‫مختصر كتاب الرحيق المختوم ) بحث في السيرة النبوية(‬
‫الحالة الجتماعية والقتصادية والخلقية في المجتمع الجاهلي:‬
‫الحالة الجتماعية:‬
‫كانت في العرب أوساط متنوعة تختلف أحوال بعضها عن بعض، فكانت علقة الرجل مع أهله‬
‫في الشراف على درجة كبيرة من الرقي والتقدم، وكان لها من حرية الرادة ونفاذ القول القسط‬
‫الوفر، وكانت محترمة مصونة تسل دونها السيوف، وإذا أراد الرجل أن يمتدح بما له في نظر العرب‬
‫المقام السامي من الكرم والشجاعة لم يكن يخاطب في معظم أوقاته إل المرأة، وكانت المرأة إذا‬
‫شاءت جمعت القبائل للسلم وإن شاءت أشعلت الحرب بينهم، وكان الرجل يعتبر رئيس السرة‬
‫وصاحب الكلمة، وارتباط الرجل بالمرأة بعقد الزواج تحت إشراف أوليائها.‬
‫هذا في حال الشراف، أما أواسط الناس فهناك أنواع من الختلط بين الرجل والمرأة، ل يعبر‬
‫عنه إل بالدعارة والمجون والسفاح والفاحشة.‬
‫وروى البخاري عن عائشة قالت: أن النكاح في الجاهلية على أربعة أنحاء:‬
‫الول: كنكاح الناس اليوم، الثاني: الستبضاع، يقول الرجل لمرأته إذا طهرت: أرسلي فلن‬
‫فاستبضعي منه، ويعتزلها زوجها ول يمسها حتى يتبين حملها من ذلك الرجل، فإذا تبين حملها‬
‫أصابها زوجها إذا أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد، الثالث: يجتمع الرهط دون العشرة،‬
‫فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها فإذا حملت، ووضعت ومر ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم،‬
‫فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها فتسمي من أحبت منهم باسمه فيلحق به‬
‫ولدها، الرابع: يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة ل تمنع ممن جاءها، وهن البغايا.‬
‫وكانت عندهم اجتماعات بين الرجل والمرأة تعقدها شفار السيوف، فكان المتغلب في حروب‬
‫القبائل يسبي نساء المقهور فيستحلها، ولكن الولد الذين تكون هذه أمهم يلحقهم العار مدة‬
‫حياتهم.‬
‫والمعروف في الجاهلية تعدد الزوجات من غير حد، ويجمعون بين الختين، ويتزوجون بزوجات‬
‫آبائهم، وكان الطلق والرجعة بيد الرجل.‬
‫وكانت فاحشة الزنا سائدة في جميع الوساط، إل أفرادا من الرجال والنساء ممن كان تعاظم‬
‫نفوسهم يأبى الوقوع في الرذيلة.‬
‫وكانت علقة الرجل مع أولده على أنواع شتى، فمنهم من يئد البنات خشية العار ويقتل الولد‬
‫خشية الفقر والملق، ول يعد هذا من الخلق المنتشرة.‬
‫أما معاملة الرجل مع أخيه وأبناء عمه وعشيرته فقد كانت موطدة قوية، وكان أساس النظام‬
‫الجتماعي هو العصبية الجنسية والرحم ويسيرون على المثل ) أنصر أخاك ظالما أو مظلوما( على‬
‫المعنى الحقيقي دون تعديل السلم له.‬
‫العلقة بين القبائل كانت مفككة، وقواهم متفانية في الحروب، إل أن الرهبة والوجل من بعض‬
‫التقاليد والعادات المشتركة بين الدين والخرافة ربما كان يخفف من حدتها وصرامتها، وكانت‬
‫الشهر الحرم رحمة وعونا لهم على حياتهم، فقد كانوا يأمنون فيها تمام المن، لشدة التزامهم‬
‫بحرمتها.‬

‫1‬
‫وقصارى الكلم أن الحالة الجتماعية كانت في الحضيض من الضعف والعماية، فالجهل ضارب‬
‫أطنابه والناس يعيشون كالنعام، والمرأة تباع وتشترى، والعلقة بين المة واهية، والحكومات‬
‫همها ملء الخزائن من رعيتها أو جر الحروب على مناوئيها.‬
‫الحالة القتصادية:‬
‫التجارة كانت أكبر وسيلة للحصول على الحوائج، والجولة التجارية ل تتيسر إل إذا ساد المن،‬
‫وكان مفقودا في جزيرة العرب، إل في الشهر الحرم، وفيها تعقد أسواق العرب كعكاظ وذي‬
‫المجاز ومجنة.‬
‫أما الصناعات فكانوا أبعد المم عنها، ومعظم الصناعات مثل الحياكة والدباغة وغيرها كانت‬
‫في أهل اليمن والحيرة ومشارف الشام، وهناك داخل الجزيرة شيء من الزراعة والحرث واقتناء‬
‫النعام، وكانت نساء العرب يشتغلن بالغزل.‬
‫الخلق:‬
‫1 – الكرم: وقد استنفدوا فيه نصف أشعارهم، كان الرجل يأتيه الضيف في شدة البرد والجوع‬
‫وليس عنده من المال إل ناقته فيذبحها لضيفه.‬
‫2 – الوفاء بالعهد: وقد كان دينا يتمسكون به، ويستهينون في سبيله قتل أولدهم.‬
‫3 – عزة النفس والباء عن قبول الخسف والضيم: ومن نتائج ذلك الشجاعة وشدة الغيرة،‬
‫وسرعة النفعال، وكانوا ل يبالون بتضحية أنفسهم في هذا السبيل.‬
‫4 – المضي في العزائم: فإذا عزموا على شيء يرون فيه المجد والفتخار ل يصرفهم عنه‬
‫صارف.‬
‫5 – الحلم، والناة والتؤدة: كانوا يتمدحون بها إل أنها كانت فيهم عزيزة الوجود لفرط شجاعتهم‬
‫وسرعة إقدامهم على القتال.‬
‫6 – السذاجة البدوية، وعدم التلوث بلوثات الحضارة ومكائدها: ومن نتائجها الصدق والمانة‬
‫والنفور عن الخداع والغدر.‬
‫السرة النبوية – النبي صلى ا عليه وسلم في كنف جده ثم عمه أبي طالب‬
‫تعرف أسرته صلى ا عليه وسلم، بالسرة الهاشمية، نسبة إلى جده هاشم بن عبدمناف.‬
‫إلى جده العطوف:‬
‫عاد به عبدالمطلب إلى مكة، وكانت مشاعر الحنو في فؤاده تربو نحو حفيده اليتيم الذي أصيب‬
‫بمصاب جديد نكأ الجروح القديمة، فرق عليه رقة لم يرقها على أحد من أولده، فكان ل يدعه‬
‫لوحدته المفروضة، بل يؤثره على أولده، قال ابن هشام: كان يوضع لعبد المطلب فراض في ظل‬
‫الكعبة، فكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه، ل يجلس عليه أحد من بنيه إجل ل ً له،‬
‫فكان رسول ا صلى ا عليه وسلم يأتي وهو غلم جفر حتى يجلس عليه، فيأخذه أعمامه‬
‫ليؤخروه عنه فيقول عبدالمطلب إذا رأى ذلك منهم: دعوا ابني هذا، فوا إن له لشأنا، ثم يجلس‬
‫معه على فراشه، ويمسج ظهره بيده، ويسره ما يراه يصنع.‬
‫ولثمان سنوات وشهرين وعشرة أيام من عمره صلى ا عليه وسلم توفي جده عبد المطلب‬
‫بمكة، ورأى قبل وفاته أن يعهد بكفالة حفيده إلى عمه أبي طالب شقيق أبيه.‬
‫2‬
‫إلى عمه الشفيق:‬
‫ونهض أبو طالب بحق ابن أخيه على أكمل وجه، وضمه إلى ولده وقدمه عليهم واختصه بفضل‬
‫احترام وتقدير، وظل فوق أربعين سنة يعز جانبه، ويبسط عليه حمايته، ويصادق ويخاصم من أجله.‬
‫حياة الكدح:‬
‫لم يكن لرسول ا عمل معين في أول شبابه، إل أن الروايات توالت أنه كان يرعى غنما،‬
‫رعاها في بني سعد، وفي مكة لهلها على قراريط، ويبدو أنه انتقل إلى عمل التجارة حين شب،‬
‫فقد ورد أنه كان يتجر مع السائب بن أبي السائب المخزومي فكان خير شريك له، ل يداري ول‬
‫يماري، وجاءه يوم الفتح فرحب به، وقال: مرحبا بأخي وشريكي.‬
‫وفي الخامسة والعشرين من سنه خرج تاجرا إلى الشام في مال خديجة، قال ابن إسحاق:‬
‫كانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها، وتضاربهم إياه‬
‫بشيء تجعله لهم، وكانت قريش قوما تجارا، فلما بلغها عن رسول ا صلى ا عليه وسلم ما بلغها‬
‫من صدق حديثه، وعظم أمانته وكرم أخلقه بعثت إليه، فعرضت عليه أن يخرج في مال لها إلى‬
‫الشام تاجرا، وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار، مع غلم لها يقال له: ميسرة، فقبله‬
‫رسول ا صلى ا عليه وسلم منها وخرج في مالها ذلك، وخرج معه غلمها ميسرة حتى قدم‬
‫الشام.‬
‫زواجه بخديجة:‬
‫ولما رجع إلى مكة ورأت خديجة في مالها من المانة والبركة ما لم تر قبل هذا، واخبرها‬
‫غلمها ميسرة بما رأى فيه صلى ا عليه وسلم من خلل عذبة، وشمائل كريمة، وفكر راجح،‬
‫ومنطق صادق، ونهج أمين، وجدت ضالتها المنشودة، وكان السادات والرؤساء يحرصون على‬
‫زواجها فتأبى عليهم ذلك فتحدثت بما في نفسها إلى صديقتها نفيسة بنت منبه، وهذه ذهبت إليه‬
‫صلى ا عليه وسلم تفاتحه أن يتزوج خديجة، فرضي بذلك، وكلم أعمامه، فذهبوا إلى عم خديجة‬
‫وخطبوها إليه، وعلى إثر ذلك تم الزواج، وحضر العقد بنو هاشم ورؤساء مضر، وذلك بعد رجوعه‬
‫من الشام بشهرين، وأصدقها عشرين بكرة، وكانت سنها إذ ذاك أربعين سنة، وكانت يومئذ أفضل‬
‫نساء قومها نسبا وثروة وعق ل، وهي أول امرأة تزوجها رسول ا صلى ا عليه وسلم، ولم يتزوج‬
‫ً‬
‫عليها غيرها حتى ماتت.‬
‫وكل أولده منها سوى إبراهيم، ولدت له: أو ل ً: القاسم، ثم زينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة،‬
‫وعبدا، وكان عبدا يلقب بالطيب والطاهر، ومات بنوه كلهم في صغرهم أما البنات فكلهن أدركن‬
‫السلم فأسلمن وهاجرن، إل أنهن أدركتهن الوفاة في حياته صلى ا عليه وسلم سوى فاطمة،‬
‫فقد تأخرت بعد ستة أشهر ثم لحقت به.‬
‫في غار حراء ونزول الوحي:‬
‫في غار حراء: لما تقاربت سنه صلى ا عليه وسلم الربعين، وكانت تأملته الماضية قد وسعت‬
‫الشقة العقلية بينه وبين قومه، حبب إليه الخلء، فكان يأخذ السويق والماء، ويذهب إلى غار حراء‬
‫في جبل النور على مبعدة نحو ميلين من مكة وهو غار لطيف طوله أربعة أذرع، وعرضه ذراع‬
‫وثلثة أرباع ذراع من ذراع الحديد، فيقيم في شهر رمضان ويقضي وقته في العبادة والتفكير فيما‬
‫حوله من مشاهد الكون وفيما وراءها من قدرة مبدعة، وهو غير مطمئن لما عليه قومه من عقائد‬
‫الشرك.‬

‫3‬
‫وكان اختياره لهذه العزلة طرفا من تدبير ا له وقد تمت هذه العزلة قبل تكليفه بالرسالة‬
‫بثلث سنوات.‬
‫جبريل ينزل بالوحي:‬
‫ولما تكامل له أربعون سنة بدأت طلئع النبوة تلوح وتلمع، فمن ذلك أن حجرا بمكة كان يسلم‬
‫عليه، ومنها أنه كان يرى الرؤيا الصادقة، فكان ل يرى رؤيا إل جاءت مثل فلق الصبح، حتى مضت‬
‫على ذلك ستة أشهر، ومدة النبوة ثلثة وعشرون سنة، فهذه الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءا من‬
‫النبوة، فما كان رمضان من السنة الثالثة من عزلته بحراء شاء ا أن يفيض من رحمته على أهل‬
‫الرض فأكرمه بالنبوة، وأنزل إليه جبريل بآيات من القرآن.‬
‫وبعد النظر والتأمل في القرائن والدلئل يمكن تحديد ذلك اليوم الثنين الحادي والعشرين من‬
‫رمضان لي ل، الموافق 01 أغسطس سنة 016 م، وكان عمره أربعين سنة قمرية وستة أشهر واثنا‬
‫ً‬
‫عشر يوما، وذلك نحو 93 سنة شمسية وثلثة أشهر وعشرين يوما.‬
‫المر بالقيام بالدعوة:‬
‫الدعوة سرا ثلث سنوات: قام رسول ا بعد نزول آيات سورة المدثر، بالدعوة إلى ا سبحانه‬
‫وتعالى، وحيث أن قومه جفاة ل دين لهم إل عبادة الصنام والوثان، ول حجة لهم إل أنه ألفوا‬
‫آباءهم على ذلك، ول أخلق لهم إل الخذ بالعزة والنفة، ول سبيل لهم في حل المشاكل إل‬
‫السيف، وكانوا مع ذلك متصدرين للزعامة الدينية في جزيرة العرب، ومحتلين مركزها الرئيس،‬
‫ضامنين حفظ كيانها، فقد كان من الحكمة تلقاء ذلك أن تكون الدعوة في بدء أمرها سرية، لئل‬
‫يفاجئ أهل مكة بما يهيجهم.‬
‫الرعيل الول: أول من أسلم: خديجة بنت خويلد، وموله زيد بن حارثة، وعلي بن أبي طالب،‬
‫وأبو بكر الصديق، أسلم هؤلء في أول يوم.‬
‫ثم نشط أبو بكر في الدعوة فأسلم على يده: عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبدالرحمن‬
‫بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد ا.‬
‫الدعوة جهارا: أول ما نزل بهذا الصدد قوله تعالى ) وأنذر عشيرتك القربين(.‬
‫الضطهادات:‬
‫أعمال المشركون الساليب لحباط الدعوة بعد ظهورها في بداية السنة الرابعة‬
‫ومضت على ذلك أسابيع وشهور وهم مقتصرون على هذه الساليب ل يتجاوزونها‬
‫الضطهاد والتعذيب، ولكنهم ما رأوا أنها ل تجدي نفعا في إحباط الدعوى استشاروا‬
‫وقرروا القيام بتعذيب المسلمين، فأخذ كل رئيس يعذب من دان من قبيلته بالسلم،‬
‫سيد على من اختار من عبيده عن طريق اليمان.‬

‫من النبوة،‬
‫إلى طريق‬
‫فيما بينهم،‬
‫وانقض كل‬

‫والحاصل أن المشركين لم يعلموا بأحد دخل في السلم إل وتصدوا له بالذى والنكال، وكان‬
‫ذلك سه ل ً بالنسبة لضعفاء المسلمين، لسيما العبيد والماء، فلم يكن من يغضب لهم ويحميهم، بل‬
‫كانت السادة والرؤساء هم أنفسهم يقومون بالتعذيب ويغرون الوباش، ولكن لمن أسلم من الكبار‬
‫والشرا ف كان ذلك صعبا جدا، إذ كانوا في عز ومنعة من قومهم، ولذلك قلما كان يجترئ عليهم إل‬
‫أشراف قومهم، مع شيء كبير من الحيطة والحذر.‬
‫الهجرة الولى إلى الحبشة‬
‫4‬
‫كانت بداية العتداءات في أواسط أو أواخر السنة الرابعة من النبوة، بدأت ضعيفة، ثم لم تزل‬
‫تشتد يوما فيوما وشهرا فشهرا، حتى تفاقمت في أواسط السنة الخامسة، وفي هذه الظروف نزلت‬
‫سورة الزمر تشير إلى اتخاذ سبيل الهجرة ) للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض ا واسعة‬
‫إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب(.‬
‫وكان رسول ا ) صلى ا عليه وسلم( قد علم أن أصحمة النجاشي ملك الحبشة ملك عادل، ل‬
‫يظلم عنده أحد، فأمر المسلمين أن يهاجروا إلى الحبشة.‬
‫وفي رجب سنة خمس من النبوة هاجر أول فوج من الصحابة إلى الحبشة، كان مكونا من اثني‬
‫عشر رج ل ً وأربعة نسوة، رئيسهم عثمان بن عفان، ومعه زوجته رقية بنت رسول ا وقد قال النبي‬
‫فيهما ) إنهما أول بيت هاجر في سبيل ا بعد إبراهيم ولوط عليهما السلم(.‬
‫سجود المشركين مع المسلمين وعودة المهاجرين:‬
‫في رمضان من نفس السنة خرج النبي ) صلى ا عليه وسلم( إلى الحرم، وفيه جميع كبير من‬
‫قريش، فقام فيهم وفاجأهم بتلوة سورة النجم، ولما وصل إلى قوله تعالى ) فاسجدوا لله‬
‫واعبدوا( ثم سجد لم يتمالك أحد نفسه حتى خر ساجدا، وقد توالى عليهم اللوم والعتاب ممن لم‬
‫يحضر هذا المشهد من المشركين، وبلغ هذا الخبر إلى مهاجري الحبشة ولكن في صورة تختلف‬
‫تماما عن صورته الحقيقية، بلغهم أن قريشا أسلمت، فرجعوا إلى مكة في شوال من نفس السنة،‬
‫فلما دنوا من مكة وعرفوا الحقيقة رجع منهم من رجع إلى الحبشة.‬
‫الهجرة الثانية إلى الحبشة:‬
‫واستعد المسلمون للهجرة مرة أخرى، وعلى نطاق أوسع، ولكن كانت هذه الهجرة الثانية أشق‬
‫من سابقتها، فقد تيقظت لها قريش وقررت إحباطها، بيد أن المسلمين كانوا أسرع، ويسر ا لهم‬
‫السفر، فانحازوا إلى نجاشي الحبشة قبل أن يدركوا.‬
‫وفي هذه المرة هاجر من الرجال ثلثة وثمانون رج ل ً إن كان فيهم عمار، فإن يشك فيه،‬
‫وثماني عشرة أو تسع عشرة امرأة.‬
‫إسلم حمزة رضي ا عنه:‬
‫أسلم في أواخر السنة السادسة من النبوة والغلب أنه أسلم في شهر ذي الحجة، وسبب إسلمه‬
‫أنا أبا جهل آذى الرسول عند الصفا والرسول ساكت ل يكلمه ثم ضربه أبو جهل في رأسه فشجه‬
‫حتى نزف منه الدم، وعلم حمزة بالمر وغضب وذهب إلى أبو جهل وضربه بالقوس فشجه شجة‬
‫منكرة.‬
‫إسلم عمر رضي ا عنه:‬
‫أسلم في ذي الحجة سنة ست من النبوة، بعد ثلثة أيام من إسلم حمزة.‬
‫المقاطعة العامة‬
‫ميثاق الظلم والعدوان:‬
‫اجتمع المشركون في خيف بني كنانة من وادي المحصب فتحالفوا على بني هاشم وبني‬
‫المطلب إل يناكحوهم، ول يبايعوهم، ول يجالسوهم، حتى يسلموا إليهم رسول ا للقتل، وكتبوا‬
‫بذلك صحيفة فيها عهود ومواثيق، وقد كتبها بغيض بن عامر بن هاشم، فدعا عليه الرسول فشلت‬
‫يده.‬
‫5‬
‫تم هذا الميثاق وعلقت الصحيفة في جوف الكعبة، وكان ذلك في محرم سنة سبع من البعثة.‬
‫ثلثة أعوام في شعب أبي طالب.‬
‫نقض صحيفة الميثاق:‬
‫مر عامان أو ثلثة أعوام والمر على ذلك، وفي المحرم سنة عشر من النبوة نقضت الصحيفة‬
‫وفك الحصار، وذلك أن قريشا كانوا بين راض بهذا الميثاق وكاره له، فسعى في نقض الصحيفة من‬
‫كان كارها لها.‬
‫وكان القائم بذلك هشام بن عمرو، وكان معه زهير بن أبي أمية المخزومي، والمطعم بن‬
‫عدي، وأبي البختري بن هشام، و زمعة بن السود بن المطلب بن أسد.‬
‫عام الحزن‬
‫وفاة أبي طالب:‬
‫توفي في رجب سنة عشر من النبوة، بعد الخروج من الشعب بستة أشهر.‬
‫خديجة إلى رحمة ا:‬
‫توفيت في شهر رمضان في السنة العاشرة من النبوة، وعمرها خمس وستون سنة.‬
‫تراكم الحزان:‬
‫وقعت هاتان الحادثتان المؤلمتان خلل أيام معدودة، فاهتزت مشاعر الحزن واللم في قلب‬
‫رسول ا ثم لم تزل تتوالى عليه المصائب من قومه، فإنهم تجرئوا عليه وكاشفوه بالنكال والذى‬
‫بعد موت أبي طالب، فازداد غما على غم، حتى يئس منهم، وخرج إلى الطائف رجاء أن يستجيبوا‬
‫لدعوته، أو يؤووه وينصروه على قومه، فلم ير من يؤوي ولم ير ناصرا، بل آذوه أشد الذى، ونالوا‬
‫منه ما لم ينله قومه.‬
‫دعوة السلم خارج مكة‬
‫الرسول صلى ا عليه وسلم في الطائف:‬
‫في شوال سنة عشر من النبوة خرج النبي إلى الطائف، وهي تبعد عن مكة ستين مي ل، سارها‬
‫ً‬
‫ماشيا على قدميه جيئة وذهابا، ومعه موله زيد بن حارثة، وكان كلما مر على قبيلة في الطريق‬
‫دعاهم إلى السلم فلم تجب إليه واحدة منها.‬
‫وأقام رسول ا بين أهل الطائف عشرة أيام، ل يدع أحدا من أشرافهم إل جاءه وكلمه، فقالوا‬
‫أخرج من بلدنا، وأغروا به سفهاءهم، فلما أراد الخروج تبعه سفهاؤهم وعبيده م يسبونه ويصيحون‬
‫به، حتى اجتمع عليه الناس، وجعلوا يرمونه بالحجارة، وبكلمات من السفه، ورجموا عراقيبه، وكان‬
‫زيد بن حارثة يقيه بنفسه حتى أصابه شجاج في رأسه.‬
‫عرض السلم على القبائل:‬
‫في ذي القعدة سنة عشر من النبوة عاد رسول ا إلى مكة ليستأنف عرض السلم على‬
‫القبائل والفراد، ولقتراب الموسم كان الناس يأتون إلى مكة فانتهز الرسول هذه الفرصة ليعرض‬
‫عليهم السلم، وقد بدأ يطلب منهم في هذه السنة أن يؤووه وينصروه ويمنعوه حتى يبلغ ما بعثه‬
‫ا به.‬
‫6‬
‫القبائل التي عرض عليها السلم:‬
‫ومن بين هذه القبائل: بنو عامر بن صعصعة، ومحارب بن خصفة، وفزارة، وغسان، ومرة‬
‫وحنيفة، وسليم، وعبس، وبنو نصر، وبنو البكاء، وكندة، وكلب، والحارث ابن كعب، وعذرة،‬
‫والحضارمة، فلم يستجب منهم أحد.‬
‫أما كيفية عرض السلم على هذه القبائل وردودهم فهي:‬
‫1 – بنو كلب: أتى النبي إلى بطن منهم يقال لهم: بنو عبدا، فدعاهم إلى ا وعرض عليهم‬
‫نفسه، حتى أنه ليقول لهم " يا بني عبدا، إن ا قد أحسن اسم أبيكم" فلم يقبلوا منه.‬
‫2 – بنو حنيفة: أتاهم في منازلهم فدعاهم إلى ا وعرض عليهم نفسه، فلم يكن أحد من‬
‫العرب أقبح عليه ردا منهم.‬
‫3 – بني عامر بن صعصعة: دعاهم إلى ا وعرض عليهم نفسه، فقال بحيرة بن فراس: وا لو‬
‫أني أخذت هذا الفتى من قريش لكلت به العرب، ثم قال: أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك، ثم‬
‫أظهرك ا على من خالفك أيكون لنا المر من بعدك؟ قال: " المر إلى ا، يضعه حيث يشاء" ، فقال‬
‫له: أفتهدف نحورنا للعرب دونك، فإذا أظهرك ا كان المر لغيرنا، ل حاجة لنا بأمر، فأبوا عليه.‬
‫بيعة العقبة الولى‬
‫في موسم حج سنة 21 من النبوة جاء اثنا عشر رج ل ً فيهم خمسة من الستة الذين كانوا قد‬
‫التقوا برسول ا في العام السابق، والسادس الذي لم يحضر هو جابر بن عبدا وسبعة سواهم‬
‫وهم:‬
‫معاذ بن الحارث، ذكوان بن عبد القيس، عبادة بن الصامت، يزيد بن ثعلبة، العباس بن عبادة،‬
‫) من الخزرج( ، أبو الهيثم بن تيهان، عويم بن ساعدة، ) من الوس(.‬
‫التقى هؤلء الرجال برسول ا عند العقبة بمنى فبايعوه.‬
‫سفير السلم في المدينة:‬
‫مصعب بن عمير العبدري رضي ا عنه.‬
‫بيعة العقبة الثانية:‬
‫في موسم الحج في السنة )31( من النبوة حضر لداء مناسك الحج بضع وسبعون نفسا من‬
‫المسلمين من أهل يثرب، جاءوا ضمن حجاج قومهم من المشركين، فلما قدموا مكة جرت بينهم‬
‫وبين النبي اتصالت سرية أدت إلى اتفاق الفريقين على أن يجتمعوا في أوسط أيام التشريق في‬
‫الشعب الذي عند العقبة حيث الجمرة الولى من منى، وأن يتم الجتماع في سرية تامة في ظلم‬
‫الليل.‬
‫بنود البيعة:‬
‫قال جابر: قلنا يا رسول ا، علم نبايعك؟ قال:‬
‫" على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى المر‬
‫بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن تقوموا في ا، لتأخذكم في ا لومة لئمة، وعلى أن‬
‫تنصروني إذا قدمت إليكم، وتمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة".‬
‫7‬
‫عقد البيعة:‬
‫وبعد إقرار بنود البيعة، وبعد هذا التأكيد والتأكد بدأ عقد البيعة بالمصافحة.‬
‫اثنا عشر نقيبا:‬
‫بعد أن تمت البيعة طلب رسول ا أن يختاروا اثني عشر زعيما يكونون نقباء على قومهم،‬
‫وكانوا تسعة من الخزرج وثلثة من الوس وهم:‬
‫نقباء الخزرج: 1 – أعسد بن زرارة بن عدس، 2 – سعد بن الربيع بن عمرو، 3 – عبدا بن‬
‫رواحة بن ثعلبة، 4 – رافع بن مالك بن العجلن، 5 – البراء بن معرور بن صخر، 6 – عبدا بن‬
‫عمرو بن حرام، 7 – عبادة بن الصامت بن قيس، 8 – سعد بن عبادة بن دليم، 9 – المنذر بن عمرو‬
‫بن خنيس.‬
‫نقباء الوس: أسيد بن حضير بن سماك، 2 – سعد بن خيثمة بن الحارث، 3 – رفاعة بن‬
‫عبدالمنذر بن زبير.‬
‫ولما تم اختيار هؤلء النقباء أخذ عليهم النبي ميثاقا بصفتهم رؤساء مسئولين قال لهم: " أنتم‬
‫على قومكم بما فيهم كفلء، ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم، وأنا كفيل على قومي" يعني‬
‫المسلمين، قالوا نعم.‬
‫طلئع الهجرة:‬
‫بدأ المسلمون يهاجرون، وأخذ المشركون يحولون بينهم وبين خروجهم، لما يحسون به من‬
‫الخطر، وهذه نماذج من ذلك:‬
‫1 – أو المهاجرين أبو سلمة – هاجر قبل العقبة الكبرى بسنة – وزوجته وابنه، فلما أراد الخروج‬
‫قال له أصهاره، هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتنا هذه؟ علم نتركك تسير بها في البلد؟‬
‫فأخذوا منه زوجته، وغضب آل أبي سلمة لرجلهم فقالوا ل نترك ابننا معها إذ نزعتموها من صاحبنا،‬
‫وتجاذبوا الغلم بينهم فخلعوا يده، وذهبوا به، وانطلق أبو سلمة وحده إلى المدينة.‬
‫2 – وهاجر صهيب بن سنان الرومي بعد رسول ا صلى ا عليه وسلم، فلما أراد الهجرة قال‬
‫له كفار قريش أتيتنا صعلوكا حقيرا، فكثر مالك عندنا، وبلغت الذي بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك‬
‫ونفسك؟ وا ل يكون ذلك، فقال لهم صهيب: أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتخلون سبيلي؟ قالوا نعم‬
‫قال: فإني قد جعلت لكم مالي، فبلغ ذلك رسول ا فقال: " ربح صهيب، ربح صهيب".‬
‫3 – وتواعد عمر بن الخطاب، وعياش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاص بن وائل موضعا اسمه‬
‫التناضب فوق سرف يصبحون عنده، ثم يهاجرون إلى المدنية فاجتمع عمر وعياش، وحبس عنهما‬
‫هشام.‬
‫ولما قدما المدينة ونزل بقباء قدم أبو جهل وأخوه الحارث إلى عياش – وأم الثلثة واحدة وهي‬
‫أسماء بنت مخربة – فقال له: إن أمك قد نذرت أل يمس رأسها مشط، ول تستظل بشمس حتى تراك،‬
‫فرق لها فقال لهم عمر: يا عياش، إنه وا إن يريدك القوم إل ليفتنوك عن دينك فاحذرهم، فوا‬
‫لو آذى أمك القمل لمتشطت، ولو قد اشتد عليها حر مكة لستظلت، فأبى عياش إل الخروج معهما‬
‫ليبر قسم أمه، وبعد رجوعه معهم أوثقاه وربطاه، ثم دخل به مكة نهارا موثقا وقال: يا أهل مكة،‬
‫هكذا فافعلوا بسفهائكم، كما فعلنا بسفيهنا هذا.‬
‫هذه ثلثة نماذج لما كان المشركون يفعلونه بمن يريد الهجرة إذا علموا ذلك.‬
‫8‬
‫ومع هذا كله وبعد شهرين وبضعة أيام من بيعة العقوبة الكبرى لم يبق بمكة من المسلمين إل‬
‫رسول ا وأبو بكر وعلي، أقاما بأمره لهما، وإل من احتبسه المشركون كرها، وقد أعد رسول ا‬
‫جهازه ينتظر متى يؤمر بالخروج، وأعد أبو بكر جهازه.‬
‫هجرة النبي صلى ا عليه وسلم‬
‫بين تدبير قريش وتدبير ا سبحانه وتعالى:‬
‫من طبيعة مثل هذا الجتماع السرية، وكان هذا مكرا من قريش، ولكنهم ماكروا بذلك ا‬
‫سبحانه وتعالى، فخيبهم من حيث ل يشعرون، فقد نزل جبريل إلى النبي بوحي من ربه تبارك‬
‫وتعالى فأخبره بمؤامرة قريش، وبين له خطة الرد على قريش فقال :ل تبت هذه الليلة على‬
‫فراشك.‬
‫وذهب النبي في الهاجرة ) حين يستريح الناس في بيوتهم( إلى أبي بكر ليبرم معه مراحل‬
‫الهجرة، ثم أبرم معه خطة الهجرة ورجع إلى بيته، وقد استمر في أعماله اليومية حسب المعتاد‬
‫حتى لم يشعر أحد بأنه يستعد للهجرة، اتقاء مما قررته قريش.‬
‫تطويق منزل الرسول صلى ا عليه وسلم:‬
‫اختير لتنفيذ الخطة أحد عشر رئيسا من أكابر قريش وهم:‬
‫1 – أبو جهل بن هشام، 2 – الحكم بن أبي العاص، 3 – عقبة بن أبي معيط، 4 – النظر بن‬
‫الحارث، 5 – أمية بن خلف، 6 – زمعة بن السود، 7 – طعيمة بن عدي، 8 – أبو لهب، 9 – أبي بن‬
‫خلف، 01 – نبيه بن الحجاج، 11 – أخوه منبه بن الحجاج.‬
‫كان من عادة رسول ا أن ينام في أوائل الليل بعد صلة العشاء، ويخرج بعد نصف الليل إلى‬
‫المسجد الحرام، يصلي فيه قيام الليل، فأمر عليا تلك الليلة أن يضطجع على فراشه، ويتسجى ببرده‬
‫الحضرمي الخضر، وأخبره أنه ل يصيبه مكروه.‬
‫فلما كانت عتمة الليل ونام الناس جاء المذكورون إلى بيت النبي سرا، واجتمعوا على بابه‬
‫يرصدونه، وهم يظنونه نائما حتى إذا قام وخرج وثبوا عليه ونفذوا ما قرروا فيه.‬
‫وقد كان ميعاد تنفيذ المؤامرة بعد منتصف الليل في وقت خروج النبي من البيت فباتوا متيقظين‬
‫ينتظرون ساعة الصفر.‬
‫الرسول يغادر بيته:‬
‫وقد فشلت قريش في خطتهم فش ل ً ذريعا، إذ خرج الرسول من البيت، واخترق صفوفهم وأخذ‬
‫حفنة من البطحاء فجعل يذره على رؤوسهم وقد أخذ ا أبصارهم عنه فل يرونه، وهو يتلو‬
‫) وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم ل يبصرون( ، ومضى إلى بيت أبي‬
‫بكر، فخرجا من خوخة في دار أبي بكر لي ل ً حتى لحقا بغار ثور في اتجاه اليمين.‬
‫وبقى المحاصرون ينتظرون حلول ساعة الصفر، بينما هم كذلك جاءهم رجل ورآهم ببابه‬
‫فقال: ما تنتظرون؟ قالوا: محمدا، قال: قد مر بكم وذر على رؤوسكم التراب وانطلق !‬
‫ولكنهم تطلعوا من صير الباب فرأوا عليا، فقالوا: وا إن هذا محمدا نائما، فلم يبرحوا كذلك‬
‫حتى أصبحوا، وقام علي عن الفراش، وسألوه عن النبي فقال ل أعلم.‬
‫من الدار إلى الغار:‬
‫9‬
‫غادر الرسول بيته في ليلة 72 من شهر صفر سنة 41 من النبوة الموافق 21-31 سبتمر سنة‬
‫226 م وأتى إلى دار أبي بكر ، ثم غادرا وخرجا من مكة على عجل قبل أن يطلع الفجر.‬
‫وسلك الرسول الطريق المتجه إلى اليمن الذي يقع جنوب مكة، سلك هذا الطريق نحو خمسة‬
‫أميال حتى بلغ إلى جبل يعرف بجبل ثور.‬
‫إذ هما في الغار:‬
‫دخل أبو بكر قبل الرسول لكي يطمأن على المكان، وعند اطمئنانه أدخل رسول ا، وقد لدغ‬
‫أبا بكر في رجله من جحر داخل الغار، فتفل عليه رسول ا فذهب ما يجده.‬
‫وبقيا في الغار ثلثة ليال، ليلة الجمعة والسبت والحد، وكان عبدا بن أبي بكر يبيت عندهما،‬
‫وكان يرعى عليهما عامرة بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم، فيريحها عليهما حيث تذهب ساعة‬
‫من العشاء.‬
‫أما قريش فقد جن جنونها حينما تأكد لديها إفلت الرسول صباح ليلة تنفيذ المؤامرة، فأول ما‬
‫فعلوا بهذا الصدد أنهم ضربوا عليا، وسحبوه إلى الكعبة، وحبسوه ساعة، علهم يظفرون بخبرهما.‬
‫وضعت قريش جميع الطرق تحت المراقبة الشديدة، وقررت إعطاء مكافأة ضخمة قدرها مائة‬
‫ناقة بدل كل واحد منهما لمن يعيدهما حيين أو ميتين.‬
‫وقد وصل المطاردون إلى باب الغار، روى البخاري أن أبي بكر قال: كنت مع النبي في الغار،‬
‫فرفعت رأسي فإذا أنا بأقدام القوم، فقلت: يا نبي ا، لو أن بعضهم طأطأ بصره رآنا، قال " أسكت‬
‫يا أبا بكر، اثنان، ا ثالثهما" ، وفي لفظ: " ما ظنك يا أبا بكر باثنين ا ثالثهما".‬
‫في الطريق إلى المدينة:‬
‫وقد استمر البحث عنهما ثلثة أيام، وقد تهيأ رسول ا وصاحبه للخروج إلى المدينة.‬
‫وكانا قد استأجرا عبدا بن أريقط الليثي، وكان على الشرك، وقد واعداه غار ثور بعد ثلث‬
‫ليال براحلتيهما، فلما كانت ليلة الثنين غرة ربيع الول سنة )1( هـ/ 61 سبتمبر 226 م جاءهما‬
‫عبدا بن أريقط بالراحلتين، ثم ارتحل رسول ا وأبو بكر وارتحل معهما عامر بن فهيرة، وأخذ‬
‫بهم الدليل – عبدا بن أريقط- على طريق السواحل.‬
‫وأول ما سلك بهم عبد الخروج من الغار أنه أمعن في اتجاه الجنوب نحو اليمن، ثم اتجه غربا‬
‫نحو الساحل، حتى إذا وصل إلى طريق لم يألفه الناس، اتجاه شما ل ً على مقربة من شاطئ البحر‬
‫الحمر، وسلك طريقا لم يكن يسلكه أحدا إل نادرا.‬
‫بعض ما وقع في الطريق:‬
‫في الطريق لقي النبي بريدة بن الحصيب السلمي، ومعه نحو ثمانين بيتا فأسلم وأسلموا،‬
‫وصلى رسول ا العشاء الخرة فصلوا خلفه، وأقام بريدة بأرض قومه حتى قدم على الرسول بعد‬
‫أحد.‬
‫النزول بقباء:‬
‫في يوم الثنين 8 ربيع الول سنة 41 من النبوة، وهي السنة الولى من الهجرة الموافق‬
‫32/ سبتمر 226 م نزل رسول ا بقباء.‬
‫01‬
‫قال ابن القيم: وسمعت الوجبة والتكبير في بني عمرو بن عوف، وكبر المسلمون فرحا بقدومه،‬
‫وخرجوا للقائه، فتلقوه وحيوه بتحية النبوة، فأحدقوا به مطيفين حوله والسكينة تغشاه، والوحي‬
‫ينزل عليه: ) فإن ا هو موله وجبريل وصالح المؤمنين والملئكة بعد ذلك ظهير(.‬
‫ونزل رسول ا بقباء على كلثوم بن الهدم.‬
‫ومكث علي بن أبي طالب رضي ا عنه بمكة ثلثا حتى أدى عن رسول ا صلى ا عليه وسلم‬
‫الودائع التي كانت عنده للناس، ثم هاجر ماشيا على قدميه حتى لحقهما بقباء، ونزل على كلثوم بن‬
‫الهدم.‬
‫وأقام رسول ا بقباء أربعة أيام: الثنين والثلثاء والربعاء والخميس، وأسس مسجد قباء‬
‫وصلى فيه، وهو أول مسجد أسس على التقوى بعد النبوة، ولما كان اليوم الخامس ) يوم الجمعة(‬
‫ركب بأمر ا له، وأبو بكر ردفه، وأرسل إلى بني النجار أخواله فجاءوا متقلدين سيوفهم، فسار‬
‫نحو المدينة وهم حوله، وأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف، فجمع بهم في المسجد الذي في‬
‫بطن الوادي، وكانوا مائة رجل.‬
‫الدخول في المدينة:‬
‫ثم سار النبي بعد الجمعة حتى دخل المدينة، ومن ذلك اليوم سميت بلدة يثرب بمدينة الرسول،‬
‫ويعبر عنها بالمدينة مختصرا.‬
‫ونزل رسول ا عند أبي أيوب النصاري، وفي رواية أنس عند البخاري، قال نبي ا صلى ا‬
‫عليه وسلم: ) أي بيوت أهلنا أقرب؟( فقال أبو أيوب: أنا يا رسول ا، هذه داري، وهذا بابي، قال‬
‫) فانطلق فهيئ لنا مقي ل ً( ، قال قوما على بركة ا.‬
‫وبعد أيام وصلت إليه زوجته سودة، وبنتاه فاطمة وأم كلثوم، وأسامة بن زيد، وأم ايمن، وخرج‬
‫معهم عبدا بن أبي بكر بعيال أبي بكر، ومنهم عائشة، وبقيت زينب عند أبي العاص، لم يمكنها‬
‫من الخروج حتى هاجرت بعد بدر.‬
‫المرحلة الولى‬
‫بناء مجتمع جديد‬
‫قد أسلفنا أن نزول رسول ا بالمدينة في بني النجار كان يوم الجمعة )21/ ربيع الول/1 هـ‬
‫الموافق 72/ سبتمبر/ 226 م( وأنه نزل في أرض أمام دار أبي أيوب.‬
‫بناء المسجد النبوي:‬
‫وأول خطوة خطاها رسول ا بعد ذلك هو بناء المسجد النبوي، واختار له المكان الذي بركت‬
‫فيه ناقته، فاشتراه من غلمين يتيمين كانا يملكانه، وأسهم في بنائه بنفسه، فكان ينقل اللبن‬
‫والحجار، ويقول:‬
‫فاغفر للنصار والمهاجرة‬

‫اللهم ل عيش إلى عيش الخرة‬

‫وفي أوائل الهجرة شرع الذان، وقد تشرف برؤيته في المنام أحد الصحابة الخيار عبدا بن‬
‫زيد بن عبد ربه، فأقره النبي وقد وافقت رؤياه رؤيا عمر بن الخطاب فأقره النبي.‬
‫المؤاخاة بين المسلمين:‬
‫11‬
‫آخى رسول ا صلى ا عليه وسلم بين المهاجرين والنصار في دار أنس بن مالك، وكانوا‬
‫تسعين رج ل ً نصفهم من المهاجرين، ونصفهم من النصار، آخى بينهم على المواساة، ويتوارثون‬
‫بعد الموت دون ذوي الرحام إلى حيث وقعة بدر، فلما أنزل ا عز وجل ) وأولوا الرحام بعضهم‬
‫أولى ببعض( رد التوارث إلى الرحم دون عقد الخوة.‬
‫ومعنى هذا الخاء أن تذوب عصبيات الجاهلية، وتسقط فوارق النسب واللون والوطن، فل‬
‫يكون أساس الولء والبراء إل السلم.‬
‫بنود المعاهدة مع اليهود:‬
‫1 – إن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم،‬
‫وكذلك لغير بني عوف من اليهود.‬
‫2 – وإن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم.‬
‫3 – وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة.‬
‫4 – وإن بينهم النصح والنصيحة، والبر دون الثم.‬
‫5 – وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه.‬
‫6 – وإن النصر للمظلوم.‬
‫7 – وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين.‬
‫8 – وإن يثرب حرام جوفها لهل هذه الصحيفة.‬
‫9 – وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده مرده إلى ا عز‬
‫وجل، وإلى محمد رسول ا صلى ا عليه وسلم.‬
‫01 – وإنه ل تجار قريش ول من نصرها.‬
‫11 – وإن بينهم النصر على من دهم يثرب، على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قبلهم.‬
‫21 – وإنه ل يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم.‬
‫وبإبرام هذه المعاهدة صارت المدينة وضواحيها دولة وفاقية، عاصمتها المدينة، ورئيسها ) إن‬
‫صح هذا التعبير( رسول ا صلى ا عليه وسلم، والكلمة النافذة والسلطان الغالب فيها للمسلمين.‬
‫الكفاح الدامي‬
‫سرية سيف البحر:‬
‫في رمضان سنة 1 هـ، الموافق مارس سنة 326 م، أ مر رسول ا على هذه السرية حمزة بن‬
‫ّ‬
‫عبدالمطلب، وبعثه في ثلثين رج ل ً من المهاجرين يعترضون عيرا لقريش جاءت من الشام، وفيها‬
‫أبو جهل بن هشام في ثلثمائة رجل، فبلغوا سيف البحر من ناحية العيص، فالتقوا واصطفوا‬
‫للقتال، فمشى مجدي بن عمرو الجهني، وكان حليفا للفريقين جميعا، بين هؤلء وهؤلء حتى حجز‬
‫بينهم فلم يقتتلوا.‬
‫وكان لواء حمزة أول لواء عقده رسول ا صلى ا عليه وسلم، وكان أبيض، وحمله أبو مرثد‬
‫كناز بن حصين الغنوي.‬
‫21‬
‫سرية نخلة:‬
‫في رجب سنة 2 هـ، الموافق يناير سنة 426 م، بعث رسول ا فيها عبدا بن جحش السدي‬
‫إلى نخلة في اثني عشر رج ل ً من المهاجرين، كل اثنين يعتقبان على بعير.‬
‫وكان رسول ا كتب له كتابا، وأمره أل ينظر فيه حتى يسير يومين، ثم ينظر فيه، فسار عبدا‬
‫ثم قرأ الكتاب بعد يومين، فإذا فيه: " إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكة‬
‫والطائف، فترصد بها عير قريش وتعلم لنا من أخبارها" ، فقال: سمعا وطاعة، وأخبر أصحابه بذلك،‬
‫وأنه ل يستكرههم، فمن أحب الشهادة فلينهض، ومن كره الموت فليرجع، وأما أنا فناهض، فنهضوا‬
‫كلهم، غير أنه لما كان في أثناء الطريق أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرا لهما كانا‬
‫يتعقبانه، فتخلفا في طلبه.‬
‫وسار عبدا بن جحش حتى نزل بنخلة، فمرت عير لقريش تحمل زبيبا وأدما وتجارة، وفيها‬
‫عمرو بن الحضرمي، وعثمان ونوفل ابنا عبدا بن المغيرة، والحكم ابن كيسان مولى بني‬
‫المغيرة، فتشاور المسلمون وقالوا: نحن في آخر يوم من رجب، الشهر الحرام، فإن قاتلناهم‬
‫انتهكنا الشهر الحرام، وإن تركناهم الليلة دخلوا الحرم، ثم اجتمعوا على اللقاء، فرمى أحدهم‬
‫عمرو بن الحضرمي فقتله، وأسروا عثمان والحكم وأفلت نوفل، ثم قدموا بالعير والسيري ن إلى‬
‫المدينة، وقد عزلوا من ذلك الخمس، وهو أول خمس كان في السلم، وأول قتيل في السلم،‬
‫وأول أسيرين في السلم.‬
‫وأنرك رسول ا ما فعلوه، وقال: " ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام" ، وتوقف عن التصرف‬
‫في العير والسيرين.‬
‫ووجد المشركون فيما حدث فرصة لتهام المسلمين بأنهم قد أحلوا ما حرم ا، حتى نزلت الية‬
‫الكريمة: ) يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه، قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل ا وكفر به‬
‫والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند ا والفتنة أكبر من القتل(.‬
‫غزوة بدر الكبرى‬
‫أول معركة من معارك السلم الفاصلة:‬
‫سبب الغزوة:‬
‫عند عودة عير قريش من الشام إلى مكة بعث رسول ا طلحة بن عبيد ا وسعيد بن زيد إلى‬
‫الشمال ليقوما باكتشاف خبرها، فوصل إلى الحوراء ومكثا حتى مر بهما أبو سفيان بالعير، فأسرعا‬
‫إلى المدينة وأخبرا رسول ا بالخبر.‬
‫وكانت العير تحمل ثروات طائلة لكبار أهل مكة ورؤسائها: ألف بعير موقرة بأموال ل تقل عن‬
‫خمسين ألف دينار ذهبي، ولم يكن معها من الحرس إل نحو أربعين رج ل.‬
‫ً‬
‫لذلك أعلن رسول ا في المسلمين قائ ل ً: " هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعل‬
‫ا ينفلكموها".‬
‫ولم يعزم على أحد بالخروج، بل ترك المر للرغبة المطلقة، لما أنه لم يكن يتوقع عند هذا‬
‫النتداب أنه سيصطدم بجيش مكة - بدل العير- هذا الصطدام العنيف في بدر، ولذلك تخلف كثير من‬
‫الصحابة في المدينة، وهم يحسبون أن مضي رسول ا في هذا الوجه لن يعدو ما ألفوه في‬
‫السرايا والغزوات الماضية، ولذلك لم ينكر على أحد تخلفه في هذه الغزوة.‬
‫31‬
‫مبلغ قوة الجيش السلمي وتوزيع القيادات:‬
‫واستعد رسول ا للخروج ومعه ثلثمائة وبضعة عشر رج ل ً )313 ، أو 413 ، أو 713 رج ل ً( 28 أو‬
‫38 أو 68 من المهاجرين و 16 من الوس و 071 من الخزرج، ولم يحتفلوا لهذا الخروج احتفا ل ً‬
‫بليغا، ول اتخذوا أهبتهم كاملة، فلم يكن معهم إلى فرس أو فرسان: فرس للزبير بن العوام،‬
‫وفرس للمقداد بن السود الكندي، وكان معهم سبعون بعيرا يعتقب الرجلن والثلثة على بعير‬
‫واحد، وكان رسول ا وعلي ومرثد بن أبي مرثد الغنوي يعتقبون بعيرا واحدا.‬
‫واستخلف على المدينة وعلى الصلة ابن أم مكتوم، فلما كان بالروحاء رد أبا لبابة بن‬
‫عبدالمنذر، واستعمله على المدينة.‬
‫ودفع لواء القيادة العامة إلى مصعب بن عمير القرشي العبدري، وكان هذا اللواء أبيض.‬
‫وقسم جيشه إلى كتيبتين:‬
‫1 – كتيبة المهاجرين: وأعطى رايتها علي بن أبي طالب، ويقال لها العقاب.‬
‫2 – كتيبة النصار: وأعطى رايتها سعد بن معاذ، ) وكانت الرايتان سوداوين(.‬
‫وجعل على قيادة الميمنة الزبير بن العوام، وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة، وظلت‬
‫القيادة العامة في يده كقائد أعلى للجيش.‬
‫الجيش السلمي يتحرك نحو بدر‬
‫النذير في مكة:‬
‫كان أبو سفيان على غاية من الحيطة والحذر، وكان يتحسس الخبار ويسأل من لقي من‬
‫الركبان، ولم يلبث أن نقلت إليه استخباراته بأن محمدا قد استنفر أصحابه ليوقع بالعير، عندها‬
‫استأجر ضمضم بن عمرو الغفاري إلى مكة مستصرخا لقريش بالنفير إلى عيرهم.‬
‫أهل مكة يتجهزون للغزو:‬
‫فتحفز الناس سراعا وقالوا: أيظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمي؟ كل وا‬
‫ليعلمن غير ذلك، فكانوا بين رجلين: إما خارج، وإما باعث مكانه رج ل، وجمعوا في الخروج فلم‬
‫ً‬
‫يتخلف من أشرافهم أحد سوى أبي لهب، ولم يتخلف عنهم أحد من بطون قريش إل بني عدي فلم‬
‫يخرج منهم أحد.‬
‫قوام الجيش المكي:‬
‫قوامه ألف وثلثمائة مقاتل في بداية سيره، وكان معه مائة فرس وستمائة درع، وجمال كثيرة،‬
‫وكان قائده العام أبا جهل.‬
‫مشكلة قبائل بني بكر:‬
‫ولما أجمع هذا الجيش على المسير ذكرت قريش ما كان بينها وبين بني بكر من العداوة‬
‫والحرب، فخافوا أن تضربهم هذه القبائل من الخلف، فيكونوا بين نارين، فكان ذلك يثنيهم، ولكن‬
‫تبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي، فقال لهم: أنا لكم جار من أن‬
‫تأتيكم كنانة من خلفكم.‬
‫جيش مكة يتحرك:‬
‫41‬
‫تحركوا بسرعة فائقة نحو الشمال في اتجاه بدر، وهناك تلقوا رسالة جديدة من أبي سفيان‬
‫يقول فيها: إنكم إنما خرجتم لتحرزوا عيركم ورجالكم وأموالكم، وقد نجاها ا فارجعوا.‬
‫العير نفلت:‬
‫وكان من قصة أبي سفيان أنه كان يسير على الطريق الرئيسي، ولكنه لم يزل حذرا متيقظا،‬
‫وضاعف حركاته الستكشافية، وغير وجهته إلى الساحل غربا تاركا الطريق الرئيسي الذي يمر ببدر‬
‫على اليسار، وبهذا نجا بالقافلة.‬
‫هم الجيش المكي بالرجوع، ووقوع النشقاق فيه:‬
‫ولما تلقى جيش مكة رسالة أبي سفيان هم بالرجوع، ولكن قام طاغية قريش أبو جهل في‬
‫كبرياء وغطرسة قائ ل ً: وا ل نرجع حتى نرد بدرا فنقيم بها ثلثا، فننحر الجزور، ونطعم الطعام،‬
‫ونسقي الخمر، وتعزف لنا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فل يزالون يهابوننا أبدا.‬
‫وعاد الخنس بن شريق هو وبنو زهرة، وكان رئيسا عليهم فم يشهد بدرا زهري واحد، وكانوا‬
‫حوالي ثلثمائة رجل.‬
‫المجلس الستشاري:‬
‫عقد رسول ا مجلسا عسكريا استشاريا، وتبادل فيه الرأي مع عامة جيشه وقادته، وحينئذ‬
‫تزعزع قلوب فريق من الناس، وخافوا اللقاء الدامي، وهم الذين قال ا فيهم: " كما أخرجك ربك‬
‫من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون، يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون‬
‫إلى الموت وهم ينظرون(.‬
‫أما قادة الجيش فقام أبو بكر وعمر وقال وأحسنا أما المقداد بن عمر فقال: يا رسول ا أمض‬
‫لما أراك ا، فنحن معك، وا ل نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى ) اذهب أنت وربك فقاتل‬
‫إنا هاهنا قاعدون( ولكن اذهب أنت وربك فقاتل إنا معكما مقاتلون.‬
‫أما مقاتلي النصار فقد قال قائدهم وحامل لوائهم سعد بن معاذ: قد آمنا بك، فصدقناك،‬
‫وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة،‬
‫فامض يا رسول ا لما أردت، فسر بنا على بركة ا.‬
‫الجيش السلمي يواصل سيره:‬
‫ثم ارتحل رسول ا من ذفران، فسلك على ثنايا الصافر ثم انحط منها إلى بلد الدبة، وترك‬
‫الحنان بيمين، ثم نزل قريبا من بدر.‬
‫الرسول يقوم بعملية الستكشاف:‬
‫قام الرسول بنفسه بعملية الستكشاف مع أبي بكر، وبينما هما يتجولن حول معسكر مكة إذا‬
‫هما بشيخ من العرب فسأله الرسول عن قريش وعن محمد وأصحابه، سأل عن الجيشين زيادة في‬
‫التكتم، ولكن الشيخ قال ل أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما؟ فقال رسول ا إذا أخبرتنا أخبرناك،‬
‫قال أو ذاك بذاك، قال نعم.‬
‫قال الشيخ: فإنه بلغني أن محمدا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذي أخبرني‬
‫فهم اليوم بمكان كذا وكذا، للمكان الذي به جيش المدينة، وبلغني أن قريشا خرجوا يوم كذا وكذا،‬
‫فإن كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا، للمكان الذي به جيش مكة.‬
‫51‬
‫ولما فرغ من خبره قال: مما أنتما؟ فقال له رسول ا نحن من ماء، ثم انصرف عنه وبقي‬
‫الشيخ يتفوه: ما من ماء؟ أمن ماء العراق؟‬
‫الحصول على أهم المعلومات عن الجيش المكي:‬
‫قام لهذه العملية ثلثة من قادة المهاجرين، علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وسعد بن‬
‫أبي وقاص، ذهبوا إلى ماء بدر فوجدوا غلمين يستقيان لجيش مكة، فألقوا عليهما القبض، وجاءوا‬
‫بهم إلى الرسول، فخاطبهما قائ ل ً: أخبراني عن قريش، فأبلغاه عنها.‬
‫نزول المطر:‬
‫أنزل ا المطر، فكان واب ل ً شديدا على المشركين منهم من التقدم، وكان على المسلمين ط ل ً‬
‫طهرهم به ووطأ به الرض، وصلب به الرمل وثبت القدام، ومهد به المنزل، وربط به على قلوبهم.‬
‫الجيش السلمي يسبق إلى أهم المراكز العسكرية:‬
‫تحرك الرسول بالجيش ليسبق المشركين إلى ماء بدر، ونهض الرسول بالجيش حتى أتى أقرب‬
‫ماء من العدو، ) وكان هذا الرأي للحباب بن منذر( فنزل عليه شطر الليل ثم صنعوا الحياض وغوروا‬
‫ما عداها من القلب.‬
‫مقر القيادة:‬
‫وبعد أن تم نزول المسلمين على الماء اقترح سعد بن معاذ على رسول ا أن يبني المسلمون‬
‫مقرا لقيادته، استعدادا للطوارئ، وتقديرا للهزيمة قبل النصر، فبنى المسلمون عريشا على تل‬
‫مرتفع يقع في الشمال الشرقي لميدان القتال، ويشرف على ساحة المعركة.‬
‫تعبئة الجيش وقضاء الليل:‬
‫ثم عبأ رسول ا جيشه، ومشى في موضع المعركة، ثم بات رسول ا يصلي إلى جذع شجرة‬
‫هنالك، وبات المسلمون ليلهم هادئ النفوس ) إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من‬
‫السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به القدام(.‬
‫كانت هذه الليلة ليلة الجمعة، السابعة عشرة من رمضان في السنة الثانية من الهجرة وكان‬
‫خروجه صلى ا عليه وسلم في 8 أو 21 من نفس الشهر.‬
‫الجيش المكي في عرصة القتال، ووقوع النشقاق فيه:‬
‫قامت معارضة ضد أبي جهل، تدعو إلى العودة بالجيش إلى مكة دونما قتال، يتزعمها عتبة ابن‬
‫ربيعة وحكيم ابن حزام، وتعجل أبو جهل، مخافة أن تقوى هذه المعارضة، فبعث إلى عامر بن‬
‫الحضرمي، أخي عمرو بن الحضرمي، المقتول في سرية عبدا بن جحش، فقال: هذا حليفك ) أي‬
‫عتبة( يريد أن يرجع بالناس، وقد رأيت ثأرك بعينيك، فقم فانشد عهدك، ومقتل أخيك، فقام عامر‬
‫وصرخ واعمراه واعمراه فحمي القوم، واستوثقوا على ما عليه من الشر، وافسد على الناس الرأي‬
‫الذي دعاهم إليه عتبة.‬
‫الجيشان يتراآن:‬
‫لما طلع المشركون وتراءى الجمعان، وعدل رسول ا صفوف المسلمين وأصدر أوامره إلى‬
‫جيشه بأل يبدءوا القتال حتى يتلقوا منه الوامر الخيرة.‬
‫ساعة الصفر وأول وقود المعركة:‬
‫61‬
‫أول وقود المعركة السود بن عبد السد المخزومي، خرج قائ ل ً: أعاهد ا لشربن من حوضهم‬
‫أو لهدمنه أو لموتن دونه، فقتله حمزة بن عبدالمطلب.‬
‫المبارزة:‬
‫خرج ثلثة من خيرة فرسان قريش وكانوا من عائلة واحدة، وهم عتبة وأخوه شيبة ابنا ربيعة،‬
‫والوليد بن عتبة، وخرج لمبارزتهم عبيدة بن الحارث و حمزة بن عبدالمطلب و علي بن أبي طالب،‬
‫فبارز عبيدة، عتبة بن ربيعة، وبارز حمزة شيبة، وبارز علي الوليد.‬
‫الهجوم العام:‬
‫وكانت نهاية هذه المبارزة بداية سيئة للمشركين، إذ فقدوا ثلثة من خيرة فرسانهم وقادتهم‬
‫دفعة واحدة.‬
‫الرسول يناشد ربه:‬
‫وكان يقول: اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك( وقال ) اللهم إن تهلك‬
‫هذه العصابة اليوم ل تعبد، اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبدا(.‬
‫نزول الملئكة:‬
‫وأغفى رسول ا إغفاءة واحدة ثم رفع رأسه فقال: أبشر يا أبا بكر، هذا جبريل على ثناياه‬
‫النقع( أي الغبار.‬
‫الهجوم المضاد:‬
‫وحينئذ أصدر إلى جيشه أوامره الخيرة بالهجمة المضادة فقال: ) شدوا( ، وحرضهم على القتال،‬
‫قائ ل ً: " والذي نفس محمد بيده، ل يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا مقب ل ً غير مدبر، إل أدخله‬
‫ا الجنة" ، وقال: " قوموا إلى جنة عرضها السموات والرض" ، وحينئذ قال عمير بن الحمام: بخ بخ،‬
‫فقال له الرسول ما يحملك على قول ذلك، قال ل وا إل رجاء أن أكون من أهلها، قال رسول ا:‬
‫:‬
‫أنت من أهلها، فأخرج تمرات من جعبته فجعل يأكل منهن ثم قال: لئن حييت حتى آكل تمراتي هذه‬
‫إنها لحياة طويلة، فرمى التمر ثم قاتلهم حتى قتل.‬
‫وحين أصدر رسول ا المر بالهجوم المضاد كانت حدة هجمات العدو قد ذهبت وفتر حماسه،‬
‫فكان لهذه الخطة الحكيمة أثر كبير في تعزيز موقف المسلمين.‬
‫إبليس ينسحب من ميدان القتال:‬
‫ولما رأى إبليس ) وقد جاء بصورة سراقة بن مالك( ما يفعله الملئكة بالمشركين فر وكان‬
‫يقول ) إني أرى ما ل ترون إني أخاف ا وا شديد العقاب( ، حتى ألقى نفسه في البحر.‬
‫الهزيمة الساحقة:‬
‫وبدأت أمارات الفشل والضطراب في صفوف المشركين، وجعلت تتهدم أمام حملت المسلمين‬
‫العنيفة واقتربت المعركة من نهايتها، وأخذت جموع المشركين في الفرار والنسحاب.‬
‫صمود أبي جهل:‬
‫ولما رأى أبو جهل أمارات الضطراب في صفوفه حاول أن يصمد في وجه هذا السيل، فجعل‬
‫يشجع جيشه.‬
‫71‬
‫مصرع أبي جهل:‬
‫قتله شابان هما معاذ بن عمرو بن الجموح ومعوذ ابن عفراء، ولما انتهت المعركة قال رسول‬
‫ا من ينظر ما صنع أبو جهل، فتفرق الناس في طلبه فوجده عبدا بن مسعود وبه آخر رمق فحز‬
‫) الذي ل إله إل هو؟( فرددها ثلثا، ثم قال : ) أكبر، الحمد‬
‫ا‬
‫رأسه وجاء به إلى رسول ا فقال ا‬
‫لله الذي صدق وعده ونصر عبده وهزم الحزاب وحدة، انطلق أرنيه، فانطلقنا فأريته إياه فقال‬
‫) هذا فرعون هذه المة(.‬
‫من روائع اليمان في هذه المعركة:‬
‫في هذه المعركة تجلت مناظر رائعة تبرز فيها قوة العقيدة وثبات المبدأ، ففي هذه المعركة‬
‫التقى الباء بالبناء، والخوة بالخوة، خالفت بينهما المبادئ ففصلت بينهما السيوف، والتقى‬
‫المقهور بقاهره فشفى منه غيظه.‬
‫1 – عن ابن عباس أن النبي قال " إني قد عرفت أن رجا ل ً من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا‬
‫كرها، ل حاجة لهم بقتالنا، فمن لقي أحدا من بين هاشم فل يقتله، ومن لقي أبا البختري بن هشام‬
‫فل يقتله، ومن لقي العباس بن عبدالمطلب فل يقتله، فإنه إنما أخرج مستكرها".‬
‫2 – كان النهي عن قتل أبي البختري، لنه كان أكف القوم عن رسول ا وهو بمكة وكان ل‬
‫يؤذيه، ول يبلغ عنه شيء يكرهه، وكان ممن قام في نقض صحيفة مقاطعة بني هاشم وبني‬
‫المطلب.‬
‫ولكنه قتل وقد قتله المجذر بن زياد البلوي لنه دافع عن زميله.‬
‫3 – كان عبدالرحمن بن عوف وأمية بن خلف صديقين في الجاهلية بمكة، قال عبدالرحمن بن‬
‫عوف: كاتبت أمية بن خلف كتابا بأن يحفظني في خاصتي ومالي بمكة وأحفظه في المدينة، فلما‬
‫كان يوم بدر خرجت إلى جبل لحرزه حين نام الناس، فأبصر بلل، فخرج حتى وقف على مجلس‬
‫النصار فقال: أمية بن خلف، ل نجوت إن نجا أمية، فخرج معه فريق من النصار في آثارنا، فلما‬
‫خشيت أن يلحقونا خلفت لهم ابنه لشغلهم، فقتلوه، ثم أبوا حتى يتبعونا، وكان رج ل ً ثقي ل، فلما‬
‫ً‬
‫أدركونا قلت له: أبرك، فبرك، فألقيت نفسي لمنعه فتخللوه بالسيوف من تحتي حتى قتلوه، وأصاب‬
‫أحدهم رجلي بسيفه.‬
‫4 – وقتل عمر بن الخطاب خاله العاص بن هشام بن المغيرة، ولم يلتفت إلى قرابته منه،‬
‫ولكن حين رجع إلى المدينة قال للعباس عم رسول ا، وهو في السر: يا عباس أسلم، فو ا أن‬
‫تسلم أحب إلى من أن يسلم الخطاب، وما ذاك إل لما رأيت رسول ا يعجبه إسلمك.‬
‫قتلى الفريقين:‬
‫انتهت المعركة بهزيمة ساحقة بالنسبة للمشركين، وبفتح مبين بالنسبة للمسلمين، وقد استشهد‬
‫من المسلمين في هذه المعركة أربعة عشر رج ل، ستة من المهاجرين وثمانية من النصار.‬
‫ً‬
‫أما المشركون فقد لحقتهم خسائر فادحة، قتل منهم سبعون، وأسر سبعون، وعامتهم القادة‬
‫والزعماء والصناديد.‬
‫ولما انقضت الحرب أقبل رسول ا حتى وقف على القتلى فقال: " بئس العشيرة كنتم لنبيكم،‬
‫كذبتموني وصدقني الناس، وخذلتموني ونصرني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس" ، ثم أمر بهم‬
‫فسحبوا إلى قليب من قلب بدر.‬
‫ُ‬
‫81‬
‫مكة تتلقى نبأ الهزيمة:‬
‫فر المشركون من ساحة بدر في صورة غير منظمة، تبعثروا في الوديان والشعاب، واتجهوا‬
‫صوب مكة مذعورين، ل يدرون كيف يدخلونها خج ل.‬
‫ً‬
‫المدينة تتلقى أنباء النصر:‬
‫ولما تم الفتح للمسلمين أرسل رسول ا بشيرين إلى أهل المدينة، ليعجل لهم البشرى، أرسل‬
‫عبدا بن رواحة بشيرا إلى أهل العالية، وأرسل زيد بن حارثة بشيرا إلى أهل السافلة.‬
‫وكان اليهود والمنافقون قد أرجفوا في المدينة بإشاعة الدعايات الكاذبة، حتى أنهم أشاعوا‬
‫خبر مقتل النبي، ولما رأى أحد المنافقين زيد بن حارثة راكبا ناقة رسول ا قال: قتل محمد، وهذه‬
‫ناقته نعرفها، وهذا زيد ل يدري ما يقول من الرعب وجاء منهزما.‬
‫فلما بلغ الرسولن أحاط بهما المسلمون، وأخذوا يسمعون منهما الخبر، حتى تأكد لديهم فتح‬
‫المسلمين فعمت البهجة والسرور واهتزت أرجاء المدينة تهلي ل ً وتكبيرا، وتقدم رؤوس المسلمين‬
‫إلى طريق بدر ليهنئوا رسول ا بهذا الفتح المبين.‬
‫الجيش النبوي يتحرك نحو المدينة:‬
‫أقام رسول ا ببدر بعد انتهاء المعركة ثلثة أيام، وقبل رحيله من كان المعرجة وقع خلف‬
‫بين الجيش حول الغنائم، وما اشتد هذا الخلف أمر رسول ا بأن يرد الجميع ما بأيديهم، ففعلوا،‬
‫ثم نزل الوحي بحل هذه المشكلة.‬
‫وبعد أن أقام رسول ا ببدر ثلثة أيام تحرك بجيشه نحو المدينة ومعه السارى من المشركين،‬
‫واحتمل معه النفل الذي أصيب من المشركين، وجعل عليه عبدا بن كعب، وتم تقسيم الغنائم بين‬
‫المسلمين بالتساوي بعد إخراج الخمس.‬
‫وعندما وصل إلى الصفراء أمر بقتل النضر بن الحارث وكان حامل لواء المشركين وقتله علي‬
‫بن أبي طالب.‬
‫ولما وصل إلى عرق الظبية أمر بقتل عقوبة بن أبي معيط.‬
‫وكان قتل هذين الطاغيتين واجبا نظرا إلى سوابقهما، فلم يكونا من السارى فحسب بل كانا‬
‫من مجرمي الحرب بالصطلح الحديث.‬
‫وفود التهنئة:‬
‫دخل رسول ا المدينة مظفرا منصورا قد خافه كل عدو له بالمدينة وحولها فأسلم بشر كثير‬
‫من أهل المدينة، وحينئذ دخل عبدا بن أبي وأصحابه في السلم ظاهرا.‬
‫قضية السارى:‬
‫استشار الرسول أصحابه في السارى، فقال أبو بكر: يا رسول ا أرى أن تأخذ منهم الفدية،‬
‫وعسى أن يهديهم ا، فيكونوا لنا عضدا.‬
‫وقال عمر بن الخطاب: أرى أن تمكنني من فلن - قريب لعمر- فأضرب عنقه، وتمكن عليا من‬
‫عقيل بن أبي طالب فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلن أخيه فيضرب عنقه، حتى يعلم ا أنه‬
‫ليست في قلوبنا هوادة للمشركين، وهؤلء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم.‬
‫91‬
‫فهوى الرسول رأي أبا بكر، وأخذ منهم الفداء، فنزلت الية " ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى‬
‫يثخن في الرض تريدون عرض الدنيا وا يريد الخرة وا عزيز حكيم، لول كتاب من ا سبق‬
‫لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم".‬
‫والكتاب الذي سبق من ا قيل: هو قوله تعالى " فإما منا بعد وإما فداء(.‬
‫القرآن يتحدث حول موضوع المعركة:‬
‫حول هذه المعركة نزلت سورة النفال، وفي السنة الثانية من الهجرة فرض صيام رمضان،‬
‫وفرضت زكاة الفطر، ومن أحسن المواقع وأروع الصدقات أن أول عيد تعيد به المسلمون في‬
‫حياتهم هو العيد الذي وقع في شوال سنة 2 هـ.‬
‫غزوة بني قينقاع:‬
‫كان الرسول صلى ا عليه وسلم حريصا على تنفيذ ما جاء في المعاهدة التي عقدها مع‬
‫اليهود، ولم يخالف المسلمون هذه المعاهدة، ولكن اليهود أخذوا في طريق الدس والمؤامرة‬
‫والتحريش وإثارة القلق والضطراب في صفوف المسلمين.‬
‫نموذج من مكيدة اليهود:‬
‫مر شاس بن قيس ) وهو شديد الحقد على المسلمين( على نفر من أصحاب الرسول من الوس‬
‫والخزرج في مجلس، يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من ألفتهم، بعد ما كان بينهم من العداوة في‬
‫الجاهلية، فغاضه اجتماعهم، فأمر شابا ممن كان معه بأن يجلس معهم ثم أذكر يوم بعاث وما كان‬
‫قبله، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الشعار، ففعل، فتكلم القوم عند ذلك، وتنازعوا‬
‫وتفاخروا حتى تواثب رجلن، فقال أحدهما للخر: إن شئتم أن نستعد لحياء الحرب الهلية التي‬
‫كانت بيننا، وغضب الفريقان، وكادت تنشب الحرب !‬
‫فبلغ ذلك رسول ا فخرج إليهم وقال :" يا معشر المسلمين، ا ا، أبدعوى الجاهلية وأنا بين‬
‫أظهركم بعد أن هداكم ا للسلم، وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من‬
‫الكفر وألف بين قلوبكم؟".‬
‫فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان، وكيد من عدوهم، فبكوا، وعانق الرجال الوس والخزرج‬
‫بعضهم.‬
‫بنو قينقاع ينقضون العهد:‬
‫لما رأوا أن ا قد نصر المؤمنين نصرا مؤزرا في ميدان بدر، وأنهم قد صارت لهم عزة وشوكة‬
‫وهيبة في قلوب القاصي والداني، كاشفوا بالشر والعداوة، وكان أعظمهم حقدا وشرا كعب بن‬
‫الشرف، كما أن شر طائفة من طوائفهم الثلث هم يهود بني قينقاع، كانوا يسكنون داخل المدينة،‬
‫وكانوا صاغة وحدادين وصناع الظروف والواني، ولجل هذه الحرف كانت قد توفرت لكل رجل‬
‫منهم آلت الحرب، وكان عدد المقاتلين فيهم سبعمائة، وكانوا أشجع يهود المدينة، وكانوا أول من‬
‫نكث العهد والميثاق من اليهود.‬
‫وعندما تفاقم أمرهم واشتد بغيهم، جمعهم رسول ا فوعظهم ودعاهم إلى الرشد والهدى،‬
‫وحذرهم من البغي والعدوان، ولكنهم ازدادوا في شرهم وغطرستهم.‬
‫روى ابن هشام عن أبي عون: أن امرأة من العرب قدمت بجلب لها، فباعته في سوق بني‬
‫قينقاع، وجلست إلى صائغ، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها، فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها‬
‫02‬
‫فعقده إلى ظهرها – وهي غافلة – فلما قامت انكشفت سوأتها فضحكوا بها فصاحت، فوثب رجل‬
‫من المسلمين على الصائغ فقتله – وكان يهوديا – فشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ‬
‫أهل المسلم المسلمين على اليهود فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع.‬
‫الحصار ثم التسليم ثم الجلء:‬
‫وحينئذ عيل صبر رسول ا، فاستخلف على المدينة أبا لبابة بن عبدالمنذر، وأعطى لواء‬
‫المسلمين حمزة بن عبدالمطلب، وسار بجنود ا إلى بني قينقاع، ولما رأوه تحصنوا في حصونهم،‬
‫فحاصرهم أشد الحصار، وكان ذلك يوم السبت للنصف من شوال سنة 2 هـ، ودام الحصار خمسة‬
‫عشر ليلة إلى هلل ذي القعدة، وقذف ا في قلوبهم الرعب فنزلوا على حكم رسول ا في‬
‫رقابهم وأموالهم ونسائهم وذريتهم، فأمر بهم فكتفوا.‬
‫وحينئذ قام عبدا بن أبي بن سلول بدور نفاقه، فألح على رسول ا أن يصدر عنهم العفو،‬
‫فقال: يا محمد، أحسن في موالي – وكان بنو قينقاع حلفاء الخزرج – فأبطأ عليه رسول ا فكرر‬
‫ابن أبي مقالته فأعرض عنه، فأدخل يده في جيب درعه فقال له رسول ا " أرسلني" وغضب حتى‬
‫رأوا لوجهه ظل ل، ثم قال: " ويحك أرسلني" ، ولكن المنافق مضى على إصراره وقال :ل وا ل‬
‫ً‬
‫أرسلك حتى تحسن في موالي أربعمائة حاسر وثلثمائة دارع قد منعوني من الحمر والسود،‬
‫تحصدهم في غداة واحدة؟ إني وا أمرؤ أخشى الدوائر.‬
‫وعامل رسول ا هذا المنافق بالحسنى فوهبهم له وأمرهم أن يخرجوا من المدينة ول‬
‫يجاوروه بها فخرجوا إلى أذرعات الشام، فقل أن لبثوا فيها حتى هلك أكثرهم.‬
‫وقبض رسول ا منهم أموالهم فأخذ منها ثلث قسى ودرعين وثلثة أسياف وثلثة رماح،‬
‫وخمس غنائمهم وكان الذي تولى جمع الغنائم محمد بن مسلمة.‬
‫غزوة أحد:‬
‫استعداد قريش لمعركة ناقمة:‬
‫كانت مكة تحترق غيظا على المسلمين مما أصابها في معركة بدر من مأساة الهزيمة وقتل‬
‫الصناديد والشراف، وكانت تجيش فيها نزعات النتقام، حتى أنهم كانوا قد منعوا البكاء على‬
‫قتلهم في بدر، ومنعوا في الستعجال في فداء السارى حتى ل يتفطن المسلمون مدى مأساتهم‬
‫وحزنهم.‬
‫وعلى إثر غزوة بدر اتفقت قريش على أن تقوم بحرب شاملة ضد المسلمين، وأخذت في‬
‫الستعداد للخوض في مثل هذه المعركة.‬
‫وكان عكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، وأبو سفيان بن حرب، وعبدا بن أبي ربيعة أكثر‬
‫زعماء قريش نشاطا وتحمسا لخوض المعركة.‬
‫وأول ما فعلوه احتجزوا العير التي كان قد نجا بها أبو سفيان، والتي كانت سببا لمعركة بدر،‬
‫وقد استخدموا هذه الموال في هذه الحرب.‬
‫ثم فتحوا باب التطوع لكل من أحب المساهمة في غزو المسلمين من الحابيش وكنانة وأهل‬
‫تهامة، ومن طرق التحريض إغراء الشعراء ومنهم أبا عزة و مسافع بن عبد مناف الجمحي‬
‫لتحريض القبائل ضد المسلمين.‬
‫قوام جيش قريش وقيادته:‬
‫12‬
‫اجتمع من المشركين ثلثة آلف مقاتل من قريش والحفاء والحابيش، وعدد النسوة خمسة‬
‫عشر امرأة.‬
‫وكان سلح النقليات ثلثة آلف بعير، ومن سلح الفرسان مائتا فرس، وكان من سلح الوقاية‬
‫سبعمائة درع، والقيادة العامة لبي سفيان بن حرب، وقيادة الفرسان لخالد بن الوليد يعاونه‬
‫عكرمة بن أبي جهل، أما اللواء فكان إلى بني عبدالدار.‬
‫الستخبارات النبوية تكشف حركة العدو:‬
‫كان العباس بن عبدالمطلب يرقب حركات قريش، ولما تحرك الجيش بعث برسالة إلى النبي،‬
‫وأسرع رسول العباس لبلغ الرسالة حيث قطع مسافة 005 كيلومتر في ثلثة أيام وهي الطريق‬
‫من مكة إلى المدينة، وسلم الرسالة إلى النبي وهو بمسجد قباء، قرأ الرسالة أبي بن كعب وأمره‬
‫الرسول بالكتمان.‬
‫استعداد المسلمين للطوارئ:‬
‫ظلت المدينة في حالة استنفار عام ل يفارق رجالها السلح حتى وهم في الصلة.‬
‫الجيش المكي إلى أسوار المدينة:‬
‫تابع جيش مكة سيره حتى نزل قريبا بجبل أحد، في مكان يقال له: عينين، الذي يقع شمالي‬
‫المدينة بجانب أحد، فعسكر هناك يوم الجمعة السادس من شوال سنة ثلث من الهجرة.‬
‫المجلس الستشاري لخذ خطة الدفاع:‬
‫عقد الرسول مجلسا استشاريا تبادل فيه الرأي، وأخبرهم عن رؤيا رآها، قال: " إني قد رأيت‬
‫وا خيرا، رأيت بقرا يذبح، ورأيت في ذباب سيفي ثلما، ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة" ،‬
‫وتأول البقر بنفر من الصحابة يقتلون، وتأول الثلمة في سيفه برجل يصاب من أهل بيته، وتأول‬
‫الدرع بالمدينة.‬
‫ثم قدم رأيه إلى صحابته أل يخرجوا من المدينة وأن يتحصنوا بها ووافقه على هذا الرأي‬
‫عبدا بن أبي ابن سلول ) رأس المنافقين( وذلك ليتمكن من التباعد عن القتال دون أن يعلم بذلك‬
‫أحد ! ، وكان حمزة بن عبدالمطلب ) عم الرسول( يرى مبارزتهم خارج المدينة.‬
‫وتنازل الرسول عن رأيه واستقر على الخروج من المدينة، واللقاء في الميدان السافر.‬
‫تكتيب الجيش السلمي وخروجه إلى ساحة القتال:‬
‫ثم صلى النبي بالناس يوم الجمعة، فوعظهم وأمرهم بالجد والجتهاد، وأخبر أن لهم النصر بما‬
‫صبروا، والتهيؤ للعدو، ثم صلى العصر، ثم دخل بيته ومعه أبا بكر وعمر، فعمماه وألبساه، فتدجج‬
‫بسلحه ولبس درعين وتقلد السيف، ثم خرج على الناس.‬
‫وقسم النبي جيشه إلى ثلث كتائب:‬
‫1 – كتيبة المهاجرين، وأعطى لواءها مصعب بن عمير، 2 – كتيبة الوس من النصار، وأعطى‬
‫لواءها أسيد بن حضير، 3 – كتيبة الخزرج من النصار، وأعطى لواءها الحباب بن المنذر.‬
‫وكان الجيش مؤلفا من ألف مقاتل فيهم مائة دارع، ولم يكن فيهم من الفرسان أحد، واستعمل‬
‫على المدينة أبن أم مكتوم على الصلة.‬
‫22‬
‫المبيت بين أحد والمدينة:‬
‫وفي هذا المكان أدركهم المساء، فصلى المغرب، ثم صلى العشاء وبات هنالك، واختار‬
‫خمسين رج ل ً لحراسة المعسكر.‬
‫تمرد عبدا بن أبي وأصحابه:‬
‫وعند اقترابه من العدو، تمرد عبدا بن أبي المنافق، فانسحب بنحو ثلث العسكر ) ثلثمائة‬
‫مقاتل( قائ ل ً: ما ندري علم نقتل أنفسنا؟ ومتظاهرا بالحتجاج بأن الرسول ترك رأيه وأطاع غيره.‬
‫وكاد المنافق ينجح في تمرده، فقد همت طائفتان بنو حارثة من الوس، وبنو سلمة من‬
‫الخزرج، أن تفشل، ولكن ا تولهما، فثبتتا بعدما سرى فيهما الضطراب، قال تعالى: " إذ همت‬
‫طائفتان منكم أن تفشل وا وليهما وعلى ا فليتوكل المؤمنون".‬
‫وحاول عبدا بن حرام، تذكير المنافقين بواجبهم، فتبعهم وهو يوبخهم ويحضهم على الرجوع،‬
‫وفي هؤلء المنافقين يقول ا تعالى: " وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل ا‬
‫أو ادفعوا، قالوا لو نعلم قتا ل ً لتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم لليمان يقولون بأفواههم ما‬
‫ليس في قلوبهم وا أعلم بما يكتمون".‬
‫بقية الجيش السلمي إلى أحد:‬
‫ونفذ رسول ا حتى نزل الشعب من جبل أحد في عدوة الوادي، فعسكر بجيشه مستقب ل ً‬
‫المدينة، وجاع ل ً ظهره إلى هضاب جبل أحد، وعلى هذا صار جيش العدو فاص ل ً بين المسلمين وبين‬
‫المدينة.‬
‫خطة الدفاع:‬
‫اختار فصيلة من الرماة الماهرين قوامها خمسون مقات ل، وأعطى قيادتها لعبدا بن جبير،‬
‫ً‬
‫وأمرهم بالتمركز على جبل يقع على الضفة الشمالية من وادي قناة ) جبل الرماة( جنوب شرق‬
‫معسكر المسلمين على بعد حوالي مائة وخمسين مترا من مقر الجيش.‬
‫والهدف من ذلك هو ما أبداه الرسول في كلماته التي ألقاها للرماة فقد قال لقائدهم: " انضح‬
‫الخيل عنا بالنبل، ل يأتونا من خلفنا إن كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك، ل نؤتين من قبلك" ، وقال‬
‫للرماة :" احموا ظهورنا، فإن رأيتمونا نقتل فل تنصرونا، وإن رأيتمونا قد غنمنا فل تشركونا".‬
‫أما بقية الجيش فجعل على الميمنة المنذر بن عمرو، وجعل على الميسرة الزبير بن العوام،‬
‫يسانده المقداد بن السود.‬
‫وهكذا تمت تعبئة الجيش النبوي صباح يوم السبت السابع من شوال سنة 3 هـ.‬
‫الرسول ينفث روح البسالة في الجيش:‬
‫نهى الرسول الناس عن الخذ في القتال حتى يأمرهم، ولبس درعين وحرض أصحابه على‬
‫القتال، وحضهم على المصابرة والجلد عند اللقاء، وأخذ ينفث روح الحماسة والبسالة في أصحابه.‬
‫تعبئة الجيش المكي:‬
‫عبأ المشركون جيشهم حسب نظام الصفوف، فكانت القيادة العامة لبي سفيان صخر بن حرب،‬
‫الذي تمركز في قلب الجيش، وجعلوا على الميمنة خالد بن الوليد، وعلى الميسرة عكرمة بن أبي‬
‫جهل، وعلى المشاة صفوان بن أمية، وعلى الرماة عبدا بن أبي ربيعة.‬
‫32‬
‫أما اللواء فكان إلى مفرزة من بني عبد الدار، وقد أبيدوا عن بكرة أبيهم عند احتدام المعركة.‬
‫مناورات سياسية من قبل قريش:‬
‫قبيل نشوب المعركة حاولت قريش إيقاع الفرقة والنزاع داخل صفوف المسلمين، فقد أرسل‬
‫أبو سفيان إلى النصار يقول لهم: خلوا بيننا وبين ابن عمنا فننصرف عنكم، فل حاجة لنا إلى‬
‫قتالكم، ورد عليه النصار ردا عنيفا وأسمعوه ما يكره.‬
‫وقامت قريش بمحاولة أخرى فقد خرج إلى النصار عميل خائن يسمى أبا عامر الفاسق واسمه‬
‫عبد عمرو بن صيفي، وكان يسمى الراهب فسماه الرسول الفاسق، وكان رأس الوس في‬
‫الجاهلية، فنادى قومه وتعرف عليهم، وقال: يا معشر الوس، أنا أبو عامر فقالوا :ل أنعم ا بك‬
‫عينا يا فاسق !‬
‫وهكذا فشلت قريش في محاولتها الثانية للتفريق بين صفوف أهل اليمان.‬
‫جهود نسوة قريش في التحميس:‬
‫وتقودهن هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان.‬
‫أول وقود المعركة:‬
‫كان حامل لواء المشركين طلحة بن أبي طلحة العبدري، وكان من أشجع فرسان قريش، وقد‬
‫قتله الزبير بن العوام.‬
‫ثقل المعركة حول اللواء وإبادة حملته:‬
‫وكان ثقل المعركة يدور حول لواء المشركين، فقد تعاقب بنو عبدالدار لحمل اللواء بعد قتل‬
‫قائدهم طلحة بن أبي طلحة، وكانوا عشرة من بني عبد الدار أبيدوا عن آخرهم ولم يبق منهم أحد‬
‫يحمل اللواء، وحمل اللواء غلم لهم حبشي اسمه صؤاب وقاتل حتى قتل وسقط اللواء على الرض‬
‫ولم يبق أحد يحمله.‬
‫مصرع أسد ا حمزة بن عبدالمطلب:‬
‫قتله وحشي بن حرب، قال: هززت حربتي، ودفعتها إليه، فوقعت في أحشائه حتى خرجت من‬
‫بين رجليه.‬
‫السيطرة على الموقف:‬
‫وبرغم هذه الخسارة الفادحة التي لحقت المسلمين بقتل حمزة بن عبدالمطلب، ظل‬
‫المسلمون مسيطرين على الموقف كله، فقد قاتل الصحابة الكبار قتا ل ً فل عزائم المشركين، وفت‬
‫في أعضادهم.‬
‫من أحضان المرأة إلى مقارعة السيوف والدرقة:‬
‫وكان من البطال المغامرين يومئذ حنظلة الغسيل وهو حنظلة بن أبي عامر، كان حديث عهد‬
‫بالعرس، فلما سمع هواتف الحرب وهو على امرأته انخلع من أحضانها وقام إلى الجهاد، واستشهد.‬
‫نصيب فصيلة الرماة في المعركة:‬

‫42‬
‫وكان لها اليد البيضاء في إدارة دفة القتال لصالح الجيش السلمي، فقد هجم فرسان مكة‬
‫بقيادة خالد بن الوليد يسانده أبو عامر الفاسق، ثلث مرات وباءت هجماتهم بالفشل.‬
‫الهزيمة تنزل بالمشركين:‬
‫ظل الجيش السلمي الصغير مسيطرا على الموقف كله حتى خارت عزام أبطال المشركين،‬
‫وأخذت صفوفهم تتبدد، كأن ثلثة آلف مشرك يواجهون ثلثين ألف مسلم ل بضع مئات قلئل، وظهر‬
‫المسلمون في أعلى صور الشجاعة واليقين.‬
‫غلطة الرماة الفظيعة:‬
‫وبينما كان الجيش ا لسلمي الصغير يسجل مرة أخرى نصرا ساحقا على أهل مكة لم يكن أقل‬
‫ٍ‬
‫روعة من النصر الذي اكتسبه يوم بدر، وقعت من أغلبية فصيلة الرماة غلطة فظيعة قلبت الوضع‬
‫تماما، وأدت إلى إلحاق الخسائر الفادحة بالمسلمين، وكادت تكون سببا في مقتل النبي، وقد تركت‬
‫أسوأ أثر على سمعتهم، وعلى الهيبة التي كانوا يتمتعون بها بعد بدر.‬
‫وقد ذهب أغلب الرماة لجلب الغنائم، ولم يبق منهم إل عشرة رجال أو أقل يقودهم عبدا بن‬
‫جبير فقد ذكرهم أوامر الرسول بالبقاء حتى يؤذن لهم أو يبادوا لكنهم لم يسمعوا كلمه.‬
‫خالد بن الوليد يقوم بخطة تطويق الجيش السلمي:‬
‫انتهز هذه الفرصة الذهبية، فكر بسرعة خاطفة إلى جبل الرماة ليدور من خلفه إلى مؤخرة‬
‫الجيش السلمي، فم يلبث أن أباد عبدا بن جبير وأصحابه إل البعض الذين لحقوا بالمسلمين، ثم‬
‫انقض على المسلمين من خلفهم، وصاح فرسانه صيحة عرف بها المشركون المنهزمون بالتطور‬
‫الجديد فانقلبوا على المسلمين، وأسرعت امرأة منهم وهي عمرة بن علقمة الحارثية، فرفعت لواء‬
‫المشركين فالتف حوله المشركون ولثوا به، واجتمعوا على المسلمين، وثبتوا للقتال، وأحيط‬
‫المسلمون من المام والخلف ووقعوا بين شقى الرحى.‬
‫موقف الرسول الباسل إزاء عمل التطويق:‬
‫كان الرسول مع تسعة نفر من الصحابة، في مؤخرة المسلمين وكان يرقب مجالدة المسلمين‬
‫ومطاردتهم المشركين، إذ بوغت بفرسان خالد مباغتة كاملة، وقد تجلت عبقريته وشجاعته‬
‫المنقطعة النظير، فقد رفع صوته ينادي أصحابه: " إلي عباد ا" ، وهو يعرف أن المشركين سوف‬
‫يسمعون صوته قبل أن يسمعه المسلمون، ولكنه ناداهم ودعاهم مخاطرا بنفسه في هذا الظرف‬
‫الدقيق.‬
‫تبدد المسلمين في الموقف:‬
‫أما المسلمون فلما وقعوا في التطويق طار صواب طائفة منهم، فلم تكن تهمها إل أنفسها، فقد‬
‫أخذت طريق الفرار، وتركت ساحة القتال، وفر من هذه الطائفة بعضهم إلى المدينة حتى دخلها،‬
‫وانطلق بعضهم إلى ما فوق الجبل، ورجعت طائفة أخرى فاختلطت بالمشركين، والتبس العسكران‬
‫فلم يتميزا، فوقع القتل في المسلمين بعضهم من بعض.‬
‫وكانت هناك طائفة ثالثة لم يكن يهمهم إل رسول ا فقد كرت هذه الطائفة إلى رسول ا‬
‫وعمل التطويق في بدايته، وفي مقدمة هؤلء أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي‬
‫طالب، وغيره م كانوا في مقدمة المقاتلين.‬
‫احتدام القتال حول رسول ا:‬
‫52‬
‫لم يكن مع الرسول إل تسعة نفر ، فلما نادى المسلمين " هلموا إلي، أنا رسول ا" سمع صوته‬
‫المشركون وعرفوه، فكروا إليه وهاجموه، فجرى بين المشركين وبين هؤلء النفر التسعة من‬
‫الصحابة عراك عنيف ظهرت فيه نوادر الحب والتفاني والبسالة والبطولة، وقتل هؤلء النفر إل‬
‫اثنين.‬
‫أحرج ساعة في حياة الرسول:‬
‫لم يبق مع النبي غير طلحة بين عبيد ا وسعد بن أبي وقاص، وكانت أحرج ساعة للنبي وفرصة‬
‫ذهبية للمشركين، ولم يتوان المشركون في انتهاز تلك الفرصة، فركزوا حملتهم على النبي، وطمعوا‬
‫في القضاء عليه، رماه عتبة ابن أبي وقاص بالحجارة فوقع لشقه، وأصيبت رباعيته اليمنى‬
‫السفلى، وكلمت شفته السفلى، وتقدم إليه عبدا بن شهاب الزهري فشجه في جبهته، وجاء فارس‬
‫عنيد هو عبدا بن قمئة، فضرب على عاتقه بالسيف ضربة عنيفة شكا لجلها أكثر من شهر إل أنه‬
‫لم يتمكن من هتك الدرعين، ثم ضرب على وجنته ضربة أخرى عنيفة كالولى حتى دخلت حلقتان‬
‫من حلق المغفر في وجنته.‬
‫وفي ذلك الظرف الدقيق والساعة الحرجة أنزل ا نصره بالغيب، ففي الصحيحين عن سعد،‬
‫قال: رأيت رسول ا يوم أحد ومعه رجلن يقاتلن عنه، عليهما ثياب بيض كأشد القتال، ما رأيتهما‬
‫قبل ول بعد وفي رواية: يعني جبريل وميكائيل.‬
‫بداية تجمع الصحابة حول الرسول:‬
‫وقعت هذه كلها بسرعة هائلة، وإل فالمصطفون الخيار من صحابته الذين كانوا في مقدمة‬
‫صفوف المسلمين عند القتال لم يكادوا يرون تغير الموقف أو يسمعوا صوته حتى أسرعوا إليه لئل‬
‫يصل إليه شيء يكرهونه، إل أنهم وصلوا وقد لقي رسول ا ما لقي من الجراحات، وستة من‬
‫النصار قد قتلوا والسابع قد أثبتته الجراحات، وسعد وطلحة يكافحان أشد الكفاح، فلما وصلوا‬
‫أقاموا حوله سياجا من أجسادهم وسلحهم وبالغوا في وقايته من ضربات العدو، ورد هجماته،‬
‫وكان أول من رجع إليه هو أبو بكر الصديق.‬
‫تضاعف ضغط المشركين:‬
‫كما كان عدد المشركين يتضاعف كل آن، وبالطبع فقد اشتدت حملتهم وزاد ضغطهم على‬
‫المسلمين، حتى سقط رسول ا في حفرة من الحفر التي كان أبو عامر الفاسق يكيد بها،‬
‫فجحشت ركبته، وأخذه علي بيده، واحتضنه طلحة بن عبيد ا حتى استوى قائما.‬
‫البطولت النادرة:‬
‫قام المسلمون ببطولت نادرة وتضحيات رائعة، كان أبو طلحة يسور نفسه بين يدي رسول ا‬
‫ويرفع صدره ليقيه سهام العدو، وقام أبو دجانة أمام رسول ا فترس عليه بظهره، والنبل يقع‬
‫عليه وهو ل يتحرك.‬
‫أصيبت عين قتادة بن النعمان ووقعت على وجنته، فردها رسول ا بيده، فكانت أحسن عينيه،‬
‫وقاتل عبدالرحمن بن عوف حتى أصيب فوه، وجرح عشرين جراحة أو أكثر، أصابه بعضها في رجله‬
‫فعرج.‬
‫وامتص مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري الدم من وجنته صلى ا عليه وسلم حتى أنقاه،‬
‫فقال: " مجه" فقال: وا ل أمجه، ثم أدبر يقاتل، فقال النبي: " من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل‬
‫الجنة فلينظر إلى هذا" ، فقتل شهيدا.‬
‫62‬
‫وقاتلت أم عمارة حتى أصابها اثنا عشر جرحا، وقاتل مصعب بن عمير وكان حام ل ً للواء‬
‫فضربوا يده اليمنى فحمله اللواء باليسرى حتى قطعت يده اليسرى ثم برك عليه بصدره وعنقه حتى‬
‫قتله ابن قمئة، ضنا منه أنه النبي فصاح إن محم د قد قتل.‬
‫ً‬
‫إشاعة مقتل النبي وأثره على المعركة:‬
‫لم يمض على هذا الصياح دقائق، حتى شاع خبر مقتل النبي في المشركين والمسلمين، وهذا‬
‫هو الظرف الدقيق الذي خارت فيه عزائم كثير من الصحابة المطوقين، الذين لم يكونوا مع‬
‫الرسول، إل أن هذه الصيحة خففت بعض التخفيف من مضاعفة هجمات المشركين، لظنهم أنهم‬
‫نجحوا في غاية مرامهم.‬
‫الرسول يواصل المعركة وينقذ الموقف:‬
‫ولما قتل مصعب أعطى رسول ا اللواء علي بن أبي طالب، فقاتل قتا ل ً شديدا، وقامت بقية‬
‫الصحابة الموجودين هناك ببطولتهم النادرة، يقاتلون ويدافعون.‬
‫وحينئذ استطاع رسول ا أن يشق الطريق إلى جيشه المطوق، فأقبل إليهم فعرفه كعب بن‬
‫مالك، فنادى بأعلى صوته يا معشر المسلمين أبشروا حتى تجمع حوله ثلثين رج ل ً من الصحابة.‬
‫وبعد هذا التجمع أخذ رسول ا في النسحاب المنظم إلى شعب الجبل، وهو يشق الطريق‬
‫بين المشركين المهاجمين، واشتد المشركون في هجومهم لعرقلة النسحاب إل أنهم فشلوا أمام‬
‫بسالة ليوث ا لسلم.‬
‫ٍ‬
‫وأثناء هذا القتال المرير كان المسلمون يأخذهم النعاس أمنة من ا، كما تحدث عنه القرآن.‬
‫مقتل أبي بن خلف:‬
‫لما دنا من رسول ا تناول رسول ا الحربة من الحارث بن الصمة، فلما أخذها منه انتفض،‬
‫ثم استقبله وأبصر ترقوته من فرجة بين سابغة الدرع والبيضة، فطعنه فيها طعنة تدحرج منها عن‬
‫فرسه مرارا، فلما رجع إلى قريش وقد خدشه في عنقه خدشا غير كبير، فاحتقن الدم، قال قتلني‬
‫وا محمد، فمات عدو ا بسرف وهم قافلون به إلى مكة.‬
‫طلحة ينهض بالنبي:‬
‫وفي أثناء انسحاب الرسول إلى الجبل عرضت له صخرة من الجبل، فنهض إليها ليعلوها فلم‬
‫يستطع، فجلس تحته طلحة بن عبيد ا، فنهض به حتى استوى عليها وقال:" أوجب طلحة" أي: الجنة.‬
‫آخر هجوم قام به المشركون:‬
‫ولما تمكن الرسول من مقر قيادته في الشعب قام المشركون بآخر هجوم حاولوا به النيل من‬
‫المسلمين، وكان يقودهم أبو سفيان وخالد بن الوليد، فقاتلهم عمر بن الخطاب ورهط معه من‬
‫المهاجرين حتى أهبطوهم من الجبل.‬
‫تشويه الشهداء:‬
‫اشتغل من المشركين وكذا اشتغلت نساؤهم بقتلى المسلمين يمثلون بهم ويقطعون الذان‬
‫والنوف والفروج ويبقرون البطون وبقرت هند بنت عتبة كبد حمزة فلكتها، فلم تستطع أن تسيغها‬
‫فلفظتها، واتخذت من الذان والنوف خلخيل وقلئد.‬
‫جمع الشهداء ودفنهم:‬
‫72‬
‫وأشرف الرسول على الشهداء فقال: " أن شهيد على هؤلء، إنه ما من جريح يجرح في ا إل‬
‫وا يبعثه يوم القيامة، يدمى جرحه، اللون لون الدم، والريح ريح المسك".‬
‫وكان أناس من الصحابة قد نقلوا قتلهم إلى المدينة فأمر أن يردوهم، فيدفنوهم في‬
‫مضاجعهم وأل يغسلوا، وأن يدفنوا كما هم بثيابهم، وكان يدفن الثنين والثلثة في القبر الواحد،‬
‫ويجمع بين الرجلين في ثوب واحد، ودفن عبدا بن عمرو بن حرام وعمرو بن الجموح في قبر‬
‫واحد لما كان بينهما من المحبة.‬
‫وفقدوا نعش حنظلة، فتفقدوه فوجدوه في ناحية فوق الرض يقطر منه الماء، فأخبر رسول‬
‫ا أصحابه أن الملئكة تغسله، ومن هنا سمي حنظلة: غسيل الملئكة.‬
‫الرجوع إلى المدينة، ونوادر الحب والتفاني:‬
‫ولما فرغ رسول ا من دفن الشهداء والثناء على ا والتضرع إليه، انصرف راجعا إلى‬
‫المدينة، وقد ظهرت له نوادر الحب والتفاني من المؤمنات الصادقات، كما ظهرت من المؤمنين في‬
‫أثناء المعركة.‬
‫الرسول في المدينة:‬
‫وانتهى رسول ا مساء ذلك اليوم، يوم السبت السابع من شهر شوال سنة 3 هـ إلى المدينة،‬
‫فلما انتهى إلى أهله ناول سيفه ابنته فاطمة، فقال: " اغسلي عن هذا دمه يا بنية، فوا لقد‬
‫صدقني اليوم".‬
‫قتلى الفريقين:‬
‫كان قتلى المسلمين سبعين، وأغلبهم من النصار، فقد قتل منهم خمسة وستون رج ل، 14 من‬
‫ً‬
‫الخزرج، 42 من الوس، ورجل من اليهود، و 4 من المهاجرين.‬
‫وقتلى المشركين، اثنان وعشرون قتي ل، وقيل سبعة وثلثون.‬
‫ً‬
‫حالة الطوارئ في المدينة:‬
‫بات المسلمون في المدينة ليلة الحد الثامن من شهر شوال سنة 3 هـ بعد الرجوع من معركة‬
‫أحد، وهم في حالة الطوارئ، باتوا وقد أنهكهم التعب، يحرسون أنقاب المدينة ومداخلها ويحرسون‬
‫قائدهم العلى رسول ا خاصة، إذ كانت تتلحقهم الشبهات من كل جانب.‬
‫غزوة حمراء السد:‬
‫وبات الرسول وهو يفكر في الموقف، فقد كان يخاف أن المشركين إن فكروا في أنهم لم‬
‫يستفيدوا شيئا من النصر والغلبة التي كسبوها في ساحة القتال فل بد من أن يندموا على ذلك،‬
‫ويرجعوا من الطريق لغزو المدينة مرة ثانية، فصمم على أن يقوم بعملية مطاردة الجيش المكي.‬
‫فنادى النبي في الناس، وندبهم إلى المسير إل لقاء العدو، وذلك صباح الغد من معركة أحد، أي‬
‫يوم الحد الثامن من شهر شوال سنة 3 هـ، وسار والمسلمون معه حتى بلغوا حمراء السد، على‬
‫بعد ثمانية أميال من المدينة، فعسكروا هناك.‬
‫وهناك أقبل معبد بن أبي معبد الخزاعي إلى رسول ا فقال: يا محمد، أما وا لقد عز علينا‬
‫ما أصابك في أصحابك، ولوددنا أن ا عافاك، فأمره رسول ا أن يلحق أبا سفيان فيخذله.‬
‫82‬
‫ولم يكن ما خافه رسول ا من تفكير المشركين في العودة إلى المدينة إل حقا، فإنهم لما‬
‫نزول بالروحاء على بعد ستة وثلثين مي ل ً من المدينة تلوموا فيما بينهم، وأجمع جيش مكة على‬
‫المسير نحو المدينة، ولكن قبل أن يتحرك أبو سفيان بجيشه لحقه معبد بن أبي معبد الخزاعي، ولم‬
‫يكن يعرف أبو سفيان بإسلمه، فقال معبد: محمد قد خرج في أصحابه، يطلبكم في جمع لم أر مثله‬
‫قط، يتحرقون عليكم تحرقا، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم، وندموا على ما ضيعوا،‬
‫فيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قط. ، وحينئذ انهارت عزائم الجيش المكي وأخذه الفزع‬
‫والرعب.‬
‫أقام رسول ا بحمراء السد ) بعد مقدمه يوم الحد( الثنين والثلثاء والربعاء )9 و 01 و 11‬
‫شوال سنة 3 هـ( ثم رجع إلى المدينة.‬
‫ومما ل شك فيه أن غزوة حمراء السد ليست بغزوة مستقلة، وإنما هي جزء من غزوة أحد،‬
‫وتتمة لها.‬
‫القرآن يتحدث حول موضوع المعركة:‬
‫نزلت حول موضوع المعركة ستون آية من سورة آل عمران تبتدئ بذكر أول مرحلة من مراحل‬
‫المعركة: " وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال" ، وتترك في نهايتها تعليقا جامعا على‬
‫نتائج هذه المعركة وحكمتها قال تعالى: " ما كان ا ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز‬
‫الخبيث من الطيب وما كان ا ليطلعكم على الغيب ولكن ا يجتبي من رسله من يشاء فآمنوا‬
‫بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم".‬
‫الحكم والغايات المحمودة في هذه الغزوة:‬
‫تعريف المسلمين سوء عاقبة المعصية، وشؤم ارتكاب النهي، لما وقع من ترك الرماة موقفهم‬
‫الذي أمرهم الرسول أل يبرحوا منه.‬
‫عادة الرسل أن تبتلى وتكون لها العاقبة، والحكمة في ذلك أنهم لو انتصروا دائما دخل في‬
‫المؤمنين من ليس منهم، ولم يتميز الصادق من غيره، ولن انكسروا دائما لم يحصل المقصود من‬
‫البعثة، فاقتضت الحكمة الجمع بين المرين لتمييز الصادق من الكاذب، وذلك أن نفاق المنافقين‬
‫كان مخفيا عن المسلمين، فلما جرت هذه القصة، وأظهر أهل النفاق من الفعل والقول عاد‬
‫التلويح تصريحا.‬
‫وأن في تأخير النصر في بعض المواطن هضما للنفس، وكسرا لشماختها، فلما ابتلى المؤمنون‬
‫صبروا وجزع المنافقون.‬
‫أن ا هيأ لعباده المؤمنين منازل في دار كرامته ل تبلغها أعمالهم، فقيض لهم أسباب البتلء‬
‫والمحن ليصلوا إليها.‬
‫أن الشهادة من أعلى مراتب الولياء فساقها إليهم، ومنها أنه أراد إهلك أعدائه، فقيض لهم‬
‫السباب التي يستوجبون بها ذلك من كفرهم وبغيهم وطغيانهم في أذى أوليائه، فمحص بذلك ذنوب‬
‫المؤمنين ومحق بذلك الكافرين.‬
‫غزوة بني النضير:‬
‫بعد واقعة أحد بدأ اليهود يتجرؤون، فكاشفوا بالعداوة والغدر، وأخذوا يتصلون بالمنافقين‬
‫وبالمشركين من أهل مكة سرا، ويعملون لصالحهم ضد المسلمين.‬
‫92‬
‫وصبر النبي حتى ازدادوا جرأة وجسارة بعد وقعة الرجيع وبئر معونة، حتى قاموا بمؤامرة‬
‫تهدف القضاء على النبي.‬
‫حيث أن النبي خرج إليهم في نفر من أصحابه، وكلمهم أن يعينوه في دية الكلبيين اللذين‬
‫قتلهما عمرو بن أمية الضمري، وكان ذلك يجب عليهم حسب بنود المعاهدة، فقالوا: نفعل يا أبا‬
‫القاسم، أجلس ها هنا حتى نقضي حاجتك، فجلس إلى جنب جدار من بيوتهم ينتظر وفاءهم بما‬
‫وعدوا وجلس معه أبو بكر وعمر وعلي وطائفة من أصحابه.‬
‫وخل اليهود بعضهم إلى بعض، وسول لهم الشيطان، فتآمروا بقتله، ونزل جبريل يعلمه بما‬
‫هموا به فنهض مسرعا وتوجه إلى المدينة، وما لبث أن بعث محمد بن مسلمة إلى بني النضير يقول‬
‫لهم: " أخرجوا من المدينة ول تساكنوني بها، وقد أجلتكم عشرا، فمن وجدت بعد ذلك بها ضربت‬
‫عنقه" ، ولم يجد يهود مناصا من الخروج، فأقاموا أياما يتجهزون للرحيل، لكن رئيس المنافقين‬
‫عبدا بن أبي، بعث إليهم أن اثبتوا وتمنعوا، ول تخرجوا من دياركم، فإن معي ألفين يدخلون‬
‫معكم حصنكم، فيموتون دونكم، وتنصركم قريظة وحلفاؤكم من غطفان.‬
‫وهناك عادة لليهود ثقتهم واستقر رأيهم على المناوأة وطمع رئيسهم حيي بن أخطب فيما قاله‬
‫رأس المنافقين، فبعض إلى رسول ا يقول: إنا ل نخرج من ديارنا فاصنع ما بدا لك.‬
‫فما بلغ رسول ا جوابه كبر وكبر أصحابه ثم نهض لمناجزة القوم، فاستعمل على المدينة ابن‬
‫أم مكتوم وسار إليهم، وعلي بن أبي طالب يحمل اللواء، فلما انتهى إليهم فرض عليهم الحصار.‬
‫والتجأ بنو النضير إلى حصونهم، فأقاموا عليها يرمون بالنبل والحجارة، وكانت نخيلهم‬
‫وبساتينهم عونا لهم في ذلك، فأمر بقطعها وتحريقها، واعتزلتهم قريظة، وخانهم عبدا بن أبي‬
‫وحلفاؤهم من غطفان، فلم يحاول أحد أن يدفع عنهم شرا، ولم يطل الحصار فقد دام ست ليال‬
‫حتى قذف ا في قلوبهم الرعب، فاندحروا وتهيئوا للستسلم للقاء السلح، فأرسلوا إلى رسول‬
‫ا: نحن نخرج عن المدينة، فأنزلهم على أن يخرجوا عنها بنفوسهم وذراريهم، وأن لهم ما حملت‬
‫البل إل السلح.‬
‫فنزلوا على ذلك وخربوا بيتهم بأيديهم، ليحملوا البواب والشبابيك، بل حتى حمل بعضهم الوتاد‬
‫وجذوع السقف، ثم حملوا النساء والصبيان، وتحملوا على ستمائة بعير، فترحل أكثرهم وأكابرهم‬
‫كحيي بن أخطب وسلم بن أبي الحقيق إلى خيبر، وذهبت طائفة منهم إلى الشام، وأسلم منهم‬
‫رجلن فقط: يامين بن عمرو وأبو سعد بن وهب.‬
‫وقبض رسول ا سلح بني النضير، واستولى على أرضهم وديارهم وأموالهم فوجد من السلح‬
‫خمسين درعا وخمسين بيضة، وثلثمائة وأربعين سيفا.‬
‫ولم يخمسها لن ا أفاءها عليه.‬
‫وكانت غزوة بني النضير في ربيع الول سنة 4 هـ وأنزل ا في هذه الغزوة سورة الحشر‬
‫بأكملها.‬
‫غزوة الحزاب:‬
‫خرج عشرون رج ل ً من زعماء اليهود وسادات بني النضير إلى قريش بمكة، يحرضونهم على‬
‫غزو الرسول ويوالونهم عليه، ووعدوه م من أنفسهم بالنصر لهم، فأجابتهم قريش، وكانت قريش‬
‫قد أخلفت موعدها في الخروج إلى بدر، فرأت في ذلك إنقاذا لسمعتها والبر بكلمتها.‬

‫03‬
‫ثم خرج هذا الوفد إلى غطفان، فدعاهم إلى ما دعا إليه قريش فاستجابوا لذلك، ثم طاف‬
‫الوفد في قبائل العرب يدعوهم إلى ذلك فاستجاب له من استجاب، وهكذا نجح ساسة اليهود‬
‫وقادتهم في تأليب أحزاب الكفر على النبي والمسلمين.‬
‫وعلى إثر ذلك خرجت من الجنوب قريش وكنانة وحلفاؤهم من أهل تهامة وقائدهم أبو سفيان،‬
‫في أربعة آلف ووافاهم بنو سليم بمر الظهران، وخرجت من الشرق قبائل غطفان: بنو فزارة،‬
‫يقودهم عيينة بن حصن، وبنو مرة يقودهم الحارث بن عوف وبنو أشجع يقودهم مسعر بن رحيلة‬
‫كما خرجت بنو أسد وغيرها.‬
‫واتجهت هذه الحزاب وتحركت نحو المدينة على ميعاد كانت قد تعاقدت عليه.‬
‫وبعد أيام تجمع حول المدينة جيش عرمرم يبلغ عدده عشرة آلف مقاتل، جيش ربما يزيد عدده‬
‫على جميع من في المدينة من النساء والصبيان والشباب والشيوخ.‬
‫سارع الرسول لعقد مجلس استشاري فقال سلمان: يا رسول ا إنا كنا بأرض فارس إذا‬
‫حوصرنا خندقنا علينا، وكانت خطة حكيمة لم تكن تعرفها العرب قبل ذلك.‬
‫وأسرع رسول ا إلى تنفيذ هذه الخطة، فوكل إلى كل عشرة رجال أن يحفروا من الخندق‬
‫أربعين ذراعا، وقام المسلمون بجد ونشاط يحفرون الخندق، ورسول ا يحثهم ويساهم في‬
‫عملهم.‬
‫ولما كانت المدينة تحيط بها الحرات والجبال وبساتين النخيل من كل جانب سوى الشمال، وكان‬
‫النبي يعلم أن زحف مثل هذا الجيش الكبير، ومهاجمته المدينة ل يمكن إل من جهة الشمال، اتخذ‬
‫الخندق في هذا الجانب.‬
‫وواصل المسلمون عملهم في حفره، فكانوا يحفرونه طول النهار، ويرجعون إلى أهليهم في‬
‫المساء، حتى تكامل الخندق حسب الخطة المنشودة، قبل أن يصل الجيش الوثني.‬
‫وأقبلت قريش في أربعة آلف، وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد في ستة آلف.‬
‫وخرج الرسول في ثلثة آلف من المسلمين، فجعلوا ظهورهم إلى جبل سلع فتحصنوا به،‬
‫والخندق بينهم وبين الكفار، وكان شعارهم: " حم ل ينصرون" ، واستحلف على المدينة ابن أم‬
‫مكتوم.‬
‫ولم يستطع المشركون المهاجمة لوجود الخندق فلجئوا إلى الحصار، وهم غير مستعدين له،‬
‫وأخذ المشركون يدورون حول الخندق غضابا، يتحسسون نقطة ضعيفة لينحدروا منها، والمسلمون‬
‫يرشقونهم بالنبل، حتى ل يقتربوا أو يقتحموا أو يهيلوا على الخندق بالتراب.‬
‫وكره فوارس من قريش أن يقفوا حول الخندق من غير جدوى، فخرجت منها جماعة فيها عمرو‬
‫بن عبد ود، فتيمموا مكانا ضيقا من الخندق فاقتحموه، ودعا عمرو إلى المبارزة فانتدب له علي بن‬
‫أبي طالب، فقتله علي، وانهزم الباقون هاربين.‬
‫ويؤخذ أن محاولة العبور من المشركين والمكافحة المتواصلة من المسلمين، دامت أياما، إل أن‬
‫الخندق لما كان حائ ل ً بين الجيشين لم يجر بينهما قتال مباشر أو حرب دامية، بل اقتصروا على‬
‫المراماة والمناضلة.‬
‫وفي هذه المراماة قتل رجال من الجيشين، يعدون على الصابع: ستة من المسلمين وعشرة‬
‫من المشركين، بينما كان قتل واحد أو اثنين منهم بالسيف.‬
‫13‬
‫وبينما المسلمون يواجهوه هذه الشدائد على جبهة المعركة انطلق كبير مجرمي بني النضير‬
‫حيي بن أخطب إلى ديار بني قريظة فأتى كعب بن أسد القرضي ) سيد قريظة( وكان قد عاقد‬
‫رسول ا على أن ينصره إذا أصابته حرب، واستطاع أن يقنعه فنقض كعب بن أسد عهده وبرئ مما‬
‫كان بينه وبين المسلمين ودخل مع المشركين في المحاربة ضد المسلمين.‬
‫وقد قامت صفية بنت عبدالمطلب بقتل رجل من يهود كان يطيف بحصن كان فيه حسان بن ثابت‬
‫ومعه النساء والصبيان، وقد كان لهذا الفعل المجيد من عمة الرسول أثر عميق في حفظ ذراري‬
‫المسلمين ونسائهم، ويبدو أن اليهود ظنوا أن هذه الحصون في منعة من الجيش السلمي، فلم‬
‫يجترئوا مرة ثانية للقيام بمثل هذا العمل، إل أنهم أخذوا يمدون الغزاة بالمؤن، كدليل عملي على‬
‫انضمامهم إليهم ضد المسلمين حتى أخذ المسلمون من مؤنهم عشرين جم ل.‬
‫ً‬
‫وعلم الرسول والمسلمين بالخبر، فبعث سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، وعبدا بن رواحة‬
‫وخوات بن جبير لكي يستطلعوا الخبر ، وقال لهم: " انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلء‬
‫القوم أم ل؟ فإن كان حقا فالحنوا لي لحنا أعرفه، ول تفتوا في أعضاد الناس، وإن كانوا على‬
‫الوفاء فاجهروا به للناس".‬
‫فلما دنوا منهم وجدوهم على أخبث ما يكون فقد جاهروهم بالسب والعداوة ونالوا من رسول‬
‫ا.‬
‫وعلى رغم محاولتهم إخفاء الحقيقة تفطن الناس لجلية المر، فتجسد أمامهم خطر رهيب.‬
‫ثم هيأ ا رج ل ً من غطفان يقال له: نعيم بن مسعود بن عامر الشجعي جاء رسول ا فقال:‬
‫يا رسول ا، إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلمي، فمرني ما شئت، فقال رسول ا:‬
‫" إنما أنت رجل واحد فخذ عنا ما استطعت، فإن الحرب خدعة" ، فذهب من فوره إلى بني قريظة‬
‫فدخل عليهم وقال لهم: إن قريشا ليسوا مثلكم، البلد بلدكم، فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، ل‬
‫تقدرون أن تتحولوا منه إلى غيره، وإن قريشا وغطفان قد جاءوا لحرب محمد وأصحابه، وقد‬
‫ظاهرتموهم عليه، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره، فإن أصابوا فرصة انتهزوها، وإل لحقوا‬
‫ببلدهم وتركوكم ومحمدا فانتقم منكم، قالوا: وما العمل؟ قال :ل تقاتلوا معهم حتى يعطوكم‬
‫رهائن، قالوا: لقد أشرت بالرأي.‬
‫ثم مضى نعيم على وجهه إلى قريش وقال لهم: إن يهود قد ندموا على ما كان منهم من نقض‬
‫عهد محمد وأصحابه، وأنهم قد راسلوه أنهم يأخذون منكم رهائن يدفعونها إليه، ثم يوالونه عليكم،‬
‫فإن سألوكم رهائن فل تعطوهم، ثم ذهب إلى غطفان، فقال لهم مثل ذلك.‬
‫فلما كانت ليلة السبت من شوال سنة 5 هـ بعثوا إلى يهود: أنا لسنا بأرض مقام، وقد هلك الخيل‬
‫والبل، فانهضوا بنا حتى نناجز محمدا، فأرسل إليهم اليهود أن اليوم يوم السبت، وقد علمتم ما‬
‫أصاب من قبلنا حين أحدثوا فيه، ومع هذا فإنا ل نقاتل معكم حتى تبعثوا إلينا رهائن، فلما جاءتهم‬
‫رسلهم بذلك قالت قريش وغطفان: صدقكم وا نعيم، فبعثوا إلى يهود إنا وا ل نرسل إليكم‬
‫أحدا، فأخرجوا معنا حتى نناجز محمدا، فقالت قريظة: صدقكم وا نعيم، فتخاذل الفريقان، ودبت‬
‫الفرقة بين صفوفهم وخارت عزائمهم.‬
‫وكان المسلمون يدعون ا تعالى فأرسل ا ريحا قوضت خيامهم، ولم يقر لهم قرار، وأرسل‬
‫جندا من الملئكة يزلزلونهم، ويلقون في قلوبهم الرعب والخوف.‬
‫وأرسل رسول ا في تلك الليلة الباردة القارسة حذيفة بن اليمان يأتيه بخبره م فوجدهم على‬
‫هذه الحالة، وقد تهيئوا للرحيل، فعاد للرسول وأبلغه، فأصبح الرسول وقد رد ا عدوه بغيظهم لم‬
‫ينالوا خيرا وكفاه ا قتالهم، فرجع إلى المدينة.‬
‫23‬
‫وكانت غزة الخندق في سنة خمس من الهجرة في شوال، وقد حاصر المشركون الرسول شهرا،‬
‫وكان بداية فرض الحصار في شوال ونهايته في ذي القعدة، وأن انصراف الرسول من الخندق كان‬
‫يوم الربعاء لسبع بقين من ذي القعدة.‬
‫إن معركة الحزاب لم تكن معركة خسائر، بل كانت معركة أعصاب، لم يجر فيها قتال، إل أنها‬
‫من أحسم المعارك في تاريخ السلم، وحينها قال رسول ا: " الن نغزوهم، ول يغزونا، نحن نسير‬
‫إليهم".‬
‫غزوة بني المصطلق أو غزوة المريسيع ) في شعبان سنة 5 أو 6 هـ(‬
‫كانت هذه الغزوة في شعبان سنة خمس عند عامة أهل المغازي، وسنة ست على قول ابن‬
‫إسحاق.‬
‫وسببها أنه بلغ الرسول أن رئيس بني المصطلق الحارث بن أبي ضرار سار في قومه ومن قدر‬
‫عليه من العرف يريدون حرب رسول ا فبعث بريدة بن الحصيب السلمي لتحقيق الخبر فأتهم‬
‫ولقي الحارث بن أبي ضرار وكلمه، ورجع إلى رسول ا فأخبره الخبر.‬
‫فندب الرسول الصحابة وأسرع في الخروج، وكان خروجه لليلتين خلتا من شعبان، وخرج معه‬
‫جماعة من المنافقين، وكان الحارث بن أبي ضرار قد وجه عينا ليأتيه بخبر الجيش السلم، فألقى‬
‫المسلمون عليه القبض وقتلوه.‬
‫ولما علم الحارث ومن معه مسير رسول ا وقتله عينه، خافوا خوفا شديدا وتفرق عنهم من‬
‫كان معهم من العرب، وانتهى رسول ا إلى المريسيع فتهيئوا للقتال، وكانت راية المهاجرين مع‬
‫أبي بكر وراية النصار مع سعد بن عبادة، فتراموا بالنبل ساعة، ثم أمر رسول ا فحملوا حملة‬
‫رجل واحد، فكانت النصرة وانهزم المشركين، ولم يقتل من المسلمين إل رجل واحد، قتله رجل من‬
‫النصار بالخطأ.‬
‫قال ابن القيم: فإنه لم يكن بينهم قتال، وإنما أغار عليهم على الماء فسبى ذراريهم وأموالهم.‬
‫وكان من السبي: جويرية بنت الحارث سيد القوم، وقعت في سهم ثابت بن قيس فكاتبها، فأدى‬
‫عنها رسول ا وتزوجها، فاعتق المسلمون بسبب هذا التزويج مائة من أهل بيت من بني المصطلق‬
‫قد أسلموا، وقالوا أصهار رسول ا.‬
‫دور المنافقين في غزوة بني المصطلق:‬
‫1 – قول المنافقين: " لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن العز منها الذل":‬
‫كان رسول ا بعد الفراغ من الغزوة مقيما على المريسيع، ووردت واردة الناس، ومع عمر بن‬
‫الخطاب أجير يقال له: جهجاه الغفاري، فازدحم هو وسنان بن وبر الجهني على الماء فاقتتل،‬
‫فصرخ الجهني: يا معشر النصار، وصرخ جهجاه: يا معشر المهاجرين، فقال رسول ا: " أبدعوى‬
‫الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ دعوها فإنها منتنة" ، وبلغ ذلك عبدا بن أبي بن سلول فغضب – وعنده‬
‫رهط من قومه، فيهم زيد بن أرقم غلم حدث – وقال: أو قد فعلوها، قد نافرونا وكاثرونا في‬
‫بلدنا، وا ما نحن وهم إل كما قال الول: سمن كلبك يأكلك، أما وا لئن رجعنا إلى المدينة‬
‫ليخرجن العز منها الذل، ثم أقبل على من حضره فقال لهم: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم‬
‫بلدكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما وا لو أمسكتم عنهم ما بأيدكم لتحولوا إلى غير داركم.‬
‫2 – حديث الفك:‬
‫33‬
‫وفي هذه الغزوة كانت قصة الفك، وهي أن عائشة كانت قد خرج بها رسول ا معه في هذه‬
‫الغزوة بقرعة أصابتها، وكانت تلك عادته مع نسائه، فلما رجعوا من الغزوة نزلوا في بعض‬
‫المنازل، فخرجت عائشة لحاجتها، ففقدت عقدا لختها كانت أعارتها إياه، فرجعت تلتمسه في‬
‫الموضع الذي فقدته فيه في وقتها، فجاء النفر الذين كانوا يرحلون هودجها فظنوها فيه فحملوا‬
‫الهودج، ولم ينكروا خفته، فرجعت عائشة إلى منازلهم، وقد أصابت العقد، فإذا ليس به داع ول‬
‫مجيب، فقعدت في المنزل، وظنت أنهم سيفقدونها فيرجعون في طلبها، فنامت، فلم تستيقظ إل‬
‫بقول صفوان بن المعطل: إنا لله وإنا إليه راجعون، زوجة رسول ا؟ فاسترجع وأناخ راحلته،‬
‫فقربها إليها، فركبتها، وما كلمها كلمة واحدة، ولم تسمع منه إل استرجاعه، ثم سار بها يقودها، وقد‬
‫نزل الجيش في نحر الظهيرة فلما رأى ذلك الناس تكلم كل منهم بشاكلته، ووجد الخبيث عدو ا‬
‫أبن أبي متنفسا، فجعل يستحكي الفك.‬
‫أما عائشة فلما رجعت مرضت شهرا، وهي ل تعلم عن حديث الفك شيئا، سوى أنها كانت ل‬
‫تعرف من رسول ا اللطف الذي كانت تعرفه حين تشتكي، فلما نقعت خرجت مع أم مسطح‬
‫وأخبرتها الخبر فرجعت عائشة واستأذنت الرسول لتأتي أبويها وتستيقن الخبر ثم أتتهما حتى عرفت‬
‫المر، فجعلت تبكي، فبكت ليلتين ويوما، لم تكن تكتحل بنوم، وبعد ذلك نزل الوحي قال تعالى: " إن‬
‫الذين جاءوا بالفك عصبة منكم ..".‬
‫وجلد من أهل الفك مسطح بن أثاثة، وحسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش، جلدوا ثمانين، ولم‬
‫يحد الخبيث عبدا بن أبي مع أنه رأس أهل الفك.‬
‫وهكذا وبعد شهر أقشعت سحابة الشك والرتياب والقلق والضطراب عن جو المدينة، وافتضح‬
‫رأس المنافقين.‬
‫عمرة الحديبية في ذي القعدة سنة 6 هـ:‬
‫سبب عمرة الحديبية:‬
‫رأى رسول ا في المنام، وهو بالمدينة، أنه دخل هو وأصحابه المسجد الحرام، وأخذ مفتاح‬
‫الكعبة، وطافوا واعتمروا، وحلق بعضهم وقصر بعضهم، فأخبر بذلك أصحابه ففرحوا، وحسبوا أنهم‬
‫داخلوا مكة عامهم ذلك، وأخبر أصحابه أنه معتمر فتجهزوا للسفر.‬
‫استنفار المسلمين:‬
‫استنفر العرب ومن حوله من أهل البوادي ليخرجوا معه، أما هو فغسل ثيابه وركب ناقته،‬
‫وخرج من المدينة يوم الثنين غرة ذي القعدة سنة 6 هـ ومعه زوجته أم سلمة في ألف وأربعمائة،‬
‫ويقال ألف وخمسمائة، ولم يخرج معه بسلح، إل سلح المسافر: السيوف في ال ق رب.‬
‫ُ ُ‬
‫المسلمون يتحركون إلى مكة:‬
‫وتحرك في اتجاه مكة، فلما كان بذي الحليفة قلد الهدي وأشعره، وأحرم بالعمرة، ليأمن‬
‫الناس من حربهن وبعث بين يديه عينا له من خزاعة يخبره عن قريش، حتى إذا كان قريبا من‬
‫عسفان أتاه عينه، فقال: إني تركت كعب بن لؤي قد جمعوا لك الحابيش، وهم مقاتلوك وصادوك‬
‫عن البيت، واستشار النبي أصحابه.‬
‫محاولة قريش صد المسلمين عن البيت:‬
‫بعد أن أعرض الرسول عن الحابيش، نقل إليه رجل من بني كعب أن قريشا نازلة بذي طوى،‬
‫وأن مائتي فارس بقيادة خالد بن الوليد مرابطة بكراع الغميم في الطريق الرئيسي الذي يوصل‬
‫43‬
‫إلى مكة، وقد حاول خالد صد المسلمين، فقام بفرسانه إزاءهم يتراءى الجيشان، ورأى خالد‬
‫المسلمين في صلة الظهر يركعون ويسجدون، فقال: لقد كانوا على غرة، لو كنا حملنا عليهم لصبنا‬
‫منهم، ثم قرر أن يميل على المسلمين ميلة واحدة، ولكن ا أنزل حكم صلة الخوف ففاتت‬
‫الفرصة خالدا.‬
‫تبديل الطريق ومحاولة اجتناب اللقاء الدامي:‬
‫وأخذ الرسول طريقا آخر وترك الطريق الرئيسي، فلما رآى خالد غبار الجيش السلمي قد‬
‫خالفوا عن طريقه انطلق يركض نذيرا لقريش.‬
‫بديل يتوسط بين رسول ا وقريش:‬
‫جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة إلى رسول ا فقال الرسول :" إنا لم نجئ‬
‫لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، ..." ، قال بديل سأبلغهم ما تقول، فانطلق حتى أتى قريشا،‬
‫وأبلغهم ما قاله الرسول، فقال سفهاؤهم ل حاجة لنا أن تحدثنا عنه بشيء، وقال ذوو الرأي منهم:‬
‫هات ما سمعته، فبعثت قريش مكرز بن حفص، فلما رآه الرسول قال: هذا رجل غادر، فلما جاء‬
‫وتكلم قال له مثل ما قال لبديل، فرجع إلى قريش وأخبرهم.‬
‫رسل قريش:‬
‫وكان من رسل قريش الحليس بن علقمة ) وهو من قوم يعظمون البدن( ، و عروة بن مسعود‬
‫الثقفي.‬
‫هو الذي كف أيديهم عنكم:‬
‫خرج سبعون أو ثمانون من شباب قريش الطائش ليحدثوا أحداثا تشعل نار الحرب، وهبطوا من‬
‫جبل التنعيم، وحاولوا التسلل إلى معسكر المسلمين، غير أن محمد بن مسلمة قائد الحرس‬
‫اعتقلهم جميعا، ورغبة في الصلح أطلق النبي سراحهم وعفا عنهم.‬
‫عثمان بن عفان سفيرا إلى قريش:‬
‫أرسله رسول ا وقال له: أخبرهم أنا لم نأت لقتال، وإنما جئنا عمارا، وادعهم إلى السلم،‬
‫فانطلق عثمان بن عفان وبلغ الرسالة إلى زعماء قريش، فلما فرغ عرضوا عليه أن يطوف بالبيت،‬
‫فرفض وأبى أن يطوف حتى يطوف رسول ا.‬
‫إشاعة مقتل عثمان وبيعة الرضوان:‬
‫احتبسته قريش، فشاع بين المسلمين أن عثمان قتل، فقال رسول ا لما بلغته الشاعة: " لنبرح‬
‫حتى نناجز القوم" ، ثم دعا أصحابه إلى البيعة، فثاروا إليه يبايعونه على أل يفروا، وبايعته جماعة‬
‫على الموت، وأول من بايعه أبو سنان السدي، وبايعه سلمة بن الكوع على الموت ثلث مرات،‬
‫وأخذ رسول ا بيد نفسه وقال " هذه عن عثمان" ، ولما تمت البيعة جاء عثمان فبايعه، ولم يتخلف‬
‫عن البيعة إل منافق يقال له: جد بن قيس.‬
‫أخذ الرسول هذه البيعة تحت شجرة، وهذه هي بيعة الرضوان التي أنزل ا فيها : " لقد رضي‬
‫ا عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة".‬
‫إبرام الصلح وبنوده:‬

‫53‬
‫عرفت قريش ضيق الموقف، فأسرعت إلى بعث سهيل بن عمرو لعقد الصلح، وأكدت له أل‬
‫يكون في الصلح إل أن يرجع عنا عامه هذا، ل تتحدث العرب عنا أنه دخلها علينا عنوة أبدا.‬
‫قواعد الصلح:‬
‫1 – يرجع الرسول من عامه فل يدخل مكة، وإذا كان العام القابل دخلها المسلمون فأقاموا بها‬
‫ثلثا، معهم سلح الراكب، السيوف في ال ق رب، ول يتعرض لهم.‬
‫ُ ُ‬
‫2 – وضع الحرب بين الطرفين عشر سنين، يأمن فيها الناس، ويكف بعضهم عن بعض.‬
‫3 – من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش‬
‫وعهدهم دخل فيه.‬
‫4 – من أتى محمدا من قريش من غير إذن وليه رده عليهم، ومن جاء قريشا ممن مع محمد لم‬
‫يرد عليه.‬
‫ثم دعا عليا ليكتب الكتاب، فأملى عليه: " بسم ا الرحمن الرحيم" ، فقال سهيل أما الرحمن‬
‫فوا ل ندري ما هو؟ ولكن اكتب: باسمك اللهم، فأمر النبي بذلك، ولما تم الصلح دخلت خزاعة في‬
‫عهد رسول ا، ودخلت بنو بكر في عهد قريش.‬
‫رد أبي جندل:‬
‫بينما الكتاب يكتب إذ جاء أبو جندل بن سهيل يرسف في قيوده، قد خرج من أسفل مكة حتى‬
‫رمى بنفسه بين ظهور المسلمين، فقال سهيل: هذا أول ما أقاضيك عليه على أن ترده فقال النبي:‬
‫" إنا لم نقض الكتاب بعد".‬
‫فقال: فو ا إذا ل أقاضيك على شيء أبدا، وضرب سهيل أبا جندل في وجهه وجره ليرده إلى‬
‫المشركين.‬
‫النحر والحلق للحل عن العمرة:‬
‫لما فرغ الرسول من قضية الكتاب قال: " قوموا فانحروا" ، فلم يقم منهم أحد، فقام الرسول‬
‫فنحر وحلق، فلما رأى الناس ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا.‬
‫الباء عن رد المهاجرات:‬
‫ثم جاء نسوة مؤمنات فسأل أولياؤهن أن يردهن عليهم بالعهد الذي تم في الحديبية، فرفض‬
‫طلبهم هذا، بدليل أن الكلمة التي كتبت في المعاهدة بصدد هذا البند هي: " وعلى أن ل يأتيك منا‬
‫رجل، وإن كان على دينك إل رددته علينا" ، فلم تدخل النساء في العقد رأسا.‬
‫وطلق المسلمون زوجاتهم الكافرات بهذا الحكم، فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له، تزوج‬
‫بأحدهما معاوية، وبالخرى صفوان بن أمية.‬
‫ماذا يتمخض عن بنود المعاهدة:‬
‫هذا الصلح هو فتح عظيم للمسلمين، فقريش لم تكن تعترف بالمسلمين، بل كانت تهدف‬
‫لستئصالهم، وكانت تحاول الحيلولة بين الدعوى السلمية وبين الناس، ومجرد الجنوح إلى الصلح‬
‫اعتراف بقوة المسلمين.‬
‫حزن المسلمين ومناقشة عمر النبي:‬
‫63‬
‫هناك ظاهرتان عمت لجلها المسلمين كآبة وحزن شديد:‬
‫الولى: أنه كان قد أخبرهم أنا سنأتي البيت فنطوف به، فما له يرجع ولم يطف به؟‬
‫الثانية: أنه رسول ا وعلى الحق، وا وعد إظهار دينه، فما له قبل ضغط قريش، وأعطى‬
‫الدنية في الصلح؟‬
‫وكان أعظمهم حزنا عمر بن الخطاب، فقد جاء النبي وقال: يا رسول ا، ألسنا على حق وهم‬
‫على باطل؟ قال: " بلى" ، قال: أليس قتلنا في الجنة وقتلهم في النار؟ قال: " بلى" ، قال ففيم‬
‫نعطي الدنية في ديننا، ونرجع ولما يحكم ا بيننا وبينهم؟ قال: " يا ابن الخطاب، إني رسول ا‬
‫ولست أعصيه، وهو ناصري ولن يضيعني أبدا" ، قال: أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟‬
‫قال: " بلى، فأخبرتك أنا نأتيه العام؟" ، قال: ل، قال: " فإنك آتيه ومطوف به".‬
‫ثم انطلق عمر متغيظا فأتى أبو بكر، فقال له كما قال للرسول، ورد عليه أبا بكر كما رد‬
‫الرسول، وزاد: فاستمسك بغرزه حتى تموت، فوا إنه لعلى الحق.‬
‫انحلت أزمة المستضعفين:‬
‫ولما عاد النبي إلى المدينة، انفلت رجل من المسلمين، ممن كان يعذب في مكة، وهو أبو‬
‫بصير، رجل من ثقيف حليف لقريش، فأرسلوا في طلبه رجلين، وقالوا للنبي: العهد الذي جعلت لنا،‬
‫فدفعه النبي إلى الرجلين فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فاحتال‬
‫عليهما وقتل أحدهما، وذهب إلى سيف البحر، وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل، فلحق بأبي بصير،‬
‫فجعل ل يخرج من قريش رجل قد أسلم إل لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، فو ا ما‬
‫يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إل اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش‬
‫إلى النبي تناشده ا والرحم لما أرسل، فمن أتاه فهو آمن، فأرسل النبي إليهم، فقدموا عليه‬
‫المدينة.‬
‫إسلم أبطال من قريش:‬
‫في سنة 7 هـ بعد هذا الصلح أسلم عمرو بن العاص وخالد بن الوليد، وعثمان بن طلحة، ولما‬
‫حضروا عند النبي قال: " إن مكة قد ألقت إلينا أفلذ كبدها".‬
‫غزوة خيبر ووادي القرى في المحرم سنة 7 هـ‬
‫سبب الغزوة:‬
‫كانت خيبر هي وكرة الدس والتآمر ومركز الستفزازات العسكرية، والتحرشات وإثارة الحروب،‬
‫حيث أن أهل خيبر هو الذي حزبوا الحزاب ضد المسلمين، وأثاروا بني قريظة على الغدر والخيانة،‬
‫ثم أخذوا في التصالت بالمنافقين، وبغطفان وأعراب البادية، وكانوا هم أنفسهم يتهيئون للقتال.‬
‫الخروج إلى خيبر:‬
‫أقام الرسول بالمدينة حين رجع من الحديبية ذات الحجة وبعض المحرم، ثم خرج في بقية‬
‫المحرم إلى خيبر.‬
‫عدد الجيش ا لسلمي:‬
‫ٍ‬
‫فلما أراد رسول ا الخروج إلى خيبر أعلن أل يخرج معه إل راغب في الجهاد، فلم يخرج إل‬
‫أصحاب الشجرة وهم ألف وأربعمائة.‬
‫73‬
‫وبعد خروجه قدم أبو هريرة المدينة مسلما، فوافى سباع بن عرفطة في صلة الصبح، فلما‬
‫فرغ من صلته زوده حتى قدم على رسول ا، وكلم المسلمين فأشركوه وأصحابه في سهمانهم.‬
‫اتصال المنافقين باليهود:‬
‫وقد قام المنافقون يعملون لليهود، فقد أرسل رأس المنافقين عبدا بن أبي إلى يهود خيبر:‬
‫إن محمدا قد قصدكم، وتوجه إليكم، فخذوا حذركم، ول تخافوا منه فإن عددكم وعدتكم كثيرة،‬
‫وقوم محمد شرذمة قليلون، عزل، ل سلح معهم إل قليل، فلما علم ذلك أهل خيبر، أرسلوا كنانة بن‬
‫أبي الحقيق وهوذة بن قيس إلى غطفان يستمدونهم، واشترطوا لهم نصف ثمار خيبر إن هم غلبوا‬
‫المسلمين.‬
‫الطريق إلى خيبر:‬
‫سلك الرسول طريق اسمه مرحب.‬
‫الجيش السلمي إلى أسوار خيبر:‬
‫بات المسلمون الليلة الخيرة التي بدأ في صباحها القتال قريبا من خيبر، ول تشعر بهم اليهود،‬
‫فخرج أهل خيبر بمساحيهم ومكاتلهم، ول يشعرون، بل خرجوا لرضهم، ولما رأوا الجيش ولو‬
‫هاربين.‬
‫حصون خيبر:‬
‫وكانت خيبر منقسمة إلى شطرين، طر فيها خمسة حصون:‬
‫1 – حصن ناعم، 2 – حصن الصعب بن معاذ، 3 – حصن قلعة الزبير، 4 – حسن أبي، 5 – حصن‬
‫النزار.‬
‫والحصون الثلثة الولى منها كانت تقع في منطقة يقال لها: " النطاة" وأما الحصنان الخران‬
‫فيقعان في منطقة تسمى بالشق.‬
‫أما الشطر الثاني، ويعرف بالكتيبة، ففيه ثلثة حصون فقط:‬
‫1 – حصن القموص ) وكان حصن بني أبي الحقيق من بني النضير( ، 2 – حصن الوطيح، 3 –‬
‫حصن السللم.‬
‫ودار القتال المرير في الشط الول منها، أما الشطر الثاني فحصونها الثلثة مع كثرة المحاربين‬
‫فيها سلمت دونما قتال.‬
‫معسكر الجيش السلمي:‬
‫واختار الرسول لمعسكره منز ل، فأتاه حباب بن المنذر وأشار على الرسول بتغييره.‬
‫ً‬
‫التهيؤ للقتال وبشارة الفتح:‬
‫أعطى الرسول الراية لعلي بن أبي طالب فقال: يا رسول ا أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا، قال:‬
‫" أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى السلم، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق ا‬
‫فيه ..".‬
‫بدء المعركة وفتح حصن ناعم:‬
‫83‬
‫أما اليهود فإنهم لما رأوا الجيش وفروا إلى مدينتهم تحصنوا في حصونهم، وكان من الطبيعي‬
‫أن يستعدوا للقتال.‬
‫وأول حصن هاجمه المسلمون من حصونهم الثمانية هو حصن ناعم.‬
‫وكان خط الدفاع الول لليهود لمكانه الستراتيجي، وكان هذا الحصن هو حصن مرحب البطل‬
‫اليهودي الذي كان يعد باللف.‬
‫خرج علي بن أبي طالب بالمسلمين إلى هذا الحصن، ودعا اليهود إلى السلم، فرفضوا هذه‬
‫الدعوة، وبرزوا إلى المسلمين ومعهم ملكهم مرحب، فلما خرج إلى ميدان القتال دعا إلى المبارزة‬
‫فبارزه علي بن أبي طالب وقتله.‬
‫ثم خرج ياسر أخو مرحب، فبارزه الزبير وقتله، ودار القتال المرير حول حصن ناعم، قتل فيه‬
‫عدة سراة من اليهود، انهارت لجله مقاومة اليهود، واقتحم المسلمون حصن ناعم.‬
‫فتح حصن الصعب بن معاذ:‬
‫وكان الثاني من حيث القوة والمناعة قام المسلمون بالهجوم عليه بقيادة الحباب بن المنذر‬
‫النصاري، ففرضوا عليه الحصار ثلثة أيام، وفي اليوم الثالث، دعا رسول ا لفتح هذا الحصن‬
‫دعوة خاصة.‬
‫ثم فتح الحصن في ذلك اليوم قبل أن تغرب الشمس، ووجد فيه المسلمون بعض المنجنيقات‬
‫والدبابات.‬
‫فتح قلعة الزبير:‬
‫وبعد فتح الحصنين السابقين تحول اليهود إلى قلعة الزبير، وهو حصن منيع في رأس جبل، ل‬
‫تقدر عليه الخيل والرجال، ففرض عليه الرسول الحصار، وأقام محاصرا ثلثة أيام، وقطع عنهم‬
‫الماء، فخرجوا فقاتلوا أشد القتال، قتل فيه نفر من المسلمين وأصيب نحو العشرة من اليهود،‬
‫وافتتحه رسول ا.‬
‫فتح قلعة أبي:‬
‫وبعد فتح قلعة الزبير انتقل اليهود إلى قلعة أبي وتحصنوا فيه، وقد اقتحم أبو دجانة القلعة‬
‫واقتحم الجيش السلمي معه وجرى قتال مرير ساعة داخل الحصن، ثم تسلل اليهود من القلعة‬
‫وتحولوا إلى حصن النزار آخر حصن في الشطر الول.‬
‫فتح حصن النزار:‬
‫كان هذا الحصن أمنع حصون هذا الشطر، وكان اليهود على شبه اليقين بأن المسلمين ل‬
‫يستطيعون اقتحام هذه القلعة، وإن بذلوا قصارى جهدهم في هذا السبيل، ولذلك أقاموا في هذه‬
‫القلعة مع الذراري والنساء، بينما كانوا قد أخلوا منها القلع الربعة السابقة.‬
‫وفرض المسلمون على هذا الحصن أشد الحصار،‬
‫الحصن يقع على جبل مرتفع، أمر الرسول بنصب آلت‬
‫القذائف، فأوقعوا الخلل في جدران الحصن واقتحموه،‬
‫أمامه اليهود هزيمة منكرة، وفروا من هذا الحصن تاركين‬

‫93‬

‫وصاروا يضغطون عليهم بعنف، ولكون‬
‫المنجنيق ويبدو أن المسلمين قذفوا به‬
‫ودار قتال مرير في داخل الحصن انهزم‬
‫للمسلمين نساءهم وذراريهم.‬
‫وبعد فتح هذا الحصن المنيع تم فتح الشطر الول من خيبر، وهي ناحية النطاة والشق وكانت‬
‫في هذه الناحية حصون صغيرة أخرى إل أن اليهود بمجرد فتح هذا الحصن المنيع أخلوا هذه‬
‫الحصون، وهربوا إلى الشطر الثاني من بلدة خيبر.‬
‫فتح الشطر الثاني من خيبر:‬
‫لما أتى رسول ا إلى هذه الناحية فرض على أهلها أشد الحصار، ودام الحصار أربعة عشر‬
‫يوما، واليهود ل يخرجون من حصونهم، حتى هم رسول ا أن ينصب عليهم المنجنيق، فلما أيقنوا‬
‫بالهلكة سألوا رسول ا الصلح.‬
‫المفاوضة:‬
‫أرسل ابن أبي الحقيق إلى رسول ا وتم الصلح على حقن دماء من في حصونهم من‬
‫المقاتلة، وترك الذرية لهم، ويخرجون من خيبر وأرضها بذراريهم ويخلون بين رسول ا وبين ما‬
‫كان لهم من مال وارض، وعلى الذهب والفضة، والكراع والحلقة إل ثوبا على ظهر إنسان،‬
‫فصالحوه على ذلك، وبعد هذه المصالحة تم تسليم الحصون إلى المسلمين.‬
‫قتل ابني أبي الحقيق لنقض العهد:‬
‫وعلى رغم هذه المعاهدة غيب أبنا أبي الحقيق ما ل ً كثيرا، غيبا جلدا فيه مال وحلي لحيي بن‬
‫أخطب، كان احتمله معه إلى خيبر حين أجليت النضير.‬
‫وذكر ابن القيم أن رسول ا أمر بقتل ابني أبي الحقيق وكان الذي اعترف عليهما بإخفاء‬
‫المال هو ابن عم كنانة.‬
‫وسبى الرسول صفية بن حيي بن أخطب، وكانت تحت كنانة بن أبي الحقيق وكانت عروسا.‬
‫قسمة الغنائم:‬
‫وأراد الرسول أن يجلي اليهود من خيبر، فقالوا: يا محمد، دعنا نكون في هذه الرض نصلحها‬
‫ونقوم عليها فنحن أعلم بها منكم، فأعطاهم خيبر على أن لهم الشطر من كل زرع، ومن كل ثمر،‬
‫ما بدا لرسول ا أن يقرهم وكان عبدا بن رواحه يخرصه عليهم.‬
‫وقسم أرض خيبر على ستة وثلثين سهما، جمع كل سهم مائة سهم، فكانت ثلثة آلف وستمائة‬
‫سهم، فكان لرسول ا والمسلمين النصف من ذلك وهو ألف وثمانمائة سهم، لرسول ا سهم‬
‫كسهم أحد المسلمين وعزل النصف الخر، لنوائبه وما يتنزل به من أمور المسلمين، وإنما قسمت‬
‫على ألف وثمانمائة سهم لنها كانت طعمة من ا لهل الحديبية من شهد منهم ومن غاب، وكانوا‬
‫ألفا وأربعمائة، وكان معهم مائتا فرس، لكل فرس سهمان، فقسمت على ألف وثمانمائة سهم،‬
‫فصار للفارس ثلثة أسهم وللراجل سهم واحد.‬
‫قدوم جعفر بن أبي طالب والشعريين:‬
‫وفي هذه الغزوة قدم عليه ابن عمه جعفر بن أبي طالب وأصحابه، ومعهم الشعريون أبو‬
‫موسى وأصحابه، ولما قدم جعفر على النبي تلقاه وقبل ما بين عينيه وقال: " وا ما أدري بأيهما‬
‫أفرح؟ بفتح خيبر أم بقدوم جعفر".‬
‫الزواج بصفية:‬
‫عرض عليها الرسول السلم فأسلمت، فاعتقها وتزوجها، وجعل عتقها صداقها.‬
‫04‬
‫أمر الشاة المسمومة:‬
‫أهدت زينب بنت الحارث امرأة سلم ابن مشكم، شاة مصلية، وقد سألت أي عضو أحب إلى‬
‫الرسول فقيل لها: الذراع، فأكثرت فيه من السم، ثم سمت سائر الشاة، ثم جاءت بها، فلما وضعتها‬
‫بين يدي رسول ا تناول الذراع، فلك منها مضغة فلم يسغها، ولفظها، ثم قال: " إن هذا العظم‬
‫ليخبرني أنه مسموم" ، ثم دعا بها فاعترفت فقال: " ما حملك على ذلك؟" قالت: قلت: إن كان ملكان‬
‫استرحت منه، وإن كان نبيا فيسخبر، فتجاوز عنها.‬
‫قتلى الفريقين في معارك خيبر:‬
‫جملة من استشهد من المسلمين في معارك خيبر ستة عشر رج ل، أربعة من قريش وواحد من‬
‫ً‬
‫أشجع، وواحد من أسلم، وواحد من أهل خيبر والباقون من النصار.‬
‫أما قتلى اليهود فعددهم ثلثة وتسعون قتي ل.‬
‫ً‬
‫غزوة ذات الرقاع:‬
‫وقعت هذه الغزوة سنة 7 هـ، وهي أن النبي سمع باجتماع بني إنمار أو بني ثعلبة وبني محارب‬
‫من غطفان، فأسرع بالخروج إليهم في أربعمائة أو سبعمائة من أصحابه، وسار فتوغل في بلدهم‬
‫حتى وصل إلى موضع يقال له: نخل، على بعد يومين من المدينة، ولقي جمعا من غطفان، فتقاربوا‬
‫وأخاف بعضهم بعضا ولم يكن بينهم قتال، إل أنه صلى بهم يومئذ صلة الخوف.‬
‫ويروي أبو موسى الشعري، قال: خرجنا مع رسول ا ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه، فنقبت‬
‫أقدامنا، ونقبت قدماي، وسقطت أظافري، فكنا نلف على أرجلنا الخرق، فسميت ذات الرقاع، لما كنا‬
‫نعصب الخرق على أرجلنا.‬
‫كان لهذه الغزوة أثر في قذف الرعب في قلوب العراب القساة، وإذا نظرنا إلى تفاصيل‬
‫السرايا بعد الغزوة نرى أن هذه القبائل من غطفان لم تجترئ أن ترفع رأسها بعد هذه الغزوة، بل‬
‫استكانت حتى استسلمت، بل وأسلمت.‬
‫وبهذا تم كسر الجنحة الثلثة التي كانت ممثلة في الحزاب، وساد المنطقة المن والسلم.‬
‫عمرة القضاء:‬
‫أن الرسول لما هل ذو القعدة أمر أصحابه أن يعتمروا قضاء عمرتهم، وأل يتخلف منهم أحد‬
‫شهد الحديبية، فخرجوا إل من استشهد، وخرج معه آخرون معتمرين، فكانت عدتهم ألفين سوى‬
‫النساء والصبيان.‬
‫وساق ستين بدنة، وأحرم من ذي الحليفة، ولبى، ولبى المسلمون معه، وخرج مستعدا بالسلح‬
‫والمقاتلة، خشية أن يقع من قريش غدر، فلما بلغ يأجج وضع الداة كلها: الحجف والمجان والنبل‬
‫والرماح، وخلف عليها أوس بن خولي النصاري في مائتي رجل، ودخل بسلح الراكب: السيوف في‬
‫ال ق رب.‬
‫ُ ُ‬
‫وأقام الرسول بمكة ثلثا، فلما أصبح من اليوم الرابع أتوا عليا فقالوا: قل لصاحبك: أخرج عنا‬
‫فقد مضى الجل، فخرج النبي ونزل بسرف فأقام بها.‬
‫ولما أراد الخروج من مكة تبعتهم ابنة حمزة، تنادي يا عم يا عم، فتناولها علي واختصم فيها‬
‫علي وجعفر وزيد، فقضى النبي لجعفر لن خالتها كانت تحته.‬
‫14‬
‫وفي هذه العمرة تزوج النبي بميمونة بنت الحارث العامرية.‬
‫وسميت هذه العمرة بعمرة القضاء، إما لنها كانت قضاء عن عمرية الحديبية، أو لنها وقعت‬
‫حسب المقاضاة ) أي المصالحة( التي وقعت في الحديبية، وهذه العمرة تسمى بأربعة أسماء:‬
‫القضاء والقضية والقصاص والصلح.‬
‫معركة مؤتة:‬
‫وقعت في جمادى الولى سنة 8 هـ، وهي قرية بأدنى بلقاء الشام، بينها وبين بيت المقدس‬
‫مرحلتان.‬
‫سبب المعركة:‬
‫أن الرسول بعث الحارث بن عمير الزدي بكتابه إلى عظيم بصرى، فعرض له شرحبيل بن عمرو‬
‫الغساني، فأوثقه رباطا ثم قدمه فضرب عنقه، فاشتد ذلك على الرسول فجهز جيشا قوامه ثلثة‬
‫آلف مقاتل.‬
‫أمراء الجيش ووصية رسول ا إليهم:‬
‫أمر الرسول على هذا البعث زيد بن حارثة، وقال: " إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبدا‬
‫بن رواحة" ، وعقد لهم لواء أبيض، ودفعه إلى زيد بن حارثة.‬
‫وأوصاهم أن يأتوا مقتل الحارث بن عمير، وأن يدعوا من هناك إلى السلم، وقال لهم: " أغزوا‬
‫بسم ا، في سبيل ا من كفر بالله، ل تغدروا، ول تغلوا، ول تقتلوا وليدا ول امرأة، ول كبيرا فانيا‬
‫ول منعزل ...".‬
‫توديع الجيش السلمي وبكاء عبدا بن رواحة:‬
‫لما تهيأ الجيش السلمي للخروج حضر الناس، وودعوا أمراء رسول ا، وحينئذ بكى أحد أمراء‬
‫الجيش ) عبدا بن رواحه( فقالوا ما يبكيك؟ فقال: أما وا ما بي حب الدنيا، ول صبابة بكم،‬
‫ولكني سمعت رسول ا يقرأ آية من كتاب ا يذكر فيها النار: " وإن منكم إل واردها كان على ربك‬
‫حتما مقضيا" ، فلست أدري بالصدور بعد الورود؟ ثم خرج القوم وخرج رسول ا مشيعا لهم حتى‬
‫بلغ ثنية الوداع فوقف وودعهم.‬
‫تحرك الجيش السلمي، ومباغتته حالة رهيبة:‬
‫تحرك الجيش حتى نزل معان، من أرض الشام، ونقلت الستخبارات بأن هرقل نازل بمآب من‬
‫أرض البلقاء في مائة ألف من الروم.‬
‫المجلس الستشاري بمعان:‬
‫أقاموا في معان ليلتين يفكرون في أمرهم، ثم قالوا نكتب لرسول ا فنخبره بعدد عدونا،‬
‫فإما أن يمدنا بالرجال وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له، وعارض عبدا بن رواحه الرأي وشجع‬
‫الناس على المضي.‬
‫الجيش السلمي يتحرك نحو العدو:‬
‫تحرك الجيش إلى أرض العدو حتى لقيتهم جموع هرقل بقرية من قرى البلقاء يقال لها‬
‫مشارف ثم دنا العدو، وانحاز المسلمون إلى مؤتة، فعسكروا هناك، وتعبئوا للقتال، فجعلوا على‬
‫ميمنتهم قطبة بن قتادة العذري، وعلى الميسرة عبادة بن مالك النصاري.‬
‫24‬
‫بداية القتال، وتناوب القواد:‬
‫وفي مؤتة التقى الفريقان، وبدأ القتال المرير، ثلثة آلف رجل يواجهون هجمات مائتي ألف‬
‫مقاتل، معركة عجيبة تشاهدها الدنيا بالدهشة والحيرة !‬
‫أخذ الراية زيد بن حارثة، وجعل يقاتل بضراوة بالغة، وبسالة ل يوجد لها نظير، فلم يزل يقاتل‬
‫ويقاتل حتى شاط في رماح القوم، وخر صريعا.‬
‫وحينئذ أخذ الراية جعفر بن أبي طالب، وطفق يقاتل قتا ل ً منقطع النظير، حتى أرهقه القتال‬
‫اقتحم عن فرسه الشقراء فعقرها، ثم قاتل حتى قطعت يمينه، فأخذ الراية بشماله، ولم يزل بها‬
‫حتى قطعت شماله فاحتضنها بعضدية، فلم يزل رافعا إياها حتى قتل.‬
‫ولما قتل جعفر، أخذ الراية عبدا بن رواحة، وتقدم بها، وهو على فرسه، فجعل يستنزل‬
‫نفسه، ويتردد بعض التردد، ثم أخذ سيفه فتقدم فقاتل حتى قتل.‬
‫الراية إلى سيف من سيوف ا:‬
‫تقدم رجل من بني عجلن فأخذ الراية وقال: يا معشر المسلمين، اصطلحوا على رجل منكم،‬
‫فاصطلح الناس على خالد بن الوليد، فلما أخذ الراية قاتل قتا ل ً مريرا.‬
‫نهاية المعركة:‬
‫ومع الشجاعة البالغة والبسالة والضراوة المريرتين، كان مستغربا جدا أن ينجح هذا الجيش‬
‫الصغير في الصمود أمام تيارات جيوش الروم، ففي ذلك الوقت أظهر خالد بن الوليد مهارته ونبوغه‬
‫في تخليص المسلمين مما ورطوا أنفسهم فيه.‬
‫فشعر خالد بالحاجة إلى مكيدة حربية تلقي الرعب في قلوب الرومان حتى ينجح في النحياز‬
‫بالمسلمين من غير أن يقوم الرومان بحركات المطاردة.‬
‫فلما أصبح اليوم الثاني غير أوضاع الجيش، وعبأه من جديد، فجعل مقدمته ساقه، وميمنته‬
‫ميسرة وعلى العكس فلما رآهم العداء أنكروا حالهم، وقالوا جاءهم مدد فرعبوا، وصار خالد‬
‫يتأخر بالمسلمين قلي ل ً قلي ل ً مع حفظ نظام جيشه، ولم يتبعهم الرومان ظنا منهم أن المسلمين‬
‫يخدعونهم، ويحاولون القيام بمكيدة ترمي بهم في الصحراء.‬
‫وهكذا انحاز العدو إلى بلده، ولم يفكر في القيام بمطاردة المسلمين.‬
‫قتلى الفريقين:‬
‫استشهد من المسلمين اثنا عشر رج ل، أما الرومان فلم يعرف عدد قتلهم، غير أن تفصيل‬
‫ً‬
‫المعركة يدل على كثرتهم.‬
‫أثر المعركة:‬
‫وهذه المعركة وإن لم يحصل المسلمون بها على الثأر، لكنها كانت كبيرة الثر لسمعة‬
‫المسلمين، إنها ألقت العرب كلها في الدهشة والحيرة، ولذلك نرى القبائل اللدودة التي كانت ل‬
‫تزال تثور على المسلمين جنحت بعد هذه المعركة إلى السلم، فأسلمت بنو سليم وأشج ع وغطفان‬
‫وذبيان وفزارة وغيرها.‬
‫وكانت هذه المعركة بداية اللقاء الدامي مع الرومان، فكانت توطئة وتمهيدا لفتوح البلدان‬
‫الرومانية، واحتلل المسلمين الراضي البعيدة النائية.‬
‫34‬
‫غزوة فتح مكة:‬
‫سبب الغزوة:‬
‫كانت هناك عداوة وتوتر بين قبيلتي بنو بكر وخزاعة في الجاهلية وفي صلح الحديبية دخلت‬
‫خزاعة في عهد رسول ا ودخلت بنو بكر في عهد قريش، ووقعت هذه الهدنة، وأمن كل فريق من‬
‫الخر، اغتنمها بنو بكر، وأرادوا أن يصيبوا من خزاعة الثأر القديم، فخرج نوفل بن معاوية الديلي‬
‫في جماعة من بني بكر في شهر شعبان سنة 8 هـ، فأغاروا على خزاعة لي ل، وهم على ماء يقال‬
‫ً‬
‫له: " الوتير" فأصابوا منهم رجا ل، وتناوشوا واقتتلوا، وأعانت قريش بني بكر بالسلح، وقاتل معهم‬
‫ً‬
‫رجال من قريش مستغلين ظلمة الليل، حتى حازوا خزاعة إلى الحرم، فلما انتهوا إليه قالت بنو‬
‫بنكر: يا نوفل، إنا قد خلنا الحرم، إلهك إلهك، فقال كلمة عظيمة :ل إله اليوم يا بني بكر، أصيبوا‬
‫ثأركم، فلعمري إنكم لتسرقون في الحرم أفل تصيبون ثأركم فيه؟‬
‫ولما دخلت خزاعة مكة لجئوا إلى دار بديل بن ورقاء الخزاعي، وإلى دار مولى لهم يقال له‬
‫رافع.‬
‫وأسرع عمرو بن سالم الخزاعي، فخرج حتى قدم على رسول ا المدينة، فوقف عليه وهو‬
‫جالس في المسجد فأبلغه الخبر، فقال الرسول: " نصرت يا عمرو بن سالم".‬
‫أبو سفيان يخرج إلى المدينة ليجدد الصلح:‬
‫ل شك أن ما فعلت قريش وحلفاؤها كان غدرا محضا ونقضا صريحا للميثاق، ولذلك سرعان ما‬
‫أحست قريش بغدرها، وخافت وشعرت بعواقبه الوخيمة، فعقدت مجلسا استشاريا وقررت أن تبعث‬
‫قائدها أبا سفيان ممث ل ً لها ليقوم بتجديد الصلح.‬
‫وخرج أبو سفيان إلى المدينة حتى أترى الرسول فكلمه، فلم يرد عليه شيئا، ثم ذهب إلى أبي‬
‫بكر فكلمه أن يكلم الرسول فقال له: ما أنا بفاعل، ثم أتى عمر بن الخطاب فكلمه فقال: أأنا أشفع‬
‫لكم إلى رسول ا؟ فوا لو لم أجد إل الذر لجاهدتكم به، ثم جاء لعلي وقال له اشفع لي إلى‬
‫محمد فقال: ويحك يا أبا سفيان، لقد عزم رسول ا على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه.‬
‫التهيؤ للغزوة ومحاولة الخفاء:‬
‫زيادة في الخفاء والتعمية بعث رسول ا سرية قوامها ثمانية رجال، تحت قيادة أبي قتادة بن‬
‫ربعي، إلى بطن إضم، في أول شهر رمضان سنة 8 هـ، ليظن الظان أنه يتوجه إلى تلك الناحية‬
‫ولتذهب بذلك الخبار.‬
‫وكتب حاطب بن بلتعه إلى قريش كتابا يخبرهم بمسير رسول ا إليهم ثم أعطاه امرأة وجعل‬
‫لها جع ل ً على أن تبلغه قريشا، فجعلته في قرون رأسها، وأتى رسول ا الخبر من السماء بما صنع‬
‫حاطب.‬
‫وهكذا أخذ ا العيون، فلم يبلغ إلى قريش أي خبر من أخبار تجهز المسلمين وتهيئتهم للقتال.‬
‫الجيش السلمي يتحرك نحو مكة:‬
‫في العاشر من رمضان سنة 8 هـ غادر رسول ا المدينة متجها إلى مكة في عشرة آلف من‬
‫الصحابة واستخلف على المدينة أبا رهم الغفاري.‬
‫وهو في الطريق لقيه عمه العباس بن عبدالمطلب، وكان قد خرج بأهله وعياله مسلما مهاجرا،‬
‫ثم لقيه ابن عمه أبو سفيان بن الحارث وابن عمته عبدا بن أبي أمية، فأعرض عنها، فقالت له أم‬
‫44‬
‫سلمة :ل يكن ابن عمك وابن عمتك أشقى الناس بك، وقال علي لبي سفيان بن الحارث: قل‬
‫لرسول ا ما قال إخوة يوسف ليوسف: ) قالوا تالله لقد آثرك ا علينا وإن كنا لخاطئين( فرد عليه‬
‫رسول ا ) تثريب عليكم اليوم يغفر ا لكم وهو أرحم الراحمين(.‬
‫ل‬
‫الجيش السلمي ينزل بمر الظهران:‬
‫وواصل رسول ا سيره وهو صائم والناس صيام، حتى بلغ الكديد فأفطر، وأفطر الناس معه،‬
‫ثم واصل سيره حتى نزل بمر الظهران نزله عشاء فأمر الجيش فأوقدوا النيران، فأوقدت عشرة‬
‫آلف نار، وجعل رسول ا على الحرس عمر بن الخطاب.‬
‫أبو سفيان بين يدي رسول ا:‬
‫لما أتى العباس بأبو سفيان لرسول ا قال: " ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أن ل إله‬
‫إل ا؟" قال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك؟ لقد ظننت أن لو كان مع ا إله غيره‬
‫لقد أغنى عني شيئا بعد.‬
‫قال: " ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أني رسول ا؟" ، قال: بأبي أنت وأمي، ما‬
‫أحلمك وأكرمك وأوصلك: أما هذه فإن في النفس حتى الن منها شيء، فقال له العباس: ويحك‬
‫أسلم، واشهد أن ل إله إل ا، وأن محمدا رسول ا، قبل أن تضرب عنقك، فأسلم وشهد شهادة‬
‫الحق.‬
‫قال العباس: يا رسول ا، إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئا، قال: " نعم، من دخل‬
‫دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن".‬
‫الجيش السلمي يغادر مر الظهران إلى مكة:‬
‫وفي صباح الثلثاء للسابع عشر من شهر رمضان 8 هـ غادر الرسول مر الظهران إلى مكة وأمر‬
‫العباس أن يحبس أبا سفيان بمضيق الوادي عند خطم الجبل، حتى تمر به جنود ا فيراها، ففعل‬
‫فمرت القبائل على راياتها.‬
‫قريش تباغت زحف الجيش السلمي:‬
‫ولما مر رسول ا بأبي سفيان ومضى قال له العباس: النجاء إلى قومك، فأسرع أبو سفيان‬
‫حتى دخل مكة، وصرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم فيما ل قبل لكم به،‬
‫فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن.‬
‫فتجمع سفهاء قريش وأخفاؤها مع عكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو‬
‫بالخندمة ليقاتلوا المسلمين.‬
‫الجيش السلمي بذي طوى:‬
‫وهنا وزع الرسول جيشه وكان خالد بن الوليد على المجنبة اليمنى، فأمره أن يدخل مكة من‬
‫أسفلها، وقال: " إن عرض لكم أحد من قريش فاحصدوهم حصدا، حتى توافوني على الصفا".‬
‫وكان الزبير بن العوام على المجنبة اليسرى، وكان معه راية رسول ا، فأمره أن يدخل مكة‬
‫من أعلها، وأن يغرز رايته بالحجون ول يبرح حتى يأتيه.‬
‫وكان أبو عبيدة على الرجالة والحسر وهم الذين ل سلح معهم فأمره أن يأخذ بطن الوادي‬
‫حتى ينصب لمكة بين يدي رسول ا.‬
‫54‬
‫الجيش السلمي يدخل مكة:‬
‫وتحركت كل كتيبة فأما خالد وأصحابه فلم يلقهم أحد من المشركين إل أناموه، وقتل من‬
‫أصحابه من المسلمين اثنين كانا قد شذا عن الجيش، وأما سفهاء قريش فلقيهم خالد وأصحابه‬
‫بالخندمة فناوشوهم شيئا من قتال، فأصابوا من المشركين اثني عشر رج ل ً فانهزم المشركون، وأما‬
‫الزبير فتقدم حتى نصب راية رسول ا بالحجون عند مسجد الفتح وضرب له هناك قبة، فلم يبرح‬
‫حتى جاءه الرسول.‬
‫الرسول يدخل المسجد الحرام ويطهره من الصنام:‬
‫دخل الرسول إلى المسجد، فأقبل على الحجر السود فاستلمه وطاف بالبيت وفي يده قوس‬
‫وحول البيت ثلثمائة وستون صنما، فجعل يطعنها بالقوس، ويقول: " جاء الحق وزهق الباطل إن‬
‫الباطل كان زهوقا" ، " جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد" ، والصنام تتساقط على وجوهها.‬
‫فلما أكمل طوافه دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفاتيح الكعبة، فأمر بها ففتحت فدخلها.‬
‫الرسول يصلي في الكعبة ثم يخطب أمام قريش.‬
‫ل تثريب عليكم اليوم:‬
‫ثم قال: يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم، قال:‬
‫" فإني أقول لكم كما قال يوسف لخوته : " تثريب عليكم اليوم" اذهبوا فأنتم الطلقاء".‬
‫ل‬
‫مفتاح البيت إلى أهله:‬
‫وأعاد الرسول المفتاح إلى عثمان بن طلحة، وقال له: " خذوها خالدة تالدة، ل ينزعها منكم إل‬
‫ظالم، يا عثمان إن ا استأمنكم على بيته، فكلوا مما يصل إليكم من هذا البيت بالمعروف".‬
‫بلل يؤذن على الكعبة:‬
‫وحانت الصلة فأمر رسول ا بل ل ً أن يصعد فيؤذن على الكعبة، وأبو سفيان ابن حرب، وعتاب‬
‫بن أسيد، والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة، فقال عتاب: لقد أكرم ا أسيدا أل يكون سمع‬
‫هذا، فيسمع منه ما يغيظه، فقال الحارث: أما وا لو أعلم أنه حق لتبعته، فقال أبو سفيان: أما‬
‫وا ل أقول شيئا، لو تكلمت لخبرت عني هذا الحصباء، فخرج عليهم النبي فقال لهم: " قد علمت‬
‫الذي قلتم" ، ثم ذكر ذلك لهم، فقال الحارث وعتاب: نشهد أنك رسول ا، وا ما أطلع على هذا‬
‫أحد كان معنا فنقول: أخبرك.‬
‫صلة الفتح أو صلة الشكر:‬
‫دخل رسول ا يومئذ دار أم هانئ بنت أبي طالب، فاغتسل وصلى ثمان ركعات في بيتها، وهي‬
‫صلة الفتح.‬
‫إهدار دماء رجال من أكابر المجرمين:‬
‫أهدر رسول ا يومئذ دماء تسعة نفر من أكابر المجرمين، وأمر بقتلهم وإن وجودا تحت أستار‬
‫الكعبة، وهم: عبدالعزى بن خطل وعبدا بن سعد بن أبي سرح ) أسلم( وعكرمة بن أبي جهل‬
‫) أسلم( والحارث بن نفيل بن وهب ) قتله علي( ومقيس بن صبابة ) قتله نميلة بن عبدا( وهبار بن‬
‫السود ) أسلم( وقينتان كانتا لبن خطل، كانتا تغنيان بهجو النبي ) قتلت إحداهما وأسلمت الخرى( ،‬
‫و سارة مولة لبعض بني عبدالمطلب، وهي التي وجد معها كتاب حاطب ) أسلمت(.‬
‫64‬
‫إسلم صفوان بن أمية، وفضالة بن عمير.‬
‫خطبة الرسول في اليوم الثاني من الفتح:‬
‫ولما كان الغد من يوم الفتح قام رسول ا في الناس خطيبا فقال: " أيها الناس، إن ا حرم‬
‫مكة يوم خلق السموات والرض، فهي حرام بحرمة ا إلى يوم القيامة، فل يحل لمرئ يؤمن بالله‬
‫واليوم الخر أن يسفك فيها دما، أو يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص لقتال رسول ا فقولوا: إن‬
‫ا أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما حلت لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها‬
‫بالمس، فليبلغ الشاهد الغائب".‬
‫تخوف النصار من بقاء الرسول في مكة:‬
‫ولما تم فتح مكة على الرسول قال النصار فيما بينهم: أترون رسول ا إذ فتح ا عليه أرضه‬
‫وبلده أن يقيم بها، فلما فرغ من دعائه قال: " ماذا قلتم؟" قالوا ل شيء يا رسول ا، فلم يزل بهم‬
‫:‬
‫حتى أخبروه، فقال: " معاذ ا، المحيا محياكم، والممات مماتكم".‬
‫أخذ البيعة:‬
‫جلس الرسول على الصفا يبايع الناس، وعمر بن الخطاب أسفل منه، أخذ على الناس، فبايعوه‬
‫على السمع والطاعة فيما استطاعوا.‬
‫إقامته صلى ا عليه وسلم وعمله فيها:‬
‫أقام بها تسعة عشر يوما يجدد معالم السلم، ويرشد الناس إلى الهدى والتقى، وخلل هذه‬
‫اليام أمر أبا أسيد الخزاعي فجدد أنصاب الحرم، وبث سراياه للدعوى إلى السلم ولكسر الوثان‬
‫التي كانت حول مكة، فكسرت كلها ونادى مناديه بمكة: من كان يؤمن بالله واليوم الخر فل يدع في‬
‫بيته صنما إل كسره.‬
‫السرايا والبعوث:‬
‫1 – بعث خالد بن الوليد إلى العزى لخمس ليال بقين من شهر رمضان سنة 8 هـ ليهدمها.‬
‫2 – بعث عمرو بن العاص في نفس الشهر إلى سواع ليهدمه.‬
‫3 – وفي الشهر نفسه بعث سعد بن زيد الشهلي إلى مناة ليهدمها.‬
‫4 – بعث خالد بن الوليد إلى بني جذيمة داعيا إلى السلم ل مقات ل، فخرج في ثلثمائة‬
‫ً‬
‫وخمسين رج ل ً من المهاجرين والنصار وبني سليم، فانتهى إليهم فدعاهم إلى السلم فلم يحسنوا‬
‫أن يقولوا: أسلمنا فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتلهم ويأسرهم، فذكر ذلك للرسول‬
‫فقال: " اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد".‬
‫غزوة حنين‬
‫مسير العدو ونزوله بأوطاس:‬
‫أجمع القائد العام مالك بن عوف المسير إلى حرب المسلمين، ساق مع الناس أموالهم‬
‫ونسائهم وأبنائهم، فسار حتى نزل بأوطاس.‬
‫سلح استكشاف العدو:‬
‫74‬
‫وجاءت إلى مالك عيون كان قد بعثهم للستكشاف عن المسلمين، وقد تفرقت أوصالهم، قال ما‬
‫شأنكم، قالوا: رأينا رجالت بيضا على خيل بلق وا ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى.‬
‫سلح استكشاف رسول ا:‬
‫ونقلت الخبار إلى رسول ا بمسير العدو، فبعث أبا حدرد السلمي، وأمره أن يدخل في‬
‫الناس، فيقيم فيهم حتى يعلم علمهم، ثم يأتيه بخبرهم، ففعل.‬
‫الرسول يغادر مكة إلى حنين:‬
‫في يوم السبت 6 شوال سنة 8 هـ غادر رسول ا مكة خرج في اثني عشر ألفا من المسلمين،‬
‫عشرة آلف ممن كانوا خرجوا معه لفتح مكة، وألفان من أهل مكة، وأكثرهم حديثو عهد بالسلم‬
‫واستعار من صفوان بن أمية مائة درع بأداتها، واستعمل على مكة عتاب بن أسيد.‬
‫وفي طريقهم إلى حنين رأوا سدرة عظيمة خضراء يقال لها: ذات أنواط، كانت العرب تعلق‬
‫عليها أسلحتهم، ويذبحون عندها ويعكفون، فقال بعض الجيش إجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات‬
‫أنواط فقال : " أكبر، قلتم والذي نفس محمد بيده كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلها كما لهم‬
‫ا‬
‫آلهة ... ".‬
‫وقد كان بعضهم قال نظرا إلى كثرة الجيش: لن نغلب اليوم، وكان قد شق ذلك على رسول ا.‬
‫الجيش السلمي يباغت بالرماة والمهاجمين:‬
‫وصل الجيش إلى حنين الليلة التي بين الثلثاء والربعاء لعشر خلون من شوال، وكان مالك بن‬
‫عوف قد سبقهم، فأدخل جيشه بالليل في ذلك الوادي، وفرق كمناءه في الطرق و المداخل‬
‫والشعاب والخباء والمضايق، وأصدر إليهم أمره بأن يرشقوا المسلمين أول ما طلعوا، ثم يشدوا‬
‫شدة رجل واحد، وعند دخول المسلمين الوادي إذا تمطر عليهم النبال، وإذا كتائب العدو قد شدت‬
‫عليهم، فانشمر المسلمون راجعين ل يلوي أحد على أحد، وكانت هزيمة منكرة.‬
‫وانحاز رسول ا جهة اليمين وهو يقول " هلموا إلي أيها الناس، أنا رسول ا أنا محمد بن‬
‫عبدا" ، ولم يبق معه إل عدد قليل من المهاجرين والنصار.‬
‫رجوع المسلمين واحتدام المعركة:‬
‫وأمر رسول ا عمه العباس أن ينادي الصحابة وقال بأعلى صوته: أين أصاحب السمرة؟ حتى‬
‫إذا اجتمع إليه منهم مائة استقبلوا الناس واقتتلوا.‬
‫وصرفت الدعوة إلى النصار: يا معشر النصار، ثم قصرت الدعوة في بني الحارث بن الخزرج،‬
‫وتلحقت كتائب المسلمين واحدة تلو الخرى كما كانوا تركوا الموقعة، وتجالد الفريقان مجالدة‬
‫شديدة، ونظر رسول ا إلى ساحة القتال، وقد استحر واحتدم، فقال: " الن حمي الوطيس" ، ثم‬
‫أخذ قبضة من تراب الرض، فرمى بها في وجوه القوم وقال: " شاهت الوجوه" ، فما خلق ا إنسانا‬
‫إل مل عينيه ترابا من تلك القبضة.‬
‫انكسار حدة العدو، وهزيمته الساحقة:‬
‫وما هي إل ساعات قلئل – بعد رمي القبضة – حتى انهزم العدو هزيمة منكرة، وقتل من ثقيف‬
‫وحدهم نحو السبعين، وحاز المسلمون ما كان مع العدو من مال وسلح وظعن.‬
‫حركة المطاردة:‬
‫84‬
‫ولما انهزم العدو صارت طائف منهم إلى الطائف، وطائفة إلى نخلة، وطائفة إلى أوطاس،‬
‫فأرسل النبي إلى أوطاس طائفة من المطاردين يقودهم أبو عامر الشعري، فتناوش الفريقان‬
‫القتال قلي ل، ثم انهزم جيش المشركين وقتل في المناوشة أبو عامر الشعري.‬
‫ً‬
‫وطاردت طائفة أخرى من فرسان المسلمين فلول المشركين الذين سلكوا نخلة، فأدرت دريد‬
‫بن الصمة فقتله ربيعة بن رفيع.‬
‫وأما معظم فلول المشركين الذين لجئوا إلى الطائف، فتوجه إليهم الرسول بنفسه بعد أن جمع‬
‫الغنائم.‬
‫الغنائم:‬
‫وكانت الغنائم: السبي ستة آلف رأس، والبل أربعة وعشرون ألفا، والغنم أكثر من أربعين ألف‬
‫شاة، وأربعة آلف أوقية فضة، أمر رسول ا بجمعها، ثم حبسها بالجعرانة، ولم يقسمها حتى فرغ‬
‫من غزوة الطائف.‬
‫وكانت في السبي الشيماء بنت الحارث السعدية، أخت رسول ا من الرضاعة، فما جيء بها‬
‫إلى الرسول عرفت له نفسها، فعرفها بعلمة فأكرمها، وبسط لها رداءه وأجلسها عليه، ثم من‬
‫عليها، وردها إلى قومها.‬
‫غزوة الطائف:‬
‫وهي امتداد لغزوة حنين، حيث أن معظم فلول هوازن وثقيف دخلوا الطائف مع القائد العام‬
‫مالك بن عوف النصري، وتحصنوا بها، فسار إليهم الرسول بعد فراغه من حنين وجمع الغنائم في‬
‫الشهر نفسه شوال سنة 8 هـ.‬
‫وقدم خالد بن الوليد على مقدمته طليعة في ألف رجل، ثم سلك رسول ا إلى الطائف، وكان‬
‫هناك حصن لمالك بن عوف فأمر بهدمه، فنزل قريبا من حصنه وعسكر هناك وفرض الحصار على‬
‫أهل الحصن.‬
‫ودام الحصار مدة غير قليلة، ووقعت في هذه المدة مراماة، ومقاذفات، فالمسلمون أول ما‬
‫فرضوا الحصار رماهم أهل الحصن رميا شديدا، حتى أصيب ناس من المسلمين بجراحة، وقتل منهم‬
‫اثنا عشر رج ل، واضطروا إلى الرتفاع عن معسكرهم إلى مسجد الطائف اليوم، فعسكروا هناك.‬
‫ً‬
‫ونصب النبي المنجنيق على أهل الطائف، وقذف به القذائف، حتى وقعت شدخة في جدار‬
‫الحصن، فدخل نفر من المسلمين تحت دبابة.‬
‫ودخلوا بها إلى الجدار ليحرقوه، فأرسل عليهم العدو سكك الحديد محماة بالنار، فخرجوا من‬
‫تحتها، فرموهم بالنبل وقتلوا منهم رجا ل.‬
‫ً‬
‫وأمر رسول ا بقطع العناب وتحريقها، فقطعها المسلمون قطعا ذريعا، فسألته ثقيف أن‬
‫يدعها لله والرحم، فتركها.‬
‫ونادى مناديه: أيما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر، فخرج إليهم ثلثة وعشرون رج ل،‬
‫ً‬
‫فيهم أبو بكرة، فأعتقهم رسول ا.‬
‫ولما طال الحصار واستعصى الحصن، استشار الرسول نوفل بن معاوية الديلي فأشار عليه‬
‫برفع الحصار والرحيل، فأمر عمر بن الخطاب فأذن في الناس إنا قافلون غدا فثقل عليهم، وقالوا:‬
‫94‬
‫نذهب ول نفتحه؟ فقال الرسول: " اغدوا على القتال" ، فغذوا فأصابهم جراح فقال: " إنا قافلون غدا‬
‫إن شاء ا" ، فسروا بذلك وأذعنوا، وقيل ادعوا على ثقيف فقال: " اللهم اهد ثقيفا ائت بهم".‬
‫قسمة الغنائم بالجعرانة:‬
‫لما عاد رسول ا بعد رفع الحصار عن الطائف مكث بالجعرانة بضع عشرة ليلة ل يقسم‬
‫الغنائم، ويتأنى بها، يبتغي أني يقدم عليه وفد هوازن تائبين فيحرزوا ما فقدوا، ولكنه لم يجئه أحد‬
‫فبدأ بقسمة المال، ليسكت المتطلعين من رؤساء القبائل وأشراف مكة، فكان المؤلفة قلوبهم أول‬
‫من أعطى وحظي بالنصبة الجزلة.‬
‫النصار تجد على رسول ا:‬
‫كانت هذه القسمة مبنية على سياسة حكيمة، لكنها لم تفهم أول المر، فأطلقت ألسنة شتى‬
‫بالعتراض.‬
‫فما علم النصار بحقيقة المر قالوا: رضينا برسول ا قسما وحظا.‬
‫قدوم وفد هوازن:‬
‫وبعد توزيع الغنائم أقبل وفد هوازن مسلما، وهم أربعة عشر رج ل ً ورأسهم زهير بن صرد،‬
‫وفيهم أبو برقان عم الرسول من الرضاعة، فأسلموا وبايعوا ثم قالوا: يا رسول ا إن فيمن أصبتم‬
‫المهات والخوات، والعمات والخالت، وهن مخازي القوم، فردوا عليهم نساءهم وأبنائهم، لم‬
‫يتخلف منهم أحد غير عيينة بن حصن، فإنه أبى أن يرد عجوزا صارت في يديه منهم، ثم ردها بعد‬
‫ذلك، وكسا رسول ا السبي.‬
‫العمرة والنصراف إلى المدينة:‬
‫ولما فرغ الرسول من قسمة الغنائم في الجعرانة، أهل معتمرا منها، فأدى العمرة وانصرف‬
‫بعد ذلك راجعا إلى المدينة بعد أن ولى على مكة عتاب بن أسيد، وكان رجوعه إلى المدينة ودخوله‬
‫فيها لست ليال بقيت من ذي القعدة سنة 8 هـ.‬
‫غزوة تبوك في رجب سنة 9 هـ‬
‫سبب الغزوة:‬
‫لم يكن قيصر ليصرف نظره عما كان لمعركة مؤتة من الثر الكبير لصالح المسلمين وعما كان‬
‫يطمح إليه بعد ذلك كثير من قبائل العرب من استقللهم عن قيصر، ومواطأتهم للمبسملين، إن هذا‬
‫كان خطرا يتقدم ويخطو إلى حدوده خطوة بعد خطوة، ويهدد الثغور الشامية التي تجاور العرب،‬
‫فكان يرى أن القضاء يجب على قوة المسلمين قبل أن تتجسد في صورة خطر عظيم ل يمكن‬
‫القضاء عليها، وقبل أن تثير القلقل والثورات في المناطق العربية المجاورة للرومان.‬
‫ونظرا إلى هذه المصالح، لم يقض قيصر بعد معركة مؤتة سنة كاملة حتى أخذ يهيئ الجيش‬
‫من الرومان والعرب التابعة لهم من آل غسان وغيرهم، وبدأ يجهز لمعركة دامية فاصلة.‬
‫الخبار العامة عن استعداد الرومان وغسان:‬
‫وكانت النباء تترامى إلى المدينة بإعداد الرومان، للقيام بغزوة حاسمة ضد المسلمين، حتى‬
‫كان الخوف يتسورهم كل حين، ل يسمعون صوتا غير معتاد إل ويظنونه زحف الرومان، وفي تلك‬
‫05‬
‫السنة )9 هـ( آلى النبي من نسائه شهرا، وكان هجرهن واعتزل عنهن، ولم يفطن الصحابة إلى‬
‫حقيقة المر في بدايته.‬
‫ويزيد المر خطوة ما فعله المنافقون من إنشاء وكر للدس والتآمر، في صورة مسجد وهو‬
‫مسجد الضرار، وعرضوا على النبي أن يصلي فيه، ولكن الرسول أخرى الصلة فيه حتى عاد من‬
‫الغزوة وقام الرسول بهدمه.‬
‫الخبار الخاصة عن استعداد الرومان وغسان:‬
‫بلغ النباط - الذين قدموا بالزيت من الشام إلى المدينة- المسلمين أن هرقل قد هيأ جيشا‬
‫قوامه أربعين ألف مقاتل، وأنه أجلب معهم قبائل لخم وجذام وغيرهما من متنصرة العرب، وبذلك‬
‫تمثل أمام المسلمين خطر كبير.‬
‫زيادة خطورة الموقف:‬
‫حيث أن الزمان كان فصل القيظ الشديد، وكان الناس في عسرة وجدب، والمسافة بعيدة‬
‫والطريق وعرة وصعبة.‬
‫الرسول يقرر القيام بإقدام حاسم:‬
‫وكان الرسول يرى أنه لو توانى وتكاسل عن غزو الرومان، وتركها تجوس خلل المناطق التي‬
‫كانت تحت سيطرة السلم، وتزحف للمدينة كان له أسوأ أثر على الدعوى السلمية وعلى سمعة‬
‫المسلمين العسكرية، وهكذا تخفق الجهود التي بذلها هو وأصحابه في نشر السلم، ولذلك قرر‬
‫القيام بغزوة فاصلة يخوضها المسلمون ضد الرومان في حدودهم، ول يمهلونهم حتى يزحفوا إلى‬
‫دار السلم.‬
‫العلن بالتهيؤ لقتال الرومان:‬
‫أعلن الرسول في الصحابة أن يتجهزوا للقتال، وبعث إلى القائل من العرب وإلى أهل مكة‬
‫يستنفرهم، وحضهم على الجهاد، ونزلت قطعة من سورة براءة تثيرهم على الجلد، ورغب في‬
‫الصدقات وإنفاق الموال.‬
‫المسلمون يتسابقون إلى التجهز للغزو:‬
‫ولم يتخلف عن هذه الغزوة إل المنافقين والنفر الثلثة، وتسابق المسلمون في إنفاق الموال‬
‫وبذل الصدقات، كان عثمان بن عفان قد جهز عيرا للشام، مائتا بعير، ومائتا أوقية، فتصدق بها، ثم‬
‫تصدق بمائة بعير، ثم جاء بألف دينار فنثرها في حجر الرسول، وقال الرسول :" ما ضر عثمان ما‬
‫عمل بعد اليوم" ، وتصدق حتى بلغت صدقته تسعمائة بعير ومائة فرس سوى النقود، وجاء‬
‫عبدالرحمن بن عوف بمائتي أوقية فضة، وجاء أبو بكر بماله كله، وهو أول من جاء بصدقته، وجاء‬
‫عمر بنصف ماله، وجاء العباس بمال كثير.‬
‫الجيش السلمي إلى تبوك:‬
‫استعمل رسول ا على المدينة محمد بن مسلمة النصاري، وخلف على أهله علي بن أبي‬
‫طالب، وأمره بالقامة فيهم وغمص عليه المنافقون، فخرج لحقا بالرسول فرده إلى المدينة وقال:‬
‫أل ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ..".‬
‫وتحرك رسول ا يوم الخميس نحو الشمال يريد تبوك، ولكن الجيش كان كبيرا، ثلثون ألف‬
‫مقاتل، فلم يستطع المسلمون أن يجهزوه تجهيزا كام ل، فكان ثمانية عشر رج ل ً يعتقبون بعيرا‬
‫ً‬
‫15‬
‫واحدا، وبما أكلوا أوراق الشجار حتى تورمت شفاههم، واضطروا إلى ذبح البعير ليشربوا ما في‬
‫كرشه من الماء، ولذلك سمي هذا الجيش جيش العسرة.‬
‫الجيش السلمي بتبوك:‬
‫نزل الجيش بتبوك، فعسكر هناك، وهو مستعد للقاء العدو، وقام الرسول فيهم خطيبا، فخطب‬
‫خطبة بليغة، وأما الرومان وحلفاؤهم فلما سمعوا بزحف رسول ا أخذهم الرعب، فلم يجترئوا‬
‫على التقدم واللقاء، بل تفرقوا في البلد في داخل حدودهم، فكان لذلك أحسن أثر بالنسبة إلى‬
‫سمعة المسلمين العسكرية، في داخل الجزيرة وأرجائها النائية، وحصل بذلك المسلمون على‬
‫مكاسب سياسية كبيرة خطيرة، لعلهم لم يكونوا يحصلون عليها لو وقع هناك اصطدام بين الجيشين.‬
‫جاء يحنة بن رؤبة صاحب أيلة، فصالح الرسول وأعطاه الجزية، وأتاه أهل جرباء وأهل أذرح،‬
‫فأعطوه الجزية، وصالحه أهل ميناء على ربع ثمارها.‬
‫وبعث الرسول خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة الجندل فجاء به إلى الرسول فحق دمه وصالحه،‬
‫وأقر بإعطاء الجزية.‬
‫الرجوع إلى المدينة:‬
‫ورجع الجيش من تبوك منتصرا، وفي الطريق عند عقبة حاول اثنا عشر رج ل ً من المنافقين‬
‫الفتك بالنبي، وكان معه عمار وحذيفة بن اليمان، لكن ا رد كيدهم إلى نحورهم، وأخبر الرسول‬
‫بأسمائهم، وبما هموا به، فلذلك كان حذيفة يسمى بصاحب سر رسول ا.‬
‫وكانت عودة الرسول من تبوك في رجب سنة 9 هـ، واستغرقت هذه الغزوة خمسين يوما، أقام‬
‫منها عشرين يوما في تبوك، والباقي في الطريق ذهابا وعودة، وكان هذه الغزوة آخر غزواته.‬
‫المخلفون:‬
‫في هذه الغزوة خرج كل المؤمنين الصادقين، وصار التخلف أمارة على النفاق، وكان هناك‬
‫ثلثة نفر من المؤمنين الصادقين تخلفوا من غير مبرر، وهم الذين أبلهم ا ثم تاب عليهم.‬
‫والنفر الثلثة هم: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلل بن أمية، وتمت مقاطعتهم وبعد‬
‫مرور أربعين ليلة أمروا أن يعتزلوا نساءهم، حتى تمت على مقاطعتهم خمسون ليلة، ثم أنزل ا‬
‫توبتهم.‬
‫أثر الغزوة:‬
‫كان لهذه الغزوة أعظم أثر في بسط نفوذ المسلمين وتقويته على جزيرة العرب، فقد تبين‬
‫للناس أنه ليس لي قوة من القوات أن تعيش في العرب سوى قوة السلم، ولذلك لم يبق‬
‫للمنافقين أن يعاملهم المسلمون بالرفق واللين، وقد أمر ا بالتشديد عليهم، حتى نهى عن قبول‬
‫صدقاتهم، وعن الصلة عليهم، والستغفار لهم والقيام على قبرهم.‬
‫ويعرف مدى أثر هذه الغزوة من أن العرب وإن كانت قد أخذت في التوافد إلى الرسول بعد‬
‫غزوة فتح مكة، بل وما قبلها، إل أن تتابع الوفود وتكاثرها بلغ إلى القمة بعد هذه الغزوة.‬
‫نزول القرآن حول موضوع الغزوة:‬
‫نزلت آيات كثيرة من سورة براءة حول موضوع الغزوة، نزل بعضها قبل الخروج وبعضها بعده،‬
‫وبعض آخر منها بعد الرجوع إلى المدينة.‬
‫25‬
‫الوفود:‬
‫1 – وفد عبد القيس:‬
‫كانت لهذه القبيلة وفادتان: الولى في )5 هـ( وكان كبيرهم الشج العصري الذي قال فيه‬
‫الرسول: " إن فيك خصلتين يحبهما ا: الحلم والناة" ، والوفادة الثانية كانت في سنة الوفود.‬
‫2 – وفد دوس:‬
‫كانت وفادة هذه القبيلة في أوائل سنة سبع، ورسول ا بخيبر.‬
‫3 – رسول فروة بن عمرو الجذامي:‬
‫كان فروة قائدا عربيا من قواد الرومان، أسلم بعد ما رأى من جلد المسلمين وشجاعتهم،‬
‫وصدقهم اللقاء في معركة مؤتة سنة 8 هـ، ولما أسلم بعث إلى الرسول بإسلمه، وحبسه الروم‬
‫وقتلوه وصلبوه بفلسطين.‬
‫4 – وفد صداء:‬
‫جاء هذا الوفد بعد انصراف الرسول من الجعرانة سنة 8 هـ، ووافى الرسول منهم مائة رجل‬
‫في حجة الوداع.‬
‫5 – قدوم كعب بن زهير بن أبي سلمى:‬
‫كان من بيت الشعراء، وكان يهجو النبي، وتاب وأسلم.‬
‫6 – وفد غذرة:‬
‫قدم هذا الوفد في صفر سنة 9 هـ، وأسلموا وأقاموا أياما ثم رجعوا.‬
‫7 – وفد بلي:‬
‫قدم في ربيع الول سنة 9 هـ، وأسلم وأقام بالمدينة ثلثا.‬
‫8 – وفد ثقيف:‬
‫كانت وفادتهم في رمضان سنة 9 هـ.‬
‫9 – رسالة ملوك اليمن:‬
‫بعد مرجع النبي من تبوك، قدم كتاب ملوك حمير، وهم الحارث بن عبد كلل، ونعيم،‬
‫والنعمان، وهمدان ومعافر، ورسولهم إليه مالك بن مرة الرهاوي، بعثوه بإسلمهم ومفارقتهم‬
‫الشرك وأهله.‬
‫01 – وفد همدان:‬
‫قدموا سنة 9 هـ بعد مرجعه من تبوك، فكتب لهم رسول ا كتابا اقطعهم فيه ما سألوه، وبعث‬
‫لهم خالد بن الوليد ولم يسلموا وبعث لهم عليا وأسلموا.‬
‫11 – وفقد بني فزارة:‬
‫قدم هذا الوفد سنة 9 هـ بعد مرجعه من تبوك، واستسقى لهم الرسول.‬
‫35‬
‫21 – وفد نجران:‬
‫كانت وفادتهم سنة 9 هـ، وكانوا على النصرانية ولم يسلموا وعادوا إلى ديارهم وطفق السلم‬
‫يفشوا فيهم.‬
‫31 – وفد بني حنيفة:‬
‫كانت وفادتهم سنة 9 هـ، وكانوا سبعة عشر رج ل ً فيهم مسيلمة الكذاب، وكان ادعاءه للنبوة‬
‫سنة عشر، وقتل في حرب اليمامة في عهد أبي بكر في ربيع الول سنة 21 هـ، قتله وحشي، وأما‬
‫المتنبي الثاني، وهو السود العنسي الذي كان باليمن، فقتله فيروز قبل وفاة النبي بيوم وليلة.‬
‫41 – وفد بني عامر بن صعصعة:‬
‫كان فيهم عامر بن الطفيل عدو ا واربد بن قيس، وخالد بن جعفر وجبار بن أسلم، وكانوا‬
‫رؤساء القوم وشياطينهم، وكان عامر هو الذي غدر بأصحاب بئر معونة، فلما أراد هذا الوفد أن‬
‫يقدم المدينة تآمر عامر وأربد، واتفقا على الفتك بالنبي، لكن ا عصم نبيه، ودعا عليها النبي.‬
‫51 – وفد تجيب:‬
‫قدم هذا الوفد بصدقات قومه مما فضل عن فقرائهم، والتقى أهل الوفد بالنبي مرة أخرى في‬
‫حجة الوداع سنة 01 هـ.‬
‫61 – وفد طيء:‬
‫قدم هذا الوفد وفيهم زيد الخيل، فلما كلموا النبي وعرض عليهم السلم أسلموا وحسن‬
‫إسلمهم.‬
‫وهكذا تتابعت الوفود إلى المدينة في سنتي تسع وعشر، وتأخر بعضها إلى إحدى عشر للهجرة.‬
‫حجة الوداع:‬
‫أعلن النبي بقصده لهذه الحجة، فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول ا، وفي‬
‫يوم السبت لخمس بقين من ذي القعدة تهيأ النبي للرحيل، فترجل وادهن ولبس إزاره ورداءه وقلد‬
‫بدنه، وانطلق بعد الظهر، حتى بلغ ذا الحليفة قبل أن يصلي العصر، فصلها ركعتين، وبات هناك‬
‫حتى أصبح، فلما أصبح قال لصحابه: " أتاني الليلة آت من ربي فقال: صل في هذا الوادي المبارك‬
‫وقل: عمرة في حجة".‬
‫وقبل أن يصلي الظهر اغتسل لحرامه، ثم طيبته عائشة بيدها بذريرة، وطيب فيه مسك، في‬
‫بدنه ورأسه، حتى كان بريق الطيب يرى في مفارقه ولحيته، ثم استدامه ولم يغسله، ثم لبس إزاره‬
‫ورداءه، ثم صلى الظهر ركعتين، ثم أهل بالحج والعمرة في مصله، وقرن بينهما، ثم خرج، فركب‬
‫القصواء، فأهل أيضا ثم أهل لما استقلت به على البيداء.‬
‫ثم واصل سيره حتى قرب من مكة، فبات بذي طوى، ثم دخل مكة بعد أن صلى الفجر واغتسل‬
‫من صباح يوم الحد لربع ليال خلون من ذي الحجة سنة 01 هـ وقد قضى في الطريق ثماني ليال،‬
‫فلما دخل بالبيت طاف وسعى ولم يحل لنه كان قارنا قد ساق الهدي ، فنزل بأعلى مكة عند‬
‫الحجون، وأقام هناك، ولم يعد إلى الطواف غير طواف الحج.‬
‫وأمر من لم يكن معه هدي من أصحابه أن يجعلوا إحرامهم عمرة فيطوفوا بالبيت وبين الصفى‬
‫والمروة ثم يحلوا حل ل ً تاما.‬
‫45‬
‫وأكمل الرسول حجه وفي يوم النفر الثاني ) الثالث عشر من ذي الحجة( نفر النبي من منى،‬
‫فنزل بخيف بني كنانة من البطح، وأقام هناك بقية يومه ذلك، وليلته، وصلى هناك الظهر والعصر‬
‫والمغرب والعشاء ثم رقد رقدة، ثم ركب إلى البيت، فطاف به طواف الوداع وأمر به الناس.‬
‫آخر البعوث:‬
‫كانت كبرياء دولة الروم قد جعلتها تأبى حق الحياة على من آمن بالله ورسوله، وحملها على‬
‫أن تقتل من أتباعها من يدخل في السلم، كما فعلت بفروة بن عمرو الجذامي، الذي كان واليا‬
‫على معان من قبل الروم.‬
‫ونظرا إلى هذه الجراءة والغطرسة أخذ رسول ا يجهز جيشا كبيرا في صفر سنة 11 هـ، وأمر‬
‫عليه أسامة بن زيد بن حارثة، وأمره أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين،‬
‫يبغي بذلك إرهاب الروم وإعادة الثقة إلى قلوب العرب الضاربين على الحدود، حتى ل يحسبن أحد‬
‫أن بطش الكنيسة ل معقب له، وأن الدخول في السلم يجر على أصاحبه الحتوف.‬
‫وقد قضى ا أن يكون هذا أول بعث ينفذ في خلفة أبي بكر.‬
‫وفاة الرسول:‬
‫طلئع التوديع:‬
‫أنه اعتكف في رمضان من السنة العاشرة عشرين يوما، بينما ل يعتكف إل عشرة أيام، وتدارس‬
‫معه جبريل القرآن مرتين، وأنزلت عليه سورة النصر في أوسط أيام التشريق.‬
‫وفي أوائل صفر سنة 11 هـ خرج النبي إلى أحد، فصلى على الشهداء كالمودع للحياء‬
‫والموات.‬
‫بداية المرض:‬
‫في اليوم الثامن أو التاسع والعشرين من شهر صفر سنة 11 هـ ) وكان يوم الثنين( شهد رسول‬
‫ا جنازة في البقيع فلما رجع وهو في الطريق أخذه صداع في رأسه، واتقدت الحرارة.‬
‫وقد صلى النبي بالناس وهو مريض 11 يوما وجميع أيام المرض كانت 31 أو 41.‬
‫السبوع الخير:‬
‫قضى عند عائشة آخر أسبوع من حياته، وكانت تقرأ عليه وتنفث على نفسه، وتمسحه بيده رجاء‬
‫البركة.‬
‫قبل الوفاة بخمسة أيام:‬
‫ويوم الربعاء قبل خمسة أيام من الوفاة، اتقدت حرارة العلة في بدنه، فاشتد به الوجع‬
‫وغمى، فقال " هريقوا علي سبع قرب من آبار شتى، حتى أخرج إلى الناس، فأعهد إليهم" ، فأقعدوه‬
‫في مخضب وصبوا عليه الماء حتى طفق يقول: " حسبكم حسبكم".‬
‫وعند ذلك أحس بخفة، فدخل المسجد متعطفا ملحفة على منكبيه، قد عصب رأسه بعصابة‬
‫دسمة حتى جلس على المنبر، وكان آخر مجلس جلسه، فحمد ا وأثنى عليه، ونادى بالناس وقال:‬
‫" لعنة ا على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" ، وقال " تتخذوا قبري وثنا يعبد".‬
‫ل‬
‫قبل أربعة أيام:‬
‫55‬
‫ويوم الخميس قبل الوفادة بأربعة أيام وقد اشتد به الوجع قال: " هلموا أكتب لكم كتابا لن‬
‫تضلوا بعده" ، وفي البيت رجال فيهم عمر فقال عمر: قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبكم‬
‫كتاب ا، فاختلفوا أهل البيت واختصموا، فلما أكثروا اللغط والختلف قال رسول ا : " قوموا‬
‫عني".‬
‫وأوصى بذلك اليوم بثلث: أوصى بإخراج اليهود والنصارى والمشركين من جزيرة العرب،‬
‫وأوصى بإجازة الوفود بنحو ما كان يجيزهم، أما الثالثة فنسيه الراوي.‬
‫وكان النبي مع ما كان به من شدة المرض كان يصلي بالناس جميع صلواته حتى اليوم ) يوم‬
‫الخميس( وقد صلى بالناس ذلك اليوم صلة المغرب، فقرأ فيها بالمرسلت عرفا.‬
‫وعند العشاء زاد ثقل المرض فصلى أبو بكر بالناس صلة العشاء وصلى تلك اليام )71( صلة‬
‫في حياة النبي.‬
‫قبل ثلثة أيام:‬
‫قال جابر: سمعت رسول ا قبل موته بثلث وهو يقول: " أل ل يموت أحد منكم إل وهو يحسن‬
‫الظن بالله".‬
‫قبل يوم أو يومين:‬
‫ويوم السبت أو الحد وجد النبي في نفسه خفة، فخرج بين رجلين لصلة الظهر، وأبو بكر يصلي‬
‫بالناس فأجلساه إلى يسار أبي بكر، فكان أبي بكر يقتدي بصلة رسول ا ويسمع الناس التكبير.‬
‫قبل يوم:‬
‫وقبل يوم من وفاته ) يوم الحد( أعتق النبي غلمانه، وتصدق بستة أو سبعة دنانير كانت عنده،‬
‫ووهب للمسلمين أسلحته، وفي الليل أرسلت عائشة بمصباحها امرأة من النساء وقالت: أقطري لنا‬
‫في مصباحنا من عكتك السمن، وكانت درعه مرهونة عند يهودي بثلثين صاعا من الشعير.‬
‫آخر يوم من الحياة:‬
‫روى أنس بن مالك: أن المسلمين بينما هم في صلة الفجر من يوم الثنين وأبو بكر يصلي بهم‬
‫لم يفاجئهم إل رسول ا كشف ستر حجرة عائشة فنظر إليهم، وهم في صفوف الصلة، ثم تبسم‬
‫يضحك، فنكص أبو بكر على عقبيه، ليصل الصف، وظن أن رسول ا يريد أن يخرج إلى الصلة،‬
‫فقال أنس: وهم المسلمون أن يفتتنوا في صلتهم، فرحا برسول ا، فأشار إليهم بيده رسول ا‬
‫أن أتموا صلتكم ثم دخل الحجرة وأرخى الستر.‬
‫الحتضار:‬
‫وبدأ الحتضار فأسندته عائشة إليها، وكانت تقول: إن من نعم ا علي أن رسول ا توفي في‬
‫بيتي وفي يومي وبين سحري ونحري، وأن ا جمع بين ريقي وريقه عند موته.‬
‫توفي الرسول حين اشتدت الضحى من يوم الثنين 21 ربيع الول سنة 11 هـ، وقد تم له ثلث‬
‫وستون سنة وزادت أربعة أيام.‬
‫موقف عمر:‬
‫ووقف عمر بن الخطاب يقول: إن رجال من المنافقين يزعمون أن رسول ا توفي، وإن رسول‬
‫ا ما مات لكن ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران.‬
‫65‬
‫موقف أبي بكر:‬
‫أقبل أبو بكر ودخل المسجد ولم يكلم الناس، ودخل على عائشة فتيمم رسول ا فكشف عن‬
‫وجهه ثم أكب عليه فقبله وبكى.‬
‫ثم خرج أبو بكر وعمر يكلم الناس فقال: اجلس يا عمر فأبى فتشهد أبو بكر فأقبل عليه الناس‬
‫وتركوا عمر فقال:‬
‫من كان منكم يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان منكم يعبد ا فإن ا حي ل يموت،‬
‫قال تعالى: " وما محمد إل رسول قد خلت من قبله الرسل ..".‬
‫التجهيز وتوديع الجسد الشريف إلى الرض:‬
‫ووقع الخلف في أمر الخلفة قبل أن يقوموا بتجهيزه، فجرت مناقشات ومجادلت وحوار وردود‬
‫بين المهاجرين والنصار في سقيفة بني ساعدة، وأخيرا اتفقوا على خلفة أبي بكر، ومضى في‬
‫ذلك بقية يوم الثنين ويوم الثلثاء غسلوا رسول ا من غير أن يجردوه من ثيابه، وكان القائمون‬
‫بالغسل: العباس وعليا، والفضل وقثم ابني العباس، وشقران مولى رسول ا، وأسامة بن زيد،‬
‫وأوس بن خولي، فكان العباس والفضل وقثم يقلبونه، وأسامة وشقران يصبان الماء عليه، وعلي‬
‫يغسله، وأوس أسنده إلى صدره.‬
‫واختلفوا في موضع دفنه، فقال أبو بكر: إني سمعت رسول ا يقول: " ما قبض نبي إل دفن‬
‫حيث يقبض" ، فرفع أبو طلحة فراشه الذي توفي عليه، فحفر تحته، وجعل القبر لحدا.‬
‫الصفات والخلق:‬
‫جمال ال خ لق:‬
‫َْ‬
‫قالت أم معبد الخزاعية عن رسول ا، وهي تصفه لزوجها، حين مر بخيمتها مهاجرا: ظاهر‬
‫الوضاءة، أبلج الوجه، حسن الخلق، لم تعبه ثجلة، ولم تزر به صعلة، وسيم قسيم، في عينيه دعج،‬
‫وفي أشفاره وطف، وفي صوته صهل، وفي عنقه سطع، أحور، أكحل، أزج، أقرن، شديد سواد‬
‫الشعر، إذا صمت عله الوقار، وإن تكلم عله البهاء، أجمل الناس وأبهاهم من بعيد، وأحسنه‬
‫وأحله من قريب، حلو المنطق، فضل، ل نزر ول هذر، كأن منطقه خرزات نظمن يتحدرن، ربعة، ل‬
‫تقحمه عين من قصر، ول تشنؤه من طول، غصن بين غصنين، فهو أنظر الثلثة منظرا، وأحسنهم‬
‫قدرا، له رفقاء يحفون به، إذا قال استمعوا لقوله، وإذا أمر تبادروا إلى أمره، محفود، محشود، ل‬
‫عابس ول مفند.‬
‫كمال النفس ومكارم الخلق:‬
‫كان النبي يمتاز بفصاحة اللسان، وبلغة القول، وكان من ذلك بالمحل الفضل، والموضع الذي‬
‫ل يجهل، سلمة طبع، ونصاعة لفظ وجزالة قول، وصحة معان، وقلة تكلف، أوتي جوامع الكلم،‬
‫وخص ببدائع الحكم، وعلم ألسنة العرب، يخاطب كل قبيلة بلسانها، ويحاورها بلغتها، اجتمعت له‬
‫قوة عارضة البادية وجزالتها، ونصاعة ألفاظ الحاضرة ورونق كلمها، إلى التأييد اللهي الذي مدده‬
‫الوحي.‬
‫وكان الحلم والحتمال، والعفو عند المقدرة، والصبر على المكاره، صفات أدبه ا بها، وكل‬
‫حليم قد عرفت منه زلة، وحفظت عنه هفوة، ولكنه لم يزد مع كثرة الذى إل صبرا، وعلى إسراف‬
‫الجاهل إل حلما، وقالت عائشة: ما خير رسول ا بين أمرين إل اختار أيسرهما ما لم يكن إثما،‬
‫75‬
‫فإن كان إثما كان أبعد الناس عنه، وما انتقم لنفسه إل أن تنتهك حرمة ا فينتقم لله بها، وكان‬
‫أبعد الناس غضبا، وأسرعهم رضا.‬
‫وعلى الجملة، فقد كان النبي صلى ا عليه وسلم محلى بصفات الكمال المنقطعة النظير، أدبه‬
‫ربه فأحسن تأديبه، حتى خاطبه مثنيا عليه فقال: " وإنك لعلى خلق عظيم" ، وكانت هذه الخلل مما‬
‫قرب إليه النفوس، وحببه إلى القلوب، وصيره قائدا تهوى إليه الفئدة، وألن من شكيمة قومه بعد‬
‫الباء، حتى دخلوا في دين ا أفواجا.‬
‫اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد‬
‫مجيد.‬

‫85‬

مختصر كتاب الرحيق المختوم (بحث في السيرة النبوية)

  • 1.
    ‫مختصر كتاب الرحيقالمختوم ) بحث في السيرة النبوية(‬ ‫الحالة الجتماعية والقتصادية والخلقية في المجتمع الجاهلي:‬ ‫الحالة الجتماعية:‬ ‫كانت في العرب أوساط متنوعة تختلف أحوال بعضها عن بعض، فكانت علقة الرجل مع أهله‬ ‫في الشراف على درجة كبيرة من الرقي والتقدم، وكان لها من حرية الرادة ونفاذ القول القسط‬ ‫الوفر، وكانت محترمة مصونة تسل دونها السيوف، وإذا أراد الرجل أن يمتدح بما له في نظر العرب‬ ‫المقام السامي من الكرم والشجاعة لم يكن يخاطب في معظم أوقاته إل المرأة، وكانت المرأة إذا‬ ‫شاءت جمعت القبائل للسلم وإن شاءت أشعلت الحرب بينهم، وكان الرجل يعتبر رئيس السرة‬ ‫وصاحب الكلمة، وارتباط الرجل بالمرأة بعقد الزواج تحت إشراف أوليائها.‬ ‫هذا في حال الشراف، أما أواسط الناس فهناك أنواع من الختلط بين الرجل والمرأة، ل يعبر‬ ‫عنه إل بالدعارة والمجون والسفاح والفاحشة.‬ ‫وروى البخاري عن عائشة قالت: أن النكاح في الجاهلية على أربعة أنحاء:‬ ‫الول: كنكاح الناس اليوم، الثاني: الستبضاع، يقول الرجل لمرأته إذا طهرت: أرسلي فلن‬ ‫فاستبضعي منه، ويعتزلها زوجها ول يمسها حتى يتبين حملها من ذلك الرجل، فإذا تبين حملها‬ ‫أصابها زوجها إذا أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد، الثالث: يجتمع الرهط دون العشرة،‬ ‫فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها فإذا حملت، ووضعت ومر ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم،‬ ‫فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها فتسمي من أحبت منهم باسمه فيلحق به‬ ‫ولدها، الرابع: يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة ل تمنع ممن جاءها، وهن البغايا.‬ ‫وكانت عندهم اجتماعات بين الرجل والمرأة تعقدها شفار السيوف، فكان المتغلب في حروب‬ ‫القبائل يسبي نساء المقهور فيستحلها، ولكن الولد الذين تكون هذه أمهم يلحقهم العار مدة‬ ‫حياتهم.‬ ‫والمعروف في الجاهلية تعدد الزوجات من غير حد، ويجمعون بين الختين، ويتزوجون بزوجات‬ ‫آبائهم، وكان الطلق والرجعة بيد الرجل.‬ ‫وكانت فاحشة الزنا سائدة في جميع الوساط، إل أفرادا من الرجال والنساء ممن كان تعاظم‬ ‫نفوسهم يأبى الوقوع في الرذيلة.‬ ‫وكانت علقة الرجل مع أولده على أنواع شتى، فمنهم من يئد البنات خشية العار ويقتل الولد‬ ‫خشية الفقر والملق، ول يعد هذا من الخلق المنتشرة.‬ ‫أما معاملة الرجل مع أخيه وأبناء عمه وعشيرته فقد كانت موطدة قوية، وكان أساس النظام‬ ‫الجتماعي هو العصبية الجنسية والرحم ويسيرون على المثل ) أنصر أخاك ظالما أو مظلوما( على‬ ‫المعنى الحقيقي دون تعديل السلم له.‬ ‫العلقة بين القبائل كانت مفككة، وقواهم متفانية في الحروب، إل أن الرهبة والوجل من بعض‬ ‫التقاليد والعادات المشتركة بين الدين والخرافة ربما كان يخفف من حدتها وصرامتها، وكانت‬ ‫الشهر الحرم رحمة وعونا لهم على حياتهم، فقد كانوا يأمنون فيها تمام المن، لشدة التزامهم‬ ‫بحرمتها.‬ ‫1‬
  • 2.
    ‫وقصارى الكلم أنالحالة الجتماعية كانت في الحضيض من الضعف والعماية، فالجهل ضارب‬ ‫أطنابه والناس يعيشون كالنعام، والمرأة تباع وتشترى، والعلقة بين المة واهية، والحكومات‬ ‫همها ملء الخزائن من رعيتها أو جر الحروب على مناوئيها.‬ ‫الحالة القتصادية:‬ ‫التجارة كانت أكبر وسيلة للحصول على الحوائج، والجولة التجارية ل تتيسر إل إذا ساد المن،‬ ‫وكان مفقودا في جزيرة العرب، إل في الشهر الحرم، وفيها تعقد أسواق العرب كعكاظ وذي‬ ‫المجاز ومجنة.‬ ‫أما الصناعات فكانوا أبعد المم عنها، ومعظم الصناعات مثل الحياكة والدباغة وغيرها كانت‬ ‫في أهل اليمن والحيرة ومشارف الشام، وهناك داخل الجزيرة شيء من الزراعة والحرث واقتناء‬ ‫النعام، وكانت نساء العرب يشتغلن بالغزل.‬ ‫الخلق:‬ ‫1 – الكرم: وقد استنفدوا فيه نصف أشعارهم، كان الرجل يأتيه الضيف في شدة البرد والجوع‬ ‫وليس عنده من المال إل ناقته فيذبحها لضيفه.‬ ‫2 – الوفاء بالعهد: وقد كان دينا يتمسكون به، ويستهينون في سبيله قتل أولدهم.‬ ‫3 – عزة النفس والباء عن قبول الخسف والضيم: ومن نتائج ذلك الشجاعة وشدة الغيرة،‬ ‫وسرعة النفعال، وكانوا ل يبالون بتضحية أنفسهم في هذا السبيل.‬ ‫4 – المضي في العزائم: فإذا عزموا على شيء يرون فيه المجد والفتخار ل يصرفهم عنه‬ ‫صارف.‬ ‫5 – الحلم، والناة والتؤدة: كانوا يتمدحون بها إل أنها كانت فيهم عزيزة الوجود لفرط شجاعتهم‬ ‫وسرعة إقدامهم على القتال.‬ ‫6 – السذاجة البدوية، وعدم التلوث بلوثات الحضارة ومكائدها: ومن نتائجها الصدق والمانة‬ ‫والنفور عن الخداع والغدر.‬ ‫السرة النبوية – النبي صلى ا عليه وسلم في كنف جده ثم عمه أبي طالب‬ ‫تعرف أسرته صلى ا عليه وسلم، بالسرة الهاشمية، نسبة إلى جده هاشم بن عبدمناف.‬ ‫إلى جده العطوف:‬ ‫عاد به عبدالمطلب إلى مكة، وكانت مشاعر الحنو في فؤاده تربو نحو حفيده اليتيم الذي أصيب‬ ‫بمصاب جديد نكأ الجروح القديمة، فرق عليه رقة لم يرقها على أحد من أولده، فكان ل يدعه‬ ‫لوحدته المفروضة، بل يؤثره على أولده، قال ابن هشام: كان يوضع لعبد المطلب فراض في ظل‬ ‫الكعبة، فكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه، ل يجلس عليه أحد من بنيه إجل ل ً له،‬ ‫فكان رسول ا صلى ا عليه وسلم يأتي وهو غلم جفر حتى يجلس عليه، فيأخذه أعمامه‬ ‫ليؤخروه عنه فيقول عبدالمطلب إذا رأى ذلك منهم: دعوا ابني هذا، فوا إن له لشأنا، ثم يجلس‬ ‫معه على فراشه، ويمسج ظهره بيده، ويسره ما يراه يصنع.‬ ‫ولثمان سنوات وشهرين وعشرة أيام من عمره صلى ا عليه وسلم توفي جده عبد المطلب‬ ‫بمكة، ورأى قبل وفاته أن يعهد بكفالة حفيده إلى عمه أبي طالب شقيق أبيه.‬ ‫2‬
  • 3.
    ‫إلى عمه الشفيق:‬ ‫ونهضأبو طالب بحق ابن أخيه على أكمل وجه، وضمه إلى ولده وقدمه عليهم واختصه بفضل‬ ‫احترام وتقدير، وظل فوق أربعين سنة يعز جانبه، ويبسط عليه حمايته، ويصادق ويخاصم من أجله.‬ ‫حياة الكدح:‬ ‫لم يكن لرسول ا عمل معين في أول شبابه، إل أن الروايات توالت أنه كان يرعى غنما،‬ ‫رعاها في بني سعد، وفي مكة لهلها على قراريط، ويبدو أنه انتقل إلى عمل التجارة حين شب،‬ ‫فقد ورد أنه كان يتجر مع السائب بن أبي السائب المخزومي فكان خير شريك له، ل يداري ول‬ ‫يماري، وجاءه يوم الفتح فرحب به، وقال: مرحبا بأخي وشريكي.‬ ‫وفي الخامسة والعشرين من سنه خرج تاجرا إلى الشام في مال خديجة، قال ابن إسحاق:‬ ‫كانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها، وتضاربهم إياه‬ ‫بشيء تجعله لهم، وكانت قريش قوما تجارا، فلما بلغها عن رسول ا صلى ا عليه وسلم ما بلغها‬ ‫من صدق حديثه، وعظم أمانته وكرم أخلقه بعثت إليه، فعرضت عليه أن يخرج في مال لها إلى‬ ‫الشام تاجرا، وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار، مع غلم لها يقال له: ميسرة، فقبله‬ ‫رسول ا صلى ا عليه وسلم منها وخرج في مالها ذلك، وخرج معه غلمها ميسرة حتى قدم‬ ‫الشام.‬ ‫زواجه بخديجة:‬ ‫ولما رجع إلى مكة ورأت خديجة في مالها من المانة والبركة ما لم تر قبل هذا، واخبرها‬ ‫غلمها ميسرة بما رأى فيه صلى ا عليه وسلم من خلل عذبة، وشمائل كريمة، وفكر راجح،‬ ‫ومنطق صادق، ونهج أمين، وجدت ضالتها المنشودة، وكان السادات والرؤساء يحرصون على‬ ‫زواجها فتأبى عليهم ذلك فتحدثت بما في نفسها إلى صديقتها نفيسة بنت منبه، وهذه ذهبت إليه‬ ‫صلى ا عليه وسلم تفاتحه أن يتزوج خديجة، فرضي بذلك، وكلم أعمامه، فذهبوا إلى عم خديجة‬ ‫وخطبوها إليه، وعلى إثر ذلك تم الزواج، وحضر العقد بنو هاشم ورؤساء مضر، وذلك بعد رجوعه‬ ‫من الشام بشهرين، وأصدقها عشرين بكرة، وكانت سنها إذ ذاك أربعين سنة، وكانت يومئذ أفضل‬ ‫نساء قومها نسبا وثروة وعق ل، وهي أول امرأة تزوجها رسول ا صلى ا عليه وسلم، ولم يتزوج‬ ‫ً‬ ‫عليها غيرها حتى ماتت.‬ ‫وكل أولده منها سوى إبراهيم، ولدت له: أو ل ً: القاسم، ثم زينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة،‬ ‫وعبدا، وكان عبدا يلقب بالطيب والطاهر، ومات بنوه كلهم في صغرهم أما البنات فكلهن أدركن‬ ‫السلم فأسلمن وهاجرن، إل أنهن أدركتهن الوفاة في حياته صلى ا عليه وسلم سوى فاطمة،‬ ‫فقد تأخرت بعد ستة أشهر ثم لحقت به.‬ ‫في غار حراء ونزول الوحي:‬ ‫في غار حراء: لما تقاربت سنه صلى ا عليه وسلم الربعين، وكانت تأملته الماضية قد وسعت‬ ‫الشقة العقلية بينه وبين قومه، حبب إليه الخلء، فكان يأخذ السويق والماء، ويذهب إلى غار حراء‬ ‫في جبل النور على مبعدة نحو ميلين من مكة وهو غار لطيف طوله أربعة أذرع، وعرضه ذراع‬ ‫وثلثة أرباع ذراع من ذراع الحديد، فيقيم في شهر رمضان ويقضي وقته في العبادة والتفكير فيما‬ ‫حوله من مشاهد الكون وفيما وراءها من قدرة مبدعة، وهو غير مطمئن لما عليه قومه من عقائد‬ ‫الشرك.‬ ‫3‬
  • 4.
    ‫وكان اختياره لهذهالعزلة طرفا من تدبير ا له وقد تمت هذه العزلة قبل تكليفه بالرسالة‬ ‫بثلث سنوات.‬ ‫جبريل ينزل بالوحي:‬ ‫ولما تكامل له أربعون سنة بدأت طلئع النبوة تلوح وتلمع، فمن ذلك أن حجرا بمكة كان يسلم‬ ‫عليه، ومنها أنه كان يرى الرؤيا الصادقة، فكان ل يرى رؤيا إل جاءت مثل فلق الصبح، حتى مضت‬ ‫على ذلك ستة أشهر، ومدة النبوة ثلثة وعشرون سنة، فهذه الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءا من‬ ‫النبوة، فما كان رمضان من السنة الثالثة من عزلته بحراء شاء ا أن يفيض من رحمته على أهل‬ ‫الرض فأكرمه بالنبوة، وأنزل إليه جبريل بآيات من القرآن.‬ ‫وبعد النظر والتأمل في القرائن والدلئل يمكن تحديد ذلك اليوم الثنين الحادي والعشرين من‬ ‫رمضان لي ل، الموافق 01 أغسطس سنة 016 م، وكان عمره أربعين سنة قمرية وستة أشهر واثنا‬ ‫ً‬ ‫عشر يوما، وذلك نحو 93 سنة شمسية وثلثة أشهر وعشرين يوما.‬ ‫المر بالقيام بالدعوة:‬ ‫الدعوة سرا ثلث سنوات: قام رسول ا بعد نزول آيات سورة المدثر، بالدعوة إلى ا سبحانه‬ ‫وتعالى، وحيث أن قومه جفاة ل دين لهم إل عبادة الصنام والوثان، ول حجة لهم إل أنه ألفوا‬ ‫آباءهم على ذلك، ول أخلق لهم إل الخذ بالعزة والنفة، ول سبيل لهم في حل المشاكل إل‬ ‫السيف، وكانوا مع ذلك متصدرين للزعامة الدينية في جزيرة العرب، ومحتلين مركزها الرئيس،‬ ‫ضامنين حفظ كيانها، فقد كان من الحكمة تلقاء ذلك أن تكون الدعوة في بدء أمرها سرية، لئل‬ ‫يفاجئ أهل مكة بما يهيجهم.‬ ‫الرعيل الول: أول من أسلم: خديجة بنت خويلد، وموله زيد بن حارثة، وعلي بن أبي طالب،‬ ‫وأبو بكر الصديق، أسلم هؤلء في أول يوم.‬ ‫ثم نشط أبو بكر في الدعوة فأسلم على يده: عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبدالرحمن‬ ‫بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد ا.‬ ‫الدعوة جهارا: أول ما نزل بهذا الصدد قوله تعالى ) وأنذر عشيرتك القربين(.‬ ‫الضطهادات:‬ ‫أعمال المشركون الساليب لحباط الدعوة بعد ظهورها في بداية السنة الرابعة‬ ‫ومضت على ذلك أسابيع وشهور وهم مقتصرون على هذه الساليب ل يتجاوزونها‬ ‫الضطهاد والتعذيب، ولكنهم ما رأوا أنها ل تجدي نفعا في إحباط الدعوى استشاروا‬ ‫وقرروا القيام بتعذيب المسلمين، فأخذ كل رئيس يعذب من دان من قبيلته بالسلم،‬ ‫سيد على من اختار من عبيده عن طريق اليمان.‬ ‫من النبوة،‬ ‫إلى طريق‬ ‫فيما بينهم،‬ ‫وانقض كل‬ ‫والحاصل أن المشركين لم يعلموا بأحد دخل في السلم إل وتصدوا له بالذى والنكال، وكان‬ ‫ذلك سه ل ً بالنسبة لضعفاء المسلمين، لسيما العبيد والماء، فلم يكن من يغضب لهم ويحميهم، بل‬ ‫كانت السادة والرؤساء هم أنفسهم يقومون بالتعذيب ويغرون الوباش، ولكن لمن أسلم من الكبار‬ ‫والشرا ف كان ذلك صعبا جدا، إذ كانوا في عز ومنعة من قومهم، ولذلك قلما كان يجترئ عليهم إل‬ ‫أشراف قومهم، مع شيء كبير من الحيطة والحذر.‬ ‫الهجرة الولى إلى الحبشة‬ ‫4‬
  • 5.
    ‫كانت بداية العتداءاتفي أواسط أو أواخر السنة الرابعة من النبوة، بدأت ضعيفة، ثم لم تزل‬ ‫تشتد يوما فيوما وشهرا فشهرا، حتى تفاقمت في أواسط السنة الخامسة، وفي هذه الظروف نزلت‬ ‫سورة الزمر تشير إلى اتخاذ سبيل الهجرة ) للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض ا واسعة‬ ‫إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب(.‬ ‫وكان رسول ا ) صلى ا عليه وسلم( قد علم أن أصحمة النجاشي ملك الحبشة ملك عادل، ل‬ ‫يظلم عنده أحد، فأمر المسلمين أن يهاجروا إلى الحبشة.‬ ‫وفي رجب سنة خمس من النبوة هاجر أول فوج من الصحابة إلى الحبشة، كان مكونا من اثني‬ ‫عشر رج ل ً وأربعة نسوة، رئيسهم عثمان بن عفان، ومعه زوجته رقية بنت رسول ا وقد قال النبي‬ ‫فيهما ) إنهما أول بيت هاجر في سبيل ا بعد إبراهيم ولوط عليهما السلم(.‬ ‫سجود المشركين مع المسلمين وعودة المهاجرين:‬ ‫في رمضان من نفس السنة خرج النبي ) صلى ا عليه وسلم( إلى الحرم، وفيه جميع كبير من‬ ‫قريش، فقام فيهم وفاجأهم بتلوة سورة النجم، ولما وصل إلى قوله تعالى ) فاسجدوا لله‬ ‫واعبدوا( ثم سجد لم يتمالك أحد نفسه حتى خر ساجدا، وقد توالى عليهم اللوم والعتاب ممن لم‬ ‫يحضر هذا المشهد من المشركين، وبلغ هذا الخبر إلى مهاجري الحبشة ولكن في صورة تختلف‬ ‫تماما عن صورته الحقيقية، بلغهم أن قريشا أسلمت، فرجعوا إلى مكة في شوال من نفس السنة،‬ ‫فلما دنوا من مكة وعرفوا الحقيقة رجع منهم من رجع إلى الحبشة.‬ ‫الهجرة الثانية إلى الحبشة:‬ ‫واستعد المسلمون للهجرة مرة أخرى، وعلى نطاق أوسع، ولكن كانت هذه الهجرة الثانية أشق‬ ‫من سابقتها، فقد تيقظت لها قريش وقررت إحباطها، بيد أن المسلمين كانوا أسرع، ويسر ا لهم‬ ‫السفر، فانحازوا إلى نجاشي الحبشة قبل أن يدركوا.‬ ‫وفي هذه المرة هاجر من الرجال ثلثة وثمانون رج ل ً إن كان فيهم عمار، فإن يشك فيه،‬ ‫وثماني عشرة أو تسع عشرة امرأة.‬ ‫إسلم حمزة رضي ا عنه:‬ ‫أسلم في أواخر السنة السادسة من النبوة والغلب أنه أسلم في شهر ذي الحجة، وسبب إسلمه‬ ‫أنا أبا جهل آذى الرسول عند الصفا والرسول ساكت ل يكلمه ثم ضربه أبو جهل في رأسه فشجه‬ ‫حتى نزف منه الدم، وعلم حمزة بالمر وغضب وذهب إلى أبو جهل وضربه بالقوس فشجه شجة‬ ‫منكرة.‬ ‫إسلم عمر رضي ا عنه:‬ ‫أسلم في ذي الحجة سنة ست من النبوة، بعد ثلثة أيام من إسلم حمزة.‬ ‫المقاطعة العامة‬ ‫ميثاق الظلم والعدوان:‬ ‫اجتمع المشركون في خيف بني كنانة من وادي المحصب فتحالفوا على بني هاشم وبني‬ ‫المطلب إل يناكحوهم، ول يبايعوهم، ول يجالسوهم، حتى يسلموا إليهم رسول ا للقتل، وكتبوا‬ ‫بذلك صحيفة فيها عهود ومواثيق، وقد كتبها بغيض بن عامر بن هاشم، فدعا عليه الرسول فشلت‬ ‫يده.‬ ‫5‬
  • 6.
    ‫تم هذا الميثاقوعلقت الصحيفة في جوف الكعبة، وكان ذلك في محرم سنة سبع من البعثة.‬ ‫ثلثة أعوام في شعب أبي طالب.‬ ‫نقض صحيفة الميثاق:‬ ‫مر عامان أو ثلثة أعوام والمر على ذلك، وفي المحرم سنة عشر من النبوة نقضت الصحيفة‬ ‫وفك الحصار، وذلك أن قريشا كانوا بين راض بهذا الميثاق وكاره له، فسعى في نقض الصحيفة من‬ ‫كان كارها لها.‬ ‫وكان القائم بذلك هشام بن عمرو، وكان معه زهير بن أبي أمية المخزومي، والمطعم بن‬ ‫عدي، وأبي البختري بن هشام، و زمعة بن السود بن المطلب بن أسد.‬ ‫عام الحزن‬ ‫وفاة أبي طالب:‬ ‫توفي في رجب سنة عشر من النبوة، بعد الخروج من الشعب بستة أشهر.‬ ‫خديجة إلى رحمة ا:‬ ‫توفيت في شهر رمضان في السنة العاشرة من النبوة، وعمرها خمس وستون سنة.‬ ‫تراكم الحزان:‬ ‫وقعت هاتان الحادثتان المؤلمتان خلل أيام معدودة، فاهتزت مشاعر الحزن واللم في قلب‬ ‫رسول ا ثم لم تزل تتوالى عليه المصائب من قومه، فإنهم تجرئوا عليه وكاشفوه بالنكال والذى‬ ‫بعد موت أبي طالب، فازداد غما على غم، حتى يئس منهم، وخرج إلى الطائف رجاء أن يستجيبوا‬ ‫لدعوته، أو يؤووه وينصروه على قومه، فلم ير من يؤوي ولم ير ناصرا، بل آذوه أشد الذى، ونالوا‬ ‫منه ما لم ينله قومه.‬ ‫دعوة السلم خارج مكة‬ ‫الرسول صلى ا عليه وسلم في الطائف:‬ ‫في شوال سنة عشر من النبوة خرج النبي إلى الطائف، وهي تبعد عن مكة ستين مي ل، سارها‬ ‫ً‬ ‫ماشيا على قدميه جيئة وذهابا، ومعه موله زيد بن حارثة، وكان كلما مر على قبيلة في الطريق‬ ‫دعاهم إلى السلم فلم تجب إليه واحدة منها.‬ ‫وأقام رسول ا بين أهل الطائف عشرة أيام، ل يدع أحدا من أشرافهم إل جاءه وكلمه، فقالوا‬ ‫أخرج من بلدنا، وأغروا به سفهاءهم، فلما أراد الخروج تبعه سفهاؤهم وعبيده م يسبونه ويصيحون‬ ‫به، حتى اجتمع عليه الناس، وجعلوا يرمونه بالحجارة، وبكلمات من السفه، ورجموا عراقيبه، وكان‬ ‫زيد بن حارثة يقيه بنفسه حتى أصابه شجاج في رأسه.‬ ‫عرض السلم على القبائل:‬ ‫في ذي القعدة سنة عشر من النبوة عاد رسول ا إلى مكة ليستأنف عرض السلم على‬ ‫القبائل والفراد، ولقتراب الموسم كان الناس يأتون إلى مكة فانتهز الرسول هذه الفرصة ليعرض‬ ‫عليهم السلم، وقد بدأ يطلب منهم في هذه السنة أن يؤووه وينصروه ويمنعوه حتى يبلغ ما بعثه‬ ‫ا به.‬ ‫6‬
  • 7.
    ‫القبائل التي عرضعليها السلم:‬ ‫ومن بين هذه القبائل: بنو عامر بن صعصعة، ومحارب بن خصفة، وفزارة، وغسان، ومرة‬ ‫وحنيفة، وسليم، وعبس، وبنو نصر، وبنو البكاء، وكندة، وكلب، والحارث ابن كعب، وعذرة،‬ ‫والحضارمة، فلم يستجب منهم أحد.‬ ‫أما كيفية عرض السلم على هذه القبائل وردودهم فهي:‬ ‫1 – بنو كلب: أتى النبي إلى بطن منهم يقال لهم: بنو عبدا، فدعاهم إلى ا وعرض عليهم‬ ‫نفسه، حتى أنه ليقول لهم " يا بني عبدا، إن ا قد أحسن اسم أبيكم" فلم يقبلوا منه.‬ ‫2 – بنو حنيفة: أتاهم في منازلهم فدعاهم إلى ا وعرض عليهم نفسه، فلم يكن أحد من‬ ‫العرب أقبح عليه ردا منهم.‬ ‫3 – بني عامر بن صعصعة: دعاهم إلى ا وعرض عليهم نفسه، فقال بحيرة بن فراس: وا لو‬ ‫أني أخذت هذا الفتى من قريش لكلت به العرب، ثم قال: أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك، ثم‬ ‫أظهرك ا على من خالفك أيكون لنا المر من بعدك؟ قال: " المر إلى ا، يضعه حيث يشاء" ، فقال‬ ‫له: أفتهدف نحورنا للعرب دونك، فإذا أظهرك ا كان المر لغيرنا، ل حاجة لنا بأمر، فأبوا عليه.‬ ‫بيعة العقبة الولى‬ ‫في موسم حج سنة 21 من النبوة جاء اثنا عشر رج ل ً فيهم خمسة من الستة الذين كانوا قد‬ ‫التقوا برسول ا في العام السابق، والسادس الذي لم يحضر هو جابر بن عبدا وسبعة سواهم‬ ‫وهم:‬ ‫معاذ بن الحارث، ذكوان بن عبد القيس، عبادة بن الصامت، يزيد بن ثعلبة، العباس بن عبادة،‬ ‫) من الخزرج( ، أبو الهيثم بن تيهان، عويم بن ساعدة، ) من الوس(.‬ ‫التقى هؤلء الرجال برسول ا عند العقبة بمنى فبايعوه.‬ ‫سفير السلم في المدينة:‬ ‫مصعب بن عمير العبدري رضي ا عنه.‬ ‫بيعة العقبة الثانية:‬ ‫في موسم الحج في السنة )31( من النبوة حضر لداء مناسك الحج بضع وسبعون نفسا من‬ ‫المسلمين من أهل يثرب، جاءوا ضمن حجاج قومهم من المشركين، فلما قدموا مكة جرت بينهم‬ ‫وبين النبي اتصالت سرية أدت إلى اتفاق الفريقين على أن يجتمعوا في أوسط أيام التشريق في‬ ‫الشعب الذي عند العقبة حيث الجمرة الولى من منى، وأن يتم الجتماع في سرية تامة في ظلم‬ ‫الليل.‬ ‫بنود البيعة:‬ ‫قال جابر: قلنا يا رسول ا، علم نبايعك؟ قال:‬ ‫" على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى المر‬ ‫بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن تقوموا في ا، لتأخذكم في ا لومة لئمة، وعلى أن‬ ‫تنصروني إذا قدمت إليكم، وتمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة".‬ ‫7‬
  • 8.
    ‫عقد البيعة:‬ ‫وبعد إقراربنود البيعة، وبعد هذا التأكيد والتأكد بدأ عقد البيعة بالمصافحة.‬ ‫اثنا عشر نقيبا:‬ ‫بعد أن تمت البيعة طلب رسول ا أن يختاروا اثني عشر زعيما يكونون نقباء على قومهم،‬ ‫وكانوا تسعة من الخزرج وثلثة من الوس وهم:‬ ‫نقباء الخزرج: 1 – أعسد بن زرارة بن عدس، 2 – سعد بن الربيع بن عمرو، 3 – عبدا بن‬ ‫رواحة بن ثعلبة، 4 – رافع بن مالك بن العجلن، 5 – البراء بن معرور بن صخر، 6 – عبدا بن‬ ‫عمرو بن حرام، 7 – عبادة بن الصامت بن قيس، 8 – سعد بن عبادة بن دليم، 9 – المنذر بن عمرو‬ ‫بن خنيس.‬ ‫نقباء الوس: أسيد بن حضير بن سماك، 2 – سعد بن خيثمة بن الحارث، 3 – رفاعة بن‬ ‫عبدالمنذر بن زبير.‬ ‫ولما تم اختيار هؤلء النقباء أخذ عليهم النبي ميثاقا بصفتهم رؤساء مسئولين قال لهم: " أنتم‬ ‫على قومكم بما فيهم كفلء، ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم، وأنا كفيل على قومي" يعني‬ ‫المسلمين، قالوا نعم.‬ ‫طلئع الهجرة:‬ ‫بدأ المسلمون يهاجرون، وأخذ المشركون يحولون بينهم وبين خروجهم، لما يحسون به من‬ ‫الخطر، وهذه نماذج من ذلك:‬ ‫1 – أو المهاجرين أبو سلمة – هاجر قبل العقبة الكبرى بسنة – وزوجته وابنه، فلما أراد الخروج‬ ‫قال له أصهاره، هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتنا هذه؟ علم نتركك تسير بها في البلد؟‬ ‫فأخذوا منه زوجته، وغضب آل أبي سلمة لرجلهم فقالوا ل نترك ابننا معها إذ نزعتموها من صاحبنا،‬ ‫وتجاذبوا الغلم بينهم فخلعوا يده، وذهبوا به، وانطلق أبو سلمة وحده إلى المدينة.‬ ‫2 – وهاجر صهيب بن سنان الرومي بعد رسول ا صلى ا عليه وسلم، فلما أراد الهجرة قال‬ ‫له كفار قريش أتيتنا صعلوكا حقيرا، فكثر مالك عندنا، وبلغت الذي بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك‬ ‫ونفسك؟ وا ل يكون ذلك، فقال لهم صهيب: أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتخلون سبيلي؟ قالوا نعم‬ ‫قال: فإني قد جعلت لكم مالي، فبلغ ذلك رسول ا فقال: " ربح صهيب، ربح صهيب".‬ ‫3 – وتواعد عمر بن الخطاب، وعياش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاص بن وائل موضعا اسمه‬ ‫التناضب فوق سرف يصبحون عنده، ثم يهاجرون إلى المدنية فاجتمع عمر وعياش، وحبس عنهما‬ ‫هشام.‬ ‫ولما قدما المدينة ونزل بقباء قدم أبو جهل وأخوه الحارث إلى عياش – وأم الثلثة واحدة وهي‬ ‫أسماء بنت مخربة – فقال له: إن أمك قد نذرت أل يمس رأسها مشط، ول تستظل بشمس حتى تراك،‬ ‫فرق لها فقال لهم عمر: يا عياش، إنه وا إن يريدك القوم إل ليفتنوك عن دينك فاحذرهم، فوا‬ ‫لو آذى أمك القمل لمتشطت، ولو قد اشتد عليها حر مكة لستظلت، فأبى عياش إل الخروج معهما‬ ‫ليبر قسم أمه، وبعد رجوعه معهم أوثقاه وربطاه، ثم دخل به مكة نهارا موثقا وقال: يا أهل مكة،‬ ‫هكذا فافعلوا بسفهائكم، كما فعلنا بسفيهنا هذا.‬ ‫هذه ثلثة نماذج لما كان المشركون يفعلونه بمن يريد الهجرة إذا علموا ذلك.‬ ‫8‬
  • 9.
    ‫ومع هذا كلهوبعد شهرين وبضعة أيام من بيعة العقوبة الكبرى لم يبق بمكة من المسلمين إل‬ ‫رسول ا وأبو بكر وعلي، أقاما بأمره لهما، وإل من احتبسه المشركون كرها، وقد أعد رسول ا‬ ‫جهازه ينتظر متى يؤمر بالخروج، وأعد أبو بكر جهازه.‬ ‫هجرة النبي صلى ا عليه وسلم‬ ‫بين تدبير قريش وتدبير ا سبحانه وتعالى:‬ ‫من طبيعة مثل هذا الجتماع السرية، وكان هذا مكرا من قريش، ولكنهم ماكروا بذلك ا‬ ‫سبحانه وتعالى، فخيبهم من حيث ل يشعرون، فقد نزل جبريل إلى النبي بوحي من ربه تبارك‬ ‫وتعالى فأخبره بمؤامرة قريش، وبين له خطة الرد على قريش فقال :ل تبت هذه الليلة على‬ ‫فراشك.‬ ‫وذهب النبي في الهاجرة ) حين يستريح الناس في بيوتهم( إلى أبي بكر ليبرم معه مراحل‬ ‫الهجرة، ثم أبرم معه خطة الهجرة ورجع إلى بيته، وقد استمر في أعماله اليومية حسب المعتاد‬ ‫حتى لم يشعر أحد بأنه يستعد للهجرة، اتقاء مما قررته قريش.‬ ‫تطويق منزل الرسول صلى ا عليه وسلم:‬ ‫اختير لتنفيذ الخطة أحد عشر رئيسا من أكابر قريش وهم:‬ ‫1 – أبو جهل بن هشام، 2 – الحكم بن أبي العاص، 3 – عقبة بن أبي معيط، 4 – النظر بن‬ ‫الحارث، 5 – أمية بن خلف، 6 – زمعة بن السود، 7 – طعيمة بن عدي، 8 – أبو لهب، 9 – أبي بن‬ ‫خلف، 01 – نبيه بن الحجاج، 11 – أخوه منبه بن الحجاج.‬ ‫كان من عادة رسول ا أن ينام في أوائل الليل بعد صلة العشاء، ويخرج بعد نصف الليل إلى‬ ‫المسجد الحرام، يصلي فيه قيام الليل، فأمر عليا تلك الليلة أن يضطجع على فراشه، ويتسجى ببرده‬ ‫الحضرمي الخضر، وأخبره أنه ل يصيبه مكروه.‬ ‫فلما كانت عتمة الليل ونام الناس جاء المذكورون إلى بيت النبي سرا، واجتمعوا على بابه‬ ‫يرصدونه، وهم يظنونه نائما حتى إذا قام وخرج وثبوا عليه ونفذوا ما قرروا فيه.‬ ‫وقد كان ميعاد تنفيذ المؤامرة بعد منتصف الليل في وقت خروج النبي من البيت فباتوا متيقظين‬ ‫ينتظرون ساعة الصفر.‬ ‫الرسول يغادر بيته:‬ ‫وقد فشلت قريش في خطتهم فش ل ً ذريعا، إذ خرج الرسول من البيت، واخترق صفوفهم وأخذ‬ ‫حفنة من البطحاء فجعل يذره على رؤوسهم وقد أخذ ا أبصارهم عنه فل يرونه، وهو يتلو‬ ‫) وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم ل يبصرون( ، ومضى إلى بيت أبي‬ ‫بكر، فخرجا من خوخة في دار أبي بكر لي ل ً حتى لحقا بغار ثور في اتجاه اليمين.‬ ‫وبقى المحاصرون ينتظرون حلول ساعة الصفر، بينما هم كذلك جاءهم رجل ورآهم ببابه‬ ‫فقال: ما تنتظرون؟ قالوا: محمدا، قال: قد مر بكم وذر على رؤوسكم التراب وانطلق !‬ ‫ولكنهم تطلعوا من صير الباب فرأوا عليا، فقالوا: وا إن هذا محمدا نائما، فلم يبرحوا كذلك‬ ‫حتى أصبحوا، وقام علي عن الفراش، وسألوه عن النبي فقال ل أعلم.‬ ‫من الدار إلى الغار:‬ ‫9‬
  • 10.
    ‫غادر الرسول بيتهفي ليلة 72 من شهر صفر سنة 41 من النبوة الموافق 21-31 سبتمر سنة‬ ‫226 م وأتى إلى دار أبي بكر ، ثم غادرا وخرجا من مكة على عجل قبل أن يطلع الفجر.‬ ‫وسلك الرسول الطريق المتجه إلى اليمن الذي يقع جنوب مكة، سلك هذا الطريق نحو خمسة‬ ‫أميال حتى بلغ إلى جبل يعرف بجبل ثور.‬ ‫إذ هما في الغار:‬ ‫دخل أبو بكر قبل الرسول لكي يطمأن على المكان، وعند اطمئنانه أدخل رسول ا، وقد لدغ‬ ‫أبا بكر في رجله من جحر داخل الغار، فتفل عليه رسول ا فذهب ما يجده.‬ ‫وبقيا في الغار ثلثة ليال، ليلة الجمعة والسبت والحد، وكان عبدا بن أبي بكر يبيت عندهما،‬ ‫وكان يرعى عليهما عامرة بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم، فيريحها عليهما حيث تذهب ساعة‬ ‫من العشاء.‬ ‫أما قريش فقد جن جنونها حينما تأكد لديها إفلت الرسول صباح ليلة تنفيذ المؤامرة، فأول ما‬ ‫فعلوا بهذا الصدد أنهم ضربوا عليا، وسحبوه إلى الكعبة، وحبسوه ساعة، علهم يظفرون بخبرهما.‬ ‫وضعت قريش جميع الطرق تحت المراقبة الشديدة، وقررت إعطاء مكافأة ضخمة قدرها مائة‬ ‫ناقة بدل كل واحد منهما لمن يعيدهما حيين أو ميتين.‬ ‫وقد وصل المطاردون إلى باب الغار، روى البخاري أن أبي بكر قال: كنت مع النبي في الغار،‬ ‫فرفعت رأسي فإذا أنا بأقدام القوم، فقلت: يا نبي ا، لو أن بعضهم طأطأ بصره رآنا، قال " أسكت‬ ‫يا أبا بكر، اثنان، ا ثالثهما" ، وفي لفظ: " ما ظنك يا أبا بكر باثنين ا ثالثهما".‬ ‫في الطريق إلى المدينة:‬ ‫وقد استمر البحث عنهما ثلثة أيام، وقد تهيأ رسول ا وصاحبه للخروج إلى المدينة.‬ ‫وكانا قد استأجرا عبدا بن أريقط الليثي، وكان على الشرك، وقد واعداه غار ثور بعد ثلث‬ ‫ليال براحلتيهما، فلما كانت ليلة الثنين غرة ربيع الول سنة )1( هـ/ 61 سبتمبر 226 م جاءهما‬ ‫عبدا بن أريقط بالراحلتين، ثم ارتحل رسول ا وأبو بكر وارتحل معهما عامر بن فهيرة، وأخذ‬ ‫بهم الدليل – عبدا بن أريقط- على طريق السواحل.‬ ‫وأول ما سلك بهم عبد الخروج من الغار أنه أمعن في اتجاه الجنوب نحو اليمن، ثم اتجه غربا‬ ‫نحو الساحل، حتى إذا وصل إلى طريق لم يألفه الناس، اتجاه شما ل ً على مقربة من شاطئ البحر‬ ‫الحمر، وسلك طريقا لم يكن يسلكه أحدا إل نادرا.‬ ‫بعض ما وقع في الطريق:‬ ‫في الطريق لقي النبي بريدة بن الحصيب السلمي، ومعه نحو ثمانين بيتا فأسلم وأسلموا،‬ ‫وصلى رسول ا العشاء الخرة فصلوا خلفه، وأقام بريدة بأرض قومه حتى قدم على الرسول بعد‬ ‫أحد.‬ ‫النزول بقباء:‬ ‫في يوم الثنين 8 ربيع الول سنة 41 من النبوة، وهي السنة الولى من الهجرة الموافق‬ ‫32/ سبتمر 226 م نزل رسول ا بقباء.‬ ‫01‬
  • 11.
    ‫قال ابن القيم:وسمعت الوجبة والتكبير في بني عمرو بن عوف، وكبر المسلمون فرحا بقدومه،‬ ‫وخرجوا للقائه، فتلقوه وحيوه بتحية النبوة، فأحدقوا به مطيفين حوله والسكينة تغشاه، والوحي‬ ‫ينزل عليه: ) فإن ا هو موله وجبريل وصالح المؤمنين والملئكة بعد ذلك ظهير(.‬ ‫ونزل رسول ا بقباء على كلثوم بن الهدم.‬ ‫ومكث علي بن أبي طالب رضي ا عنه بمكة ثلثا حتى أدى عن رسول ا صلى ا عليه وسلم‬ ‫الودائع التي كانت عنده للناس، ثم هاجر ماشيا على قدميه حتى لحقهما بقباء، ونزل على كلثوم بن‬ ‫الهدم.‬ ‫وأقام رسول ا بقباء أربعة أيام: الثنين والثلثاء والربعاء والخميس، وأسس مسجد قباء‬ ‫وصلى فيه، وهو أول مسجد أسس على التقوى بعد النبوة، ولما كان اليوم الخامس ) يوم الجمعة(‬ ‫ركب بأمر ا له، وأبو بكر ردفه، وأرسل إلى بني النجار أخواله فجاءوا متقلدين سيوفهم، فسار‬ ‫نحو المدينة وهم حوله، وأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف، فجمع بهم في المسجد الذي في‬ ‫بطن الوادي، وكانوا مائة رجل.‬ ‫الدخول في المدينة:‬ ‫ثم سار النبي بعد الجمعة حتى دخل المدينة، ومن ذلك اليوم سميت بلدة يثرب بمدينة الرسول،‬ ‫ويعبر عنها بالمدينة مختصرا.‬ ‫ونزل رسول ا عند أبي أيوب النصاري، وفي رواية أنس عند البخاري، قال نبي ا صلى ا‬ ‫عليه وسلم: ) أي بيوت أهلنا أقرب؟( فقال أبو أيوب: أنا يا رسول ا، هذه داري، وهذا بابي، قال‬ ‫) فانطلق فهيئ لنا مقي ل ً( ، قال قوما على بركة ا.‬ ‫وبعد أيام وصلت إليه زوجته سودة، وبنتاه فاطمة وأم كلثوم، وأسامة بن زيد، وأم ايمن، وخرج‬ ‫معهم عبدا بن أبي بكر بعيال أبي بكر، ومنهم عائشة، وبقيت زينب عند أبي العاص، لم يمكنها‬ ‫من الخروج حتى هاجرت بعد بدر.‬ ‫المرحلة الولى‬ ‫بناء مجتمع جديد‬ ‫قد أسلفنا أن نزول رسول ا بالمدينة في بني النجار كان يوم الجمعة )21/ ربيع الول/1 هـ‬ ‫الموافق 72/ سبتمبر/ 226 م( وأنه نزل في أرض أمام دار أبي أيوب.‬ ‫بناء المسجد النبوي:‬ ‫وأول خطوة خطاها رسول ا بعد ذلك هو بناء المسجد النبوي، واختار له المكان الذي بركت‬ ‫فيه ناقته، فاشتراه من غلمين يتيمين كانا يملكانه، وأسهم في بنائه بنفسه، فكان ينقل اللبن‬ ‫والحجار، ويقول:‬ ‫فاغفر للنصار والمهاجرة‬ ‫اللهم ل عيش إلى عيش الخرة‬ ‫وفي أوائل الهجرة شرع الذان، وقد تشرف برؤيته في المنام أحد الصحابة الخيار عبدا بن‬ ‫زيد بن عبد ربه، فأقره النبي وقد وافقت رؤياه رؤيا عمر بن الخطاب فأقره النبي.‬ ‫المؤاخاة بين المسلمين:‬ ‫11‬
  • 12.
    ‫آخى رسول اصلى ا عليه وسلم بين المهاجرين والنصار في دار أنس بن مالك، وكانوا‬ ‫تسعين رج ل ً نصفهم من المهاجرين، ونصفهم من النصار، آخى بينهم على المواساة، ويتوارثون‬ ‫بعد الموت دون ذوي الرحام إلى حيث وقعة بدر، فلما أنزل ا عز وجل ) وأولوا الرحام بعضهم‬ ‫أولى ببعض( رد التوارث إلى الرحم دون عقد الخوة.‬ ‫ومعنى هذا الخاء أن تذوب عصبيات الجاهلية، وتسقط فوارق النسب واللون والوطن، فل‬ ‫يكون أساس الولء والبراء إل السلم.‬ ‫بنود المعاهدة مع اليهود:‬ ‫1 – إن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم،‬ ‫وكذلك لغير بني عوف من اليهود.‬ ‫2 – وإن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم.‬ ‫3 – وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة.‬ ‫4 – وإن بينهم النصح والنصيحة، والبر دون الثم.‬ ‫5 – وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه.‬ ‫6 – وإن النصر للمظلوم.‬ ‫7 – وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين.‬ ‫8 – وإن يثرب حرام جوفها لهل هذه الصحيفة.‬ ‫9 – وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده مرده إلى ا عز‬ ‫وجل، وإلى محمد رسول ا صلى ا عليه وسلم.‬ ‫01 – وإنه ل تجار قريش ول من نصرها.‬ ‫11 – وإن بينهم النصر على من دهم يثرب، على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قبلهم.‬ ‫21 – وإنه ل يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم.‬ ‫وبإبرام هذه المعاهدة صارت المدينة وضواحيها دولة وفاقية، عاصمتها المدينة، ورئيسها ) إن‬ ‫صح هذا التعبير( رسول ا صلى ا عليه وسلم، والكلمة النافذة والسلطان الغالب فيها للمسلمين.‬ ‫الكفاح الدامي‬ ‫سرية سيف البحر:‬ ‫في رمضان سنة 1 هـ، الموافق مارس سنة 326 م، أ مر رسول ا على هذه السرية حمزة بن‬ ‫ّ‬ ‫عبدالمطلب، وبعثه في ثلثين رج ل ً من المهاجرين يعترضون عيرا لقريش جاءت من الشام، وفيها‬ ‫أبو جهل بن هشام في ثلثمائة رجل، فبلغوا سيف البحر من ناحية العيص، فالتقوا واصطفوا‬ ‫للقتال، فمشى مجدي بن عمرو الجهني، وكان حليفا للفريقين جميعا، بين هؤلء وهؤلء حتى حجز‬ ‫بينهم فلم يقتتلوا.‬ ‫وكان لواء حمزة أول لواء عقده رسول ا صلى ا عليه وسلم، وكان أبيض، وحمله أبو مرثد‬ ‫كناز بن حصين الغنوي.‬ ‫21‬
  • 13.
    ‫سرية نخلة:‬ ‫في رجبسنة 2 هـ، الموافق يناير سنة 426 م، بعث رسول ا فيها عبدا بن جحش السدي‬ ‫إلى نخلة في اثني عشر رج ل ً من المهاجرين، كل اثنين يعتقبان على بعير.‬ ‫وكان رسول ا كتب له كتابا، وأمره أل ينظر فيه حتى يسير يومين، ثم ينظر فيه، فسار عبدا‬ ‫ثم قرأ الكتاب بعد يومين، فإذا فيه: " إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكة‬ ‫والطائف، فترصد بها عير قريش وتعلم لنا من أخبارها" ، فقال: سمعا وطاعة، وأخبر أصحابه بذلك،‬ ‫وأنه ل يستكرههم، فمن أحب الشهادة فلينهض، ومن كره الموت فليرجع، وأما أنا فناهض، فنهضوا‬ ‫كلهم، غير أنه لما كان في أثناء الطريق أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرا لهما كانا‬ ‫يتعقبانه، فتخلفا في طلبه.‬ ‫وسار عبدا بن جحش حتى نزل بنخلة، فمرت عير لقريش تحمل زبيبا وأدما وتجارة، وفيها‬ ‫عمرو بن الحضرمي، وعثمان ونوفل ابنا عبدا بن المغيرة، والحكم ابن كيسان مولى بني‬ ‫المغيرة، فتشاور المسلمون وقالوا: نحن في آخر يوم من رجب، الشهر الحرام، فإن قاتلناهم‬ ‫انتهكنا الشهر الحرام، وإن تركناهم الليلة دخلوا الحرم، ثم اجتمعوا على اللقاء، فرمى أحدهم‬ ‫عمرو بن الحضرمي فقتله، وأسروا عثمان والحكم وأفلت نوفل، ثم قدموا بالعير والسيري ن إلى‬ ‫المدينة، وقد عزلوا من ذلك الخمس، وهو أول خمس كان في السلم، وأول قتيل في السلم،‬ ‫وأول أسيرين في السلم.‬ ‫وأنرك رسول ا ما فعلوه، وقال: " ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام" ، وتوقف عن التصرف‬ ‫في العير والسيرين.‬ ‫ووجد المشركون فيما حدث فرصة لتهام المسلمين بأنهم قد أحلوا ما حرم ا، حتى نزلت الية‬ ‫الكريمة: ) يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه، قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل ا وكفر به‬ ‫والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند ا والفتنة أكبر من القتل(.‬ ‫غزوة بدر الكبرى‬ ‫أول معركة من معارك السلم الفاصلة:‬ ‫سبب الغزوة:‬ ‫عند عودة عير قريش من الشام إلى مكة بعث رسول ا طلحة بن عبيد ا وسعيد بن زيد إلى‬ ‫الشمال ليقوما باكتشاف خبرها، فوصل إلى الحوراء ومكثا حتى مر بهما أبو سفيان بالعير، فأسرعا‬ ‫إلى المدينة وأخبرا رسول ا بالخبر.‬ ‫وكانت العير تحمل ثروات طائلة لكبار أهل مكة ورؤسائها: ألف بعير موقرة بأموال ل تقل عن‬ ‫خمسين ألف دينار ذهبي، ولم يكن معها من الحرس إل نحو أربعين رج ل.‬ ‫ً‬ ‫لذلك أعلن رسول ا في المسلمين قائ ل ً: " هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعل‬ ‫ا ينفلكموها".‬ ‫ولم يعزم على أحد بالخروج، بل ترك المر للرغبة المطلقة، لما أنه لم يكن يتوقع عند هذا‬ ‫النتداب أنه سيصطدم بجيش مكة - بدل العير- هذا الصطدام العنيف في بدر، ولذلك تخلف كثير من‬ ‫الصحابة في المدينة، وهم يحسبون أن مضي رسول ا في هذا الوجه لن يعدو ما ألفوه في‬ ‫السرايا والغزوات الماضية، ولذلك لم ينكر على أحد تخلفه في هذه الغزوة.‬ ‫31‬
  • 14.
    ‫مبلغ قوة الجيشالسلمي وتوزيع القيادات:‬ ‫واستعد رسول ا للخروج ومعه ثلثمائة وبضعة عشر رج ل ً )313 ، أو 413 ، أو 713 رج ل ً( 28 أو‬ ‫38 أو 68 من المهاجرين و 16 من الوس و 071 من الخزرج، ولم يحتفلوا لهذا الخروج احتفا ل ً‬ ‫بليغا، ول اتخذوا أهبتهم كاملة، فلم يكن معهم إلى فرس أو فرسان: فرس للزبير بن العوام،‬ ‫وفرس للمقداد بن السود الكندي، وكان معهم سبعون بعيرا يعتقب الرجلن والثلثة على بعير‬ ‫واحد، وكان رسول ا وعلي ومرثد بن أبي مرثد الغنوي يعتقبون بعيرا واحدا.‬ ‫واستخلف على المدينة وعلى الصلة ابن أم مكتوم، فلما كان بالروحاء رد أبا لبابة بن‬ ‫عبدالمنذر، واستعمله على المدينة.‬ ‫ودفع لواء القيادة العامة إلى مصعب بن عمير القرشي العبدري، وكان هذا اللواء أبيض.‬ ‫وقسم جيشه إلى كتيبتين:‬ ‫1 – كتيبة المهاجرين: وأعطى رايتها علي بن أبي طالب، ويقال لها العقاب.‬ ‫2 – كتيبة النصار: وأعطى رايتها سعد بن معاذ، ) وكانت الرايتان سوداوين(.‬ ‫وجعل على قيادة الميمنة الزبير بن العوام، وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة، وظلت‬ ‫القيادة العامة في يده كقائد أعلى للجيش.‬ ‫الجيش السلمي يتحرك نحو بدر‬ ‫النذير في مكة:‬ ‫كان أبو سفيان على غاية من الحيطة والحذر، وكان يتحسس الخبار ويسأل من لقي من‬ ‫الركبان، ولم يلبث أن نقلت إليه استخباراته بأن محمدا قد استنفر أصحابه ليوقع بالعير، عندها‬ ‫استأجر ضمضم بن عمرو الغفاري إلى مكة مستصرخا لقريش بالنفير إلى عيرهم.‬ ‫أهل مكة يتجهزون للغزو:‬ ‫فتحفز الناس سراعا وقالوا: أيظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمي؟ كل وا‬ ‫ليعلمن غير ذلك، فكانوا بين رجلين: إما خارج، وإما باعث مكانه رج ل، وجمعوا في الخروج فلم‬ ‫ً‬ ‫يتخلف من أشرافهم أحد سوى أبي لهب، ولم يتخلف عنهم أحد من بطون قريش إل بني عدي فلم‬ ‫يخرج منهم أحد.‬ ‫قوام الجيش المكي:‬ ‫قوامه ألف وثلثمائة مقاتل في بداية سيره، وكان معه مائة فرس وستمائة درع، وجمال كثيرة،‬ ‫وكان قائده العام أبا جهل.‬ ‫مشكلة قبائل بني بكر:‬ ‫ولما أجمع هذا الجيش على المسير ذكرت قريش ما كان بينها وبين بني بكر من العداوة‬ ‫والحرب، فخافوا أن تضربهم هذه القبائل من الخلف، فيكونوا بين نارين، فكان ذلك يثنيهم، ولكن‬ ‫تبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي، فقال لهم: أنا لكم جار من أن‬ ‫تأتيكم كنانة من خلفكم.‬ ‫جيش مكة يتحرك:‬ ‫41‬
  • 15.
    ‫تحركوا بسرعة فائقةنحو الشمال في اتجاه بدر، وهناك تلقوا رسالة جديدة من أبي سفيان‬ ‫يقول فيها: إنكم إنما خرجتم لتحرزوا عيركم ورجالكم وأموالكم، وقد نجاها ا فارجعوا.‬ ‫العير نفلت:‬ ‫وكان من قصة أبي سفيان أنه كان يسير على الطريق الرئيسي، ولكنه لم يزل حذرا متيقظا،‬ ‫وضاعف حركاته الستكشافية، وغير وجهته إلى الساحل غربا تاركا الطريق الرئيسي الذي يمر ببدر‬ ‫على اليسار، وبهذا نجا بالقافلة.‬ ‫هم الجيش المكي بالرجوع، ووقوع النشقاق فيه:‬ ‫ولما تلقى جيش مكة رسالة أبي سفيان هم بالرجوع، ولكن قام طاغية قريش أبو جهل في‬ ‫كبرياء وغطرسة قائ ل ً: وا ل نرجع حتى نرد بدرا فنقيم بها ثلثا، فننحر الجزور، ونطعم الطعام،‬ ‫ونسقي الخمر، وتعزف لنا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فل يزالون يهابوننا أبدا.‬ ‫وعاد الخنس بن شريق هو وبنو زهرة، وكان رئيسا عليهم فم يشهد بدرا زهري واحد، وكانوا‬ ‫حوالي ثلثمائة رجل.‬ ‫المجلس الستشاري:‬ ‫عقد رسول ا مجلسا عسكريا استشاريا، وتبادل فيه الرأي مع عامة جيشه وقادته، وحينئذ‬ ‫تزعزع قلوب فريق من الناس، وخافوا اللقاء الدامي، وهم الذين قال ا فيهم: " كما أخرجك ربك‬ ‫من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون، يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون‬ ‫إلى الموت وهم ينظرون(.‬ ‫أما قادة الجيش فقام أبو بكر وعمر وقال وأحسنا أما المقداد بن عمر فقال: يا رسول ا أمض‬ ‫لما أراك ا، فنحن معك، وا ل نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى ) اذهب أنت وربك فقاتل‬ ‫إنا هاهنا قاعدون( ولكن اذهب أنت وربك فقاتل إنا معكما مقاتلون.‬ ‫أما مقاتلي النصار فقد قال قائدهم وحامل لوائهم سعد بن معاذ: قد آمنا بك، فصدقناك،‬ ‫وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة،‬ ‫فامض يا رسول ا لما أردت، فسر بنا على بركة ا.‬ ‫الجيش السلمي يواصل سيره:‬ ‫ثم ارتحل رسول ا من ذفران، فسلك على ثنايا الصافر ثم انحط منها إلى بلد الدبة، وترك‬ ‫الحنان بيمين، ثم نزل قريبا من بدر.‬ ‫الرسول يقوم بعملية الستكشاف:‬ ‫قام الرسول بنفسه بعملية الستكشاف مع أبي بكر، وبينما هما يتجولن حول معسكر مكة إذا‬ ‫هما بشيخ من العرب فسأله الرسول عن قريش وعن محمد وأصحابه، سأل عن الجيشين زيادة في‬ ‫التكتم، ولكن الشيخ قال ل أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما؟ فقال رسول ا إذا أخبرتنا أخبرناك،‬ ‫قال أو ذاك بذاك، قال نعم.‬ ‫قال الشيخ: فإنه بلغني أن محمدا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذي أخبرني‬ ‫فهم اليوم بمكان كذا وكذا، للمكان الذي به جيش المدينة، وبلغني أن قريشا خرجوا يوم كذا وكذا،‬ ‫فإن كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا، للمكان الذي به جيش مكة.‬ ‫51‬
  • 16.
    ‫ولما فرغ منخبره قال: مما أنتما؟ فقال له رسول ا نحن من ماء، ثم انصرف عنه وبقي‬ ‫الشيخ يتفوه: ما من ماء؟ أمن ماء العراق؟‬ ‫الحصول على أهم المعلومات عن الجيش المكي:‬ ‫قام لهذه العملية ثلثة من قادة المهاجرين، علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وسعد بن‬ ‫أبي وقاص، ذهبوا إلى ماء بدر فوجدوا غلمين يستقيان لجيش مكة، فألقوا عليهما القبض، وجاءوا‬ ‫بهم إلى الرسول، فخاطبهما قائ ل ً: أخبراني عن قريش، فأبلغاه عنها.‬ ‫نزول المطر:‬ ‫أنزل ا المطر، فكان واب ل ً شديدا على المشركين منهم من التقدم، وكان على المسلمين ط ل ً‬ ‫طهرهم به ووطأ به الرض، وصلب به الرمل وثبت القدام، ومهد به المنزل، وربط به على قلوبهم.‬ ‫الجيش السلمي يسبق إلى أهم المراكز العسكرية:‬ ‫تحرك الرسول بالجيش ليسبق المشركين إلى ماء بدر، ونهض الرسول بالجيش حتى أتى أقرب‬ ‫ماء من العدو، ) وكان هذا الرأي للحباب بن منذر( فنزل عليه شطر الليل ثم صنعوا الحياض وغوروا‬ ‫ما عداها من القلب.‬ ‫مقر القيادة:‬ ‫وبعد أن تم نزول المسلمين على الماء اقترح سعد بن معاذ على رسول ا أن يبني المسلمون‬ ‫مقرا لقيادته، استعدادا للطوارئ، وتقديرا للهزيمة قبل النصر، فبنى المسلمون عريشا على تل‬ ‫مرتفع يقع في الشمال الشرقي لميدان القتال، ويشرف على ساحة المعركة.‬ ‫تعبئة الجيش وقضاء الليل:‬ ‫ثم عبأ رسول ا جيشه، ومشى في موضع المعركة، ثم بات رسول ا يصلي إلى جذع شجرة‬ ‫هنالك، وبات المسلمون ليلهم هادئ النفوس ) إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من‬ ‫السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به القدام(.‬ ‫كانت هذه الليلة ليلة الجمعة، السابعة عشرة من رمضان في السنة الثانية من الهجرة وكان‬ ‫خروجه صلى ا عليه وسلم في 8 أو 21 من نفس الشهر.‬ ‫الجيش المكي في عرصة القتال، ووقوع النشقاق فيه:‬ ‫قامت معارضة ضد أبي جهل، تدعو إلى العودة بالجيش إلى مكة دونما قتال، يتزعمها عتبة ابن‬ ‫ربيعة وحكيم ابن حزام، وتعجل أبو جهل، مخافة أن تقوى هذه المعارضة، فبعث إلى عامر بن‬ ‫الحضرمي، أخي عمرو بن الحضرمي، المقتول في سرية عبدا بن جحش، فقال: هذا حليفك ) أي‬ ‫عتبة( يريد أن يرجع بالناس، وقد رأيت ثأرك بعينيك، فقم فانشد عهدك، ومقتل أخيك، فقام عامر‬ ‫وصرخ واعمراه واعمراه فحمي القوم، واستوثقوا على ما عليه من الشر، وافسد على الناس الرأي‬ ‫الذي دعاهم إليه عتبة.‬ ‫الجيشان يتراآن:‬ ‫لما طلع المشركون وتراءى الجمعان، وعدل رسول ا صفوف المسلمين وأصدر أوامره إلى‬ ‫جيشه بأل يبدءوا القتال حتى يتلقوا منه الوامر الخيرة.‬ ‫ساعة الصفر وأول وقود المعركة:‬ ‫61‬
  • 17.
    ‫أول وقود المعركةالسود بن عبد السد المخزومي، خرج قائ ل ً: أعاهد ا لشربن من حوضهم‬ ‫أو لهدمنه أو لموتن دونه، فقتله حمزة بن عبدالمطلب.‬ ‫المبارزة:‬ ‫خرج ثلثة من خيرة فرسان قريش وكانوا من عائلة واحدة، وهم عتبة وأخوه شيبة ابنا ربيعة،‬ ‫والوليد بن عتبة، وخرج لمبارزتهم عبيدة بن الحارث و حمزة بن عبدالمطلب و علي بن أبي طالب،‬ ‫فبارز عبيدة، عتبة بن ربيعة، وبارز حمزة شيبة، وبارز علي الوليد.‬ ‫الهجوم العام:‬ ‫وكانت نهاية هذه المبارزة بداية سيئة للمشركين، إذ فقدوا ثلثة من خيرة فرسانهم وقادتهم‬ ‫دفعة واحدة.‬ ‫الرسول يناشد ربه:‬ ‫وكان يقول: اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك( وقال ) اللهم إن تهلك‬ ‫هذه العصابة اليوم ل تعبد، اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبدا(.‬ ‫نزول الملئكة:‬ ‫وأغفى رسول ا إغفاءة واحدة ثم رفع رأسه فقال: أبشر يا أبا بكر، هذا جبريل على ثناياه‬ ‫النقع( أي الغبار.‬ ‫الهجوم المضاد:‬ ‫وحينئذ أصدر إلى جيشه أوامره الخيرة بالهجمة المضادة فقال: ) شدوا( ، وحرضهم على القتال،‬ ‫قائ ل ً: " والذي نفس محمد بيده، ل يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا مقب ل ً غير مدبر، إل أدخله‬ ‫ا الجنة" ، وقال: " قوموا إلى جنة عرضها السموات والرض" ، وحينئذ قال عمير بن الحمام: بخ بخ،‬ ‫فقال له الرسول ما يحملك على قول ذلك، قال ل وا إل رجاء أن أكون من أهلها، قال رسول ا:‬ ‫:‬ ‫أنت من أهلها، فأخرج تمرات من جعبته فجعل يأكل منهن ثم قال: لئن حييت حتى آكل تمراتي هذه‬ ‫إنها لحياة طويلة، فرمى التمر ثم قاتلهم حتى قتل.‬ ‫وحين أصدر رسول ا المر بالهجوم المضاد كانت حدة هجمات العدو قد ذهبت وفتر حماسه،‬ ‫فكان لهذه الخطة الحكيمة أثر كبير في تعزيز موقف المسلمين.‬ ‫إبليس ينسحب من ميدان القتال:‬ ‫ولما رأى إبليس ) وقد جاء بصورة سراقة بن مالك( ما يفعله الملئكة بالمشركين فر وكان‬ ‫يقول ) إني أرى ما ل ترون إني أخاف ا وا شديد العقاب( ، حتى ألقى نفسه في البحر.‬ ‫الهزيمة الساحقة:‬ ‫وبدأت أمارات الفشل والضطراب في صفوف المشركين، وجعلت تتهدم أمام حملت المسلمين‬ ‫العنيفة واقتربت المعركة من نهايتها، وأخذت جموع المشركين في الفرار والنسحاب.‬ ‫صمود أبي جهل:‬ ‫ولما رأى أبو جهل أمارات الضطراب في صفوفه حاول أن يصمد في وجه هذا السيل، فجعل‬ ‫يشجع جيشه.‬ ‫71‬
  • 18.
    ‫مصرع أبي جهل:‬ ‫قتلهشابان هما معاذ بن عمرو بن الجموح ومعوذ ابن عفراء، ولما انتهت المعركة قال رسول‬ ‫ا من ينظر ما صنع أبو جهل، فتفرق الناس في طلبه فوجده عبدا بن مسعود وبه آخر رمق فحز‬ ‫) الذي ل إله إل هو؟( فرددها ثلثا، ثم قال : ) أكبر، الحمد‬ ‫ا‬ ‫رأسه وجاء به إلى رسول ا فقال ا‬ ‫لله الذي صدق وعده ونصر عبده وهزم الحزاب وحدة، انطلق أرنيه، فانطلقنا فأريته إياه فقال‬ ‫) هذا فرعون هذه المة(.‬ ‫من روائع اليمان في هذه المعركة:‬ ‫في هذه المعركة تجلت مناظر رائعة تبرز فيها قوة العقيدة وثبات المبدأ، ففي هذه المعركة‬ ‫التقى الباء بالبناء، والخوة بالخوة، خالفت بينهما المبادئ ففصلت بينهما السيوف، والتقى‬ ‫المقهور بقاهره فشفى منه غيظه.‬ ‫1 – عن ابن عباس أن النبي قال " إني قد عرفت أن رجا ل ً من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا‬ ‫كرها، ل حاجة لهم بقتالنا، فمن لقي أحدا من بين هاشم فل يقتله، ومن لقي أبا البختري بن هشام‬ ‫فل يقتله، ومن لقي العباس بن عبدالمطلب فل يقتله، فإنه إنما أخرج مستكرها".‬ ‫2 – كان النهي عن قتل أبي البختري، لنه كان أكف القوم عن رسول ا وهو بمكة وكان ل‬ ‫يؤذيه، ول يبلغ عنه شيء يكرهه، وكان ممن قام في نقض صحيفة مقاطعة بني هاشم وبني‬ ‫المطلب.‬ ‫ولكنه قتل وقد قتله المجذر بن زياد البلوي لنه دافع عن زميله.‬ ‫3 – كان عبدالرحمن بن عوف وأمية بن خلف صديقين في الجاهلية بمكة، قال عبدالرحمن بن‬ ‫عوف: كاتبت أمية بن خلف كتابا بأن يحفظني في خاصتي ومالي بمكة وأحفظه في المدينة، فلما‬ ‫كان يوم بدر خرجت إلى جبل لحرزه حين نام الناس، فأبصر بلل، فخرج حتى وقف على مجلس‬ ‫النصار فقال: أمية بن خلف، ل نجوت إن نجا أمية، فخرج معه فريق من النصار في آثارنا، فلما‬ ‫خشيت أن يلحقونا خلفت لهم ابنه لشغلهم، فقتلوه، ثم أبوا حتى يتبعونا، وكان رج ل ً ثقي ل، فلما‬ ‫ً‬ ‫أدركونا قلت له: أبرك، فبرك، فألقيت نفسي لمنعه فتخللوه بالسيوف من تحتي حتى قتلوه، وأصاب‬ ‫أحدهم رجلي بسيفه.‬ ‫4 – وقتل عمر بن الخطاب خاله العاص بن هشام بن المغيرة، ولم يلتفت إلى قرابته منه،‬ ‫ولكن حين رجع إلى المدينة قال للعباس عم رسول ا، وهو في السر: يا عباس أسلم، فو ا أن‬ ‫تسلم أحب إلى من أن يسلم الخطاب، وما ذاك إل لما رأيت رسول ا يعجبه إسلمك.‬ ‫قتلى الفريقين:‬ ‫انتهت المعركة بهزيمة ساحقة بالنسبة للمشركين، وبفتح مبين بالنسبة للمسلمين، وقد استشهد‬ ‫من المسلمين في هذه المعركة أربعة عشر رج ل، ستة من المهاجرين وثمانية من النصار.‬ ‫ً‬ ‫أما المشركون فقد لحقتهم خسائر فادحة، قتل منهم سبعون، وأسر سبعون، وعامتهم القادة‬ ‫والزعماء والصناديد.‬ ‫ولما انقضت الحرب أقبل رسول ا حتى وقف على القتلى فقال: " بئس العشيرة كنتم لنبيكم،‬ ‫كذبتموني وصدقني الناس، وخذلتموني ونصرني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس" ، ثم أمر بهم‬ ‫فسحبوا إلى قليب من قلب بدر.‬ ‫ُ‬ ‫81‬
  • 19.
    ‫مكة تتلقى نبأالهزيمة:‬ ‫فر المشركون من ساحة بدر في صورة غير منظمة، تبعثروا في الوديان والشعاب، واتجهوا‬ ‫صوب مكة مذعورين، ل يدرون كيف يدخلونها خج ل.‬ ‫ً‬ ‫المدينة تتلقى أنباء النصر:‬ ‫ولما تم الفتح للمسلمين أرسل رسول ا بشيرين إلى أهل المدينة، ليعجل لهم البشرى، أرسل‬ ‫عبدا بن رواحة بشيرا إلى أهل العالية، وأرسل زيد بن حارثة بشيرا إلى أهل السافلة.‬ ‫وكان اليهود والمنافقون قد أرجفوا في المدينة بإشاعة الدعايات الكاذبة، حتى أنهم أشاعوا‬ ‫خبر مقتل النبي، ولما رأى أحد المنافقين زيد بن حارثة راكبا ناقة رسول ا قال: قتل محمد، وهذه‬ ‫ناقته نعرفها، وهذا زيد ل يدري ما يقول من الرعب وجاء منهزما.‬ ‫فلما بلغ الرسولن أحاط بهما المسلمون، وأخذوا يسمعون منهما الخبر، حتى تأكد لديهم فتح‬ ‫المسلمين فعمت البهجة والسرور واهتزت أرجاء المدينة تهلي ل ً وتكبيرا، وتقدم رؤوس المسلمين‬ ‫إلى طريق بدر ليهنئوا رسول ا بهذا الفتح المبين.‬ ‫الجيش النبوي يتحرك نحو المدينة:‬ ‫أقام رسول ا ببدر بعد انتهاء المعركة ثلثة أيام، وقبل رحيله من كان المعرجة وقع خلف‬ ‫بين الجيش حول الغنائم، وما اشتد هذا الخلف أمر رسول ا بأن يرد الجميع ما بأيديهم، ففعلوا،‬ ‫ثم نزل الوحي بحل هذه المشكلة.‬ ‫وبعد أن أقام رسول ا ببدر ثلثة أيام تحرك بجيشه نحو المدينة ومعه السارى من المشركين،‬ ‫واحتمل معه النفل الذي أصيب من المشركين، وجعل عليه عبدا بن كعب، وتم تقسيم الغنائم بين‬ ‫المسلمين بالتساوي بعد إخراج الخمس.‬ ‫وعندما وصل إلى الصفراء أمر بقتل النضر بن الحارث وكان حامل لواء المشركين وقتله علي‬ ‫بن أبي طالب.‬ ‫ولما وصل إلى عرق الظبية أمر بقتل عقوبة بن أبي معيط.‬ ‫وكان قتل هذين الطاغيتين واجبا نظرا إلى سوابقهما، فلم يكونا من السارى فحسب بل كانا‬ ‫من مجرمي الحرب بالصطلح الحديث.‬ ‫وفود التهنئة:‬ ‫دخل رسول ا المدينة مظفرا منصورا قد خافه كل عدو له بالمدينة وحولها فأسلم بشر كثير‬ ‫من أهل المدينة، وحينئذ دخل عبدا بن أبي وأصحابه في السلم ظاهرا.‬ ‫قضية السارى:‬ ‫استشار الرسول أصحابه في السارى، فقال أبو بكر: يا رسول ا أرى أن تأخذ منهم الفدية،‬ ‫وعسى أن يهديهم ا، فيكونوا لنا عضدا.‬ ‫وقال عمر بن الخطاب: أرى أن تمكنني من فلن - قريب لعمر- فأضرب عنقه، وتمكن عليا من‬ ‫عقيل بن أبي طالب فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلن أخيه فيضرب عنقه، حتى يعلم ا أنه‬ ‫ليست في قلوبنا هوادة للمشركين، وهؤلء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم.‬ ‫91‬
  • 20.
    ‫فهوى الرسول رأيأبا بكر، وأخذ منهم الفداء، فنزلت الية " ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى‬ ‫يثخن في الرض تريدون عرض الدنيا وا يريد الخرة وا عزيز حكيم، لول كتاب من ا سبق‬ ‫لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم".‬ ‫والكتاب الذي سبق من ا قيل: هو قوله تعالى " فإما منا بعد وإما فداء(.‬ ‫القرآن يتحدث حول موضوع المعركة:‬ ‫حول هذه المعركة نزلت سورة النفال، وفي السنة الثانية من الهجرة فرض صيام رمضان،‬ ‫وفرضت زكاة الفطر، ومن أحسن المواقع وأروع الصدقات أن أول عيد تعيد به المسلمون في‬ ‫حياتهم هو العيد الذي وقع في شوال سنة 2 هـ.‬ ‫غزوة بني قينقاع:‬ ‫كان الرسول صلى ا عليه وسلم حريصا على تنفيذ ما جاء في المعاهدة التي عقدها مع‬ ‫اليهود، ولم يخالف المسلمون هذه المعاهدة، ولكن اليهود أخذوا في طريق الدس والمؤامرة‬ ‫والتحريش وإثارة القلق والضطراب في صفوف المسلمين.‬ ‫نموذج من مكيدة اليهود:‬ ‫مر شاس بن قيس ) وهو شديد الحقد على المسلمين( على نفر من أصحاب الرسول من الوس‬ ‫والخزرج في مجلس، يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من ألفتهم، بعد ما كان بينهم من العداوة في‬ ‫الجاهلية، فغاضه اجتماعهم، فأمر شابا ممن كان معه بأن يجلس معهم ثم أذكر يوم بعاث وما كان‬ ‫قبله، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الشعار، ففعل، فتكلم القوم عند ذلك، وتنازعوا‬ ‫وتفاخروا حتى تواثب رجلن، فقال أحدهما للخر: إن شئتم أن نستعد لحياء الحرب الهلية التي‬ ‫كانت بيننا، وغضب الفريقان، وكادت تنشب الحرب !‬ ‫فبلغ ذلك رسول ا فخرج إليهم وقال :" يا معشر المسلمين، ا ا، أبدعوى الجاهلية وأنا بين‬ ‫أظهركم بعد أن هداكم ا للسلم، وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من‬ ‫الكفر وألف بين قلوبكم؟".‬ ‫فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان، وكيد من عدوهم، فبكوا، وعانق الرجال الوس والخزرج‬ ‫بعضهم.‬ ‫بنو قينقاع ينقضون العهد:‬ ‫لما رأوا أن ا قد نصر المؤمنين نصرا مؤزرا في ميدان بدر، وأنهم قد صارت لهم عزة وشوكة‬ ‫وهيبة في قلوب القاصي والداني، كاشفوا بالشر والعداوة، وكان أعظمهم حقدا وشرا كعب بن‬ ‫الشرف، كما أن شر طائفة من طوائفهم الثلث هم يهود بني قينقاع، كانوا يسكنون داخل المدينة،‬ ‫وكانوا صاغة وحدادين وصناع الظروف والواني، ولجل هذه الحرف كانت قد توفرت لكل رجل‬ ‫منهم آلت الحرب، وكان عدد المقاتلين فيهم سبعمائة، وكانوا أشجع يهود المدينة، وكانوا أول من‬ ‫نكث العهد والميثاق من اليهود.‬ ‫وعندما تفاقم أمرهم واشتد بغيهم، جمعهم رسول ا فوعظهم ودعاهم إلى الرشد والهدى،‬ ‫وحذرهم من البغي والعدوان، ولكنهم ازدادوا في شرهم وغطرستهم.‬ ‫روى ابن هشام عن أبي عون: أن امرأة من العرب قدمت بجلب لها، فباعته في سوق بني‬ ‫قينقاع، وجلست إلى صائغ، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها، فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها‬ ‫02‬
  • 21.
    ‫فعقده إلى ظهرها– وهي غافلة – فلما قامت انكشفت سوأتها فضحكوا بها فصاحت، فوثب رجل‬ ‫من المسلمين على الصائغ فقتله – وكان يهوديا – فشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ‬ ‫أهل المسلم المسلمين على اليهود فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع.‬ ‫الحصار ثم التسليم ثم الجلء:‬ ‫وحينئذ عيل صبر رسول ا، فاستخلف على المدينة أبا لبابة بن عبدالمنذر، وأعطى لواء‬ ‫المسلمين حمزة بن عبدالمطلب، وسار بجنود ا إلى بني قينقاع، ولما رأوه تحصنوا في حصونهم،‬ ‫فحاصرهم أشد الحصار، وكان ذلك يوم السبت للنصف من شوال سنة 2 هـ، ودام الحصار خمسة‬ ‫عشر ليلة إلى هلل ذي القعدة، وقذف ا في قلوبهم الرعب فنزلوا على حكم رسول ا في‬ ‫رقابهم وأموالهم ونسائهم وذريتهم، فأمر بهم فكتفوا.‬ ‫وحينئذ قام عبدا بن أبي بن سلول بدور نفاقه، فألح على رسول ا أن يصدر عنهم العفو،‬ ‫فقال: يا محمد، أحسن في موالي – وكان بنو قينقاع حلفاء الخزرج – فأبطأ عليه رسول ا فكرر‬ ‫ابن أبي مقالته فأعرض عنه، فأدخل يده في جيب درعه فقال له رسول ا " أرسلني" وغضب حتى‬ ‫رأوا لوجهه ظل ل، ثم قال: " ويحك أرسلني" ، ولكن المنافق مضى على إصراره وقال :ل وا ل‬ ‫ً‬ ‫أرسلك حتى تحسن في موالي أربعمائة حاسر وثلثمائة دارع قد منعوني من الحمر والسود،‬ ‫تحصدهم في غداة واحدة؟ إني وا أمرؤ أخشى الدوائر.‬ ‫وعامل رسول ا هذا المنافق بالحسنى فوهبهم له وأمرهم أن يخرجوا من المدينة ول‬ ‫يجاوروه بها فخرجوا إلى أذرعات الشام، فقل أن لبثوا فيها حتى هلك أكثرهم.‬ ‫وقبض رسول ا منهم أموالهم فأخذ منها ثلث قسى ودرعين وثلثة أسياف وثلثة رماح،‬ ‫وخمس غنائمهم وكان الذي تولى جمع الغنائم محمد بن مسلمة.‬ ‫غزوة أحد:‬ ‫استعداد قريش لمعركة ناقمة:‬ ‫كانت مكة تحترق غيظا على المسلمين مما أصابها في معركة بدر من مأساة الهزيمة وقتل‬ ‫الصناديد والشراف، وكانت تجيش فيها نزعات النتقام، حتى أنهم كانوا قد منعوا البكاء على‬ ‫قتلهم في بدر، ومنعوا في الستعجال في فداء السارى حتى ل يتفطن المسلمون مدى مأساتهم‬ ‫وحزنهم.‬ ‫وعلى إثر غزوة بدر اتفقت قريش على أن تقوم بحرب شاملة ضد المسلمين، وأخذت في‬ ‫الستعداد للخوض في مثل هذه المعركة.‬ ‫وكان عكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، وأبو سفيان بن حرب، وعبدا بن أبي ربيعة أكثر‬ ‫زعماء قريش نشاطا وتحمسا لخوض المعركة.‬ ‫وأول ما فعلوه احتجزوا العير التي كان قد نجا بها أبو سفيان، والتي كانت سببا لمعركة بدر،‬ ‫وقد استخدموا هذه الموال في هذه الحرب.‬ ‫ثم فتحوا باب التطوع لكل من أحب المساهمة في غزو المسلمين من الحابيش وكنانة وأهل‬ ‫تهامة، ومن طرق التحريض إغراء الشعراء ومنهم أبا عزة و مسافع بن عبد مناف الجمحي‬ ‫لتحريض القبائل ضد المسلمين.‬ ‫قوام جيش قريش وقيادته:‬ ‫12‬
  • 22.
    ‫اجتمع من المشركينثلثة آلف مقاتل من قريش والحفاء والحابيش، وعدد النسوة خمسة‬ ‫عشر امرأة.‬ ‫وكان سلح النقليات ثلثة آلف بعير، ومن سلح الفرسان مائتا فرس، وكان من سلح الوقاية‬ ‫سبعمائة درع، والقيادة العامة لبي سفيان بن حرب، وقيادة الفرسان لخالد بن الوليد يعاونه‬ ‫عكرمة بن أبي جهل، أما اللواء فكان إلى بني عبدالدار.‬ ‫الستخبارات النبوية تكشف حركة العدو:‬ ‫كان العباس بن عبدالمطلب يرقب حركات قريش، ولما تحرك الجيش بعث برسالة إلى النبي،‬ ‫وأسرع رسول العباس لبلغ الرسالة حيث قطع مسافة 005 كيلومتر في ثلثة أيام وهي الطريق‬ ‫من مكة إلى المدينة، وسلم الرسالة إلى النبي وهو بمسجد قباء، قرأ الرسالة أبي بن كعب وأمره‬ ‫الرسول بالكتمان.‬ ‫استعداد المسلمين للطوارئ:‬ ‫ظلت المدينة في حالة استنفار عام ل يفارق رجالها السلح حتى وهم في الصلة.‬ ‫الجيش المكي إلى أسوار المدينة:‬ ‫تابع جيش مكة سيره حتى نزل قريبا بجبل أحد، في مكان يقال له: عينين، الذي يقع شمالي‬ ‫المدينة بجانب أحد، فعسكر هناك يوم الجمعة السادس من شوال سنة ثلث من الهجرة.‬ ‫المجلس الستشاري لخذ خطة الدفاع:‬ ‫عقد الرسول مجلسا استشاريا تبادل فيه الرأي، وأخبرهم عن رؤيا رآها، قال: " إني قد رأيت‬ ‫وا خيرا، رأيت بقرا يذبح، ورأيت في ذباب سيفي ثلما، ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة" ،‬ ‫وتأول البقر بنفر من الصحابة يقتلون، وتأول الثلمة في سيفه برجل يصاب من أهل بيته، وتأول‬ ‫الدرع بالمدينة.‬ ‫ثم قدم رأيه إلى صحابته أل يخرجوا من المدينة وأن يتحصنوا بها ووافقه على هذا الرأي‬ ‫عبدا بن أبي ابن سلول ) رأس المنافقين( وذلك ليتمكن من التباعد عن القتال دون أن يعلم بذلك‬ ‫أحد ! ، وكان حمزة بن عبدالمطلب ) عم الرسول( يرى مبارزتهم خارج المدينة.‬ ‫وتنازل الرسول عن رأيه واستقر على الخروج من المدينة، واللقاء في الميدان السافر.‬ ‫تكتيب الجيش السلمي وخروجه إلى ساحة القتال:‬ ‫ثم صلى النبي بالناس يوم الجمعة، فوعظهم وأمرهم بالجد والجتهاد، وأخبر أن لهم النصر بما‬ ‫صبروا، والتهيؤ للعدو، ثم صلى العصر، ثم دخل بيته ومعه أبا بكر وعمر، فعمماه وألبساه، فتدجج‬ ‫بسلحه ولبس درعين وتقلد السيف، ثم خرج على الناس.‬ ‫وقسم النبي جيشه إلى ثلث كتائب:‬ ‫1 – كتيبة المهاجرين، وأعطى لواءها مصعب بن عمير، 2 – كتيبة الوس من النصار، وأعطى‬ ‫لواءها أسيد بن حضير، 3 – كتيبة الخزرج من النصار، وأعطى لواءها الحباب بن المنذر.‬ ‫وكان الجيش مؤلفا من ألف مقاتل فيهم مائة دارع، ولم يكن فيهم من الفرسان أحد، واستعمل‬ ‫على المدينة أبن أم مكتوم على الصلة.‬ ‫22‬
  • 23.
    ‫المبيت بين أحدوالمدينة:‬ ‫وفي هذا المكان أدركهم المساء، فصلى المغرب، ثم صلى العشاء وبات هنالك، واختار‬ ‫خمسين رج ل ً لحراسة المعسكر.‬ ‫تمرد عبدا بن أبي وأصحابه:‬ ‫وعند اقترابه من العدو، تمرد عبدا بن أبي المنافق، فانسحب بنحو ثلث العسكر ) ثلثمائة‬ ‫مقاتل( قائ ل ً: ما ندري علم نقتل أنفسنا؟ ومتظاهرا بالحتجاج بأن الرسول ترك رأيه وأطاع غيره.‬ ‫وكاد المنافق ينجح في تمرده، فقد همت طائفتان بنو حارثة من الوس، وبنو سلمة من‬ ‫الخزرج، أن تفشل، ولكن ا تولهما، فثبتتا بعدما سرى فيهما الضطراب، قال تعالى: " إذ همت‬ ‫طائفتان منكم أن تفشل وا وليهما وعلى ا فليتوكل المؤمنون".‬ ‫وحاول عبدا بن حرام، تذكير المنافقين بواجبهم، فتبعهم وهو يوبخهم ويحضهم على الرجوع،‬ ‫وفي هؤلء المنافقين يقول ا تعالى: " وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل ا‬ ‫أو ادفعوا، قالوا لو نعلم قتا ل ً لتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم لليمان يقولون بأفواههم ما‬ ‫ليس في قلوبهم وا أعلم بما يكتمون".‬ ‫بقية الجيش السلمي إلى أحد:‬ ‫ونفذ رسول ا حتى نزل الشعب من جبل أحد في عدوة الوادي، فعسكر بجيشه مستقب ل ً‬ ‫المدينة، وجاع ل ً ظهره إلى هضاب جبل أحد، وعلى هذا صار جيش العدو فاص ل ً بين المسلمين وبين‬ ‫المدينة.‬ ‫خطة الدفاع:‬ ‫اختار فصيلة من الرماة الماهرين قوامها خمسون مقات ل، وأعطى قيادتها لعبدا بن جبير،‬ ‫ً‬ ‫وأمرهم بالتمركز على جبل يقع على الضفة الشمالية من وادي قناة ) جبل الرماة( جنوب شرق‬ ‫معسكر المسلمين على بعد حوالي مائة وخمسين مترا من مقر الجيش.‬ ‫والهدف من ذلك هو ما أبداه الرسول في كلماته التي ألقاها للرماة فقد قال لقائدهم: " انضح‬ ‫الخيل عنا بالنبل، ل يأتونا من خلفنا إن كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك، ل نؤتين من قبلك" ، وقال‬ ‫للرماة :" احموا ظهورنا، فإن رأيتمونا نقتل فل تنصرونا، وإن رأيتمونا قد غنمنا فل تشركونا".‬ ‫أما بقية الجيش فجعل على الميمنة المنذر بن عمرو، وجعل على الميسرة الزبير بن العوام،‬ ‫يسانده المقداد بن السود.‬ ‫وهكذا تمت تعبئة الجيش النبوي صباح يوم السبت السابع من شوال سنة 3 هـ.‬ ‫الرسول ينفث روح البسالة في الجيش:‬ ‫نهى الرسول الناس عن الخذ في القتال حتى يأمرهم، ولبس درعين وحرض أصحابه على‬ ‫القتال، وحضهم على المصابرة والجلد عند اللقاء، وأخذ ينفث روح الحماسة والبسالة في أصحابه.‬ ‫تعبئة الجيش المكي:‬ ‫عبأ المشركون جيشهم حسب نظام الصفوف، فكانت القيادة العامة لبي سفيان صخر بن حرب،‬ ‫الذي تمركز في قلب الجيش، وجعلوا على الميمنة خالد بن الوليد، وعلى الميسرة عكرمة بن أبي‬ ‫جهل، وعلى المشاة صفوان بن أمية، وعلى الرماة عبدا بن أبي ربيعة.‬ ‫32‬
  • 24.
    ‫أما اللواء فكانإلى مفرزة من بني عبد الدار، وقد أبيدوا عن بكرة أبيهم عند احتدام المعركة.‬ ‫مناورات سياسية من قبل قريش:‬ ‫قبيل نشوب المعركة حاولت قريش إيقاع الفرقة والنزاع داخل صفوف المسلمين، فقد أرسل‬ ‫أبو سفيان إلى النصار يقول لهم: خلوا بيننا وبين ابن عمنا فننصرف عنكم، فل حاجة لنا إلى‬ ‫قتالكم، ورد عليه النصار ردا عنيفا وأسمعوه ما يكره.‬ ‫وقامت قريش بمحاولة أخرى فقد خرج إلى النصار عميل خائن يسمى أبا عامر الفاسق واسمه‬ ‫عبد عمرو بن صيفي، وكان يسمى الراهب فسماه الرسول الفاسق، وكان رأس الوس في‬ ‫الجاهلية، فنادى قومه وتعرف عليهم، وقال: يا معشر الوس، أنا أبو عامر فقالوا :ل أنعم ا بك‬ ‫عينا يا فاسق !‬ ‫وهكذا فشلت قريش في محاولتها الثانية للتفريق بين صفوف أهل اليمان.‬ ‫جهود نسوة قريش في التحميس:‬ ‫وتقودهن هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان.‬ ‫أول وقود المعركة:‬ ‫كان حامل لواء المشركين طلحة بن أبي طلحة العبدري، وكان من أشجع فرسان قريش، وقد‬ ‫قتله الزبير بن العوام.‬ ‫ثقل المعركة حول اللواء وإبادة حملته:‬ ‫وكان ثقل المعركة يدور حول لواء المشركين، فقد تعاقب بنو عبدالدار لحمل اللواء بعد قتل‬ ‫قائدهم طلحة بن أبي طلحة، وكانوا عشرة من بني عبد الدار أبيدوا عن آخرهم ولم يبق منهم أحد‬ ‫يحمل اللواء، وحمل اللواء غلم لهم حبشي اسمه صؤاب وقاتل حتى قتل وسقط اللواء على الرض‬ ‫ولم يبق أحد يحمله.‬ ‫مصرع أسد ا حمزة بن عبدالمطلب:‬ ‫قتله وحشي بن حرب، قال: هززت حربتي، ودفعتها إليه، فوقعت في أحشائه حتى خرجت من‬ ‫بين رجليه.‬ ‫السيطرة على الموقف:‬ ‫وبرغم هذه الخسارة الفادحة التي لحقت المسلمين بقتل حمزة بن عبدالمطلب، ظل‬ ‫المسلمون مسيطرين على الموقف كله، فقد قاتل الصحابة الكبار قتا ل ً فل عزائم المشركين، وفت‬ ‫في أعضادهم.‬ ‫من أحضان المرأة إلى مقارعة السيوف والدرقة:‬ ‫وكان من البطال المغامرين يومئذ حنظلة الغسيل وهو حنظلة بن أبي عامر، كان حديث عهد‬ ‫بالعرس، فلما سمع هواتف الحرب وهو على امرأته انخلع من أحضانها وقام إلى الجهاد، واستشهد.‬ ‫نصيب فصيلة الرماة في المعركة:‬ ‫42‬
  • 25.
    ‫وكان لها اليدالبيضاء في إدارة دفة القتال لصالح الجيش السلمي، فقد هجم فرسان مكة‬ ‫بقيادة خالد بن الوليد يسانده أبو عامر الفاسق، ثلث مرات وباءت هجماتهم بالفشل.‬ ‫الهزيمة تنزل بالمشركين:‬ ‫ظل الجيش السلمي الصغير مسيطرا على الموقف كله حتى خارت عزام أبطال المشركين،‬ ‫وأخذت صفوفهم تتبدد، كأن ثلثة آلف مشرك يواجهون ثلثين ألف مسلم ل بضع مئات قلئل، وظهر‬ ‫المسلمون في أعلى صور الشجاعة واليقين.‬ ‫غلطة الرماة الفظيعة:‬ ‫وبينما كان الجيش ا لسلمي الصغير يسجل مرة أخرى نصرا ساحقا على أهل مكة لم يكن أقل‬ ‫ٍ‬ ‫روعة من النصر الذي اكتسبه يوم بدر، وقعت من أغلبية فصيلة الرماة غلطة فظيعة قلبت الوضع‬ ‫تماما، وأدت إلى إلحاق الخسائر الفادحة بالمسلمين، وكادت تكون سببا في مقتل النبي، وقد تركت‬ ‫أسوأ أثر على سمعتهم، وعلى الهيبة التي كانوا يتمتعون بها بعد بدر.‬ ‫وقد ذهب أغلب الرماة لجلب الغنائم، ولم يبق منهم إل عشرة رجال أو أقل يقودهم عبدا بن‬ ‫جبير فقد ذكرهم أوامر الرسول بالبقاء حتى يؤذن لهم أو يبادوا لكنهم لم يسمعوا كلمه.‬ ‫خالد بن الوليد يقوم بخطة تطويق الجيش السلمي:‬ ‫انتهز هذه الفرصة الذهبية، فكر بسرعة خاطفة إلى جبل الرماة ليدور من خلفه إلى مؤخرة‬ ‫الجيش السلمي، فم يلبث أن أباد عبدا بن جبير وأصحابه إل البعض الذين لحقوا بالمسلمين، ثم‬ ‫انقض على المسلمين من خلفهم، وصاح فرسانه صيحة عرف بها المشركون المنهزمون بالتطور‬ ‫الجديد فانقلبوا على المسلمين، وأسرعت امرأة منهم وهي عمرة بن علقمة الحارثية، فرفعت لواء‬ ‫المشركين فالتف حوله المشركون ولثوا به، واجتمعوا على المسلمين، وثبتوا للقتال، وأحيط‬ ‫المسلمون من المام والخلف ووقعوا بين شقى الرحى.‬ ‫موقف الرسول الباسل إزاء عمل التطويق:‬ ‫كان الرسول مع تسعة نفر من الصحابة، في مؤخرة المسلمين وكان يرقب مجالدة المسلمين‬ ‫ومطاردتهم المشركين، إذ بوغت بفرسان خالد مباغتة كاملة، وقد تجلت عبقريته وشجاعته‬ ‫المنقطعة النظير، فقد رفع صوته ينادي أصحابه: " إلي عباد ا" ، وهو يعرف أن المشركين سوف‬ ‫يسمعون صوته قبل أن يسمعه المسلمون، ولكنه ناداهم ودعاهم مخاطرا بنفسه في هذا الظرف‬ ‫الدقيق.‬ ‫تبدد المسلمين في الموقف:‬ ‫أما المسلمون فلما وقعوا في التطويق طار صواب طائفة منهم، فلم تكن تهمها إل أنفسها، فقد‬ ‫أخذت طريق الفرار، وتركت ساحة القتال، وفر من هذه الطائفة بعضهم إلى المدينة حتى دخلها،‬ ‫وانطلق بعضهم إلى ما فوق الجبل، ورجعت طائفة أخرى فاختلطت بالمشركين، والتبس العسكران‬ ‫فلم يتميزا، فوقع القتل في المسلمين بعضهم من بعض.‬ ‫وكانت هناك طائفة ثالثة لم يكن يهمهم إل رسول ا فقد كرت هذه الطائفة إلى رسول ا‬ ‫وعمل التطويق في بدايته، وفي مقدمة هؤلء أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي‬ ‫طالب، وغيره م كانوا في مقدمة المقاتلين.‬ ‫احتدام القتال حول رسول ا:‬ ‫52‬
  • 26.
    ‫لم يكن معالرسول إل تسعة نفر ، فلما نادى المسلمين " هلموا إلي، أنا رسول ا" سمع صوته‬ ‫المشركون وعرفوه، فكروا إليه وهاجموه، فجرى بين المشركين وبين هؤلء النفر التسعة من‬ ‫الصحابة عراك عنيف ظهرت فيه نوادر الحب والتفاني والبسالة والبطولة، وقتل هؤلء النفر إل‬ ‫اثنين.‬ ‫أحرج ساعة في حياة الرسول:‬ ‫لم يبق مع النبي غير طلحة بين عبيد ا وسعد بن أبي وقاص، وكانت أحرج ساعة للنبي وفرصة‬ ‫ذهبية للمشركين، ولم يتوان المشركون في انتهاز تلك الفرصة، فركزوا حملتهم على النبي، وطمعوا‬ ‫في القضاء عليه، رماه عتبة ابن أبي وقاص بالحجارة فوقع لشقه، وأصيبت رباعيته اليمنى‬ ‫السفلى، وكلمت شفته السفلى، وتقدم إليه عبدا بن شهاب الزهري فشجه في جبهته، وجاء فارس‬ ‫عنيد هو عبدا بن قمئة، فضرب على عاتقه بالسيف ضربة عنيفة شكا لجلها أكثر من شهر إل أنه‬ ‫لم يتمكن من هتك الدرعين، ثم ضرب على وجنته ضربة أخرى عنيفة كالولى حتى دخلت حلقتان‬ ‫من حلق المغفر في وجنته.‬ ‫وفي ذلك الظرف الدقيق والساعة الحرجة أنزل ا نصره بالغيب، ففي الصحيحين عن سعد،‬ ‫قال: رأيت رسول ا يوم أحد ومعه رجلن يقاتلن عنه، عليهما ثياب بيض كأشد القتال، ما رأيتهما‬ ‫قبل ول بعد وفي رواية: يعني جبريل وميكائيل.‬ ‫بداية تجمع الصحابة حول الرسول:‬ ‫وقعت هذه كلها بسرعة هائلة، وإل فالمصطفون الخيار من صحابته الذين كانوا في مقدمة‬ ‫صفوف المسلمين عند القتال لم يكادوا يرون تغير الموقف أو يسمعوا صوته حتى أسرعوا إليه لئل‬ ‫يصل إليه شيء يكرهونه، إل أنهم وصلوا وقد لقي رسول ا ما لقي من الجراحات، وستة من‬ ‫النصار قد قتلوا والسابع قد أثبتته الجراحات، وسعد وطلحة يكافحان أشد الكفاح، فلما وصلوا‬ ‫أقاموا حوله سياجا من أجسادهم وسلحهم وبالغوا في وقايته من ضربات العدو، ورد هجماته،‬ ‫وكان أول من رجع إليه هو أبو بكر الصديق.‬ ‫تضاعف ضغط المشركين:‬ ‫كما كان عدد المشركين يتضاعف كل آن، وبالطبع فقد اشتدت حملتهم وزاد ضغطهم على‬ ‫المسلمين، حتى سقط رسول ا في حفرة من الحفر التي كان أبو عامر الفاسق يكيد بها،‬ ‫فجحشت ركبته، وأخذه علي بيده، واحتضنه طلحة بن عبيد ا حتى استوى قائما.‬ ‫البطولت النادرة:‬ ‫قام المسلمون ببطولت نادرة وتضحيات رائعة، كان أبو طلحة يسور نفسه بين يدي رسول ا‬ ‫ويرفع صدره ليقيه سهام العدو، وقام أبو دجانة أمام رسول ا فترس عليه بظهره، والنبل يقع‬ ‫عليه وهو ل يتحرك.‬ ‫أصيبت عين قتادة بن النعمان ووقعت على وجنته، فردها رسول ا بيده، فكانت أحسن عينيه،‬ ‫وقاتل عبدالرحمن بن عوف حتى أصيب فوه، وجرح عشرين جراحة أو أكثر، أصابه بعضها في رجله‬ ‫فعرج.‬ ‫وامتص مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري الدم من وجنته صلى ا عليه وسلم حتى أنقاه،‬ ‫فقال: " مجه" فقال: وا ل أمجه، ثم أدبر يقاتل، فقال النبي: " من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل‬ ‫الجنة فلينظر إلى هذا" ، فقتل شهيدا.‬ ‫62‬
  • 27.
    ‫وقاتلت أم عمارةحتى أصابها اثنا عشر جرحا، وقاتل مصعب بن عمير وكان حام ل ً للواء‬ ‫فضربوا يده اليمنى فحمله اللواء باليسرى حتى قطعت يده اليسرى ثم برك عليه بصدره وعنقه حتى‬ ‫قتله ابن قمئة، ضنا منه أنه النبي فصاح إن محم د قد قتل.‬ ‫ً‬ ‫إشاعة مقتل النبي وأثره على المعركة:‬ ‫لم يمض على هذا الصياح دقائق، حتى شاع خبر مقتل النبي في المشركين والمسلمين، وهذا‬ ‫هو الظرف الدقيق الذي خارت فيه عزائم كثير من الصحابة المطوقين، الذين لم يكونوا مع‬ ‫الرسول، إل أن هذه الصيحة خففت بعض التخفيف من مضاعفة هجمات المشركين، لظنهم أنهم‬ ‫نجحوا في غاية مرامهم.‬ ‫الرسول يواصل المعركة وينقذ الموقف:‬ ‫ولما قتل مصعب أعطى رسول ا اللواء علي بن أبي طالب، فقاتل قتا ل ً شديدا، وقامت بقية‬ ‫الصحابة الموجودين هناك ببطولتهم النادرة، يقاتلون ويدافعون.‬ ‫وحينئذ استطاع رسول ا أن يشق الطريق إلى جيشه المطوق، فأقبل إليهم فعرفه كعب بن‬ ‫مالك، فنادى بأعلى صوته يا معشر المسلمين أبشروا حتى تجمع حوله ثلثين رج ل ً من الصحابة.‬ ‫وبعد هذا التجمع أخذ رسول ا في النسحاب المنظم إلى شعب الجبل، وهو يشق الطريق‬ ‫بين المشركين المهاجمين، واشتد المشركون في هجومهم لعرقلة النسحاب إل أنهم فشلوا أمام‬ ‫بسالة ليوث ا لسلم.‬ ‫ٍ‬ ‫وأثناء هذا القتال المرير كان المسلمون يأخذهم النعاس أمنة من ا، كما تحدث عنه القرآن.‬ ‫مقتل أبي بن خلف:‬ ‫لما دنا من رسول ا تناول رسول ا الحربة من الحارث بن الصمة، فلما أخذها منه انتفض،‬ ‫ثم استقبله وأبصر ترقوته من فرجة بين سابغة الدرع والبيضة، فطعنه فيها طعنة تدحرج منها عن‬ ‫فرسه مرارا، فلما رجع إلى قريش وقد خدشه في عنقه خدشا غير كبير، فاحتقن الدم، قال قتلني‬ ‫وا محمد، فمات عدو ا بسرف وهم قافلون به إلى مكة.‬ ‫طلحة ينهض بالنبي:‬ ‫وفي أثناء انسحاب الرسول إلى الجبل عرضت له صخرة من الجبل، فنهض إليها ليعلوها فلم‬ ‫يستطع، فجلس تحته طلحة بن عبيد ا، فنهض به حتى استوى عليها وقال:" أوجب طلحة" أي: الجنة.‬ ‫آخر هجوم قام به المشركون:‬ ‫ولما تمكن الرسول من مقر قيادته في الشعب قام المشركون بآخر هجوم حاولوا به النيل من‬ ‫المسلمين، وكان يقودهم أبو سفيان وخالد بن الوليد، فقاتلهم عمر بن الخطاب ورهط معه من‬ ‫المهاجرين حتى أهبطوهم من الجبل.‬ ‫تشويه الشهداء:‬ ‫اشتغل من المشركين وكذا اشتغلت نساؤهم بقتلى المسلمين يمثلون بهم ويقطعون الذان‬ ‫والنوف والفروج ويبقرون البطون وبقرت هند بنت عتبة كبد حمزة فلكتها، فلم تستطع أن تسيغها‬ ‫فلفظتها، واتخذت من الذان والنوف خلخيل وقلئد.‬ ‫جمع الشهداء ودفنهم:‬ ‫72‬
  • 28.
    ‫وأشرف الرسول علىالشهداء فقال: " أن شهيد على هؤلء، إنه ما من جريح يجرح في ا إل‬ ‫وا يبعثه يوم القيامة، يدمى جرحه، اللون لون الدم، والريح ريح المسك".‬ ‫وكان أناس من الصحابة قد نقلوا قتلهم إلى المدينة فأمر أن يردوهم، فيدفنوهم في‬ ‫مضاجعهم وأل يغسلوا، وأن يدفنوا كما هم بثيابهم، وكان يدفن الثنين والثلثة في القبر الواحد،‬ ‫ويجمع بين الرجلين في ثوب واحد، ودفن عبدا بن عمرو بن حرام وعمرو بن الجموح في قبر‬ ‫واحد لما كان بينهما من المحبة.‬ ‫وفقدوا نعش حنظلة، فتفقدوه فوجدوه في ناحية فوق الرض يقطر منه الماء، فأخبر رسول‬ ‫ا أصحابه أن الملئكة تغسله، ومن هنا سمي حنظلة: غسيل الملئكة.‬ ‫الرجوع إلى المدينة، ونوادر الحب والتفاني:‬ ‫ولما فرغ رسول ا من دفن الشهداء والثناء على ا والتضرع إليه، انصرف راجعا إلى‬ ‫المدينة، وقد ظهرت له نوادر الحب والتفاني من المؤمنات الصادقات، كما ظهرت من المؤمنين في‬ ‫أثناء المعركة.‬ ‫الرسول في المدينة:‬ ‫وانتهى رسول ا مساء ذلك اليوم، يوم السبت السابع من شهر شوال سنة 3 هـ إلى المدينة،‬ ‫فلما انتهى إلى أهله ناول سيفه ابنته فاطمة، فقال: " اغسلي عن هذا دمه يا بنية، فوا لقد‬ ‫صدقني اليوم".‬ ‫قتلى الفريقين:‬ ‫كان قتلى المسلمين سبعين، وأغلبهم من النصار، فقد قتل منهم خمسة وستون رج ل، 14 من‬ ‫ً‬ ‫الخزرج، 42 من الوس، ورجل من اليهود، و 4 من المهاجرين.‬ ‫وقتلى المشركين، اثنان وعشرون قتي ل، وقيل سبعة وثلثون.‬ ‫ً‬ ‫حالة الطوارئ في المدينة:‬ ‫بات المسلمون في المدينة ليلة الحد الثامن من شهر شوال سنة 3 هـ بعد الرجوع من معركة‬ ‫أحد، وهم في حالة الطوارئ، باتوا وقد أنهكهم التعب، يحرسون أنقاب المدينة ومداخلها ويحرسون‬ ‫قائدهم العلى رسول ا خاصة، إذ كانت تتلحقهم الشبهات من كل جانب.‬ ‫غزوة حمراء السد:‬ ‫وبات الرسول وهو يفكر في الموقف، فقد كان يخاف أن المشركين إن فكروا في أنهم لم‬ ‫يستفيدوا شيئا من النصر والغلبة التي كسبوها في ساحة القتال فل بد من أن يندموا على ذلك،‬ ‫ويرجعوا من الطريق لغزو المدينة مرة ثانية، فصمم على أن يقوم بعملية مطاردة الجيش المكي.‬ ‫فنادى النبي في الناس، وندبهم إلى المسير إل لقاء العدو، وذلك صباح الغد من معركة أحد، أي‬ ‫يوم الحد الثامن من شهر شوال سنة 3 هـ، وسار والمسلمون معه حتى بلغوا حمراء السد، على‬ ‫بعد ثمانية أميال من المدينة، فعسكروا هناك.‬ ‫وهناك أقبل معبد بن أبي معبد الخزاعي إلى رسول ا فقال: يا محمد، أما وا لقد عز علينا‬ ‫ما أصابك في أصحابك، ولوددنا أن ا عافاك، فأمره رسول ا أن يلحق أبا سفيان فيخذله.‬ ‫82‬
  • 29.
    ‫ولم يكن ماخافه رسول ا من تفكير المشركين في العودة إلى المدينة إل حقا، فإنهم لما‬ ‫نزول بالروحاء على بعد ستة وثلثين مي ل ً من المدينة تلوموا فيما بينهم، وأجمع جيش مكة على‬ ‫المسير نحو المدينة، ولكن قبل أن يتحرك أبو سفيان بجيشه لحقه معبد بن أبي معبد الخزاعي، ولم‬ ‫يكن يعرف أبو سفيان بإسلمه، فقال معبد: محمد قد خرج في أصحابه، يطلبكم في جمع لم أر مثله‬ ‫قط، يتحرقون عليكم تحرقا، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم، وندموا على ما ضيعوا،‬ ‫فيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قط. ، وحينئذ انهارت عزائم الجيش المكي وأخذه الفزع‬ ‫والرعب.‬ ‫أقام رسول ا بحمراء السد ) بعد مقدمه يوم الحد( الثنين والثلثاء والربعاء )9 و 01 و 11‬ ‫شوال سنة 3 هـ( ثم رجع إلى المدينة.‬ ‫ومما ل شك فيه أن غزوة حمراء السد ليست بغزوة مستقلة، وإنما هي جزء من غزوة أحد،‬ ‫وتتمة لها.‬ ‫القرآن يتحدث حول موضوع المعركة:‬ ‫نزلت حول موضوع المعركة ستون آية من سورة آل عمران تبتدئ بذكر أول مرحلة من مراحل‬ ‫المعركة: " وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال" ، وتترك في نهايتها تعليقا جامعا على‬ ‫نتائج هذه المعركة وحكمتها قال تعالى: " ما كان ا ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز‬ ‫الخبيث من الطيب وما كان ا ليطلعكم على الغيب ولكن ا يجتبي من رسله من يشاء فآمنوا‬ ‫بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم".‬ ‫الحكم والغايات المحمودة في هذه الغزوة:‬ ‫تعريف المسلمين سوء عاقبة المعصية، وشؤم ارتكاب النهي، لما وقع من ترك الرماة موقفهم‬ ‫الذي أمرهم الرسول أل يبرحوا منه.‬ ‫عادة الرسل أن تبتلى وتكون لها العاقبة، والحكمة في ذلك أنهم لو انتصروا دائما دخل في‬ ‫المؤمنين من ليس منهم، ولم يتميز الصادق من غيره، ولن انكسروا دائما لم يحصل المقصود من‬ ‫البعثة، فاقتضت الحكمة الجمع بين المرين لتمييز الصادق من الكاذب، وذلك أن نفاق المنافقين‬ ‫كان مخفيا عن المسلمين، فلما جرت هذه القصة، وأظهر أهل النفاق من الفعل والقول عاد‬ ‫التلويح تصريحا.‬ ‫وأن في تأخير النصر في بعض المواطن هضما للنفس، وكسرا لشماختها، فلما ابتلى المؤمنون‬ ‫صبروا وجزع المنافقون.‬ ‫أن ا هيأ لعباده المؤمنين منازل في دار كرامته ل تبلغها أعمالهم، فقيض لهم أسباب البتلء‬ ‫والمحن ليصلوا إليها.‬ ‫أن الشهادة من أعلى مراتب الولياء فساقها إليهم، ومنها أنه أراد إهلك أعدائه، فقيض لهم‬ ‫السباب التي يستوجبون بها ذلك من كفرهم وبغيهم وطغيانهم في أذى أوليائه، فمحص بذلك ذنوب‬ ‫المؤمنين ومحق بذلك الكافرين.‬ ‫غزوة بني النضير:‬ ‫بعد واقعة أحد بدأ اليهود يتجرؤون، فكاشفوا بالعداوة والغدر، وأخذوا يتصلون بالمنافقين‬ ‫وبالمشركين من أهل مكة سرا، ويعملون لصالحهم ضد المسلمين.‬ ‫92‬
  • 30.
    ‫وصبر النبي حتىازدادوا جرأة وجسارة بعد وقعة الرجيع وبئر معونة، حتى قاموا بمؤامرة‬ ‫تهدف القضاء على النبي.‬ ‫حيث أن النبي خرج إليهم في نفر من أصحابه، وكلمهم أن يعينوه في دية الكلبيين اللذين‬ ‫قتلهما عمرو بن أمية الضمري، وكان ذلك يجب عليهم حسب بنود المعاهدة، فقالوا: نفعل يا أبا‬ ‫القاسم، أجلس ها هنا حتى نقضي حاجتك، فجلس إلى جنب جدار من بيوتهم ينتظر وفاءهم بما‬ ‫وعدوا وجلس معه أبو بكر وعمر وعلي وطائفة من أصحابه.‬ ‫وخل اليهود بعضهم إلى بعض، وسول لهم الشيطان، فتآمروا بقتله، ونزل جبريل يعلمه بما‬ ‫هموا به فنهض مسرعا وتوجه إلى المدينة، وما لبث أن بعث محمد بن مسلمة إلى بني النضير يقول‬ ‫لهم: " أخرجوا من المدينة ول تساكنوني بها، وقد أجلتكم عشرا، فمن وجدت بعد ذلك بها ضربت‬ ‫عنقه" ، ولم يجد يهود مناصا من الخروج، فأقاموا أياما يتجهزون للرحيل، لكن رئيس المنافقين‬ ‫عبدا بن أبي، بعث إليهم أن اثبتوا وتمنعوا، ول تخرجوا من دياركم، فإن معي ألفين يدخلون‬ ‫معكم حصنكم، فيموتون دونكم، وتنصركم قريظة وحلفاؤكم من غطفان.‬ ‫وهناك عادة لليهود ثقتهم واستقر رأيهم على المناوأة وطمع رئيسهم حيي بن أخطب فيما قاله‬ ‫رأس المنافقين، فبعض إلى رسول ا يقول: إنا ل نخرج من ديارنا فاصنع ما بدا لك.‬ ‫فما بلغ رسول ا جوابه كبر وكبر أصحابه ثم نهض لمناجزة القوم، فاستعمل على المدينة ابن‬ ‫أم مكتوم وسار إليهم، وعلي بن أبي طالب يحمل اللواء، فلما انتهى إليهم فرض عليهم الحصار.‬ ‫والتجأ بنو النضير إلى حصونهم، فأقاموا عليها يرمون بالنبل والحجارة، وكانت نخيلهم‬ ‫وبساتينهم عونا لهم في ذلك، فأمر بقطعها وتحريقها، واعتزلتهم قريظة، وخانهم عبدا بن أبي‬ ‫وحلفاؤهم من غطفان، فلم يحاول أحد أن يدفع عنهم شرا، ولم يطل الحصار فقد دام ست ليال‬ ‫حتى قذف ا في قلوبهم الرعب، فاندحروا وتهيئوا للستسلم للقاء السلح، فأرسلوا إلى رسول‬ ‫ا: نحن نخرج عن المدينة، فأنزلهم على أن يخرجوا عنها بنفوسهم وذراريهم، وأن لهم ما حملت‬ ‫البل إل السلح.‬ ‫فنزلوا على ذلك وخربوا بيتهم بأيديهم، ليحملوا البواب والشبابيك، بل حتى حمل بعضهم الوتاد‬ ‫وجذوع السقف، ثم حملوا النساء والصبيان، وتحملوا على ستمائة بعير، فترحل أكثرهم وأكابرهم‬ ‫كحيي بن أخطب وسلم بن أبي الحقيق إلى خيبر، وذهبت طائفة منهم إلى الشام، وأسلم منهم‬ ‫رجلن فقط: يامين بن عمرو وأبو سعد بن وهب.‬ ‫وقبض رسول ا سلح بني النضير، واستولى على أرضهم وديارهم وأموالهم فوجد من السلح‬ ‫خمسين درعا وخمسين بيضة، وثلثمائة وأربعين سيفا.‬ ‫ولم يخمسها لن ا أفاءها عليه.‬ ‫وكانت غزوة بني النضير في ربيع الول سنة 4 هـ وأنزل ا في هذه الغزوة سورة الحشر‬ ‫بأكملها.‬ ‫غزوة الحزاب:‬ ‫خرج عشرون رج ل ً من زعماء اليهود وسادات بني النضير إلى قريش بمكة، يحرضونهم على‬ ‫غزو الرسول ويوالونهم عليه، ووعدوه م من أنفسهم بالنصر لهم، فأجابتهم قريش، وكانت قريش‬ ‫قد أخلفت موعدها في الخروج إلى بدر، فرأت في ذلك إنقاذا لسمعتها والبر بكلمتها.‬ ‫03‬
  • 31.
    ‫ثم خرج هذاالوفد إلى غطفان، فدعاهم إلى ما دعا إليه قريش فاستجابوا لذلك، ثم طاف‬ ‫الوفد في قبائل العرب يدعوهم إلى ذلك فاستجاب له من استجاب، وهكذا نجح ساسة اليهود‬ ‫وقادتهم في تأليب أحزاب الكفر على النبي والمسلمين.‬ ‫وعلى إثر ذلك خرجت من الجنوب قريش وكنانة وحلفاؤهم من أهل تهامة وقائدهم أبو سفيان،‬ ‫في أربعة آلف ووافاهم بنو سليم بمر الظهران، وخرجت من الشرق قبائل غطفان: بنو فزارة،‬ ‫يقودهم عيينة بن حصن، وبنو مرة يقودهم الحارث بن عوف وبنو أشجع يقودهم مسعر بن رحيلة‬ ‫كما خرجت بنو أسد وغيرها.‬ ‫واتجهت هذه الحزاب وتحركت نحو المدينة على ميعاد كانت قد تعاقدت عليه.‬ ‫وبعد أيام تجمع حول المدينة جيش عرمرم يبلغ عدده عشرة آلف مقاتل، جيش ربما يزيد عدده‬ ‫على جميع من في المدينة من النساء والصبيان والشباب والشيوخ.‬ ‫سارع الرسول لعقد مجلس استشاري فقال سلمان: يا رسول ا إنا كنا بأرض فارس إذا‬ ‫حوصرنا خندقنا علينا، وكانت خطة حكيمة لم تكن تعرفها العرب قبل ذلك.‬ ‫وأسرع رسول ا إلى تنفيذ هذه الخطة، فوكل إلى كل عشرة رجال أن يحفروا من الخندق‬ ‫أربعين ذراعا، وقام المسلمون بجد ونشاط يحفرون الخندق، ورسول ا يحثهم ويساهم في‬ ‫عملهم.‬ ‫ولما كانت المدينة تحيط بها الحرات والجبال وبساتين النخيل من كل جانب سوى الشمال، وكان‬ ‫النبي يعلم أن زحف مثل هذا الجيش الكبير، ومهاجمته المدينة ل يمكن إل من جهة الشمال، اتخذ‬ ‫الخندق في هذا الجانب.‬ ‫وواصل المسلمون عملهم في حفره، فكانوا يحفرونه طول النهار، ويرجعون إلى أهليهم في‬ ‫المساء، حتى تكامل الخندق حسب الخطة المنشودة، قبل أن يصل الجيش الوثني.‬ ‫وأقبلت قريش في أربعة آلف، وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد في ستة آلف.‬ ‫وخرج الرسول في ثلثة آلف من المسلمين، فجعلوا ظهورهم إلى جبل سلع فتحصنوا به،‬ ‫والخندق بينهم وبين الكفار، وكان شعارهم: " حم ل ينصرون" ، واستحلف على المدينة ابن أم‬ ‫مكتوم.‬ ‫ولم يستطع المشركون المهاجمة لوجود الخندق فلجئوا إلى الحصار، وهم غير مستعدين له،‬ ‫وأخذ المشركون يدورون حول الخندق غضابا، يتحسسون نقطة ضعيفة لينحدروا منها، والمسلمون‬ ‫يرشقونهم بالنبل، حتى ل يقتربوا أو يقتحموا أو يهيلوا على الخندق بالتراب.‬ ‫وكره فوارس من قريش أن يقفوا حول الخندق من غير جدوى، فخرجت منها جماعة فيها عمرو‬ ‫بن عبد ود، فتيمموا مكانا ضيقا من الخندق فاقتحموه، ودعا عمرو إلى المبارزة فانتدب له علي بن‬ ‫أبي طالب، فقتله علي، وانهزم الباقون هاربين.‬ ‫ويؤخذ أن محاولة العبور من المشركين والمكافحة المتواصلة من المسلمين، دامت أياما، إل أن‬ ‫الخندق لما كان حائ ل ً بين الجيشين لم يجر بينهما قتال مباشر أو حرب دامية، بل اقتصروا على‬ ‫المراماة والمناضلة.‬ ‫وفي هذه المراماة قتل رجال من الجيشين، يعدون على الصابع: ستة من المسلمين وعشرة‬ ‫من المشركين، بينما كان قتل واحد أو اثنين منهم بالسيف.‬ ‫13‬
  • 32.
    ‫وبينما المسلمون يواجهوههذه الشدائد على جبهة المعركة انطلق كبير مجرمي بني النضير‬ ‫حيي بن أخطب إلى ديار بني قريظة فأتى كعب بن أسد القرضي ) سيد قريظة( وكان قد عاقد‬ ‫رسول ا على أن ينصره إذا أصابته حرب، واستطاع أن يقنعه فنقض كعب بن أسد عهده وبرئ مما‬ ‫كان بينه وبين المسلمين ودخل مع المشركين في المحاربة ضد المسلمين.‬ ‫وقد قامت صفية بنت عبدالمطلب بقتل رجل من يهود كان يطيف بحصن كان فيه حسان بن ثابت‬ ‫ومعه النساء والصبيان، وقد كان لهذا الفعل المجيد من عمة الرسول أثر عميق في حفظ ذراري‬ ‫المسلمين ونسائهم، ويبدو أن اليهود ظنوا أن هذه الحصون في منعة من الجيش السلمي، فلم‬ ‫يجترئوا مرة ثانية للقيام بمثل هذا العمل، إل أنهم أخذوا يمدون الغزاة بالمؤن، كدليل عملي على‬ ‫انضمامهم إليهم ضد المسلمين حتى أخذ المسلمون من مؤنهم عشرين جم ل.‬ ‫ً‬ ‫وعلم الرسول والمسلمين بالخبر، فبعث سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، وعبدا بن رواحة‬ ‫وخوات بن جبير لكي يستطلعوا الخبر ، وقال لهم: " انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلء‬ ‫القوم أم ل؟ فإن كان حقا فالحنوا لي لحنا أعرفه، ول تفتوا في أعضاد الناس، وإن كانوا على‬ ‫الوفاء فاجهروا به للناس".‬ ‫فلما دنوا منهم وجدوهم على أخبث ما يكون فقد جاهروهم بالسب والعداوة ونالوا من رسول‬ ‫ا.‬ ‫وعلى رغم محاولتهم إخفاء الحقيقة تفطن الناس لجلية المر، فتجسد أمامهم خطر رهيب.‬ ‫ثم هيأ ا رج ل ً من غطفان يقال له: نعيم بن مسعود بن عامر الشجعي جاء رسول ا فقال:‬ ‫يا رسول ا، إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلمي، فمرني ما شئت، فقال رسول ا:‬ ‫" إنما أنت رجل واحد فخذ عنا ما استطعت، فإن الحرب خدعة" ، فذهب من فوره إلى بني قريظة‬ ‫فدخل عليهم وقال لهم: إن قريشا ليسوا مثلكم، البلد بلدكم، فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، ل‬ ‫تقدرون أن تتحولوا منه إلى غيره، وإن قريشا وغطفان قد جاءوا لحرب محمد وأصحابه، وقد‬ ‫ظاهرتموهم عليه، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره، فإن أصابوا فرصة انتهزوها، وإل لحقوا‬ ‫ببلدهم وتركوكم ومحمدا فانتقم منكم، قالوا: وما العمل؟ قال :ل تقاتلوا معهم حتى يعطوكم‬ ‫رهائن، قالوا: لقد أشرت بالرأي.‬ ‫ثم مضى نعيم على وجهه إلى قريش وقال لهم: إن يهود قد ندموا على ما كان منهم من نقض‬ ‫عهد محمد وأصحابه، وأنهم قد راسلوه أنهم يأخذون منكم رهائن يدفعونها إليه، ثم يوالونه عليكم،‬ ‫فإن سألوكم رهائن فل تعطوهم، ثم ذهب إلى غطفان، فقال لهم مثل ذلك.‬ ‫فلما كانت ليلة السبت من شوال سنة 5 هـ بعثوا إلى يهود: أنا لسنا بأرض مقام، وقد هلك الخيل‬ ‫والبل، فانهضوا بنا حتى نناجز محمدا، فأرسل إليهم اليهود أن اليوم يوم السبت، وقد علمتم ما‬ ‫أصاب من قبلنا حين أحدثوا فيه، ومع هذا فإنا ل نقاتل معكم حتى تبعثوا إلينا رهائن، فلما جاءتهم‬ ‫رسلهم بذلك قالت قريش وغطفان: صدقكم وا نعيم، فبعثوا إلى يهود إنا وا ل نرسل إليكم‬ ‫أحدا، فأخرجوا معنا حتى نناجز محمدا، فقالت قريظة: صدقكم وا نعيم، فتخاذل الفريقان، ودبت‬ ‫الفرقة بين صفوفهم وخارت عزائمهم.‬ ‫وكان المسلمون يدعون ا تعالى فأرسل ا ريحا قوضت خيامهم، ولم يقر لهم قرار، وأرسل‬ ‫جندا من الملئكة يزلزلونهم، ويلقون في قلوبهم الرعب والخوف.‬ ‫وأرسل رسول ا في تلك الليلة الباردة القارسة حذيفة بن اليمان يأتيه بخبره م فوجدهم على‬ ‫هذه الحالة، وقد تهيئوا للرحيل، فعاد للرسول وأبلغه، فأصبح الرسول وقد رد ا عدوه بغيظهم لم‬ ‫ينالوا خيرا وكفاه ا قتالهم، فرجع إلى المدينة.‬ ‫23‬
  • 33.
    ‫وكانت غزة الخندقفي سنة خمس من الهجرة في شوال، وقد حاصر المشركون الرسول شهرا،‬ ‫وكان بداية فرض الحصار في شوال ونهايته في ذي القعدة، وأن انصراف الرسول من الخندق كان‬ ‫يوم الربعاء لسبع بقين من ذي القعدة.‬ ‫إن معركة الحزاب لم تكن معركة خسائر، بل كانت معركة أعصاب، لم يجر فيها قتال، إل أنها‬ ‫من أحسم المعارك في تاريخ السلم، وحينها قال رسول ا: " الن نغزوهم، ول يغزونا، نحن نسير‬ ‫إليهم".‬ ‫غزوة بني المصطلق أو غزوة المريسيع ) في شعبان سنة 5 أو 6 هـ(‬ ‫كانت هذه الغزوة في شعبان سنة خمس عند عامة أهل المغازي، وسنة ست على قول ابن‬ ‫إسحاق.‬ ‫وسببها أنه بلغ الرسول أن رئيس بني المصطلق الحارث بن أبي ضرار سار في قومه ومن قدر‬ ‫عليه من العرف يريدون حرب رسول ا فبعث بريدة بن الحصيب السلمي لتحقيق الخبر فأتهم‬ ‫ولقي الحارث بن أبي ضرار وكلمه، ورجع إلى رسول ا فأخبره الخبر.‬ ‫فندب الرسول الصحابة وأسرع في الخروج، وكان خروجه لليلتين خلتا من شعبان، وخرج معه‬ ‫جماعة من المنافقين، وكان الحارث بن أبي ضرار قد وجه عينا ليأتيه بخبر الجيش السلم، فألقى‬ ‫المسلمون عليه القبض وقتلوه.‬ ‫ولما علم الحارث ومن معه مسير رسول ا وقتله عينه، خافوا خوفا شديدا وتفرق عنهم من‬ ‫كان معهم من العرب، وانتهى رسول ا إلى المريسيع فتهيئوا للقتال، وكانت راية المهاجرين مع‬ ‫أبي بكر وراية النصار مع سعد بن عبادة، فتراموا بالنبل ساعة، ثم أمر رسول ا فحملوا حملة‬ ‫رجل واحد، فكانت النصرة وانهزم المشركين، ولم يقتل من المسلمين إل رجل واحد، قتله رجل من‬ ‫النصار بالخطأ.‬ ‫قال ابن القيم: فإنه لم يكن بينهم قتال، وإنما أغار عليهم على الماء فسبى ذراريهم وأموالهم.‬ ‫وكان من السبي: جويرية بنت الحارث سيد القوم، وقعت في سهم ثابت بن قيس فكاتبها، فأدى‬ ‫عنها رسول ا وتزوجها، فاعتق المسلمون بسبب هذا التزويج مائة من أهل بيت من بني المصطلق‬ ‫قد أسلموا، وقالوا أصهار رسول ا.‬ ‫دور المنافقين في غزوة بني المصطلق:‬ ‫1 – قول المنافقين: " لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن العز منها الذل":‬ ‫كان رسول ا بعد الفراغ من الغزوة مقيما على المريسيع، ووردت واردة الناس، ومع عمر بن‬ ‫الخطاب أجير يقال له: جهجاه الغفاري، فازدحم هو وسنان بن وبر الجهني على الماء فاقتتل،‬ ‫فصرخ الجهني: يا معشر النصار، وصرخ جهجاه: يا معشر المهاجرين، فقال رسول ا: " أبدعوى‬ ‫الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ دعوها فإنها منتنة" ، وبلغ ذلك عبدا بن أبي بن سلول فغضب – وعنده‬ ‫رهط من قومه، فيهم زيد بن أرقم غلم حدث – وقال: أو قد فعلوها، قد نافرونا وكاثرونا في‬ ‫بلدنا، وا ما نحن وهم إل كما قال الول: سمن كلبك يأكلك، أما وا لئن رجعنا إلى المدينة‬ ‫ليخرجن العز منها الذل، ثم أقبل على من حضره فقال لهم: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم‬ ‫بلدكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما وا لو أمسكتم عنهم ما بأيدكم لتحولوا إلى غير داركم.‬ ‫2 – حديث الفك:‬ ‫33‬
  • 34.
    ‫وفي هذه الغزوةكانت قصة الفك، وهي أن عائشة كانت قد خرج بها رسول ا معه في هذه‬ ‫الغزوة بقرعة أصابتها، وكانت تلك عادته مع نسائه، فلما رجعوا من الغزوة نزلوا في بعض‬ ‫المنازل، فخرجت عائشة لحاجتها، ففقدت عقدا لختها كانت أعارتها إياه، فرجعت تلتمسه في‬ ‫الموضع الذي فقدته فيه في وقتها، فجاء النفر الذين كانوا يرحلون هودجها فظنوها فيه فحملوا‬ ‫الهودج، ولم ينكروا خفته، فرجعت عائشة إلى منازلهم، وقد أصابت العقد، فإذا ليس به داع ول‬ ‫مجيب، فقعدت في المنزل، وظنت أنهم سيفقدونها فيرجعون في طلبها، فنامت، فلم تستيقظ إل‬ ‫بقول صفوان بن المعطل: إنا لله وإنا إليه راجعون، زوجة رسول ا؟ فاسترجع وأناخ راحلته،‬ ‫فقربها إليها، فركبتها، وما كلمها كلمة واحدة، ولم تسمع منه إل استرجاعه، ثم سار بها يقودها، وقد‬ ‫نزل الجيش في نحر الظهيرة فلما رأى ذلك الناس تكلم كل منهم بشاكلته، ووجد الخبيث عدو ا‬ ‫أبن أبي متنفسا، فجعل يستحكي الفك.‬ ‫أما عائشة فلما رجعت مرضت شهرا، وهي ل تعلم عن حديث الفك شيئا، سوى أنها كانت ل‬ ‫تعرف من رسول ا اللطف الذي كانت تعرفه حين تشتكي، فلما نقعت خرجت مع أم مسطح‬ ‫وأخبرتها الخبر فرجعت عائشة واستأذنت الرسول لتأتي أبويها وتستيقن الخبر ثم أتتهما حتى عرفت‬ ‫المر، فجعلت تبكي، فبكت ليلتين ويوما، لم تكن تكتحل بنوم، وبعد ذلك نزل الوحي قال تعالى: " إن‬ ‫الذين جاءوا بالفك عصبة منكم ..".‬ ‫وجلد من أهل الفك مسطح بن أثاثة، وحسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش، جلدوا ثمانين، ولم‬ ‫يحد الخبيث عبدا بن أبي مع أنه رأس أهل الفك.‬ ‫وهكذا وبعد شهر أقشعت سحابة الشك والرتياب والقلق والضطراب عن جو المدينة، وافتضح‬ ‫رأس المنافقين.‬ ‫عمرة الحديبية في ذي القعدة سنة 6 هـ:‬ ‫سبب عمرة الحديبية:‬ ‫رأى رسول ا في المنام، وهو بالمدينة، أنه دخل هو وأصحابه المسجد الحرام، وأخذ مفتاح‬ ‫الكعبة، وطافوا واعتمروا، وحلق بعضهم وقصر بعضهم، فأخبر بذلك أصحابه ففرحوا، وحسبوا أنهم‬ ‫داخلوا مكة عامهم ذلك، وأخبر أصحابه أنه معتمر فتجهزوا للسفر.‬ ‫استنفار المسلمين:‬ ‫استنفر العرب ومن حوله من أهل البوادي ليخرجوا معه، أما هو فغسل ثيابه وركب ناقته،‬ ‫وخرج من المدينة يوم الثنين غرة ذي القعدة سنة 6 هـ ومعه زوجته أم سلمة في ألف وأربعمائة،‬ ‫ويقال ألف وخمسمائة، ولم يخرج معه بسلح، إل سلح المسافر: السيوف في ال ق رب.‬ ‫ُ ُ‬ ‫المسلمون يتحركون إلى مكة:‬ ‫وتحرك في اتجاه مكة، فلما كان بذي الحليفة قلد الهدي وأشعره، وأحرم بالعمرة، ليأمن‬ ‫الناس من حربهن وبعث بين يديه عينا له من خزاعة يخبره عن قريش، حتى إذا كان قريبا من‬ ‫عسفان أتاه عينه، فقال: إني تركت كعب بن لؤي قد جمعوا لك الحابيش، وهم مقاتلوك وصادوك‬ ‫عن البيت، واستشار النبي أصحابه.‬ ‫محاولة قريش صد المسلمين عن البيت:‬ ‫بعد أن أعرض الرسول عن الحابيش، نقل إليه رجل من بني كعب أن قريشا نازلة بذي طوى،‬ ‫وأن مائتي فارس بقيادة خالد بن الوليد مرابطة بكراع الغميم في الطريق الرئيسي الذي يوصل‬ ‫43‬
  • 35.
    ‫إلى مكة، وقدحاول خالد صد المسلمين، فقام بفرسانه إزاءهم يتراءى الجيشان، ورأى خالد‬ ‫المسلمين في صلة الظهر يركعون ويسجدون، فقال: لقد كانوا على غرة، لو كنا حملنا عليهم لصبنا‬ ‫منهم، ثم قرر أن يميل على المسلمين ميلة واحدة، ولكن ا أنزل حكم صلة الخوف ففاتت‬ ‫الفرصة خالدا.‬ ‫تبديل الطريق ومحاولة اجتناب اللقاء الدامي:‬ ‫وأخذ الرسول طريقا آخر وترك الطريق الرئيسي، فلما رآى خالد غبار الجيش السلمي قد‬ ‫خالفوا عن طريقه انطلق يركض نذيرا لقريش.‬ ‫بديل يتوسط بين رسول ا وقريش:‬ ‫جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة إلى رسول ا فقال الرسول :" إنا لم نجئ‬ ‫لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، ..." ، قال بديل سأبلغهم ما تقول، فانطلق حتى أتى قريشا،‬ ‫وأبلغهم ما قاله الرسول، فقال سفهاؤهم ل حاجة لنا أن تحدثنا عنه بشيء، وقال ذوو الرأي منهم:‬ ‫هات ما سمعته، فبعثت قريش مكرز بن حفص، فلما رآه الرسول قال: هذا رجل غادر، فلما جاء‬ ‫وتكلم قال له مثل ما قال لبديل، فرجع إلى قريش وأخبرهم.‬ ‫رسل قريش:‬ ‫وكان من رسل قريش الحليس بن علقمة ) وهو من قوم يعظمون البدن( ، و عروة بن مسعود‬ ‫الثقفي.‬ ‫هو الذي كف أيديهم عنكم:‬ ‫خرج سبعون أو ثمانون من شباب قريش الطائش ليحدثوا أحداثا تشعل نار الحرب، وهبطوا من‬ ‫جبل التنعيم، وحاولوا التسلل إلى معسكر المسلمين، غير أن محمد بن مسلمة قائد الحرس‬ ‫اعتقلهم جميعا، ورغبة في الصلح أطلق النبي سراحهم وعفا عنهم.‬ ‫عثمان بن عفان سفيرا إلى قريش:‬ ‫أرسله رسول ا وقال له: أخبرهم أنا لم نأت لقتال، وإنما جئنا عمارا، وادعهم إلى السلم،‬ ‫فانطلق عثمان بن عفان وبلغ الرسالة إلى زعماء قريش، فلما فرغ عرضوا عليه أن يطوف بالبيت،‬ ‫فرفض وأبى أن يطوف حتى يطوف رسول ا.‬ ‫إشاعة مقتل عثمان وبيعة الرضوان:‬ ‫احتبسته قريش، فشاع بين المسلمين أن عثمان قتل، فقال رسول ا لما بلغته الشاعة: " لنبرح‬ ‫حتى نناجز القوم" ، ثم دعا أصحابه إلى البيعة، فثاروا إليه يبايعونه على أل يفروا، وبايعته جماعة‬ ‫على الموت، وأول من بايعه أبو سنان السدي، وبايعه سلمة بن الكوع على الموت ثلث مرات،‬ ‫وأخذ رسول ا بيد نفسه وقال " هذه عن عثمان" ، ولما تمت البيعة جاء عثمان فبايعه، ولم يتخلف‬ ‫عن البيعة إل منافق يقال له: جد بن قيس.‬ ‫أخذ الرسول هذه البيعة تحت شجرة، وهذه هي بيعة الرضوان التي أنزل ا فيها : " لقد رضي‬ ‫ا عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة".‬ ‫إبرام الصلح وبنوده:‬ ‫53‬
  • 36.
    ‫عرفت قريش ضيقالموقف، فأسرعت إلى بعث سهيل بن عمرو لعقد الصلح، وأكدت له أل‬ ‫يكون في الصلح إل أن يرجع عنا عامه هذا، ل تتحدث العرب عنا أنه دخلها علينا عنوة أبدا.‬ ‫قواعد الصلح:‬ ‫1 – يرجع الرسول من عامه فل يدخل مكة، وإذا كان العام القابل دخلها المسلمون فأقاموا بها‬ ‫ثلثا، معهم سلح الراكب، السيوف في ال ق رب، ول يتعرض لهم.‬ ‫ُ ُ‬ ‫2 – وضع الحرب بين الطرفين عشر سنين، يأمن فيها الناس، ويكف بعضهم عن بعض.‬ ‫3 – من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش‬ ‫وعهدهم دخل فيه.‬ ‫4 – من أتى محمدا من قريش من غير إذن وليه رده عليهم، ومن جاء قريشا ممن مع محمد لم‬ ‫يرد عليه.‬ ‫ثم دعا عليا ليكتب الكتاب، فأملى عليه: " بسم ا الرحمن الرحيم" ، فقال سهيل أما الرحمن‬ ‫فوا ل ندري ما هو؟ ولكن اكتب: باسمك اللهم، فأمر النبي بذلك، ولما تم الصلح دخلت خزاعة في‬ ‫عهد رسول ا، ودخلت بنو بكر في عهد قريش.‬ ‫رد أبي جندل:‬ ‫بينما الكتاب يكتب إذ جاء أبو جندل بن سهيل يرسف في قيوده، قد خرج من أسفل مكة حتى‬ ‫رمى بنفسه بين ظهور المسلمين، فقال سهيل: هذا أول ما أقاضيك عليه على أن ترده فقال النبي:‬ ‫" إنا لم نقض الكتاب بعد".‬ ‫فقال: فو ا إذا ل أقاضيك على شيء أبدا، وضرب سهيل أبا جندل في وجهه وجره ليرده إلى‬ ‫المشركين.‬ ‫النحر والحلق للحل عن العمرة:‬ ‫لما فرغ الرسول من قضية الكتاب قال: " قوموا فانحروا" ، فلم يقم منهم أحد، فقام الرسول‬ ‫فنحر وحلق، فلما رأى الناس ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا.‬ ‫الباء عن رد المهاجرات:‬ ‫ثم جاء نسوة مؤمنات فسأل أولياؤهن أن يردهن عليهم بالعهد الذي تم في الحديبية، فرفض‬ ‫طلبهم هذا، بدليل أن الكلمة التي كتبت في المعاهدة بصدد هذا البند هي: " وعلى أن ل يأتيك منا‬ ‫رجل، وإن كان على دينك إل رددته علينا" ، فلم تدخل النساء في العقد رأسا.‬ ‫وطلق المسلمون زوجاتهم الكافرات بهذا الحكم، فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له، تزوج‬ ‫بأحدهما معاوية، وبالخرى صفوان بن أمية.‬ ‫ماذا يتمخض عن بنود المعاهدة:‬ ‫هذا الصلح هو فتح عظيم للمسلمين، فقريش لم تكن تعترف بالمسلمين، بل كانت تهدف‬ ‫لستئصالهم، وكانت تحاول الحيلولة بين الدعوى السلمية وبين الناس، ومجرد الجنوح إلى الصلح‬ ‫اعتراف بقوة المسلمين.‬ ‫حزن المسلمين ومناقشة عمر النبي:‬ ‫63‬
  • 37.
    ‫هناك ظاهرتان عمتلجلها المسلمين كآبة وحزن شديد:‬ ‫الولى: أنه كان قد أخبرهم أنا سنأتي البيت فنطوف به، فما له يرجع ولم يطف به؟‬ ‫الثانية: أنه رسول ا وعلى الحق، وا وعد إظهار دينه، فما له قبل ضغط قريش، وأعطى‬ ‫الدنية في الصلح؟‬ ‫وكان أعظمهم حزنا عمر بن الخطاب، فقد جاء النبي وقال: يا رسول ا، ألسنا على حق وهم‬ ‫على باطل؟ قال: " بلى" ، قال: أليس قتلنا في الجنة وقتلهم في النار؟ قال: " بلى" ، قال ففيم‬ ‫نعطي الدنية في ديننا، ونرجع ولما يحكم ا بيننا وبينهم؟ قال: " يا ابن الخطاب، إني رسول ا‬ ‫ولست أعصيه، وهو ناصري ولن يضيعني أبدا" ، قال: أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟‬ ‫قال: " بلى، فأخبرتك أنا نأتيه العام؟" ، قال: ل، قال: " فإنك آتيه ومطوف به".‬ ‫ثم انطلق عمر متغيظا فأتى أبو بكر، فقال له كما قال للرسول، ورد عليه أبا بكر كما رد‬ ‫الرسول، وزاد: فاستمسك بغرزه حتى تموت، فوا إنه لعلى الحق.‬ ‫انحلت أزمة المستضعفين:‬ ‫ولما عاد النبي إلى المدينة، انفلت رجل من المسلمين، ممن كان يعذب في مكة، وهو أبو‬ ‫بصير، رجل من ثقيف حليف لقريش، فأرسلوا في طلبه رجلين، وقالوا للنبي: العهد الذي جعلت لنا،‬ ‫فدفعه النبي إلى الرجلين فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فاحتال‬ ‫عليهما وقتل أحدهما، وذهب إلى سيف البحر، وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل، فلحق بأبي بصير،‬ ‫فجعل ل يخرج من قريش رجل قد أسلم إل لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، فو ا ما‬ ‫يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إل اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش‬ ‫إلى النبي تناشده ا والرحم لما أرسل، فمن أتاه فهو آمن، فأرسل النبي إليهم، فقدموا عليه‬ ‫المدينة.‬ ‫إسلم أبطال من قريش:‬ ‫في سنة 7 هـ بعد هذا الصلح أسلم عمرو بن العاص وخالد بن الوليد، وعثمان بن طلحة، ولما‬ ‫حضروا عند النبي قال: " إن مكة قد ألقت إلينا أفلذ كبدها".‬ ‫غزوة خيبر ووادي القرى في المحرم سنة 7 هـ‬ ‫سبب الغزوة:‬ ‫كانت خيبر هي وكرة الدس والتآمر ومركز الستفزازات العسكرية، والتحرشات وإثارة الحروب،‬ ‫حيث أن أهل خيبر هو الذي حزبوا الحزاب ضد المسلمين، وأثاروا بني قريظة على الغدر والخيانة،‬ ‫ثم أخذوا في التصالت بالمنافقين، وبغطفان وأعراب البادية، وكانوا هم أنفسهم يتهيئون للقتال.‬ ‫الخروج إلى خيبر:‬ ‫أقام الرسول بالمدينة حين رجع من الحديبية ذات الحجة وبعض المحرم، ثم خرج في بقية‬ ‫المحرم إلى خيبر.‬ ‫عدد الجيش ا لسلمي:‬ ‫ٍ‬ ‫فلما أراد رسول ا الخروج إلى خيبر أعلن أل يخرج معه إل راغب في الجهاد، فلم يخرج إل‬ ‫أصحاب الشجرة وهم ألف وأربعمائة.‬ ‫73‬
  • 38.
    ‫وبعد خروجه قدمأبو هريرة المدينة مسلما، فوافى سباع بن عرفطة في صلة الصبح، فلما‬ ‫فرغ من صلته زوده حتى قدم على رسول ا، وكلم المسلمين فأشركوه وأصحابه في سهمانهم.‬ ‫اتصال المنافقين باليهود:‬ ‫وقد قام المنافقون يعملون لليهود، فقد أرسل رأس المنافقين عبدا بن أبي إلى يهود خيبر:‬ ‫إن محمدا قد قصدكم، وتوجه إليكم، فخذوا حذركم، ول تخافوا منه فإن عددكم وعدتكم كثيرة،‬ ‫وقوم محمد شرذمة قليلون، عزل، ل سلح معهم إل قليل، فلما علم ذلك أهل خيبر، أرسلوا كنانة بن‬ ‫أبي الحقيق وهوذة بن قيس إلى غطفان يستمدونهم، واشترطوا لهم نصف ثمار خيبر إن هم غلبوا‬ ‫المسلمين.‬ ‫الطريق إلى خيبر:‬ ‫سلك الرسول طريق اسمه مرحب.‬ ‫الجيش السلمي إلى أسوار خيبر:‬ ‫بات المسلمون الليلة الخيرة التي بدأ في صباحها القتال قريبا من خيبر، ول تشعر بهم اليهود،‬ ‫فخرج أهل خيبر بمساحيهم ومكاتلهم، ول يشعرون، بل خرجوا لرضهم، ولما رأوا الجيش ولو‬ ‫هاربين.‬ ‫حصون خيبر:‬ ‫وكانت خيبر منقسمة إلى شطرين، طر فيها خمسة حصون:‬ ‫1 – حصن ناعم، 2 – حصن الصعب بن معاذ، 3 – حصن قلعة الزبير، 4 – حسن أبي، 5 – حصن‬ ‫النزار.‬ ‫والحصون الثلثة الولى منها كانت تقع في منطقة يقال لها: " النطاة" وأما الحصنان الخران‬ ‫فيقعان في منطقة تسمى بالشق.‬ ‫أما الشطر الثاني، ويعرف بالكتيبة، ففيه ثلثة حصون فقط:‬ ‫1 – حصن القموص ) وكان حصن بني أبي الحقيق من بني النضير( ، 2 – حصن الوطيح، 3 –‬ ‫حصن السللم.‬ ‫ودار القتال المرير في الشط الول منها، أما الشطر الثاني فحصونها الثلثة مع كثرة المحاربين‬ ‫فيها سلمت دونما قتال.‬ ‫معسكر الجيش السلمي:‬ ‫واختار الرسول لمعسكره منز ل، فأتاه حباب بن المنذر وأشار على الرسول بتغييره.‬ ‫ً‬ ‫التهيؤ للقتال وبشارة الفتح:‬ ‫أعطى الرسول الراية لعلي بن أبي طالب فقال: يا رسول ا أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا، قال:‬ ‫" أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى السلم، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق ا‬ ‫فيه ..".‬ ‫بدء المعركة وفتح حصن ناعم:‬ ‫83‬
  • 39.
    ‫أما اليهود فإنهملما رأوا الجيش وفروا إلى مدينتهم تحصنوا في حصونهم، وكان من الطبيعي‬ ‫أن يستعدوا للقتال.‬ ‫وأول حصن هاجمه المسلمون من حصونهم الثمانية هو حصن ناعم.‬ ‫وكان خط الدفاع الول لليهود لمكانه الستراتيجي، وكان هذا الحصن هو حصن مرحب البطل‬ ‫اليهودي الذي كان يعد باللف.‬ ‫خرج علي بن أبي طالب بالمسلمين إلى هذا الحصن، ودعا اليهود إلى السلم، فرفضوا هذه‬ ‫الدعوة، وبرزوا إلى المسلمين ومعهم ملكهم مرحب، فلما خرج إلى ميدان القتال دعا إلى المبارزة‬ ‫فبارزه علي بن أبي طالب وقتله.‬ ‫ثم خرج ياسر أخو مرحب، فبارزه الزبير وقتله، ودار القتال المرير حول حصن ناعم، قتل فيه‬ ‫عدة سراة من اليهود، انهارت لجله مقاومة اليهود، واقتحم المسلمون حصن ناعم.‬ ‫فتح حصن الصعب بن معاذ:‬ ‫وكان الثاني من حيث القوة والمناعة قام المسلمون بالهجوم عليه بقيادة الحباب بن المنذر‬ ‫النصاري، ففرضوا عليه الحصار ثلثة أيام، وفي اليوم الثالث، دعا رسول ا لفتح هذا الحصن‬ ‫دعوة خاصة.‬ ‫ثم فتح الحصن في ذلك اليوم قبل أن تغرب الشمس، ووجد فيه المسلمون بعض المنجنيقات‬ ‫والدبابات.‬ ‫فتح قلعة الزبير:‬ ‫وبعد فتح الحصنين السابقين تحول اليهود إلى قلعة الزبير، وهو حصن منيع في رأس جبل، ل‬ ‫تقدر عليه الخيل والرجال، ففرض عليه الرسول الحصار، وأقام محاصرا ثلثة أيام، وقطع عنهم‬ ‫الماء، فخرجوا فقاتلوا أشد القتال، قتل فيه نفر من المسلمين وأصيب نحو العشرة من اليهود،‬ ‫وافتتحه رسول ا.‬ ‫فتح قلعة أبي:‬ ‫وبعد فتح قلعة الزبير انتقل اليهود إلى قلعة أبي وتحصنوا فيه، وقد اقتحم أبو دجانة القلعة‬ ‫واقتحم الجيش السلمي معه وجرى قتال مرير ساعة داخل الحصن، ثم تسلل اليهود من القلعة‬ ‫وتحولوا إلى حصن النزار آخر حصن في الشطر الول.‬ ‫فتح حصن النزار:‬ ‫كان هذا الحصن أمنع حصون هذا الشطر، وكان اليهود على شبه اليقين بأن المسلمين ل‬ ‫يستطيعون اقتحام هذه القلعة، وإن بذلوا قصارى جهدهم في هذا السبيل، ولذلك أقاموا في هذه‬ ‫القلعة مع الذراري والنساء، بينما كانوا قد أخلوا منها القلع الربعة السابقة.‬ ‫وفرض المسلمون على هذا الحصن أشد الحصار،‬ ‫الحصن يقع على جبل مرتفع، أمر الرسول بنصب آلت‬ ‫القذائف، فأوقعوا الخلل في جدران الحصن واقتحموه،‬ ‫أمامه اليهود هزيمة منكرة، وفروا من هذا الحصن تاركين‬ ‫93‬ ‫وصاروا يضغطون عليهم بعنف، ولكون‬ ‫المنجنيق ويبدو أن المسلمين قذفوا به‬ ‫ودار قتال مرير في داخل الحصن انهزم‬ ‫للمسلمين نساءهم وذراريهم.‬
  • 40.
    ‫وبعد فتح هذاالحصن المنيع تم فتح الشطر الول من خيبر، وهي ناحية النطاة والشق وكانت‬ ‫في هذه الناحية حصون صغيرة أخرى إل أن اليهود بمجرد فتح هذا الحصن المنيع أخلوا هذه‬ ‫الحصون، وهربوا إلى الشطر الثاني من بلدة خيبر.‬ ‫فتح الشطر الثاني من خيبر:‬ ‫لما أتى رسول ا إلى هذه الناحية فرض على أهلها أشد الحصار، ودام الحصار أربعة عشر‬ ‫يوما، واليهود ل يخرجون من حصونهم، حتى هم رسول ا أن ينصب عليهم المنجنيق، فلما أيقنوا‬ ‫بالهلكة سألوا رسول ا الصلح.‬ ‫المفاوضة:‬ ‫أرسل ابن أبي الحقيق إلى رسول ا وتم الصلح على حقن دماء من في حصونهم من‬ ‫المقاتلة، وترك الذرية لهم، ويخرجون من خيبر وأرضها بذراريهم ويخلون بين رسول ا وبين ما‬ ‫كان لهم من مال وارض، وعلى الذهب والفضة، والكراع والحلقة إل ثوبا على ظهر إنسان،‬ ‫فصالحوه على ذلك، وبعد هذه المصالحة تم تسليم الحصون إلى المسلمين.‬ ‫قتل ابني أبي الحقيق لنقض العهد:‬ ‫وعلى رغم هذه المعاهدة غيب أبنا أبي الحقيق ما ل ً كثيرا، غيبا جلدا فيه مال وحلي لحيي بن‬ ‫أخطب، كان احتمله معه إلى خيبر حين أجليت النضير.‬ ‫وذكر ابن القيم أن رسول ا أمر بقتل ابني أبي الحقيق وكان الذي اعترف عليهما بإخفاء‬ ‫المال هو ابن عم كنانة.‬ ‫وسبى الرسول صفية بن حيي بن أخطب، وكانت تحت كنانة بن أبي الحقيق وكانت عروسا.‬ ‫قسمة الغنائم:‬ ‫وأراد الرسول أن يجلي اليهود من خيبر، فقالوا: يا محمد، دعنا نكون في هذه الرض نصلحها‬ ‫ونقوم عليها فنحن أعلم بها منكم، فأعطاهم خيبر على أن لهم الشطر من كل زرع، ومن كل ثمر،‬ ‫ما بدا لرسول ا أن يقرهم وكان عبدا بن رواحه يخرصه عليهم.‬ ‫وقسم أرض خيبر على ستة وثلثين سهما، جمع كل سهم مائة سهم، فكانت ثلثة آلف وستمائة‬ ‫سهم، فكان لرسول ا والمسلمين النصف من ذلك وهو ألف وثمانمائة سهم، لرسول ا سهم‬ ‫كسهم أحد المسلمين وعزل النصف الخر، لنوائبه وما يتنزل به من أمور المسلمين، وإنما قسمت‬ ‫على ألف وثمانمائة سهم لنها كانت طعمة من ا لهل الحديبية من شهد منهم ومن غاب، وكانوا‬ ‫ألفا وأربعمائة، وكان معهم مائتا فرس، لكل فرس سهمان، فقسمت على ألف وثمانمائة سهم،‬ ‫فصار للفارس ثلثة أسهم وللراجل سهم واحد.‬ ‫قدوم جعفر بن أبي طالب والشعريين:‬ ‫وفي هذه الغزوة قدم عليه ابن عمه جعفر بن أبي طالب وأصحابه، ومعهم الشعريون أبو‬ ‫موسى وأصحابه، ولما قدم جعفر على النبي تلقاه وقبل ما بين عينيه وقال: " وا ما أدري بأيهما‬ ‫أفرح؟ بفتح خيبر أم بقدوم جعفر".‬ ‫الزواج بصفية:‬ ‫عرض عليها الرسول السلم فأسلمت، فاعتقها وتزوجها، وجعل عتقها صداقها.‬ ‫04‬
  • 41.
    ‫أمر الشاة المسمومة:‬ ‫أهدتزينب بنت الحارث امرأة سلم ابن مشكم، شاة مصلية، وقد سألت أي عضو أحب إلى‬ ‫الرسول فقيل لها: الذراع، فأكثرت فيه من السم، ثم سمت سائر الشاة، ثم جاءت بها، فلما وضعتها‬ ‫بين يدي رسول ا تناول الذراع، فلك منها مضغة فلم يسغها، ولفظها، ثم قال: " إن هذا العظم‬ ‫ليخبرني أنه مسموم" ، ثم دعا بها فاعترفت فقال: " ما حملك على ذلك؟" قالت: قلت: إن كان ملكان‬ ‫استرحت منه، وإن كان نبيا فيسخبر، فتجاوز عنها.‬ ‫قتلى الفريقين في معارك خيبر:‬ ‫جملة من استشهد من المسلمين في معارك خيبر ستة عشر رج ل، أربعة من قريش وواحد من‬ ‫ً‬ ‫أشجع، وواحد من أسلم، وواحد من أهل خيبر والباقون من النصار.‬ ‫أما قتلى اليهود فعددهم ثلثة وتسعون قتي ل.‬ ‫ً‬ ‫غزوة ذات الرقاع:‬ ‫وقعت هذه الغزوة سنة 7 هـ، وهي أن النبي سمع باجتماع بني إنمار أو بني ثعلبة وبني محارب‬ ‫من غطفان، فأسرع بالخروج إليهم في أربعمائة أو سبعمائة من أصحابه، وسار فتوغل في بلدهم‬ ‫حتى وصل إلى موضع يقال له: نخل، على بعد يومين من المدينة، ولقي جمعا من غطفان، فتقاربوا‬ ‫وأخاف بعضهم بعضا ولم يكن بينهم قتال، إل أنه صلى بهم يومئذ صلة الخوف.‬ ‫ويروي أبو موسى الشعري، قال: خرجنا مع رسول ا ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه، فنقبت‬ ‫أقدامنا، ونقبت قدماي، وسقطت أظافري، فكنا نلف على أرجلنا الخرق، فسميت ذات الرقاع، لما كنا‬ ‫نعصب الخرق على أرجلنا.‬ ‫كان لهذه الغزوة أثر في قذف الرعب في قلوب العراب القساة، وإذا نظرنا إلى تفاصيل‬ ‫السرايا بعد الغزوة نرى أن هذه القبائل من غطفان لم تجترئ أن ترفع رأسها بعد هذه الغزوة، بل‬ ‫استكانت حتى استسلمت، بل وأسلمت.‬ ‫وبهذا تم كسر الجنحة الثلثة التي كانت ممثلة في الحزاب، وساد المنطقة المن والسلم.‬ ‫عمرة القضاء:‬ ‫أن الرسول لما هل ذو القعدة أمر أصحابه أن يعتمروا قضاء عمرتهم، وأل يتخلف منهم أحد‬ ‫شهد الحديبية، فخرجوا إل من استشهد، وخرج معه آخرون معتمرين، فكانت عدتهم ألفين سوى‬ ‫النساء والصبيان.‬ ‫وساق ستين بدنة، وأحرم من ذي الحليفة، ولبى، ولبى المسلمون معه، وخرج مستعدا بالسلح‬ ‫والمقاتلة، خشية أن يقع من قريش غدر، فلما بلغ يأجج وضع الداة كلها: الحجف والمجان والنبل‬ ‫والرماح، وخلف عليها أوس بن خولي النصاري في مائتي رجل، ودخل بسلح الراكب: السيوف في‬ ‫ال ق رب.‬ ‫ُ ُ‬ ‫وأقام الرسول بمكة ثلثا، فلما أصبح من اليوم الرابع أتوا عليا فقالوا: قل لصاحبك: أخرج عنا‬ ‫فقد مضى الجل، فخرج النبي ونزل بسرف فأقام بها.‬ ‫ولما أراد الخروج من مكة تبعتهم ابنة حمزة، تنادي يا عم يا عم، فتناولها علي واختصم فيها‬ ‫علي وجعفر وزيد، فقضى النبي لجعفر لن خالتها كانت تحته.‬ ‫14‬
  • 42.
    ‫وفي هذه العمرةتزوج النبي بميمونة بنت الحارث العامرية.‬ ‫وسميت هذه العمرة بعمرة القضاء، إما لنها كانت قضاء عن عمرية الحديبية، أو لنها وقعت‬ ‫حسب المقاضاة ) أي المصالحة( التي وقعت في الحديبية، وهذه العمرة تسمى بأربعة أسماء:‬ ‫القضاء والقضية والقصاص والصلح.‬ ‫معركة مؤتة:‬ ‫وقعت في جمادى الولى سنة 8 هـ، وهي قرية بأدنى بلقاء الشام، بينها وبين بيت المقدس‬ ‫مرحلتان.‬ ‫سبب المعركة:‬ ‫أن الرسول بعث الحارث بن عمير الزدي بكتابه إلى عظيم بصرى، فعرض له شرحبيل بن عمرو‬ ‫الغساني، فأوثقه رباطا ثم قدمه فضرب عنقه، فاشتد ذلك على الرسول فجهز جيشا قوامه ثلثة‬ ‫آلف مقاتل.‬ ‫أمراء الجيش ووصية رسول ا إليهم:‬ ‫أمر الرسول على هذا البعث زيد بن حارثة، وقال: " إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبدا‬ ‫بن رواحة" ، وعقد لهم لواء أبيض، ودفعه إلى زيد بن حارثة.‬ ‫وأوصاهم أن يأتوا مقتل الحارث بن عمير، وأن يدعوا من هناك إلى السلم، وقال لهم: " أغزوا‬ ‫بسم ا، في سبيل ا من كفر بالله، ل تغدروا، ول تغلوا، ول تقتلوا وليدا ول امرأة، ول كبيرا فانيا‬ ‫ول منعزل ...".‬ ‫توديع الجيش السلمي وبكاء عبدا بن رواحة:‬ ‫لما تهيأ الجيش السلمي للخروج حضر الناس، وودعوا أمراء رسول ا، وحينئذ بكى أحد أمراء‬ ‫الجيش ) عبدا بن رواحه( فقالوا ما يبكيك؟ فقال: أما وا ما بي حب الدنيا، ول صبابة بكم،‬ ‫ولكني سمعت رسول ا يقرأ آية من كتاب ا يذكر فيها النار: " وإن منكم إل واردها كان على ربك‬ ‫حتما مقضيا" ، فلست أدري بالصدور بعد الورود؟ ثم خرج القوم وخرج رسول ا مشيعا لهم حتى‬ ‫بلغ ثنية الوداع فوقف وودعهم.‬ ‫تحرك الجيش السلمي، ومباغتته حالة رهيبة:‬ ‫تحرك الجيش حتى نزل معان، من أرض الشام، ونقلت الستخبارات بأن هرقل نازل بمآب من‬ ‫أرض البلقاء في مائة ألف من الروم.‬ ‫المجلس الستشاري بمعان:‬ ‫أقاموا في معان ليلتين يفكرون في أمرهم، ثم قالوا نكتب لرسول ا فنخبره بعدد عدونا،‬ ‫فإما أن يمدنا بالرجال وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له، وعارض عبدا بن رواحه الرأي وشجع‬ ‫الناس على المضي.‬ ‫الجيش السلمي يتحرك نحو العدو:‬ ‫تحرك الجيش إلى أرض العدو حتى لقيتهم جموع هرقل بقرية من قرى البلقاء يقال لها‬ ‫مشارف ثم دنا العدو، وانحاز المسلمون إلى مؤتة، فعسكروا هناك، وتعبئوا للقتال، فجعلوا على‬ ‫ميمنتهم قطبة بن قتادة العذري، وعلى الميسرة عبادة بن مالك النصاري.‬ ‫24‬
  • 43.
    ‫بداية القتال، وتناوبالقواد:‬ ‫وفي مؤتة التقى الفريقان، وبدأ القتال المرير، ثلثة آلف رجل يواجهون هجمات مائتي ألف‬ ‫مقاتل، معركة عجيبة تشاهدها الدنيا بالدهشة والحيرة !‬ ‫أخذ الراية زيد بن حارثة، وجعل يقاتل بضراوة بالغة، وبسالة ل يوجد لها نظير، فلم يزل يقاتل‬ ‫ويقاتل حتى شاط في رماح القوم، وخر صريعا.‬ ‫وحينئذ أخذ الراية جعفر بن أبي طالب، وطفق يقاتل قتا ل ً منقطع النظير، حتى أرهقه القتال‬ ‫اقتحم عن فرسه الشقراء فعقرها، ثم قاتل حتى قطعت يمينه، فأخذ الراية بشماله، ولم يزل بها‬ ‫حتى قطعت شماله فاحتضنها بعضدية، فلم يزل رافعا إياها حتى قتل.‬ ‫ولما قتل جعفر، أخذ الراية عبدا بن رواحة، وتقدم بها، وهو على فرسه، فجعل يستنزل‬ ‫نفسه، ويتردد بعض التردد، ثم أخذ سيفه فتقدم فقاتل حتى قتل.‬ ‫الراية إلى سيف من سيوف ا:‬ ‫تقدم رجل من بني عجلن فأخذ الراية وقال: يا معشر المسلمين، اصطلحوا على رجل منكم،‬ ‫فاصطلح الناس على خالد بن الوليد، فلما أخذ الراية قاتل قتا ل ً مريرا.‬ ‫نهاية المعركة:‬ ‫ومع الشجاعة البالغة والبسالة والضراوة المريرتين، كان مستغربا جدا أن ينجح هذا الجيش‬ ‫الصغير في الصمود أمام تيارات جيوش الروم، ففي ذلك الوقت أظهر خالد بن الوليد مهارته ونبوغه‬ ‫في تخليص المسلمين مما ورطوا أنفسهم فيه.‬ ‫فشعر خالد بالحاجة إلى مكيدة حربية تلقي الرعب في قلوب الرومان حتى ينجح في النحياز‬ ‫بالمسلمين من غير أن يقوم الرومان بحركات المطاردة.‬ ‫فلما أصبح اليوم الثاني غير أوضاع الجيش، وعبأه من جديد، فجعل مقدمته ساقه، وميمنته‬ ‫ميسرة وعلى العكس فلما رآهم العداء أنكروا حالهم، وقالوا جاءهم مدد فرعبوا، وصار خالد‬ ‫يتأخر بالمسلمين قلي ل ً قلي ل ً مع حفظ نظام جيشه، ولم يتبعهم الرومان ظنا منهم أن المسلمين‬ ‫يخدعونهم، ويحاولون القيام بمكيدة ترمي بهم في الصحراء.‬ ‫وهكذا انحاز العدو إلى بلده، ولم يفكر في القيام بمطاردة المسلمين.‬ ‫قتلى الفريقين:‬ ‫استشهد من المسلمين اثنا عشر رج ل، أما الرومان فلم يعرف عدد قتلهم، غير أن تفصيل‬ ‫ً‬ ‫المعركة يدل على كثرتهم.‬ ‫أثر المعركة:‬ ‫وهذه المعركة وإن لم يحصل المسلمون بها على الثأر، لكنها كانت كبيرة الثر لسمعة‬ ‫المسلمين، إنها ألقت العرب كلها في الدهشة والحيرة، ولذلك نرى القبائل اللدودة التي كانت ل‬ ‫تزال تثور على المسلمين جنحت بعد هذه المعركة إلى السلم، فأسلمت بنو سليم وأشج ع وغطفان‬ ‫وذبيان وفزارة وغيرها.‬ ‫وكانت هذه المعركة بداية اللقاء الدامي مع الرومان، فكانت توطئة وتمهيدا لفتوح البلدان‬ ‫الرومانية، واحتلل المسلمين الراضي البعيدة النائية.‬ ‫34‬
  • 44.
    ‫غزوة فتح مكة:‬ ‫سببالغزوة:‬ ‫كانت هناك عداوة وتوتر بين قبيلتي بنو بكر وخزاعة في الجاهلية وفي صلح الحديبية دخلت‬ ‫خزاعة في عهد رسول ا ودخلت بنو بكر في عهد قريش، ووقعت هذه الهدنة، وأمن كل فريق من‬ ‫الخر، اغتنمها بنو بكر، وأرادوا أن يصيبوا من خزاعة الثأر القديم، فخرج نوفل بن معاوية الديلي‬ ‫في جماعة من بني بكر في شهر شعبان سنة 8 هـ، فأغاروا على خزاعة لي ل، وهم على ماء يقال‬ ‫ً‬ ‫له: " الوتير" فأصابوا منهم رجا ل، وتناوشوا واقتتلوا، وأعانت قريش بني بكر بالسلح، وقاتل معهم‬ ‫ً‬ ‫رجال من قريش مستغلين ظلمة الليل، حتى حازوا خزاعة إلى الحرم، فلما انتهوا إليه قالت بنو‬ ‫بنكر: يا نوفل، إنا قد خلنا الحرم، إلهك إلهك، فقال كلمة عظيمة :ل إله اليوم يا بني بكر، أصيبوا‬ ‫ثأركم، فلعمري إنكم لتسرقون في الحرم أفل تصيبون ثأركم فيه؟‬ ‫ولما دخلت خزاعة مكة لجئوا إلى دار بديل بن ورقاء الخزاعي، وإلى دار مولى لهم يقال له‬ ‫رافع.‬ ‫وأسرع عمرو بن سالم الخزاعي، فخرج حتى قدم على رسول ا المدينة، فوقف عليه وهو‬ ‫جالس في المسجد فأبلغه الخبر، فقال الرسول: " نصرت يا عمرو بن سالم".‬ ‫أبو سفيان يخرج إلى المدينة ليجدد الصلح:‬ ‫ل شك أن ما فعلت قريش وحلفاؤها كان غدرا محضا ونقضا صريحا للميثاق، ولذلك سرعان ما‬ ‫أحست قريش بغدرها، وخافت وشعرت بعواقبه الوخيمة، فعقدت مجلسا استشاريا وقررت أن تبعث‬ ‫قائدها أبا سفيان ممث ل ً لها ليقوم بتجديد الصلح.‬ ‫وخرج أبو سفيان إلى المدينة حتى أترى الرسول فكلمه، فلم يرد عليه شيئا، ثم ذهب إلى أبي‬ ‫بكر فكلمه أن يكلم الرسول فقال له: ما أنا بفاعل، ثم أتى عمر بن الخطاب فكلمه فقال: أأنا أشفع‬ ‫لكم إلى رسول ا؟ فوا لو لم أجد إل الذر لجاهدتكم به، ثم جاء لعلي وقال له اشفع لي إلى‬ ‫محمد فقال: ويحك يا أبا سفيان، لقد عزم رسول ا على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه.‬ ‫التهيؤ للغزوة ومحاولة الخفاء:‬ ‫زيادة في الخفاء والتعمية بعث رسول ا سرية قوامها ثمانية رجال، تحت قيادة أبي قتادة بن‬ ‫ربعي، إلى بطن إضم، في أول شهر رمضان سنة 8 هـ، ليظن الظان أنه يتوجه إلى تلك الناحية‬ ‫ولتذهب بذلك الخبار.‬ ‫وكتب حاطب بن بلتعه إلى قريش كتابا يخبرهم بمسير رسول ا إليهم ثم أعطاه امرأة وجعل‬ ‫لها جع ل ً على أن تبلغه قريشا، فجعلته في قرون رأسها، وأتى رسول ا الخبر من السماء بما صنع‬ ‫حاطب.‬ ‫وهكذا أخذ ا العيون، فلم يبلغ إلى قريش أي خبر من أخبار تجهز المسلمين وتهيئتهم للقتال.‬ ‫الجيش السلمي يتحرك نحو مكة:‬ ‫في العاشر من رمضان سنة 8 هـ غادر رسول ا المدينة متجها إلى مكة في عشرة آلف من‬ ‫الصحابة واستخلف على المدينة أبا رهم الغفاري.‬ ‫وهو في الطريق لقيه عمه العباس بن عبدالمطلب، وكان قد خرج بأهله وعياله مسلما مهاجرا،‬ ‫ثم لقيه ابن عمه أبو سفيان بن الحارث وابن عمته عبدا بن أبي أمية، فأعرض عنها، فقالت له أم‬ ‫44‬
  • 45.
    ‫سلمة :ل يكنابن عمك وابن عمتك أشقى الناس بك، وقال علي لبي سفيان بن الحارث: قل‬ ‫لرسول ا ما قال إخوة يوسف ليوسف: ) قالوا تالله لقد آثرك ا علينا وإن كنا لخاطئين( فرد عليه‬ ‫رسول ا ) تثريب عليكم اليوم يغفر ا لكم وهو أرحم الراحمين(.‬ ‫ل‬ ‫الجيش السلمي ينزل بمر الظهران:‬ ‫وواصل رسول ا سيره وهو صائم والناس صيام، حتى بلغ الكديد فأفطر، وأفطر الناس معه،‬ ‫ثم واصل سيره حتى نزل بمر الظهران نزله عشاء فأمر الجيش فأوقدوا النيران، فأوقدت عشرة‬ ‫آلف نار، وجعل رسول ا على الحرس عمر بن الخطاب.‬ ‫أبو سفيان بين يدي رسول ا:‬ ‫لما أتى العباس بأبو سفيان لرسول ا قال: " ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أن ل إله‬ ‫إل ا؟" قال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك؟ لقد ظننت أن لو كان مع ا إله غيره‬ ‫لقد أغنى عني شيئا بعد.‬ ‫قال: " ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أني رسول ا؟" ، قال: بأبي أنت وأمي، ما‬ ‫أحلمك وأكرمك وأوصلك: أما هذه فإن في النفس حتى الن منها شيء، فقال له العباس: ويحك‬ ‫أسلم، واشهد أن ل إله إل ا، وأن محمدا رسول ا، قبل أن تضرب عنقك، فأسلم وشهد شهادة‬ ‫الحق.‬ ‫قال العباس: يا رسول ا، إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئا، قال: " نعم، من دخل‬ ‫دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن".‬ ‫الجيش السلمي يغادر مر الظهران إلى مكة:‬ ‫وفي صباح الثلثاء للسابع عشر من شهر رمضان 8 هـ غادر الرسول مر الظهران إلى مكة وأمر‬ ‫العباس أن يحبس أبا سفيان بمضيق الوادي عند خطم الجبل، حتى تمر به جنود ا فيراها، ففعل‬ ‫فمرت القبائل على راياتها.‬ ‫قريش تباغت زحف الجيش السلمي:‬ ‫ولما مر رسول ا بأبي سفيان ومضى قال له العباس: النجاء إلى قومك، فأسرع أبو سفيان‬ ‫حتى دخل مكة، وصرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم فيما ل قبل لكم به،‬ ‫فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن.‬ ‫فتجمع سفهاء قريش وأخفاؤها مع عكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو‬ ‫بالخندمة ليقاتلوا المسلمين.‬ ‫الجيش السلمي بذي طوى:‬ ‫وهنا وزع الرسول جيشه وكان خالد بن الوليد على المجنبة اليمنى، فأمره أن يدخل مكة من‬ ‫أسفلها، وقال: " إن عرض لكم أحد من قريش فاحصدوهم حصدا، حتى توافوني على الصفا".‬ ‫وكان الزبير بن العوام على المجنبة اليسرى، وكان معه راية رسول ا، فأمره أن يدخل مكة‬ ‫من أعلها، وأن يغرز رايته بالحجون ول يبرح حتى يأتيه.‬ ‫وكان أبو عبيدة على الرجالة والحسر وهم الذين ل سلح معهم فأمره أن يأخذ بطن الوادي‬ ‫حتى ينصب لمكة بين يدي رسول ا.‬ ‫54‬
  • 46.
    ‫الجيش السلمي يدخلمكة:‬ ‫وتحركت كل كتيبة فأما خالد وأصحابه فلم يلقهم أحد من المشركين إل أناموه، وقتل من‬ ‫أصحابه من المسلمين اثنين كانا قد شذا عن الجيش، وأما سفهاء قريش فلقيهم خالد وأصحابه‬ ‫بالخندمة فناوشوهم شيئا من قتال، فأصابوا من المشركين اثني عشر رج ل ً فانهزم المشركون، وأما‬ ‫الزبير فتقدم حتى نصب راية رسول ا بالحجون عند مسجد الفتح وضرب له هناك قبة، فلم يبرح‬ ‫حتى جاءه الرسول.‬ ‫الرسول يدخل المسجد الحرام ويطهره من الصنام:‬ ‫دخل الرسول إلى المسجد، فأقبل على الحجر السود فاستلمه وطاف بالبيت وفي يده قوس‬ ‫وحول البيت ثلثمائة وستون صنما، فجعل يطعنها بالقوس، ويقول: " جاء الحق وزهق الباطل إن‬ ‫الباطل كان زهوقا" ، " جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد" ، والصنام تتساقط على وجوهها.‬ ‫فلما أكمل طوافه دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفاتيح الكعبة، فأمر بها ففتحت فدخلها.‬ ‫الرسول يصلي في الكعبة ثم يخطب أمام قريش.‬ ‫ل تثريب عليكم اليوم:‬ ‫ثم قال: يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم، قال:‬ ‫" فإني أقول لكم كما قال يوسف لخوته : " تثريب عليكم اليوم" اذهبوا فأنتم الطلقاء".‬ ‫ل‬ ‫مفتاح البيت إلى أهله:‬ ‫وأعاد الرسول المفتاح إلى عثمان بن طلحة، وقال له: " خذوها خالدة تالدة، ل ينزعها منكم إل‬ ‫ظالم، يا عثمان إن ا استأمنكم على بيته، فكلوا مما يصل إليكم من هذا البيت بالمعروف".‬ ‫بلل يؤذن على الكعبة:‬ ‫وحانت الصلة فأمر رسول ا بل ل ً أن يصعد فيؤذن على الكعبة، وأبو سفيان ابن حرب، وعتاب‬ ‫بن أسيد، والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة، فقال عتاب: لقد أكرم ا أسيدا أل يكون سمع‬ ‫هذا، فيسمع منه ما يغيظه، فقال الحارث: أما وا لو أعلم أنه حق لتبعته، فقال أبو سفيان: أما‬ ‫وا ل أقول شيئا، لو تكلمت لخبرت عني هذا الحصباء، فخرج عليهم النبي فقال لهم: " قد علمت‬ ‫الذي قلتم" ، ثم ذكر ذلك لهم، فقال الحارث وعتاب: نشهد أنك رسول ا، وا ما أطلع على هذا‬ ‫أحد كان معنا فنقول: أخبرك.‬ ‫صلة الفتح أو صلة الشكر:‬ ‫دخل رسول ا يومئذ دار أم هانئ بنت أبي طالب، فاغتسل وصلى ثمان ركعات في بيتها، وهي‬ ‫صلة الفتح.‬ ‫إهدار دماء رجال من أكابر المجرمين:‬ ‫أهدر رسول ا يومئذ دماء تسعة نفر من أكابر المجرمين، وأمر بقتلهم وإن وجودا تحت أستار‬ ‫الكعبة، وهم: عبدالعزى بن خطل وعبدا بن سعد بن أبي سرح ) أسلم( وعكرمة بن أبي جهل‬ ‫) أسلم( والحارث بن نفيل بن وهب ) قتله علي( ومقيس بن صبابة ) قتله نميلة بن عبدا( وهبار بن‬ ‫السود ) أسلم( وقينتان كانتا لبن خطل، كانتا تغنيان بهجو النبي ) قتلت إحداهما وأسلمت الخرى( ،‬ ‫و سارة مولة لبعض بني عبدالمطلب، وهي التي وجد معها كتاب حاطب ) أسلمت(.‬ ‫64‬
  • 47.
    ‫إسلم صفوان بنأمية، وفضالة بن عمير.‬ ‫خطبة الرسول في اليوم الثاني من الفتح:‬ ‫ولما كان الغد من يوم الفتح قام رسول ا في الناس خطيبا فقال: " أيها الناس، إن ا حرم‬ ‫مكة يوم خلق السموات والرض، فهي حرام بحرمة ا إلى يوم القيامة، فل يحل لمرئ يؤمن بالله‬ ‫واليوم الخر أن يسفك فيها دما، أو يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص لقتال رسول ا فقولوا: إن‬ ‫ا أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما حلت لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها‬ ‫بالمس، فليبلغ الشاهد الغائب".‬ ‫تخوف النصار من بقاء الرسول في مكة:‬ ‫ولما تم فتح مكة على الرسول قال النصار فيما بينهم: أترون رسول ا إذ فتح ا عليه أرضه‬ ‫وبلده أن يقيم بها، فلما فرغ من دعائه قال: " ماذا قلتم؟" قالوا ل شيء يا رسول ا، فلم يزل بهم‬ ‫:‬ ‫حتى أخبروه، فقال: " معاذ ا، المحيا محياكم، والممات مماتكم".‬ ‫أخذ البيعة:‬ ‫جلس الرسول على الصفا يبايع الناس، وعمر بن الخطاب أسفل منه، أخذ على الناس، فبايعوه‬ ‫على السمع والطاعة فيما استطاعوا.‬ ‫إقامته صلى ا عليه وسلم وعمله فيها:‬ ‫أقام بها تسعة عشر يوما يجدد معالم السلم، ويرشد الناس إلى الهدى والتقى، وخلل هذه‬ ‫اليام أمر أبا أسيد الخزاعي فجدد أنصاب الحرم، وبث سراياه للدعوى إلى السلم ولكسر الوثان‬ ‫التي كانت حول مكة، فكسرت كلها ونادى مناديه بمكة: من كان يؤمن بالله واليوم الخر فل يدع في‬ ‫بيته صنما إل كسره.‬ ‫السرايا والبعوث:‬ ‫1 – بعث خالد بن الوليد إلى العزى لخمس ليال بقين من شهر رمضان سنة 8 هـ ليهدمها.‬ ‫2 – بعث عمرو بن العاص في نفس الشهر إلى سواع ليهدمه.‬ ‫3 – وفي الشهر نفسه بعث سعد بن زيد الشهلي إلى مناة ليهدمها.‬ ‫4 – بعث خالد بن الوليد إلى بني جذيمة داعيا إلى السلم ل مقات ل، فخرج في ثلثمائة‬ ‫ً‬ ‫وخمسين رج ل ً من المهاجرين والنصار وبني سليم، فانتهى إليهم فدعاهم إلى السلم فلم يحسنوا‬ ‫أن يقولوا: أسلمنا فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتلهم ويأسرهم، فذكر ذلك للرسول‬ ‫فقال: " اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد".‬ ‫غزوة حنين‬ ‫مسير العدو ونزوله بأوطاس:‬ ‫أجمع القائد العام مالك بن عوف المسير إلى حرب المسلمين، ساق مع الناس أموالهم‬ ‫ونسائهم وأبنائهم، فسار حتى نزل بأوطاس.‬ ‫سلح استكشاف العدو:‬ ‫74‬
  • 48.
    ‫وجاءت إلى مالكعيون كان قد بعثهم للستكشاف عن المسلمين، وقد تفرقت أوصالهم، قال ما‬ ‫شأنكم، قالوا: رأينا رجالت بيضا على خيل بلق وا ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى.‬ ‫سلح استكشاف رسول ا:‬ ‫ونقلت الخبار إلى رسول ا بمسير العدو، فبعث أبا حدرد السلمي، وأمره أن يدخل في‬ ‫الناس، فيقيم فيهم حتى يعلم علمهم، ثم يأتيه بخبرهم، ففعل.‬ ‫الرسول يغادر مكة إلى حنين:‬ ‫في يوم السبت 6 شوال سنة 8 هـ غادر رسول ا مكة خرج في اثني عشر ألفا من المسلمين،‬ ‫عشرة آلف ممن كانوا خرجوا معه لفتح مكة، وألفان من أهل مكة، وأكثرهم حديثو عهد بالسلم‬ ‫واستعار من صفوان بن أمية مائة درع بأداتها، واستعمل على مكة عتاب بن أسيد.‬ ‫وفي طريقهم إلى حنين رأوا سدرة عظيمة خضراء يقال لها: ذات أنواط، كانت العرب تعلق‬ ‫عليها أسلحتهم، ويذبحون عندها ويعكفون، فقال بعض الجيش إجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات‬ ‫أنواط فقال : " أكبر، قلتم والذي نفس محمد بيده كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلها كما لهم‬ ‫ا‬ ‫آلهة ... ".‬ ‫وقد كان بعضهم قال نظرا إلى كثرة الجيش: لن نغلب اليوم، وكان قد شق ذلك على رسول ا.‬ ‫الجيش السلمي يباغت بالرماة والمهاجمين:‬ ‫وصل الجيش إلى حنين الليلة التي بين الثلثاء والربعاء لعشر خلون من شوال، وكان مالك بن‬ ‫عوف قد سبقهم، فأدخل جيشه بالليل في ذلك الوادي، وفرق كمناءه في الطرق و المداخل‬ ‫والشعاب والخباء والمضايق، وأصدر إليهم أمره بأن يرشقوا المسلمين أول ما طلعوا، ثم يشدوا‬ ‫شدة رجل واحد، وعند دخول المسلمين الوادي إذا تمطر عليهم النبال، وإذا كتائب العدو قد شدت‬ ‫عليهم، فانشمر المسلمون راجعين ل يلوي أحد على أحد، وكانت هزيمة منكرة.‬ ‫وانحاز رسول ا جهة اليمين وهو يقول " هلموا إلي أيها الناس، أنا رسول ا أنا محمد بن‬ ‫عبدا" ، ولم يبق معه إل عدد قليل من المهاجرين والنصار.‬ ‫رجوع المسلمين واحتدام المعركة:‬ ‫وأمر رسول ا عمه العباس أن ينادي الصحابة وقال بأعلى صوته: أين أصاحب السمرة؟ حتى‬ ‫إذا اجتمع إليه منهم مائة استقبلوا الناس واقتتلوا.‬ ‫وصرفت الدعوة إلى النصار: يا معشر النصار، ثم قصرت الدعوة في بني الحارث بن الخزرج،‬ ‫وتلحقت كتائب المسلمين واحدة تلو الخرى كما كانوا تركوا الموقعة، وتجالد الفريقان مجالدة‬ ‫شديدة، ونظر رسول ا إلى ساحة القتال، وقد استحر واحتدم، فقال: " الن حمي الوطيس" ، ثم‬ ‫أخذ قبضة من تراب الرض، فرمى بها في وجوه القوم وقال: " شاهت الوجوه" ، فما خلق ا إنسانا‬ ‫إل مل عينيه ترابا من تلك القبضة.‬ ‫انكسار حدة العدو، وهزيمته الساحقة:‬ ‫وما هي إل ساعات قلئل – بعد رمي القبضة – حتى انهزم العدو هزيمة منكرة، وقتل من ثقيف‬ ‫وحدهم نحو السبعين، وحاز المسلمون ما كان مع العدو من مال وسلح وظعن.‬ ‫حركة المطاردة:‬ ‫84‬
  • 49.
    ‫ولما انهزم العدوصارت طائف منهم إلى الطائف، وطائفة إلى نخلة، وطائفة إلى أوطاس،‬ ‫فأرسل النبي إلى أوطاس طائفة من المطاردين يقودهم أبو عامر الشعري، فتناوش الفريقان‬ ‫القتال قلي ل، ثم انهزم جيش المشركين وقتل في المناوشة أبو عامر الشعري.‬ ‫ً‬ ‫وطاردت طائفة أخرى من فرسان المسلمين فلول المشركين الذين سلكوا نخلة، فأدرت دريد‬ ‫بن الصمة فقتله ربيعة بن رفيع.‬ ‫وأما معظم فلول المشركين الذين لجئوا إلى الطائف، فتوجه إليهم الرسول بنفسه بعد أن جمع‬ ‫الغنائم.‬ ‫الغنائم:‬ ‫وكانت الغنائم: السبي ستة آلف رأس، والبل أربعة وعشرون ألفا، والغنم أكثر من أربعين ألف‬ ‫شاة، وأربعة آلف أوقية فضة، أمر رسول ا بجمعها، ثم حبسها بالجعرانة، ولم يقسمها حتى فرغ‬ ‫من غزوة الطائف.‬ ‫وكانت في السبي الشيماء بنت الحارث السعدية، أخت رسول ا من الرضاعة، فما جيء بها‬ ‫إلى الرسول عرفت له نفسها، فعرفها بعلمة فأكرمها، وبسط لها رداءه وأجلسها عليه، ثم من‬ ‫عليها، وردها إلى قومها.‬ ‫غزوة الطائف:‬ ‫وهي امتداد لغزوة حنين، حيث أن معظم فلول هوازن وثقيف دخلوا الطائف مع القائد العام‬ ‫مالك بن عوف النصري، وتحصنوا بها، فسار إليهم الرسول بعد فراغه من حنين وجمع الغنائم في‬ ‫الشهر نفسه شوال سنة 8 هـ.‬ ‫وقدم خالد بن الوليد على مقدمته طليعة في ألف رجل، ثم سلك رسول ا إلى الطائف، وكان‬ ‫هناك حصن لمالك بن عوف فأمر بهدمه، فنزل قريبا من حصنه وعسكر هناك وفرض الحصار على‬ ‫أهل الحصن.‬ ‫ودام الحصار مدة غير قليلة، ووقعت في هذه المدة مراماة، ومقاذفات، فالمسلمون أول ما‬ ‫فرضوا الحصار رماهم أهل الحصن رميا شديدا، حتى أصيب ناس من المسلمين بجراحة، وقتل منهم‬ ‫اثنا عشر رج ل، واضطروا إلى الرتفاع عن معسكرهم إلى مسجد الطائف اليوم، فعسكروا هناك.‬ ‫ً‬ ‫ونصب النبي المنجنيق على أهل الطائف، وقذف به القذائف، حتى وقعت شدخة في جدار‬ ‫الحصن، فدخل نفر من المسلمين تحت دبابة.‬ ‫ودخلوا بها إلى الجدار ليحرقوه، فأرسل عليهم العدو سكك الحديد محماة بالنار، فخرجوا من‬ ‫تحتها، فرموهم بالنبل وقتلوا منهم رجا ل.‬ ‫ً‬ ‫وأمر رسول ا بقطع العناب وتحريقها، فقطعها المسلمون قطعا ذريعا، فسألته ثقيف أن‬ ‫يدعها لله والرحم، فتركها.‬ ‫ونادى مناديه: أيما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر، فخرج إليهم ثلثة وعشرون رج ل،‬ ‫ً‬ ‫فيهم أبو بكرة، فأعتقهم رسول ا.‬ ‫ولما طال الحصار واستعصى الحصن، استشار الرسول نوفل بن معاوية الديلي فأشار عليه‬ ‫برفع الحصار والرحيل، فأمر عمر بن الخطاب فأذن في الناس إنا قافلون غدا فثقل عليهم، وقالوا:‬ ‫94‬
  • 50.
    ‫نذهب ول نفتحه؟فقال الرسول: " اغدوا على القتال" ، فغذوا فأصابهم جراح فقال: " إنا قافلون غدا‬ ‫إن شاء ا" ، فسروا بذلك وأذعنوا، وقيل ادعوا على ثقيف فقال: " اللهم اهد ثقيفا ائت بهم".‬ ‫قسمة الغنائم بالجعرانة:‬ ‫لما عاد رسول ا بعد رفع الحصار عن الطائف مكث بالجعرانة بضع عشرة ليلة ل يقسم‬ ‫الغنائم، ويتأنى بها، يبتغي أني يقدم عليه وفد هوازن تائبين فيحرزوا ما فقدوا، ولكنه لم يجئه أحد‬ ‫فبدأ بقسمة المال، ليسكت المتطلعين من رؤساء القبائل وأشراف مكة، فكان المؤلفة قلوبهم أول‬ ‫من أعطى وحظي بالنصبة الجزلة.‬ ‫النصار تجد على رسول ا:‬ ‫كانت هذه القسمة مبنية على سياسة حكيمة، لكنها لم تفهم أول المر، فأطلقت ألسنة شتى‬ ‫بالعتراض.‬ ‫فما علم النصار بحقيقة المر قالوا: رضينا برسول ا قسما وحظا.‬ ‫قدوم وفد هوازن:‬ ‫وبعد توزيع الغنائم أقبل وفد هوازن مسلما، وهم أربعة عشر رج ل ً ورأسهم زهير بن صرد،‬ ‫وفيهم أبو برقان عم الرسول من الرضاعة، فأسلموا وبايعوا ثم قالوا: يا رسول ا إن فيمن أصبتم‬ ‫المهات والخوات، والعمات والخالت، وهن مخازي القوم، فردوا عليهم نساءهم وأبنائهم، لم‬ ‫يتخلف منهم أحد غير عيينة بن حصن، فإنه أبى أن يرد عجوزا صارت في يديه منهم، ثم ردها بعد‬ ‫ذلك، وكسا رسول ا السبي.‬ ‫العمرة والنصراف إلى المدينة:‬ ‫ولما فرغ الرسول من قسمة الغنائم في الجعرانة، أهل معتمرا منها، فأدى العمرة وانصرف‬ ‫بعد ذلك راجعا إلى المدينة بعد أن ولى على مكة عتاب بن أسيد، وكان رجوعه إلى المدينة ودخوله‬ ‫فيها لست ليال بقيت من ذي القعدة سنة 8 هـ.‬ ‫غزوة تبوك في رجب سنة 9 هـ‬ ‫سبب الغزوة:‬ ‫لم يكن قيصر ليصرف نظره عما كان لمعركة مؤتة من الثر الكبير لصالح المسلمين وعما كان‬ ‫يطمح إليه بعد ذلك كثير من قبائل العرب من استقللهم عن قيصر، ومواطأتهم للمبسملين، إن هذا‬ ‫كان خطرا يتقدم ويخطو إلى حدوده خطوة بعد خطوة، ويهدد الثغور الشامية التي تجاور العرب،‬ ‫فكان يرى أن القضاء يجب على قوة المسلمين قبل أن تتجسد في صورة خطر عظيم ل يمكن‬ ‫القضاء عليها، وقبل أن تثير القلقل والثورات في المناطق العربية المجاورة للرومان.‬ ‫ونظرا إلى هذه المصالح، لم يقض قيصر بعد معركة مؤتة سنة كاملة حتى أخذ يهيئ الجيش‬ ‫من الرومان والعرب التابعة لهم من آل غسان وغيرهم، وبدأ يجهز لمعركة دامية فاصلة.‬ ‫الخبار العامة عن استعداد الرومان وغسان:‬ ‫وكانت النباء تترامى إلى المدينة بإعداد الرومان، للقيام بغزوة حاسمة ضد المسلمين، حتى‬ ‫كان الخوف يتسورهم كل حين، ل يسمعون صوتا غير معتاد إل ويظنونه زحف الرومان، وفي تلك‬ ‫05‬
  • 51.
    ‫السنة )9 هـ(آلى النبي من نسائه شهرا، وكان هجرهن واعتزل عنهن، ولم يفطن الصحابة إلى‬ ‫حقيقة المر في بدايته.‬ ‫ويزيد المر خطوة ما فعله المنافقون من إنشاء وكر للدس والتآمر، في صورة مسجد وهو‬ ‫مسجد الضرار، وعرضوا على النبي أن يصلي فيه، ولكن الرسول أخرى الصلة فيه حتى عاد من‬ ‫الغزوة وقام الرسول بهدمه.‬ ‫الخبار الخاصة عن استعداد الرومان وغسان:‬ ‫بلغ النباط - الذين قدموا بالزيت من الشام إلى المدينة- المسلمين أن هرقل قد هيأ جيشا‬ ‫قوامه أربعين ألف مقاتل، وأنه أجلب معهم قبائل لخم وجذام وغيرهما من متنصرة العرب، وبذلك‬ ‫تمثل أمام المسلمين خطر كبير.‬ ‫زيادة خطورة الموقف:‬ ‫حيث أن الزمان كان فصل القيظ الشديد، وكان الناس في عسرة وجدب، والمسافة بعيدة‬ ‫والطريق وعرة وصعبة.‬ ‫الرسول يقرر القيام بإقدام حاسم:‬ ‫وكان الرسول يرى أنه لو توانى وتكاسل عن غزو الرومان، وتركها تجوس خلل المناطق التي‬ ‫كانت تحت سيطرة السلم، وتزحف للمدينة كان له أسوأ أثر على الدعوى السلمية وعلى سمعة‬ ‫المسلمين العسكرية، وهكذا تخفق الجهود التي بذلها هو وأصحابه في نشر السلم، ولذلك قرر‬ ‫القيام بغزوة فاصلة يخوضها المسلمون ضد الرومان في حدودهم، ول يمهلونهم حتى يزحفوا إلى‬ ‫دار السلم.‬ ‫العلن بالتهيؤ لقتال الرومان:‬ ‫أعلن الرسول في الصحابة أن يتجهزوا للقتال، وبعث إلى القائل من العرب وإلى أهل مكة‬ ‫يستنفرهم، وحضهم على الجهاد، ونزلت قطعة من سورة براءة تثيرهم على الجلد، ورغب في‬ ‫الصدقات وإنفاق الموال.‬ ‫المسلمون يتسابقون إلى التجهز للغزو:‬ ‫ولم يتخلف عن هذه الغزوة إل المنافقين والنفر الثلثة، وتسابق المسلمون في إنفاق الموال‬ ‫وبذل الصدقات، كان عثمان بن عفان قد جهز عيرا للشام، مائتا بعير، ومائتا أوقية، فتصدق بها، ثم‬ ‫تصدق بمائة بعير، ثم جاء بألف دينار فنثرها في حجر الرسول، وقال الرسول :" ما ضر عثمان ما‬ ‫عمل بعد اليوم" ، وتصدق حتى بلغت صدقته تسعمائة بعير ومائة فرس سوى النقود، وجاء‬ ‫عبدالرحمن بن عوف بمائتي أوقية فضة، وجاء أبو بكر بماله كله، وهو أول من جاء بصدقته، وجاء‬ ‫عمر بنصف ماله، وجاء العباس بمال كثير.‬ ‫الجيش السلمي إلى تبوك:‬ ‫استعمل رسول ا على المدينة محمد بن مسلمة النصاري، وخلف على أهله علي بن أبي‬ ‫طالب، وأمره بالقامة فيهم وغمص عليه المنافقون، فخرج لحقا بالرسول فرده إلى المدينة وقال:‬ ‫أل ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ..".‬ ‫وتحرك رسول ا يوم الخميس نحو الشمال يريد تبوك، ولكن الجيش كان كبيرا، ثلثون ألف‬ ‫مقاتل، فلم يستطع المسلمون أن يجهزوه تجهيزا كام ل، فكان ثمانية عشر رج ل ً يعتقبون بعيرا‬ ‫ً‬ ‫15‬
  • 52.
    ‫واحدا، وبما أكلواأوراق الشجار حتى تورمت شفاههم، واضطروا إلى ذبح البعير ليشربوا ما في‬ ‫كرشه من الماء، ولذلك سمي هذا الجيش جيش العسرة.‬ ‫الجيش السلمي بتبوك:‬ ‫نزل الجيش بتبوك، فعسكر هناك، وهو مستعد للقاء العدو، وقام الرسول فيهم خطيبا، فخطب‬ ‫خطبة بليغة، وأما الرومان وحلفاؤهم فلما سمعوا بزحف رسول ا أخذهم الرعب، فلم يجترئوا‬ ‫على التقدم واللقاء، بل تفرقوا في البلد في داخل حدودهم، فكان لذلك أحسن أثر بالنسبة إلى‬ ‫سمعة المسلمين العسكرية، في داخل الجزيرة وأرجائها النائية، وحصل بذلك المسلمون على‬ ‫مكاسب سياسية كبيرة خطيرة، لعلهم لم يكونوا يحصلون عليها لو وقع هناك اصطدام بين الجيشين.‬ ‫جاء يحنة بن رؤبة صاحب أيلة، فصالح الرسول وأعطاه الجزية، وأتاه أهل جرباء وأهل أذرح،‬ ‫فأعطوه الجزية، وصالحه أهل ميناء على ربع ثمارها.‬ ‫وبعث الرسول خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة الجندل فجاء به إلى الرسول فحق دمه وصالحه،‬ ‫وأقر بإعطاء الجزية.‬ ‫الرجوع إلى المدينة:‬ ‫ورجع الجيش من تبوك منتصرا، وفي الطريق عند عقبة حاول اثنا عشر رج ل ً من المنافقين‬ ‫الفتك بالنبي، وكان معه عمار وحذيفة بن اليمان، لكن ا رد كيدهم إلى نحورهم، وأخبر الرسول‬ ‫بأسمائهم، وبما هموا به، فلذلك كان حذيفة يسمى بصاحب سر رسول ا.‬ ‫وكانت عودة الرسول من تبوك في رجب سنة 9 هـ، واستغرقت هذه الغزوة خمسين يوما، أقام‬ ‫منها عشرين يوما في تبوك، والباقي في الطريق ذهابا وعودة، وكان هذه الغزوة آخر غزواته.‬ ‫المخلفون:‬ ‫في هذه الغزوة خرج كل المؤمنين الصادقين، وصار التخلف أمارة على النفاق، وكان هناك‬ ‫ثلثة نفر من المؤمنين الصادقين تخلفوا من غير مبرر، وهم الذين أبلهم ا ثم تاب عليهم.‬ ‫والنفر الثلثة هم: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلل بن أمية، وتمت مقاطعتهم وبعد‬ ‫مرور أربعين ليلة أمروا أن يعتزلوا نساءهم، حتى تمت على مقاطعتهم خمسون ليلة، ثم أنزل ا‬ ‫توبتهم.‬ ‫أثر الغزوة:‬ ‫كان لهذه الغزوة أعظم أثر في بسط نفوذ المسلمين وتقويته على جزيرة العرب، فقد تبين‬ ‫للناس أنه ليس لي قوة من القوات أن تعيش في العرب سوى قوة السلم، ولذلك لم يبق‬ ‫للمنافقين أن يعاملهم المسلمون بالرفق واللين، وقد أمر ا بالتشديد عليهم، حتى نهى عن قبول‬ ‫صدقاتهم، وعن الصلة عليهم، والستغفار لهم والقيام على قبرهم.‬ ‫ويعرف مدى أثر هذه الغزوة من أن العرب وإن كانت قد أخذت في التوافد إلى الرسول بعد‬ ‫غزوة فتح مكة، بل وما قبلها، إل أن تتابع الوفود وتكاثرها بلغ إلى القمة بعد هذه الغزوة.‬ ‫نزول القرآن حول موضوع الغزوة:‬ ‫نزلت آيات كثيرة من سورة براءة حول موضوع الغزوة، نزل بعضها قبل الخروج وبعضها بعده،‬ ‫وبعض آخر منها بعد الرجوع إلى المدينة.‬ ‫25‬
  • 53.
    ‫الوفود:‬ ‫1 – وفدعبد القيس:‬ ‫كانت لهذه القبيلة وفادتان: الولى في )5 هـ( وكان كبيرهم الشج العصري الذي قال فيه‬ ‫الرسول: " إن فيك خصلتين يحبهما ا: الحلم والناة" ، والوفادة الثانية كانت في سنة الوفود.‬ ‫2 – وفد دوس:‬ ‫كانت وفادة هذه القبيلة في أوائل سنة سبع، ورسول ا بخيبر.‬ ‫3 – رسول فروة بن عمرو الجذامي:‬ ‫كان فروة قائدا عربيا من قواد الرومان، أسلم بعد ما رأى من جلد المسلمين وشجاعتهم،‬ ‫وصدقهم اللقاء في معركة مؤتة سنة 8 هـ، ولما أسلم بعث إلى الرسول بإسلمه، وحبسه الروم‬ ‫وقتلوه وصلبوه بفلسطين.‬ ‫4 – وفد صداء:‬ ‫جاء هذا الوفد بعد انصراف الرسول من الجعرانة سنة 8 هـ، ووافى الرسول منهم مائة رجل‬ ‫في حجة الوداع.‬ ‫5 – قدوم كعب بن زهير بن أبي سلمى:‬ ‫كان من بيت الشعراء، وكان يهجو النبي، وتاب وأسلم.‬ ‫6 – وفد غذرة:‬ ‫قدم هذا الوفد في صفر سنة 9 هـ، وأسلموا وأقاموا أياما ثم رجعوا.‬ ‫7 – وفد بلي:‬ ‫قدم في ربيع الول سنة 9 هـ، وأسلم وأقام بالمدينة ثلثا.‬ ‫8 – وفد ثقيف:‬ ‫كانت وفادتهم في رمضان سنة 9 هـ.‬ ‫9 – رسالة ملوك اليمن:‬ ‫بعد مرجع النبي من تبوك، قدم كتاب ملوك حمير، وهم الحارث بن عبد كلل، ونعيم،‬ ‫والنعمان، وهمدان ومعافر، ورسولهم إليه مالك بن مرة الرهاوي، بعثوه بإسلمهم ومفارقتهم‬ ‫الشرك وأهله.‬ ‫01 – وفد همدان:‬ ‫قدموا سنة 9 هـ بعد مرجعه من تبوك، فكتب لهم رسول ا كتابا اقطعهم فيه ما سألوه، وبعث‬ ‫لهم خالد بن الوليد ولم يسلموا وبعث لهم عليا وأسلموا.‬ ‫11 – وفقد بني فزارة:‬ ‫قدم هذا الوفد سنة 9 هـ بعد مرجعه من تبوك، واستسقى لهم الرسول.‬ ‫35‬
  • 54.
    ‫21 – وفدنجران:‬ ‫كانت وفادتهم سنة 9 هـ، وكانوا على النصرانية ولم يسلموا وعادوا إلى ديارهم وطفق السلم‬ ‫يفشوا فيهم.‬ ‫31 – وفد بني حنيفة:‬ ‫كانت وفادتهم سنة 9 هـ، وكانوا سبعة عشر رج ل ً فيهم مسيلمة الكذاب، وكان ادعاءه للنبوة‬ ‫سنة عشر، وقتل في حرب اليمامة في عهد أبي بكر في ربيع الول سنة 21 هـ، قتله وحشي، وأما‬ ‫المتنبي الثاني، وهو السود العنسي الذي كان باليمن، فقتله فيروز قبل وفاة النبي بيوم وليلة.‬ ‫41 – وفد بني عامر بن صعصعة:‬ ‫كان فيهم عامر بن الطفيل عدو ا واربد بن قيس، وخالد بن جعفر وجبار بن أسلم، وكانوا‬ ‫رؤساء القوم وشياطينهم، وكان عامر هو الذي غدر بأصحاب بئر معونة، فلما أراد هذا الوفد أن‬ ‫يقدم المدينة تآمر عامر وأربد، واتفقا على الفتك بالنبي، لكن ا عصم نبيه، ودعا عليها النبي.‬ ‫51 – وفد تجيب:‬ ‫قدم هذا الوفد بصدقات قومه مما فضل عن فقرائهم، والتقى أهل الوفد بالنبي مرة أخرى في‬ ‫حجة الوداع سنة 01 هـ.‬ ‫61 – وفد طيء:‬ ‫قدم هذا الوفد وفيهم زيد الخيل، فلما كلموا النبي وعرض عليهم السلم أسلموا وحسن‬ ‫إسلمهم.‬ ‫وهكذا تتابعت الوفود إلى المدينة في سنتي تسع وعشر، وتأخر بعضها إلى إحدى عشر للهجرة.‬ ‫حجة الوداع:‬ ‫أعلن النبي بقصده لهذه الحجة، فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول ا، وفي‬ ‫يوم السبت لخمس بقين من ذي القعدة تهيأ النبي للرحيل، فترجل وادهن ولبس إزاره ورداءه وقلد‬ ‫بدنه، وانطلق بعد الظهر، حتى بلغ ذا الحليفة قبل أن يصلي العصر، فصلها ركعتين، وبات هناك‬ ‫حتى أصبح، فلما أصبح قال لصحابه: " أتاني الليلة آت من ربي فقال: صل في هذا الوادي المبارك‬ ‫وقل: عمرة في حجة".‬ ‫وقبل أن يصلي الظهر اغتسل لحرامه، ثم طيبته عائشة بيدها بذريرة، وطيب فيه مسك، في‬ ‫بدنه ورأسه، حتى كان بريق الطيب يرى في مفارقه ولحيته، ثم استدامه ولم يغسله، ثم لبس إزاره‬ ‫ورداءه، ثم صلى الظهر ركعتين، ثم أهل بالحج والعمرة في مصله، وقرن بينهما، ثم خرج، فركب‬ ‫القصواء، فأهل أيضا ثم أهل لما استقلت به على البيداء.‬ ‫ثم واصل سيره حتى قرب من مكة، فبات بذي طوى، ثم دخل مكة بعد أن صلى الفجر واغتسل‬ ‫من صباح يوم الحد لربع ليال خلون من ذي الحجة سنة 01 هـ وقد قضى في الطريق ثماني ليال،‬ ‫فلما دخل بالبيت طاف وسعى ولم يحل لنه كان قارنا قد ساق الهدي ، فنزل بأعلى مكة عند‬ ‫الحجون، وأقام هناك، ولم يعد إلى الطواف غير طواف الحج.‬ ‫وأمر من لم يكن معه هدي من أصحابه أن يجعلوا إحرامهم عمرة فيطوفوا بالبيت وبين الصفى‬ ‫والمروة ثم يحلوا حل ل ً تاما.‬ ‫45‬
  • 55.
    ‫وأكمل الرسول حجهوفي يوم النفر الثاني ) الثالث عشر من ذي الحجة( نفر النبي من منى،‬ ‫فنزل بخيف بني كنانة من البطح، وأقام هناك بقية يومه ذلك، وليلته، وصلى هناك الظهر والعصر‬ ‫والمغرب والعشاء ثم رقد رقدة، ثم ركب إلى البيت، فطاف به طواف الوداع وأمر به الناس.‬ ‫آخر البعوث:‬ ‫كانت كبرياء دولة الروم قد جعلتها تأبى حق الحياة على من آمن بالله ورسوله، وحملها على‬ ‫أن تقتل من أتباعها من يدخل في السلم، كما فعلت بفروة بن عمرو الجذامي، الذي كان واليا‬ ‫على معان من قبل الروم.‬ ‫ونظرا إلى هذه الجراءة والغطرسة أخذ رسول ا يجهز جيشا كبيرا في صفر سنة 11 هـ، وأمر‬ ‫عليه أسامة بن زيد بن حارثة، وأمره أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين،‬ ‫يبغي بذلك إرهاب الروم وإعادة الثقة إلى قلوب العرب الضاربين على الحدود، حتى ل يحسبن أحد‬ ‫أن بطش الكنيسة ل معقب له، وأن الدخول في السلم يجر على أصاحبه الحتوف.‬ ‫وقد قضى ا أن يكون هذا أول بعث ينفذ في خلفة أبي بكر.‬ ‫وفاة الرسول:‬ ‫طلئع التوديع:‬ ‫أنه اعتكف في رمضان من السنة العاشرة عشرين يوما، بينما ل يعتكف إل عشرة أيام، وتدارس‬ ‫معه جبريل القرآن مرتين، وأنزلت عليه سورة النصر في أوسط أيام التشريق.‬ ‫وفي أوائل صفر سنة 11 هـ خرج النبي إلى أحد، فصلى على الشهداء كالمودع للحياء‬ ‫والموات.‬ ‫بداية المرض:‬ ‫في اليوم الثامن أو التاسع والعشرين من شهر صفر سنة 11 هـ ) وكان يوم الثنين( شهد رسول‬ ‫ا جنازة في البقيع فلما رجع وهو في الطريق أخذه صداع في رأسه، واتقدت الحرارة.‬ ‫وقد صلى النبي بالناس وهو مريض 11 يوما وجميع أيام المرض كانت 31 أو 41.‬ ‫السبوع الخير:‬ ‫قضى عند عائشة آخر أسبوع من حياته، وكانت تقرأ عليه وتنفث على نفسه، وتمسحه بيده رجاء‬ ‫البركة.‬ ‫قبل الوفاة بخمسة أيام:‬ ‫ويوم الربعاء قبل خمسة أيام من الوفاة، اتقدت حرارة العلة في بدنه، فاشتد به الوجع‬ ‫وغمى، فقال " هريقوا علي سبع قرب من آبار شتى، حتى أخرج إلى الناس، فأعهد إليهم" ، فأقعدوه‬ ‫في مخضب وصبوا عليه الماء حتى طفق يقول: " حسبكم حسبكم".‬ ‫وعند ذلك أحس بخفة، فدخل المسجد متعطفا ملحفة على منكبيه، قد عصب رأسه بعصابة‬ ‫دسمة حتى جلس على المنبر، وكان آخر مجلس جلسه، فحمد ا وأثنى عليه، ونادى بالناس وقال:‬ ‫" لعنة ا على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" ، وقال " تتخذوا قبري وثنا يعبد".‬ ‫ل‬ ‫قبل أربعة أيام:‬ ‫55‬
  • 56.
    ‫ويوم الخميس قبلالوفادة بأربعة أيام وقد اشتد به الوجع قال: " هلموا أكتب لكم كتابا لن‬ ‫تضلوا بعده" ، وفي البيت رجال فيهم عمر فقال عمر: قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبكم‬ ‫كتاب ا، فاختلفوا أهل البيت واختصموا، فلما أكثروا اللغط والختلف قال رسول ا : " قوموا‬ ‫عني".‬ ‫وأوصى بذلك اليوم بثلث: أوصى بإخراج اليهود والنصارى والمشركين من جزيرة العرب،‬ ‫وأوصى بإجازة الوفود بنحو ما كان يجيزهم، أما الثالثة فنسيه الراوي.‬ ‫وكان النبي مع ما كان به من شدة المرض كان يصلي بالناس جميع صلواته حتى اليوم ) يوم‬ ‫الخميس( وقد صلى بالناس ذلك اليوم صلة المغرب، فقرأ فيها بالمرسلت عرفا.‬ ‫وعند العشاء زاد ثقل المرض فصلى أبو بكر بالناس صلة العشاء وصلى تلك اليام )71( صلة‬ ‫في حياة النبي.‬ ‫قبل ثلثة أيام:‬ ‫قال جابر: سمعت رسول ا قبل موته بثلث وهو يقول: " أل ل يموت أحد منكم إل وهو يحسن‬ ‫الظن بالله".‬ ‫قبل يوم أو يومين:‬ ‫ويوم السبت أو الحد وجد النبي في نفسه خفة، فخرج بين رجلين لصلة الظهر، وأبو بكر يصلي‬ ‫بالناس فأجلساه إلى يسار أبي بكر، فكان أبي بكر يقتدي بصلة رسول ا ويسمع الناس التكبير.‬ ‫قبل يوم:‬ ‫وقبل يوم من وفاته ) يوم الحد( أعتق النبي غلمانه، وتصدق بستة أو سبعة دنانير كانت عنده،‬ ‫ووهب للمسلمين أسلحته، وفي الليل أرسلت عائشة بمصباحها امرأة من النساء وقالت: أقطري لنا‬ ‫في مصباحنا من عكتك السمن، وكانت درعه مرهونة عند يهودي بثلثين صاعا من الشعير.‬ ‫آخر يوم من الحياة:‬ ‫روى أنس بن مالك: أن المسلمين بينما هم في صلة الفجر من يوم الثنين وأبو بكر يصلي بهم‬ ‫لم يفاجئهم إل رسول ا كشف ستر حجرة عائشة فنظر إليهم، وهم في صفوف الصلة، ثم تبسم‬ ‫يضحك، فنكص أبو بكر على عقبيه، ليصل الصف، وظن أن رسول ا يريد أن يخرج إلى الصلة،‬ ‫فقال أنس: وهم المسلمون أن يفتتنوا في صلتهم، فرحا برسول ا، فأشار إليهم بيده رسول ا‬ ‫أن أتموا صلتكم ثم دخل الحجرة وأرخى الستر.‬ ‫الحتضار:‬ ‫وبدأ الحتضار فأسندته عائشة إليها، وكانت تقول: إن من نعم ا علي أن رسول ا توفي في‬ ‫بيتي وفي يومي وبين سحري ونحري، وأن ا جمع بين ريقي وريقه عند موته.‬ ‫توفي الرسول حين اشتدت الضحى من يوم الثنين 21 ربيع الول سنة 11 هـ، وقد تم له ثلث‬ ‫وستون سنة وزادت أربعة أيام.‬ ‫موقف عمر:‬ ‫ووقف عمر بن الخطاب يقول: إن رجال من المنافقين يزعمون أن رسول ا توفي، وإن رسول‬ ‫ا ما مات لكن ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران.‬ ‫65‬
  • 57.
    ‫موقف أبي بكر:‬ ‫أقبلأبو بكر ودخل المسجد ولم يكلم الناس، ودخل على عائشة فتيمم رسول ا فكشف عن‬ ‫وجهه ثم أكب عليه فقبله وبكى.‬ ‫ثم خرج أبو بكر وعمر يكلم الناس فقال: اجلس يا عمر فأبى فتشهد أبو بكر فأقبل عليه الناس‬ ‫وتركوا عمر فقال:‬ ‫من كان منكم يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان منكم يعبد ا فإن ا حي ل يموت،‬ ‫قال تعالى: " وما محمد إل رسول قد خلت من قبله الرسل ..".‬ ‫التجهيز وتوديع الجسد الشريف إلى الرض:‬ ‫ووقع الخلف في أمر الخلفة قبل أن يقوموا بتجهيزه، فجرت مناقشات ومجادلت وحوار وردود‬ ‫بين المهاجرين والنصار في سقيفة بني ساعدة، وأخيرا اتفقوا على خلفة أبي بكر، ومضى في‬ ‫ذلك بقية يوم الثنين ويوم الثلثاء غسلوا رسول ا من غير أن يجردوه من ثيابه، وكان القائمون‬ ‫بالغسل: العباس وعليا، والفضل وقثم ابني العباس، وشقران مولى رسول ا، وأسامة بن زيد،‬ ‫وأوس بن خولي، فكان العباس والفضل وقثم يقلبونه، وأسامة وشقران يصبان الماء عليه، وعلي‬ ‫يغسله، وأوس أسنده إلى صدره.‬ ‫واختلفوا في موضع دفنه، فقال أبو بكر: إني سمعت رسول ا يقول: " ما قبض نبي إل دفن‬ ‫حيث يقبض" ، فرفع أبو طلحة فراشه الذي توفي عليه، فحفر تحته، وجعل القبر لحدا.‬ ‫الصفات والخلق:‬ ‫جمال ال خ لق:‬ ‫َْ‬ ‫قالت أم معبد الخزاعية عن رسول ا، وهي تصفه لزوجها، حين مر بخيمتها مهاجرا: ظاهر‬ ‫الوضاءة، أبلج الوجه، حسن الخلق، لم تعبه ثجلة، ولم تزر به صعلة، وسيم قسيم، في عينيه دعج،‬ ‫وفي أشفاره وطف، وفي صوته صهل، وفي عنقه سطع، أحور، أكحل، أزج، أقرن، شديد سواد‬ ‫الشعر، إذا صمت عله الوقار، وإن تكلم عله البهاء، أجمل الناس وأبهاهم من بعيد، وأحسنه‬ ‫وأحله من قريب، حلو المنطق، فضل، ل نزر ول هذر، كأن منطقه خرزات نظمن يتحدرن، ربعة، ل‬ ‫تقحمه عين من قصر، ول تشنؤه من طول، غصن بين غصنين، فهو أنظر الثلثة منظرا، وأحسنهم‬ ‫قدرا، له رفقاء يحفون به، إذا قال استمعوا لقوله، وإذا أمر تبادروا إلى أمره، محفود، محشود، ل‬ ‫عابس ول مفند.‬ ‫كمال النفس ومكارم الخلق:‬ ‫كان النبي يمتاز بفصاحة اللسان، وبلغة القول، وكان من ذلك بالمحل الفضل، والموضع الذي‬ ‫ل يجهل، سلمة طبع، ونصاعة لفظ وجزالة قول، وصحة معان، وقلة تكلف، أوتي جوامع الكلم،‬ ‫وخص ببدائع الحكم، وعلم ألسنة العرب، يخاطب كل قبيلة بلسانها، ويحاورها بلغتها، اجتمعت له‬ ‫قوة عارضة البادية وجزالتها، ونصاعة ألفاظ الحاضرة ورونق كلمها، إلى التأييد اللهي الذي مدده‬ ‫الوحي.‬ ‫وكان الحلم والحتمال، والعفو عند المقدرة، والصبر على المكاره، صفات أدبه ا بها، وكل‬ ‫حليم قد عرفت منه زلة، وحفظت عنه هفوة، ولكنه لم يزد مع كثرة الذى إل صبرا، وعلى إسراف‬ ‫الجاهل إل حلما، وقالت عائشة: ما خير رسول ا بين أمرين إل اختار أيسرهما ما لم يكن إثما،‬ ‫75‬
  • 58.
    ‫فإن كان إثماكان أبعد الناس عنه، وما انتقم لنفسه إل أن تنتهك حرمة ا فينتقم لله بها، وكان‬ ‫أبعد الناس غضبا، وأسرعهم رضا.‬ ‫وعلى الجملة، فقد كان النبي صلى ا عليه وسلم محلى بصفات الكمال المنقطعة النظير، أدبه‬ ‫ربه فأحسن تأديبه، حتى خاطبه مثنيا عليه فقال: " وإنك لعلى خلق عظيم" ، وكانت هذه الخلل مما‬ ‫قرب إليه النفوس، وحببه إلى القلوب، وصيره قائدا تهوى إليه الفئدة، وألن من شكيمة قومه بعد‬ ‫الباء، حتى دخلوا في دين ا أفواجا.‬ ‫اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد‬ ‫مجيد.‬ ‫85‬