن حريصا يدائما على حضور مجالسه العلمية. وقد كا ن يعقد مجالسه العلمية بمسجد‬
‫هراة. وقد توفي بهراة، ويدفن بظاهر هراة عند جبل قريب منها عام 606هـ /9021 م.‬
‫وفخر الدين الرازي بمجمل مؤلفاته هو أول من ابتكر الترتيب وفق قواعد المنطق في كتبه، من حيث ترتيب‬
‫نَ‬
‫المقدمات واستنباط النتائج مراعيا التقسيم إلى أبواب، وتقسيم البواب إلى فصول، وتقسيم الفصول إلى مسائل فل‬
‫تشذ منه مسألة، حتى انضبطت له القواعد، وانحصرت معه المسائل. وفخر الدين الرازي هو أول من قال من‬
‫نَ‬
‫العرب: إ ن علم المنطق علم قائم بذاته وليس جزءا من غيره.‬
‫ومن أهم إنجازات فخر الدين الرازي أنه كا ن من أوائل العلماء الذين قالوا بنظرية الورويد في الضوء من‬
‫المبصرات إلى العين، وفي كيفية البصار . وقد فسر فخر الدين الرازي حدوث الصوت في كتابه المباحث‬
‫الشرقية بسببين: الول منهما قريب يحدث من صدم ف سكو ن فصدم فسكو ن. والثاني منهما بعيد ويحدث من‬
‫عاملين: القرع . القلع .‬
‫وقد اكتشف فخر الدين الرازي الفرق بين قوة الصدمة والقوة الثابتة، فالولى زمنها قصير، والثانية زمنها طويل.‬
‫كما اكتشف أ ن الجسام كلما كانت أعظم كانت قوتها أقوى، وزما ن فعلها أقصر، وأ ن الجسام كلما كانت أعظم‬
‫كا ن ميلها إلى أحيازها الطبيعية أقوى وكا ن قبولها للميل القسري أضعف.‬
‫وقد ذكر فخر الدين الرازي أ ن الحركة حركتا ن: حركة طبيعية سببها موجويد في الجسم المتحرك، وحركة قسرية‬
‫سببها خارج عن الجسم المتحرك. كما عزا فخر التغير الطارئ على سرعة الجسم إلى المعوقات التي يتعرض‬
‫لها، ولولها لحتفظ الجسم بسرعة ثابتة إذ أ ن تغير السرعة مرهو ن بتغير هذه المعوقات، يداخلية كانت أو‬
‫خارجية. وكلما كانت المعوقات أقوى كانت السرعة أضعف.‬
‫وذكر فخر الدين الرازي أ ن الجسمين إذا اختلفا في قبول الحركة الطبيعية، لم يكن ذلك الختلف بسبب المتحرك‬
‫بل بسبب اختلف حال القوة المحركة بين الجسمين، فالقوة في الجسم المتحرك الكبر، أكثر مما في الجسم‬
‫المتحرك الصغر. وأ ن الجسمين المتحركين حركة قسرية تختلف حركتهما ل لختلف المحرك بل لختلف‬
‫المتحرك، فالمعاوق في الكبير أكثر منه في الصغير.‬
‫وشرح القانو ن الثالث من قوانين الحركة الذي يقول: لكل فعل ريد فعل مساو له في المقدار ومضايد له في التجاه.‬
‫ ٍ‬
‫وقد شارك فخر الدين الرازي العالم العربي المسلم ابن ملكا البغدادي في القول بأن الحلقة المتزنة بتأثير قوتين‬
‫متساويتين تقع تحت تأثير فعل ومقاومة أي أن هناك فعل ورد فعل متساويين في المقدار ومتضادان في التجاه‬
‫يؤديان إلى حالة التزان.‬
‫وقد ألف فخر الدين الرازي كتبا كثيرة، وشرح كتبا أقل، في شتى العلوم والفنون في عصره، خلل حياة امتدت‬
‫أربعة وستين عاما. ومن أهم شروحه شرح الاشارات والتنبيهات للعالم ابن سينا .‬
‫ومن أهم كتبه في الفيزياء: المباحث الشرقية وهو كتاب موسوعي على غرار كتاب ابن ملكا البغدادي: المعتبر‬
‫في الحكمة وهو من أشهر كتبه، وقد أودع فيه كافة إنجازاته العلمية.‬
‫ومن أهم كتبه في الرياضيات: مصادرات إقليدس وهو كتاب في الهندسة. ومن أهم مؤلفاته في الفلك: رسالة في‬
‫علم الهيئة . ومن أهم كتبه في الطب: مسائل ف ي الطب . كتاب في النبض . كتاب في الاشربة . وكتابان لم‬
‫يتمهما: الطب الكبير أو الجامع الملكي الكبير . كتاب في التشريح من الرأس إلى القدم . وهو كتاب هام في علم‬
‫التشريح وله شروح لبعض كتب ابن سينا الطبية وهي: القانون في الطب . الكليات . عيون الحكمة .‬

‫قطب الدين الشيرازي )436-017هـ / 6321 -0131م(‬

‫كتاب نهاية الدراك في دراية الفلك‬
‫قطب الدين محمد بن ضياء الدين مسعود بن مصلح الفارسي الشيرازي، قاض، ومفسر، وعالم بالطبيعيات اشتهر‬
‫في القرن السابع الهجري / الثالث عشر الميلدي. ولد في مدينة شيراز ببلد فارس عام 436هـ لسرة مشهورة‬
‫بالطب والتصوف فقد كان أبوه ضياء الدين أستاذا صوفيا وطبيبا مشهورا.‬
‫تلقى قطب الدين في شيراز تعليمه الساسي، كما تلقى بعض الممارسات الخاصة بالطب والتصوف تحت إشراف‬
‫والده. وبالضافة إلى هذا فقد تعلم قطب الدين في طفولته عددا كبيرا من الصناعات ماعدا صناعة الشعر. ولقد بدأ‬
‫قطب الدين تعلمه للطب مبكرا، إذ لم يتجاوز عمره آنذاك العشر سنوات.‬
‫وببلوغه الرابعة عشرة من عمره وفي حضرة وفاة والده أسند لقطب الدين وظيفة والده كطبيب ممارس في‬
‫مستشفى مظفر بشيراز. وبقي في هذا المنصب قرابة عشر سنوات. وأثناء هذه المدة التي قضاها في مستشفى‬
‫مظفر درس لقطب الدين ثلثة أساتذة كلهم كانوا من أعمامه. ثم انتقل إلى أستاذه كمال الدين أبي الخير الكيزروني‬
‫ومعه درس كليات ابن سينا . ومع أستاذه شمس الدين محمد بن أحمد الكبشي درس قطب الدين العلوم الدينية.‬
‫سافر قطب الدين إلى بغداد عام 566هـ / 8621 م، حيث اشترك في الحلقة العلمية لشرف الدين زكي البشكاني،‬
‫ومن خلل اشتراكه في دروس شرف الدين استطاع قطب الدين أن يطلع على شروح ابن سينا في الطب وكذلك‬
‫أعمال الرازي . وقد وجد قطب الدين من خلل اطلعه على هذه العمال لذة في دراسة فلسفة وطب ابن سينا،‬
‫ولكن لم يكن في ذاك الوقت من هو أهل لن يشبع رغبة قطب الدين في معرفة المزيد في هذه العلوم. ولهذا‬
‫السبب ترك قطب الدين وظيفته في مستشفى المظفر متجها إلى مراغة عام 066هـ.‬
‫تتلمذ قطب الدين في مراغة على يد أستاذه نصير الدين الطوسي ولقد كان اختيار قطب الدين للستاذ والمكان‬
‫اختيارا موفقا، فقد كان نصير الدين الطوسي أحد أساتذة الفلسفة والفلك في وقته، كما أنه كان مديرا لمرصد‬
‫مراغة الذي كان قد اكتمل بناؤه وبدئ العمل فيه وقت أن وصل قطب الدين لمراغة. ولم يكن مرصد مراغة هذا‬
‫مرصدا فلكيا فقط وإنما كان مكتبة ضخمة تحوي أكث ر من أربعمائة ألف كتاب، بعضها كان مؤلفات لشهر‬
‫علماء اليونان.‬
‫مكث قطب الدين في مرصد مراغة عدة سنوات حضر خللها الحلقات العلمية التي كان يعقدها نصير الدين‬
‫الطوسي، حتى أخبره أستاذه نصير الدين أن يتفرغ لدراسة الرياضيات والفلك. أخذ قطب الدين بنصيحة أستاذه،‬
‫حتى كان لهما عمل مشتركا في مجال الفلك عرف باسمها لحقا كأحد أفضل أعمال القرن الثامن الهجري /‬
‫الرابع عشر الميلدي، أل وهو تصور كامل لحركة الكواكب.‬
‫أكمل قطب الدين دراسته لفلسفة ابن سينا على يد أستاذه نصير الدين، وقرأ أحد أهم كتب ابن سينا المعروف باسم‬
‫الاشارات والتنبيهات . كما أكمل أيضا دراسة كتاب القانون لبن سينا، واستطاع بمساعدة أستاذه ومن خلل‬
‫تواجده في مكتبة مراغة أن يجد إجابات للمعضلت التي واجهها أثناء قراءته لهذا الكتاب في شيراز.‬
‫ولما كانت رغبته في معرفة المزيد تفوق ما كانت مكتبة مراغة تمنحه إياه، فقد آثر قطب الدين الرحيل إلى‬
‫خراسان. وهناك درس مع نجم الدين القزويني الذي كان فيلسوفا وفلكيا ورياضيا مشهورا في وقته. وبعدها توجه‬
‫قطب الدين إلى قزوين ثم أصفهان . وهناك ارتبط قطب الدين بالعمل مع حاكمها، بهاء الدين محمد الجويني. ثم‬
‫غادر قطب الدين أصفهان إلى بغداد، وهناك قابل عددا من أساتذة التصوف كان من بينهم محمد بن السكران‬
‫البغدادي.‬
‫غادر قطب الدين بغداد متجها إلى الناضول وقابل بها جلل الدين الرومي، أحد أشهر شعراء التصوف في‬
‫السلم. ولكن قطب الدين لم يمكث طويل في الناضول، إذ غادرها متوجها إلى قنا، وبها تتلمذ على أستاذه صدر‬
‫الدين القناوي، فدرس معه الطريقة الصوفية والتفسير وعلوم الحديث. وفي قنا استطاع قطب الدين أن يقابل عددا‬
‫كبيرا من العلماء الذين اتخذوا من قنا ملجأ بعد أن غزا التتار الجزء الشرقي للعالم السلمي.‬
‫وبوفاة صدر الدين القناوي، غادر قطب الدين قنا متجها إلى سيواس وملطايا في قطاع الناضول وكانت وقتها‬
‫تحت حكم المغول، حيث تقلد منصب القضاء فيها بتعيين من معين الدين بروانة، الحاكم السلجوقي لقطاع‬
‫الناضول، وكان قطب الدين قد تعرف عليه سابقا أثناء تواجده في قنا. ولما كان معظم عمل قطب الدين ينجز من‬
‫قبل مساعديه، فقد تفرغ قطب الدين للتدريس والكتابة.‬
‫قام قطب الدين بعدة زيارات لتبريز، عاصمة الخنديين في فارس. من خلل زياراته المتكررة لتبريز، أصبح‬
‫قطب الدين صديقا قريبا لحمد تكدر وهو ابن لهولكو ملك التتار. وكان لهذه الصداقة أثر كبير في اعتناق أحمد‬
‫تكدر السلم. وبسبب صلة قطب الدين بالخنديين فقد قدر له أن يعمل بالسياسة.‬
‫وفي عام 186هـ أرسل أحمد تكدر، قطب الدين برفقة كمال الدين الرافعي وبهاء الدين بهلوان كسفراء عنه إلى‬
‫المستنصر سيف الدين قلوون، سلطان المماليك في مصر، وذلك حتى يشهروا إسلم أحمد له، وكذلك للتوصل‬
‫إلى السلم بين المماليك والتتار. وعلى الرغم أن قطب الدين لم يفلح في مهمته السياسية، إل أن رحلته إلى مصر‬
‫كانت موفقة جدا من الناحية العلمية. فأثناء زيارته إلى مصر، عرج قطب الدين على مكتبات مصر وهناك وجد‬
‫شروح لقانون ابن سينا، منها شرح ابن النفيس . ولقد كان عثور قطب الدين على هذه الشروح إشباعا لرغبته‬
‫الملحة في التوصل إلى إجابات عن استفساراته في قانون ابن سينا والتي طالما طاف الديار بحثا عنها.‬
‫ترك قطب الدين مصر متجها إلى سوريا وبها مكث طويل حيث قام بتدريس كتاب الشفاء لبن سينا. ومن سوريا‬
‫رجع قطب الدين إلى الناضول وبه بدأ كتابة شرح على القانون وأسماه اشرح كليات القانون . وفي عام 096هـ /‬
‫1921 م استقر قطب الدين في تبريز والتي كانت وقتها تحت حكم جازان خان خليفة أحمد تكدر، كما كانت‬
‫مركزا ثقافيا هاما للعالم السلمي. وبها مكث قطب الدين بقية عمره واهبا نفسه للكتابة حتى وافته المنية عام‬
‫017هـ / 1131 م.‬
‫اشتهر الشيرازي بإنجازاته المتنوعة ففي الفلك أكمل الكثير من التجارب الفلكية التي لم يكملها أستاذه نصير الدين‬
‫الطوسي. فقد طور أنموذجا فلكيا لعطارد الذي بدأ به الطوسي، وفي الطبيعيات اكتشف مسببات قوس قزح ،‬
‫وعلق على كروية الرض تعليقا علميا، وشرح النقاط الغامضة في مؤلفات أستاذه. كما علق وشرح كتاب القانون‬
‫لبن سينا.‬
‫ترك قطب الدين الشيرازي عددا كبيرا من المؤلفات معظمها في الفلك والطبيعيات والطب. من أهمها: كتاب‬
‫اشرح التذكرة النصيرية في الهيئة ، وكتاب التحفة الشاهية في الهيئة ، وكتاب نهاية الدرا ك في دراية الفل ك‬
‫، وكتاب التبصرة في الهيئة ، ورسالة في حركة الدحرجة والنسبة بين المستوي والمنحني ، وكتاب تحرير‬
‫الزيج الجديد الرضواني ، وكتاب بعض مشكلت المجسطي . وكتاب درة التاج لغرة الديباج وهو في الطبيعيات‬
‫ومن أهم كتبه. وفي الطب كتاب نزهة الحكماء وروضة البطباء وهو شرح وتعليق على قانون ابن سينا ، ورسالة‬
‫في بيان الحاجة إلى الطب وآداب البطباء ووصاياهم ، ورسالة البرص .‬
‫الفارابي )062-933هـ / 378 -059م(‬

‫صورة العود من كتاب الموسيقى الكبير للفارابي‬
‫محمد بن محمد بن أوزلغ بن طرخان )الشريف( وكنيته أبو نصر، وقد عرف في الغرب باسم"الفارابيوس".‬
‫ولقب في الشرق بالمعلم الثاني بعد أرسطو المعلم الول. وهو ثاني الفلسفة العلماء في الحضارة السلمية بعد‬
‫الكندي‬
‫كان الفارابي فيلسوفا وباحثا نظريا موسوعيا في العلوم، كان عالما نظريا في علوم الحياة والموسيقى والفيزياء‬
‫والكيمياء والرياضة والطب والفلك، ولم يكن ممارسا لها. وهو تركي العنصر والبيئة. وكان أبوه جنديا ويقال إنه‬
‫كان من حرس الخليفة، وقد ولد بمدينة "وسيج" إحدى مدن إقليم فاراب أو "باراب" كما ينطقها التراك، وهي‬
‫ولية في حوض نهر "سيرداريا" في بلد ما وراء النهر. وقد دخل السلم هذه الولية في عهد السامانيين بعد‬
‫غزو "نوح بن أزاد" لمدينة "أسيجاب" سنة 522هـ - 048م، قبل مولد الفارابي بخمسة وثلثين عاما. وهي‬
‫منطقة سبخة، لكن بها غياض ومزارع في غربي نهر سيرداريا، على مسافة فرسخين جنوبي مدينة "كدر"‬
‫عاصمة إقليم فاراب الذي تسكنه قبائل تركية من أجناس الغز والخزلج.‬
‫ ّ‬
‫وارتحل الفارابي في سن ناضجة من هذه البيئة طلبا لمواطن الثقافة في عصره، بمدينة حران ثم بمدينة بغداد‬
‫وَ‬
‫وكانت مكتبة السكندرية قد انتقلت إلى حران بعد أن مكثت مائة وأربعين عاما في أنطاكية، وكان ذلك في خلفة‬
‫المتوكل )232-742هـ / 478 -168م(، وكانت حران قد أصبحت بهذا النتقال وريثة للثقافة اليونانية. وفي‬
‫حران تلقى الفارابي أطرافا من علوم الوائل على يد يوحنا بن هيلن، وكان عالما متعمقا في المنطق فقرأ عليه‬
‫الفارابي المنطق.‬
‫ثم ارتحل الفارابي مع رؤساء مدرسة حران إلى بغداد ومن بينهم ثابت بن قرة ، في خلفة المعتضد )972-‬
‫982هـ / 298 -209م(، وانضم إلى حلقة أبي بشر متى بن يونس. وكان واسع الطلع على فلسفة أرسطو،‬
‫ويحتل مركز الصدارة ببغداد في دراسة المنطق، كما كان مترجما غزير النتاج، لكنه كان سقيم العبارة، وكان‬
‫لذلك أثره على عبارة الفارابي.‬
‫ومع مهارة الفارابي في العلوم الحكمية وتفوقه على أستاذه بشر بن متى فلم تبرز مكانته في بغداد، ولذلك انتقل‬
‫إلى بلط سيف الدولة الحمداني بمدينة حلب عام 033هـ - 249م. واستظل برعاية هذا المير العربي الممتاز‬
‫الذي رعى صفوة من أهل العلم والدب.‬
‫وظل الفارابي يتنقل بين حلب و دمشق ويطيل المقام في دمشق، فبها حدائق وبساتين وينابيع، وتحيط بها غوطة‬
‫دمشق، وكان هذا الجو خير إطار لمزاج الفارابي المفكر المتأمل.‬
‫وقد ذكر ابن خلكان أن أبا نصر الفارابي قد أقام بمصر زمنا، قطع به إقامته في بغداد، وأنه أتم في مصر تأليف‬
‫كتابيه السياسة المدنية و المدينة الفاضلة .‬
‫ويذكر أن الفارابي كان زري الملبس، يلبس أحيانا قلنسوة بلقاء ، وأنه كان منكبا على التحصيل، ل يحفل بأمر‬
‫مكسب أو مسكن، ويعيش بأربعة دراهم في كل يوم أجراها عليه سيف الدولة الحمداني من بيت المال، ولم يقبل‬
‫الفارابي سواها في كل يوم لقناعته.‬
‫وكان الفارابي يؤثر الوحدة، ول يجالس الناس، وكانت إقامته بدمشق دائما عند مكان يجتمع فيه الماء والخضرة،‬
‫وعنده كان يؤلف كتبه، ويلجأ إليه المشتغلون بعلمه من تلميذه. وربما لهذا السبب كانت طريقته في التأليف، فقد‬
‫كانت أكثر مؤلفاته فصول وتعاليق مملة، وقد وجد بعضها متناثرا ومبتورا.‬
‫وتسجل طريقة أسفار الفارابي البيان التالي:‬
‫ارتحل الفارابي من بغداد في نهاية عام 033هـ -149م ووصل إلى حلب في نهاية العام نفسه. ثم ارتحل إلى‬
‫دمشق عام 133هـ، وغشي بلط سيف الدولة من عام 433هـ -549م إلى عام 633هـ -749م. ثم رحل إلى مصر‬
‫عام 733هـ -849 م وهو العام الذي كانت فيه دمشق تتبع سلطان مصر. ثم رحل الفارابي عائدا إلى دمشق عام‬
‫833هـ -949م.‬
‫وتوفي الفارابي في العام التالي في شهر رجب 933هـ -ديسمبر 059م. وكان ذلك حين أغارت على دمشق‬
‫عصابة لصوص من مدينة عسقلن على الساحل الجنوبي من فلسطين، وهاجمت هذه العصابة فيمن هاجمتهم أبا‬
‫نصر الفارابي، ودار بين المهاجمين والمدافعين عن الفارابي قتال قتل فيه أبو نصر الفارابي، ونقل جثمانه إلى‬
‫دمشق في برد شهر يناير، وصلى سيف الدولة الحمداني على جثمانه مع عدد من خواصه. ودفن الفارابي بظاهر‬
‫دمشق، خارج سورها عند الباب الصغير، وقد جاوز الثمانين من عمره.‬
‫ومن أهم إنجازات الفارابي أنه كان أول من وضع نواة أو منهجا لدائرة معارف إنسانية وعلومها في عصره،‬
‫وذلك في كتابه إحصاء العلوم وأنه أول من تكلم عن نظرية العقد الجتماعي وسبق بذلك المفكر الفرنسي "جان‬
‫نَ‬
‫جاك روسو" )ت 2911هـ -8771م( بعدة قرون، وذلك في معرض حديثه عن الروابط الج تماعية في‬
‫المجتمعات النسانية، وعندما عدد الروابط الجتماعية المشتركة فقال: "والتشابه بالخلق والشيم الطبيعية في‬
‫اللسان واللغة، والشتراك في المنزل، ثم الشتراك في المساكن والمدن، ثم الشتراك في الصقع ، وأعلى هذه‬
‫الروابط كلها العدالة". كما بحث في المجتمع السياسي ونشوء الدولة ونظامها من وجهة نظر حياتية فلسفية‬
‫وأخلقية وأودع ذلك كله في كتابه: المدينة الفاضلة .‬
‫وقد سجل مؤرخو الموسيقى أن الفارابي قد طور آلة القانون الموسيقية. وأنه أول من قدم وصفا للة الرباب‬
‫نَ‬
‫الموسيقية ذات الوتر الواحد، والوترين المتساويين في الغلظة، وأنه أول من عرف صناعة الموسيقى ومصطلح‬
‫نَ‬
‫الموسيقى، وأنه قد وضع بعض المصطلحات الموسيقية وأسماء الصوات التي ل تزال تستعمل إلى اليوم.‬
‫وقد ذكر الفارابي نظرية في الجاذبية الرضية سبق بها العالم نيوتن بألف عام مما أدهش علماء الغرب وجعلهم‬
‫يتساءلون عن سر هذا التشابه بين آراء الفارابي ونيوتن.‬
‫ويعد الفارابي أول من عرف علقة الرياضيات بالموسيقى. ومن هذه العلقة كانت بوادر علم اللوغاريتمات وقد‬
‫نَ‬
‫أكد ذلك العلماء الغربيون. وربما كان هذا هو السر الذي يكمن في اهتمام الفارابي بالموسيقى ومبادئ النغم‬
‫واليقاع ويظهر ذلك في كتابه الموسيقى الكبير .‬
‫وقد ألف الفارابي العديد من الكتب والرسائل خلل حياته وأسفاره، فقد ذكر مؤرخو العلوم أنه ألف أكثر من مائة‬
‫مؤلف. ألف في المنطق خمسا وعشرين رسالة، وكتب أحد عشر شرحا على منطق أرسطو، وسبعة شروح‬
‫أخرى على سائر مؤلفات أرسطو. ووضع أربعة مداخل لفلسفة أرسطو، وخمسة مداخل للفلسفة عامة، وعشر‬
‫رسائل دفاعا عن أرسطو وأفلطون وبطليموس وإقليدس. وخمسة عشر كتابا في ما وراء الطبيعة، وسبعة كتب‬
‫في الموسيقى وفن الشعر، وستة كتب في الخل ق والسياسة، وثلثة كتب في علم النفس.‬
‫كما وضع تصنيفا للعلوم في كتابه: إحصاء العلوم وترتيبها والتعريف بأغراضها.‬
‫ومعظم كتب الفارابي ورسائله وشروحه مفقودة، وبعضها ل يوجد إل في ترجمات عبرية، ومن كتبه في علوم‬
‫الحياة: المدينة الفاضلة . تحصيل السعادة . سياسة المدينة . أصل العلوم . ومن أهم رسائله في علوم الحياة: علم‬
‫النفس . الحكمة . فصوص الحكمة . أسماء العقل .‬
‫ولعل من أهم كتبه: الموسيقى الكبير وله في الموسي قى أيضا كتب منها: المدخل إلى صناعة الموسيقى ،‬
‫الموسيقى . وله في الفيزياء: المقال ت الرفيعة في أصول علم الطبيعة . وله في الطب: فصل في الطب ، علم‬
‫المزاج زوالزوزان . المبادئ التي بها قوام السجسام زوالرمراض . وله في الرياضيات: المدخل إلى الهندسة‬
‫الوهمية . السرار الطبيعية في دقائق الكشكال الهندسية . وله في الفلك: كتاب: تعليق في النجوم . مقالة: الجهة‬
‫التي يصح عليها القول في أحكام النجوم . وقد رفض الفارابي صناعة التنجيم، وأظهر فساد علم أحكام النجوم‬
‫في رسائل ومن أهمها رسالته العلمية: "النكت فيما ل يصح رمن أحكام النجوم" .‬
‫وما تبقى من مؤلفاته المنطقية والفلسفية وشروحه لرسطو جعل منه مفكرا إسلميا ملقبا بالمعلم الثاني وكان له‬
‫أثر كبير في الفكر الوربي والفكر العربي ومنها: الحرزوف . اللفاظ المستعملة في المنطق . القياس . التحليل .‬
‫الرمكنة المغلطة . الجدل . العبارة ، المقول ت . الفصول الخمسة ليساغوسجي . البرهان .‬

‫ابن رملكا البغدادي )084-065هـ / 7801 -5611م(‬
‫أبو البركات هبة ال بن علي بن ملكا البغدادي، طبيب وفيلسوف اشتهر في القرن السادس الهجري / الثاني عشر‬
‫الميلدي. لقب بأوحد الزمان، وعرفه عامة الناس باسم البلدي. ولد ونشأ بالبصرة ، ثم سافر إلى بغداد وعمل في‬
‫قصور الخليفتين العباسيين المقتدي ، والمستنصر، وحظي بمكانة عظيمة، حتى لقب بفيلسوف العراقيين في‬
‫عصره.‬
‫ولد ابن ملكا البغدادي في أسرة من أصل يهودي، وترعرع بين آل ملته، ولكنه قبل وفاته اعتنق السلم وتفقه فيه‬
‫حتى صار حجة وصار في مقدمة علماء المسلمين في العلوم التطبيقية. وكان سبب إسلمه أنه دخل يوما إلى‬
‫الخليفة المستنجد بال، فقام جميع من حضر إل قاضي القضاة كان حاضرا ولم يقم مع الجماعة لكون ابن ملكا‬
‫ذميا. فقال: يا أمير المؤمنين، إن كان القاضي لم يوافق الجماعة لكونه يرى أني على غير ملته، فأنا أسلم بين يدي‬
‫مولنا، ول أتركه ينتقصني بهذا، وأسلم.‬
‫وقد كان لبن ملكا البغدادي اهتمام كبير بالطب في صغره، حتى إنه صار يجلس عند باب كبير الطباء في زمانه‬
‫وهو الحسن سعيد بن هبة ال بن الحسين يستمع لشرحه لطلبه كي يتعلم مهنة الطب. وكان الحسن من المشايخ‬
‫المتميزين في صناعة الطب، وكان له تلميذ عدة يأتون إليه كل يوم للقراءة عليه، وكان يرفض أن يحضر مجلسه‬
‫يهوديا أصل. وكان ابن ملكا يريد أن يجتمع به، وأن يتعلم منه، وحاول ذلك بكل الطر ق، فلم يقدر على ذلك. فكان‬
‫يتخادم للبواب الذي له، ويجلس في دهليز الشيخ بحيث يسمع جميع ما يقرأ عليه، وما يجري معه من البحث، وهو‬
‫كلما سمع شيئا تفهمه وعلقه عنده. وذات مرة كان الشيخ الكبير يناقش مسألة مع طلبته محاول الحصول على‬
‫الجابة، فصعب ذلك على الشيخ وعلى تلميذه. وبقوا مدة يتداولون هذه المسألة واحدا بعد الخر حتى ألهم ال‬
‫سبحانه ابن ملكا حل هذا المشكلة. فلما كان بعد مدة سنة أو نحوها. جرت مسألة عند الشيخ، وبحثوا فيها فلم‬
‫يعثروا لها عن جواب وبقوا متطلعين إلى حلها. فلما تحقق منها أبو البركات، دخل وخدم الشيخ، وقال: يا سيدنا،‬
‫عن أمر مولنا أتكلم في هذه المسألة؟ فقال: قل إن كان عندك فيها شيء فأجاب عنها بشيء من كلم جالينوس،‬
‫وقال:- يا سيدنا، هذا جرى في اليوم الفلني من الشهر الفلني، في ميعاد فلن، وعل  ق بخاطري من ذلك اليوم.‬
‫فبقي الشيخ مستعجبا من ذكائه وحرصه، وطلب منه أن يخبره عن الوضع الذي كان يجلس فيه ويستمع إلى هذه‬
‫الدروس، فأعلمه به. فقال: من يكون بهذه المثابة ما نستحل أن نمنعه من العلم، وقربه من ذلك الوقت، وصار من‬
‫أجل تلميذه.‬
‫ولقد اشتهر ابن ملكا البغدادي بجرأته في مداواة المرضى، فكان رحمه ال ل يتردد في أخذ القرارات في إجراء‬
‫العمليات الجراحية الخطيرة، كما كان ينصح طلبه بأن الطبيب الناجح إذا اقتنع بأن ليس لديه حل بديل عن إجراء‬
‫العملية الجراحية، فإنه ل يجب أن يعطي المريض النطباع في أنه ليس مقتنعا، حتى ل يجعل المريض متخوفا،‬
‫وربما يقوده تخوفه إلى صعوبة شفائه. كما كان ابن ملكا من علماء العرب والمسلمين الذين اعتنوا بالمراض‬
‫النفسية التي تصيب الناس، وحاول جاهدا أن يعالجها بأسلوب اليحاء الذي أدهش لها علماء الطب في القرن‬
‫العشرين.‬
‫ولقد عرف ابن ملكا بأنه موفق في المعالجة لطيف في المباشرة، خبير بعلوم الوائل، حلو العبارة، لطيف‬
‫الشارة، وقف على كتب المتقدمين والمتأخرين في هذا الشأن، فكانت نصائحه يتناقلها العلماء بعده واحدا بعد‬
‫الخر.‬
‫فمن أقواله:- الخطيب هو الذي تصدر عنه الخطابة، ومن‬
‫شرطه أن يكون متنسكا مستعففا فصيحا بليغا، يقدر على‬
‫استمالة السامعين واستدراجهم، ويعرف أخل ق الناس،‬
‫ويكلمهم على قدر عقولهم. الخير الحقيقي أربعة: العفة‬
‫والشجاعة والحكمة والعدالة. عادة الدنيا لطف الحواس‬
‫وقد لقى ابن ملكا في حياته صعوبات كثيرة، فحين أسلم، عاداه أبناء جلدته من اليهود وصار معزول من عائلته‬
‫وبناته الثل ث اللتي رفضن أن يسلمن وبقين على دين اليهودية . ورغم يقينه أن بناته سوف يحرمن من إرثه، إل‬
‫أنه أصر على إسلمه. وكذلك اتهمه السلطان محمد بن ملكشاه ذات مرة بأنه أساء علجه فحبسه مدة. كما أصيب‬
‫في صحته، ففقد بصره في آخر عمره، وأصيب بأمراض كثيرة ولكنه صبر على ذلك، فقضى معظم أوقاته في‬
‫القراءة والبحث في مخطوطات القدمين، في مختلف العلوم. وظل على ذلك حتى وافته المنية بهمذان عن عمر‬
‫يناهز الثمانين عاما.‬
‫ترك ابن ملكا العديد من المؤلفات في الطبيعيات والطب. فمن الطبيعيات له كتاب المعتبر في الحكمة وهو‬
‫موسوعة كاملة في الطبيعيات وأهم أعماله فيه صياغة أولية لقوانين الحركة، ول سيما القانون المتعلق بالفعل ورد‬
‫الفعل والذي اشتهر فيما بعد بقانون نيوتن الثالث للحركة. كما له مقال في سبب ظهور الكواكب ليل زواختفائها‬
‫نهارا . أما مقالته في الطب فله مقال اختصار التشريح في كلم سجالينوس، وكتاب القراباذين )من ثل ث‬
‫مقالت(، ومقال في الدزواء ، ومقال اختصار التشريح .‬

علماء 1

  • 1.
    ‫بعض علماء الفيزياء..‬ ‫ابن الهائم )357-518 هـ / 0531 -2141 م(‬ ‫أبو العباس شهاب الدين أحمد بن محمد بن عماد الدين بن علي المعروف بابن الهائم المصري المقدسي ،‬ ‫رياضي وعالم فرائض اشتهر في القرن الثامن الهجري / الرابع عشر الميلدي. ولد بالقاهرة ، وفيها حفظ القرآن‬ ‫ودرس مبادئ العلم الولى. وعندما بلغ سن الشباب غادر إلى القدس وفيها أقام بقية عمره، ومنها جاء نسبه‬ ‫المقدسي.‬ ‫قام ابن الهائم بعد استقراره في القدس بتدريس علم الرياضيات وعلوم الشريعة لطلب العلم، فاشتهر بذلك وعل‬ ‫شأنه وأصبح من أبرز علماء الرياضيات في العالم السلمي. ولعل أهم ما ميز ابن الهائم هو طريقته في التدريس‬ ‫التي أسسها على تقوى ال، فكثيرا ما كان يحث طلبه أن يكونوا قدوة حسنة في العمل الجاد والتمسك بدينهم‬ ‫الحنيف. فلقبه الناس بالمعلم، فأحبه تلميذه وقدروه وحاولوا تقليده.‬ ‫ولقد كان ابن الهائم يقضي نهاره في التدريس، ثم ينتقل بعد ذلك إلى المسجد القصى فكان يقضي وقته هناك يعظ‬ ‫الناس ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويفقههم في الدين حتى صار من كبار فقهاء السلم في الدعوة‬ ‫والرشاد والفتاء.‬ ‫وقد كان لهتمام ابن الهائم بعلوم الشريعة أثر كبير في توجيهه علم الرياضيات لخدمة الدين، فاهتم اهتماما بالغا‬ ‫بعلم الفرائض ومسائل حساب الميراث وتوزيع التركات حتى أصبح أعلم أهل زمانه في هذا العلم لدرجة أنه‬ ‫عرف بالفرضي ،وما زال ابن الهائم على هذه الحال حتى وافته المنية عام 518هـ / 2141 م. عن عمر يناهز‬ ‫اثنين وستين عاما.‬ ‫وتتجلى شهرة ابن الهائم في علم الحساب أنه ابتكر طرقا مبسطة لعمليات ضرب العداد )فمثل يكون ضرب أي‬ ‫عدد في خمسة عشر بجمع نصف قيمة ذلك العدد إليه ثم الضرب في عشرة(. ولقد أودع هذه الطريقة في كتابه‬ ‫المعروف باسم اللمع في الحساب وهي رسالة تجمع بين العلم والدب وقد قام بشرحها تلميذه سبط المارديني.‬ ‫كما ترك ابن الهائم عددا آخر من المؤلفات كان معظمها في علم الحساب والجبر والفرائض من أهمها: كتابه‬ ‫أسنان المفتاح وهي ملخص لكتابه المعونة في الحساب الهوائي ، وله في الحساب الهوائي أيضا كتاب مختصر‬ ‫في علم الحساب المفتوح الهوائي ، ومن كتبه أيضا كتاب الحاوي في الحساب ، وكتاب /1 2 مرشدة الطالب‬ ‫إلى أسنى المطالب وقد شرح هذا الكتاب الشيخ عبدال الشنشوري. ومن مؤلفاته في الجبر كتاب المقنع في‬ ‫الجبر والمقابلة ، وقد قام بنظمه في قصيدة لمية من حوالي ستين بيتا شرحها في رسالة بعنوان المسمع في‬ ‫شرح المقنع . كما له شرح الرجوزة الياسمينية لبن الياسمين في الجبر. ومن أعماله في الفرائض كتاب غاية‬ ‫السول في القرار بالدين المجهول ، ورسالة التحفة المقدسية /21 وهي نظم في كيفية حساب الرث.‬ ‫البيروني )263-044هـ / 379 -8401م(‬ ‫رسالة في صنعة السطرلب‬ ‫أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني، فيلسوف ومؤرخ ورحالة وجغرافي ولغوي وشاعر، وعالم في الرياضيات‬
  • 2.
    ‫والطبيعيات والصيدلة. اشتهرفي القرن الرابع الهجري / العاشر الميلدي. ولد في قرية من ضواحي مدينة كاث‬ ‫عاصمة دولة خوارزم. ولكن ل يعرف نسبته على وجه التحديد، كما أشار هو نفسه بقوله "أنا في الحقيقة ل‬ ‫أعرف نسبتي... ول أعرف من كان جدي".‬ ‫رحل البيروني عن مسقط رأسه وهو في العشرين من عمره، حيث ظهرت عبقريته في علوم كثيرة، وتفتحت‬ ‫على مختلف فروع العلم. وعندما سمت مكانته العلمية، وارتفعت منزلته الدبية، بدأت تتنافس عليه العروش‬ ‫والقصور. فتبناه أول بناة الحكمة والعلم من بني سامان ببخارى ، حيث ذاع صيته، وقدرت مكانته العلمية‬ ‫والدبية عندهم، وتوثقت صلته بهم. وهناك تعرف على الشيخ الرئيس ابن سينا الذي زامله قرابة عشرين عاما.‬ ‫فانتظما معا في المذاكرة والمناظرة، وتبادل الراء والرسائل، وعلت مكانتهما عند المير نوح بن منصور‬ ‫الساماني، الذي ازدانت مكتبته بنفائس وذخائر مؤلفاتهما.‬ ‫وفي عام 883هـ / 899 م. تألق نجم المير الديب الحكيم قابوس بن وشمكير أمير جرجان الملقب بشمس‬ ‫المعالي، حيث أخذ ينافس آل سامان على جذب هذين النجمين اللذين كانا يضيئان قصور آل سامان ببخارى. فأخذ‬ ‫المير شمس المعالي يطلب من أبي الريحان النتقال إليه ، لكنه رفض وفاءا لل سامان الذين كان ملكهم يومئذ‬ ‫اً‬ ‫يضطرب تحت الفتن والدسائس الداخلية والحروب الخارجية مع ملوك كاشغر في الشرق، وملوك غزنة في‬ ‫الغرب.‬ ‫وعندما سقط ملك السامانيين خرج أبو الريحان مستصحبا معه ابن سينا إلى جرجان تلبية لرغبة أميرها شمس‬ ‫المعالي الذي أحسن ضيافتهما، وطابت نفسهما بالقامة في قصره ، حيث كان يهتم بجهابذة العلم وعباقرة الحكمة‬ ‫وعمالقة الدب. وفي هذا القصر كتب البيروني كتابه الاثار الباقية من القرون الخالية وأهداه إلى شمس المعالي.‬ ‫وفي جرجان قابل البيروني أيضا أستاذه في الطب أبا سهل عيسى. وظل معا حتى قامت الثورة العسكرية التي‬ ‫أطاحت بعرش شمس المعالي وأتت على حياته فخرج البيروني راجعا إلى وطنه خوارزم. وهناك استقر في مدينة‬ ‫جرجانية أصبحت فيما بعد ع اصمة خوارزم. وهناك اشتغل البيروني في مجمع العلوم الذي أسسه أمير خوارزم‬ ‫مأمون بن مأمون. وفي هذا المجمع قابل البيروني العالم مسكويه ، وانضم إليه لحقا زميل رحلته ابن سينا.‬ ‫وفي خوارزم أقام البيروني سبع سنوات في خدمة المير مأمون، حيث أصبحت له عند المير مكانة كبيرة،‬ ‫وقدرا عظيما، إذ عرف المير مكانته من العلم، فاتخذه مستشارا له، وأسكنه معه في قصره، وكان يبدي له‬ ‫اً‬ ‫مظاهر الحترام والتقدير.‬ ‫وفي عام 704هـ / 6101 م. قام بعض جنود المير مأمون بثورة ضده وقتلوه، مما أدى إلى دخول صهره محمود‬ ‫بن سبكتكين الغزنوي خوارزم للنتقام من القتلة، وضم البيروني إلى حاشيته، وانتقل معه إلى بلده غزنة.‬ ‫لزم البيروني السلطان محمود الغزنوي في كل رحلته وغزواته. ومن خلل هذه الرحلت دخل البيروني الهند‬ ‫مع السلطان محمود في غزواته لهذه البلد والتي بلغت سبع عشرة غزوة في المنطقة الشمالية الغربية من الهند،‬ ‫واستمرت حتى سنة 414 هـ / 4201 م. ولقد صاحب البيروني السلطان الغزنوي ثلث عشرة مرة، مما أتاح له‬ ‫أن يحيط بعلوم الهند وتعلم من لغاتها السنسكريتية، إلى جانب إجادته العربية، والفارسية، واليونانية، والسريانية،‬ ‫فاستطاع أن يتوصل إلى المراجع الرئيسية. وهو ما كان ما يريده البيروني.‬ ‫ولكن المور لم تساعد البيروني كثيرا، إذ لم يكن السلطان محمود الغزنوي من المهتمين بالعلم كثيرا، لذا كان‬ ‫عديم الهتمام بأحاديث البيروني ومحاضراته. ولحسن حظه أن هذا المر لم يدم كثيرا، إذ ما لبث أن اعتلى‬ ‫عرش البلد أكبر أولد السلطان وهو مسعود الغزنوي وكان ذا رغبة مشتعلة، وبصيرة نافذة لتقبل العلوم ودراسة‬ ‫أسرارها. فأعطى البيروني المكانة اللئقة وقدم له ما يحتاجه من معونة أثناء بقائه في الهند. وعندما رجع‬ ‫البيروني من الهند ليستقر في قصر المير مسعود، أهدى له كتابه الشهير القانون المسعودي في الهيئة والنجوم.‬ ‫ولما حمل البيروني هذه الهدية إلى السلطان مسعود، أراد السلطان أن يكافئه على هذه الهدية الثمينة، فأرسل له‬ ‫ثلثة جمال محملة من نقود الفضة ، فردها أبو الريحان البيروني قائل: إنه إنما يخدم العلم للعلم ل للمال. كما ألف‬ ‫البيروني كتابا آخر وهو الدستور وأهداه إلى شقي ق المير مودود بن محمود الغزنوي. ولقد بقي البيروني في‬ ‫غزنة، ولم يغادرها منقطعا إلى الدرس والبحث والعلم والتأليف حيث كتب معظم مؤلفاته الشهيرة.‬ ‫ولقد كان البيروني مجتهدا في البحث لدرجة أن أحد أصدقائه كان يزوره وهو مريض جدا ، فسأله البيروني عن‬ ‫موضوع سبق أن ناقشه فيه. فقال له صديقه: أفي هذه الحالة؟ فرد البيروني: يا هذا أودع الدنيا وأنا عالم بهذه‬ ‫المسألة، أل يكون خيرا من أن أتركها وأنا جاهل بها. فدار النقاش بينهما حتى اقتنع البيروني ثم خرج صديقه،‬ ‫وفي الطريق سمع عن وفاة البيروني. فكانت وفاته عام 044هـ / 8401 م عن عمر يناهز الثمانين.‬ ‫وتعود شهرة البيروني الحقيقية إلى مؤلفاته الغزيرة التي تظهر علمه الوافر ونبوغه الفكري بالضافة إلى انتمائه‬ ‫الديني الواضح في كل كتابته التي يزينها دائما بآيات القرآن الكريم. ويظهر انتماؤه إلى السلم ولغة القرآن بقوله‬ ‫في مقدمة كتابه الصيدنة في الطب : "ديننا والدولة عربيان توءمان، يرفرف على أحدهما القوة اللهية وعلى‬ ‫الخر اليد السماوية؛ وكم احتشد طوائف من التوابع، وخاصة منهم الحيل والديلم في إلباس الدولة جلبيب العجمة‬ ‫فلم تنفق لهم في المراد سوق. ومادام الذان يقرع آذانهم كل يوم خمسا؛ وتقام الصلوات بالقرآن العربي المبين‬ ‫خلف الئمة صفا صفا؛ ويخطب به لهم في الجوامع بالصلح كانوا لليدين والفم، وحبل السلم غير منفصم ،‬
  • 3.
    ‫وحصنه غير منثلم".‬ ‫كتب البيروني في شتى المعارف فألف في حقل الرياضيات والفلك والطب والصيدلة، والداب والجغرافيا‬ ‫والتاريخ. ولكن أكثر اهتمامه قد تركز على الفلك والرياضيات والطبيعيات. ففي علم الفلك برهن البيروني على‬ ‫حقائق علمية هامة منها مساحة الرض ونسبتها للقمر ، وعن أن الشمس هي مركز الكون الرضي، وعن بعد‬ ‫الشمس عن القمر، وعن مساحة الرض ونسبتها للقمر، وبعدها عن جرم الشمس وأبعاد المجموعة الشمسية عن‬ ‫الرض، وبعد الكوكب عن الخر في المجموعة وهو أول من قال إن الشمس هي مركز الكون الرضي مخالفا‬ ‫كل ما كان سائدا في وقته من آراء تتفق كلها على أن الرض هي مركز الكون. كما أثبت أن أوج الشمس غير‬ ‫ثابت. وقد استطاع ب ناء على أربعة أرصاد في المواسم الربعة أن يحسب مقدار هذه الحركة بواسطة الحساب‬ ‫التفاضلي، وقد كان المقدار النهائي الذي أثبته الفلكيون المسلمون لهذه الحركة هو )90.21( ثانية في السنة، وهو‬ ‫تحديد يختلف قليل عن المقدار المثبت في العصر الحاضر وهو )64.11( ثانية في السنة. كما رصد الكسوف‬ ‫والخسوف وشرح بطريقة واضحة، الشفق والغسق. وحسب محيط الرض بدقة فائقة ، وحدد القبلة التي يتجه‬ ‫إليها المسلمون عند أداء صلتهم ، مستعمل نظرياته الرياضية. ومن المسائل المعروفة باسم البيروني مسائل‬ ‫عديدة ، منها التي ل تحل بالمسطرة والفرجار ، مثل: محاولة قسمة الزاوية إلى ثلثة أقسام متساوية ، وحساب‬ ‫قطر الرض، وأن سرعة الضوء تفوق سرعة الصوت .‬ ‫وقد أولى البيروني عناية كبيرة لعلم الجبر فدرس مؤلفات محمد بن موسى الخوارزمي وفهمها فهما تاما ،‬ ‫وأضاف إليها الكثير من التعليقات ، كما درس المعادلة الجبرية ذات الدرجة الثالثة وطورها بحلوله الهندسية‬ ‫والتحليلية. وحل المعادلة المشهورة في القرون الوسطى )س 3 = 1 3س(، وحصل على نتيجة مرضية لجذورها‬ ‫مقربة للغاية إلى ستة منازل عشرية. واشتهر ببرهان القانون المعروف بجيب الزاوية مستخدما المثلث المستوى.‬ ‫وفي حقل الكيمياء اتفق البيروني مع الكندي في رفض ادعاء القائلين بإمكانية تحويل المعادن الرخيصة إلى‬ ‫ذهب ، وأنكر سعيهم وراء الكسير. وقد انصبت اهتماماته على دراسة عدة صناعات كانت قائمة في زمنه،‬ ‫كطلء الواني الفخارية، وتحضير الفولذ المعد لصنع السيوف ، واستخل ص الزئبق من الزنجفر. وعرف بعض‬ ‫الطرائق الكيمياوية الهامة كالتصعيد، والتسامي، والتقطير، والتشميع، والترشيح إضافة إلى تحضير عدد من‬ ‫المركبات الكيمياوية.‬ ‫ويعرف أبو الريحان البيروني أيضا بالصيدلني المحترف بجمع الدوية واختيار الجود من أنواعها مفردة‬ ‫ومركبة على أفضل التراكيب التي خلدها له مبرزو أهل الطب ، وهذه أولى مراتب صناعة الطب ، إذا كان‬ ‫الترقي فيها من أسفل إلى أعلى.‬ ‫ترك البيروني ما يقارب ثلثمائة مؤلف من بين كتاب ورسالة بشتى اللغات. منها حوالي )381( مؤلفا باللغات‬ ‫العربية من أشهرها بخلف ما ذكر كتاب ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة ، وكتاب الجماهر في‬ ‫معرفة الجواهر ، وكتاب التفهيم لوائل صناعة التنجيم ، وكتاب تحديد نهايات الماكن لتصحيح مسافات‬ ‫المساكن ، ورسالة استيعاب الوجوه الممكنة في صنعة السطرلب . وكتاب رؤية الهلة ، ومقالة في تحديد‬ ‫مكان البلد باستخدام خطوط الطول والعرض ، وكتاب المسائل الهندسية ، ورسالة في معرفة سمت القبلة ،‬ ‫ورسالة في الميكانيكا واليدروستاتيكا .‬ ‫ابن سينا )073-824هـ / 089 -7301م(‬ ‫كتاب القانون في الطب لبن سينا‬
  • 4.
    ‫أبو علي الحسينبن عبد ال بن الحسن بن علي بن سينا، فيلسوف وطبيب وعالم طبيعي اشتهر في القرنين الرابع‬ ‫والخامس الهجريين / الحايدي عشر الميليدي. ولد في أفشنة وهي قرية مجاورة لبخارى )التي تقع ال ن في‬ ‫جمهورية أزبكستا ن السوفيتية(.‬ ‫نشأ ابن سينا وترعرع في ظل أسرة مستقيمة متكاملة، فقد كا ن والده من بلخ، ثم انتقل إلى بخارى في أيام حكم‬ ‫المير نوح بن منصور حيث قام على ضيعة من ضياع بخارى اسمها خرميثن، ولكنه سكن بأفشنة وأقام بها،‬ ‫حيث كانت قريبة من مقر عمله، ومن هذه القرية اختار زوجته سارة التي أنجبت له ولدين أكبرهما هو ابن سينا‬ ‫ثم انتقلت السرة بعد ذلك إلى بخارى.‬ ‫ولما كا ن أبوه من الحكام فقد استطاع أ ن يوفر له ولخيه تعليما مثاليا بالنسبة لثقافـة ذلك العصر. فأحضر لهما‬ ‫والدهما معلما للقرآ ن ومعلما لليدب. وفي سن العاشرة كا ن ابن سينا قد أتم حفظ القرآ ن ويدرس كثيرا من كتب‬ ‫اليدب، ثم أرسله أبوه إلى رجل يعلمه الحساب، وكا ن هذا الرجل بقال، إل أنه كا ن عليما بالحساب. ثم يدرس ابن‬ ‫سينا الفقه وطرق البحث والمناظرة، وقرأ التصوف فكا ن من أفضل السالكين فيه.‬ ‫ثم قدم إلى بخارى رجل اسمه أبو عبد ال الناتلي وكا ن يدعى المتفلسف، فنزل ضيفا في يدار ابن سينا فعلمه شيئا‬ ‫من الفلسفة أثناء إقامته عندهم. فبدأ الناتلي بكتاب في المنطق. ولكن ابن سينا كا ن يتصور المسائل المنطقية خيرا‬ ‫منه، وكثيرا ما بهر أستاذه بمعرفته بدقائق المنطق وتفصيلته. وتولى ابن سينا بعد ذلك قراءة كتب المنطق‬ ‫هُ‬ ‫وشروحها بنفسه حتى أتقن هذا العلم ووقف على يدقائقه. ثم شرع بعد ذلك في يدراسة كتاب في أصول الهندسة‬ ‫وقرأه على أستاذه أيضا، لكنه لم يقرأ عليه سوى خمسة أو ستة أشكال من أول الكتاب، ثم تولى بعد ذلك تعلم بقية‬ ‫الكتاب بنفسه. ولما غايدر أستاذه إلى بخارى، أخذ ابن سينا في يدراسة العلم الطبيعي، وانفتحت عليه أبواب العلم‬ ‫فعرج على الطب فدرسه ونبغ فيه في مدة قصيرة، إذ لم يجده ابن سينا من العلوم الصعبة فأتقنه حتى أصبح‬ ‫متميزا فيه، ولجأ إليه كبراء الطب يقرءو ن عليه أنواعه والمعالجات المقتبسة من التجربة، كما تولى علج‬ ‫المرضى، ولم يكن يتقاضى أجرا نظير ذلك.‬ ‫تفرغ ابن س ينا للدرس وانقطع للعلم، فلم ينم ليلة واحدة بطولها ول اشتغل في النهار بغير العلم، وفي خلل هذه‬ ‫المدة لم ينقطع عن يدراسة الفقه وجميع أجزاء الفلسفة. وكانت له طريقته الخاصة في فهم القضايا والحجج، فقد‬ ‫كا ن يرتب المسألة التي يريد فهمها على شكل قياس منطقي، ويجتهد في إيجايد الحد الوسط واستكشافه، لنه كا ن‬ ‫يعتقد أنه ل يمكنه فهم المسألة إل إذا عرف الحد الوسط. وكا ن يجهد نفسه في ذلك، فأحيانا يقع على الحد الوسط‬ ‫بعد طول عناء، وأحيانا أخرى ييأس من ذلك فيقوم إلى الجامع فيتوضأ ويصلي ويتجه إلى ال بالدعاء رجاء أ ن‬ ‫يوفقه ويفتح عليه مغاليق المسألة، ثم يأوي إلى فراشه فيفتح ال عليه في المنام ما انغلق عليه فيستيقظ في الصباح‬ ‫ويتصدق على الفقراء حمدا ل على ما أنعم عليه من نعم.‬ ‫ولقد أنهى ابن سينا تحصيل جميع العلوم المعروفة في عصره وهو في سن السايدسة عشرة. وحدث بعد ذلك أ ن‬ ‫المير نوح بن منصور مرض، وحار الطباء في علجه، فجرى اسم ابن سينا في حضرة المير، فأمر بإحضاره‬ ‫ليشارك الطباء المشورة والعلج. فحضر وقام على علج المير حتى شفي. فقربه المير، ثم استأذنه ابن سينا‬ ‫بعد ذلك في أ ن يدخل مكتبة القصر، فأذ ن له المير. وكانت مكتبة ضخمة لم يكن يدخلها أحد إل بإذ ن المير. فقرأ‬ ‫ابن سينا كل ما في المكتبة وظفر بفوائدها وعرف مرتبة كل رجل في علمه حتى احترقت هذه المكتبة في‬ ‫اضطرابات حدثت بالدولة السامانية، ولم يبق منها إل ما حواه ابن سينا بعقله وقلبه.‬ ‫ولقد فرغ ابن سينا من تحصيل جميع العلوم من لغة وفقه وحساب وهندسة ومنطق وفلسفة وطب وهو في سن‬ ‫الثامنة عشر، ووقف على تفصيلتها ويدقائقها وأغراضها، إل علما واحد استعصى عليه ولم يفهمه وهو علم ما‬ ‫بعد الطبيعة )اللهيات(. فقد قرأ كتاب أرسطو في هذا العلم ولم يفهم منه شيئا، وأعايد قراءته أربعين مرة حتى‬ ‫حفظه عن ظهر قلب يدو ن أ ن يفهمه. وفي يوم من اليام ذهب إلى السوق فعرض عليه يدلل كتابا صغيرا في‬ ‫أغراض ما بعد الطبيعة، فريده ابن سينا ريدا متبرما متحججا بأنه علم ل فائدة منه. فأخبره الدلل بأ ن الكتاب سعره‬ ‫ثلثة يدنانير فقط وصاحبه في حاجة إلى ثمنه، فاشتراه منه، فإذا هو كتاب الفارابي في أغراض ما بعد الطبيعة.‬ ‫فأسرع ابن سينا إلى البيت وقرأه فانفتح ما استغلق عليه في الحال لنه كا ن يحفظ كت اب أرسطو، ففرح لهذا‬ ‫وتصدق كثيرا على الفقراء. لكن العلم لم ينضج في ذهنه إل بعد أ ن بلغ مدارك الرجال، واكتسب الخبرات من‬ ‫السفر والترحال.‬ ‫بدأ ابن سينا أسفاره بعد أ ن اضطربت أمور الدولة السامانية، وبعد أ ن مات والده وكا ن عمره اثنتين وعشرين سنة‬ ‫آنذاك، فخرج من بخارى إلى كركانج، وكا ن يلبس زي الفقهاء، فأكرمه أمير خوارزم وقرر له راتبا شهريا يقوم‬ ‫به. وانتقل بعد ذلك إلى جرجا ن وخراسا ن وقصد المير قابوس فأكرم وفايدته. ولما أسر المير قابوس وسجن‬ ‫غايدر إلى يدهستا ن ومرض بها مرضا صعبا، فغايدر إلى جرجا ن، حيث التقى بأبي عبد ال الجوزجاني.‬ ‫وفي جرجا ن تنقل ابن سينا من قصر أمير إلى آخر حتى تقلد الوزارة مرتين لشمس الدولة في همدا ن. وقد عانى‬ ‫كثيرا من الدسائس والفتن التي كانت مستعرة بين أمراء ذلك العصر حتى أنه تعرض للتشريد والنهب والسجن‬ ‫والطريد من الوظائف السياسية. ولكنه رغم هذه الحياة السياسية المتقلبة لم ينقطع عن الكتابة والدرس والتأليف.‬
  • 5.
    ‫فكا ن يبدأالدرس مع تلميذه في أول الليل، يملي عليهم الكتب يدو ن أ ن يحضره الكتاب، وفي الصباح يذهب إلى‬ ‫الوزارة يدير شئونها.‬ ‫ولقد تميزت إسهامات ابن سينا في جوانب كثيرة من المعرفة أويدعها مؤلفاته العديدة التي وصلت ما يقارب مائتين‬ ‫وخمسين مؤلفا، بين كتاب ورسالة ومقالة، صنفها في شتى أنواع العلوم والمعارف منها الرياضيات والمنطق،‬ ‫والخلق، والطبيعيات، والطب، والفلسفة. إل أ ن أبرز إنجازاته تظهر في مجال الطب فصنف فيه كتابه القانون‬ ‫، الذي وضع فيه ملحظات يدقيقة مثل ربطه بين السل وأمراض الرئة الخرى، والشارة إلى يدور الماء والتربة‬ ‫في نقل العدوى المرضية إضافة إلى الربط بين العوامل النفسية والعاطفية والمرض وأسباب الشذوذ. ولقد نال هذا‬ ‫الكتاب شهرة كبيرة في الوساط الطبية، فقد شرحه من قبل عديد كبير من الطباء الذين جاءوا من بعده. كما ترجم‬ ‫إلى لغات أوروبية عديدة، حيث ظل يدرس في جامعات أوروبا طوال أربعة قرو ن متصلة. علوة على ذلك فيعد‬ ‫ابن سينا واحدا من أشهر الشعراء الذين وضعوا أرجوزات في العلوم. وتعد أرجوزته في الطب من أشهر هذه‬ ‫الرجوزات.‬ ‫أما عن إسهاماته في الطبيعيات، فتظهر في كتبه الشفاء ، والنجاة ، والاشارات . ولقد تميزت فلسفة ابن سينا‬ ‫بأنها تؤلف بين الفلسفة اليونانية والفلسفة السلمية. وقد كا ن ابن سينا من الرافضين لفكرة تحويل المعايد ن‬ ‫الرخيصة إلى ذهب . كما يدرس الظواهر الطبيعية كقوس قزح وتشكل الصورة بورويد الضوء إلى العين. وناقش‬ ‫فكرة الما ل نهاية، وقال إ ن سرعة الضوء ل نهائية، ويدرس علقة الزمن بالحركة، وأجرى تجاربه وقياساته‬ ‫لحساب الكثافة النوعية للعديد من الموايد، وابتكر ميزانا للحرارة يقوم على تمديد الغاز المحصور.‬ ‫و مما يؤسف له أ ن ابن سينا رغم عقليته الفذة في الطب وسائر العلوم لم يكن من المهتمين بصحتهم. ففي آخر‬ ‫حياته كثرت عليه المراض، وحاول بعض خدمه التخلص منه لنهب أمواله، وشعر هو بضعف صحته، وعرف‬ ‫أ ن قوته قد سقطت فامتنع عن مداواة نفسه حتى أيدركته المنية عام 824هـ / 7301 م بهمدا ن.‬ ‫فخر الدين الرازي )345-606هـ / 8411 -9021م(‬ ‫أول كتاب شرح الكليات لفخر الدين الرازي‬ ‫محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين بن علي التميمي البكري الرازي المعروف بفخر الدين الرازي أو ابن‬ ‫خطيب الري. وهو عالم موسوعي امتدت بحوثه ويدراساته ومؤلفاته من العلوم النسانية اللغوية والعقلية إلى‬ ‫العلوم البحتة في: الفيزياء، الرياضيات، الطب، الفلك.‬ ‫ولد فخر الدين الرازي بمدينة الري عام 345هـ /8411 م، وكا ن والده المام ضياء الدين عمر بن الحسن فقيها‬ ‫اشتغل بعلم الخلف في الفقه وأصول الفقه، وله تصانيف كثيرة في الصول والوعظ وغيرهما. وعلى يد والده‬ ‫تعلم فخر الدين العلوم اللغوية والدينية، وتتلمذ العلوم العقلية على يد مجد الدولة الجيلي بمدينة مراغة ) قرية‬ ‫مشهورة بأذربيجا ن (.‬ ‫وصار لفخر الدين الرازي تلميذ صاروا علماء كبارا من بينهم: زين الدين الكشي، والقطب المصري، وشهاب‬ ‫الدين المصري. وقد كا ن فخر الدين الرازي شديد الدقة في أبحاثه، جيد الفطرة، حايد الذكاء، حسن العبارة، قوي‬ ‫النظر في صناعة الطب ومباحثها، عارفا باليدب، ويتقن العربية والفارسية، وله شعر باللغتين العربية والفارسية.‬ ‫وكا ن طلب العلم يقصدونه من كافة البلدا ن يعشقو ن مجلسه والستماع إليه، وكا ن يعقد مجالسه العلمية حيثما حل‬ ‫في بليد فارس، وخراسا ن، وبليد ما وراء النهر، وكا ن يقرب منه في حلقات يدرسه تلميذه الكبار، وبقية الطلب‬ ‫والمراء والعظماء من مستمعيه في حلقات تتلوها حلقات.‬
  • 6.
    ‫وقد حدث فيإحدى هذه المجالس أ ن حمامة يطاريدها‬ ‫صقر رفرفت في يدائر صحن جامع هراة وسقيفته،‬ ‫وكانت العيو ن ترقبها فلم تجد ملذا لها سوى أ ن تدخل‬ ‫إيوا ن الجامع، ومرت بين الصفوف المتحلقة، وفوق‬ ‫الرءوس، واستقرت في حجر فخر الدين الرازي، فراح‬ ‫يربت على رأسها وريشها، ففر الصقر هاربا ونجت‬ ‫الحمامة، وكا ن الشاعر شرف الدين حاضرا المجلس،‬ ‫فارتجل شعرا في حكاية الحمامة، ومدح فخر الدين‬ ‫الرازي.‬ ‫وقد عانى فخر الدين الرازي في صباه وشبابه الكثير من أخيه الكبر سنا الملقب بالركن، وكا ن أخوه الركن‬ ‫يعرف شيئا من علوم الفقه والصول، لكنه كا ن أهوج كثير الختلل، ولذلك كا ن أبوهما ل يخفي إيثار فخر الدين‬ ‫الرازي على أخيه الكبر، لذا كا ن هذا ال خ الكبر يشعر بالغيرة من أخيه فخر الدين الرازي. فقد كا ن يتبعه في‬ ‫أسفاره ويسير خلفه يشنع عليه ويسفه المشتغلين بكتبه والناظرين في أقواله محتجا بأنه أكبر منه وأعلم وأكثر‬ ‫معرفة بالفقه وأصوله، متعجبا من الناس كيف يقولو ن فخر الدين الرازي ول يقولو ن ركن الدين، ومع ذلك كا ن‬ ‫فخر الدين الرازي حينما يبلغه هذا المر يشعر بالشفاق عليه ويسارع بالحسا ن إليه.‬ ‫وقد عانى فخر الدين الرازي في شبابه المشقات في أسفاره في طلب العلم، فقد غايدر الري قاصدا بخارى ليكتسب‬ ‫جديدا من العلم، ويكسب بعض المال وكانت بخارى ما زالت منارة من منارات العلم والمعرفة، ونزل في الطريق‬ ‫بخوارزم وعقد بها حلقة للعلم تحدث فيها بالفارسية والعربية بآراء لم ترض أهل خوارزم فأخرجوه منها، وقصد‬ ‫ ِ‬ ‫بخارى فوجد أهلها مثل أهل خوارزم، وعانى من الفقر والجوع، فآوى إلى مسجدها الجامع إلى أ ن رعاه رجل من‬ ‫أهل بخارى، وجمع له مال من أموال الصدقات. وعايد فخر الدين الرازي بعد ذلك إلى الري وأمن إلى طبيب‬ ‫حاذق له ثروة وله بنتا ن تزوج إحداهما، وتوفي هذا الطبيب بعد قليل فورثت ابنته ثروة ل بأس بها.‬ ‫وتوجه فخر الدين الرازي إلى السلطا ن شهاب الدين الغوري صاحب غزنة، فبالغ في إكرامه، ثم توجه فخر الدين‬ ‫الرازي إلى خراسا ن، واتصل بالسلطا ن خوارزم شاه محمد بن تكش، ويقال إنه قد أرسله رسول إلى الهند في‬ ‫بعض أموره.‬ ‫ومن بعد خراسا ن توجه فخر الدين الرازي إلى هراة )بلدة في إيرا ن(، وقد عزم على القامة مع أهله وولديه بها،‬ ‫واستقر فخر الدين الرازي في أواخر حياته بمدينة هراة، وصارت له بها يدار فخمة أعطاها له السلطا ن خوارزم‬ ‫شاه محمد بن تكش الذي كا ن حريصا يدائما على حضور مجالسه العلمية. وقد كا ن يعقد مجالسه العلمية بمسجد‬ ‫هراة. وقد توفي بهراة، ويدفن بظاهر هراة عند جبل قريب منها عام 606هـ /9021 م.‬ ‫وفخر الدين الرازي بمجمل مؤلفاته هو أول من ابتكر الترتيب وفق قواعد المنطق في كتبه، من حيث ترتيب‬ ‫نَ‬ ‫المقدمات واستنباط النتائج مراعيا التقسيم إلى أبواب، وتقسيم البواب إلى فصول، وتقسيم الفصول إلى مسائل فل‬ ‫تشذ منه مسألة، حتى انضبطت له القواعد، وانحصرت معه المسائل. وفخر الدين الرازي هو أول من قال من‬ ‫نَ‬ ‫العرب: إ ن علم المنطق علم قائم بذاته وليس جزءا من غيره.‬ ‫ومن أهم إنجازات فخر الدين الرازي أنه كا ن من أوائل العلماء الذين قالوا بنظرية الورويد في الضوء من‬ ‫المبصرات إلى العين، وفي كيفية البصار . وقد فسر فخر الدين الرازي حدوث الصوت في كتابه المباحث‬ ‫الشرقية بسببين: الول منهما قريب يحدث من صدم ف سكو ن فصدم فسكو ن. والثاني منهما بعيد ويحدث من‬ ‫عاملين: القرع . القلع .‬ ‫وقد اكتشف فخر الدين الرازي الفرق بين قوة الصدمة والقوة الثابتة، فالولى زمنها قصير، والثانية زمنها طويل.‬ ‫كما اكتشف أ ن الجسام كلما كانت أعظم كانت قوتها أقوى، وزما ن فعلها أقصر، وأ ن الجسام كلما كانت أعظم‬ ‫كا ن ميلها إلى أحيازها الطبيعية أقوى وكا ن قبولها للميل القسري أضعف.‬ ‫وقد ذكر فخر الدين الرازي أ ن الحركة حركتا ن: حركة طبيعية سببها موجويد في الجسم المتحرك، وحركة قسرية‬ ‫سببها خارج عن الجسم المتحرك. كما عزا فخر التغير الطارئ على سرعة الجسم إلى المعوقات التي يتعرض‬ ‫لها، ولولها لحتفظ الجسم بسرعة ثابتة إذ أ ن تغير السرعة مرهو ن بتغير هذه المعوقات، يداخلية كانت أو‬ ‫خارجية. وكلما كانت المعوقات أقوى كانت السرعة أضعف.‬ ‫وذكر فخر الدين الرازي أ ن الجسمين إذا اختلفا في قبول الحركة الطبيعية، لم يكن ذلك الختلف بسبب المتحرك‬ ‫بل بسبب اختلف حال القوة المحركة بين الجسمين، فالقوة في الجسم المتحرك الكبر، أكثر مما في الجسم‬ ‫المتحرك الصغر. وأ ن الجسمين المتحركين حركة قسرية تختلف حركتهما ل لختلف المحرك بل لختلف‬ ‫المتحرك، فالمعاوق في الكبير أكثر منه في الصغير.‬ ‫وشرح القانو ن الثالث من قوانين الحركة الذي يقول: لكل فعل ريد فعل مساو له في المقدار ومضايد له في التجاه.‬ ‫ ٍ‬
  • 7.
    ‫وقد شارك فخرالدين الرازي العالم العربي المسلم ابن ملكا البغدادي في القول بأن الحلقة المتزنة بتأثير قوتين‬ ‫متساويتين تقع تحت تأثير فعل ومقاومة أي أن هناك فعل ورد فعل متساويين في المقدار ومتضادان في التجاه‬ ‫يؤديان إلى حالة التزان.‬ ‫وقد ألف فخر الدين الرازي كتبا كثيرة، وشرح كتبا أقل، في شتى العلوم والفنون في عصره، خلل حياة امتدت‬ ‫أربعة وستين عاما. ومن أهم شروحه شرح الاشارات والتنبيهات للعالم ابن سينا .‬ ‫ومن أهم كتبه في الفيزياء: المباحث الشرقية وهو كتاب موسوعي على غرار كتاب ابن ملكا البغدادي: المعتبر‬ ‫في الحكمة وهو من أشهر كتبه، وقد أودع فيه كافة إنجازاته العلمية.‬ ‫ومن أهم كتبه في الرياضيات: مصادرات إقليدس وهو كتاب في الهندسة. ومن أهم مؤلفاته في الفلك: رسالة في‬ ‫علم الهيئة . ومن أهم كتبه في الطب: مسائل ف ي الطب . كتاب في النبض . كتاب في الاشربة . وكتابان لم‬ ‫يتمهما: الطب الكبير أو الجامع الملكي الكبير . كتاب في التشريح من الرأس إلى القدم . وهو كتاب هام في علم‬ ‫التشريح وله شروح لبعض كتب ابن سينا الطبية وهي: القانون في الطب . الكليات . عيون الحكمة .‬ ‫قطب الدين الشيرازي )436-017هـ / 6321 -0131م(‬ ‫كتاب نهاية الدراك في دراية الفلك‬ ‫قطب الدين محمد بن ضياء الدين مسعود بن مصلح الفارسي الشيرازي، قاض، ومفسر، وعالم بالطبيعيات اشتهر‬ ‫في القرن السابع الهجري / الثالث عشر الميلدي. ولد في مدينة شيراز ببلد فارس عام 436هـ لسرة مشهورة‬ ‫بالطب والتصوف فقد كان أبوه ضياء الدين أستاذا صوفيا وطبيبا مشهورا.‬ ‫تلقى قطب الدين في شيراز تعليمه الساسي، كما تلقى بعض الممارسات الخاصة بالطب والتصوف تحت إشراف‬ ‫والده. وبالضافة إلى هذا فقد تعلم قطب الدين في طفولته عددا كبيرا من الصناعات ماعدا صناعة الشعر. ولقد بدأ‬ ‫قطب الدين تعلمه للطب مبكرا، إذ لم يتجاوز عمره آنذاك العشر سنوات.‬ ‫وببلوغه الرابعة عشرة من عمره وفي حضرة وفاة والده أسند لقطب الدين وظيفة والده كطبيب ممارس في‬ ‫مستشفى مظفر بشيراز. وبقي في هذا المنصب قرابة عشر سنوات. وأثناء هذه المدة التي قضاها في مستشفى‬ ‫مظفر درس لقطب الدين ثلثة أساتذة كلهم كانوا من أعمامه. ثم انتقل إلى أستاذه كمال الدين أبي الخير الكيزروني‬ ‫ومعه درس كليات ابن سينا . ومع أستاذه شمس الدين محمد بن أحمد الكبشي درس قطب الدين العلوم الدينية.‬ ‫سافر قطب الدين إلى بغداد عام 566هـ / 8621 م، حيث اشترك في الحلقة العلمية لشرف الدين زكي البشكاني،‬ ‫ومن خلل اشتراكه في دروس شرف الدين استطاع قطب الدين أن يطلع على شروح ابن سينا في الطب وكذلك‬ ‫أعمال الرازي . وقد وجد قطب الدين من خلل اطلعه على هذه العمال لذة في دراسة فلسفة وطب ابن سينا،‬ ‫ولكن لم يكن في ذاك الوقت من هو أهل لن يشبع رغبة قطب الدين في معرفة المزيد في هذه العلوم. ولهذا‬ ‫السبب ترك قطب الدين وظيفته في مستشفى المظفر متجها إلى مراغة عام 066هـ.‬ ‫تتلمذ قطب الدين في مراغة على يد أستاذه نصير الدين الطوسي ولقد كان اختيار قطب الدين للستاذ والمكان‬ ‫اختيارا موفقا، فقد كان نصير الدين الطوسي أحد أساتذة الفلسفة والفلك في وقته، كما أنه كان مديرا لمرصد‬ ‫مراغة الذي كان قد اكتمل بناؤه وبدئ العمل فيه وقت أن وصل قطب الدين لمراغة. ولم يكن مرصد مراغة هذا‬ ‫مرصدا فلكيا فقط وإنما كان مكتبة ضخمة تحوي أكث ر من أربعمائة ألف كتاب، بعضها كان مؤلفات لشهر‬ ‫علماء اليونان.‬
  • 8.
    ‫مكث قطب الدينفي مرصد مراغة عدة سنوات حضر خللها الحلقات العلمية التي كان يعقدها نصير الدين‬ ‫الطوسي، حتى أخبره أستاذه نصير الدين أن يتفرغ لدراسة الرياضيات والفلك. أخذ قطب الدين بنصيحة أستاذه،‬ ‫حتى كان لهما عمل مشتركا في مجال الفلك عرف باسمها لحقا كأحد أفضل أعمال القرن الثامن الهجري /‬ ‫الرابع عشر الميلدي، أل وهو تصور كامل لحركة الكواكب.‬ ‫أكمل قطب الدين دراسته لفلسفة ابن سينا على يد أستاذه نصير الدين، وقرأ أحد أهم كتب ابن سينا المعروف باسم‬ ‫الاشارات والتنبيهات . كما أكمل أيضا دراسة كتاب القانون لبن سينا، واستطاع بمساعدة أستاذه ومن خلل‬ ‫تواجده في مكتبة مراغة أن يجد إجابات للمعضلت التي واجهها أثناء قراءته لهذا الكتاب في شيراز.‬ ‫ولما كانت رغبته في معرفة المزيد تفوق ما كانت مكتبة مراغة تمنحه إياه، فقد آثر قطب الدين الرحيل إلى‬ ‫خراسان. وهناك درس مع نجم الدين القزويني الذي كان فيلسوفا وفلكيا ورياضيا مشهورا في وقته. وبعدها توجه‬ ‫قطب الدين إلى قزوين ثم أصفهان . وهناك ارتبط قطب الدين بالعمل مع حاكمها، بهاء الدين محمد الجويني. ثم‬ ‫غادر قطب الدين أصفهان إلى بغداد، وهناك قابل عددا من أساتذة التصوف كان من بينهم محمد بن السكران‬ ‫البغدادي.‬ ‫غادر قطب الدين بغداد متجها إلى الناضول وقابل بها جلل الدين الرومي، أحد أشهر شعراء التصوف في‬ ‫السلم. ولكن قطب الدين لم يمكث طويل في الناضول، إذ غادرها متوجها إلى قنا، وبها تتلمذ على أستاذه صدر‬ ‫الدين القناوي، فدرس معه الطريقة الصوفية والتفسير وعلوم الحديث. وفي قنا استطاع قطب الدين أن يقابل عددا‬ ‫كبيرا من العلماء الذين اتخذوا من قنا ملجأ بعد أن غزا التتار الجزء الشرقي للعالم السلمي.‬ ‫وبوفاة صدر الدين القناوي، غادر قطب الدين قنا متجها إلى سيواس وملطايا في قطاع الناضول وكانت وقتها‬ ‫تحت حكم المغول، حيث تقلد منصب القضاء فيها بتعيين من معين الدين بروانة، الحاكم السلجوقي لقطاع‬ ‫الناضول، وكان قطب الدين قد تعرف عليه سابقا أثناء تواجده في قنا. ولما كان معظم عمل قطب الدين ينجز من‬ ‫قبل مساعديه، فقد تفرغ قطب الدين للتدريس والكتابة.‬ ‫قام قطب الدين بعدة زيارات لتبريز، عاصمة الخنديين في فارس. من خلل زياراته المتكررة لتبريز، أصبح‬ ‫قطب الدين صديقا قريبا لحمد تكدر وهو ابن لهولكو ملك التتار. وكان لهذه الصداقة أثر كبير في اعتناق أحمد‬ ‫تكدر السلم. وبسبب صلة قطب الدين بالخنديين فقد قدر له أن يعمل بالسياسة.‬ ‫وفي عام 186هـ أرسل أحمد تكدر، قطب الدين برفقة كمال الدين الرافعي وبهاء الدين بهلوان كسفراء عنه إلى‬ ‫المستنصر سيف الدين قلوون، سلطان المماليك في مصر، وذلك حتى يشهروا إسلم أحمد له، وكذلك للتوصل‬ ‫إلى السلم بين المماليك والتتار. وعلى الرغم أن قطب الدين لم يفلح في مهمته السياسية، إل أن رحلته إلى مصر‬ ‫كانت موفقة جدا من الناحية العلمية. فأثناء زيارته إلى مصر، عرج قطب الدين على مكتبات مصر وهناك وجد‬ ‫شروح لقانون ابن سينا، منها شرح ابن النفيس . ولقد كان عثور قطب الدين على هذه الشروح إشباعا لرغبته‬ ‫الملحة في التوصل إلى إجابات عن استفساراته في قانون ابن سينا والتي طالما طاف الديار بحثا عنها.‬ ‫ترك قطب الدين مصر متجها إلى سوريا وبها مكث طويل حيث قام بتدريس كتاب الشفاء لبن سينا. ومن سوريا‬ ‫رجع قطب الدين إلى الناضول وبه بدأ كتابة شرح على القانون وأسماه اشرح كليات القانون . وفي عام 096هـ /‬ ‫1921 م استقر قطب الدين في تبريز والتي كانت وقتها تحت حكم جازان خان خليفة أحمد تكدر، كما كانت‬ ‫مركزا ثقافيا هاما للعالم السلمي. وبها مكث قطب الدين بقية عمره واهبا نفسه للكتابة حتى وافته المنية عام‬ ‫017هـ / 1131 م.‬ ‫اشتهر الشيرازي بإنجازاته المتنوعة ففي الفلك أكمل الكثير من التجارب الفلكية التي لم يكملها أستاذه نصير الدين‬ ‫الطوسي. فقد طور أنموذجا فلكيا لعطارد الذي بدأ به الطوسي، وفي الطبيعيات اكتشف مسببات قوس قزح ،‬ ‫وعلق على كروية الرض تعليقا علميا، وشرح النقاط الغامضة في مؤلفات أستاذه. كما علق وشرح كتاب القانون‬ ‫لبن سينا.‬ ‫ترك قطب الدين الشيرازي عددا كبيرا من المؤلفات معظمها في الفلك والطبيعيات والطب. من أهمها: كتاب‬ ‫اشرح التذكرة النصيرية في الهيئة ، وكتاب التحفة الشاهية في الهيئة ، وكتاب نهاية الدرا ك في دراية الفل ك‬ ‫، وكتاب التبصرة في الهيئة ، ورسالة في حركة الدحرجة والنسبة بين المستوي والمنحني ، وكتاب تحرير‬ ‫الزيج الجديد الرضواني ، وكتاب بعض مشكلت المجسطي . وكتاب درة التاج لغرة الديباج وهو في الطبيعيات‬ ‫ومن أهم كتبه. وفي الطب كتاب نزهة الحكماء وروضة البطباء وهو شرح وتعليق على قانون ابن سينا ، ورسالة‬ ‫في بيان الحاجة إلى الطب وآداب البطباء ووصاياهم ، ورسالة البرص .‬
  • 9.
    ‫الفارابي )062-933هـ /378 -059م(‬ ‫صورة العود من كتاب الموسيقى الكبير للفارابي‬ ‫محمد بن محمد بن أوزلغ بن طرخان )الشريف( وكنيته أبو نصر، وقد عرف في الغرب باسم"الفارابيوس".‬ ‫ولقب في الشرق بالمعلم الثاني بعد أرسطو المعلم الول. وهو ثاني الفلسفة العلماء في الحضارة السلمية بعد‬ ‫الكندي‬ ‫كان الفارابي فيلسوفا وباحثا نظريا موسوعيا في العلوم، كان عالما نظريا في علوم الحياة والموسيقى والفيزياء‬ ‫والكيمياء والرياضة والطب والفلك، ولم يكن ممارسا لها. وهو تركي العنصر والبيئة. وكان أبوه جنديا ويقال إنه‬ ‫كان من حرس الخليفة، وقد ولد بمدينة "وسيج" إحدى مدن إقليم فاراب أو "باراب" كما ينطقها التراك، وهي‬ ‫ولية في حوض نهر "سيرداريا" في بلد ما وراء النهر. وقد دخل السلم هذه الولية في عهد السامانيين بعد‬ ‫غزو "نوح بن أزاد" لمدينة "أسيجاب" سنة 522هـ - 048م، قبل مولد الفارابي بخمسة وثلثين عاما. وهي‬ ‫منطقة سبخة، لكن بها غياض ومزارع في غربي نهر سيرداريا، على مسافة فرسخين جنوبي مدينة "كدر"‬ ‫عاصمة إقليم فاراب الذي تسكنه قبائل تركية من أجناس الغز والخزلج.‬ ‫ ّ‬ ‫وارتحل الفارابي في سن ناضجة من هذه البيئة طلبا لمواطن الثقافة في عصره، بمدينة حران ثم بمدينة بغداد‬ ‫وَ‬ ‫وكانت مكتبة السكندرية قد انتقلت إلى حران بعد أن مكثت مائة وأربعين عاما في أنطاكية، وكان ذلك في خلفة‬ ‫المتوكل )232-742هـ / 478 -168م(، وكانت حران قد أصبحت بهذا النتقال وريثة للثقافة اليونانية. وفي‬ ‫حران تلقى الفارابي أطرافا من علوم الوائل على يد يوحنا بن هيلن، وكان عالما متعمقا في المنطق فقرأ عليه‬ ‫الفارابي المنطق.‬ ‫ثم ارتحل الفارابي مع رؤساء مدرسة حران إلى بغداد ومن بينهم ثابت بن قرة ، في خلفة المعتضد )972-‬ ‫982هـ / 298 -209م(، وانضم إلى حلقة أبي بشر متى بن يونس. وكان واسع الطلع على فلسفة أرسطو،‬ ‫ويحتل مركز الصدارة ببغداد في دراسة المنطق، كما كان مترجما غزير النتاج، لكنه كان سقيم العبارة، وكان‬ ‫لذلك أثره على عبارة الفارابي.‬ ‫ومع مهارة الفارابي في العلوم الحكمية وتفوقه على أستاذه بشر بن متى فلم تبرز مكانته في بغداد، ولذلك انتقل‬ ‫إلى بلط سيف الدولة الحمداني بمدينة حلب عام 033هـ - 249م. واستظل برعاية هذا المير العربي الممتاز‬ ‫الذي رعى صفوة من أهل العلم والدب.‬ ‫وظل الفارابي يتنقل بين حلب و دمشق ويطيل المقام في دمشق، فبها حدائق وبساتين وينابيع، وتحيط بها غوطة‬ ‫دمشق، وكان هذا الجو خير إطار لمزاج الفارابي المفكر المتأمل.‬ ‫وقد ذكر ابن خلكان أن أبا نصر الفارابي قد أقام بمصر زمنا، قطع به إقامته في بغداد، وأنه أتم في مصر تأليف‬ ‫كتابيه السياسة المدنية و المدينة الفاضلة .‬ ‫ويذكر أن الفارابي كان زري الملبس، يلبس أحيانا قلنسوة بلقاء ، وأنه كان منكبا على التحصيل، ل يحفل بأمر‬ ‫مكسب أو مسكن، ويعيش بأربعة دراهم في كل يوم أجراها عليه سيف الدولة الحمداني من بيت المال، ولم يقبل‬ ‫الفارابي سواها في كل يوم لقناعته.‬ ‫وكان الفارابي يؤثر الوحدة، ول يجالس الناس، وكانت إقامته بدمشق دائما عند مكان يجتمع فيه الماء والخضرة،‬ ‫وعنده كان يؤلف كتبه، ويلجأ إليه المشتغلون بعلمه من تلميذه. وربما لهذا السبب كانت طريقته في التأليف، فقد‬ ‫كانت أكثر مؤلفاته فصول وتعاليق مملة، وقد وجد بعضها متناثرا ومبتورا.‬ ‫وتسجل طريقة أسفار الفارابي البيان التالي:‬ ‫ارتحل الفارابي من بغداد في نهاية عام 033هـ -149م ووصل إلى حلب في نهاية العام نفسه. ثم ارتحل إلى‬ ‫دمشق عام 133هـ، وغشي بلط سيف الدولة من عام 433هـ -549م إلى عام 633هـ -749م. ثم رحل إلى مصر‬ ‫عام 733هـ -849 م وهو العام الذي كانت فيه دمشق تتبع سلطان مصر. ثم رحل الفارابي عائدا إلى دمشق عام‬ ‫833هـ -949م.‬ ‫وتوفي الفارابي في العام التالي في شهر رجب 933هـ -ديسمبر 059م. وكان ذلك حين أغارت على دمشق‬ ‫عصابة لصوص من مدينة عسقلن على الساحل الجنوبي من فلسطين، وهاجمت هذه العصابة فيمن هاجمتهم أبا‬
  • 10.
    ‫نصر الفارابي، وداربين المهاجمين والمدافعين عن الفارابي قتال قتل فيه أبو نصر الفارابي، ونقل جثمانه إلى‬ ‫دمشق في برد شهر يناير، وصلى سيف الدولة الحمداني على جثمانه مع عدد من خواصه. ودفن الفارابي بظاهر‬ ‫دمشق، خارج سورها عند الباب الصغير، وقد جاوز الثمانين من عمره.‬ ‫ومن أهم إنجازات الفارابي أنه كان أول من وضع نواة أو منهجا لدائرة معارف إنسانية وعلومها في عصره،‬ ‫وذلك في كتابه إحصاء العلوم وأنه أول من تكلم عن نظرية العقد الجتماعي وسبق بذلك المفكر الفرنسي "جان‬ ‫نَ‬ ‫جاك روسو" )ت 2911هـ -8771م( بعدة قرون، وذلك في معرض حديثه عن الروابط الج تماعية في‬ ‫المجتمعات النسانية، وعندما عدد الروابط الجتماعية المشتركة فقال: "والتشابه بالخلق والشيم الطبيعية في‬ ‫اللسان واللغة، والشتراك في المنزل، ثم الشتراك في المساكن والمدن، ثم الشتراك في الصقع ، وأعلى هذه‬ ‫الروابط كلها العدالة". كما بحث في المجتمع السياسي ونشوء الدولة ونظامها من وجهة نظر حياتية فلسفية‬ ‫وأخلقية وأودع ذلك كله في كتابه: المدينة الفاضلة .‬ ‫وقد سجل مؤرخو الموسيقى أن الفارابي قد طور آلة القانون الموسيقية. وأنه أول من قدم وصفا للة الرباب‬ ‫نَ‬ ‫الموسيقية ذات الوتر الواحد، والوترين المتساويين في الغلظة، وأنه أول من عرف صناعة الموسيقى ومصطلح‬ ‫نَ‬ ‫الموسيقى، وأنه قد وضع بعض المصطلحات الموسيقية وأسماء الصوات التي ل تزال تستعمل إلى اليوم.‬ ‫وقد ذكر الفارابي نظرية في الجاذبية الرضية سبق بها العالم نيوتن بألف عام مما أدهش علماء الغرب وجعلهم‬ ‫يتساءلون عن سر هذا التشابه بين آراء الفارابي ونيوتن.‬ ‫ويعد الفارابي أول من عرف علقة الرياضيات بالموسيقى. ومن هذه العلقة كانت بوادر علم اللوغاريتمات وقد‬ ‫نَ‬ ‫أكد ذلك العلماء الغربيون. وربما كان هذا هو السر الذي يكمن في اهتمام الفارابي بالموسيقى ومبادئ النغم‬ ‫واليقاع ويظهر ذلك في كتابه الموسيقى الكبير .‬ ‫وقد ألف الفارابي العديد من الكتب والرسائل خلل حياته وأسفاره، فقد ذكر مؤرخو العلوم أنه ألف أكثر من مائة‬ ‫مؤلف. ألف في المنطق خمسا وعشرين رسالة، وكتب أحد عشر شرحا على منطق أرسطو، وسبعة شروح‬ ‫أخرى على سائر مؤلفات أرسطو. ووضع أربعة مداخل لفلسفة أرسطو، وخمسة مداخل للفلسفة عامة، وعشر‬ ‫رسائل دفاعا عن أرسطو وأفلطون وبطليموس وإقليدس. وخمسة عشر كتابا في ما وراء الطبيعة، وسبعة كتب‬ ‫في الموسيقى وفن الشعر، وستة كتب في الخل ق والسياسة، وثلثة كتب في علم النفس.‬ ‫كما وضع تصنيفا للعلوم في كتابه: إحصاء العلوم وترتيبها والتعريف بأغراضها.‬ ‫ومعظم كتب الفارابي ورسائله وشروحه مفقودة، وبعضها ل يوجد إل في ترجمات عبرية، ومن كتبه في علوم‬ ‫الحياة: المدينة الفاضلة . تحصيل السعادة . سياسة المدينة . أصل العلوم . ومن أهم رسائله في علوم الحياة: علم‬ ‫النفس . الحكمة . فصوص الحكمة . أسماء العقل .‬ ‫ولعل من أهم كتبه: الموسيقى الكبير وله في الموسي قى أيضا كتب منها: المدخل إلى صناعة الموسيقى ،‬ ‫الموسيقى . وله في الفيزياء: المقال ت الرفيعة في أصول علم الطبيعة . وله في الطب: فصل في الطب ، علم‬ ‫المزاج زوالزوزان . المبادئ التي بها قوام السجسام زوالرمراض . وله في الرياضيات: المدخل إلى الهندسة‬ ‫الوهمية . السرار الطبيعية في دقائق الكشكال الهندسية . وله في الفلك: كتاب: تعليق في النجوم . مقالة: الجهة‬ ‫التي يصح عليها القول في أحكام النجوم . وقد رفض الفارابي صناعة التنجيم، وأظهر فساد علم أحكام النجوم‬ ‫في رسائل ومن أهمها رسالته العلمية: "النكت فيما ل يصح رمن أحكام النجوم" .‬ ‫وما تبقى من مؤلفاته المنطقية والفلسفية وشروحه لرسطو جعل منه مفكرا إسلميا ملقبا بالمعلم الثاني وكان له‬ ‫أثر كبير في الفكر الوربي والفكر العربي ومنها: الحرزوف . اللفاظ المستعملة في المنطق . القياس . التحليل .‬ ‫الرمكنة المغلطة . الجدل . العبارة ، المقول ت . الفصول الخمسة ليساغوسجي . البرهان .‬ ‫ابن رملكا البغدادي )084-065هـ / 7801 -5611م(‬ ‫أبو البركات هبة ال بن علي بن ملكا البغدادي، طبيب وفيلسوف اشتهر في القرن السادس الهجري / الثاني عشر‬ ‫الميلدي. لقب بأوحد الزمان، وعرفه عامة الناس باسم البلدي. ولد ونشأ بالبصرة ، ثم سافر إلى بغداد وعمل في‬ ‫قصور الخليفتين العباسيين المقتدي ، والمستنصر، وحظي بمكانة عظيمة، حتى لقب بفيلسوف العراقيين في‬ ‫عصره.‬ ‫ولد ابن ملكا البغدادي في أسرة من أصل يهودي، وترعرع بين آل ملته، ولكنه قبل وفاته اعتنق السلم وتفقه فيه‬ ‫حتى صار حجة وصار في مقدمة علماء المسلمين في العلوم التطبيقية. وكان سبب إسلمه أنه دخل يوما إلى‬ ‫الخليفة المستنجد بال، فقام جميع من حضر إل قاضي القضاة كان حاضرا ولم يقم مع الجماعة لكون ابن ملكا‬
  • 11.
    ‫ذميا. فقال: ياأمير المؤمنين، إن كان القاضي لم يوافق الجماعة لكونه يرى أني على غير ملته، فأنا أسلم بين يدي‬ ‫مولنا، ول أتركه ينتقصني بهذا، وأسلم.‬ ‫وقد كان لبن ملكا البغدادي اهتمام كبير بالطب في صغره، حتى إنه صار يجلس عند باب كبير الطباء في زمانه‬ ‫وهو الحسن سعيد بن هبة ال بن الحسين يستمع لشرحه لطلبه كي يتعلم مهنة الطب. وكان الحسن من المشايخ‬ ‫المتميزين في صناعة الطب، وكان له تلميذ عدة يأتون إليه كل يوم للقراءة عليه، وكان يرفض أن يحضر مجلسه‬ ‫يهوديا أصل. وكان ابن ملكا يريد أن يجتمع به، وأن يتعلم منه، وحاول ذلك بكل الطر ق، فلم يقدر على ذلك. فكان‬ ‫يتخادم للبواب الذي له، ويجلس في دهليز الشيخ بحيث يسمع جميع ما يقرأ عليه، وما يجري معه من البحث، وهو‬ ‫كلما سمع شيئا تفهمه وعلقه عنده. وذات مرة كان الشيخ الكبير يناقش مسألة مع طلبته محاول الحصول على‬ ‫الجابة، فصعب ذلك على الشيخ وعلى تلميذه. وبقوا مدة يتداولون هذه المسألة واحدا بعد الخر حتى ألهم ال‬ ‫سبحانه ابن ملكا حل هذا المشكلة. فلما كان بعد مدة سنة أو نحوها. جرت مسألة عند الشيخ، وبحثوا فيها فلم‬ ‫يعثروا لها عن جواب وبقوا متطلعين إلى حلها. فلما تحقق منها أبو البركات، دخل وخدم الشيخ، وقال: يا سيدنا،‬ ‫عن أمر مولنا أتكلم في هذه المسألة؟ فقال: قل إن كان عندك فيها شيء فأجاب عنها بشيء من كلم جالينوس،‬ ‫وقال:- يا سيدنا، هذا جرى في اليوم الفلني من الشهر الفلني، في ميعاد فلن، وعل ق بخاطري من ذلك اليوم.‬ ‫فبقي الشيخ مستعجبا من ذكائه وحرصه، وطلب منه أن يخبره عن الوضع الذي كان يجلس فيه ويستمع إلى هذه‬ ‫الدروس، فأعلمه به. فقال: من يكون بهذه المثابة ما نستحل أن نمنعه من العلم، وقربه من ذلك الوقت، وصار من‬ ‫أجل تلميذه.‬ ‫ولقد اشتهر ابن ملكا البغدادي بجرأته في مداواة المرضى، فكان رحمه ال ل يتردد في أخذ القرارات في إجراء‬ ‫العمليات الجراحية الخطيرة، كما كان ينصح طلبه بأن الطبيب الناجح إذا اقتنع بأن ليس لديه حل بديل عن إجراء‬ ‫العملية الجراحية، فإنه ل يجب أن يعطي المريض النطباع في أنه ليس مقتنعا، حتى ل يجعل المريض متخوفا،‬ ‫وربما يقوده تخوفه إلى صعوبة شفائه. كما كان ابن ملكا من علماء العرب والمسلمين الذين اعتنوا بالمراض‬ ‫النفسية التي تصيب الناس، وحاول جاهدا أن يعالجها بأسلوب اليحاء الذي أدهش لها علماء الطب في القرن‬ ‫العشرين.‬ ‫ولقد عرف ابن ملكا بأنه موفق في المعالجة لطيف في المباشرة، خبير بعلوم الوائل، حلو العبارة، لطيف‬ ‫الشارة، وقف على كتب المتقدمين والمتأخرين في هذا الشأن، فكانت نصائحه يتناقلها العلماء بعده واحدا بعد‬ ‫الخر.‬ ‫فمن أقواله:- الخطيب هو الذي تصدر عنه الخطابة، ومن‬ ‫شرطه أن يكون متنسكا مستعففا فصيحا بليغا، يقدر على‬ ‫استمالة السامعين واستدراجهم، ويعرف أخل ق الناس،‬ ‫ويكلمهم على قدر عقولهم. الخير الحقيقي أربعة: العفة‬ ‫والشجاعة والحكمة والعدالة. عادة الدنيا لطف الحواس‬ ‫وقد لقى ابن ملكا في حياته صعوبات كثيرة، فحين أسلم، عاداه أبناء جلدته من اليهود وصار معزول من عائلته‬ ‫وبناته الثل ث اللتي رفضن أن يسلمن وبقين على دين اليهودية . ورغم يقينه أن بناته سوف يحرمن من إرثه، إل‬ ‫أنه أصر على إسلمه. وكذلك اتهمه السلطان محمد بن ملكشاه ذات مرة بأنه أساء علجه فحبسه مدة. كما أصيب‬ ‫في صحته، ففقد بصره في آخر عمره، وأصيب بأمراض كثيرة ولكنه صبر على ذلك، فقضى معظم أوقاته في‬ ‫القراءة والبحث في مخطوطات القدمين، في مختلف العلوم. وظل على ذلك حتى وافته المنية بهمذان عن عمر‬ ‫يناهز الثمانين عاما.‬ ‫ترك ابن ملكا العديد من المؤلفات في الطبيعيات والطب. فمن الطبيعيات له كتاب المعتبر في الحكمة وهو‬ ‫موسوعة كاملة في الطبيعيات وأهم أعماله فيه صياغة أولية لقوانين الحركة، ول سيما القانون المتعلق بالفعل ورد‬ ‫الفعل والذي اشتهر فيما بعد بقانون نيوتن الثالث للحركة. كما له مقال في سبب ظهور الكواكب ليل زواختفائها‬ ‫نهارا . أما مقالته في الطب فله مقال اختصار التشريح في كلم سجالينوس، وكتاب القراباذين )من ثل ث‬ ‫مقالت(، ومقال في الدزواء ، ومقال اختصار التشريح .‬