‫د. عماد الدين حسين‬
‫ف�������ي أدب������ي������ات‬
‫ف��ي أدب��ي��ات االفتقاد‬
‫في أدبيات في أدبياتاالفتقاد‬

‫االف��ت��ق��اد‬

‫في أدبيات االفتقاد‬

‫في أدبيات االفتقاد‬

‫في أدبيات االفتقاد‬

‫ف��ي أدبيات‬
‫في أدب��ي��ات‬
‫االف����ت����ق����اد‬
‫االف���ت���ق���اد‬
‫ف���������������������������ي‬
‫أدب����ي����ات االف��ت��ق��اد‬
‫في أدبيات‬
‫االف���ت���ق���اد‬

‫ٌ‬
‫ذكريات تتزاحم... تاريخ متد ومت�صل...‬
‫مُ‬
‫ُ‬
‫ج �ه��اد... م� ��دارات... جن��اح��ات... �صفحات...‬
‫رحلة مفعمة بالأتراح والأفراح... كتاب تقر�أ بني‬
‫�سطور ِه �أكرث مما تقر�أ بني ثنايا �صفحات ِه... فى‬
‫ِّ‬
‫كل زي��ار ٍة �أُطالع الوجه البا�سم... �أقبل اليدين‬
‫ُ‬
‫و�أط�ب��ع الثالثة على جبني ج�سد واه��ن ق�صمته‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫ِ‬
‫�سنوات ال�صمت... و�أثقله زمان الوهن... ف�سقط‬
‫ا�سمه �سهو ًا من قائمة �أقربائه ك�ش�أن كثري من‬
‫ٍ‬
‫الأنقياء والأوفياء فى زمن اجلحود والنكران .‬
‫فى كل ل�ق��اء... �أ��س��أل و�أت�ساءل ... م��اذا لو حل‬
‫املوعد املحتوم و�أنا فى مهجري بني حلي وترحايل؟‬
‫رح �م��اك رب ��ي... رح �م��اك! �أه��و ق��در حم�ت��وم �أن‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ت�صرعنا احلياة وت�أبى �إال �أن ُيغادرها �أحبا�ؤنا‬
‫َِ‬
‫ُ‬
‫ونحن متدثرون برداء الغربات ؟‬
‫رداء ال ُي�سمن وال ُيغنى من ج��وع... املُتدثر به‬
‫ٌ‬
‫يعي�ش يف العراء... فى كل لقاء... تخذلنى قوتي‬
‫وتف�ضحني دموعي... �أجتمل و�أحتمل ولكن تنهار‬
‫ح�صوين دائم ًا حال وداعه .‬
‫لأين ال �أع �ل��م �أه ��و وداع ف� ��راق... �أم �أن ��ه وع �د‬
‫ٌ‬
‫باللقاء...‬

‫ُ‬
‫حا�صرين �شريط الذكريات... يف مهد حياتي... علمني... احتواين... غر�س‬
‫بذور اخلري ف�أثمرت و�أينعت... اختزل يل العامل فى م�سارات و�ضاءة...‬
‫ٍ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫�أه��داين من ينابي ِع احلكم ِة وفي�ض املعرفة... ليتني كنت ذل��ك التلميذ‬
‫ِ‬
‫النجيب... ليتني �أ�صغيتُ حق الإ�صغاء لأ�ستزيد من كنوز املعرف ِة...ليتني‬
‫مل �أبرح حوزته... ليتني الزمت معيته... حينما كنت �أذهب بعيد ًا وبعيد ًا‬
‫جدًّا... �أعود �إليه �سريع ًا و�سريع ًا جدًّا... لأجده ذلك الفار�س... كعادته...‬
‫زاهد ًا... نا�سك ًا فى حمراب ِه ... مل تغري ُه ال�س ُنون ... مل ت�صرعه الأ�سقام‬
‫والأوجاع ... مل يت�أوه قط!‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫هكذا هم الفر�سان حا�ضرون و�إن غابوا... مرتجلون و�إن حب�ستهم الأ�سرة‬
‫البي�ضاء... حماربون و�إن كبلتهم �سال�سل املر�ض... حني �أ�ستقي من ينابيع‬
‫ُ‬
‫خربات ِه... �أ�شعر ب�أنني �أرت�شف ر�شفات من حكم ِة (املهامتا غاندي)...‬
‫ٍ‬
‫و�صرب (�أي� ��وب)... وث��ور ِة (ج�ي�ف��ارا)... و�صالب ِة (تات�شر)... وفل�سف ِة‬
‫ِ‬
‫(�أفالطون )... و�إميان (املحت�سبني )العارفني هلل حق معرفته ... �أمل �أقل‬
‫لكم �إنه النا�سك !‬
‫ابتهاالت �صلوات ِه ما زالت حا�ضرة... تدوي يف الأرجاء... كم احتواين دفء‬
‫ِ ُ‬
‫�أح�ضان ِه يف ليايل ال�شتا ِء املطري... كان فرد ًا لكنه حمل هم �أمة... ق�ضاياها‬
‫م�صريية... كم �أفتقدك �أبتاه!‬
‫ال �أعلم من �أين �أبد�أ الكتابة ؟! عنه �أم له ؟!‬
‫�أبتاه!... مل ينقطع الو�صال بيننا... ها هو قلمي ي�أبى �إال �أن ُيخلد ذكراك‬
‫ِ‬
‫العطرة... وها �أن��ت... احلا�ضردائم ًا مهما تغيبت... كعادتي... ت�سبقني‬
‫دموعي وعجزي �أمام مقامك... �أبتاه ! �سبقتني وا�ستعجلت الرحيل... ال‬
‫تظن �أنك (الغريب )... فمثلك ال يغرتب... ما زال �صوتك �أبتاه يرتدد بني‬
‫�ضلوعي ...‬
‫يا بنى !... الدنيا هينة ..ال متنحها �أكرث مما ت�ستحق ... يا‬
‫بنى! ال تن�س ال�ضعفاء والفقراء واملحتاجني ... ا�صنع املعروف‬
‫َ‬
‫يف �أهل ِه ويف غري �أهل ِه ... وام�ض وال تنتظر ال�شكر..فانتظاره‬
‫ِ‬
‫نفاق.... ليتها امتدت الرحلة �أبتاه ... ولكن هلل ما �أعطى وهلل‬
‫ما �أخذ... وجميعنا ودائع .. ف�إنا له و�إنا �إليه راجعون.‬
‫�أبتاه !‬
‫َ‬
‫كنت بو�صلة حيا ٍة... ونربا�س م�سرية... وتاج ر�أ�س... و�سر وجود‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َّ‬
‫ُ‬
‫.... ونا�سك ًا زاهد ًا فى �صومع ِة احلكماء والأوفياء... وجنم ًا‬

‫ُ‬
‫المع ًا يف كوكب ِة ال ُنبالء والأ�صفياء... وعلم ًا ال ُتخطئه عني...‬
‫َ‬
‫ً‬
‫و ِقبلة يق�صدها كل �ضال وحائر م�ستجري... يقيني �أبتاه �أنه‬
‫ٍ ُ‬
‫�أُريد ب�سفرك هذا خري !‬
‫ولكن ملاذا مل تخربنا �أيها النا�سك الزاهد ؟!‬
‫فنحن مل ن��ر ِو ظ�م��أن��ا بعد م��ن ينابيع حكمتك وخال�ص‬
‫ُن�صحك... �أعلم يا �أبتاه �أن �سفرك طويل... فال �إي��اب...‬
‫ُ‬
‫لكن حول احلو�ض املوعد ب�إذن اهلل... ب�إذن اهلل.‬
‫�أبتاه !‬
‫لعلك تذكر ف��ى �سنوات ع�م��رك الأخ �ي�رة... كيف تبدلت‬
‫ِ ُ‬
‫الأح�� ��وال... و��ض��اع��ت الآم � ��ال... و� �س��اد ق��ان��ون ال �غ��اب...‬
‫وحا�صرتنا الهموم... والزمتنا اخل�ط��وب... كنتُ �آت��ي �إىل‬
‫�صومعتك لتمدين بعونك بعد ع��ون اخل��ال��ق... كنتُ �آتيك‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫لتحتويني... لتدعو يل و ُت ِلح يف الدعاء... وما �أن �أُغادرك حتى‬
‫�أجد نفحات دُعا ِئك الم�ست �أبواب ال�سماء لترتى النعم...‬
‫َ‬

‫وك�أن ج�سدك الهزيل كان للأر�ض مر�سى فتَ�صعدت من ف�ؤادك‬
‫ْ‬
‫ابتهاالت خرقت ال�سماء خرق ًا فا�ستجاب فاطرهما حب ًا ور�ض ًا...‬
‫ُ‬
‫كم ا�ستجاب رب اخلالئق لدعواتك اخلال�صة... له احلمد حتى‬
‫ير�ضى... وله احلمد بعد الر�ضا. واليوم �أبتاه ....‬
‫ملن �أعود؟!‬
‫من �س�أ�سمع منه ترانيم احلكمة والوفاء؟!‬
‫َ‬
‫من �س�أتزود منه قيم النبالء والأجالء؟!‬
‫َ‬
‫كان �صمتك عنوا ًنا... ودعا�ؤك ُبرها ًنا... و�صربك �سلوا ًنا ...‬
‫والآن �ستبقى م�شاعل حكمتك نربا�س ًا..ومالذ ًا �آمن ًا و�سط �شتات‬
‫ِ‬
‫الغربات .‬
‫م��ا زال��ت ي��داي عطرة بلم�سات ج�سدك الطاهر و�أن��ت ُت��وارى‬
‫الرثى... و�أت�ساءل : ماذا ميكن �أن يكون احلال �أبتاه... لو ارت�ضيت‬
‫�صحبتي ؟‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫وك ��أين �أ�سمع هم�سك... يا بنى ال حتزن وال تبتئ�س... كلنا يف‬
‫الدنيا غرباء... و�سنكون فى الآخرة رفقاء..�إنه موعدنا يا بني...‬
‫ما عند اهلل خري و�أبقى... ال تظن �أنني يف غربة... بل �أنتم واهلل‬
‫ِ‬
‫ٌ‬
‫ُ‬
‫يف غربات �أ�شد...‬
‫يا بني ! دعني �أم�ضي مطمئن ًا يف �صمت ...‬
‫ُ‬
‫و�إي��اك �أن ت�أخذك الدنيا... فرتك�ض فيها رك�ض ًا ال ي�صل بك‬
‫ُ‬
‫�إال ملوا�صل الأ�شقياء الغافلني فال تلبث �أن جتد نف�سك يف ظلمة‬
‫اجلوار... والطريقُ طويل والزاد قليل بني... ف�أكرث من الزاد يل‬
‫ُ‬
‫ول��ك... �صدقاتٌ جارية... خ�يراتٌ ورحمات... بر وطاعات...‬
‫ٌّ‬
‫ُ‬
‫و�صلة رحم ٍ ومودات... فهذا �أف�ضل زاد فى رحلتنا يا بني... ا�سع‬
‫ُ ٍ‬
‫َ‬
‫فيها وال حتزن... ازهد فيما عند النا�س تكن �أف�ضل النا�س... فهو‬
‫يوم ت�سود فيه وجوه وتبي�ض فيه وجوه يا بني...‬
‫ٌ‬
‫اللهم اجعلنا ممن تبي�ض وجوههم يوم العر�ض... اللهم �آمني .‬
‫�أبتاه !‬
‫كم ك��ان م��ؤمل� ًا �أن ي��واري��ك ال�ثرى ب �ي��دي... ف��أع��ود �إىل م��دارات‬
‫َّ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫حياتي �أجوب الفيايف من جديد... ونوا�صل حياتنا يف دنيا غرور‬
‫من جديد... دنيا �شحيحة فى معادن الأنقياء قليلة فى قلوب‬
‫�أبتاه !‬
‫�أنا اليوم... وحيدٌ... غريب... هائم... �أبكي بحث ًا عن و�صاياك‬
‫ٌ‬
‫ٌ‬
‫الغالية بني جنباتي...‬
‫ما �أ�صعب فقدان الأحبة !‬
‫ما �أق�سى غياب ال�سند والعون!‬
‫ما �أ�شقاين من بعدك !‬
‫�أبتاه !‬
‫اليوم... �أفتقدك غائب ًا... وغد ًا... �أجاورك حا�ضر ًا...‬
‫الأوفياء... تطحننا برحاها ... ُتورثنا الأ�سقام والأوجاع...‬
‫�إنه �سباق حمموم �أبتاه نحو الدرهم والدينار...حمد ًا هلل‬
‫�أن��ك كنت مبن�أى عن تلك الأح�لام الواهية التى ت�سرق‬
‫العمر وتطحن برحاها الب�شر...‬
‫�أبتاه !‬
‫ُب�شراك... ُب�شراك... لقد ق��ر�أتَ كتاب الدنيا من �آخر‬
‫ًّ‬
‫�صفحاته ومل ترغب يف �إ�ضاعة وقتك وعمرك... كنت حقا‬
‫ُ‬
‫ح�صيف ًا م�ستنري ًا... فكانت جتارتك رابحة .‬
‫ُ‬
‫هنيئ ًا ل��ك ب�أ�سهمك ف��ى ال��زه��د وال��وف��اء... هنيئ ًا لك‬
‫ب�سنداتك فى العطف على الفقراء هنيئ ًا لك الت�سامي مع‬
‫ُ‬
‫الأعداء قبل الأحباء... هنيئ ًا لك بقلب مل ت�ش ْبه �شائبة...‬
‫هنيئ ًا لك بعفو وغفران... يكفيك �سنوات مر�ضك و�أنت‬
‫ت���ص��ارع ع ��دوا خ �ف � ًّي��ا... مل ي�برح ج�سدك رغ��م تعاقب‬
‫ًّ‬
‫ال�سنوات والأزمات... ولكنك كنت الفار�س دائم ًا ب�صربك‬
‫واحت�سابك.‬

‫(�أثناء رحلة العودة من القاهرة �إىل �أبوظبي بعد وفاة الوالد يرحمه اهلل‬
‫فى 82/10/9002م)‬

‫	 •الرئي�س التنفيذي ملجموعة ( ‪) CMI-CEO‬‬

‫	‬
‫	‬
‫	‬
‫	‬
‫	‬

‫•م�ست�شار رئي�سي ـ التطوير والتميز امل�ؤ�س�سي‬
‫• مقيم رئي�سي معتمد ( ‪) EFQM Master Assessor , Belgium‬‬
‫•مدرب معتمد ( ‪) EFQM Licensed Trainer, Belgium‬‬
‫•مدرب معتمد فى �إدارة املعرفة ( ‪) CKM Instructor KMI, USA‬‬
‫•حمكم جتاري دويل مبركز �أبوظبي للتوفيق والتحكيم التجاري ( ‪) Chartered Arbitrator‬‬

في أدبيات الأفتقاد

  • 1.
    ‫د. عماد الدينحسين‬ ‫ف�������ي أدب������ي������ات‬ ‫ف��ي أدب��ي��ات االفتقاد‬ ‫في أدبيات في أدبياتاالفتقاد‬ ‫االف��ت��ق��اد‬ ‫في أدبيات االفتقاد‬ ‫في أدبيات االفتقاد‬ ‫في أدبيات االفتقاد‬ ‫ف��ي أدبيات‬ ‫في أدب��ي��ات‬ ‫االف����ت����ق����اد‬ ‫االف���ت���ق���اد‬ ‫ف���������������������������ي‬ ‫أدب����ي����ات االف��ت��ق��اد‬ ‫في أدبيات‬ ‫االف���ت���ق���اد‬ ‫ٌ‬ ‫ذكريات تتزاحم... تاريخ متد ومت�صل...‬ ‫مُ‬ ‫ُ‬ ‫ج �ه��اد... م� ��دارات... جن��اح��ات... �صفحات...‬ ‫رحلة مفعمة بالأتراح والأفراح... كتاب تقر�أ بني‬ ‫�سطور ِه �أكرث مما تقر�أ بني ثنايا �صفحات ِه... فى‬ ‫ِّ‬ ‫كل زي��ار ٍة �أُطالع الوجه البا�سم... �أقبل اليدين‬ ‫ُ‬ ‫و�أط�ب��ع الثالثة على جبني ج�سد واه��ن ق�صمته‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫�سنوات ال�صمت... و�أثقله زمان الوهن... ف�سقط‬ ‫ا�سمه �سهو ًا من قائمة �أقربائه ك�ش�أن كثري من‬ ‫ٍ‬ ‫الأنقياء والأوفياء فى زمن اجلحود والنكران .‬ ‫فى كل ل�ق��اء... �أ��س��أل و�أت�ساءل ... م��اذا لو حل‬ ‫املوعد املحتوم و�أنا فى مهجري بني حلي وترحايل؟‬ ‫رح �م��اك رب ��ي... رح �م��اك! �أه��و ق��در حم�ت��وم �أن‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ت�صرعنا احلياة وت�أبى �إال �أن ُيغادرها �أحبا�ؤنا‬ ‫َِ‬ ‫ُ‬ ‫ونحن متدثرون برداء الغربات ؟‬ ‫رداء ال ُي�سمن وال ُيغنى من ج��وع... املُتدثر به‬ ‫ٌ‬ ‫يعي�ش يف العراء... فى كل لقاء... تخذلنى قوتي‬ ‫وتف�ضحني دموعي... �أجتمل و�أحتمل ولكن تنهار‬ ‫ح�صوين دائم ًا حال وداعه .‬ ‫لأين ال �أع �ل��م �أه ��و وداع ف� ��راق... �أم �أن ��ه وع �د‬ ‫ٌ‬ ‫باللقاء...‬ ‫ُ‬ ‫حا�صرين �شريط الذكريات... يف مهد حياتي... علمني... احتواين... غر�س‬ ‫بذور اخلري ف�أثمرت و�أينعت... اختزل يل العامل فى م�سارات و�ضاءة...‬ ‫ٍ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫�أه��داين من ينابي ِع احلكم ِة وفي�ض املعرفة... ليتني كنت ذل��ك التلميذ‬ ‫ِ‬ ‫النجيب... ليتني �أ�صغيتُ حق الإ�صغاء لأ�ستزيد من كنوز املعرف ِة...ليتني‬ ‫مل �أبرح حوزته... ليتني الزمت معيته... حينما كنت �أذهب بعيد ًا وبعيد ًا‬ ‫جدًّا... �أعود �إليه �سريع ًا و�سريع ًا جدًّا... لأجده ذلك الفار�س... كعادته...‬ ‫زاهد ًا... نا�سك ًا فى حمراب ِه ... مل تغري ُه ال�س ُنون ... مل ت�صرعه الأ�سقام‬ ‫والأوجاع ... مل يت�أوه قط!‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫هكذا هم الفر�سان حا�ضرون و�إن غابوا... مرتجلون و�إن حب�ستهم الأ�سرة‬ ‫البي�ضاء... حماربون و�إن كبلتهم �سال�سل املر�ض... حني �أ�ستقي من ينابيع‬ ‫ُ‬ ‫خربات ِه... �أ�شعر ب�أنني �أرت�شف ر�شفات من حكم ِة (املهامتا غاندي)...‬ ‫ٍ‬ ‫و�صرب (�أي� ��وب)... وث��ور ِة (ج�ي�ف��ارا)... و�صالب ِة (تات�شر)... وفل�سف ِة‬ ‫ِ‬ ‫(�أفالطون )... و�إميان (املحت�سبني )العارفني هلل حق معرفته ... �أمل �أقل‬ ‫لكم �إنه النا�سك !‬ ‫ابتهاالت �صلوات ِه ما زالت حا�ضرة... تدوي يف الأرجاء... كم احتواين دفء‬ ‫ِ ُ‬ ‫�أح�ضان ِه يف ليايل ال�شتا ِء املطري... كان فرد ًا لكنه حمل هم �أمة... ق�ضاياها‬ ‫م�صريية... كم �أفتقدك �أبتاه!‬ ‫ال �أعلم من �أين �أبد�أ الكتابة ؟! عنه �أم له ؟!‬ ‫�أبتاه!... مل ينقطع الو�صال بيننا... ها هو قلمي ي�أبى �إال �أن ُيخلد ذكراك‬ ‫ِ‬ ‫العطرة... وها �أن��ت... احلا�ضردائم ًا مهما تغيبت... كعادتي... ت�سبقني‬ ‫دموعي وعجزي �أمام مقامك... �أبتاه ! �سبقتني وا�ستعجلت الرحيل... ال‬ ‫تظن �أنك (الغريب )... فمثلك ال يغرتب... ما زال �صوتك �أبتاه يرتدد بني‬ ‫�ضلوعي ...‬
  • 2.
    ‫يا بنى !...الدنيا هينة ..ال متنحها �أكرث مما ت�ستحق ... يا‬ ‫بنى! ال تن�س ال�ضعفاء والفقراء واملحتاجني ... ا�صنع املعروف‬ ‫َ‬ ‫يف �أهل ِه ويف غري �أهل ِه ... وام�ض وال تنتظر ال�شكر..فانتظاره‬ ‫ِ‬ ‫نفاق.... ليتها امتدت الرحلة �أبتاه ... ولكن هلل ما �أعطى وهلل‬ ‫ما �أخذ... وجميعنا ودائع .. ف�إنا له و�إنا �إليه راجعون.‬ ‫�أبتاه !‬ ‫َ‬ ‫كنت بو�صلة حيا ٍة... ونربا�س م�سرية... وتاج ر�أ�س... و�سر وجود‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َّ‬ ‫ُ‬ ‫.... ونا�سك ًا زاهد ًا فى �صومع ِة احلكماء والأوفياء... وجنم ًا‬ ‫ُ‬ ‫المع ًا يف كوكب ِة ال ُنبالء والأ�صفياء... وعلم ًا ال ُتخطئه عني...‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫و ِقبلة يق�صدها كل �ضال وحائر م�ستجري... يقيني �أبتاه �أنه‬ ‫ٍ ُ‬ ‫�أُريد ب�سفرك هذا خري !‬ ‫ولكن ملاذا مل تخربنا �أيها النا�سك الزاهد ؟!‬ ‫فنحن مل ن��ر ِو ظ�م��أن��ا بعد م��ن ينابيع حكمتك وخال�ص‬ ‫ُن�صحك... �أعلم يا �أبتاه �أن �سفرك طويل... فال �إي��اب...‬ ‫ُ‬ ‫لكن حول احلو�ض املوعد ب�إذن اهلل... ب�إذن اهلل.‬ ‫�أبتاه !‬ ‫لعلك تذكر ف��ى �سنوات ع�م��رك الأخ �ي�رة... كيف تبدلت‬ ‫ِ ُ‬ ‫الأح�� ��وال... و��ض��اع��ت الآم � ��ال... و� �س��اد ق��ان��ون ال �غ��اب...‬ ‫وحا�صرتنا الهموم... والزمتنا اخل�ط��وب... كنتُ �آت��ي �إىل‬ ‫�صومعتك لتمدين بعونك بعد ع��ون اخل��ال��ق... كنتُ �آتيك‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫لتحتويني... لتدعو يل و ُت ِلح يف الدعاء... وما �أن �أُغادرك حتى‬ ‫�أجد نفحات دُعا ِئك الم�ست �أبواب ال�سماء لترتى النعم...‬ ‫َ‬ ‫وك�أن ج�سدك الهزيل كان للأر�ض مر�سى فتَ�صعدت من ف�ؤادك‬ ‫ْ‬ ‫ابتهاالت خرقت ال�سماء خرق ًا فا�ستجاب فاطرهما حب ًا ور�ض ًا...‬ ‫ُ‬ ‫كم ا�ستجاب رب اخلالئق لدعواتك اخلال�صة... له احلمد حتى‬ ‫ير�ضى... وله احلمد بعد الر�ضا. واليوم �أبتاه ....‬ ‫ملن �أعود؟!‬ ‫من �س�أ�سمع منه ترانيم احلكمة والوفاء؟!‬ ‫َ‬ ‫من �س�أتزود منه قيم النبالء والأجالء؟!‬ ‫َ‬ ‫كان �صمتك عنوا ًنا... ودعا�ؤك ُبرها ًنا... و�صربك �سلوا ًنا ...‬ ‫والآن �ستبقى م�شاعل حكمتك نربا�س ًا..ومالذ ًا �آمن ًا و�سط �شتات‬ ‫ِ‬ ‫الغربات .‬ ‫م��ا زال��ت ي��داي عطرة بلم�سات ج�سدك الطاهر و�أن��ت ُت��وارى‬ ‫الرثى... و�أت�ساءل : ماذا ميكن �أن يكون احلال �أبتاه... لو ارت�ضيت‬ ‫�صحبتي ؟‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫وك ��أين �أ�سمع هم�سك... يا بنى ال حتزن وال تبتئ�س... كلنا يف‬ ‫الدنيا غرباء... و�سنكون فى الآخرة رفقاء..�إنه موعدنا يا بني...‬ ‫ما عند اهلل خري و�أبقى... ال تظن �أنني يف غربة... بل �أنتم واهلل‬ ‫ِ‬ ‫ٌ‬ ‫ُ‬ ‫يف غربات �أ�شد...‬ ‫يا بني ! دعني �أم�ضي مطمئن ًا يف �صمت ...‬ ‫ُ‬ ‫و�إي��اك �أن ت�أخذك الدنيا... فرتك�ض فيها رك�ض ًا ال ي�صل بك‬ ‫ُ‬ ‫�إال ملوا�صل الأ�شقياء الغافلني فال تلبث �أن جتد نف�سك يف ظلمة‬ ‫اجلوار... والطريقُ طويل والزاد قليل بني... ف�أكرث من الزاد يل‬ ‫ُ‬ ‫ول��ك... �صدقاتٌ جارية... خ�يراتٌ ورحمات... بر وطاعات...‬ ‫ٌّ‬ ‫ُ‬ ‫و�صلة رحم ٍ ومودات... فهذا �أف�ضل زاد فى رحلتنا يا بني... ا�سع‬ ‫ُ ٍ‬ ‫َ‬ ‫فيها وال حتزن... ازهد فيما عند النا�س تكن �أف�ضل النا�س... فهو‬ ‫يوم ت�سود فيه وجوه وتبي�ض فيه وجوه يا بني...‬ ‫ٌ‬ ‫اللهم اجعلنا ممن تبي�ض وجوههم يوم العر�ض... اللهم �آمني .‬ ‫�أبتاه !‬ ‫كم ك��ان م��ؤمل� ًا �أن ي��واري��ك ال�ثرى ب �ي��دي... ف��أع��ود �إىل م��دارات‬ ‫َّ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫حياتي �أجوب الفيايف من جديد... ونوا�صل حياتنا يف دنيا غرور‬ ‫من جديد... دنيا �شحيحة فى معادن الأنقياء قليلة فى قلوب‬
  • 3.
    ‫�أبتاه !‬ ‫�أنا اليوم...وحيدٌ... غريب... هائم... �أبكي بحث ًا عن و�صاياك‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫الغالية بني جنباتي...‬ ‫ما �أ�صعب فقدان الأحبة !‬ ‫ما �أق�سى غياب ال�سند والعون!‬ ‫ما �أ�شقاين من بعدك !‬ ‫�أبتاه !‬ ‫اليوم... �أفتقدك غائب ًا... وغد ًا... �أجاورك حا�ضر ًا...‬ ‫الأوفياء... تطحننا برحاها ... ُتورثنا الأ�سقام والأوجاع...‬ ‫�إنه �سباق حمموم �أبتاه نحو الدرهم والدينار...حمد ًا هلل‬ ‫�أن��ك كنت مبن�أى عن تلك الأح�لام الواهية التى ت�سرق‬ ‫العمر وتطحن برحاها الب�شر...‬ ‫�أبتاه !‬ ‫ُب�شراك... ُب�شراك... لقد ق��ر�أتَ كتاب الدنيا من �آخر‬ ‫ًّ‬ ‫�صفحاته ومل ترغب يف �إ�ضاعة وقتك وعمرك... كنت حقا‬ ‫ُ‬ ‫ح�صيف ًا م�ستنري ًا... فكانت جتارتك رابحة .‬ ‫ُ‬ ‫هنيئ ًا ل��ك ب�أ�سهمك ف��ى ال��زه��د وال��وف��اء... هنيئ ًا لك‬ ‫ب�سنداتك فى العطف على الفقراء هنيئ ًا لك الت�سامي مع‬ ‫ُ‬ ‫الأعداء قبل الأحباء... هنيئ ًا لك بقلب مل ت�ش ْبه �شائبة...‬ ‫هنيئ ًا لك بعفو وغفران... يكفيك �سنوات مر�ضك و�أنت‬ ‫ت���ص��ارع ع ��دوا خ �ف � ًّي��ا... مل ي�برح ج�سدك رغ��م تعاقب‬ ‫ًّ‬ ‫ال�سنوات والأزمات... ولكنك كنت الفار�س دائم ًا ب�صربك‬ ‫واحت�سابك.‬ ‫(�أثناء رحلة العودة من القاهرة �إىل �أبوظبي بعد وفاة الوالد يرحمه اهلل‬ ‫فى 82/10/9002م)‬ ‫ •الرئي�س التنفيذي ملجموعة ( ‪) CMI-CEO‬‬ ‫ ‬ ‫ ‬ ‫ ‬ ‫ ‬ ‫ ‬ ‫•م�ست�شار رئي�سي ـ التطوير والتميز امل�ؤ�س�سي‬ ‫• مقيم رئي�سي معتمد ( ‪) EFQM Master Assessor , Belgium‬‬ ‫•مدرب معتمد ( ‪) EFQM Licensed Trainer, Belgium‬‬ ‫•مدرب معتمد فى �إدارة املعرفة ( ‪) CKM Instructor KMI, USA‬‬ ‫•حمكم جتاري دويل مبركز �أبوظبي للتوفيق والتحكيم التجاري ( ‪) Chartered Arbitrator‬‬