قبسات  من سيرة الـكــــرّار علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه
نسبه هو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن عدنان وأمه فاطمة بنت   أسد بن هاشم بن عبد مناف‏ .‏   ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وربيبه وصهره على ابنته فاطمة رضي الله عنها وأبو سيدا شباب أهل الجنة الحسن والحسين ، وأول الصبيان إسلاما ،  وأحد العشرة المبشرين بالجنة ورابع الخلفاء الراشدين المهديين ،  الفارس المغوار والبطل الكرار فاتح معاقل خيبر مجندل الفوارس ، رضي الله عنه وأرضاه  . وهو أول خليفة أبواه هاشميان ولم   يل الخلافة إلى وقتنا هذا من أبواه هاشميان غيره وغير الحسن ولده ومحمد الأمين فإن أباه هارون الرشيد وأمه زبيدة بنت جعفر بن المنصور‏ .‏
إسلامه اختلف العلماء في أول من أسلم من الذكور ، مع الإتفاق على أن خديجة رضي الله عنها وأرضاها أول من أسلم وآمن في النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال قوم  :  أول ذكر آمن هو علي ، قاله ابن عباس وجابر وزيد بن أرقم وعفيف الكندي ومحمد بن المنذر وربيعة بن أبي عبد الرحمن وأبو حازم المدي الكلبي  .  ذكر ذلك ابن اسحق   استشهد به ابن هشام في سيرته والبيهقي في الدلائل والسنن الكبرى   . فقد أصابت قريش أزمة شديدة وكان أبو طالب ذا عيال كثيرة ، فقال يوما رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمّه العباس رضي الله عنه ، يا عمّ إن أبا طالب كثير العيال فانطلق بنا نخفف عن عيال أبي طالب ، فانطلقا إليه وأعلماه ما أرادا ، فقال أبو طالب  :  اتركا لي عقيلا واصنعا ما شئتما ، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً ، وأخذ العباس جعفراً ، فلم يزل عليّ عند النبي صلى الله عليه وسلم حتى أرسله الله فاتّبعه  .  وقيل أنه أسلم وهو ابن عشر سنوات وقيل أقل من ذلك وقيل أكثر  .
كما قيل أن أول من أسلم هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه وقيل أن أول من أسلم هو زيد بن حارثة ، وعموما نقول كما ذكر أهل العلم أن أول الرجال إسلاما أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، وأول الصبيان أسلاماً هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وأول الموالي إسلاما هو زيد بن حارثة رضي الله عنه ، كما أن أول النساء إسلاما هي السيدة خديجة رضي الله عنها وأرضاها  .
من مناقبه حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة‏ .‏  حدثنا غندر عن   شعبة‏ .‏  ح وحدثنا محمد بن المثنى وابن بشار‏ .‏  قالا‏ :‏  حدثنا محمد بن جعفر‏ .‏  حدثنا   شعبة عن الحكم، عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص، عن سعد بن أبي وقاص‏ .‏  قال‏ :‏   خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب، في غزوة تبوك‏ .‏   فقال‏ :‏  يا رسول الله‏ !‏  تخلفني في النساء والصبيان‏؟‏ فقال   ‏ "‏ أما ترضى أن تكون   مني بمنزلة هارون من موسى‏؟‏ غير أنه لا نبي بعدي‏ "‏‏.‏   (  رواه مسلم  ) حدثنا يحيى بن يحيى التميمي وأبو جعفر، محمد بن   الصباح وعبيدالله القواريري وسريج بن يونس‏ .‏  كلهم عن يوسف بن الماجشون ‏ (‏ واللفظ   لابن الصباح‏ )‏‏.‏  حدثنا يوسف، أبو سلمة الماجشون‏ .‏  حدثنا محمد بن المنكدر عن سعيد   بن المسيب، عن عامر بن سعد ابن أبي وقاص، عن أبيه، قال‏ :‏   قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي   ‏ "‏ أنت مني بمنزلة هارون من موسى‏ .‏  إلا أنه لا نبي بعدي‏ "‏‏.‏   (  رواه مسلم  )
حدثنا قتيبة بن سعيد‏ .‏  حدثنا يعقوب ‏ (‏ يعني ابن   عبدالرحمن القاري‏ )‏  عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة  رضي الله عنه  أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال، يوم خيبر  ‏ " ‏ لأعطين هذه   الراية رجلا يحب الله ورسوله‏ .‏  يفتح الله على يديه‏ "‏‏.‏   قال عمر بن الخطاب‏ :‏  ما   أحببت الإمارة إلا يومئذ‏ .‏  قال فتساورت لها رجاء أن أدعى لها‏ .‏  قال فدعا رسول   الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب‏ .‏  فأعطاه إياها‏ .‏  وقال   ‏ "‏ امش‏ .‏  ولا   تلتفت‏ .‏  حتى يفتح الله عليك‏ "‏‏.‏   قال فسار علي شيئا ثم وقف ولم يلتفت‏ .‏  فصرخ‏ :‏   يا رسول الله‏ !‏  على ماذا أقاتل الناس‏؟‏ قال   ‏ "‏ قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا   الله وأن محمدا رسول الله‏ .‏  فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم‏ .‏  إلا   بحقها‏ .‏  وحسابهم على الله‏ "‏‏.‏   (  رواه مسلم  )
رواية أخرى  :  حدثنا قتيبة بن سعيد‏ .‏  حدثنا عبدالعزيز ‏ (‏ يعني   ابن أبي حازم‏ )‏  عن أبي حازم، عن سهل‏ .‏  ح وحدثنا قتيبة بن سعيد ‏ (‏ واللفظ   هذا‏ )‏‏.‏  حدثنا يعقوب ‏ (‏ يعني ابن عبدالرحمن‏ )‏  عن أبي حازم‏ .‏  أخبرني سهل بن سعد   :   أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر   ‏ " ‏ لأعطين هذه الراية   رجلا يفتح الله على يديه‏ .‏  يحب الله ورسوله‏ .‏  ويحبه الله ورسوله‏ "‏   قال فبات   الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها‏ .‏  قال فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى   الله عليه وسلم‏ .‏  كلهم يرجون أن يعطاها‏ .‏  فقال   ‏ "‏ أين علي بن أبي طالب‏؟‏‏ "‏   فقالوا‏ :‏  هو، يا رسول الله‏ !‏  يشتكي عينيه‏ .‏   قال  :   فأرسلوا إليه ‏ .‏  فأتى به، فبصق   رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه‏ .‏  ودعا له فبرأ‏ .‏  حتى كأن لم يكن به   وجع‏ .‏  فأعطاه الراية‏ .‏  فقال علي‏ :‏  يا رسول الله‏ !‏  أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا‏ .‏   فقال   ‏ "‏ انفذ على رسلك‏ .‏  حتى تنزل بساحتهم‏ .‏  ثم ادعهم إلى الإسلام‏ .‏  وأخبرهم بما   يجب عليهم من حق الله فيه‏ .‏  فوالله‏ !‏  لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن   يكون لك حمر النعم‏ "‏‏.‏   (  رواه مسلم  )
حدثني زهير بن حرب وشجاع بن مخلد‏ .‏  جميعا عن ابن   علية‏ .‏  قال زهير‏ :‏  حدثنا إسماعيل بن إبراهيم‏ .‏  حدثني أبو حيان‏ .‏  حدثني يزيد بن   حيان‏ .‏  قال‏ :‏   انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم‏ .‏  فلما   جلسنا إليه قال له حصين‏ :‏  لقد لقيت، يا زيد‏ !‏  خيرا كثيرا‏ .‏  رأيت رسول الله صلى   الله عليه وسلم‏ .‏  وسمعت حديثه‏ .‏  وغزوت معه‏ .‏  وصليت خلفه‏ .‏  لقد لقيت، يا زيد   خيرا كثيرا‏ .‏  حدثنا، يا زيد‏ !‏  ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم‏ .‏  قال‏ :‏   يا ابن أخي‏ !‏  والله‏ !‏  لقد كبرت سني‏ .‏  وقدم عهدي ‏ .‏  ونسيت بعض الذي كنت أعي من   رسول الله صلى الله عليه وسلم‏ .‏  فما حدثتكم فاقبلوا‏ .‏  وما لا، فلا تكلفونيه‏ .‏  ثم   قال‏ :‏  قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فينا خطيبا‏ .‏  بماء يدعى خما‏ .‏  بين   مكة والمدينة‏ .‏  فحمد الله وأثنى عليه‏ .‏  ووعظ وذكر‏ .‏  ثم قال   ‏ "‏ أما بعد‏ .‏  ألا   أيها الناس‏ !‏  فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب‏ .‏  وأنا تارك فيكم   ثقلين‏ :‏  أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله‏ .‏  واستمسكوا به‏ "‏   فحث على كتاب الله ورغب فيه‏ .‏  ثم قال   ‏ "‏ وأهل بيتي‏ .‏  أذكركم الله في أهل بيتي‏ .‏   أذكركم الله في أهل بيتي‏ .‏  أذكركم الله في أهل بيتي‏ "‏‏.‏   فقال له حصين‏ :‏  ومن أهل   بيته‏؟‏ يا زيد‏ !‏  أليس نساؤه من أهل بيته‏؟‏ قال‏ : ‏  نساؤه من أهل بيته‏ .‏  ولكن أهل   بيته من حرم الصدقة بعده‏ .‏   قال‏ :‏  وهم‏؟‏ قال‏ :‏  هم آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر،   وآل عباس ‏ .‏  قال‏ :‏  كل هؤلاء حرم الصدقة‏؟‏ قال‏ :‏  نعم‏ .‏   (  رواه مسلم  )
رواية أخرى  :  حدثنا محمد بن بكار بن الريان‏ .‏  حدثنا حسان ‏ (‏ يعني ابن إبراهيم‏ )‏  عن سعيد ‏ (‏ وهو ابن مسروق‏ )‏ ، عن يزيد بن حيان، عن زيد بن أرقم‏ .‏  قال‏ :‏  دخلنا عليه فقلنا له‏ :‏  قد رأيت خيرا‏ .‏  لقد صاحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وصليت خلفه‏ .‏  وساق الحديث بنحو حديث أبي حيان‏ .‏  غير أنه قال  ‏ "‏ ألا وإني تارك فيكم ثقلين‏ :‏  أحدهما كتاب الله عز وجل‏ .‏  هو حبل الله‏ .‏  من اتبعه كان على الهدى‏ .‏  ومن تركه كان على ضلالة‏ "‏‏.‏   وفيه‏ :‏  فقلنا‏ :‏  من أهل بيته‏؟‏ نساؤه‏؟‏ قال‏ :‏  لا‏ .‏  وايم الله‏ !‏  إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر‏ .‏  ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها‏ .‏  أهل بيته أصله، وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده‏ "‏‏.‏   (  رواه مسلم  ) قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي   ‏ "‏  أنت مني وأنا منك ‏ "‏‏.‏   وقال عمر :   توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنه راض   .  (  رواه البخاري  )
حدثنا قتيبة بن سعيد‏ .‏  حدثنا عبدالعزيز ‏ (‏ يعني   ابن أبي حازم‏ )‏  عن أبي حازم، عن سهل بن سعد‏ .‏  قال‏ :‏   استعمل على المدينة رجل من آل مروان‏ .‏  قال فدعا سهل بن سعد‏ .‏   فأمره أن يشتم عليا‏ .‏  قال فأبى سهل‏ .‏  فقال له‏ : ‏   أما إذا أبيت فقل‏ :‏  لعن الله   أبا التراب‏ .‏  فقال سهل‏ :‏  ما كان لعلي اسم أحب إليه من أبي التراب‏ .‏  وإن كان   ليفرح إذا دعي بها‏ .‏   فقال له‏ :‏  أخبرنا عن قصته‏ . ‏  لم سمي أبا التراب‏؟‏ قال‏ :‏   جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت فاطمة‏ .‏  فلم يجد عليا في البيت‏ .‏  فقال   ‏ "‏ أين ابن عمك‏؟‏‏ "‏   فقالت‏ :‏  كان بيني وبينه شيء‏ .‏  فغاضبني فخرج‏ .‏  فلم يقل   عندي‏ .‏  فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لإنسان  ‏ "‏ انظر‏ .‏  أين هو‏؟‏‏ "‏   فجاء   فقال‏ :‏  يا رسول الله‏ !‏  هو في المسجد راقد‏ .‏  فجاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم   وهو مضطجع‏ .‏  قد سقط رداؤه عن شقه‏ .‏  فأصابه تراب ‏ .‏  فجعل رسول الله صلى الله عليه   وسلم يمسحه عنه ويقول  ‏ "‏ قم أبا التراب‏ !‏  قم أبا التراب‏ !‏‏"‏‏.‏   (  رواه مسلم  )
رواية أخرى  :  حدثنا عبد الله بن مسلمة، حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، أن رجلا، جاء إلى سهل بن سعد فقال هذا فلان ـ لأمير المدينة ـ يدعو عليا عند المنبر‏ .‏  قال فيقول :  ماذا قال :  يقول له أبو تراب‏ .‏  فضحك  و قال :   والله ما سماه إلا النبي صلى الله عليه وسلم، وما كان له اسم أحب إليه منه‏ .‏   فاستطعمت الحديث سهلا، وقلت يا أبا عباس كيف ؟  قال  :  دخل علي ّ  على فاطمة ثم خرج فاضطجع في المسجد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم   ‏ "‏  أين ابن عمك ‏ "‏‏.‏   قالت في المسجد‏ .‏  فخرج إليه فوجد رداءه قد سقط عن ظهره، وخلص التراب إلى ظهره، فجعل يمسح التراب عن ظهره فيقول   ‏ "‏  اجلس يا أبا تراب ‏ "‏‏.‏   مرتين‏ .‏   (  رواه البخاري  ) حدثنا محمد بن رافع، حدثنا حسين، عن زائدة، عن أبي حصين، عن سعد بن عبيدة، قال جاء رجل إلى ابن عمر، فسأله عن عثمان، فذكر عن محاسن عمله، قال   :   لعل ذاك يسوؤك ‏ .‏  قال نعم‏ .‏  قال :   فأرغم الله بأنفك‏ .‏   ثم سأله عن علي، فذكر محاسن عمله  ،  قال :   هو ذاك، بيته أوسط بيوت النبي صلى الله عليه وسلم‏ .‏   ثم قال :   لعل ذاك يسوؤك ‏ .‏  قال أجل‏ .‏  قال :   فأرغم الله بأنفك، انطلق فاجهد على جهدك‏ .‏   (  رواه البخاري  )
حدثني محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن الحكم، سمعت   ابن أبي ليلى، قال حدثنا علي   :  أن فاطمة، عليها السلام شكت ما تلقى من أثر الرحا،   فأتى النبي صلى الله عليه وسلم سبى، فانطلقت فلم تجده، فوجدت عائشة، فأخبرتها، فلما   جاء النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته عائشة بمجيء فاطمة، فجاء النبي صلى الله عليه   وسلم إلينا، وقد أخذنا مضاجعنا، فذهبت لأقوم فقال   ‏ "‏  على مكانكما ‏ "‏‏.‏   فقعد   بيننا حتى وجدت برد قدميه على صدري وقال   ‏ "‏  ألا أعلمكما خيرا مما سألتماني إذا   أخذتما مضاجعكما تكبرا أربعا وثلاثين، وتسبحا ثلاثا وثلاثين، وتحمدا ثلاثة وثلاثين،   فهو خير لكما من خادم ‏ "‏‏.‏ (  رواه البخاري  )   عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها  :  أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه علي فأدخله في عباءته –  في كساءه  – ثم جاءت فاطمة فأدخلها ثم   جاء الحسن فأدخله ثم جاء الحسين فأدخله ثم جللهم أي غطاهم صلوات الله وسلامه عليه بالكساء ثم قال  :   ”   اللهم هؤلاء   أهل بيتي اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا   ”   (  رواه مسلم  ).
قال تعالى  :  ”  فَمَنْ حَآجَّكَ   فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا   وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ   نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ  ” (61 –  آل عمران  ) أرسل نصارى نجران وفدهم العاقب والسيد في نفر إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم   ، وأرادوا مباهلته فخرج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومعه علي وفاطمة والحسن   والحسين فلما رأوهم قالوا‏ :‏  هذه وجوه لو أقسمت على الله أن يزيل الجبال لأزالها   ولم يباهلوه وصالحوه على ألفي حلة ثمن كل حلة أربعون درهمًا وعلى أن يضيفوا رسل   رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وجعل لهم ذمة الله تعالى وعهده ألا يفتنوا عن   دينهم ولا يعشروا وشرط ع ل يهم أن لا يأكلوا الربا ولا يتعاملوا به‏ .‏ (  تفسير ابن كثير  )
عن  أبي هريرة  رضي الله عنه  قال :  ”  بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذنين يوم النحر، نؤذن بمنى ألا لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان .  قال حميد بن عبدالرحمن :   ثم أردف رسول الله  صلى الله عليه وسلم  علياً فأمره أن يؤذن ببراءة .  قال أبو هريرة :  فــأذن معنـا علي في أهل منى يوم النحر لا يحــج بعد العــام مشــرك، ولا يطوف بالبيت عريان  ”  (  رواه البخاري  )   وفضائله ومناقبه بلا شك كثيرة رضي الله عنه وأرضاه
الخلافة  حين قتل عثمان بن عفان رضي الله عنه  بقيت المدينة خمسة أيام وأميرها الغافقي بن حرب يلتمسون من يجيبهم   إلى القيام بالأمر فلا يجدونه ووجدوا طلحة في حائط له ووجدوا سعدًا والزبير قد خرجا   من المدينة ووجدوا بني أمية قد هربوا إلا من لم يطق الهرب وهرب سعيد والوليد ومروان   إلى مكة وتبعهم غيرهم فأتى المصريون عليًا فباعدهم وأتى الكوفيون الزبير فباعدهم   وأتى البصريون طلحة فباعدهم وكانوا مجتمعين على قتل عثمان مختلفين فيمن يلي   الخلافة‏ .‏   فأرسلوا إلى سعد يطلبونه فقال‏ :‏  إني وابن عمر لا حاجة لنا فيها   ،  فأتوا ابن عمر فلم يجبهم فبقوا حيارى‏ .‏   وقال بعضهم لبعض‏ :‏  لئن جرع الناس إلى أمصارهم بغير إمام لم نأمن   الاختلاف وفساد الأمة‏ .‏ فجمعوا أهل المدينة لهم‏ :‏  يا أهل المدينة أنتم أهل الشورى   وأنتم تعقدون الإمامة وحكمكم جائز على الأمة فانظروا رجلًا تنصبونه ونحن لكم تبعٌ   وقد أجلناكم يومكم فوالله لئن لم تفرغوا لنقتلن غدًا عليًا وطلحة والزبير وأناسًا   كثيرًا‏ !‏  فغشي الناس عليًا فقالوا‏ :‏  نبايعك فقد ترى ما نزل بالإسلام وما ابتلينا   به من بين القرى‏ .‏
فقال علي‏ :‏  دعوني والتمسوا غيري فإنا مستقبلون أمرًا له وجوه وله   ألوان لا تقوم به القلوب ولا تثبت عليه العقول ‏ .‏   فقالوا‏ :‏  ننشدك الله‏ !‏   ألا ترى ما نحن فيه ألا ترى الإسلام ألا   ترى الفتنة ألا تخاف الله   ،  فقال‏ :‏  قد أجبتكم واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما   أعلم وإن تركتموني فإنما أنا كأحدكم ألا إني أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه‏ .‏   ثم افترقوا على ذلك واتعدوا الغد‏ .‏   ولما أصبحوا يوم البيعة وهو يوم الجمعة حضر الناس المسجد وجاء علي   فصعد المنبر وقال‏ :‏   أيها الناس عن ملأٍ وإذن إن هذا أمركم ليس لأحد فيه حق إلا من أمرتم   وقد افترقنا بالأمس على أمر وكنت كارهًا لأمركم فأبيتم إلا أن أكون عليكم ألا وإنه   ليس لي دونكم إلا مفاتيح ما لكم معي وليس لي أن آخذ درهمًا دونكم فإن شئتم قعدت لكم   وإلا فلا أجد على أحد‏ .‏   فقالوا‏ :‏  نحن على ما فارقناك عليه بالأمس‏ .‏   فقال‏ :‏  اللهم اشهد ‏ .‏   وبويع يوم الجمعة لخمس بقين من ذي الحجة والناس يحسبون بيعته من يوم قتل عثمان‏ .‏
ثم ألقى عليا رضي الله عنه خطبته  وما أن فرغ من الخطبة وهو على المنبر قال السبئية‏ .‏   خذها إليك واحذرن أبا حسن إنا نمر الأمر إمرار الرسن صولة أقوامٍ   كأشداد السفن بمشرفياتٍ كغدران اللبن ونطعن الملك بلينٍ كالشطن حتى يمرن على غير   عنن  ،  فقال علي‏ :‏  إني عجزت عجزةً لا أعتذر سوف أكيس بعدها وأستمر أرفع من ذيلي ما   كنت أجر وأجمع الأمر الشتيت المنتشر إن لم يشاغبني العجول المنتصر إن تتركوني   والسلاح يبتدر   ،  ورجع علي إلى بيته فدخل عليه طلحة والزبير في عدد من الصحابة   فقالوا‏ :‏  يا علي إنا قد اشترطنا إقامة الحدود وإن هؤلاء القوم قد اشتركوا في قتل   هذا الرجل  -  أي عثمان  -  وأحلوا بأنفسهم ‏ .‏   فقال‏ :‏  يا إخوتاه إني لست أجهل ما تعلمون ولكن كيف أصنع بقوم   يملكوننا ولا نملكهم ها هم هؤلاء قد ثارت معهم عبدانكم وثابت إليهم أعرابكم وهو   خلاطكم يسومونكم ما شاؤوا فهل ترون موضعًا لقدرة على شيء مما تريدون   ،  قالوا‏ :‏  لا‏ .‏   قال‏ :‏  فلا والله لا أرى إلا رأيًا ترونه أبدًا إلا أن يشاء الله‏ .‏   إن هذا الأمر أمر جاهلية وإن لهؤلاء القوم مادة وذلك أن الشيطان لم   يشرع شريعة قط فيبرح الأرض من أخذ بها أبدًا‏ .‏
وقال  :  إن الناس من هذا الأمر إن حرك على أمور‏ :‏  فرقة ترى ما ترون وفرقة ترى ما لا ترون وفرقة لا ترى هذا ولا هذا حتى يهدأ الناس وتقع القلوب مواقعها وتؤخذ الحقوق فاهدأوا عني وانظروا ماذا يأتيكم ثم عودوا‏ .‏   وكان عليا رضي الله عنه يريد عزل معاوية رضي الله عنه عن الشام ، ومعاوية رفض ذلك حتى يؤخذ بثأر عثمان رضي الله عنه متأولا قوله تعالى  : ” وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً   ”  ( 33-  الإسراء )   فقرر علي رضي الله عنه قتال معاوية ،  واستأذنه طلحة والزبير في العمرة فأذن لهما فلحقا بمكة ودعا علي   محمد بن الحنفية فدفع إليه اللواء وولى عبد الله بن عباس ميمنته وعمر بن أبي سلمة   أو عمرو بن سفيان بن عبد الأسد ولاه ميسرته ودعا أبا ليلى بن عمر بن الجراح ابن أخي   أبي عبيدة بن الجراح فجعله على مقدمته واستخلف على المدينة قثم بن العباس ولم يول   ممن خرج على عثمان أحدًا وكتب إلى قيس بن سعد وإلى عثمان بن حنيف وإلى أبي موسى أن   يندبوا الناس إلى أهل الشام  .
ودعا أهل المدينة إلى قتالهم وقال لهم‏ :‏  إن في سلطان   الله عصمة أمركم فأعطوه طاعتكم غير ملوية ولا مستكره بها والله لتفعلن أو لينقلن   عنكم سلطان الإسلام ثم لا ينقله إليكم أبدًا حتى يأرز الأمر إليها انهضوا إلى هؤلاء   الذين يريدون تفريق جماعتكم لعل الله يصلح بكم ما أفسد أهل الآفاق وتقضون الذي   عليكم‏ .‏   فبينما هم كذلك على التجهز لأهل الشام أتاهم الخبر عن طلحة والزبير   وعائشة  رضي الله عنهم  وأهل مكة بنحو آخر وأنهم على الخلاف فأعلم علي الناس ذلك وأن عائشة وطلحة   والزبير قد سخطوا إمارته ودعوا الناس إلى الإصلاح وقال لهم‏ :‏  سأصبر ما لم أخف على   جماعتكم وأكف إن كفوا وأقتصر على ما بلغني‏   عنهم ‏ .‏   ثم أتاه أنهم يريدون البصرة فسره ذلك وقال‏ :‏  إن الكوفة فيها رجال   العرب وبيوتاتهم‏ .‏   فقال له ابن عباس‏ :‏  إن الذي سرك من ذلك ليسوءني إن الكوفة فسطاط   فيه من أعلام العرب ولا يحملهم عدة القوم ولا يزال فيها من يسمو إلى أمر لا يناله   فإذا كان كذلك شغب علي الذي قد نال ما يريد حتى تكسر حدته‏ .‏
موقعة الجمل سارت أم المؤمنين عائشة وطلحة والزبير رضي الله عنهم جميعا مع جيش من مكة وذلك للأصلاح بين الناس متأولة ذلك ، بما أنها أما للمؤمنين قد يطيعها المؤمنون الذين تفرقوا بهذه الأحداث ، وقد اشترت جملا يدعى عسكرا ، لذا سميت الوقعة بإسمه ، وسارت أم المؤمنين ومن معها إلى البصرة فلو كانت تريد القتال كما يزعم بعض أهل الضلال لتوجهة إلى المدينة ، ولكننا أهل السنة والجماعة نقر بأن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها قد أخطأت فهي ليست بمعصومة عن الخطأ ، وقد أرادت العودة حين مر الجيش على ماء الحوأب وسمعت نبح كلابة ، وذكرت حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ”   ‏ :‏   ليت شعري أيتكن   تنبحها كلاب الحوأب ‏  ” ‏ ثم ضربت عضد بعيرها فأناخته وقالت‏ :‏  ردوني أنا والله صاحبة   ماء الحوأب‏ .‏   ولكن بعض أهل الجيش أنكر أن هذا موقع الحوأب وطالبوها بالإصلاح بين المؤمنين  . وبعث عثمان بن حنيف والي البصرة كل من عمران بن حصين وأبو الأسود الدؤلي ليستعلما سبب خروج أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فأجابت  :‏   والله ما مث لي  يعطي لبنيه الخبر إن الغوغاء ونزاع القبائل غزوا حرم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأحدثوا فيه وآووا المحدثين فاستوجبوا لعنة الله ولعنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع ما نالوا من قتل إمام المسلمين بلا ترةٍ
ولا عذر فاستحلوا الدم الحرام وسفكوه وانتهبوا المال الحرام وأحلوا البلد الحرام والشهر الحرام فخرجت في المسلمين أعلمهم ما أتى هؤلاء وما الناس فيه وراءنا وما ينبغي لهم من إصلاح هذه القصة  وقرأت‏ :‏  ” ‏ لا خير في كثيرٍ من نجواهم‏ “ ‏ [ ‏ النساء‏ :‏ 114‏]‏‏.‏  فهذا شأننا إلى معروف نأمركم به ومنكر ننهاكم عنه‏ .‏   وحين حضر علي رضي الله عنه وجيشه أرسل وفدا لأم المؤمنين وطلحة والزبير رضي الله عنهم ، ووفق الوفد في الإتفاق بين الجيشين   ، فحين رأى السبئية أن الجيشين نووا الصلح خشوا أن يجتمع الجيشان على قتالهم واستئصالهم فسعوا بالفتنة ،   فهجم قسم منهم على جيش علي رضي الله عنه والقسم الآخر شن هجومه على جيش أم المؤمنين وطلحة والزبير رضي الله عنهم  فظن كل جيش أن الجيش الآخر قد بدأ القتال فنشبت المعركة ،   وانتصر أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ، وأكرم أم المؤمنين وأعادها سالمة إلى المدينة ، وقتل طلحة والزبير رضي الله عنهما ، فأما طلحة فأتاه سهم غرب أصاب رجله ونزف حتى مات رضي الله عنه ،
وأما الزبير رضي الله عنه فقد خرج من المعركة لا يريد القتال فلحقه ابن جرموز وقتله غيلة ، ثم ذهب ليستئذن بالدخول على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه قائلا لحاجبه  :   استأذن لقاتل الزبير‏ .‏  فقال علي‏ :‏  ائذن له وبشره بالنار‏ .‏   وأحضر سيف الزبير عند علي فأخذه فنظر إليه وقال‏ :‏  طالما جلى به الكرب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم‏ !‏   وقد كانت فتنة عظيمة  . من بعض الأحداث التي كانت قبل هذه الوقعة  : قام علي فخطب الناس فقام إليه الأعور بن بنان المنقري فساله عن إقدامهم على أهل البصرة فقال له علي‏ :‏  على الإصلاح وإطفاء النائرة لعل الله يجمع شمل هذه الأمة بنا ويضع حربهم‏ .‏ قال‏ :‏  فإن لم يجيبونا قال‏ :‏  تركناهم ما تركونا‏ .‏   قال‏ :‏  فإن لم يتركونا قال‏ :‏  دفعناهم عن أنفسنا‏ .‏   قال‏ :‏  فهل لهم من هذا مثل الذي عليهم قال‏ :‏  نعم‏ .‏   وقام إليه أبو سلامة الدألاني فقال‏ :‏  أترى لهؤلاء القوم حجة فيما طلبوا من هذا الدم إن كانوا أرادوا الله بذلك قال‏ :‏  نعم‏ .‏   قال‏ :‏  أفترى لك حجة بتأخير ذلك قال‏ :‏  نعم إن الشيء إذا كان لا يدرك فإن الحكم فيه أحوطه وأعمه نفعًا‏ .‏   قال‏ :‏  فما حالنا وحالهم إن ابتلينا غدًا قال‏ :‏  إني لأرجو أن لا يقتل منا ومنهم أحد نقى قلبه لله إلا أدخله الله الجنة‏ .‏
موقعة صفين بعد أن انتهى علي رضي الله عنه من موقعة الجمل قرر الذهاب إلى الشام ودعوة معاوية رضي الله عنه أن يعتزل الإمارة ويدخل في جماعة المسلمين ولكن معاوية رضي الله عنه كان من قرابة أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه وقد تأول الآية الكريمة  : ”  وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً  ”  ( الإسراء –  33 )  ، وكان يطالب أمير المؤمنين علي رضي الله عنه أن يدفع له قتلة عثمان رضي الله عنه ليقتلهم أو أن يقيم عليهم الحد علي بن أبي طالب رضي الله عنه حتى يجيبهم إلى الطاعة والجماعة ، والمعلوم أن قتلة عثمان رضي الله عنه كانوا كثيرين ومتداخلين في جيش علي رضي الله عنه وأن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه لا يريد السكوت على هذا الأمر فهو لن يعطل حدا من حدود الله تعالى ولكنه كان ينتظر الفرصة المناسبة ،  لذا بعد أن رفض معاوية رضي الله عنه الإنصياع لأوامر علي رضي الله عنه وتشبث برأيه كان لزوما على عليّ رضي الله عنه قتاله لجمع الأمّة وعدم تفريقها  .
وبدأت المعركة واشتدت حتى هزم جيش الشام فحين رأوا الهزيمة عمدوا إلى الحيلة والحرب خدعة فأرادوا تفريق جيش علي بن أبي طالب رضي الله عنه  فقالوا نرفع المصاحف على رؤوس الرماح وننادي  : هذا حكم بيننا وبينكم فإن أبى بعضهم أن يقبلها وجدت فيهم من يقول‏ :‏  ينبغي لنا أن نقبل فتكون فرقة بينهم وإن قبلوا ما فيها رفعنا القتال عنا إلى أجل فرفعوا المصاحف بالرماح وقالوا‏ :‏  هذا حكم كتاب الله عز وجل بيننا وبينكم من لثغور الشام بعد أهله من لثغور العراق بعد أهله فلما رآها الناس قالوا‏ :‏  نجيب إلى كتاب الله‏ .‏  وعرف علي رضي الله عنه خدعتهم فحرض جيشه على القتال ولكنهم تفرقوا عنه  ، واتفق الطرفان على التحكيم بأن يرسل كل فريق شخص ويتحاكما إلى القرآن ويجب على الطرفين قبول ما يتوصلا إليه من حكم ، فأرسل معاوية رضي الله عنه عمرو بن العاص رضي الله عنه وأرسل عليا رضي الله عنه أبو موسى الأشعري  .  ملاحظه مهمة  :   أن قصة التحكيم لم تثبت بسند صحيح وفيها مطعن بالصحابيان عمرو بن العاص وأبو موسى الأشعري ، لذا لن أتطرق لها وسنكمل الأحداث بعدها  .
بعد أن اتفقوا على التحكيم رجع عليّ رضي الله عنه عن صفين  . وقد قتل في صفين عمّار بن ياسر رضي الله عنه وهذا يثبت أن علي رضي الله عنه وأرضاه كان على الحق ، وأن معاوية رضي الله عنه كان على الباطل فهم الفئة الباغية التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال ”  ‏‏ تقتل عمارًا الفئة الباغية ‏   “  وفي رواية أخرى ”  ويحك يا ابن سمية الناس ينقلون لبنة لبنة وأنت تنقل لبنتين لبنتين رغبة في الأجر وأنت مع ذلك تقتلك الفئة الباغية ‏   “ . وحين  رجع الناس عن صفين فلما رجع علي خالفت الحرورية وخرجت كان ذلك أول ما ظهرت وأنكرت تحكيم الرجال ورجعوا على غير الطريق الذي أقبلوا فيه أخذوا على طريق البر وعادوا وهم أعداء متباغضون وقد فشا فيهم التحكيم يقطعون الطريق بالتشاتم والتضارب بالسياط يقول الخوارج‏ :‏  يا أعداء الله أدهنتم في أمر الله ويقول الآخرون‏ :‏  فارقتم إمامنا وفرقتم جماعتنا‏ .‏   وحين دخل علي رضي الله عنه الكوفة  لم يدخل الخوراج معه فأتوا حروراء فنزلوا بها‏   .
قتال الخوارج   خرج الخوارج من البصرة حتى دنوا من النهروان وكانوا يعترضون الناس فقتلوا عبدالله بن خباب وامرأته وكانت حاملا فبقروا بطنها وكذلك قتلوا ثلاث نسوة من طيء وقتلوا أم سنان الصيداوية ، فرأى عليا وأصحابة قتالهم ، وعبر الجسر عليا وجيشه  فأرسل علي إلى أهل النهر‏ :‏  أن ادفعوا إلينا قتلة إخواننا منكم أقتلهم بهم ثم أنا تارككم وكاف عنكم حتى ألقى أهل المغرب فلعل الله يقبل بقلوبكم ويردكم إلى خير مما أنتم عليه من أمركم ‏ .‏  فقالوا‏ :‏  كلنا قتلهم وكلنا مستحل لدمائكم ودمائهم‏ .‏  وخرج إليهم قيس بن سعد بن عبادة فقال لهم‏ :‏  عباد الله أخرجوا إلينا طلبتنا منكم وادخلوا في هذا الأمر الذي خرجتم منه وعودوا بنا إلى قتال عدونا وعدوكم فإنكم ركبتم عظيمًا من الأمر تشهدون علينا بالشرك وتسفكون دماء المسلمين‏ !‏   فقال لهم عبد الله بن شجرة السلمي إن الحق قد أضاء لنا فلسنا مبايعيكم أو تأتونا بمثل عمر فقال‏ :‏  ما نعلمه فينا غير صاحبنا فهل تعلمونه فيكم  قالوا‏ :‏  لا‏ .‏  قال‏ :‏   نشدتكم الله
ثم  بعد طول مناقشات ، قصد  الخوارج جسر النهر وكانوا غربه فقال لعلي أصحابه‏ :‏  إنهم قد عبروا النهر‏ .‏  فقال‏ :‏  لن يعبروا ‏ .‏  فأرسلوا طليعة فعاد وأخبرهم أنهم عبروا النهر وكان بينهم وبينه عطفة من النهر فلخوف الطليعة منهم لم يقربهم فعاد فقال‏ :‏  إنهم قد عبروا النهر‏ .‏  فقال علي‏ :‏  والله ما عبروه وإن مصارعهم لدون الجسر ووالله لا يقتل منكم عشرة ولا يسلم منهم عشرة   ،  وتقدم علي إليهم فرآهم عند الجسر لم يعبروه وكان الناس قد شكوا في قوله وارتاب به بعضهم فلما رأوا الخوارج لم يعبروا كبروا وأخبروا عليًا بحالهم فقال‏ :‏  والله ما كذبت ولا كذبت ‏ !‏  ثم إنه عبأ أصحابه وأعطى علي أبا أيوب الأنصاري راية الأمان فناداهم أبو أيوب فقال‏ :‏  من جاء تحت هذه الراية فهو آمن ومن لم يقتل ولم يستعرض ومن انصرف منكم إلى الكوفة أو إلى المدائن وخرج من هذه الجماعة فهو آمن لا حاجة لنا بعد أن نصيب قتلة إخواننا منكم في سفك دمائكم‏ .‏   وكان الخوارج   قرابة الأربعة آلاف   فلم يتبق  عبد الله بن وهب  زعيمهم سوى  ألف وثمانمائة فزحفوا إلى علي وكان علي قد قال لأصحابه‏ :‏  كفوا عنهم حتى يبدأوكم‏ .‏ فتنادوا‏ :‏  الرواح إلى الجنة‏ !‏  وحملوا على الناس  ،
فافترقت خيل علي فرقتين‏ :‏  فرقة نحو الميمنة وفرقة نحو الميسرة واستقبلت الرماة وجوههم بالنبل وعطفت عليهم الخيل من الميمنة والميسرة ونهض إليهم الرجال بالرماح والسيوف فما لبثوا أن أناموهم‏ . ‏ ذكر مقتل ذي الثدية  ،  قد روى جماعة أن عليًا كان يحدث أصحابه قبل ظهور الخوارج أن قومًا يخرجون يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية علامتهم رجل مخدج اليد سمعوا ذلك منه مرارًا  ،  فلما خرج أهل النهروان سار بهم إليهم علي وكان منه معهم ما كان فلما فرغ أمر أصحابه أن يلتمسوا المخدج فالتمسوه فقال بعضهم‏ :‏  ما نجده حتى قال بعضهم‏ :‏  ما هو فيهم وهو يقول‏ :‏  والله إنه لفيهم والله ما كذبت ولا كذبت ‏ !‏  ثم إنه جاءه رجل فبشره فقال‏ :‏  يا أمير المؤمنين قد وجدناه‏ .‏  فوجده في حفرة على شاطىء النهر في خمسين قتيلًان فلما استخرجه نظر إلى عضده فإذا لحم مجتمع كثدي المرأة وحلمة عليها شعرات سود فغذا مدت امتدت حتى تحاذي يده الطولى ثم تترك فتعود إلى منكبيه‏ .‏  فلما رآه قال‏ :‏  الله أكبر ما كذبت ولا كذبت لولا أن تنكلوا عن العمل لأخبرتكم بما قص الله على لسان نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ لمن قاتلهم مستبصرًا في قتالهم عارفًا للحق الذي نحن عليه‏ .‏ و لم يقتل من أصحاب علي إلا سبعة   .
استشهاده في سنة أربعين للهجرة  قتل علي  رضي الله عنه وأرضاه  في شهر رمضان لسبع عشرة خلت منه وقيل‏ :‏  لإحدى عشرة وقيل‏ :‏  لثلاث عشرة بقيت منه وقيل‏ :‏  في شهر ربيع الآخر سنة أربعين‏ .‏  والأول أصح‏ .‏  وكان سبب قتله أن عبد الرحمن بن ملجم المرادي والبرك بن عبد الله التميمي الصريمي وقيل اسم البرك الحجاج وعمرو بن بكر التميمي السعدي وهم من الخوارج اجتمعوا فتذاكروا أمر الناس وعابوا عمل ولاتهم ثم ذكروا أهل النهر فترحموا عليهم وقالوا‏ :‏  ما نصنع بالبقاء بعدهم فلو شرينا أنفسنا وقتلنا أئمة الضلالة وأرحنا منهم البلاد‏ !‏  فقال ابن ملجم‏ :‏  أنا أكفيكم عليًا وكان من أهل مصر‏ .‏  وقال البرك بن عبد الله‏ :‏  أنا أكفيكم معاوية‏ .‏  وقال عمرو بن بكر‏ :‏  أنا أكفيكم عمرو بن العاص‏ .‏  فتعاهدوا أن لا ينكص أحدهم عن صاحبه الذي توجه إليه حتى يقتله أو يموت دونه وأخذوا سيوفهم فسموها واتعدوا لسبع عشرة من رمضان وقصد كل رجل منهم الجهة التي يريد فأتى ابن ملجم الكوفة  ، والتقى بأصحابه منهم وردان وشبيب وكانا معه في قتل علي رضي الله عنه ،
فلما كان ليلة الجمعة وهي الليلة التي واعد ابن ملجم أصحابه على قتل علي ومعاوية وعمرو أخذ سيفه ومعه شبيب ووردان وجلسوا مقابل السدة التي يخرج منها علي للصلاة فلما خرج علي نادى‏ :‏  أيها الناس الصلاة الصلاة‏ .‏ فضربه شبيب بالسيف فوقع سيفه بعضادة الباب وضربه ابن ملجم على قرنه بالسيف وقال‏ :‏  الحكم لله لا لك يا علي ولا لأصحابك‏ !‏  وهرب وردان فدخل منزله فأتاه رجل من أهله فأخبره وردان بما كان فانصرف عنه وجاء بسيفه فضرب به وردان حتى قتله وهرب شبيب في الغلس وصاح الناس فلحقه رجل من حضرموت يقال له عويمر وفي يد شبيب السيف فأخذه وجلس عليه فلما رأى الحضرمي الناس قد أقبلوا في طلبه وسيف شبيب في يده خشي على نفسه فتركه ونجا وهرب شبيب في غمار الناس‏ .‏  ولما ضرب ابن ملجم عليًا قال‏ :‏  لا يفوتنكم الرجل ‏ .‏  فشد الناس عليه فأخذوه وتأخر علي وقدم جعدة بن هبيرة وهو ابن أخته أم هانىء يصلي بالناس الغداة وقال علي‏ :‏  أحضروا الرجل عندي ‏ .‏  فأدخل عليه‏ .‏  فقال‏ :‏  أي عدو الله‏ !‏  ألم أحسن إليك  قال‏ :‏  بلى‏ .‏  قال‏ :‏  فما حملك على هذا  قال‏ :‏  شحذته أربعين صباحًا وسألت الله أن يقتل به شر خلقه‏ .‏  فقال علي‏ :‏  لا أراك  إلا  مقتولًا به ولا أراك إلا من شر خلق الله‏ .‏
ثم قال‏ :‏  النفس بالنفس إن هلكت فاقتلوه كما قتلني وإن بقيت رأيت فيه رأيي يا بني عبد المطلب لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين تقولون قد قتل أمير المؤمنين ألا لا يقتلن إلا قاتلي انظر يا حسن إن أنا مت من ضربتي هذه فاضربه ضربةً بضربة ولا تمثلن بالرجل فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏ :‏ ‏ “ إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور ‏ “ ‏‏ .‏   هذا كله وابن ملجم مكتوف‏ .‏  فقالت له أم كلثوم ابنة علي‏ :‏  أي عدو الله‏ !‏  لابأس على أبي والله مخزيك‏ !‏   قال‏ :‏  فعلى من تبكين والله إن سيفي اشتريته بألف وسممته بألف  ، ثم دعا  عليا  الحسن والحسين فقال لهما‏ :‏  أوصيكما بتقوى الله ولا تبغيا الدنيا وإن بغتكما ولا تبكيا على شيء زوى عنكما وقولا الحق وارحما اليتيم وأعينا الضائع واصنعا للآخرة وكونا للظالم خصيمًا وللمظلوم ناصرًا واعملا بما في كتاب الله ولا تأخذكما في الله لومة لائم‏ .‏  ثم نظر إلى محمد بن الحنفية فقال‏ :‏  هل حفظت ما أوصيت به أخويك  قال‏ :‏  نعم‏ .‏ قال‏ :‏  فإني أوصيك بمثله وأوصيك بتوقير أخويك لعظيم حقهما عليك فاتبع أمرهما ولا تقطع أمرًا دونهما‏ .‏  ثم قال‏ :‏  أوصيكما به فإنه  أخوكما  وابن أبيكما وقد علمتما أن أباكما كان يحبه ‏ .‏  ثم كتب وصيته ولم ينطق إلا بلا إله إلا الله حتى مات رضي الله عنه وأرضاه‏ .‏
فلما قبض بعث الحسن إلى ابن ملجم فأحضره فقال للحسن‏ :‏  هل لك في خصلة إني والله قد أعطيت الله عهدًا أن لا أعاهد عهدًا إلا وفيت به وإني عاهدت الله عند الحطيم أن اقتل عليًا ومعاوية أو أموت دونهما فإن شئت خليت بيني وبينه فلك الله علي إن لم أقتله أو قتلته ثم بقيت أن آتيك حتى أضع يدي في يدك‏ .‏  فقال له الحسن‏ :‏  لا والله حتى تعاين النار ‏ .‏  ثم قدمه فقتله وأخذه الناس فأدرجوه في بواري وأحرقوه بالنار‏ .‏  قال عمرو بن الأصم‏ :‏  قلت للحسن بن علي‏ :‏  إن هذه الشيعة تزعم أن عليًا مبعوث قبل القيامة‏ !‏  فقال‏ :‏  كذب والله هؤلاء الشيعة لو علمنا أنه مبعوث قبل القيامة ما زوجنا نساءه ولا قسمنا ماله  أما قوله‏ :‏  هذه الشيعة فلا شك أنه يعني طائفة منها فإن كل شيعة لا تقول هذا إنما تقوله طائفة يسيرة منهم ومن مشهوري هذه الطائفة‏ :‏  جابر بن يزيد الجعفي الكوفي   .
ذكر نسائه وأبنائه وبناته وأما أزواجه فأول زوجة تزوجها فاطمة بنت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يتزوج عليها حتى توفيت عنده وكان له منها الحسن والحسين وقد ذكر أنه كان له منها ابن آخر يقال له محسن وأنه توفي صغيرًا وزينب الكبرى وأم كلثوم الكبرى‏ .‏  ثم تزوج بعدها أم البنين بنت حرام الكلابية فولدت له العباس وجعفرًا وعبد الله وعثمان قتلوا مع الحسين بالطف ولا بقية لهم غير العباس وتزوج ليلى بنت مسعود بن خالد النهشلية التميمية فولدت له عبيد الله وأبا بكر قتلا مع الحسين وقيل‏ : ‏   إن عبيد الله قتله المختار بالمذار وقيل‏ :‏  لا بقية لهما‏ .‏  وتزوج أسماء بنت عميس الخثعمية فولدت له محمدًا الأصغر ويحيى ولا عقب لهما وقيل‏ :‏  إن محمدًا لأم ولد وقتل مع الحسين وقيل‏ :‏  إنها ولدت له عونًا وله من الصهباء بنت ربيعة التغلبية وهي من السبي الذي أغار عليهم خالد بن الوليد بعين التمر وولدت له عمر بن علي ورقية بنت علي فعم ّ ر عمر حتى بلغ خمسًا وثمانين سنة فحاز نصف ميراث علي ومات بينبع‏ ،
وتزوج علي أمامة بنت أبي العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس وأمها زينب بنت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فولدت له محمدًا الأوسط وله محمد ابن علي الأكبر الذي يقال له ابن الحنفية أمه خولة بنت جعفر من بني حنيفة‏ .‏ وتزوج علي أيضًا أم سعيد ابنة عروة بن مسعود الثقفية فولدت له أم الحسن ورملة الكبرى وأم كلثوم وكان له بنات من أمهات شتى لم يذكرن لنا منهن أم هانىء وميمونة وزينب الصغرى ورملة الصغرى وأم كلثوم الصغرى وفاطمة وأمامة وخديجة وأم الكرام وأم سلمة وأم جعفر وجمانة ونفيسة كلهن من أمهات أولاد‏ .‏  وتزوج أيضًا مخباة بنت امرىء القيس بن عدي الكلبية فولدت له جارية هلكت صغيرة كانت تخرج إلى المسجد فيقال لها‏ :‏  من أخوالك فتقول‏ :‏  وه وه تعني كلبًا‏ .‏  فجميع ولده أربعة عشر ذكرًا وسبع عشرة امرأة وكان النسل منهن للحسن والحسين ومحمد بن الحنفية والعباس بن الكلابية وعمر بن التغلبية‏ .‏
قال بكر بن حسان الباهري‏ :‏  قل لابن ملجم والأق ــ دار غالبةٌ‏   هدمت للدين والإسلام أركانا  قتلت أفضل من يمشي على قدمٍ   وأعظم الناس إسلامًا وإيمانا وأعلم الن ــ اس بالق ــــ رآن ثم بما  سن الرسول لنا شرعًا وتبيانا صه ــ ر النبي وم ـ ولاه ون ــ اصره  أضحت مناقبه نورًا وبرهانا  وكان منه على رغم الحسود ل ــ ه   مكان هارون من موسى بن عمرانا ذكرت قاتله والدمع منحدرٌ  فقلت سبحان رب العرش سبحانا  إني لأحسبه ما كان من أنسٍ  كلا ولكنه قد كان شيطانا قد كان يخبرهم هذا بمقتله   قبل المنية أزمانًا فأزمانا كأنه لم يرد قصدًا بضربته   إلا ليصلى عذاب الخلد نيرانا
جمع واعداد  /  أخوكم علي العلي الكعبي إدارة شبكة الدعاة إلى العلم النافع الإسلامية www.du3at.com

علي بن أبي طالب

  • 1.
    قبسات منسيرة الـكــــرّار علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه
  • 2.
    نسبه هو عليبن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن عدنان وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف‏ .‏ ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وربيبه وصهره على ابنته فاطمة رضي الله عنها وأبو سيدا شباب أهل الجنة الحسن والحسين ، وأول الصبيان إسلاما ، وأحد العشرة المبشرين بالجنة ورابع الخلفاء الراشدين المهديين ، الفارس المغوار والبطل الكرار فاتح معاقل خيبر مجندل الفوارس ، رضي الله عنه وأرضاه . وهو أول خليفة أبواه هاشميان ولم يل الخلافة إلى وقتنا هذا من أبواه هاشميان غيره وغير الحسن ولده ومحمد الأمين فإن أباه هارون الرشيد وأمه زبيدة بنت جعفر بن المنصور‏ .‏
  • 3.
    إسلامه اختلف العلماءفي أول من أسلم من الذكور ، مع الإتفاق على أن خديجة رضي الله عنها وأرضاها أول من أسلم وآمن في النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال قوم : أول ذكر آمن هو علي ، قاله ابن عباس وجابر وزيد بن أرقم وعفيف الكندي ومحمد بن المنذر وربيعة بن أبي عبد الرحمن وأبو حازم المدي الكلبي . ذكر ذلك ابن اسحق استشهد به ابن هشام في سيرته والبيهقي في الدلائل والسنن الكبرى . فقد أصابت قريش أزمة شديدة وكان أبو طالب ذا عيال كثيرة ، فقال يوما رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمّه العباس رضي الله عنه ، يا عمّ إن أبا طالب كثير العيال فانطلق بنا نخفف عن عيال أبي طالب ، فانطلقا إليه وأعلماه ما أرادا ، فقال أبو طالب : اتركا لي عقيلا واصنعا ما شئتما ، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً ، وأخذ العباس جعفراً ، فلم يزل عليّ عند النبي صلى الله عليه وسلم حتى أرسله الله فاتّبعه . وقيل أنه أسلم وهو ابن عشر سنوات وقيل أقل من ذلك وقيل أكثر .
  • 4.
    كما قيل أنأول من أسلم هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه وقيل أن أول من أسلم هو زيد بن حارثة ، وعموما نقول كما ذكر أهل العلم أن أول الرجال إسلاما أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، وأول الصبيان أسلاماً هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وأول الموالي إسلاما هو زيد بن حارثة رضي الله عنه ، كما أن أول النساء إسلاما هي السيدة خديجة رضي الله عنها وأرضاها .
  • 5.
    من مناقبه حدثناأبو بكر بن أبي شيبة‏ .‏ حدثنا غندر عن شعبة‏ .‏ ح وحدثنا محمد بن المثنى وابن بشار‏ .‏ قالا‏ :‏ حدثنا محمد بن جعفر‏ .‏ حدثنا شعبة عن الحكم، عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص، عن سعد بن أبي وقاص‏ .‏ قال‏ :‏ خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب، في غزوة تبوك‏ .‏ فقال‏ :‏ يا رسول الله‏ !‏ تخلفني في النساء والصبيان‏؟‏ فقال ‏ "‏ أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى‏؟‏ غير أنه لا نبي بعدي‏ "‏‏.‏ ( رواه مسلم ) حدثنا يحيى بن يحيى التميمي وأبو جعفر، محمد بن الصباح وعبيدالله القواريري وسريج بن يونس‏ .‏ كلهم عن يوسف بن الماجشون ‏ (‏ واللفظ لابن الصباح‏ )‏‏.‏ حدثنا يوسف، أبو سلمة الماجشون‏ .‏ حدثنا محمد بن المنكدر عن سعيد بن المسيب، عن عامر بن سعد ابن أبي وقاص، عن أبيه، قال‏ :‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي ‏ "‏ أنت مني بمنزلة هارون من موسى‏ .‏ إلا أنه لا نبي بعدي‏ "‏‏.‏ ( رواه مسلم )
  • 6.
    حدثنا قتيبة بنسعيد‏ .‏ حدثنا يعقوب ‏ (‏ يعني ابن عبدالرحمن القاري‏ )‏ عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال، يوم خيبر ‏ " ‏ لأعطين هذه الراية رجلا يحب الله ورسوله‏ .‏ يفتح الله على يديه‏ "‏‏.‏ قال عمر بن الخطاب‏ :‏ ما أحببت الإمارة إلا يومئذ‏ .‏ قال فتساورت لها رجاء أن أدعى لها‏ .‏ قال فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب‏ .‏ فأعطاه إياها‏ .‏ وقال ‏ "‏ امش‏ .‏ ولا تلتفت‏ .‏ حتى يفتح الله عليك‏ "‏‏.‏ قال فسار علي شيئا ثم وقف ولم يلتفت‏ .‏ فصرخ‏ :‏ يا رسول الله‏ !‏ على ماذا أقاتل الناس‏؟‏ قال ‏ "‏ قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله‏ .‏ فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم‏ .‏ إلا بحقها‏ .‏ وحسابهم على الله‏ "‏‏.‏ ( رواه مسلم )
  • 7.
    رواية أخرى : حدثنا قتيبة بن سعيد‏ .‏ حدثنا عبدالعزيز ‏ (‏ يعني ابن أبي حازم‏ )‏ عن أبي حازم، عن سهل‏ .‏ ح وحدثنا قتيبة بن سعيد ‏ (‏ واللفظ هذا‏ )‏‏.‏ حدثنا يعقوب ‏ (‏ يعني ابن عبدالرحمن‏ )‏ عن أبي حازم‏ .‏ أخبرني سهل بن سعد : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر ‏ " ‏ لأعطين هذه الراية رجلا يفتح الله على يديه‏ .‏ يحب الله ورسوله‏ .‏ ويحبه الله ورسوله‏ "‏ قال فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها‏ .‏ قال فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم‏ .‏ كلهم يرجون أن يعطاها‏ .‏ فقال ‏ "‏ أين علي بن أبي طالب‏؟‏‏ "‏ فقالوا‏ :‏ هو، يا رسول الله‏ !‏ يشتكي عينيه‏ .‏ قال : فأرسلوا إليه ‏ .‏ فأتى به، فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه‏ .‏ ودعا له فبرأ‏ .‏ حتى كأن لم يكن به وجع‏ .‏ فأعطاه الراية‏ .‏ فقال علي‏ :‏ يا رسول الله‏ !‏ أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا‏ .‏ فقال ‏ "‏ انفذ على رسلك‏ .‏ حتى تنزل بساحتهم‏ .‏ ثم ادعهم إلى الإسلام‏ .‏ وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه‏ .‏ فوالله‏ !‏ لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم‏ "‏‏.‏ ( رواه مسلم )
  • 8.
    حدثني زهير بنحرب وشجاع بن مخلد‏ .‏ جميعا عن ابن علية‏ .‏ قال زهير‏ :‏ حدثنا إسماعيل بن إبراهيم‏ .‏ حدثني أبو حيان‏ .‏ حدثني يزيد بن حيان‏ .‏ قال‏ :‏ انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم‏ .‏ فلما جلسنا إليه قال له حصين‏ :‏ لقد لقيت، يا زيد‏ !‏ خيرا كثيرا‏ .‏ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم‏ .‏ وسمعت حديثه‏ .‏ وغزوت معه‏ .‏ وصليت خلفه‏ .‏ لقد لقيت، يا زيد خيرا كثيرا‏ .‏ حدثنا، يا زيد‏ !‏ ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم‏ .‏ قال‏ :‏ يا ابن أخي‏ !‏ والله‏ !‏ لقد كبرت سني‏ .‏ وقدم عهدي ‏ .‏ ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله صلى الله عليه وسلم‏ .‏ فما حدثتكم فاقبلوا‏ .‏ وما لا، فلا تكلفونيه‏ .‏ ثم قال‏ :‏ قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فينا خطيبا‏ .‏ بماء يدعى خما‏ .‏ بين مكة والمدينة‏ .‏ فحمد الله وأثنى عليه‏ .‏ ووعظ وذكر‏ .‏ ثم قال ‏ "‏ أما بعد‏ .‏ ألا أيها الناس‏ !‏ فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب‏ .‏ وأنا تارك فيكم ثقلين‏ :‏ أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله‏ .‏ واستمسكوا به‏ "‏ فحث على كتاب الله ورغب فيه‏ .‏ ثم قال ‏ "‏ وأهل بيتي‏ .‏ أذكركم الله في أهل بيتي‏ .‏ أذكركم الله في أهل بيتي‏ .‏ أذكركم الله في أهل بيتي‏ "‏‏.‏ فقال له حصين‏ :‏ ومن أهل بيته‏؟‏ يا زيد‏ !‏ أليس نساؤه من أهل بيته‏؟‏ قال‏ : ‏ نساؤه من أهل بيته‏ .‏ ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده‏ .‏ قال‏ :‏ وهم‏؟‏ قال‏ :‏ هم آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس ‏ .‏ قال‏ :‏ كل هؤلاء حرم الصدقة‏؟‏ قال‏ :‏ نعم‏ .‏ ( رواه مسلم )
  • 9.
    رواية أخرى : حدثنا محمد بن بكار بن الريان‏ .‏ حدثنا حسان ‏ (‏ يعني ابن إبراهيم‏ )‏ عن سعيد ‏ (‏ وهو ابن مسروق‏ )‏ ، عن يزيد بن حيان، عن زيد بن أرقم‏ .‏ قال‏ :‏ دخلنا عليه فقلنا له‏ :‏ قد رأيت خيرا‏ .‏ لقد صاحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وصليت خلفه‏ .‏ وساق الحديث بنحو حديث أبي حيان‏ .‏ غير أنه قال ‏ "‏ ألا وإني تارك فيكم ثقلين‏ :‏ أحدهما كتاب الله عز وجل‏ .‏ هو حبل الله‏ .‏ من اتبعه كان على الهدى‏ .‏ ومن تركه كان على ضلالة‏ "‏‏.‏ وفيه‏ :‏ فقلنا‏ :‏ من أهل بيته‏؟‏ نساؤه‏؟‏ قال‏ :‏ لا‏ .‏ وايم الله‏ !‏ إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر‏ .‏ ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها‏ .‏ أهل بيته أصله، وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده‏ "‏‏.‏ ( رواه مسلم ) قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي ‏ "‏ أنت مني وأنا منك ‏ "‏‏.‏ وقال عمر : توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنه راض . ( رواه البخاري )
  • 10.
    حدثنا قتيبة بنسعيد‏ .‏ حدثنا عبدالعزيز ‏ (‏ يعني ابن أبي حازم‏ )‏ عن أبي حازم، عن سهل بن سعد‏ .‏ قال‏ :‏ استعمل على المدينة رجل من آل مروان‏ .‏ قال فدعا سهل بن سعد‏ .‏ فأمره أن يشتم عليا‏ .‏ قال فأبى سهل‏ .‏ فقال له‏ : ‏ أما إذا أبيت فقل‏ :‏ لعن الله أبا التراب‏ .‏ فقال سهل‏ :‏ ما كان لعلي اسم أحب إليه من أبي التراب‏ .‏ وإن كان ليفرح إذا دعي بها‏ .‏ فقال له‏ :‏ أخبرنا عن قصته‏ . ‏ لم سمي أبا التراب‏؟‏ قال‏ :‏ جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت فاطمة‏ .‏ فلم يجد عليا في البيت‏ .‏ فقال ‏ "‏ أين ابن عمك‏؟‏‏ "‏ فقالت‏ :‏ كان بيني وبينه شيء‏ .‏ فغاضبني فخرج‏ .‏ فلم يقل عندي‏ .‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لإنسان ‏ "‏ انظر‏ .‏ أين هو‏؟‏‏ "‏ فجاء فقال‏ :‏ يا رسول الله‏ !‏ هو في المسجد راقد‏ .‏ فجاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع‏ .‏ قد سقط رداؤه عن شقه‏ .‏ فأصابه تراب ‏ .‏ فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسحه عنه ويقول ‏ "‏ قم أبا التراب‏ !‏ قم أبا التراب‏ !‏‏"‏‏.‏ ( رواه مسلم )
  • 11.
    رواية أخرى : حدثنا عبد الله بن مسلمة، حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، أن رجلا، جاء إلى سهل بن سعد فقال هذا فلان ـ لأمير المدينة ـ يدعو عليا عند المنبر‏ .‏ قال فيقول : ماذا قال : يقول له أبو تراب‏ .‏ فضحك و قال : والله ما سماه إلا النبي صلى الله عليه وسلم، وما كان له اسم أحب إليه منه‏ .‏ فاستطعمت الحديث سهلا، وقلت يا أبا عباس كيف ؟ قال : دخل علي ّ على فاطمة ثم خرج فاضطجع في المسجد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ‏ "‏ أين ابن عمك ‏ "‏‏.‏ قالت في المسجد‏ .‏ فخرج إليه فوجد رداءه قد سقط عن ظهره، وخلص التراب إلى ظهره، فجعل يمسح التراب عن ظهره فيقول ‏ "‏ اجلس يا أبا تراب ‏ "‏‏.‏ مرتين‏ .‏ ( رواه البخاري ) حدثنا محمد بن رافع، حدثنا حسين، عن زائدة، عن أبي حصين، عن سعد بن عبيدة، قال جاء رجل إلى ابن عمر، فسأله عن عثمان، فذكر عن محاسن عمله، قال : لعل ذاك يسوؤك ‏ .‏ قال نعم‏ .‏ قال : فأرغم الله بأنفك‏ .‏ ثم سأله عن علي، فذكر محاسن عمله ، قال : هو ذاك، بيته أوسط بيوت النبي صلى الله عليه وسلم‏ .‏ ثم قال : لعل ذاك يسوؤك ‏ .‏ قال أجل‏ .‏ قال : فأرغم الله بأنفك، انطلق فاجهد على جهدك‏ .‏ ( رواه البخاري )
  • 12.
    حدثني محمد بنبشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن الحكم، سمعت ابن أبي ليلى، قال حدثنا علي : أن فاطمة، عليها السلام شكت ما تلقى من أثر الرحا، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم سبى، فانطلقت فلم تجده، فوجدت عائشة، فأخبرتها، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته عائشة بمجيء فاطمة، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم إلينا، وقد أخذنا مضاجعنا، فذهبت لأقوم فقال ‏ "‏ على مكانكما ‏ "‏‏.‏ فقعد بيننا حتى وجدت برد قدميه على صدري وقال ‏ "‏ ألا أعلمكما خيرا مما سألتماني إذا أخذتما مضاجعكما تكبرا أربعا وثلاثين، وتسبحا ثلاثا وثلاثين، وتحمدا ثلاثة وثلاثين، فهو خير لكما من خادم ‏ "‏‏.‏ ( رواه البخاري ) عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها : أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه علي فأدخله في عباءته – في كساءه – ثم جاءت فاطمة فأدخلها ثم جاء الحسن فأدخله ثم جاء الحسين فأدخله ثم جللهم أي غطاهم صلوات الله وسلامه عليه بالكساء ثم قال : ” اللهم هؤلاء أهل بيتي اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ” ( رواه مسلم ).
  • 13.
    قال تعالى : ” فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ” (61 – آل عمران ) أرسل نصارى نجران وفدهم العاقب والسيد في نفر إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ، وأرادوا مباهلته فخرج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومعه علي وفاطمة والحسن والحسين فلما رأوهم قالوا‏ :‏ هذه وجوه لو أقسمت على الله أن يزيل الجبال لأزالها ولم يباهلوه وصالحوه على ألفي حلة ثمن كل حلة أربعون درهمًا وعلى أن يضيفوا رسل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وجعل لهم ذمة الله تعالى وعهده ألا يفتنوا عن دينهم ولا يعشروا وشرط ع ل يهم أن لا يأكلوا الربا ولا يتعاملوا به‏ .‏ ( تفسير ابن كثير )
  • 14.
    عن أبيهريرة رضي الله عنه قال : ” بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذنين يوم النحر، نؤذن بمنى ألا لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان . قال حميد بن عبدالرحمن : ثم أردف رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً فأمره أن يؤذن ببراءة . قال أبو هريرة : فــأذن معنـا علي في أهل منى يوم النحر لا يحــج بعد العــام مشــرك، ولا يطوف بالبيت عريان ” ( رواه البخاري ) وفضائله ومناقبه بلا شك كثيرة رضي الله عنه وأرضاه
  • 15.
    الخلافة حينقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه بقيت المدينة خمسة أيام وأميرها الغافقي بن حرب يلتمسون من يجيبهم إلى القيام بالأمر فلا يجدونه ووجدوا طلحة في حائط له ووجدوا سعدًا والزبير قد خرجا من المدينة ووجدوا بني أمية قد هربوا إلا من لم يطق الهرب وهرب سعيد والوليد ومروان إلى مكة وتبعهم غيرهم فأتى المصريون عليًا فباعدهم وأتى الكوفيون الزبير فباعدهم وأتى البصريون طلحة فباعدهم وكانوا مجتمعين على قتل عثمان مختلفين فيمن يلي الخلافة‏ .‏ فأرسلوا إلى سعد يطلبونه فقال‏ :‏ إني وابن عمر لا حاجة لنا فيها ، فأتوا ابن عمر فلم يجبهم فبقوا حيارى‏ .‏ وقال بعضهم لبعض‏ :‏ لئن جرع الناس إلى أمصارهم بغير إمام لم نأمن الاختلاف وفساد الأمة‏ .‏ فجمعوا أهل المدينة لهم‏ :‏ يا أهل المدينة أنتم أهل الشورى وأنتم تعقدون الإمامة وحكمكم جائز على الأمة فانظروا رجلًا تنصبونه ونحن لكم تبعٌ وقد أجلناكم يومكم فوالله لئن لم تفرغوا لنقتلن غدًا عليًا وطلحة والزبير وأناسًا كثيرًا‏ !‏ فغشي الناس عليًا فقالوا‏ :‏ نبايعك فقد ترى ما نزل بالإسلام وما ابتلينا به من بين القرى‏ .‏
  • 16.
    فقال علي‏ :‏ دعوني والتمسوا غيري فإنا مستقبلون أمرًا له وجوه وله ألوان لا تقوم به القلوب ولا تثبت عليه العقول ‏ .‏ فقالوا‏ :‏ ننشدك الله‏ !‏ ألا ترى ما نحن فيه ألا ترى الإسلام ألا ترى الفتنة ألا تخاف الله ، فقال‏ :‏ قد أجبتكم واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم وإن تركتموني فإنما أنا كأحدكم ألا إني أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه‏ .‏ ثم افترقوا على ذلك واتعدوا الغد‏ .‏ ولما أصبحوا يوم البيعة وهو يوم الجمعة حضر الناس المسجد وجاء علي فصعد المنبر وقال‏ :‏ أيها الناس عن ملأٍ وإذن إن هذا أمركم ليس لأحد فيه حق إلا من أمرتم وقد افترقنا بالأمس على أمر وكنت كارهًا لأمركم فأبيتم إلا أن أكون عليكم ألا وإنه ليس لي دونكم إلا مفاتيح ما لكم معي وليس لي أن آخذ درهمًا دونكم فإن شئتم قعدت لكم وإلا فلا أجد على أحد‏ .‏ فقالوا‏ :‏ نحن على ما فارقناك عليه بالأمس‏ .‏ فقال‏ :‏ اللهم اشهد ‏ .‏ وبويع يوم الجمعة لخمس بقين من ذي الحجة والناس يحسبون بيعته من يوم قتل عثمان‏ .‏
  • 17.
    ثم ألقى عليارضي الله عنه خطبته وما أن فرغ من الخطبة وهو على المنبر قال السبئية‏ .‏ خذها إليك واحذرن أبا حسن إنا نمر الأمر إمرار الرسن صولة أقوامٍ كأشداد السفن بمشرفياتٍ كغدران اللبن ونطعن الملك بلينٍ كالشطن حتى يمرن على غير عنن ، فقال علي‏ :‏ إني عجزت عجزةً لا أعتذر سوف أكيس بعدها وأستمر أرفع من ذيلي ما كنت أجر وأجمع الأمر الشتيت المنتشر إن لم يشاغبني العجول المنتصر إن تتركوني والسلاح يبتدر ، ورجع علي إلى بيته فدخل عليه طلحة والزبير في عدد من الصحابة فقالوا‏ :‏ يا علي إنا قد اشترطنا إقامة الحدود وإن هؤلاء القوم قد اشتركوا في قتل هذا الرجل - أي عثمان - وأحلوا بأنفسهم ‏ .‏ فقال‏ :‏ يا إخوتاه إني لست أجهل ما تعلمون ولكن كيف أصنع بقوم يملكوننا ولا نملكهم ها هم هؤلاء قد ثارت معهم عبدانكم وثابت إليهم أعرابكم وهو خلاطكم يسومونكم ما شاؤوا فهل ترون موضعًا لقدرة على شيء مما تريدون ، قالوا‏ :‏ لا‏ .‏ قال‏ :‏ فلا والله لا أرى إلا رأيًا ترونه أبدًا إلا أن يشاء الله‏ .‏ إن هذا الأمر أمر جاهلية وإن لهؤلاء القوم مادة وذلك أن الشيطان لم يشرع شريعة قط فيبرح الأرض من أخذ بها أبدًا‏ .‏
  • 18.
    وقال : إن الناس من هذا الأمر إن حرك على أمور‏ :‏ فرقة ترى ما ترون وفرقة ترى ما لا ترون وفرقة لا ترى هذا ولا هذا حتى يهدأ الناس وتقع القلوب مواقعها وتؤخذ الحقوق فاهدأوا عني وانظروا ماذا يأتيكم ثم عودوا‏ .‏ وكان عليا رضي الله عنه يريد عزل معاوية رضي الله عنه عن الشام ، ومعاوية رفض ذلك حتى يؤخذ بثأر عثمان رضي الله عنه متأولا قوله تعالى : ” وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً ” ( 33- الإسراء ) فقرر علي رضي الله عنه قتال معاوية ، واستأذنه طلحة والزبير في العمرة فأذن لهما فلحقا بمكة ودعا علي محمد بن الحنفية فدفع إليه اللواء وولى عبد الله بن عباس ميمنته وعمر بن أبي سلمة أو عمرو بن سفيان بن عبد الأسد ولاه ميسرته ودعا أبا ليلى بن عمر بن الجراح ابن أخي أبي عبيدة بن الجراح فجعله على مقدمته واستخلف على المدينة قثم بن العباس ولم يول ممن خرج على عثمان أحدًا وكتب إلى قيس بن سعد وإلى عثمان بن حنيف وإلى أبي موسى أن يندبوا الناس إلى أهل الشام .
  • 19.
    ودعا أهل المدينةإلى قتالهم وقال لهم‏ :‏ إن في سلطان الله عصمة أمركم فأعطوه طاعتكم غير ملوية ولا مستكره بها والله لتفعلن أو لينقلن عنكم سلطان الإسلام ثم لا ينقله إليكم أبدًا حتى يأرز الأمر إليها انهضوا إلى هؤلاء الذين يريدون تفريق جماعتكم لعل الله يصلح بكم ما أفسد أهل الآفاق وتقضون الذي عليكم‏ .‏ فبينما هم كذلك على التجهز لأهل الشام أتاهم الخبر عن طلحة والزبير وعائشة رضي الله عنهم وأهل مكة بنحو آخر وأنهم على الخلاف فأعلم علي الناس ذلك وأن عائشة وطلحة والزبير قد سخطوا إمارته ودعوا الناس إلى الإصلاح وقال لهم‏ :‏ سأصبر ما لم أخف على جماعتكم وأكف إن كفوا وأقتصر على ما بلغني‏ عنهم ‏ .‏ ثم أتاه أنهم يريدون البصرة فسره ذلك وقال‏ :‏ إن الكوفة فيها رجال العرب وبيوتاتهم‏ .‏ فقال له ابن عباس‏ :‏ إن الذي سرك من ذلك ليسوءني إن الكوفة فسطاط فيه من أعلام العرب ولا يحملهم عدة القوم ولا يزال فيها من يسمو إلى أمر لا يناله فإذا كان كذلك شغب علي الذي قد نال ما يريد حتى تكسر حدته‏ .‏
  • 20.
    موقعة الجمل سارتأم المؤمنين عائشة وطلحة والزبير رضي الله عنهم جميعا مع جيش من مكة وذلك للأصلاح بين الناس متأولة ذلك ، بما أنها أما للمؤمنين قد يطيعها المؤمنون الذين تفرقوا بهذه الأحداث ، وقد اشترت جملا يدعى عسكرا ، لذا سميت الوقعة بإسمه ، وسارت أم المؤمنين ومن معها إلى البصرة فلو كانت تريد القتال كما يزعم بعض أهل الضلال لتوجهة إلى المدينة ، ولكننا أهل السنة والجماعة نقر بأن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها قد أخطأت فهي ليست بمعصومة عن الخطأ ، وقد أرادت العودة حين مر الجيش على ماء الحوأب وسمعت نبح كلابة ، وذكرت حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ” ‏ :‏ ليت شعري أيتكن تنبحها كلاب الحوأب ‏ ” ‏ ثم ضربت عضد بعيرها فأناخته وقالت‏ :‏ ردوني أنا والله صاحبة ماء الحوأب‏ .‏ ولكن بعض أهل الجيش أنكر أن هذا موقع الحوأب وطالبوها بالإصلاح بين المؤمنين . وبعث عثمان بن حنيف والي البصرة كل من عمران بن حصين وأبو الأسود الدؤلي ليستعلما سبب خروج أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فأجابت :‏ والله ما مث لي يعطي لبنيه الخبر إن الغوغاء ونزاع القبائل غزوا حرم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأحدثوا فيه وآووا المحدثين فاستوجبوا لعنة الله ولعنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع ما نالوا من قتل إمام المسلمين بلا ترةٍ
  • 21.
    ولا عذر فاستحلواالدم الحرام وسفكوه وانتهبوا المال الحرام وأحلوا البلد الحرام والشهر الحرام فخرجت في المسلمين أعلمهم ما أتى هؤلاء وما الناس فيه وراءنا وما ينبغي لهم من إصلاح هذه القصة وقرأت‏ :‏ ” ‏ لا خير في كثيرٍ من نجواهم‏ “ ‏ [ ‏ النساء‏ :‏ 114‏]‏‏.‏ فهذا شأننا إلى معروف نأمركم به ومنكر ننهاكم عنه‏ .‏ وحين حضر علي رضي الله عنه وجيشه أرسل وفدا لأم المؤمنين وطلحة والزبير رضي الله عنهم ، ووفق الوفد في الإتفاق بين الجيشين ، فحين رأى السبئية أن الجيشين نووا الصلح خشوا أن يجتمع الجيشان على قتالهم واستئصالهم فسعوا بالفتنة ، فهجم قسم منهم على جيش علي رضي الله عنه والقسم الآخر شن هجومه على جيش أم المؤمنين وطلحة والزبير رضي الله عنهم فظن كل جيش أن الجيش الآخر قد بدأ القتال فنشبت المعركة ، وانتصر أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ، وأكرم أم المؤمنين وأعادها سالمة إلى المدينة ، وقتل طلحة والزبير رضي الله عنهما ، فأما طلحة فأتاه سهم غرب أصاب رجله ونزف حتى مات رضي الله عنه ،
  • 22.
    وأما الزبير رضيالله عنه فقد خرج من المعركة لا يريد القتال فلحقه ابن جرموز وقتله غيلة ، ثم ذهب ليستئذن بالدخول على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه قائلا لحاجبه : استأذن لقاتل الزبير‏ .‏ فقال علي‏ :‏ ائذن له وبشره بالنار‏ .‏ وأحضر سيف الزبير عند علي فأخذه فنظر إليه وقال‏ :‏ طالما جلى به الكرب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم‏ !‏ وقد كانت فتنة عظيمة . من بعض الأحداث التي كانت قبل هذه الوقعة : قام علي فخطب الناس فقام إليه الأعور بن بنان المنقري فساله عن إقدامهم على أهل البصرة فقال له علي‏ :‏ على الإصلاح وإطفاء النائرة لعل الله يجمع شمل هذه الأمة بنا ويضع حربهم‏ .‏ قال‏ :‏ فإن لم يجيبونا قال‏ :‏ تركناهم ما تركونا‏ .‏ قال‏ :‏ فإن لم يتركونا قال‏ :‏ دفعناهم عن أنفسنا‏ .‏ قال‏ :‏ فهل لهم من هذا مثل الذي عليهم قال‏ :‏ نعم‏ .‏ وقام إليه أبو سلامة الدألاني فقال‏ :‏ أترى لهؤلاء القوم حجة فيما طلبوا من هذا الدم إن كانوا أرادوا الله بذلك قال‏ :‏ نعم‏ .‏ قال‏ :‏ أفترى لك حجة بتأخير ذلك قال‏ :‏ نعم إن الشيء إذا كان لا يدرك فإن الحكم فيه أحوطه وأعمه نفعًا‏ .‏ قال‏ :‏ فما حالنا وحالهم إن ابتلينا غدًا قال‏ :‏ إني لأرجو أن لا يقتل منا ومنهم أحد نقى قلبه لله إلا أدخله الله الجنة‏ .‏
  • 23.
    موقعة صفين بعدأن انتهى علي رضي الله عنه من موقعة الجمل قرر الذهاب إلى الشام ودعوة معاوية رضي الله عنه أن يعتزل الإمارة ويدخل في جماعة المسلمين ولكن معاوية رضي الله عنه كان من قرابة أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه وقد تأول الآية الكريمة : ” وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً ” ( الإسراء – 33 ) ، وكان يطالب أمير المؤمنين علي رضي الله عنه أن يدفع له قتلة عثمان رضي الله عنه ليقتلهم أو أن يقيم عليهم الحد علي بن أبي طالب رضي الله عنه حتى يجيبهم إلى الطاعة والجماعة ، والمعلوم أن قتلة عثمان رضي الله عنه كانوا كثيرين ومتداخلين في جيش علي رضي الله عنه وأن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه لا يريد السكوت على هذا الأمر فهو لن يعطل حدا من حدود الله تعالى ولكنه كان ينتظر الفرصة المناسبة ، لذا بعد أن رفض معاوية رضي الله عنه الإنصياع لأوامر علي رضي الله عنه وتشبث برأيه كان لزوما على عليّ رضي الله عنه قتاله لجمع الأمّة وعدم تفريقها .
  • 24.
    وبدأت المعركة واشتدتحتى هزم جيش الشام فحين رأوا الهزيمة عمدوا إلى الحيلة والحرب خدعة فأرادوا تفريق جيش علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقالوا نرفع المصاحف على رؤوس الرماح وننادي : هذا حكم بيننا وبينكم فإن أبى بعضهم أن يقبلها وجدت فيهم من يقول‏ :‏ ينبغي لنا أن نقبل فتكون فرقة بينهم وإن قبلوا ما فيها رفعنا القتال عنا إلى أجل فرفعوا المصاحف بالرماح وقالوا‏ :‏ هذا حكم كتاب الله عز وجل بيننا وبينكم من لثغور الشام بعد أهله من لثغور العراق بعد أهله فلما رآها الناس قالوا‏ :‏ نجيب إلى كتاب الله‏ .‏ وعرف علي رضي الله عنه خدعتهم فحرض جيشه على القتال ولكنهم تفرقوا عنه ، واتفق الطرفان على التحكيم بأن يرسل كل فريق شخص ويتحاكما إلى القرآن ويجب على الطرفين قبول ما يتوصلا إليه من حكم ، فأرسل معاوية رضي الله عنه عمرو بن العاص رضي الله عنه وأرسل عليا رضي الله عنه أبو موسى الأشعري . ملاحظه مهمة : أن قصة التحكيم لم تثبت بسند صحيح وفيها مطعن بالصحابيان عمرو بن العاص وأبو موسى الأشعري ، لذا لن أتطرق لها وسنكمل الأحداث بعدها .
  • 25.
    بعد أن اتفقواعلى التحكيم رجع عليّ رضي الله عنه عن صفين . وقد قتل في صفين عمّار بن ياسر رضي الله عنه وهذا يثبت أن علي رضي الله عنه وأرضاه كان على الحق ، وأن معاوية رضي الله عنه كان على الباطل فهم الفئة الباغية التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال ” ‏‏ تقتل عمارًا الفئة الباغية ‏ “ وفي رواية أخرى ” ويحك يا ابن سمية الناس ينقلون لبنة لبنة وأنت تنقل لبنتين لبنتين رغبة في الأجر وأنت مع ذلك تقتلك الفئة الباغية ‏ “ . وحين رجع الناس عن صفين فلما رجع علي خالفت الحرورية وخرجت كان ذلك أول ما ظهرت وأنكرت تحكيم الرجال ورجعوا على غير الطريق الذي أقبلوا فيه أخذوا على طريق البر وعادوا وهم أعداء متباغضون وقد فشا فيهم التحكيم يقطعون الطريق بالتشاتم والتضارب بالسياط يقول الخوارج‏ :‏ يا أعداء الله أدهنتم في أمر الله ويقول الآخرون‏ :‏ فارقتم إمامنا وفرقتم جماعتنا‏ .‏ وحين دخل علي رضي الله عنه الكوفة لم يدخل الخوراج معه فأتوا حروراء فنزلوا بها‏ .
  • 26.
    قتال الخوارج خرج الخوارج من البصرة حتى دنوا من النهروان وكانوا يعترضون الناس فقتلوا عبدالله بن خباب وامرأته وكانت حاملا فبقروا بطنها وكذلك قتلوا ثلاث نسوة من طيء وقتلوا أم سنان الصيداوية ، فرأى عليا وأصحابة قتالهم ، وعبر الجسر عليا وجيشه فأرسل علي إلى أهل النهر‏ :‏ أن ادفعوا إلينا قتلة إخواننا منكم أقتلهم بهم ثم أنا تارككم وكاف عنكم حتى ألقى أهل المغرب فلعل الله يقبل بقلوبكم ويردكم إلى خير مما أنتم عليه من أمركم ‏ .‏ فقالوا‏ :‏ كلنا قتلهم وكلنا مستحل لدمائكم ودمائهم‏ .‏ وخرج إليهم قيس بن سعد بن عبادة فقال لهم‏ :‏ عباد الله أخرجوا إلينا طلبتنا منكم وادخلوا في هذا الأمر الذي خرجتم منه وعودوا بنا إلى قتال عدونا وعدوكم فإنكم ركبتم عظيمًا من الأمر تشهدون علينا بالشرك وتسفكون دماء المسلمين‏ !‏ فقال لهم عبد الله بن شجرة السلمي إن الحق قد أضاء لنا فلسنا مبايعيكم أو تأتونا بمثل عمر فقال‏ :‏ ما نعلمه فينا غير صاحبنا فهل تعلمونه فيكم قالوا‏ :‏ لا‏ .‏ قال‏ :‏ نشدتكم الله
  • 27.
    ثم بعدطول مناقشات ، قصد الخوارج جسر النهر وكانوا غربه فقال لعلي أصحابه‏ :‏ إنهم قد عبروا النهر‏ .‏ فقال‏ :‏ لن يعبروا ‏ .‏ فأرسلوا طليعة فعاد وأخبرهم أنهم عبروا النهر وكان بينهم وبينه عطفة من النهر فلخوف الطليعة منهم لم يقربهم فعاد فقال‏ :‏ إنهم قد عبروا النهر‏ .‏ فقال علي‏ :‏ والله ما عبروه وإن مصارعهم لدون الجسر ووالله لا يقتل منكم عشرة ولا يسلم منهم عشرة ، وتقدم علي إليهم فرآهم عند الجسر لم يعبروه وكان الناس قد شكوا في قوله وارتاب به بعضهم فلما رأوا الخوارج لم يعبروا كبروا وأخبروا عليًا بحالهم فقال‏ :‏ والله ما كذبت ولا كذبت ‏ !‏ ثم إنه عبأ أصحابه وأعطى علي أبا أيوب الأنصاري راية الأمان فناداهم أبو أيوب فقال‏ :‏ من جاء تحت هذه الراية فهو آمن ومن لم يقتل ولم يستعرض ومن انصرف منكم إلى الكوفة أو إلى المدائن وخرج من هذه الجماعة فهو آمن لا حاجة لنا بعد أن نصيب قتلة إخواننا منكم في سفك دمائكم‏ .‏ وكان الخوارج قرابة الأربعة آلاف فلم يتبق عبد الله بن وهب زعيمهم سوى ألف وثمانمائة فزحفوا إلى علي وكان علي قد قال لأصحابه‏ :‏ كفوا عنهم حتى يبدأوكم‏ .‏ فتنادوا‏ :‏ الرواح إلى الجنة‏ !‏ وحملوا على الناس ،
  • 28.
    فافترقت خيل عليفرقتين‏ :‏ فرقة نحو الميمنة وفرقة نحو الميسرة واستقبلت الرماة وجوههم بالنبل وعطفت عليهم الخيل من الميمنة والميسرة ونهض إليهم الرجال بالرماح والسيوف فما لبثوا أن أناموهم‏ . ‏ ذكر مقتل ذي الثدية ، قد روى جماعة أن عليًا كان يحدث أصحابه قبل ظهور الخوارج أن قومًا يخرجون يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية علامتهم رجل مخدج اليد سمعوا ذلك منه مرارًا ، فلما خرج أهل النهروان سار بهم إليهم علي وكان منه معهم ما كان فلما فرغ أمر أصحابه أن يلتمسوا المخدج فالتمسوه فقال بعضهم‏ :‏ ما نجده حتى قال بعضهم‏ :‏ ما هو فيهم وهو يقول‏ :‏ والله إنه لفيهم والله ما كذبت ولا كذبت ‏ !‏ ثم إنه جاءه رجل فبشره فقال‏ :‏ يا أمير المؤمنين قد وجدناه‏ .‏ فوجده في حفرة على شاطىء النهر في خمسين قتيلًان فلما استخرجه نظر إلى عضده فإذا لحم مجتمع كثدي المرأة وحلمة عليها شعرات سود فغذا مدت امتدت حتى تحاذي يده الطولى ثم تترك فتعود إلى منكبيه‏ .‏ فلما رآه قال‏ :‏ الله أكبر ما كذبت ولا كذبت لولا أن تنكلوا عن العمل لأخبرتكم بما قص الله على لسان نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ لمن قاتلهم مستبصرًا في قتالهم عارفًا للحق الذي نحن عليه‏ .‏ و لم يقتل من أصحاب علي إلا سبعة .
  • 29.
    استشهاده في سنةأربعين للهجرة قتل علي رضي الله عنه وأرضاه في شهر رمضان لسبع عشرة خلت منه وقيل‏ :‏ لإحدى عشرة وقيل‏ :‏ لثلاث عشرة بقيت منه وقيل‏ :‏ في شهر ربيع الآخر سنة أربعين‏ .‏ والأول أصح‏ .‏ وكان سبب قتله أن عبد الرحمن بن ملجم المرادي والبرك بن عبد الله التميمي الصريمي وقيل اسم البرك الحجاج وعمرو بن بكر التميمي السعدي وهم من الخوارج اجتمعوا فتذاكروا أمر الناس وعابوا عمل ولاتهم ثم ذكروا أهل النهر فترحموا عليهم وقالوا‏ :‏ ما نصنع بالبقاء بعدهم فلو شرينا أنفسنا وقتلنا أئمة الضلالة وأرحنا منهم البلاد‏ !‏ فقال ابن ملجم‏ :‏ أنا أكفيكم عليًا وكان من أهل مصر‏ .‏ وقال البرك بن عبد الله‏ :‏ أنا أكفيكم معاوية‏ .‏ وقال عمرو بن بكر‏ :‏ أنا أكفيكم عمرو بن العاص‏ .‏ فتعاهدوا أن لا ينكص أحدهم عن صاحبه الذي توجه إليه حتى يقتله أو يموت دونه وأخذوا سيوفهم فسموها واتعدوا لسبع عشرة من رمضان وقصد كل رجل منهم الجهة التي يريد فأتى ابن ملجم الكوفة ، والتقى بأصحابه منهم وردان وشبيب وكانا معه في قتل علي رضي الله عنه ،
  • 30.
    فلما كان ليلةالجمعة وهي الليلة التي واعد ابن ملجم أصحابه على قتل علي ومعاوية وعمرو أخذ سيفه ومعه شبيب ووردان وجلسوا مقابل السدة التي يخرج منها علي للصلاة فلما خرج علي نادى‏ :‏ أيها الناس الصلاة الصلاة‏ .‏ فضربه شبيب بالسيف فوقع سيفه بعضادة الباب وضربه ابن ملجم على قرنه بالسيف وقال‏ :‏ الحكم لله لا لك يا علي ولا لأصحابك‏ !‏ وهرب وردان فدخل منزله فأتاه رجل من أهله فأخبره وردان بما كان فانصرف عنه وجاء بسيفه فضرب به وردان حتى قتله وهرب شبيب في الغلس وصاح الناس فلحقه رجل من حضرموت يقال له عويمر وفي يد شبيب السيف فأخذه وجلس عليه فلما رأى الحضرمي الناس قد أقبلوا في طلبه وسيف شبيب في يده خشي على نفسه فتركه ونجا وهرب شبيب في غمار الناس‏ .‏ ولما ضرب ابن ملجم عليًا قال‏ :‏ لا يفوتنكم الرجل ‏ .‏ فشد الناس عليه فأخذوه وتأخر علي وقدم جعدة بن هبيرة وهو ابن أخته أم هانىء يصلي بالناس الغداة وقال علي‏ :‏ أحضروا الرجل عندي ‏ .‏ فأدخل عليه‏ .‏ فقال‏ :‏ أي عدو الله‏ !‏ ألم أحسن إليك قال‏ :‏ بلى‏ .‏ قال‏ :‏ فما حملك على هذا قال‏ :‏ شحذته أربعين صباحًا وسألت الله أن يقتل به شر خلقه‏ .‏ فقال علي‏ :‏ لا أراك إلا مقتولًا به ولا أراك إلا من شر خلق الله‏ .‏
  • 31.
    ثم قال‏ :‏ النفس بالنفس إن هلكت فاقتلوه كما قتلني وإن بقيت رأيت فيه رأيي يا بني عبد المطلب لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين تقولون قد قتل أمير المؤمنين ألا لا يقتلن إلا قاتلي انظر يا حسن إن أنا مت من ضربتي هذه فاضربه ضربةً بضربة ولا تمثلن بالرجل فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏ :‏ ‏ “ إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور ‏ “ ‏‏ .‏ هذا كله وابن ملجم مكتوف‏ .‏ فقالت له أم كلثوم ابنة علي‏ :‏ أي عدو الله‏ !‏ لابأس على أبي والله مخزيك‏ !‏ قال‏ :‏ فعلى من تبكين والله إن سيفي اشتريته بألف وسممته بألف ، ثم دعا عليا الحسن والحسين فقال لهما‏ :‏ أوصيكما بتقوى الله ولا تبغيا الدنيا وإن بغتكما ولا تبكيا على شيء زوى عنكما وقولا الحق وارحما اليتيم وأعينا الضائع واصنعا للآخرة وكونا للظالم خصيمًا وللمظلوم ناصرًا واعملا بما في كتاب الله ولا تأخذكما في الله لومة لائم‏ .‏ ثم نظر إلى محمد بن الحنفية فقال‏ :‏ هل حفظت ما أوصيت به أخويك قال‏ :‏ نعم‏ .‏ قال‏ :‏ فإني أوصيك بمثله وأوصيك بتوقير أخويك لعظيم حقهما عليك فاتبع أمرهما ولا تقطع أمرًا دونهما‏ .‏ ثم قال‏ :‏ أوصيكما به فإنه أخوكما وابن أبيكما وقد علمتما أن أباكما كان يحبه ‏ .‏ ثم كتب وصيته ولم ينطق إلا بلا إله إلا الله حتى مات رضي الله عنه وأرضاه‏ .‏
  • 32.
    فلما قبض بعثالحسن إلى ابن ملجم فأحضره فقال للحسن‏ :‏ هل لك في خصلة إني والله قد أعطيت الله عهدًا أن لا أعاهد عهدًا إلا وفيت به وإني عاهدت الله عند الحطيم أن اقتل عليًا ومعاوية أو أموت دونهما فإن شئت خليت بيني وبينه فلك الله علي إن لم أقتله أو قتلته ثم بقيت أن آتيك حتى أضع يدي في يدك‏ .‏ فقال له الحسن‏ :‏ لا والله حتى تعاين النار ‏ .‏ ثم قدمه فقتله وأخذه الناس فأدرجوه في بواري وأحرقوه بالنار‏ .‏ قال عمرو بن الأصم‏ :‏ قلت للحسن بن علي‏ :‏ إن هذه الشيعة تزعم أن عليًا مبعوث قبل القيامة‏ !‏ فقال‏ :‏ كذب والله هؤلاء الشيعة لو علمنا أنه مبعوث قبل القيامة ما زوجنا نساءه ولا قسمنا ماله أما قوله‏ :‏ هذه الشيعة فلا شك أنه يعني طائفة منها فإن كل شيعة لا تقول هذا إنما تقوله طائفة يسيرة منهم ومن مشهوري هذه الطائفة‏ :‏ جابر بن يزيد الجعفي الكوفي .
  • 33.
    ذكر نسائه وأبنائهوبناته وأما أزواجه فأول زوجة تزوجها فاطمة بنت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يتزوج عليها حتى توفيت عنده وكان له منها الحسن والحسين وقد ذكر أنه كان له منها ابن آخر يقال له محسن وأنه توفي صغيرًا وزينب الكبرى وأم كلثوم الكبرى‏ .‏ ثم تزوج بعدها أم البنين بنت حرام الكلابية فولدت له العباس وجعفرًا وعبد الله وعثمان قتلوا مع الحسين بالطف ولا بقية لهم غير العباس وتزوج ليلى بنت مسعود بن خالد النهشلية التميمية فولدت له عبيد الله وأبا بكر قتلا مع الحسين وقيل‏ : ‏ إن عبيد الله قتله المختار بالمذار وقيل‏ :‏ لا بقية لهما‏ .‏ وتزوج أسماء بنت عميس الخثعمية فولدت له محمدًا الأصغر ويحيى ولا عقب لهما وقيل‏ :‏ إن محمدًا لأم ولد وقتل مع الحسين وقيل‏ :‏ إنها ولدت له عونًا وله من الصهباء بنت ربيعة التغلبية وهي من السبي الذي أغار عليهم خالد بن الوليد بعين التمر وولدت له عمر بن علي ورقية بنت علي فعم ّ ر عمر حتى بلغ خمسًا وثمانين سنة فحاز نصف ميراث علي ومات بينبع‏ ،
  • 34.
    وتزوج علي أمامةبنت أبي العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس وأمها زينب بنت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فولدت له محمدًا الأوسط وله محمد ابن علي الأكبر الذي يقال له ابن الحنفية أمه خولة بنت جعفر من بني حنيفة‏ .‏ وتزوج علي أيضًا أم سعيد ابنة عروة بن مسعود الثقفية فولدت له أم الحسن ورملة الكبرى وأم كلثوم وكان له بنات من أمهات شتى لم يذكرن لنا منهن أم هانىء وميمونة وزينب الصغرى ورملة الصغرى وأم كلثوم الصغرى وفاطمة وأمامة وخديجة وأم الكرام وأم سلمة وأم جعفر وجمانة ونفيسة كلهن من أمهات أولاد‏ .‏ وتزوج أيضًا مخباة بنت امرىء القيس بن عدي الكلبية فولدت له جارية هلكت صغيرة كانت تخرج إلى المسجد فيقال لها‏ :‏ من أخوالك فتقول‏ :‏ وه وه تعني كلبًا‏ .‏ فجميع ولده أربعة عشر ذكرًا وسبع عشرة امرأة وكان النسل منهن للحسن والحسين ومحمد بن الحنفية والعباس بن الكلابية وعمر بن التغلبية‏ .‏
  • 35.
    قال بكر بنحسان الباهري‏ :‏ قل لابن ملجم والأق ــ دار غالبةٌ‏ هدمت للدين والإسلام أركانا قتلت أفضل من يمشي على قدمٍ وأعظم الناس إسلامًا وإيمانا وأعلم الن ــ اس بالق ــــ رآن ثم بما سن الرسول لنا شرعًا وتبيانا صه ــ ر النبي وم ـ ولاه ون ــ اصره أضحت مناقبه نورًا وبرهانا وكان منه على رغم الحسود ل ــ ه مكان هارون من موسى بن عمرانا ذكرت قاتله والدمع منحدرٌ فقلت سبحان رب العرش سبحانا إني لأحسبه ما كان من أنسٍ كلا ولكنه قد كان شيطانا قد كان يخبرهم هذا بمقتله قبل المنية أزمانًا فأزمانا كأنه لم يرد قصدًا بضربته إلا ليصلى عذاب الخلد نيرانا
  • 36.
    جمع واعداد / أخوكم علي العلي الكعبي إدارة شبكة الدعاة إلى العلم النافع الإسلامية www.du3at.com