الأخلاق 
- تحديد مفهوم الأخلاق وبيان موقعها. 
إذا أردنا أن نعرف الخلق فإننا نقول: )الخلق صفة مستقرة في النفس فطرية أو مكتسبة ذات أثر 
في السلوك محمود أو مذموم( 
من خلال هذا التعريف نجد أن الخلق نوعان خلق له أثر محمود وخلق له أثر مذموم فالأول هو 
الخلق الكريم والثاني هو الخلق اللئيم، وقد حث الدين الإسلامي الحنيف على التخلق بالأخلاق 
الكريمة في أبلغ عبارة حيث قال عليه الصلاة والسلام: )إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق(. 
وعلى قدر تعمق الخلق وتمكينه من النفس يكون أثره في السلوك إلا إذا تعمد المرء خلاف ذلك 
أو وقع منه بغير قصد كالنائم والصغير والمجنون. 
وليست كل الصفات المستقرة في النفس من قبيل الأخلاق فهناك صفات غريزية مكافئة لحاجات 
الإنسان الفطرية لا شأن لها بالأخلاق، والذي يميز الأخلاق عن الصفات الغريزية هو كون آثار 
الأخلاق قابلة للمدح أو الذم. 
فالبعد عن مواطن التلف وأسبابه أثر لغريزة حب البقاء وليس ذلك محلا للمدح أو الذم لكن 
الخوف الشديد من كل ما قد يظن أن فيه عرضة للتلف هو أثر لخلق في النفس مذموم وهو 
الجبن، وفي المقابل فإن تعريض النفس للتلف بغير مبرر منطقي هو أثر لخلق مذموم أيضا وهو التهور، والصبر في مواطن البأس صونا للدين أو العرض والشرف أثر لخلق كريم وهو 
الشجاعة، وهكذا تتميز الأخلاق عن غيرها من الصفات الغريزية. 
والمؤمن يعمل على ترويض نفسه وحملها على الأخلاق الكريمة والبعد عن الأخلاق الرذيلة، 
وهذا يحتاج إلى قدر كبير من الصبر والمجاهدة وهو في هذا مأجور من الله عز وجل، وقد قيل: 
صن النفس واحملها على ما يزينها تعش سالما والقول فيك جميل 
- أصول مكارم الأخلاق. 
الأصل الأول: الاعتراف للغير بما له من صفات كمال أو حق. 
الأصل الثاني: أداء الحقوق كاملة للغير. 
الأصل الثالث: الرضا بما قسم الخالق بين خلقه. 
- أسس الأخلاق في الإسلام. 
إن الأخلاق في الإسلام تقوم على أسس عقلية فطرية وجدانية إيمانية. 
فأما كونها عقلية فلأن مكارم الأخلاق التي دعا إليها الإسلام يؤيدها العقل السليم بل ويحكم 
بضرورتها للبشرية. 
وأما كونها فطرية وجدانية فلأن الفطرة السليمة ترتاح للأخلاق الكريمة وتنفر من الأخلاق 
الذميمة. 
وأما كونها إيمانية فلأن القاعدة الإيمانية في الإسلام تغرس في المسلم حب الفضيلة والبعد عن 
الرذيلة. 
فالفضيلة الأخلاقية يدركها العقل ويستحسنها وترتاح لها النفس السوية وتوجبها القاعدة الإيمانية. 
- الحس الأخلاقي )الضمير( 
وهب الخالق العظيم جل شأنه كل البشر ما يدركون به الخير والشر ويميزون به بين الفضيلة 
والرذيلة قال تعالى : )ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من 
دساها( 
وقال : )بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره( . 
وهذا الحس الأخلاقي يشمل ما تدركه العقول بموازينها وما تدركه النفوس بمشاعرها 
وأحاسيسها ,لذلك جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : )البر حسن الخلق والإثم ما حاك 
في نفسك وكرهت ان يطلع عليه الناس( وقال لوابصة بن معبد : )استفت قلبك البر ما اطمأنت
إليه النفس واطمأن إليه القلب والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس 
أفتوك(. 
لكن قد يختلط الأمر في بعض الأعمال على العقل والضمير فلا يتبين وجه الحق فيها فيحتاج 
المرء في هذه الحالة إلى مرشد وموجه ناصح أمين يجلو له وجه الحق ساطعا لا غبار عليه , 
فيلجأ المسلم عندئذ إلى نصوص الشرع الحكيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه 
تنزيل من حكيم عليم , وهنا يعمل المسلم بالأحوط في دينه فيدع ما فيه شبهه أو ريبة عملاَ بقول 
النبي الكريم عليه الصلاة والسلام: )دع ما يريبك إلى ما لا يريبك( , وقوله: )إن الحلال بين 
والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن أتقى الشبهات فقد استبرأ 
لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام(. 
- تنمية الضمير 
يخضع الضمير الأخلاقي الفطري لأصول التربية وقواعدها العامة لذلك كان من الممكن تنميته 
بوسائلها المتعددة كاستنهاض عواطف الخير ودراسة الأخلاق الفاضلة والتدرب على ممارستها 
واعتيادها ومعرفة المواعظ الدينية والوصايا الربانية والإقتداء بالصالحين ومحبتهم ومراقبة الله 
في السر والعلن مستحضرا الخوف من عقابه والطمع في ثوابه. 
ولما كان الضمير الأخلاقي ينمو بما تقدم ذكره فإنه كذلك يضمر ويضمحل بإهماله وتجاهله 
حتى يتلاشى أو يموت. 
- الغاية من السلوك الأخلاقي. 
إن الغاية من السلوك الأخلاقي هي بالدرجة الأولى اكتساب مرضات الله عز وجل لأن الخير 
كل الخير في مرضاته سبحانه وتعالى، وهذه الغاية لا يظفر بها إلا من أخلص نيته لله عز وجل 
فإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى. 
ثم إن للسلوك الأخلاقي غاية أخرى وهي تحقيق أكبر قدر ممكن من المنافع العاجلة في الحياة 
الدنيا وتجنب أي قدر من المفاسد – وإن التزام قواعد الأخلاق الإسلامية كفيل بتحقيق ذلك كله 
- المسؤولية عن السلوك الأخلاقي. 
إن مسؤولية المرء عن سلوكه الأخلاقي مرهونة بتحقق شروط ستة هي : 
أولا: توفر الأهلية الشرعية. 
ثانيا: توفر الإدارة. 
ثالثا: توفر النية. 
رابعا: توفر العلم بالحكم. 
خامسا: توفر القدرة على الفعل والترك. 
سادسا: توفر الاختيار. 
- شمول الأخلاق في الإسلام لكل قطاعات الإنسان. 
تشمل الأخلاق في الإسلام كل قطاعات الإنسان الداخلية والخارجية، فللفكر أخلاق وللعقائد 
أخلاق وللقلب أخلاق وللنفس أخلاق وللجوارح أخلاق. 
فمن فضائل أخلاق الفكر تحري الحقيقة بإنصاف وتجرد وحياد وصبر وتدبر وإمعان نظر في 
سبيل البحث عن كل نافع مفيد من العلوم والمعارف. 
ومن فضائل أخلاق الاعتقاد عدم إتباع الأوهام والظنون والأهواء والشهوات ومجاراة الآخرين 
أو تقليدهم بغير دليل صحيح والبعد عن كل ما لا تقوم له الحجة الدامغة. 
ومن فضائل أخلاق القلب حب الحق والخير وكره الباطل والشر واللين وعدم القسوة وترك 
الأحقاد والضغائن. 
ومن فضائل أخلاق النفس السماحة والصبر والعفة والقناعة والسخاوة والنداوة. 
أما فضائل أخلاق الجوارح فكثيرة منها: الصدق في القول، والإتقان في العمل، وغض البصر، 
وحفظ الفرج، وكف السمع عما لا يحل، وحسن الأدب مع الآخرين.
- تقسيم مفردات الأخلاق باعتبار متعلقاتها. 
عند النظر في متعلقات الأخلاق نجدها تنقسم إلى أربعة أقسام: 
القسم الأول: 
ما يتعلق بصلة الإنسان بخالقه. 
وفضائل الأخلاق في هذا القسم تفرض على المرء أنماطا من سلوك الأخلاقي منها الإيمان به 
سبحانه وتعالى واعتقاد أنه وحده الإله لا إله غيره، ومنها الاعتراف له بالكمال المطلق في ذاته 
وأسمائه وصفاته وأفعاله، ومنها شكره على نعمه التي لا تعد ولا تحصى، ومنها طاعته فيما أمر 
واجتناب ما نهى عنه وزجر، ومنها تصديقه فيما أخبر والاستجابة له فيما دعانا إليه. 
وكل سلوك مضاد لما تقدم فهو ناتج عن رذائل الأخلاق. 
القسم الثاني: 
ما يتعلق بصلة الإنسان بنفسه. 
وفضائل الأخلاق في هذا القسم تشمل العفة والأناة والتفائل والرضا والقناعة والحزم والشجاعة 
والجلد والروية والتؤدة . 
وكل سلوك مضاد لما تقدم فهو ناتج عن رذائل الأخلاق . 
القسم الثالث : 
ما يتعلق بصلة الإنسان بغيره من الناس . 
وفضائل الأخلاق في هذا القسم تنتج أنماطاَ من السلوك مثل الصدق وأداء الأمانة وحسن التعامل 
و العدل والإيثار والعفو والتسامح والصبر والكرم والسخاء والجود والحلم . 
وكل سلوك مضاد لما تقدم فهو ناتج عن رذائل الأخلاق . 
القسم الرابع: 
ما يتعلق بصلة الإنسان بسائر المخلوقات غير البشر. 
وفضائل الأخلاق في هذا القسم تنتج أنماطا من السلوك مثل الرحمة والرفق . 
وكل سلوك مضاد لما تقدم فهو ناتج عن رذائل الأخلاق . 
- مكارم الأخلاق ضرورة اجتماعية . 
لا يستطيع البشر أن يكونوا مجتمع إنسانيا ما لم تكن بينهم روابط قوية من الأخلاق الكريمة, فإن 
فقدت تلكم الروابط انهار ذلك المجتمع , إذ كيف تكون الثقة بالعلوم والمعارف والأخبار وضمان 
الحظوظ لولا فضيلة الصدق ,وكيف يتعايش الناس مع بعضهم البعض لولا فضيلة المحبة 
والأمانة ,وكيف يستطيع أبناء المجتمع أن يقيموا حضارة لولا فضيلة التعاون والإيثار , وكيف 
يرتقي المرء في مراتب الكمال والرقي الإنساني لو كانت أنانيته مسيطرة عليه صادة له عن كل 
تضحية وبذل . 
لقد دلت التجارب البشرية على ان بقاء الأمم وحضارتها مرهون بمدى تمسكها بمكارم الأخلاق 
, وقديماَ قيل : 
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا 
وذلك لأن مكارم الأخلاق بمثابة المعاقد التي تنعقد عليها الروابط الاجتماعية بين أبناء المجتمع 
الإنساني ومتى انعدمت تلك المعاقد في أفراد الناس لم تجد الروابط الاجتماعية مكانا تنعقد عليه 
, ومتى فقدت الروابط الاجتماعية أصبحت أعداد الناس في ذلك المجتمع مزودة فقط بالقوى 
الفردية لكل واحد منهم لا بقوة الجماعة مما يؤدي إلى بعثرة تلك القوى حتى تصل إلى مرحلة 
تصادم فيكون بأسهم بينهم معول هدم مضافاَ إلى قوة أعدائهم . 
وإذا علمنا هذا فالنعلم أيضا أن النظم الإسلامية تمثل الروابط التي تجمع تلك المعاقد بعضها إلى 
بعض لتشكل منها وحدة متماسكة قوية تسطعصي على التفكك والإنهيار. 
- مكانة الأخلاق الكريمة في الإسلام 
ليس أدل على بيان مكانة الأخلاق الكريمة في الإسلام من نصوص لشرع الحنيف فمن ذلك قول 
المصطفى عليه الصلاة والسلام وهو الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى : )ما من
شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق وإن الله ليبغض الفاحش البذيء( وقوله 
عليه الصلاة والسلام : )إن المؤمن ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم( وقوله صلى الله عليه 
وسلم : )أنا زعيم ببيت في روض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا وببيت في وسط الجنة 
لمن ترك الكذب وإن كان مازحاَ وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه ( وقوله عليه الصلاة 
والسلام : )‘ن من أحبكم إلي وأقربكم مني منزلاَ يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاَ وإن أبغضكم إلي 
وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون( وقوله عليه الصلاة والسلام 
:)أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم أخلاقا(َ. 
فمن تأمل هذه النصوص أدرك مكانة الأخلاق الكريمة في الإسلام . 
- وسائل اكتساب الأخلاق الكريمة 
ليس كل الناس على قدر واحد من مستوى الخلاق بل هناك تفاوت بينهم ظاهر لكل من تفحص 
أحوالهم , وهذا التفاوت الملحوظ يدخل ضمن دائرة الابتلاء التي لابد منها في هذه الحياة الدنيا, 
وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : )يجبل المرء على الخلق كله إلا الكذب ( وهذا 
الحديث يفسر لنا وجود ذلك التفاوت بين الناس في مستوى الخلاق , فقد تجد شخصا عنده حدة 
في مزاجه واندفاع وتهور , وآخر عنده أنة وتؤدة وروية ,وثالثا عنده جبن وهلع وخور , ورابعا عنده رغبة قوية في البذل والإنفاق , وكل ذلك يكون في أصل جبلته التي جبل عليها وهو كما 
قلنا ضمن دائرة الابتلاء في هذه الحياة الدنيا قال الله تبارك وتعالى : )و لنبلونكم بالشر والخير 
فتنة وإلينا ترجعون( والمسلم مطالب بان يهذب من تلك الصفات التي تصبح في حدود ما أمر 
الله به ورسوله بل ويرتقي بها بعد ذلك إلى أن ينال بها رضوان الله , وعليه أن يبذل في سبيل 
ذلك جهده و يستفرغ فيه وقته وطاقته . 
وهناك عدة وسائل يمكن للمسلم أن يتبعها ليتحقق له ما يصبو إليه من التخلق بالأخلاق الكريمة 
, وتلك الوسائل هي : 
أولاَ :- الاقتناع بضرورة التخلق بالخلاق الكريمة والصفات الحميدة . 
ثانياَ :- معرفة مفردات الأخلاق الكريمة والصفات الحميدة . 
ثالثاَ :- التدرب على ممارسة تلك الأخلاق وتكرار ذلك والحرص عليها ومداومتها . 
رابعاَ :- الانغماس في البيئات الصالحة ومخالطة أهل الفضل والأنس منهم . 
خامساَ :- البحث عن القدوة الحسنة ومحاولة التأسي بها ومحاكاتها قدر المستطاع . 
سادساَ :- تذكر مبدأ الثواب والعقاب واستحضار مفردات الثواب لمن حسن خلقه ومفردات 
العقاب لمن ساء خلقه.

الأخلاق لجامعه ام القرى

  • 1.
    الأخلاق - تحديدمفهوم الأخلاق وبيان موقعها. إذا أردنا أن نعرف الخلق فإننا نقول: )الخلق صفة مستقرة في النفس فطرية أو مكتسبة ذات أثر في السلوك محمود أو مذموم( من خلال هذا التعريف نجد أن الخلق نوعان خلق له أثر محمود وخلق له أثر مذموم فالأول هو الخلق الكريم والثاني هو الخلق اللئيم، وقد حث الدين الإسلامي الحنيف على التخلق بالأخلاق الكريمة في أبلغ عبارة حيث قال عليه الصلاة والسلام: )إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق(. وعلى قدر تعمق الخلق وتمكينه من النفس يكون أثره في السلوك إلا إذا تعمد المرء خلاف ذلك أو وقع منه بغير قصد كالنائم والصغير والمجنون. وليست كل الصفات المستقرة في النفس من قبيل الأخلاق فهناك صفات غريزية مكافئة لحاجات الإنسان الفطرية لا شأن لها بالأخلاق، والذي يميز الأخلاق عن الصفات الغريزية هو كون آثار الأخلاق قابلة للمدح أو الذم. فالبعد عن مواطن التلف وأسبابه أثر لغريزة حب البقاء وليس ذلك محلا للمدح أو الذم لكن الخوف الشديد من كل ما قد يظن أن فيه عرضة للتلف هو أثر لخلق في النفس مذموم وهو الجبن، وفي المقابل فإن تعريض النفس للتلف بغير مبرر منطقي هو أثر لخلق مذموم أيضا وهو التهور، والصبر في مواطن البأس صونا للدين أو العرض والشرف أثر لخلق كريم وهو الشجاعة، وهكذا تتميز الأخلاق عن غيرها من الصفات الغريزية. والمؤمن يعمل على ترويض نفسه وحملها على الأخلاق الكريمة والبعد عن الأخلاق الرذيلة، وهذا يحتاج إلى قدر كبير من الصبر والمجاهدة وهو في هذا مأجور من الله عز وجل، وقد قيل: صن النفس واحملها على ما يزينها تعش سالما والقول فيك جميل - أصول مكارم الأخلاق. الأصل الأول: الاعتراف للغير بما له من صفات كمال أو حق. الأصل الثاني: أداء الحقوق كاملة للغير. الأصل الثالث: الرضا بما قسم الخالق بين خلقه. - أسس الأخلاق في الإسلام. إن الأخلاق في الإسلام تقوم على أسس عقلية فطرية وجدانية إيمانية. فأما كونها عقلية فلأن مكارم الأخلاق التي دعا إليها الإسلام يؤيدها العقل السليم بل ويحكم بضرورتها للبشرية. وأما كونها فطرية وجدانية فلأن الفطرة السليمة ترتاح للأخلاق الكريمة وتنفر من الأخلاق الذميمة. وأما كونها إيمانية فلأن القاعدة الإيمانية في الإسلام تغرس في المسلم حب الفضيلة والبعد عن الرذيلة. فالفضيلة الأخلاقية يدركها العقل ويستحسنها وترتاح لها النفس السوية وتوجبها القاعدة الإيمانية. - الحس الأخلاقي )الضمير( وهب الخالق العظيم جل شأنه كل البشر ما يدركون به الخير والشر ويميزون به بين الفضيلة والرذيلة قال تعالى : )ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها( وقال : )بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره( . وهذا الحس الأخلاقي يشمل ما تدركه العقول بموازينها وما تدركه النفوس بمشاعرها وأحاسيسها ,لذلك جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : )البر حسن الخلق والإثم ما حاك في نفسك وكرهت ان يطلع عليه الناس( وقال لوابصة بن معبد : )استفت قلبك البر ما اطمأنت
  • 2.
    إليه النفس واطمأنإليه القلب والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس أفتوك(. لكن قد يختلط الأمر في بعض الأعمال على العقل والضمير فلا يتبين وجه الحق فيها فيحتاج المرء في هذه الحالة إلى مرشد وموجه ناصح أمين يجلو له وجه الحق ساطعا لا غبار عليه , فيلجأ المسلم عندئذ إلى نصوص الشرع الحكيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم عليم , وهنا يعمل المسلم بالأحوط في دينه فيدع ما فيه شبهه أو ريبة عملاَ بقول النبي الكريم عليه الصلاة والسلام: )دع ما يريبك إلى ما لا يريبك( , وقوله: )إن الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن أتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام(. - تنمية الضمير يخضع الضمير الأخلاقي الفطري لأصول التربية وقواعدها العامة لذلك كان من الممكن تنميته بوسائلها المتعددة كاستنهاض عواطف الخير ودراسة الأخلاق الفاضلة والتدرب على ممارستها واعتيادها ومعرفة المواعظ الدينية والوصايا الربانية والإقتداء بالصالحين ومحبتهم ومراقبة الله في السر والعلن مستحضرا الخوف من عقابه والطمع في ثوابه. ولما كان الضمير الأخلاقي ينمو بما تقدم ذكره فإنه كذلك يضمر ويضمحل بإهماله وتجاهله حتى يتلاشى أو يموت. - الغاية من السلوك الأخلاقي. إن الغاية من السلوك الأخلاقي هي بالدرجة الأولى اكتساب مرضات الله عز وجل لأن الخير كل الخير في مرضاته سبحانه وتعالى، وهذه الغاية لا يظفر بها إلا من أخلص نيته لله عز وجل فإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى. ثم إن للسلوك الأخلاقي غاية أخرى وهي تحقيق أكبر قدر ممكن من المنافع العاجلة في الحياة الدنيا وتجنب أي قدر من المفاسد – وإن التزام قواعد الأخلاق الإسلامية كفيل بتحقيق ذلك كله - المسؤولية عن السلوك الأخلاقي. إن مسؤولية المرء عن سلوكه الأخلاقي مرهونة بتحقق شروط ستة هي : أولا: توفر الأهلية الشرعية. ثانيا: توفر الإدارة. ثالثا: توفر النية. رابعا: توفر العلم بالحكم. خامسا: توفر القدرة على الفعل والترك. سادسا: توفر الاختيار. - شمول الأخلاق في الإسلام لكل قطاعات الإنسان. تشمل الأخلاق في الإسلام كل قطاعات الإنسان الداخلية والخارجية، فللفكر أخلاق وللعقائد أخلاق وللقلب أخلاق وللنفس أخلاق وللجوارح أخلاق. فمن فضائل أخلاق الفكر تحري الحقيقة بإنصاف وتجرد وحياد وصبر وتدبر وإمعان نظر في سبيل البحث عن كل نافع مفيد من العلوم والمعارف. ومن فضائل أخلاق الاعتقاد عدم إتباع الأوهام والظنون والأهواء والشهوات ومجاراة الآخرين أو تقليدهم بغير دليل صحيح والبعد عن كل ما لا تقوم له الحجة الدامغة. ومن فضائل أخلاق القلب حب الحق والخير وكره الباطل والشر واللين وعدم القسوة وترك الأحقاد والضغائن. ومن فضائل أخلاق النفس السماحة والصبر والعفة والقناعة والسخاوة والنداوة. أما فضائل أخلاق الجوارح فكثيرة منها: الصدق في القول، والإتقان في العمل، وغض البصر، وحفظ الفرج، وكف السمع عما لا يحل، وحسن الأدب مع الآخرين.
  • 3.
    - تقسيم مفرداتالأخلاق باعتبار متعلقاتها. عند النظر في متعلقات الأخلاق نجدها تنقسم إلى أربعة أقسام: القسم الأول: ما يتعلق بصلة الإنسان بخالقه. وفضائل الأخلاق في هذا القسم تفرض على المرء أنماطا من سلوك الأخلاقي منها الإيمان به سبحانه وتعالى واعتقاد أنه وحده الإله لا إله غيره، ومنها الاعتراف له بالكمال المطلق في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، ومنها شكره على نعمه التي لا تعد ولا تحصى، ومنها طاعته فيما أمر واجتناب ما نهى عنه وزجر، ومنها تصديقه فيما أخبر والاستجابة له فيما دعانا إليه. وكل سلوك مضاد لما تقدم فهو ناتج عن رذائل الأخلاق. القسم الثاني: ما يتعلق بصلة الإنسان بنفسه. وفضائل الأخلاق في هذا القسم تشمل العفة والأناة والتفائل والرضا والقناعة والحزم والشجاعة والجلد والروية والتؤدة . وكل سلوك مضاد لما تقدم فهو ناتج عن رذائل الأخلاق . القسم الثالث : ما يتعلق بصلة الإنسان بغيره من الناس . وفضائل الأخلاق في هذا القسم تنتج أنماطاَ من السلوك مثل الصدق وأداء الأمانة وحسن التعامل و العدل والإيثار والعفو والتسامح والصبر والكرم والسخاء والجود والحلم . وكل سلوك مضاد لما تقدم فهو ناتج عن رذائل الأخلاق . القسم الرابع: ما يتعلق بصلة الإنسان بسائر المخلوقات غير البشر. وفضائل الأخلاق في هذا القسم تنتج أنماطا من السلوك مثل الرحمة والرفق . وكل سلوك مضاد لما تقدم فهو ناتج عن رذائل الأخلاق . - مكارم الأخلاق ضرورة اجتماعية . لا يستطيع البشر أن يكونوا مجتمع إنسانيا ما لم تكن بينهم روابط قوية من الأخلاق الكريمة, فإن فقدت تلكم الروابط انهار ذلك المجتمع , إذ كيف تكون الثقة بالعلوم والمعارف والأخبار وضمان الحظوظ لولا فضيلة الصدق ,وكيف يتعايش الناس مع بعضهم البعض لولا فضيلة المحبة والأمانة ,وكيف يستطيع أبناء المجتمع أن يقيموا حضارة لولا فضيلة التعاون والإيثار , وكيف يرتقي المرء في مراتب الكمال والرقي الإنساني لو كانت أنانيته مسيطرة عليه صادة له عن كل تضحية وبذل . لقد دلت التجارب البشرية على ان بقاء الأمم وحضارتها مرهون بمدى تمسكها بمكارم الأخلاق , وقديماَ قيل : إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا وذلك لأن مكارم الأخلاق بمثابة المعاقد التي تنعقد عليها الروابط الاجتماعية بين أبناء المجتمع الإنساني ومتى انعدمت تلك المعاقد في أفراد الناس لم تجد الروابط الاجتماعية مكانا تنعقد عليه , ومتى فقدت الروابط الاجتماعية أصبحت أعداد الناس في ذلك المجتمع مزودة فقط بالقوى الفردية لكل واحد منهم لا بقوة الجماعة مما يؤدي إلى بعثرة تلك القوى حتى تصل إلى مرحلة تصادم فيكون بأسهم بينهم معول هدم مضافاَ إلى قوة أعدائهم . وإذا علمنا هذا فالنعلم أيضا أن النظم الإسلامية تمثل الروابط التي تجمع تلك المعاقد بعضها إلى بعض لتشكل منها وحدة متماسكة قوية تسطعصي على التفكك والإنهيار. - مكانة الأخلاق الكريمة في الإسلام ليس أدل على بيان مكانة الأخلاق الكريمة في الإسلام من نصوص لشرع الحنيف فمن ذلك قول المصطفى عليه الصلاة والسلام وهو الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى : )ما من
  • 4.
    شيء أثقل فيميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق وإن الله ليبغض الفاحش البذيء( وقوله عليه الصلاة والسلام : )إن المؤمن ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم( وقوله صلى الله عليه وسلم : )أنا زعيم ببيت في روض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاَ وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه ( وقوله عليه الصلاة والسلام : )‘ن من أحبكم إلي وأقربكم مني منزلاَ يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاَ وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون( وقوله عليه الصلاة والسلام :)أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم أخلاقا(َ. فمن تأمل هذه النصوص أدرك مكانة الأخلاق الكريمة في الإسلام . - وسائل اكتساب الأخلاق الكريمة ليس كل الناس على قدر واحد من مستوى الخلاق بل هناك تفاوت بينهم ظاهر لكل من تفحص أحوالهم , وهذا التفاوت الملحوظ يدخل ضمن دائرة الابتلاء التي لابد منها في هذه الحياة الدنيا, وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : )يجبل المرء على الخلق كله إلا الكذب ( وهذا الحديث يفسر لنا وجود ذلك التفاوت بين الناس في مستوى الخلاق , فقد تجد شخصا عنده حدة في مزاجه واندفاع وتهور , وآخر عنده أنة وتؤدة وروية ,وثالثا عنده جبن وهلع وخور , ورابعا عنده رغبة قوية في البذل والإنفاق , وكل ذلك يكون في أصل جبلته التي جبل عليها وهو كما قلنا ضمن دائرة الابتلاء في هذه الحياة الدنيا قال الله تبارك وتعالى : )و لنبلونكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون( والمسلم مطالب بان يهذب من تلك الصفات التي تصبح في حدود ما أمر الله به ورسوله بل ويرتقي بها بعد ذلك إلى أن ينال بها رضوان الله , وعليه أن يبذل في سبيل ذلك جهده و يستفرغ فيه وقته وطاقته . وهناك عدة وسائل يمكن للمسلم أن يتبعها ليتحقق له ما يصبو إليه من التخلق بالأخلاق الكريمة , وتلك الوسائل هي : أولاَ :- الاقتناع بضرورة التخلق بالخلاق الكريمة والصفات الحميدة . ثانياَ :- معرفة مفردات الأخلاق الكريمة والصفات الحميدة . ثالثاَ :- التدرب على ممارسة تلك الأخلاق وتكرار ذلك والحرص عليها ومداومتها . رابعاَ :- الانغماس في البيئات الصالحة ومخالطة أهل الفضل والأنس منهم . خامساَ :- البحث عن القدوة الحسنة ومحاولة التأسي بها ومحاكاتها قدر المستطاع . سادساَ :- تذكر مبدأ الثواب والعقاب واستحضار مفردات الثواب لمن حسن خلقه ومفردات العقاب لمن ساء خلقه.