الفتور

  • 312 views
Uploaded on

 

  • Full Name Full Name Comment goes here.
    Are you sure you want to
    Your message goes here
    Be the first to comment
    Be the first to like this
No Downloads

Views

Total Views
312
On Slideshare
0
From Embeds
0
Number of Embeds
0

Actions

Shares
Downloads
7
Comments
0
Likes
0

Embeds 0

No embeds

Report content

Flagged as inappropriate Flag as inappropriate
Flag as inappropriate

Select your reason for flagging this presentation as inappropriate.

Cancel
    No notes for slide

Transcript

  • 1. ‫1‬ ‫بسم ا الرحمن الرحيم‬ ‫الفتور‬ ‫مظاهره ،‬ ‫وأسبابه ،‬ ‫وعلجه‬ ‫بقلم : د/ فيصل بن سعود الحليبي‬ ‫عضو هيئة التدريس بكلية الشريعة بالحساء‬ ‫الكتاب خرج مطبوعًا لدى مدار الوطن بالرياض عام ٥٢٤١هـ‬
  • 2. ‫2‬ ‫المقدمة :‬ ‫حمدا كريما لمن تفرد بالعظمة والكبرياء ، وحم د ًا‬ ‫متواص ل ً لمن بيده مقادير كل شيء ، حمدا له من كل قلب‬ ‫مؤمن ، ومن كل نفس مخبتة ، حمدا له على اليمان ، وحم د ًا‬ ‫له على السلم ، وحم د ًا له على القرآن ، حم د ًا له على كل‬‫نعمة ، وحمدا له في السراء والضراء ، وحم د ًا له على كل حال‬ ‫.‬ ‫نشهد أل إله إل ا وحده ل شريك له ، ونشهد أن محمدا‬ ‫عبده ورسوله ، اصطفاه على خلقه بأكرم رسالة ، وأعظم‬ ‫نبوة ، صلى ا عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثي ر ًا .‬ ‫ن ي َاأ َ ي ّ ه َا ا ل ّ ذ ِي ن َ آ م َ ن ُوا ا ت ّ ق ُوا ال ل ّ ه َ و َآ م ِ ن ُوا ب ِ ر َ س ُو ل ِ ه ِ ي ُ ؤ ْ ت ِ ك ُ م ْ‬ ‫ك ِ ف ْ ل َ ي ْ ن ِ م ِ ن ْ ر َ ح ْ م َ ت ِ ه ِ و َ ي َ ج ْ ع َ ل ْ ل َ ك ُ م ْ ن ُو ر ًا ت َ م ْ ش ُو ن َ ب ِ ه ِ و َ ي َ غ ْ ف ِ ر ْ‬ ‫ل َ ك ُ م ْ و َال ل ّ ه ُ غ َ ف ُو ر ٌ ر َ ح ِي م ٌ ل .‬ ‫أما بعد : فإنه حينما تنجو سفين ة ُ المر ء ِ من بحر‬ ‫المعاصي المهلك ، فترسو على ساحل اليمان المن ، يكون‬ ‫حينها عرض ة ً لحبائل الشيطان المغرضة ، وشباكه المعقدة ،‬ ‫وأنيابه المفترسة ، وما ذاك إل لنه غر ض ٌ كم تمنى الشيطان‬ ‫أن يصيبه بسهمه المسموم ، ليرديه قتيل الضعف الممقوت ،‬ ‫والنتكاسة المهينة .‬ ‫ولكن ما أهون هذا الشيطان ، وما أقل حيلته ، وما‬ ‫أضعف كيده ، إذا واجهه المؤمن بسلح اليمان المضاء ، ونوره‬ ‫الوضاء ؛ فراجع أسباب ضعف إيمانه ، ونظر في علل فتوره‬ ‫وتقصيره ، واتخذ من أسباب الثبات على دينه ما ينصره على‬ ‫الشيطان في هذا الصراع العنيف .‬ ‫والفتور _ أيها القارئ الكريم _ مرض يتسم بالتسلل‬‫الخفي حينما يريد أن يدس داءه في قلب المسلم أو عقله ، كما‬ ‫أنه ل يأتي بغتة ، بل إن ن َ ف َس الشيطا ن ِ فيه طويل ، وكيده في‬ ‫الصابة به متنوع ، حتى يقتنع صاحبه أنه فيه على حق ، وأنه‬ ‫كان على خطأ أو تطرف .‬
  • 3. ‫3‬ ‫ولقد تنوعت في هذا الزمان وسائل الفتور ، وتعددت‬ ‫صوره ، واتخذ همه مح ل ً في صدر المصاب به ، ربما بمعرفته‬ ‫له ، أو بمعاينته لثاره عليه ، مع أن هذا الداء قد يتقمص في‬ ‫نفس المصاب به شخصية أخرى ، وهي الكآبة أحيا ن ًا ، أو‬ ‫الحيرة ، أو الخوف ، أو النطواء أو نحو لك .‬ ‫والفتور : انكسار وضعف ، ولعلك تلمح بوضوح أن هذه‬ ‫الكلمة تشير إلى أن هذا الضعف قد س ُبق بقوة ، وذلك‬ ‫النكسار قد تقدمته صلبة ، ولهذا قال علماء اللغة : ) فتر : أي‬ ‫سكن بعد ح ِ د ّة ، ولن بعد ش ِ د ّة ( )1( .‬‫فالفتور إ ذ ًا مرض يصيب القوياء ، ويترصد لكل من يتطلع‬ ‫إلى الكمال في دينه ، وعلى هذا فإن المر يزداد خطورة ؛ إذ‬ ‫أن أهم المقصودين هنا هم شريحة أهل اليمان من العاملين‬ ‫المنتجين ، والمبدعين المتفوقين ، الذين تنهض عليهم المة ،‬ ‫وتنقاد لهم سفينتها .‬ ‫وأخي ر ًا ؛ فمن إدراكي لهمية هذا الموضوع ، أردت أن‬ ‫أزود نفسي المقصرة أو ل ً ببعض الجرعات الوقائية ضد هذا‬ ‫الداء ؛ لحمي نفسي منه بإذن ا ، وأشارك في وقاية‬‫مجتمعي وأمتي من نفوذه وانتشاره ، سائ ل ً المولى سبحانه أن‬ ‫يقينا شرور نفوسنا ، وأن يهدينا إلى هداه ، ويقبضنا إليه غير‬‫مفتونين ، وأن يثبت قلوبنا على طاعته ودينه ، إنه سميع مجيب .‬‫فيصل بن سعود الحليبي‬ ‫)( انظر : لسان العرب ، ) فتر ( ، 471/01.‬ ‫1‬
  • 4. ‫4‬ ‫أسس م س ل ّمة في مشكلة الفتور‬‫إننفا قبفل التعرف على أسفباب إصفابة المؤمفن بالفتور ففي‬‫العبادة ، لبفد مفن تفبيين حقائق ومسفلمات تتعلق بضعفف إيمان‬ ‫المؤمن وفتوره ، أذكرها في القواعد التالية :‬‫القاعدة الولى : أن جميفع الخلق _ سفوى مفن عصفمه ا _‬‫معرض للصففابة بالفتور ، والوقوع فففي الخطاء والمعاصففي ،‬ ‫وهذا أمفر قفد أثبتفه النفبي و ، وجعله سفمة لكفل بنفي آدم فقال :‬ ‫) ك ُ ل ّ ا ب ْ ن ِ آ د َ م َ خ َ ط ّا ء ٌ ، و َ خ َ ي ْ ر ُ ا ل ْ خ َ ط ّا ئ ِي ن َ ال ت ّ و ّا ب ُو ن َ ( )1( .‬‫ولم فا كان النس فان مفطو ر ًا على الوقوع ف في المعص فية ،‬ ‫ف‬ ‫ف‬ ‫ف‬ ‫ف‬‫واقتراف الخط فأ ، أرشده ا تعالى إلى طري فق الخلص منه فا ،‬ ‫ف‬ ‫ف‬ ‫ف‬‫وهفو التوبفة النصفوح ، فمفن توخاه نجفا ، ومفن تنكفب عنفه خسفِر ،‬‫ومفن هنفا جاء الترغيفب الربانفي إلى طريفق النجاة بالعففو عمفا‬ ‫اقترففه النسفان مفن الذنوب ، وليفس هذا فحسفب ، بفل وبتبديفل‬ ‫السفيئات السفابقة إلى حسفنات أي ض ًفا ، فيفا له مفن فضفل عظيفم ،‬ ‫وع فو كر يم ، يقول ا تعالى ف يه : و إ ِ ل م َ ن ْ ت َا ب َ و َآ م َ ن َ و َ ع َ م ِ ل َ‬ ‫ّ‬‫ع َ م َ ل ص َا ل ِ ح ًا ف َ أ ُ و ْ ل َ ئ ِ ك َ ي ُ ب َ د ّ ل ُ ال ل ّ ه ُ س َ ي ّ ئ َا ت ِ ه ِ م ْ ح َ س َ ن َا ت ٍ و َ ك َا ن َ ال ل ّ ه ُ‬ ‫ً‬ ‫غ َ ف ُو ر ًا ر َ ح ِي م ًا غ .‬‫ويقول النفبي و : ) و َا ل ّ ذ ِي ن َ ف ْس ف ِي ب ِ ي َ د ِه ف ِ ، ل َ و ْ ل َم ف ْ ت ُ ذ ْ ن ِ ب ُوا ،‬ ‫ل َ ذ َ ه َبف ال ل ّ ه ُ ب ِ ك ُ م ْ ، و َ ل َ ج َا ء َ ب ِ ق َ و ْ م ٍ ي ُ ذ ْ ن ِ ب ُو ن َ ف َ ي َسف ت َ غ ْ ف ِ ر ُو ن َ ال ل ّ ه َ ،‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ف َ ي َ غ ْ ف ِ ر ُ ل َ ه ُ م ْ ( )2( .‬‫القاعدة الثانية : أن قلب المرء وإن صفا ، وثبت على اليمان‬‫، واستلذ بحلوته ، فإنه مع ر ّض للنتكاسة ، ومهيأ للنقلب ، قد‬ ‫يقرب من ذلك وقد يبعد عنه ، يقول النبي ي : ) إ ِ ن ّ م َا س ُ م ّ ي َ‬ ‫ا ل ْ ق َ ل ْ ب ُ م ِ ن ْ ت َ ق َ ل ّ ب ِ ه ِ ؛ إ ِ ن ّ م َا م َ ث َ ل ُ ا ل ْ ق َ ل ْ ب ِ ك َ م َ ث َ ل ِ ر ِي ش َ ة ٍ م ُ ع َ ل ّ ق َ ة ٍ ف ِي‬ ‫أ َ ص ْ ل ِ ش َ ج َ ر َ ة ٍ ي ُ ق َ ل ّ ب ُ ه َا ال ر ّي ح ُ ظ َ ه ْ ر ًا ل ِ ب َ ط ْ ن ٍ ( )3( .‬‫)( رواه الترمذي ، وابففن ماجففه ، والدارمففي ، وإسففناده حسففن ، ورواه الحاكففم‬ ‫1‬ ‫وصححه .‬ ‫)( رواه مسلم .‬ ‫2‬ ‫)( رواه أحمد وهو صحيح .‬ ‫3‬
  • 5. ‫5‬ ‫وإن القلب أيها المؤمنون لشديد التقلب ، ويضرب النبي و‬ ‫لشدة هذا التقلب مث ل ً فيقول : ) لقلب ابن آدم أسرع تقل ب ًا من‬ ‫القدر إذا استجمعت غليا ن ًا ( )1( .‬‫ومن الذي بيده تقليب القلوب وتصريفها ، إنه ا سبحانه ،‬ ‫يقول النبي ي :‬ ‫) إ ِ ن ّ ق ُ ل ُو ب َ ب َ ن ِي آ د َ م َ ك ُ ل ّ ه َا ب َ ي ْ ن َ إ ص ْ ب َ ع َ ي ْ ن ِ م ِ ن ْ أ َ ص َا ب ِ ع ِ ال ر ّ ح ْ م َ ن ِ ،‬ ‫ك َ ق َ ل ْ ب ٍ و َا ح ِ د ٍ ، ي ُ ص َ ر ّ ف ُ ه ُ ح َ ي ْ ث ُ ي َ ش َا ء ُ ، ث ُ م ّ ق َا ل َ ر َ س ُو ل ُ ال ل ّ ه ِ ك :‬ ‫ال ل ّ ه ُ م ّ م ُ ص َ ر ّ ف َ ا ل ْ ق ُ ل ُو ب ِ ص َ ر ّ ف ْ ق ُ ل ُو ب َ ن َا ع َ ل َى ط َا ع َ ت ِ ك َ ( )2( .‬ ‫القاعدة الثالثة : أن مذهب أهل السنة والجماعة في شأن‬ ‫اليمان ، أنه يزيد بالطاعة ، وينقص بالمعصية ، وهل يستوي‬ ‫إيمان عبد تعلق قلبه بالمساجد ، وشغف بحب ا ورسوله إ ،‬ ‫وأضاء نور القرآن عقله ، وأنارت السنة بصيرته ، بمن صد عن‬ ‫هذا كله ، فرضي بمستنقعات الرذيلة له مور د ًا ومشر ب ًا ،‬ ‫وامتلكت جوار ح َ ه ُ المعاصي ، وسرى في دمه دا ء ُ التبعية لكل‬ ‫ناعق ، فاستمتع بالشهوات المحرمة ، وس ل ّم قياده لشيطان‬ ‫الهوى ؟ ل وا الذي ل إله إل هو ل يستوون ، وهل يستوي من‬ ‫قال ا فيه : ق إ ِ ن ّ م َا ا ل ْ م ُ ؤ ْ م ِ ن ُو ن َ ا ل ّ ذ ِي ن َ إ ِ ذ َا ذ ُ ك ِ ر َ ال ل ّ ه ُ و َ ج ِ ل َ ت ْ‬ ‫ق ُ ل ُو ب ُ ه ُ م ْ و َ إ ِ ذ َا ت ُ ل ِ ي َ ت ْ ع َ ل َ ي ْ ه ِ م ْ آيا ت ُ ه ُ ز َا د َ ت ْ ه ُ م ْ إ ِ ي م َا ن َ ًا و َ ع َ ل َى ر َ ب ّ ه ِ م ْ‬ ‫ي َ ت َ و َ ك ّ ل ُو ن َ ي ، هل يستوي هؤلء بمن قال ا تعالى فيهم :‬ ‫و َ إ ِ ذ َا ذ ُ ك ِ ر َ ال ل ّ ه ُ و َ ح ْ د َ ه ُ ا ش ْ م َ أ َ ز ّ ت ْ ق ُ ل ُو ب ُ ا ل ّ ذ ِي ن َ ل ي ُ ؤ ْ م ِ ن ُو ن َ‬ ‫َ‬ ‫ب ِا ل خ ِ ر َ ة ِ و َ إ ِ ذ َا ذ ُ ك ِ ر َ ا ل ّ ذ ِي ن َ م ِ ن ْ د ُو ن ِ ه ِ إ ِ ذ َا ه ُ م ْ ي َ س ْ ت َ ب ْ ش ِ ر ُو ن َ ب‬ ‫ْ‬ ‫أقول : ل يستوون !!‬ ‫القاعدة الرابعة : أن بقاء قلب المؤمن على الدرجة الرفيعة‬ ‫من اليمان التي يجدها في أعظم العبادات قد ر ًا ، وأكثرها‬ ‫تأثي ر ًا ؛ كالصلة ، والحج ، والصيام وتلوة القرآن ، وقيام‬ ‫الليل ، أمر متعذر ؛ لشدة انشغال القلب بأعمال الدنيا ،‬ ‫وملذاتها ، وما يعتريه فيها من أفراح وأتراح ، وليس هذا من‬ ‫الرياء أو النفاق في شيء ، وقد وجد هذا أفضل القرون من‬ ‫)( رواه ابن أبي عاصم في كتاب السنة ، وإسناده صحيح .‬ ‫1‬ ‫)( رواه مسلم .‬ ‫2‬
  • 6. ‫6‬ ‫صحابة النبي ص ؛ فقد روى مسلم في صحيحه : ع َ ن ْ ح َ ن ْ ظ َ ل َ ة َ‬ ‫ا ل ُس َ ي ّ د ِ ي ّ ا ، ق َا ل َ : ل َ ق ِ ي َ ن ِي أ َ ب ُو ب َ ك ْ ر ٍ ، ، ف َ ق َا ل َ : ك َ ي ْ ف َ أ َ ن ْ ت َ ي َا‬ ‫ْ‬ ‫ح َ ن ْ ظ َ ل َ ة ُ ؟ ق َا ل َ ق ُ ل ْ ت ُ : ن َا ف َ ق َ ح َ ن ْ ظ َ ل َ ة ُ ، ق َا ل َ : س ُ ب ْ ح َا ن َ ال ل ّ ه ِ ، م َا‬ ‫ت َ ق ُو ل ُ ؟ ق َا ل َ ق ُ ل ْ ت ُ : ن َ ك ُو ن ُ ع ِ ن ْ د َ ر َ س ُو ل ِ ال ل ّ ه ِ ت ي ُ ذ َ ك ّ ر ُ ن َا ب ِال ن ّا ر ِ‬ ‫ْ‬ ‫و َا ل ْ ج َ ن ّ ة ِ ، ح َ ت ّى ك َ أ َ ن ّا ر َ أ ي ُ ع َ ي ْ ن ٍ ، ف َ إ ِ ذ َا خ َ ر َ ج ْ ن َا م ِ ن ْ ع ِ ن ْ د ِ ر َ س ُو ل ِ‬ ‫ال ل ّ ه ِ ا ع َا ف َ س ْ ن َا ا ل َز ْ و َا ج َ و َا ل َو ْ ل د َ و َال ض ّ ي ْ ع َا ت ِ ، ف َ ن َ س ِي ن َا ك َ ث ِي ر ًا ،‬ ‫ْ َ‬ ‫ْ‬‫ق َا ل َ أ َ ب ُو ب َ ك ْ ر ٍ : ف َ و َال ل ّ ه ِ إ ِ ن ّا ل َ ن َ ل ْ ق َى م ِ ث ْ ل َ ه َ ذ َا ، ف َا ن ْ ط َ ل َ ق ْ ت ُ أ َ ن َا و َأ َ ب ُو‬ ‫ب َ ك ْ ر ٍ ح َ ت ّى د َ خ َ ل ْ ن َا ع َ ل َى ر َ س ُو ل ِ ال ل ّ ه ِ ب ، ق ُ ل ْ ت ُ : ن َا ف َ ق َ ح َ ن ْ ظ َ ل َ ة ُ ي َا‬ ‫ر َ س ُو ل َ ال ل ّ ه ِ، ف َ ق َا ل َ ر َ س ُو ل ُ ال ل ّ ه ِ ر : و َ م َا ذ َا ك َ ؟ ق ُ ل ْ ت ُ : ي َا ر َ س ُو ل َ‬ ‫ْ‬‫ال ل ّ ه ِ ، ن َ ك ُو ن ُ ع ِ ن ْ د َ ك َ ت ُ ذ َ ك ّ ر ُ ن َا ب ِال ن ّا ر ِ و َا ل ْ ج َ ن ّ ة ِ ح َ ت ّى ك َ أ َ ن ّا ر َ أ ي ُ ع َ ي ْ ن ٍ‬ ‫، ف َ إ ِ ذ َا خ َ ر َ ج ْ ن َا م ِ ن ْ ع ِ ن ْ د ِ ك َ ، ع َا ف َ س ْ ن َا ا ل َز ْ و َا ج َ و َا ل َو ْ ل د َ‬ ‫ْ َ‬ ‫ْ‬ ‫و َال ض ّ ي ْ ع َا ت ِ ن َ س ِي ن َا ك َ ث ِي ر ًا ، ف َ ق َا ل َ ر َ س ُو ل ُ ال ل ّ ه ِ و : و َا ل ّ ذ ِي ن َ ف ْ س ِي‬ ‫ب ِ ي َ د ِ ه ِ إ ِ ن ْ ل َ و ْ ت َ د ُو م ُو ن َ ع َ ل َى م َا ت َ ك ُو ن ُو ن َ ع ِ ن ْ د ِي و َ ف ِي ال ذ ّ ك ْ ر ِ ،‬ ‫ل َ ص َا ف َ ح َ ت ْ ك ُ م ُ ا ل ْ م َ ل ئ ِ ك َ ة ُ ع َ ل َى ف ُ ر ُ ش ِ ك ُ م ْ و َ ف ِي ط ُ ر ُ ق ِ ك ُ م ْ ، و َ ل َ ك ِ ن ْ ي َا‬ ‫َ‬ ‫ح َ ن ْ ظ َ ل َ ة ُ ، س َا ع َ ة ً و َ س َا ع َ ة ً ، ث َ ل ث َ م َ ر ّا ت ٍ ( .‬ ‫َ‬
  • 7. ‫7‬ ‫مظاهر الفتور‬‫إن سفؤا ل ً تتحدث بفه قلوبنفا ، وإن لم تنطفق بفه ألسفنتنا ،‬‫وهففو : كيففف أعرف أننففي مصففاب بداء الفتور ، مففا أعراضففه ،‬ ‫وأشكاله التي يظهر بها في عبادتي ، وفي حياتي ؟‬ ‫أخي الكريم : إن ثمة مظاهر كثيرة لهذا الداء ، تشير لك‬ ‫بثلمة في إيمانك تحتاج إلى ترميم ، واهتزاز في علقتك بربك‬ ‫تحتاج إلى تثبيت ، أذكر لك طر ف ًا منها ، فارع سمعك لذكرها ،‬ ‫ولنتحسس وجودها أو عدمها في نفوسنا :‬ ‫المظهر الول : قسوة القلب ، ذلك السياج المانع للقلب من‬ ‫الخشوع لله تعالى ، الحابس لدمع العين من خشيته ، الحائل‬ ‫دون قشعريرة الجلد وليونته ذ ل ً لله تعالى ، فل يعرف القلب‬ ‫بعد هذا معرو ف ًا ، ول ينكر منك ر ًا ، قد ج ف ّت ينابيع الحب فيه ،‬ ‫وأقفرت رياض الرحمة لديه ، واصفرت خضرة المشاعر في‬ ‫فؤاده ، ف ف َ و َ ي ْ ل ٌ ل ِ ل ْ ق َا س ِ ي َ ة ِ ق ُ ل ُو ب ُ ه ُ م ْ م ِ ن ْ ذ ِ ك ْ ر ِ ال ل ّ ه ِ أ ُ و ْ ل َ ئ ِ ك َ ف ِي‬ ‫ضَللٍ‬‫َ‬ ‫م ُ ب ِي ن ٍ م .‬ ‫وتستمر القسوة بالقلب حتى تصل إلى درجة تتضاءل‬ ‫أمامها صلبة الحجار والصخور ، أ ث ُ م ّ ق َ س َ ت ْ ق ُ ل ُو ب ُ ك ُ م ْ م ِ ن ْ ب َ ع ْ د ِ‬ ‫ذ َ ل ِ ك َ ف َ ه ِ ي َ ك َا ل ْ ح ِ ج َا ر َ ة ِ أ َ و ْ أ َ ش َ د ّ ق َ س ْ و َ ة ً و َ إ ِ ن ّ م ِ ن ْ ا ل ْ ح ِ ج َا ر َ ة ِ ل َ م َا‬ ‫ي َ ت َ ف َ ج ّ ر ُ م ِ ن ْ ه ُ ا ل َن ْ ه َا ر ُ و َ إ ِ ن ّ م ِ ن ْ ه َا ل َ م َا ي َ ش ّ ق ّ ق ُ ف َ ي َ خ ْ ر ُ ج ُ م ِ ن ْ ه ُ ا ل ْ م َا ء ُ‬ ‫ْ‬ ‫و َ إ ِ ن ّ م ِ ن ْ ه َا ل َ م َا ي َ ه ْ ب ِ ط ُ م ِ ن ْ خ َ ش ْ ي َ ة ِ ال ل ّ ه ِ و َ م َا ال ل ّ ه ُ ب ِ غ َا ف ِ ل ٍ ع َ م ّا‬ ‫ت َ ع ْ م َ ل ُو ن َ ت .‬ ‫وشتان بيفن مفن كان هذا حال قلوبهفم ، وبيفن مفن تنتففض‬ ‫أجسادهم كالعصافير المبللة بالمطر رهبة من ا تعالى ، حتى‬‫خ ل ّد ا ذكرهفم ووصففهم ففي كتابفه العزيفز فقال : خ ال ل ّهفُ ن َ ز ّ ل َ‬ ‫أ َ ح ْس ف َ ن َ ا ل ْ ح َ د ِيث ف ِ ك ِ ت َا ب ً فا م ُ ت َ ش َا ب ِ ه ً فا م َ ث َا ن ِي ف َ ت َ ق ْ ش َ ع ِ ر ّ م ِ ن ْه ف ُ ج ُ ل ُو د ُ‬ ‫ف‬ ‫ف‬ ‫ا ل ّ ذ ِينف ي َ خ ْ ش َ و ْنف ر َ ب ّ ه ُمف ث ُ م ّف ت َ ل ِينف ج ُ ل ُو د ُ ه ُمف و َ ق ُ ل ُو ب ُ ه ُمف إ ِ ل َى ذ ِ ك ْ ر ِ‬ ‫ْ‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ال ل ّ ه ِ ذ َ ل ِ ك َ ه ُ د َى ال ل ّ ه ِ ي َ ه ْ د ِي ب ِ ه ِ م َ ن ْ ي َ ش َا ء ُ و َ م َ ن ْ ي ُ ض ْ ل ِ ل ْ ال ل ّ ه ُ ف َم َا‬ ‫ل َ ه ُ م ِ ن ْ ه َا د ٍ ل .‬
  • 8. ‫8‬ ‫ول ريب أن ذكر الموت والستعداد للخرة وتمني حسن‬ ‫الخاتمة علج لكل من قسا قلبه بالمعصية ، يقول الرسول ا :‬ ‫) كنت نهيتكم عن زيارة القبور ، أل فزوروها ؛ فإنها ترق‬ ‫القلب ، وتدمع العين ، وتذكر الخرة ( )1( .‬‫المظ هر الثا ني : التهاون في ف عل الطاعات ، ما كان من ها‬‫فرض ًا ، أو نف ل ً ، ي سي ر ًا كالذكار ، أو غ ير ذلك ، كال حج ، وال صلة‬‫، وال صيام ، فإذا رأى الن سان نف سه متثاق ل ً في أداء العبادات ،‬‫متكاسفل ً ففي النهوض إليهفا ، كار ه ًفا لدائهفا ، يشعفر كأنهفا أمثال‬‫الجبال على كاهله ، فليعلم أن داء الفتور قفد دب ففي أوصفاله ،‬‫وسفرى ففي دمفه ، يقول تعالى ذا م ًفا هذا الصفنف مفن المصفابين‬ ‫بهزال اليمان وضعف ففففه : ب و َ إ ِ ذ َا ق َا م ُوا إ ِ ل َى الص ففف ف ّ ل ة ِ ق َا م ُوا‬ ‫َ‬ ‫ف‬ ‫ف‬‫ك ُسفَا ل َى ي ُ ر َا ء ُونف ال ن ّاسف و َ ل ي َ ذ ْ ك ُ ر ُونف ال ل ّهف إ ِ ل ق َ ل ِي ل ك ، ويقول‬ ‫ً‬ ‫َ ّ‬ ‫َ‬ ‫َ َ‬ ‫َ‬ ‫تعالى : ت و َ ل ي َ أ ْ ت ُونفَ الصفّ ل ة َ إ ِ ل و َ ه ُمفْ ك ُسفَا ل َى و َ ل ي ُن ف ِ ق ُونفَ إ ِ ل‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫و َ ه ُمففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففف ف ْ‬ ‫ك َا ر ِ ه ُو ن َ ك .‬ ‫المظهر الثالث : بغض الصالحين الممتثلين للسنة ،‬ ‫الحريصين على إقامة شعائر الدين في أنفسهم ، وأهليهم ،‬ ‫ووسطهم ، فإذا ما رأيت العبد يجتنب مجالس الخير ، ويأنس‬ ‫بأحاديث اللغو والتفاهة ، فاعلم أنه يعيش صرا ع ًا مع نفسه ،‬ ‫فإنها تنازعه الثبات على الحق ، وتدعوه إلى الهمال فيه ،‬ ‫والفتور في القيام به .‬ ‫يقول الفاروق ي : ) جالسوا التوابين فإنهم أرق شيء‬ ‫أفئدة ( .‬ ‫ويقول أبو الدرداء و : ) ل تزالون بخير ما أحببتم خياركم (‬ ‫)2( .‬‫المظ هر الرا بع : موت المشا عر الدين ية ، وعدم الغ ضب من‬‫أجفل ا تعالى ؛ فإن المرء يمفر ففي يومفه وليلتفه بفتفن كثيرة ،‬‫وامتحانات متتاليفففة ، على رأسفففها هذه المنكرات التفففي تموج‬ ‫)( رواه الحاكم وهو صحيح .‬ ‫1‬ ‫)( رواه أبو نعيم .‬ ‫2‬
  • 9. ‫9‬‫بالناس حتفى تكاد تغرقهفم ، ومفا تواجفه بفه تعاليفم السفلم مفن‬‫السفخرية والسفتهزاء ، ومفا تتعرض له بعفض شعوب المسفلمين‬‫من حروب البادة ال تي لم يش هد ل ها التار يخ مثي ل ، و ما يشاهده‬ ‫ً‬‫المس فلم اليوم م فن س فقوط أكث فر المس فلمين ف في شباك الغرب‬ ‫ف‬ ‫ف‬ ‫ف‬ ‫ف‬ ‫ف‬ ‫ف‬ ‫والشرق .‬‫فعزاؤنفا كفل العزاء ففي كفل مفن ل يشعفر بهذا البلء ، ول‬‫يحاول المشار كة في دف عه أو رف عه، ولو كان بل سانه أو بقل به ،‬ ‫حتى غدا قلبه كأي قطعة لحم ميتة ، ل نبض فيها ول حراك .‬ ‫يقول النبي ي : )) ت ُ ع ْ ر َ ض ُ ا ل ْ ف ِ ت َ ن ُ ع َ ل َى ا ل ْ ق ُ ل ُو ب ِ‬ ‫ك َا ل ْ ح َ ص ِي ر ِ ع ُو د ًا ع ُو د ًا ، ف َ أ َ ي ّ ق َ ل ْ ب ٍ أ ُ ش ْ ر ِ ب َ ه َا ن ُ ك ِ ت َ ف ِي ه ِ ن ُ ك ْ ت َ ة ٌ‬ ‫س َ و ْ د َا ء ُ ، و َأ َ ي ّ ق َ ل ْ ب ٍ أ َ ن ْ ك َ ر َ ه َا ن ُ ك ِ ت َ ف ِي ه ِ ن ُ ك ْ ت َ ة ٌ ب َ ي ْ ض َا ء ُ ، ح َ ت ّى‬ ‫ت َ ص ِي ر َ ع َ ل َى ق َ ل ْ ب َ ي ْ ن ِ ؛ ع َ ل َى أ َ ب ْ ي َ ض َ م ِ ث ْ ل ِ ال ص ّ ف َا ف َ ل ت َ ض ُ ر ّ ه ُ ف ِ ت ْ ن َ ة ٌ‬ ‫َ‬ ‫م َا د َا م َ ت ِ ال س ّ م َا و َا ت ُ و َا ل َر ْ ض ُ ، و َا ل خ َ ر ُ أ َ س ْ و َ د ُ م ُ ر ْ ب َا د ٌ ك َا ل ْ ك ُو ز ِ‬ ‫ْ‬ ‫ْ‬ ‫م ُ ج َ خ ّ ي ًا ، ل ي َ ع ْ ر ِ ف ُ م َ ع ْ ر ُو ف ًا و َ ل ي ُ ن ْ ك ِ ر ُ م ُ ن ْ ك َ ر ًا إ ِ ل م َا أ ُ ش ْ ر ِ ب َ م ِ ن ْ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ه َ و َا ه ُ ( )1( .‬ ‫المظهر الخامس : عدم الشكر في السراء ، وعدم الصبر‬ ‫في الضراء ، وإنما يأتي ذلك من ضعف اليمان ، والفتور في‬ ‫الصلة بين العبد وخالقه ، فلو أن العبد استحضر أن كل نعمة‬ ‫تصل إليه إنما هي من ا وحده ، لشكر ا عليها ، فتزداد‬ ‫صلته بخالقه الذي م َ ن ّ عليه بهذه النعم وغيرها ، ولو أنه حينما‬ ‫تحل به مصيبة ، أو تقع به كارثة ، علم بأنها ابتلء وامتحان من‬ ‫ا ، ليصبر عليها ، لينال أجر الصابرين ، فيفوز مع الفائزين ،‬‫ول يكون الشكر في امتحان النعمة ، والصبر في امتحان الشدة‬ ‫إل من المؤمنين .‬ ‫يقول النبي ي : ) ع َ ج َ ب ًا ل َم ْ ر ِ ا ل ْ م ُ ؤ ْ م ِ ن ِ ، إ ِ ن ّ أ َ م ْ ر َ ه ُ ك ُ ل ّ ه ُ‬ ‫ِ‬‫خ َ ي ْ ر ٌ ، و َ ل َ ي ْ س َ ذ َا ك َ ل َح َ د ٍ إ ِ ل ل ِ ل ْ م ُ ؤ ْ م ِ ن ِ ، إ ِ ن ْ أ َ ص َا ب َ ت ْ ه ُ س َ ر ّا ء ُ ش َ ك َ ر َ ،‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬‫ف َ ك َا ن َ خ َ ي ْ ر ًا ل َ ه ُ ، و َ إ ِ ن ْ أ َ ص َا ب َ ت ْ ه ُ ض َ ر ّا ء ُ ص َ ب َ ر َ ، ف َ ك َا ن َ خ َ ي ْ ر ًا ل َ ه ُ( )2( .‬ ‫)( رواه مسلم .‬ ‫1‬ ‫)( رواه مسلم .‬ ‫2‬
  • 10. ‫01‬ ‫فلننتبه أن تغرقنا الفرحة بالنعمة في بحر الكفر بمن‬ ‫م َ ن ّ بها علينا ، أو توقعنا المصيبة في فقدان المل في الفرج‬ ‫بمن عنده مفاتيح الفرج سبحانه وتعالى .‬ ‫المظهر السادس : المجاهرة بالمعصية ، وعدم مبالة‬ ‫المرء بمعرفة الناس بوقوعه فيها ، وهي من أعلى مراتب‬ ‫الفتور ، حتى ح ذ ّر النبي ا منها في قوله : ) ك ُ ل ّ أ ُ م ّ ت ِي م ُ ع َا ف ًى‬ ‫إ ِ ل ا ل ْ م ُ ج َا ه ِ ر ِي ن َ ، و َ إ ِ ن ّ م ِ ن َ ا ل ْ م ُ ج َا ه َ ر َ ة ِ أ َ ن ْ ي َ ع ْ م َ ل َ ال ر ّ ج ُ ل ُ‬ ‫ّ‬ ‫ب ِال ل ّ ي ْ ل ِ ع َ م َ ل ، ث ُ م ّ ي ُ ص ْ ب ِ ح َ و َ ق َ د ْ س َ ت َ ر َ ه ُ ال ل ّ ه ُ ع َ ل َ ي ْ ه ِ ف َ ي َ ق ُو ل َ : ي َا‬ ‫ً‬ ‫ف ُ ل ن ُ ، ع َ م ِ ل ْ ت ُ ا ل ْ ب َا ر ِ ح َ ة َ ك َ ذ َا و َ ك َ ذ َا ، و َ ق َ د ْ ب َا ت َ ي َ س ْ ت ُ ر ُ ه ُ ر َ ب ّ ه ُ ،‬ ‫َ‬ ‫و َ ي ُ ص ْ ب ِ ح ُ ي َ ك ْ ش ِ ف ُ س ِ ت ْ ر َ ال ل ّ ه ِ ع َ ن ْ ه ُ ( )1( .‬ ‫وما أشنع هذا الفعل الذي تتوغل النفس فيه في غمرة‬ ‫المعصية المقترنة بالجهل ، فيزيد على وباء الذنب ، ظلمة‬ ‫النسلخ من الحياء من ا ومن خلقه ، وإن الحياء لشعبة من‬ ‫شعب اليمان ، فكيف إذا كان من ا تعالى !!‬ ‫أما تشتاق نفس هذا المجاهر بالمعصية ، إلى ستر ا‬ ‫تعالى يوم القيامة ، الذي جعله ا لمن أذنبوا ولم يجاهروا ،‬ ‫يقول النبي ي : ) إ ِ ن ّ ال ل ّ ه َ ي ُ د ْ ن ِي ا ل ْ م ُ ؤ ْ م ِ ن َ ف َ ي َ ض َ ع ُ ع َ ل َ ي ْ ه ِ ك َ ن َ ف َ ه ُ‬ ‫و َ ي َ س ْ ت ُ ر ُ ه ُ ، ف َ ي َ ق ُو ل ُ : أ َ ت َ ع ْ ر ِ ف ُ ذ َ ن ْ ب َ ك َ ذ َا ، أ َ ت َ ع ْ ر ِ ف ُ ذ َ ن ْ ب َ ك َ ذ َا ،‬ ‫ف َ ي َ ق ُو ل ُ : ن َ ع َ م ْ أ َ ي ْ ر َ ب ّ ، ح َ ت ّى إ ِ ذ َا ق َ ر ّ ر َ ه ُ ب ِ ذ ُ ن ُو ب ِ ه ِ ، و َ ر َأ َ ى ف ِي‬ ‫ن َ ف ْ س ِ ه ِ أ َ ن ّ ه ُ ه َ ل َ ك َ ، ق َا ل َ : س َ ت َ ر ْ ت ُ ه َا ع َ ل َ ي ْ ك َ ف ِي ال د ّ ن ْ ي َا ، و َأ َ ن َا‬ ‫أ َ غ ْ ف ِ ر ُ ه َا ل َ ك َ ا ل ْ ي َ و ْ م َ ، ف َ ي ُ ع ْ ط َى ك ِ ت َا ب َ‬ ‫ح َ س َ ن َا ت ِ ه ِ ( )2( .‬ ‫هذه جملة من العراض التي تظهر على المصاب بداء‬ ‫الفتور ، توخيت في اختيارها كثرة الوقوع ، وغالبية الحدوث .‬‫والشأن فففي أسففباب الفتور كذلك أي ض ًففا ، فإنهففا كثيرة ،‬‫وتختلف من بيئة إلى أخرى ، و من ش خص ل خر ، غ ير أ نه يم كن‬‫تسفففليط الضوء على جملة منهفففا ، نتلمفففس فيهفففا الواقعيفففة‬‫والهميفة ، فحاول أن تعيفش معفي معرففة هذه السفباب ، فإن‬ ‫معرفة سبب الداء ، طريق إلى إتقان الدواء .‬ ‫)( رواه مسلم .‬ ‫1‬ ‫)( رواه البخاري .‬ ‫2‬
  • 11. ‫11‬ ‫أسباب الفتور‬ ‫المقصود بالسباب هنا : هي تلك الطرق الموصلة إلى‬ ‫ضعف إيمان العبد بعد أن كان قو ي ًا ، وهي الوسائل التي‬ ‫كسرت صلبة بنيان الدين في قلبه حتى أردته هزي ل ً واه ن ًا ،‬ ‫تتلعب به الشهوات ، وتتقاذفه أمواجها ، وتثقل عليه كل ما‬ ‫يتصل بدينه وعبادته .‬ ‫السبب الول : عدم تعهد العبد إيمانه من حي ن ٍ لخر ، من‬ ‫حيث الزيادة أو النقص ، فإن بدون مراجعة النسان نفسه مع‬ ‫حال إيمانه ، تتكالب عليه أسباب الفتور من كل جانب ، فتعمل‬ ‫معاولها الهدامة في بنيانه ، ولذا فإنه يجب على المؤمن إذا‬ ‫رأى في إيمانه قصو ر ًا ، أو شعر بشي ء ٍ من مظاهر الفتور ، أن‬ ‫يتزود من أسباب اليمان ، وينهل من معينه .‬‫يقول أبو الدرداء ي : ) من فقه العبد أن يتعاهد إيمانه وما‬ ‫نقص منه ، ومن فقه العبد أن يعلم : أيزداد هو أم ينت ق ِص ؟ ( .‬ ‫وكان عمر و يقول لصحابه : ) هلموا نزدد إيما ن ًا ،‬ ‫فيذكرون ا ف ( .‬ ‫وكان ابن مسعود و يقول في دعائه : ) اللهم زدنا إيما ن ًا‬ ‫ويقي ن ًا وفقها ( .‬ ‫وكان معاذ بن جبل و يقول للرجل : ) اجلس بنا نؤمن‬ ‫ساعة ( .‬ ‫وقال عمار بن ياسر و : ) ثلث من ك ُ ن ّ فيه فقد استكمل‬ ‫اليمان : إنصا ف ٌ من نفسه ، والنفاق من إقتار ، وبذل السلم‬ ‫للعا ل َم ( )1( .‬ ‫السبب الثاني : الجهل بما أعده ا تعالى للمتقين من‬ ‫الجنان ، أو تجاهله ، أو نسيانه ، أو عدم مذاكرته بين الحين‬ ‫والخر ، فإذا ما وقع النسان في شيء من هذا ، فتر عن‬ ‫العبادة ، وتكاسل عنها ؛ لنه فطر على التعلق بالشكر ، وطلب‬ ‫الجائزة على المعروف ، وقد هيأ ا ذلك لعباده إلى ح د ٍ ل‬ ‫)( ذكره البخاري في صحيحه .‬ ‫1‬
  • 12. ‫21‬ ‫تتصوره أذهانهم ، ول يخطر على بالهم ، ت هذا ذ ِ ك ْ ر ٌ و َ إ ِ ن ّ‬ ‫ل ِ ل ْ م ُ ت ّ ق ِي ن َ ل َ ح ُ س ْ ن َ م َآ ب ٍ)94( ج َ ن ّا ت ِ ع َ د ْ ن ٍ م ُ ف َ ت ّ ح َ ة ً ل َ ه ُ م ْ ا ل َب ْ و َا ب ُ)‬ ‫ْ‬ ‫05( م ُ ت ّ ك ِ ئ ِي ن َ ف ِي ه َا ي َ د ْ ع ُو ن َ ف ِي ه َا ب ِ ف َا ك ِ ه َ ة ٍ ك َ ث ِي ر َ ة ٍ و َ ش َ ر َا ب ٍ)‬ ‫15( و َ ع ِ ن ْ د َ ه ُ م ْ ق َا ص ِ ر َا ت ُ ال ط ّ ر ْ ف ِ أ َ ت ْ ر َا ب ٌ) 25( ه َ ذ َا م َا ت ُو ع َ د ُو ن َ‬ ‫ل ِ ي َ و ْ م ِ ا ل ْ ح ِ س َا ب ِ)35( إ ِ ن ّ ه َ ذ َا ل َ ر ِ ز ْ ق ُ ن َا م َا ل َ ه ُ م ِ ن ْ ن َ ف َا د ٍ إ .‬ ‫ويقول النبي و : ) ق َا ل َ ال ل ّ ه ُ : أ َ ع ْ د َ د ْ ت ُ ل ِ ع ِ ب َا د ِي ال ص ّا ل ِ ح ِي ن َ‬ ‫م َا ل ع َ ي ْ ن ٌ ر َأ َ ت ْ ، و َ ل أ ُ ذ ُ ن ٌ س َ م ِ ع َ ت ْ ، و َ ل خ َ ط َ ر َ ع َ ل َى ق َ ل ْ ب ِ ب َ ش َ ر ٍ ،‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ف َا ق ْ ر َ ء ُوا إ ِ ن ْ ش ِ ئ ْ ت ُ م ْ ) ف َ ل ت َ ع ْ ل َ م ُ ن َ ف ْ س ٌ م َا أ ُ خ ْ ف ِ ي َ ل َ ه ُ م ْ م ِ ن ْ ق ُ ر ّ ة ِ‬ ‫َ‬ ‫أ َ ع ْ ي ُ ن ٍ ( )1( .‬ ‫غير أن فئة منهم تباطئوا الثواب ، أو غفلوا عنه ، فماتت‬ ‫أحاسيس الرغبة فيه ، وضعفت الهمة في طلبه .‬ ‫السبب الثالث : استبعاد العقوبات الدنيوية ، والستهانة‬‫بالعذاب الخروي ، أو الشعور بأنه عذاب معنوي فحسب . وهذا‬ ‫السبب قسيم لسابقه ، فإنما يسعد المؤمن بإيمانه على‬ ‫أمرين ، الرجاء في ثواب ا ، والخوف من عقابه ، فإذا ما‬‫استبعد المسلم حلول النقمة عليه في الدنيا بسبب ذنب أصابه ،‬ ‫أو خطيئة ارتكبها ، تمادى في طريقها غير مبا ل ٍ بنتائج هذا‬ ‫الفعل .‬ ‫يقول بعض السلف : )) إنني أجد أثر المعصية في أهلي‬ ‫ودابتي (( .‬‫وإني لعجب ح ق ًا من عدد من الناس يعيشون في حياتهم‬‫ضي ق ًا ونكدا ، وه م ًا وغ م ًا ، ونفرة واضطرا ب ًا ، وقد خلت بيوتهم‬ ‫من سماع القرآن وتلوته ، وجفت ألسنتهم من الذكر والدعاء ،‬ ‫ل تعرف منازلهم النوافل ، ول يتراحمون بالتناصح ، بل طلبوا‬ ‫السعادة في غير مظانها ، ولهثوا خلف سراب التقليد ، ففتروا‬ ‫عن الخير ، وتباطئوا عن الخيرات ، وسارعوا إلى الشهوات‬ ‫والملذات .‬‫فأ ي ّ ثبات على الحق يبقى ، وقد أ م ِ ن َ أولئك مع انحرافهم‬ ‫عن جادة الدين العقوبة التي حلت بغيرهم ، فهل ينتظرون أن‬ ‫تحل بهم .‬ ‫)( رواه البخاري .‬ ‫1‬
  • 13. ‫31‬ ‫أما الغفلة عن عذاب الخرة ، أو الستهانة به ، فهو رأس‬ ‫الداء ، وصميم البلء ، إن الواحد منا ليستمع من بعض هؤلء‬ ‫مقولت تقشعر منها البدان ، فمن قائل : إن هي إل ساعات‬ ‫في النار ، ثم نخرج منها ، ومن قائل : إنما هو عذاب روحي‬ ‫ومعنوي ليس إل ، بل استمعت لبعضهم يقول : الموتة واحدة ،‬ ‫ول حساب ول عقاب ، وإنهم ليقولون منك ر ًا من القول وزو ر ًا ،‬ ‫ويحسبونه هي ن ًا ، وهو عند ا عظيم .‬ ‫وإل فأين هؤلء من قول ا تعالى : و إن ا ل ّ ذ ِي ن َ ك َ ف َ ر ُوا‬ ‫ب ِآ ي َا ت ِ ن َا س َ و ْ ف َ ن ُ ص ْ ل ِي ه ِ م ْ ن َا ر ًا ك ُ ل ّ م َا ن َ ض ِ ج َ ت ْ ج ُ ل ُو د ُ ه ُ م ْ ب َ د ّ ل ْ ن َا ه ُ م ْ‬ ‫ج ُ ل ُو د ًا غ َ ي ْ ر َ ه َا ل ِ ي َ ذ ُو ق ُوا ا ل ْ ع َ ذ َا ب َ إ ِ ن ّ ال ل ّ ه َ ك َا ن َ ع َ ز ِي ز ًا‬ ‫ح َ ك ِي م ًا ح.‬‫أيها المسلمون : بمحبة ا ، والخوف من عذابه ، والرجاء‬‫في ثوابه ، نجا أصحاب محمد ف ، يقول عمر بن الخطاب ، : ) لو‬ ‫نادى مناد من السماء : أيها الناس إنكم داخلون الجنة كلكم‬ ‫أجمعون إل رج ل ً واح د ًا ، لخفت أن أكون هو ، ولو نادى مناد :‬‫أيها الناس إنكم داخلون النار إل رج ل ً واح د ًا ، لرجوت أن أكون‬ ‫هو ( )1( .‬ ‫ولما قرأ الفاروق و سورة الطور فبلغ قوله تعالىس إن‬ ‫عذاب ربك لواقع ع بكى واشتد بكاؤه حتى مرض فعادوه ، بل‬ ‫حتى شق البكاء في وجهه خطين أسودين ، وكان يقال له :‬ ‫) م ص ّر ا بك المصار ، وفتح بك الفتوح ، فيقول : وددت أن‬ ‫أنجو ل أجر ول وزر ! ( .‬ ‫ولما وقف عثمان بن عفان و على القبر فب ل ّ البكاء لحيته‬ ‫قال : ) لو أنني بين الجنة والنار ل أدري إلى أيتهما يؤمر بي ،‬ ‫لخترت أن أكون رما د ًا قبل أن أعلم إلى أيتهما أصير ! ( .‬ ‫فلنضع الثواب أمام أعيننا ؛ لننهض إلى العبادة ونجد‬ ‫فيها ، ولنضع العقاب نصب أعيننا ؛ لنصون أنفسنا من الوقوع‬ ‫في المعاصي .‬ ‫)( رواه أبو نعيم .‬ ‫1‬
  • 14. ‫41‬ ‫السبب الرابع : النبهار بالدنيا وزينتها ، والغترار بنعمها‬ ‫الزائلة ، وإن للدنيا من الفتنة العظيمة ما يتغ ي ّر به حال العباد‬ ‫من الثبات إلى الفتور ، ومن القوة إلى الضعف ، من هنا ح ذ ّر‬ ‫خالقها سبحانه من الغترار بها فقال : خ ي َاأ َ ي ّ ه َا ال ن ّا س ُ ا ت ّ ق ُوا‬ ‫ر َ ب ّ ك ُ م ْ و َا خ ْ ش َ و ْا ي َ و ْ م ًا ل ي َ ج ْ ز ِي و َا ل ِ د ٌ ع َ ن ْ و َ ل َ د ِ ه ِ و َ ل م َ و ْ ل ُو د ٌ ه ُ و َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ج َا ز ٍ ع َ ن ْ و َا ل ِ د ِ ه ِ ش َ ي ْ ئ ًا إ ِ ن ّ و َ ع ْ د َ ال ل ّ ه ِ ح َ ق ّ ف َ ل ت َ غ ُ ر ّ ن ّ ك ُ م ْ ا ل ْ ح َ ي َا ة ُ‬ ‫َ‬ ‫ال د ّ ن ْ ي َا و َ ل ي َ غ ُ ر ّ ن ّ ك ُ م ْ ب ِال ل ّ ه ِ ا ل ْ غ َ ر ُو ر ُ ا .‬ ‫َ‬‫إنففه لبففد أن نعلم أن أيام الدنيففا كأحلم نوم ، أو كظففل‬‫زائل ، إن أضحكفت قلي ل ً أبكفت كثي ر ًا ، ، وإن سفر ّت يو م ًفا أو أيا م ًفا‬‫سففاءت أشه ر ًا وأعوا م ًففا ، وإن متع ففت قلي ل ً منع ففت طوي ل ً ، وم ففا‬‫حص ف ّلت للعب فد فيه فا س فرو ر ًا ، إل خ ب ّأت له أضعاف ذلك شرو ر ًا .‬ ‫ف‬ ‫ف‬ ‫ف‬ ‫ليس في الدنيا ثبوت‬ ‫إنما الدنيا فناء‬ ‫نسجته العنكبوت‬ ‫إنما الدنيا كبيت‬‫يقول الحسفن البصفري : والذي نفسفي بيده ، لقفد أدركفت‬ ‫أقوا م ًا كانت الدنيا أهون عليهم من التراب الذي يمشون عليه .‬ ‫غير أنك أيها العبد لك أن تجعل هذه الدنيا بزينتها‬ ‫وبهرجها طري ق ًا إلى جنة ربك ، كيف ل وهي مزرعة الخرة‬ ‫وطريق لها ، وهي وإن كانت مم ر ًا ، فإنها توصلك إلى المقر ،‬ ‫فاختر مقرك في ممرك .‬ ‫وإن دارت بفففففففففففففك الدائرة‬ ‫ل تتبفففع الدنيفففا وأيامهفففا ذ م ًفففا‬ ‫أن بهففففففا تسففففففتدرك الخرة‬ ‫مففن شرف الدنيففا ومففن فضله ففا‬ ‫قال الفضيل _ رحمه ا _ : جعل ا الش ر ّ كله في بيت ،‬ ‫وجعل مفتاحه ح ب ّ الدنيا ، وجعل الخير كله في بيت وجعل‬ ‫مفتاحه الزهد في الدنيا .‬ ‫وقال رجل للفضيل بن عياض : كيف أصبحت يا أبا علي ؟‬ ‫فكان يثقل عليه : كيف أصبحت ؟ وكيف أمسيت ؟ فقال : في‬ ‫عافية ، فقال : كيف حالك ، فقال : عن أ ي ّ حال تسأل؟ عن‬ ‫حال الدنيا أو حال الخرة ؟ إن كنت تسأل عن حال الدنيا ، فإن‬ ‫الدنيا قد مالت بنا وذهبت بنا كل مذهب ، وإن كنت تسأل عن‬
  • 15. ‫51‬ ‫حال الخرة ، فكيف ترى حال من كثرت ذنوبه ، وضعف عمله ،‬ ‫وفني عمره ، ولم يتزود لمعاده ، ولم يتأهب للموت ، ولم‬ ‫يخضع للموت ، ولم يتشمر للموت ، ولم يتزين للموت ، وتزين‬ ‫للدنيا)1(.‬ ‫ق َا ل َ ا ل ْ م ُ س ْ ت َ و ْ ر ِ د ُ ب ْ ن ُ ش َ د ّا د ٍ : إ ِ ن ّي ل َ ف ِي ال ر ّ ك ْ ب ِ م َ ع َ ر َ س ُو ل ِ‬ ‫ال ل ّ ه ِ ا إ ِ ذ ْ أ َ ت َى ع َ ل َى س َ خ ْ ل َ ة ٍ م َ ن ْ ب ُو ذ َ ة ٍ ، ف َ ق َا ل َ : أ َ ت ُ ر َ و ْ ن َ ه َ ذ ِ ه ِ‬ ‫ه َا ن َ ت ْ ع َ ل َى أ َ ه ْ ل ِ ه َا ؟ ق ِي ل َ : ي َا ر َ س ُو ل َ ال ل ّ ه ِ ، م ِ ن ْ ه َ و َا ن ِ ه َا‬ ‫أ َ ل ْ ق َ و ْ ه َا ، ق َا ل َ : ف َ و َا ل ّ ذ ِي ن َ ف ْ س ِي ب ِ ي َ د ِ ه ِ ل َل د ّ ن ْ ي َا أ َ ه ْ و َ ن ُ ع َ ل َى ال ل ّ ه ِ‬ ‫م ِ ن ْ ه َ ذ ِ ه ِ ع َ ل َى أ َ ه ْ ل ِ ه َا ( )2( .‬‫فإذا علم العبد قيمة هذه الدنيا عند ا ؛ بأن نعيمها يفنى‬ ‫، وجديدها يبلى ، علم أنه لم يخلق لها ، وإنما خلق للخرة ،‬ ‫فجد في العمل لها ، وم ز ّق ثوب الفتور والتواني عن جسده ،‬ ‫ولبس ثوب المثابرة في عبادته ، ممتث ل ً قول ا تعالى : و‬ ‫واعبد ربك حتى يأتيك اليقين و.‬ ‫السبب الخامس : طول المل ، وهذا هو قاتل الهمم ،‬ ‫ومفتر القوى ، قرين التسويف والتأجيل ، وحبيب الخاملين‬ ‫الهاملين ، وعدو التقياء النابهين .‬ ‫ويكفي طول المل مذمة ا له ، حيث قال في كتابه :‬ ‫) ذ َ ر ْ ه ُ م ْ ي َ أ ْ ك ُ ل ُوا و َ ي َ ت َ م َ ت ّ ع ُوا و َ ي ُ ل ْ ه ِ ه ِ م ُ ا ل َم َ ل ُ ف َ س َ و ْ ف َ ي َ ع ْ ل َ م ُو ن َ ( .‬ ‫ْ‬ ‫ويقول الرسول و واص ف ًا تعلق النسان بالدنيا وطول‬ ‫المل فيها : ) ل ي َ ز َا ل ُ ق َ ل ْ ب ُ ا ل ْ ك َ ب ِي ر ِ ش َا ب ّا ف ِي ا ث ْ ن َ ت َ ي ْ ن ِ : ف ِي ح ُ ب ّ‬ ‫َ‬ ‫ال د ّ ن ْ ي َا ، و َ ط ُو ل ِ ا ل َم َ ل ِ ( )3( .‬ ‫ْ‬ ‫ة وطول عيش قد‬ ‫المرء يرغففب فففي الحيففا‬ ‫بعد حلو العيش م ر ّه‬ ‫يضره‬ ‫تفنففى بشاشتففه ويبقففى‬ ‫ما يرى شي ئ ًا يس ر ّه‬ ‫وتس فففوءه اليام حت فففى‬ ‫ف‬ ‫ف‬ ‫) ق َا ل َ ع َ ل ِ ي ّ ب ْ ن ُ أ َ ب ِي ط َا ل ِ ب ٍ : ا ر ْ ت َ ح َ ل َ ت ِ ال د ّ ن ْ ي َا م ُ د ْ ب ِ ر َ ة ً ،‬ ‫و َا ر ْ ت َ ح َ ل َ ت ِ ا ل خ ِ ر َ ة ُ م ُ ق ْ ب ِ ل َ ة ً ، و َ ل ِ ك ُ ل ّ و َا ح ِ د َ ة ٍ م ِ ن ْ ه ُ م َا ب َ ن ُو ن َ ،‬ ‫ْ‬ ‫)( حلية الولياء 68/8 .‬ ‫1‬ ‫)( رواه أحمد وابن ماجه وغيرهما وهو صحيح لغيره .‬ ‫2‬ ‫)( رواه البخاري .‬ ‫3‬
  • 16. ‫61‬ ‫ف َ ك ُو ن ُوا م ِ ن ْ أ َ ب ْ ن َا ء ِ ا ل خ ِ ر َ ة ِ ، و َ ل ت َ ك ُو ن ُوا م ِ ن ْ أ َ ب ْ ن َا ء ِ ال د ّ ن ْ ي َا ؛ ف َ إ ِ ن ّ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ا ل ْ ي َ و ْ م َ ع َ م َ ل ٌ و َ ل ح ِ س َا ب َ ، و َ غ َ د ًا ح ِ س َا ب ٌ و َ ل ع َ م َ ل ٌ ( )1( .‬ ‫َ‬ ‫َ‬‫أخي الحبيب : قل بربك ، أي عمل سوف ينجزه المؤمن إذا‬ ‫كان طول المل يحيط بفكره ، ويمل عليه حياته ، كلما سمع‬ ‫نداء الجد ، قال : غ د ًا ، كلما سمع صوت العمل ، قال : سوف‬ ‫وسوف ، من هنا تصاب الهمة بالتقاعس ، وتنتهي إلى الكسل‬ ‫والخمول .‬ ‫قال الحسن البصري : )) تؤ م ّل أن تع م ّر عمر نوح ، وأمر‬ ‫ا يطرق كل ليلة (( .‬ ‫فوافى المنية قبل‬ ‫يؤ م ّ ل ُ دنيففففا لتبقففففى له‬ ‫فعاش الفسيل ومات‬ ‫المل‬ ‫حثي ث ً فففففا ير و ّي أص فففففول‬ ‫الرجل‬ ‫السبب السادس : من أسباب الفتور : تحميل النسان‬‫نفسه في عبادته ما ل يحتمل عادة ، فإنه وإن استمر على فعل‬ ‫الطاعة مع ثقلها عليه ، إل أنه سيصيبه الفتور بعد ذلك ؛‬ ‫لمخالفته المنهج النبوي الكريم ، وهو أن المؤمن ينبغي أن‬ ‫يأخذ من العمال ما يطيق ، حتى ل يصاب بالملل والسآمة ،‬ ‫فيعود هذا على ترك العمل نهائ ي ًا .‬ ‫وقد أرشد ا تعالى إلى ذلك فقال : و اتقوا ا ما‬ ‫استطعتم ا .‬ ‫وعلم عباده ذلك الدعاء الكريم فقال : و ربنا ول تحملنا‬ ‫ما ل طاقة لنا به م .‬ ‫وهاهو نبي المة و يرسم الطريق المستقيم في العمل‬‫بالعبادة ، وهو التوسط فيها ، فل إفراط ول تفريط ، حتى يبقى‬ ‫المسلم على صلة دائمة ل تعرف الفتور ، وطريقة مستمرة ل‬ ‫تعرف النقطاع ، فقال عليه الصلة والسلم : ) إن الدين يسر ،‬‫ولن يشاد الدين أحد إل غلبه ، فسددوا ، وقاربوا ، وأبشروا ( )2( .‬ ‫ويدخل النبي و ذات يوم في المسجد ، فإذا حبل ممدود‬ ‫بين ساريتين ، فقال :‬ ‫)( ذكره البخاري في صحيحه .‬ ‫1‬ ‫)( رواه البخاري .‬ ‫2‬
  • 17. ‫71‬ ‫) ما هذا الحبل ؟ قالوا : هذا حبل لزينب ، فإذا فترت تعلقت ،‬ ‫فقال النبي ف : ل ، حلوه ، ليصل أحدكم نشاطه ، فإذا فتر ،‬ ‫فليقعد ( )1( .‬ ‫ويتوعد النبي و المتنطعين في الدين ، المشددين على‬ ‫أنفسهم في العبادة بما ل يطيقون بالهلك ، فقال : ) هلك‬ ‫المتنطعون ( قالها ثل ث ًا )2( .‬ ‫واستمع إلى قصة عبد ا بن عمرو بن العاص و في‬ ‫طلبه الزيادة في العبادة بما ل يطيق ، كيف انتهت قصته بتمني‬ ‫العتدال والتوسط الذي أرشده إليه النبي ا ، حيث قال‬ ‫ع َ ب ْ د ُال ل ّ ه ِ ب ْ ن ُ ع َ م ْ ر ِو ب ْ ن ِ ا ل ْ ع َا ص ِ ر َ ض ِي ال ل ّه ع َ ن ْهما : ق َا ل َ ل ِي‬ ‫ر َ س ُو ل ُ ال ل ّ ه ِ ر : ي َا ع َ ب ْ د َال ل ّ ه ِ ، أ َ ل َ م ْ أ ُ خ ْ ب َ ر ْ أ َ ن ّ ك َ ت َ ص ُو م ُ ال ن ّ ه َا ر َ‬ ‫و َ ت َ ق ُو م ُ ال ل ّ ي ْ ل َ ، ف َ ق ُ ل ْ ت ُ : ب َ ل َى ي َا ر َ س ُو ل َ ال ل ّ ه ِ ، ق َا ل َ : ف َ ل ت َ ف ْ ع َ ل ْ ؛‬ ‫َ‬ ‫ص ُ م ْ و َأ َ ف ْ ط ِ ر ْ ، و َ ق ُ م ْ و َ ن َ م ْ ؛ ف َ إ ِ ن ّ ل ِ ج َ س َ د ِ ك َ ع َ ل َ ي ْ ك َ ح َ ق ّا ، و َ إ ِ ن ّ‬ ‫ل ِ ع َ ي ْ ن ِ ك َ ع َ ل َ ي ْ ك َ ح َ ق ّا ، و َ إ ِ ن ّ ل ِ ز َ و ْ ج ِ ك َ ع َ ل َ ي ْ ك َ ح َ ق ّا ، و َ إ ِ ن ّ ل ِ ز َ و ْ ر ِ ك َ‬ ‫ع َ ل َ ي ْ ك َ ح َ ق ّا ، و َ إ ِ ن ّ ب ِ ح َ س ْ ب ِ ك َ أ َ ن ْ ت َ ص ُو م َ ك ُ ل ّ ش َ ه ْ ر ٍ ث َ ل ث َ ة َ أ َ ي ّا م ٍ ،‬ ‫َ‬ ‫ف َ إ ِ ن ّ ل َ ك َ ب ِ ك ُ ل ّ ح َ س َ ن َ ة ٍ ع َ ش ْ ر َ أ َ م ْ ث َا ل ِ ه َا ، ف َ إ ِ ن ّ ذ َ ل ِ ك َ ص ِ ي َا م ُ ال د ّ ه ْ ر ِ‬ ‫ك ُ ل ّ ه ِ ، ] قال عبد ا بن عمرو عن نفسه [ : ف َ ش َ د ّ د ْ ت ُ ف َ ش ُ د ّ د َ‬ ‫ع َ ل َ ي ّ ؛ ق ُ ل ْ ت ُ : ي َا ر َ س ُو ل َ ال ل ّ ه ِ ، إ ِ ن ّي أ َ ج ِ د ُ ق ُ و ّ ة ً ، ق َا ل َ : ف َ ص ُ م ْ‬‫ص ِ ي َا م َ ن َ ب ِ ي ّ ال ل ّ ه ِ د َا و ُ د َ ع َ ل َ ي ْ ه ِ ال س ّ لم ، و َ ل ت َ ز ِ د ْ ع َ ل َ ي ْ ه ِ ، ق ُ ل ْ ت ُ : و َ م َا‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ك َا ن َ ص ِ ي َا م ُ ن َ ب ِ ي ّ ال ل ّ ه ِ د َا و ُ د َ ع َ ل َ ي ْ ه ِ ال س ّ لم ؟ ق َا ل َ ن ِ ص ْ ف َ ال د ّ ه ْ ر ِ ،‬ ‫َ‬ ‫ف َ ك َا ن َ ع َ ب ْ د ُال ل ّ ه ِ ي َ ق ُو ل ُ ب َ ع ْ د َ م َا ك َ ب ِ ر َ : ي َا ل َ ي ْ ت َ ن ِي ق َ ب ِ ل ْ ت ُ ر ُ خ ْ ص َ ة َ‬ ‫ال ن ّ ب ِ ي ّ ص َ ل ّى ال ل ّه ع َ ل َ ي ْ ه ِ و َ س َ ل ّ م َ ( )3( .‬ ‫وفي حديث آخر يح ذ ّر النبي و عبد ا بن عمرو بن‬‫العاص ا من النقطاع عن قيام الليل ، فيقول فيه : ) يا عبد ا‬ ‫، ل تكن مثل فلن ، كان يقوم الليل ، فترك قيام الليل ( )4( .‬ ‫قال ابن حجر _ رحمه ا _ : ) إن المقصود بالحديث هو‬ ‫الترغيب في ملزمة العبادة ، والطريق الموصل إلى ذلك ؛ هو‬ ‫)( رواه البخاري ومسلم .‬ ‫1‬ ‫)( رواه مسلم .‬ ‫2‬ ‫)( رواه البخاري .‬ ‫3‬ ‫)( رواه البخاري ومسلم .‬ ‫4‬
  • 18. ‫81‬ ‫القتصاد فيها ، لن التشديد فيها قد يؤدي إلى تركها وهو‬ ‫مذموم ( )1( .‬ ‫ويشير المام الشاطبي _ رحمه ا _ إلى هذا المعنى‬ ‫فيقول : )) إن المكلف لو قصد المشقة في عبادته ، وحرص‬ ‫على الوقوع فيها ، حتى يعرض نفسه لمضاعفة الثواب ، فإنه‬‫يعرض نفسه في واقع المر لبغض عبادة ا تعالى ، وكراهية‬ ‫أحكام الشريعة ، التي غرس ا حبها في القلوب ، كما يدل‬ ‫عليه قوله تعالى : ع ولك ن ّ ا حبب إليكم اليمان وزينه في‬‫قلوبكم ق ، وذلك لن النفس تكره ما يفرض عليها ، إذا كان من‬ ‫جنس ما يشق الدوام عليه ، بحيث ل يقرب وقت ذلك العمل‬ ‫الشاق ، إل والنفس تشمئز منه ، وتود لو لم تعمل ، أو تتمنى‬ ‫أنها لم تلتزم (( )2(.‬ ‫ويكفينا قول النبي و : ) خ ُ ذ ُوا م ِ ن َ ا ل ْ ع َ م َ ل ِ م َا ت ُ ط ِي ق ُو ن َ ؛‬‫ف َ إ ِ ن ّ ال ل ّ ه َ ل ي َ م َ ل ّ ح َ ت ّى ت َ م َ ل ّوا ، و َأ َ ح َ ب ّ ال ص ّ ل ة ِ إ ِ ل َى ال ن ّ ب ِ ي ّ ف م َا‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫د ُو و ِ م َ ع َ ل َ ي ْ ه ِ ، و َ إ ِ ن ْ ق َ ل ّ ت ْ ، و َ ك َا ن َ إ ِ ذ َا ص َ ل ّى ص َ ل ة ً د َا و َ م َ ع َ ل َ ي ْ ه َا (‬ ‫َ‬ ‫)3( .‬ ‫السبب السابع : البتداع في الدين ، وإنه لسبب خفي من‬ ‫أسباب الفتور ، ومدخل للشيطان على النفس البشرية قلما‬‫تتنبه له ، وذلك لن هذه الشريعة الغراء ليست من صنع البشر ،‬ ‫بل أحكامها إلهية ، مصدرها الوحي ، جاءت مؤصلة بكلم ا‬ ‫تعالى ، وسنة النبي ت ، أي : بالوحي الذي ل ينطق عن الهوى ،‬ ‫من هنا كانت أحكامها متصفة بالحكمة ، قائمة على المصلحة ،‬ ‫مملوءة بالرحمة ، وكان على العبد أن يقتصر عليها دون زيادة‬ ‫أو نقصان .‬‫أما النقصان ، فالخلل فيه واضح ل يحتاج إلى بيان ؛ لنه ل‬‫يجوز أن يفعل النسان ما يحلو له من الدين ويترك ما ل يهوى ،‬ ‫فقد قال ا تعالى : ف أ َ ف َ ت ُ ؤ ْ م ِ ن ُو ن َ ب ِ ب َ ع ْ ض ِ ا ل ْ ك ِ ت َا ب ِ و َ ت َ ك ْ ف ُ ر ُو ن َ‬ ‫ب ِ ب َ ع ْ ض ٍ ف َ م َا ج َ ز َا ء ُ م َ ن ْ ي َ ف ْ ع َ ل ُ ذ َ ل ِ ك َ م ِ ن ْ ك ُ م ْ إ ِ ل خ ِ ز ْ ي ٌ ف ِي ا ل ْ ح َ ي َا ة ِ‬ ‫ّ‬ ‫)( فتح الباري 64/1.‬ ‫1‬ ‫)( العتصام 222/1 .‬ ‫2‬ ‫)( رواه البخاري .‬ ‫3‬
  • 19. ‫91‬ ‫ال د ّ ن ْ ي َا و َ ي َ و ْ م َ ا ل ْ ق ِ ي َا م َ ة ِ ي ُ ر َ د ّو ن َ إ ِ ل َى أ َ ش َ د ّ ا ل ْ ع َ ذ َا ب ِ و َ م َا ال ل ّ ه ُ‬ ‫ب ِ غ َا ف ِ ل ٍ ع َ م ّا ت َ ع ْ م َ ل ُو ن َ ب .‬‫وأما الزيادة على الدين ، ولو كان ذلك بإنشاء العبادات أو‬ ‫الذكار ، أو ابتكار طرق جديدة في أداء الطاعات ، فإن في‬ ‫ذلك كله زيادة في التكليف ، ومشقة على العباد ، بسببها قد‬ ‫يبغض النسان العبادة المفروضة من ربه ، والمشروعة من‬ ‫نبيه ن ، وذلك لضيق وقت النسان ، وتزاحم الواجبات عليه ،‬ ‫مما يؤدي إلى ترك المطلوب المشروع ، لفعل المبتدع‬ ‫المرفوض ، وإنك سوف تجد هذا بوضوح في شأن المبتدعة ،‬‫حيث ينشطون لبدعتهم ، ويفترون عما أوجب عليهم ، فما أجمل‬ ‫الكتفاء بالسنة النبوية ، وما أروع القتداء بالحبيب ا ، وما‬ ‫أفضل السير على منهاج سلف المة المهديين .‬ ‫عن أ َ ن َ س َ ب ْ ن َ م َا ل ِ ك ٍ ر َ ض ِي ال ل ّه ع َ ن ْه قال : ) ج َا ء َ ث َ ل ث َ ة ُ‬ ‫َ‬ ‫ر َ ه ْ ط ٍ إ ِ ل َى ب ُ ي ُو ت ِ أ َ ز ْ و َا ج ِ ال ن ّ ب ِ ي ّ ص َ ل ّى ال ل ّه ع َ ل َ ي ْ ه ِ و َ س َ ل ّ م َ ،‬ ‫ي َ س ْ أ َ ل ُو ن َ ع َ ن ْ ع ِ ب َا د َ ة ِ ال ن ّ ب ِ ي ّ ي ، ف َ ل َ م ّا أ ُ خ ْ ب ِ ر ُوا ك َ أ َ ن ّ ه ُ م ْ ت َ ق َا ل ّو ه َا ،‬ ‫ف َ ق َا ل ُوا : و َأ َ ي ْ ن َ ن َ ح ْ ن ُ م ِ ن َ ال ن ّ ب ِ ي ّ ص َ ل ّى ال ل ّه ع َ ل َ ي ْ ه ِ و َ س َ ل ّ م َ ، ق َ د ْ‬ ‫غ ُ ف ِ ر َ ل َ ه ُ م َا ت َ ق َ د ّ م َ م ِ ن ْ ذ َ ن ْ ب ِ ه ِ و َ م َا ت َ أ َ خ ّ ر َ ، ق َا ل َ أ َ ح َ د ُ ه ُ م ْ : أ َ م ّا أ َ ن َا‬ ‫ف َ إ ِ ن ّي أ ُ ص َ ل ّي ال ل ّ ي ْ ل َ أ َ ب َ د ًا ، و َ ق َا ل َ آ خ َ ر ُ : أ َ ن َا أ َ ص ُو م ُ ال د ّ ه ْ ر َ و َ ل‬ ‫َ‬ ‫أ ُ ف ْ ط ِ ر ُ ، و َ ق َا ل َ آ خ َ ر ُ : أ َ ن َا أ َ ع ْ ت َ ز ِ ل ُ ال ن ّ س َا ء َ ف َ ل أ َ ت َ ز َ و ّ ج ُ أ َ ب َ د ًا ، ف َ ج َا ء َ‬ ‫َ‬ ‫ر َ س ُو ل ُ ال ل ّ ه ِ ص َ ل ّى ال ل ّه ع َ ل َ ي ْ ه ِ و َ س َ ل ّ م َ إ ِ ل َ ي ْ ه ِ م ْ ف َ ق َا ل َ : أ َ ن ْ ت ُ م ُ ا ل ّ ذ ِي ن َ‬ ‫ق ُ ل ْ ت ُ م ْ ك َ ذ َا و َ ك َ ذ َا ، أ َ م َا و َال ل ّ ه ِ إ ِ ن ّي ل َخ ْ ش َا ك ُ م ْ ل ِ ل ّ ه ِ و َأ َ ت ْ ق َا ك ُ م ْ ل َ ه ُ ،‬ ‫َ‬‫ل َ ك ِ ن ّي أ َ ص ُو م ُ و َأ ُ ف ْ ط ِ ر ُ ، و َأ ُ ص َ ل ّي و َأ َ ر ْ ق ُ د ُ ، و َأ َ ت َ ز َ و ّ ج ُ ال ن ّ س َا ء َ ، ف َ م َ ن ْ‬ ‫ر َ غ ِ ب َ ع َ ن ْ س ُ ن ّ ت ِي ف َ ل َ ي ْ س َ م ِ ن ّي ( )1( .‬ ‫وكم يفرحنا كثي ر ًا هروب جملة من المبتدعة من ضللة‬ ‫البدعة ، بعد أن أرهقتهم تكاليف بدعتهم ، ولكن يحزننا‬ ‫وقوعهم في نار المعصية ، ول غرابة في ذلك ؛ فالبدعة ليس‬ ‫مصيرها الفتور عن العبادة المشروعة فحسب ، بل الضياع‬ ‫والحيرة في المر كله .‬ ‫يقول ابن القيم _ رحمه ا _ : )) كان السلف يسمون أهل‬ ‫الراء المخالفة للسنة ، وما جاء به الرسول ا ... يسمونهم :‬ ‫)( رواه البخاري .‬ ‫1‬
  • 20. ‫02‬ ‫أهل الشبهات والهواء ؛ لن الرأي المخالف للسنة ، جهل ل‬ ‫علم ، وهوى ل دين ، فصاحبه ممن اتبع هواه بغير هدى من‬ ‫ا ، وغايته الضلل في الدنيا ، والشقاء في الخرة (( )1(‬ ‫السبب الثامن : الرفقة السيئة ، وهي الخطبوط الذي‬ ‫يضم المصاب بداء الفتور ، كلما حدثته نفسه بالعودة إلى‬ ‫الثبات ، والعزيمة على الرشد ، فتنته هذه الرفقة بعرض جديد‬ ‫من ألوان الهوى ، وصور الفساد والخنا ، فتراه يتوهم السعادة‬ ‫في مجالستهم ، والسهر معهم ، وإنها‬ ‫لسعادة ل ك َ س َ ر َا ب ٍ بقيعة ي َ ح ْ س َ ب ُ ه ُ ال ظ ّ م ْآ ن ُ م َا ء ً ح َ ت ّى إ ِ ذ َا ج َاءه‬ ‫ل َ م ْ ي َ ج ِ د ْ ه ُ ش َ ي ْ ئ ًا و َ و َ ج َ د َ ال ل ّ ه َ ع ِ ن ْ د َ ه ُ ف َ و َ ف ّا ه ُ ح ِ س َا ب َ ه ُ و َال ل ّ ه ُ س َ ر ِي ع ُ‬ ‫ا ل ْ ح ِ س َا ب ِ ا . وسوف يوفي ا تعالى المغتر برفقة السوء‬ ‫حسابه ، ويريه كيف تكون الحسرة ، فإن كان المتحسر في‬ ‫الدنيا يعض على إصبع واحد حسرة وندامة ، فلسوف يعض‬ ‫على كلتا يديه فجيعة وقه ر ًا .‬ ‫وقد صور ا تعالى هذه الحسرة فقال : و و َ ي َ و ْ م َ ي َ ع َ ض ّ‬ ‫ال ظ ّا ل ِ م ُ ع َ ل َى ي َ د َ ي ْ ه ِ ي َ ق ُو ل ُ ي َا ل َ ي ْ ت َ ن ِي ا ت ّ خ َ ذ ْ ت ُ م َ ع َ ال ر ّ س ُو ل ِ س َ ب ِي ل)‬ ‫ً‬ ‫72( ي َا و َ ي ْ ل َ ت َى ل َ ي ْ ت َ ن ِي ل َ م ْ أ َ ت ّ خ ِ ذ ْ ف ُ ل ن ًا خ َ ل ِي ل) 82( ل َ ق َ د ْ أ َ ض َ ل ّ ن ِي ع َ ن ْ‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫ال ذ ّ ك ْ ر ِ ب َ ع ْ د َ إ ِ ذ ْ ج َا ء َ ن ِي و َ ك َا ن َ ال ش ّ ي ْ ط َا ن ُ ل ِ لِ ن س َا ن ِ خ َ ذ ُو ل ا .‬ ‫ً‬ ‫ْ‬ ‫ا أكبر : كم هدمت رفقة السوء من لبنات الخير في‬ ‫نفوس كثير من الناس ، لهو ولغو ، وغيبة ونميمة ، ونظر إلى‬‫الحرام ، واستهانة بالدين ، وسخرية بالصالحين ، وقتل للوقت ،‬ ‫وتضييع للتكاليف .‬ ‫فواعج ب ًا ممن ذاق حلوة النس بالصالحين ، كيف‬ ‫يفارقهم ؟ يذكرونه بالله ، ويحيون في نفسه محبة الدين‬ ‫والعمل له ، كلما رآهم زاد إيمانه إيمانا ، يعود منهم تشتاق‬ ‫نفسه لداء العبادة ، يرغبونه في الخير ، وينهونه عن الشر ،‬ ‫ويكفي القول فيهم : هم القوم ل يشقى جليسهم ، ولعل من‬ ‫أنفع الدواء لضعف اليمان : الصحبة الصالحة التي تذكر‬ ‫المسلم بالله عند غفلته ، وتعينه على طاعة ربه ، وقد أوصى‬ ‫ا نبيه ن بمرافقتهم فقال : ب و َا ص ْ ب ِ ر ْ ن َ ف ْ س َ ك َ م َ ع َ ا ل ّ ذ ِي ن َ‬ ‫ا‬ ‫)( إغاثة اللهفان 931/2 .‬ ‫1‬
  • 21. ‫12‬ ‫ي َ د ْ ع ُو ن َ ر َ ب ّ ه ُ م ْ ب ِا ل ْ غ َ د َا ة ِ أتعشي ي ُ ر ِي د ُو ن َ و َ ج ْ ه َ ه ُ و َ ل ت َ ع ْ د ُ ع َ ي ْ ن َا ك َ‬ ‫َ‬ ‫ع َ ن ْ ه ُ م ْ ت ُ ر ِي د ُ ز ِي ن َ ة َ ا ل ْ ح َ ي َا ة ِ ال د ّ ن ْ ي َا ع .‬ ‫احذر _ يا رعاك ا _ من صحبة البطالين ، فإنهم موتى‬ ‫القلوب ، ول يورثونك إل مو ت ًا ، ول يكسبونك من ا إل بع د ًا ،‬ ‫فاجتنبهم كما تجتنب الداء العضال ، والوحوش المفترسة ،‬ ‫واربأ بنفسك أن تجالس من انحطت همتهم ، وتمرغت في‬ ‫الخطايا كرامتهم ، فانفر بنفسك قبل أن تحترق بكيرهم ، أو‬ ‫تختنق من دخانهم .‬ ‫يقول النبي ي : ) م َ ث َ ل ُ ا ل ْ ج َ ل ِي س ِ ال ص ّا ل ِ ح ِ و َال س ّ و ْ ء ِ ك َ ح َا م ِ ل ِ‬ ‫ا ل ْ م ِ س ْ ك ِ و َ ن َا ف ِ خ ِ ا ل ْ ك ِي ر ِ ، ف َ ح َا م ِ ل ُ ا ل ْ م ِ س ْ ك ِ : إ ِ م ّا أ َ ن ْ ي ُ ح ْذ ي َك و َ إ ِ م ّا‬ ‫أ َ ن ْ ت َ ب ْ ت َا ع َ م ِ ن ْ ه ُ ، و َ إ ِ م ّا أ َ ن ْ ت َ ج ِ د َ م ِ ن ْ ه ُ ر ِي ح ًا ط َ ي ّ ب َ ة ً ، و َ ن َا ف ِ خ ُ ا ل ْ ك ِي ر ِ :‬ ‫إ ِ م ّا أ َ ن ْ ي ُ ح ْ ر ِ ق َ ث ِ ي َا ب َ ك َ ، و َ إ ِ م ّا أ َ ن ْ ت َ ج ِ د َ ر ِي ح ًا خ َ ب ِي ث َ ة ً ( )1( .‬ ‫ولقد ح ذ ّر ا نبيه و من مصاحبتهم فقال : م و َ ل ت ُ ط ِ ع ْ م َ ن ْ‬ ‫َ‬ ‫أ َ غ ْ ف َ ل ْ ن َا ق َ ل ْ ب َ ه ُ ع َ ن ْ ذ ِ ك ْ ر ِ ن َا و َا ت ّ ب َ ع َ ه َ و َا ه ُ و َ ك َا ن َ أ َ م ْ ر ُ ه ُ ف ُ ر ُ ط ًا أ .‬ ‫السبب التاسع : النفراد والعزلة ، ففي زمن كثرت فيه‬ ‫المغريات ، وتنوعت فيه وسائل الشهوات ، وسهلت فيه الخلوة‬ ‫بما حرم من المثيرات ، أصبحت العزلة وسيلة إلى الفتور ،‬ ‫وطري ق ًا إلى الخور والضعف ؛ لن المسلم حينما ينفرد ل يعرف‬‫صوابه من خطئه ، ول قوته من ضعفه ، فتراه يسير متخب ط ًا في‬ ‫عمى ، بل دليل يدل ، ول حكيم يرشد ، فيسهل قياده من‬‫الشيطان للتقصير والهوى ، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية‬ ‫.‬ ‫من هنا : جاءت التعليمات النبوية بالمر بالتمسك‬ ‫بالجماعة ، والتحذير من الفرقة والختلف ، لن ا ل يجمع‬ ‫المة على ضللة ، فمن تمسك بهديها اهتدى ، ومن شق‬ ‫جماعتها ضل وغوى .‬ ‫يقول النبي ي : ) ع َ ل َ ي ْ ك ُ م ْ ب ِا ل ْ ج َ م َا ع َ ة ِ و َ إ ِ ي ّا ك ُ م ْ و َا ل ْ ف ُ ر ْ ق َ ة َ ؛‬‫ف َ إ ِ ن ّ ال ش ّ ي ْ ط َا ن َ م َ ع َ ا ل ْ و َا ح ِ د ِ ، و َ ه ُ و َ م ِ ن َ ا ل ث ْ ن َ ي ْ ن ِ أ َ ب ْ ع َ د ُ ، م َ ن ْ أ َ ر َا د َ‬ ‫ِ‬ ‫ب ُ ح ْ ب ُو ح َ ة َ ا ل ْ ج َ ن ّ ة ِ ف َ ل ْ ي َ ل ْ ز َ م ِ ا ل ْ ج َ م َا ع َ ة َ ( )2( .‬ ‫)( رواه البخاري .‬ ‫1‬ ‫)( رواه الترمذي ، وقال : حديث حسن صحيح .‬ ‫2‬
  • 22. ‫22‬ ‫ولعلك _ أيها القارئ الكريم _ تذكر قصة الرجل الذي قتل‬ ‫تسعة وتسعين رج ل ً ، فإنه لما هداه ا تعالى على يدي ذلك‬ ‫العالم ، وتأكد العالم من توبته وصدق إنابته ، لم يتركه يعبد‬‫ا وحده ، بل قال له : ) ا ن ْ ط َ ل ِ ق ْ إ ِ ل َى أ َ ر ْ ض ِ ك َ ذ َا و َ ك َ ذ َا ؛ ف َ إ ِ ن ّ ب ِ ه َا‬ ‫أ ُ ن َا س ًا ي َ ع ْ ب ُ د ُو ن َ ال ل ّ ه َ ف َا ع ْ ب ُ د ِ ال ل ّ ه َ م َ ع َ ه ُ م ْ ، و َ ل ت َ ر ْ ج ِ ع ْ إ ِ ل َى أ َ ر ْ ض ِ ك َ‬ ‫َ‬ ‫ف َ إ ِ ن ّ ه َا أ َ ر ْ ض ُ س َ و ْ ء ٍ ، ف َا ن ْ ط َ ل َ ق َ ح َ ت ّى إ ِ ذ َا ن َ ص َ ف َ ال ط ّ ر ِي ق َ ، أ َ ت َا ه ُ‬ ‫ا ل ْ م َ و ْ ت ُ ، ف َا خ ْ ت َ ص َ م َ ت ْ ف ِي ه ِ م َ ل ئ ِ ك َ ة ُ ال ر ّ ح ْ م َ ة ِ و َ م َ ل ئ ِ ك َ ة ُ ا ل ْ ع َ ذ َا ب ِ ،‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ف َ ق َا ل َ ت ْ م َ ل ئ ِ ك َ ة ُ ال ر ّ ح ْ م َ ة ِ ج َا ء َ ت َا ئ ِ ب ًا م ُ ق ْ ب ِ ل ب ِ ق َ ل ْ ب ِ ه ِ إ ِ ل َى ال ل ّ ه ِ ،‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫و َ ق َا ل َ ت ْ م َ ل ئ ِ ك َ ة ُ ا ل ْ ع َ ذ َا ب ِ : إ ِ ن ّ ه ُ ل َ م ْ ي َ ع ْ م َ ل ْ خ َ ي ْ ر ًا ق َ ط ّ ، ف َ أ َ ت َا ه ُ م ْ‬ ‫َ‬ ‫م َ ل َ ك ٌ ف ِي ص ُو ر َ ة ِ آ د َ م ِ ي ّ ف َ ج َ ع َ ل ُو ه ُ ب َ ي ْ ن َ ه ُ م ْ ، ف َ ق َا ل َ : ق ِي س ُوا م َا‬ ‫ب َ ي ْ ن َ ا ل َر ْ ض َ ي ْ ن ِ ف َ إ ِ ل َى أ َ ي ّ ت ِ ه ِ م َا ك َا ن َ أ َ د ْ ن َى ف َ ه ُ و َ ل َ ه ُ ، ف َ ق َا س ُو ه ُ‬ ‫ْ‬ ‫ف َ و َ ج َ د ُو ه ُ أ َ د ْ ن َى إ ِ ل َى ا ل َر ْ ض ِ ا ل ّ ت ِي أ َ ر َا د َ ، ف َ ق َ ب َ ض َ ت ْ ه ُ م َ ل ئ ِ ك َ ة ُ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ال ر ّ ح ْ م َ ة ِ ( رواه مسلم .‬‫وإنها لثمرة يانعة لمن قصد ا بالتوبة ، وقصد أهل الخير‬ ‫والصلح ليعينوه بعد ا على عبادة ا تعالى ، فلنعم القصد ،‬ ‫ولنعمت النتيجة .‬ ‫السبب العاشر : عدم معرفة ا حق معرفته ، والجهل‬ ‫بعظمته في النفوس ؛ فإن من عرف ا تعالى بأسمائه‬ ‫وصفاته ، لم تجرؤ نفسه على التقصير في عبادته ، أو الوقوع‬ ‫في معصيته ، أو الخلوة بالخطيئة ، أو المجاهرة بالسيئة .‬‫ومن جهل برقابة ا عليه ، وسمعه لكلمه ، ونظره إليه ،‬‫وعلمه بحركاته وسكناته ، ولم يؤمن بقدرة ا عليه ، أو تغافل‬ ‫عن هذا كله ، فقد نزع عن نفسه لبوس الحياء من الخالق‬‫سبحانه ، ومن لم يستح فليصنع ما يشاء ، فل عجب بعد هذا إذا‬ ‫فتر أو قصر .‬‫فأين هؤلء من قول ا تعالى : ف ي َ س ْ ت َ خ ْ ف ُو ن َ م ِ ن ْ ال ن ّا س ِ‬ ‫و َ ل ي َ س ْ ت َ خ ْ ف ُو ن َ م ِ ن ْ ال ل ّ ه ِ و َ ه ُ و َ م َ ع َ ه ُ م ْ إ ِ ذ ْ ي ُ ب َ ي ّ ت ُو ن َ م َا ل ي َ ر ْ ض َى‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫م ِ ن ْ ا ل ْ ق َ و ْ ل ِ و َ ك َا ن َ ال ل ّ ه ُ ب ِ م َا ي َ ع ْ م َ ل ُو ن َ م ُ ح ِي ط ًا م .‬ ‫أخي الحبيب : إن من تأمل أحوال المتنكبين عن طريق‬ ‫الهداية بعد التزامهم بها يجد غفلتهم عن عظمة ا ا تتربع في‬ ‫قلوبهم ، وإل فهل يستخف بالمعصية من يعلم بأن ا يراه‬
  • 23. ‫32‬‫ويسمعه ويحاسبه ، وهل يسرق الناس أموالهم من يعلم أن ا‬ ‫هو الرزاق ذو القوة المتين ، وهل من يستعلي على الخلق‬ ‫ويظلمهم يوقن بقدرة ا عليه ؟؟ إن لتعظيم ا في النفوس‬ ‫لثرا يعلم به الذين أسهروا ليلهم قياما لله ركعا وسجدا،‬ ‫وأمضوا نهارهم صياما وذك ر ًا .‬ ‫خلوت ولكن قل عل ي ّ‬ ‫إذا مفا خلوت الدهفر يو م ًفا‬ ‫وأن ما تخفي عليه‬ ‫رقي ب ُ‬ ‫ول تحسفففبن ا يغففففل‬ ‫يغيب‬‫الس فففبب الحادي عش فففر : اسفففتحقار ص فففغائر الذنوب ،‬ ‫ف‬ ‫ف‬ ‫ف‬‫والسفتهانة بعقوبتهفا ، وإنهفا وا القطرات التفي أجرت سفيول‬‫الفجور ، والحصفى الصفغيرة التفي تراكمفت منهفا جبال الذنوب ،‬‫فمرة نقول : صفغائ ر ُ ، ومرة نقول : لممفٌ ، ومفا المفر إل ملئكفة‬‫يكتبون ، و صحف تمل ، ورب يح صي ، في كتاب ل يغادر صغيرة‬ ‫ول كبيرة إل أحصاها ، فهل علم الفاتر عن الطاعة ذلك كله ؟‬‫ع َن ف ْ ع َ ب ْ د ِ ال ل ّه ف ِ ب ْن ف ِ م َس ف ْ ع ُو د ٍ ع أ َ ن ّف ر َس ف ُو ل َ ال ل ّه ف ِ أ ق َا ل َ :‬‫إ ِ ي ّا ك ُم ف ْ و َ م ُ ح َ ق ّ ر َات ف ِ ال ذ ّ ن ُوبفف ِ ، ف َ إ ِ ن ّ ه ُ ن ّ ف ي َ ج ْ ت َ م ِ ع ْن ف َ ع َ ل َى ال ر ّ ج ُ ل ِ‬ ‫ح َ ت ّ ى ي ُ ه ْ ل ِ ك ْ ن َ ه ُ ، و َ إ ِ ن ّ ر َ س ُو ل َ ال ل ّ ه ِ ح ض َ ر َ ب َ ل َ ه ُن ّ م َ ث َ ل ك َ م َ ث َ ل ِ ق َ و ْ م ٍ‬ ‫ً‬ ‫ن َ ز َ ل ُوا أ َ ر ْضفف ف َ ف َ ل ة ٍ ، ف َ ح َ ض َ ر َ صفف ف َ ن ِي ع ُ ا ل ْ ق َ و ْمفف ف ِ ، ف َ ج َ ع َ ل َ ال ر ّ ج ُ ل ُ‬ ‫َ‬‫ي َ ن ْ ط َ ل ِقففف ف ُ ف َ ي َ ج ِي ء ُ ب ِا ل ْ ع ُو د ِ ، و َال ر ّ ج ُ ل ُ ي َ ج ِي ء ُ ب ِا ل ْ ع ُو د ِ ، ح َ ت ّىفففف‬ ‫ج َ م َ ع ُوا س َ و َا د ًا ، ف َ أ َ ج ّ ج ُوا ن َا ر ًا ، و َأ َ ن ْ ض َ ج ُوا م َا ق َ ذ َ ف ُوا ف ِي ه َا ( )1( .‬ ‫قال ب عض ال سلف : ) ت سامحت بلق مة فتناولت ها ، فأ نا اليوم‬ ‫مفففففففففففففففففن أربعيفففففففففففففففففن سفففففففففففففففففنة إلى‬ ‫خلف ( .‬ ‫وصغيرها ذاك التقى‬ ‫خل الذنوب كبيرها‬ ‫ض الشوك يحذر ما‬ ‫واحذر كماش فوق أر‬ ‫إن الجبال من الحصى‬ ‫يرى‬ ‫ل تحقر صغيرة‬ ‫السبب الثاني عشر : التعلق في اللتزام بالدين بالحياء‬ ‫من الصالحين ، وإنه السوس الذي ينخر في دين النسان من‬ ‫حيث ل يشعر ، فكم يفرح المرء بهدايته ، غير أنه لم يهتد إل‬ ‫)( رواه المام أحمد ، وهو صحيح .‬ ‫1‬
  • 24. ‫42‬ ‫لجل إعجابه بشخصية فلن ، أو استحسانه صوته أو صورته ،‬ ‫حتى يصل المر بأن يتبعه في كل شيء ، ويقلده في كل أمر ،‬ ‫فإذا ما أصيب قدوته بالفتور ، لحقه فيه دون تردد ، ولو‬ ‫انتكس ، انقلب كما انقلب على عقبيه ، وإنه ل يضر ا شيئا .‬ ‫إنه يجب أن نقتدي في سائر عباداتنا بالنبي إ ، وبسلفه‬ ‫الخيار ، ل نرتضي بهم بدل ، وليكن ذلك نبراسنا في دعوتنا‬ ‫الناس إلى منابر الهداية المضيئة ، فإن الحياء ل تؤمن عليهم‬ ‫الفتنة .‬ ‫يقول عبد ا بن مسعود ي : ) من كان منكم مست ن ًا ،‬ ‫فليستن بمن مات ، أولئك أصحاب محمد ف ، كانوا خير هذه‬ ‫المة ، أبرها قلو ب ًا ، وأعمقها عل م ًا ، وأقلها تكل ف ًا ، قوم‬ ‫اختارهم ا لصحبة نبيه ا ، ونقل دينه ، فتشبهوا بأخلقهم‬ ‫وطرائقهم ، فهم أصحاب محمد و كانوا على الهدي المستقيم (‬ ‫)1( .‬ ‫إن التشبه بالكرام‬ ‫فتشبهوا إن لم تكونوا‬ ‫فلح‬ ‫مثلهم‬ ‫السبب الثالث عشر : النشغال بالعلوم العلمية البحتة ،‬ ‫والنفتاح على شتى وسائل تحصيلها ، من دون تفريق بين ما‬ ‫ح ل ّ منها وما حرم ، كالتعذر في تعلم اللغة النجليزية برؤية‬ ‫الفلم الجنبية ، أو الطلع على مواقع منحلة في شبكة‬‫النترنت ، أو السفر إلى الخارج من غير أخذ الهبة الدينية التي‬‫يجب أن يتسلح المسلم بها قبل ذهابه إلى هناك ، أو السكن مع‬ ‫إحدى السر الكافرة ، والختلط بهم ؛ بحجة إجادة التعلم‬ ‫والضطرار إليه .‬ ‫فكم فجع النسان في دينه ، حينما رأى نفسه تنحدر من‬ ‫سبيل التعليم إلى سبيل الغواية والنحلل ، وما ذاك إل بسبب‬ ‫نظرة محرمة ، وإنها لتقع في قلبه كالسهم المسموم ، الذي‬ ‫يردي قلبه بعد الحياة مي ت ًا ، وبعد الهداية ضا ل ، فليح ك ّم‬ ‫ً‬ ‫النسان الشرع في أفعاله وتصرفاته ، ول يكن مفت ي ًا لذاته ،‬ ‫حاك م ًا بهواه ، ح وما ك َا ن َ ل ِ م ُ ؤ ْ م ِ ن ٍ و َ ل م ُ ؤ ْ م ِ ن َ ة ٍ إ ِ ذ َا ق َ ض َى ال ل ّ ه ُ‬ ‫َ‬ ‫)( رواه أبو نعيم .‬ ‫1‬
  • 25. ‫52‬ ‫و َ ر َ س ُو ل ُ ه ُ أ َ م ْ ر ًا أ َ ن ْ ي َ ك ُو ن َ ل َ ه ُ م ُ ا ل ْ خ ِ ي َ ر َ ة ُ م ِ ن ْ أ َ م ْ ر ِ ه ِ م ْ و َ م َ ن ْ ي َ ع ْ ص ِ‬ ‫ال ل ّ ه َ و َ ر َ س ُو ل َ ه ُ ف َ ق َ د ْ ض َ ل ّ ض َ ل ل م ُ ب ِي ن ًا ا .‬ ‫َ ً‬ ‫السبب الرابع عشر : الغفلة عن محاسبة النفس ، فترى‬‫أحدنا يسير في هذه الدنيا ولم يجعل على نفسه حسي ب ًا ، فتكثر‬ ‫عثراته ، وتتضاعف زلته ، ل يعرف ما فعل ، ول يدرك ماذا‬ ‫قال ، ول يتراجع عن خطأ ، ول ينشط لفعل طاعة ، كل‬ ‫تصرفاته مرتجلة ، ل يضع لنفسه أهدا ف ًا ، ول يسأل نفسه ماذا‬ ‫أنجز في يومه ، وكم ق ص ّر في حق ربه ، وكم ض ي ّع من حقوق‬ ‫عباده ... .‬ ‫فهل حاولنا أن نخلو بأنفسنا ساعة نحاسبها عما بدر منها‬ ‫من القوال والفعال ؟ وهل حاولنا يو م ًا أن نعد سيئاتنا كما‬ ‫نعد حسناتنا ؟ بل هل تأملنا أن طاعتنا قد ل يخلو بعضها من‬ ‫الرياء والسمعة ، كيف القدوم على ا _ يا عباد ا _ ونحن‬‫لنفسنا غير محاسبين ، ولحساب ا غير مطيقين ، قال عمر بن‬ ‫الخطاب ا : )) حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوها قبل‬ ‫أن توزنوا ، فإن أهون عليكم في الحساب غ د ًا أن تحاسبوا‬‫أنفسكم اليوم ، وتزينوا للعرض الكبر، يومئذ تعرضون ل تخفى‬ ‫منكم خافية (( .‬‫إن محاسبة النفس _ أيها الحبة _ هي من شأن الصالحين‬ ‫التقياء ، المخبتين النقياء ، المنيبين الصفياء ، الذين لبوا‬ ‫نداء الرحمن حينما قال : ن ي َاأ َ ي ّ ه َا ا ل ّ ذ ِي ن َ آ م َ ن ُوا ا ت ّ ق ُوا ال ل ّ ه َ‬ ‫و َ ل ْ ت َ ن ْ ظ ُ ر ْ ن َ ف ْ س ٌ م َا ق َ د ّ م َ ت ْ ل ِ غ َ د ٍ و َا ت ّ ق ُوا ال ل ّ ه َ إ ِ ن ّ ال ل ّ ه َ خ َ ب ِي ر ٌ ب ِ م َا‬ ‫ت َ ع ْ م َ ل ُو ن َ ت .‬ ‫ألم تروا إلى الصديق أ كيف كان يمسك بلسانه ويقول :‬‫) هذا الذي أوردني الموارد ( ، ألم تسمعوا عن عمر بن الخطاب‬ ‫أنه كان يضرب نفسه بدرته فيقول : ماذا فعلت اليوم ؟ وأن‬ ‫الحنف بن قيس ا كان يضع إصبعه على السراج فيقول : لماذا‬ ‫فعلت كذا وكذا يا حنيف ؟‬ ‫وكل يوم مضى يدني‬ ‫إنفففففففففففا لنفرح باليام‬ ‫من الجل‬ ‫فإنما الربح‬ ‫فاعمفففل لنفسفففك قبفففل‬ ‫والخسفران في العمل‬
  • 26. ‫62‬‫قال ميمون بففن مهران : ) ل يكون العبففد تق ي ّافف حتففى يكون‬‫لنف سه أ شد محا سبة من الشر يك لشري كه ، ولهذا ق يل : ) الن فس‬ ‫كالشريك الخوان ، إن لم تحاسبه ذهب بمالك ( .‬‫أخ في الح فبيب : إن محاس فبة النف فس ف في الدني فا ، كفيلة أن‬ ‫ف‬ ‫ف‬ ‫ف‬ ‫ف‬ ‫ف‬ ‫ف‬‫تري حك من عناء الح ساب في الخرة ، فإن من نو قش الح ساب‬‫فقففد عذب ، أمففا يكفيففك بذلك أن تتعرف على أخطاء نفسففك‬‫فتص ففلحها ، أم ففا يحث ففك هذا على الندم على اقتراف الذن ففب ،‬ ‫ف‬ ‫ف‬ ‫ف‬ ‫ف‬‫والقلع عفن المعصفية ، أمفا تشعرك مسفاءلة نفسفك بعففو ا‬‫وحلمفه عليفك أن لم يعجفل عقوبتفه بفك ، أو يقبضفك على مفا أنفت‬‫عليفه مفن المعصفية ، أمفا تعطيفك مراجعتفك أعمالك دفعفة قويفة‬‫للجتهاد فففي العبادة وفتففح صفففحة جديدة ناصففعة البياض ،‬ ‫هدفك فيها أن تملها بالطاعة والحسان ؟‬‫يقول الحسفن البصفري : ) إن العبفد ل يزال بخيفر مفا كان له‬ ‫واعظ من نفسه ، وكانت المحاسبة همته ( .‬
  • 27. ‫72‬ ‫علج الفتور‬‫إذا كنفا قفد عرفنفا جملة مفن أسفباب الفتور ففي العبادة ،‬ ‫ووضعنا أيدينا على الداء ، فقد جاء دور الكلم على الدواء .‬ ‫إن الدواء الناجع لداء الفتور هو بإيجاز قطع كل السباب‬ ‫التي سبق ذكرها ، التي من شأنها أن توقع المسلم في خنادق‬ ‫الفتور ، ومهاوي التقصير ، ليسلك بدلها وسائل الثبات ، وطرق‬ ‫اللتزام بالهداية ، فيعظم العبد ربه في قلبه ، ويطبع هذا‬ ‫التعظيم على أقواله وأفعاله واعتقاده ، وي ت ّبع سنة النبي ا بل‬‫زيادة أو نقصان ، ويضع الموت والنار والجنة نصب عينيه ، يرجو‬ ‫رحمة ربه ، ويخاف عذابه ، معظ م ًا في ذلك شعائر ا ، فإن‬ ‫ذلك من تقوى القلوب ، متعاه د ًا لنفسه بالمحاسبة ، وبالرفقة‬ ‫الصالحة ، وبالوعظ والتذكير ، مبتع د ًا عن طرق الهوى والفتنة‬ ‫بشتى وسائلها ، مرد د ًا دعاء النبي ب : ) اللهم مصرف القلوب‬ ‫صرف قلوبنا على طاعتك ( )1( .‬ ‫أسأل ا سبحانه أن يحبب إلى إلينا اليمان ويزينه في‬ ‫قلوبنا ويكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان ويجعلنا من‬ ‫الراشدين .‬ ‫ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الخرة حسنة وقنا عذاب‬ ‫النار ، وأدخلنا الجنة مع البرار ، برحمتك يا عزيز يا غفار .‬ ‫وصلى وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه‬ ‫وأجمعين .‬‫لبداء النقد الب ن ّاء اتصل على جوال : ٩٠٢٠٣٩٤٥٠‬‫والبريد الكتروني ‪bomazenf@maktoob.com‬‬ ‫)( رواه مسلم .‬ ‫1‬