‫من كتاب‬


‫دخول‬
‫• تعريف السيرة وأهميتها‬
     ‫• حياته صلى ال عليه وسلم من مولده إلى بعثته‬
                                   ‫• المرحلة المكية‬
                                  ‫• المرحلة المدنية‬
           ‫• فترة الهدنة مع المشركين )6هـ - 8هـ(‬
                                      ‫• فتح مكـة‬
‫• فترة دخول الناس في دين ال أفواجا )8هـ - 11هـ(‬
                ‫• وفاة الرسول صلى ال عليه وسلم‬
                     ‫• شمائله صلى ال عليه وسلم‬
‫الجزء الول‬


‫أو ل ً‬
     ‫:‬
‫• - السيرة لغة :‬
‫• تعني ال ّنة والطريقة، والحالة التي يكون‬
                              ‫س‬
‫عليها النسان وغيره. ُقال فلن له سيرة‬
                ‫ي‬
   ‫حسنة، وقال تعالى: )سنعيدها سيرتها‬
                     ‫الولى( )طه:12(.‬
            ‫- السيرة اصطل ح ًا:‬                 ‫•‬
   ‫السيرة اصطل ًا تعني قصة الحياة وتاريخها،‬
                                ‫ح‬               ‫•‬
     ‫وكتبها تس ّى: كتب السير، ُقال قرأت سيرة‬
                    ‫ي‬               ‫م‬
   ‫فلن: أي تاريخ حياته. والسيرة النبوية تعني‬
   ‫مجموع ما ورد لنا من وقائع حياة النبي صلى‬
‫ال عليه وسلم وصفاته ال ُلقية وال َلقية، مضافا‬
           ‫خ‬          ‫خ‬
     ‫إليها غزواته وسراياه صلى ال عليه وسلم.‬
‫1- السيرة النبوية هي السبيل إلى فهم شخصية الرسول صلى ال عليه وسلم، من خلل‬
   ‫حياته وظروفه التي عاش فيها، للتأكد من أنه صلى ال عليه وسلم لم يكن مجرد عبقري‬
                           ‫سمت به عبقريته، ولكنه قبل ذلك رسول أيده ال بوحي من عنده.‬
    ‫2- تجعل السيرة النبوية بين يدي النسان صورة للمثل العلى في كل شأن من شؤون‬
 ‫الحياة الفاضلة، يتمسك به ويحذو حذوه، فقد جعل ال تعالى الرسول محم ًا صلى ال عليه‬
                  ‫د‬
‫وسلم قدوة للنسانية كلها، حيث قال سبحانه: )لقد كان لكم في رسول ال أسوة حسنة لمن‬
                                             ‫كان يرجو ال واليوم الخر( )الحزاب:12(.‬
‫3- السيرة النبوية تعين على فهم كتاب ال وتذوق روحه ومقاصده، فكثير من آيات القرآن‬
          ‫الكريم إنما تفسرها وتجليها الحداث التي مرت برسول ال صلى ال عليه وسلم.‬
  ‫4- السيرة النبوية صورة مجسدة نيرة لمجموع مبادئ السلم وأحكامه، فهي تك ّن لدى‬
        ‫و‬
    ‫دارسها أكبر قدر من الثقافة والمعارف السلمية، سواء ما كان منها متعل ًا بالعقيدة أو‬
                 ‫ق‬
                                                                    ‫الحكام أو الخلق.‬
‫ن َ س َ ب ُه صلى ا عليه وسلم:‬

                                                                       ‫الرسول صلى ال عليه وسلم هو:‬
‫) محمــد بن عبد ا بن عبد المطلب بن هاشــم ابن عبد مناف بن قصي‬
‫بن كلب بن م ُرة بن كعب بن ل ُ ؤ َ ي ّ بن غالب بن ف ِهر بن مالك ابن ال ن ّضر‬
  ‫بن ك ِنانة بن خ ُزيمة بن م ُدركة بن إلياس بن م ُضر بن نزار بن معد بن‬
                     ‫عدنان( )رواه البخاري( وعدنان من ولد إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلم.‬

‫وأبوه: عبد ال بن عبد المطلب، كان أجمل قريش )قبيلة قريش( وأحب شبابها إليها، عاش طاه ًا كري ًا حتى‬
     ‫م‬      ‫ر‬
                                                     ‫تزوج بآمنة بنت وهب أم الرسول صلى ال عليه وسلم.‬
‫وأ م ّه: آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلب، وزهرة هو أخو قصي بن كلب جد الرسول صلى ال‬
                                                         ‫عليه وسلم، وكان أبوها سيد بني زهرة.‬
‫وج د ّه: عبد المطلب بن هاشم، هو سيد قبيلة قريش، أعطته رياستها لخصاله الوافرة، وقوة إرادته، وعزيمته‬
        ‫على فعل الخير لكل الناس، وقد اشتهر بحفر بئر )زمزم( التي تسقي الناس بمكة المكرمة إلى يومنا هذا.‬
‫وسلم:‬       ‫مولده صلى ا عليه‬
‫ولـد سيـد المرسلـين صلى ال عليه وسلم بشـعب بني هاشـم بمكـة في صبيحـة يــوم الثنين مـن شـهر ربيـع الول،‬
     ‫ولكن اليوم لم يثيت تحديدا في الحاديث الصحيحة و العـام هو عام الفيـل ، ولربعـين سنة خلت من ملك‬
‫كسرى أنو شروان، ويوافق ذلك سنة 175 م حسبما حققه العالم الكبير محمد سليمان ـ المنصور فورى ـ رحمه ال‬

 ‫وروى ابــن سعــد أن أم رســول ال صلى ال عليه وسلم قالــت : لمــا ولـدتــه خــرج مــن فرجـى نــور أضــاءت‬
                                               ‫لـه قصـور الشام. وروى أحمد والدارمى وغيرهمـا قريبًا مـن ذلك.‬
                                                         ‫ـ‬
 ‫وقد روى أن إرهاصات بالبعثة وقعت عند الميلد، فسقطت أربع عشرة شرفة من إيوان كسرى، وخمدت النار التي‬
‫يعبدها المجوس، وانهدمت الكنائس حول بحيرة ساوة بعد أن غاضت، روى ذلك الطبرى والبيهقى وغيرهما. وليس‬
                                            ‫له إسناد ثابت، ولم يشهد له تاريخ تلك المم مع قوة دواعى التسجيل.‬
   ‫ولما ولدته أمه أرسلت إلى جده عبد المطلب تبشره بحفيده،فجاء مستبش ًا ودخل به الكعبة، ودعا ال وشكر له.‬
                                         ‫ر‬
            ‫واختار له اسم محمد ـ وهذا السم لم يكن معرو ًا في العرب ـ و َ َ َه يوم سابعه كما كان العرب يفعلون.‬
                                               ‫ختن‬                ‫ف‬
  ‫وأول من أرضعته من المراضع ـ وذلك بعد أمه صلى ال عليه وسلم بأسبوع ـ ُ َيْ َة مولة أبي لهب بلبن ابن لها‬
                               ‫ثو ب‬
‫يقال له: َسْ ُوح، وكانت قد أرضعت قبله حمزة بن عبد المطلب، وأرضعت بعده أبا سلمة بن عبد السد المخزومي.‬
                                                                                                 ‫م ر‬
‫وكانت العادة عند الحاضرين من العرب أن يلتمسوا المراضع لولدهم ابتعا ًا لهم عن أمراض الحواضر؛‬
                             ‫د‬
‫ولتقوى أجسامهم، وتشتد أعصابهم، ويتقنوا اللسان العربى في مهدهم، فالتمس عبد المطلب لرسول ال صلى‬
  ‫ال عليه وسلم المراضع، واسترضع له امرأة من بني سعد بن بكر، وهي حليمة بنت أبي ذؤيب عبد ال بن‬
                            ‫الحارث، وزوجها الحارث ابن عبد العزى المكنى بأبي كبشة من نفس القبيلة.‬
     ‫وإخوته صلى ال عليه وسلم هناك من الرضاعة : عبد ال بن الحارث، وأنيسة بنت الحارث، وحذافة أو‬
  ‫جذامة بنت الحارث ]وهي الشيماء؛ لقب غلب على اسمها[ وكانت تحضن رسول ال صلى ال عليه وسلم،‬
   ‫وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم رسول ال صلى ال عليه وسلم وكان عمه حمزة بن عبد‬
   ‫المطلب مسترض ًا في بني سعد بن بكر، فأرضعت أمه رسول ال صلى ال عليه وسلم يو ًا وهو عند أمه‬
                 ‫م‬                                                                ‫ع‬
   ‫حليمة،فكان حمزة رضيع رسول ال صلى ال عليه وسلم من جهتين، من جهة ثويبة ومن جهة السعدية.‬
                                        ‫ورأت حليمة من بركته صلى ال عليه وسلم ما قضت منه العجب‬
‫شق الصدر‬

‫وهكذا رجع رسول ال صلى ال عليه وسلم إلى بني سعد، حتى إذا كان بعده بأشهر على قول ابن إسحاق،‬
 ‫وفي السنة الرابعة من مولده على قول المحققين وقع حادث شق صدره، روى مسلم عن أنس: أن رسول‬
    ‫ال صلى ال عليه وسلم أتاه جبريل، وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه، فشق عن قلبه، فاستخرج‬
     ‫القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في َسْت من ذهب بماء زمزم، ثم‬
                              ‫ط‬
 ‫َ َه ـ أي جمعه وضم بعضه إلى بعض ـ ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه ـ يعنى ظئره ـ‬      ‫لم‬
‫فقالوا: إن محم ًا قد قتل، فاستقبلوه وهو ُنْ َ ِ ُ اللون ـ أي متغير اللون ـ قال أنس: وقد كنت أرى أثر ذلك‬
                                                      ‫م تقع‬                            ‫د‬
                                                                                    ‫المخيط في صدره.‬
‫إلى أمه الحنون‬
                ‫وخشيت عليه حليمة بعد هذه الوقعة حتى ردته إلى أمه، فكان عند أمه إلى أن بلغ ست سنين.‬
     ‫ورأت آمنة ـ وفاء لذكرى زوجها الراحل ـ أن تزور قبره بيثرب، فخرجت من مكة قاطعة رحلة تبلغ نحو‬
‫خمسمائة كيلو متر ومعها ولدها اليتيم ـ محمد صلى ال عليه وسلم ـ وخادمتها أم أيمن، وقيمها عبد المطلب،‬
‫فمكثت شه ًا ثم قفلت، وبينما هي راجعة إذ لحقها المرض في أوائل الطريق، ثم اشتد حتى ماتت بالبْ َاء بين‬
      ‫و‬                                                                                   ‫ر‬
                                                                                        ‫مكة والمدينة.‬
                                                                      ‫إلى جده العطوف‬
    ‫وعاد به عبد المطلب إلى مكة، وكانت مشاعر الحنو في فؤاده تربو نحو حفيده اليتيم الذي أصيب بمصاب‬
‫جديد َ َأ الجروح القديمة، َ َ ّ عليه رقة لم يرقها على أحد من أولده، فكان ل يدعه لوحدته المفروضة، بل‬
                                                                     ‫فر ق‬                   ‫نك‬
   ‫يؤثره على أولده، قال ابن هشام: كان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة، فكان بنوه يجلسون حول‬
‫فراشه ذلك حتى يخرج إليه، ل يجلس عليه أحد من بنيه إجل ً له، فكان رسول ال صلى ال عليه وسلم يأتى‬
                                          ‫ل‬
‫وهو غلم جفر حتى يجلس عليه، فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه، فيقول عبد المطلب إذا رأي ذلك منهم: دعوا‬
        ‫ابني هذا، فوال إن له لشأ ًا، ثم يجلس معه على فراشه، ويمسح ظهره بيده، ويسره ما يراه يصنع.‬
                                                                         ‫ن‬
   ‫ولثمانى سنوات وشهرين وعشرة أيام من عمره صلى ال عليه وسلم توفي جده عبد المطلب بمكة، ورأي‬
                                         ‫قبل وفاته أن يعهد بكفالة حفيده إلى عمه أبي طالب شقيق أبيه.‬
‫إلى عمه الشفيق‬
        ‫ونهض أبو طالب بحق ابن أخيه على أكمل وجه، وضمه إلى ولده وقدمه عليهم واختصه بفضل احترام‬
     ‫وتقدير، وظل فوق أربعين سنة يعز جانبه، ويبسط عليه حمايته، ويصادق ويخاصم من أجله، وستأتي نبذ‬
                                                                                  ‫من ذلك في مواضعها.‬
  ‫ولما بلغ رسول ال صلى ال عليه وسلم اثنتى عشرة سنة ـ قيل: وشهرين وعشرة أيام ـ ارتحل به أبو طالب‬
‫تاج ًا إلى الشام، حتى وصل إلى ُصْ َى ـ وهي معدودة من الشام، و َ َ َة ل ُو َان، وكانت في ذلك الوقت قصبة‬
                              ‫قصب ح ر‬                               ‫ب ر‬                          ‫ر‬
      ‫للبلد العربية التي كانت تحت حكم الرومان. وكان في هذا البلد راهب عرف َب ِي َى، واسمه ـ فيما يقال:‬
                            ‫بحر‬
‫جرجس، فلما نزل الركب خرج إليهم، وكان ل يخرج إليهم قبل ذلك، فجعل يتخّلهم حتى جاء فأخذ بيد رسول ال‬
                               ‫ل‬
 ‫صلى ال عليه وسلم، وقال: هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين، هذا يبعثه ال رحمة للعالمين. فقال له‬

‫خر ساج ًا، ول يسجدان إل لنبى، وإنى أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة، ]وإنا نجده في‬
                                                                                               ‫د‬
    ‫كتبنا[، ثم أكرمهم بالضيافة، وسأل أبا طالب أن يرده، ول يقدم به إلى الشام؛ خو ًا عليه من الروم واليهود،‬
                             ‫ف‬
                                                                     ‫فبعثه عمه مع بعض غلمانه إلى مكة.‬
‫حياة الكدح‬
‫ولم يكن له صلى ال عليه وسلم عمل معين في أول شبابه، إل أن الروايات توالت أنه كان يرعى‬
‫غن ًا، رعاها في بني سعد، وفي مكة لهلها على قراريط، ويبدو أنه انتقل إلى عمل التجارة حين‬
                                                                                   ‫م‬
 ‫شب،فقد ورد أنه كان يتجر مع السائب بن أبي السائب المخزومي فكان خير شريك له، ل يدارى‬
                        ‫ول يمارى، وجاءه يوم الفتح فرحب به، وقال: مرح ًا بأخي وشريكي.‬
                                        ‫ب‬
 ‫وفي الخامسة والعشرين من سنه خرج تاج ًا إلى الشام في مال خديجة رضي ال عنها قال ابن‬
                                               ‫ر‬
      ‫إسحاق: كانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها،‬
 ‫وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم، وكانت قريش قو ًا تجا ًا، فلما بلغها عن رسول ال صلى ال‬
                                   ‫ر‬     ‫م‬
   ‫عليه وسلم ما بلغها من صدق حديثه، وعظم أمانته وكرم أخلقه بعثت إليه، فعرضت عليه أن‬
 ‫يخرج في مال لها إلى الشام تاج ًا، وتعطيه أفضل ما كانت تعطى غيره من التجار، مع غلم لها‬
                                                         ‫ر‬
  ‫يقال له: ميسرة، فقبله رسول ال صلى ال عليه وسلم منها، وخرج في مالها ذلك، وخرج معه‬
                                                           ‫غلمها ميسرة حتى قدم الشام.‬
‫زواجه بخديجة‬
‫ولما رجع إلى مكة، ورأت خديجة في مالها من المانة والبركة ما لم تر قبل هذا، وأخبرها غلمها ميسرة‬
   ‫بما رأي فيه صلى ال عليه وسلم من خلل عذبة، وشمائل كريمة، وفكر راجح، ومنطق صادق، ونهج‬
     ‫أمين، وجدت ضالتها المنشودة ـ وكان السادات والرؤساء يحرصون على زواجها فتأبي عليهم ذلك ـ‬
   ‫فتحدثت بما في نفسها إلى صديقتها نفيسة بنت منبه، وهذه ذهبت إليه صلى ال عليه وسلم تفاتحه أن‬
       ‫يتزوج خديجة، فرضى بذلك، وكلم أعمامه، فذهبوا إلى عم خديجة وخطبوها إليه، وعلى إثر ذلك تم‬
 ‫الزواج، وحضر العقد بنو هاشم ورؤساء مضر، وذلك بعد رجوعه من الشام بشهرين، وأصدقها عشرين‬
   ‫َكْرة. وكانت سنها إذ ذاك أربعين سنة، وكانت يومئذ أفضل نساء قومها نس ًا وثروة وعق ً، وهي أول‬
               ‫ل‬             ‫ب‬                                                               ‫ب‬
                     ‫امرأة تزوجها رسول ال صلى ال عليه وسلم، ولم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت.‬
    ‫وكل أولده صلى ال عليه وسلم منها سوى إبراهيم،ولدت له: أو ً القاسم ـ وبه كان يكنى ـ ثم زينب،‬
                                     ‫ل‬
        ‫ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة، وعبد ال . وكان عبد ال يلقب بالطيب والطاهر، ومات بنوه كلهم في‬
  ‫صغرهم، أما البنات فكلهن أدركن السلم فأسلمن وهاجرن،إل أنهن أدركتهن الوفاة في حياته صلى ال‬
                      ‫عليه وسلم سوى فاطمة رضي ال عنها، فقد تأخرت بعده ستة أشهر ثم لحقت به.‬
‫بناء الكعبة وقضية التحكيم‬
     ‫ولخمس وثلثين سنة من مولده صلى ال عليه وسلم قامت قريش ببناء الكعبة؛ وذلك لن‬
‫الكعبة كانت َضْ ًا فوق القامة، ارتفاعها تسعة أذرع من عهد إسماعيل عليه السلم، ولم يكن‬
                                                                        ‫ر م‬
 ‫لها سقف، فسرق نفر من اللصوص كنزها الذي كان في جوفها، وكانت مع ذلك قد تعرضت ـ‬
    ‫باعتبارها أث ًا قديما ـ للعوادى التي أدهت بنيانها، وصدعت جدرانها، وقبل بعثته صلى ال‬
                                                                             ‫ر‬
   ‫عليه وسلم بخمس سنين جرف مكة سيل عرم انحدر إلى البيت الحرام، فأوشكت الكعبة منه‬
 ‫على النهيار، فاضطرت قريش إلى تجديد بنائها حر ًا على مكانتها، واتفقوا على أل يدخلوا‬
                                       ‫ص‬
   ‫في بنائها إل طي ًا، فل يدخلون فيها مهر بغى ول بيع ر ًا ول مظلمة أحد من الناس، وكانوا‬
                                     ‫ب‬                                   ‫ب‬
   ‫يهابون هدمها، فابتدأ بها الوليد بن المغيرة المخزومى، فأخذ المعول وقال: ال م ل نريد إل‬
 ‫الخير، ثم هدم ناحية الركنين، ولما لم يصبه شيء تبعه الناس في الهدم في اليوم الثاني، ولم‬
     ‫يزالوا في الهدم حتى وصلوا إلى قواعد إبراهيم، ثم أرادوا الخذ في البناء فجزأوا الكعبة،‬
  ‫وخصصوا لكل قبيلة جز ًا منها. فجمعت كل قبيلة حجارة على حدة، وأخذوا يبنونها، وتولى‬
                                                                   ‫ء‬
     ‫البناء بناء رومي اسمه: باقوم. ولما بلغ البنيان موضع الحجر السود اختلفوا فيمن يمتاز‬
‫بشرف وضعه في مكانه، واستمر النزاع أربع ليال أو خم ًا، واشتد حتى كاد يتحول إلى حرب‬
                                  ‫س‬
‫ضروس في أرض الحرم، إل أن أبا أمية بن المغيرة المخزومى عرض عليهم أن يحكموا فيما‬
                                     ‫شجر بينهم أول داخل عليهم من باب المسجد فارتضوه،‬
‫بناء الكعبة وقضية التحكيم‬
 ‫وشاء ال أن يكون ذلك رسول ال صلى ال عليه وسلم، فلما رأوه هتفوا: هذا‬
          ‫المين، رضيناه، هذا محمد، فلما انتهى إليهم، وأخبروه الخبر طلب رداء‬
    ‫فوضع الحجر وسطه وطلب من رؤساء القبائل المتنازعين أن يمسكوا جمي ًا‬
     ‫ع‬
    ‫بأطراف الرداء، وأمرهم أن يرفعوه، حتى إذا أوصلوه إلى موضعه أخذه بيده‬
                            ‫فوضعه في مكانه، وهذا حل حصيف رضى به القوم.‬
         ‫وقصرت بقريش النفقة الطيبة فأخرجوا من الجهة الشمالية نحوا من ستة‬
‫أذرع، وهي التي تسمى بالحجر والحطيم، ورفعوا بابها من الرض؛ لئل يدخلها‬
        ‫إل من أرادوا، ولما بلغ البناء خمسة عشر ذرا ًا سقفوه على ستة أعمدة.‬
                                 ‫ع‬
      ‫وصارت الكعبة بعد انتهائها ذات شكل مربع تقري ًا، يبلغ ارتفاعه 51 مت ًا،‬
         ‫ر‬                     ‫ب‬
  ‫وطول ضلعه الذي فيه الحجر السود والمقابل له 01 أمتار، والحجر موضوع‬
‫على ارتفاع 1.05متر من أرضية المطاف. والضلع الذي فيه الباب والمقابل له‬
  ‫21مت ًا، وبابها على ارتفاع مترين من الرض، ويحيط بها من الخارج قصبة‬   ‫ر‬
   ‫من البناء أسفلها، متوسط ارتفاعها 0.52مت ًا ومتوسط عرضها 0.03 مت ًا‬
    ‫ر‬                              ‫ر‬
                   ‫وتسمى بالشاذروان، وهي من أصل البيت لكن قري ًا تركتها.‬
                            ‫ش‬
‫كان النبي صلى ال عليه وسلم قد جمع في نشأته خير ما في طبقات الناس من ميزات، وكان طرا ًا رفي ًا من‬
        ‫ع‬     ‫ز‬
  ‫الفكر الصائب، والنظر السديد، ونال ح ًا واف ًا من حسن الفطنة وأصالة الفكرة وسداد الوسيلة والهدف، وكان‬
                                                              ‫ظ ر‬
   ‫يستعين بصمته الطويل على طول التأمل وإدمان الفكرة واستكناه الحق، وطالع بعقله الخصب وفطرته الصافية‬
 ‫صحائف الحياة وشئون الناس وأحوال الجماعات، فعاف ما سواها من خرافة، ونأي عنها، ثم عاشر الناس على‬
  ‫بصيرة من أمره وأمرهم، فما وجد حس ًا شارك فيه وإل عاد إلى عزلته العتيدة، فكان ل يشرب الخمر، ول يأكل‬
                                                                     ‫ن‬
       ‫مما ذبح على النصب، ول يحضر للوثان عي ًا ول احتفا ً، بل كان من أول نشأته نافرا من هذه المعبودات‬
                                                   ‫ل‬           ‫د‬
              ‫الباطلة، حتى لم يكن شيء أبغض إليه منها، وحتى كان ل يصبر على سماع الحلف باللت والعزى.‬
  ‫ول شك أن القدر حاطه بالحفظ، فعندما تتحرك نوازع النفس لستطلع بعض متع الدنيا، وعندما يرضى باتباع‬
 ‫بعض التقاليد غير المحمودة ـ تتدخل العناية الربانية للحيلولة بينه وبينها، قال رسول ال صلى ال عليه وسلم:‬
‫)ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يعملون غير مرتين، كل ذلك يحول ال بيني وبينه، ثم ما هممت به حتى‬
‫أكرمنى برسالته، قلت ليلة للغلم الذي يرعى معي الغنم بأعلى مكة: لو أبصرت لي غنمي حتى أدخل مكة وأسمر‬
‫بها كما يسمر الشباب، فقال: أفعل، فخرجت حتى إذا كنت عند أول دار بمكة سمعت عز ًا، فقلت: ما هذا؟ فقالوا:‬
                        ‫ف‬
 ‫عرس فلن بفلنة، فجلست أسمع، فضرب ال على أذنـى فنمت، فما أيقظني إل حر الشمس. فعدت إلى صاحبي‬
     ‫فسألني، فأخبرته، ثم قلت ليلة أخرى مثل ذلك، ودخلت بمكة فأصابني مثل أول ليلة... ثم ما هممت بسوء(.‬
‫وروى البخاري عن جابر بن عبد ال قال: لما بنيت الكعبة ذهب النبي صلى ال عليه وسلم وعباس ينقلن الحجارة،‬
   ‫فقال عباس للنبي صلى ال عليه وسلم: اجعل إزارك على رقبتك يقيقك من الحجارة، فخر إلى الرض وطمحت عيناه‬
                ‫إلى السماء ثم أفاق، فقال: )إزاري، إزاري( فشد عليه إزاره. وفي رواية: فما رؤيت له عورة بعد ذلك.‬
‫وكان النبي صلى ال عليه وسلم يمتاز في قومه بخلل عذبة وأخلق فاضلة، وشمائل كريمة، فكان أفضل قومه مروءة،‬
‫وأحسنهم خل ًا، وأعزهم جوا ًا، وأعظمهم حل ًا، وأصدقهم حدي ًا، وألينهم َ ِيكة، وأعفهم نف ًا وأكرمهم خي ًا، وأبرهم‬
         ‫ر‬             ‫س‬               ‫عر‬            ‫ث‬               ‫م‬              ‫ر‬              ‫ق‬
  ‫عم ً، وأوفاهم عه ًا، وآمنهم أمانة حتى سماه قومه: ]المين[ لما جمع فيه من الحوال الصالحة والخصال المرضية،‬
                                                                                             ‫د‬              ‫ل‬
   ‫وكان كما قالت أم المؤمنين خديجة رضي ال عنها يحمل الكل، ويكسب المعدوم، ويقرى الضيف، ويعين على نوائب‬
                                                                                                           ‫الحق.‬
‫النبــوة والدعــوة - العهـد المكـي‬
     ‫تنقسم حياة رسول ال صلى ال عليه وسلم بعد أن شرفه ال بالنبوة‬
      ‫والرسالة إلى عهدين يمتاز أحدهما عن الخـر تمـام المتياز، وهما:‬
                               ‫1 ـ العهد المكي، ثلث عشرة سنة تقري ًا.‬
                                 ‫ب‬
                                    ‫2 ـ العهد المدني، عشر سنوات كاملة.‬
  ‫ثم يشتمل كل من العهدين على عدة مراحل، لكل مرحلة منها خصائص‬
 ‫تمتاز بها عن غيرها، يظهر ذلك جل ًا بعد النظر الدقيق في الظروف التي‬
                                      ‫ي‬
                                           ‫مرت بها الدعوة خلل العهدين.‬
                             ‫ويمكن تقسيم العهد المكي إلى ثلث مراحل:‬
                                ‫1 ـ مرحلة الدعوة السرية، ثلث سنوات.‬
‫2 ـ مرحلة إعلن الدعوة في أهل مكة، من بداية السنة الرابعة من النبوة‬
                            ‫إلى هجرته صلى ال عليه وسلم إلى المدينة.‬
  ‫3 ـ مرحلة الدعوة خارج مكة وفشوها فيهم، من أواخر السنة العاشرة‬
     ‫من النبوة. وقد شملت العهد المدني وامتدت إلى آخر حياته صلى ال‬
                                                           ‫عليه وسلم.‬
                 ‫أما مراحل العهد المدني فسيجيء تفصيلها في موضعه.‬
‫في ظلل النبوة والرسالة‬

                                          ‫في غار حراء‬
‫لما تقاربت سنه صلى ال عليه وسلم الربعين، وكانت تأملته‬
  ‫الماضية قد وسعت الشقة العقلية بينه وبين قومه، حبب إليه‬
‫الخلء، فكان يأخذ ال ّ ِيق والماء، ويذهب إلى غار حراء في‬
                                    ‫سو‬
   ‫جبل النور على مبعدة نحو ميلين من مكة ـ وهو غار لطيف‬
‫طوله أربعة أذرع، وعرضه ذراع وثلثة أرباع ذراع من ذراع‬
    ‫الحديد ـ فيقيم فيه شهر رمضان، ويقضي وقته في العبادة‬
 ‫والتفكير فيما حوله من مشاهد الكون وفيما وراءها من قدرة‬
    ‫مبدعة، وهو غير مطمئن لما عليه قومه من عقائد الشرك‬
     ‫المهلهلة وتصوراتها الواهية، ولكن ليس بين يديه طريق‬
         ‫واضح، ول منهج محدد، ول طريق قاصد يطمئن إليه‬
                                                ‫ويرضاه.‬
‫جبريل ينزل بالوحي‬
     ‫عائشة الصديقة رضي ال عنها تروى لنا قصة هذه الوقعة التي كانت نقطة بداية النبوة، وأخذت تفتح دياجير‬
                   ‫ظلمات الكفر والضلل حتى غيرت مجرى الحياة، وعدلت خط التاريخ، قالت عائشة رضي ال عنها.‬
‫أول ما بديء به رسول ال صلى ال عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان ل يرى رؤيا إل جاءت‬
  ‫مثل َ َق الصبح، ثم ُ ّ َ إليه الخلء، وكان يخلو بغار حراء، ف َ َ َ ّث فيه ـ وهو التعبد ـ الليالي ذوات العدد قبل‬
                                                          ‫يت حن‬                                            ‫حبب‬                ‫فل‬
 ‫أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه‬
   ‫الملك فقال: اقرأ: قال: )ما أنا بقارئ(، قال: )فأخذنى فغطنى حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلنى، فقال: اقرأ، قلت:‬
    ‫مـا أنـا بقـارئ، قـال: فأخذنى فغطنى الثانية حتى بلـغ منـى الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ،‬
   ‫فأخذني فغطني الثالثة، ثـم أرسلـني فـقـال: }اقْ َأْ ِاسْ ِ َ ّ َ اّ ِي َ َ َ َ َ َ ا ِن َا َ ِنْ َ َ ٍ اقْ َأْ َ َ ّ َ ا َكْ َ ُ{‬
    ‫ر ب م ربك لذ خلق خلق لْ س ن م علق ر وربك لْ رم‬
     ‫]العلق:1: 3[(، فرجع بها رسول ال صلى ال عليه وسلم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد فقال:‬
        ‫) َ ُّونى زملونى(، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة: )ما لي؟( فأخبرها الخبر، )لقد خشيت على‬                          ‫زمل‬
     ‫نفسي(، فقالت خديجة: كل، وال ما يخزيك ال أب ًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقرى‬
                                                                              ‫د‬
 ‫الضيف، وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل ابن أسد بن عبد العزى ابن عم‬
                                                                                                                             ‫خديجة‬
‫جبريل ينزل بالوحي‬
    ‫ـ وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبرانى، فيكتب من النجيل بالعبرانية ما شاء ال أن‬
‫يكتب، وكان شي ًا كبي ًا قد عمي ـ فقالت له خديجة: يابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يابن أخي،‬
                                                                                ‫خ ر‬
  ‫ماذا ترى؟ فأخبره رسول ال صلى ال عليه وسلم خبر ما رأي، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزله ال‬
   ‫على موسى، يا ليتني فيها َ َعا، ليتنى أكون ح ًا إذ يخرجك قومك، فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم:‬
                                                        ‫ي‬                 ‫جذ‬
    ‫)أو مخرج ّ هم؟( قال:نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إل ُو ِ َ، وإن يدركنى يومك أنصرك نص ًا‬
     ‫ر‬                              ‫ع دى‬                                                    ‫ي‬
                                                       ‫مؤز ًا، ثم لم َنْ َبْ ورقة أن توفي، و َ َر الوحى.‬
                                                                ‫فت‬                   ‫يش‬            ‫ر‬
                                                                                           ‫جبريل ينزل بالوحي مرة ثانية‬
    ‫قال ابن حجر: وكان ذلك ]أي انقطاع الوحي أيا ًا[؛ ليذهب ما كان صلى ال عليه وسلم وجده من الروع،‬
                                                                              ‫م‬
  ‫وليحصل له التشوف إلى العود، فلما حصل له ذلك وأخذ يرتقب مجىء الوحى أكرمه ال بالوحي مرة ثانية.‬
                                                                                                           ‫قال: صلى ال عليه وسلم:‬
  ‫)جاورت بحراء شه ًا فلما قضيت جوارى هبطت ]فلما استبطنت الوادي[ فنوديت، فنظرت عن يميني فلم أر‬                     ‫ر‬
  ‫شي ًا، ونظرت عن شمالي فلم أر شي ًا، ونظرت أمامي فلم أر شيئا، ونظرت خلفي فلم أرشي ًا، فرفعت رأسى‬
                   ‫ئ‬                                                                            ‫ئ‬                                 ‫ئ‬
  ‫فرأيت شي ًا، ]فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والرض، َ ُ ِثْ ُ منه رع ًا حتى‬
        ‫ب‬         ‫ف جئ ت‬                                                                                                    ‫ئ‬
‫هويت إلى الرض[ فأتيت خديجة فقلت: ]زملوني، زملوني[، دثرونى، وصبوا على ماء بار ًا(، قال: )فدثرونى‬
                  ‫د‬
‫وصبوا على ماء بار ًا، فنزلت: } َا َ ّ َا الْ ُ ّ ّ ُ ُمْ َ َن ِرْ َ َ ّ َ َ َ ّرْ َ ِ َا َ َ َ َ ّرْ َال ّجْ َ َاهْ ُرْ{ ]المدثر: 1:‬
               ‫ي أيه مدثر ق فأ ذ وربك فكب وثي بك فطه و ر ز ف ج‬                                                   ‫د‬
‫  أقسام الوحى‬
                                ‫بيان أقسام الوحى ومراتبه. قال ابن القيم، وهو يذكر تلك المراتب:‬
                                           ‫إحداها: الرؤيا الصادقة، وكانت مبدأ وحيه صلى ال عليه وسلم.‬
  ‫الثانية: ما كان يلقيه الملك في روعه وقلبه من غير أن يراه، كما قال النبي صلى ال عليه وسلم: )إن روح‬
   ‫القدس نفث في روعى أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا ال وأجملوا في الطلب، ول يحملنكم‬
                           ‫استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعصية ال ، فإن ما عند ال ل ينال إل بطاعته(.‬
      ‫الثالثة: إنه صلى ال عليه وسلم كان يتمثل له الملك رج ً فيخاطبه حتى َ ِ َ عنه ما يقول له، وفي هذه‬
                                ‫يع ى‬              ‫ل‬
                                                                       ‫المرتبة كان يراه الصحابة أحيا ًا.‬
                                                                         ‫ن‬
  ‫الرابعة: أنه كان يأتيه في مثل صلصلة الجرس، وكان أشده عليه، فيلتبس به الملك، حتى أن جبينه لي َ َ ّد‬
   ‫ت فص‬
    ‫عر ًا في اليوم الشديد البرد، وحتى أن راحلته لتبرك به إلى الرض إذا كان راكبها، ولقد جاء الوحى مرة‬‫ق‬
                                        ‫كذلك وفخذه على فخذ زيد بن ثابت، فثقلت عليه حتى كادت ترضها.‬
‫الخامسة: إنه يرى الملك في صورته التي خلق عليها، فيوحى إليه ما شاء ال أن يوحيه، وهذا وقع له مرتين‬
                                                                       ‫كما ذكر ال ذلك في سورة النجم.‬
                     ‫السادسة: ما أوحاه ال إليه، وهو فوق السموات ليلة المعراج من فرض الصلة وغيرها.‬
 ‫السابعة: كلم ال له منه إليه بل واسطة ملك كما كلم ال موسى بن عمران، وهذه المرتبة هي ثابتة لموسى‬
                               ‫قط ًا بنص القرآن. وثبوتها لنبينا صلى ال عليه وسلم هو في حديث السراء.‬ ‫ع‬
        ‫وقـد زاد بعضهم مرتبة ثامنة؛ وهي تكليم ال له كفا ًا من غير حجاب، وهي مسألة خلف بين السلف‬
                                                     ‫ح‬
                                                                                                ‫والخلف.‬
‫المرحلة الولى: من جهاد الدعوة إلي ا‬

                                                              ‫ثلث سنوات من الدعوة السرية‬
‫قام رسول ال صلى ال عليه وسلم بعد نزول ما تقدم من آيات سورة المدثر، بالدعوة إلى ال سبحانه‬
‫وتعالى؛ وحيث إن قومه كانوا جفاة ل دين لهم إل عبادة الصنام والوثان، ول حجة لهم إل أنهم ألفوا‬
   ‫آباءهم على ذلك، ول أخلق لهم إل الخذ بالعزة والنفة، ول سبيل لهم في حل المشاكل إل السيف،‬
 ‫وكانوا مع ذلك متصدرين للزعامة الدينية في جزيرة العرب، ومحتلين مركزها الرئيس، ضامنين حفظ‬
  ‫كيانها، فقد كان من الحكمة تلقاء ذلك أن تكون الدعوة في بدء أمرها سرية؛ لئل يفاجئ أهل مكة بما‬
                                                                                    ‫يهيجهم.‬
‫الرعيل الول‬

       ‫وكان من الطبيعى أن يعرض الرسول صلى ال عليه وسلم السلم أو ً على ألصق الناس به من أهل بيته،‬
                                      ‫ل‬
    ‫وأصدقائه، فدعاهم إلى السلم، ودعا إليه كل من توسم فيه الخير ممن يعرفهم ويعرفونه، يعرفهم بحب الحق‬
    ‫والخير، ويعرفونه بتحرى الصدق والصلح، فأجابه من هؤلء ـ الذين لم تخالجهم ريبة قط في عظمة الرسول‬
      ‫صلى ال عليه وسلم وجللة نفسه وصدق خبره ـ َمْ ٌ ُ ِفوا في التاريخ السلمى بالسابقين الولين، وفي‬
                                                 ‫ج ع عر‬
   ‫مقدمتهم زوجة النبي صلى ال عليه وسلم أم المؤمنين خديجة بنت خويلد، وموله زيد بن‬
 ‫حارثة بن شراحيل الكلبي وابن عمه علي بن أبي طالب ـ وكان صب ًا يعيش في كفالة‬
                  ‫ي‬
‫الرسول صلى ال عليه وسلم ـ وصديقه الحميم أبو بكر الصديق. أسلم هؤلء في أول يوم الدعوة.‬
 ‫ثم نشط أبو بكر في الدعوة إلى السلم، وكان رج ً مأل ًا محب ًا سه ً ذا خلق ومعروف،وكان رجال قومه يأتونه‬
                                        ‫ل‬     ‫ب‬     ‫ل ف‬
     ‫ويألفونه؛ لعلمه وتجارته وحسن مجالسته، فجعل يدعو من يثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه، فأسلم‬
 ‫بدعوته عثمان بن عفان الموى، والزبير بن العوام السدى، وعبد الرحمن بن‬
 ‫عوف، وسعد بن أبي وقاص الزهريان، وطلحة بن عبيد ا التيمي. فكان هؤلء‬
                                          ‫النفر الثمانية الذين سبقوا الناس هم الرعيل الول وطليعة السلم.‬
‫الرعيل الول‬

   ‫ثم تل هؤلء أمين هذه المة أبو عبيدة عامر بن الجراح من بني الحارث بن فهر، وأبو سلمة بن عبد السد‬
  ‫المخزومى، وامرأته أم سلمة، والرقم بن أبي الرقم المخزومى، وعثمان بن مظعون ال ُ َ ِ ّ وأخواه قدامة‬
                   ‫جمحى‬
        ‫وعبد ال ، وعبيدة بن الحارث ابن المطلب بن عبد مناف، وسعيد بن زيد العدوى، وامرأته فاطمة بنت‬
 ‫الخطاب العدوية أخت عمر بن الخطاب، وخباب بن الرت التميمى، وجعفر بن أبي طالب، وامرأته أسماء بنت‬
    ‫ُ َيْس، وخالد بن سعيد بن العاص الموى، وامرأته أمينة بنت خلف، ثم أخوه عمرو بن سعيد بن العاص،‬     ‫عم‬
     ‫وحاطب بن الحارث الجمحي، وامرأته فاطمة بنت ال ُ َّل وأخوه الخطاب بن الحارث، وامرأته ُ َيْ َة بنت‬
           ‫فك ه‬                                     ‫مجل‬
‫يسار، وأخوه معمر ابن الحارث، والمطلب بن أزهر الزهري، وامرأته رملة بنت أبي عوف، ونعيم بن عبد ال‬
                                 ‫بن النحام العدوي، وهؤلء كلهم قرشيون من بطون وأفخاذ شتى من قريش.‬
    ‫ومن السابقين الولين إلى السلم من غير قريش: عبد ال بن مسعود الهذلي، ومسعود بن ربيعة القاري،‬
  ‫وعبد ال بن جحش السدي وأخوه أبو أحمد بن جحش، وبلل بن رباح الحبشي، ُ َيْب بن ِنان الرومي،‬
                 ‫س‬       ‫صه‬
                                       ‫وعمار بن ياسر العنسي، وأبوه ياسر، وأمه سمية، وعامر بن ُهيرة.‬
                                            ‫ف‬
‫وممن سبق إلى السلم من النساء غير من تقدم ذكرهن: أم أيمن بركة الحبشية، وأم الفضل لبابة الكبرى بنت‬
                 ‫الحارث الهللية زوج العباس بن عبد المطلب، وأسماء بنت أبي بكر الصديق رضي ال عنهما.‬
    ‫هؤلء معروفون بالسابقين الولين، ويظهر بعد التتبع والستقراء أن عدد الموصوفين بالسبق إلى السلم‬
    ‫وصل إلى مائة وثلثين رج ً وامرأة، ولكن ل يعرف بالضبط أنهم كلهم أسلموا قبل الجهر بالدعوة أو تأخر‬
                                                                              ‫ل‬
                                                                             ‫إسلم بعضهم إلى الجهر بها.‬
  ‫الجزء الثاني – الدعوة الجهرية‬

الـسـيـرة النبـويـة

  • 1.
  • 2.
    ‫• تعريف السيرةوأهميتها‬ ‫• حياته صلى ال عليه وسلم من مولده إلى بعثته‬ ‫• المرحلة المكية‬ ‫• المرحلة المدنية‬ ‫• فترة الهدنة مع المشركين )6هـ - 8هـ(‬ ‫• فتح مكـة‬ ‫• فترة دخول الناس في دين ال أفواجا )8هـ - 11هـ(‬ ‫• وفاة الرسول صلى ال عليه وسلم‬ ‫• شمائله صلى ال عليه وسلم‬
  • 3.
  • 4.
    ‫• - السيرةلغة :‬ ‫• تعني ال ّنة والطريقة، والحالة التي يكون‬ ‫س‬ ‫عليها النسان وغيره. ُقال فلن له سيرة‬ ‫ي‬ ‫حسنة، وقال تعالى: )سنعيدها سيرتها‬ ‫الولى( )طه:12(.‬ ‫- السيرة اصطل ح ًا:‬ ‫•‬ ‫السيرة اصطل ًا تعني قصة الحياة وتاريخها،‬ ‫ح‬ ‫•‬ ‫وكتبها تس ّى: كتب السير، ُقال قرأت سيرة‬ ‫ي‬ ‫م‬ ‫فلن: أي تاريخ حياته. والسيرة النبوية تعني‬ ‫مجموع ما ورد لنا من وقائع حياة النبي صلى‬ ‫ال عليه وسلم وصفاته ال ُلقية وال َلقية، مضافا‬ ‫خ‬ ‫خ‬ ‫إليها غزواته وسراياه صلى ال عليه وسلم.‬
  • 5.
    ‫1- السيرة النبويةهي السبيل إلى فهم شخصية الرسول صلى ال عليه وسلم، من خلل‬ ‫حياته وظروفه التي عاش فيها، للتأكد من أنه صلى ال عليه وسلم لم يكن مجرد عبقري‬ ‫سمت به عبقريته، ولكنه قبل ذلك رسول أيده ال بوحي من عنده.‬ ‫2- تجعل السيرة النبوية بين يدي النسان صورة للمثل العلى في كل شأن من شؤون‬ ‫الحياة الفاضلة، يتمسك به ويحذو حذوه، فقد جعل ال تعالى الرسول محم ًا صلى ال عليه‬ ‫د‬ ‫وسلم قدوة للنسانية كلها، حيث قال سبحانه: )لقد كان لكم في رسول ال أسوة حسنة لمن‬ ‫كان يرجو ال واليوم الخر( )الحزاب:12(.‬ ‫3- السيرة النبوية تعين على فهم كتاب ال وتذوق روحه ومقاصده، فكثير من آيات القرآن‬ ‫الكريم إنما تفسرها وتجليها الحداث التي مرت برسول ال صلى ال عليه وسلم.‬ ‫4- السيرة النبوية صورة مجسدة نيرة لمجموع مبادئ السلم وأحكامه، فهي تك ّن لدى‬ ‫و‬ ‫دارسها أكبر قدر من الثقافة والمعارف السلمية، سواء ما كان منها متعل ًا بالعقيدة أو‬ ‫ق‬ ‫الحكام أو الخلق.‬
  • 7.
    ‫ن َ سَ ب ُه صلى ا عليه وسلم:‬ ‫الرسول صلى ال عليه وسلم هو:‬ ‫) محمــد بن عبد ا بن عبد المطلب بن هاشــم ابن عبد مناف بن قصي‬ ‫بن كلب بن م ُرة بن كعب بن ل ُ ؤ َ ي ّ بن غالب بن ف ِهر بن مالك ابن ال ن ّضر‬ ‫بن ك ِنانة بن خ ُزيمة بن م ُدركة بن إلياس بن م ُضر بن نزار بن معد بن‬ ‫عدنان( )رواه البخاري( وعدنان من ولد إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلم.‬ ‫وأبوه: عبد ال بن عبد المطلب، كان أجمل قريش )قبيلة قريش( وأحب شبابها إليها، عاش طاه ًا كري ًا حتى‬ ‫م‬ ‫ر‬ ‫تزوج بآمنة بنت وهب أم الرسول صلى ال عليه وسلم.‬ ‫وأ م ّه: آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلب، وزهرة هو أخو قصي بن كلب جد الرسول صلى ال‬ ‫عليه وسلم، وكان أبوها سيد بني زهرة.‬ ‫وج د ّه: عبد المطلب بن هاشم، هو سيد قبيلة قريش، أعطته رياستها لخصاله الوافرة، وقوة إرادته، وعزيمته‬ ‫على فعل الخير لكل الناس، وقد اشتهر بحفر بئر )زمزم( التي تسقي الناس بمكة المكرمة إلى يومنا هذا.‬
  • 8.
    ‫وسلم:‬ ‫مولده صلى ا عليه‬ ‫ولـد سيـد المرسلـين صلى ال عليه وسلم بشـعب بني هاشـم بمكـة في صبيحـة يــوم الثنين مـن شـهر ربيـع الول،‬ ‫ولكن اليوم لم يثيت تحديدا في الحاديث الصحيحة و العـام هو عام الفيـل ، ولربعـين سنة خلت من ملك‬ ‫كسرى أنو شروان، ويوافق ذلك سنة 175 م حسبما حققه العالم الكبير محمد سليمان ـ المنصور فورى ـ رحمه ال‬ ‫وروى ابــن سعــد أن أم رســول ال صلى ال عليه وسلم قالــت : لمــا ولـدتــه خــرج مــن فرجـى نــور أضــاءت‬ ‫لـه قصـور الشام. وروى أحمد والدارمى وغيرهمـا قريبًا مـن ذلك.‬ ‫ـ‬ ‫وقد روى أن إرهاصات بالبعثة وقعت عند الميلد، فسقطت أربع عشرة شرفة من إيوان كسرى، وخمدت النار التي‬ ‫يعبدها المجوس، وانهدمت الكنائس حول بحيرة ساوة بعد أن غاضت، روى ذلك الطبرى والبيهقى وغيرهما. وليس‬ ‫له إسناد ثابت، ولم يشهد له تاريخ تلك المم مع قوة دواعى التسجيل.‬ ‫ولما ولدته أمه أرسلت إلى جده عبد المطلب تبشره بحفيده،فجاء مستبش ًا ودخل به الكعبة، ودعا ال وشكر له.‬ ‫ر‬ ‫واختار له اسم محمد ـ وهذا السم لم يكن معرو ًا في العرب ـ و َ َ َه يوم سابعه كما كان العرب يفعلون.‬ ‫ختن‬ ‫ف‬ ‫وأول من أرضعته من المراضع ـ وذلك بعد أمه صلى ال عليه وسلم بأسبوع ـ ُ َيْ َة مولة أبي لهب بلبن ابن لها‬ ‫ثو ب‬ ‫يقال له: َسْ ُوح، وكانت قد أرضعت قبله حمزة بن عبد المطلب، وأرضعت بعده أبا سلمة بن عبد السد المخزومي.‬ ‫م ر‬
  • 9.
    ‫وكانت العادة عندالحاضرين من العرب أن يلتمسوا المراضع لولدهم ابتعا ًا لهم عن أمراض الحواضر؛‬ ‫د‬ ‫ولتقوى أجسامهم، وتشتد أعصابهم، ويتقنوا اللسان العربى في مهدهم، فالتمس عبد المطلب لرسول ال صلى‬ ‫ال عليه وسلم المراضع، واسترضع له امرأة من بني سعد بن بكر، وهي حليمة بنت أبي ذؤيب عبد ال بن‬ ‫الحارث، وزوجها الحارث ابن عبد العزى المكنى بأبي كبشة من نفس القبيلة.‬ ‫وإخوته صلى ال عليه وسلم هناك من الرضاعة : عبد ال بن الحارث، وأنيسة بنت الحارث، وحذافة أو‬ ‫جذامة بنت الحارث ]وهي الشيماء؛ لقب غلب على اسمها[ وكانت تحضن رسول ال صلى ال عليه وسلم،‬ ‫وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم رسول ال صلى ال عليه وسلم وكان عمه حمزة بن عبد‬ ‫المطلب مسترض ًا في بني سعد بن بكر، فأرضعت أمه رسول ال صلى ال عليه وسلم يو ًا وهو عند أمه‬ ‫م‬ ‫ع‬ ‫حليمة،فكان حمزة رضيع رسول ال صلى ال عليه وسلم من جهتين، من جهة ثويبة ومن جهة السعدية.‬ ‫ورأت حليمة من بركته صلى ال عليه وسلم ما قضت منه العجب‬
  • 10.
    ‫شق الصدر‬ ‫وهكذا رجعرسول ال صلى ال عليه وسلم إلى بني سعد، حتى إذا كان بعده بأشهر على قول ابن إسحاق،‬ ‫وفي السنة الرابعة من مولده على قول المحققين وقع حادث شق صدره، روى مسلم عن أنس: أن رسول‬ ‫ال صلى ال عليه وسلم أتاه جبريل، وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه، فشق عن قلبه، فاستخرج‬ ‫القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في َسْت من ذهب بماء زمزم، ثم‬ ‫ط‬ ‫َ َه ـ أي جمعه وضم بعضه إلى بعض ـ ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه ـ يعنى ظئره ـ‬ ‫لم‬ ‫فقالوا: إن محم ًا قد قتل، فاستقبلوه وهو ُنْ َ ِ ُ اللون ـ أي متغير اللون ـ قال أنس: وقد كنت أرى أثر ذلك‬ ‫م تقع‬ ‫د‬ ‫المخيط في صدره.‬
  • 11.
    ‫إلى أمه الحنون‬ ‫وخشيت عليه حليمة بعد هذه الوقعة حتى ردته إلى أمه، فكان عند أمه إلى أن بلغ ست سنين.‬ ‫ورأت آمنة ـ وفاء لذكرى زوجها الراحل ـ أن تزور قبره بيثرب، فخرجت من مكة قاطعة رحلة تبلغ نحو‬ ‫خمسمائة كيلو متر ومعها ولدها اليتيم ـ محمد صلى ال عليه وسلم ـ وخادمتها أم أيمن، وقيمها عبد المطلب،‬ ‫فمكثت شه ًا ثم قفلت، وبينما هي راجعة إذ لحقها المرض في أوائل الطريق، ثم اشتد حتى ماتت بالبْ َاء بين‬ ‫و‬ ‫ر‬ ‫مكة والمدينة.‬ ‫إلى جده العطوف‬ ‫وعاد به عبد المطلب إلى مكة، وكانت مشاعر الحنو في فؤاده تربو نحو حفيده اليتيم الذي أصيب بمصاب‬ ‫جديد َ َأ الجروح القديمة، َ َ ّ عليه رقة لم يرقها على أحد من أولده، فكان ل يدعه لوحدته المفروضة، بل‬ ‫فر ق‬ ‫نك‬ ‫يؤثره على أولده، قال ابن هشام: كان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة، فكان بنوه يجلسون حول‬ ‫فراشه ذلك حتى يخرج إليه، ل يجلس عليه أحد من بنيه إجل ً له، فكان رسول ال صلى ال عليه وسلم يأتى‬ ‫ل‬ ‫وهو غلم جفر حتى يجلس عليه، فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه، فيقول عبد المطلب إذا رأي ذلك منهم: دعوا‬ ‫ابني هذا، فوال إن له لشأ ًا، ثم يجلس معه على فراشه، ويمسح ظهره بيده، ويسره ما يراه يصنع.‬ ‫ن‬ ‫ولثمانى سنوات وشهرين وعشرة أيام من عمره صلى ال عليه وسلم توفي جده عبد المطلب بمكة، ورأي‬ ‫قبل وفاته أن يعهد بكفالة حفيده إلى عمه أبي طالب شقيق أبيه.‬
  • 12.
    ‫إلى عمه الشفيق‬ ‫ونهض أبو طالب بحق ابن أخيه على أكمل وجه، وضمه إلى ولده وقدمه عليهم واختصه بفضل احترام‬ ‫وتقدير، وظل فوق أربعين سنة يعز جانبه، ويبسط عليه حمايته، ويصادق ويخاصم من أجله، وستأتي نبذ‬ ‫من ذلك في مواضعها.‬ ‫ولما بلغ رسول ال صلى ال عليه وسلم اثنتى عشرة سنة ـ قيل: وشهرين وعشرة أيام ـ ارتحل به أبو طالب‬ ‫تاج ًا إلى الشام، حتى وصل إلى ُصْ َى ـ وهي معدودة من الشام، و َ َ َة ل ُو َان، وكانت في ذلك الوقت قصبة‬ ‫قصب ح ر‬ ‫ب ر‬ ‫ر‬ ‫للبلد العربية التي كانت تحت حكم الرومان. وكان في هذا البلد راهب عرف َب ِي َى، واسمه ـ فيما يقال:‬ ‫بحر‬ ‫جرجس، فلما نزل الركب خرج إليهم، وكان ل يخرج إليهم قبل ذلك، فجعل يتخّلهم حتى جاء فأخذ بيد رسول ال‬ ‫ل‬ ‫صلى ال عليه وسلم، وقال: هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين، هذا يبعثه ال رحمة للعالمين. فقال له‬ ‫خر ساج ًا، ول يسجدان إل لنبى، وإنى أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة، ]وإنا نجده في‬ ‫د‬ ‫كتبنا[، ثم أكرمهم بالضيافة، وسأل أبا طالب أن يرده، ول يقدم به إلى الشام؛ خو ًا عليه من الروم واليهود،‬ ‫ف‬ ‫فبعثه عمه مع بعض غلمانه إلى مكة.‬
  • 13.
    ‫حياة الكدح‬ ‫ولم يكنله صلى ال عليه وسلم عمل معين في أول شبابه، إل أن الروايات توالت أنه كان يرعى‬ ‫غن ًا، رعاها في بني سعد، وفي مكة لهلها على قراريط، ويبدو أنه انتقل إلى عمل التجارة حين‬ ‫م‬ ‫شب،فقد ورد أنه كان يتجر مع السائب بن أبي السائب المخزومي فكان خير شريك له، ل يدارى‬ ‫ول يمارى، وجاءه يوم الفتح فرحب به، وقال: مرح ًا بأخي وشريكي.‬ ‫ب‬ ‫وفي الخامسة والعشرين من سنه خرج تاج ًا إلى الشام في مال خديجة رضي ال عنها قال ابن‬ ‫ر‬ ‫إسحاق: كانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها،‬ ‫وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم، وكانت قريش قو ًا تجا ًا، فلما بلغها عن رسول ال صلى ال‬ ‫ر‬ ‫م‬ ‫عليه وسلم ما بلغها من صدق حديثه، وعظم أمانته وكرم أخلقه بعثت إليه، فعرضت عليه أن‬ ‫يخرج في مال لها إلى الشام تاج ًا، وتعطيه أفضل ما كانت تعطى غيره من التجار، مع غلم لها‬ ‫ر‬ ‫يقال له: ميسرة، فقبله رسول ال صلى ال عليه وسلم منها، وخرج في مالها ذلك، وخرج معه‬ ‫غلمها ميسرة حتى قدم الشام.‬
  • 14.
    ‫زواجه بخديجة‬ ‫ولما رجعإلى مكة، ورأت خديجة في مالها من المانة والبركة ما لم تر قبل هذا، وأخبرها غلمها ميسرة‬ ‫بما رأي فيه صلى ال عليه وسلم من خلل عذبة، وشمائل كريمة، وفكر راجح، ومنطق صادق، ونهج‬ ‫أمين، وجدت ضالتها المنشودة ـ وكان السادات والرؤساء يحرصون على زواجها فتأبي عليهم ذلك ـ‬ ‫فتحدثت بما في نفسها إلى صديقتها نفيسة بنت منبه، وهذه ذهبت إليه صلى ال عليه وسلم تفاتحه أن‬ ‫يتزوج خديجة، فرضى بذلك، وكلم أعمامه، فذهبوا إلى عم خديجة وخطبوها إليه، وعلى إثر ذلك تم‬ ‫الزواج، وحضر العقد بنو هاشم ورؤساء مضر، وذلك بعد رجوعه من الشام بشهرين، وأصدقها عشرين‬ ‫َكْرة. وكانت سنها إذ ذاك أربعين سنة، وكانت يومئذ أفضل نساء قومها نس ًا وثروة وعق ً، وهي أول‬ ‫ل‬ ‫ب‬ ‫ب‬ ‫امرأة تزوجها رسول ال صلى ال عليه وسلم، ولم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت.‬ ‫وكل أولده صلى ال عليه وسلم منها سوى إبراهيم،ولدت له: أو ً القاسم ـ وبه كان يكنى ـ ثم زينب،‬ ‫ل‬ ‫ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة، وعبد ال . وكان عبد ال يلقب بالطيب والطاهر، ومات بنوه كلهم في‬ ‫صغرهم، أما البنات فكلهن أدركن السلم فأسلمن وهاجرن،إل أنهن أدركتهن الوفاة في حياته صلى ال‬ ‫عليه وسلم سوى فاطمة رضي ال عنها، فقد تأخرت بعده ستة أشهر ثم لحقت به.‬
  • 15.
    ‫بناء الكعبة وقضيةالتحكيم‬ ‫ولخمس وثلثين سنة من مولده صلى ال عليه وسلم قامت قريش ببناء الكعبة؛ وذلك لن‬ ‫الكعبة كانت َضْ ًا فوق القامة، ارتفاعها تسعة أذرع من عهد إسماعيل عليه السلم، ولم يكن‬ ‫ر م‬ ‫لها سقف، فسرق نفر من اللصوص كنزها الذي كان في جوفها، وكانت مع ذلك قد تعرضت ـ‬ ‫باعتبارها أث ًا قديما ـ للعوادى التي أدهت بنيانها، وصدعت جدرانها، وقبل بعثته صلى ال‬ ‫ر‬ ‫عليه وسلم بخمس سنين جرف مكة سيل عرم انحدر إلى البيت الحرام، فأوشكت الكعبة منه‬ ‫على النهيار، فاضطرت قريش إلى تجديد بنائها حر ًا على مكانتها، واتفقوا على أل يدخلوا‬ ‫ص‬ ‫في بنائها إل طي ًا، فل يدخلون فيها مهر بغى ول بيع ر ًا ول مظلمة أحد من الناس، وكانوا‬ ‫ب‬ ‫ب‬ ‫يهابون هدمها، فابتدأ بها الوليد بن المغيرة المخزومى، فأخذ المعول وقال: ال م ل نريد إل‬ ‫الخير، ثم هدم ناحية الركنين، ولما لم يصبه شيء تبعه الناس في الهدم في اليوم الثاني، ولم‬ ‫يزالوا في الهدم حتى وصلوا إلى قواعد إبراهيم، ثم أرادوا الخذ في البناء فجزأوا الكعبة،‬ ‫وخصصوا لكل قبيلة جز ًا منها. فجمعت كل قبيلة حجارة على حدة، وأخذوا يبنونها، وتولى‬ ‫ء‬ ‫البناء بناء رومي اسمه: باقوم. ولما بلغ البنيان موضع الحجر السود اختلفوا فيمن يمتاز‬ ‫بشرف وضعه في مكانه، واستمر النزاع أربع ليال أو خم ًا، واشتد حتى كاد يتحول إلى حرب‬ ‫س‬ ‫ضروس في أرض الحرم، إل أن أبا أمية بن المغيرة المخزومى عرض عليهم أن يحكموا فيما‬ ‫شجر بينهم أول داخل عليهم من باب المسجد فارتضوه،‬
  • 16.
    ‫بناء الكعبة وقضيةالتحكيم‬ ‫وشاء ال أن يكون ذلك رسول ال صلى ال عليه وسلم، فلما رأوه هتفوا: هذا‬ ‫المين، رضيناه، هذا محمد، فلما انتهى إليهم، وأخبروه الخبر طلب رداء‬ ‫فوضع الحجر وسطه وطلب من رؤساء القبائل المتنازعين أن يمسكوا جمي ًا‬ ‫ع‬ ‫بأطراف الرداء، وأمرهم أن يرفعوه، حتى إذا أوصلوه إلى موضعه أخذه بيده‬ ‫فوضعه في مكانه، وهذا حل حصيف رضى به القوم.‬ ‫وقصرت بقريش النفقة الطيبة فأخرجوا من الجهة الشمالية نحوا من ستة‬ ‫أذرع، وهي التي تسمى بالحجر والحطيم، ورفعوا بابها من الرض؛ لئل يدخلها‬ ‫إل من أرادوا، ولما بلغ البناء خمسة عشر ذرا ًا سقفوه على ستة أعمدة.‬ ‫ع‬ ‫وصارت الكعبة بعد انتهائها ذات شكل مربع تقري ًا، يبلغ ارتفاعه 51 مت ًا،‬ ‫ر‬ ‫ب‬ ‫وطول ضلعه الذي فيه الحجر السود والمقابل له 01 أمتار، والحجر موضوع‬ ‫على ارتفاع 1.05متر من أرضية المطاف. والضلع الذي فيه الباب والمقابل له‬ ‫21مت ًا، وبابها على ارتفاع مترين من الرض، ويحيط بها من الخارج قصبة‬ ‫ر‬ ‫من البناء أسفلها، متوسط ارتفاعها 0.52مت ًا ومتوسط عرضها 0.03 مت ًا‬ ‫ر‬ ‫ر‬ ‫وتسمى بالشاذروان، وهي من أصل البيت لكن قري ًا تركتها.‬ ‫ش‬
  • 17.
    ‫كان النبي صلىال عليه وسلم قد جمع في نشأته خير ما في طبقات الناس من ميزات، وكان طرا ًا رفي ًا من‬ ‫ع‬ ‫ز‬ ‫الفكر الصائب، والنظر السديد، ونال ح ًا واف ًا من حسن الفطنة وأصالة الفكرة وسداد الوسيلة والهدف، وكان‬ ‫ظ ر‬ ‫يستعين بصمته الطويل على طول التأمل وإدمان الفكرة واستكناه الحق، وطالع بعقله الخصب وفطرته الصافية‬ ‫صحائف الحياة وشئون الناس وأحوال الجماعات، فعاف ما سواها من خرافة، ونأي عنها، ثم عاشر الناس على‬ ‫بصيرة من أمره وأمرهم، فما وجد حس ًا شارك فيه وإل عاد إلى عزلته العتيدة، فكان ل يشرب الخمر، ول يأكل‬ ‫ن‬ ‫مما ذبح على النصب، ول يحضر للوثان عي ًا ول احتفا ً، بل كان من أول نشأته نافرا من هذه المعبودات‬ ‫ل‬ ‫د‬ ‫الباطلة، حتى لم يكن شيء أبغض إليه منها، وحتى كان ل يصبر على سماع الحلف باللت والعزى.‬ ‫ول شك أن القدر حاطه بالحفظ، فعندما تتحرك نوازع النفس لستطلع بعض متع الدنيا، وعندما يرضى باتباع‬ ‫بعض التقاليد غير المحمودة ـ تتدخل العناية الربانية للحيلولة بينه وبينها، قال رسول ال صلى ال عليه وسلم:‬ ‫)ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يعملون غير مرتين، كل ذلك يحول ال بيني وبينه، ثم ما هممت به حتى‬ ‫أكرمنى برسالته، قلت ليلة للغلم الذي يرعى معي الغنم بأعلى مكة: لو أبصرت لي غنمي حتى أدخل مكة وأسمر‬ ‫بها كما يسمر الشباب، فقال: أفعل، فخرجت حتى إذا كنت عند أول دار بمكة سمعت عز ًا، فقلت: ما هذا؟ فقالوا:‬ ‫ف‬ ‫عرس فلن بفلنة، فجلست أسمع، فضرب ال على أذنـى فنمت، فما أيقظني إل حر الشمس. فعدت إلى صاحبي‬ ‫فسألني، فأخبرته، ثم قلت ليلة أخرى مثل ذلك، ودخلت بمكة فأصابني مثل أول ليلة... ثم ما هممت بسوء(.‬
  • 18.
    ‫وروى البخاري عنجابر بن عبد ال قال: لما بنيت الكعبة ذهب النبي صلى ال عليه وسلم وعباس ينقلن الحجارة،‬ ‫فقال عباس للنبي صلى ال عليه وسلم: اجعل إزارك على رقبتك يقيقك من الحجارة، فخر إلى الرض وطمحت عيناه‬ ‫إلى السماء ثم أفاق، فقال: )إزاري، إزاري( فشد عليه إزاره. وفي رواية: فما رؤيت له عورة بعد ذلك.‬ ‫وكان النبي صلى ال عليه وسلم يمتاز في قومه بخلل عذبة وأخلق فاضلة، وشمائل كريمة، فكان أفضل قومه مروءة،‬ ‫وأحسنهم خل ًا، وأعزهم جوا ًا، وأعظمهم حل ًا، وأصدقهم حدي ًا، وألينهم َ ِيكة، وأعفهم نف ًا وأكرمهم خي ًا، وأبرهم‬ ‫ر‬ ‫س‬ ‫عر‬ ‫ث‬ ‫م‬ ‫ر‬ ‫ق‬ ‫عم ً، وأوفاهم عه ًا، وآمنهم أمانة حتى سماه قومه: ]المين[ لما جمع فيه من الحوال الصالحة والخصال المرضية،‬ ‫د‬ ‫ل‬ ‫وكان كما قالت أم المؤمنين خديجة رضي ال عنها يحمل الكل، ويكسب المعدوم، ويقرى الضيف، ويعين على نوائب‬ ‫الحق.‬
  • 20.
    ‫النبــوة والدعــوة -العهـد المكـي‬ ‫تنقسم حياة رسول ال صلى ال عليه وسلم بعد أن شرفه ال بالنبوة‬ ‫والرسالة إلى عهدين يمتاز أحدهما عن الخـر تمـام المتياز، وهما:‬ ‫1 ـ العهد المكي، ثلث عشرة سنة تقري ًا.‬ ‫ب‬ ‫2 ـ العهد المدني، عشر سنوات كاملة.‬ ‫ثم يشتمل كل من العهدين على عدة مراحل، لكل مرحلة منها خصائص‬ ‫تمتاز بها عن غيرها، يظهر ذلك جل ًا بعد النظر الدقيق في الظروف التي‬ ‫ي‬ ‫مرت بها الدعوة خلل العهدين.‬ ‫ويمكن تقسيم العهد المكي إلى ثلث مراحل:‬ ‫1 ـ مرحلة الدعوة السرية، ثلث سنوات.‬ ‫2 ـ مرحلة إعلن الدعوة في أهل مكة، من بداية السنة الرابعة من النبوة‬ ‫إلى هجرته صلى ال عليه وسلم إلى المدينة.‬ ‫3 ـ مرحلة الدعوة خارج مكة وفشوها فيهم، من أواخر السنة العاشرة‬ ‫من النبوة. وقد شملت العهد المدني وامتدت إلى آخر حياته صلى ال‬ ‫عليه وسلم.‬ ‫أما مراحل العهد المدني فسيجيء تفصيلها في موضعه.‬
  • 21.
    ‫في ظلل النبوةوالرسالة‬ ‫في غار حراء‬ ‫لما تقاربت سنه صلى ال عليه وسلم الربعين، وكانت تأملته‬ ‫الماضية قد وسعت الشقة العقلية بينه وبين قومه، حبب إليه‬ ‫الخلء، فكان يأخذ ال ّ ِيق والماء، ويذهب إلى غار حراء في‬ ‫سو‬ ‫جبل النور على مبعدة نحو ميلين من مكة ـ وهو غار لطيف‬ ‫طوله أربعة أذرع، وعرضه ذراع وثلثة أرباع ذراع من ذراع‬ ‫الحديد ـ فيقيم فيه شهر رمضان، ويقضي وقته في العبادة‬ ‫والتفكير فيما حوله من مشاهد الكون وفيما وراءها من قدرة‬ ‫مبدعة، وهو غير مطمئن لما عليه قومه من عقائد الشرك‬ ‫المهلهلة وتصوراتها الواهية، ولكن ليس بين يديه طريق‬ ‫واضح، ول منهج محدد، ول طريق قاصد يطمئن إليه‬ ‫ويرضاه.‬
  • 22.
    ‫جبريل ينزل بالوحي‬ ‫عائشة الصديقة رضي ال عنها تروى لنا قصة هذه الوقعة التي كانت نقطة بداية النبوة، وأخذت تفتح دياجير‬ ‫ظلمات الكفر والضلل حتى غيرت مجرى الحياة، وعدلت خط التاريخ، قالت عائشة رضي ال عنها.‬ ‫أول ما بديء به رسول ال صلى ال عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان ل يرى رؤيا إل جاءت‬ ‫مثل َ َق الصبح، ثم ُ ّ َ إليه الخلء، وكان يخلو بغار حراء، ف َ َ َ ّث فيه ـ وهو التعبد ـ الليالي ذوات العدد قبل‬ ‫يت حن‬ ‫حبب‬ ‫فل‬ ‫أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه‬ ‫الملك فقال: اقرأ: قال: )ما أنا بقارئ(، قال: )فأخذنى فغطنى حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلنى، فقال: اقرأ، قلت:‬ ‫مـا أنـا بقـارئ، قـال: فأخذنى فغطنى الثانية حتى بلـغ منـى الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ،‬ ‫فأخذني فغطني الثالثة، ثـم أرسلـني فـقـال: }اقْ َأْ ِاسْ ِ َ ّ َ اّ ِي َ َ َ َ َ َ ا ِن َا َ ِنْ َ َ ٍ اقْ َأْ َ َ ّ َ ا َكْ َ ُ{‬ ‫ر ب م ربك لذ خلق خلق لْ س ن م علق ر وربك لْ رم‬ ‫]العلق:1: 3[(، فرجع بها رسول ال صلى ال عليه وسلم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد فقال:‬ ‫) َ ُّونى زملونى(، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة: )ما لي؟( فأخبرها الخبر، )لقد خشيت على‬ ‫زمل‬ ‫نفسي(، فقالت خديجة: كل، وال ما يخزيك ال أب ًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقرى‬ ‫د‬ ‫الضيف، وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل ابن أسد بن عبد العزى ابن عم‬ ‫خديجة‬
  • 23.
    ‫جبريل ينزل بالوحي‬ ‫ـ وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبرانى، فيكتب من النجيل بالعبرانية ما شاء ال أن‬ ‫يكتب، وكان شي ًا كبي ًا قد عمي ـ فقالت له خديجة: يابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يابن أخي،‬ ‫خ ر‬ ‫ماذا ترى؟ فأخبره رسول ال صلى ال عليه وسلم خبر ما رأي، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزله ال‬ ‫على موسى، يا ليتني فيها َ َعا، ليتنى أكون ح ًا إذ يخرجك قومك، فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم:‬ ‫ي‬ ‫جذ‬ ‫)أو مخرج ّ هم؟( قال:نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إل ُو ِ َ، وإن يدركنى يومك أنصرك نص ًا‬ ‫ر‬ ‫ع دى‬ ‫ي‬ ‫مؤز ًا، ثم لم َنْ َبْ ورقة أن توفي، و َ َر الوحى.‬ ‫فت‬ ‫يش‬ ‫ر‬ ‫جبريل ينزل بالوحي مرة ثانية‬ ‫قال ابن حجر: وكان ذلك ]أي انقطاع الوحي أيا ًا[؛ ليذهب ما كان صلى ال عليه وسلم وجده من الروع،‬ ‫م‬ ‫وليحصل له التشوف إلى العود، فلما حصل له ذلك وأخذ يرتقب مجىء الوحى أكرمه ال بالوحي مرة ثانية.‬ ‫قال: صلى ال عليه وسلم:‬ ‫)جاورت بحراء شه ًا فلما قضيت جوارى هبطت ]فلما استبطنت الوادي[ فنوديت، فنظرت عن يميني فلم أر‬ ‫ر‬ ‫شي ًا، ونظرت عن شمالي فلم أر شي ًا، ونظرت أمامي فلم أر شيئا، ونظرت خلفي فلم أرشي ًا، فرفعت رأسى‬ ‫ئ‬ ‫ئ‬ ‫ئ‬ ‫فرأيت شي ًا، ]فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والرض، َ ُ ِثْ ُ منه رع ًا حتى‬ ‫ب‬ ‫ف جئ ت‬ ‫ئ‬ ‫هويت إلى الرض[ فأتيت خديجة فقلت: ]زملوني، زملوني[، دثرونى، وصبوا على ماء بار ًا(، قال: )فدثرونى‬ ‫د‬ ‫وصبوا على ماء بار ًا، فنزلت: } َا َ ّ َا الْ ُ ّ ّ ُ ُمْ َ َن ِرْ َ َ ّ َ َ َ ّرْ َ ِ َا َ َ َ َ ّرْ َال ّجْ َ َاهْ ُرْ{ ]المدثر: 1:‬ ‫ي أيه مدثر ق فأ ذ وربك فكب وثي بك فطه و ر ز ف ج‬ ‫د‬
  • 24.
    ‫  أقسام الوحى‬ ‫بيان أقسام الوحى ومراتبه. قال ابن القيم، وهو يذكر تلك المراتب:‬ ‫إحداها: الرؤيا الصادقة، وكانت مبدأ وحيه صلى ال عليه وسلم.‬ ‫الثانية: ما كان يلقيه الملك في روعه وقلبه من غير أن يراه، كما قال النبي صلى ال عليه وسلم: )إن روح‬ ‫القدس نفث في روعى أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا ال وأجملوا في الطلب، ول يحملنكم‬ ‫استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعصية ال ، فإن ما عند ال ل ينال إل بطاعته(.‬ ‫الثالثة: إنه صلى ال عليه وسلم كان يتمثل له الملك رج ً فيخاطبه حتى َ ِ َ عنه ما يقول له، وفي هذه‬ ‫يع ى‬ ‫ل‬ ‫المرتبة كان يراه الصحابة أحيا ًا.‬ ‫ن‬ ‫الرابعة: أنه كان يأتيه في مثل صلصلة الجرس، وكان أشده عليه، فيلتبس به الملك، حتى أن جبينه لي َ َ ّد‬ ‫ت فص‬ ‫عر ًا في اليوم الشديد البرد، وحتى أن راحلته لتبرك به إلى الرض إذا كان راكبها، ولقد جاء الوحى مرة‬‫ق‬ ‫كذلك وفخذه على فخذ زيد بن ثابت، فثقلت عليه حتى كادت ترضها.‬ ‫الخامسة: إنه يرى الملك في صورته التي خلق عليها، فيوحى إليه ما شاء ال أن يوحيه، وهذا وقع له مرتين‬ ‫كما ذكر ال ذلك في سورة النجم.‬ ‫السادسة: ما أوحاه ال إليه، وهو فوق السموات ليلة المعراج من فرض الصلة وغيرها.‬ ‫السابعة: كلم ال له منه إليه بل واسطة ملك كما كلم ال موسى بن عمران، وهذه المرتبة هي ثابتة لموسى‬ ‫قط ًا بنص القرآن. وثبوتها لنبينا صلى ال عليه وسلم هو في حديث السراء.‬ ‫ع‬ ‫وقـد زاد بعضهم مرتبة ثامنة؛ وهي تكليم ال له كفا ًا من غير حجاب، وهي مسألة خلف بين السلف‬ ‫ح‬ ‫والخلف.‬
  • 25.
    ‫المرحلة الولى: منجهاد الدعوة إلي ا‬ ‫ثلث سنوات من الدعوة السرية‬ ‫قام رسول ال صلى ال عليه وسلم بعد نزول ما تقدم من آيات سورة المدثر، بالدعوة إلى ال سبحانه‬ ‫وتعالى؛ وحيث إن قومه كانوا جفاة ل دين لهم إل عبادة الصنام والوثان، ول حجة لهم إل أنهم ألفوا‬ ‫آباءهم على ذلك، ول أخلق لهم إل الخذ بالعزة والنفة، ول سبيل لهم في حل المشاكل إل السيف،‬ ‫وكانوا مع ذلك متصدرين للزعامة الدينية في جزيرة العرب، ومحتلين مركزها الرئيس، ضامنين حفظ‬ ‫كيانها، فقد كان من الحكمة تلقاء ذلك أن تكون الدعوة في بدء أمرها سرية؛ لئل يفاجئ أهل مكة بما‬ ‫يهيجهم.‬
  • 26.
    ‫الرعيل الول‬ ‫وكان من الطبيعى أن يعرض الرسول صلى ال عليه وسلم السلم أو ً على ألصق الناس به من أهل بيته،‬ ‫ل‬ ‫وأصدقائه، فدعاهم إلى السلم، ودعا إليه كل من توسم فيه الخير ممن يعرفهم ويعرفونه، يعرفهم بحب الحق‬ ‫والخير، ويعرفونه بتحرى الصدق والصلح، فأجابه من هؤلء ـ الذين لم تخالجهم ريبة قط في عظمة الرسول‬ ‫صلى ال عليه وسلم وجللة نفسه وصدق خبره ـ َمْ ٌ ُ ِفوا في التاريخ السلمى بالسابقين الولين، وفي‬ ‫ج ع عر‬ ‫مقدمتهم زوجة النبي صلى ال عليه وسلم أم المؤمنين خديجة بنت خويلد، وموله زيد بن‬ ‫حارثة بن شراحيل الكلبي وابن عمه علي بن أبي طالب ـ وكان صب ًا يعيش في كفالة‬ ‫ي‬ ‫الرسول صلى ال عليه وسلم ـ وصديقه الحميم أبو بكر الصديق. أسلم هؤلء في أول يوم الدعوة.‬ ‫ثم نشط أبو بكر في الدعوة إلى السلم، وكان رج ً مأل ًا محب ًا سه ً ذا خلق ومعروف،وكان رجال قومه يأتونه‬ ‫ل‬ ‫ب‬ ‫ل ف‬ ‫ويألفونه؛ لعلمه وتجارته وحسن مجالسته، فجعل يدعو من يثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه، فأسلم‬ ‫بدعوته عثمان بن عفان الموى، والزبير بن العوام السدى، وعبد الرحمن بن‬ ‫عوف، وسعد بن أبي وقاص الزهريان، وطلحة بن عبيد ا التيمي. فكان هؤلء‬ ‫النفر الثمانية الذين سبقوا الناس هم الرعيل الول وطليعة السلم.‬
  • 27.
    ‫الرعيل الول‬ ‫ثم تل هؤلء أمين هذه المة أبو عبيدة عامر بن الجراح من بني الحارث بن فهر، وأبو سلمة بن عبد السد‬ ‫المخزومى، وامرأته أم سلمة، والرقم بن أبي الرقم المخزومى، وعثمان بن مظعون ال ُ َ ِ ّ وأخواه قدامة‬ ‫جمحى‬ ‫وعبد ال ، وعبيدة بن الحارث ابن المطلب بن عبد مناف، وسعيد بن زيد العدوى، وامرأته فاطمة بنت‬ ‫الخطاب العدوية أخت عمر بن الخطاب، وخباب بن الرت التميمى، وجعفر بن أبي طالب، وامرأته أسماء بنت‬ ‫ُ َيْس، وخالد بن سعيد بن العاص الموى، وامرأته أمينة بنت خلف، ثم أخوه عمرو بن سعيد بن العاص،‬ ‫عم‬ ‫وحاطب بن الحارث الجمحي، وامرأته فاطمة بنت ال ُ َّل وأخوه الخطاب بن الحارث، وامرأته ُ َيْ َة بنت‬ ‫فك ه‬ ‫مجل‬ ‫يسار، وأخوه معمر ابن الحارث، والمطلب بن أزهر الزهري، وامرأته رملة بنت أبي عوف، ونعيم بن عبد ال‬ ‫بن النحام العدوي، وهؤلء كلهم قرشيون من بطون وأفخاذ شتى من قريش.‬ ‫ومن السابقين الولين إلى السلم من غير قريش: عبد ال بن مسعود الهذلي، ومسعود بن ربيعة القاري،‬ ‫وعبد ال بن جحش السدي وأخوه أبو أحمد بن جحش، وبلل بن رباح الحبشي، ُ َيْب بن ِنان الرومي،‬ ‫س‬ ‫صه‬ ‫وعمار بن ياسر العنسي، وأبوه ياسر، وأمه سمية، وعامر بن ُهيرة.‬ ‫ف‬ ‫وممن سبق إلى السلم من النساء غير من تقدم ذكرهن: أم أيمن بركة الحبشية، وأم الفضل لبابة الكبرى بنت‬ ‫الحارث الهللية زوج العباس بن عبد المطلب، وأسماء بنت أبي بكر الصديق رضي ال عنهما.‬ ‫هؤلء معروفون بالسابقين الولين، ويظهر بعد التتبع والستقراء أن عدد الموصوفين بالسبق إلى السلم‬ ‫وصل إلى مائة وثلثين رج ً وامرأة، ولكن ل يعرف بالضبط أنهم كلهم أسلموا قبل الجهر بالدعوة أو تأخر‬ ‫ل‬ ‫إسلم بعضهم إلى الجهر بها.‬ ‫الجزء الثاني – الدعوة الجهرية‬