‫01‬

‫»األربعاء 02 نونبر 3102‬

‫»الـعـدد : 2315‬

‫»السنة : 61‬

‫على سبيل االستهالل الالبد منه‬
‫له الأوراق املغربية, وهو القادر على احلديث دون مواربة عن زمن ال�سيا�سة عرب ديوانها, وهو "الغربة" وهو "اليتيم" وهو �أي�ضا جممل تاريخ املغرب, فمفهوم‬
‫الإيديولوجيا ال�ش��هري, ثم مفاهيم احلرية والدولة قبل مفهوم التاريخ, وهو اخلواطر ال�ص��باحية ال�شهرية وبقية امل�ؤلفات التي تعد �إ�سهاما فعليا وحقيقيا يف‬
‫الت�أ�سي�س لفكر مغربي �آخر, منطلق, حر, له العالقة املثلى باملعرفة الرتاثية: عالقة الرغبة يف النهل منها حد اال�ستفادة ثم املرور �إىل الأ�شياء الأخرى.‬
‫لذلك كان �ضروريا الإن�صات ل�صوته يف النازلة. والنازلة هنا �أمر جلل للغاية ي�سمى ل�سان النا�س ولغتهم, خ�صو�صا بعد دعوة �أطلقتها تو�صيات �صادرة عن ندوة‬
‫علمية من �أجل تبني التدري�س باملغربية الدارجة خالل �سنوات التعليم الأوىل.‬
‫�صوته �أتى يوم احلديث الأول معه عن املو�ضوع حا�سما وال يقبل �أي نقا�ش: �أريد �أن �أحتدث يف هذا املو�ضوع.‬
‫يف مثل هاته اللحظات حت�س بوزن املثقف الفعلي وقد تبنى خيار الإ�سهام حقا يف نقا�ش بالده ومواطنيه, وقرر �أال يبقى يف الربج العاجي ال�شهري الذي يهرب �إليه‬
‫�أمثاله تخوفا �أو حترجا �أو تزلفا �أو اختيارا للبقاء غري مبالني نهائيا.‬
‫هو �أ�صال فعلها �أيام 02 فرباير, و�أيام ما عرف بالربيع العربي, و�أعطى ر�أيه الوا�ضح وال�صريح يف احلكاية ككل, وهو يعود ليفعلها مرة �أخرى هنا‬
‫يف ق�ضية اللغة املغربية املعربة من خالل حديث طويل عري�ض ال يرتك �أي تف�صيل �إال ويطرقه لكي ي�صل يف اخلتام �إىل مايعتربه ال�صواب‬
‫اليوم, ولكي يطلق النداء وا�ض��حا و�ص��ريحا من �أجل عدم التفريط ب�س��هولة يف الثقافة العربية واللغة يف مقدمتها �شرط القدرة على‬
‫التطوير وعلى االلتحاق بالزمن احلديث, زمن كل اللغات خ�صو�صا منها الإجنليزية.‬
‫على امتداد ثالث �س��اعات حتدث الكبري العروي بكل �ص��راحة, وبكل �ص��دق, وبكل �إميان وا�ض��ح وظاهر بالق�ض��ية. ق�ض��ية‬
‫اقتناعه �أن وراء الأكمة �أ�ش��ياء يجب �أن تقال لئال يقال يف يوم من الأيام �إنه �ص��مت ومل يعلن املوقف مثلما يجب �أن يخرج‬
‫�إىل العلن.‬
‫يف بهو الهيلتون الرباطي ال�شهري, مل يرتك لآلة الت�سجيل فر�صة االنطالق ومل يرتك لنا فر�صة اجللو�س لكي ي�شرع يف احلديث‬
‫"هذا املو�ضوع وحده ا�ستطاع �أن يخرجني من مقبعي, لأنني ال �أ�ستطيع ال�سكوت عنه, والبد من قول بع�ض الكالم".‬
‫ذلك الكالم, كله �أو بع�ض��ه, �أو ما اقتن�ص��ت �آلة الت�س��جيل من بحار العروي, ومابقي يف الذاكرة من اللقاء, وما يجب �أن ي�صل �إىل‬
‫النا�س يف هاته اللحظات هو املكتوب على ثالث حلقات �أيام الأربعاء واخلمي�س واجلمعة, ر�سالة من م�ؤرخ ومفكر وكاتب كبري‬
‫ميتلك كل �شرعيات احلديث عن املو�ضوع, وميتلك �أ�سا�سا �شجاعة الإقدام على اخلو�ض فيه يف حلظة قرر فيها العديدون‬
‫�أن يتناولوه �إما باالعتداء اجلاهل عليه, �أو بالتجريح يف خمالفيهم الر�أي, �أو باختيار اال�صطفاف العقيم وراء امل�سلمات‬
‫اجلاهزة دون رغبة يف الفهم, �أو حتى حماولة "ارتكاب" هذا الفهم قبل االنطالق يف التنظري والكالم الكبريين.‬
‫ن�صيغ ال�سمع لعبد اهلل العروي يف التايل من الأ�سطر, ون�سمع منه كل الكالم. لنتابع‬

‫1‬

‫حاوره : المختار لغزيوي/ جمال زايد‬

‫تصوير : محمد وراق‬

‫‪‎‬لهذا خرجت من مقبعي‬

‫‪‎‬التدري�س بالدارجة يروم تقوي�ض الوحدة الوطنية‬
‫‪Ý Ý‬قلتم ق��ب��ل ان��ط�لاق احل����وار �إن‬
‫مو�ضوع التدري�س بالدارجة املغربية‬
‫هو ال��ذي �أخرجكم من املخب�إ حيث‬
‫تقبعون. كيف ذلك؟‬
‫€ €�أخرجني من مقبعي لأنني �أنظر �إىل‬
‫�أبعاده التي تروم تقوي�ض الوحدة الوطنية.‬
‫هذه قناعتي الرا�سخة يف ما يخ�ص مو�ضوع‬
‫التدري�س بالدارجة. �سبق يل منذ �شهرين،‬
‫�أن حتدثت يف هذا املو�ضوع مع ابن �شقيقي‬
‫الكاتب ف�ؤاد العروي املغرتب يف هولندا،‬
‫وقلت له �رصاحة �أنا ال �أتفق معك يف ما كتبته‬
‫حول الدارجة، و�أن هذه الق�ضية �أجنزت‬
‫حولها بحوثا، و�أعلم �أنه مل يطلع على ما كتبته‬
‫يف كتاب "ديوان ال�سيا�سة" حيث خل�صت‬
‫جميع �آرائي حول الدارجة، وقدمت له �أمثلة‬
‫ال تعد وال حت�صى لأبني له �أن هذه الق�ضية‬
‫لن تطبق، و�أن نتائجها �ستكون عك�س ما كان‬
‫َّ‬
‫يتوخى منها، و�أنها تقوم على خلط كبري.‬
‫‪Ý Ý‬ما هو هذا اخللط؟‬
‫€ €ال��دارج��ة لكي تر�سم يجب �أن تكتب‬
‫بحروف منا�سبة. ما هي هذه احلروف؟ �إما‬
‫�أن تكتبها باحلرف العربي و�إما �أن تكتبها‬
‫باحلرف الالتيني، لكن �إذا اخرتت كتابتها‬
‫باحلرف الالتيني فعليك �أن تخلق حروفا‬
‫جديدة كما فعل الأت��راك ملا اختاروا كتابة‬
‫اللغة الرتكية باحلرف الالتيني، وحتى عندما‬
‫تنجح يف هذه املهمة، فهل هذا ممكن �أو غري‬
‫ممكن. �إذا كان ذلك ممكنا فحينها �ست�ستقل‬
‫الدارجة وت�صري لغة قائمة الذات، وتنف�صل‬
‫حينئذ عن اللغة الأم. هذا ما ح�صل يف جميع‬
‫البلدان التي انف�صلت فيها اللغات ال�شفوية عن‬
‫اللغة الأم. هذا مو�ضوع يهمني و�أهتم به‬
‫كثريا، ويحتاج مني �إىل ثالثة �أيام ولي�س �إىل‬
‫ثالث �ساعات.‬

‫�شيئا جديدا �إىل ال�شفوي.‬

‫توصية التدريس بالدارجة‬
‫‪ Ý Ý‬لنعد الآن �إىل �أ�صل هذا النقا�ش‬
‫ككل, لنعد �إىل تو�صية التدري�س‬
‫بالدارجة.‬
‫€ €�إذا كانت النقطة الأوىل تتمثل يف م�شكل‬
‫التلميذ الذي يلتحق باملدر�سة، ومتر عليه‬
‫خم�س �سنوات وال يح�سن ال القراءة وال‬
‫الكتابة مقارنة بالتلميذ الإجنليزي �أو الفرن�سي‬
‫والإ�سباين. �إذن امل�شكل املطروح هو ق�ضية‬
‫التوا�صل، وهنا تدخل تو�صية التدري�س‬
‫بالدارجة املغربية التي خرجت بها ندوة‬
‫"�سبيل النجاح". لكن يا �سادتي، التوا�صل هو‬
‫مو�ضوع ال�شفوي والثقافة ال�شفوية لها �آالف‬
‫ال�سنني ملا انف�صل الإن�سان عن احليوان،‬
‫ووق��ف على قدميه و�صار ي�ستعمل يديه‬
‫وي�شتغل بهما، وبد�أ ي�ستعمل حنجرته يف �إنتاج‬
‫الأ�صوات. هنا دخل الإن�سان يف احل�ضارة‬
‫ال�شفوية، التي لها تعابري خمتلفة وموا�صفات‬
‫خا�صة بها، ثم دار الزمان وانتقل الإن�سان‬
‫منذ �سبعة �آالف �سنة �إىل م�ستوى الكتابة �أو‬
‫ا�ستعمال الرمز يف بالد الرافدين. ال غر�ض‬
‫لنا بالدخول يف تفا�صيل هذا املو�ضوع، ما‬
‫يهمنا �أن ال�شفوي مل ينح�رس ومل ينته �أمره‬
‫بانتقال الإن�سان �إىل عهد جديد هو عهد‬
‫الكتابة، بل على العك�س، ا�ستمر يف‬
‫الوجود �إىل جانب الكتابة. ا�ستمر‬
‫ال�شفوي يف الوجود على م�ستوى‬
‫معني، �إما على م�ستوى العائلة �أو‬
‫القبيلة ال�صغرى �أو الكربى، لي�ضمن‬
‫التفاهم على هذا امل�ستوى، �إذ ال ميكن‬
‫التفاهم مع قبيلة �أخ��رى �أو منطقة‬
‫�أخرى، خارج القبيلة. ل�ضمان التفاهم‬
‫مع هذا اخلارج البد من الرمز، الذي‬
‫هو الكتابة، والكتابة هنا كانت �إما م�سمارية‬
‫�أو هريوغليقية، و�إما �أبجدية �أو فنا، وكما‬

‫الدارجة‬

‫فعل ذلك امللك يف حكاية من حكايات �ألف‬
‫ليلة وليلة، ملا حلق �شعر �شخ�ص بكيفية‬
‫لكي تر�سم يجب �أن‬
‫خم�صو�صة و�أر�سله �إىل ال�شخ�ص‬
‫تكتب بحروف منا�سبة. ما هي هذه‬
‫املعني على �أ�سا�س �أن تلك الكيفية‬
‫يف حلق �شعره ر�سالة موجهة‬
‫احلروف؟ �إما �أن تكتبها باحلرف العربي‬
‫�إليه، وعليه �أن يقر�أ رمزها‬
‫و�إما �أن تكتبها باحلرف الالتيني، لكن �إذا‬
‫ويفهمه. ما �أريد قوله هنا �إن‬
‫انف�صال الإن�سان عن احليوان‬
‫اخرتت كتابتها باحلرف الالتيني فعليك �أن‬
‫مل يلغ حيوانية الإن�سان، ولكنه‬
‫تخلق حروفا جديدة كما فعل الأتراك ملا‬
‫�أ�ضاف �إليها �شيئا �آخر، كذلك‬
‫الأمر بالن�سبة للكتابة التي مل تلغ‬
‫اختاروا كتابة اللغة الرتكية باحلرف‬
‫ال�شفوي، وا�ستمر هذا الأخري‬
‫�إىل جانب الكتابة. الكتابة �أ�ضافت‬
‫الالتيني‬

‫العربية‬
‫هي لغة الكتابة، وال‬
‫دخل لها يف �ش�ؤون التوا�صل يف البيت‬
‫وال�شارع، وهي لغة املدر�سة. �إذا كان الطفل‬
‫يبلغ خم�س �سنوات، وبد�أت تف�سر له الأمور‬
‫تف�سريا �شفويا، عليك �أن تعلمه الرمز.‬
‫ينبغي تعليم الطفل الرموز‬
‫الكتابية.‬

‫‪ Ý Ý‬هذه النقطة حتتاج �إىل املزيد من‬
‫التو�ضيح حتى ي�ستوعبها القارئ.‬
‫€ €ن�سمي املكتوب كتابا، ون�سمي املدر�سة‬
‫كُ ّتابا، واملتعلم هو الذي يعرف احلروف‬
‫وتعلم كيف يفك رموزها بقراءتها وفهمها.‬
‫لذلك ج��اءت املدر�سة، وه��ذه هي الغاية‬
‫املتوخاة من املدر�سة. املدر�سة ال عالقة‬
‫لها بالبيت، واملدر�سة ال تربطها �أدنى �صلة‬
‫مب�سائل التفاهم خارج البيت ويف ال�شارع.‬
‫هنا تدخل رج��ل متخ�ص�ص يف ال�شفوي‬
‫و�أم��وره العينية، يف �ش�ؤون املدر�سة التي‬
‫هي �ش�ؤون الكتابة، وال عالقة لها بال�شفوي‬
‫والتوا�صل يف البيت وال�شارع. العربية هي‬
‫لغة الكتابة، وال دخل لها يف �ش�ؤون التوا�صل‬
‫يف البيت وال�شارع، وهي لغة املدر�سة. �إذا‬
‫كان الطفل يبلغ خم�س �سنوات، وبد�أت تف�رس‬
‫له الأم��ور تف�سريا �شفويا، عليك �أن تعلمه‬
‫الرمز. ينبغي تعليم الطفل الرموز الكتابية.‬
‫�أقدم هنا مثاال نادرا ما يفكر فيه املهتمون بهذا‬
‫ال�ش�أن، يتعلق الأمر باملو�سيقى، واملو�سيقى‬
‫ال�شعبية على اخل�صو�ص، اجلميع يعلم �أن‬
‫هذه املو�سيقى تلقائية، وحتى يتم احلفاظ عليها‬
‫ينبغي كتابتها حتى ال ت�ضيع.‬
‫كتاب الأغاين للأ�صفهاين مل يدون الأغاين‬
‫بالنوتة املعروفة الآن ف�ضاعت تلك الأحلان‬
‫لأننا ال نعرف كيف نفك تلك الرموز التي‬
‫كتبت بها الأغ��اين �أي��ام العبا�سيني. الأمر‬
‫نف�سه بالن�سبة للأوربيني الذين يجهلون كيف‬
‫كان الغناء لدى الإغريق القدامى، لأن تلك‬
‫الأغاين مل تكتب كتابة مو�سيقية حتافظ عليها،‬
‫وتنقلها للأجيال.‬
‫»األربعاء 02 نونبر 3102‬

‫»الـعـدد : 2315‬

‫11‬

‫»السنة : 61‬

‫ابني‬
‫يبلغ خم�س �سنوات‬
‫و�أحلقته باملدر�سة وطالبت املعلم‬
‫ب�أن يتحدث �إليه بلغته التي هي الدارجة،‬
‫ماذا �سيعلمه بتلك اللغة؟! هل �سيتحدث املعلم‬
‫�إىل الطفل ليعلمه لغته التي تربى عليها ويتقن‬
‫التحدث بها؟! هل �سيلقنه الكالم الذي‬
‫يتكلم به؟! هذه هي الأ�سئلة التي‬
‫ميكن‬
‫ال يطرحها املطالبون بتعليم‬
‫�أن ينجح يف حفظ بع�ض‬
‫الطفل بلغته الأم‬
‫الآيات القر�آنية يف ح�صة الرتبية‬
‫الدينية، مثله يف ذلك مثل �أي تلميذ‬
‫�أوربي ينجح يف حفظ مقاطع من الإجنيل‬
‫باللغة الالتينية، دون �أن ينجح يف فهم معناها.‬
‫�سي�صري التلميذ هنا ك�أي م�سلم غري عربي يف‬
‫ماليزيا �أو �أندوني�سيا، ينجح يف حفظ تلك‬
‫الآيات وترديدها �صوتيا‬
‫دون فهمها.‬

‫€ € ميكن �أن نتوجه �إىل �صاحب الدعوة �إىل‬
‫التدري�س بالدارجة، ونقول له "نتفق معك‬
‫يف ما تدعو �إليه، و�سنتحدث يف املدر�سة مع‬
‫الطفل الذي يبلغ عامه اخلام�س بلغته الأم،‬
‫و�سنعلمه كيف يقر�أ ويكتب، يعني �أننا �سنعلمه‬
‫احلروف، فهل هذه احلروف �ستكون حروف‬
‫الدارجة �أم �ستكون حروف لغة �أخرى، �إما‬
‫العربية �أو الرببرية �أو الإجنليزية؟ و�سنعلمه‬
‫رموز احل�ساب، والتمييز بني الرمز 4 و5 �أو‬
‫6، ونف�رس له الفروق بينها والعمليات املمكنة‬
‫بينها، �سنعلمه كل هذا بالدارجة، و�سيبقى‬
‫امل�ضمون هو احل�ساب. �سيق�ضي الطفل ثالث‬
‫�سنوات الأوىل يف التعلم بهذه الطريقة،‬
‫و�إذا قارناه بتلميذ �إ�سباين يف �سنه، �سنجد‬
‫�أنهما يتوفران على نف�س امل�ستوى. هنا لن‬
‫يعرت�ضنا �أدنى م�شكل على م�ستوى تدري�س‬
‫الطفل بلغته، ولي�س هناك جهة حتارب تعليم‬
‫الطفل بالدارجة يف ال�سنوات الأوىل، وهذه‬
‫الطريقة هي املعمول بها يف املدر�سة املغربية،‬
‫و�إذا اختار امل�س�ؤولون فر�ضها على املدر�سني‬
‫فال ب�أ�س يف ذلك، و�سنلزمهم ب�أال يتحدثوا �إىل‬
‫الطفل عن الإع��راب والنحو �أو ال�رصف،‬
‫و�أي معلم خرق هذا الأ�سلوب يف التعليم،‬
‫�سنخ�صم من �أجرته ن�سبة معينة. عندما �سيبلغ‬
‫هذا الطفل عامه الثامن، �سيكون قد �أتقن‬
‫احل�ساب وعملياته بالدارجة مثله يف ذلك مثل‬
‫البقال، و�أتقن التعبري عن نف�سه بلغته. �أريد‬
‫هنا ت�سجيل مالحظة �أراها غاية يف الأهمية،‬
‫وه��ي �أن الطفل �سيعرب عن نف�سه �أح�سن‬
‫بالعربية املعربة، ولكم �أن جتربوا قراءة‬
‫الدارجة مكتوبة بحروف عربية، ف�أكيد �أنكم‬
‫�ستالقون �صعوبة كبرية �أثناء قراءة كلمات‬
‫الدارجة. بل حتى كتابة الدارجة بحروف‬
‫التينية لن يحل هذا امل�شكل، مقارنة ب�سهولة‬
‫قراءة كلمات العربية املعربة.‬

‫األهداف األخرى للتوصية‬
‫‪ Ý Ý‬ما عالقة هذا الكالم بالتدري�س‬
‫بالدارجة عو�ض العربية؟‬
‫€ €ـ �إذا �سايرنا هذا املنطق، و�أردن��ا �أن‬
‫نحافظ على مو�سيقانا املغربية، هل نقول‬
‫"ماذا �سن�ستفيد من تعليم الطفل كتابة النوتات‬
‫املو�سيقية؟ وماذا �سي�ستفيد الطفل وهو يتعلم‬
‫رموز تلك الكتابة املو�سيقية؟ ال غر�ض له‬
‫بكل ذلك ولن ينفعه يف تعلم تلك املو�سيقى،‬
‫يكفيه �أن يتعلم تلك الأغاين تعلما �شفويا"! هل‬
‫�ستقبل هذا القول؟! ال فرق بني هذا املثال‬
‫وق�ضية تعليم الطفل رموز اللغة املكتوبة.‬
‫امل�شكل �أننا ال نهتم بهذا املو�ضوع وال نفكر‬
‫فيه. ابني يبلغ خم�س �سنوات و�أحلقته‬
‫باملدر�سة وطالبت املعلم ب�أن يتحدث �إليه بلغته‬
‫التي هي الدارجة، ماذا �سيعلمه بتلك اللغة؟!‬
‫هل �سيتحدث املعلم �إىل الطفل ليعلمه لغته التي‬
‫تربى عليها ويتقن التحدث بها؟! هل �سيلقنه‬
‫الكالم الذي يتكلم به؟! هذه هي الأ�سئلة التي‬
‫ال يطرحها املطالبون بتعليم الطفل بلغته الأم‬
‫التي يتحدث بها يف البيت. املعلم �سيعلم الطفل‬
‫�أمورا �أخرى غري لغته التي يتحدث بها يف‬
‫البيت. �سيعلمه القراءة واحل�ساب. �سيعلمه‬
‫احل��روف وكيف يقر�ؤها ويربط بينها يف‬
‫الكلمات، و�سيعلمه قراءة الأرقام والأعداد.‬
‫ه��ذه ه��ي مهمة املدر�سة ودوره���ا عندما‬
‫يلتحق بها الطفل. دور املدر�سة لي�س هو‬
‫تعليم الطفل اللغة التي يتحدث بها يف البيت.‬
‫�أطرح هذا ال�س�ؤال، �أال يقوم الأ�ستاذ بتعليم‬
‫احل�ساب واللغات للطفل بالدارجة يف امل�ستوى‬
‫الأول والثاين والثالث؟ هل يعلمه ذلك بلغة‬
‫�سيبويه؟! وبالتايل فالدعوة �إىل تدري�س الطفل‬
‫بالدارجة، �إما هي زائدة، �أو �أن لها توخيات‬
‫�أخ��رى غري تلك املعرب عنها يف الظاهر،‬
‫والتي ال عالقة لها بالتعليم ولغته.‬
‫‪ Ý Ý‬يف ه��ذه النقطة ب��ال��ذات، كيف‬
‫ت���ردون على �صاحب ال��دع��وة �إىل‬
‫التدري�س بالدارجة؟‬

‫لي�س هناك جهة حتارب تعليم الطفل‬
‫بالدارجة يف ال�سنوات الأوىل، وهذه‬
‫الطريقة هي املعمول بها يف املدر�سة‬
‫املغربية، و�إذا اختار امل�س�ؤولون فر�ضها‬
‫على املدر�سني فال ب�أ�س يف ذلك،‬
‫و�سنلزمهم ب�أال يتحدثوا �إىل الطفل‬
‫عن الإعراب والنحو �أو ال�صرف، و�أي‬
‫معلم خرق هذا الأ�سلوب يف التعليم،‬
‫�سنخ�صم من �أجرته ن�سبة معينة. عندما‬
‫�سيبلغ هذا الطفل عامه الثامن، �سيكون‬
‫قد �أتقن احل�ساب وعملياته بالدارجة‬
‫مثله يف ذلك مثل البقال... ولكم �أن‬
‫جتربوا قراءة الدارجة مكتوبة بحروف‬
‫عربية، ف�أكيد �أنكم �ستالقون �صعوبة‬
‫كبرية �أثناء قراءة كلمات الدارجة. بل‬
‫حتى كتابة الدارجة بحروف التينية لن‬
‫يحل هذا امل�شكل، مقارنة ب�سهولة قراءة‬
‫كلمات العربية املعربة.‬

‫كم‬
‫�سنحتاج من الوقت‬
‫لنخدم هذه اللغة حتى ت�صري‬
‫قائمة الذات وقادرة على �أن تكون‬
‫لغة تدري�س وثقافة؟ مائة عام على‬
‫الأقل! حينها �إىل �أين �سي�صل الآخرون‬
‫يف امل�شرق، مقارنة بنا نحن الذين تفرغنا‬
‫خلدمة الدارجة؟!‬
‫امل�شكل‬
‫لن يكون مطروحا يف‬
‫ال�سنوات الأوىل من التعليم‬
‫بالدارجة، و�أن التلميذ‬
‫�سيتفوق يف الريا�ضيات وعلوم‬
‫احلياة. امل�شكل �سيطرح يف‬
‫ال�سنوات الأخرى ملا يتقدم‬
‫ذلك التلميذ يف م�ستويات‬
‫التعلم‬

‫‪ Ý Ý‬من الأف�ضل �أن نعود �إىل ذلك‬
‫الطفل وهو يتابع تعلمه بالدارجة‬
‫€ € �أعود �إىل الطفل وقد بلغ عامه الثامن،‬
‫وق�����ض��ى ث�ل�اث ���س��ن��وات يف‬
‫التعلم بلغته الأم، كيف‬
‫�سنتعامل م��ع��ه؟ هل‬
‫ن�ستمر يف تدري�سه‬
‫بالدارجة؟ هل منر‬
‫�إىل تعليمه الرتبية‬
‫الفنية والرتبية العلمية‬
‫والثقافية؟ لي�س هناك‬
‫م�شكل يف ت��دري�����س‬
‫ال��ط��ف��ل امل��و���س��ي��ق��ى‬
‫والر�سم بلغته الدارجة.‬
‫�أم����ا بالن�سبة‬
‫للرت بية‬
‫ا لعلمية‬
‫فعك�س‬
‫م�������ا‬
‫ي��ق��ال‬
‫ح��ول‬

‫امل�شاكل التي تواجه العربية يف تدري�س‬
‫العلوم، لأن الرتبية العلمية لي�س لها م�شكل‬
‫مع �أي لغة، ال مع العربية وال مع الدارجة‬
‫�أو �أي لغة �أخرى، لأنها مبنية على رموز‬
‫خا�صة كالرقم 5 �أو 6، ولأنها رموز كونية‬
‫ي�ستعملها اجلميع، نحن يف املغرب اخرتنا‬
‫الرقم العربي، بينما اختار امل�شارقة الرقم‬
‫الهندي. كلما تقدم الطفل يف التعلم كلما‬
‫تو�سعت الرموز وتقدمت معرفته بها يف‬
‫احل�ساب والريا�ضيات وعلوم احلياة.‬

‫‪�Ý Ý‬أين �سيعرت�ضنا امل�شكل بالتايل؟‬
‫€ €امل�شكل �سيعرت�ضنا يف الرتبية الأدبية،‬
‫لأن هذا الطفل الذي بلغ الآن عامه الثاين‬
‫ع�رش، وعلمته يف ال�سنوات الأوىل بلغته‬
‫الدارجة، وتقدم يف م�ستويات تعلم الكتابة‬
‫باحلرف العربي وحتى احلرف الالتيني كما‬
‫نادى بذلك بع�ض اللبنانيني، و�صار قادرا‬
‫على كتابة الدارجة وقراءتها، هنا �ستنقطع‬
‫�صلته بالعربية املكتوبة ون�صو�صها. ميكن‬
‫�أن ينجح يف حفظ بع�ض الآي��ات القر�آنية‬
‫يف ح�صة الرتبية الدينية، مثله يف ذلك مثل‬
‫�أي تلميذ �أوربي ينجح يف حفظ مقاطع من‬
‫الإجنيل باللغة الالتينية، دون �أن ينجح يف‬
‫فهم معناها. �سي�صري التلميذ هنا ك�أي م�سلم‬
‫غري عربي يف ماليزيا �أو �أندوني�سيا، ينجح‬
‫يف حفظ تلك الآيات وترديدها �صوتيا دون‬
‫فهمها. ميكن �أن يكون هذا التلميذ متفوقا‬
‫يف عامه الثاين ع�رش، يف العلوم والرتبية‬
‫الفنية، ول��ك��ن م��ا ه��ي الن�صو�ص التي‬
‫�سيتفوق يف قراءتها يف الق�سم والبيت؟ بل،‬
‫ما هي الن�صو�ص التي �سيعتمد عليها ليتعلم؟‬
‫�ستعلمه ق��راءة دي��وان �سيدي عبد الرحمن‬
‫امل��ج��ذوب؟! وه��و �شاعر كبري بالدارجة.‬
‫�أنا �أ�ستاذ اللغة العربية، و�أمامي تلميذ تعلم‬
‫بالدارجة يف �سنواته الأوىل، وقررت �أن‬
‫�أدر�سه ديوان هذا ال�شاعر املغربي الكبري،‬
‫لأنني ال �أتوفر على ن�صو�ص �أخرى، كيف‬
‫�س�أف�رس له �أدبيا �أبيات ق�صائد ذلك الديوان (ال‬
‫حت�سبوها رخي�صة راه كل مع�شوق غايل)؟‬
‫ما هو معناها؟ ما هو مغزاها؟ �س�أ�ضطر �إىل‬
‫ربط تلك الق�صائد بالت�صوف و�س�أعمل على‬
‫تلقني تالمذتي ما هو الت�صوف وتاريخه،‬
‫و���س ��أج��دين جم�برا على تدري�س الرتبية‬
‫الدينية التي اعتقدت �أن الدارجة �ستبعدين‬
‫عنها. �أكرث من ذلك، ف�إن �أنا �أردت تربية‬
‫الذوق الفني لدى التلميذ، علي �أن �أف�رس له‬
‫ذلك ال�شعر املكتوب بالدارجة، وال ميكن‬
‫�أن �أف�رسه �إال بالعودة �إىل ال��وزن العربي‬
‫الأ�صيل. هذه العملية �رضورية لتحقق الفهم‬
‫لدى ذلك التلميذ �إذا كان ناطقا بالعربية، �أما‬
‫�إذا كان �أمازيغيا فذلك �أمر �آخر. ما �أريد‬
‫الو�صول �إليه من هذا الكالم، �أن امل�شكل‬
‫لن يكون مطروحا يف ال�سنوات الأوىل من‬
‫التعليم بالدارجة، و�أن التلميذ �سيتفوق يف‬
‫الريا�ضيات وعلوم احلياة. امل�شكل �سيطرح‬
‫يف ال�سنوات الأخ��رى ملا يتقدم ذلك التلميذ‬
‫يف م�ستويات التعلم، حني يجد الأ�ستاذ نف�سه‬
‫�أمام �س�ؤال "ما هي الن�صو�ص التي �س�أدر�سها‬
‫لهذا التلميذ؟"، �سريد الدعاة �إىل التدري�س‬
‫بالدارجة، بالقول "خا�صنا نخدمو الداريجا‬
‫ون�صو�صها". طيب، نتفق معكم يف هذه‬
‫الدعوة، لكن كم �سنحتاج من الوقت لنخدم‬
‫هذه اللغة حتى ت�صري قائمة الذات وقادرة‬
‫على �أن تكون لغة تدري�س وثقافة؟ مائة‬
‫عام على الأق��ل! حينها �إىل �أين �سي�صل‬
‫الآخ��رون يف امل�رشق، مقارنة بنا نحن‬
‫الذين تفرغنا خلدمة الدارجة؟!‬

‫في عدد الغد: «دعوت إلى كتابة الدارجة بحرف خاص بها يميزها عما سواها»‬
‫01‬

‫»الخميس 12 نونبر 3102‬

‫»الـعـدد : 3315‬

‫»السنة : 61‬

‫على سبيل االستهالل الالبد منه‬

‫2‬

‫كما كان متوقعا، �أثار اجلزء الأول من احلوار الذي ن�شر �أم�س ردود فعل عديدة يف �أو�ساط املهتمني واملثقفني وعموم القراء املغاربة، وهي م�س�ألة مفرحة‬
‫لأنها تدل على �أن الوهم ال�سائد بانعدام اهتمام النا�س بق�ضاياهم الكربى هو وهم خاطئ متاما. �أي�ضا هو �أمر مفرح لأنه �أكد لنا �صواب االختيار و�أكد لنا �صدق احلد�س املهني‬
‫الذي جعلنا نراهن على كبري من �أكابر القوم يف املجال لكي ن�ستمع �إىل ر�أيه يف املو�ضوع احل�سا�س واحليوي امل�سمى لغتنا وهويتنا.‬
‫الع��روي الكب�ير ل��ه الأوراق املغربي��ة, وهو القادر على احلديث دون مواربة عن زمن ال�سيا�س��ة عرب ديوانه��ا, وهو "الغربة" وهو "اليتيم" وهو �أي�ض��ا جممل تاريخ املغرب,‬
‫فمفهوم الإيديولوجيا ال�ش��هري, ثم مفاهيم احلرية والدولة قبل مفهوم التاريخ, وهو اخلواطر ال�ص��باحية ال�ش��هرية وبقية امل�ؤلفات التي تعد �إ�س��هاما فعليا وحقيقيا يف‬
‫الت�أ�سي�س لفكر مغربي �آخر, منطلق, حر, له العالقة املثلى باملعرفة الرتاثية: عالقة الرغبة يف النهل منها حد اال�ستفادة ثم املرور �إىل الأ�شياء الأخرى.‬
‫لذلك كان �ضروريا الإن�صات ل�صوته يف النازلة. والنازلة هنا �أمر جلل للغاية ي�سمى ل�سان النا�س ولغتهم, خ�صو�صا بعد دعوة �أطلقتها تو�صيات �صادرة عن ندوة علمية من‬
‫�أجل تبني التدري�س باملغربية الدارجة خالل �سنوات التعليم الأوىل.‬
‫�ص��وته �أتى يوم احلديث الأول معه عن املو�ض��وع حا�س��ما وال يقبل �أي نقا�ش: �أريد �أن �أحتدث يف هذا املو�ض��وع.وهي لي�س��ت املرة الأوىل فقد تعود �أن يديل بالدلو‬
‫املعريف الكبري دائما حني اجلد، من ربيع العرب �إىل ق�ضية املغاربة الأوىل «ال�صحراء املغربية».‬
‫يف مثل هاته اللحظات حت�س بوزن املثقف الفعلي وقد تبنى خيار الإ�سهام حقا يف نقا�ش بالده ومواطنيه, وقرر �أال يبقى يف الربج العاجي ال�شهري الذي يهرب‬
‫�إليه �أمثاله تخوفا �أو حترجا �أو تزلفا �أو اختيارا للبقاء غري مبالني نهائيا.‬
‫هو �أ�صال فعلها �أيام 02 فرباير, و�أيام ما عرف بالربيع العربي, و�أعطى ر�أيه الوا�ضح وال�صريح يف احلكاية ككل, وهو يعود ليفعلها مرة �أخرى هنا يف ق�ضية‬
‫اللغة املغربية املعربة من خالل حديث طويل عري�ض ال يرتك �أي تف�ص��يل �إال ويطرقه لكي ي�ص��ل يف اخلتام �إىل مايعتربه ال�ص��واب اليوم, ولكي يطلق‬
‫النداء وا�ض��حا و�ص��ريحا من �أجل عدم التفريط ب�سهولة يف الثقافة العربية واللغة يف مقدمتها �شرط القدرة على التطوير وعلى االلتحاق بالزمن‬
‫احلديث, زمن كل اللغات خ�صو�صا منها الإجنليزية.‬
‫على امتداد ثالث �س��اعات حتدث الكبري العروي بكل �ص��راحة, وبكل �صدق, وبكل �إميان وا�ضح وظاهر بالق�ضية. ق�ضية اقتناعه �أن وراء الأكمة‬
‫�أ�شياء يجب �أن تقال لئال يقال يف يوم من الأيام �إنه �صمت ومل يعلن املوقف مثلما يجب �أن يخرج �إىل العلن.‬
‫يف بهو الهيلتون الرباطي ال�شهري, مل يرتك لآلة الت�سجيل فر�صة االنطالق ومل يرتك لنا فر�صة اجللو�س لكي ي�شرع يف احلديث "هذا املو�ضوع‬
‫وحده ا�ستطاع �أن يخرجني من مقبعي, لأنني ال �أ�ستطيع ال�سكوت عنه, والبد من قول بع�ض الكالم".‬
‫ذلك الكالم, كله �أو بع�ض��ه, �أو ما اقتن�ص��ت �آلة الت�س��جيل من بحار العروي, ومابقي يف الذاكرة من اللقاء, وما يجب �أن ي�صل �إىل النا�س يف‬
‫هات��ه اللحظ��ات هو املكتوب على امتداد حلقات احلوار, ر�س��الة من م�ؤرخ ومفكر وكاتب كبري ميتلك كل �ش��رعيات احلديث عن املو�ض��وع,‬
‫وميتلك �أ�سا�س��ا �ش��جاعة الإق��دام على اخلو�ض فيه يف حلظة قرر فيها العدي��دون �أن يتناولوه �إما باالعت��داء اجلاهل عليه, �أو بالتجريح‬
‫يف خمالفيه��م الر�أي, �أو باختيار اال�ص��طفاف العقيم وراء امل�س��لمات اجلاه��زة دون رغبة يف الفهم, �أو حتى حماول��ة "ارتكاب" هذا الفهم قبل‬
‫االنطالق يف التنظري والكالم الكبريين.‬
‫ن�صيخ ال�سمع لعبد اهلل العروي يف اجلزء الثاين من احلوار, ون�سمع منه كل الكالم. لنتابع‬
‫حاوره : المختار لغزيوي/ جمال زايد‬

‫تصوير : محمد وراق‬

‫عندما حاولت الكتابة بالدارجة‬

‫الثقافة لي�ست ق�ضية �سيا�سية �أو اقت�صادية عابرة.. الثقافة �أكرب بكثري‬

‫‪ Ý Ý‬وقفنا بالأم�س عند �س�ؤال ن�صو�ص‬
‫الدارجة التي �سيدر�سها التلميذ عندما‬
‫ي�صل �إىل م�ستوى درا�سي معني، و�أن‬
‫الدارجة فقرية على هذا امل�ستوى،‬
‫ولن يجد التلميذ ما يدر�سه، عك�س‬
‫العربية الغنية بن�صو�صها وما حتمله‬
‫من معاين و�إيحاءات.‬
‫€ € �أنا م�سكون بهذه الق�ضية ومثقل ب�أ�سئلتها‬
‫لأنني حاولت يف امل�رشوع الأ�صلي لرواية‬
‫"اليتيم" �أن �أكتب بالدارجة، وفكرت يف‬
‫كتابته من �أوله �إىل �آخره بالدارجة بال نقطة‬
‫وال فا�صلة، ولكن �شيئا ف�شيئا بد�أت م�ستويات‬
‫الكتابة تختلف. م�ستوى الدارجة خا�ص‬
‫بالتوا�صل فقط، ثم م�ستوى العربية ملا ترتفع‬
‫وتتعقد تعابريها و�إيحاءاتها و�إحاالتها. ميكن‬
‫�أن �أقر�أ مقطعا من هذه الرواية لتقف بامللمو�س‬
‫على م��ا قلت. ال يح�رضين الآن مقطع‬
‫التوا�صل بالدارجة، ولكن املقطع املكتوب‬
‫بالعربية يقول "وماذا تركت لت�شاهديه معي؟‬
‫بجانبك �أ�شاهد كل �شيء من جديد، انتظرت‬
‫هذه الدقيقة منذ خم�س ع�رشة �سنة. نعم طاملا‬
‫متنيت �أن ترى البندقية يف ال�شتاء. ها ف�صل‬
‫ال�شتاء وها �أنت يف البندقية. ماذا فعلت يف‬
‫الغربة طوال هذه ال�سنني؟ ح�سبت الأيام،‬
‫ثم تخيلتك، وع�شت مع غريي، لقد �أعانوين‬
‫على احلياة. ن�سيتك فتذكرتك، ثم ن�سيتك‬
‫فتذكرتك. هذه دقائق مف�صولة من املا�ضي،‬
‫وعن امل�ستقبل، وهذه مدينة مقطوعة عن‬
‫الغرب وال�رشق، كنائ�سها كامل�ساجد، لنبتعد‬
‫برهة عما قد وقع، وعما قد يقع. �إننا هنا ب�سبب‬
‫�أ�شياء وقعت منذ �أزمان متقادمة، لنفر�ض‬
‫�أنها حدثت البارحة، لنفر�ض، ولنذهب حيث‬
‫يجتمع ال�شباب. �أف�ضل �أن �أرى امر�أة م�سنة،‬
‫�شعرها �أبي�ض، ت�شده �سفيفة زرقاء، ينظر‬
‫�إليها زوجها، قمي�صه من ال�صوف امللون‬
‫وك�أن مل مير على زواجهما �إال يوم. �سنبحث‬
‫اليوم �أو غدا عن ال�سقاية امل�ش�ؤومة، �سقاية‬
‫املوت يف البندقية. �سنذهب �إىل الأكادميية‬
‫لرنى العا�صفة وانفجار ال�ساعة، ويف متحف‬
‫كوكنهاي لوحة ماكريت، زرقة ماكريت،‬
‫والقرب ال�صغري املكتوب على رخامه "�إىل‬
‫�أوالدي الأعزاء"، ومن هم ه�ؤالء �أ�صحاب‬
‫الأ�سماء اليونانية، �أوالد يتامى، بل كالب.‬
‫العطف على احليوان �سخط على الإن�سان،‬
‫والعطف على الإن�سان �سخط على القدر،‬
‫وتعلو وجه ماريا موجة من الي�أ�س". كيف‬

‫كنت �س�أكتب كل هذا بالدارجة؟! ال ميكن‬
‫كتابته بالدارجة لأن فيه �إيحاءات، �إيحاءات‬
‫البندقية وهيمنغواي وتوما�س م��ان. هذا‬
‫تراكم مائتي �سنة، وتالقح بني هذه احل�ضارة‬
‫واللغة العربية املكتوبة التي ا�ستطاعت �أن‬
‫ت�ستوعب هذه املعطيات يف عمقها، وتعرب‬
‫به بهذا الأ�سلوب. بالتايل، علينا �أن ننتظر‬
‫مائتي �سنة �أخرى حتى ننجح يف فتح الدارجة‬
‫على ه��ذه املعطيات ونحقق فيها كل هذه‬
‫الرتاكمات! وعلينا �أن ننتظر مائتي �سنة حتى‬
‫ننجح يف التعبري بالدارجة تعبريا �أدبيا حممال‬
‫بالإيحاءات! هل منلك الزمان الكايف لتحقيق‬
‫هذه النتيجة التي ت�ستطيع العربية حتقيقها دون‬
‫م�شاكل؟ هل ا�ستوعب نور الدين عيو�ش وكل‬
‫الدعاة �إىل التعبري بالدارجة هذه احلقائق؟ هل‬
‫فكروا فيها ويف م�ضيعة الوقت التي ي�ستدعيها‬
‫بناء الدارجة؟ ما يدعون له لي�س بالب�ساطة‬
‫التي يت�صورونها، والق�ضية ال �صلة لها‬
‫با�ستعمال بع�ض التعابري بالدارجة مثل‬
‫"ما تقي�ش والدي"، وانتهى الأمر.‬
‫ه��ذه الق�ضية يجب �أن يبتعد عنها‬
‫الأ�شحا�ص الذين ال عالقة لهم بالثقافة‬
‫ال من قريب وال من بعيد، وال حق‬
‫لهم يف �أن يتدخلوا يف �أم��ور كربى‬
‫تقت�ضي الت�سيري والتخطيط مل�ستقبل‬
‫�شعب بكامله. الثقافة لي�ست ق�ضية‬
‫�سيا�سية �أو اقت�صادية عابرة، الثقافة �أكرب‬
‫بكثري.‬

‫‪ Ý Ý‬وماذا عن متغربيت واخل�صو�صية‬
‫املغربية؟‬
‫€ € �أما م�س�ألة "متغربيت" ف�أقول عنها �إنها‬
‫تعود �إىل نوع من االنعزالية، و�أظ��ن �أن‬
‫رجل ال�سيا�سة باملغرب ال ميكنه اليوم �أن‬
‫يطبق هذه ال�سيا�سة االنعزالية، ولكن �أنا‬
‫باعتباري رجل ثقافة لدي احلق يف �أن �أميل‬
‫مع هذا االجتاه �أو ذاك. لهذا �أقول يف ق�ضية‬
‫الدعوة �إىل التدري�س بالدارجة، �أرف�ضها و�أنا‬
‫�أعتز مبغربيتي وخ�صو�صيتي، وهذه م�س�ألة‬
‫ال عالقة لها بقبول تلك الدعوة، وال ب�شعوب‬
‫ال�رشق، و�إمنا لها عالقة بثقافة ومبخزون‬
‫ثقايف، ي�ضم كتاب "�ألف ليلة وليلة" و"بخالء‬
‫اجلاحظ" و"كليلة ودمنة". يف قراءاتي‬
‫الكثرية لبخالء اجلاحظ، �أقف يف كل قراءة‬
‫على �أنني �أق��ر�أ كتابا جديدا مل ي�سبق يل �أن‬
‫قر�أته. هل نتخل�ص من هذا الكتاب ومنحوه‬
‫من ثقافتنا بدعوى �أنه ال ميت ب�صلة �إلينا، و�أنه‬

‫كتاب كتب يف الب�رصة؟! نتخل�ص من البخالء‬
‫هل‬
‫ومن �ألف ليلة وليلة والأدب الأندل�سي، فماذا‬
‫�سيتبقى لنا يف املغرب؟! �ستتبقى لنا متغربيت؟!‬
‫نطوي �صفحة هذه الثقافة‬
‫�أ�س�أل هنا، ما هي الثقافة املغربية؟ �ستقول‬
‫املغربية املكتوبة بالعربية ونبد�أ من جديد‬
‫الثقافة املغربية هي اليو�سي، �س�أرد عليك ب�أن‬
‫ك�أننا �شعب لي�ست له ثقافة مكتوبة، ويريد �أن‬
‫اليو�سي كتب حما�رضاته باللغة العربية، ومل‬
‫يكتبها بالدارجة �أو الأمازيغية، والأمر نف�سه‬
‫يخدم ثقافته ال�شفوية؟! لهذا ال�سبب رف�ضت‬
‫بالن�سبة للمختار ال�سو�سي. هل نطوي �صفحة‬
‫منذ �أول كتاب كتبته، وهو "الإديولوجية‬
‫هذه الثقافة املغربية املكتوبة بالعربية ونبد�أ من‬
‫جديد ك�أننا �شعب لي�ست له ثقافة مكتوبة، ويريد‬
‫العربية"، ما �سميته "الثقافة‬
‫�أن يخدم ثقافته ال�شفوية؟! لهذا ال�سبب رف�ضت‬
‫الفلكلورية".‬
‫منذ �أول كتاب كتبته، وهو "الإديولوجية‬
‫العربية"، ما �سميته "الثقافة الفلكلورية". ملاذا‬
‫رف�ضت هذه الثقافة؟ حتى ال جند �أنف�سنا يف‬
‫علينا‬
‫ذلك امل�ستوى البدائي الذي هو يف طور‬
‫�أن ننتظر مائتي‬
‫االنفتاح على الكتابة واملكتوب اللذين‬
‫التحق بهما الإغريق منذ ثالثني‬
‫�سنة �أخرى حتى ننجح يف فتح‬
‫قرنا، والعرب منذ ما يقرب من‬
‫ع�رشين قرنا، وي�أتي البع�ض‬
‫الدارجة على هذه املعطيات ونحقق‬
‫منا وي��ق��ول، الآن يف القرن‬
‫فيها كل هذه الرتاكمات! وعلينا �أن ننتظر‬
‫الواحد والع�رشين، علينا �أن‬
‫نبد�أ من ال�صفر ونهتم بتمغربيت‬
‫مائتي �سنة حتى ننجح يف التعبري بالدارجة‬
‫واللغة املغربية ال�شفوية ك�أننا ال‬
‫تعبريا �أدبيا حممال بالإيحاءات! هل منلك‬
‫نتوفر على لغة مكتوبة وعلى‬
‫ثقافة مكتوبة! نتنكر لتلك اللغة‬
‫الزمان الكايف لتحقيق هذه النتيجة‬
‫وتلك الثقافة وندعو �إىل االهتمام‬
‫بالدارجة ونكتبها ونخدمها لت�صري‬
‫التي ت�ستطيع العربية حتقيقها‬
‫بعد مائتي عام لغة وطنية قادرة على‬
‫دون م�شاكل؟‬
‫�إنتاج الثقافة املكتوبة!‬

‫الشعوب ولغاتها الوطنية: النماذج‬

‫‪ Ý Ý‬ولكن هناك جتارب عدة �شعوب‬
‫ا�ستطاعت �أن ت�ستقل بلغاتها الوطنية.‬
‫€ € يا �سيدي، �أنا م�ستعد لتقدمي �أمثلة على‬
‫هذا ال�صعيد. هناك مثال الهولنديني الذين‬
‫مرت عليهم الآن �أربعة قرون حني �سعوا‬
‫�إىل االنف�صال عن �إ�سبانيا التي ال يجمعهم‬
‫بها ال ال��دي��ن وال ال��ل��غ��ة، فكتبوا لغتهم‬
‫املحلية، و�صارت الهولندية كما كتبت تدل‬
‫على م�ستوى �أعمق من اللهجات الأملانية‬
‫الأخرى، لأن تلك اللهجات ظلت �شفوية،‬
‫بينما الهولندية �صارت لغة مكتوبة، لكنها‬
‫باملقابل حفظت وجمدت يف ه��ذا امل�ستوى‬
‫ومل تتجاوزه مقارنة بتلك اللهجات التي‬
‫ا�ستمرت حية. الهولنديون متقدمون الآن‬
‫اقت�صاديا و�سيا�سيا، ولكن من يهتم يف العامل‬
‫بالثقافة الهولندية؟! ومن يقر�أ ما يكتبه الكتاب‬
‫الهولنديون بلغتهم الوطنية؟! هل �سبق لك‬
‫�أن قر�أت ل�شاعر هولندي ما كتبه من �شعر‬
‫بلغته الهولندية؟ هل قر�أت لروائي هولندي؟‬
‫اجلواب معروف على �أن الثقافة الهولندية‬
‫�أنتجت �شعراء وق�صا�صني وروائيني من‬
‫الطراز الرفيع، لكن لغتهم املحلية حالت‬
‫دون �شهرتهم على ال�صعيد العاملي. مبدعون‬
‫كبار وال �أح��د يعرفهم خ��ارج هولندا، بل‬
‫منهم من ا�ضطر �إىل الكتابة بالإجنليزية حتى‬
‫ينجح يف مغادرة لغته الوطنية التي حتكم عليه‬
‫باالنغالق، وهذا ما قام به املختار ال�سو�سي‬
‫حني قرر الكتابة بالعربية حتى تعرف كتاباته‬
‫انت�شارا �أو�سع. املختار ال�سو�سي كان يتحدث‬
‫يف بيته وحياته اليومية بال�سو�سية، فتخيل‬
‫معي لو �أنه كتب "املع�سول" بال�سو�سية فمن‬
‫كان �سيقر�أ ذلك الكتاب الذي ما زال �إىل‬
‫اليوم مقروءا ويثري �أ�سئلة قرائه من غري‬
‫ال�سو�سيني. هنا �أنتقل �إىل املثال الثاين، يتعلق‬
‫الأمر بجيم�س جوي�س الذي عا�ش يف حميط‬
‫�إيرلندي يعادي اللغة الإجنليزية ويدافع عن‬
‫اللغة الوطنية الل�سلتية القدمية واخل�صو�صية‬
‫الإيرلندية مقارنة بثقافة الإجنليز ولغتهم.‬
‫عا�ش جوي�س يف هذا املحيط ال��ذي يحتفي‬
‫باللغة املحلية على م�ستوى ال�شعر والأغاين‬
‫وامل����سرح، وكتابة ه��ذه امل�ستويات، لكن‬
‫الروائي ارت�أى �أال ي�ؤدي ثمن اخلط�أ الذي‬
‫ارتكبه �أجداده الأبعدون الذين مل يطوروا‬
‫لغتهم ومل يكتبوا بها، وف�ضل �أن يعي�ش‬
‫خارج وطنه الأم، و�أن يتعامل مع اللغة‬
‫الإجنليزية ك�أنها لغة قابلة لالفرتا�س. تعامل‬
‫معها ك�أنها لغة مفرت�سة، يفرت�سها �أثناء الكتابة‬
‫َ‬
‫»الخميس 12 نونبر 3102‬

‫»الـعـدد : 3315‬

‫»السنة : 61‬

‫لو‬
‫كتب جوي�س‬
‫رواياته امل�شهورة الآن بلغته‬
‫الوطنية، من كان �سيطلع عليها‬
‫ويقف على براعة روائي من الطراز‬
‫الرفيع؟ �سيقر�ؤه الإيرلنديون الذين ال‬
‫يتجاوز عددهم �أربعة ماليني ن�سمة،‬
‫و�أما الذين هاجروا �إىل الواليات‬
‫املتحدة فال يعرفون لغتهم‬
‫الأم.‬

‫بها، بحيث لو قر�أها �إجنليزي ف�سيقول هذه‬
‫لي�ست لغتي الإجنليزية التي �أعرفها و�أتقنها.‬
‫لو كتب جوي�س رواياته امل�شهورة الآن بلغته‬
‫الوطنية، من كان �سيطلع عليها ويقف على‬
‫براعة روائي من الطراز الرفيع؟ �سيقر�ؤه‬
‫الإيرلنديون الذين ال يتجاوز عددهم �أربعة‬
‫ماليني ن�سمة، و�أم��ا الذين ه��اج��روا �إىل‬
‫الواليات املتحدة فال يعرفون لغتهم الأم.‬
‫�أنتقل �إىل الهند التي ت�صل لغاتها املحلية �إىل‬
‫مائتي لغة، كل مقاطعة تتحدث لغتها اخلا�صة‬
‫بها، واللغة الر�سمية لي�ست هي ال�سن�سكريتية،‬
‫اللغة الدينية القدمية، و�إمنا الهندو�ستانية التي‬
‫يتحدث بها �أكرث من مائتي مليون هندي،‬
‫ومع ذلك ال يعرف من الهنود �إال من يكتب‬
‫بالإجنليزية. �أكرث من ذلك، اللغة البنغالية‬
‫التي يتحدث بها �أكرث من ثالثمائة مليون من‬
‫الب�رش، فطاغور الكاتب البنغايل ال�شهري،‬
‫�ألف كتبه بالإجنليزية، ومل يكتبها بالبنغالية‬
‫التي تزخر بثقافة و�آداب عريقة، لو كتبها‬
‫بلغته الوطنية لظل حبي�س بالده ولن يعرف‬
‫ال�شهرة العاملية التي حازها.‬

‫‪ Ý Ý‬حتى ال نبتعد عن مو�ضوعنا، اللغة‬
‫العربية الف�صحى لغة ر�سمية ر�سمها‬
‫الد�ستور، �أما خانة اللغة الوطنية فما‬
‫زالت �شاغرة، وتنظر امللء باعتماد‬
‫اللغة املغربية التي تتحدث بها الأغلبية‬
‫ال�ساحقة من املغاربة.‬
‫€ €متعن يف ما �س�أ�رصح به. ذهبت بعيدا‬
‫يف قبول �أن تكون الدارجة لغة التدري�س يف‬
‫ال�سنوات الأوىل من التدري�س االبتدائي. هذا‬
‫هو ما يطلبه نور الدين عيو�ش. بل ذهبت‬
‫�أبعد من ذلك، حني دعوت �إىل كتابة الدارجة‬
‫بحرف خا�ص بها مييزها عما �سواها. مل �أقف‬
‫عند هذا احلد، بل ذهبت ب�أن اعتماد الدارجة‬
‫يف التعليم االبتدائي، ال مينع من النبوغ‬
‫يف العلوم والتقنيات والفنون. هناك نقطة‬
‫واحدة ظلت معلقة، وهي الثقافة الأدبية. �إذا‬
‫اعتمدنا الدارجة لغة مكتوبة �سينقطع املغاربة‬
‫عن الثقافة العربية وما �أنتجته طيلة قرون‬
‫من �إرث ثقايف و�أدب��ي، وما زالت تنتجه.‬
‫الأمر هنا ال يتعلق فقط بقطيعة مع ال�رشق‬
‫العربي و�شعوبه، و�إمنا �سيتعلق بقطيعة مع‬
‫احل�ضارة العربية ومع ما �ساهم به املغاربة‬
‫و�أهل الأندل�س يف تلك احل�ضارة. �إذا اكتفينا‬
‫بتعليم الطفل الدارجة ف�ستنقطع �صلته انقطاعا‬
‫كليا بتلك احل�ضارة وثقافتها.‬
‫‪� Ý Ý‬ستحدث هذه القطيعة �إذا مت �إق�صاء‬
‫العربية الكال�سيكية من احلقل اللغوي‬
‫املغربي، �أما �إذا مل يقع ذلك الإق�صاء‬
‫وا�ستمر ا�ستعمال تلك العربية فلن‬
‫حتدث تلك القطيعة و�سي�ستمر ات�صال‬
‫املغربي بالثقافة العربية والتفاعل مع‬
‫ما �أنتجته وما زالت تنتجه.‬
‫€ € حاول �أن ت�ستوعب ت�صوري للق�ضية.‬
‫�سيكون ذلك بالتدرج ك�أنك تقود �سيارتك‬
‫وتنتقل من ال�رسعة الأوىل �إىل ال�رسعة الثانية‬
‫فالثالثة والرابعة. �إذا انطلقت يف تعليم الطفل‬
‫بالدارجة فقط، ال ميكن �أن تنتقل به بعد ثالث‬
‫�سنوات، �إىل �أن يختار بني �إحدى اللغات‬
‫الأجنبية واللغة العربية املوحدة ولي�ست‬
‫العربية الكال�سيكية. �أنا ال �أ�سميها عربية‬
‫كال�سيكية، ومن هذا ال��ذي يتكلم العربية‬

‫�إذا اعتمدنا الدارجة لغة مكتوبة �سينقطع املغاربة عن الثقافة العربية‬
‫وما �أنتجته طيلة قرون من �إرث ثقايف و�أدبي، وما زالت تنتجه. الأمر‬
‫هنا ال يتعلق فقط بقطيعة مع ال�شرق العربي و�شعوبه، و�إمنا �سيتعلق‬
‫بقطيعة مع احل�ضارة العربية ومع ما �ساهم به املغاربة و�أهل‬
‫الأندل�س يف تلك احل�ضارة. �إذا اكتفينا بتعليم الطفل الدارجة‬
‫ف�ستنقطع �صلته انقطاعا كليا بتلك احل�ضارة وثقافتها.‬
‫الكال�سيكية الآن؟! ال يوجد �شخ�ص يتحدث‬
‫بها، و�إمنا هناك من يكتب بها. يف درد�شتنا‬
‫الآن، ال نتحدث بالدارجة كما يتحدث‬
‫بها النا�س يف ال�شارع وحتى يف البيت،‬
‫و�إمن��ا نتحدث بلغة بني بني، بني الدارجة‬
‫والعربية، �إنها اللغة الو�سطى. لن�أخذ ال�صفحة‬
‫ال�ساخرة التي تن�رشها يوميا جريدة "الأحداث‬
‫املغربية"، وهي باملنا�سبة �صفحة مكتوبة بغري‬
‫العربية، و�أمتنى �أن تعر�ضوها على �شخ�ص‬
‫م�ستواه التعليمي ب�سيط مل يتجاوز امل�ستوى‬
‫الثالث ابتدائي، وتطلبوا منه قراءة ما كتب‬
‫فيها، �أكيد �سيالقي �صعوبة كبرية يف قراءة‬
‫ما ت�سمونه دارجة. اللغة التي تكتبون بها تلك‬
‫ال�صفحة ال�ساخرة، لغة ال ميكن �أن يقر�أها �إال‬
‫الذي يقر�أ بالعربية الف�صحى. �إذن ما معنى‬
‫هذا اال�ستن�ساخ؟ �إذا كانت هناك �صعوبات يف‬
‫تدري�س العربية التي �أ�سميها معربة، وكانت‬
‫هذه اللغة تعاين من م�شاكل، فعلينا �أن نقوم‬
‫بتي�سري تلك ال�صعوبات و�إ�صالح امل�شاكل‬
‫التي تعاين منها، و�إ�صالح تلك العربية لي�س‬
‫ب�إبدالها بالدارجة، لأن الدارجة ال ت�صلح‬
‫لهذه املهمة التي تطلبون منها، فهي �أكرب منها‬
‫بكثري.‬

‫العربية ومشاكلها وابن خلدون والدارجة‬

‫11‬

‫�إذا‬
‫انطلقت يف تعليم‬
‫الطفل بالدارجة فقط، ال ميكن‬
‫�أن تنتقل به بعد ثالث �سنوات، �إىل �أن‬
‫يختار بني �إحدى اللغات الأجنبية واللغة‬
‫العربية املوحدة ولي�ست العربية الكال�سيكية.‬
‫�أنا ال �أ�سميها عربية كال�سيكية، ومن هذا‬
‫الذي يتكلم العربية الكال�سيكية الآن؟!‬
‫ال يوجد �شخ�ص يتحدث بها، و�إمنا‬
‫هناك من يكتب بها.‬
‫‪� Ý Ý‬إذن، تعرتفون بكون العربية‬
‫ت��ع��اين م��ن م�شاكل وتعي�ش �أزم��ة‬
‫حقيقية.‬
‫€ € نعم، ولكن هذا ال يعني �إ�صالح م�شكل‬
‫مب�شكل �أكرب منه. ال ميكن �إ�صالح م�شاكل‬
‫العربية بالدارجة، لأن الدارجة تعاين من‬
‫�أزمة �أكرب، بل �أخطر من �أزمة العربية.‬
‫مع ذلك ميكن �أن �أجيب عما طرحته. الذين‬
‫ينادون بتبني الدارجة لغة للتدري�س والكتابة،‬
‫مل يطلعوا على ما كتبه ابن خلدون يف مقدمته.‬
‫ابن خلدون عر�ض نقا�شا طويال وعري�ضا‬
‫حول الدارجة، ويقول �إن الدارجة لغة قائمة‬
‫بذاتها، ولكن ابن خلدون يف�رس يف الوقت‬
‫نف�سه، ملاذا ت�أخر املغاربة يف النطق ب�أ�صوات‬
‫العربية مقارنة بامل�شارقة، وي�ستح�رض‬
‫الكتاتيب القر�آنية وق��راءة القر�آن جهرا،‬
‫لأن الغاية من تلك القراءة لي�ست احلفظ وال‬
‫الفهم �أو التدين، و�إمنا بغاية �إ�صالح النطق‬
‫وخم��ارج احل��روف نتيجة ما �أ�صابها من‬
‫ت�أثريات الأمازيغية و�أدت باملغربي �إىل كرثة‬
‫الإذغ��ام وغياب امل�صوتات، و�أبعدته عن‬
‫النطق ال�سليم لأ�صوات العربية كما ينطقها‬
‫ال�سوريون وامل�رصيون. الغاية �إذن هي‬
‫توحيد النطق وخم��ارج احل��روف، بحيث‬
‫ميكن �أن تكون قادما من موريطانيا �أو من‬
‫العراق، ولكن تنطق احلرف العربي كما‬
‫ينطقه الآخ��رون. هذا نظريا لأن��ه �صعب‬
‫احل���دوث، وم��ع ذل��ك ك��ان ال��ره��ان على‬
‫التوحيد على م�ستوى خم��ارج احل��روف.‬
‫�أقول هذا لأتوجه �إىل الدعاة �إىل تبني الدارجة‬
‫لغة للتدري�س والكتابة، و�أ�ستح�رض عبارة‬
‫"ما تقي�ش والدي"، لو كانوا يتقنون النطق‬
‫مبخارج حروف الدارجة كما ينبغي النطق‬
‫بها ملا كتبوا "ما تقي�ش".‬
‫‪Ý Ý‬ماذا �أ�صاب هذه العبارة؟‬
‫€ €كل مغربي ينطق لغته نطقا �سليما ويحافظ‬
‫على خمارج احلروف كما هي، �سيقول "ما‬
‫تقي�س�ش"، ولي�س "ما تقي�ش". ماذا �سيفعل‬
‫الدعاة �إىل تدري�س الدارجة وهم يتوجهون‬
‫�إىل طفل �صغري ال�سن، هل �سيقولون له "ما‬
‫تقي�ش"، �أو "ما تقي�س�ش" حتى ي�ستوعب النفي‬
‫الواقع يف فعل "تقي�س" قبل �أن تدخل عليه "ما"‬
‫امل�ستعملة للنفي، و�أن "�ش" حلقت ب"تقي�س"‬
‫لر�سم ذلك النفي للفعل. الحظ هنا �أنك مل‬
‫تغادر لغة �سيبويه ومل تتخل�ص منها و�أنت‬
‫ت�سعى �إىل تدري�س الدارجة وو�ضع نحو لها.‬
‫زيادة على مناطق كثرية من املغرب، لن‬
‫ت�ستعمل عبارة "ما تقي�س�ش"، و�إمنا �ست�ستعمل‬
‫عبارة "ما مت�س�ش"، و�أكتفي بالتلميح �إىل من‬
‫ي�ستعمل عبارة "ما تقي�س�ش".‬

‫يتبع في عدد الغد‬
‫01‬

‫»الجمعة 22 نونبر 3102‬

‫»الـعـدد : 4315‬

‫»السنة : 61‬

‫على سبيل االستهالل الالبد منه‬
‫مازال حوار «الأحداث املغربية» مع الأ�ستاذ عبد اهلل العروي يثري ردود فعل عديدة يف �أو�ساط املهتمني واملثقفني وعموم القراء املغاربة، وهي م�س�ألة مفرحة لأنها تدل على �أن الوهم ال�سائد بانعدام‬
‫اهتمام النا�س بق�ض��اياهم الكربى هو وهم خاطئ متاما. �أي�ض��ا هو �أمر مفرح لأنه �أكد لنا �ص��واب االختيار و�أكد لنا �ص��دق احلد�س املهني الذي جعلنا نراهن على كبري من �أكابر القوم يف املجال لكي‬
‫ن�ستمع �إىل ر�أيه يف املو�ضوع احل�سا�س واحليوي امل�سمى لغتنا وهويتنا.‬
‫العروي الكبري له الأوراق املغربية, وهو القادر على احلديث دون مواربة عن زمن ال�سيا�س��ة عرب ديوانها, وهو "الغربة" وهو "اليتيم" وهو �أي�ض��ا جممل تاريخ املغرب,‬
‫فمفهوم الإيديولوجيا ال�ش��هري, ثم مفاهيم احلرية والدولة قبل مفهوم التاريخ, وهو اخلواطر ال�ص��باحية ال�ش��هرية وبقية امل�ؤلفات التي تعد �إ�سهاما‬
‫فعليا وحقيقيا يف الت�أ�سي�س لفكر مغربي �آخر, منطلق, حر, له العالقة املثلى باملعرفة الرتاثية: عالقة الرغبة يف النهل منها حد اال�ستفادة ثم‬
‫املرور �إىل الأ�شياء الأخرى.‬
‫لذلك كان �ض��روريا الإن�ص��ات ل�ص��وته يف النازلة. والنازلة هنا �أمر جلل للغاية ي�س��مى ل�س��ان النا�س ولغتهم, خ�صو�ص��ا بعد دعوة �أطلقتها‬
‫تو�صيات �صادرة عن ندوة علمية من �أجل تبني التدري�س باملغربية الدارجة خالل �سنوات التعليم الأوىل.‬
‫�صوته �أتى يوم احلديث الأول معه عن املو�ضوع حا�سما وال يقبل �أي نقا�ش: �أريد �أن �أحتدث يف هذا املو�ضوع.وهي لي�ست املرة الأوىل فقد تعود‬
‫�أن يديل بالدلو املعريف الكبري دائما حني اجلد، من ربيع العرب �إىل ق�ضية املغاربة الأوىل «ال�صحراء املغربية».‬
‫يف مث��ل هات��ه اللحظات حت�س بوزن املثقف الفعلي وقد تبنى خيار الإ�س��هام حقا يف نقا�ش ب�لاده ومواطنيه, وقرر �أال يبقى يف الربج العاجي‬
‫ال�شهري الذي يهرب �إليه �أمثاله تخوفا �أو حترجا �أو تزلفا �أو اختيارا للبقاء غري مبالني نهائيا.‬
‫هو �أ�ص�لا فعلها �أيام 02 فرباير, و�أيام ما عرف بالربيع العربي, و�أعطى ر�أيه الوا�ض��ح وال�ص��ريح يف احلكاية ككل, وهو يعود ليفعلها مرة �أخرى‬
‫هنا يف ق�ض��ية اللغة املغربية املعربة من خالل حديث طويل عري�ض ال يرتك �أي تف�ص��يل �إال ويطرقه لكي ي�صل يف اخلتام �إىل مايعتربه ال�صواب‬
‫اليوم, ولكي يطلق النداء وا�ضحا و�صريحا من �أجل عدم التفريط ب�سهولة يف الثقافة العربية واللغة يف مقدمتها �شرط القدرة على التطوير وعلى‬
‫االلتحاق بالزمن احلديث, زمن كل اللغات خ�صو�صا منها الإجنليزية.‬
‫على امتداد ثالث �ساعات حتدث الكبري العروي بكل �صراحة, وبكل �صدق, وبكل �إميان وا�ضح وظاهر بالق�ضية. ق�ضية اقتناعه �أن وراء‬
‫الأكمة �أ�شياء يجب �أن تقال لئال يقال يف يوم من الأيام �إنه �صمت ومل يعلن املوقف مثلما يجب �أن يخرج �إىل العلن.‬
‫يف بهو الهيلتون الرباطي ال�ش��هري, مل يرتك لآلة الت�س��جيل فر�ص��ة االنطالق ومل يرتك لنا فر�ص��ة اجللو�س لكي ي�شرع يف احلديث "هذا‬
‫املو�ضوع وحده ا�ستطاع �أن يخرجني من مقبعي, لأنني ال �أ�ستطيع ال�سكوت عنه, والبد من قول بع�ض الكالم".‬
‫ذلك الكالم, كله �أو بع�ض��ه, �أو ما اقتن�ص��ت �آلة الت�س��جيل من بحار العروي, ومابقي يف الذاكرة من اللقاء, وما يجب �أن ي�ص��ل �إىل النا�س‬
‫يف هاته اللحظات هو املكتوب على امتداد حلقات احلوار, ر�س��الة من م�ؤرخ ومفكر وكاتب كبري ميتلك كل �ش��رعيات احلديث عن املو�ض��وع,‬
‫وميتلك �أ�سا�سا �شجاعة الإقدام على اخلو�ض فيه يف حلظة قرر فيها العديدون �أن يتناولوه �إما باالعتداء اجلاهل عليه, �أو بالتجريح يف‬
‫خمالفيهم الر�أي, �أو باختيار اال�ص��طفاف العقيم وراء امل�س��لمات اجلاهزة دون رغبة يف الفهم, �أو حتى حماولة "ارتكاب" هذا الفهم قبل‬
‫االنطالق يف التنظري والكالم الكبريين.‬
‫ن�صيخ ال�سمع لعبد اهلل العروي يف اجلزء الثالث من احلوار, ون�سمع منه كل الكالم. لنتابع‬

‫3‬

‫تصوير : محمد وراق‬

‫حاوره : المختار لغزيوي/ جمال زايد‬

‫القر�آن لي�س لغة ف�صحى‬
‫سعيد عقل والتجربة اللبنانية‬
‫‪ Ý Ý‬انطالقا مم��ا �أدليتم ب��ه �إىل حد‬
‫الآن و�أنتم تقاربون ه��ذا املو�ضوع‬
‫ال�شائك ال��ذي يعنيكم �شخ�صيا، �أين‬
‫يكمن امل�شكل لدى �أ�صحاب الدعوة �إىل‬
‫اعتماد الدارجة يف التدري�س والكتابة؟‬
‫€ €لأجيب عن هذا ال�س�ؤال، �أنطلق من كوين‬
‫�أالقي �صعوبة كبرية يف ا�ستيعاب كيف يغامر‬
‫ه ��ؤالء الأ�شخا�ص ويدعون هكذا بب�ساطة‬
‫�إىل التدري�س بالدارجة واعتمادها لغة للتعلم‬
‫والكتابة، دون احت�ساب عواقب ما يدعون‬
‫�إليه، ف�إما �أنهم مل ميروا من مرحلة التعلم كما‬
‫مر منها �أغلب املغاربة، و�إما �أنهم مل ميار�سوا‬
‫التعليم ومل يخربوا جماله املعقد، و�إما �أنهم‬
‫مل ي�رشفوا على تربية �أبنائهم وتتبع م�سارهم‬
‫التعليمي وما يعرت�ضهم من م�شاكل يف تطور‬
‫اكت�سابهم للغة، �أو �أنهم مل يجربوا الكتابة‬
‫ومل يخربوا جمال الكتابة الفنية املعقد. �أقول‬
‫كل هذا لأ�ستخل�ص اخلال�صة التي تهمني،‬
‫وهي �أنهم مل ميار�سوا كل ما �رسدته ليقفوا‬
‫بامللمو�س على م�ستوى وحمدودية ما يدعون‬
‫�إليه، و�أنه ال ميكن �أن يحل امل�شكل اللغوي‬
‫القائم. �س�أ�ضطر هنا �إىل العودة �إىل تاريخ‬
‫هذا امل�شكل، و�س�أكتفي ب�إعطاء مثال كاف‬
‫للداللة على اال�ستخال�ص الذي ا�ستخل�صته‬
‫وخرجت به من هذه الدرا�سة التي �أجنزتها‬
‫حول املو�ضوع. �أري��د �أن �أق��ول �إن م�شكل‬
‫اللغة العربية والدارجة والدعوة �إىل اعتماد‬
‫الدارجة بدل العربية، ال يطرح �إال يف بداية‬
‫امل�سرية الثقافية ل�شعب معني، وكان اللبنانيون‬
‫�سباقون �إىل طرح هذا امل�شكل يف ثالثينيات‬
‫و�أربعينيات القرن املا�ضي، وكان ال�شاعر‬
‫الكبري �سعيد عقل، من دعاة اعتماد اللبنانية‬
‫لغة للكتابة والإب��داع، ومل يقف عند حدود‬
‫الدعوة، بل انتقل �إىل كتابة ال�شعر باللبنانية.‬
‫ماذا حدث بعد ذلك بلبنان؟ بعد �ستني �سنة، مل‬
‫يعد اللبنانيون يطرحون هذا امل�شكل.‬
‫‪ Ý Ý‬كيف تخل�ص اللبنانيون من هذا‬
‫امل�شكل؟ نطرح هذا ال�س�ؤال حتى ي�ستفيد‬
‫الدعاة �إىل اعتماد الدارجة املغربية‬
‫لغة للتدري�س والكتابة من التجربة‬
‫اللبنانية واحلل الذي انتهت �إليه.‬
‫€ € �أق��ول لك �إن اللبنانيني تخل�صوا من‬

‫م�شكل الدارجة والعربية لأن م�ستوى اللغتني‬
‫تقارب، ومل يعد هناك من يتحدث بلغة العلماء‬
‫�أو يكتب بها، ال يف اجلامعة وال يف ال�صحافة‬
‫املكتوبة وال يف و�سائل الإع�ل�ام ال�سمعي‬
‫والب�رصي، ولأن البنات والن�ساء تعلمن يف‬
‫املدار�س و�رصن يتحدثن �إىل �أبنائهن بلغة‬
‫راقية، بحيث كل جيل ي�ساهم يف اقرتاب لغة‬
‫الدار من لغة ال�صحافة، وخا�صة ال�صحافة‬
‫اليومية والتلفزيون اللذين تلتقي فيهما اللغة‬
‫الدارجة والعربية ويقرتبان من بع�ضهما‬
‫البع�ض. التجربة نف�سها، مر منها امل�رصيون‬
‫فما ن�سميه اللهجة امل�رصية فهي يف حقيقتها‬
‫لهجة قاهرية، ولي�ست لها �أي عالقة باللهجات‬
‫الأخرى التي يتحدث بها باقي امل�رصيني يف‬
‫املناطق الأخرى من م�رص. �أنتقل يف ال�سياق‬
‫نف�سه �إىل اللغة التي يتحدث بها البغداديون،‬
‫لأقول هي لغة العا�صمة العراقية ولي�ست لها‬
‫�أي عالقة باللغة التي ت�ستعملها كل منطقة من‬
‫مناطق العراق خارج بغداد. �أقول هذا من‬
‫باب التمهيد �إىل الإجابة عن ال�س�ؤال، و�أنتقل‬
‫مبا�رشة �إىل املو�ضوع الذي يهمني. يقول‬
‫الدعاة �إىل اعتماد الدارجة املغربية �إنهم‬
‫يحتاجون �إىل مائة عام لبناء اللغة التي‬
‫يتحدث بها املغاربة حتى ت�صري لغة خمدومة‬
‫وق���ادرة على �أن ت�صري لغة للتدري�س‬
‫والكتابة، �أقول لك، امنحني هذه املائة عام‬
‫حتى �أبني اللغة املعربة و�أخدمها، و�ست�صري‬
‫هي اللغة التي يتحدث بها �أي مغربي يف البيت‬
‫وال�شارع، و�ست�صري هي لغة احلديث اليومي‬
‫ولغة التدري�س والكتابة.‬

‫‪� Ý Ý‬أال ت��رون �أنها مهمة م�ستحيلة‬
‫التحقق؟‬
‫€ € امنحني مائة عام وت�سلح بالنف�س الطويل،‬
‫و�سرتى النتيجة بامللمو�س. الدعاة �إىل اعتماد‬
‫الدارجة يطلبون مائة �سنة ليبنوا الدارجة حتى‬
‫ت�صري لغة احلديث اليومي ولغة التدري�س‬
‫وكتابة ن�صو�ص ميكن �أن يفوز ن�ص منها‬
‫بجائزة نوبل للآداب، �إذن فليمنحوا هذه املدة‬
‫الزمنية لبناء اللغة املعربة وخدمتها، لريوا‬
‫النتيجة دون �إحداث قطيعة ثقافية مع �إرث‬
‫الثقافة العربية وما تزخر به من كنوز، ال‬
‫ميكن للدارجة �أن تعو�ضها. مائة عام مدة‬
‫كافية حلدوث الرتاكم الكايف لتطور العربية‬
‫وملء ال�رشخ بينها وبني الدارجة.‬

‫من يحارب العربية اليوم؟‬
‫‪� Ý Ý‬ست�صري لنا نحن املغاربة، لغة‬
‫وطنية خا�صة بنا، متيزنا عن �شعوب‬
‫املنطقة.‬
‫€ € يظهر �أنك مل ت�سايرين يف ما ذهبت �إليه منذ‬
‫انطالق احلوار. لغتك تظهر �أنك يا�سيدي، مل‬
‫ت�ستوعب �أنني �أتفق معك مائة يف املائة، ولكن‬
‫عليك �أن ت�ست�رشف النتيجة من هذه اللحظة،‬
‫لأن و�ضعك �سيكون يف جميع الأحوال كو�ضع‬
‫هولندا التي ا�ستقلت بلغتها عن �إ�سبانيا واللغة‬
‫الإ�سبانية، من �سيهتم بك وبلغتك املغربية يف‬
‫دنيا اللغات؟!‬

‫يقول‬
‫‪� Ý Ý‬إذا �سمحتم، لرنفع اللب�س الذي‬
‫يظهر �أنه ما زال يحكم درد�شتنا،‬
‫الدعاة �إىل اعتماد‬
‫لي�س هناك طرف ينادي ب�إق�صاء‬
‫الدارجة املغربية �إنهم يحتاجون �إىل‬
‫العربية، و�إمن��ا املطلوب هو‬
‫مائة عام لبناء اللغة التي يتحدث بها املغاربة‬
‫خدمة اللغة الوطنية التي هي‬
‫حتى ت�صري لغة خمدومة وقادرة على �أن ت�صري لغة‬
‫املغربية حتى يقع التعاون‬
‫بينها وبني ما ت�سمونه اللغة‬
‫للتدري�س والكتابة، �أقول لك، امنحني هذه املائة عام‬
‫املعربة، يف �أفق حل املع�ضلة‬
‫حتى �أبني اللغة املعربة و�أخدمها، و�ست�صري هي اللغة‬
‫اللغوية باملغرب‬
‫التي يتحدث بها �أي مغربي يف البيت وال�شارع،‬
‫€€ ال���ذي���ن ي���ن���ادون ب��اع��ت��م��اد‬
‫و�ست�صري هي لغة احلديث اليومي ولغة‬
‫الدارجة، هل يخدمون هذه اللغة؟‬
‫التدري�س والكتابة.‬

‫نعي�ش يف‬
‫احلياة اليومية والعادية،‬
‫وقائع املخا�صمات امل�ستمرة بني البنت‬
‫و�أمها بعد االنف�صال وا�ستقالل البنت‬
‫بحياتها بعيدا عن الأم. هذا ما �سيقع �إذا ما‬
‫انف�صلت الدارجة عن العربية و�صارت‬
‫لغة م�ستقلة بذاتها‬

‫‪� Ý Ý‬ستظل العربية الف�صحى لغة معتمدة‬
‫ل�ضمان ما ت�سمونه الرتبية الثقافية حتى‬
‫ال تقع القطيعة مع الإرث الأدبي العربي.‬
‫€ € لنفر�ض ذلك، و�أن العربية ا�ستمرت �إىل‬
‫جانب اللغة الدارجة، يقول املثل ما معناه �أن‬
‫قلبني ال ميكن لهما �أن يوجدا يف �صدر واحد.‬
‫كنت �س�أتفق معك لو ذهبت يف قولك �إىل �أننا‬
‫�سنبني اللغة الدارجة و�سنعدم العربية ونعو�ضها‬
‫باللغة الفرن�سية �أو الإجنليزية، �أما �أن تعتمد‬
‫اللغة الدارجة وحتتفظ بالعربية �إىل جانبها‬
‫فك�أنك حتتفظ ب��الأم �إىل جانب ابنتها لت�ضمن‬
‫الأ�صل والإرث وكذا االمتداد. �أ�س�ألك هنا، هل‬
‫ت�ضمن احلفاظ على �ضمان اتفاق البنت و�أمها‬
‫بعد انفـ�صال الأوىل عن الـثانية وا�ستقاللها‬
‫بذاتها وحياتها وم�ستقبلها؟! نعي�ش يف احلياة‬
‫اليومية والعادية، وقائع املخا�صمات امل�ستمرة‬
‫بني البنت و�أمها بعد االنف�صال وا�ستقالل‬
‫البنت بحياتها بعيدا عن الأم. هذا ما �سيقع �إذا‬
‫ما انف�صلت الدارجة عن العربية و�صارت‬
‫لغة م�ستقلة بذاتها، �إذ ال ميكن لهما �أن ي�ستمرا‬
‫يف ت�صاحلهما وت�ساكنهما كما هو احلال الآن،‬
‫ف�إما �أن تهيمن الدارجة على العربية، و�إما �أن‬
‫ت�ستمر العربية يف فر�ض و�صايتها على الدارجة‬
‫وت�سيطر على ابنتها وتتحكم يف حا�رضها‬
‫وم�ستقبلها.‬

‫‪ Ý Ý‬ق�ضية اللغة ال��وط��ن��ي��ة، ال‬
‫عالقة لها بالأفراد، و�إمنا هي م�رشوع‬
‫ح�ضاري وق�ضية دولة، الدولة املغربية‬
‫وهي ت�سعى �إىل ت�أ�سي�س لغتها الوطنية‬
‫باعتبارها �رشطا من �رشوط اكتمال بناء‬
‫الدولة الوطنية.‬
‫€€ يظهر �أن��ك مل ت�ستوعب ما قلته منذ‬
‫البداية. هل لديك �أو لدى الدعاة �إىل اعتماد‬
‫‪ Ý Ý‬كيف ميكن للف�صحى املح�صورة يف‬
‫الدارجة لغة وطنية، قناعة �أن هذه الق�ضية‬
‫فعل القراءة والكتابة فقط، �أن ت�سيطر‬
‫ت�ستحق �أن تتفرغ الدولة لالهتمام بها وجعلها‬
‫من �أوليات اهتمامها لأنها �رشط من �رشوط‬
‫على املغربية احلية واملتطورة دائما؟!‬
‫بنائها واكتمالها؟! قبل �أي �رشوع يف الإجابة‬
‫عن هذا ال�س�ؤال، هل ت�ضمن نتيجة هذه املغامرة € € �أوال، �أنا ال �أحتدث عن العربية الف�صحى‬
‫و�إمن��ا عن العربية املعربة. اللغة العربية‬
‫غري حم�سوبة العواقب؟‬
‫»الجمعة 22 نونبر 3102‬

‫»الـعـدد : 4315‬

‫»السنة : 61‬

‫11‬

‫مل‬
‫ي�سبق يل �أن و�صل‬
‫�إىل علمي، جناح جتربة من‬
‫التجارب التي دعت �إىل التخل�ص‬
‫من لغة قائمة الذات، وتبني لغة‬
‫حملية ما زالت مادة يف حكم اخلام،‬
‫وحتتاج �إىل البناء وحتقيق الرتاكمات‬
‫التاريخية حتى تقف على قدميها،‬
‫وتناف�س اللغة التي ت�سعى �إىل‬
‫�إزاحتها.‬

‫الف�صحى هي اللغة املكتوبة يف كتاب واحد، ال‬
‫يقر�ؤه الكثريون وال ي�ستعمله �أحد، وهذا الكتاب‬
‫هو "مقامات احلريري". هذا الكتاب هو وحده‬
‫ميثل اللغة الف�صحى. القر�آن لي�س لغة ف�صحى‬
‫لأن لغته يف متناول اجلميع، وال يحتاج �إىل‬
‫القوامي�س واملعاجم لفهم لغته.‬

‫‪ Ý Ý‬كيف حتققت الف�صحى يف مقامات‬
‫احلريري دون �سائر امل�ؤلفات التي‬
‫كتبت بالعربية؟‬
‫€ € �س�أو�ضح لك كيف حتققت الف�صحى يف‬
‫مقامات احل��ري��ري. ك��ان ه��دف احلريري‬
‫من ت�أليف مقاماته، هو تعليم قارئه املفردات‬
‫اخلا�صة كي تنجح يف الت�أليف وكتابة ال�شعر‬
‫وغ�يره، ومل يكن هدفه من املقامات الكتابة‬
‫الفنية. كان هدفه لغويا �رصفا، على العك�س‬
‫متاما من الهمداين الذي كان هدفه فنيا لأنه كتب‬
‫مقاماته لغاية فنية ال دخل للتعليم فيها.‬
‫‪ Ý Ý‬على العك�س، مقامات احلريري‬
‫نا�ضجة فنيا مقارنة مبقامات الهمداين.‬
‫€ € غري �صحيح. مقامات احلريري مكتوبة‬
‫بكلمات غري مفهومة ومرتوكة وال ي�ستعملها‬
‫�أي متكلم يف لغته. جرب �أن تقر�أ مقامات‬
‫احلريري، واخترب مدى قدرتك على ا�ستعمال‬
‫املفردات التي كتبها بها يف ما �ستكتبه وتوجهه‬
‫�إىل القراء ليقر�ؤوه ويفهموه دون حاجة �إىل‬
‫القوامي�س واملعاجم.‬

‫�إن لغة القر�آن تت�ضمن كلمات كثرية لي�ست ف�صيحة، كلمات‬
‫خا�صة به. �أريد يف هذه النقطة بالذات الوقوف عند م�س�ألة �إعجاز‬
‫القر�آن، لأقول �إن �إعجازه يتحقق يف كون لغته ال ت�شبه �أي لغة‬
‫عربية �أخرى. هنا �أ�شري باملنا�سبة �إىل كون ما �أطلق عليه القدامى‬
‫العربية الف�صيحة، ال يعدو �أن يكون لغة البدو التي مل تخالطها‬
‫لغة احل�ضر �أو املدينة‬
‫‪ Ý Ý‬قلتم �إن القر�آن نف�سه لي�س عربية‬
‫ف�صحى، كيف؟!‬
‫€ €بدليل �أن القر�آن يت�ضمن كلمات كثرية‬
‫لي�ست عربية ف�صيحة. ل��ن �أدخ���ل هنا يف‬
‫التفا�صيل التي حتتاج �إىل درا�سة م�ستقلة عما‬
‫نحن يف غمار اخلو�ض فيه، لكنني �س�أكتفي‬
‫بالقول �إن لغة القر�آن تت�ضمن كلمات كثرية‬
‫لي�ست ف�صيحة، كلمات خا�صة به. �أريد يف‬
‫هذه النقطة بالذات الوقوف عند م�س�ألة �إعجاز‬
‫القر�آن، لأقول �إن �إعجازه يتحقق يف كون‬
‫لغته ال ت�شبه �أي لغة عربية �أخرى. هنا �أ�شري‬
‫باملنا�سبة �إىل كون ما �أطلق عليه القدامى العربية‬
‫الف�صيحة، ال يعدو �أن يكون لغة البدو التي مل‬
‫تخالطها لغة احل�رض �أو املدينة، وال �أعتقد �أن‬
‫الف�صيح له عالقة بالتمجيد، على العك�س متاما،‬
‫ففي القرن الثاين والثالث للهجرة �صارت لغة‬
‫البدو تعترب لغة "الهمج".‬

‫نعم، القرآن ليس لغة فصحى‬

‫هذا الكالم ينايف كون رواة اللغة العربية‬
‫وعلمائها كانوا يقطعون الفيايف والأرا�ضي‬
‫القفار ليت�صلوا بالبدو وي�سمعوا منهم مبا�رشة‬
‫ودون و�سائط، العربية احلقيقية والنقية من‬
‫ف�ساد عربية �سكان املدن التي �أ�صابها النحل �أو‬
‫�آفة التطور واال�ستعمال اليومي، و�أظن �أننا مل‬
‫نبتعد عن مو�ضوعنا لأن ذلك النحل هو �أ�صل‬
‫العربية الأخ��رى التي �صارت دارج��ة �أو‬
‫عامية مقارنة بالعربية الف�صحى.‬

‫ق�ضية ت�أ�سي�س العربية الف�صحى كما و�صلتنا‬
‫لها عالقة بال�سيا�سة، لأن احلكام كانوا عربا‬
‫وخـ�ضعوا ملدة ق�صـرية، لنوع من االبتزاز‬
‫من طرف العـرب الأقحـاح الذين كـانـوا‬
‫يطالبـون بنـ�صـيبهم مـن موقع كون الدين‬
‫الإ�سـالمي دينهم واللغـة العـربية لغـتــهم،‬
‫و�أنهـم هـم من �أو�صلوا الأموييـن �إىل �سدة‬
‫احلكم، وعلى احلاكمني �أن يخ�ضعوا‬
‫ملـطالـب الـذين �أو�صلوهم �إىل �سدة‬
‫احلكم. �أظـن �أن ال غر�ض لنا بالدخـول‬
‫فـي هذه التفا�صـيل والـحيثيات التي لن‬
‫تفـيــدنا يف مو�ضـوعنا الذي نحـن ب�صـدد‬
‫درا�سـته.‬

‫‪ Ý Ý‬لنرتك هذا املو�ضوع ال�شائك‬
‫مل�ؤرخي اللغة العربية و�أ�سباب‬
‫م�شاكلها، ولنعد �إىل تو�صية‬
‫ن��دوة "�سبيل النجاح" التي دعا‬
‫فيها رجل التوا�صل، نبيل عيو�ش،‬
‫�إىل اعتماد الدارجة املغربية لغة‬
‫للتدري�س يف املدر�سة املغربية.‬
‫€ € ط��ي��ب، �أع���ود �إىل‬
‫م��و���ض��وع ح��وارن��ا‬
‫امل�شكل يا‬
‫لأق��ول �إن الذين‬
‫�سيدي، يتمثل يف امل�ستويات‬
‫خ����ا�����ض����وا يف‬
‫التي �ستلي ال�سنوات الأوىل من التعليم‬
‫م����و�����ض����وع‬
‫ال���ع���رب���ي���ة‬
‫االبتدائي، لأن الدعاة �إىل اعتماد الدارجة‬
‫وال���دارج���ة،‬
‫لغة للتدري�س، ال ي�ستوعبون �أنهم �سيدخلون‬
‫���س��ق��ط��وا يف‬
‫اخل���ل���ط ب�ين‬
‫الطفل يف متاهات ال قدرة له على العثور على‬
‫�شقني اث��ن�ين.‬
‫�سبيل النجاح يف اخلروج منها �ساملا‬
‫ه���ن���اك ال�����ش��ق‬
‫وغامنا.‬
‫التقني الرتبوي،‬
‫و�أق��ول يف هذا ال�شق‬
‫�إن ما يطالب به الدعاة‬
‫�إىل اعتماد اللغة الدارجة لغة‬
‫للتدري�س والكتابة، هو احلد الأدن��ى، وهذا‬
‫احل��د موجود ومتحقق، وحتى �إن مل يكن‬
‫موجودا فعلينا �أن نعمل على �إيجاده وحتقيقه‬
‫على �أر�ض الواقع.‬
‫‪ Ý Ý‬م��ا ه��و ه���ذا احل���د الأدن����ى ال��ذي‬
‫تتحدثون عنه الآن على م�ستوى‬
‫اعتماد التدري�س بالدارجة املغربية يف‬

‫املدر�سة املغربية عو�ض العربية؟‬
‫€ € ه��ذا احل��د الأدن��ـ��ى ه��و م��ا ي��دع��و �إليه‬
‫ال��راغ��ب��ون يف اعتماد اللغة ال��دارج��ة لغة‬
‫للتدري�س والكتابة، ويحددون مـجاله يف م�س�ألة‬
‫�ضمان حدوث التوا�صل، و�ضمان �سبيل جناح‬
‫الطفل ملا يلتحق باملدر�سة، يف حتقيق الفهم‬
‫واال�ستيعاب بلغته الأم. ملزيد من التو�ضيح‬
‫فاحلد الأدن���ى ال��ذي يطالب به ال��دع��اة �إىل‬
‫اعتماد الدارجة يف التدري�س، يتمثل ح�سب ما‬
‫يدعون �إليه، يف التحدث �إىل الطفل بلغته الأم‬
‫التي تربى على التحدث بها واكت�سب مهارات‬
‫فهمها وا�ستيعاب معانيها، يف مرحلة رو�ض‬
‫الأطفال وال�سنوات الثالث الأوىل من التعليم‬
‫االبتدائي. هذا امل�ستوى الذي هــو احلد الأدنى‬
‫ملا يطالبون به، �إما هـو موجــود ومتحقق‬
‫عمليا يف تدري�س الطفل ملا يلتحق باملدر�سة،‬
‫وال يحتاج �إىل تلك الدعوة التي ال حمل لها‬
‫مما هـو عليه الأمر الواقع يف العملية‬
‫التعليمـية باملــدر�سة املغربية، و�إما‬
‫�أنه غـري موجود وعلينا العمل على‬
‫�إيجاده وحتقيـقـه بامللمو�س حتى‬
‫جند حال لهذا امل�شـكل، ون�ضع نقطة‬
‫نهاية لدعوة اعتمـاد الدارجة التي‬
‫ال حتمد عواقبها عـلى مـ�ستــوى‬
‫قطع �صلة املغربي ب�إرثه الثقايف‬
‫العربي و�إجنازاته التي ال ميكن‬
‫ل��ل��دارج��ة �أن تعو�ضه وحتل‬
‫حمله.‬
‫‪Ý Ý‬ب��ال��ت��ايل �أي����ن يكمن‬
‫امل�شكل؟ وملاذا خرجتم من‬
‫مقبعكم لتعار�ضوا الدعوة‬
‫�إىل اع��ت��م��اد ال��دارج��ة‬
‫املغربية لغة للتدري�س؟‬
‫€ امل�������ش���ك���ل‬
‫€‬
‫ي���ا ���س��ي��دي، ي��ت��م��ث��ل يف‬
‫امل�ستويات ال��ت��ي �ستلي‬
‫ال�سنوات الأوىل من التعليم‬
‫االبتدائي، لأن الدعاة �إىل‬
‫اعتماد الدارجة لغة للتدري�س،‬
‫ال ي�ستوعبون �أنهم �سيدخلون الطفل‬
‫يف متاهات ال ق��درة له على العثور على‬
‫�سبيل النجاح يف اخلروج منها �ساملا وغامنا.‬
‫�أو�ضح �أكرث، �سيورط �أ�صحاب هذه الدعوة‬
‫الطفل يف متاهات �أننا نريد اعتماد الدارجة‬
‫لأنها لغة التوا�صل والفهم ال�رسيع، و�أننا ال‬
‫نحارب الف�صحى، و�إمنا ن�سعى �إىل �أن نخدم‬
‫اللغة التي يتوا�صل بها املغاربة، ونعمل على‬
‫�أن تكون لغتنا الوطنية اخلا�صة بنا، و�سننتج‬
‫بها �أدبا خا�صا بنا ومييزنا عما �سوانا من �شعوب‬
‫اجلوار الذين كانت جتمعنا بهم لغة مل تعد قادرة‬
‫على �ضمان التوا�صل والغاية املتـوخــاة منه.‬
‫هذا لن يتحقق �إال يف امل�ستقبل امل�ستحيل. تعدين‬
‫مب�ستقبل لغوي وردي، بينه وبني التحقق‬
‫على �أر�ض الواقع، ما بني الأر�ض والقمر.‬
‫لهذه الأ�سباب التي ذكرتها ف�أنا واقعي على هذا‬
‫امل�ستوى، ومل ي�سبق يل �أن و�صل �إىل علمي،‬
‫جناح جتربة من التجارب التي دعت �إىل‬
‫التخل�ص من لغة قائمة الذات، وتبني لغة‬
‫حملية ما زالت مادة يف حكم اخلام، وحتتاج‬
‫�إىل البناء وحتقيق الرتاكمات التاريخية حتى‬
‫تقف على قدميها، وتناف�س اللغة التي ت�سعى‬
‫�إىل �إزاحتها.‬

‫يتبع في عدد الغد‬
‫21‬

‫»السبت 32/ األحد 42 نونبر 3102‬

‫»الـعـدد : 5315‬

‫»السنة : 61‬

‫على سبيل االستهالل الالبد منه‬

‫و�ص��لنا �إىل املرحل��ة الرابع��ة من حديث الكب�ير عبد اهلل العروي يف امل�س���ألة‬
‫اللغوية، وو�ص��ل �إلينا �ص��دى النا�س وانتظارهم ملا قاله الأ�س��تاذ، مثلما و�ص��لت‬
‫�إلينا نقا�ش��ات املغاربة �إن يف ال�ش��ارع �أو يف منتديات التوا�ص��ل االجتماعي وهم‬
‫يقبل��ون على احل��وار ككل، ويعتربونه حدث ال�س��اعة الثقايف، ويعربون كل من‬
‫وجهة نظره عن موقفه من الذي يقال ويكتب الآن.‬
‫هذا النقا�ش هو ما�سعينا �إليه ونحن نفتح الأذرع والأح�ضان للدرر الثمينة التي‬
‫قاله��ا الأ�س��تاذ لإح�سا�س��نا �أن املغاربة ينتظ��رون مثل هذا النوع م��ن املحاورة،‬
‫ولإمياننا �أن ال�ص��حافة عليها �أن ترتقي بالفعل يف ممار�ستها اليوم من التناف�س‬
‫ح��ول من �س��ينزل �إىل احل�ض��ي�ض �أك�ثر، لكي ت�أخ��ذ الطريق املعاك�س، وت�س��لك‬
‫الوجهة الأخرى، وجهة من ي�ستطيع �أن ي�صعد بالنا�س �إىل �أعلى.‬
‫يف احللق��ات ال�س��ابقة م��ن املح��اورة اللغوية مع الكب�ير العروي تف��رع النقا�ش‬
‫�إىل احلدي��ث عن الدارجة و�إمكانيات اال�س��تعمال احلقيقية له��ا يف التدري�س،‬
‫مثلما مررنا من لغة القر�آن ومدى ف�ص��احتها، و�أعطى الأ�س��تاذ الربهان على �أن‬
‫ماينتظ��ر الأمة اليوم هو احلفاظ عل��ى ثقافتها ال فقط على لغتها و�أن الرهان‬
‫هو رهان تخلف فكري و�ضرورة التخل�ص منه، مثلما انتقلنا يف املحاورة املمتعة‬
‫م��ع رجل م��ن حجم العروي �إىل �أ�ص��حاب الدعوة اخلا�ص��ة بتدري�س الدارجة،‬
‫وم�ساءلتهم عن الإمكانية الفعلية واحلقة لذلك.‬
‫انتقل بنا �أ�س��تاذنا �أي�ضا �إىل النماذج ال�س��ابقة يف جمال التدريج، وفتح القو�س‬
‫عاليا عن �ض��رورة االنت�س��اب للع�ص��ر اللغوي الذي نحن فيه، ويف اجلزء الرابع‬
‫الذي ين�شر اليوم، مثلما يف اجلزء اخلام�س والأخري الذي �سين�شر يوم الإثنني‬
‫املقب��ل، تتوا�ص��ل عملي��ة التلخي���ص لأهم ماقي��ل يف احلوار، وتتوا�ص��ل عملية‬
‫التن�ص��ي�ص على �ض��رورة �أن يتوا�ص��ل النقا�ش و�أن يتحدث �أه��ل العلم واخلربة‬
‫فيه لأنه ح�س��ا�س ويعني كل املغاربة ويعني م�س��تقبلهم، ويعني كل ما�س��يقع يف‬
‫بلدهم الحقا.‬
‫لنوا�ص��ل اال�س��تماع ولنقب�ض على حلظة املتعة املعرفية هات��ه بكل قوانا، فهي‬
‫الدليل على �أن املغرب �سيظل قادرا من خالل �أبنائه الكبار على �أن ي�سمع �صوته‬
‫يف اللحظات احلا�سمة. لنتابع‬

‫4‬

‫�أرف�ض االجتاه الذي ي�سعى �إىل �أن‬
‫ت�صري ثقافة املغاربة ثقافة فلكلورية‬

‫كالم البد منه:‬
‫�س��ررنا كثري ال�س��رور ب��ردود الأفعال التي عرب عنها ع��دد كبري من القراء‬
‫املحرتمني، وجاءتنا االت�صاالت الهاتفية الداعية �إىل جعل حلظة حوار‬
‫العروي �أو حماورته حلظة لدعوة املغاربة ومثقفيهم على وجه اخل�صو�ص‬
‫من �أجل االلتحاق بهذا النقا�ش و�إ�شباعه بحثا وحتليال لكي نعطي الدليل‬
‫جميع��ا عل��ى �أننا نعرف م��دى ح�سا�س��ية اللحظة، ومدى �ض��رورة �أن نقول‬
‫ال��ر�أي فيها بكل و�ض��وح وبكل اخت�لاف وبكل ود جميل يت�س��ع لكل املغرب‬
‫الذي نحن فيه والذي يت�سع لكل تناق�ضاتنا مهما بدت لنا كبرية.‬
‫حاوره : المختار لغزيوي/ جمال زايد‬

‫المدرسة مجال مضبوط لالنتقال من الشفوي إلى الكتابي‬

‫تصوير : محمد وراق‬

‫‪ Ý Ý‬يظهر من كالمكم �إىل حد الآن، �أنكم‬
‫ال تعار�ضون التدري�س بالدارجة، لأن‬
‫ذلك التدري�س �أمر واقع يف ال�سنوات‬
‫‪ Ý Ý‬لنتمهل قليال عند مثال الأ�ستاذ‬
‫الأوىل من االبتدائي، ولكنكم تتحفظون‬
‫البي�ضاوي الذي عينته الوزارة‬
‫وتعار�ضون تر�سيم الأمر حتى ال حتدث‬
‫يف مدر�سة ابتدائية ب�شف�شاون،‬
‫القطيعة مع الإرث الثقايف العربي، هل‬
‫وننطلق منه لنقف و�إياكم على‬
‫هناك موانع �أخرى ترونها وجيهة يف‬
‫امل�شاكل التي ي�ستدعيها التدري�س‬
‫الرد على الدعاة �إىل ذلك الرت�سيم؟‬
‫بالدارجة واعتمادها بالتايل لغة‬
‫للكتابة، ما هي هذه امل�شاكل؟‬
‫€ € طبعا هناك موانع �أخرى، و�أكتفي مبثال‬
‫ب�سيط ولكنه دال. ه�ؤالء الذين يدعون �إىل € € لن �أدخ��ل مرة �أخ��رى يف التفا�صيل،‬
‫التدري�س بالدارجة، يرف�ضون ا�ست�رشاف‬
‫م��ا ينتظر ه��ذه امل��غ��ام��رة م��ن م�شاكل على‬
‫�أر�ض الواقع. تخيل معي، �أنا �أ�ستاذ التعليم‬
‫االبتدائي قادم من الدار البي�ضاء و�أتقن التحدث‬
‫بالدارجة البي�ضاوية و�أجهل التحدث ب�أي‬
‫دارجة �أخرى، عينتني ال��وزارة يف مدر�سة‬
‫ابتدائية مبدينة �شف�شاون. التحقت مبوقع‬
‫تعييني، وفوجئت منذ و�صويل بكون �أهل‬
‫هذه املدينة يتحدثون بدارجة �أجد �صعوبات‬
‫كبرية يف ا�ستيعاب طريقة نطقها وكلماتها‬
‫وكذا تراكيبها. هذا م�شكل كبري �سيواجهني‬
‫يف التوا�صل مع تالمذتي، هل �أحتدث �إليهم‬
‫بالدارجة البي�ضاوية التي �أتقن التحدث بها؟‬
‫لن يفهموين، �إذن علي �أن �أتعلم التحدث‬
‫بلهجتهم حتى �أ�ضمن جناح التوا�صل. �سينقلب‬
‫الدور، و�س�أ�ضطر �إىل تعلم دارجة �شف�شاون‬
‫من تالمذتي! �سي�صري التلميذ ال�شف�شاوين معلما!‬
‫و�سينقلب املعلم البي�ضاوي �إىل متعلم! �إذا كان‬
‫هذا الو�ضع هو ما ي�سعى �إليه املطالبون باعتماد‬
‫الدارجة يف املدر�سة املغربية، فهذه املدر�سة لن‬
‫ت�صلح لأي �شيء! هذا ما قاله �صاحبنا القذايف‬
‫"التعليم بيتي"، وال حاجة لنا مب�ؤ�س�سة املدر�سة‬
‫مبا �أن الأم �ستقوم باملهمة الرتبوية والتعليمية،‬
‫و�ست�صلح �ش�أن �أبنائها وبناتها. انتبه، ف�أنا مل‬
‫�أبتعد هنا عن مو�ضوعنا ال�شائك، و�أنوب عن‬
‫الدعاة �إىل التدري�س بالدارجة، لأجعلهم يقفون‬
‫على منطق ما يدعون �إليه. �إذا اعتمدنا الدارجة‬
‫يف التدري�س وتعليم الطفل فال حاجة باملدر�سة،‬
‫لأن البيت ميكن �أن يقوم بهذه املهمة �أح�سن‬
‫قيام، مبا �أن اللغة املعتمدة هي لغة البيت،‬
‫و�إال ف�إن املدر�سة �ستناف�س البيت يف مهمته‬
‫الرتبوية والتعليمية.‬

‫اعتماد الدارجة حط وتبخيس من قيمة المغرب والمغاربة‬
‫عليك أن تعثر على سيبويه جديد قادر على دراسة الدارجة‬
‫م�شكل‬
‫اللغة العربية �أنها لي�ست‬
‫�أبجدية و�إمنا ن�صف �أبجدية. لي�س‬
‫هذا عيبا فيها و�إمنا هي خ�صو�صية جتعلها‬
‫لغة يكت�سبها املتكلم بها على �شقني، ال�شق‬
‫الأول يتعلق بتعلم احلروف، ثم تعلم احلركات‬
‫التي حترك تلك احلروف، لي�صري النطق‬
‫�أو القراءة عبارة عن حتريك ذلك‬
‫اجل�سم الذي هو، مثال، «كتب» �أو‬
‫«كتاب».‬
‫و�أكتفي مبثال تاريخي يكفي يف نظري،‬
‫للوقوف على امل�شاكل التي ي�ستدعيها التدري�س‬
‫بالدارجة وكتابة هذه اللغة ال�شفوية. �أ�ستدعي‬
‫لهذا الغر�ض لوبنياك الذي �ألف م�ؤلفا �ضخما‬
‫ح��ول دارج���ة منطقة زع�ير ع��ام 5491،‬
‫و�أتوجه �إىل كل من يتقن التحدث بهذه اللغة،‬
‫و�أقرتح عليه قراءة تلك الدارجة التي ا�شتغل‬
‫عليها لوبنياك، ليقف على �أنها ال عالقة لها‬
‫بالعربية الدارجة التي يتحدث بها �أهل زعري‬
‫الآن. �أورد هذا املعطى التاريخي لأ�صل �إىل‬
‫اخلال�صة التي تعنينا يف مو�ضوعنا، لأننا �إذا‬
‫كتبنا الدارجة وانتقلنا بها من م�ستوى اللغة‬
‫ال�شفوية �إىل م�ستوى اللغة املكتوبة، �سنقوم‬
‫بتجميدها يف املكتوب، و�سنجعلها تنف�صل عن‬
‫ال��دارج��ة اليومية التي يتحدث بها النا�س،‬
‫وتتوقف بالتايل عن م�سايرة جمريات ذلك‬
‫التحدث اليومي وما يراكمه من تطورات‬
‫وحتوالت تطر�أ على اللغة ال�شفوية غري املقيدة‬
‫بقيد الكتابة، لنجد �أنف�سنا بعد خم�سني �سنة �أمام‬
‫نف�س امل�شكل الذي تعاين منه العربية من حيث‬
‫هي لغة مكتوبة. �أعود هنا �إىل قراءة القر�آن‬
‫جهرا، و�أ�ستح�رض ما قاله ابن خلدون حول‬
‫��ضرورة �أن يردد الأطفال تلك القراءة يف‬
‫الكتاتيب، وال يهم �أنهم ال يفهمون ما يرددونه‬
‫ب�صوت مرتفع، لأن الغاية من تلك القراءة‬
‫هي ت�صويب النطق و�ضبط �سالمة خمارج‬
‫احلروف كما يف التمرن على �أداء الغناء.‬

‫‪ Ý Ý‬ما عالقة هذا الكالم بالو�ضع‬
‫احل��ايل للغة العربية والدعوة �إىل‬
‫تعوي�ضها بالدارجة؟‬
‫€ € لأجيب عن �س�ؤالك �س�أ�ضطر �إىل‬
‫االبتعاد قليال عما تطلب مني. م�شكل‬
‫اللغة العربية �أنها لي�ست �أبجدية و�إمنا‬
‫ن�صف �أبجدية. لي�س هذا عيبا فيها‬
‫و�إمنا هي خ�صو�صية جتعلها لغة يكت�سبها‬
‫املتكلم بها على �شقني، ال�شق الأول‬
‫يتعلق بتعلم احلروف، ثم تعلم احلركات‬
‫التي حترك تلك احلروف، لي�صري النطق‬
‫�أو القراءة عبارة عن حتريك ذلك اجل�سم الذي‬
‫هو، مثال، «كتب» �أو «كتاب». بناء على‬
‫هذه اخل�صو�صية، �إذا تعلمت احل��روف ومل‬
‫تتعلم احلركات التي حترك تلك احلروف،‬
‫لن تنجح يف عملية القراءة التي تتطلب منك‬
‫حتريك تلك احلروف ح�سب املطلوب يف كل‬
‫كلمة. من هنا يجد الأجانب عن اللغة العربية‬
‫�صعوبة يف قراءة الكلمات العربية، لأنهم قد‬
‫ي�ضبطون احلروف ولكنهم يفتقدون احلركات‬
‫التي حترك تلك احلروف حتى يح�صل املراد‬
‫من فعل القراءة. �أ�ضيف �إىل هذه اخل�صو�صية‬
‫م�س�ألة ال�رصف والتحكم يف العبارات مبيزان‬
‫ذل��ك ال�رصف. �س�أقدم �أمثلة ت�شخ�ص هذه‬
‫امل�س�ألة، و�أقول "فعل" و"ا�ستفعل" و"تفاعل"‬
‫و"افتعل" و"انفعل". ن�صري هنا ك�أننا �أمام‬
‫قواعد مو�سيقية وعليك �أن ت�ستوعبها وت�ضبطها‬
‫وتتحكم يف ا�ستعمالها، حتى ت�صري قواعد‬
‫مكت�سبة ذهنيا. �إذا حدث هذا، وا�ستح�رضنا تعلم‬
‫احلروف واحلركات، ميكنك �أن تنجز فعل‬
‫القراءة والكتابة دون م�شاكل.‬

‫‪� Ý Ý‬أال ترون �أن هذا هو م�شكل اللغة‬
‫العربية و�سبب �أزمتها باعتبارها لغة‬
‫معقدة وحروفها ال تعد وال حت�صى؟‬
‫€ € على العك�س، و�أمهلني �إىل �أن �أنهي‬
‫كالمي. تلك القواعد هي اخلطاطات التي‬
‫ينبغي تعلمها و�ضبطها وا�ستيعابها ذهنيا، و�إذا‬
‫ا�ستوعب املتكلم تلك اخلطاطات عرب القواعد،‬
‫يعني بالأجرومية، و�أ�ضاف �إليها احلركات‬

‫التي حترك احلروف، ت�صري هي �سبب القراءة‬
‫دون ال�سقوط يف ارتكاب الأخطاء. ميكن �أن‬
‫جتري جتربة ملمو�سة لتقف على ما قلت، من‬
‫خالل القيام بتعليم طفل �أول كتابة اللغة العربية‬
‫بحروف عربية، وتعليم طفل ثان كتابة تلك‬
‫اللغة بحروف التينية. من �سيكون �أ�رسع؟‬

‫‪ Ý‬‫الطفل الثاين �سيكـون �أ�سـرع يف‬
‫‪Ý‬‬
‫ق��راءة الكلمات العربية لأنه لن يهدر‬
‫الوقت يف التفكري يف حركات احلروف‬
‫قبل القراءة؟‬
‫€ €هذا يف ال�سنة الأوىل فقط، لأن الطفل‬
‫الثاين �سيقر�أ احلروف الالتينية ب�سهولة. �أما �إذا‬
‫علمت الطفل الأول تلك اخلطاطات يف ال�سنة‬
‫الثانية، و�سهرت على �أن ي�ستوعبها وي�ضبط‬
‫قواعدها، ف�سيتفوق على الطفل الثاين يف ال�سنة‬
‫الثالثة من تعلمهما للغة العربية، و�سيكون‬
‫�أ�رسع يف القراءة والفهم. �أريد هنا �أن �أقف عند‬
‫الذين خدموا اللغة العربية وقعدوا لها، وهم‬
‫يف غالبهم لي�سوا عربا، و�إمنا من بالد فار�س‬
‫وغريها. �سيبويه لي�س عربيا، وخدم اللغة‬
‫العربية.‬
‫‪ Ý Ý‬فعلتم ح�سنا و�أنتم تثريون �شكل‬
‫اللغة العربية، لأن هذا ال�شكل هو �سبب‬
‫�أزمتها، خا�صة على م�ستوى قراءة‬
‫الطفل للكلمات مبا �أن��ه ي�صري مطالبا‬
‫بفهم حركات حروف تلك الكلمات قبل‬
‫قراءتها، ثم يقوم بقراءتها �إن هو جنح‬
‫يف املهمة، لينتقل �إىل فهم معانيها، �أال‬
‫ترون �أنها عملية معقدة؟‬
‫€ € �أنت ال تريد �أن تفهم ما �أقول، ومتيل �إىل‬
‫النقا�ش الفارغ. �أعود يا �سيدي، �إىل احلديث‬
‫عن الدارجة التي تريدون تدري�س الطفل‬
‫بها، ولنفر�ض �أنها دارجة واحدة وم�ستقرة‬
‫و�ستحافظ على ا�ستقرارها مل��دة طويلة قد‬
‫ت�ستغرق ع�رشين �أو ثالثني �سنة. كل هذا غري‬
‫م�ؤكد وغري م�ضمون، ومع ذلك �أ�سايرك يف‬
‫االنتقال بها �إىل م�ستوى الكتابة، و�ستكتبها‬
‫»السبت 32/ األحد 42 نونبر 3102‬

‫»الـعـدد : 5315‬

‫31‬

‫»السنة : 61‬

‫املدر�سة ال عالقة لها بال�شفوي والتعبري العفوي‬
‫والتلقائي كما يف لغة التوا�صل اليومي يف البيت‬
‫وال�شارع. املدر�سة جمال م�ضبوط لالنتقال‬
‫من ال�شفوي �إىل الكتابي، وال �أتفق مع الذين‬
‫يدعون �أن الكتابي مات ووىل زمانه مع‬
‫الأنرتنت وهيمنة ال�صورة.‬

‫(�أر�شيف )‬

‫ب��ح��روف عربية، لكنك �ستالقي �صعوبة‬
‫كبرية يف قراءتها، لأنها ال تتوفر على تلك‬
‫اخلطاطات التي ذكرتها، وعليك �أن تعرث‬
‫على �سيبويه جديد قادر على درا�سة الدارجة،‬
‫والتنقيب فيها ملعرفة هل تتوفر على خطاطات‬
‫كتلك التي تتوفر عليها العربية. �أما �إذا مل تكن‬
‫تتوفر على تلك اخلطاطات، فعليك �أن تنتقل‬
‫�إىل اختيار كتابتها بحروف التينية، وعليك‬
‫�أن تبدع حروفا جديدة قادرة على كتابة جميع‬
‫�أ�صوات الدارجة اخلا�صة بها. �إذا قمت بهذه‬
‫العملية ف�ستقطع �صلة الدارجة بالف�صحى،‬
‫وبالتايل ال تدعي ب�أنك �ستحافظ على الف�صحى‬
‫�إىل جانب الدارجة، لأنك اخرتت لغة �أخرى‬
‫غري العربية، وكتبتها بحروف �أخرى غري‬
‫حروف العربية، �ستخلق جيال جديدا منف�صال‬
‫متاما عن العربية وثقافتها وما تزخر به من‬
‫كنوز �ستحرمه من االطالع عليها.‬

‫‪ ‬ Ý‬وماذا لو كتبنا الدارجة كما تنطق؟‬
‫‪Ý‬‬
‫€ €‫‬ خذ ال�صفحة ال�ساخرة بجريدة «الأحداث‬
‫امل����غ����رب����ي����ة»،‬
‫واقر�أها.‬

‫‪Ý Ý‬‫‬ دارجة ال�ساخرة مكتوبة بالطريقة‬
‫نف�سها التي تكتب بها العربية، �أنا �أقرتح‬
‫مثال، كتابة كلمة "الداريجا" ولي�س‬
‫االنتماء‬
‫"الدارجة".‬
‫�إىل املغرب وثقافته‬
‫€ €‫‬ يظهر �أنك تبحث عن عمل �إ�ضايف‬
‫وت�سعى �إىل خلق متاعب جديدة ال‬
‫ال�شفوية �شيء، واالنتماء �إىل‬
‫حاجة لنا بها، ولن ن�ستفيد منها،‬
‫املوروث الثقايف العربي �شيء �آخر. �أكرث من‬
‫و�سنثقل كاهل اللغويني ب�أمر لن‬
‫يفيدنا يف حتقيق التقدم املرغوب،‬
‫ذلك ف�أنا �أرى �أن االنتماء �إىل املغرب ال يتعار�ض‬
‫و�إمن����ا ���س�نره��ن ب��ه م�ستقبلنا‬
‫�أ�صال مع االنتماء، لي�س �إىل املجموعة العربية �أو‬
‫ون�ضيف عبئا اقت�صاديا �إىل باقي‬
‫�أعبائنا الأخ���رى والنتيجة يف‬
‫ال�شعوب العربية، و�إمنا ثقافة اجلاحظ وابن‬
‫الأخ�ير غري م�ضمونة. زيادة‬
‫خلدون و�ألف ليلة وليلة. هذا املوقف‬
‫على االنف�صال عن الثقافة العربية‬
‫وموروثها، هل �سترتجم يل مقدمة‬
‫خل�صته يف �أربع �صفحات �ضمن كتابي‬
‫ابن خلدون �إىل الدارجة لأقر�أها؟!‬
‫‪ Ý Ý‬ي�ستخل�ص من كالمكم �أنكم‬
‫تناه�ضون اعتماد الدارجة يف التعليم،‬
‫وتعار�ضون االرتقاء بها �إىل م�ستوى‬
‫الكتابة، وتف�ضلون �أن تظل لغة‬
‫التوا�صل يف البيت وال�شارع.‬
‫€ € خل�����ص لزميلك‬
‫م��ا قلته م��ن��ذ ان��ط�لاق‬
‫احل�����وار ح��ت��ى يفهم‬
‫م��وق��ف��ي م��ن م�س�ألة‬
‫ت��دري�����س ال��دارج��ة.‬
‫لنرتك الهزل جانبا،‬
‫امل���و����ض���وع ج��دي‬
‫ويتعلق مب�ستقبل‬
‫�شعب، و�أعيد من‬
‫باب التلخي�ص،‬
‫ن‬
‫�أ‬
‫امل��ط��ل��وب‬

‫«ديوان ال�سيا�سة».‬

‫منا هو �أال نخلط بني ال�شفوي الذي‬
‫املطلوب‬
‫ل��ه جم��ال��ه، وب�ين املكتوب ال��ذي‬
‫منا هو �أال نخلط بني‬
‫له جماله، وال اع�ترا���ض على‬
‫ا�ستعمال الدارجة �أو الدارجات‬
‫ال�شفوي الذي له جماله، وبني املكتوب‬
‫يف ال�����س��ن��وات الأوىل من‬
‫التعليم، على �أ�سا�س �أن امل�س�ألة‬
‫الذي له جماله، وال اعرتا�ض على ا�ستعمال‬
‫تربوية وتتعلق بتي�سري طرق‬
‫الدارجة �أو الدارجات يف ال�سنوات الأوىل من‬
‫تدري�س الطفل حتى ينجح يف‬
‫اال�ستيعاب ويح�صل املرجو‬
‫التعليم، على �أ�سا�س �أن امل�س�ألة تربوية وتتعلق‬
‫من العملية الرتبوية. �أظن‬
‫بتي�سري طرق تدري�س الطفل حتى ينجح يف‬
‫�أن ه��ذا امل�ستوى موجود يف‬
‫املدر�سة املغربية، و�إن مل يكن‬
‫اال�ستيعاب ويح�صل املرجو من العملية‬
‫موجودا فعلينا �إيجاده وحتقيقه.‬
‫الرتبوية.‬
‫�أما م�س�ألة الكتابة بالدارجة واالنتقال‬
‫بها �إىل م�ستوى الت�أليف الأدب���ي‬
‫والعلمي، ف�أظن �أن ذلك الت�أليف لي�س‬
‫جمال الدارجة، لأن جمالها حم��دود، وهو‬
‫الغناء ال�شعبي والفكاهة واحلوارات يف ال�سينما‬
‫والأعمال التلفزيونية، وهذا هو احلا�صل،‬
‫و�أغلب امل�ستجوبني يف التلفزيون واملحطات‬
‫الإذاعية، يتحدثون بلغة و�سطى بني الدارجة‬
‫والـعربية. كل هذا ال عالقة له باملكتوب،‬
‫واملدر�سة ال عالقة لها بال�شفوي والتعبري‬
‫العفوي والتلقائي كما يف لغة التوا�صل اليومي‬
‫يف البيت وال�شارع. املدر�سة جمال م�ضبوط‬
‫لالنتقال من ال�شفوي �إىل الكتابي، وال �أتفق‬
‫مع الذين يدعون �أن الكتابي مات ووىل زمانه‬
‫مع الأنرتنيت وهيمنة ال�صورة. هذا �أمر غري‬
‫�صحيح، لأن الكتابي ما زال م�ستمرا وفاعال يف‬
‫الأنرتنيت، و�إمنا احلامل هو الذي تغري وانتقل‬
‫من ال�صفحة �إىل ال�شا�شة. ما علينا، فما �أرف�ضه‬
‫ورفـ�ضته منـذ زمان بعيد هو �أن نح�رص ثقافة‬
‫املغاربة يف ال�شفوي ويف الفلكلور. �أرف�ض هذا‬
‫االجتاه الذي ي�سعى �إىل �أن ت�صري ثقافة املغاربة‬
‫ثقافـة فلكلورية. هذا حط وتبخي�س من قيمة‬
‫املغرب واملغاربة، لأن االنتماء �إىل املغرب‬
‫وثقافته ال�شفوية �شيء، واالنتماء �إىل املوروث‬
‫الثـقايف العربي �شيء �آخر. �أكرث من ذلك ف�أنا‬
‫�أرى �أن االنتماء �إىل املغرب ال يتعار�ض �أ�صال‬
‫مع االنتماء، لي�س �إىل املجموعة العربية �أو‬
‫ال�شعوب العربية، و�إمنا ثقافة اجلاحظ وابن‬
‫خلدون و�ألف ليلة وليلة. هذا املوقف خل�صته‬
‫يف �أرب���ع �صفحات �ضـمن كتابي «دي��وان‬
‫ال�سيا�سة».‬

‫‪Ý Ý‬‫‬ ماذا كتبتم يف «ديوان ال�سيا�سة»؟‬
‫€ € �س�أقر�أ عليك مقـطعا مبا �أن��ك مل تقر�أ‬

‫الكتاب "بعد اال�ستقالل دعا بع�ض املثقفني‬
‫املفرن�سني �إىل اعتماد ال��دارج��ة لغة للتعبري‬
‫الأدبي. كانوا يدعون �إىل ذلك وال يطـبقــونه‬
‫�أبدا". �أ�شري هنا �إىل جملة "�أنفـا�س" خا�صة يف‬
‫ن�سـختـها الـفرن�سية، لكنهم مل ي�سبق �أن مروا‬
‫�إىل الفعل، واكتفوا بالدفــاع عن تلك الفـكرة‬
‫دون تـطبيقها. "ظلت الدارجة ت�ستعمل، كما‬
‫كانت دائما، يف الفنون املحكية: الأغنية،‬
‫الكالم امل��وزون، امل�رسح الهزيل، اعتمدت‬
‫يف الإذاعة ثم يف التلفزة، وكذلك لأغرا�ض‬
‫تربوية �سيما يف حماربة الأمية، لكن مل يحاول‬
‫�أحد من �أن�صار الدارجة عندنا ما حاوله �سعيد‬
‫عقل يف لبنان �أو حممود تيمور يف م�رص. ما‬
‫تفر�ضه املمار�سة احلالية مدعومة كما قـلت‬
‫�آنفا، بالتقنيات احلديثة، هو اعتماد الدارجــة‬
‫يف كل ما هو �شفاهي مهما تكن الو�سيلة،‬
‫ومـهما يكن املـقام (ال�شارع، البيت، الربملان،‬
‫املدر�سة، املعمل…)، واعتمـاد الفـ�صـحى‬
‫فيما هو فكري، فح�صي، ت�أملي، رمزي،‬
‫�أك��ان �أدب��ا �أو فـلـ�سفة �أو علما �أو تقنية…‬
‫وبـ�سبب اال�شـرتاك يف احلرف، �إن الفـرق‬
‫بني اللـغـتني يزيد �أو ينق�ص. عندما تر�سم‬
‫الدارجة ف�إنها تفــ�صح بال�رضورة. كل قارئ‬
‫ّ‬
‫ي�ســتطـيع �أن يجرب ذلك بنف�سه. وعندما‬
‫تقر�أ الف�صحى جهرا، عندما يحول احلرف‬
‫�إىل �صوت، ف�إنها تقرتب حتما بالدارجة،‬
‫�إذ حتذف �أو تختزل احلركات. لوال ذلك ملا‬
‫�أدركنا يف احلني �أن املتكلم بالف�صحى م�رصي‬
‫�أو خليجي �أو تون�سي �أو مغربي. ي�شارك‬
‫بع�ض �أن�صار الدارجة دعاة الأمازيغية القول‬
‫�إن الغر�ض لي�س ثقافيا وح�سب، بل هـو‬
‫اجتماعي و�سيا�سي، �إذ يرمي �إىل ردم الهوة‬
‫بني الطبقات، حمو الأمية، التخفيف من ثقل‬
‫ال�تراث الكال�سيـكي امل�شـبع بالقيم العتيقة،‬
‫عرقلة ت�أثري الف�ضائيات الظالمية. الهـدف‬
‫نبيل. �إال �أنه قد يتحقق بطريق غـري تر�سيـم‬
‫الدارجـة مع ما يتـبع ذلك من �سلبيات ذكرناها‬
‫يف حق الأمازيغية. قـد يتحقق بـ«تعميم‬
‫الف�صحى»، وهذا التعميم، �إذا ح�صل بالفعل،‬
‫قد يتطور �إىل حد �أن تتميز الفـ�صـحى املـغربية‬
‫عـن غريها تـميـز الإجنـليزية الهـندية عن‬
‫الإجنـليزية الإجنليزية. والعملية هذه ليـ�سـت‬
‫�أكـرث �صـعـوبة من التي يدعونا �إليـها �أن�صار‬
‫الدارجة لو كانوا �صـادقني.‬

‫يتبع في عدد اإلثنين‬
‫01‬

‫»اإلثنين 52 نونبر 3102‬

‫»الـعـدد : 6315‬

‫»السنة : 61‬

‫على سبيل االستهالل الالبد منه‬

‫و�صلنا �إىل املرحلة اخلام�سة والأخرية من حديث الكبري عبد اهلل العروي يف‬
‫امل�س���ألة اللغوية، وو�ص��ل �إلينا �ص��دى النا�س وانتظارهم ملا قاله الأ�ستاذ، مثلما‬
‫و�صلت �إلينا نقا�شات املغاربة �إن يف ال�شارع �أو يف منتديات التوا�صل االجتماعي‬
‫وهم يقبلون على احلوار ككل، ويعتربونه حدث ال�س��اعة الثقايف، ويعربون كل‬
‫من وجهة نظره عن موقفهم من الذي يقال ويكتب الآن.‬
‫هذا النقا�ش هو ما�سعينا �إليه ونحن نفتح الأذرع والأح�ضان للدرر الثمينة التي‬
‫قاله��ا الأ�س��تاذ لإح�سا�س��نا �أن املغاربة ينتظ��رون مثل هذا النوع م��ن املحاورة،‬
‫ولإمياننا �أن ال�ص��حافة عليها �أن ترتقي بالفعل يف ممار�ستها اليوم من التناف�س‬
‫ح��ول من �س��ينزل �إىل احل�ض��ي�ض �أك�ثر، لكي ت�أخ��ذ الطريق املعاك�س، وت�س��لك‬
‫الوجهة الأخرى، وجهة من ي�ستطيع �أن ي�صعد بالنا�س �إىل �أعلى.‬
‫يف احللق��ات ال�س��ابقة م��ن املح��اورة اللغوية مع الكب�ير العروي تف��رع النقا�ش‬
‫�إىل احلدي��ث عن الدارجة و�إمكانيات اال�س��تعمال احلقيقية له��ا يف التدري�س،‬
‫مثلما مررنا من لغة القر�آن ومدى ف�ص��احتها، و�أعطى الأ�س��تاذ الربهان على �أن‬
‫ماينتظ��ر الأمة اليوم هو احلفاظ عل��ى ثقافتها ال فقط على لغتها و�أن الرهان‬
‫هو رهان تخلف فكري و�ضرورة التخل�ص منه، مثلما انتقلنا يف املحاورة املمتعة‬
‫م��ع رجل م��ن حجم العروي �إىل �أ�ص��حاب الدعوة اخلا�ص��ة بتدري�س الدارجة،‬
‫وم�ساءلتهم عن الإمكانية الفعلية واحلقة لذلك.‬
‫انتقل بنا �أ�س��تاذنا �أي�ضا �إىل النماذج ال�س��ابقة يف جمال التدريج، وفتح القو�س‬
‫عاليا عن �ضرورة االنت�ساب للع�صر اللغوي الذي نحن فيه، و يف اجلزء اخلام�س‬
‫والأخري الذي ين�ش��ر يومه الإثنني ، تتوا�ص��ل عملي��ة التلخي�ص لأهم ماقيل‬
‫يف احل��وار، وتتوا�ص��ل عملي��ة التن�ص��ي�ص عل��ى �ض��رورة �أن يتوا�ص��ل النقا���ش‬
‫و�أن يتح��دث �أه��ل العل��م واخلربة فيه لأنه ح�س��ا�س ويعن��ي كل املغاربة ويعني‬
‫م�ستقبلهم، ويعني كل ما�سيقع يف بلدهم الحقا.‬
‫لنوا�ص��ل اال�س��تماع ولنقب�ض على حلظة املتعة املعرفية هات��ه بكل قوانا، فهي‬
‫الدليل على �أن املغرب �سيظل قادرا من خالل �أبنائه الكبار على �أن ي�سمع �صوته‬
‫يف اللحظات احلا�سمة. لنتابع‬

‫كالم البد منه:‬
‫�س��ررنا كثري ال�س��رور ب��ردود الأفعال التي عرب عنها ع��دد كبري من القراء‬
‫املحرتمني، وجاءتنا االت�صاالت الهاتفية الداعية �إىل جعل حلظة حوار‬
‫العروي �أو حماورته حلظة لدعوة املغاربة ومثقفيهم على وجه اخل�صو�ص‬
‫من �أجل االلتحاق بهذا النقا�ش و�إ�شباعه بحثا وحتليال لكي نعطي الدليل‬
‫جميع��ا عل��ى �أننا نعرف م��دى ح�سا�س��ية اللحظة، ومدى �ض��رورة �أن نقول‬
‫ال��ر�أي فيها بكل و�ض��وح وبكل اخت�لاف وبكل ود جميل يت�س��ع لكل املغرب‬
‫الذي نحن فيه والذي يت�سع لكل تناق�ضاتنا مهما بدت لنا كبرية.‬
‫حاوره : المختار لغزيوي/ جمال زايد‬
‫‪ Ý Ý‬ان��ط�لاق��ا مم��ا ج���اء يف "ديوان‬
‫ال�سيا�سة" ح��ول ال��دارج��ة، م��اذا لو‬
‫تف�ضلتم وتو�سعتم �أكرث يف ذكر �سلبيات‬
‫اعتماد تلك ال��دارج��ة لغة للتدري�س‬
‫والكتابة.‬
‫€ € ال�سلبية الأ�سا�سية لذلك االعتماد، تتمثل يف‬
‫العبء االقت�صادي. بلد فقري يعاين من م�شاكل‬
‫كثرية، وت�ضيف �إليها م�شكل خلق لغة جديدة،‬
‫واملورد الب�رشي الذي �سيخدم تلك اللغة، زيادة‬
‫على املعاهد وت�أليف املعاجم والكتب املتخ�ص�صة‬
‫يف درا�سة هذه اللغة التي ت�سعى �إىل االنتقال بها‬
‫من امل�ستوى ال�شفوي �إىل امل�ستوى الكتابي. كل‬
‫ما �ستحققه �أنها �ستوجد منا�صب �شغل لكثري من‬
‫الدكاترة املتخ�ص�صني يف اللغويات. هذا كل ما‬
‫�ستحققه من العملية برمتها. لهذه ال�سلبيات ف�أنا‬
‫مع تعميم الف�صحى وتخفي�ض م�ستواها حتى‬
‫تنزل بها �إىل �أفهام العامة، وبالتايل مغربة‬
‫العربية الف�صحى. من �سيعار�ض هذه العملية؟!‬
‫‪ ‬ Ý‬على العك�س، �سيكون ذلك هدفا‬
‫‪Ý‬‬
‫مثاليا.‬
‫€ ‬€ �أنت ال تقول مبغربة الف�صحى لأنك ت�سعى‬
‫�إىل اعتماد الدارجة يف املدر�سة والكتابة. هذا‬
‫التعميم �إذا ح�صل بالفعل، قد يتطور �إىل حد �أن‬
‫تتميز العربية الف�صحى املغربية عن غريها. هذا‬
‫ما كتبته يف "ديوان ال�سيا�سة"، وما زلت �أدافع‬
‫عنه، لأن العربية املغربية املكتوبة تختلف عن‬
‫العربية امل�رشقية املكتوبة، وبالتايل فتمغربيت‬
‫تكون بالف�صحى وغ�ير الف�صحى، ولي�س‬
‫بالدارجة املكتوبة بال�رضورة، و�إذا �أردت �أن‬
‫تكون مغربيا، كن مغربيا بالتفكري، وانف�صل‬
‫عن امل�شارقة بالفكر، ولي�س باللغة فقط.‬
‫و�إذا �أردت �أن تبذل جهدا لتطويع الدارجة‬
‫واالنتقال بها �إىل م�ستوى املكتوب، فلماذا ال‬
‫تبذل ذلك اجلهد لتطوير الف�صحى املعربة التي‬
‫هي لغتنا؟ تتحدثون عن العربية ك�أننا يف القرن‬
‫الثاين الهجري الذي و�صل فيه �إىل املغرب‬
‫نا�س يتحدثون بلغة ال متت �إىل لغتنا ب�صلة!‬
‫العربية لغة مغربية، وهناك قبائل مغربية‬
‫كثرية قدمت من امل�رشق، ولغتها الأ�صلية هي‬

‫5‬

‫كيف ال �أغ�ضب و�شخ�ص غريب عن املجال يريد‬
‫فر�ض ر�أيه ال�شخ�صي على املغاربة، فقـط لأنــه‬
‫يتوفــر على قنــاة ات�صــال ب�أ�صحـاب القـرار؟!‬
‫ال أريد أن أشارك في هذه العملية االنتحارية‬

‫تصوير : محمد وراق‬
‫العربية.‬

‫‪ Ý Ý‬انطالقا من جتربتكم يف الكتابة‬
‫الروائية وجت��ارب روائ��ي�ين مغاربة‬
‫�آخ��ري��ن، �أال تتفقون معي يف كون‬
‫ال��دارج��ة عندما تنتقل �إىل املكتوب‬
‫الروائي، ت�صري بدورها لغة للكتابة‬
‫الروائية؟‬
‫€ € عدد يل الن�صو�ص الروائية التي ا�ستعملت‬
‫الدارجة يف الكتابة. كم من ن�ص روائي مغربي‬
‫ا�ستعمل الدارجة املغربية؟ �إذا جمعت كل‬
‫يف‬
‫م��ا كتب بالدارجة‬
‫تلك الن�صو�ص‬
‫ف��ل��ن ت��ن��ج��ح يف‬
‫ج���م���ع ك��ت��اب‬
‫م��ن خم�سمائة‬
‫�صفحة.‬
‫‪ Ý Ý‬ت���ل���ك‬
‫ال�����ص��ف��ح��ات‬

‫هذه هي عقيدتي في مواجهة هذه الشعوبية الجديدة‬
‫املعدودة ت�شكل بداية، وحتقق تراكما‬
‫يف خدمة الدارجة وتعاونها احلواري‬
‫مع ما ت�سميه املعربة.‬
‫€ € ع��و���ض �أن �أخ���دم ال��دارج��ة، �أف�ضل‬
‫ترجمة م�ؤلفات رو�سو �إىل العربية، لأن‬
‫تلك الرتجمة �ستكون تعريبا لأفكار جديدة،‬
‫ت�ساهم يف تغيري منظومتنا الفكرية. �أف�ضل‬
‫ترجمة مونتي�سكيوه، وترجمة نظريات يف‬
‫التاريخ عو�ض م�ضيعة الوقت يف الكيفية التي‬
‫�س�أكتب بها "متان اخل�رضا اليوم ب�شحال؟".‬
‫هذا لي�س معقوال. �أف�ضل الرتجمة عن هدر‬
‫الوقت والطاقات يف �أمر لن يفيدنا. �إذا زرت‬
‫لبنان وحتدث للبنانيني، �ستجدهم �أنهم يقولون‬
‫العبارة باللبنانية ثم يرتجمونها �إىل الفرن�سية‬
‫�أو الإجنليزية، لأنهم �شعب يع�شق الرتجمة،‬
‫ولكن ه��ذا االنتقال الدائم من لغة �إىل لغة‬
‫�أخرى، انتقال يغيب الإبداع، ويجعلك تتوهم‬
‫�أنك حتقق تقدمك حني ترتجم ما تقوله بلغتك‬
‫�إىل لغة �أخرى. هناك حقيقة ال ميكن �إنكارها،‬
‫الإبداع العلمي والفني والعلمي، يتحقق الآن‬
‫عند الناطقني بالإجنليزية، لأنهم ي�ستغلون ما‬
‫�ست�ضيعه �أنت من وقت يف اال�شتغال على لغتك‬
‫ال�شفوية والرهان على التعليم بها، ي�ستغلونه‬
‫يف تطوير معارفهم والرتكيز على املفاهيم‬
‫و�ضبط املعلومات. لهذا �أريد �أن �أو�ضح موقفي‬
‫مما يقع الآن يف املغرب، و�أريد الك�شف عن‬
‫�سبب غ�ضبي. م�شكلنا لي�س هو‬
‫الت�أخر االقت�صادي �أو العلمي،‬
‫بل م�شكلنا هو م�شكل ت�أخر‬
‫فكري، �أي �أن املفاهيم التي‬
‫تو�صل �إليها الآخ���رون مل‬
‫ت�صلنا بعد. هذه املفاهيم ال‬
‫ميكن �أن ت�صل �إليها، �إال‬
‫�إذا تعلمت لغة �أجنبية‬
‫و�أت��ق��ن��ت��ه��ا. ل��ذل��ك‬
‫فامل�ستوى الفكري‬
‫ال���ذي ي�صل �إليه‬
‫الأ�شخا�ص الذين‬
‫تعلموا الفرن�سية‬
‫�أو الإجن��ل��ي��زي��ة‬
‫و�أت��ق��ن��وه��ا، لي�س‬
‫ه����و م�����س��ت��وى‬
‫الأ����ش���خ���ا����ص‬
‫ال���ذي���ن اك��ت��ف��وا‬
‫بالعربية. هذه‬
‫م�س�ألة الحظتها مرارا‬

‫�أثناء لقاءاتي بامل�شارقة‬
‫�ستكتب به تلك الدارجة! هل‬
‫ت�صوروا‬
‫يف باري�س وغريها،‬
‫فكر الذين دعوا �إىل التعلم‬
‫ف���ف���ي ال���وق���ت‬
‫معي ما �ستثقلون به كاهل‬
‫بالدارجة وتعميمها،‬
‫الذي �أق��ر�أ فيه‬
‫يف ما دع��وا �إليه؟!‬
‫الطفل ال�صغري، �ستعلمونه احلرف‬
‫دي����ك����ارت‬
‫كل هذا لأقول �أنا‬
‫يف ن�����ص��ه‬
‫العربي واحلرف الالتيني وتيفيناغ، وال‬
‫مغربي و�أحتدث‬
‫ا لفر ن�سي‬
‫لغتي املغربية‬
‫تقفون عند هذا احلد، بل تطلبون منه �أن‬
‫و�أع��م��ل‬
‫و�أدر������س بها‬
‫ج���اه���دا‬
‫يتعلم بالدارجة كما يف البيت، و�أن يكتبها، وال‬
‫و�أك��ت��ب، كما‬
‫ع����ل����ى‬
‫الكندي ال��ذي‬
‫نعرف �إىل حد الآن احلرف الذي �ستكتب به‬
‫ف��ه��م��ه،‬
‫ي�سكن منطقة‬
‫ي��ك��ت��ف��ي‬
‫تلك الدارجة! هل فكر الذين دعوا �إىل‬
‫الكيبيك ويتحدث‬
‫غ���ي���ري‬
‫ب��ال��ف��رن�����س��ي��ة.‬
‫التعلم بالدارجة وتعميمها، يف ما‬
‫ب���االط�ل�اع‬
‫ت��ري��د لغتك، لك‬
‫على ملخ�ص‬
‫دعوا �إليه؟!‬
‫ما �أردت، لكن ال‬
‫ب��ال��ع��رب��ي��ة ملا‬
‫تفر�ض �إرادت���ك على‬
‫ك��ت��ب��ه دي���ك���ارت،‬
‫املغاربة. املغاربة ورثوا‬
‫ويظنون �أنهم ق��ر�ؤوه‬
‫اللغة العربية، و�أنا ال يل دخل‬
‫وف���ه���م���وه. ل���و ف��ر���ض‬
‫يف م�س�ألة هذا الإرث، ت�ستعملها‬
‫علينا الفرن�سيون اللغة‬
‫جم��م��وع��ة ب����شري��ة ل��ه��ا وزن‬
‫الفرن�سية �أثناء احلماية،‬
‫يف ال��ع��امل. نعم العربية لغة‬
‫و�أ�صبحت لغة احلديث‬
‫تعاين من م�شاكل، ولكنها لغة‬
‫والكتابة كما فعلوا يف‬
‫موجودة وحتمل �إرث��ا ثقافيا‬
‫�إفريقيا ال�سوداء، ملا كان‬
‫كبريا وغنيا، و�إذا كنا نعاين‬
‫يل اعرتا�ض على الأمر،‬
‫من تخلف فكري ف�ل�أن اجلديد‬
‫لأننا كنا �سن�ستوعب الفكر‬
‫ي�صل �إلينا بو�ساطة وبعد خم�س‬
‫احلديث، ولكن ذلك مل يحدث‬
‫�أو ع�رش �سنوات. الأم��ر نف�سه يعي�شه‬
‫لأن الفرن�سيني مل ي��ري��دوا فرن�ستنا،‬
‫الإ�سبان وال�شعوب الناطقة بالإ�سبانية، على‬
‫ووجدنا �أنف�سنا �أمام اللغة العربية، ومن ح�سن الرغم من �أنهم ال يعانون من م�شكل الفرق‬
‫حظنا �أننا ل�سنا وحدنا يف هذه امل�س�ألة. هناك بني اللغة املحكية واللغة املكتوبة. الأمر نف�سه‬
‫العرب من لبنانيني وم�رصيني و�سوريني تعي�شه الإيطالية مقارنة بالفرن�سية، وهذه‬
‫وعراقيني، وت�ضافرت جهود اجلميع حلل الأخرية مقارنة بالإجنليزية. هذا ال يعني �أن‬
‫امل�شكل. والآن تعرف الرتجمة مع �أم��وال نتخلى عن العربية، ونعود �إىل نقطة ال�صفر،‬
‫البرتول، حركة الب�أ�س بها، وعو�ض الدفع ونقوم مبا قام به العرب يف ع�رص التدوين،‬
‫بهذه احلركة يف املغرب، نفاج�أ مبن يترب�أ من ندون الدارجة لأنها لغة الأم، ونختارها لغة‬
‫العربية ويريد الكتابة بالأمازيغية، ومن يدعي للتدري�س والكتابة! تريد �أن تعود بي القهقرى‬
‫�أن العربية مل تعد تليق بنا وال ت�صلح لتدري�س �أربعة ع�رش قرنا �إىل اخللف! كيف ال �أغ�ضب‬
‫�أبنائنا. ال دخل يل يف ما تريدون، واختاروا و�شخ�ص غريب عن املجال يريد فر�ض ر�أيه‬
‫اللغة التي تريدون، ولكن اعلموا �أن الوقت ال�شخ�صي على املغاربة وعلى م�ستقبل البالد،‬
‫الذي �ستق�ضونه يف خدمة تلك اللغة، هو وقت فقط لأنه يتوفر على قناة ات�صال ب�أ�صحاب‬
‫�ست�ضيعونه يف تعلم هذه اللغة اجلديدة، ولن القرار، ويريد �إل��زام الدولة بالتدخل؟! �أنا‬
‫ت�ستطيعوا ا�ستدراك ما �ضاع منكم. ت�صوروا من جهتي، ال �أريد �أن �أ�شارك يف هذه العملية‬
‫معي ما �ستثقلون به كاهل الطفل ال�صغري، االنتحارية. ه��ذه هي عقيدتي يف مواجهة‬
‫�ستعلمونه احلرف العربي واحلرف الالتيني ه��ذه ال�شعوبية اجل��دي��دة، ال�شعوبية ولي�س‬
‫وتيفيناغ، وال تقفون عند هذا احلد، بل تطلبون ال�شعبوية...‬
‫منه �أن يتعلم بالدارجة كما يف البيت، و�أن‬
‫انتــــهى‬
‫يكتبها، وال نعرف �إىل حد الآن احلرف الذي‬

حوار مع المفكر عبد الله العروي

  • 1.
    ‫01‬ ‫»األربعاء 02 نونبر3102‬ ‫»الـعـدد : 2315‬ ‫»السنة : 61‬ ‫على سبيل االستهالل الالبد منه‬ ‫له الأوراق املغربية, وهو القادر على احلديث دون مواربة عن زمن ال�سيا�سة عرب ديوانها, وهو "الغربة" وهو "اليتيم" وهو �أي�ضا جممل تاريخ املغرب, فمفهوم‬ ‫الإيديولوجيا ال�ش��هري, ثم مفاهيم احلرية والدولة قبل مفهوم التاريخ, وهو اخلواطر ال�ص��باحية ال�شهرية وبقية امل�ؤلفات التي تعد �إ�سهاما فعليا وحقيقيا يف‬ ‫الت�أ�سي�س لفكر مغربي �آخر, منطلق, حر, له العالقة املثلى باملعرفة الرتاثية: عالقة الرغبة يف النهل منها حد اال�ستفادة ثم املرور �إىل الأ�شياء الأخرى.‬ ‫لذلك كان �ضروريا الإن�صات ل�صوته يف النازلة. والنازلة هنا �أمر جلل للغاية ي�سمى ل�سان النا�س ولغتهم, خ�صو�صا بعد دعوة �أطلقتها تو�صيات �صادرة عن ندوة‬ ‫علمية من �أجل تبني التدري�س باملغربية الدارجة خالل �سنوات التعليم الأوىل.‬ ‫�صوته �أتى يوم احلديث الأول معه عن املو�ضوع حا�سما وال يقبل �أي نقا�ش: �أريد �أن �أحتدث يف هذا املو�ضوع.‬ ‫يف مثل هاته اللحظات حت�س بوزن املثقف الفعلي وقد تبنى خيار الإ�سهام حقا يف نقا�ش بالده ومواطنيه, وقرر �أال يبقى يف الربج العاجي ال�شهري الذي يهرب �إليه‬ ‫�أمثاله تخوفا �أو حترجا �أو تزلفا �أو اختيارا للبقاء غري مبالني نهائيا.‬ ‫هو �أ�صال فعلها �أيام 02 فرباير, و�أيام ما عرف بالربيع العربي, و�أعطى ر�أيه الوا�ضح وال�صريح يف احلكاية ككل, وهو يعود ليفعلها مرة �أخرى هنا‬ ‫يف ق�ضية اللغة املغربية املعربة من خالل حديث طويل عري�ض ال يرتك �أي تف�صيل �إال ويطرقه لكي ي�صل يف اخلتام �إىل مايعتربه ال�صواب‬ ‫اليوم, ولكي يطلق النداء وا�ض��حا و�ص��ريحا من �أجل عدم التفريط ب�س��هولة يف الثقافة العربية واللغة يف مقدمتها �شرط القدرة على‬ ‫التطوير وعلى االلتحاق بالزمن احلديث, زمن كل اللغات خ�صو�صا منها الإجنليزية.‬ ‫على امتداد ثالث �س��اعات حتدث الكبري العروي بكل �ص��راحة, وبكل �ص��دق, وبكل �إميان وا�ض��ح وظاهر بالق�ض��ية. ق�ض��ية‬ ‫اقتناعه �أن وراء الأكمة �أ�ش��ياء يجب �أن تقال لئال يقال يف يوم من الأيام �إنه �ص��مت ومل يعلن املوقف مثلما يجب �أن يخرج‬ ‫�إىل العلن.‬ ‫يف بهو الهيلتون الرباطي ال�شهري, مل يرتك لآلة الت�سجيل فر�صة االنطالق ومل يرتك لنا فر�صة اجللو�س لكي ي�شرع يف احلديث‬ ‫"هذا املو�ضوع وحده ا�ستطاع �أن يخرجني من مقبعي, لأنني ال �أ�ستطيع ال�سكوت عنه, والبد من قول بع�ض الكالم".‬ ‫ذلك الكالم, كله �أو بع�ض��ه, �أو ما اقتن�ص��ت �آلة الت�س��جيل من بحار العروي, ومابقي يف الذاكرة من اللقاء, وما يجب �أن ي�صل �إىل‬ ‫النا�س يف هاته اللحظات هو املكتوب على ثالث حلقات �أيام الأربعاء واخلمي�س واجلمعة, ر�سالة من م�ؤرخ ومفكر وكاتب كبري‬ ‫ميتلك كل �شرعيات احلديث عن املو�ضوع, وميتلك �أ�سا�سا �شجاعة الإقدام على اخلو�ض فيه يف حلظة قرر فيها العديدون‬ ‫�أن يتناولوه �إما باالعتداء اجلاهل عليه, �أو بالتجريح يف خمالفيهم الر�أي, �أو باختيار اال�صطفاف العقيم وراء امل�سلمات‬ ‫اجلاهزة دون رغبة يف الفهم, �أو حتى حماولة "ارتكاب" هذا الفهم قبل االنطالق يف التنظري والكالم الكبريين.‬ ‫ن�صيغ ال�سمع لعبد اهلل العروي يف التايل من الأ�سطر, ون�سمع منه كل الكالم. لنتابع‬ ‫1‬ ‫حاوره : المختار لغزيوي/ جمال زايد‬ ‫تصوير : محمد وراق‬ ‫‪‎‬لهذا خرجت من مقبعي‬ ‫‪‎‬التدري�س بالدارجة يروم تقوي�ض الوحدة الوطنية‬ ‫‪Ý Ý‬قلتم ق��ب��ل ان��ط�لاق احل����وار �إن‬ ‫مو�ضوع التدري�س بالدارجة املغربية‬ ‫هو ال��ذي �أخرجكم من املخب�إ حيث‬ ‫تقبعون. كيف ذلك؟‬ ‫€ €�أخرجني من مقبعي لأنني �أنظر �إىل‬ ‫�أبعاده التي تروم تقوي�ض الوحدة الوطنية.‬ ‫هذه قناعتي الرا�سخة يف ما يخ�ص مو�ضوع‬ ‫التدري�س بالدارجة. �سبق يل منذ �شهرين،‬ ‫�أن حتدثت يف هذا املو�ضوع مع ابن �شقيقي‬ ‫الكاتب ف�ؤاد العروي املغرتب يف هولندا،‬ ‫وقلت له �رصاحة �أنا ال �أتفق معك يف ما كتبته‬ ‫حول الدارجة، و�أن هذه الق�ضية �أجنزت‬ ‫حولها بحوثا، و�أعلم �أنه مل يطلع على ما كتبته‬ ‫يف كتاب "ديوان ال�سيا�سة" حيث خل�صت‬ ‫جميع �آرائي حول الدارجة، وقدمت له �أمثلة‬ ‫ال تعد وال حت�صى لأبني له �أن هذه الق�ضية‬ ‫لن تطبق، و�أن نتائجها �ستكون عك�س ما كان‬ ‫َّ‬ ‫يتوخى منها، و�أنها تقوم على خلط كبري.‬ ‫‪Ý Ý‬ما هو هذا اخللط؟‬ ‫€ €ال��دارج��ة لكي تر�سم يجب �أن تكتب‬ ‫بحروف منا�سبة. ما هي هذه احلروف؟ �إما‬ ‫�أن تكتبها باحلرف العربي و�إما �أن تكتبها‬ ‫باحلرف الالتيني، لكن �إذا اخرتت كتابتها‬ ‫باحلرف الالتيني فعليك �أن تخلق حروفا‬ ‫جديدة كما فعل الأت��راك ملا اختاروا كتابة‬ ‫اللغة الرتكية باحلرف الالتيني، وحتى عندما‬ ‫تنجح يف هذه املهمة، فهل هذا ممكن �أو غري‬ ‫ممكن. �إذا كان ذلك ممكنا فحينها �ست�ستقل‬ ‫الدارجة وت�صري لغة قائمة الذات، وتنف�صل‬ ‫حينئذ عن اللغة الأم. هذا ما ح�صل يف جميع‬ ‫البلدان التي انف�صلت فيها اللغات ال�شفوية عن‬ ‫اللغة الأم. هذا مو�ضوع يهمني و�أهتم به‬ ‫كثريا، ويحتاج مني �إىل ثالثة �أيام ولي�س �إىل‬ ‫ثالث �ساعات.‬ ‫�شيئا جديدا �إىل ال�شفوي.‬ ‫توصية التدريس بالدارجة‬ ‫‪ Ý Ý‬لنعد الآن �إىل �أ�صل هذا النقا�ش‬ ‫ككل, لنعد �إىل تو�صية التدري�س‬ ‫بالدارجة.‬ ‫€ €�إذا كانت النقطة الأوىل تتمثل يف م�شكل‬ ‫التلميذ الذي يلتحق باملدر�سة، ومتر عليه‬ ‫خم�س �سنوات وال يح�سن ال القراءة وال‬ ‫الكتابة مقارنة بالتلميذ الإجنليزي �أو الفرن�سي‬ ‫والإ�سباين. �إذن امل�شكل املطروح هو ق�ضية‬ ‫التوا�صل، وهنا تدخل تو�صية التدري�س‬ ‫بالدارجة املغربية التي خرجت بها ندوة‬ ‫"�سبيل النجاح". لكن يا �سادتي، التوا�صل هو‬ ‫مو�ضوع ال�شفوي والثقافة ال�شفوية لها �آالف‬ ‫ال�سنني ملا انف�صل الإن�سان عن احليوان،‬ ‫ووق��ف على قدميه و�صار ي�ستعمل يديه‬ ‫وي�شتغل بهما، وبد�أ ي�ستعمل حنجرته يف �إنتاج‬ ‫الأ�صوات. هنا دخل الإن�سان يف احل�ضارة‬ ‫ال�شفوية، التي لها تعابري خمتلفة وموا�صفات‬ ‫خا�صة بها، ثم دار الزمان وانتقل الإن�سان‬ ‫منذ �سبعة �آالف �سنة �إىل م�ستوى الكتابة �أو‬ ‫ا�ستعمال الرمز يف بالد الرافدين. ال غر�ض‬ ‫لنا بالدخول يف تفا�صيل هذا املو�ضوع، ما‬ ‫يهمنا �أن ال�شفوي مل ينح�رس ومل ينته �أمره‬ ‫بانتقال الإن�سان �إىل عهد جديد هو عهد‬ ‫الكتابة، بل على العك�س، ا�ستمر يف‬ ‫الوجود �إىل جانب الكتابة. ا�ستمر‬ ‫ال�شفوي يف الوجود على م�ستوى‬ ‫معني، �إما على م�ستوى العائلة �أو‬ ‫القبيلة ال�صغرى �أو الكربى، لي�ضمن‬ ‫التفاهم على هذا امل�ستوى، �إذ ال ميكن‬ ‫التفاهم مع قبيلة �أخ��رى �أو منطقة‬ ‫�أخرى، خارج القبيلة. ل�ضمان التفاهم‬ ‫مع هذا اخلارج البد من الرمز، الذي‬ ‫هو الكتابة، والكتابة هنا كانت �إما م�سمارية‬ ‫�أو هريوغليقية، و�إما �أبجدية �أو فنا، وكما‬ ‫الدارجة‬ ‫فعل ذلك امللك يف حكاية من حكايات �ألف‬ ‫ليلة وليلة، ملا حلق �شعر �شخ�ص بكيفية‬ ‫لكي تر�سم يجب �أن‬ ‫خم�صو�صة و�أر�سله �إىل ال�شخ�ص‬ ‫تكتب بحروف منا�سبة. ما هي هذه‬ ‫املعني على �أ�سا�س �أن تلك الكيفية‬ ‫يف حلق �شعره ر�سالة موجهة‬ ‫احلروف؟ �إما �أن تكتبها باحلرف العربي‬ ‫�إليه، وعليه �أن يقر�أ رمزها‬ ‫و�إما �أن تكتبها باحلرف الالتيني، لكن �إذا‬ ‫ويفهمه. ما �أريد قوله هنا �إن‬ ‫انف�صال الإن�سان عن احليوان‬ ‫اخرتت كتابتها باحلرف الالتيني فعليك �أن‬ ‫مل يلغ حيوانية الإن�سان، ولكنه‬ ‫تخلق حروفا جديدة كما فعل الأتراك ملا‬ ‫�أ�ضاف �إليها �شيئا �آخر، كذلك‬ ‫الأمر بالن�سبة للكتابة التي مل تلغ‬ ‫اختاروا كتابة اللغة الرتكية باحلرف‬ ‫ال�شفوي، وا�ستمر هذا الأخري‬ ‫�إىل جانب الكتابة. الكتابة �أ�ضافت‬ ‫الالتيني‬ ‫العربية‬ ‫هي لغة الكتابة، وال‬ ‫دخل لها يف �ش�ؤون التوا�صل يف البيت‬ ‫وال�شارع، وهي لغة املدر�سة. �إذا كان الطفل‬ ‫يبلغ خم�س �سنوات، وبد�أت تف�سر له الأمور‬ ‫تف�سريا �شفويا، عليك �أن تعلمه الرمز.‬ ‫ينبغي تعليم الطفل الرموز‬ ‫الكتابية.‬ ‫‪ Ý Ý‬هذه النقطة حتتاج �إىل املزيد من‬ ‫التو�ضيح حتى ي�ستوعبها القارئ.‬ ‫€ €ن�سمي املكتوب كتابا، ون�سمي املدر�سة‬ ‫كُ ّتابا، واملتعلم هو الذي يعرف احلروف‬ ‫وتعلم كيف يفك رموزها بقراءتها وفهمها.‬ ‫لذلك ج��اءت املدر�سة، وه��ذه هي الغاية‬ ‫املتوخاة من املدر�سة. املدر�سة ال عالقة‬ ‫لها بالبيت، واملدر�سة ال تربطها �أدنى �صلة‬ ‫مب�سائل التفاهم خارج البيت ويف ال�شارع.‬ ‫هنا تدخل رج��ل متخ�ص�ص يف ال�شفوي‬ ‫و�أم��وره العينية، يف �ش�ؤون املدر�سة التي‬ ‫هي �ش�ؤون الكتابة، وال عالقة لها بال�شفوي‬ ‫والتوا�صل يف البيت وال�شارع. العربية هي‬ ‫لغة الكتابة، وال دخل لها يف �ش�ؤون التوا�صل‬ ‫يف البيت وال�شارع، وهي لغة املدر�سة. �إذا‬ ‫كان الطفل يبلغ خم�س �سنوات، وبد�أت تف�رس‬ ‫له الأم��ور تف�سريا �شفويا، عليك �أن تعلمه‬ ‫الرمز. ينبغي تعليم الطفل الرموز الكتابية.‬ ‫�أقدم هنا مثاال نادرا ما يفكر فيه املهتمون بهذا‬ ‫ال�ش�أن، يتعلق الأمر باملو�سيقى، واملو�سيقى‬ ‫ال�شعبية على اخل�صو�ص، اجلميع يعلم �أن‬ ‫هذه املو�سيقى تلقائية، وحتى يتم احلفاظ عليها‬ ‫ينبغي كتابتها حتى ال ت�ضيع.‬ ‫كتاب الأغاين للأ�صفهاين مل يدون الأغاين‬ ‫بالنوتة املعروفة الآن ف�ضاعت تلك الأحلان‬ ‫لأننا ال نعرف كيف نفك تلك الرموز التي‬ ‫كتبت بها الأغ��اين �أي��ام العبا�سيني. الأمر‬ ‫نف�سه بالن�سبة للأوربيني الذين يجهلون كيف‬ ‫كان الغناء لدى الإغريق القدامى، لأن تلك‬ ‫الأغاين مل تكتب كتابة مو�سيقية حتافظ عليها،‬ ‫وتنقلها للأجيال.‬
  • 2.
    ‫»األربعاء 02 نونبر3102‬ ‫»الـعـدد : 2315‬ ‫11‬ ‫»السنة : 61‬ ‫ابني‬ ‫يبلغ خم�س �سنوات‬ ‫و�أحلقته باملدر�سة وطالبت املعلم‬ ‫ب�أن يتحدث �إليه بلغته التي هي الدارجة،‬ ‫ماذا �سيعلمه بتلك اللغة؟! هل �سيتحدث املعلم‬ ‫�إىل الطفل ليعلمه لغته التي تربى عليها ويتقن‬ ‫التحدث بها؟! هل �سيلقنه الكالم الذي‬ ‫يتكلم به؟! هذه هي الأ�سئلة التي‬ ‫ميكن‬ ‫ال يطرحها املطالبون بتعليم‬ ‫�أن ينجح يف حفظ بع�ض‬ ‫الطفل بلغته الأم‬ ‫الآيات القر�آنية يف ح�صة الرتبية‬ ‫الدينية، مثله يف ذلك مثل �أي تلميذ‬ ‫�أوربي ينجح يف حفظ مقاطع من الإجنيل‬ ‫باللغة الالتينية، دون �أن ينجح يف فهم معناها.‬ ‫�سي�صري التلميذ هنا ك�أي م�سلم غري عربي يف‬ ‫ماليزيا �أو �أندوني�سيا، ينجح يف حفظ تلك‬ ‫الآيات وترديدها �صوتيا‬ ‫دون فهمها.‬ ‫€ € ميكن �أن نتوجه �إىل �صاحب الدعوة �إىل‬ ‫التدري�س بالدارجة، ونقول له "نتفق معك‬ ‫يف ما تدعو �إليه، و�سنتحدث يف املدر�سة مع‬ ‫الطفل الذي يبلغ عامه اخلام�س بلغته الأم،‬ ‫و�سنعلمه كيف يقر�أ ويكتب، يعني �أننا �سنعلمه‬ ‫احلروف، فهل هذه احلروف �ستكون حروف‬ ‫الدارجة �أم �ستكون حروف لغة �أخرى، �إما‬ ‫العربية �أو الرببرية �أو الإجنليزية؟ و�سنعلمه‬ ‫رموز احل�ساب، والتمييز بني الرمز 4 و5 �أو‬ ‫6، ونف�رس له الفروق بينها والعمليات املمكنة‬ ‫بينها، �سنعلمه كل هذا بالدارجة، و�سيبقى‬ ‫امل�ضمون هو احل�ساب. �سيق�ضي الطفل ثالث‬ ‫�سنوات الأوىل يف التعلم بهذه الطريقة،‬ ‫و�إذا قارناه بتلميذ �إ�سباين يف �سنه، �سنجد‬ ‫�أنهما يتوفران على نف�س امل�ستوى. هنا لن‬ ‫يعرت�ضنا �أدنى م�شكل على م�ستوى تدري�س‬ ‫الطفل بلغته، ولي�س هناك جهة حتارب تعليم‬ ‫الطفل بالدارجة يف ال�سنوات الأوىل، وهذه‬ ‫الطريقة هي املعمول بها يف املدر�سة املغربية،‬ ‫و�إذا اختار امل�س�ؤولون فر�ضها على املدر�سني‬ ‫فال ب�أ�س يف ذلك، و�سنلزمهم ب�أال يتحدثوا �إىل‬ ‫الطفل عن الإع��راب والنحو �أو ال�رصف،‬ ‫و�أي معلم خرق هذا الأ�سلوب يف التعليم،‬ ‫�سنخ�صم من �أجرته ن�سبة معينة. عندما �سيبلغ‬ ‫هذا الطفل عامه الثامن، �سيكون قد �أتقن‬ ‫احل�ساب وعملياته بالدارجة مثله يف ذلك مثل‬ ‫البقال، و�أتقن التعبري عن نف�سه بلغته. �أريد‬ ‫هنا ت�سجيل مالحظة �أراها غاية يف الأهمية،‬ ‫وه��ي �أن الطفل �سيعرب عن نف�سه �أح�سن‬ ‫بالعربية املعربة، ولكم �أن جتربوا قراءة‬ ‫الدارجة مكتوبة بحروف عربية، ف�أكيد �أنكم‬ ‫�ستالقون �صعوبة كبرية �أثناء قراءة كلمات‬ ‫الدارجة. بل حتى كتابة الدارجة بحروف‬ ‫التينية لن يحل هذا امل�شكل، مقارنة ب�سهولة‬ ‫قراءة كلمات العربية املعربة.‬ ‫األهداف األخرى للتوصية‬ ‫‪ Ý Ý‬ما عالقة هذا الكالم بالتدري�س‬ ‫بالدارجة عو�ض العربية؟‬ ‫€ €ـ �إذا �سايرنا هذا املنطق، و�أردن��ا �أن‬ ‫نحافظ على مو�سيقانا املغربية، هل نقول‬ ‫"ماذا �سن�ستفيد من تعليم الطفل كتابة النوتات‬ ‫املو�سيقية؟ وماذا �سي�ستفيد الطفل وهو يتعلم‬ ‫رموز تلك الكتابة املو�سيقية؟ ال غر�ض له‬ ‫بكل ذلك ولن ينفعه يف تعلم تلك املو�سيقى،‬ ‫يكفيه �أن يتعلم تلك الأغاين تعلما �شفويا"! هل‬ ‫�ستقبل هذا القول؟! ال فرق بني هذا املثال‬ ‫وق�ضية تعليم الطفل رموز اللغة املكتوبة.‬ ‫امل�شكل �أننا ال نهتم بهذا املو�ضوع وال نفكر‬ ‫فيه. ابني يبلغ خم�س �سنوات و�أحلقته‬ ‫باملدر�سة وطالبت املعلم ب�أن يتحدث �إليه بلغته‬ ‫التي هي الدارجة، ماذا �سيعلمه بتلك اللغة؟!‬ ‫هل �سيتحدث املعلم �إىل الطفل ليعلمه لغته التي‬ ‫تربى عليها ويتقن التحدث بها؟! هل �سيلقنه‬ ‫الكالم الذي يتكلم به؟! هذه هي الأ�سئلة التي‬ ‫ال يطرحها املطالبون بتعليم الطفل بلغته الأم‬ ‫التي يتحدث بها يف البيت. املعلم �سيعلم الطفل‬ ‫�أمورا �أخرى غري لغته التي يتحدث بها يف‬ ‫البيت. �سيعلمه القراءة واحل�ساب. �سيعلمه‬ ‫احل��روف وكيف يقر�ؤها ويربط بينها يف‬ ‫الكلمات، و�سيعلمه قراءة الأرقام والأعداد.‬ ‫ه��ذه ه��ي مهمة املدر�سة ودوره���ا عندما‬ ‫يلتحق بها الطفل. دور املدر�سة لي�س هو‬ ‫تعليم الطفل اللغة التي يتحدث بها يف البيت.‬ ‫�أطرح هذا ال�س�ؤال، �أال يقوم الأ�ستاذ بتعليم‬ ‫احل�ساب واللغات للطفل بالدارجة يف امل�ستوى‬ ‫الأول والثاين والثالث؟ هل يعلمه ذلك بلغة‬ ‫�سيبويه؟! وبالتايل فالدعوة �إىل تدري�س الطفل‬ ‫بالدارجة، �إما هي زائدة، �أو �أن لها توخيات‬ ‫�أخ��رى غري تلك املعرب عنها يف الظاهر،‬ ‫والتي ال عالقة لها بالتعليم ولغته.‬ ‫‪ Ý Ý‬يف ه��ذه النقطة ب��ال��ذات، كيف‬ ‫ت���ردون على �صاحب ال��دع��وة �إىل‬ ‫التدري�س بالدارجة؟‬ ‫لي�س هناك جهة حتارب تعليم الطفل‬ ‫بالدارجة يف ال�سنوات الأوىل، وهذه‬ ‫الطريقة هي املعمول بها يف املدر�سة‬ ‫املغربية، و�إذا اختار امل�س�ؤولون فر�ضها‬ ‫على املدر�سني فال ب�أ�س يف ذلك،‬ ‫و�سنلزمهم ب�أال يتحدثوا �إىل الطفل‬ ‫عن الإعراب والنحو �أو ال�صرف، و�أي‬ ‫معلم خرق هذا الأ�سلوب يف التعليم،‬ ‫�سنخ�صم من �أجرته ن�سبة معينة. عندما‬ ‫�سيبلغ هذا الطفل عامه الثامن، �سيكون‬ ‫قد �أتقن احل�ساب وعملياته بالدارجة‬ ‫مثله يف ذلك مثل البقال... ولكم �أن‬ ‫جتربوا قراءة الدارجة مكتوبة بحروف‬ ‫عربية، ف�أكيد �أنكم �ستالقون �صعوبة‬ ‫كبرية �أثناء قراءة كلمات الدارجة. بل‬ ‫حتى كتابة الدارجة بحروف التينية لن‬ ‫يحل هذا امل�شكل، مقارنة ب�سهولة قراءة‬ ‫كلمات العربية املعربة.‬ ‫كم‬ ‫�سنحتاج من الوقت‬ ‫لنخدم هذه اللغة حتى ت�صري‬ ‫قائمة الذات وقادرة على �أن تكون‬ ‫لغة تدري�س وثقافة؟ مائة عام على‬ ‫الأقل! حينها �إىل �أين �سي�صل الآخرون‬ ‫يف امل�شرق، مقارنة بنا نحن الذين تفرغنا‬ ‫خلدمة الدارجة؟!‬ ‫امل�شكل‬ ‫لن يكون مطروحا يف‬ ‫ال�سنوات الأوىل من التعليم‬ ‫بالدارجة، و�أن التلميذ‬ ‫�سيتفوق يف الريا�ضيات وعلوم‬ ‫احلياة. امل�شكل �سيطرح يف‬ ‫ال�سنوات الأخرى ملا يتقدم‬ ‫ذلك التلميذ يف م�ستويات‬ ‫التعلم‬ ‫‪ Ý Ý‬من الأف�ضل �أن نعود �إىل ذلك‬ ‫الطفل وهو يتابع تعلمه بالدارجة‬ ‫€ € �أعود �إىل الطفل وقد بلغ عامه الثامن،‬ ‫وق�����ض��ى ث�ل�اث ���س��ن��وات يف‬ ‫التعلم بلغته الأم، كيف‬ ‫�سنتعامل م��ع��ه؟ هل‬ ‫ن�ستمر يف تدري�سه‬ ‫بالدارجة؟ هل منر‬ ‫�إىل تعليمه الرتبية‬ ‫الفنية والرتبية العلمية‬ ‫والثقافية؟ لي�س هناك‬ ‫م�شكل يف ت��دري�����س‬ ‫ال��ط��ف��ل امل��و���س��ي��ق��ى‬ ‫والر�سم بلغته الدارجة.‬ ‫�أم����ا بالن�سبة‬ ‫للرت بية‬ ‫ا لعلمية‬ ‫فعك�س‬ ‫م�������ا‬ ‫ي��ق��ال‬ ‫ح��ول‬ ‫امل�شاكل التي تواجه العربية يف تدري�س‬ ‫العلوم، لأن الرتبية العلمية لي�س لها م�شكل‬ ‫مع �أي لغة، ال مع العربية وال مع الدارجة‬ ‫�أو �أي لغة �أخرى، لأنها مبنية على رموز‬ ‫خا�صة كالرقم 5 �أو 6، ولأنها رموز كونية‬ ‫ي�ستعملها اجلميع، نحن يف املغرب اخرتنا‬ ‫الرقم العربي، بينما اختار امل�شارقة الرقم‬ ‫الهندي. كلما تقدم الطفل يف التعلم كلما‬ ‫تو�سعت الرموز وتقدمت معرفته بها يف‬ ‫احل�ساب والريا�ضيات وعلوم احلياة.‬ ‫‪�Ý Ý‬أين �سيعرت�ضنا امل�شكل بالتايل؟‬ ‫€ €امل�شكل �سيعرت�ضنا يف الرتبية الأدبية،‬ ‫لأن هذا الطفل الذي بلغ الآن عامه الثاين‬ ‫ع�رش، وعلمته يف ال�سنوات الأوىل بلغته‬ ‫الدارجة، وتقدم يف م�ستويات تعلم الكتابة‬ ‫باحلرف العربي وحتى احلرف الالتيني كما‬ ‫نادى بذلك بع�ض اللبنانيني، و�صار قادرا‬ ‫على كتابة الدارجة وقراءتها، هنا �ستنقطع‬ ‫�صلته بالعربية املكتوبة ون�صو�صها. ميكن‬ ‫�أن ينجح يف حفظ بع�ض الآي��ات القر�آنية‬ ‫يف ح�صة الرتبية الدينية، مثله يف ذلك مثل‬ ‫�أي تلميذ �أوربي ينجح يف حفظ مقاطع من‬ ‫الإجنيل باللغة الالتينية، دون �أن ينجح يف‬ ‫فهم معناها. �سي�صري التلميذ هنا ك�أي م�سلم‬ ‫غري عربي يف ماليزيا �أو �أندوني�سيا، ينجح‬ ‫يف حفظ تلك الآيات وترديدها �صوتيا دون‬ ‫فهمها. ميكن �أن يكون هذا التلميذ متفوقا‬ ‫يف عامه الثاين ع�رش، يف العلوم والرتبية‬ ‫الفنية، ول��ك��ن م��ا ه��ي الن�صو�ص التي‬ ‫�سيتفوق يف قراءتها يف الق�سم والبيت؟ بل،‬ ‫ما هي الن�صو�ص التي �سيعتمد عليها ليتعلم؟‬ ‫�ستعلمه ق��راءة دي��وان �سيدي عبد الرحمن‬ ‫امل��ج��ذوب؟! وه��و �شاعر كبري بالدارجة.‬ ‫�أنا �أ�ستاذ اللغة العربية، و�أمامي تلميذ تعلم‬ ‫بالدارجة يف �سنواته الأوىل، وقررت �أن‬ ‫�أدر�سه ديوان هذا ال�شاعر املغربي الكبري،‬ ‫لأنني ال �أتوفر على ن�صو�ص �أخرى، كيف‬ ‫�س�أف�رس له �أدبيا �أبيات ق�صائد ذلك الديوان (ال‬ ‫حت�سبوها رخي�صة راه كل مع�شوق غايل)؟‬ ‫ما هو معناها؟ ما هو مغزاها؟ �س�أ�ضطر �إىل‬ ‫ربط تلك الق�صائد بالت�صوف و�س�أعمل على‬ ‫تلقني تالمذتي ما هو الت�صوف وتاريخه،‬ ‫و���س ��أج��دين جم�برا على تدري�س الرتبية‬ ‫الدينية التي اعتقدت �أن الدارجة �ستبعدين‬ ‫عنها. �أكرث من ذلك، ف�إن �أنا �أردت تربية‬ ‫الذوق الفني لدى التلميذ، علي �أن �أف�رس له‬ ‫ذلك ال�شعر املكتوب بالدارجة، وال ميكن‬ ‫�أن �أف�رسه �إال بالعودة �إىل ال��وزن العربي‬ ‫الأ�صيل. هذه العملية �رضورية لتحقق الفهم‬ ‫لدى ذلك التلميذ �إذا كان ناطقا بالعربية، �أما‬ ‫�إذا كان �أمازيغيا فذلك �أمر �آخر. ما �أريد‬ ‫الو�صول �إليه من هذا الكالم، �أن امل�شكل‬ ‫لن يكون مطروحا يف ال�سنوات الأوىل من‬ ‫التعليم بالدارجة، و�أن التلميذ �سيتفوق يف‬ ‫الريا�ضيات وعلوم احلياة. امل�شكل �سيطرح‬ ‫يف ال�سنوات الأخ��رى ملا يتقدم ذلك التلميذ‬ ‫يف م�ستويات التعلم، حني يجد الأ�ستاذ نف�سه‬ ‫�أمام �س�ؤال "ما هي الن�صو�ص التي �س�أدر�سها‬ ‫لهذا التلميذ؟"، �سريد الدعاة �إىل التدري�س‬ ‫بالدارجة، بالقول "خا�صنا نخدمو الداريجا‬ ‫ون�صو�صها". طيب، نتفق معكم يف هذه‬ ‫الدعوة، لكن كم �سنحتاج من الوقت لنخدم‬ ‫هذه اللغة حتى ت�صري قائمة الذات وقادرة‬ ‫على �أن تكون لغة تدري�س وثقافة؟ مائة‬ ‫عام على الأق��ل! حينها �إىل �أين �سي�صل‬ ‫الآخ��رون يف امل�رشق، مقارنة بنا نحن‬ ‫الذين تفرغنا خلدمة الدارجة؟!‬ ‫في عدد الغد: «دعوت إلى كتابة الدارجة بحرف خاص بها يميزها عما سواها»‬
  • 3.
    ‫01‬ ‫»الخميس 12 نونبر3102‬ ‫»الـعـدد : 3315‬ ‫»السنة : 61‬ ‫على سبيل االستهالل الالبد منه‬ ‫2‬ ‫كما كان متوقعا، �أثار اجلزء الأول من احلوار الذي ن�شر �أم�س ردود فعل عديدة يف �أو�ساط املهتمني واملثقفني وعموم القراء املغاربة، وهي م�س�ألة مفرحة‬ ‫لأنها تدل على �أن الوهم ال�سائد بانعدام اهتمام النا�س بق�ضاياهم الكربى هو وهم خاطئ متاما. �أي�ضا هو �أمر مفرح لأنه �أكد لنا �صواب االختيار و�أكد لنا �صدق احلد�س املهني‬ ‫الذي جعلنا نراهن على كبري من �أكابر القوم يف املجال لكي ن�ستمع �إىل ر�أيه يف املو�ضوع احل�سا�س واحليوي امل�سمى لغتنا وهويتنا.‬ ‫الع��روي الكب�ير ل��ه الأوراق املغربي��ة, وهو القادر على احلديث دون مواربة عن زمن ال�سيا�س��ة عرب ديوانه��ا, وهو "الغربة" وهو "اليتيم" وهو �أي�ض��ا جممل تاريخ املغرب,‬ ‫فمفهوم الإيديولوجيا ال�ش��هري, ثم مفاهيم احلرية والدولة قبل مفهوم التاريخ, وهو اخلواطر ال�ص��باحية ال�ش��هرية وبقية امل�ؤلفات التي تعد �إ�س��هاما فعليا وحقيقيا يف‬ ‫الت�أ�سي�س لفكر مغربي �آخر, منطلق, حر, له العالقة املثلى باملعرفة الرتاثية: عالقة الرغبة يف النهل منها حد اال�ستفادة ثم املرور �إىل الأ�شياء الأخرى.‬ ‫لذلك كان �ضروريا الإن�صات ل�صوته يف النازلة. والنازلة هنا �أمر جلل للغاية ي�سمى ل�سان النا�س ولغتهم, خ�صو�صا بعد دعوة �أطلقتها تو�صيات �صادرة عن ندوة علمية من‬ ‫�أجل تبني التدري�س باملغربية الدارجة خالل �سنوات التعليم الأوىل.‬ ‫�ص��وته �أتى يوم احلديث الأول معه عن املو�ض��وع حا�س��ما وال يقبل �أي نقا�ش: �أريد �أن �أحتدث يف هذا املو�ض��وع.وهي لي�س��ت املرة الأوىل فقد تعود �أن يديل بالدلو‬ ‫املعريف الكبري دائما حني اجلد، من ربيع العرب �إىل ق�ضية املغاربة الأوىل «ال�صحراء املغربية».‬ ‫يف مثل هاته اللحظات حت�س بوزن املثقف الفعلي وقد تبنى خيار الإ�سهام حقا يف نقا�ش بالده ومواطنيه, وقرر �أال يبقى يف الربج العاجي ال�شهري الذي يهرب‬ ‫�إليه �أمثاله تخوفا �أو حترجا �أو تزلفا �أو اختيارا للبقاء غري مبالني نهائيا.‬ ‫هو �أ�صال فعلها �أيام 02 فرباير, و�أيام ما عرف بالربيع العربي, و�أعطى ر�أيه الوا�ضح وال�صريح يف احلكاية ككل, وهو يعود ليفعلها مرة �أخرى هنا يف ق�ضية‬ ‫اللغة املغربية املعربة من خالل حديث طويل عري�ض ال يرتك �أي تف�ص��يل �إال ويطرقه لكي ي�ص��ل يف اخلتام �إىل مايعتربه ال�ص��واب اليوم, ولكي يطلق‬ ‫النداء وا�ض��حا و�ص��ريحا من �أجل عدم التفريط ب�سهولة يف الثقافة العربية واللغة يف مقدمتها �شرط القدرة على التطوير وعلى االلتحاق بالزمن‬ ‫احلديث, زمن كل اللغات خ�صو�صا منها الإجنليزية.‬ ‫على امتداد ثالث �س��اعات حتدث الكبري العروي بكل �ص��راحة, وبكل �صدق, وبكل �إميان وا�ضح وظاهر بالق�ضية. ق�ضية اقتناعه �أن وراء الأكمة‬ ‫�أ�شياء يجب �أن تقال لئال يقال يف يوم من الأيام �إنه �صمت ومل يعلن املوقف مثلما يجب �أن يخرج �إىل العلن.‬ ‫يف بهو الهيلتون الرباطي ال�شهري, مل يرتك لآلة الت�سجيل فر�صة االنطالق ومل يرتك لنا فر�صة اجللو�س لكي ي�شرع يف احلديث "هذا املو�ضوع‬ ‫وحده ا�ستطاع �أن يخرجني من مقبعي, لأنني ال �أ�ستطيع ال�سكوت عنه, والبد من قول بع�ض الكالم".‬ ‫ذلك الكالم, كله �أو بع�ض��ه, �أو ما اقتن�ص��ت �آلة الت�س��جيل من بحار العروي, ومابقي يف الذاكرة من اللقاء, وما يجب �أن ي�صل �إىل النا�س يف‬ ‫هات��ه اللحظ��ات هو املكتوب على امتداد حلقات احلوار, ر�س��الة من م�ؤرخ ومفكر وكاتب كبري ميتلك كل �ش��رعيات احلديث عن املو�ض��وع,‬ ‫وميتلك �أ�سا�س��ا �ش��جاعة الإق��دام على اخلو�ض فيه يف حلظة قرر فيها العدي��دون �أن يتناولوه �إما باالعت��داء اجلاهل عليه, �أو بالتجريح‬ ‫يف خمالفيه��م الر�أي, �أو باختيار اال�ص��طفاف العقيم وراء امل�س��لمات اجلاه��زة دون رغبة يف الفهم, �أو حتى حماول��ة "ارتكاب" هذا الفهم قبل‬ ‫االنطالق يف التنظري والكالم الكبريين.‬ ‫ن�صيخ ال�سمع لعبد اهلل العروي يف اجلزء الثاين من احلوار, ون�سمع منه كل الكالم. لنتابع‬ ‫حاوره : المختار لغزيوي/ جمال زايد‬ ‫تصوير : محمد وراق‬ ‫عندما حاولت الكتابة بالدارجة‬ ‫الثقافة لي�ست ق�ضية �سيا�سية �أو اقت�صادية عابرة.. الثقافة �أكرب بكثري‬ ‫‪ Ý Ý‬وقفنا بالأم�س عند �س�ؤال ن�صو�ص‬ ‫الدارجة التي �سيدر�سها التلميذ عندما‬ ‫ي�صل �إىل م�ستوى درا�سي معني، و�أن‬ ‫الدارجة فقرية على هذا امل�ستوى،‬ ‫ولن يجد التلميذ ما يدر�سه، عك�س‬ ‫العربية الغنية بن�صو�صها وما حتمله‬ ‫من معاين و�إيحاءات.‬ ‫€ € �أنا م�سكون بهذه الق�ضية ومثقل ب�أ�سئلتها‬ ‫لأنني حاولت يف امل�رشوع الأ�صلي لرواية‬ ‫"اليتيم" �أن �أكتب بالدارجة، وفكرت يف‬ ‫كتابته من �أوله �إىل �آخره بالدارجة بال نقطة‬ ‫وال فا�صلة، ولكن �شيئا ف�شيئا بد�أت م�ستويات‬ ‫الكتابة تختلف. م�ستوى الدارجة خا�ص‬ ‫بالتوا�صل فقط، ثم م�ستوى العربية ملا ترتفع‬ ‫وتتعقد تعابريها و�إيحاءاتها و�إحاالتها. ميكن‬ ‫�أن �أقر�أ مقطعا من هذه الرواية لتقف بامللمو�س‬ ‫على م��ا قلت. ال يح�رضين الآن مقطع‬ ‫التوا�صل بالدارجة، ولكن املقطع املكتوب‬ ‫بالعربية يقول "وماذا تركت لت�شاهديه معي؟‬ ‫بجانبك �أ�شاهد كل �شيء من جديد، انتظرت‬ ‫هذه الدقيقة منذ خم�س ع�رشة �سنة. نعم طاملا‬ ‫متنيت �أن ترى البندقية يف ال�شتاء. ها ف�صل‬ ‫ال�شتاء وها �أنت يف البندقية. ماذا فعلت يف‬ ‫الغربة طوال هذه ال�سنني؟ ح�سبت الأيام،‬ ‫ثم تخيلتك، وع�شت مع غريي، لقد �أعانوين‬ ‫على احلياة. ن�سيتك فتذكرتك، ثم ن�سيتك‬ ‫فتذكرتك. هذه دقائق مف�صولة من املا�ضي،‬ ‫وعن امل�ستقبل، وهذه مدينة مقطوعة عن‬ ‫الغرب وال�رشق، كنائ�سها كامل�ساجد، لنبتعد‬ ‫برهة عما قد وقع، وعما قد يقع. �إننا هنا ب�سبب‬ ‫�أ�شياء وقعت منذ �أزمان متقادمة، لنفر�ض‬ ‫�أنها حدثت البارحة، لنفر�ض، ولنذهب حيث‬ ‫يجتمع ال�شباب. �أف�ضل �أن �أرى امر�أة م�سنة،‬ ‫�شعرها �أبي�ض، ت�شده �سفيفة زرقاء، ينظر‬ ‫�إليها زوجها، قمي�صه من ال�صوف امللون‬ ‫وك�أن مل مير على زواجهما �إال يوم. �سنبحث‬ ‫اليوم �أو غدا عن ال�سقاية امل�ش�ؤومة، �سقاية‬ ‫املوت يف البندقية. �سنذهب �إىل الأكادميية‬ ‫لرنى العا�صفة وانفجار ال�ساعة، ويف متحف‬ ‫كوكنهاي لوحة ماكريت، زرقة ماكريت،‬ ‫والقرب ال�صغري املكتوب على رخامه "�إىل‬ ‫�أوالدي الأعزاء"، ومن هم ه�ؤالء �أ�صحاب‬ ‫الأ�سماء اليونانية، �أوالد يتامى، بل كالب.‬ ‫العطف على احليوان �سخط على الإن�سان،‬ ‫والعطف على الإن�سان �سخط على القدر،‬ ‫وتعلو وجه ماريا موجة من الي�أ�س". كيف‬ ‫كنت �س�أكتب كل هذا بالدارجة؟! ال ميكن‬ ‫كتابته بالدارجة لأن فيه �إيحاءات، �إيحاءات‬ ‫البندقية وهيمنغواي وتوما�س م��ان. هذا‬ ‫تراكم مائتي �سنة، وتالقح بني هذه احل�ضارة‬ ‫واللغة العربية املكتوبة التي ا�ستطاعت �أن‬ ‫ت�ستوعب هذه املعطيات يف عمقها، وتعرب‬ ‫به بهذا الأ�سلوب. بالتايل، علينا �أن ننتظر‬ ‫مائتي �سنة �أخرى حتى ننجح يف فتح الدارجة‬ ‫على ه��ذه املعطيات ونحقق فيها كل هذه‬ ‫الرتاكمات! وعلينا �أن ننتظر مائتي �سنة حتى‬ ‫ننجح يف التعبري بالدارجة تعبريا �أدبيا حممال‬ ‫بالإيحاءات! هل منلك الزمان الكايف لتحقيق‬ ‫هذه النتيجة التي ت�ستطيع العربية حتقيقها دون‬ ‫م�شاكل؟ هل ا�ستوعب نور الدين عيو�ش وكل‬ ‫الدعاة �إىل التعبري بالدارجة هذه احلقائق؟ هل‬ ‫فكروا فيها ويف م�ضيعة الوقت التي ي�ستدعيها‬ ‫بناء الدارجة؟ ما يدعون له لي�س بالب�ساطة‬ ‫التي يت�صورونها، والق�ضية ال �صلة لها‬ ‫با�ستعمال بع�ض التعابري بالدارجة مثل‬ ‫"ما تقي�ش والدي"، وانتهى الأمر.‬ ‫ه��ذه الق�ضية يجب �أن يبتعد عنها‬ ‫الأ�شحا�ص الذين ال عالقة لهم بالثقافة‬ ‫ال من قريب وال من بعيد، وال حق‬ ‫لهم يف �أن يتدخلوا يف �أم��ور كربى‬ ‫تقت�ضي الت�سيري والتخطيط مل�ستقبل‬ ‫�شعب بكامله. الثقافة لي�ست ق�ضية‬ ‫�سيا�سية �أو اقت�صادية عابرة، الثقافة �أكرب‬ ‫بكثري.‬ ‫‪ Ý Ý‬وماذا عن متغربيت واخل�صو�صية‬ ‫املغربية؟‬ ‫€ € �أما م�س�ألة "متغربيت" ف�أقول عنها �إنها‬ ‫تعود �إىل نوع من االنعزالية، و�أظ��ن �أن‬ ‫رجل ال�سيا�سة باملغرب ال ميكنه اليوم �أن‬ ‫يطبق هذه ال�سيا�سة االنعزالية، ولكن �أنا‬ ‫باعتباري رجل ثقافة لدي احلق يف �أن �أميل‬ ‫مع هذا االجتاه �أو ذاك. لهذا �أقول يف ق�ضية‬ ‫الدعوة �إىل التدري�س بالدارجة، �أرف�ضها و�أنا‬ ‫�أعتز مبغربيتي وخ�صو�صيتي، وهذه م�س�ألة‬ ‫ال عالقة لها بقبول تلك الدعوة، وال ب�شعوب‬ ‫ال�رشق، و�إمنا لها عالقة بثقافة ومبخزون‬ ‫ثقايف، ي�ضم كتاب "�ألف ليلة وليلة" و"بخالء‬ ‫اجلاحظ" و"كليلة ودمنة". يف قراءاتي‬ ‫الكثرية لبخالء اجلاحظ، �أقف يف كل قراءة‬ ‫على �أنني �أق��ر�أ كتابا جديدا مل ي�سبق يل �أن‬ ‫قر�أته. هل نتخل�ص من هذا الكتاب ومنحوه‬ ‫من ثقافتنا بدعوى �أنه ال ميت ب�صلة �إلينا، و�أنه‬ ‫كتاب كتب يف الب�رصة؟! نتخل�ص من البخالء‬ ‫هل‬ ‫ومن �ألف ليلة وليلة والأدب الأندل�سي، فماذا‬ ‫�سيتبقى لنا يف املغرب؟! �ستتبقى لنا متغربيت؟!‬ ‫نطوي �صفحة هذه الثقافة‬ ‫�أ�س�أل هنا، ما هي الثقافة املغربية؟ �ستقول‬ ‫املغربية املكتوبة بالعربية ونبد�أ من جديد‬ ‫الثقافة املغربية هي اليو�سي، �س�أرد عليك ب�أن‬ ‫ك�أننا �شعب لي�ست له ثقافة مكتوبة، ويريد �أن‬ ‫اليو�سي كتب حما�رضاته باللغة العربية، ومل‬ ‫يكتبها بالدارجة �أو الأمازيغية، والأمر نف�سه‬ ‫يخدم ثقافته ال�شفوية؟! لهذا ال�سبب رف�ضت‬ ‫بالن�سبة للمختار ال�سو�سي. هل نطوي �صفحة‬ ‫منذ �أول كتاب كتبته، وهو "الإديولوجية‬ ‫هذه الثقافة املغربية املكتوبة بالعربية ونبد�أ من‬ ‫جديد ك�أننا �شعب لي�ست له ثقافة مكتوبة، ويريد‬ ‫العربية"، ما �سميته "الثقافة‬ ‫�أن يخدم ثقافته ال�شفوية؟! لهذا ال�سبب رف�ضت‬ ‫الفلكلورية".‬ ‫منذ �أول كتاب كتبته، وهو "الإديولوجية‬ ‫العربية"، ما �سميته "الثقافة الفلكلورية". ملاذا‬ ‫رف�ضت هذه الثقافة؟ حتى ال جند �أنف�سنا يف‬ ‫علينا‬ ‫ذلك امل�ستوى البدائي الذي هو يف طور‬ ‫�أن ننتظر مائتي‬ ‫االنفتاح على الكتابة واملكتوب اللذين‬ ‫التحق بهما الإغريق منذ ثالثني‬ ‫�سنة �أخرى حتى ننجح يف فتح‬ ‫قرنا، والعرب منذ ما يقرب من‬ ‫ع�رشين قرنا، وي�أتي البع�ض‬ ‫الدارجة على هذه املعطيات ونحقق‬ ‫منا وي��ق��ول، الآن يف القرن‬ ‫فيها كل هذه الرتاكمات! وعلينا �أن ننتظر‬ ‫الواحد والع�رشين، علينا �أن‬ ‫نبد�أ من ال�صفر ونهتم بتمغربيت‬ ‫مائتي �سنة حتى ننجح يف التعبري بالدارجة‬ ‫واللغة املغربية ال�شفوية ك�أننا ال‬ ‫تعبريا �أدبيا حممال بالإيحاءات! هل منلك‬ ‫نتوفر على لغة مكتوبة وعلى‬ ‫ثقافة مكتوبة! نتنكر لتلك اللغة‬ ‫الزمان الكايف لتحقيق هذه النتيجة‬ ‫وتلك الثقافة وندعو �إىل االهتمام‬ ‫بالدارجة ونكتبها ونخدمها لت�صري‬ ‫التي ت�ستطيع العربية حتقيقها‬ ‫بعد مائتي عام لغة وطنية قادرة على‬ ‫دون م�شاكل؟‬ ‫�إنتاج الثقافة املكتوبة!‬ ‫الشعوب ولغاتها الوطنية: النماذج‬ ‫‪ Ý Ý‬ولكن هناك جتارب عدة �شعوب‬ ‫ا�ستطاعت �أن ت�ستقل بلغاتها الوطنية.‬ ‫€ € يا �سيدي، �أنا م�ستعد لتقدمي �أمثلة على‬ ‫هذا ال�صعيد. هناك مثال الهولنديني الذين‬ ‫مرت عليهم الآن �أربعة قرون حني �سعوا‬ ‫�إىل االنف�صال عن �إ�سبانيا التي ال يجمعهم‬ ‫بها ال ال��دي��ن وال ال��ل��غ��ة، فكتبوا لغتهم‬ ‫املحلية، و�صارت الهولندية كما كتبت تدل‬ ‫على م�ستوى �أعمق من اللهجات الأملانية‬ ‫الأخرى، لأن تلك اللهجات ظلت �شفوية،‬ ‫بينما الهولندية �صارت لغة مكتوبة، لكنها‬ ‫باملقابل حفظت وجمدت يف ه��ذا امل�ستوى‬ ‫ومل تتجاوزه مقارنة بتلك اللهجات التي‬ ‫ا�ستمرت حية. الهولنديون متقدمون الآن‬ ‫اقت�صاديا و�سيا�سيا، ولكن من يهتم يف العامل‬ ‫بالثقافة الهولندية؟! ومن يقر�أ ما يكتبه الكتاب‬ ‫الهولنديون بلغتهم الوطنية؟! هل �سبق لك‬ ‫�أن قر�أت ل�شاعر هولندي ما كتبه من �شعر‬ ‫بلغته الهولندية؟ هل قر�أت لروائي هولندي؟‬ ‫اجلواب معروف على �أن الثقافة الهولندية‬ ‫�أنتجت �شعراء وق�صا�صني وروائيني من‬ ‫الطراز الرفيع، لكن لغتهم املحلية حالت‬ ‫دون �شهرتهم على ال�صعيد العاملي. مبدعون‬ ‫كبار وال �أح��د يعرفهم خ��ارج هولندا، بل‬ ‫منهم من ا�ضطر �إىل الكتابة بالإجنليزية حتى‬ ‫ينجح يف مغادرة لغته الوطنية التي حتكم عليه‬ ‫باالنغالق، وهذا ما قام به املختار ال�سو�سي‬ ‫حني قرر الكتابة بالعربية حتى تعرف كتاباته‬ ‫انت�شارا �أو�سع. املختار ال�سو�سي كان يتحدث‬ ‫يف بيته وحياته اليومية بال�سو�سية، فتخيل‬ ‫معي لو �أنه كتب "املع�سول" بال�سو�سية فمن‬ ‫كان �سيقر�أ ذلك الكتاب الذي ما زال �إىل‬ ‫اليوم مقروءا ويثري �أ�سئلة قرائه من غري‬ ‫ال�سو�سيني. هنا �أنتقل �إىل املثال الثاين، يتعلق‬ ‫الأمر بجيم�س جوي�س الذي عا�ش يف حميط‬ ‫�إيرلندي يعادي اللغة الإجنليزية ويدافع عن‬ ‫اللغة الوطنية الل�سلتية القدمية واخل�صو�صية‬ ‫الإيرلندية مقارنة بثقافة الإجنليز ولغتهم.‬ ‫عا�ش جوي�س يف هذا املحيط ال��ذي يحتفي‬ ‫باللغة املحلية على م�ستوى ال�شعر والأغاين‬ ‫وامل����سرح، وكتابة ه��ذه امل�ستويات، لكن‬ ‫الروائي ارت�أى �أال ي�ؤدي ثمن اخلط�أ الذي‬ ‫ارتكبه �أجداده الأبعدون الذين مل يطوروا‬ ‫لغتهم ومل يكتبوا بها، وف�ضل �أن يعي�ش‬ ‫خارج وطنه الأم، و�أن يتعامل مع اللغة‬ ‫الإجنليزية ك�أنها لغة قابلة لالفرتا�س. تعامل‬ ‫معها ك�أنها لغة مفرت�سة، يفرت�سها �أثناء الكتابة‬ ‫َ‬
  • 4.
    ‫»الخميس 12 نونبر3102‬ ‫»الـعـدد : 3315‬ ‫»السنة : 61‬ ‫لو‬ ‫كتب جوي�س‬ ‫رواياته امل�شهورة الآن بلغته‬ ‫الوطنية، من كان �سيطلع عليها‬ ‫ويقف على براعة روائي من الطراز‬ ‫الرفيع؟ �سيقر�ؤه الإيرلنديون الذين ال‬ ‫يتجاوز عددهم �أربعة ماليني ن�سمة،‬ ‫و�أما الذين هاجروا �إىل الواليات‬ ‫املتحدة فال يعرفون لغتهم‬ ‫الأم.‬ ‫بها، بحيث لو قر�أها �إجنليزي ف�سيقول هذه‬ ‫لي�ست لغتي الإجنليزية التي �أعرفها و�أتقنها.‬ ‫لو كتب جوي�س رواياته امل�شهورة الآن بلغته‬ ‫الوطنية، من كان �سيطلع عليها ويقف على‬ ‫براعة روائي من الطراز الرفيع؟ �سيقر�ؤه‬ ‫الإيرلنديون الذين ال يتجاوز عددهم �أربعة‬ ‫ماليني ن�سمة، و�أم��ا الذين ه��اج��روا �إىل‬ ‫الواليات املتحدة فال يعرفون لغتهم الأم.‬ ‫�أنتقل �إىل الهند التي ت�صل لغاتها املحلية �إىل‬ ‫مائتي لغة، كل مقاطعة تتحدث لغتها اخلا�صة‬ ‫بها، واللغة الر�سمية لي�ست هي ال�سن�سكريتية،‬ ‫اللغة الدينية القدمية، و�إمنا الهندو�ستانية التي‬ ‫يتحدث بها �أكرث من مائتي مليون هندي،‬ ‫ومع ذلك ال يعرف من الهنود �إال من يكتب‬ ‫بالإجنليزية. �أكرث من ذلك، اللغة البنغالية‬ ‫التي يتحدث بها �أكرث من ثالثمائة مليون من‬ ‫الب�رش، فطاغور الكاتب البنغايل ال�شهري،‬ ‫�ألف كتبه بالإجنليزية، ومل يكتبها بالبنغالية‬ ‫التي تزخر بثقافة و�آداب عريقة، لو كتبها‬ ‫بلغته الوطنية لظل حبي�س بالده ولن يعرف‬ ‫ال�شهرة العاملية التي حازها.‬ ‫‪ Ý Ý‬حتى ال نبتعد عن مو�ضوعنا، اللغة‬ ‫العربية الف�صحى لغة ر�سمية ر�سمها‬ ‫الد�ستور، �أما خانة اللغة الوطنية فما‬ ‫زالت �شاغرة، وتنظر امللء باعتماد‬ ‫اللغة املغربية التي تتحدث بها الأغلبية‬ ‫ال�ساحقة من املغاربة.‬ ‫€ €متعن يف ما �س�أ�رصح به. ذهبت بعيدا‬ ‫يف قبول �أن تكون الدارجة لغة التدري�س يف‬ ‫ال�سنوات الأوىل من التدري�س االبتدائي. هذا‬ ‫هو ما يطلبه نور الدين عيو�ش. بل ذهبت‬ ‫�أبعد من ذلك، حني دعوت �إىل كتابة الدارجة‬ ‫بحرف خا�ص بها مييزها عما �سواها. مل �أقف‬ ‫عند هذا احلد، بل ذهبت ب�أن اعتماد الدارجة‬ ‫يف التعليم االبتدائي، ال مينع من النبوغ‬ ‫يف العلوم والتقنيات والفنون. هناك نقطة‬ ‫واحدة ظلت معلقة، وهي الثقافة الأدبية. �إذا‬ ‫اعتمدنا الدارجة لغة مكتوبة �سينقطع املغاربة‬ ‫عن الثقافة العربية وما �أنتجته طيلة قرون‬ ‫من �إرث ثقايف و�أدب��ي، وما زالت تنتجه.‬ ‫الأمر هنا ال يتعلق فقط بقطيعة مع ال�رشق‬ ‫العربي و�شعوبه، و�إمنا �سيتعلق بقطيعة مع‬ ‫احل�ضارة العربية ومع ما �ساهم به املغاربة‬ ‫و�أهل الأندل�س يف تلك احل�ضارة. �إذا اكتفينا‬ ‫بتعليم الطفل الدارجة ف�ستنقطع �صلته انقطاعا‬ ‫كليا بتلك احل�ضارة وثقافتها.‬ ‫‪� Ý Ý‬ستحدث هذه القطيعة �إذا مت �إق�صاء‬ ‫العربية الكال�سيكية من احلقل اللغوي‬ ‫املغربي، �أما �إذا مل يقع ذلك الإق�صاء‬ ‫وا�ستمر ا�ستعمال تلك العربية فلن‬ ‫حتدث تلك القطيعة و�سي�ستمر ات�صال‬ ‫املغربي بالثقافة العربية والتفاعل مع‬ ‫ما �أنتجته وما زالت تنتجه.‬ ‫€ € حاول �أن ت�ستوعب ت�صوري للق�ضية.‬ ‫�سيكون ذلك بالتدرج ك�أنك تقود �سيارتك‬ ‫وتنتقل من ال�رسعة الأوىل �إىل ال�رسعة الثانية‬ ‫فالثالثة والرابعة. �إذا انطلقت يف تعليم الطفل‬ ‫بالدارجة فقط، ال ميكن �أن تنتقل به بعد ثالث‬ ‫�سنوات، �إىل �أن يختار بني �إحدى اللغات‬ ‫الأجنبية واللغة العربية املوحدة ولي�ست‬ ‫العربية الكال�سيكية. �أنا ال �أ�سميها عربية‬ ‫كال�سيكية، ومن هذا ال��ذي يتكلم العربية‬ ‫�إذا اعتمدنا الدارجة لغة مكتوبة �سينقطع املغاربة عن الثقافة العربية‬ ‫وما �أنتجته طيلة قرون من �إرث ثقايف و�أدبي، وما زالت تنتجه. الأمر‬ ‫هنا ال يتعلق فقط بقطيعة مع ال�شرق العربي و�شعوبه، و�إمنا �سيتعلق‬ ‫بقطيعة مع احل�ضارة العربية ومع ما �ساهم به املغاربة و�أهل‬ ‫الأندل�س يف تلك احل�ضارة. �إذا اكتفينا بتعليم الطفل الدارجة‬ ‫ف�ستنقطع �صلته انقطاعا كليا بتلك احل�ضارة وثقافتها.‬ ‫الكال�سيكية الآن؟! ال يوجد �شخ�ص يتحدث‬ ‫بها، و�إمنا هناك من يكتب بها. يف درد�شتنا‬ ‫الآن، ال نتحدث بالدارجة كما يتحدث‬ ‫بها النا�س يف ال�شارع وحتى يف البيت،‬ ‫و�إمن��ا نتحدث بلغة بني بني، بني الدارجة‬ ‫والعربية، �إنها اللغة الو�سطى. لن�أخذ ال�صفحة‬ ‫ال�ساخرة التي تن�رشها يوميا جريدة "الأحداث‬ ‫املغربية"، وهي باملنا�سبة �صفحة مكتوبة بغري‬ ‫العربية، و�أمتنى �أن تعر�ضوها على �شخ�ص‬ ‫م�ستواه التعليمي ب�سيط مل يتجاوز امل�ستوى‬ ‫الثالث ابتدائي، وتطلبوا منه قراءة ما كتب‬ ‫فيها، �أكيد �سيالقي �صعوبة كبرية يف قراءة‬ ‫ما ت�سمونه دارجة. اللغة التي تكتبون بها تلك‬ ‫ال�صفحة ال�ساخرة، لغة ال ميكن �أن يقر�أها �إال‬ ‫الذي يقر�أ بالعربية الف�صحى. �إذن ما معنى‬ ‫هذا اال�ستن�ساخ؟ �إذا كانت هناك �صعوبات يف‬ ‫تدري�س العربية التي �أ�سميها معربة، وكانت‬ ‫هذه اللغة تعاين من م�شاكل، فعلينا �أن نقوم‬ ‫بتي�سري تلك ال�صعوبات و�إ�صالح امل�شاكل‬ ‫التي تعاين منها، و�إ�صالح تلك العربية لي�س‬ ‫ب�إبدالها بالدارجة، لأن الدارجة ال ت�صلح‬ ‫لهذه املهمة التي تطلبون منها، فهي �أكرب منها‬ ‫بكثري.‬ ‫العربية ومشاكلها وابن خلدون والدارجة‬ ‫11‬ ‫�إذا‬ ‫انطلقت يف تعليم‬ ‫الطفل بالدارجة فقط، ال ميكن‬ ‫�أن تنتقل به بعد ثالث �سنوات، �إىل �أن‬ ‫يختار بني �إحدى اللغات الأجنبية واللغة‬ ‫العربية املوحدة ولي�ست العربية الكال�سيكية.‬ ‫�أنا ال �أ�سميها عربية كال�سيكية، ومن هذا‬ ‫الذي يتكلم العربية الكال�سيكية الآن؟!‬ ‫ال يوجد �شخ�ص يتحدث بها، و�إمنا‬ ‫هناك من يكتب بها.‬ ‫‪� Ý Ý‬إذن، تعرتفون بكون العربية‬ ‫ت��ع��اين م��ن م�شاكل وتعي�ش �أزم��ة‬ ‫حقيقية.‬ ‫€ € نعم، ولكن هذا ال يعني �إ�صالح م�شكل‬ ‫مب�شكل �أكرب منه. ال ميكن �إ�صالح م�شاكل‬ ‫العربية بالدارجة، لأن الدارجة تعاين من‬ ‫�أزمة �أكرب، بل �أخطر من �أزمة العربية.‬ ‫مع ذلك ميكن �أن �أجيب عما طرحته. الذين‬ ‫ينادون بتبني الدارجة لغة للتدري�س والكتابة،‬ ‫مل يطلعوا على ما كتبه ابن خلدون يف مقدمته.‬ ‫ابن خلدون عر�ض نقا�شا طويال وعري�ضا‬ ‫حول الدارجة، ويقول �إن الدارجة لغة قائمة‬ ‫بذاتها، ولكن ابن خلدون يف�رس يف الوقت‬ ‫نف�سه، ملاذا ت�أخر املغاربة يف النطق ب�أ�صوات‬ ‫العربية مقارنة بامل�شارقة، وي�ستح�رض‬ ‫الكتاتيب القر�آنية وق��راءة القر�آن جهرا،‬ ‫لأن الغاية من تلك القراءة لي�ست احلفظ وال‬ ‫الفهم �أو التدين، و�إمنا بغاية �إ�صالح النطق‬ ‫وخم��ارج احل��روف نتيجة ما �أ�صابها من‬ ‫ت�أثريات الأمازيغية و�أدت باملغربي �إىل كرثة‬ ‫الإذغ��ام وغياب امل�صوتات، و�أبعدته عن‬ ‫النطق ال�سليم لأ�صوات العربية كما ينطقها‬ ‫ال�سوريون وامل�رصيون. الغاية �إذن هي‬ ‫توحيد النطق وخم��ارج احل��روف، بحيث‬ ‫ميكن �أن تكون قادما من موريطانيا �أو من‬ ‫العراق، ولكن تنطق احلرف العربي كما‬ ‫ينطقه الآخ��رون. هذا نظريا لأن��ه �صعب‬ ‫احل���دوث، وم��ع ذل��ك ك��ان ال��ره��ان على‬ ‫التوحيد على م�ستوى خم��ارج احل��روف.‬ ‫�أقول هذا لأتوجه �إىل الدعاة �إىل تبني الدارجة‬ ‫لغة للتدري�س والكتابة، و�أ�ستح�رض عبارة‬ ‫"ما تقي�ش والدي"، لو كانوا يتقنون النطق‬ ‫مبخارج حروف الدارجة كما ينبغي النطق‬ ‫بها ملا كتبوا "ما تقي�ش".‬ ‫‪Ý Ý‬ماذا �أ�صاب هذه العبارة؟‬ ‫€ €كل مغربي ينطق لغته نطقا �سليما ويحافظ‬ ‫على خمارج احلروف كما هي، �سيقول "ما‬ ‫تقي�س�ش"، ولي�س "ما تقي�ش". ماذا �سيفعل‬ ‫الدعاة �إىل تدري�س الدارجة وهم يتوجهون‬ ‫�إىل طفل �صغري ال�سن، هل �سيقولون له "ما‬ ‫تقي�ش"، �أو "ما تقي�س�ش" حتى ي�ستوعب النفي‬ ‫الواقع يف فعل "تقي�س" قبل �أن تدخل عليه "ما"‬ ‫امل�ستعملة للنفي، و�أن "�ش" حلقت ب"تقي�س"‬ ‫لر�سم ذلك النفي للفعل. الحظ هنا �أنك مل‬ ‫تغادر لغة �سيبويه ومل تتخل�ص منها و�أنت‬ ‫ت�سعى �إىل تدري�س الدارجة وو�ضع نحو لها.‬ ‫زيادة على مناطق كثرية من املغرب، لن‬ ‫ت�ستعمل عبارة "ما تقي�س�ش"، و�إمنا �ست�ستعمل‬ ‫عبارة "ما مت�س�ش"، و�أكتفي بالتلميح �إىل من‬ ‫ي�ستعمل عبارة "ما تقي�س�ش".‬ ‫يتبع في عدد الغد‬
  • 5.
    ‫01‬ ‫»الجمعة 22 نونبر3102‬ ‫»الـعـدد : 4315‬ ‫»السنة : 61‬ ‫على سبيل االستهالل الالبد منه‬ ‫مازال حوار «الأحداث املغربية» مع الأ�ستاذ عبد اهلل العروي يثري ردود فعل عديدة يف �أو�ساط املهتمني واملثقفني وعموم القراء املغاربة، وهي م�س�ألة مفرحة لأنها تدل على �أن الوهم ال�سائد بانعدام‬ ‫اهتمام النا�س بق�ض��اياهم الكربى هو وهم خاطئ متاما. �أي�ض��ا هو �أمر مفرح لأنه �أكد لنا �ص��واب االختيار و�أكد لنا �ص��دق احلد�س املهني الذي جعلنا نراهن على كبري من �أكابر القوم يف املجال لكي‬ ‫ن�ستمع �إىل ر�أيه يف املو�ضوع احل�سا�س واحليوي امل�سمى لغتنا وهويتنا.‬ ‫العروي الكبري له الأوراق املغربية, وهو القادر على احلديث دون مواربة عن زمن ال�سيا�س��ة عرب ديوانها, وهو "الغربة" وهو "اليتيم" وهو �أي�ض��ا جممل تاريخ املغرب,‬ ‫فمفهوم الإيديولوجيا ال�ش��هري, ثم مفاهيم احلرية والدولة قبل مفهوم التاريخ, وهو اخلواطر ال�ص��باحية ال�ش��هرية وبقية امل�ؤلفات التي تعد �إ�سهاما‬ ‫فعليا وحقيقيا يف الت�أ�سي�س لفكر مغربي �آخر, منطلق, حر, له العالقة املثلى باملعرفة الرتاثية: عالقة الرغبة يف النهل منها حد اال�ستفادة ثم‬ ‫املرور �إىل الأ�شياء الأخرى.‬ ‫لذلك كان �ض��روريا الإن�ص��ات ل�ص��وته يف النازلة. والنازلة هنا �أمر جلل للغاية ي�س��مى ل�س��ان النا�س ولغتهم, خ�صو�ص��ا بعد دعوة �أطلقتها‬ ‫تو�صيات �صادرة عن ندوة علمية من �أجل تبني التدري�س باملغربية الدارجة خالل �سنوات التعليم الأوىل.‬ ‫�صوته �أتى يوم احلديث الأول معه عن املو�ضوع حا�سما وال يقبل �أي نقا�ش: �أريد �أن �أحتدث يف هذا املو�ضوع.وهي لي�ست املرة الأوىل فقد تعود‬ ‫�أن يديل بالدلو املعريف الكبري دائما حني اجلد، من ربيع العرب �إىل ق�ضية املغاربة الأوىل «ال�صحراء املغربية».‬ ‫يف مث��ل هات��ه اللحظات حت�س بوزن املثقف الفعلي وقد تبنى خيار الإ�س��هام حقا يف نقا�ش ب�لاده ومواطنيه, وقرر �أال يبقى يف الربج العاجي‬ ‫ال�شهري الذي يهرب �إليه �أمثاله تخوفا �أو حترجا �أو تزلفا �أو اختيارا للبقاء غري مبالني نهائيا.‬ ‫هو �أ�ص�لا فعلها �أيام 02 فرباير, و�أيام ما عرف بالربيع العربي, و�أعطى ر�أيه الوا�ض��ح وال�ص��ريح يف احلكاية ككل, وهو يعود ليفعلها مرة �أخرى‬ ‫هنا يف ق�ض��ية اللغة املغربية املعربة من خالل حديث طويل عري�ض ال يرتك �أي تف�ص��يل �إال ويطرقه لكي ي�صل يف اخلتام �إىل مايعتربه ال�صواب‬ ‫اليوم, ولكي يطلق النداء وا�ضحا و�صريحا من �أجل عدم التفريط ب�سهولة يف الثقافة العربية واللغة يف مقدمتها �شرط القدرة على التطوير وعلى‬ ‫االلتحاق بالزمن احلديث, زمن كل اللغات خ�صو�صا منها الإجنليزية.‬ ‫على امتداد ثالث �ساعات حتدث الكبري العروي بكل �صراحة, وبكل �صدق, وبكل �إميان وا�ضح وظاهر بالق�ضية. ق�ضية اقتناعه �أن وراء‬ ‫الأكمة �أ�شياء يجب �أن تقال لئال يقال يف يوم من الأيام �إنه �صمت ومل يعلن املوقف مثلما يجب �أن يخرج �إىل العلن.‬ ‫يف بهو الهيلتون الرباطي ال�ش��هري, مل يرتك لآلة الت�س��جيل فر�ص��ة االنطالق ومل يرتك لنا فر�ص��ة اجللو�س لكي ي�شرع يف احلديث "هذا‬ ‫املو�ضوع وحده ا�ستطاع �أن يخرجني من مقبعي, لأنني ال �أ�ستطيع ال�سكوت عنه, والبد من قول بع�ض الكالم".‬ ‫ذلك الكالم, كله �أو بع�ض��ه, �أو ما اقتن�ص��ت �آلة الت�س��جيل من بحار العروي, ومابقي يف الذاكرة من اللقاء, وما يجب �أن ي�ص��ل �إىل النا�س‬ ‫يف هاته اللحظات هو املكتوب على امتداد حلقات احلوار, ر�س��الة من م�ؤرخ ومفكر وكاتب كبري ميتلك كل �ش��رعيات احلديث عن املو�ض��وع,‬ ‫وميتلك �أ�سا�سا �شجاعة الإقدام على اخلو�ض فيه يف حلظة قرر فيها العديدون �أن يتناولوه �إما باالعتداء اجلاهل عليه, �أو بالتجريح يف‬ ‫خمالفيهم الر�أي, �أو باختيار اال�ص��طفاف العقيم وراء امل�س��لمات اجلاهزة دون رغبة يف الفهم, �أو حتى حماولة "ارتكاب" هذا الفهم قبل‬ ‫االنطالق يف التنظري والكالم الكبريين.‬ ‫ن�صيخ ال�سمع لعبد اهلل العروي يف اجلزء الثالث من احلوار, ون�سمع منه كل الكالم. لنتابع‬ ‫3‬ ‫تصوير : محمد وراق‬ ‫حاوره : المختار لغزيوي/ جمال زايد‬ ‫القر�آن لي�س لغة ف�صحى‬ ‫سعيد عقل والتجربة اللبنانية‬ ‫‪ Ý Ý‬انطالقا مم��ا �أدليتم ب��ه �إىل حد‬ ‫الآن و�أنتم تقاربون ه��ذا املو�ضوع‬ ‫ال�شائك ال��ذي يعنيكم �شخ�صيا، �أين‬ ‫يكمن امل�شكل لدى �أ�صحاب الدعوة �إىل‬ ‫اعتماد الدارجة يف التدري�س والكتابة؟‬ ‫€ €لأجيب عن هذا ال�س�ؤال، �أنطلق من كوين‬ ‫�أالقي �صعوبة كبرية يف ا�ستيعاب كيف يغامر‬ ‫ه ��ؤالء الأ�شخا�ص ويدعون هكذا بب�ساطة‬ ‫�إىل التدري�س بالدارجة واعتمادها لغة للتعلم‬ ‫والكتابة، دون احت�ساب عواقب ما يدعون‬ ‫�إليه، ف�إما �أنهم مل ميروا من مرحلة التعلم كما‬ ‫مر منها �أغلب املغاربة، و�إما �أنهم مل ميار�سوا‬ ‫التعليم ومل يخربوا جماله املعقد، و�إما �أنهم‬ ‫مل ي�رشفوا على تربية �أبنائهم وتتبع م�سارهم‬ ‫التعليمي وما يعرت�ضهم من م�شاكل يف تطور‬ ‫اكت�سابهم للغة، �أو �أنهم مل يجربوا الكتابة‬ ‫ومل يخربوا جمال الكتابة الفنية املعقد. �أقول‬ ‫كل هذا لأ�ستخل�ص اخلال�صة التي تهمني،‬ ‫وهي �أنهم مل ميار�سوا كل ما �رسدته ليقفوا‬ ‫بامللمو�س على م�ستوى وحمدودية ما يدعون‬ ‫�إليه، و�أنه ال ميكن �أن يحل امل�شكل اللغوي‬ ‫القائم. �س�أ�ضطر هنا �إىل العودة �إىل تاريخ‬ ‫هذا امل�شكل، و�س�أكتفي ب�إعطاء مثال كاف‬ ‫للداللة على اال�ستخال�ص الذي ا�ستخل�صته‬ ‫وخرجت به من هذه الدرا�سة التي �أجنزتها‬ ‫حول املو�ضوع. �أري��د �أن �أق��ول �إن م�شكل‬ ‫اللغة العربية والدارجة والدعوة �إىل اعتماد‬ ‫الدارجة بدل العربية، ال يطرح �إال يف بداية‬ ‫امل�سرية الثقافية ل�شعب معني، وكان اللبنانيون‬ ‫�سباقون �إىل طرح هذا امل�شكل يف ثالثينيات‬ ‫و�أربعينيات القرن املا�ضي، وكان ال�شاعر‬ ‫الكبري �سعيد عقل، من دعاة اعتماد اللبنانية‬ ‫لغة للكتابة والإب��داع، ومل يقف عند حدود‬ ‫الدعوة، بل انتقل �إىل كتابة ال�شعر باللبنانية.‬ ‫ماذا حدث بعد ذلك بلبنان؟ بعد �ستني �سنة، مل‬ ‫يعد اللبنانيون يطرحون هذا امل�شكل.‬ ‫‪ Ý Ý‬كيف تخل�ص اللبنانيون من هذا‬ ‫امل�شكل؟ نطرح هذا ال�س�ؤال حتى ي�ستفيد‬ ‫الدعاة �إىل اعتماد الدارجة املغربية‬ ‫لغة للتدري�س والكتابة من التجربة‬ ‫اللبنانية واحلل الذي انتهت �إليه.‬ ‫€ € �أق��ول لك �إن اللبنانيني تخل�صوا من‬ ‫م�شكل الدارجة والعربية لأن م�ستوى اللغتني‬ ‫تقارب، ومل يعد هناك من يتحدث بلغة العلماء‬ ‫�أو يكتب بها، ال يف اجلامعة وال يف ال�صحافة‬ ‫املكتوبة وال يف و�سائل الإع�ل�ام ال�سمعي‬ ‫والب�رصي، ولأن البنات والن�ساء تعلمن يف‬ ‫املدار�س و�رصن يتحدثن �إىل �أبنائهن بلغة‬ ‫راقية، بحيث كل جيل ي�ساهم يف اقرتاب لغة‬ ‫الدار من لغة ال�صحافة، وخا�صة ال�صحافة‬ ‫اليومية والتلفزيون اللذين تلتقي فيهما اللغة‬ ‫الدارجة والعربية ويقرتبان من بع�ضهما‬ ‫البع�ض. التجربة نف�سها، مر منها امل�رصيون‬ ‫فما ن�سميه اللهجة امل�رصية فهي يف حقيقتها‬ ‫لهجة قاهرية، ولي�ست لها �أي عالقة باللهجات‬ ‫الأخرى التي يتحدث بها باقي امل�رصيني يف‬ ‫املناطق الأخرى من م�رص. �أنتقل يف ال�سياق‬ ‫نف�سه �إىل اللغة التي يتحدث بها البغداديون،‬ ‫لأقول هي لغة العا�صمة العراقية ولي�ست لها‬ ‫�أي عالقة باللغة التي ت�ستعملها كل منطقة من‬ ‫مناطق العراق خارج بغداد. �أقول هذا من‬ ‫باب التمهيد �إىل الإجابة عن ال�س�ؤال، و�أنتقل‬ ‫مبا�رشة �إىل املو�ضوع الذي يهمني. يقول‬ ‫الدعاة �إىل اعتماد الدارجة املغربية �إنهم‬ ‫يحتاجون �إىل مائة عام لبناء اللغة التي‬ ‫يتحدث بها املغاربة حتى ت�صري لغة خمدومة‬ ‫وق���ادرة على �أن ت�صري لغة للتدري�س‬ ‫والكتابة، �أقول لك، امنحني هذه املائة عام‬ ‫حتى �أبني اللغة املعربة و�أخدمها، و�ست�صري‬ ‫هي اللغة التي يتحدث بها �أي مغربي يف البيت‬ ‫وال�شارع، و�ست�صري هي لغة احلديث اليومي‬ ‫ولغة التدري�س والكتابة.‬ ‫‪� Ý Ý‬أال ت��رون �أنها مهمة م�ستحيلة‬ ‫التحقق؟‬ ‫€ € امنحني مائة عام وت�سلح بالنف�س الطويل،‬ ‫و�سرتى النتيجة بامللمو�س. الدعاة �إىل اعتماد‬ ‫الدارجة يطلبون مائة �سنة ليبنوا الدارجة حتى‬ ‫ت�صري لغة احلديث اليومي ولغة التدري�س‬ ‫وكتابة ن�صو�ص ميكن �أن يفوز ن�ص منها‬ ‫بجائزة نوبل للآداب، �إذن فليمنحوا هذه املدة‬ ‫الزمنية لبناء اللغة املعربة وخدمتها، لريوا‬ ‫النتيجة دون �إحداث قطيعة ثقافية مع �إرث‬ ‫الثقافة العربية وما تزخر به من كنوز، ال‬ ‫ميكن للدارجة �أن تعو�ضها. مائة عام مدة‬ ‫كافية حلدوث الرتاكم الكايف لتطور العربية‬ ‫وملء ال�رشخ بينها وبني الدارجة.‬ ‫من يحارب العربية اليوم؟‬ ‫‪� Ý Ý‬ست�صري لنا نحن املغاربة، لغة‬ ‫وطنية خا�صة بنا، متيزنا عن �شعوب‬ ‫املنطقة.‬ ‫€ € يظهر �أنك مل ت�سايرين يف ما ذهبت �إليه منذ‬ ‫انطالق احلوار. لغتك تظهر �أنك يا�سيدي، مل‬ ‫ت�ستوعب �أنني �أتفق معك مائة يف املائة، ولكن‬ ‫عليك �أن ت�ست�رشف النتيجة من هذه اللحظة،‬ ‫لأن و�ضعك �سيكون يف جميع الأحوال كو�ضع‬ ‫هولندا التي ا�ستقلت بلغتها عن �إ�سبانيا واللغة‬ ‫الإ�سبانية، من �سيهتم بك وبلغتك املغربية يف‬ ‫دنيا اللغات؟!‬ ‫يقول‬ ‫‪� Ý Ý‬إذا �سمحتم، لرنفع اللب�س الذي‬ ‫يظهر �أنه ما زال يحكم درد�شتنا،‬ ‫الدعاة �إىل اعتماد‬ ‫لي�س هناك طرف ينادي ب�إق�صاء‬ ‫الدارجة املغربية �إنهم يحتاجون �إىل‬ ‫العربية، و�إمن��ا املطلوب هو‬ ‫مائة عام لبناء اللغة التي يتحدث بها املغاربة‬ ‫خدمة اللغة الوطنية التي هي‬ ‫حتى ت�صري لغة خمدومة وقادرة على �أن ت�صري لغة‬ ‫املغربية حتى يقع التعاون‬ ‫بينها وبني ما ت�سمونه اللغة‬ ‫للتدري�س والكتابة، �أقول لك، امنحني هذه املائة عام‬ ‫املعربة، يف �أفق حل املع�ضلة‬ ‫حتى �أبني اللغة املعربة و�أخدمها، و�ست�صري هي اللغة‬ ‫اللغوية باملغرب‬ ‫التي يتحدث بها �أي مغربي يف البيت وال�شارع،‬ ‫€€ ال���ذي���ن ي���ن���ادون ب��اع��ت��م��اد‬ ‫و�ست�صري هي لغة احلديث اليومي ولغة‬ ‫الدارجة، هل يخدمون هذه اللغة؟‬ ‫التدري�س والكتابة.‬ ‫نعي�ش يف‬ ‫احلياة اليومية والعادية،‬ ‫وقائع املخا�صمات امل�ستمرة بني البنت‬ ‫و�أمها بعد االنف�صال وا�ستقالل البنت‬ ‫بحياتها بعيدا عن الأم. هذا ما �سيقع �إذا ما‬ ‫انف�صلت الدارجة عن العربية و�صارت‬ ‫لغة م�ستقلة بذاتها‬ ‫‪� Ý Ý‬ستظل العربية الف�صحى لغة معتمدة‬ ‫ل�ضمان ما ت�سمونه الرتبية الثقافية حتى‬ ‫ال تقع القطيعة مع الإرث الأدبي العربي.‬ ‫€ € لنفر�ض ذلك، و�أن العربية ا�ستمرت �إىل‬ ‫جانب اللغة الدارجة، يقول املثل ما معناه �أن‬ ‫قلبني ال ميكن لهما �أن يوجدا يف �صدر واحد.‬ ‫كنت �س�أتفق معك لو ذهبت يف قولك �إىل �أننا‬ ‫�سنبني اللغة الدارجة و�سنعدم العربية ونعو�ضها‬ ‫باللغة الفرن�سية �أو الإجنليزية، �أما �أن تعتمد‬ ‫اللغة الدارجة وحتتفظ بالعربية �إىل جانبها‬ ‫فك�أنك حتتفظ ب��الأم �إىل جانب ابنتها لت�ضمن‬ ‫الأ�صل والإرث وكذا االمتداد. �أ�س�ألك هنا، هل‬ ‫ت�ضمن احلفاظ على �ضمان اتفاق البنت و�أمها‬ ‫بعد انفـ�صال الأوىل عن الـثانية وا�ستقاللها‬ ‫بذاتها وحياتها وم�ستقبلها؟! نعي�ش يف احلياة‬ ‫اليومية والعادية، وقائع املخا�صمات امل�ستمرة‬ ‫بني البنت و�أمها بعد االنف�صال وا�ستقالل‬ ‫البنت بحياتها بعيدا عن الأم. هذا ما �سيقع �إذا‬ ‫ما انف�صلت الدارجة عن العربية و�صارت‬ ‫لغة م�ستقلة بذاتها، �إذ ال ميكن لهما �أن ي�ستمرا‬ ‫يف ت�صاحلهما وت�ساكنهما كما هو احلال الآن،‬ ‫ف�إما �أن تهيمن الدارجة على العربية، و�إما �أن‬ ‫ت�ستمر العربية يف فر�ض و�صايتها على الدارجة‬ ‫وت�سيطر على ابنتها وتتحكم يف حا�رضها‬ ‫وم�ستقبلها.‬ ‫‪ Ý Ý‬ق�ضية اللغة ال��وط��ن��ي��ة، ال‬ ‫عالقة لها بالأفراد، و�إمنا هي م�رشوع‬ ‫ح�ضاري وق�ضية دولة، الدولة املغربية‬ ‫وهي ت�سعى �إىل ت�أ�سي�س لغتها الوطنية‬ ‫باعتبارها �رشطا من �رشوط اكتمال بناء‬ ‫الدولة الوطنية.‬ ‫€€ يظهر �أن��ك مل ت�ستوعب ما قلته منذ‬ ‫البداية. هل لديك �أو لدى الدعاة �إىل اعتماد‬ ‫‪ Ý Ý‬كيف ميكن للف�صحى املح�صورة يف‬ ‫الدارجة لغة وطنية، قناعة �أن هذه الق�ضية‬ ‫فعل القراءة والكتابة فقط، �أن ت�سيطر‬ ‫ت�ستحق �أن تتفرغ الدولة لالهتمام بها وجعلها‬ ‫من �أوليات اهتمامها لأنها �رشط من �رشوط‬ ‫على املغربية احلية واملتطورة دائما؟!‬ ‫بنائها واكتمالها؟! قبل �أي �رشوع يف الإجابة‬ ‫عن هذا ال�س�ؤال، هل ت�ضمن نتيجة هذه املغامرة € € �أوال، �أنا ال �أحتدث عن العربية الف�صحى‬ ‫و�إمن��ا عن العربية املعربة. اللغة العربية‬ ‫غري حم�سوبة العواقب؟‬
  • 6.
    ‫»الجمعة 22 نونبر3102‬ ‫»الـعـدد : 4315‬ ‫»السنة : 61‬ ‫11‬ ‫مل‬ ‫ي�سبق يل �أن و�صل‬ ‫�إىل علمي، جناح جتربة من‬ ‫التجارب التي دعت �إىل التخل�ص‬ ‫من لغة قائمة الذات، وتبني لغة‬ ‫حملية ما زالت مادة يف حكم اخلام،‬ ‫وحتتاج �إىل البناء وحتقيق الرتاكمات‬ ‫التاريخية حتى تقف على قدميها،‬ ‫وتناف�س اللغة التي ت�سعى �إىل‬ ‫�إزاحتها.‬ ‫الف�صحى هي اللغة املكتوبة يف كتاب واحد، ال‬ ‫يقر�ؤه الكثريون وال ي�ستعمله �أحد، وهذا الكتاب‬ ‫هو "مقامات احلريري". هذا الكتاب هو وحده‬ ‫ميثل اللغة الف�صحى. القر�آن لي�س لغة ف�صحى‬ ‫لأن لغته يف متناول اجلميع، وال يحتاج �إىل‬ ‫القوامي�س واملعاجم لفهم لغته.‬ ‫‪ Ý Ý‬كيف حتققت الف�صحى يف مقامات‬ ‫احلريري دون �سائر امل�ؤلفات التي‬ ‫كتبت بالعربية؟‬ ‫€ € �س�أو�ضح لك كيف حتققت الف�صحى يف‬ ‫مقامات احل��ري��ري. ك��ان ه��دف احلريري‬ ‫من ت�أليف مقاماته، هو تعليم قارئه املفردات‬ ‫اخلا�صة كي تنجح يف الت�أليف وكتابة ال�شعر‬ ‫وغ�يره، ومل يكن هدفه من املقامات الكتابة‬ ‫الفنية. كان هدفه لغويا �رصفا، على العك�س‬ ‫متاما من الهمداين الذي كان هدفه فنيا لأنه كتب‬ ‫مقاماته لغاية فنية ال دخل للتعليم فيها.‬ ‫‪ Ý Ý‬على العك�س، مقامات احلريري‬ ‫نا�ضجة فنيا مقارنة مبقامات الهمداين.‬ ‫€ € غري �صحيح. مقامات احلريري مكتوبة‬ ‫بكلمات غري مفهومة ومرتوكة وال ي�ستعملها‬ ‫�أي متكلم يف لغته. جرب �أن تقر�أ مقامات‬ ‫احلريري، واخترب مدى قدرتك على ا�ستعمال‬ ‫املفردات التي كتبها بها يف ما �ستكتبه وتوجهه‬ ‫�إىل القراء ليقر�ؤوه ويفهموه دون حاجة �إىل‬ ‫القوامي�س واملعاجم.‬ ‫�إن لغة القر�آن تت�ضمن كلمات كثرية لي�ست ف�صيحة، كلمات‬ ‫خا�صة به. �أريد يف هذه النقطة بالذات الوقوف عند م�س�ألة �إعجاز‬ ‫القر�آن، لأقول �إن �إعجازه يتحقق يف كون لغته ال ت�شبه �أي لغة‬ ‫عربية �أخرى. هنا �أ�شري باملنا�سبة �إىل كون ما �أطلق عليه القدامى‬ ‫العربية الف�صيحة، ال يعدو �أن يكون لغة البدو التي مل تخالطها‬ ‫لغة احل�ضر �أو املدينة‬ ‫‪ Ý Ý‬قلتم �إن القر�آن نف�سه لي�س عربية‬ ‫ف�صحى، كيف؟!‬ ‫€ €بدليل �أن القر�آن يت�ضمن كلمات كثرية‬ ‫لي�ست عربية ف�صيحة. ل��ن �أدخ���ل هنا يف‬ ‫التفا�صيل التي حتتاج �إىل درا�سة م�ستقلة عما‬ ‫نحن يف غمار اخلو�ض فيه، لكنني �س�أكتفي‬ ‫بالقول �إن لغة القر�آن تت�ضمن كلمات كثرية‬ ‫لي�ست ف�صيحة، كلمات خا�صة به. �أريد يف‬ ‫هذه النقطة بالذات الوقوف عند م�س�ألة �إعجاز‬ ‫القر�آن، لأقول �إن �إعجازه يتحقق يف كون‬ ‫لغته ال ت�شبه �أي لغة عربية �أخرى. هنا �أ�شري‬ ‫باملنا�سبة �إىل كون ما �أطلق عليه القدامى العربية‬ ‫الف�صيحة، ال يعدو �أن يكون لغة البدو التي مل‬ ‫تخالطها لغة احل�رض �أو املدينة، وال �أعتقد �أن‬ ‫الف�صيح له عالقة بالتمجيد، على العك�س متاما،‬ ‫ففي القرن الثاين والثالث للهجرة �صارت لغة‬ ‫البدو تعترب لغة "الهمج".‬ ‫نعم، القرآن ليس لغة فصحى‬ ‫هذا الكالم ينايف كون رواة اللغة العربية‬ ‫وعلمائها كانوا يقطعون الفيايف والأرا�ضي‬ ‫القفار ليت�صلوا بالبدو وي�سمعوا منهم مبا�رشة‬ ‫ودون و�سائط، العربية احلقيقية والنقية من‬ ‫ف�ساد عربية �سكان املدن التي �أ�صابها النحل �أو‬ ‫�آفة التطور واال�ستعمال اليومي، و�أظن �أننا مل‬ ‫نبتعد عن مو�ضوعنا لأن ذلك النحل هو �أ�صل‬ ‫العربية الأخ��رى التي �صارت دارج��ة �أو‬ ‫عامية مقارنة بالعربية الف�صحى.‬ ‫ق�ضية ت�أ�سي�س العربية الف�صحى كما و�صلتنا‬ ‫لها عالقة بال�سيا�سة، لأن احلكام كانوا عربا‬ ‫وخـ�ضعوا ملدة ق�صـرية، لنوع من االبتزاز‬ ‫من طرف العـرب الأقحـاح الذين كـانـوا‬ ‫يطالبـون بنـ�صـيبهم مـن موقع كون الدين‬ ‫الإ�سـالمي دينهم واللغـة العـربية لغـتــهم،‬ ‫و�أنهـم هـم من �أو�صلوا الأموييـن �إىل �سدة‬ ‫احلكم، وعلى احلاكمني �أن يخ�ضعوا‬ ‫ملـطالـب الـذين �أو�صلوهم �إىل �سدة‬ ‫احلكم. �أظـن �أن ال غر�ض لنا بالدخـول‬ ‫فـي هذه التفا�صـيل والـحيثيات التي لن‬ ‫تفـيــدنا يف مو�ضـوعنا الذي نحـن ب�صـدد‬ ‫درا�سـته.‬ ‫‪ Ý Ý‬لنرتك هذا املو�ضوع ال�شائك‬ ‫مل�ؤرخي اللغة العربية و�أ�سباب‬ ‫م�شاكلها، ولنعد �إىل تو�صية‬ ‫ن��دوة "�سبيل النجاح" التي دعا‬ ‫فيها رجل التوا�صل، نبيل عيو�ش،‬ ‫�إىل اعتماد الدارجة املغربية لغة‬ ‫للتدري�س يف املدر�سة املغربية.‬ ‫€ € ط��ي��ب، �أع���ود �إىل‬ ‫م��و���ض��وع ح��وارن��ا‬ ‫امل�شكل يا‬ ‫لأق��ول �إن الذين‬ ‫�سيدي، يتمثل يف امل�ستويات‬ ‫خ����ا�����ض����وا يف‬ ‫التي �ستلي ال�سنوات الأوىل من التعليم‬ ‫م����و�����ض����وع‬ ‫ال���ع���رب���ي���ة‬ ‫االبتدائي، لأن الدعاة �إىل اعتماد الدارجة‬ ‫وال���دارج���ة،‬ ‫لغة للتدري�س، ال ي�ستوعبون �أنهم �سيدخلون‬ ‫���س��ق��ط��وا يف‬ ‫اخل���ل���ط ب�ين‬ ‫الطفل يف متاهات ال قدرة له على العثور على‬ ‫�شقني اث��ن�ين.‬ ‫�سبيل النجاح يف اخلروج منها �ساملا‬ ‫ه���ن���اك ال�����ش��ق‬ ‫وغامنا.‬ ‫التقني الرتبوي،‬ ‫و�أق��ول يف هذا ال�شق‬ ‫�إن ما يطالب به الدعاة‬ ‫�إىل اعتماد اللغة الدارجة لغة‬ ‫للتدري�س والكتابة، هو احلد الأدن��ى، وهذا‬ ‫احل��د موجود ومتحقق، وحتى �إن مل يكن‬ ‫موجودا فعلينا �أن نعمل على �إيجاده وحتقيقه‬ ‫على �أر�ض الواقع.‬ ‫‪ Ý Ý‬م��ا ه��و ه���ذا احل���د الأدن����ى ال��ذي‬ ‫تتحدثون عنه الآن على م�ستوى‬ ‫اعتماد التدري�س بالدارجة املغربية يف‬ ‫املدر�سة املغربية عو�ض العربية؟‬ ‫€ € ه��ذا احل��د الأدن��ـ��ى ه��و م��ا ي��دع��و �إليه‬ ‫ال��راغ��ب��ون يف اعتماد اللغة ال��دارج��ة لغة‬ ‫للتدري�س والكتابة، ويحددون مـجاله يف م�س�ألة‬ ‫�ضمان حدوث التوا�صل، و�ضمان �سبيل جناح‬ ‫الطفل ملا يلتحق باملدر�سة، يف حتقيق الفهم‬ ‫واال�ستيعاب بلغته الأم. ملزيد من التو�ضيح‬ ‫فاحلد الأدن���ى ال��ذي يطالب به ال��دع��اة �إىل‬ ‫اعتماد الدارجة يف التدري�س، يتمثل ح�سب ما‬ ‫يدعون �إليه، يف التحدث �إىل الطفل بلغته الأم‬ ‫التي تربى على التحدث بها واكت�سب مهارات‬ ‫فهمها وا�ستيعاب معانيها، يف مرحلة رو�ض‬ ‫الأطفال وال�سنوات الثالث الأوىل من التعليم‬ ‫االبتدائي. هذا امل�ستوى الذي هــو احلد الأدنى‬ ‫ملا يطالبون به، �إما هـو موجــود ومتحقق‬ ‫عمليا يف تدري�س الطفل ملا يلتحق باملدر�سة،‬ ‫وال يحتاج �إىل تلك الدعوة التي ال حمل لها‬ ‫مما هـو عليه الأمر الواقع يف العملية‬ ‫التعليمـية باملــدر�سة املغربية، و�إما‬ ‫�أنه غـري موجود وعلينا العمل على‬ ‫�إيجاده وحتقيـقـه بامللمو�س حتى‬ ‫جند حال لهذا امل�شـكل، ون�ضع نقطة‬ ‫نهاية لدعوة اعتمـاد الدارجة التي‬ ‫ال حتمد عواقبها عـلى مـ�ستــوى‬ ‫قطع �صلة املغربي ب�إرثه الثقايف‬ ‫العربي و�إجنازاته التي ال ميكن‬ ‫ل��ل��دارج��ة �أن تعو�ضه وحتل‬ ‫حمله.‬ ‫‪Ý Ý‬ب��ال��ت��ايل �أي����ن يكمن‬ ‫امل�شكل؟ وملاذا خرجتم من‬ ‫مقبعكم لتعار�ضوا الدعوة‬ ‫�إىل اع��ت��م��اد ال��دارج��ة‬ ‫املغربية لغة للتدري�س؟‬ ‫€ امل�������ش���ك���ل‬ ‫€‬ ‫ي���ا ���س��ي��دي، ي��ت��م��ث��ل يف‬ ‫امل�ستويات ال��ت��ي �ستلي‬ ‫ال�سنوات الأوىل من التعليم‬ ‫االبتدائي، لأن الدعاة �إىل‬ ‫اعتماد الدارجة لغة للتدري�س،‬ ‫ال ي�ستوعبون �أنهم �سيدخلون الطفل‬ ‫يف متاهات ال ق��درة له على العثور على‬ ‫�سبيل النجاح يف اخلروج منها �ساملا وغامنا.‬ ‫�أو�ضح �أكرث، �سيورط �أ�صحاب هذه الدعوة‬ ‫الطفل يف متاهات �أننا نريد اعتماد الدارجة‬ ‫لأنها لغة التوا�صل والفهم ال�رسيع، و�أننا ال‬ ‫نحارب الف�صحى، و�إمنا ن�سعى �إىل �أن نخدم‬ ‫اللغة التي يتوا�صل بها املغاربة، ونعمل على‬ ‫�أن تكون لغتنا الوطنية اخلا�صة بنا، و�سننتج‬ ‫بها �أدبا خا�صا بنا ومييزنا عما �سوانا من �شعوب‬ ‫اجلوار الذين كانت جتمعنا بهم لغة مل تعد قادرة‬ ‫على �ضمان التوا�صل والغاية املتـوخــاة منه.‬ ‫هذا لن يتحقق �إال يف امل�ستقبل امل�ستحيل. تعدين‬ ‫مب�ستقبل لغوي وردي، بينه وبني التحقق‬ ‫على �أر�ض الواقع، ما بني الأر�ض والقمر.‬ ‫لهذه الأ�سباب التي ذكرتها ف�أنا واقعي على هذا‬ ‫امل�ستوى، ومل ي�سبق يل �أن و�صل �إىل علمي،‬ ‫جناح جتربة من التجارب التي دعت �إىل‬ ‫التخل�ص من لغة قائمة الذات، وتبني لغة‬ ‫حملية ما زالت مادة يف حكم اخلام، وحتتاج‬ ‫�إىل البناء وحتقيق الرتاكمات التاريخية حتى‬ ‫تقف على قدميها، وتناف�س اللغة التي ت�سعى‬ ‫�إىل �إزاحتها.‬ ‫يتبع في عدد الغد‬
  • 7.
    ‫21‬ ‫»السبت 32/ األحد42 نونبر 3102‬ ‫»الـعـدد : 5315‬ ‫»السنة : 61‬ ‫على سبيل االستهالل الالبد منه‬ ‫و�ص��لنا �إىل املرحل��ة الرابع��ة من حديث الكب�ير عبد اهلل العروي يف امل�س���ألة‬ ‫اللغوية، وو�ص��ل �إلينا �ص��دى النا�س وانتظارهم ملا قاله الأ�س��تاذ، مثلما و�ص��لت‬ ‫�إلينا نقا�ش��ات املغاربة �إن يف ال�ش��ارع �أو يف منتديات التوا�ص��ل االجتماعي وهم‬ ‫يقبل��ون على احل��وار ككل، ويعتربونه حدث ال�س��اعة الثقايف، ويعربون كل من‬ ‫وجهة نظره عن موقفه من الذي يقال ويكتب الآن.‬ ‫هذا النقا�ش هو ما�سعينا �إليه ونحن نفتح الأذرع والأح�ضان للدرر الثمينة التي‬ ‫قاله��ا الأ�س��تاذ لإح�سا�س��نا �أن املغاربة ينتظ��رون مثل هذا النوع م��ن املحاورة،‬ ‫ولإمياننا �أن ال�ص��حافة عليها �أن ترتقي بالفعل يف ممار�ستها اليوم من التناف�س‬ ‫ح��ول من �س��ينزل �إىل احل�ض��ي�ض �أك�ثر، لكي ت�أخ��ذ الطريق املعاك�س، وت�س��لك‬ ‫الوجهة الأخرى، وجهة من ي�ستطيع �أن ي�صعد بالنا�س �إىل �أعلى.‬ ‫يف احللق��ات ال�س��ابقة م��ن املح��اورة اللغوية مع الكب�ير العروي تف��رع النقا�ش‬ ‫�إىل احلدي��ث عن الدارجة و�إمكانيات اال�س��تعمال احلقيقية له��ا يف التدري�س،‬ ‫مثلما مررنا من لغة القر�آن ومدى ف�ص��احتها، و�أعطى الأ�س��تاذ الربهان على �أن‬ ‫ماينتظ��ر الأمة اليوم هو احلفاظ عل��ى ثقافتها ال فقط على لغتها و�أن الرهان‬ ‫هو رهان تخلف فكري و�ضرورة التخل�ص منه، مثلما انتقلنا يف املحاورة املمتعة‬ ‫م��ع رجل م��ن حجم العروي �إىل �أ�ص��حاب الدعوة اخلا�ص��ة بتدري�س الدارجة،‬ ‫وم�ساءلتهم عن الإمكانية الفعلية واحلقة لذلك.‬ ‫انتقل بنا �أ�س��تاذنا �أي�ضا �إىل النماذج ال�س��ابقة يف جمال التدريج، وفتح القو�س‬ ‫عاليا عن �ض��رورة االنت�س��اب للع�ص��ر اللغوي الذي نحن فيه، ويف اجلزء الرابع‬ ‫الذي ين�شر اليوم، مثلما يف اجلزء اخلام�س والأخري الذي �سين�شر يوم الإثنني‬ ‫املقب��ل، تتوا�ص��ل عملي��ة التلخي���ص لأهم ماقي��ل يف احلوار، وتتوا�ص��ل عملية‬ ‫التن�ص��ي�ص على �ض��رورة �أن يتوا�ص��ل النقا�ش و�أن يتحدث �أه��ل العلم واخلربة‬ ‫فيه لأنه ح�س��ا�س ويعني كل املغاربة ويعني م�س��تقبلهم، ويعني كل ما�س��يقع يف‬ ‫بلدهم الحقا.‬ ‫لنوا�ص��ل اال�س��تماع ولنقب�ض على حلظة املتعة املعرفية هات��ه بكل قوانا، فهي‬ ‫الدليل على �أن املغرب �سيظل قادرا من خالل �أبنائه الكبار على �أن ي�سمع �صوته‬ ‫يف اللحظات احلا�سمة. لنتابع‬ ‫4‬ ‫�أرف�ض االجتاه الذي ي�سعى �إىل �أن‬ ‫ت�صري ثقافة املغاربة ثقافة فلكلورية‬ ‫كالم البد منه:‬ ‫�س��ررنا كثري ال�س��رور ب��ردود الأفعال التي عرب عنها ع��دد كبري من القراء‬ ‫املحرتمني، وجاءتنا االت�صاالت الهاتفية الداعية �إىل جعل حلظة حوار‬ ‫العروي �أو حماورته حلظة لدعوة املغاربة ومثقفيهم على وجه اخل�صو�ص‬ ‫من �أجل االلتحاق بهذا النقا�ش و�إ�شباعه بحثا وحتليال لكي نعطي الدليل‬ ‫جميع��ا عل��ى �أننا نعرف م��دى ح�سا�س��ية اللحظة، ومدى �ض��رورة �أن نقول‬ ‫ال��ر�أي فيها بكل و�ض��وح وبكل اخت�لاف وبكل ود جميل يت�س��ع لكل املغرب‬ ‫الذي نحن فيه والذي يت�سع لكل تناق�ضاتنا مهما بدت لنا كبرية.‬ ‫حاوره : المختار لغزيوي/ جمال زايد‬ ‫المدرسة مجال مضبوط لالنتقال من الشفوي إلى الكتابي‬ ‫تصوير : محمد وراق‬ ‫‪ Ý Ý‬يظهر من كالمكم �إىل حد الآن، �أنكم‬ ‫ال تعار�ضون التدري�س بالدارجة، لأن‬ ‫ذلك التدري�س �أمر واقع يف ال�سنوات‬ ‫‪ Ý Ý‬لنتمهل قليال عند مثال الأ�ستاذ‬ ‫الأوىل من االبتدائي، ولكنكم تتحفظون‬ ‫البي�ضاوي الذي عينته الوزارة‬ ‫وتعار�ضون تر�سيم الأمر حتى ال حتدث‬ ‫يف مدر�سة ابتدائية ب�شف�شاون،‬ ‫القطيعة مع الإرث الثقايف العربي، هل‬ ‫وننطلق منه لنقف و�إياكم على‬ ‫هناك موانع �أخرى ترونها وجيهة يف‬ ‫امل�شاكل التي ي�ستدعيها التدري�س‬ ‫الرد على الدعاة �إىل ذلك الرت�سيم؟‬ ‫بالدارجة واعتمادها بالتايل لغة‬ ‫للكتابة، ما هي هذه امل�شاكل؟‬ ‫€ € طبعا هناك موانع �أخرى، و�أكتفي مبثال‬ ‫ب�سيط ولكنه دال. ه�ؤالء الذين يدعون �إىل € € لن �أدخ��ل مرة �أخ��رى يف التفا�صيل،‬ ‫التدري�س بالدارجة، يرف�ضون ا�ست�رشاف‬ ‫م��ا ينتظر ه��ذه امل��غ��ام��رة م��ن م�شاكل على‬ ‫�أر�ض الواقع. تخيل معي، �أنا �أ�ستاذ التعليم‬ ‫االبتدائي قادم من الدار البي�ضاء و�أتقن التحدث‬ ‫بالدارجة البي�ضاوية و�أجهل التحدث ب�أي‬ ‫دارجة �أخرى، عينتني ال��وزارة يف مدر�سة‬ ‫ابتدائية مبدينة �شف�شاون. التحقت مبوقع‬ ‫تعييني، وفوجئت منذ و�صويل بكون �أهل‬ ‫هذه املدينة يتحدثون بدارجة �أجد �صعوبات‬ ‫كبرية يف ا�ستيعاب طريقة نطقها وكلماتها‬ ‫وكذا تراكيبها. هذا م�شكل كبري �سيواجهني‬ ‫يف التوا�صل مع تالمذتي، هل �أحتدث �إليهم‬ ‫بالدارجة البي�ضاوية التي �أتقن التحدث بها؟‬ ‫لن يفهموين، �إذن علي �أن �أتعلم التحدث‬ ‫بلهجتهم حتى �أ�ضمن جناح التوا�صل. �سينقلب‬ ‫الدور، و�س�أ�ضطر �إىل تعلم دارجة �شف�شاون‬ ‫من تالمذتي! �سي�صري التلميذ ال�شف�شاوين معلما!‬ ‫و�سينقلب املعلم البي�ضاوي �إىل متعلم! �إذا كان‬ ‫هذا الو�ضع هو ما ي�سعى �إليه املطالبون باعتماد‬ ‫الدارجة يف املدر�سة املغربية، فهذه املدر�سة لن‬ ‫ت�صلح لأي �شيء! هذا ما قاله �صاحبنا القذايف‬ ‫"التعليم بيتي"، وال حاجة لنا مب�ؤ�س�سة املدر�سة‬ ‫مبا �أن الأم �ستقوم باملهمة الرتبوية والتعليمية،‬ ‫و�ست�صلح �ش�أن �أبنائها وبناتها. انتبه، ف�أنا مل‬ ‫�أبتعد هنا عن مو�ضوعنا ال�شائك، و�أنوب عن‬ ‫الدعاة �إىل التدري�س بالدارجة، لأجعلهم يقفون‬ ‫على منطق ما يدعون �إليه. �إذا اعتمدنا الدارجة‬ ‫يف التدري�س وتعليم الطفل فال حاجة باملدر�سة،‬ ‫لأن البيت ميكن �أن يقوم بهذه املهمة �أح�سن‬ ‫قيام، مبا �أن اللغة املعتمدة هي لغة البيت،‬ ‫و�إال ف�إن املدر�سة �ستناف�س البيت يف مهمته‬ ‫الرتبوية والتعليمية.‬ ‫اعتماد الدارجة حط وتبخيس من قيمة المغرب والمغاربة‬ ‫عليك أن تعثر على سيبويه جديد قادر على دراسة الدارجة‬ ‫م�شكل‬ ‫اللغة العربية �أنها لي�ست‬ ‫�أبجدية و�إمنا ن�صف �أبجدية. لي�س‬ ‫هذا عيبا فيها و�إمنا هي خ�صو�صية جتعلها‬ ‫لغة يكت�سبها املتكلم بها على �شقني، ال�شق‬ ‫الأول يتعلق بتعلم احلروف، ثم تعلم احلركات‬ ‫التي حترك تلك احلروف، لي�صري النطق‬ ‫�أو القراءة عبارة عن حتريك ذلك‬ ‫اجل�سم الذي هو، مثال، «كتب» �أو‬ ‫«كتاب».‬ ‫و�أكتفي مبثال تاريخي يكفي يف نظري،‬ ‫للوقوف على امل�شاكل التي ي�ستدعيها التدري�س‬ ‫بالدارجة وكتابة هذه اللغة ال�شفوية. �أ�ستدعي‬ ‫لهذا الغر�ض لوبنياك الذي �ألف م�ؤلفا �ضخما‬ ‫ح��ول دارج���ة منطقة زع�ير ع��ام 5491،‬ ‫و�أتوجه �إىل كل من يتقن التحدث بهذه اللغة،‬ ‫و�أقرتح عليه قراءة تلك الدارجة التي ا�شتغل‬ ‫عليها لوبنياك، ليقف على �أنها ال عالقة لها‬ ‫بالعربية الدارجة التي يتحدث بها �أهل زعري‬ ‫الآن. �أورد هذا املعطى التاريخي لأ�صل �إىل‬ ‫اخلال�صة التي تعنينا يف مو�ضوعنا، لأننا �إذا‬ ‫كتبنا الدارجة وانتقلنا بها من م�ستوى اللغة‬ ‫ال�شفوية �إىل م�ستوى اللغة املكتوبة، �سنقوم‬ ‫بتجميدها يف املكتوب، و�سنجعلها تنف�صل عن‬ ‫ال��دارج��ة اليومية التي يتحدث بها النا�س،‬ ‫وتتوقف بالتايل عن م�سايرة جمريات ذلك‬ ‫التحدث اليومي وما يراكمه من تطورات‬ ‫وحتوالت تطر�أ على اللغة ال�شفوية غري املقيدة‬ ‫بقيد الكتابة، لنجد �أنف�سنا بعد خم�سني �سنة �أمام‬ ‫نف�س امل�شكل الذي تعاين منه العربية من حيث‬ ‫هي لغة مكتوبة. �أعود هنا �إىل قراءة القر�آن‬ ‫جهرا، و�أ�ستح�رض ما قاله ابن خلدون حول‬ ‫��ضرورة �أن يردد الأطفال تلك القراءة يف‬ ‫الكتاتيب، وال يهم �أنهم ال يفهمون ما يرددونه‬ ‫ب�صوت مرتفع، لأن الغاية من تلك القراءة‬ ‫هي ت�صويب النطق و�ضبط �سالمة خمارج‬ ‫احلروف كما يف التمرن على �أداء الغناء.‬ ‫‪ Ý Ý‬ما عالقة هذا الكالم بالو�ضع‬ ‫احل��ايل للغة العربية والدعوة �إىل‬ ‫تعوي�ضها بالدارجة؟‬ ‫€ € لأجيب عن �س�ؤالك �س�أ�ضطر �إىل‬ ‫االبتعاد قليال عما تطلب مني. م�شكل‬ ‫اللغة العربية �أنها لي�ست �أبجدية و�إمنا‬ ‫ن�صف �أبجدية. لي�س هذا عيبا فيها‬ ‫و�إمنا هي خ�صو�صية جتعلها لغة يكت�سبها‬ ‫املتكلم بها على �شقني، ال�شق الأول‬ ‫يتعلق بتعلم احلروف، ثم تعلم احلركات‬ ‫التي حترك تلك احلروف، لي�صري النطق‬ ‫�أو القراءة عبارة عن حتريك ذلك اجل�سم الذي‬ ‫هو، مثال، «كتب» �أو «كتاب». بناء على‬ ‫هذه اخل�صو�صية، �إذا تعلمت احل��روف ومل‬ ‫تتعلم احلركات التي حترك تلك احلروف،‬ ‫لن تنجح يف عملية القراءة التي تتطلب منك‬ ‫حتريك تلك احلروف ح�سب املطلوب يف كل‬ ‫كلمة. من هنا يجد الأجانب عن اللغة العربية‬ ‫�صعوبة يف قراءة الكلمات العربية، لأنهم قد‬ ‫ي�ضبطون احلروف ولكنهم يفتقدون احلركات‬ ‫التي حترك تلك احلروف حتى يح�صل املراد‬ ‫من فعل القراءة. �أ�ضيف �إىل هذه اخل�صو�صية‬ ‫م�س�ألة ال�رصف والتحكم يف العبارات مبيزان‬ ‫ذل��ك ال�رصف. �س�أقدم �أمثلة ت�شخ�ص هذه‬ ‫امل�س�ألة، و�أقول "فعل" و"ا�ستفعل" و"تفاعل"‬ ‫و"افتعل" و"انفعل". ن�صري هنا ك�أننا �أمام‬ ‫قواعد مو�سيقية وعليك �أن ت�ستوعبها وت�ضبطها‬ ‫وتتحكم يف ا�ستعمالها، حتى ت�صري قواعد‬ ‫مكت�سبة ذهنيا. �إذا حدث هذا، وا�ستح�رضنا تعلم‬ ‫احلروف واحلركات، ميكنك �أن تنجز فعل‬ ‫القراءة والكتابة دون م�شاكل.‬ ‫‪� Ý Ý‬أال ترون �أن هذا هو م�شكل اللغة‬ ‫العربية و�سبب �أزمتها باعتبارها لغة‬ ‫معقدة وحروفها ال تعد وال حت�صى؟‬ ‫€ € على العك�س، و�أمهلني �إىل �أن �أنهي‬ ‫كالمي. تلك القواعد هي اخلطاطات التي‬ ‫ينبغي تعلمها و�ضبطها وا�ستيعابها ذهنيا، و�إذا‬ ‫ا�ستوعب املتكلم تلك اخلطاطات عرب القواعد،‬ ‫يعني بالأجرومية، و�أ�ضاف �إليها احلركات‬ ‫التي حترك احلروف، ت�صري هي �سبب القراءة‬ ‫دون ال�سقوط يف ارتكاب الأخطاء. ميكن �أن‬ ‫جتري جتربة ملمو�سة لتقف على ما قلت، من‬ ‫خالل القيام بتعليم طفل �أول كتابة اللغة العربية‬ ‫بحروف عربية، وتعليم طفل ثان كتابة تلك‬ ‫اللغة بحروف التينية. من �سيكون �أ�رسع؟‬ ‫‪ Ý‬‫الطفل الثاين �سيكـون �أ�سـرع يف‬ ‫‪Ý‬‬ ‫ق��راءة الكلمات العربية لأنه لن يهدر‬ ‫الوقت يف التفكري يف حركات احلروف‬ ‫قبل القراءة؟‬ ‫€ €هذا يف ال�سنة الأوىل فقط، لأن الطفل‬ ‫الثاين �سيقر�أ احلروف الالتينية ب�سهولة. �أما �إذا‬ ‫علمت الطفل الأول تلك اخلطاطات يف ال�سنة‬ ‫الثانية، و�سهرت على �أن ي�ستوعبها وي�ضبط‬ ‫قواعدها، ف�سيتفوق على الطفل الثاين يف ال�سنة‬ ‫الثالثة من تعلمهما للغة العربية، و�سيكون‬ ‫�أ�رسع يف القراءة والفهم. �أريد هنا �أن �أقف عند‬ ‫الذين خدموا اللغة العربية وقعدوا لها، وهم‬ ‫يف غالبهم لي�سوا عربا، و�إمنا من بالد فار�س‬ ‫وغريها. �سيبويه لي�س عربيا، وخدم اللغة‬ ‫العربية.‬ ‫‪ Ý Ý‬فعلتم ح�سنا و�أنتم تثريون �شكل‬ ‫اللغة العربية، لأن هذا ال�شكل هو �سبب‬ ‫�أزمتها، خا�صة على م�ستوى قراءة‬ ‫الطفل للكلمات مبا �أن��ه ي�صري مطالبا‬ ‫بفهم حركات حروف تلك الكلمات قبل‬ ‫قراءتها، ثم يقوم بقراءتها �إن هو جنح‬ ‫يف املهمة، لينتقل �إىل فهم معانيها، �أال‬ ‫ترون �أنها عملية معقدة؟‬ ‫€ € �أنت ال تريد �أن تفهم ما �أقول، ومتيل �إىل‬ ‫النقا�ش الفارغ. �أعود يا �سيدي، �إىل احلديث‬ ‫عن الدارجة التي تريدون تدري�س الطفل‬ ‫بها، ولنفر�ض �أنها دارجة واحدة وم�ستقرة‬ ‫و�ستحافظ على ا�ستقرارها مل��دة طويلة قد‬ ‫ت�ستغرق ع�رشين �أو ثالثني �سنة. كل هذا غري‬ ‫م�ؤكد وغري م�ضمون، ومع ذلك �أ�سايرك يف‬ ‫االنتقال بها �إىل م�ستوى الكتابة، و�ستكتبها‬
  • 8.
    ‫»السبت 32/ األحد42 نونبر 3102‬ ‫»الـعـدد : 5315‬ ‫31‬ ‫»السنة : 61‬ ‫املدر�سة ال عالقة لها بال�شفوي والتعبري العفوي‬ ‫والتلقائي كما يف لغة التوا�صل اليومي يف البيت‬ ‫وال�شارع. املدر�سة جمال م�ضبوط لالنتقال‬ ‫من ال�شفوي �إىل الكتابي، وال �أتفق مع الذين‬ ‫يدعون �أن الكتابي مات ووىل زمانه مع‬ ‫الأنرتنت وهيمنة ال�صورة.‬ ‫(�أر�شيف )‬ ‫ب��ح��روف عربية، لكنك �ستالقي �صعوبة‬ ‫كبرية يف قراءتها، لأنها ال تتوفر على تلك‬ ‫اخلطاطات التي ذكرتها، وعليك �أن تعرث‬ ‫على �سيبويه جديد قادر على درا�سة الدارجة،‬ ‫والتنقيب فيها ملعرفة هل تتوفر على خطاطات‬ ‫كتلك التي تتوفر عليها العربية. �أما �إذا مل تكن‬ ‫تتوفر على تلك اخلطاطات، فعليك �أن تنتقل‬ ‫�إىل اختيار كتابتها بحروف التينية، وعليك‬ ‫�أن تبدع حروفا جديدة قادرة على كتابة جميع‬ ‫�أ�صوات الدارجة اخلا�صة بها. �إذا قمت بهذه‬ ‫العملية ف�ستقطع �صلة الدارجة بالف�صحى،‬ ‫وبالتايل ال تدعي ب�أنك �ستحافظ على الف�صحى‬ ‫�إىل جانب الدارجة، لأنك اخرتت لغة �أخرى‬ ‫غري العربية، وكتبتها بحروف �أخرى غري‬ ‫حروف العربية، �ستخلق جيال جديدا منف�صال‬ ‫متاما عن العربية وثقافتها وما تزخر به من‬ ‫كنوز �ستحرمه من االطالع عليها.‬ ‫‪ ‬ Ý‬وماذا لو كتبنا الدارجة كما تنطق؟‬ ‫‪Ý‬‬ ‫€ €‫‬ خذ ال�صفحة ال�ساخرة بجريدة «الأحداث‬ ‫امل����غ����رب����ي����ة»،‬ ‫واقر�أها.‬ ‫‪Ý Ý‬‫‬ دارجة ال�ساخرة مكتوبة بالطريقة‬ ‫نف�سها التي تكتب بها العربية، �أنا �أقرتح‬ ‫مثال، كتابة كلمة "الداريجا" ولي�س‬ ‫االنتماء‬ ‫"الدارجة".‬ ‫�إىل املغرب وثقافته‬ ‫€ €‫‬ يظهر �أنك تبحث عن عمل �إ�ضايف‬ ‫وت�سعى �إىل خلق متاعب جديدة ال‬ ‫ال�شفوية �شيء، واالنتماء �إىل‬ ‫حاجة لنا بها، ولن ن�ستفيد منها،‬ ‫املوروث الثقايف العربي �شيء �آخر. �أكرث من‬ ‫و�سنثقل كاهل اللغويني ب�أمر لن‬ ‫يفيدنا يف حتقيق التقدم املرغوب،‬ ‫ذلك ف�أنا �أرى �أن االنتماء �إىل املغرب ال يتعار�ض‬ ‫و�إمن����ا ���س�نره��ن ب��ه م�ستقبلنا‬ ‫�أ�صال مع االنتماء، لي�س �إىل املجموعة العربية �أو‬ ‫ون�ضيف عبئا اقت�صاديا �إىل باقي‬ ‫�أعبائنا الأخ���رى والنتيجة يف‬ ‫ال�شعوب العربية، و�إمنا ثقافة اجلاحظ وابن‬ ‫الأخ�ير غري م�ضمونة. زيادة‬ ‫خلدون و�ألف ليلة وليلة. هذا املوقف‬ ‫على االنف�صال عن الثقافة العربية‬ ‫وموروثها، هل �سترتجم يل مقدمة‬ ‫خل�صته يف �أربع �صفحات �ضمن كتابي‬ ‫ابن خلدون �إىل الدارجة لأقر�أها؟!‬ ‫‪ Ý Ý‬ي�ستخل�ص من كالمكم �أنكم‬ ‫تناه�ضون اعتماد الدارجة يف التعليم،‬ ‫وتعار�ضون االرتقاء بها �إىل م�ستوى‬ ‫الكتابة، وتف�ضلون �أن تظل لغة‬ ‫التوا�صل يف البيت وال�شارع.‬ ‫€ € خل�����ص لزميلك‬ ‫م��ا قلته م��ن��ذ ان��ط�لاق‬ ‫احل�����وار ح��ت��ى يفهم‬ ‫م��وق��ف��ي م��ن م�س�ألة‬ ‫ت��دري�����س ال��دارج��ة.‬ ‫لنرتك الهزل جانبا،‬ ‫امل���و����ض���وع ج��دي‬ ‫ويتعلق مب�ستقبل‬ ‫�شعب، و�أعيد من‬ ‫باب التلخي�ص،‬ ‫ن‬ ‫�أ‬ ‫امل��ط��ل��وب‬ ‫«ديوان ال�سيا�سة».‬ ‫منا هو �أال نخلط بني ال�شفوي الذي‬ ‫املطلوب‬ ‫ل��ه جم��ال��ه، وب�ين املكتوب ال��ذي‬ ‫منا هو �أال نخلط بني‬ ‫له جماله، وال اع�ترا���ض على‬ ‫ا�ستعمال الدارجة �أو الدارجات‬ ‫ال�شفوي الذي له جماله، وبني املكتوب‬ ‫يف ال�����س��ن��وات الأوىل من‬ ‫التعليم، على �أ�سا�س �أن امل�س�ألة‬ ‫الذي له جماله، وال اعرتا�ض على ا�ستعمال‬ ‫تربوية وتتعلق بتي�سري طرق‬ ‫الدارجة �أو الدارجات يف ال�سنوات الأوىل من‬ ‫تدري�س الطفل حتى ينجح يف‬ ‫اال�ستيعاب ويح�صل املرجو‬ ‫التعليم، على �أ�سا�س �أن امل�س�ألة تربوية وتتعلق‬ ‫من العملية الرتبوية. �أظن‬ ‫بتي�سري طرق تدري�س الطفل حتى ينجح يف‬ ‫�أن ه��ذا امل�ستوى موجود يف‬ ‫املدر�سة املغربية، و�إن مل يكن‬ ‫اال�ستيعاب ويح�صل املرجو من العملية‬ ‫موجودا فعلينا �إيجاده وحتقيقه.‬ ‫الرتبوية.‬ ‫�أما م�س�ألة الكتابة بالدارجة واالنتقال‬ ‫بها �إىل م�ستوى الت�أليف الأدب���ي‬ ‫والعلمي، ف�أظن �أن ذلك الت�أليف لي�س‬ ‫جمال الدارجة، لأن جمالها حم��دود، وهو‬ ‫الغناء ال�شعبي والفكاهة واحلوارات يف ال�سينما‬ ‫والأعمال التلفزيونية، وهذا هو احلا�صل،‬ ‫و�أغلب امل�ستجوبني يف التلفزيون واملحطات‬ ‫الإذاعية، يتحدثون بلغة و�سطى بني الدارجة‬ ‫والـعربية. كل هذا ال عالقة له باملكتوب،‬ ‫واملدر�سة ال عالقة لها بال�شفوي والتعبري‬ ‫العفوي والتلقائي كما يف لغة التوا�صل اليومي‬ ‫يف البيت وال�شارع. املدر�سة جمال م�ضبوط‬ ‫لالنتقال من ال�شفوي �إىل الكتابي، وال �أتفق‬ ‫مع الذين يدعون �أن الكتابي مات ووىل زمانه‬ ‫مع الأنرتنيت وهيمنة ال�صورة. هذا �أمر غري‬ ‫�صحيح، لأن الكتابي ما زال م�ستمرا وفاعال يف‬ ‫الأنرتنيت، و�إمنا احلامل هو الذي تغري وانتقل‬ ‫من ال�صفحة �إىل ال�شا�شة. ما علينا، فما �أرف�ضه‬ ‫ورفـ�ضته منـذ زمان بعيد هو �أن نح�رص ثقافة‬ ‫املغاربة يف ال�شفوي ويف الفلكلور. �أرف�ض هذا‬ ‫االجتاه الذي ي�سعى �إىل �أن ت�صري ثقافة املغاربة‬ ‫ثقافـة فلكلورية. هذا حط وتبخي�س من قيمة‬ ‫املغرب واملغاربة، لأن االنتماء �إىل املغرب‬ ‫وثقافته ال�شفوية �شيء، واالنتماء �إىل املوروث‬ ‫الثـقايف العربي �شيء �آخر. �أكرث من ذلك ف�أنا‬ ‫�أرى �أن االنتماء �إىل املغرب ال يتعار�ض �أ�صال‬ ‫مع االنتماء، لي�س �إىل املجموعة العربية �أو‬ ‫ال�شعوب العربية، و�إمنا ثقافة اجلاحظ وابن‬ ‫خلدون و�ألف ليلة وليلة. هذا املوقف خل�صته‬ ‫يف �أرب���ع �صفحات �ضـمن كتابي «دي��وان‬ ‫ال�سيا�سة».‬ ‫‪Ý Ý‬‫‬ ماذا كتبتم يف «ديوان ال�سيا�سة»؟‬ ‫€ € �س�أقر�أ عليك مقـطعا مبا �أن��ك مل تقر�أ‬ ‫الكتاب "بعد اال�ستقالل دعا بع�ض املثقفني‬ ‫املفرن�سني �إىل اعتماد ال��دارج��ة لغة للتعبري‬ ‫الأدبي. كانوا يدعون �إىل ذلك وال يطـبقــونه‬ ‫�أبدا". �أ�شري هنا �إىل جملة "�أنفـا�س" خا�صة يف‬ ‫ن�سـختـها الـفرن�سية، لكنهم مل ي�سبق �أن مروا‬ ‫�إىل الفعل، واكتفوا بالدفــاع عن تلك الفـكرة‬ ‫دون تـطبيقها. "ظلت الدارجة ت�ستعمل، كما‬ ‫كانت دائما، يف الفنون املحكية: الأغنية،‬ ‫الكالم امل��وزون، امل�رسح الهزيل، اعتمدت‬ ‫يف الإذاعة ثم يف التلفزة، وكذلك لأغرا�ض‬ ‫تربوية �سيما يف حماربة الأمية، لكن مل يحاول‬ ‫�أحد من �أن�صار الدارجة عندنا ما حاوله �سعيد‬ ‫عقل يف لبنان �أو حممود تيمور يف م�رص. ما‬ ‫تفر�ضه املمار�سة احلالية مدعومة كما قـلت‬ ‫�آنفا، بالتقنيات احلديثة، هو اعتماد الدارجــة‬ ‫يف كل ما هو �شفاهي مهما تكن الو�سيلة،‬ ‫ومـهما يكن املـقام (ال�شارع، البيت، الربملان،‬ ‫املدر�سة، املعمل…)، واعتمـاد الفـ�صـحى‬ ‫فيما هو فكري، فح�صي، ت�أملي، رمزي،‬ ‫�أك��ان �أدب��ا �أو فـلـ�سفة �أو علما �أو تقنية…‬ ‫وبـ�سبب اال�شـرتاك يف احلرف، �إن الفـرق‬ ‫بني اللـغـتني يزيد �أو ينق�ص. عندما تر�سم‬ ‫الدارجة ف�إنها تفــ�صح بال�رضورة. كل قارئ‬ ‫ّ‬ ‫ي�ســتطـيع �أن يجرب ذلك بنف�سه. وعندما‬ ‫تقر�أ الف�صحى جهرا، عندما يحول احلرف‬ ‫�إىل �صوت، ف�إنها تقرتب حتما بالدارجة،‬ ‫�إذ حتذف �أو تختزل احلركات. لوال ذلك ملا‬ ‫�أدركنا يف احلني �أن املتكلم بالف�صحى م�رصي‬ ‫�أو خليجي �أو تون�سي �أو مغربي. ي�شارك‬ ‫بع�ض �أن�صار الدارجة دعاة الأمازيغية القول‬ ‫�إن الغر�ض لي�س ثقافيا وح�سب، بل هـو‬ ‫اجتماعي و�سيا�سي، �إذ يرمي �إىل ردم الهوة‬ ‫بني الطبقات، حمو الأمية، التخفيف من ثقل‬ ‫ال�تراث الكال�سيـكي امل�شـبع بالقيم العتيقة،‬ ‫عرقلة ت�أثري الف�ضائيات الظالمية. الهـدف‬ ‫نبيل. �إال �أنه قد يتحقق بطريق غـري تر�سيـم‬ ‫الدارجـة مع ما يتـبع ذلك من �سلبيات ذكرناها‬ ‫يف حق الأمازيغية. قـد يتحقق بـ«تعميم‬ ‫الف�صحى»، وهذا التعميم، �إذا ح�صل بالفعل،‬ ‫قد يتطور �إىل حد �أن تتميز الفـ�صـحى املـغربية‬ ‫عـن غريها تـميـز الإجنـليزية الهـندية عن‬ ‫الإجنـليزية الإجنليزية. والعملية هذه ليـ�سـت‬ ‫�أكـرث �صـعـوبة من التي يدعونا �إليـها �أن�صار‬ ‫الدارجة لو كانوا �صـادقني.‬ ‫يتبع في عدد اإلثنين‬
  • 9.
    ‫01‬ ‫»اإلثنين 52 نونبر3102‬ ‫»الـعـدد : 6315‬ ‫»السنة : 61‬ ‫على سبيل االستهالل الالبد منه‬ ‫و�صلنا �إىل املرحلة اخلام�سة والأخرية من حديث الكبري عبد اهلل العروي يف‬ ‫امل�س���ألة اللغوية، وو�ص��ل �إلينا �ص��دى النا�س وانتظارهم ملا قاله الأ�ستاذ، مثلما‬ ‫و�صلت �إلينا نقا�شات املغاربة �إن يف ال�شارع �أو يف منتديات التوا�صل االجتماعي‬ ‫وهم يقبلون على احلوار ككل، ويعتربونه حدث ال�س��اعة الثقايف، ويعربون كل‬ ‫من وجهة نظره عن موقفهم من الذي يقال ويكتب الآن.‬ ‫هذا النقا�ش هو ما�سعينا �إليه ونحن نفتح الأذرع والأح�ضان للدرر الثمينة التي‬ ‫قاله��ا الأ�س��تاذ لإح�سا�س��نا �أن املغاربة ينتظ��رون مثل هذا النوع م��ن املحاورة،‬ ‫ولإمياننا �أن ال�ص��حافة عليها �أن ترتقي بالفعل يف ممار�ستها اليوم من التناف�س‬ ‫ح��ول من �س��ينزل �إىل احل�ض��ي�ض �أك�ثر، لكي ت�أخ��ذ الطريق املعاك�س، وت�س��لك‬ ‫الوجهة الأخرى، وجهة من ي�ستطيع �أن ي�صعد بالنا�س �إىل �أعلى.‬ ‫يف احللق��ات ال�س��ابقة م��ن املح��اورة اللغوية مع الكب�ير العروي تف��رع النقا�ش‬ ‫�إىل احلدي��ث عن الدارجة و�إمكانيات اال�س��تعمال احلقيقية له��ا يف التدري�س،‬ ‫مثلما مررنا من لغة القر�آن ومدى ف�ص��احتها، و�أعطى الأ�س��تاذ الربهان على �أن‬ ‫ماينتظ��ر الأمة اليوم هو احلفاظ عل��ى ثقافتها ال فقط على لغتها و�أن الرهان‬ ‫هو رهان تخلف فكري و�ضرورة التخل�ص منه، مثلما انتقلنا يف املحاورة املمتعة‬ ‫م��ع رجل م��ن حجم العروي �إىل �أ�ص��حاب الدعوة اخلا�ص��ة بتدري�س الدارجة،‬ ‫وم�ساءلتهم عن الإمكانية الفعلية واحلقة لذلك.‬ ‫انتقل بنا �أ�س��تاذنا �أي�ضا �إىل النماذج ال�س��ابقة يف جمال التدريج، وفتح القو�س‬ ‫عاليا عن �ضرورة االنت�ساب للع�صر اللغوي الذي نحن فيه، و يف اجلزء اخلام�س‬ ‫والأخري الذي ين�ش��ر يومه الإثنني ، تتوا�ص��ل عملي��ة التلخي�ص لأهم ماقيل‬ ‫يف احل��وار، وتتوا�ص��ل عملي��ة التن�ص��ي�ص عل��ى �ض��رورة �أن يتوا�ص��ل النقا���ش‬ ‫و�أن يتح��دث �أه��ل العل��م واخلربة فيه لأنه ح�س��ا�س ويعن��ي كل املغاربة ويعني‬ ‫م�ستقبلهم، ويعني كل ما�سيقع يف بلدهم الحقا.‬ ‫لنوا�ص��ل اال�س��تماع ولنقب�ض على حلظة املتعة املعرفية هات��ه بكل قوانا، فهي‬ ‫الدليل على �أن املغرب �سيظل قادرا من خالل �أبنائه الكبار على �أن ي�سمع �صوته‬ ‫يف اللحظات احلا�سمة. لنتابع‬ ‫كالم البد منه:‬ ‫�س��ررنا كثري ال�س��رور ب��ردود الأفعال التي عرب عنها ع��دد كبري من القراء‬ ‫املحرتمني، وجاءتنا االت�صاالت الهاتفية الداعية �إىل جعل حلظة حوار‬ ‫العروي �أو حماورته حلظة لدعوة املغاربة ومثقفيهم على وجه اخل�صو�ص‬ ‫من �أجل االلتحاق بهذا النقا�ش و�إ�شباعه بحثا وحتليال لكي نعطي الدليل‬ ‫جميع��ا عل��ى �أننا نعرف م��دى ح�سا�س��ية اللحظة، ومدى �ض��رورة �أن نقول‬ ‫ال��ر�أي فيها بكل و�ض��وح وبكل اخت�لاف وبكل ود جميل يت�س��ع لكل املغرب‬ ‫الذي نحن فيه والذي يت�سع لكل تناق�ضاتنا مهما بدت لنا كبرية.‬ ‫حاوره : المختار لغزيوي/ جمال زايد‬ ‫‪ Ý Ý‬ان��ط�لاق��ا مم��ا ج���اء يف "ديوان‬ ‫ال�سيا�سة" ح��ول ال��دارج��ة، م��اذا لو‬ ‫تف�ضلتم وتو�سعتم �أكرث يف ذكر �سلبيات‬ ‫اعتماد تلك ال��دارج��ة لغة للتدري�س‬ ‫والكتابة.‬ ‫€ € ال�سلبية الأ�سا�سية لذلك االعتماد، تتمثل يف‬ ‫العبء االقت�صادي. بلد فقري يعاين من م�شاكل‬ ‫كثرية، وت�ضيف �إليها م�شكل خلق لغة جديدة،‬ ‫واملورد الب�رشي الذي �سيخدم تلك اللغة، زيادة‬ ‫على املعاهد وت�أليف املعاجم والكتب املتخ�ص�صة‬ ‫يف درا�سة هذه اللغة التي ت�سعى �إىل االنتقال بها‬ ‫من امل�ستوى ال�شفوي �إىل امل�ستوى الكتابي. كل‬ ‫ما �ستحققه �أنها �ستوجد منا�صب �شغل لكثري من‬ ‫الدكاترة املتخ�ص�صني يف اللغويات. هذا كل ما‬ ‫�ستحققه من العملية برمتها. لهذه ال�سلبيات ف�أنا‬ ‫مع تعميم الف�صحى وتخفي�ض م�ستواها حتى‬ ‫تنزل بها �إىل �أفهام العامة، وبالتايل مغربة‬ ‫العربية الف�صحى. من �سيعار�ض هذه العملية؟!‬ ‫‪ ‬ Ý‬على العك�س، �سيكون ذلك هدفا‬ ‫‪Ý‬‬ ‫مثاليا.‬ ‫€ ‬€ �أنت ال تقول مبغربة الف�صحى لأنك ت�سعى‬ ‫�إىل اعتماد الدارجة يف املدر�سة والكتابة. هذا‬ ‫التعميم �إذا ح�صل بالفعل، قد يتطور �إىل حد �أن‬ ‫تتميز العربية الف�صحى املغربية عن غريها. هذا‬ ‫ما كتبته يف "ديوان ال�سيا�سة"، وما زلت �أدافع‬ ‫عنه، لأن العربية املغربية املكتوبة تختلف عن‬ ‫العربية امل�رشقية املكتوبة، وبالتايل فتمغربيت‬ ‫تكون بالف�صحى وغ�ير الف�صحى، ولي�س‬ ‫بالدارجة املكتوبة بال�رضورة، و�إذا �أردت �أن‬ ‫تكون مغربيا، كن مغربيا بالتفكري، وانف�صل‬ ‫عن امل�شارقة بالفكر، ولي�س باللغة فقط.‬ ‫و�إذا �أردت �أن تبذل جهدا لتطويع الدارجة‬ ‫واالنتقال بها �إىل م�ستوى املكتوب، فلماذا ال‬ ‫تبذل ذلك اجلهد لتطوير الف�صحى املعربة التي‬ ‫هي لغتنا؟ تتحدثون عن العربية ك�أننا يف القرن‬ ‫الثاين الهجري الذي و�صل فيه �إىل املغرب‬ ‫نا�س يتحدثون بلغة ال متت �إىل لغتنا ب�صلة!‬ ‫العربية لغة مغربية، وهناك قبائل مغربية‬ ‫كثرية قدمت من امل�رشق، ولغتها الأ�صلية هي‬ ‫5‬ ‫كيف ال �أغ�ضب و�شخ�ص غريب عن املجال يريد‬ ‫فر�ض ر�أيه ال�شخ�صي على املغاربة، فقـط لأنــه‬ ‫يتوفــر على قنــاة ات�صــال ب�أ�صحـاب القـرار؟!‬ ‫ال أريد أن أشارك في هذه العملية االنتحارية‬ ‫تصوير : محمد وراق‬ ‫العربية.‬ ‫‪ Ý Ý‬انطالقا من جتربتكم يف الكتابة‬ ‫الروائية وجت��ارب روائ��ي�ين مغاربة‬ ‫�آخ��ري��ن، �أال تتفقون معي يف كون‬ ‫ال��دارج��ة عندما تنتقل �إىل املكتوب‬ ‫الروائي، ت�صري بدورها لغة للكتابة‬ ‫الروائية؟‬ ‫€ € عدد يل الن�صو�ص الروائية التي ا�ستعملت‬ ‫الدارجة يف الكتابة. كم من ن�ص روائي مغربي‬ ‫ا�ستعمل الدارجة املغربية؟ �إذا جمعت كل‬ ‫يف‬ ‫م��ا كتب بالدارجة‬ ‫تلك الن�صو�ص‬ ‫ف��ل��ن ت��ن��ج��ح يف‬ ‫ج���م���ع ك��ت��اب‬ ‫م��ن خم�سمائة‬ ‫�صفحة.‬ ‫‪ Ý Ý‬ت���ل���ك‬ ‫ال�����ص��ف��ح��ات‬ ‫هذه هي عقيدتي في مواجهة هذه الشعوبية الجديدة‬ ‫املعدودة ت�شكل بداية، وحتقق تراكما‬ ‫يف خدمة الدارجة وتعاونها احلواري‬ ‫مع ما ت�سميه املعربة.‬ ‫€ € ع��و���ض �أن �أخ���دم ال��دارج��ة، �أف�ضل‬ ‫ترجمة م�ؤلفات رو�سو �إىل العربية، لأن‬ ‫تلك الرتجمة �ستكون تعريبا لأفكار جديدة،‬ ‫ت�ساهم يف تغيري منظومتنا الفكرية. �أف�ضل‬ ‫ترجمة مونتي�سكيوه، وترجمة نظريات يف‬ ‫التاريخ عو�ض م�ضيعة الوقت يف الكيفية التي‬ ‫�س�أكتب بها "متان اخل�رضا اليوم ب�شحال؟".‬ ‫هذا لي�س معقوال. �أف�ضل الرتجمة عن هدر‬ ‫الوقت والطاقات يف �أمر لن يفيدنا. �إذا زرت‬ ‫لبنان وحتدث للبنانيني، �ستجدهم �أنهم يقولون‬ ‫العبارة باللبنانية ثم يرتجمونها �إىل الفرن�سية‬ ‫�أو الإجنليزية، لأنهم �شعب يع�شق الرتجمة،‬ ‫ولكن ه��ذا االنتقال الدائم من لغة �إىل لغة‬ ‫�أخرى، انتقال يغيب الإبداع، ويجعلك تتوهم‬ ‫�أنك حتقق تقدمك حني ترتجم ما تقوله بلغتك‬ ‫�إىل لغة �أخرى. هناك حقيقة ال ميكن �إنكارها،‬ ‫الإبداع العلمي والفني والعلمي، يتحقق الآن‬ ‫عند الناطقني بالإجنليزية، لأنهم ي�ستغلون ما‬ ‫�ست�ضيعه �أنت من وقت يف اال�شتغال على لغتك‬ ‫ال�شفوية والرهان على التعليم بها، ي�ستغلونه‬ ‫يف تطوير معارفهم والرتكيز على املفاهيم‬ ‫و�ضبط املعلومات. لهذا �أريد �أن �أو�ضح موقفي‬ ‫مما يقع الآن يف املغرب، و�أريد الك�شف عن‬ ‫�سبب غ�ضبي. م�شكلنا لي�س هو‬ ‫الت�أخر االقت�صادي �أو العلمي،‬ ‫بل م�شكلنا هو م�شكل ت�أخر‬ ‫فكري، �أي �أن املفاهيم التي‬ ‫تو�صل �إليها الآخ���رون مل‬ ‫ت�صلنا بعد. هذه املفاهيم ال‬ ‫ميكن �أن ت�صل �إليها، �إال‬ ‫�إذا تعلمت لغة �أجنبية‬ ‫و�أت��ق��ن��ت��ه��ا. ل��ذل��ك‬ ‫فامل�ستوى الفكري‬ ‫ال���ذي ي�صل �إليه‬ ‫الأ�شخا�ص الذين‬ ‫تعلموا الفرن�سية‬ ‫�أو الإجن��ل��ي��زي��ة‬ ‫و�أت��ق��ن��وه��ا، لي�س‬ ‫ه����و م�����س��ت��وى‬ ‫الأ����ش���خ���ا����ص‬ ‫ال���ذي���ن اك��ت��ف��وا‬ ‫بالعربية. هذه‬ ‫م�س�ألة الحظتها مرارا‬ ‫�أثناء لقاءاتي بامل�شارقة‬ ‫�ستكتب به تلك الدارجة! هل‬ ‫ت�صوروا‬ ‫يف باري�س وغريها،‬ ‫فكر الذين دعوا �إىل التعلم‬ ‫ف���ف���ي ال���وق���ت‬ ‫معي ما �ستثقلون به كاهل‬ ‫بالدارجة وتعميمها،‬ ‫الذي �أق��ر�أ فيه‬ ‫يف ما دع��وا �إليه؟!‬ ‫الطفل ال�صغري، �ستعلمونه احلرف‬ ‫دي����ك����ارت‬ ‫كل هذا لأقول �أنا‬ ‫يف ن�����ص��ه‬ ‫العربي واحلرف الالتيني وتيفيناغ، وال‬ ‫مغربي و�أحتدث‬ ‫ا لفر ن�سي‬ ‫لغتي املغربية‬ ‫تقفون عند هذا احلد، بل تطلبون منه �أن‬ ‫و�أع��م��ل‬ ‫و�أدر������س بها‬ ‫ج���اه���دا‬ ‫يتعلم بالدارجة كما يف البيت، و�أن يكتبها، وال‬ ‫و�أك��ت��ب، كما‬ ‫ع����ل����ى‬ ‫الكندي ال��ذي‬ ‫نعرف �إىل حد الآن احلرف الذي �ستكتب به‬ ‫ف��ه��م��ه،‬ ‫ي�سكن منطقة‬ ‫ي��ك��ت��ف��ي‬ ‫تلك الدارجة! هل فكر الذين دعوا �إىل‬ ‫الكيبيك ويتحدث‬ ‫غ���ي���ري‬ ‫ب��ال��ف��رن�����س��ي��ة.‬ ‫التعلم بالدارجة وتعميمها، يف ما‬ ‫ب���االط�ل�اع‬ ‫ت��ري��د لغتك، لك‬ ‫على ملخ�ص‬ ‫دعوا �إليه؟!‬ ‫ما �أردت، لكن ال‬ ‫ب��ال��ع��رب��ي��ة ملا‬ ‫تفر�ض �إرادت���ك على‬ ‫ك��ت��ب��ه دي���ك���ارت،‬ ‫املغاربة. املغاربة ورثوا‬ ‫ويظنون �أنهم ق��ر�ؤوه‬ ‫اللغة العربية، و�أنا ال يل دخل‬ ‫وف���ه���م���وه. ل���و ف��ر���ض‬ ‫يف م�س�ألة هذا الإرث، ت�ستعملها‬ ‫علينا الفرن�سيون اللغة‬ ‫جم��م��وع��ة ب����شري��ة ل��ه��ا وزن‬ ‫الفرن�سية �أثناء احلماية،‬ ‫يف ال��ع��امل. نعم العربية لغة‬ ‫و�أ�صبحت لغة احلديث‬ ‫تعاين من م�شاكل، ولكنها لغة‬ ‫والكتابة كما فعلوا يف‬ ‫موجودة وحتمل �إرث��ا ثقافيا‬ ‫�إفريقيا ال�سوداء، ملا كان‬ ‫كبريا وغنيا، و�إذا كنا نعاين‬ ‫يل اعرتا�ض على الأمر،‬ ‫من تخلف فكري ف�ل�أن اجلديد‬ ‫لأننا كنا �سن�ستوعب الفكر‬ ‫ي�صل �إلينا بو�ساطة وبعد خم�س‬ ‫احلديث، ولكن ذلك مل يحدث‬ ‫�أو ع�رش �سنوات. الأم��ر نف�سه يعي�شه‬ ‫لأن الفرن�سيني مل ي��ري��دوا فرن�ستنا،‬ ‫الإ�سبان وال�شعوب الناطقة بالإ�سبانية، على‬ ‫ووجدنا �أنف�سنا �أمام اللغة العربية، ومن ح�سن الرغم من �أنهم ال يعانون من م�شكل الفرق‬ ‫حظنا �أننا ل�سنا وحدنا يف هذه امل�س�ألة. هناك بني اللغة املحكية واللغة املكتوبة. الأمر نف�سه‬ ‫العرب من لبنانيني وم�رصيني و�سوريني تعي�شه الإيطالية مقارنة بالفرن�سية، وهذه‬ ‫وعراقيني، وت�ضافرت جهود اجلميع حلل الأخرية مقارنة بالإجنليزية. هذا ال يعني �أن‬ ‫امل�شكل. والآن تعرف الرتجمة مع �أم��وال نتخلى عن العربية، ونعود �إىل نقطة ال�صفر،‬ ‫البرتول، حركة الب�أ�س بها، وعو�ض الدفع ونقوم مبا قام به العرب يف ع�رص التدوين،‬ ‫بهذه احلركة يف املغرب، نفاج�أ مبن يترب�أ من ندون الدارجة لأنها لغة الأم، ونختارها لغة‬ ‫العربية ويريد الكتابة بالأمازيغية، ومن يدعي للتدري�س والكتابة! تريد �أن تعود بي القهقرى‬ ‫�أن العربية مل تعد تليق بنا وال ت�صلح لتدري�س �أربعة ع�رش قرنا �إىل اخللف! كيف ال �أغ�ضب‬ ‫�أبنائنا. ال دخل يل يف ما تريدون، واختاروا و�شخ�ص غريب عن املجال يريد فر�ض ر�أيه‬ ‫اللغة التي تريدون، ولكن اعلموا �أن الوقت ال�شخ�صي على املغاربة وعلى م�ستقبل البالد،‬ ‫الذي �ستق�ضونه يف خدمة تلك اللغة، هو وقت فقط لأنه يتوفر على قناة ات�صال ب�أ�صحاب‬ ‫�ست�ضيعونه يف تعلم هذه اللغة اجلديدة، ولن القرار، ويريد �إل��زام الدولة بالتدخل؟! �أنا‬ ‫ت�ستطيعوا ا�ستدراك ما �ضاع منكم. ت�صوروا من جهتي، ال �أريد �أن �أ�شارك يف هذه العملية‬ ‫معي ما �ستثقلون به كاهل الطفل ال�صغري، االنتحارية. ه��ذه هي عقيدتي يف مواجهة‬ ‫�ستعلمونه احلرف العربي واحلرف الالتيني ه��ذه ال�شعوبية اجل��دي��دة، ال�شعوبية ولي�س‬ ‫وتيفيناغ، وال تقفون عند هذا احلد، بل تطلبون ال�شعبوية...‬ ‫منه �أن يتعلم بالدارجة كما يف البيت، و�أن‬ ‫انتــــهى‬ ‫يكتبها، وال نعرف �إىل حد الآن احلرف الذي‬