‫أحكام االضحية والذكاة‬




                                                                  ‫الفصل األول‬


                                                          ‫في تعريف األضحية وحكمها‬


                                                ‫األضحية: ما يذبح من بهيمة األنعام أيام األضحى بسبب العيد؛ تقرباً إلى اهلل عز وجل.‬
                     ‫وهي من العبادات المشروعة في كتاب اهلل وسنة رسوله النبي صلى اهلل عليه وعلي آله وسلم وإجماع المسلمين.‬
      ‫فأما كتاب اهلل : فقد اهلل تعالي: (فَصل لِربِّك وانْحر) (الكوثر:2) وقال تعالي:(قُل إِن صالتِي ونُسكي ومحيَاي ومماتِي لِلَّه رب‬
      ‫ِ َ ِّ‬        ‫َ ُ ََ ْ َ َََ‬
                                  ‫ِ‬
                                                 ‫ْ َّ َ‬                                     ‫َ ِّ َ َ َ َ ْ‬
                                                                ‫الْعالَمين) (ال شريك لَهُ وبِذلِك أُمرت وأَنَا أَول الْمسلِمين) (األنعام:162،262) .‬
                                                                                                ‫ِ‬                       ‫ِ‬
                                                                                               ‫َ ِ َ َ َ َ ْ ُ َ َّ ُ ُ ْ َ‬
                                                                                                                                                  ‫ِ‬
                                                                                                                                                 ‫َ َ‬
‫وقال تعالى: (ولِكل أُمة جعلْنَا منسكاً لِيَذكروا اسم اللَّه علَى ما رزقَ هم من بَهيمة األَنْعام فَِإلَهكم إِلَ ٌ واحد فَلَهُ أَسلموا )(الحج: 31).‬
                     ‫ِ‬
                    ‫ْ ُ‬      ‫ْ ُ ُ ْ َ ِ َ َ ََ ُ ْ ِ ْ ِ َ ِ ْ َ ِ ُ ُ ْ ه َ ِ ٌ‬                                         ‫ٍ‬
                                                                                                              ‫َ ُ ِّ َّ َ َ َ ْ َ‬
‫وهذه اآلية تدل على أن الذبح تقرباً إلى اهلل تعالي مشروع في كل ملة لكل أمة، وهو برهان بين على أنه عباده ومصلحة في كل زمان‬
                                                                                                                                      ‫ومكان وأمة.‬
                                                                                                                                        ‫َ‬
         ‫وأما سنة رسول اهلل صلي اهلل عليه وسلم : فقد ثبت مشروعية األضحية فيها بقول النبي صلي اهلل عليه وسلم وفعله وإقراره،‬
                                                                                    ‫فاجتمعت فيها أنواع السنة الثالثة: القول، والفعل، والتقرير.‬
 ‫ففي : ((الصحيحين)) عن البراء بن عازب رضي اهلل عنه أن النبي صلي اهلل عليه وسلم قال: (( من ذبح بعد الصالة فقد تم نسكه،‬
‫وأصاب سنة المسلمين))(2). وفيهما أيضاً عن عقبة بن عامر رضي اهلل عنه أن النبي صلي اهلل عليه وسلم قسم بين أصحابه ضحايا، فصارت‬
                                                                     ‫لعقبة جذعة، فقال: يا رسول اهلل؛ صارت لي جذعة. فقال ((ضح بها))(2).‬
 ‫وفي (( الصحيحين)) أيضاً عن أنس بن مالك رضي اهلل عنه قال: ضحى النبي صلي اهلل عليه وسلم بكبشين أملحين ذبحهما بيده،‬
‫وسمي كبر ووضع رجله على صفاحهما(1). وعن عبد اهلل بن عمر رضي اهلل عنهما قال: أقام النبي صلى اهلل عليه وسلم بالمدينة عشر سنين‬
                                                                                                                    ‫و‬
                                                                                          ‫يضحي . رواه أحمد والترمذي وقال: حديث حسن(3).‬
 ‫وفي ((الصحيحين)) أيضاً عن جندب سفيان .البجلي قال: شهدت األضحى مع رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم، فلما قضي صالته‬
      ‫بالناس نظر إلى غنم قد ذبحت فقال: (( من ذبح قبل الصالة فليذبح شاة مكانها، ومن لم يكن ذبح فليذبح على اسم اهلل)) هذا لفظ‬
                                                                                                                                          ‫مسلم(5).‬
  ‫وعن عطاء بن يسار قال: سألت أبا أيوب األنصاري: كيف كانت الضحايا فيكم على عهد النبي صلى اهلل عليه وسلم ؟فقال : كان‬
                                                  ‫الرجل يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته ( الحديث ) . رواه ابن ماجه والترمذي وصححه(6).‬
                                                    ‫وأما إجماع المسلمين على مشروعية األضحية فقد نقله غير واحد من أهل العلم .‬



                                                                        ‫1‬
‫أحكام االضحية والذكاة‬



      ‫قال في (( في المغني )) : أجمع المسلمون على مشروعية األضحية . وجاء في (( فتح الباري شرح صحيح البخاري )) : وال‬
                                                                                                     ‫خالف في كونها من شرائع الدين .‬
                                         ‫وبعد إجماعهم على مشروعية األضحية اختلفوا : أواجبة هي أم سنة كدة ؟ على قولين :‬
                                                         ‫مؤ‬
      ‫القول األول : أنها واجبة ، وهو قول األوزاعي ، والليث ، ومذهب أبي حنيفة ، وإحدى الروايتين عن اإلمام أحمد ، قال شيخ‬
                                                                  ‫اإلسالم : وهو أحد القولين في مذهب مالك ، أو ظاهر مذهب مالك .‬
‫القول الثاني : أنها سنة كدة ، وهو قول الجمهور ، ومذهب الشافعي ، ومالك ، وأحمد في المشهور عنهما ، لكن صرح كثير من‬
                                                                                       ‫مؤ‬
‫أرباب هذا القول بأن كها يكره للقادر ، ذكره أصحابنا ، نص اإلمام أحمد وقطع به في اإلقناع ، وذكر في (( جواهر اإلكليل شرح مختصر‬
                                                                                                      ‫تر‬
                                                            ‫خليل )) . أنها إذا كها أهل بلد قوتلوا عليها ؛ ألنها من شعائر اإلسالم .‬
                                                                                                              ‫تر‬
 ‫أدلة القائلين بالوجوب : الدليل األول : قوله تعالى : (فَصل لِربِّك وانْحر) (الكوثر:2) فأمر بالنحر ، واألصل في األمر الوجوب .‬
                                                    ‫َ ِّ َ َ َ َ ْ‬
‫الدليل الثاني : قوله صلى اهلل عليه وسلم : (( من وجد سعة فلم يضح فال يقربن مصالنا )) رواه أحمد وابن ماجه ، وصححه الحاكم‬
                                                                                                               ‫(7)‬
                                                                                                                     ‫من حديث أبي هريرة .‬
                                                                                         ‫قال في (( فتح الباري )) ورجاله ثقات .‬
‫الدليل الثالث : قوله صل ى اهلل عليه وسلم وهو واقف بعرفة : (( يا أيها الناس ، إن على أهل كل بيت أضحية في كل عام وعتيرة )) .‬
                                                                      ‫قال في (( الفتح )) : أخرجه أحمد واألربعة بسند قوي(8) .‬
‫الدليل الرابع : قوله صلى اهلل عليه وسلم (( من كان ذبح قبل أن يصلي فليذبح مكانها أخرى ، ومن لم يكن ذبح حتى صلينا فليذبح‬
                                                                                                             ‫باسم اهلل )) متفق عليه(9) .‬
                                              ‫هذه أدلة القائلين بالوجوب ، وقد أجاب عنها القائلون بعدم الوجوب واحداً واحداً .‬
   ‫فأجابوا عن الدليل األول : بأنه ال يتعين أن يكون المراد بها نحر القربان ، فقد قيل : إن المراد بها وضع اليدين تحت النحر عند‬
                                                 ‫القيام في الصالة ، وهذا القول وإن كان ضعيفا لكن مع االحتمال قد يمتنع االستدالل .‬
 ‫وإذا قلنا : إن المراد بها نحر القربان كما هو ظاهر القرآن ، فإنه ال يتعين أن يكون المراد بها فعل النحر ، فقد قيل : إن المراد بها‬
                                                                 ‫تخصيص النحر هلل تعالى وإخالصه له ، وهذا واجب بال شك وال نزاع .‬
‫وإذا قلنا : المراد بها فعل النحر كما هو ظاهر اآلية ؛ فهو أمر مطلق يحصل امتثاله بفعل ما ينحر تقربا إلى اهلل تعالى من أضحية ، أو‬
                                                       ‫هدي ، أو عقيقة ولو مرة واحدة ، فال يتعين أن يكون المراد به األضحية كل عام .‬
    ‫وهذا تقرير جوابهم عن اآلية ، وعندي أنه إذا صح الدليل الثالث ؛ صار مبينا لآلية ، وصارت حجة على الوجوب . واهلل أعلم .‬
    ‫وقد يقال : إن وجوب النحر الذي تدل عليه هذه اآلية خاص بالنبي صلى اهلل عليه وسلم شكرا منه لربه على ما أعطاه من الخير‬
                       ‫الكثير الذي لم يعطه أحد غيره ؛ بدليل ترتيبه عليه بالفاء ، وبدليل ما يأتي في الدليل األول للقائلين بعدم الوجوب .‬


                                                                  ‫2‬
‫أحكام االضحية والذكاة‬



   ‫وأجابوا عن الدليل الثاني : بأن الراجح أنه موقوف ، ولعل أبا هريرة قاله حين كان والياً على المدينة ، قال في (( بلوغ المرام )) :‬
                                                                 ‫رجح األئمة وقفه ، اه . لكن قال في (( الدراية )) : إن الذي رفعه ثقة .‬
‫قلت : وإذا كان الذي رفعه ثقة ؛ فالمشهور عند المحدثين أنه إذا تعارض الوقف والرفع ، كان الرافع ثقة فالحكم للرفع ؛ ألنه زيادة‬
                                       ‫و‬
                                                               ‫من ثقة مقبولة ، لكن قال في ((الفتح )) : إنه ليس صريحا في اإليجاب .‬
‫قلت : هو ليس بصريح في اإليجاب ، إذ يحتمل أن منعه من المسجد ، وحرمانه من حضور الصالة ودعوة المسلمين عقوبة له على‬
   ‫ترك هذه الشعيرة ، وإن لم تكن واجبة ، لكن من أجل تأكدها ، لكن هو ظاهر في اإليجاب ، وال يلزم في إثبات الحكم أن يكون الدليل‬
                                                              ‫صريحا في الداللة عليه ، بل يكفي الظاهر إذا لم يعارضه ما هو أقوى منه .‬
 ‫وأجابوا عن الدليل الثالث : بأن أحد روات ه أبو رملة ( عامر ) قال في ((التقريب )) : ال يعرف . وقال الخطابي : مجهول والحديث‬
                                                                  ‫ضعيف المخرج . وقال المعافري : هذا الحديث ضعيف ال يحتج به .‬
    ‫قلت : وقد سبق أن صاحب (( الفتح )) وصف سنده بالقوة ؛ لكنه قال : ال حجة فيه ؛ ألن الصيغة ليست صريحة في الوجوب‬
                                                   ‫المطلق ، وقد ذكر معها العتيرة ، وليست بواجبة عند من قال بوجوب األضحية . اه .‬
     ‫وقد سبق الجواب بأنه ال يلزم في إثبات الحكم أن يكون الدليل صريحا في الداللة عليه بل يكفي الظاهر إذا لم يعارضه ما هو‬
 ‫أقوى منه ، وأما ذكر العتيرة معها وهي غير واجبة ؛ فقد ورد ما يخرجها عن الوجوب بل عن المشروعية عند كثير من أهل العلم ، وهو قوله‬
  ‫صلى اهلل عليه وسلم في حديث أبي هريرة : (( ال فرع وال عتيرة ))(12) . متفق عليه . لكن العلة في الدليل جهالة أبي رملة . واهلل أعلم .‬
 ‫أجابوا عن الدليل الرابع : بأن األمر إنما هو بذبح بدلها وهو ظاهر ؛ ألنهم لما أوجبوها تعينت ، وذبحهم إياها قبل الوقت ال يجزئ‬
           ‫، فوجب عليهم ضمانها بأن يذبحوا بدلها ، ونحن نقول بمقتضى هذا الحديث ، وأنه لو أوجب أضحية لوجب عليه ذبح بدلها .‬
     ‫وأما قوله صلى اهلل عليه وسلم : (( ومن لم يذبح فليذبح باسم اهلل )) فهو أمر بكون الذبح على اسم اهلل ال بمطلق الذبح ، فال‬
                                                                                                 ‫يكون فيه دليل على وجوب األضحية .‬
                                                                                                     ‫أدلة القائلين بعدم وجوب :‬
  ‫الدليل األول : حديث : (( هن على فرائض ولكم تطوع : النحر ، والوتر ، كعتا الضحى )) . أخرجه الحاكم والبزاز وابن عدي ،‬
                                                ‫ور‬
   ‫وروى نحوه أحمد ، وأبو يعلى ، والحاكم (22)، وذكر في التخليص له طرقا كلها ضعيفة ، وقال : أطلق األئمة على هذا الحديث الضعف‬
                                                                  ‫كأحمد ، والبيهقي ، وابن الصالح ، وابن الجوزي ، والنووي وغيرهم .‬
                                                                               ‫قلت : والضعيف ال يحتج به في إثبات األحكام .‬
  ‫الدليل الثاني : أن النبي صلى اهلل عليه وسلم ضحى عن أمته ، فعن على بن الحسين عن أبي رافع رضي اهلل عنه أن النبي صلي اهلل‬
   ‫عليه وسلم كان إذا ضحى ؛ اشترى كبشين أقرنين سمينين أملحين ، فإذا صلى وخطب ؛ أتي بأحدهما وهو قائم في مصاله فذبحه بنفسه‬
  ‫بالمدية ، ثم يقول : (( اللهم هذا عن أمتي جميعا من شهد لك بالتوحيد وشهد لي بالبالغ )) ، ثم يؤتي باآلخر فيذبحه بنفسه ويقول : ((‬
  ‫هذا عن محمد ، وآل محمد )) . فيطعمها جميعا المساكين ، ويأكل هو وأهله منهما ، فمكثنا سنين ليس لرجل من بني هاشم يضحي قد‬
                                                                  ‫3‬
‫أحكام االضحية والذكاة‬



   ‫كفاه اهلل المؤونة برسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم والغرم . أخرجه أحمد والبزاز (22)، قال في مجمع الزوائد (12): وإسناده حسن ، سكت‬
                                          ‫عنه في التلخيص ، وله شواهد عند أحمد ، والطبراني ، وأبن ماجه ، والبيهقي ، والحاكم(32) .‬
 ‫ووجه الداللة : أن النبي صلى اهلل عليه وسلم قام بالواجب عن أمته فيكون الباقي تطوعا ، ولذلك مكث بنو هاشم سنين ال يضحون‬
                                                                                                         ‫على مقتضى هذا الحديث .‬
 ‫الدليل الثالث : قوله صلى اهلل عليه وسلم : (( إذا رأيتم هالل ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي ؛ فليمسك عن شعره وأظفاره ))‬
                                           ‫(62)‬
                                                  ‫رواه الجماعة إال البخاري(52) ، وفي رواية لمسلم : (( فال يمس من شعره وبشره شيئا ))‬
 ‫ووجه الداللة : أن النبي صلى اهلل عليه وسلم فوض األضحية إلى اإلرادة ، وتفويضها إلى اإلرادة ينافي وجوبها ، إذ الوجوب لزوم ال‬
                                                                                                    ‫يفوض إلى اإلرادة ، هكذا قالوا .‬
  ‫وعندي أن التفويض إلى اإلرادة ال ينافي الوجوب إذا قام عليه الدليل ، فقد قال النبي صلى اهلل عليه وسلم في المواقيت : (( هن‬
  ‫لهن ولمن أتي عليهن من غير أهلهن ممن يريد الحج والعمرة ))(72) . ولم يمنع ذلك من وجوب الحج والعمرة بدليل آخر مرة في العمر ،‬
 ‫فالتعليق على اإلرادة ليس معناه أن اإلنسان مخير في المراد على اإلطالق ، فقد يجب أن يريد إذا قام مقتضى الوجوب ، وقد ال يجب أن‬
‫يريد إذا لم يكن دليل على الوجوب ، كما لو قلت : يجب الوضوء على من أراد الصالة . والصالة منها ما تجب إرادته كالفريضة ، ومنها ما‬
 ‫ال تجب كالتطوع . وأيضا فاألضحية ال تجب على المعسر فهو غير مريد لها ، فصح تقسيم الناس فيها إلى مريد وغير مريد باعتبار اليسار‬
                                                                                                                        ‫واإلعسار .‬
     ‫الدليل الرابع : أنه صح عن أبي بكر وعمر رضي اهلل عنهما أنهما ال يضحيان مخافة أن يظن أن األضحية واجبة (82). وعن أبي‬
‫مسعود رضي اهلل عنه أنه قال : أني ألدع األضحية ، وأنا من كم، كراهة أن يعتقد الناس أنها حتم واجب . أخرجه سعيد بن منصور بسند‬
                                                                ‫أيسر‬
                                                            ‫صحيح ، وذكره البيهقي عن ابن عباس وابن عمر وبالل رضي اهلل عنهم(92) .‬
                                    ‫قلت : وإذا صح الوجوب عن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم لم يكن قول غيره حجة عليه .‬
                      ‫الدليل الخامس : التمسك باألصل ، فإن األصل براءة الذمة حتى يقوم دليل الوجوب السالم من المعارضة .‬
        ‫قلت : وهذا دليل قوي جدا لكن القائلين بالوجوب يقولون : إنه قد قام دليل الوجوب السالم من المعارضة فثبت الحكم .‬
‫الدليل السادس : أن رجال قال : يا رسول اهلل ، أرايت إن لم أجد إال منيحة أنثى أفأضحي بها ؟ قال : (( ال ، ولكن تأخذ من شعرك‬
‫وأظفارك وتقص شاربك ، وتحلق ع انتك ، فتلك تمام أضحيتك عند اهلل عز وجل )) . رواه أبو داود والنسائي ، ورواته ثقات(12) . والمنيحة:‬
‫شاة اللبن تعطى للفقير يحلبها ويشرب لبنها ثم يردها ، وهذا سنة ، ولو كانت األضحية واجبة لم تترك من أجل فعل السنة ، إذ المسنون ال‬
                                                                                         ‫يعارض الواجب . وهذا تقرير جيد وفيه تأمل.‬
     ‫قال شيخ اإلسالم ابن تيميه : واألظهر وجوبها ( يعني األضحية ) فإنها من أعظم شعائر اإلسالم ، وهي النسك العام في جميع‬
   ‫األمصار ، والنسك مقرون بالصالة ، وهي من ملة إبراهيم الذي أمرنا باتباع ملته ، وقد جاءت األحاديث باألمر بها ، ونفاه الوجوب ليس‬
‫معهم نص ، فإن عمدتهم قوله صلى اهلل عليه وسلم : (( من أراد أن يضحي ودخل العشر فال يأخذ من شعره وال من أظفاره ))(22) . قالوا :‬
                                                                 ‫4‬
‫أحكام االضحية والذكاة‬



 ‫والواجب ال يعلق باإلرادة ، وهذا كالم مجمل ، فإن الواجب ال كل إلى إرادة العبد ، فيقال : إن شئت فافعله ، بل يعلق الواجب بالشرط‬
                                                                  ‫يو‬
                                                                                                              ‫لبيان حكم من األحكام .‬
       ‫قلت : مثل أن تقول : إذا أردت أن تصلي الظهر فتوضأ ، فصالة الظهر واجبة لكن تعليقها باإلرادة لبيان حكم الوضوء لها .‬
‫قال شيخ اإلسالم في بقية كالمه على األضحية : ووجوبها مشروط بأن يقدر عليها فاضال عن حوائجه األصلية كصدقة الفطر . اه .‬
                                                    ‫ملخصاً من (( مجموع الفتاوى )) البن قاسم ( من ص262 362 مجلد 21 ) .‬
‫هذه آراء العلماء وأدلتهم سقناها ليبين شأن األضحية وأهميتها في الدين ، واألدلة فيها تكاد تكون متكافئة ، وسلوك سبيل االحتياط‬
                                                        ‫أن ال يدعها مع القدرة عليها ، لما فيها من تعظيم اهلل وذكره وبراءة الذمة بيقين .‬


                                                                                                                          ‫فصل‬
    ‫وذبح األضحية أفضل من الصدقة بثمنها ، نص عليه اإلمام أحمد رحمه اهلل ، قال ابن القيم وهو أحد تالميذ شيخ اإلسالم ابن‬
  ‫تيميه البارزين : (( الذبح في موضعه أفضل من الصدقة بثمنه ، ولو زاد ( يعني ولو زاد في ثمنه فتصدق بأكثر منه ) كالهدايا والضحايا ،‬
‫فإن نفس الذبح وإراقة الدم مقصود ، فإنه عبادة مقرونة بالصالة كما قال تعالى : (فَصل لِربِّك وانْحر) (الكوثر:2) ، وقال تعالى : ( قُل إِن‬
‫ْ َّ‬                                 ‫َ ِّ َ َ َ َ ْ‬
‫صالتِي ونُسكي ومحيَاي ومماتِي لِلَّه رب الْعالَمين) (األنعام:262) ، ففي كل ملة صالة ونسيكة ال يقوم غيرهما مقامهما ، ولهذا لو تصدق‬
                                                                                           ‫ِ‬
                                                                                        ‫َ ِّ َ َ‬
                                                                                                      ‫ِ‬
                                                                                                           ‫َ ُ ََ ْ َ َََ‬
                                                                                                                         ‫ِ‬
                                                                                                                                   ‫َ‬
                                                            ‫عن دم المتعة والقران أضعاف القيمة ؛ لم يقم مقامه ، كذلك األضحية . اه .‬
                                                                                 ‫و‬
‫ويدل على أن ذبح األضحية أفضل من الصدقة بثمنها : أنه هو عمل النبي صلى اهلل عليه وسلم والمسلمين ، فإنهم كانوا يضحون ،‬
‫ولو كانت الصدقة بثمن األضحية أفضل ؛ لعدلوا إليها وما كان رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ليعمل عمال مفضوال يستمر عليه منذ أن كان‬
 ‫في المدينة إلى أن توفاه اهلل مع وجود األفضل وتيسره ثم ال يفعله مرة واحدة ، وال يبين ذلك ألمته بقوله ، بل استمرار النبي صلى اهلل عليه‬
  ‫وسلم والمسلمين معه على األضحية يدل على أن الصدقة بثمن األضحية ال تساوي ذبح األضحية فضال عن أن تكون أفضل منه ، إذ لو‬
‫كانت تساويه لعملوا بها أحيانا ؛ ألنها أيسر وأسهل ، أو تصدق بعضهم وضحى بعضهم كما في كثير من العبادات المتساوية ، فلما لم يكن‬
                                                                               ‫ذلك ؛ علم أن ذبح األضحية أفضل من الصدقة بثمنها .‬
 ‫ويدل على أن ذبح األضحية أفضل من الصدقة بثمنها : أن الناس أصابهم ذات سنة مجاعة في عهد النبي صلى اهلل عليه وسلم في‬
 ‫زمن األضحية ، ولم يأمرهم بصرف ثمنها إلى المحتاجين ، بل أقرهم على ذبحها ، وأمرهم بتفريق لحمها كما في الصحيحين عن سلمة بن‬
 ‫األكوع رضي اهلل عنه قال : قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم : (( من ضحى منكم فال يصبحن بعد ثالثة في بيته شيء )) فلما كان العام‬
‫المقبل قالوا : يا رسول اهلل ، نفعل كما فعلنا في العام الماضي ؟ فقال صلى اهلل عليه وسلم : (( كلوا وأطعموا وادخروا ، فإن ذلك العام كان‬
                                                                                          ‫في الناس جهد فأردت أن تعينوا فيها )) (22).‬
‫وفي صحيح البخاري أن عائشة رضي اهلل عنه سئلت : أنهى رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم عن لحوم األضاحي أن كل فوق ثالث‬
          ‫تؤ‬
                                                              ‫؟ فقالت : ما فعله إال عام جاع الناس فيه فأراد أن يطعم الغني الفقير (12).‬

                                                                 ‫5‬
‫أحكام االضحية والذكاة‬



‫ويدل على أن ذبح األضحية أفضل من الصدقة بثمنها : أن العلماء اختلفوا في وجوبها ، وأن القائلين بأنها سنة صرح أكثرهم أو كثير‬
        ‫منهم بأنه يكره كها للقادر ، وبعضهم صرح بأنه يقاتل أهل بلد كوها ، ولم نعلم أن مثل ذلك حصل في مجرد الصدقة المسنونة .‬
                                                               ‫تر‬                                         ‫تر‬
  ‫ويدل على أن ذبح األضحية أفضل من الصدقة بثمنها : أن الناس لو عدلوا عنه إلى الصدقة ؛ لتعطلت شعيرة عظيمة نوه اهلل عليها‬
‫في كتابه في عدة آيات ، وفعلها رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم وفعلها المسلمون ، وسماها رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم سنة المسلمين.‬
‫قال شيخ اإلسالم ابن تيميه : فكيف يجوز أن المسلمين كلهم كون هذا ال يفعله أحد منهم ، وترك المسلمين كلهم هذا أعظم من‬
                                                         ‫يتر‬
                                                                                                             ‫ترك الحج في بعض السنين ، كذا قال .‬
 ‫قال : وقد قالوا إن الحج كل عام فرض على الكفاية ؛ ألنه من شعائر اإلسالم ، والضحايا في عيد النحر كذلك ، بل هذه تفعل في‬
 ‫كل بلد هي والص الة ، فيظهر بها من عبادة اهلل وذكره والذبح له والنسك له ما ال يظهر بالحج كما يظهر ذكر اهلل بالتكبير في األعياد . اه .‬
                                                                                                                                                       ‫.‬
    ‫واألصل في األضحية أنها للحي كما كان النبي صلي اهلل عليه وسلم وأصحابه يضحون عن أنفسهم وأهليهم خالفا لما يظنه بعض‬
                                                                                                                            ‫العامة أنها لألموات فقط .‬
                                                                                            ‫وأما األضحية عن األموات ؛ فهي ثالثة أقسام :‬
   ‫القسم األول : أن تكون تبعا لألحياء ، كما لو ضحى اإلنسان عن نفسه وأهله وفيهم أموات ، فقد كان النبي صلي اهلل عليه وسلم‬
                                                        ‫يضحي ويقول : (( اللهم هذا عن محمد وعن آل محمد )) (32) وفيهم من مات سابقا .‬
  ‫القسم الثاني : أن يضحي عن الميت استقالال تبرعا ، مثل : أن يتبرع لشخص ميت مسلم بأضحية ، فقد نص فقهاء الحنابلة على‬
‫أن ذلك من الخير ، وأن ثوابها يصل إلى الميت وينتفع به ؛ قياسا على الصدقة عنه ، ولم ير بعض العلماء أن يضحي أحد عن الميت إال أن‬
‫يوصي به . لكن من ا لخطأ ما يفعله بعض الناس اليوم يضحون عن األموات تبرعا أو بمقتضى وصاياهم ، ثم ال يضحون عن أنفسهم وأهليهم‬
 ‫األحياء، كون ما جاءت به السنة ، ويحرمون أنفسهم فضيلة األضحية ، وهذا من الجهل ، وإال فلو علموا بان السنة أن يضحي اإلنسان‬
                                                                                                              ‫فيتر‬
                                                                                  ‫عنه وعن أهل بيته فيشمل األحياء واألموات ، وفضل اهلل واسع .‬
 ‫القسم الثالث : أن يضحي عن الميت بموجب وصية منه تنفيذا لوصيته ، فتنفذ كما أوصى بدون زيادة وال نقص ، واألصل في ذلك‬
 ‫قوله تعالى في الوصية : (فَمن بَدلَهُ بَعد ما سمعهُ فَِإنَّما إِثْمهُ علَى الَّذين يُبَدلُونَهُ إِن اللَّهَ سميع علِيم) (البقرة:282) . وروي عن على بن أبي‬
                                             ‫ِ‬
                                       ‫َ ٌ َ ٌ‬         ‫َّ‬         ‫ِ َ ِّ‬           ‫َ ْ َّ ْ َ َ َ ِ َ َ ُ َ‬
 ‫طالب رضي اهلل عنه أنه ضحى بكبشين وقال : إن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم اوصاني أن أضحي عنه فأنا أضحي عنه . رواه أبو داود ،‬
                                       ‫ورواه بنحوه الترمذي وقال : غريب ال نعرفه إال من حديث شريك(52) . اه . قلت : وفي إسناده مقال .‬
       ‫وإذا كانت الوصية بأضاحي متعددة ولم يكف المغل لتنفيذها مثل أن يوصي شخص بأربع ضحايا : واحدة ألمه ، وواحدة ألبيه‬
 ‫وواحدة ألوالده ، وواحد ألجداده وجداته ، ولم يكف المغل إال لواحدة فإن تبرع الوصي بتكميل الضحايا األربع من عنده فنرجو أن يكون‬
                                                           ‫حسنا ، وإن لم يتبرع جمع الجميع في أضحية واحدة كما لو ضحى عنهم في حياته .‬


                                                                           ‫6‬
‫أحكام االضحية والذكاة‬



‫وإن كانت الوصية في أضحية واحدة ولم يكف المغل لها فإن تبرع الوصي بتكميلها من عنده فنرجو أن يكون حسنا ، وإن لم يتبرع‬
 ‫أبقى المغل إلى السنة الثانية والثالثة حتى يكفي األضحية فيضحي به ، فإن كان المغل ضئيال ال يكفي ألضحية إال بعد سنوات يخشى من‬
‫ضياعه في إبقائه إليها ، أو من أن تزايد قيم األضاحي فإن الوصي يتصدق بالمغل في عشر ذي الحجة وال يبقيه ؛ ألنه عرضة لتلفه ، وربما‬
                                                 ‫تتزايد قيم األضاحي كل عام ، فال يبلغ قيمة األضحية مهما جمعه ، فالصدقة به خير .‬
   ‫واخترنا أن يتصدق به في عشر ذي الحجة ؛ ألنه الزمن الذي عين الموصي تنفيذ وصيته فيه ، وألن العشر أيام فاضلة ، والعمل‬
 ‫الصالح فيها محبوب إلى اهلل عز وجل ، قال النبي صلي اهلل عليه وسلم : (( ما من أيام العمل الصالح فيها محبوب إلى اهلل من هذه األيام‬
‫العشر ) ) وقالوا : يا رسول اهلل ، وال الجهاد في سبيل اهلل ؟ قال : (( وال الجهاد في سبيل اهلل ، إال رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من‬
                                                                                                                ‫ذلك بشيء )) (62).‬
 ‫(تنبيه عام ) : يذكر بعض الموصين في وصيته قدراً معيناً للموصي به مثل أن يقول : يضحي عني ولو بلغت األضحية رياال . يقصد‬
‫المغاالة في ثمنها ؛ ألنها في وقت وصيته بربع لاير أو نحوه ، فيقوم بعض من ال يخشى اهلل من األوصياء فيعطل الوصية بحجة أن الريال ال‬
 ‫يمكن أن يبلغ ثمن األضحية اآلن ، وهذا حرام عليه ، وهو آثم بذلك ، ويجب تنفيذ الوصية باألضحية ، وإن بلغت آالف الرياالت مادام‬
‫ال مغل يكفي لذلك ؛ ألن مقصود الموصي معلوم ، وهو المبالغة في قيمة األضحية مهما زادت ، وذكره الريال على سبيل التمثيل ، ال على‬
                                                                                                                    ‫سبيل التحديد .‬




                                                          ‫الفصل الثاني‬


                                                                ‫7‬
‫أحكام االضحية والذكاة‬



                                                             ‫في وقت األضحية‬


                           ‫األضحية عبادة موقتة ال تجزئ قبل وقتها على كل حال ، وال تجزئ بعده إال على سبيل القضاء إذا أخرها لعذر .‬
‫وأول وقتها بعد صالة العيد لمن يصلون كأهل البلدان ، أو بعد قدرها من يوم العيد لمن ال يصلون كالمسافرين وأهل البادية ، فمن ذبح قبل‬
‫الصالة فشاته شاة لحم ، وليست بأضحية ويجب عليه ذبح بدلها على صفتها بعد الصالة ؛ لما روى البخاري عن البراء بن عازب رضي اهلل‬
  ‫عنه أن النبي صلى اهلل عليه وسلم قال : (( من ذبح قبل الصالة فإنما هو لحم قدمه ألهله ، وليس من النسك في شيء ))(72) ، وفيه عن‬
  ‫أنس بن مالك رضي اهلل عنه أن النبي صلى اهلل عليه وسلم قال : (( ومن ذبح بعد الصالة فقد تم نسكه ، وأصاب سنة المسلمين ))(82) .‬
  ‫وفيه أيضا عن جندب بن سفيان البجلي رضي اهلل عنه قال شهدت النبي صلى اهلل عليه وسلم قال (( من ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها‬
                                                                                                                                ‫أخرى ))(92) .‬
   ‫واألفضل أن يؤخر الذبح حتى تنتهي الخطبتان ؛ ألن ذلك فعل النبي صل اهلل عليه وسلم ، قال جندب بن سفيان البجلي رضي اهلل عنه :‬
                                                 ‫صلى النبي صلى اهلل عليه وسلم يوم النحر ثم خطب ثم ذبح . الحديث رواه البخاري (11).‬
 ‫واألفضل أن ال يذبح حتى يذبح اإلمام إن كان اإلمام يذبح في المصلى اقتداء بالنبي صلى اهلل عليه وسلم وأصحابه ، ففي صحيح البخاري‬
‫عن عبد اهلل بن عمر رضي اهلل عنهما قال : كان النبي صلى اهلل عليه وسلم يذبح وينحر بالمصلى (21). يعنى يبرز أضحيته عند المصلى العيد‬
   ‫فيذبحها هناك ؛ إظهاراً لشعائر اهلل ، وليعلم الناس بالفعل كيفية ذبح األضحية ، وليسهل تناول الفقراء منها ، وليس المعنى أنه يذبحها في‬
                                                                            ‫نفس المصلى ؛ ألنه مسجد ، والمسجد ال يلوث بالدم والفرث .‬
    ‫وفي صحيح البخاري أيضا عن أنس بن مالك رضي اهلل عنه أن النبي صلى اهلل عليه وسلم لما خطب يوم عيد األضحى قال : فانكفأ إلى‬
                                                                           ‫كبشين يعنى فذبحهما ثم انكفأ الناس إلى غنيمة فذبحوها (21) .‬
‫وعن جابر رضي اهلل عنه قال : صلى بنا رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم يوم النحر بالمدينة فتقدم رجال فنحروا وظنوا أن النبي صلى اهلل عليه‬
‫وسلم قد نحر، فأمر النبي صلى اهلل عليه وسلم من كان نحر قبله أن يعيد بنحر آخر ، وال ينحروا حتى ينحر النبي صلى اهلل عليه وسلم رواه‬
                                                                                                                           ‫أحمد ومسلم (11).‬
‫وينتهي وقت األضحية بغروب الشمس من آخر يوم من أيام التشريق ، وهو اليوم الثالث عشر من ذي الحجة ، فيكون الذبح في أربعة أيام :‬
    ‫يوم العيد ، واليوم الحادي عشر ، واليوم الثاني عشر ، واليوم الثالث عشر . وثالث ليال : ليلة الحادي عشر ، وليلة الثاني عشر ، وليلة‬
                                                                                                                                ‫الثالث عشر .‬
   ‫هذا هو القول الراجح من أقوال أهل العلم ، وبه قال علي بن أبي طالب -رضي اهلل عنه -في إحدى الروايتين عنه ، قال ابن القيم : وهو‬
          ‫مذهب إمام أهل البصرة الحسن البصري ، وإمام أهل الشام األوزاعي ، وإمام فقهاء أهل الحديث الشافعي ، واختاره ابن المنذر .‬
‫قلت : واختاره الشيخ تقي الدين بن تيميه وهو ظاهر ترجيح ابن القيم لقوله تعالى : ( لِيَشهدوا منَافِع لَهم ويَذكروا اسم اللَّه فِي أَيَّام معلُومات‬
‫ٍ ْ ٍ‬
   ‫َ َ‬
                     ‫ِ‬
                            ‫ْ َ ُ َ َ ُ ْ َ ُُْ ْ َ‬
                                                                                                                   ‫َ َ ََ ُ ْ ِ ْ ِ َ ِ َ ِ‬
‫علَى ما رزقَ هم من بَهيمة األَنْعام)(الحج: 82 ) (51). قال ابن عباس رضي اهلل عنهما : األيام المعلومات : يوم النحر ، وثالثة أيام بعده (61).‬

                                                                      ‫8‬
‫أحكام االضحية والذكاة‬



  ‫وعن جبير بن مطعم رضي اهلل عنه أن النبي صلى اهلل عليه وسلم قال : (( كل أيام التشريق ذبح )) رواه أحمد ، والبيهقي ، وابن حبان في‬
‫صحيحه (71)، وأعل باالنقطاع لكن يؤيده قوله صلى اهلل عليه وسلم : (( أيام التشريق أكل وشرب وذكر هلل عز وجل )) . رواه مسلم(81) .‬
                                                                ‫ً‬
    ‫فجعل النبي صلى اهلل عليه وسلم باب هذه األيام واحدا في كونها أيام ذكر هلل عز وجل ، وهذا يتناول الذكر المطلق والذكر المقيد على‬
‫بهيمة األن عام ، وألن هذه األيام كة في جميع األحكام ما عدا محل النزاع ، فكلها أيام منى ، وأيام رمي للجمار ، وأيام ذكر هلل وصيامها‬
                                                                                               ‫مشتر‬
                                                           ‫حرام ، فما الذي يخرج الذبح عن ذلك حتى يختص منها باليومين األولين ؟‬
  ‫والذبح في النهار أفضل ، ويجوز في الليل ؛ ألن األيام إذا أطلقت دخلت فيها الليالي ، ولذلك دخلت الليالي في األيام في الذكر حيث‬
                                                ‫كانت وقتا له كما كان النهار وقتا له ، فكذلك تدخل في الذبح فتكون وقتا له كالنهار .‬
                                          ‫وال يكره الذبح في الليل ؛ ألنه ال دليل على الكراهة ، والكراهة حكم شرعي يفتقر إلى دليل .‬
  ‫وأما ما روى عن ابن عباس رضي اهلل عنهما أن النبي صلى اهلل عليه وسلم نهى عن الذبح ليال ، فقال في (( التلخيص )) : فيه سليمان بن‬
                                                                                                 ‫سلمة الخبائري ، وهو متروك (91).‬
       ‫وأما قول بعضهم : يكره الذبح ليال خروجا من الخالف ؛ فالتعليل ليس حجة شرعية ، قال شيخ اإلسالم ابن تيمبة : تعليل األحكام‬
‫بالخالف علة باطلة في نفس األمر ، فإن الخالف ليس من الصفات التي يعلق الشارع بها األحكام ، فإنه وصف حادث بعد النبي صلى اهلل‬
                                        ‫عليه وسلم ولكن يسلكه من لم يكن عارفا باألدلة الشرعية في نفس األمر لطلب االحتياط . اه .‬
   ‫كثير من المسائل الخالفية لم يراع فيها جانب الخالف ، ولم يؤثر الخالف فيها شيئا ، وها هو الخالف هنا ثابت في امتداد وقت ذبح‬
                                                                                                                          ‫و‬
    ‫األضحية إلى ما بعد يوم النحر . ولم يقل القائلون بامتداده أنه يكره الذبح فيما بعد يوم العيد ، لكن إن قوي دليل المخالف بحيث يثير‬
                                                              ‫شبهة ؛ كانت مراعاته من باب : (( دع ما يريبك إلى ما ال يريبك ))(13) .‬




                                                               ‫9‬
‫أحكام االضحية والذكاة‬




                                                               ‫الفصل الثالث‬


                                                   ‫في جنس ما يضحى به وعمن يجزئ ؟‬


     ‫الجنس الذي يضحى به : بهيمة األنعام فقط لقوله تعالى : ( ولِكل أُمة جعلْنَا منسكاً لِيَذكروا اسم اللَّه علَى ما رزقَ هم من بَهيمة األَنْعام)‬
      ‫ْ ُ ْ ِ َ َ ََ ُ ْ ِ ْ ِ َ ِ َ ِ‬
                                                 ‫َ‬     ‫ُ‬
                                                                              ‫ٍ‬
                                                                  ‫َ ُ ِّ َّ َ َ َ ْ َ‬
 ‫(الحج: 31) . وبهيمة األنعام هي : اإلبل ، والبقر ، والغنم من ضأن ومعز ، جزم به ابن كثير وقال : قاله الحسن وقتادة وغير واحد ، قال‬
     ‫ابن جرير : كذلك هو عند العرب . اه . ولقوله صلى اهلل عليه وسلم : (( ال تذبحوا إال مسنة إال أن تعسر عليكم فتذبحوا جذعة من‬
                                                                                                                 ‫و‬
                               ‫الضأن )) . رواه مسلم(23) . والمسنة : الثنية فما فوقها من اإلبل والبقر والغنم ، قاله أهل العلم رحمهم اهلل .‬
‫وألن األضحية عبادة كالهدي ، فال يشرع منها إال ما جاء عن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ، ولم ينقل عنه صلى اهلل عليه وسلم أنه أهدى‬
                      ‫أو ضحى بغير اإلبل والبقر والغنم . واألفضل منها : اإلبل ثم البقر ثم الضأن ثم المعز ثم سبع البعير ثم سبع البقرة .‬
‫واألفضل من كل جنس أسمنه ، وأكثره لحما ، وأكمله خلقة ، وأحسنه منظراً ، وفي (( صحيح البخاري )) عن أنس بن مالك رضي اهلل عنه‬
                                    ‫أن النبي صلى اهلل عليه وسلم كان يضحي بكبشين أقرنين أملحين(23) . واألملح ما خالط بياضه سواد .‬
   ‫وعن أبي سعيد الخدري رضي اهلل عنه قال : ضحى رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم بكبش أقرن فحيل يأكل في سواد ، وينظر في سواد ،‬
                                                                     ‫ويمشي في سواد . أخرجه األربعة . وقال الترمذي : حسن صحيح (13).‬
‫وعن أبي رافع مولى النبي صلى اهلل عليه وسلم قال : كان النبي صلى اهلل عليه وسلم إذا ضحى اشترى كبشين سمينين ، وفي لفظ : موجوأين‬
     ‫يعنى خصيين . رواه أحمد (33). فالفحل أفضل من الخص ي من حيث كمال الخلقة ؛ ألن جميع أعضائه لم يفقد منها شيء ، والخصي‬
                                                                                                ‫أفضل من حيث أنه أطيب لحما في الغالب .‬


                                                                                                                                         ‫فصل‬



                                                                    ‫01‬
‫أحكام االضحية والذكاة‬



‫وتجزئ الواحدة من الغنم عن الشخص الواحد ، ويجزئ سبع البعير أو البقرة عما تجزئ عنه الواحدة من الغنم ؛ لحديث جابر رضي اهلل عنه‬
‫قال : نحرنا مع رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم عام الحديبية البدنة عن سبعة ، والبقرة عن سبعة . رواه مسلم (53). وفي رواية قال خرجنا مع‬
‫رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم مهلين بالحج فأمرنا رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم أن نشترك في اإلبل والبقر ، كل سبعة منا في بدنة (63) .‬
 ‫ففي هذا دليل على أن سبع البعير أو البقرة قائم مقام الواحدة من الغنم ، ومجزئ عما تجزئ عنه ؛ ألن الواجب في اإلحصار والتمتع هدي‬
   ‫ع لى كل واحد ، وقد جعل النبي صلى اهلل عليه وسلم البدنة عن سبعة فدل على أن سبعها يحل محل الواحدة من الغنم ويكون بدال عنها‬
                                                                                                              ‫والبدل له حكم المبدل .‬
                                                           ‫فأما اشترك عدد في واحدة من الغنم أو في سبع بعير أو بقرة ؛ فعلى وجهين :‬
        ‫الوجه األول : االشتراك في الثواب ، بأن يكون مالك األضحية واحد ويشرك معه غيره من المسلمين في ثوابها فهذا جائز مهما كثر‬
      ‫األشخاص فإن فضل اهلل واسع ، وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي اهلل عنها في قصة أضحيته بكبش قال لها : (( يا عائشة ، هلمي‬
‫المدية )) ( يعني السكين ) ثم قال : (( اشحذيها بحجر )) ففعلت ، ثم أخذها وأخذ الكبش فأضجعه ثم ذبحه ثم قال (( بسم اهلل ، اللهم‬
                                                                     ‫تقبل من محمد ومن آل محمد ومن أمة محمد )) ثم ضحي به (73).‬
‫وفي مسند اإلمام أحمد من حديث عائشة وأبي رافع رضي اهلل عنهما أن النبي صلى اهلل عليه وسلم كان يضحي بكبشين : أحدهما عنه وعن‬
         ‫آله ، واآلخر عن أمته جميعا (83) . ومن حديث جابر وأبي سعيد رضي اهلل عنهما يضحي بكبش عنه وعمن لم يضح من أمته (93) .‬
     ‫وعن أبي أيوب األنصاري رضي اهلل عنه قال : كان الرجل في عهد النبي صلى اهلل عليه وسلم يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته فيأكلون‬
                                                                                      ‫ويطعمون ، رواه ابن ماجه والترمذي وصححه (15).‬
   ‫فإذا ضحى الرجل بالشاة عنه وعن أهل بيته أو من شاء من المسلمين صح ذلك ، وإذا ضحى بسبع البعير أو البقرة عنه وعن أهل بيته أو‬
 ‫من شاء من المسلمين صح ذلك ، لما سبق من أن النبي صلى اهلل عليه وسلم جعل السبع منهما قائما مقام الشاة في الهدي ، فكذلك في‬
                                                                                                                    ‫األضحية وال فرق .‬
    ‫ومن تراجم صاحب (( المنتقى )) : باب أن البدنة من اإلبل والبقر عن سبع شياه وبالعكس . وقال في كتابه المحرر : ويجزئ عن الشاة‬
                                          ‫سبع من بدنة ، وعن البدنة بقرة ، وقال في (( الكافي )) في تعليل له : ألن كل سبع مقام شاة .‬
    ‫الوجه الثاني : االشتراك في الملك ، بأن يشترك شخصان فأكثر في ملك أضحية ويضحيا بها ، فهذا ال يجوز ، وال يصح أضحية إال في‬
  ‫اإلبل والبقر إلى سبعة فقط ، وذلك ألن األضحية عبادة وقربة إلى اهلل تعالى ، فال يجوز إيقاعها وال التعبد بها إال على الوجه المشروع زمناً‬
                                                                                                                        ‫وعدداً كيفية .‬
                                                                                                                              ‫و‬
                                                                ‫ٍ‬         ‫ِ‬
     ‫فإن قيل : لماذا ال يصح وقد قال اهلل تعالى : ( فَمن يَعمل مثْ قال ذرة خيراً يَرهُ) (الزلزلة:7) . كما لو كا في شراء لحم فتصدقا به‬
                            ‫اشتر‬   ‫و‬                  ‫َ ْ ْ َ ْ َ َ َ َّ َ ْ َ‬
                                                                                                        ‫ولكل منهما من األجر بحسبه ؟‬
  ‫فالجواب : أنه ليس المقصود من األضحية مجرد اللحم لالنتفاع أو الصدقة به ، وإنما المقصود باألضحية إقامة شعيرة من شعائر اهلل على‬
     ‫الوجه الذي شرعه اهلل ورسوله ، فوجب تقييدها بحسب ما جاء به الشرع ، ولذلك فرق النبي صلى اهلل عليه وسلم بين شاة اللحم وشاة‬
                                                                 ‫11‬
‫أحكام االضحية والذكاة‬



‫النسك حيث قال : (( من ذبح قبل الصالة فشاته شاة اللحم أو فهو لحم قدمه ألهله ، ومن ذبح بعد الصالة ؛ فقد أصاب النسك أو قال‬
   ‫: فقد تم نسكه ، وأصاب سنة المسلمين ))(25) ، كما فرق صلى اهلل عليه وسلم في كاة الفطر بين ما دفع قبل الصالة وما دفع بعدها ،‬
                                                 ‫ز‬
  ‫فاألول كاة مقبولة ، والثاني صدقة من الصدقات ، مع أن كال منهما صاع من طعام ، لكن لما كان المدفوع قبل الصالة على وفق الحدود‬
                                                                                                                   ‫ز‬
      ‫الشرعية ؛ كان كاة مقبولة ، ولما كان المدفوع بعدها على غير وفق الحدود الشرعية ؛ لم يكن كاة مقبولة ، وهذه هي القاعدة العامة‬
                                        ‫ز‬                                                                       ‫ز‬
    ‫الشرعية . قال النبي صلى اهلل عليه وسلم : (( من عمل عمال ليس عليه أمرنا فهو رد ))(25) ، أي : مردود على صاحبه ، وإن كانت نيته‬
                                                                                                           ‫حسنة ؛ لعموم الحديث .‬
‫ولو كان التشريك في الملك جائزا في األضحية بغير اإلبل والبقر ؛ لفعله الصحابة رضي اهلل عنهم ؛ لقوة المقتضى لفعله فيهم ، فإنهم كانوا‬
 ‫أحرص الناس على الخير ، وفيهم فقراء كثيرون قد ال يستطيعون ثمن األضحية كاملة ، ولو فعلوه لنقل عنهم ؛ ألنه مما تتوفر الدواعي على‬
                                                                                                             ‫نقله لحاجة األمة إليه .‬
‫وال أعلم في ذلك حديثا إال ما رواه اإلمام أحمد من حديث أبي األشد عن أبيه عن جده قال : كنت سابع سبعة مع رسول اهلل صلى اهلل عليه‬
  ‫وسلم ، فأمرنا نجمع لكل واحد منا درهماً فاشترينا أضحية بسبعة دراهم فقلنا : يا رسول اهلل ، لقد أغلينا بها فقال : (( إن أفضل الضحايا‬
 ‫أغالها وأسمنها ))فأمر رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم فأخذ رجل برجل ، ورجل برجل ، ورجل بيد ، ورجل بيد، ورجل بقرن ، ورجل بقرن ،‬
                                                                                             ‫وذبحها السابع كبرنا عليها جميعا (15).‬
                                                                                                                   ‫و‬
  ‫قال الهيثمي : أبو األشد لم أجد من وثقه وال من جرحه ، كذلك أبوه . اه، . وقال في بلوغ األماني شرح ترتيب المسند )) : والظاهر أن‬
                                                                        ‫و‬
‫هذه األضحية كانت من البقر ؛ ألن الكبش ال يجزئ عن سبعة ، والبعير ال قرون له ، والبقرة هي التي تجزئ عن سبعة ولها قرون ، فتعين أن‬
 ‫تكون من البقر واهلل أعلم . وما استظهره ظاهر ، ويؤيده أن الكبش ال يحتاج أن يمسك به السبعة ، وفي إمساكهم به عسر وضيق ، ويكفي‬
‫في إمساكه واحد ، اللهم إال أن يقال : إن تكلف إمساكهم به ليس من أجل استعصائه ؛ بل من أجل أن يحصل اشتراك الجميع في ذبحه ،‬
                                                                                                                         ‫واهلل أعلم.‬
     ‫ونزل ابن القيم هذا الحديث على معنى آخر وهو أن هؤالء السبعة كانوا رفقة واحدة فنزلهم النبي صلى اهلل عليه وسلم منزلة أهل البيت‬
                                                                                                      ‫الواحد في إجزاء الشاة عنهم .‬
 ‫قلت : وفيه شيء ؛ ألن أهل البيت ال كون في األضحية اشتراك ملك ، وإنما يضحي الرجل عنه ، وعن أهل بيته من ماله وحده فيتأدى‬
                                                                                   ‫يشتر‬
                                                                                                     ‫به شعار األضحية عن الجميع .‬
      ‫وقد صرح الشافعية بمنع التشريك في الملك دون الثواب فقال النووي في (( المنهاج وشرحه )) : لو اشترك اثنان في شاة لم تجز ،‬
       ‫واألحاديث كذلك كحديث : (( اللهم هذا عن محمد ، وآل محمد )) (35)، على أن المراد التشريك في الثواب ال األضحية . اه .‬
‫وفي (( شرح المهذب )) : لو اشترك اثن ان في شاتين للتضحية لم تجزئهما في أصح الوجهين ، وال يجزئ بعض شاة بال خالف بكل حال .‬
‫اه . وحمل حديث : (( اللهم هذا عن محمد ، وآل محمد )) ، محمولة على أن المراد التشريك في الثواب متعين وظاهر ؛ فإن آل محمد‬


                                                               ‫21‬
‫أحكام االضحية والذكاة‬



  ‫صلى اهلل عليه وسلم لم يكونوا كونه في شرائها ، وقد سبق في حديث أبي رافع قوله : فمكثنا سنين ليس لرجل من بني هاشم يضحي‬
                                                                                       ‫يشار‬
                                                                           ‫قد كفاه اهلل المؤونة برسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم والغرم .‬
‫وعلى هذا فإذا وجد وصايا لجماعة ، كل واحد موص بأضحية ولم يكف المغل كل واحد منهم ألضحيته التي أوصى بها ؛ فإنه ال يجوز جمع‬
             ‫هذه الوص ايا في أضحية واحدة لما عرفت من أنه ال يجوز اشتراك اثنين فأكثر اشتراك ملك في األضحية إال في اإلبل والبقر .‬
 ‫لكن لو اشترك شخصان فاكثر في واحدة من الغنم أو في سبع من بعير أو بقرة ليضحيا به عن شخص واحد ؛ فالظاهر الجواز ، فلو اشترى‬
‫اثنان شاة أو كانا يملكانها بإرث أو هبة أو نحوهما ثم ضحيا بها عن أمهما أو عن أبيهما جاز ، ألن األضحية هنا لم تكن عن أكثر من واحد‬
                                              ‫، كما دفعا ثمنها إلى أمهما أو أبيهما فاشترى به أضحية فضحى بها ؛ فهو جائز بال ريب .‬
                                                                                                                             ‫و‬
‫كذلك لو تعدد الموصون باألضحية واتحد الموصى له بها ولم تكف غلة كل منهما ألضحيته ؛ فالظاهر جواز جمع وصيتيهما مثل أن يوصي‬
                                                                                                                     ‫و‬
 ‫أخوان كل واحد منهما بأضحية لوالدتهما ثم ال تكفي غلة كل واحد منهما ألضحية كاملة فتجمع الوصيتان في أضحية واحدة قياسا على ما‬
                             ‫لو كا في أضحية لها حال الحياة ، وهذا ما ظهر لي في هذين الفرعين ، والعلم عند اهلل سبحانه وتعالى .‬
                                                                                                                         ‫اشتر‬




                                                            ‫الفصل الرابع‬


                                      ‫في شروط ما يضحى به ، وبيان العيوب المانعة من اإلجزاء‬


                    ‫األضحية عبادة وقربة إلى اهلل تعالى فال تصح إال بما يرضاه سبحانه ، وال يرضى اهلل من العبادات إال ما جمع شرطين :‬
  ‫أحدهما : اإلخالص هلل تعالى ، بأن يخلص النية له ، فال يقصد رياء وال سمعة وال رئاسة وال جاهاً ، وال عرضاً من أعراض الدنيا ، وال تقربا‬
                                                                                                                        ‫إلى مخلوق .‬
                                                                ‫31‬
‫أحكام االضحية والذكاة‬



 ‫الثاني : المتابعة لرسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ، قال اهلل تعالى : ( وما أُمروا إِالَّ لِيَ عبُدوا اللَّه مخلِصين لَهُ ِّين حنَ فاء)(البينة: 5) فإن لم‬
                    ‫َ ُ ْ َ الد َ ُ َ َ‬
                                        ‫ِ‬              ‫ُْ‬                  ‫ِ‬
                                                                          ‫ََ ُ‬
 ‫تكن خالصة هلل ؛ فهي غير مقبولة ، قال اهلل تعالى في الحديث القدسي : (( أنا أغنى كاء عن الشرك ، ومن عمل عمال أشرك فيه معي‬
                                        ‫الشر‬
                                                                                                                         ‫غيري كته كه )) (55) .‬
                                                                                                                                    ‫تر وشر‬
  ‫كذلك إن لم تكن على سنة رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم فهي مردودة ، لقول النبي صلى اهلل عليه وسلم : (( من عمل عمال ليس عليه‬
                                                                                                                         ‫و‬
                                         ‫أمرنا فهو رد )) (65) وفي رواية : (( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ))(75) ، أي مردود .‬
                                                   ‫وال تكن األضحية على أمر النبي صلى اهلل عليه وسلم إال باجتماع شروطها وانتفاء موانعها .‬
   ‫وشروطها أنواع : منها ما يعود للوقت ، ومنها ما يعود لعدد المضحين بها ، وسبق تفصيل القول فيهما ، ومنها ما يعود للمضحي به وهي‬
                                                                                                                                                ‫أربعة :‬
‫األول : أن يكون ملكا للمضحي غير متعلق به حق غيره ، فال تصح األضحية بما ال يملكه ؛ كالمغصوب والمسروق والمأخوذ بدعوى باطلة‬
   ‫ونحوه ؛ ألن األضحية قربة إلى اهلل عز وجل ، وأكل مال الغير بغير حق معصية ، وال يصح التقرب إلى اهلل بمعصية ، وال تصح األضحية‬
   ‫أيضا بما تعلق به حق الغير كالمرهون إال برضا من له الحق ، ونقل في (( المغني )) عن أبي حنيفة فيمن غصب شاة فذبحها عن الواجب‬
                                        ‫عليه تجزئه إن رضي مالكها ، ووجهه أنه إنما منع منها لحق الغير ، فإذا علم رضاه بذلك زال المانع .‬
                                 ‫الثاني : أن يكون من الجنس الذي عينه الشارع ، وهو اإلبل والبقر والغنم ضأنها ومعزها ، وسبق بيان ذلك .‬
   ‫الثالث : بلوغ السن المعتبر شرعا ، بأن تكون ثنيا إن كان من اإلبل أو البقر أو المعز ، وجذعا إن كان من الضأن ؛ لقول النبي صلى اهلل‬
                                         ‫عليه وسلم (( ال تذبحوا إال مسنة إال أن تعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن )) رواه مسلم (85) .‬
 ‫وظاهره ال تجزئ الجذعة من الضأن إال عند تعسر المسنة ، ولكن حمله الجمهور على أن هذا على سبيل األفضلية وقالوا : تجزئ الجذعة‬
‫من الضأن ولو مع وجود الثنية وتيسرها ، واستدلوا بحديث أم بالل امرأة من أسلم عن أبيها هالل عن النبي صلى اهلل عليه وسلم قال : ((‬
                                                                ‫يجوز الجذع من الضأن ضحية )) ، رواه أحمد وابن ماجه(95) وله شواهد منها :‬
‫حديث عقبة بن عامر رضي اهلل عنه قال : ضحينا مع رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم بالجذع من الضأن ، رواه النسائي(16) ، قال في (( نيل‬
                                                                                                                   ‫األوطار )) : إسناد رجاله ثقات .‬
 ‫ومنها حديث أبي هريرة رضي اهلل عنه قال سمعت رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم يقول : (( نعم أو نعمت األضحية الجذع من الضأن )) ،‬
  ‫رواه أحمد والترمذي (26). وفي (( الصحيحين )) عن عقبة بن عامر رضي اهلل عنه أن النبي صلى اهلل عليه وسلم قسم بين أصحابه ضحايا‬
                                                    ‫فصارت لعقبة جذعة ، فقال يا رسول اهلل ، صارت لي جذعة ، فقال : (( ضح بها )) (26).‬
‫فالثني من اإلبل : ما تم له خمس سنين ، والثني من البقر ما تم له سنتان ، والثني من الغنم ضأنها ومعزها ما تم له سنة ، والجذع من الضأن‬
                                                                                                                              ‫: ما تم له نصف سنة .‬
‫الرابع : السالمة من العيوب المانعة من اإلجزاء ، وهي المذكورة في حديث البراء بن عازب رضي اهلل عنه قال : قام فينا رسول اهلل صلى اهلل‬
   ‫عليه وسلم فقال : (( أربع ال تجوز في األضاحي وفي رواية : ال تجزئ : العوراء البين عورها ، والمريضة البين مرضها ، والعرجاء البين‬
                                                                        ‫41‬
‫أحكام االضحية والذكاة‬



   ‫ظلعها ، والكسير التي ال تنقي )) . رواه الخمسة . وقال الترمذي : حسن صحيح(16) . والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم ، وفي‬
  ‫رواية للنسائي قلت : يعني للبراء فإني أكره أن يكون نقص في القرن ، وفي أخري أكره أن يكون في القرن نقص، أو أن يكون في السن‬
                                                                 ‫نقص ، فقال يعنى البراء : ما كرهت فدعه وال تحرمه على أحد (36).‬
   ‫وقد صحح النووي في (( شرح المهذب )) هذا الحديث وقال : قال أحمد بن حنبل : ما أحسنه من حديث ، ورواه مالك في الموطأ ))‬
  ‫عن البراء بن عا زب بلفظ : سئل النبي صلى اهلل عليه وسلم : ماذا يتقى من الضحايا ؟ فأشار بيده وقال : (( أربعا : العرجاء البين ظلعها ،‬
‫والعوراء البين عورها ، والمريضة البين مرضها ، والعجفاء التي ال تنقي )) (56) وذكرت العجفاء في رواية الترمذي وفي رواية النسائي بدال عن‬
                                                                                                                              ‫الكسير .‬
                                                                             ‫فهذه أربع منصوص على منع األضحية بها وعدم إجزائها .‬
  ‫األولى : العوراء البين عورها ، وهي التي انخسفت عينها أو برزت ، فإن كانت ال تبصر بعينها ولكن عورها غير بين أجزأت ، والسليمة من‬
                                                                                                                            ‫ذلك أولى .‬
       ‫الثانية : المريضة البين مرضها ، وهي التي ظهر عليه آثار المرض مثل الحمى التي تقعدها عن المرعى ، ومثل الجرب الظاهر المفسد‬
    ‫للحمها أو المؤثر في صحتها ، ونحو ذلك مما يعده الناس مرضا بينا ، فإن كان فيها كسل أو فتور ال يمنعها من المرعى واألكل أجزأت‬
                                                                                                                ‫لكن السالمة منه أولى .‬
    ‫الثالثة : العرجاء البين ظلعها ، وهي التي ال تستطيع معانقة السليمة في الممشى ، فإن كان فيها عرج يسير ال يمنعها من معانقة السليمة‬
                                                                                                          ‫أجزأت ، والسالمة منه أولى .‬
 ‫الرابعة : الكسيرة أو العجفاء ( يعنى الهزيلة ) التي ال تنقي ، أي ليس فيها مخ ، فإن كانت هزيلة فيها مخ أو كسيرة فيها مخ أجزأت إال أن‬
                                                                                        ‫يكون فيها عرج بين ، والسمينة السليمة أولى .‬
‫هذه هي األربع المنصوص عليها ، وعليها أهل العلم ، قال في (( المغني )) : ال نعلم خالفا في أنها تمنع اإلجزاء . اه . ويلحق بهذه األربع‬
                                                                                                  ‫ما كان بمعناها أو أولى ، فيلحق بها :‬
                                                        ‫العمياء : التي ال تبصر بعينها ؛ ألنها أولى بعدم اإلجزاء من العوراء البين عورها .‬
   ‫فأما العشواء التي تبصر في النهار ، وال تبصر في الليل فصرح الشافعية بأنها تجزئ ؛ ألن في ذلك ليس عورا بينا وال عمى دائما يؤثر في‬
                                                                                               ‫رعيها ونموها ، ولكن السالمة منه أولى .‬
    ‫الثانية : المبشومة حتى تثلط ؛ ألن البشم عارض خطير كالمرض البين ، فإذا ثلطت زال خطرها وأجزأت إن لم يحدث لها بذلك‬
                                                                                                                            ‫مرض بين .‬
‫الثالثة : ما أخذتها الوالدة حتى تنجو ؛ ألن ذلك خطر قد يودي بحياتها ، فأشبه المرض البين ، ويحتمل أن تجزئ إذا كانت والدتها‬
                                                                               ‫على العادة ولم يمض عليها زمن يتغير به اللحم ويفسد .‬


                                                               ‫51‬
‫أحكام االضحية والذكاة‬



‫الرابعة : ما أصابها سبب الموت كالمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع ؛ ألن هذه أولى بعدم اإلجزاء من المريضة‬
                                                                                              ‫البين مرضها ، والعرجاء البين ظلعها .‬
                             ‫الخامسة: الزمنى وهي العاجزة عن المشي لعاهة ؛ ألنها أولى بعدم اإلجزاء من العرجاء البين ظلعها .‬
                            ‫فأم ا العاجزة عن المشي لسمن فصرح المالكية بأنها تجزئ ، ألنه ال عاهة فيها وال نقص في لحمها .‬
       ‫السادسة: مقطوعة إحدى اليدين أو الرجلين ؛ ألنها أولى بعدم اإلجزاء من العرجاء البين ظلعها ، وألنها ناقصة بعضو مقصود‬
                                                                                                        ‫فأشبهت ما قطعت أليتها .‬
‫هذه هي العيوب المانعة من اإلجزاء وهي عشرة : أربعة منها بالنص وستة بالقياس ، فمتى وجد واحد منها في بهيمة لم تجز التضحية‬
                                                               ‫بها ؛ لفقد أحد الشروط وهو السالمة من العيوب المانعة من اإلجزاء .‬




                                                             ‫61‬
‫أحكام االضحية والذكاة‬




                                                        ‫الفصل الخامس‬


                                               ‫في العيوب المكروهة في األضحية‬


   ‫ذكرنا في الفصل السابق العيوب المانعة من اإلجزاء المنصوص عليها والمقيسة ، وها نحن بعون اهلل نذكر العيوب المكروهة التي ال تمنع‬
                                                                                                                    ‫اإلجزاء وهي :‬
‫األولي : العضباء ، وهي مقطوعة القرن أو األذن ، لما روى قتادة عن جري بن كليب عن على بن أبي طالب رضي اهلل عنه أن النبي صلى اهلل‬
 ‫عليه وسلم نهي أن يضحي بأعضب األذن والقرن . قال قتادة : فذكرت ذلك لسعيد بن المسيب فقال : العضب : النصف فأكثر من ذلك‬
                                                                              ‫. رواه الخمسة . وقال الترمذي : حسن صحيح (66).‬
 ‫قلت : جري بن كليب قال عنه في (( خالصة التذهيب )) : روى عنه قتادة فقط . وقال أبو حاتم : ال يحتج به . اه . ولذلك قال‬
                                                                       ‫في (( الفروع )) وفي صحة الخبر يعنى خبر العضب نظر .‬
                                                                ‫فأما مفقودة القرن واألذن بأصل الخلقة فال تكره ، لكن غيرها أولى .‬
                                                                         ‫الثانية : المقابلة ، وهي التي شقت أذنها من األمام عرضاً .‬
                                                                        ‫الثالثة : المدابرة ، وهي التي شقت أذنها من الخلف عرضاً .‬
                                                                                   ‫الرابعة : الشرقاء ، وهي التي شقت أذنها طوال .‬
                                                                                     ‫الخامسة : الخرقاء ، وهي التي خرقت أذنها .‬
    ‫لحديث على رضي اهلل عنه ، قال أمرنا رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم أن نستشرف العين واألذن ، وأن ال نضحي بمقابلة وال مدابرة وال‬
                                                                ‫شرقاء وال خرقاء . رواه الخمسة ،وقال الترمذي :حسن صحيح (76).‬


                                                             ‫71‬
‫أحكام االضحية والذكاة‬



‫وأخرجه ابن حبان والحاكم والبيهقي والبزار(86) ، وأعله الدارقطني ، ونقل في (( عون المعبود )) عن البخاري أن هذا الحديث لم يثبت رفعه‬
                                                                                                                        ‫، واهلل أعلم .‬
 ‫السادسة ، المصفرة ، وهي التي تستأصل أذنها حتى يبدو صماخها ، وهكذا في الخبر ، وفي (( التلخيص )) : أنها المهزولة ، وذكرها في‬
                                                                                                          ‫النهاية بقيل كذا وقيل كذا .‬
                                                                               ‫السابعة : المستأصلة ، وهي التي ذهب قرنها من أصله .‬
     ‫الثامنة : البخقاء ، وهي التي بخقت عينها ، قال في (( النهاية )) : والبخق أن يذهب البصر وتبقى العين قائمة . وفي (( القاموس )) :‬
                        ‫البخق أقبح العور وأكثره غمصا ، وعلى هذا فإذا كان البخق عورا بينا لم تجز كما يدل عليه حديث البراء السابق .‬
   ‫التاسعة : المشيعة ، وهي التي ال تتبع الغنم عجفاً وضعفا ، تكون وراء الغنم كالمشيع للمسافر ، وقيل بفتح الياء لحاجتها إلى من يشيعها‬
       ‫لتلحق بالغنم ، وهذه إن لم يكن فيها م خ فال تجزئ لحديث البراء ، وإن كان فيها مخ وال تستطيع معانقة الغنم لم تجز أيضا ؛ ألنها‬
 ‫كالعرجاء البين ظلعها ، وإن كانت تستطيع معانقة الغنم إذا زجرت فهي مكروهة ؛ لحديث يزيد ذي مصر قال : أتيت عتبة بن عبد السلمي‬
     ‫فقلت : يا أبا الوليد ، إني خرجت ألتمس الضحايا فلم أجد شيئا يعجبني غير ثرماء فما تقول ؟ . قال : أال جئتني أضحي بها ؟ قلت :‬
          ‫سبحان اهلل ، تجوز عنك وال تجوز عني . قال نعم ، إنك تشك وال أشك ، إنما نهى رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم عن المصفرة‬
  ‫والمستأصلة والبخقاء والمشيعة ، والكسراء ، فالمصفرة التي تستأصل أذنها حتى يبدو صماخها ، والمستأصلة التي ذهب قرنها من أصله،‬
‫والبخقاء التي تبخق عينها ، والمشيعة التي ال تتبع الغنم عجفاء وضعفا ، والكسراء التي ال تنقي ، رواه أحمد وأبو داود والبخاري في تاريخه‬
            ‫، وقال الحاكم : صحيح اإلسناد ولم يخرجاه(96) . وقوله : والكسراء التي ال تنفي سبق ذكرها في العيوب المانعة من اإلجزاء .‬
 ‫وإنما قلنا : هذه العيوب التسعة مكروهة لورود النهي أو األمر بعدم التضحية بما عاب بها ، ولم نقل : إنها مانعة من اإلجزاء ؛ ألن حديث‬
 ‫البراء بن عازب رضي اهلل عنه خرج مخرج البيان والحصر ؛ ألنه جواب سؤال ، والظاهر أنه كان حال خطبة وإعالن ، ولو كان غير العيوب‬
   ‫المذكورة فيه مانعاً من اإلجزاء ؛ للزم ذكره المتناع تأخير البيان عن وقت الحاجة ، فالجمع بينه وبين هذه األحاديث ال يتأتى إال على هذا‬
                                                                                                                    ‫الوجه بأن نقول :‬
‫العيوب المذكورة في حديث البراء مانعة من اإلجزاء ، والعيوب المذكورة في هذه األحاديث موجبة للكراهة غير مانعة من اإلجزاء لما يقتضيه‬
‫سياق حديث البراء ؛ وألنها دون العيوب المذكورة فيه ، وقد فهم الترمذي رحمه اهلل ذلك فترجم على حديث البراء : ( باب ما ال يجوز من‬
                                                                       ‫األضاحي ) وعلى حديث علي : ( باب ما يكره من األضاحي ) .‬
                                                                                               ‫ويلحق بهذه العيوب المكروهة ما يأتي :‬
     ‫األولى : البتراء من اإلبل والبقر والمعز ، وهي التي قطع ذنبها ، فتكره التضحية بها قياسا على العضباء ؛ ألن في الذنب مصلحة كبيرة‬
                                                            ‫للحيوان ودفاعا عما يؤذيه ، وجماال لمؤخره ، وفي قطعه فوات هذه األمور .‬
                                                                                   ‫فأما البتراء بأصل الخلقة فال تكره لكن غيرها أولى .‬
                           ‫وأما البتراء من الضأن وهي التي قطعت أليتها أو أكثرها فال تجزئ ؛ ألن ذلك نقص بين في جزء مقصود منها .‬
                                                                ‫81‬
‫أحكام االضحية والذكاة‬



‫فأما إن قطع من أليتها النصف فأقل فإنها تجزئ مع الكراهة قياسا على العضباء ، قال الشافعية : إال التطريف وهو قطع شي يسير من طرف‬
                                                                   ‫األلية ، فإنه ال يضر ؛ ألن ذلك ينجبر بزيادة سمنها فأشبه الخصاء .‬
  ‫وأما مفقودة األلية بأصل الخلقة فإن كانت من جنس ال ألية له في العادة أجزأت بدون كراهة ؛ ألنها ال نقص فيها عن جنسها ، وإن كانت‬
  ‫من جنس له ألية في العادة لكن لم يخلق لها أجزأت ، وفي الكراهة تردد ؛ ألننا إذا نظرنا إليها باعتبار جنسها قلنا : إنها ناقصة بفقد جزء‬
‫مقصود لكن ال يمنع اإلجزاء ألنه بأصل الخلقة ، وإذا نظرنا إليها باعتبار الخلقة قلنا : إنها ناقصة فلم تكره كالجماء . وعلى كل حال فغيرها‬
                                                                                                                         ‫أولى منها .‬
 ‫الثانية : ما قطع ذكره فتكره التضحية به قياسا على العضباء ، ف أما ما قطعت خصيتاه فال تكره التضحية به لما سبق من الحديث : أن النبي‬
                                                            ‫صلى اهلل عليه وسلم ضحى به ، وألن الخصاء يزيد في سمنه وطيب لحمه .‬
‫الثالثة : الهتماء ، وهي التي سقط بعض أسنانها ، فتكره التضحية بها قياسا على عضباء القرن ، فإن في األسنان جماال ومنفعة ، ففقد شيء‬
                                                                                                                   ‫منها يخل بذلك .‬
                                                               ‫فإن فقد شيء منها بأصل الخلقة لم تكره إال أن يؤثر ذلك في اعتالفها .‬
                                                     ‫الرابعة : ما قطع شيء من حلمات ضرعها ، فتكره التضحية بها قياساً على العضباء.‬
                                                               ‫فإن فقد شيء منها بأصل الخلقة لم تكره قياسا على المخلوقة بال أذن .‬
    ‫وإن توقف ضرعها عن الدر فنش ف لبنها أجزأت بال كراهة ؛ ألنه ال نقص في لحمها وال في خلقتها ، واللبن غير مقصود في األضحية ،‬
                                                                     ‫واألصل اإلجزاء وعدم الكراهة حتى يقوم دليل على خالف ذلك .‬
‫هذه هي العيوب المكروهة التي يوجب وجودها في األضحية كراهة التضحية بها ، وال يمنع من إجزائها وهي ثالثة عشر : تسعة منها ورد بها‬
                   ‫النص ، وأربعة منها رأيناها مقيسة على ما ورد به النص ، وأسأل اهلل تعالى أن نكون فيها موفقين للصواب هداة مهتدين .‬


                                                          ‫الفصل السادس‬


                                                  ‫فيما تتعين به األضحية وأحكامه‬


                                                                                             ‫تتعين األضحية أضحية بواحد من أمرين :‬
                                                    ‫أحدهما : اللفظ بتعيينها أضحية بأن يقول : هذه أضحية قاصدا بذلك إنشاء تعيينها.‬
      ‫فأما إن قصد اإلخبار عما سيصرفها إليه في المستقبل ؛ فإنها ال تتعين بذلك ؛ ألن هذا إخبار عما في نيته أن يفعل ، وليس للتعيين .‬




                                                                ‫91‬
‫أحكام االضحية والذكاة‬



  ‫الثاني : ذبحها بنية األضحية ، فمتى ذبحها بنية األضحية ؛ ثبت لها حكم األضحية ، وإن لم يتلفظ بذلك قبل الذبح ، هذا هو المشهور‬
‫من مذهب اإلمام أحمد ، وهو مذهب الشافعي ، أعني أن األضحية تتعين بأحد هذين األمرين ، وزاد شيخ اإلسالم ابن تيمية أمراً ثالثاً وهو :‬
                                               ‫الشراء بنية األضحية ، فإذا اشتراها بنية األضحية تعينت ، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة .‬
 ‫واألول أرجح كما لو اشترى عبداً يريد عتقه فإنه ال يعتق ، كما لو اشترى بيتا ليجعله وقفا ؛ فإنه ال يصير وقفا بمجرد النية ، كما لو أخرج‬
           ‫و‬                                                               ‫و‬
    ‫من جيبه دراهم ليتصدق بها ؛ فإنها ال تتعين الصدقة بها بل هو بالخيار إن شاء أنفذها وإن شاء منعها . ويستثني من ذلك ما إذا اشترى‬
                                                                              ‫أضحية بدالً عن معينة فإنها تتعين بمجرد الشراء مع النية .‬
                                                                                                ‫وإذا تعينت أضحية تعلق بذلك أحكام :‬
           ‫أحدها : أنه ال يجوز نقل الملك فيها ببيع وال هبة وال غيرهما إال أن يبدلها بخير منها ، أو يبيعها ليشتري خيراً منها فيضحي به .‬
                                      ‫وإن مات من عينها لم ي ملك الورثة إبطال تعيينها ، ولزمهم ذبحها أضحية ، ويفرقون منها ويأكلون .‬
   ‫الثاني : أنه ال يجوز أن يتصرف فيها تصرفا مطلقا ، فال يستعملها في حرث ونحوه ، وال كبها بدون حاجة وال مع ضرر ، وال يحلب من‬
                                         ‫ير‬
  ‫لبنها ما فيه نقص عليها أو يحتاجه ولدها المتعين معها . وال يجز شيئا من صوفها ونحوه إال أن يكون أنفع لها ، وإذا جزه فليتصدق به أو‬
                                                                                                              ‫ينتفع ، والصدقة أفضل .‬
                                                                                 ‫الثالث : أنها إذا تعيبت عيباً يمنع اإلجزاء فله حاالن :‬
‫الحال األولى : أن يكون ذلك بدون فعل منه وال تفريط ؛ فيذبحها وتجزئه إال أن تكون واجبة في ذمته قبل التعيين ؛ ألنها أمانة عنده ، فإذا‬
                                                                                       ‫تعيبت بدون فعل منه وال تفريط فال حرج عليه .‬
                                  ‫مثال ذلك : أن يشتري شاةً فيعينها أضحية ، ثم تعثر وتنكسر بدون سبب منه فيذبحها وتجزئه أضحية .‬
      ‫فإن كانت واجبة في ذمته قبل التعيين كما لو نذر أن يضحي ثم عين عن نذره شاة فتعيبت بدون فعل من وال تفريط وجب عليه إبدالها‬
          ‫بسليمة تجزئ عما في ذمته ؛ ألن ذمته مشغولة بأضحية سليمة قبل أن يعينها ، فال يخرج من عهدة الواجب إال بأضحية سليمة .‬
 ‫الحال الثانية : أن يكون تعيبها بفعله أو تفريط ؛ فيلزمه إبدالها بمثلها على كل حال ، سواء كانت واجبة في ذمته قبل التعيين أم ال ، وسواء‬
                                                                                       ‫كانت بقدر ما يجزئ في األضحية أو أعلى منه .‬
  ‫مثال ذلك : أن يشتري شاة سمينة فيعينها أضحية ثم يربطها برباط ضيق كان سببا في كسرها فتنكسر ؛ فيلزمه إبدالها بشاة سمينة يضحي‬
                                                                                                                                  ‫بها .‬
                                           ‫وإذا ضحى بالبدل فهل يلزمه ذبح المتعيب أيضا ، أو يعود ملكا له ؟ على روايتين عن أحمد :‬
                                   ‫إحداهما : يلزمه ذبح المتعيب ، وهو المذهب المشهور عند األصحاب لتعلق حق الفقراء فيه يتعيينه .‬
‫الثانية : ال يلزمه ذبحه لبراءة ذمته بذبح بدله ، فلم يضع حق الفقراء فيه ، وهذا هو القول الراجح ، اختاره الموفق والشارح وغيرهما ، وعلى‬
                                                  ‫هذا فيعود المتعيب ملكا له يصنع فيه ما شاء من أكل وبيع وهدية وصدقة وغير ذلك .‬
                                                                                  ‫الرابع : أنها ضلت ( ضاعت ) أو سرقت فثم حاالن :‬
                                                                ‫02‬
‫أحكام االضحية والذكاة‬



     ‫الحال األولى : أن يكون ذلك بدون تفريط منه فال ضمان عليه إال أن تكون واجبة في ذمته قبل التعيين ؛ ألنها أمانة عنده ، واألمين ال‬
   ‫ضمان عليه إذا لم يفرط ، لكن متى وجدها أو استنقذها من السارق ؛ لزمه ذبحها ولو فات وقت الذبح ، وإن كانت واجبة في ذمته قبل‬
‫التعيين وجب عليه ذبح بدلها على أقل ما تبرأ به الذمة كما سبق ، فإن وجدها أو استنقذها من السارق بعد ذبح بدلها لم يلزمه ذبحها لبراءة‬
‫ذمته ، وسقوط حق الفقراء بذبح البدل ، لكن إن كان البدل الذي ذبحه أنقص لزمه الصدقة بأرش النقص ؛ لتعلق حق الفقراء به ، واهلل أعلم‬
                                                                                                                                   ‫.‬
    ‫الحال الثانية : أن يكون ذلك بتفريط منه فيلزمه إبدالها بمثلها على كل حال ، أي سواء كانت واجبة في ذمته قبل التعيين أو ال ، وسواء‬
                                                                                     ‫كانت بقدر ما يجزئ في األضحية أم أعلى منه .‬
  ‫مثال ذلك : اشترى شاة فعينها أضحية ، ثم وضعها في مكان غير محرز فسرقت أو خرجت فضاعت ؛ فيلزمه إبدالها بأضحية مثلها على‬
                                                                                                      ‫صفتها ، وإن شاء أعلى منها .‬
 ‫وإذا ضحى بالبدل ثم وجدها أو استنقذها من السارق ؛ عادت ملكا له يصنع بها ما شاء من بيع وهبة وصدقة وغير ذلك ؛ ألنه برئت ذمته‬
                                                                                                ‫بذبح بدلها ، وسقط به حق الفقراء .‬
                                                                                        ‫الخامس : أنها إذا تلفت فلها ثالث حاالت :‬
‫الحال األولى : ان يكون تلفها بأمر ال صنع لآلدمي فيه ؛ كمرض أو آفة سماوية أو سبب تفعله هي ، فال يلزمه بدلها إال أن تكون واجبة في‬
   ‫ذمته قبل التعيين ؛ ألنها أمانة عن ده ، واألمين ال ضمان عليه في مثل ذلك ، فإن كانت واجبة في ذمته قبل التعيين ؛ لزمه ذبح بدلها على‬
                                                                                            ‫أقل ما تبرأ به ذمته ، وإن شاء أعلى منه .‬
  ‫الحال الثانية : أن يكون تلفها بفعل مالكها ، فيلزمه ذبح بدلها على صفتها بكل حال ، أي سواء كانت واجبة في ذمته قبل التعيين أم ال ،‬
   ‫وسواء كانت بقدر ما يجزئ في األضحية أم أعلى منه ؛ لقول النبى صلى اهلل عليه وسلم : (( من ذبح قبل أن يصلى فليعد مكانها أخرى‬
                                                                       ‫))(17) كما لو تعيبت بفعله فيلزمه بدلها على صفتها كما سبق .‬
                                                                                                                         ‫و‬
‫الحال الثالثة : أن يكون تلفها بفعل آدمي غير مالكها ، فإن كان ال يمكن تضمينه كقطاع الطريق ؛ فحكمه حكم تلفها بأمر ال صنع لآلدمي‬
     ‫فيه على ما سبق في الحال األولى . وإن كان يمكن تضمينه كشخص معين ذبحها فأكلها ، فإنه يلزمه ضمانها بمثلها يدفعه إلى مالكها‬
 ‫ليضحي به ، وقيل : يلزمه ضمانها بالقيمة ، واألول أصح ، فإن الحيوان يضمن بمثله على القول الراجح ؛ لما روى البخاري عن أبي هريرة‬
 ‫رضي اهلل عنه أن رجال أتى النبي صلى اهلل عليه وسلم يتقاضاه بعيرا وفي رواية فأغلظ له فهم به أصحابه فقال : (( دعوه ، فإن لصاحب‬
  ‫الحق مقاالً ، واشتروا له بعيرا فأعطوه إياه ، وقالوا : ال نجد إال أفضل من سنه ، قال : اشتروا له وأعطوه إياه ، فإن كم أحسنكم قضاء‬
               ‫خير‬
                                                                                                                             ‫)) (27).‬
                                                                                                                  ‫(27)‬
          ‫ولو كان البدل الواجب في الحيوان قيمته لم يعدل النبي صلى اهلل عليه وسلم عنها ، ولم يكلفهم الشراء له .‬           ‫ولمسلم نحوه‬
   ‫السادس : أنها إذا ذبحت قبل وقت الذبح ولو بنية األضحية ؛ فحكمه حكم إتالفها على ما سبق ، وإن ذبحت في وقت الذبح فإن كان‬
                              ‫الذابح صاحبها أو كيله ؛ فقد وقعت موقعها . وإن كان الذبح غير صاحبها وال كيله ؛ فله ثالث حاالت :‬
                                                    ‫و‬                                                     ‫و‬
                                                               ‫12‬
‫أحكام االضحية والذكاة‬



   ‫الحال األولى : أن ينويها عن صاحبها ، فإن رضي صاحبها بذلك أجزأت بال ريب ، وإن لم يرض أجزأت أيضا على المشهور من مذهب‬
 ‫أ حمد والشافعي وأبي حنيفة ، ونقل في المغني عن مالك أنها ال تجزئ ، وعلى هذا فينبغي أن يلزم الذابح ضمانها بمثلها يدفعه إلى مالكها‬
 ‫ليضحي به كاإلتالف ، ويكون اللحم للذابح إال أن يرضى صاحبها بأخذه مع األرش وهو فرق ما بين قيمتها حية ومذبوحة ، فيملكه ويذبح‬
                                                                                                                            ‫بدلها .‬
    ‫الحال الثانية : أن ينويها عن نفسه ال عن صاحبها ، فإن كان يعلم أنها أضحية غيره لم تجز عنه وال عن صاحبها ؛ ألنه غاضب معتد فال‬
‫يكون فعله قربة ، ويلزمه ضمانها بمثلها يدفعه إلى صاحبها ليضحي به وقيل : تجزئ عن صاحبها إلغاء لنية الذابح دون فعله ، وعلى هذا فال‬
‫يضمن إال ما فرق من اللحم ، وإن كان ال يعلم أنها أضحية غيره ؛ أجزأت عن صاحبها بكل حال ، وقيل : إن فرق لحمها لم تجز عن واحد‬
  ‫منهما ، واألول أظهر ؛ ألن تفرقه اللحم ال أثر لها في اإلجزاء وعدمه ؛ بدليل ما لو ذبحها ثم سرقت قبل تفريقها فإنها تجزئ . نعم تفريق‬
                                   ‫اللحم له أثر في الضمان وعدمه ، فإنه إذا فرق اللحم ؛ لزمه ضمانه لصاحبها ما لم يرض بتفريقه إياه .‬
 ‫الحال الثالثة : أن يذبحها مع اإلطالق ؛ فال ينويها عن صاحبها وال عن نفسه ، فتجزئ عن صاحبها أيضا ؛ ألنها معينة من قبله ، وقيل : ال‬
                                                                                                            ‫تجزئ عن واحد منهما .‬
  ‫( تنبيه ) : في حال إجزاء المذبوح عن صاحبه فيما سبق ، إن كان اللحم باقيا أخذه صاحبه وفرقه أضحية ، وإن كان الذابح قد فرقه تفريق‬
                                               ‫أضحية ورضي به صاحبها ، فقد وقع الموقع ، وإن لم يرض ضمنه لصاحبه ليفرقه بنفسه .‬
             ‫( تنبيه ثان ) محل ما ذكر من التفصيل إن قلنا بحل ما ذكاه الغير بغير إذن مالكه ، وإال فال تجزئ بكل حال وعليه الضمان .‬
‫( تتمه ) : قال األصحاب : وإن ضحى اثنان كل منهما بأضحية اآلخر عن نفسه غلظاً كفتهما وال ضمان ، فإن فرقاً اللحم ؛ فقد وقع موقعه‬
                                                                                     ‫وإال تراداه ليفرق كل واحد منهما لحم أضحيته .‬
                                                                                                                      ‫( فائدتان ) :‬
 ‫( األولى ) : إذا تلفت بعد ا لذبح أو سرقت أو أخذها من ال تمكن مطالبته ، ولم يفرط صاحبها فال ضمان عليه ، وإن فرط ضمن ما تجب‬
                                                                                                               ‫به الصدقة منها قط .‬
   ‫( الثانية ) : إذا ولدت بعد التعيين فحكم ولدها حكمها في جميع ما تقدم سواء حملت به بعد التعيين أم قبله ، وأما ما ولدته قبل التعيين‬
                                                                                            ‫فهو مستقل في حكم نفسه فال يتبع أمه.‬




                                                               ‫22‬
‫أحكام االضحية والذكاة‬




                                                                        ‫الفصل السابع‬


                                                                  ‫فيما كل منها وما يفرق‬
                                                                                 ‫يؤ‬


‫قال اهلل تعالى : ( لِيَشهدوا منَافِع لَهم ويَذكروا اسم اللَّه فِي أَيَّام معلُومات علَى ما رزقَ هم من بَهيمة األَنْعام فَكلُوا من ها وأَطْعموا الْبَائِس الْفقير)‬
    ‫ِ‬
 ‫َ َ َ‬
                      ‫ِ‬
                     ‫َِ ُ َْ َ ُ‬
                                 ‫ِ‬                   ‫َ ِ ِ ِ‬
                                                      ‫ٍ َْ َ َ َ َ ُ ْ ْ َ‬
                                                                               ‫ٍ‬                    ‫ِ‬
                                                                                                           ‫ْ َ ُ َ َ ُ ْ َ ُُْ ْ َ‬
‫(الحج:82) ، وقال تعالى : ( ولِكل أُمة جعلْنَا منسكاً لِيَذكروا اسم اللَّه علَى ما رزقَ هم من بَهيمة األَنْعام )(الحج: 31) وقال النبي صلى اهلل‬
                                             ‫ْ ُ ْ ِ َ َ ََ ُ ْ ِ ْ ِ َ ِ َ ِ‬
                                                                                    ‫َ‬         ‫ُ‬
                                                                                                                    ‫ٍ‬
                                                                                                          ‫َ ُ ِّ َّ َ َ َ ْ َ‬
       ‫عليه وسلم (( كلوا وادخروا وتصدقوا )) . رواه مسلم من حديث عائشة رضي اهلل عنها(37) . وقال النبي صلى اهلل عليه وسلم : (( كلوا‬
‫وأطعموا وادخروا )) . رواه البخاري من حديث سلمة بن األكوع(57) ، وهو أعم من األول ؛ ألن اإلطعام يشمل الصدقة على الفقراء والهدية‬
           ‫لألغنياء ، وقال أبو بردة للنبي صلى اهلل عليه وسلم : إني عجلت نسيكتي ألطعم أهلي وجيراني وأهل داري أي أهل محلتي (67).‬
   ‫وليس في هذه اآلية واألحاديث نص في مقدار ما كل ويتصدق به ويهدى ، ولذلك اختلف العلماء رحمهم اهلل في مقدار ذلك ، فقال‬
                                                                         ‫يؤ‬
‫اإلمام أحمد : نحن نذهب إلى حديث عبد اهلل : يأكل هو الثلث ، ويطعم من أراد الثلث ، ويتصدق بالثلث على المساكين ، وقال الشافعي‬
   ‫: أحب أن ال يتجاوز باألكل واالدخار الثلث ، وأن يهدي الثلث ، ويتصدق بالثلث ، ويعني اإلمام أحمد بحديث عبد اهلل ما ذكره علقمة‬
‫قال بعث معي عبد اهلل يعني ابن مسعود بهدية فأمرني أن آكل ثلثا ، وأن أرسل إلى أهل أخيه عتبة بثلث ، وأن أتصدق بثلث (77) ، وعن‬
       ‫ابن عمر رضي اهلل عنهما قال : الضحايا والهدايا : ثلث لك ، وثلث ألهلك ، وثلث للمساكين . ومراده باألهل : األقارب الذين ال‬
    ‫تعولهم ، نقل هذين األثرين في (( المغني )) ثم قال : ولنا ما روي عن ابن عباس رضي اهلل عنهما في صفة أضحية النبي صلى اهلل عليه‬
    ‫وسلم قال : ويطعم أهل بيته الثلث ، ويطعم فقراء جيرانه الثلث ، ويتصدق على السؤال بالثلث . رواه الحافظ أبو موسى األصفهاني في‬
                ‫الوظائف وقال : حديث حسن ؛ وألنه قول ابن مسعود وابن عمر ، ولم نعرف لهما مخالفا في الصحابة فكان إجماع . اه .‬
                              ‫ِ‬               ‫ِ‬           ‫ِ ُ ِ‬
      ‫والقول القديم للشافعي يأكل النصف ، ويتصدق بالنصف ؛ لقوله تعالى : (ِ فَكلُوا منْ ها وأَطْعموا الْبَائِس الْفقير)(الحج: من اآلية82)‬
                            ‫َ َ َ‬            ‫َ َ ُ‬
      ‫فجعلها بين اثنين فدل على أنها بينهما نصفين قال في (( المغني)) : واألمر في ذلك واسع، فلو تصدق بها كلها أو بأكثرها جاز ، وإن‬
                                                                   ‫أكلها إال أوقية تصدق بها جاز . وقال أصحاب الشافعي :يجوز أكلها كلها . أه .‬




                                                                             ‫32‬
‫أحكام االضحية والذكاة‬



 ‫وما ذكرناه من األكل واإلهداء ؛ فعلى سبيل االستحباب ال الوجوب ، وذهب بعض العلماء إلى وجوب األكل منها ، ومنع الصدقة بجميعها‬
  ‫لظاهر اآلية واألحاديث ، وألن النبي صلى اهلل عليه وسلم أمر في حجة الوداع من كل بدنة ببضعة ، فجعلت في قدر فطبخت ، فأكل من‬
                                                                             ‫لحمها وشرب من مرقها . رواه مسلم من حديث جابر(87) .‬
  ‫ويجوز ادخار ما يجوز أ كله منها ؛ ألن النهي عن االدخار منها فوق ثالث منسوخ على قول الجمهور ، وقال شيخ اإلسالم ابن تيمية : بل‬
   ‫حكمه باق عند وجود سببه وهو المجاعة ؛ لحديث سلمة بن األكوع رضي اهلل عنه قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم : (( من ضحى‬
‫منكم فال يصبحن بعد ثالثة وفي بيته منه شيء )) ، فلما كان العام المقبل قالوا يا رسول اهلل ، نفعل كما فعلنا في العام الماضي ، فقال صلى‬
    ‫اهلل عليه وسلم : (( كلوا وأطعموا وادخروا ، فإن ذلك العام كان الناس في جهد فأردت أن تعينوا فيها )) . متفق عليه(97) . فإذا كان في‬
                                                                 ‫الناس مجاعة زمن األضحى ؛ حرم االدخار فوق ثالث وإال فال بأس به .‬
 ‫وال فرق فيما سبق من األكل والصدقة واإلهداء من لحوم األضاحي بين األضحية الواجبة والتطوع ، وال بين األضحية عن الميت أو الحي ،‬
 ‫وال بين األضحية التي ذبحها من عنده أو التي ذبحها لغيره بوصية ،فإن الموصى إليه يقوم مقام الموصي في األكل واإلهداء والصدقة ، فأما‬
    ‫كيل عن الحي فإن أذن له كل في ذلك أو دلت القرينة أو العرف عليه فعله ، وإال سلمها كل كاملة وهو الذي يقوم بتوزيعها .‬
                                    ‫للمو‬                                                     ‫المو‬                   ‫الو‬
‫ويحرم أن يبيع شيئا منها من لحم أو شحم أو دهن أو جلد أو غيره ؛ ألنها مال أخرجه هلل فال يجوز الرجوع فيه كالصدقة ، وال يعطي الجازر‬
                                                                           ‫شيئا منها في مقابلة أجرته أو بعضها ؛ ألن ذلك بمعنى البيع .‬
 ‫فأما من أهدي له شيء منها أو تصدق به عليه فله أن يتصرف فيه بما شاء من بيع وغيره ؛ ألنه ملكه ملكا تاما فجاز له التصرف فيه ، وفي‬
‫(( ا لصحيحين )) عن عائشة رضي اهلل عنها أن النبي صلى اهلل عليه وسلم دخل بيته فدعا بطعام فأتي بخبز وأدم من أدم البيت فقال النبي‬
   ‫صلى اهلل عليه وسلم : (( ألم أر البرمة فيها لحم ؟ )) قالوا : بلى ، ولكن ذلك لحم تصدق به على بريرة وأنت ال تأكل الصدقة ، قال ((‬
‫عليها صدقة ولنا هدية )) وفي لفظ البخاري : (( ولكنه لحم تصدق به على بريرة فأهدته لنا )) ولمسلم : (( هو عليها صدقة ، وهو منها لنا‬
                                                                                                                        ‫هدية )) (18).‬
‫لكن ال يشتريه من أهداه أو تصدق به ؛ ألنه نوع من الرجوع في الهبة والصدقة ، وفي (( الصحيحين )) عن عمر بن الخطاب رضي اهلل عنه‬
‫قال : حملت على فرس في سبيل اهلل فأضاعه الذي كان عنده فأردت أن أشتريه منه وظننت أنه بائعه برخص ، فسألت عن ذلك النبي صلى‬
                                ‫(28)‬
                                       ‫اهلل عليه وسلم فقال (( ال تشتره وإن أعطاكه بدرهم ، فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه ))‬
‫فإن عاد إلى من أهداه أو تصدق به بإرث مثل أن يهدي إلى قريب له أو يتصدق عليه ثم يموت فيرثه من أهداه أو تصدق به ، فإنه يعود إليه‬
 ‫ملكا تاما يتصرف فيه كما شاء على وجه مباح ؛ لما رواه مسلم عن بريدة رضي اهلل عنه أن امرأة أتت النبي صلى اهلل عليه وسلم فقالت :‬
       ‫يا رسول اهلل ، (1262) إني تصدقت على أمي بجارية وإنها ماتت . فقال النبي صلى اهلل عليه وسلم : (( وجب أجرك وردها عليك‬
                                                                                                                     ‫الميراث )) (28).‬




                                                                 ‫42‬
‫أحكام االضحية والذكاة‬




                                                         ‫الفصل الثامن‬
                                                  ‫فيما يجتنبه من أراد األضحية‬
‫عن أم سلمة رضي اهلل عنها أن النبي صلى اهلل عليه وسلم قال : (( إذا رأيتم هالل ذي الحجة وفي لفظ : إذا دخلت العشر وأراد أحدكم‬
   ‫أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره )) . رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه (18)، وفي لفظ لمسلم وأبي داود‬
‫والنسائي (38): (( فال يأخذ من شعره شيئا حتى يضحي )) ، ولمسلم والنسائي أيضا وابن ماجه (58): (( فال يمس من شعره وال بشره شيئا ))‬
                                                                                                                                ‫.‬
  ‫ففي هذا الحديث النهي عن أخذ شيء من الشعر أو الظفر أو البشرة ممن أراد أن يضحي من دخول شهر ذي الحجة حتى يضحي ، فإن‬
              ‫دخل العشر وهو ال يريد األضحية ثم أرادها في أثناء العشر أمسك عن أخذ ذلك منذ إرادته ، وال يضره ما أخذ قبل إرادته .‬
  ‫وق د اختلف العلماء رحمهم اهلل تعالى في هذا النهي ، هل هو للكراهة أو للتحريم ؟ واألصح أنه للتحريم ؛ ألنه األصل في النهي وال دليل‬
                                                                    ‫يصرفه عنه ، ولكن ال فدية فيه إذا أخذه لعدم الدليل على ذلك .‬


                                                              ‫52‬
‫أحكام االضحية والذكاة‬



   ‫والحكمة في هذا النهي واهلل أعلم أنه لما كان المضحي كا للمحرم في بعض أعمال النسك ، وهو التقرب إلى اهلل بذبح القربان ،‬
                                                                            ‫مشار‬
   ‫كان من الحكمة أن يعطى بعض أحكامه ، وقد قال اهلل في المحرمين : ( وال تَحلِقوا رؤوسكم حتَّى يَب لُغ الْهدي محلَّهُ)(البقرة: 692) .‬
                        ‫َ ْ ِ‬
                          ‫َ ْ ُ ُُ َ ُ ْ َ ْ َ ُ َ‬
    ‫وقيل : الحكمة أن يبقى المضحي كامل األجزاء للعتق من النار ، ولعل قائل ذلك استند إلى ما ورد من أن اهلل تعالى يعتق من النار بكل‬
 ‫عضو من األضحية عضوا من المضحي ، لكن هذا الحديث قال ابن الصالح : غير معروف ولم نجد له سندا يثبت به ، ثم هو منقوض بما‬
‫ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة أن النبي صلى اهلل عليه وسلم قال : (( أيما رجل مسلم أعتق امرأً مسلما استنقذ اهلل بكل‬
                            ‫عضو منه عضوا منه من النار ))(68) ولم ينه من أراد العتق عن أخذ شيء من شعره وظفره وبشرته حتى يعتق .‬
     ‫وقيل : الحكمة : التشبه بالمحرم ، وفيه نظر ، فإن المضحي ال يحرم عليه الطيب والنكاح والصيد واللباس المحرم على المحرم ، فهو‬
‫مخالف للمحرم في أكثر األحكام ، ثم رأيت ابن القيم أشار إلى أن الحكمة توفير الشعر والظفر ليأخذه مع األضحية ، فيكون ذلك من تمام‬
                                                                                     ‫األضحية عند اهلل كمال التعبد بها ، واهلل أعلم .‬
                                                                                                                  ‫و‬
  ‫( تنبيه ) : يتوهم بعض العامة أن من أراد األضحية ثم أخذ من شعره أو ظفره أو بشرته شيئا في أيام العشر ؛ لم تقبل أضحيته ، وهذا خطأ‬
 ‫بين ، فال عالقة بين قبول األضحية واألخذ مما ذكر ، لكن من أخذ بدون عذر فقد خالف أمر النبي صلى اهلل عليه وسلم باإلمساك ، ووقع‬
                      ‫فيما نهى عنه من األخذ ، فعليه أن يستغفر اهلل ويتوب إليه وال يعود ، وأما أضحيته فال يمنع قبولها أخذه من ذلك .‬
‫وأما من احتاج إلى أخذ الشعر والظفر والبشرة فأخذها فال حرج عليه ، مثل أن يكون به جرح فيحتاج إلى قص الشعر عنه ، أو ينكسر ظفره‬
                                    ‫فيؤذيه فيقص ما يتأذى به ، أو تتدلى قشرة من جلده فتؤذيه فيقصها ، فال حرج عليه في ذلك كله .‬
   ‫( تن بيه ثان ) : ظاهر الحديث كالم أهل العلم أن نهي المضحي عن أخذ الشعر والظفر والبشرة يشمل ما إذا نوى األضحية عن نفسه أو‬
                                                                                             ‫و‬
     ‫تبرع بها عن غيره ، وهو كذلك ، وذكر بعض المحشين من أصحابنا أن من تبرع باألضحية عن غيره ال يشمله النهي ، وما ذكرناه أولى‬
                                                        ‫وأحوط . فأما من ضحى عن غيره كالة أو وصية ؛ فال يشمله النهي بال ريب .‬
                                                                                               ‫بو‬
‫وأما من يضحى عنه فظاهر الحديث كالم كثير من أهل العلم أن النهي ال يشمله ، فيجوز له األخذ من شعره وظفره وبشرته ، ويؤيد ذلك أن‬
                                                                                            ‫و‬
‫النبي صلى اهلل عليه وسلم كان يضحي عن آل محمد ولم ينقل أنه كان ينهاهم عن ذلك ، وذكر المتأخرون من أصحابنا أنه يشمل المضحى‬
    ‫عنه ، فال يأخذ من شعره وال ظفره وال بشرته من دخول شهر ذي الحجة ، أو من حين يعلم أنه سيضحى عنه إن كان لم يعلم حتى تذبح‬
                                                    ‫األضحية وذلك ألنه مشارك للمضحي في الثواب ، كه في الحكم ، واهلل أعلم.‬
                                                                            ‫فشار‬
                                                          ‫الفصل التاسع‬


                                                       ‫في الذكاة وشروطها‬


                                       ‫أخرنا الكالم عن الذكاة وشروطها وما يتعلق بها ؛ ألن أحكامها عامة في األضحية وغيرها.‬
                                                 ‫الذكاة : نحر الحيوان البري الحالل أو ذبحه أو جرحه في أي موضع من بدنه .‬

                                                               ‫62‬
‫أحكام االضحية والذكاة‬



                                          ‫فالنحر لإلبل ، والذبح لما سواها ، والجرح لكل ما ال يقدر عليه إال به من إبل وغيرها .‬
                                                                                   ‫ويشترط لحل الحيوان بالذكاة شروط تسعة :‬
    ‫األول: أن يكون المذكي ممن يمكن منه قصد التذكية ، وهو المميز العاقل ، فال يحل ما ذكاه صغير دون التمييز، وال هرم ذهب‬
                                                                                   ‫تمييزه ، والتمييز فهم الخطاب والجواب بالصواب .‬
                                              ‫وال يحل ما ذكاه مجنون وسكران ومبرسم ونحوهم ؛ لعدم إمكان القصد من هؤالء .‬
    ‫وإنما اشترط إمكان القصد ؛ ألن اهلل أضاف التذكية إلى المخاطبين في قوله : ( إِال ما ذَكيتُم ) (المائدة: 1) وهو ظاهر في إرادة‬
                                     ‫َ َّ ْ ْ‬
                                                                                   ‫الفعل ، ومن ال يمكن منه القصد تمكن منه اإلرادة .‬
  ‫الشرط الثاني : أن يكون المذكي مسلما أو كتابيا ، وهو من ينتسب لدين اليهود أو النصارى . فأما المسلم فيحل ما ذكاه وإن كان‬
   ‫فاسقا أو مبتدعا ببدعة غير مكفرة ، أو صبيا مميزاً، أو امرأة؛ لعموم األدلة وعدم المخصص، قال في (( المغني )) عن ابن المنذر: أجمع‬
        ‫كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إباحة ذبيحة المرأة والصبي، قال: وقد روي أن جارية لكعب بن مالك كانت ترعى غنما بسلع‬
 ‫فأصيبت شاة منها كتها فذكتها بحجر ، فسأل النبي صلى اهلل عليه وسلم فقال ( كلوها )(78) متفق عليه . قال: وفي هذا الحديث فوائد‬
                                                                                                         ‫فأدر‬
                                                                                                                                   ‫سبع :‬
                                                                                                  ‫إحداها : إباحة ذبيحة المرأة.‬
                                                                                                   ‫الثانية : إباحة ذبيحة األمة .‬
                                                    ‫الثالثة : إباحة ذبيحة الحائض ؛ ألن النبي صلى اهلل عليه وسلم لم يستفصل .‬
                                                                                                  ‫الرابعة : إباحة الذبح بحجر .‬
                                                                                   ‫الخامسة : إباحة ذبح ما خيف عليه الموت .‬
                                                                                 ‫السادسة : حل ما يذبحه غير مالكه بغير أذنه .‬
                                                                       ‫السابعة : إباحة ذبحه لغير مالكه عند الخوف عليه . اه .‬
     ‫قلت : وفائدة ثامنة : وهي إباحة ذبح الجنب . وتاسعة : وهي أن األصل في تصرفات من يصح تصرفه الحل والصحة حيث لم‬
          ‫يسأل : أذكرت اسم اهلل عليها أم ال ، وزاد في (( شرح المنتهى )) حل ذبيحة الفاسق واألقلف(88) فتكون الفوائد إحدى عشرة .‬
 ‫وقول الشيخ رحمه اهلل في (( المغني )) : السادسة : حل ما يذبحه غير مالكه بغير إذنه ، إن كان مراده بالغير من كان أمينا عليه أو‬
‫ذبحه لمصلحة مالكه فمسلم وواضح ، وإن كان مراده ما يشمل الغاصب ونحوه ؛ ففيه خالف يأتي إن شاء اهلل ، والحديث المذكور ال يدل‬
           ‫على حل ما ذكاه وال عدمه ؛ ألن الذكاة فيه واقعة من الجارية التي ترعى الغنم وهي أمينة عليها ، ثم إنها لمصلحة مالكها أيضا .‬
‫وقوله : السابعة : إباحة ذبحه لغير مالكه عند الخوف عليه : إن أراد به اإلباحة المطلقة التي تقتضي أن يكون مستوي الطرفين ، ففيه‬
 ‫نظر ، وإن أراد اإلباحة في المنع فال تنافي الوجوب فمسلم ، وذلك أن األمين إذا رأى فيما اؤتمن عليه خوف ضياع أو تلف وجب عليه أن‬


                                                                ‫72‬
‫أحكام االضحية والذكاة‬



   ‫يتدارك ذلك ؛ ألنه مؤتمن عليه ، يجب عليه فعل األصلح ، ففي مثل هذه الصورة يجب على الراعي تذكيتها ؛ ألنه أصلح األمرين ، وهو‬
                                      ‫أمين مقبول قوله في خوف التلف ، أما غير األمين فال يجب عليه ذلك إن خاف تبعة ، واهلل أعلم .‬
   ‫ومقتضى ما سبق حل ذكاة األ قلف بدون كراهة ، وهو ظاهر النصوص وإطالق كثير من أصحابنا منهم صاحب المنتهى ، ونقل في‬
     ‫المغني عن ابن عباس : ال كل ذبيحة األقلف ، وأن عن اإلمام أحمد مثله ، قال في (( الرعاية )) : وعنه تكره ذبيحة األقلف والجنب‬
                                                                                                    ‫تؤ‬
                                                                      ‫والحائض والنفساء ، وجزم بكراهة ذكاة األقلف في (( اإلقناع )) .‬
                                                                          ‫وأما الكتابي : فيحل ما ذكاه بالكتاب والسنة واإلجماع .‬
                                          ‫ِ‬     ‫ِ‬              ‫ِ‬                               ‫ِ‬
‫أما الكتاب : فقوله تعالى : (الْيَ وم أُحل لَكم الطَّيِّبَات وطَعام الَّذين أُوتُوا الْكتَاب حل لَكم )(المائدة: 5) قال ابن عباس رضي اهلل‬
                                    ‫َ ٌّ ُ ْ‬                 ‫ُ َ َُ َ‬                    ‫ْ َ َّ ُ ُ‬
                                                        ‫عنهما : طعامهم ذبائحهم ، وروي ذلك عن مجاهد وسعيد والحسن وغيرهم .‬
‫وأما السنة :ففي صحيح مسلم عن أنس بن مالك رضي اهلل عنه أن امرأة يهودية أتت رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم بشاة مسمومة‬
     ‫فأكل منها . الحديث(98) . وفي مسند اإلمام عن أنس أيضا أن يهوديا دعا رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم إلى خبز شعير وإهالة سنخة‬
  ‫فأجابه(19) . واإلهالة السنخة : الشحم المذاب إذا تغيرت رائحته ، وفي صحيح البخاري عن عبد اهلل بن مغفل قال : كنا محاصرين قصر‬
 ‫خيبر فرمى إنسان بجراب فيه شحم ، وفي صحيح مسلم قال : فالتزمته فقلت : ال أعطي اليوم أحدا من هذا شيئا ، فالتفت فإذا رسول اهلل‬
                                                                                                      ‫صلى اهلل عليه وسلم مبتسما (29).‬
 ‫وأما اإلجماع : فقد حكى إجماع المسلمين على حل ذبائح أهل الكتاب غير واحد من العلماء ، منهم صاحب (( المغني )) وشيخ‬
‫اإلسالم ابن تيمية وابن كثير في تفسيره ، قال شيخ اإلسالم : ومن المعلوم أن حل ذبائحهم ونسائهم ثبت بالكتاب والسنة واإلجماع ، قال :‬
                          ‫وما زال المسلمون في كل عصر ومصر يأكلون ذبائحهم ، فمن خالف ذلك ؛ فقد أنكر إجماع المسلمين . اه .‬
  ‫واختلف العلماء رحمهم اهلل : هل يشترط لحل ما ذكاه الكتابي أن يكون أبواه كتابيين ، أو أن المعتبر هو بنفسه بقطع النظر عن‬
   ‫أبويه ؟ فا لمشهور من المذهب أن ذلك شرط ، وانه ال يحل ما ذكاه كتابي أبوه أو أمه من المجوس أو نحوهم ، والصحيح أن ذلك ليس‬
    ‫بشرط ، وأن المعتبر هو بنفسه ، فإذا كان كتابيا ؛ حل ما ذكاه ، وإن كان أبواه أو أحدهما من غير أهل الكتاب ، قال شيخ اإلسالم ابن‬
 ‫تيميه : الصواب المقطوع به أن كون الرجل كتابيا أو غير كتابي هو حكم يستفيده بنفسه ال بنسبه ، فكل من تدين بدين أهل الكتاب ؛ فهو‬
   ‫منهم سواء كان أبوه أو جده داخال في دينهم ، أو لم يدخل ، وسواء كان دخوله قبل النسخ والتبديل أو بعد ذلك ، وهذا مذهب جمهور‬
 ‫العلماء كأبي حنيفة ومالك والمنصوص الصريح عن أحمد وإن كان في ذلك بين أصحابه نزاع معروف وهذا القول هو الثابت عن الصحابة،‬
                                          ‫رضي اهلل عنهم وال أعلم في ذلك بينهم نزاعا ، وقد ذكر الطحاوى أن هذا إجماع قديم . اه .‬
                                          ‫ِ‬      ‫ِ‬            ‫ِ‬
    ‫وأما غير الكتابي فال يحل ما ذكاه ؛ لمفهوم قوله تعالى : ( وطَعام الَّذين أُوتُوا الْكتَاب حل لَكم ) (المائدة: 5) . قال الخازن في‬
                                    ‫َ ٌّ ُ ْ‬                ‫َ َُ َ‬
 ‫تفسيره : أجمعوا على تحريم ذبائح المجوس وسائر أهل الشرك من كي العرب وعبدة األصنام ومن ال كتاب له ، وقال اإلمام أحمد : ال‬
                                                                    ‫مشر‬
                                                                                     ‫أعلم أحدا قال بخالفه إال أن يكون صاحب بدعة .‬


                                                                 ‫82‬
‫أحكام االضحية والذكاة‬



  ‫الشرط الثالث : أن يقصد التذكية ، فإن لم يقصد التذكية ؛ لم تحل الذبيحة ، مثل أن تصول عليه بهيمة فيذبحها للدفاع عن نفسه‬
          ‫فقط ، أو يريد قطع شيء فتصيب السكين حلق بهيمة فال تحل ؛ لقوله تعالى : ( إِالَّ ما ذَكيتُم )(المائدة: 1) فأضاف الفعل إلى‬
                                        ‫َ َّ ْ ْ‬
    ‫المخاطبين ، وهو فعل خاص ( تذكية ) فيحتاج إلى نيته ؛ لقول النبي صلى اهلل عليه وسلم (( إنما األعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما‬
                                                                                                                                       ‫نوى )) (29).‬
                                                                                    ‫وهل يشترط مع ذلك أن يقصد األكل ؟ على قولين :‬
 ‫أحدهما : ال يشترط فلو ذكاها إلراحتها أو تنفيذا ليمين حلف به كقوله : واهلل ألذبحن هذه الشاة ، فذبحها لتنفيذ يمينه فقط حلت‬
                                                                                                                                     ‫لعموم األدلة .‬
 ‫القول الثاني : أنه يشترط ، اختاره الشيخ تقي الدين فقال : وإذا لم يقصد المذكي األكل أو قصد حل يمينه لم تبح الذبيحة . اه .‬
‫وفي (( سنن النسائي )) عن عبد اهلل بن عمرو رضي اهلل عنهما أن النبي صلى اهلل عليه وسلم قال (( ما من إنسان قتل عصفوراً فما‬
    ‫فوق بغير حقها إال سأله اهلل عز وجل عنها )) وفي رواية : (( عنها يوم القيامة )) قيل يا رسول اهلل ، فما حقها ؟ قال (( حقها أن تذبحها‬
  ‫فتأكلها ، وال تقطع رأسها فترمي بها ))(19) ، وله من حديث عمرو بن الشريد عن أبيه سمعت رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم يقول (( من‬
                                              ‫قتل عصفوراً عبثا عج إلى اهلل يوم القيامة يقول : إن فالنا قتلني عبثا ، ولم يقتلني لمنفعة ))(39) .‬
‫ونقل صاحب الفروع عن صاحب الفنون وهو ابن عقيل الحنبلي أن بعض المالكية قال له : الصيد فرجة ونزهة ميتة لعدم قصد األكل‬
   ‫، قال : وما أحسن ما قال ؛ أل نه عبث محرم ، وال أحد أحق بهذا من مذهب أحمد حيث جعل في إحدى الروايتين كل حظر في مقصود‬
                                                                                                                         ‫شرعي يمنع صحته . اه .‬
  ‫الشرط الرابع : أن ال يذبح لغير اهلل ، مثل أن يذبح تقربا لصنم أو وثن أو صاحب قبر ، أو يذبح تعظيما لملك أو رئيس أو وزير أو‬
 ‫وجيه أو والد أو غيرهم من المخلوقين ، فإن ذبح لغير اهلل لم يحل وإن ذكر اسم اهلل عليه ؛ لقوله تعالى : (حرمت علَيكم الْميتَةُ و َّم) إلى‬
      ‫ُ ِّ َ ْ َ ْ ُ ُ َ ْ َ الد ُ‬
   ‫قوله تعالى : ( وما ذُبِح علَى النُّصب)(المائدة: 1) وقول النبي صلى اهلل عليه وسلم (( لعن اهلل من ذبح لغير اهلل ). رواه مسلم من حديث‬
                                                                                                ‫ُِ‬         ‫ََ َ َ‬
                                                                                                            ‫على بن أبي طالب رضي اهلل عنه (59).‬
  ‫الشرط الخامس : أال يهل لغير اهلل به ، بأن يذكر عليه اسم غير اهلل مثل أن يقول : باسم النبي ، أو باسم جبريل ، أو باسم الحزب‬
 ‫الفالني ، أو الشعب الفالني ، أو الملك ، أو الرئيس ، أو نحو ذلك ، فإن ذكر عليه اسم غير اهلل لم يحل وإن ذبح هلل أو ذكر معه اسمه ؛‬
‫لقوله تعالى : ( حرمت علَيكم الْميتَةُ و َّم)(المائدة: 1) إلى قوله تعالى : (وما أُهل لِغَير اللَّه بِه ) وقد ذكر ابن كثير في تفسير اإلجماع على‬
                                                ‫ِ َّ ِ ِ ِ‬
                                                            ‫ْ‬         ‫ََ‬                                   ‫ُ ِّ َ ْ َ ْ ُ ُ َ ْ َ الد ُ‬
                                                                                                                          ‫تحريم ما أهل لغير اهلل به .‬
                            ‫ِ ِ‬                                             ‫ِ‬
‫الشرط السادس : أن يسمي اهلل عليها ؛ لقوله تعالى : ( فَكلُوا مما ذُكِر اسم اللَّه علَيْه إِن كنتُم بِآياتِه مؤمنِين) (األنعام:822) ، وقوله‬
                                                  ‫ِ ِ‬
                         ‫ُْ َ‬           ‫َ ْ ُْ ْ‬                ‫ُ َّ َ ْ ُ‬
                                                                                                   ‫َ ُ ِ َّ ْ ْ َ ِ ْ ُ ِ َ ْ ِ َ ِ ْ ٌ‬
     ‫( وال تَأْكلُوا مما لَم يُذكر اسم اللَّه علَيه وإِنَّهُ لَفسق)(األنعام: 222)وقول النبي صلى اهلل عليه وسلم (( ما أنهر الدم وذكر اسم اهلل عليه‬
                ‫فكلوا )) . أخرجه الجماعة واللفظ للبخاري(69) . فشرط النبي صلى اهلل عليه وسلم للحل ذكر اسم اهلل عليه مع إنهار الدم .‬


                                                                        ‫92‬
‫أحكام االضحية والذكاة‬


   ‫ِ ِ‬
  ‫ويشترط أن تكون التسمية عند إرادة الذبح ، فلو فصل بينهما وبين الذبح بفاصل كثير لم تنفع ؛ لقوله تعالى : ( فَكلُوا مما ذُكر‬
  ‫ُ َّ َ‬
                                       ‫َ ِ‬                                                                           ‫ِ َ ِ‬
 ‫اسم اللَّه علَيْه ) ( األنعام 82 ) وقوله صلى اهلل عليه وسلم : (( وذكر اسم اهلل عليه )) كلمة (علَيه ) تدل على حضوره وأن التسمية تكون‬
                                                  ‫و‬
                                        ‫ْ‬                                                                                        ‫ُْ‬
   ‫عند الفعل ، وألن التسمية ذكر مشترط لفعل فاعتبر اقترانها به لتصح نسبتها إليه ، لكن لو كان الفصل من أجل تهيئة الذبيحة كاضجاعها‬
‫واخذ السكين لم يضر ما دام يريد التسمية على الذبح ال على فعل التهيئة ، قياسا على ما لو فصل بين أعضاء الوضوء ألمر يتعلق بالطهارة .‬
 ‫ويشترط أن تكون بلفظ بسم اهلل ، فلو قال بسم الرحمن أو باسم رب العالمين لم تجز ، هذا هو المشهور من المذهب ، والصواب‬
 ‫أنه إذا أضاف التسمية إلى ما يختص باهلل كالرحمن ورب العالمين ومنزل الكتاب وخالق الناس أو إلى ما كه فيه غيره وينصرف إليه تعالى‬
                             ‫يشر‬
         ‫عند اإلطالق ونواه به ، كالمولى والعظيم ونحوهما مثل أن يقول : باسم الرحمن أو باسم العظيم وينوي به اهلل ؛ فإنه يجزئ لحصول‬
                                                                                                              ‫المقصود بذلك ، واهلل أعلم .‬
  ‫ويعتبر أن تكون التسمية على ما أراد ذبحه ، فلو سمى على شاة ثم كها إلى غيرها أعاد التسمية ، وأما تغيير اآللة فال يضر ، فلو‬
                                                            ‫تر‬
                                                                                         ‫سمى وبيده سكين ثم ألقاه وذبح بغيرها فال بأس .‬
                            ‫واختلف العلماء رحمهم اهلل فيما إذا ترك التسمية على الذبيحة فهل تحل الذبيحة ؟ على ثالثة أقوال :‬
       ‫أحدها : أنها تحل سواء ترك التسمية عالما ذاكرا أم جاهال ناسيا ، وهو مذهب الشافعي بناء على أن التسمية سنة وال شرط .‬
  ‫الثاني : أنها تحل إن كها نسيانا ، وال تحل إن كها عمدا ولو جاهال ، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد في المشهور عنه ،‬
                                                                     ‫تر‬                      ‫تر‬
  ‫وهنا فرقوا بين النسيان والجهل ، فقالوا : إن ترك التسمية ناسياً حلت الذبيحة ، وإن كها جاهال لم تحل ، كما فرق أصحابنا بين الذبيحة‬
                                               ‫تر‬
          ‫والصيد ، فقالوا في الذبيحة كما ترى ، وقالوا في الصيد : إن ترك التسمية عليه لم يحل سواء كها عالما ذاكرا أم جاهالً ناسيا .‬
                                          ‫تر‬
      ‫القول الثالث : أنها ال تحل سواء ترك التسمية عالما ذاكرا أم جاهال ناسيا ، وهو إحدى الروايتين عن أحمد قدمه في الفروع ،‬
                                       ‫واختاره أبو الخطاب في خالفه وشيخ اإلسالم ابن تيمية وقال : إنه قول غير واحد من السلف .‬
                                              ‫ِ َ ِ‬                        ‫ِ‬
  ‫وهذا هو القول الصحيح ؛ لقوله تعالى : ( وال تَأْكلُوا مما لَم يُذكر اسم اللَّه علَيه )(األنعام: 222) ، وهذا عام ، لقول النبي صلى‬
                                               ‫ْ‬           ‫َ ُ َّ ْ ْ َ ِ ْ ُ‬
  ‫اهلل عليه وسلم (( ما أنهر الدم وذكر اسم اهلل عليه فكلوا )) (79)، فقرن بين إنهار الدم وذكر اسم اهلل على الذبيحة في شرط الحل ، فكما‬
 ‫أنه لو ل م ينهر الدم ناسيا أو جاهال لم تحل الذبيحة ، فكذلك إذا لم يسم ؛ ألنهما شرطان قرن بينهما النبي صلى اهلل عليه وسلم في جملة‬
 ‫واحدة ، فال يمكن التفريق بينهما إال بدليل صحيح ، وألن التسمية شرط وجودي ، والشرط الوجودي ال يسقط بالنسيان كما لو صلى بغير‬
  ‫وضوء ناسيا ، ف إن صالته ال تصح ، كما لو رمى صيدا بغير تسمية ناسيا ، فإن الصيد ال يحل عند المفرقين بين الذبيحة والصيد ، كما لو‬
                                                                                             ‫و‬
     ‫ذبح بغير تسمية جاهال ، فإن الذبيحة ال تحل عند المفرقين بين الجهل والنسيان ، مع الجهل عذر مقرون بالنسيان في الكتاب والسنة‬
                        ‫ومساو له ، وربما يكون أ حق بكونه عذرا ؛ كجهل حديث العهد باإلسالم الذي لم يمض عليه زمن يتمكن من العلم .‬
                                                           ‫َ ِْ ْ ِ ْ ْ‬
‫فإن قيل : ما الجواب عن قوله تعالى : ( ربَّنَا ال تُؤاخذنَا إِن نَسينَا أَو أَخطَأْنَا)(البقرة: 682) ، وقد فعل سبحانه وتعالى ، وقوله تعالى‬
                                                                                                  ‫َ‬
   ‫: ( ولَيْس علَيْكم جنَاح فِيما أَخطَأْتُم بِه ولَكن ما تَ عمدت قُلُوبُكم)(األحزاب: 5) والجاهل مخطئ ، والناسي لم يتعمد قلبه ، وقد رفع اهلل‬
                                                                                 ‫ُ‬      ‫َ َ َ ُ ْ ُ ٌ َ ْ ْ ِ َ ِ ْ َ َ َّ َ ْ‬
                                                                                                                 ‫عنهما المؤاخذة والجناح .‬
                                                                   ‫03‬
‫أحكام االضحية والذكاة‬



  ‫قلنا: الجواب : أننا نقول بمقتضى هاتين اآليتين الكريمتين وال نعدو قول ربنا ، فمن ترك التسمية على الذبيحة ناسيا أو جاهال فال‬
        ‫مؤاخذة عليه وال جناح ، لكن ال يلزم من انتفائهما عنه حل ذبيحته ، فإن حل ذبيحته أثر حكم وضعي حيث إنه مرتب على شرط يوجد‬
                    ‫بوجوده وينتفى بانتفائه ، وأما المؤاخذة والجناح فهما أثر حكم تكليفي من شرطه الذكر والعلم ، فلذلك انتفيا بانتفائهما .‬
‫يوضح ذلك : أنه لو صلى بغير وضوء ناسيا فال مؤاخذة عليه وال جناح ، وال يلزم من انتفائهما عنه صحة صالته ، فصالته باطلة وإن‬
                                                                                          ‫كان ناسيا لفقد شرطها الوجودي وهو الوضوء .‬
  ‫ويوضح ذلك أيضا : أنه لو ذبحها في غير محل الذبح ناسيا أو جاهال فال مؤاخذة عليه وال جناح ، وال يلزم من انتفائهما عنه حل‬
                                                          ‫ذبيحته ، فذبيحته حرام لفقد شرطها الوجودي ، وهو إنهار الدم في محل الذبح .‬
       ‫فإن قيل : ما الجواب عما ثبت في صحيح البخاري وغيره من حديث عائشة رضي اهلل عنها : أن قوما قالوا للنبي صلى اهلل عليه‬
‫(89)‬
       ‫وسلم : إن قوما يأتوننا بلحم ال ندري أذكروا اسم اهلل عليه أم ال ؟ فقال : (( سموا عليه أنتم كلوه )) قالت : كانوا حديثي عهد بالكفر‬
                            ‫و‬              ‫و‬
                                                                                                                                      ‫.‬
       ‫قلنا : الجواب : أننا نقول بمقتضى هذا الحديث ، وأنه لو أتانا من تحل ذكاته من مسلم أو كتابي بلحم حل لنا أكله وإن كنا ال‬
‫ندري هل ذكر اسم اهلل عليه أو ال ، ألن األصل في التص رفات الواقعة من أهلها الصحة حتى يقوم دليل الفساد ، ولسنا مخاطبين بفعل غيرنا‬
         ‫، وإنما نخاطب بفعلنا نحن ، وقد أشار النبي صلى اهلل عليه وسلم إلى ذلك حيث قال : (( سموا عليه أنتم كلوه )) كأنه يقول : أنتم‬
                                ‫و‬
       ‫مخاطبون بالتسمية عند فعلكم وهو األكل ، فسموا عليه ، وأما الذبح والتسمية عليه فمخاطب به كم ، فعليكم ما حملتم وعليهم ما‬
                                    ‫غير‬
                                          ‫حملوا ، وليس يعني أن تسميتكم هذه تغني عن التسمية على الذبح ، وذلك ألن الذبح قد فات .‬
 ‫وليس في الحديث دليل على سقوط التسمية بالجهل ، وال على أنها ليست بشرط لحل الذبيحة ؛ ألنه ليس فيه أنهم كوا التسمية‬
           ‫تر‬
‫فأحل لهم النبي صلى اهلل عليه وسلم اللحم ، وإنما فيه أنهم ال يدرون أذكروا اسم اهلل عليه أم ال ، واألصل أن الفعل وقع على الصحة ، بل‬
‫قد يقال : إن في الحديث دليال على أن التسمية شرط لحل الذبيحة ، وأنه البد منها ، وإال لما أشكل حكم هذا اللحم على الصحابة حتى‬
   ‫سألوا النبي صلى اهلل عليه وسلم عنه ، ثم لو كانت التسمية غير شرط أو كانت تسقط في مثل هذه الحال لقال لهم النبي صلى اهلل عليه‬
‫وسلم : وما كم إذا كوها أو نحو هذا الكالم ؛ ألنه أبين وابلغ في إظهار الحكم وسقوط التسمية ، ولم يرشدهم إلى ما ينبغي أن يعتنوا‬
                                                                                                        ‫تر‬     ‫يضر‬
                                                                                                           ‫به وهو التسمية على فعلهم .‬
                   ‫فإن قيل : ما الجواب عن اآلثار التي احتج بها من ال يرى أن التسمية شرط لحل الذبيحة أو أنها تسقط بالنسيان ؟‬
       ‫قلنا : الجواب : أن هذه اآلثار ال تصح مرفوعة إلى النبي صلى اهلل عليه وسلم وإنما هي موقوفة على بعض الصحابة على ما في‬
                                                                               ‫أسانيدها من مقال ، فال يعارض بها ظاهر الكتاب والسنة .‬
        ‫فإن قيل : ما الجواب عما قاله ابن جرير رحمه اهلل من أن القول بتحريم ما لم يذكر اسم اهلل عليه نسيانا خارج عما عليه الحجة‬
                    ‫مجمعة من تحليله ، يعني أن اإلجماع على تحليل ما لم يذكر اسم اهلل عليه نسيانا ؛ فالقول بتحريمه خارج عن اإلجماع ؟‬


                                                                  ‫13‬
‫أحكام االضحية والذكاة‬



     ‫قلنا : الجواب عليه : أنه مدفوع بما نقله غيره من الخالف فيه ، فقد قال شيخ اإلسالم : إن القول بالتحريم قول غير واحد من‬
  ‫السلف ، وقد قال ابن كثير : إنه مروي عن ابن عمر ونافع مواله وعامر الشعبي ومحمد بن سيرين ، وهو رواية عن اإلمام مالك ورواية عن‬
 ‫أحمد ابن حنبل ، نصرها طائفة من أصحابه المتقدمين والمتأخرين ، وهو اختيار أبي ثور وداود الظاهري ، واختار ذلك أبو الفتوح محمد بن‬
 ‫محمد بن على الطائي من متأخري الشافعية في كتابه (( األربعين )) ، قال ابن الجوزي : وإلى هذا المعنى ذهب عبد اهلل بن يزيد الخطمي .‬
                                                                ‫قلت : واختاره ابن حزم وذكر أدلته ، وأجاب عن اآلثار المروية في الحل .‬
                                          ‫فإن قيل : إن تحريمها إضاعة للمال ، والنبي صلى اهلل عليه وسلم نهى عن إضاعة المال .‬
 ‫فالجواب : أن الذبيحة التي لم يذكر اسم اهلل عليها ليست بمال ؛ ألنها ميتة حيث لم تذك ذكاة شرعية لفقد شرط من شروط الذكاة‬
                      ‫ِ َ ِ‬                       ‫ِ‬
  ‫، فليس تحريمها بإضاعة للمال ، وإنما هو امتثال وطاعة هلل تعالى في قوله : ( وال تَأْكلُوا مما لَم يُذكر اسم اللَّه علَيه)(األنعام:222 ) على‬
                       ‫ْ‬          ‫َ ُ َّ ْ ْ َ ِ ْ ُ‬
      ‫أن تحريم أكلها ال يمنع من االنتفاع بشحمها وودكها على وجه ال يتعدى كطلي السفن وإيقاد المصابيح ونحو ذلك ، فعن ميمونة بنت‬
 ‫الحارث أم المؤمنين رضي اهلل عنها قالت : مر النبي صلى اهلل عليه وسلم بشاة يجرونها ، فقال : (( لو أخذتم إهابها )) فقالوا : إنها ميتة .‬
 ‫قال : (( يطهرها الماء والقرظ )) أخرجه أبو داود النسائي(99) ، وعن ابن عباس رضي اهلل عنهما أن النبي صلى اهلل عليه وسلم قال : (( إذا‬
‫دبغ اإلهاب فقد طهر )) . رواه مسلم(112) . وعنه رضي اهلل عنه أن النبي صلى اهلل عليه وسلم مر بشاة ميتة فقال : (( هال استمتعتم بإهابها‬
                                                                    ‫)) قالوا : إنها ميتة . قال : (( إنما حرم أكلها )) . رواه البخاري (212).‬
    ‫فإن قيل : إن في تحريمها حرجا وتضييقا على الناس حيث يكثر نسيان التسمية فيكثر ما يضيع عليهم من أموالهم ، وقد نفى اهلل‬
                                                           ‫َ َ َ َ َ َ ْ ُ ْ الد ِ ِ ْ َ َ ٍ‬
                                           ‫سبحانه الحرج في الدين فقال تعالى : ( وما جعل علَيكم فِي ِّين من حرج) (الحج: 87) .‬
 ‫فالجواب : أننا نقول بمقتضى هذه اآلية الكريمة ، وأن دين اإلسالم ليس فيه وهلل الحمد حرج وال ضيق ، فكل شيء أمر اهلل به ؛‬
 ‫فال حرج في فعله ، كل شيء نهى اهلل عنه ؛ فال حرج في كه لمن قويت عزيمته ، وصحت رغبته في دين اهلل ، وها هو الجهاد أمر اهلل به‬
                                                                       ‫تر‬                               ‫و‬
  ‫وهو من أشق شيء على النفوس من حيث طبيعتها لما فيه من عرض الرقاب للسيوف وترك األموال واألوالد والمألوف ، ومع هذا نفى بعد‬
       ‫ِ‬                                                               ‫ََ ُِ‬
   ‫األمر به أن يكون قد جعل علينا في الدين حرجاً فقال تعالى : ( وجاهدوا فِي اللَّه حق جهاده هو اجتَبَاكم وما جعل علَيكم فِي ِّين من‬
                                                    ‫ِ ِِ‬       ‫ِ‬
    ‫َ َّ َ ُ َ ْ ُ ْ َ َ َ َ َ َ ْ ُ ْ الد ِ ْ‬
   ‫ِ‬                      ‫ِ‬
   ‫حرج)(الحج: 87 ) ، وأي حرج في اجتناب ذبيحة لم يذكر اسم اهلل عليها كها طاعة لربه في قوله ( وال تَأْكلُوا مما لَم يُذكر اسم اللَّه‬
          ‫َ ُ َّ ْ ْ َ ِ ْ ُ‬                                     ‫يتر‬                                                           ‫ََ ٍ‬
                               ‫علَيه) وهو ليس مضطراً إليها ، ولو اضطر إليها في مخمصة غير متجانف إلثم لو سعته رحمة ربه وحلت له .‬
                                                                                                                           ‫َْ‬
‫ثم إن في تحريم الذبيحة إذا لم يذكر اسم اهلل عليها نسيانا تقليال للنسيان ، فإن اإلنسان إذا حرمها بعد أن ذبحها وتشوفت نفسه لها‬
                                                            ‫من أجل أنه لم يسم اهلل عليها ؛ فسوف ينتبه في المستقبل وال ينسى التسمية .‬
 ‫وبعد ، فإنما أطلنا الكالم في هذا ألهميته ؛ وألن اإلنسان ربما ال يظن أن القول بتحريم الذبيحة التي لم يذكر اسم اهلل عليها نسيانا‬
                                                                                            ‫يبلغ إلى هذا المكان من القوة ، واهلل الموفق .‬
                                                         ‫(تتمه ) يشترط التلفظ بالتسمية إال مع العجز عن النطق ، فتكفي اإلشارة .‬


                                                                   ‫23‬
‫أحكام االضحية والذكاة‬



‫الشرط السابع : أن تكون الذكاة بمحدد ينهر الدم غير سن وظفر من حديد وحجر وخشب وزجاج وغيرها ، لحديث رافع بن خديج‬
 ‫رضي اهلل عنه أن النبي صلى اهلل عليه وسلم قال : (( ما أنهر الدم وذكر اسم اهلل عليه فكلوا ما لم يكن سناً أو ظفراً ، وسأحدثكم عن ذلك‬
      ‫، أما السن فعظم ، وأما الظفر فمدى الحبشة )) رواه الجماعة(212) . وقوله ((وسأحدثكم عن ذلك )) إلى آخره زعم ابن القطان أنها‬
    ‫مدرجة ، نقله ابن حجر في (( الدراية )) وهذا الزعم مردود بما جاء في بعض روايات البخاري بلفظ : (( غير السن والظفر ، فإن السن‬
                                  ‫عظم ، والظفر مدى الحبشة )) ، وبأن األصل عدم اإلدراج ، فال يصار إليه إال بدليل لفظي أو معنوي .‬
‫فإن ذبحها بغير محدد مثل أن يقتلها بالخنق أو بالصعق الكهربائي أو غيره ، أو بالصدم أو بضرب الرأس ونحوه حتى تموت لم تحل‬
                                                                         ‫، وإن ذبحها بالسن أو بالظفر لم تحل وإن جرى دمها بذلك.‬
 ‫وظاهر الحديث ال فرق في السن والظفر بين أن يكونا متصلين أو منفصلين من آدمي أو غيره للعموم ، خالفا للحنفية حيث خصوه‬
 ‫بالمتصل وقالوا : إنه الواقع من فعل الحبشة ، وظاهر تعليلهم أنه خاص بظفر اآلدمي ، قال في (( المغني )) ردا عليهم : ولنا عموم حديث‬
                      ‫رافع ، وألن ما لم تجز الذكاة به متصال لم تجز به منفصال كغير المحدد . اه . وفي تشبيهه بغير المحدد غموض .‬
‫وقد علل النبي صلى اهلل عليه وسلم منع الذكاة بالسن بأنه عظم ، فاختلف العلماء رحمهم اهلل هل الحكم خاص في محله وهو السن‬
                                                                                     ‫أو عام في جميع العظام لعموم علته على قولين :‬
   ‫أحدهما : أنه خاص في محله وهو السن ، وأما ما عداه من العظام فتحل الذكاة به ، وهو مذهب أبي حنيفة والمشهور من مذهب‬
‫أحمد ؛ ألن النبي صلى اهلل عليه وسل م لو أراد العموم لقال غير العظم والظفر لكونه أخصر وأبين ، والنبي صلى اهلل عليه وسلم أعطي جوامع‬
                                     ‫الكلم ومفاتيح البيان ، وألننا ال نعلم وجه الحكمة في تأثير العظم فكيف نعدي الحكم مع الجهل .‬
‫الثاني : أن الحكم عام في جميع العظام ، لعموم العلة ، وهو قول الشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد ؛ ألن النص على العلة يدل‬
‫على أنها مناط الحكم ، متى وجدت وجد الحكم ، وتخصيص السن بالذكر قد يكون من أجل أنه عادة يرتكبها بعض الناس بالتذكية به ، ثم‬
    ‫أشار إلى عموم الحكم بذكر العلة ، أو يقال : إن تعليله بكونه عظما يدل على أنه كان من المتقرر عندهم أن العظام ال يذكى بها ، وهذا‬
                                                                                                                     ‫القول أحوط .‬
 ‫وأما كوننا ال نعلم وجه الحكمة في تأثير العظم ، فهذا ال يمنع من تعدية الحكم إلى ما ينطبق عليه اسم العظم ؛ ألنه معلوم على أنه‬
   ‫يمكن أن يقال : وجه الحكمة : أنه إن كان العظم طاهرا فهو طعام إخواننا من الجن ، ففي الذبح به تلويث له بالنجاسة ، وإن كان العظم‬
                                     ‫نجسا فليس من الحكمة أن يكون وسيلة للذكاة التي بها تطهير الحيوان وطيبه للتضاد ، واهلل أعلم .‬
    ‫وأما الظفر : فعلله النبي صلى اهلل عليه وسلم بمدى الحبشة ، وظاهر التعليل مشكل إن قلنا : أن الحكم عام بعموم علته ؛ ألنه‬
                            ‫يقتضي منع الذكاة بما يختص به الحبشة من المدى ولو كان حديدا أو خشبا أو نحوهما مما تجوز الذكاة به .‬
  ‫واألقرب عندي : أن األصل في ذلك أن الحبشة كانوا يذبحون بأظافرهم ، فنهى الشارع عن ذلك ؛ ألنه يقتضي مخالفة الفطرة من‬
                                                                                                                           ‫وجهين :‬
                                    ‫أحدهما : أنه يستلزم توفير األظافر ليذبح بها ، وهذا مخالف للفطرة التي هي تقليم األظافر .‬
                                                               ‫33‬
‫أحكام االضحية والذكاة‬



   ‫الثاني : أن في القتل بالظفر مشابهة لسباع البهائم والطيور التي فضلنا عليها ونهينا عن التشبه به ، ولذلك تجد اإلنسان ال يشبه‬
                                                                                                            ‫البهائم إال في مقام الذم .‬
  ‫الشرط الثامن : إنهار الدم ، أي إجراؤه ؛ لقول النبي صلى اهلل عليه وسلم : (( ما أنهر الدم وذكر اسم اهلل عليه فكل )) (112)وله‬
                                                                                                                             ‫حاالن :‬
‫الحال األولى : أن يكون المذكي غير مقدور عليه ، مثل أن يهرب أو يسقط في بئر أو في مكان سحيق ال يمكن الوصول إليه ، أو‬
  ‫يدخل مقدمه في غار بحيث ال يمكن الوصول إلى رقبته أو نحو ذلك فيكفي في هذه الحال إنهار الدم في أي موضع كان من بدنه حتى‬
‫يموت ، واألولى أن يتحرى أسرع شيء في موته ، وفي ((الصحيحين )) من حديث رافع بن خديج رضي اهلل عنه أنهم كانوا مع النبي صلى‬
   ‫اهلل عليه وسلم في غزوة فأصابوا إبالً وغنماً فند منها بعير فرماه رجل فحبسه ، فقال النبي صلى اهلل عليه وسلم : (( إن لهذه اإلبل أوابد‬
          ‫الوحش ، فإذا غلبكم منها شيء فاصنعوا به هكذا ))(312) . وفي لفظ لمسلم : فند علينا بعير منها فرميناه بالنبل حتى وهصناه .‬
     ‫وهصناه(512) : رميناه رميا شديدا حتى سقط على األرض ، قال ابن عباس رضي اهلل عنهما : ما أعجزك من البهائم مما في يديك فهو‬
     ‫كالصيد ، وفي بعير تردى في بئر من حيث قدرت عليه فذكه . رواه البخاري تعليقا . قال : ورأى ذلك علي وابن عمر وعائشة (612).‬
‫الحال الثانية : أن يكون مقدوراً عليه بحيث يكون حاضرا أو يمكن إحضاره بين يدي المذكي ، فيشترط أن يكون اإلنهار في موضع‬
‫معين وهو الرقبة ، قال ابن عباس رضي اهلل عنهما : الذكاة في الحلق واللبة . وقال عطاء : ال ذبح وال نحر إال في المذبح والمنحر ، ذكره‬
                                                                                                               ‫البخاري عنهما تعليقا .‬
                                                                                           ‫وتمام ذلك بقطع أربعة أشياء وهي :‬
                                  ‫2 الحلقوم ، وهو مجرى النفس ، وفي قطعه حبس النفس الذي ال بقاء للحيوان مع انحباسه .‬
                        ‫2 المريء ، وهو مجرى الطعام والشراب ، وفي قطعه منع وصول الغذاء إلى الحيوان من طريقه المعتاد .‬
     ‫1، 3 الودجان ، وهما عرقان غليظان محيطان بالحلقوم والمريء ، وفي قطعهما تفريغ الدم الذي به بقاء الحيوان حيا وتنقية‬
                                                                                     ‫الحيوان من انحباس الدم الضار فيه بعد الموت .‬
                                              ‫فمتى قطعت هذه األشياء األربعة ؛ حلت المذكاة بإجماع أهل العلم ، ثم اختلفوا :‬
  ‫فقال بعضهم : البد من قطع األربعة كلها ، ونقله النووي عن الليث وداود وقال : اختاره ابن المنذر . قلت : هو رواية عن أحمد‬
‫نقلها في (( المغني )) و(( اإلنصاف )) وقال : اختاره أبو بكر وابن البناء ، وجزم به في الروضة ، واختاره أبو محمد الجوزي ، قال في ((‬
                                                                                                    ‫الكافي )) : األولى قطع الجميع .‬
  ‫القول الثاني : البد من قطع ثالثة معينة وهي إما ( الحلقوم والودجان ) كما هو مذهب مالك ، ونقله في اإلنصاف عن اإليضاح .‬
                                                            ‫وإما ( المريء والودجان ) نقله في ( اإلنصاف ) عن كتاب اإلشارة .‬
 ‫القول الثالث : البد من قطع ثالثة : اثنان منهما على التعيين وواحد غير معين ، وهي الحلقوم والمريء وأحد الودجين وهو إحدى‬
                                                                      ‫الروايات عن اإلمام أحمد ، وأحد القولين في مذهب أبي حنيفة .‬
                                                               ‫43‬
‫أحكام االضحية والذكاة‬



       ‫القول الرابع : البد من قطع ثالثة بدون تعيين وهي : إما ( الحلقوم والودجان ) ، وإما ( المريء والودجان ) ، وإما ( الحلقوم‬
 ‫والمريء وأحد الودجين ) وهو المشهور من مذهب أبي حنيفة ، وأحد الوجهين في مذهب أحمد ، اختاره شيخ اإلسالم ابن تيمية وقال :‬
                                                                          ‫إن قطع الودجين أبلغ من قطع الحلقوم وأبلغ في إنهار الدم .‬
  ‫القول الخامس : البد من قطع اثنين على التعيين وهما : إما ( الحلقوم والمريء ) وهو المشهور من مذهب أحمد والشافعي ، قال‬
   ‫شيخ اإلسالم ابن تيمية : وعلى هذا فقطع أحد الودجين والحلقوم أولى باإلباحة من قطع الحلقوم والمريء . وإما ( الودجان ) فقط وهو‬
‫إحدى الروايات عن أحمد ذكرها شيخ اإلسالم ابن تيمية ، ونقل عن مالك ، والمشهور عنه ما سبق ، وذكره في ((اإلنصاف )) عن ((الرعاية‬
‫)) و(( الكافي )) . قلت : عبارة (( الكافي )) : وإن قطع األوداج وحدها فينبغي أن تحل استدالال بالحديث والمعنى . اه .ويعني بالحديث‬
   ‫ما رواه أبو داود في النهي عن شريطة الشيطان ، وسنذكره إن شاء اهلل ، ويعني بالمعنى ما قطع في األوداج من إنهار الدم المنصوص على‬
                                                                                                                             ‫اعتباره .‬
     ‫فهذه أراء العلماء فيما يشترط قطعه في محل الذكاة ، ثم اختلفوا أيضا فيما يشترط قطعه من ذلك ، هل يشترط فيه تمام القطع‬
                                                                     ‫بحيث ينفصل المقطوع بعضه عن بعض أوال يشترط ؟ على قولين :‬
   ‫أحدهما : ال يشترط ، فلو قطع بعض ما يجب قطعه ؛ حلت الذبيحة وإن لم ينفصل بعض المقطوع عن بعض ، وهو المشهور من‬
                                 ‫مذهب أحمد ، وظاهر مذهب أبي حنيفة ، وهو الصواب إذا حصل إنهار الدم بذلك لحصول المقصود .‬
     ‫الثاني : يشترط ، فيجب أن تستوعب القطع ما يجب قطعه بحيث ينفصل بعض المقطوع عن بعض ، وهو قول مالك والشافعي‬
                                                                                                              ‫وبعض أصحاب أحمد .‬
                                            ‫واختلفوا أيضا هل يشترط أن يكون القطع من ناحية الحلق أو ال يشترط ؟ على قولين:‬
   ‫أحدهما : ال يشترط ، فلو ذكاها من قفا الرقبة حلت إن وصل إلى محل الذكاة قبل أن تموت ، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي‬
                                                                                        ‫وأحمد ، وهو الصواب لحصول الذكاة بذلك .‬
                                                          ‫الثاني : يشترط فلو ذبحها من قفا الرقبة لم تحل ، وهو مذهب مالك .‬
 ‫وسبب اختالف العلماء فيما يشترط قطعه في الذكاة وفي كيفيته أنه ليس في النصوص الواردة ذكر ما يقطع ، وإنما فيها اعتبار إنهار‬
 ‫الدم ، وفيها أيضا تعيين األوداج بالقطع فيما رواه أبو داود عن ابن عباس وأبي هريرة رضي اهلل عنهم أن النبي صلى اهلل عليه وسلم نهى عن‬
 ‫شريطة الشيطان ، وهي التي تذبح فيقطع الجلد وال تفرى األوداج ، ثم تترك حتى تموت(712) ، وفيما رواه ابن أبي شيبة عن رافع بن خديج‬
‫رضي اهلل عنه أن النبي صلى اهلل عليه وسلم سئل عن الذبح بالليطة(812) فقال : (( كل ما أفرى األوداج إال سناً أو ظفراً ))(912) وفيما أخرجه‬
‫الطبراني عن أبي أمامة رضي اهلل عنه أن النبي صلى اهلل عليه وسلم قال : (( كل ما أفرى األوداج ما لم يكن قرض سن أو حز ظفر )) (122)،‬
 ‫وهذه األحاديث وإن كانت ضعيفة ال تقوم بها الحجة بمفردها إال أنها تعضد بمعنى ما ثبت في الصحيحين من حديث رافع بن خديج رضي‬
   ‫اهلل عنه أن النبي صلى اهلل عليه وسلم قال (( ما أنهر الدم وذكر اسم اهلل عليه فكلوا ما لم يكن سنا أو ظفر )) ، فعلق الحكم على إنهار‬
                                                                         ‫الدم ، ومن المعلوم أن أبلغ ما يكون به اإلنهار قطع الودجين .‬
                                                                ‫53‬
‫أحكام االضحية والذكاة‬



‫وعلى هذا فيشترط لحل الذبيحة كاة قطع الودجين ، فلو ذبحها ولم يقطعهما لم تحل ، ولو قطعهما حلت وإن لم يقطع الحلقوم‬
                                                                                  ‫بالز‬
                                                                                                                                                    ‫أو المريء .‬
‫ق ال ابن عباس رضي اهلل عنهما : كل ما أفرى األوداج غير مترد ، ذكره عنه في (( المحلى )) قال : وعن النخعي والشعبي وجابر بن‬
              ‫زيد ويحيى بن يعمر كذلك . وقال عطاء : الذبح قطع األوداج (222)، وقال سفيان الثوري : إن قطع الودجين فقط ؛ حل أكله .‬
     ‫وليس في اشتراط قطع الحلقوم والمريء نص يجب المصير إليه ، قال ابن رشد في (( بداية المجتهد )) : وأما من اشترط قطع‬
                               ‫الحلقوم والمريء فليس له حجة من السماع ، وأكثر من ذلك من اشتراط المريء والحلقوم دون الودجين . اه .‬
‫والرقبة كلها محل للذكاة ، فلو ذكى من أعلى الرقبة أو أسفلها أو وسطها حلت الذبيحة ، لكن األفضل نحر اإلبل وذبح ما سواها .‬
                                                  ‫والنحر : يكون في أسفل الرقبة مما يلى الصدر في الوهدة التي بين الصدر وأصل العنق .‬
 ‫والذبح : يكون فيما فوق ذلك إلى اللحيين ، فلو ذبحها من فوق الجوزة وهي العقدة الناتئة في أعلى الحلقوم ، وصارت العقدة تبع‬
                                                                ‫الرقبة ؛ حلت الذبيحة على القول الصحيح ؛ ألن ذلك من الرقبة وهي محل الذكاة .‬
  ‫وإن قطع الرأس مرة واحدة ؛ حلت لحصول الذكاة بذلك ، وقد روى ابن حزم من طريق ابن أبي شيبة عن على بن أبي طالب رضي‬
     ‫اهلل عنه أنه سئل عن رجل ضرب عنق بعير بالسيف ، وذكر اسم اهلل فقطعه ، فقال علي رضي اهلل عنه : ذكاة وحية أي سريعة ، وقال ابن‬
                                                           ‫عمر وابن عباس وانس رضي اهلل عنهم : إذا قطع الرأس فال بأس ، ذكره البخاري تعليقا .‬
    ‫وإن شرع يذبحها فرأى في السكين خلال فألقاها وأخذ غيرها ثم أتم الذكاة قبل موت الذبيحة حلت ، كذلك لو رفع يده بعد أن‬
                         ‫و‬
  ‫شرع في ذبحها ليستم كن منها ثم أتم الذكاة قبل موتها حلت ؛ لحصول المقصود بذلك ، وليست بأقل حاال مما أكل السبع كناه حيا‬
         ‫فأدر‬
                                                                                                                            ‫وذكيناه فإنه حالل بنص القرآن .‬

      ‫ُ ِّ َ ْ َ ْ ُ ُ َ َ َّ ُ َ ْ ُ‬
      ‫وإذا حصلت الذكاة لما أصابها سبب الموت ؛ حلت إذا كها وفيها حياة ، لقوله تعالى : (حرمت علَيكم الْميْتَةُ والدم ولَحم‬
                                                                          ‫أدر‬
 ‫الْخنزير وما أُهل لِغَير اللَّه بِه والْمنخنِقةُ والْموقُوذَةُ والْمتَ ر ِّيَةُ والنَّطيحةُ وما أَكل السبُع إِالَّ ما ذَكيتُم)(المائدة: 1) فالمنخنقة المنحبس نفسها‬
                                           ‫َ َ َ َ َ َّ ُ َ َّ ْ ْ‬
                                                                              ‫ِ‬
                                                                                  ‫َ ُ َد َ‬                  ‫َ ُْ َ َ َ َ ْ‬
                                                                                                                                ‫ِ َّ ِ ِ ِ‬
                                                                                                                                            ‫ْ‬           ‫ِْ ِ ََ‬
                                                                                                                                                                ‫ِ‬

   ‫، والموقوذة المضروبة بعصا ونحوها حتى تدهور حياتها ، والمتردية الهاوية من جبل أو في بئر ونحوه ، والنطيحة التي نطحتها أختها حتى‬
‫أردتها ، وما أكل السبع ما أكلها ذئب ونحوه ، فكل هذه الخمس إذا ذكيت قبل أن تموت ؛ فهي حالل ، ويعرف عدم موتها بأحد أمرين :‬
‫األول : كة ، فمتى كت بعد ذكاتها كة قليلة أو كثيرة بيد أو رجل أو عين أو أذن أو ذنب حلت . قال علي بن أبي طالب‬
                                                                          ‫بحر‬           ‫تحر‬       ‫الحر‬
        ‫رضي اهلل عنه في قوله تعالى : (إِالَّ ما ذَكيتُم ) إن مصعت بذنبها أو كضت برجلها أو طرفت بعينها فكل ، وقال نحوه غير واحد من‬
                                                            ‫ر‬                     ‫َ َّ ْ ْ‬
                                                                            ‫السلف ، وألن كة دليل بين علي بقاء الروح فيها إذ الميت ال يتحرك .‬
                                                                                                                              ‫الحر‬
‫األمر الثاني : جريان الدم بقوة ؛ لقول النبي صلى اهلل عليه وسلم : (( ما أنهر الدم وذكر اسم اهلل عليه فكل )) . فمتى ذكيت فجرى‬
 ‫منها الدم األحمر الذي يخرج من المذكى المذبوح عادة حلت وإن لم تتحرك ، قاله شيخ اإلسالم ابن تيمية ، قال : والناس يفرقون بين دم‬
                                                    ‫ما كان حياً ودم ما كان ميتاً ، فإن الميت يجمد دمه ويسود . قلت : ولذلك يكون باردا بطيئا .‬


                                                                              ‫63‬
‫أحكام االضحية والذكاة‬



   ‫وإذا شك في وجود ما يعرف به عدم الموت بأن شك في كتها أو في حمرة الدم وجريانه كما يجري دم المذبوح عادة لم تحل‬
                                                              ‫حر‬
                                                          ‫الذبيحة ؛ لقوله تعالى : (إِالَّ ما ذَكيتُم ) وما شككنا في بقاء حياته لم تتحقق ذكاته .‬
                                                                                                     ‫َ َّ ْ ْ‬
                                                          ‫فإن قيل : األصل بقاء الحياة فلنحكم به فتحل الذبيحة إال أن نتيقن الموت .‬
    ‫الجواب : األصل بقاء الحياة لكن عارضه ظاهر أقوى منه وهو السبب المفضي إلى الموت ، فأنيط الحكم به ما لم نتحقق بقاء‬
                                                                                                                                               ‫حياته .‬
  ‫( تنبيه ) المنفصل من أكيل ة السبع ونحوها قبل ذكاتها ليس بحالل ؛ ألنه بائن من حي ، وما بان من حي فهو كميته ، فإن انفصل‬
                                                         ‫شيء من المذكاة قبل موتها فهو حالل ، لكن الواجب االنتظار في قطعه حتى تموت .‬
                       ‫الشرط التاسع : أن يكون المذكي مأذونا في ذكاته شرعاً ، فإن كان غير مأذون فيها شرعاً فهو على قسمين :‬
    ‫القسم األول : أن يكون ممنوعاً منه لحق اهلل تعالى كالصيد في الحرم ، أو حال اإلحرام بحج أو عمرة ، فمتى صاد صيدا فذبحه‬
‫َّ ِ‬       ‫ِ‬                                                           ‫ِ‬
‫وهو محرم ، أو ذبح صيداً داخل حدود الحرم ؛ فهو حرام ؛ لقوله تعالى : ( أُحلَّت لَكم بَهيمةُ األَنْعام إِالَّ ما يُت لَى علَيكم غَي ر محلِّي الصيد‬
 ‫ْ‬             ‫َ ِ َ ْ َ ْ ُ ْ َْ ُ‬                     ‫ْ ُْ ِ َ‬
                                                                                                 ‫ِ‬
  ‫وأَنْتُم حرم )(المائدة: 2) ، وقوله تعالى : ( يَا أَيُّها الَّذين آمنُوا ال تَ قتُ لُوا الصيد وأَنْتُم حرم)(المائدة: 59)، وقوله سبحانه : ( وحرم علَيكم‬
  ‫َ ُ ِّ َ َ ْ ُ ْ‬                                          ‫َّ ْ َ َ ْ ُ ُ ٌ‬       ‫ْ‬        ‫َ َ‬      ‫َ‬                                     ‫َ ْ ُ ٌُ‬
‫صيد الْبَ ر ما دمتُم حرماً )(المائدة: 69)، قال في المغني: وال خالف في تحريم الصيد على المحرم إذا صاده أو ذبحه . ثم قال بعد فصول‬
                                                                                                        ‫َ ْ ُ ِّ َ ُ ْ ْ ُ ُ‬
 ‫: وإذا ذبحه صار ميتة يحرم أكله على جميع الناس ، وهذا قول الحسن ، والقاسم ، والشافعي ، وإسحاق ، واألوزاعي ، وأصحاب الرأي ،‬
                                                                                     ‫قال : كذلك الحكم في صيد الحرم إذا ذبحه الحالل . اه .‬
    ‫القسم الثاني : أن يكون ممنوعاً منه لحق اآلدمي ، وهو ما ليس ملكا له ، وال يملك ذبحه كالة أو نحوها ؛ كالمغصوب يذبحه‬
                                 ‫بو‬
                                                                ‫الغاصب ، والمسروق يذبحه السارق ونحو ذلك ، ففي حله قوالن ألهل العلم :‬
      ‫أحدهما : ال يحل ، وهو قول إسحاق ، وأهل الظاهر ، وإحدى الروايتين عن أحمد ، اختارها أبو بكر من أصحابنا ، وإليه ميل‬
‫البخاري، قال في (( صحيحه )) : باب إذا أصاب قوم غنيمة فذبح بعضهم غنما أو إبال بغير أمر أصحابها لم كل ؛ لحديث رافع عن النبي‬
                       ‫تؤ‬
 ‫صلى اهلل عليه وسلم ثم ذكر حديث رافع بسنده وفيه : وتقدم سرعان الناس فأصابوا من الغنائم والنبي صلى اهلل عليه وسلم في آخر الناس‬
                                                                    ‫فنصبوا قدورا ، فأمر بها فأكفئت فقسم بينهم وعدل بعيراً بعشرة شياه (222).‬
‫وروى أبو داود من طريق عاصم بن كليب عن أبيه عن رجل من األنصار قال : خرجنا مع النبي صلى اهلل عليه وسلم في سفر فأصاب‬
‫الناس حاجة شديد وجهد ، فأصابوا غنما فانتهبوها ، فإن قدورنا لتغلي إذ جاء رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم يمشي على قوسه فأكفأ قدورنا‬
  ‫بقوسه ، ثم جعل يرمل اللحم بالتراب ثم قال : (( إن النهبة ليست بأحل من الميتة ، أو إن الميتة ليست بأحل من النهبة ))(122). قال أبو‬
                                                                                                          ‫داود : الشك من هناد يعني أحد رواته .‬
 ‫القول الثاني : أنه يحل ، وهو المشهور من مذهب أحمد وقول جمهور العلماء لما روى أحمد وأبو داود من حديث جابر رضي اهلل‬
 ‫عنه قال : خرجنا مع النبي صلى اهلل عليه وسلم في جنازة ، فلما رجع استقبله داعي امرأة وفي لفظ ألحمد داعي امرأة من قريش فقال يا‬
‫رسول اهلل ، إن فالنة تدعوك ومن معك إلى طعام فانصرف ، فانصرفنا معه فجيء بالطعام فوضع يده ثم وضع القوم أيديهم ، فنظر آباؤنا إلى‬
                                                                        ‫73‬
‫أحكام االضحية والذكاة‬



 ‫رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم يلوك لقمة في فمه ثم قال : (( أجد لحم شاة أخذت بغير إذن أهلها )) فأرسلت المرأة وفي رواية : قامت‬
‫فقالت : يا رسول اهلل ، إني أرسلت إلى البقيع من يشتري لي شاة فلم أجد ، فأرسلت إلى جار لي قد اشترى شاة أن أرسل إلي بها بثمنها ،‬
                         ‫فلم أجد ، فأرسلت إلى امرأته فأرسلت إلي بها ، فقال النبي صلى اهلل عليه وسلم : (( أطعميه األسارى ))(322) .‬
 ‫هذا ما استدل به الجمهور ، ووجه الداللة : أن النبي صلى اهلل عليه وسلم أمر بإطعامه األسارى ، ولو كان حراما ما أمر النبي صلى‬
                                                                                                       ‫اهلل عليه وسلم بإطعامهم إياه .‬
   ‫وأجابوا عن دليلي القائلين بعدم الحل بأن إكفاء القدور على سبيل التعزير والمبالغة في الزجر ، وهو جواب قوي لكن يعكر عليه‬
  ‫قول النب ي صلى اهلل عليه وسلم : (( إن النهبة ليست بأحل من الميتة )) إال أن يقال : المراد بيان حكم أصل النهبة، وأن من انتهب شيئا‬
     ‫بغير حق كان حراما عليه كالميتة وإن لم يكن من شرطه الذكاة ، وأنه ليس المراد أن ذبح المنهوب ال يحله فيكون ميتة ، واهلل أعلم .‬
‫وأما حديث جابر الذي استدل به الجمهور على الحل ؛ فليس بظاهر الداللة إذ ليس أخذ المرأة للشاة عدواناً محضاً ، فإنما أخذتها‬
       ‫مضمونة بالثمن من امرأة المالك ، وقد جرت العادة بالسماح في مثل ذلك غالبا السيما وهي مقدمة لرسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم‬
    ‫وأصحابه ، فهو من المشتبه الذ ي ينبغي التنزه عنه عند عدم الحاجة إليه ولذا تنزه عنه النبي صلى اهلل عليه وسلم لعدم حاجته إليه، وأمر‬
                                                                                                ‫بإطعامه األسارى لحاجتهم إليه غالبا .‬
                          ‫وإذا تبين أال داللة للجمهور فيما استدلوا به وال لمخالفيهم ؛ وجب الرجوع إلى القواعد الشرعية العامة .‬
   ‫فنقول : المغصوب ونح وه مما أخذ بغير رضا صاحبه حرام على الغاصب ونحوه ، وعلى كل من علم به ، سواء أكان مما يشترط‬
‫بحله في األصل الذكاة أم ال ، حتى لو غصب لحماً كان حراماً عليه وعلى من علم به وأما ذكاة الغاصب ونحوه ؛ فهي ذكاة من مسلم أهل‬
                                         ‫ذكر اسم اهلل عليها بما ينهر الدم ، فكانت مبيحة للمذكى كغير الغاصب ، واهلل أعلم بالصواب.‬


                                                                                                ‫فصل في خالصة ما سبق من الشروط‬


   ‫لما كان الكالم في بعض شروط الذكاة مطوالً ؛ أحببنا أن نذكر في هذا الفصل خالصة تلك الشروط ؛ ليكون أيسر في حصرها ،‬
                                                                                 ‫فنقول : خالصة ما سبق من الشروط التسعة كما يلي:‬
                                                   ‫األول : أن يكون المذكي ممن يمكن منه قصد التذكية ، وهو المميز العاقل .‬
                                                                                           ‫الثاني : أن يكون مسلما أو كتابيا .‬
                                                                                                  ‫الثالث : أن يقصد التذكية .‬
                                                                                                        ‫الرابع : أن ال يذبح لغير اهلل .‬
                                                                       ‫الخامس : أن ال يهل لغير اهلل به ، بأن يذكر عليه اسم غير اهلل .‬
                                                                                                     ‫السادس : أن يسمي اهلل عليها .‬

                                                               ‫83‬
‫أحكام االضحية والذكاة‬



                                                                          ‫السابع : أن تكون الذكاة بمحدد ينهر الدم غير سن وظفر .‬
                                                                                                     ‫الثامن : إنهار الدم في موضعه .‬
                                                                                   ‫التاسع : أن يكون المذكى مأذوناً في ذكاته شرعا .‬
‫وال تأثير للذكاة في محرم األكل ؛ كالحمار والكلب والخنزير ، فهذه ونحوه من الحيوانات المحرمة ال تحل بالذكاة ، وال تشترط الذكاة في‬
                               ‫ِ‬
      ‫َّ ُ ْ َ ْ ُ ْ ِ َ َ ُ‬
    ‫ح ل حيوان البحر ، فجميع ما في البحر من حيوان فهو حالل حيا وميتا صغيرا أو كبيرا ؛ لقوله تعالى : ( أُحل لَكم صيد الْبَحر وطَعامهُ‬
 ‫)(المائدة: 69) قال ابن عباس رضي اهلل عنهما : صيد البحر ما أخذ حياً ، وطعامه ما لفظه ميتاً ، وروى ذلك عن غير واحد من الصحابة‬
 ‫والتابعين . وعن أبي هريرة رضي اهلل عنه أن النبي صلى اهلل عليه وسلم سئل عن الوضوء بماء البحر ، فقال النبي صلى اهلل عليه وسلم : ((‬
 ‫هو الطهور ماؤه الحل ميتته )) قال في (( بلوغ المرام )) : أخرجه األربعة وابن أبي شيبة واللفظ له ، وصححه ابن خزيمة والترمذي ، ورواه‬
                                                                                                      ‫مالك والشافعي وأحمد(522) .‬
   ‫وفي (( الصحيحين )) من حديث جابر رضي اهلل عنه قال : بعثنا رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم وأمر علينا أبا عبيدة نتلقى عيرا لقريش ،‬
‫وزودنا جراباً من تمر لم يجد لنا غيره ، فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة نمصها كما يمص الصبي ، ثم نشرب عليها الماء فتكفينا يومنا إلى‬
‫الليل ، كنا نضرب بعصينا الخبط ثم نبله بالماء فنأكله ، وانطلقنا على ساحل البحر ، ، فرفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم ،‬
                                                                                                                     ‫و‬
      ‫فأتيناه فإذا هي دابة تدعى العنبر ، فقال أبو عبيدة : ميتة ثم قال : ال ، نحن رسل رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم وفي سبيل اهلل وقد‬
  ‫اضطررتم فكلوا ، قال : فأقمنا عليه شهرا ونحن ثالثمائة حتى سمنا ، ولقد رأيتنا نغترف من وقب عينه بالقالل الدهن ، ونقتطع منه الفدر‬
 ‫كقدر الثور ، وأخذ منا أبو عبيدة ثالثة عشر رجالً فأقعدهم في وقب عينه ، وأخذ ضلعا من أضالعه فأقامها ، ثم رحل أعظم بعير معنا فمر‬
 ‫من تحتها ، وتزودنا من لحمه وشائق حتى قدمنا المدينة فقال النبي صلى اهلل عليه وسلم (( هو رزق أخرجه اهلل لكم ، فهل معكم من لحمه‬
                                                                                      ‫شيء فتطعمونا )) فأرسلنا إليه منه فأكله(622) .‬
    ‫وال تشترط الذكاة في حل الجراد ونحوه مما ال دم له ، لحديث ابن عمر : (( أحلت لنا ميتتان ودمان ، فأما الميتتان : فالجراد‬
                                                           ‫والحوت ، وأما الدمان : فالكبد والطحال )) أخرجه أحمد وابن ماجه (722).‬
                                                             ‫وألن الغرض من الذكاة إنهار الدم ، فما ال دم له ال يحتاج لذكاة .‬




                                                              ‫93‬
‫أحكام االضحية والذكاة‬




                                                       ‫الفصل العاشر‬


                                                ‫في آداب الذكاة ومكروهاتها‬


‫كاة شروط تجب مراعاتها ، وال تحل المذكاة بدونها ، وتقدم الكالم عليها في الفصل السابق ، ولها آداب ينبغي مراعاتها وتحل المذكاة‬
                                                                                                                          ‫للز‬
                                                                                                         ‫بدونها ، فمن آدابها :‬
‫2 استقبال القبلة بالذبيحة عند الذبح ؛ لحديث جابر رضي اهلل عنه قال : ضحى النبي صلى اهلل عليه وسلم يوم العيد بكبشين فقال حين‬
                                                      ‫وجههما … ( الحديث ) . رواه أبو داود وابن ماجه (822)، وفي إسناد مقال .‬
                                                           ‫04‬
‫أحكام االضحية والذكاة‬



    ‫2 اإلحسان إلى الذبيحة بعمل كل ما يريحها عند الذكاة ، بأن تكون الذكاة بآلة حادة ، وأن يمرها على محل الذكاة بقوة وسرعة ؛ لقول‬
‫النبي صلى اهلل عل يه وسلم : (( إن اهلل كتب اإلحسان على كل شيء ، فإذا قتلتم ؛ فأحسنوا القتلة ، وإذا ذبحتم ؛ فأحسنوا الذبحة ، وليحد‬
                                                                                     ‫أحدكم شفرته وليرح ذبيحته )) رواه مسلم (922).‬
    ‫قال الشيخ تقي الدين شيخ اإلسالم ابن تيمية : في هذا الحديث أن اإلحسان واجب على كل حال حتى في حال إزهاق النفوس ناطقها‬
  ‫وبهيمها ، فعليه أن يحسن القتلة لآلدميين والذبحة للبهائم . وذكر في (( اإلنصاف )) استحباب الرفق بالذبيحة ، والحمل على اآللة بقوة‬
                                                        ‫وإسراعه بالشحط ، قال : وفي كالم الشيخ تقي الدين إيماء إلى وجوب ذلك .‬
                                           ‫ُ ُ ْ َ ِ َ ْ َ ََ ّ‬
‫1 أن ينحر اإلبل قائمة معقولة يدها اليسرى ؛ لقوله تعالى : ( فَاذْكروا اسم اللَّه علَي ها صواف)(الحج:61) قال ابن عباس رضي اهلل عنهما :‬
   ‫قياما على ثالث قوائم معقولة يدها اليسرى . وعن جابر بن عبد اهلل رضي اهلل عنهما أن النبي صلى اهلل عليه وسلم وأصحابه كانوا ينحرون‬
 ‫البدن معقولة اليسرى قائمة على ما بقي من قوائمها . رواه أبو داود(122) ، وعن عبد اهلل بن عمر رضي اهلل عنهما أنه أتى على رجل قد أناخ‬
   ‫بدنته ينحرها فقال : ابعثها قياماً مقيدة سنة محمد صلى اهلل عليه وسلم . متفق عليه(222) ، فإن لم يتيسر له نحرها قائمة ؛ جاز له نحرها‬
                                                                           ‫كة إذا أتى بما يجب في الذكاة لحصول المقصود بذلك .‬
                                                                                                                           ‫بار‬
     ‫3 أن يذبح غير اإلبل مضجعة على جنبها ، ويضع رجله على صفحة عنقها ليتمكن منها ؛ لما روى أنس بن مالك رضي اهلل عنه قال :‬
 ‫ضحى رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم بكبشين أملحين وفي رواية : أقرنين فرأيته واضعاً قدمه على صفاحهما يسمى ويكبر فذبحهما بيده‬
      ‫. رواه البخاري(222) . ويكون اإلضجاع على الجنب األيسر، ألنه اسهل للذبح، فإن كان الذابح أعسر وهو األشدف الذي يعمل بيده‬
          ‫اليسرى عمل اليد اليمني ، كان اليسر له أن يضجعها على الجنب األيمن، فال بأس أن يضجعها عليه؛ ألن المهم راحة الذبيحة.‬
                                                                                                 ‫و‬
  ‫وينبغي أن يمسك برأسها ويرفعه قليالً ليبين محل الذبح، وأما اإلمساك بيدي الذبيحة ورجليها عند ذبحها لئال تتحرك، فظاهر حديث أنس‬
  ‫السابق أنه ال يستحب؛ ألنه لم يذكر أن أحداً امسك بها عندما ذبحها النبي صلى اهلل عليه وسلم ، ولو كان مشروعاً لفعله النبي صلى اهلل‬
   ‫عليه وسلم ثم نقل عنه ألهميته كما نقل عنه وضع قدمه على صفاحهما ، بل صرح النووي في شرح المهذب أنه يستحب أن ال يمسكها‬
         ‫بعد الذبح مانعاً لها من االضطراب، إال أنه ذكر استحباب شد قوائهما الثالث وترك الرجل اليميني ولم يذكر له دليالً، وابدي بعض‬
‫المعاصرين حكمة في إرسال قوائمها وعدم إمساكها بأن من فوائد إطالقها وعدم إمساكها أن كتها تزيد في إنهار الدم وإفراغه من الجسم،‬
                                        ‫حر‬
  ‫وال أعلم لإلمساك بيدي الذبيحة ورجليها عند ذبحها أصالً سوى ما سبق من حديث أبي األشد عن أبيه عن جده في السبعة الذين كوا‬
    ‫اشتر‬
    ‫في أضحية وتقدم ما فيه، وأما لي يد الذبيحة من وراء عنقها كما يفعله بعض العامة فال أصل له، وال ينبغي فعله؛ ألنه تعذيب للبهيمة بال‬
                                                                                                                    ‫فائدة وال حاجة.‬
         ‫5- استكمال قطع الحلقوم والمريء والودجين، وسبق الكالم على ما يشترط قطعه من هذه األربعة، وال يتجاوز قطع هذه األربعة.‬
‫6- عرض الماء عليها عند الذبح، ذكره بعض الشافعية ولم يذكروا دليله، وال أعلم له أصالً، لكن لو علم منها طلب الماء مثل أن تري الماء‬
                                                                                      ‫فتحاول الذهاب إليه فال ينبغي منعها منه حينئذ.‬


                                                               ‫14‬
‫أحكام االضحية والذكاة‬



    ‫7- أن يواري عنها السكين، يعني يسترها عنها بحيث ال تراها إال ساعة ذبحها، قال اإلمام أحمد رحمه اهلل: تقاد إلى الذبح قوداً رفيقاً،‬
   ‫وتوارى السكين عنها، وال يظهر السكين إال عند الذبح ، أمر رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم بذلك أن توارى الشفار . اه . الشفار جمع‬
‫شفرة وهي السكين . وفي مسند اإلمام أحمد عن معاوية بن قرة عن أبيه أن رجالً قال : يا رسول اهلل ؛ إني ألذبح الشاة وأنا ارحمها أو قال :‬
  ‫إني ألرحم الشاة أن أذبحها ، فقال النبي صلى اهلل عليه وسلم : (( والشاة إن رحمتها رحمك اهلل ))(122) . وفي الصحيحين عن أسامة ابن‬
   ‫زيد رضي اهلل عنه في قصة أن النبي صلى اهلل عليه وسلم قال : (( إنما يرحم اهلل من عباده الرحماء )) (322). وفي صحيح البخاري وغيره‬
     ‫عن أبي هريرة رضي اهلل عنه قال : قبل رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم الحسن بن علي وعنده األقرع بن حابس التميمي جالسا ، فقال‬
   ‫األقرع : إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدا ، فنظر إليه رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم فقال : (( من ال يرحم ال يرحم )) (522).‬
       ‫8 زي ادة التكبير بعد التسمية فيقول : بسم اهلل واهلل أكبر ؛ لحديث أنس بن مالك رضي اهلل عنه أن النبي صلى اهلل عليه وسلم ضحى‬
  ‫بكبشين يسمي ويكبر . متفق عليه(622) . وعموم كالم األصحاب أن زيادة التكبير سنة في ذبيحة القربان وذبيحة اللحم . وال تسن الزيادة‬
  ‫في الذكر على ا لتسمية والتكبير لعدم وروده ، وال الصالة على النبي صلى اهلل عليه وسلم هنا ؛ ألنه غير الئق بالمقام ، وذكر في (( شرح‬
 ‫المهذب )) عن القاضي عياض أنه نقل عن مالك وسائر العلماء كراهة الصالة على النبي صلى اهلل عليه وسلم ، قالوا : وال يذكر عند الذبح‬
                                                                                                                      ‫إال اهلل وحده .‬
       ‫9 أن يسمي عند ذبح األضحية أو العقيقة من هي له ؛ لحديث جابر رضي اهلل عنه قال : صليت مع النبي صلى اهلل عليه وسلم عيد‬
    ‫األضحى ، فلما انصرف أتى بكبش فذبحه فقال : (( بسم اهلل واهلل أكبر ، اللهم هذا عني وعمن لم يضح من أمتي )) . رواه أحمد وأبو‬
 ‫داود والترمذي(922) . وعن أبي رافع في أضحية النبي صلى اهلل عليه وسلم بكبشين قال : فإذا صلى وخطب أتى بأحدهما فذبحه بنفسه ثم‬
‫يقول : (( اللهم هذا عن أمتي جميعا من شهد لك بالتوحيد وشهد لي بالبالغ )) الحديث ؛ رواه أحمد(112) . قال الهيثمي : إسناده حسن .‬
   ‫وعن أبي سعيد الخدري رضي اهلل عنه أن النبي صلى اهلل عليه وسلم ضحى بكبش أقرن وقال : (( هذا عني وعمن لم يضح من أمتي )) .‬
                                                                                                                   ‫رواه أحمد (212).‬
    ‫وإذا ذبحها ونوى من هي له بدون تسمية أجزأت النية ؛ لقول النبي صلى اهلل عليه وسلم : (( إنما األعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما‬
                                                                                                                      ‫نوى ))(212) .‬
‫والتسمية المشروعة هي ما ذكرناه من تسمية من هي له حال الذبح ، وأما ما يفعله بعض العامة من مسح ظهر األضحية مرددين اسم من هي‬
                 ‫له ، فال أعلم له أصال ، وال ينبغي فعله ؛ ألن خير الهدي هدي محمد صلى اهلل عليه وسلم ، وقد علمت كيفية تسميته .‬
  ‫12 أن يدعو عند ذبح األضحية بالقبول ؛ لحديث عائشة رضي اهلل عنها ، أن النبي صلى اهلل عليه وسلم أمر بكبش أقرن يطأ في سواد ،‬
 ‫ويبرك في سواد ، وينظر في سواد ، فأتي به ليضحي به فقال لها : (( يا عائشة ، هلمي المدية )) ثم قال : (( اشحذيها بحجر )) ففعلت ،‬
   ‫ثم أخذها وأخذ الكبش فأضجعه ثم ذبحه ثم قال : (( بسم اهلل ، اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد )) رواه أحمد ومسلم‬
    ‫(112). وقولها : ثم ذبحه ثم قال : بسم اهلل متأول بمعنى : ثم شرع في ذبحه أو هيأه للذبح أو بأنه على التقديم والتأخير ، واهلل أعلم .‬
                                                                                                         ‫وأما مكروهات الذكاة فهي :‬
                                                               ‫24‬
‫أحكام االضحية والذكاة‬



         ‫2 أن يذكيها بآلة كالة ؛ لمخالفة أمر النبي صلى اهلل عليه وسلم بإحداد الشفرة ولما فيه من تعذيب الحيوان ، وقيل : يحرم ذلك .‬
    ‫2 أن يحد السكين والبهيمة تنظر ؛ ألن النبي صلى اهلل عليه وسلم أمر أن تحد الشفار ، وأن توارى عن البهائم . رواه أحمد وابن ماجه‬
     ‫(312)، ورأى رجال أضجع شاة وهو يحد شفرته ، فقال النبي صلى اهلل عليه وسلم : (( لقد أردت أن تميتها موتان ، هال حددتها قبل أن‬
             ‫تضجعها )) . رواه الحاكم والطبراني (512). وألن حد الشفرة وهي تنظر يوجب إزعاجها وذعرها ، وهو ينافي الرحمة المطلوبة .‬
  ‫1 أن يذكيها واألخرى تنظر إليها ، هكذا قال أهل العلم ، وذلك ؛ ألنها تنزعج إذا رأت أختها تذكى بنحر أو ذبح ، فإنها تشعر بذلك كما‬
                                   ‫هو مشاهد ، فإنك ترى القطيع أو الذود ينفر إذا نفرت منه واحدة وإن لم ير السبب الذي نفرت منه .‬
    ‫3 أن ال يفعل ما يؤلمها قبل زهوق نفسها ، مثل أن يكسر عنقها ، أو يبدأ بسلخها ، أو يقطع شيئا من أعضائها قبل أن تموت ، وقيل :‬
‫يحرم ذلك ، وهو الصحيح لما فيه من األلم الشديد عليها بدون فائدة أو حاجة ، وعلى هذا فلو شرع في سلخها ثم كت وجب عليه أن‬
             ‫تحر‬
                                                                                                           ‫يمسك حتى يتيقن موتها .‬
 ‫5 أن يوجهها إلى غير القبلة عند الذبح ، ذكره األصحاب ولم يذكروا دليال يوجب الكراهة ، واألصل عدمها ، وترك المستحب ال يلزم منه‬
‫الكراهة ؛ ألن الكراهة حكم وجودي يحتاج إلى دليل وإال لقلنا : إن كل من ترك شيئا من المستحبات لزم أن يكون فاعال مكروها ، وال شك‬
                                                   ‫أن األولى توجيه الذبيحة إلى القبلة السيما الذبح الذي يتقرب به إلى اهلل كاألضحية .‬
 ‫وإلى هنا انتهى ما أردنا كتابته في اليوم العاشر من شهر رجب سنة ست وتسعين وثالثمائة وألف ، والحمد هلل الذي بنعمته تتم الصالحات .‬
‫قال ذلك جامعه الفقير إلى اهلل سبحانه محمد الصالح العثيمين ، غفر اهلل له ولوالديه وإلخوانه المسلمين ، وصلى اهلل وسلم على نبينا محمد‬
                                                                           ‫، وعلى آله وأصحابه ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .‬




                                                               ‫34‬
‫أحكام االضحية والذكاة‬




          ‫)1(رواه البخاري ، كتاب األضاحي باب الذبح بعد الصالة ، (1655) ومسلم، كتاب األضاحي باب وقتها، رقم (2692).‬
  ‫)2(رواه البخاري ، كتاب األضاحي ، باب قسمة اإلمام األضاحي بين الناس، رقم (7355) ومسلم كتاب األضاحي باب سن األضحية،‬
                                                                                                      ‫رقم (5692).‬
 ‫)3(رواه البخاري ، كتاب األضاحي ، باب التكبير عند الذبح ، رقم (5655) ومسلم، كتاب األضاحي ،باب استحباب الضحية وذبحها‬
                                                                                                  ‫مباشرة (6692).‬
                             ‫)4(رواه أحمد (82/2) والترمذي ، كتاب األضاحي ، باب الدليل على أن األضحية سنة رقم (7152)‬
‫)5(رواه البخاري، كتاب األضاحي ، باب من ذبح قبل الصالة أعاد، رقم (2655) ومسلم ، كتاب األضاحي، باب وقتها، رقم (1692).‬
 ‫)6(رواه الترمذي ، كتاب األضاحي ، باب ما جاء أن الشاة الواحدة تجزئ عن أهل البيت، رقم (5152) وابن ماجه ، كتاب األضاحي ،‬
                                                                          ‫باب من ضحي بشاة عن أهله، رقم ( 7321).‬
         ‫)7(رواه أحمد (2/221) وابن ماجه ، كتاب األضاحي ، باب األضاحي واجبة هي أم ال ؟رقم (1221) ،والحاكم (2/981).‬
 ‫)8(رواه أحمد(3/522) وأبو داود ، كتاب األضاحي، باب ما حاء في إيجاب األضاحي، رقم (8872) ، والترمذي ، كتاب األضاحي،‬
                                           ‫باب رقم (82) حديث األضاحي، باب األضاحي واجبة هي أم ال ؟ رقم (5221).‬
                                                                                                       ‫)9(تقدم تخريجه.‬
            ‫)01(رواه البخاري، كتاب العقيقة، باب الفرع، رقم (1735) ومسلم ، كتاب األضاحي باب الفرع والعتيرة، رقم (6792)‬
                                                        ‫)11( أخرجه أحمد(2/212)، والحاكم (2/111) والبيهقي (9/362)‬
   ‫)21(أخرجه أحمد(6/2918)، والبزار (9/921) وابن ماجه ، كتاب األضاحي باب أضاحي رسول اهلل النبى صلي اهلل عليه وعلي آله‬
                                                                                              ‫وسلم ، رقم (2221).‬
                                                                                         ‫)31(((مجمع الزوائد)) (3/22).‬

                                                         ‫44‬
‫أحكام االضحية والذكاة‬



     ‫)41(راجع: أحمد (6/291) والطبراني في (( الكبير))( 2/221)ابن ماجه رقم (2221)، والبيهقي(9/952) والحاكم (2/523)‬
   ‫)51(رواه مسلم، كتاب األضاحي، باب نهي من دخل عليه عشر ذي الحجة وهو مريد..، رقم (7792)وأبو داود، كتاب الضحايا باب‬
    ‫الرجل يأخذ من شعره في العشر، رقم (2792)، والترمذي ، كتاب األضاحي، باب من ترك أخذ الشعر لمن أراد أن يضحي، رقم‬
‫(1252)، والنسائي ، كتاب الضحايا باب رقم (2) حديث رقم (2613)، وابن ماجه ، كتاب األضاحي، باب من أراد أن يضحي فال‬
                                                                                        ‫يأخذ في العشر..، رقم 93211)‬
                                                                               ‫)61(رواه مسلم، كتاب األضاحي، رقم (7792)‬
 ‫)71(رواه البخاري ، كتاب الحج، باب مهل أهل الشام، رقم (6252)، ومسلم، كتاب الحج باب مواقيت الحج والعمرة، رقم (2822)‬
                                                                                   ‫)81((( السنن الكبري) للبيهقي (9/362).‬
                                                                                   ‫)91((( السنن الكبري)) البيهقي (9/562)‬
        ‫)02(رواه أبو داود، كتاب الضحايا ، باب ما جاء في إيجاب الضاحي، رقم (9872) والنسائي ، كتاب الضحايا باب من لم يجد‬
                                                                                                ‫األضحية، رقم (5613).‬
                                                                                                    ‫)12(سبق تخريجه ص22‬
‫)22(رواه البخاري، كتاب األضاحي، باب ما كل من لحوم األضاحي ومايتزود منها، رقم (9655)، ومسلم ، كتاب األضاحي باب بيان ما‬
                                                                             ‫يؤ‬
                                                          ‫كان من النهي عن أكل لحوم األضاحي بعد ثالث، رقم (3792).‬
                             ‫)32(رواه البخاري، كتاب األطعمة باب ما كان السلف يدخرون في بيوتهم واسفارهم..، رقم (1235).‬
                                                                                                           ‫)42(سبق تخريجه‬
   ‫)52(رواه أبو داود، كتاب الضحايا باب األضحية عن الميت، رقم (1972)والترمذي ، كتاب األضاحي باب ما جاء في األضحية عن‬
                                                                                                   ‫الميت، رقم (5932)‬
  ‫)62(رواه البخاري، كتاب العيدين باب فضل العمل في أيام التشريق ، رقم (969) وأبو داود، كتاب الصوم ، باب في صوم العشر، رقم‬
‫81321) والترمذي، كتاب الصوم باب ما جاء في العمل في أيام العشر، رقم (757) وابن ماجه ، كتاب الصيام، باب صيام العشر،‬
                                                                                                         ‫رقم (7272).‬


          ‫)72(رواه البخاري، كتاب األضاحي، باب سنة األضحية ، برقم (5355)/ ومسلم، كتاب األضاحي ، باب وقتها، رقم (2692)‬
                                                                                                            ‫)82(تقدم تخريجه‬
                                                                                                            ‫)92(تقدم تخريجه‬
                                             ‫)03(رواه البخاري، كتاب العيدين باب كالم اإلمام والناس في خطبة العيد، رقم (589).‬
                                              ‫)13(رواه البخاري، كتاب العيدين باب النحر والذبح بالمصلي يوم العيد. رقم (289)‬

                                                          ‫54‬
‫أحكام االضحية والذكاة‬



                                                 ‫)23(رواه البخاري، كتاب األضاحي، باب من ذبح قبل الصالة أعاد، رقم (2655).‬
                                                ‫)33(رواه مسلم، كتاب األضاحي ، باب سن األضحية ، (3692) وأحمد (1/392)‬
                                                    ‫)53( ذكر اسم اهلل على ذلك يتناول ذكر اسمه عند ذبحها وعند أكلها. (المؤلف)‬
                                                                                     ‫)63(رواه ابن حاتم في تفسيره (8/9832)‬
                                                              ‫)73(رواه أحمد (3/28) والبيهقي (9/652)، وابن حبان (9/662)‬
                                                       ‫)83(رواه مسلم، كتاب الصيام/ باب تحريم صوم أيام التشريق، رقم (2322)‬
                                                                                            ‫)93(((تلخيص الحبير)) (3/232)‬
‫)04(ذكره البخاري تعليقاً في كتاب البيوع، باب تفسير المشبهات، ورواه الترمذي من حديث حسن بن على مرفوعاً، كتاب صفة القيامة باب‬
                                                                     ‫رقم (16) حديث رقم (8522) وصححه (6/152).‬



                                                                ‫)14( رواه مسلم كتاب األضاحي باب سن األضحية، رقم (1692)‬
                                                                                                                        ‫)24(‬
                                                                                                          ‫تقدم تخريجه‬
                                                                                                                        ‫)34(‬
     ‫رواه أبو داود، كتاب الضحايا باب ما يستحب من الضحايا ، رقم (6972)، والترمذي ، كتاب األضاحي باب ما يستحب من‬
  ‫األضاحي رقم (6932)، والنسائي، كتاب الضحايا، باب الكبش رقم (1913) وابن ماجه كتاب األضاحي باب ما يستحب من‬
                                                                                                  ‫األضاحي (8221).‬
                                                                                                                        ‫)44(‬
                     ‫رواه أحمد 61/22) وابن ماجه كتاب االضاحي باب أضاحي رسول اهلل اصلى اهلل عليه وسلم رقم (2221)‬
                                                                                                                        ‫)54(‬
                                                           ‫رواه مسلم، كتاب الحج باب االشتراك في الهدي، رقم (8212)‬
                                                                                                                        ‫)64(‬
                                                                                                  ‫انظر الحديث السابق.‬
                                                                                                                        ‫)74(‬
                                       ‫رواه مسلم، كتاب األضاحي ، باب استحباب األضحية وذبحها مباشرة، رقم (7692).‬
                                                                                                                        ‫)84(‬
                                                                                                     ‫رواه أحمد (6/8)‬
                                                                                                                        ‫)94(‬
                               ‫رواه الترمذي ، كتاب االضاحي باب رقم (12) حديث رقم (2252) وأحمد (1/1،8/651).‬
                                                                                                                        ‫)05(‬
                                                                                                          ‫تقدم تخريجه‬
                                                                                                                        ‫)15(‬
                                                                                                          ‫سبق تخريجه‬
                                                                                                                        ‫)25(‬
                                                     ‫رواه مسلم، كتاب األضحية، باب نقض األحاكم الباطلة، رقم (8272)‬
                                                                                                                        ‫)35(‬
                                                                                                  ‫رواه أحمد (1/323)‬
                                                                                                                        ‫)45(‬
                                                                                                          ‫سبق تخريجه‬

                                                           ‫64‬
‫أحكام االضحية والذكاة‬




                                             ‫)55( رواه مسلم ، كتاب الزهد والرقائق باب من أشرك في عمله غير اهلل، رقم (5892)‬
                                                                                                                       ‫)65(‬
                                                                                                         ‫سبق تخريجه‬
                                                                                                                       ‫)75(‬
‫رواه البخاري، كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود، رقم (7962)، ومسلم ، كتاب األقضية، باب نقض‬
                                                                                        ‫األحكام الباطلة، رقم (8272)‬
                                                                                                                       ‫)85(‬
                                                                                                         ‫سبق تخريجه‬
                                                                                                                       ‫)95(‬
                                  ‫رواه أحمد (6/861) وابن ماجه كتاب األضاحي باب ما تجزئ من األضاحي، رقم (9121)‬
                                                                                                                       ‫)06(‬
                                                          ‫رواه النسائ كتاب الضحايا، باب المسنة والجذعة، رقم (2813)‬
                                                                                                                       ‫)16(‬
             ‫رواه الترمذي ، كتاب األضاحي ، باب ما جاء في الجذع من الضان في األضاحي، رقم 99321)، وأحمد (2/533)‬
                                                                                                                       ‫)26(‬
                                                                                                         ‫سبق تخريجه‬
                                                                                                                        ‫)36(‬
‫رواه أبو داود، كتاب الضحايا ، باب ما يكره من الضحايا، رقم (2182)، والترمذي ، كتاب األضاحي باب ما ال يجوز من األضاحي،‬
   ‫رقم (7932) والنسائي، كتاب الضحايا باب ما نهي من االضاحي، رقم (9613)، وابن ماجه، كتاب األضاحي، باب ما يكره أن‬
                                                                           ‫يضحي به، رقم 33211) وأحمد (3/111).‬
                                                                                                                        ‫)46(‬
                                                                 ‫رواه النسائي، كتاب الضحايا ، باب العرجاء رقم (1713)‬
                                                                                                                        ‫)56(‬
                                                                               ‫رواه مالك في الموطأ، كتاب الضحايا (2)‬
                                          ‫)66( رواه الترمذي، كتاب األضاحي، باب في الضحية بعضباء القرن واألذن، رقم (3152)‬

‫)76( رواه أحمد (2/932) والترمذي ، كتاب األضاحي، باب ما يكره من األضاحي، رقم (8932)، والنسائي في ( الكبري) رقم (2633)‬
                                             ‫وابن ماجه ، كتاب األضاحي، باب ما يكره أن يضحي به، رقم (1321،2321).‬
                                                             ‫)86( رواه البزار(2/221) والحاكم (3/932) والبيهقي (9/572).‬
                    ‫)96( رواه أحمد (3/582) وأبو داود، كتاب الضحايا باب ما يكره من الضحايا، رقم(1182)، والحاكم (3/152)‬


                                                                                                         ‫)07( سبق تخريجه‬
                                                                                                                       ‫)17(‬
                                                      ‫رواه البخاري، كتاب االستقراض، باب استقراض اإلبل، رقم (1912)‬
                                                                                                                       ‫)27(‬
                                          ‫رواه مسلم، كتاب المساقاة، باب من استسلف شيئاً فقضى خيراً منه، رقم (2162)‬



                                ‫)47(رواه مسلم، كتاب األضاحي، باب بيان ما كان من النهي عن أكل لحوم األضاحي، رقم (2792)‬

                                                          ‫74‬
‫أحكام االضحية والذكاة‬



                                 ‫)57(رواه البخاري، كتاب األضاحي ، باب ما كل من لحوم االضاحي وما يتزود منها، رقم (9655)‬
                                                                             ‫يؤ‬
                                                                    ‫)67(رواه مسلم، كتاب األضاحي، باب وقتها، رقم (2692)‬
                                                                                       ‫)77(تفسير ابن أبي حاتم (8/9832)‬
                                                ‫)87(رواه مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي صلى اهلل عليه وسلم رقم 82221)‬
                                                                                                         ‫)97(سبق تخريجه‬
  ‫)08(رواه البخاري، كتاب النكاح، باب الحرة تحت العبد، رقم (7915) ومسلم، كتاب العتق، باب إنما الوالء لمن أعتق، رقم (3152)‬
‫)18(رواه البخاري، كتاب كاة، باب هل يشتري صدقته؟ رقم (1932 )، ومسلم كتاب الهبات، باب كراهة شراء اإلنسان ما تصدق به، رقم‬
                                                                                              ‫الز‬
                                                                                                          ‫(1262).‬
                                                      ‫)28(رواه مسلم، كتاب الصيام، باب قضاء الصيام عن الميت، رقم (9322)‬



   ‫)38( رواه مسلم، باب نهي من دخل عليه عشر ذي الحجة وهو مريد التضحية أن يأخذ من شعره…، رقم (7792)، وأبو داود ، كتاب‬
      ‫الضحايا ، باب الرجل يأخذ من شعره في العشر، رقم (2972)، والترمذي ، كتاب األضاحي، باب ترك أخذ الشعر لمن أراد أن‬
   ‫يضحي، رقم (1252)والنسائي، كتاب الضحايا، باب رقم (2) حديث رقم (2613) وابن ماجه كتاب االضاحي، باب من أراد أن‬
                                                          ‫يضحي فال يأخذ من شعره…، رقم (9321)، وأحمد (6/982).‬
                                                                                                                      ‫)48(‬
                                                                                          ‫انظر تخريج الحديث السابق.‬
                                                                                                                      ‫)58(‬
‫رواه مسلم، كتاب األضاحي ، باب نهي من دخل عليه عشر ذي الحجة…، رقم (7792)، والنسائي، كتاب الضحايا ، باب رقم (2)‬
         ‫حديث رقم (3613)، وابن ماجه ، كتاب األضاحي، باب من أراد أن يضحي فال يأخذ في العشر من شعره..،رقم (9321)‬
                                                                                                                      ‫)68(‬
                          ‫رواه البخاري، كتاب العتق، باب في العتق وفضله، رقم (7252)، ومسلم، كتاب العتق، رقم (9152)‬


                                                                                                                      ‫)78(‬
                                   ‫رواه البخاري، كتاب كالة، باب إذا أبصر الراعي أو كيل شاة تموت…، رقم (3112).‬
                                                            ‫الو‬                          ‫الو‬
                                                                                                                      ‫)88(‬
                                                               ‫األقلف:هو الذي لم يختن سمي بذلك ألن قلفته لم تقطع.‬
                                                                                                                      ‫)98(‬
       ‫كين، رقم (7262)، ومسلم كتاب الطب، باب السم، رقم (1922)‬
                                                            ‫رواه البخاري، كتاب الهبة، باب قبول الهدية من المشر‬
                                                                                                                      ‫)09(‬
                                                                                                ‫رواه أحمد (1/122)‬
                                                                                                                      ‫)19(‬
‫رواه البخاري، كتاب فرض الخمس، باب ما يصيب من الطعام في أرض الحرب، رقم (1521)، ومسلم ، كتاب الجهاد والسير باب‬
                                                                            ‫أخذ الطعام من أرض العدو، رقم (2772)‬


                                                          ‫84‬
‫أحكام االضحية والذكاة‬


                                                                                                                             ‫)29(‬
  ‫رواه البخاري، كتاب بدء الوحي، باب كيف بدء الوحي إلى رسول اهلل…، رقم (2)ومسلم، كتاب الجهاد، باب قوله النبي صلى اهلل‬
                                                              ‫عليه وعلي آله وسلم : (( إنما األعمال بالنية))رقم (7192).‬
                                                                                                                             ‫)39(‬
                                                 ‫رواه النسائي، كتاب الصيد والذبائح، باب إباحة أكل العصافير، رقم (9313)‬
                                                                                                                             ‫)49(‬
                                                ‫رواه النسائي ، كتاب الضحايا، باب من قتل عصفوراً بغير حقها، رقم (6333)‬
                                                                                                                             ‫)59(‬
                                                       ‫رواه مسلم، كتاب األضاحي، باب تحريم الذبح لغير اهلل، رقم (8792)‬
                                                                                                                             ‫)69(‬
   ‫رواه البخاري، كتاب كة، باب قسمة الغنم، رقم (8832) ، ومسلم ، كتاب األضاحي، باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم إال‬
                                                                                            ‫الشر‬
‫السن..، رقم 86921)، وأبو داود، كتاب الضحايا ، باب في الذبيحة بالمروة، رقم (2282 والترمذي، كتاب الصيد ، باب ما جاء‬
    ‫في الذكاة بالقصب وغيره، رقم (2932)والنسائي، كتاب الضحايا ، باب ذكر المنفلتة التي ال يقدر على أخذها، رقم (9133،‬
                                                       ‫1233)، وابن ماجه ، كتاب الذبائح، باب ما يذكي به، رقم (8721)‬
                                                                                                                             ‫)79(‬
                                                                                                             ‫سبق تخريجه‬
                                                                                                                             ‫)89(‬
                                             ‫رواه البخاري، كتاب الذبائح والصيد، باب ذبيحة األعراب ونحوهم، رقم (7155)‬
                                                                                                                             ‫)99(‬
‫رواه أبو داود، كتاب اللباس، باب في أهب الميتة، رقم (6223)، والنسائي، كتاب الفرع والعتيرة، باب ما يدبغ به جلود الميتة، رقم‬
                                                                                                              ‫(8323).‬
                                                                                                                            ‫)001(‬
                                                     ‫رواه مسلم، كتاب الحيض، باب طهارة جلود الميتة بالدباغ، رقم (661)‬
                                                                                                                            ‫)101(‬
                                                       ‫رواه البخاري، كتاب الذبائح والصيد، باب جلود الميتة، رقم (2155)‬
                                                                                                                            ‫)201(‬
                                                                                                            ‫سبق تخريجه‬
                                                                                                                            ‫)301(‬
                                                                                                            ‫سبق تخريجه‬
                                                                                                                            ‫)401(‬
                                                                                                            ‫سبق تخريجه‬
                                                                                                                            ‫)501(‬
                                          ‫رواه مسلم، كتاب األضاحي، باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم إال…رقم (8692)‬
                                                                                                                            ‫)601(‬
                                            ‫صحيح البخاري، كتاب الذبائح والصيد، باب ما ند من البهائم فهو بمنزلة الوحش.‬
                                                                                                                            ‫)701(‬
                                                    ‫رواه أبو داود، كتاب الضحايا ، باب في المبالغة في الذبح، رقم (6282)‬
                                                                                                                            ‫)801(‬
                          ‫قال في : (( النهاية)) الليط قشر القصب والقناة كل شيء كانت له صالبة ومتانة، والقطعة منه: ليطة.‬
                                                                        ‫و‬
                                                                                                                            ‫)901(‬
                                                                                         ‫رواه ابن شيبة (3/152، 552)‬
                                                                                                                            ‫)011(‬
                                                                                  ‫رواه الطبراني في (( الكبير )) (8/222)‬
                                                                                                                            ‫)111(‬
                                                      ‫ذكره عنه البخاري تعليقاً في كتاب الذبائح والصيد، باب النحر والذبح.‬
                                                                                                                            ‫)211(‬
                                             ‫رواه البخاري، كتاب الذبائح والصيد، باب إذا أصاب قوم غنيمة..، رقم (1355)‬
                                                                                                                            ‫)311(‬
                                                   ‫رواه أبو داود ، كتاب الجهاد، باب في النهي عن النهي ..ن رقم (5172)‬
                                                             ‫94‬
‫أحكام االضحية والذكاة‬


                                                                                                                          ‫)411(‬
                                    ‫رواه أحمد(5/392) وأبو داود، كتاب البيوع ، باب في اجتناب الشبهات، رقم (2111)‬
                                                                                                                          ‫)511(‬
   ‫رواه أبو داود، كتاب الطهارة ، باب الوضوء بماء البحر، رقم (18)، والترمذي ، كتاب الطهارة ، باب ما جاء في ماء البحر أنه‬
  ‫طهور، رقم (96)، والنسائي ، كتاب الطهارةن باب ماء البحر، رقم (95)، وابن ماجه ، كتاب الطهارة، باب الوضوء بماء البحر،‬
                                                                                          ‫رقم (681) وأحمد(2/261)‬
                                                                                                                          ‫)611(‬
‫رواه البخاري، كتاب كة، باب كة في الطعام..، رقم (1832)، ومسلم، كتاب الصيد والذبائح، باب إباحة ميتة البحر، رقم‬
                                                                                ‫الشر‬    ‫الشر‬
                                                                                                             ‫(5192).‬
                                                                                                                          ‫)711(‬
                                       ‫رواه أحمد (2/79) وابن ماجه ، كتاب األطعمة، باب الكبد والطحال، رقم (3211)‬


      ‫)811(رواه أبو داود، كتاب الضحايا، باب ما يستحب من الضحايا، رقم (5972) وابن ماجه، كتاب األضاحي، باب أضاحي رسول‬
                                                                              ‫اهلل صلى اهلل عليه وسلم ، رقم (2221).‬
                                                                                                                          ‫)911(‬
                                             ‫رواه مسلم، كتاب الصيد والذبائح، باب األمر بإحسان الذبح والقتل، (5592)‬
                                                                                                                          ‫)021(‬
                                                      ‫رواه أبو داود، كتاب المناسك، باب كيف تنحر البدن، رقم (7672)‬
                                                                                                                          ‫)121(‬
      ‫رواه البخاري، كتاب الحج، باب نحر اإلبل مقيدة، رقم (1272)، ومسلم ، كتاب الحج، باب نحر البدن قياماً مقيدة، رقم‬
                                                                                                              ‫(1212)‬
                                                                                                                          ‫)221(‬
                                                                                                           ‫سبق تخريجه‬
                                                                                                                          ‫)321(‬
                                                                                                   ‫رواه أحمد(1/613)‬
                                                                                                                          ‫)421(‬
‫رواه البخاري، كتاب الجنائز، باب قول النبى صلى اهلل عليه وسلم : (( ويعذب الميت ببعض بكاء أهله)) رقم (3822) ، ومسلم،‬
                                                                      ‫كتاب الجنائز، باب البكاء على الميت، رقم (129)‬
                                                                                                                          ‫)521(‬
‫رواه البخاري، كتاب األدب، باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته، رقم (7995)، ومسلم، كتاب الفضائل، باب رحمته صلى اهلل عليه‬
                                                                               ‫وسلم الصبيان والعيال…، رقم (8212).‬
                                                                                                                          ‫)621(‬
                                                                                                           ‫سبق تخريجه‬
‫)921( رواه أبو داود، كتاب الضحايا، باب في الشاة يضحى بها عن جماعة ، رقم (1282)، والترمذي ، كتاب األضاحي، باب ما جاء أن‬
                                                        ‫الشاة الواحدة تجزي عن أهل البيت، رقم (5152)، وأحمد (1/8)‬
                                                                                                                          ‫)031(‬
                                                                                                           ‫سبق تخريجه‬
                                                                                                                          ‫)131(‬
                                                                                                  ‫رواه أحمد (6/291)‬
                                                                                                                          ‫)231(‬
                                                                                                           ‫سبق تخريجه‬
                                                                                                                          ‫)331(‬
                                                                                                           ‫سبق تخريجه‬

                                                           ‫05‬
‫أحكام االضحية والذكاة‬


                                                                                             ‫)431(‬
        ‫رواه أحمد(2/812)، وابن ماجه، كتاب الذبائح، باب إذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، رقم (2721)‬
                                                                                             ‫)531(‬
                                        ‫رواه الحاكم( 3/112) ، وصححه ، وسكت عنه الذهبي.‬




                                   ‫15‬

أحكام الاضحية والذكاة

  • 1.
    ‫أحكام االضحية والذكاة‬ ‫الفصل األول‬ ‫في تعريف األضحية وحكمها‬ ‫األضحية: ما يذبح من بهيمة األنعام أيام األضحى بسبب العيد؛ تقرباً إلى اهلل عز وجل.‬ ‫وهي من العبادات المشروعة في كتاب اهلل وسنة رسوله النبي صلى اهلل عليه وعلي آله وسلم وإجماع المسلمين.‬ ‫فأما كتاب اهلل : فقد اهلل تعالي: (فَصل لِربِّك وانْحر) (الكوثر:2) وقال تعالي:(قُل إِن صالتِي ونُسكي ومحيَاي ومماتِي لِلَّه رب‬ ‫ِ َ ِّ‬ ‫َ ُ ََ ْ َ َََ‬ ‫ِ‬ ‫ْ َّ َ‬ ‫َ ِّ َ َ َ َ ْ‬ ‫الْعالَمين) (ال شريك لَهُ وبِذلِك أُمرت وأَنَا أَول الْمسلِمين) (األنعام:162،262) .‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫َ ِ َ َ َ َ ْ ُ َ َّ ُ ُ ْ َ‬ ‫ِ‬ ‫َ َ‬ ‫وقال تعالى: (ولِكل أُمة جعلْنَا منسكاً لِيَذكروا اسم اللَّه علَى ما رزقَ هم من بَهيمة األَنْعام فَِإلَهكم إِلَ ٌ واحد فَلَهُ أَسلموا )(الحج: 31).‬ ‫ِ‬ ‫ْ ُ‬ ‫ْ ُ ُ ْ َ ِ َ َ ََ ُ ْ ِ ْ ِ َ ِ ْ َ ِ ُ ُ ْ ه َ ِ ٌ‬ ‫ٍ‬ ‫َ ُ ِّ َّ َ َ َ ْ َ‬ ‫وهذه اآلية تدل على أن الذبح تقرباً إلى اهلل تعالي مشروع في كل ملة لكل أمة، وهو برهان بين على أنه عباده ومصلحة في كل زمان‬ ‫ومكان وأمة.‬ ‫َ‬ ‫وأما سنة رسول اهلل صلي اهلل عليه وسلم : فقد ثبت مشروعية األضحية فيها بقول النبي صلي اهلل عليه وسلم وفعله وإقراره،‬ ‫فاجتمعت فيها أنواع السنة الثالثة: القول، والفعل، والتقرير.‬ ‫ففي : ((الصحيحين)) عن البراء بن عازب رضي اهلل عنه أن النبي صلي اهلل عليه وسلم قال: (( من ذبح بعد الصالة فقد تم نسكه،‬ ‫وأصاب سنة المسلمين))(2). وفيهما أيضاً عن عقبة بن عامر رضي اهلل عنه أن النبي صلي اهلل عليه وسلم قسم بين أصحابه ضحايا، فصارت‬ ‫لعقبة جذعة، فقال: يا رسول اهلل؛ صارت لي جذعة. فقال ((ضح بها))(2).‬ ‫وفي (( الصحيحين)) أيضاً عن أنس بن مالك رضي اهلل عنه قال: ضحى النبي صلي اهلل عليه وسلم بكبشين أملحين ذبحهما بيده،‬ ‫وسمي كبر ووضع رجله على صفاحهما(1). وعن عبد اهلل بن عمر رضي اهلل عنهما قال: أقام النبي صلى اهلل عليه وسلم بالمدينة عشر سنين‬ ‫و‬ ‫يضحي . رواه أحمد والترمذي وقال: حديث حسن(3).‬ ‫وفي ((الصحيحين)) أيضاً عن جندب سفيان .البجلي قال: شهدت األضحى مع رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم، فلما قضي صالته‬ ‫بالناس نظر إلى غنم قد ذبحت فقال: (( من ذبح قبل الصالة فليذبح شاة مكانها، ومن لم يكن ذبح فليذبح على اسم اهلل)) هذا لفظ‬ ‫مسلم(5).‬ ‫وعن عطاء بن يسار قال: سألت أبا أيوب األنصاري: كيف كانت الضحايا فيكم على عهد النبي صلى اهلل عليه وسلم ؟فقال : كان‬ ‫الرجل يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته ( الحديث ) . رواه ابن ماجه والترمذي وصححه(6).‬ ‫وأما إجماع المسلمين على مشروعية األضحية فقد نقله غير واحد من أهل العلم .‬ ‫1‬
  • 2.
    ‫أحكام االضحية والذكاة‬ ‫قال في (( في المغني )) : أجمع المسلمون على مشروعية األضحية . وجاء في (( فتح الباري شرح صحيح البخاري )) : وال‬ ‫خالف في كونها من شرائع الدين .‬ ‫وبعد إجماعهم على مشروعية األضحية اختلفوا : أواجبة هي أم سنة كدة ؟ على قولين :‬ ‫مؤ‬ ‫القول األول : أنها واجبة ، وهو قول األوزاعي ، والليث ، ومذهب أبي حنيفة ، وإحدى الروايتين عن اإلمام أحمد ، قال شيخ‬ ‫اإلسالم : وهو أحد القولين في مذهب مالك ، أو ظاهر مذهب مالك .‬ ‫القول الثاني : أنها سنة كدة ، وهو قول الجمهور ، ومذهب الشافعي ، ومالك ، وأحمد في المشهور عنهما ، لكن صرح كثير من‬ ‫مؤ‬ ‫أرباب هذا القول بأن كها يكره للقادر ، ذكره أصحابنا ، نص اإلمام أحمد وقطع به في اإلقناع ، وذكر في (( جواهر اإلكليل شرح مختصر‬ ‫تر‬ ‫خليل )) . أنها إذا كها أهل بلد قوتلوا عليها ؛ ألنها من شعائر اإلسالم .‬ ‫تر‬ ‫أدلة القائلين بالوجوب : الدليل األول : قوله تعالى : (فَصل لِربِّك وانْحر) (الكوثر:2) فأمر بالنحر ، واألصل في األمر الوجوب .‬ ‫َ ِّ َ َ َ َ ْ‬ ‫الدليل الثاني : قوله صلى اهلل عليه وسلم : (( من وجد سعة فلم يضح فال يقربن مصالنا )) رواه أحمد وابن ماجه ، وصححه الحاكم‬ ‫(7)‬ ‫من حديث أبي هريرة .‬ ‫قال في (( فتح الباري )) ورجاله ثقات .‬ ‫الدليل الثالث : قوله صل ى اهلل عليه وسلم وهو واقف بعرفة : (( يا أيها الناس ، إن على أهل كل بيت أضحية في كل عام وعتيرة )) .‬ ‫قال في (( الفتح )) : أخرجه أحمد واألربعة بسند قوي(8) .‬ ‫الدليل الرابع : قوله صلى اهلل عليه وسلم (( من كان ذبح قبل أن يصلي فليذبح مكانها أخرى ، ومن لم يكن ذبح حتى صلينا فليذبح‬ ‫باسم اهلل )) متفق عليه(9) .‬ ‫هذه أدلة القائلين بالوجوب ، وقد أجاب عنها القائلون بعدم الوجوب واحداً واحداً .‬ ‫فأجابوا عن الدليل األول : بأنه ال يتعين أن يكون المراد بها نحر القربان ، فقد قيل : إن المراد بها وضع اليدين تحت النحر عند‬ ‫القيام في الصالة ، وهذا القول وإن كان ضعيفا لكن مع االحتمال قد يمتنع االستدالل .‬ ‫وإذا قلنا : إن المراد بها نحر القربان كما هو ظاهر القرآن ، فإنه ال يتعين أن يكون المراد بها فعل النحر ، فقد قيل : إن المراد بها‬ ‫تخصيص النحر هلل تعالى وإخالصه له ، وهذا واجب بال شك وال نزاع .‬ ‫وإذا قلنا : المراد بها فعل النحر كما هو ظاهر اآلية ؛ فهو أمر مطلق يحصل امتثاله بفعل ما ينحر تقربا إلى اهلل تعالى من أضحية ، أو‬ ‫هدي ، أو عقيقة ولو مرة واحدة ، فال يتعين أن يكون المراد به األضحية كل عام .‬ ‫وهذا تقرير جوابهم عن اآلية ، وعندي أنه إذا صح الدليل الثالث ؛ صار مبينا لآلية ، وصارت حجة على الوجوب . واهلل أعلم .‬ ‫وقد يقال : إن وجوب النحر الذي تدل عليه هذه اآلية خاص بالنبي صلى اهلل عليه وسلم شكرا منه لربه على ما أعطاه من الخير‬ ‫الكثير الذي لم يعطه أحد غيره ؛ بدليل ترتيبه عليه بالفاء ، وبدليل ما يأتي في الدليل األول للقائلين بعدم الوجوب .‬ ‫2‬
  • 3.
    ‫أحكام االضحية والذكاة‬ ‫وأجابوا عن الدليل الثاني : بأن الراجح أنه موقوف ، ولعل أبا هريرة قاله حين كان والياً على المدينة ، قال في (( بلوغ المرام )) :‬ ‫رجح األئمة وقفه ، اه . لكن قال في (( الدراية )) : إن الذي رفعه ثقة .‬ ‫قلت : وإذا كان الذي رفعه ثقة ؛ فالمشهور عند المحدثين أنه إذا تعارض الوقف والرفع ، كان الرافع ثقة فالحكم للرفع ؛ ألنه زيادة‬ ‫و‬ ‫من ثقة مقبولة ، لكن قال في ((الفتح )) : إنه ليس صريحا في اإليجاب .‬ ‫قلت : هو ليس بصريح في اإليجاب ، إذ يحتمل أن منعه من المسجد ، وحرمانه من حضور الصالة ودعوة المسلمين عقوبة له على‬ ‫ترك هذه الشعيرة ، وإن لم تكن واجبة ، لكن من أجل تأكدها ، لكن هو ظاهر في اإليجاب ، وال يلزم في إثبات الحكم أن يكون الدليل‬ ‫صريحا في الداللة عليه ، بل يكفي الظاهر إذا لم يعارضه ما هو أقوى منه .‬ ‫وأجابوا عن الدليل الثالث : بأن أحد روات ه أبو رملة ( عامر ) قال في ((التقريب )) : ال يعرف . وقال الخطابي : مجهول والحديث‬ ‫ضعيف المخرج . وقال المعافري : هذا الحديث ضعيف ال يحتج به .‬ ‫قلت : وقد سبق أن صاحب (( الفتح )) وصف سنده بالقوة ؛ لكنه قال : ال حجة فيه ؛ ألن الصيغة ليست صريحة في الوجوب‬ ‫المطلق ، وقد ذكر معها العتيرة ، وليست بواجبة عند من قال بوجوب األضحية . اه .‬ ‫وقد سبق الجواب بأنه ال يلزم في إثبات الحكم أن يكون الدليل صريحا في الداللة عليه بل يكفي الظاهر إذا لم يعارضه ما هو‬ ‫أقوى منه ، وأما ذكر العتيرة معها وهي غير واجبة ؛ فقد ورد ما يخرجها عن الوجوب بل عن المشروعية عند كثير من أهل العلم ، وهو قوله‬ ‫صلى اهلل عليه وسلم في حديث أبي هريرة : (( ال فرع وال عتيرة ))(12) . متفق عليه . لكن العلة في الدليل جهالة أبي رملة . واهلل أعلم .‬ ‫أجابوا عن الدليل الرابع : بأن األمر إنما هو بذبح بدلها وهو ظاهر ؛ ألنهم لما أوجبوها تعينت ، وذبحهم إياها قبل الوقت ال يجزئ‬ ‫، فوجب عليهم ضمانها بأن يذبحوا بدلها ، ونحن نقول بمقتضى هذا الحديث ، وأنه لو أوجب أضحية لوجب عليه ذبح بدلها .‬ ‫وأما قوله صلى اهلل عليه وسلم : (( ومن لم يذبح فليذبح باسم اهلل )) فهو أمر بكون الذبح على اسم اهلل ال بمطلق الذبح ، فال‬ ‫يكون فيه دليل على وجوب األضحية .‬ ‫أدلة القائلين بعدم وجوب :‬ ‫الدليل األول : حديث : (( هن على فرائض ولكم تطوع : النحر ، والوتر ، كعتا الضحى )) . أخرجه الحاكم والبزاز وابن عدي ،‬ ‫ور‬ ‫وروى نحوه أحمد ، وأبو يعلى ، والحاكم (22)، وذكر في التخليص له طرقا كلها ضعيفة ، وقال : أطلق األئمة على هذا الحديث الضعف‬ ‫كأحمد ، والبيهقي ، وابن الصالح ، وابن الجوزي ، والنووي وغيرهم .‬ ‫قلت : والضعيف ال يحتج به في إثبات األحكام .‬ ‫الدليل الثاني : أن النبي صلى اهلل عليه وسلم ضحى عن أمته ، فعن على بن الحسين عن أبي رافع رضي اهلل عنه أن النبي صلي اهلل‬ ‫عليه وسلم كان إذا ضحى ؛ اشترى كبشين أقرنين سمينين أملحين ، فإذا صلى وخطب ؛ أتي بأحدهما وهو قائم في مصاله فذبحه بنفسه‬ ‫بالمدية ، ثم يقول : (( اللهم هذا عن أمتي جميعا من شهد لك بالتوحيد وشهد لي بالبالغ )) ، ثم يؤتي باآلخر فيذبحه بنفسه ويقول : ((‬ ‫هذا عن محمد ، وآل محمد )) . فيطعمها جميعا المساكين ، ويأكل هو وأهله منهما ، فمكثنا سنين ليس لرجل من بني هاشم يضحي قد‬ ‫3‬
  • 4.
    ‫أحكام االضحية والذكاة‬ ‫كفاه اهلل المؤونة برسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم والغرم . أخرجه أحمد والبزاز (22)، قال في مجمع الزوائد (12): وإسناده حسن ، سكت‬ ‫عنه في التلخيص ، وله شواهد عند أحمد ، والطبراني ، وأبن ماجه ، والبيهقي ، والحاكم(32) .‬ ‫ووجه الداللة : أن النبي صلى اهلل عليه وسلم قام بالواجب عن أمته فيكون الباقي تطوعا ، ولذلك مكث بنو هاشم سنين ال يضحون‬ ‫على مقتضى هذا الحديث .‬ ‫الدليل الثالث : قوله صلى اهلل عليه وسلم : (( إذا رأيتم هالل ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي ؛ فليمسك عن شعره وأظفاره ))‬ ‫(62)‬ ‫رواه الجماعة إال البخاري(52) ، وفي رواية لمسلم : (( فال يمس من شعره وبشره شيئا ))‬ ‫ووجه الداللة : أن النبي صلى اهلل عليه وسلم فوض األضحية إلى اإلرادة ، وتفويضها إلى اإلرادة ينافي وجوبها ، إذ الوجوب لزوم ال‬ ‫يفوض إلى اإلرادة ، هكذا قالوا .‬ ‫وعندي أن التفويض إلى اإلرادة ال ينافي الوجوب إذا قام عليه الدليل ، فقد قال النبي صلى اهلل عليه وسلم في المواقيت : (( هن‬ ‫لهن ولمن أتي عليهن من غير أهلهن ممن يريد الحج والعمرة ))(72) . ولم يمنع ذلك من وجوب الحج والعمرة بدليل آخر مرة في العمر ،‬ ‫فالتعليق على اإلرادة ليس معناه أن اإلنسان مخير في المراد على اإلطالق ، فقد يجب أن يريد إذا قام مقتضى الوجوب ، وقد ال يجب أن‬ ‫يريد إذا لم يكن دليل على الوجوب ، كما لو قلت : يجب الوضوء على من أراد الصالة . والصالة منها ما تجب إرادته كالفريضة ، ومنها ما‬ ‫ال تجب كالتطوع . وأيضا فاألضحية ال تجب على المعسر فهو غير مريد لها ، فصح تقسيم الناس فيها إلى مريد وغير مريد باعتبار اليسار‬ ‫واإلعسار .‬ ‫الدليل الرابع : أنه صح عن أبي بكر وعمر رضي اهلل عنهما أنهما ال يضحيان مخافة أن يظن أن األضحية واجبة (82). وعن أبي‬ ‫مسعود رضي اهلل عنه أنه قال : أني ألدع األضحية ، وأنا من كم، كراهة أن يعتقد الناس أنها حتم واجب . أخرجه سعيد بن منصور بسند‬ ‫أيسر‬ ‫صحيح ، وذكره البيهقي عن ابن عباس وابن عمر وبالل رضي اهلل عنهم(92) .‬ ‫قلت : وإذا صح الوجوب عن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم لم يكن قول غيره حجة عليه .‬ ‫الدليل الخامس : التمسك باألصل ، فإن األصل براءة الذمة حتى يقوم دليل الوجوب السالم من المعارضة .‬ ‫قلت : وهذا دليل قوي جدا لكن القائلين بالوجوب يقولون : إنه قد قام دليل الوجوب السالم من المعارضة فثبت الحكم .‬ ‫الدليل السادس : أن رجال قال : يا رسول اهلل ، أرايت إن لم أجد إال منيحة أنثى أفأضحي بها ؟ قال : (( ال ، ولكن تأخذ من شعرك‬ ‫وأظفارك وتقص شاربك ، وتحلق ع انتك ، فتلك تمام أضحيتك عند اهلل عز وجل )) . رواه أبو داود والنسائي ، ورواته ثقات(12) . والمنيحة:‬ ‫شاة اللبن تعطى للفقير يحلبها ويشرب لبنها ثم يردها ، وهذا سنة ، ولو كانت األضحية واجبة لم تترك من أجل فعل السنة ، إذ المسنون ال‬ ‫يعارض الواجب . وهذا تقرير جيد وفيه تأمل.‬ ‫قال شيخ اإلسالم ابن تيميه : واألظهر وجوبها ( يعني األضحية ) فإنها من أعظم شعائر اإلسالم ، وهي النسك العام في جميع‬ ‫األمصار ، والنسك مقرون بالصالة ، وهي من ملة إبراهيم الذي أمرنا باتباع ملته ، وقد جاءت األحاديث باألمر بها ، ونفاه الوجوب ليس‬ ‫معهم نص ، فإن عمدتهم قوله صلى اهلل عليه وسلم : (( من أراد أن يضحي ودخل العشر فال يأخذ من شعره وال من أظفاره ))(22) . قالوا :‬ ‫4‬
  • 5.
    ‫أحكام االضحية والذكاة‬ ‫والواجب ال يعلق باإلرادة ، وهذا كالم مجمل ، فإن الواجب ال كل إلى إرادة العبد ، فيقال : إن شئت فافعله ، بل يعلق الواجب بالشرط‬ ‫يو‬ ‫لبيان حكم من األحكام .‬ ‫قلت : مثل أن تقول : إذا أردت أن تصلي الظهر فتوضأ ، فصالة الظهر واجبة لكن تعليقها باإلرادة لبيان حكم الوضوء لها .‬ ‫قال شيخ اإلسالم في بقية كالمه على األضحية : ووجوبها مشروط بأن يقدر عليها فاضال عن حوائجه األصلية كصدقة الفطر . اه .‬ ‫ملخصاً من (( مجموع الفتاوى )) البن قاسم ( من ص262 362 مجلد 21 ) .‬ ‫هذه آراء العلماء وأدلتهم سقناها ليبين شأن األضحية وأهميتها في الدين ، واألدلة فيها تكاد تكون متكافئة ، وسلوك سبيل االحتياط‬ ‫أن ال يدعها مع القدرة عليها ، لما فيها من تعظيم اهلل وذكره وبراءة الذمة بيقين .‬ ‫فصل‬ ‫وذبح األضحية أفضل من الصدقة بثمنها ، نص عليه اإلمام أحمد رحمه اهلل ، قال ابن القيم وهو أحد تالميذ شيخ اإلسالم ابن‬ ‫تيميه البارزين : (( الذبح في موضعه أفضل من الصدقة بثمنه ، ولو زاد ( يعني ولو زاد في ثمنه فتصدق بأكثر منه ) كالهدايا والضحايا ،‬ ‫فإن نفس الذبح وإراقة الدم مقصود ، فإنه عبادة مقرونة بالصالة كما قال تعالى : (فَصل لِربِّك وانْحر) (الكوثر:2) ، وقال تعالى : ( قُل إِن‬ ‫ْ َّ‬ ‫َ ِّ َ َ َ َ ْ‬ ‫صالتِي ونُسكي ومحيَاي ومماتِي لِلَّه رب الْعالَمين) (األنعام:262) ، ففي كل ملة صالة ونسيكة ال يقوم غيرهما مقامهما ، ولهذا لو تصدق‬ ‫ِ‬ ‫َ ِّ َ َ‬ ‫ِ‬ ‫َ ُ ََ ْ َ َََ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫عن دم المتعة والقران أضعاف القيمة ؛ لم يقم مقامه ، كذلك األضحية . اه .‬ ‫و‬ ‫ويدل على أن ذبح األضحية أفضل من الصدقة بثمنها : أنه هو عمل النبي صلى اهلل عليه وسلم والمسلمين ، فإنهم كانوا يضحون ،‬ ‫ولو كانت الصدقة بثمن األضحية أفضل ؛ لعدلوا إليها وما كان رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ليعمل عمال مفضوال يستمر عليه منذ أن كان‬ ‫في المدينة إلى أن توفاه اهلل مع وجود األفضل وتيسره ثم ال يفعله مرة واحدة ، وال يبين ذلك ألمته بقوله ، بل استمرار النبي صلى اهلل عليه‬ ‫وسلم والمسلمين معه على األضحية يدل على أن الصدقة بثمن األضحية ال تساوي ذبح األضحية فضال عن أن تكون أفضل منه ، إذ لو‬ ‫كانت تساويه لعملوا بها أحيانا ؛ ألنها أيسر وأسهل ، أو تصدق بعضهم وضحى بعضهم كما في كثير من العبادات المتساوية ، فلما لم يكن‬ ‫ذلك ؛ علم أن ذبح األضحية أفضل من الصدقة بثمنها .‬ ‫ويدل على أن ذبح األضحية أفضل من الصدقة بثمنها : أن الناس أصابهم ذات سنة مجاعة في عهد النبي صلى اهلل عليه وسلم في‬ ‫زمن األضحية ، ولم يأمرهم بصرف ثمنها إلى المحتاجين ، بل أقرهم على ذبحها ، وأمرهم بتفريق لحمها كما في الصحيحين عن سلمة بن‬ ‫األكوع رضي اهلل عنه قال : قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم : (( من ضحى منكم فال يصبحن بعد ثالثة في بيته شيء )) فلما كان العام‬ ‫المقبل قالوا : يا رسول اهلل ، نفعل كما فعلنا في العام الماضي ؟ فقال صلى اهلل عليه وسلم : (( كلوا وأطعموا وادخروا ، فإن ذلك العام كان‬ ‫في الناس جهد فأردت أن تعينوا فيها )) (22).‬ ‫وفي صحيح البخاري أن عائشة رضي اهلل عنه سئلت : أنهى رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم عن لحوم األضاحي أن كل فوق ثالث‬ ‫تؤ‬ ‫؟ فقالت : ما فعله إال عام جاع الناس فيه فأراد أن يطعم الغني الفقير (12).‬ ‫5‬
  • 6.
    ‫أحكام االضحية والذكاة‬ ‫ويدلعلى أن ذبح األضحية أفضل من الصدقة بثمنها : أن العلماء اختلفوا في وجوبها ، وأن القائلين بأنها سنة صرح أكثرهم أو كثير‬ ‫منهم بأنه يكره كها للقادر ، وبعضهم صرح بأنه يقاتل أهل بلد كوها ، ولم نعلم أن مثل ذلك حصل في مجرد الصدقة المسنونة .‬ ‫تر‬ ‫تر‬ ‫ويدل على أن ذبح األضحية أفضل من الصدقة بثمنها : أن الناس لو عدلوا عنه إلى الصدقة ؛ لتعطلت شعيرة عظيمة نوه اهلل عليها‬ ‫في كتابه في عدة آيات ، وفعلها رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم وفعلها المسلمون ، وسماها رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم سنة المسلمين.‬ ‫قال شيخ اإلسالم ابن تيميه : فكيف يجوز أن المسلمين كلهم كون هذا ال يفعله أحد منهم ، وترك المسلمين كلهم هذا أعظم من‬ ‫يتر‬ ‫ترك الحج في بعض السنين ، كذا قال .‬ ‫قال : وقد قالوا إن الحج كل عام فرض على الكفاية ؛ ألنه من شعائر اإلسالم ، والضحايا في عيد النحر كذلك ، بل هذه تفعل في‬ ‫كل بلد هي والص الة ، فيظهر بها من عبادة اهلل وذكره والذبح له والنسك له ما ال يظهر بالحج كما يظهر ذكر اهلل بالتكبير في األعياد . اه .‬ ‫.‬ ‫واألصل في األضحية أنها للحي كما كان النبي صلي اهلل عليه وسلم وأصحابه يضحون عن أنفسهم وأهليهم خالفا لما يظنه بعض‬ ‫العامة أنها لألموات فقط .‬ ‫وأما األضحية عن األموات ؛ فهي ثالثة أقسام :‬ ‫القسم األول : أن تكون تبعا لألحياء ، كما لو ضحى اإلنسان عن نفسه وأهله وفيهم أموات ، فقد كان النبي صلي اهلل عليه وسلم‬ ‫يضحي ويقول : (( اللهم هذا عن محمد وعن آل محمد )) (32) وفيهم من مات سابقا .‬ ‫القسم الثاني : أن يضحي عن الميت استقالال تبرعا ، مثل : أن يتبرع لشخص ميت مسلم بأضحية ، فقد نص فقهاء الحنابلة على‬ ‫أن ذلك من الخير ، وأن ثوابها يصل إلى الميت وينتفع به ؛ قياسا على الصدقة عنه ، ولم ير بعض العلماء أن يضحي أحد عن الميت إال أن‬ ‫يوصي به . لكن من ا لخطأ ما يفعله بعض الناس اليوم يضحون عن األموات تبرعا أو بمقتضى وصاياهم ، ثم ال يضحون عن أنفسهم وأهليهم‬ ‫األحياء، كون ما جاءت به السنة ، ويحرمون أنفسهم فضيلة األضحية ، وهذا من الجهل ، وإال فلو علموا بان السنة أن يضحي اإلنسان‬ ‫فيتر‬ ‫عنه وعن أهل بيته فيشمل األحياء واألموات ، وفضل اهلل واسع .‬ ‫القسم الثالث : أن يضحي عن الميت بموجب وصية منه تنفيذا لوصيته ، فتنفذ كما أوصى بدون زيادة وال نقص ، واألصل في ذلك‬ ‫قوله تعالى في الوصية : (فَمن بَدلَهُ بَعد ما سمعهُ فَِإنَّما إِثْمهُ علَى الَّذين يُبَدلُونَهُ إِن اللَّهَ سميع علِيم) (البقرة:282) . وروي عن على بن أبي‬ ‫ِ‬ ‫َ ٌ َ ٌ‬ ‫َّ‬ ‫ِ َ ِّ‬ ‫َ ْ َّ ْ َ َ َ ِ َ َ ُ َ‬ ‫طالب رضي اهلل عنه أنه ضحى بكبشين وقال : إن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم اوصاني أن أضحي عنه فأنا أضحي عنه . رواه أبو داود ،‬ ‫ورواه بنحوه الترمذي وقال : غريب ال نعرفه إال من حديث شريك(52) . اه . قلت : وفي إسناده مقال .‬ ‫وإذا كانت الوصية بأضاحي متعددة ولم يكف المغل لتنفيذها مثل أن يوصي شخص بأربع ضحايا : واحدة ألمه ، وواحدة ألبيه‬ ‫وواحدة ألوالده ، وواحد ألجداده وجداته ، ولم يكف المغل إال لواحدة فإن تبرع الوصي بتكميل الضحايا األربع من عنده فنرجو أن يكون‬ ‫حسنا ، وإن لم يتبرع جمع الجميع في أضحية واحدة كما لو ضحى عنهم في حياته .‬ ‫6‬
  • 7.
    ‫أحكام االضحية والذكاة‬ ‫وإنكانت الوصية في أضحية واحدة ولم يكف المغل لها فإن تبرع الوصي بتكميلها من عنده فنرجو أن يكون حسنا ، وإن لم يتبرع‬ ‫أبقى المغل إلى السنة الثانية والثالثة حتى يكفي األضحية فيضحي به ، فإن كان المغل ضئيال ال يكفي ألضحية إال بعد سنوات يخشى من‬ ‫ضياعه في إبقائه إليها ، أو من أن تزايد قيم األضاحي فإن الوصي يتصدق بالمغل في عشر ذي الحجة وال يبقيه ؛ ألنه عرضة لتلفه ، وربما‬ ‫تتزايد قيم األضاحي كل عام ، فال يبلغ قيمة األضحية مهما جمعه ، فالصدقة به خير .‬ ‫واخترنا أن يتصدق به في عشر ذي الحجة ؛ ألنه الزمن الذي عين الموصي تنفيذ وصيته فيه ، وألن العشر أيام فاضلة ، والعمل‬ ‫الصالح فيها محبوب إلى اهلل عز وجل ، قال النبي صلي اهلل عليه وسلم : (( ما من أيام العمل الصالح فيها محبوب إلى اهلل من هذه األيام‬ ‫العشر ) ) وقالوا : يا رسول اهلل ، وال الجهاد في سبيل اهلل ؟ قال : (( وال الجهاد في سبيل اهلل ، إال رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من‬ ‫ذلك بشيء )) (62).‬ ‫(تنبيه عام ) : يذكر بعض الموصين في وصيته قدراً معيناً للموصي به مثل أن يقول : يضحي عني ولو بلغت األضحية رياال . يقصد‬ ‫المغاالة في ثمنها ؛ ألنها في وقت وصيته بربع لاير أو نحوه ، فيقوم بعض من ال يخشى اهلل من األوصياء فيعطل الوصية بحجة أن الريال ال‬ ‫يمكن أن يبلغ ثمن األضحية اآلن ، وهذا حرام عليه ، وهو آثم بذلك ، ويجب تنفيذ الوصية باألضحية ، وإن بلغت آالف الرياالت مادام‬ ‫ال مغل يكفي لذلك ؛ ألن مقصود الموصي معلوم ، وهو المبالغة في قيمة األضحية مهما زادت ، وذكره الريال على سبيل التمثيل ، ال على‬ ‫سبيل التحديد .‬ ‫الفصل الثاني‬ ‫7‬
  • 8.
    ‫أحكام االضحية والذكاة‬ ‫في وقت األضحية‬ ‫األضحية عبادة موقتة ال تجزئ قبل وقتها على كل حال ، وال تجزئ بعده إال على سبيل القضاء إذا أخرها لعذر .‬ ‫وأول وقتها بعد صالة العيد لمن يصلون كأهل البلدان ، أو بعد قدرها من يوم العيد لمن ال يصلون كالمسافرين وأهل البادية ، فمن ذبح قبل‬ ‫الصالة فشاته شاة لحم ، وليست بأضحية ويجب عليه ذبح بدلها على صفتها بعد الصالة ؛ لما روى البخاري عن البراء بن عازب رضي اهلل‬ ‫عنه أن النبي صلى اهلل عليه وسلم قال : (( من ذبح قبل الصالة فإنما هو لحم قدمه ألهله ، وليس من النسك في شيء ))(72) ، وفيه عن‬ ‫أنس بن مالك رضي اهلل عنه أن النبي صلى اهلل عليه وسلم قال : (( ومن ذبح بعد الصالة فقد تم نسكه ، وأصاب سنة المسلمين ))(82) .‬ ‫وفيه أيضا عن جندب بن سفيان البجلي رضي اهلل عنه قال شهدت النبي صلى اهلل عليه وسلم قال (( من ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها‬ ‫أخرى ))(92) .‬ ‫واألفضل أن يؤخر الذبح حتى تنتهي الخطبتان ؛ ألن ذلك فعل النبي صل اهلل عليه وسلم ، قال جندب بن سفيان البجلي رضي اهلل عنه :‬ ‫صلى النبي صلى اهلل عليه وسلم يوم النحر ثم خطب ثم ذبح . الحديث رواه البخاري (11).‬ ‫واألفضل أن ال يذبح حتى يذبح اإلمام إن كان اإلمام يذبح في المصلى اقتداء بالنبي صلى اهلل عليه وسلم وأصحابه ، ففي صحيح البخاري‬ ‫عن عبد اهلل بن عمر رضي اهلل عنهما قال : كان النبي صلى اهلل عليه وسلم يذبح وينحر بالمصلى (21). يعنى يبرز أضحيته عند المصلى العيد‬ ‫فيذبحها هناك ؛ إظهاراً لشعائر اهلل ، وليعلم الناس بالفعل كيفية ذبح األضحية ، وليسهل تناول الفقراء منها ، وليس المعنى أنه يذبحها في‬ ‫نفس المصلى ؛ ألنه مسجد ، والمسجد ال يلوث بالدم والفرث .‬ ‫وفي صحيح البخاري أيضا عن أنس بن مالك رضي اهلل عنه أن النبي صلى اهلل عليه وسلم لما خطب يوم عيد األضحى قال : فانكفأ إلى‬ ‫كبشين يعنى فذبحهما ثم انكفأ الناس إلى غنيمة فذبحوها (21) .‬ ‫وعن جابر رضي اهلل عنه قال : صلى بنا رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم يوم النحر بالمدينة فتقدم رجال فنحروا وظنوا أن النبي صلى اهلل عليه‬ ‫وسلم قد نحر، فأمر النبي صلى اهلل عليه وسلم من كان نحر قبله أن يعيد بنحر آخر ، وال ينحروا حتى ينحر النبي صلى اهلل عليه وسلم رواه‬ ‫أحمد ومسلم (11).‬ ‫وينتهي وقت األضحية بغروب الشمس من آخر يوم من أيام التشريق ، وهو اليوم الثالث عشر من ذي الحجة ، فيكون الذبح في أربعة أيام :‬ ‫يوم العيد ، واليوم الحادي عشر ، واليوم الثاني عشر ، واليوم الثالث عشر . وثالث ليال : ليلة الحادي عشر ، وليلة الثاني عشر ، وليلة‬ ‫الثالث عشر .‬ ‫هذا هو القول الراجح من أقوال أهل العلم ، وبه قال علي بن أبي طالب -رضي اهلل عنه -في إحدى الروايتين عنه ، قال ابن القيم : وهو‬ ‫مذهب إمام أهل البصرة الحسن البصري ، وإمام أهل الشام األوزاعي ، وإمام فقهاء أهل الحديث الشافعي ، واختاره ابن المنذر .‬ ‫قلت : واختاره الشيخ تقي الدين بن تيميه وهو ظاهر ترجيح ابن القيم لقوله تعالى : ( لِيَشهدوا منَافِع لَهم ويَذكروا اسم اللَّه فِي أَيَّام معلُومات‬ ‫ٍ ْ ٍ‬ ‫َ َ‬ ‫ِ‬ ‫ْ َ ُ َ َ ُ ْ َ ُُْ ْ َ‬ ‫َ َ ََ ُ ْ ِ ْ ِ َ ِ َ ِ‬ ‫علَى ما رزقَ هم من بَهيمة األَنْعام)(الحج: 82 ) (51). قال ابن عباس رضي اهلل عنهما : األيام المعلومات : يوم النحر ، وثالثة أيام بعده (61).‬ ‫8‬
  • 9.
    ‫أحكام االضحية والذكاة‬ ‫وعن جبير بن مطعم رضي اهلل عنه أن النبي صلى اهلل عليه وسلم قال : (( كل أيام التشريق ذبح )) رواه أحمد ، والبيهقي ، وابن حبان في‬ ‫صحيحه (71)، وأعل باالنقطاع لكن يؤيده قوله صلى اهلل عليه وسلم : (( أيام التشريق أكل وشرب وذكر هلل عز وجل )) . رواه مسلم(81) .‬ ‫ً‬ ‫فجعل النبي صلى اهلل عليه وسلم باب هذه األيام واحدا في كونها أيام ذكر هلل عز وجل ، وهذا يتناول الذكر المطلق والذكر المقيد على‬ ‫بهيمة األن عام ، وألن هذه األيام كة في جميع األحكام ما عدا محل النزاع ، فكلها أيام منى ، وأيام رمي للجمار ، وأيام ذكر هلل وصيامها‬ ‫مشتر‬ ‫حرام ، فما الذي يخرج الذبح عن ذلك حتى يختص منها باليومين األولين ؟‬ ‫والذبح في النهار أفضل ، ويجوز في الليل ؛ ألن األيام إذا أطلقت دخلت فيها الليالي ، ولذلك دخلت الليالي في األيام في الذكر حيث‬ ‫كانت وقتا له كما كان النهار وقتا له ، فكذلك تدخل في الذبح فتكون وقتا له كالنهار .‬ ‫وال يكره الذبح في الليل ؛ ألنه ال دليل على الكراهة ، والكراهة حكم شرعي يفتقر إلى دليل .‬ ‫وأما ما روى عن ابن عباس رضي اهلل عنهما أن النبي صلى اهلل عليه وسلم نهى عن الذبح ليال ، فقال في (( التلخيص )) : فيه سليمان بن‬ ‫سلمة الخبائري ، وهو متروك (91).‬ ‫وأما قول بعضهم : يكره الذبح ليال خروجا من الخالف ؛ فالتعليل ليس حجة شرعية ، قال شيخ اإلسالم ابن تيمبة : تعليل األحكام‬ ‫بالخالف علة باطلة في نفس األمر ، فإن الخالف ليس من الصفات التي يعلق الشارع بها األحكام ، فإنه وصف حادث بعد النبي صلى اهلل‬ ‫عليه وسلم ولكن يسلكه من لم يكن عارفا باألدلة الشرعية في نفس األمر لطلب االحتياط . اه .‬ ‫كثير من المسائل الخالفية لم يراع فيها جانب الخالف ، ولم يؤثر الخالف فيها شيئا ، وها هو الخالف هنا ثابت في امتداد وقت ذبح‬ ‫و‬ ‫األضحية إلى ما بعد يوم النحر . ولم يقل القائلون بامتداده أنه يكره الذبح فيما بعد يوم العيد ، لكن إن قوي دليل المخالف بحيث يثير‬ ‫شبهة ؛ كانت مراعاته من باب : (( دع ما يريبك إلى ما ال يريبك ))(13) .‬ ‫9‬
  • 10.
    ‫أحكام االضحية والذكاة‬ ‫الفصل الثالث‬ ‫في جنس ما يضحى به وعمن يجزئ ؟‬ ‫الجنس الذي يضحى به : بهيمة األنعام فقط لقوله تعالى : ( ولِكل أُمة جعلْنَا منسكاً لِيَذكروا اسم اللَّه علَى ما رزقَ هم من بَهيمة األَنْعام)‬ ‫ْ ُ ْ ِ َ َ ََ ُ ْ ِ ْ ِ َ ِ َ ِ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ٍ‬ ‫َ ُ ِّ َّ َ َ َ ْ َ‬ ‫(الحج: 31) . وبهيمة األنعام هي : اإلبل ، والبقر ، والغنم من ضأن ومعز ، جزم به ابن كثير وقال : قاله الحسن وقتادة وغير واحد ، قال‬ ‫ابن جرير : كذلك هو عند العرب . اه . ولقوله صلى اهلل عليه وسلم : (( ال تذبحوا إال مسنة إال أن تعسر عليكم فتذبحوا جذعة من‬ ‫و‬ ‫الضأن )) . رواه مسلم(23) . والمسنة : الثنية فما فوقها من اإلبل والبقر والغنم ، قاله أهل العلم رحمهم اهلل .‬ ‫وألن األضحية عبادة كالهدي ، فال يشرع منها إال ما جاء عن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ، ولم ينقل عنه صلى اهلل عليه وسلم أنه أهدى‬ ‫أو ضحى بغير اإلبل والبقر والغنم . واألفضل منها : اإلبل ثم البقر ثم الضأن ثم المعز ثم سبع البعير ثم سبع البقرة .‬ ‫واألفضل من كل جنس أسمنه ، وأكثره لحما ، وأكمله خلقة ، وأحسنه منظراً ، وفي (( صحيح البخاري )) عن أنس بن مالك رضي اهلل عنه‬ ‫أن النبي صلى اهلل عليه وسلم كان يضحي بكبشين أقرنين أملحين(23) . واألملح ما خالط بياضه سواد .‬ ‫وعن أبي سعيد الخدري رضي اهلل عنه قال : ضحى رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم بكبش أقرن فحيل يأكل في سواد ، وينظر في سواد ،‬ ‫ويمشي في سواد . أخرجه األربعة . وقال الترمذي : حسن صحيح (13).‬ ‫وعن أبي رافع مولى النبي صلى اهلل عليه وسلم قال : كان النبي صلى اهلل عليه وسلم إذا ضحى اشترى كبشين سمينين ، وفي لفظ : موجوأين‬ ‫يعنى خصيين . رواه أحمد (33). فالفحل أفضل من الخص ي من حيث كمال الخلقة ؛ ألن جميع أعضائه لم يفقد منها شيء ، والخصي‬ ‫أفضل من حيث أنه أطيب لحما في الغالب .‬ ‫فصل‬ ‫01‬
  • 11.
    ‫أحكام االضحية والذكاة‬ ‫وتجزئالواحدة من الغنم عن الشخص الواحد ، ويجزئ سبع البعير أو البقرة عما تجزئ عنه الواحدة من الغنم ؛ لحديث جابر رضي اهلل عنه‬ ‫قال : نحرنا مع رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم عام الحديبية البدنة عن سبعة ، والبقرة عن سبعة . رواه مسلم (53). وفي رواية قال خرجنا مع‬ ‫رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم مهلين بالحج فأمرنا رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم أن نشترك في اإلبل والبقر ، كل سبعة منا في بدنة (63) .‬ ‫ففي هذا دليل على أن سبع البعير أو البقرة قائم مقام الواحدة من الغنم ، ومجزئ عما تجزئ عنه ؛ ألن الواجب في اإلحصار والتمتع هدي‬ ‫ع لى كل واحد ، وقد جعل النبي صلى اهلل عليه وسلم البدنة عن سبعة فدل على أن سبعها يحل محل الواحدة من الغنم ويكون بدال عنها‬ ‫والبدل له حكم المبدل .‬ ‫فأما اشترك عدد في واحدة من الغنم أو في سبع بعير أو بقرة ؛ فعلى وجهين :‬ ‫الوجه األول : االشتراك في الثواب ، بأن يكون مالك األضحية واحد ويشرك معه غيره من المسلمين في ثوابها فهذا جائز مهما كثر‬ ‫األشخاص فإن فضل اهلل واسع ، وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي اهلل عنها في قصة أضحيته بكبش قال لها : (( يا عائشة ، هلمي‬ ‫المدية )) ( يعني السكين ) ثم قال : (( اشحذيها بحجر )) ففعلت ، ثم أخذها وأخذ الكبش فأضجعه ثم ذبحه ثم قال (( بسم اهلل ، اللهم‬ ‫تقبل من محمد ومن آل محمد ومن أمة محمد )) ثم ضحي به (73).‬ ‫وفي مسند اإلمام أحمد من حديث عائشة وأبي رافع رضي اهلل عنهما أن النبي صلى اهلل عليه وسلم كان يضحي بكبشين : أحدهما عنه وعن‬ ‫آله ، واآلخر عن أمته جميعا (83) . ومن حديث جابر وأبي سعيد رضي اهلل عنهما يضحي بكبش عنه وعمن لم يضح من أمته (93) .‬ ‫وعن أبي أيوب األنصاري رضي اهلل عنه قال : كان الرجل في عهد النبي صلى اهلل عليه وسلم يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته فيأكلون‬ ‫ويطعمون ، رواه ابن ماجه والترمذي وصححه (15).‬ ‫فإذا ضحى الرجل بالشاة عنه وعن أهل بيته أو من شاء من المسلمين صح ذلك ، وإذا ضحى بسبع البعير أو البقرة عنه وعن أهل بيته أو‬ ‫من شاء من المسلمين صح ذلك ، لما سبق من أن النبي صلى اهلل عليه وسلم جعل السبع منهما قائما مقام الشاة في الهدي ، فكذلك في‬ ‫األضحية وال فرق .‬ ‫ومن تراجم صاحب (( المنتقى )) : باب أن البدنة من اإلبل والبقر عن سبع شياه وبالعكس . وقال في كتابه المحرر : ويجزئ عن الشاة‬ ‫سبع من بدنة ، وعن البدنة بقرة ، وقال في (( الكافي )) في تعليل له : ألن كل سبع مقام شاة .‬ ‫الوجه الثاني : االشتراك في الملك ، بأن يشترك شخصان فأكثر في ملك أضحية ويضحيا بها ، فهذا ال يجوز ، وال يصح أضحية إال في‬ ‫اإلبل والبقر إلى سبعة فقط ، وذلك ألن األضحية عبادة وقربة إلى اهلل تعالى ، فال يجوز إيقاعها وال التعبد بها إال على الوجه المشروع زمناً‬ ‫وعدداً كيفية .‬ ‫و‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫فإن قيل : لماذا ال يصح وقد قال اهلل تعالى : ( فَمن يَعمل مثْ قال ذرة خيراً يَرهُ) (الزلزلة:7) . كما لو كا في شراء لحم فتصدقا به‬ ‫اشتر‬ ‫و‬ ‫َ ْ ْ َ ْ َ َ َ َّ َ ْ َ‬ ‫ولكل منهما من األجر بحسبه ؟‬ ‫فالجواب : أنه ليس المقصود من األضحية مجرد اللحم لالنتفاع أو الصدقة به ، وإنما المقصود باألضحية إقامة شعيرة من شعائر اهلل على‬ ‫الوجه الذي شرعه اهلل ورسوله ، فوجب تقييدها بحسب ما جاء به الشرع ، ولذلك فرق النبي صلى اهلل عليه وسلم بين شاة اللحم وشاة‬ ‫11‬
  • 12.
    ‫أحكام االضحية والذكاة‬ ‫النسكحيث قال : (( من ذبح قبل الصالة فشاته شاة اللحم أو فهو لحم قدمه ألهله ، ومن ذبح بعد الصالة ؛ فقد أصاب النسك أو قال‬ ‫: فقد تم نسكه ، وأصاب سنة المسلمين ))(25) ، كما فرق صلى اهلل عليه وسلم في كاة الفطر بين ما دفع قبل الصالة وما دفع بعدها ،‬ ‫ز‬ ‫فاألول كاة مقبولة ، والثاني صدقة من الصدقات ، مع أن كال منهما صاع من طعام ، لكن لما كان المدفوع قبل الصالة على وفق الحدود‬ ‫ز‬ ‫الشرعية ؛ كان كاة مقبولة ، ولما كان المدفوع بعدها على غير وفق الحدود الشرعية ؛ لم يكن كاة مقبولة ، وهذه هي القاعدة العامة‬ ‫ز‬ ‫ز‬ ‫الشرعية . قال النبي صلى اهلل عليه وسلم : (( من عمل عمال ليس عليه أمرنا فهو رد ))(25) ، أي : مردود على صاحبه ، وإن كانت نيته‬ ‫حسنة ؛ لعموم الحديث .‬ ‫ولو كان التشريك في الملك جائزا في األضحية بغير اإلبل والبقر ؛ لفعله الصحابة رضي اهلل عنهم ؛ لقوة المقتضى لفعله فيهم ، فإنهم كانوا‬ ‫أحرص الناس على الخير ، وفيهم فقراء كثيرون قد ال يستطيعون ثمن األضحية كاملة ، ولو فعلوه لنقل عنهم ؛ ألنه مما تتوفر الدواعي على‬ ‫نقله لحاجة األمة إليه .‬ ‫وال أعلم في ذلك حديثا إال ما رواه اإلمام أحمد من حديث أبي األشد عن أبيه عن جده قال : كنت سابع سبعة مع رسول اهلل صلى اهلل عليه‬ ‫وسلم ، فأمرنا نجمع لكل واحد منا درهماً فاشترينا أضحية بسبعة دراهم فقلنا : يا رسول اهلل ، لقد أغلينا بها فقال : (( إن أفضل الضحايا‬ ‫أغالها وأسمنها ))فأمر رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم فأخذ رجل برجل ، ورجل برجل ، ورجل بيد ، ورجل بيد، ورجل بقرن ، ورجل بقرن ،‬ ‫وذبحها السابع كبرنا عليها جميعا (15).‬ ‫و‬ ‫قال الهيثمي : أبو األشد لم أجد من وثقه وال من جرحه ، كذلك أبوه . اه، . وقال في بلوغ األماني شرح ترتيب المسند )) : والظاهر أن‬ ‫و‬ ‫هذه األضحية كانت من البقر ؛ ألن الكبش ال يجزئ عن سبعة ، والبعير ال قرون له ، والبقرة هي التي تجزئ عن سبعة ولها قرون ، فتعين أن‬ ‫تكون من البقر واهلل أعلم . وما استظهره ظاهر ، ويؤيده أن الكبش ال يحتاج أن يمسك به السبعة ، وفي إمساكهم به عسر وضيق ، ويكفي‬ ‫في إمساكه واحد ، اللهم إال أن يقال : إن تكلف إمساكهم به ليس من أجل استعصائه ؛ بل من أجل أن يحصل اشتراك الجميع في ذبحه ،‬ ‫واهلل أعلم.‬ ‫ونزل ابن القيم هذا الحديث على معنى آخر وهو أن هؤالء السبعة كانوا رفقة واحدة فنزلهم النبي صلى اهلل عليه وسلم منزلة أهل البيت‬ ‫الواحد في إجزاء الشاة عنهم .‬ ‫قلت : وفيه شيء ؛ ألن أهل البيت ال كون في األضحية اشتراك ملك ، وإنما يضحي الرجل عنه ، وعن أهل بيته من ماله وحده فيتأدى‬ ‫يشتر‬ ‫به شعار األضحية عن الجميع .‬ ‫وقد صرح الشافعية بمنع التشريك في الملك دون الثواب فقال النووي في (( المنهاج وشرحه )) : لو اشترك اثنان في شاة لم تجز ،‬ ‫واألحاديث كذلك كحديث : (( اللهم هذا عن محمد ، وآل محمد )) (35)، على أن المراد التشريك في الثواب ال األضحية . اه .‬ ‫وفي (( شرح المهذب )) : لو اشترك اثن ان في شاتين للتضحية لم تجزئهما في أصح الوجهين ، وال يجزئ بعض شاة بال خالف بكل حال .‬ ‫اه . وحمل حديث : (( اللهم هذا عن محمد ، وآل محمد )) ، محمولة على أن المراد التشريك في الثواب متعين وظاهر ؛ فإن آل محمد‬ ‫21‬
  • 13.
    ‫أحكام االضحية والذكاة‬ ‫صلى اهلل عليه وسلم لم يكونوا كونه في شرائها ، وقد سبق في حديث أبي رافع قوله : فمكثنا سنين ليس لرجل من بني هاشم يضحي‬ ‫يشار‬ ‫قد كفاه اهلل المؤونة برسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم والغرم .‬ ‫وعلى هذا فإذا وجد وصايا لجماعة ، كل واحد موص بأضحية ولم يكف المغل كل واحد منهم ألضحيته التي أوصى بها ؛ فإنه ال يجوز جمع‬ ‫هذه الوص ايا في أضحية واحدة لما عرفت من أنه ال يجوز اشتراك اثنين فأكثر اشتراك ملك في األضحية إال في اإلبل والبقر .‬ ‫لكن لو اشترك شخصان فاكثر في واحدة من الغنم أو في سبع من بعير أو بقرة ليضحيا به عن شخص واحد ؛ فالظاهر الجواز ، فلو اشترى‬ ‫اثنان شاة أو كانا يملكانها بإرث أو هبة أو نحوهما ثم ضحيا بها عن أمهما أو عن أبيهما جاز ، ألن األضحية هنا لم تكن عن أكثر من واحد‬ ‫، كما دفعا ثمنها إلى أمهما أو أبيهما فاشترى به أضحية فضحى بها ؛ فهو جائز بال ريب .‬ ‫و‬ ‫كذلك لو تعدد الموصون باألضحية واتحد الموصى له بها ولم تكف غلة كل منهما ألضحيته ؛ فالظاهر جواز جمع وصيتيهما مثل أن يوصي‬ ‫و‬ ‫أخوان كل واحد منهما بأضحية لوالدتهما ثم ال تكفي غلة كل واحد منهما ألضحية كاملة فتجمع الوصيتان في أضحية واحدة قياسا على ما‬ ‫لو كا في أضحية لها حال الحياة ، وهذا ما ظهر لي في هذين الفرعين ، والعلم عند اهلل سبحانه وتعالى .‬ ‫اشتر‬ ‫الفصل الرابع‬ ‫في شروط ما يضحى به ، وبيان العيوب المانعة من اإلجزاء‬ ‫األضحية عبادة وقربة إلى اهلل تعالى فال تصح إال بما يرضاه سبحانه ، وال يرضى اهلل من العبادات إال ما جمع شرطين :‬ ‫أحدهما : اإلخالص هلل تعالى ، بأن يخلص النية له ، فال يقصد رياء وال سمعة وال رئاسة وال جاهاً ، وال عرضاً من أعراض الدنيا ، وال تقربا‬ ‫إلى مخلوق .‬ ‫31‬
  • 14.
    ‫أحكام االضحية والذكاة‬ ‫الثاني : المتابعة لرسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ، قال اهلل تعالى : ( وما أُمروا إِالَّ لِيَ عبُدوا اللَّه مخلِصين لَهُ ِّين حنَ فاء)(البينة: 5) فإن لم‬ ‫َ ُ ْ َ الد َ ُ َ َ‬ ‫ِ‬ ‫ُْ‬ ‫ِ‬ ‫ََ ُ‬ ‫تكن خالصة هلل ؛ فهي غير مقبولة ، قال اهلل تعالى في الحديث القدسي : (( أنا أغنى كاء عن الشرك ، ومن عمل عمال أشرك فيه معي‬ ‫الشر‬ ‫غيري كته كه )) (55) .‬ ‫تر وشر‬ ‫كذلك إن لم تكن على سنة رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم فهي مردودة ، لقول النبي صلى اهلل عليه وسلم : (( من عمل عمال ليس عليه‬ ‫و‬ ‫أمرنا فهو رد )) (65) وفي رواية : (( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ))(75) ، أي مردود .‬ ‫وال تكن األضحية على أمر النبي صلى اهلل عليه وسلم إال باجتماع شروطها وانتفاء موانعها .‬ ‫وشروطها أنواع : منها ما يعود للوقت ، ومنها ما يعود لعدد المضحين بها ، وسبق تفصيل القول فيهما ، ومنها ما يعود للمضحي به وهي‬ ‫أربعة :‬ ‫األول : أن يكون ملكا للمضحي غير متعلق به حق غيره ، فال تصح األضحية بما ال يملكه ؛ كالمغصوب والمسروق والمأخوذ بدعوى باطلة‬ ‫ونحوه ؛ ألن األضحية قربة إلى اهلل عز وجل ، وأكل مال الغير بغير حق معصية ، وال يصح التقرب إلى اهلل بمعصية ، وال تصح األضحية‬ ‫أيضا بما تعلق به حق الغير كالمرهون إال برضا من له الحق ، ونقل في (( المغني )) عن أبي حنيفة فيمن غصب شاة فذبحها عن الواجب‬ ‫عليه تجزئه إن رضي مالكها ، ووجهه أنه إنما منع منها لحق الغير ، فإذا علم رضاه بذلك زال المانع .‬ ‫الثاني : أن يكون من الجنس الذي عينه الشارع ، وهو اإلبل والبقر والغنم ضأنها ومعزها ، وسبق بيان ذلك .‬ ‫الثالث : بلوغ السن المعتبر شرعا ، بأن تكون ثنيا إن كان من اإلبل أو البقر أو المعز ، وجذعا إن كان من الضأن ؛ لقول النبي صلى اهلل‬ ‫عليه وسلم (( ال تذبحوا إال مسنة إال أن تعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن )) رواه مسلم (85) .‬ ‫وظاهره ال تجزئ الجذعة من الضأن إال عند تعسر المسنة ، ولكن حمله الجمهور على أن هذا على سبيل األفضلية وقالوا : تجزئ الجذعة‬ ‫من الضأن ولو مع وجود الثنية وتيسرها ، واستدلوا بحديث أم بالل امرأة من أسلم عن أبيها هالل عن النبي صلى اهلل عليه وسلم قال : ((‬ ‫يجوز الجذع من الضأن ضحية )) ، رواه أحمد وابن ماجه(95) وله شواهد منها :‬ ‫حديث عقبة بن عامر رضي اهلل عنه قال : ضحينا مع رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم بالجذع من الضأن ، رواه النسائي(16) ، قال في (( نيل‬ ‫األوطار )) : إسناد رجاله ثقات .‬ ‫ومنها حديث أبي هريرة رضي اهلل عنه قال سمعت رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم يقول : (( نعم أو نعمت األضحية الجذع من الضأن )) ،‬ ‫رواه أحمد والترمذي (26). وفي (( الصحيحين )) عن عقبة بن عامر رضي اهلل عنه أن النبي صلى اهلل عليه وسلم قسم بين أصحابه ضحايا‬ ‫فصارت لعقبة جذعة ، فقال يا رسول اهلل ، صارت لي جذعة ، فقال : (( ضح بها )) (26).‬ ‫فالثني من اإلبل : ما تم له خمس سنين ، والثني من البقر ما تم له سنتان ، والثني من الغنم ضأنها ومعزها ما تم له سنة ، والجذع من الضأن‬ ‫: ما تم له نصف سنة .‬ ‫الرابع : السالمة من العيوب المانعة من اإلجزاء ، وهي المذكورة في حديث البراء بن عازب رضي اهلل عنه قال : قام فينا رسول اهلل صلى اهلل‬ ‫عليه وسلم فقال : (( أربع ال تجوز في األضاحي وفي رواية : ال تجزئ : العوراء البين عورها ، والمريضة البين مرضها ، والعرجاء البين‬ ‫41‬
  • 15.
    ‫أحكام االضحية والذكاة‬ ‫ظلعها ، والكسير التي ال تنقي )) . رواه الخمسة . وقال الترمذي : حسن صحيح(16) . والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم ، وفي‬ ‫رواية للنسائي قلت : يعني للبراء فإني أكره أن يكون نقص في القرن ، وفي أخري أكره أن يكون في القرن نقص، أو أن يكون في السن‬ ‫نقص ، فقال يعنى البراء : ما كرهت فدعه وال تحرمه على أحد (36).‬ ‫وقد صحح النووي في (( شرح المهذب )) هذا الحديث وقال : قال أحمد بن حنبل : ما أحسنه من حديث ، ورواه مالك في الموطأ ))‬ ‫عن البراء بن عا زب بلفظ : سئل النبي صلى اهلل عليه وسلم : ماذا يتقى من الضحايا ؟ فأشار بيده وقال : (( أربعا : العرجاء البين ظلعها ،‬ ‫والعوراء البين عورها ، والمريضة البين مرضها ، والعجفاء التي ال تنقي )) (56) وذكرت العجفاء في رواية الترمذي وفي رواية النسائي بدال عن‬ ‫الكسير .‬ ‫فهذه أربع منصوص على منع األضحية بها وعدم إجزائها .‬ ‫األولى : العوراء البين عورها ، وهي التي انخسفت عينها أو برزت ، فإن كانت ال تبصر بعينها ولكن عورها غير بين أجزأت ، والسليمة من‬ ‫ذلك أولى .‬ ‫الثانية : المريضة البين مرضها ، وهي التي ظهر عليه آثار المرض مثل الحمى التي تقعدها عن المرعى ، ومثل الجرب الظاهر المفسد‬ ‫للحمها أو المؤثر في صحتها ، ونحو ذلك مما يعده الناس مرضا بينا ، فإن كان فيها كسل أو فتور ال يمنعها من المرعى واألكل أجزأت‬ ‫لكن السالمة منه أولى .‬ ‫الثالثة : العرجاء البين ظلعها ، وهي التي ال تستطيع معانقة السليمة في الممشى ، فإن كان فيها عرج يسير ال يمنعها من معانقة السليمة‬ ‫أجزأت ، والسالمة منه أولى .‬ ‫الرابعة : الكسيرة أو العجفاء ( يعنى الهزيلة ) التي ال تنقي ، أي ليس فيها مخ ، فإن كانت هزيلة فيها مخ أو كسيرة فيها مخ أجزأت إال أن‬ ‫يكون فيها عرج بين ، والسمينة السليمة أولى .‬ ‫هذه هي األربع المنصوص عليها ، وعليها أهل العلم ، قال في (( المغني )) : ال نعلم خالفا في أنها تمنع اإلجزاء . اه . ويلحق بهذه األربع‬ ‫ما كان بمعناها أو أولى ، فيلحق بها :‬ ‫العمياء : التي ال تبصر بعينها ؛ ألنها أولى بعدم اإلجزاء من العوراء البين عورها .‬ ‫فأما العشواء التي تبصر في النهار ، وال تبصر في الليل فصرح الشافعية بأنها تجزئ ؛ ألن في ذلك ليس عورا بينا وال عمى دائما يؤثر في‬ ‫رعيها ونموها ، ولكن السالمة منه أولى .‬ ‫الثانية : المبشومة حتى تثلط ؛ ألن البشم عارض خطير كالمرض البين ، فإذا ثلطت زال خطرها وأجزأت إن لم يحدث لها بذلك‬ ‫مرض بين .‬ ‫الثالثة : ما أخذتها الوالدة حتى تنجو ؛ ألن ذلك خطر قد يودي بحياتها ، فأشبه المرض البين ، ويحتمل أن تجزئ إذا كانت والدتها‬ ‫على العادة ولم يمض عليها زمن يتغير به اللحم ويفسد .‬ ‫51‬
  • 16.
    ‫أحكام االضحية والذكاة‬ ‫الرابعة: ما أصابها سبب الموت كالمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع ؛ ألن هذه أولى بعدم اإلجزاء من المريضة‬ ‫البين مرضها ، والعرجاء البين ظلعها .‬ ‫الخامسة: الزمنى وهي العاجزة عن المشي لعاهة ؛ ألنها أولى بعدم اإلجزاء من العرجاء البين ظلعها .‬ ‫فأم ا العاجزة عن المشي لسمن فصرح المالكية بأنها تجزئ ، ألنه ال عاهة فيها وال نقص في لحمها .‬ ‫السادسة: مقطوعة إحدى اليدين أو الرجلين ؛ ألنها أولى بعدم اإلجزاء من العرجاء البين ظلعها ، وألنها ناقصة بعضو مقصود‬ ‫فأشبهت ما قطعت أليتها .‬ ‫هذه هي العيوب المانعة من اإلجزاء وهي عشرة : أربعة منها بالنص وستة بالقياس ، فمتى وجد واحد منها في بهيمة لم تجز التضحية‬ ‫بها ؛ لفقد أحد الشروط وهو السالمة من العيوب المانعة من اإلجزاء .‬ ‫61‬
  • 17.
    ‫أحكام االضحية والذكاة‬ ‫الفصل الخامس‬ ‫في العيوب المكروهة في األضحية‬ ‫ذكرنا في الفصل السابق العيوب المانعة من اإلجزاء المنصوص عليها والمقيسة ، وها نحن بعون اهلل نذكر العيوب المكروهة التي ال تمنع‬ ‫اإلجزاء وهي :‬ ‫األولي : العضباء ، وهي مقطوعة القرن أو األذن ، لما روى قتادة عن جري بن كليب عن على بن أبي طالب رضي اهلل عنه أن النبي صلى اهلل‬ ‫عليه وسلم نهي أن يضحي بأعضب األذن والقرن . قال قتادة : فذكرت ذلك لسعيد بن المسيب فقال : العضب : النصف فأكثر من ذلك‬ ‫. رواه الخمسة . وقال الترمذي : حسن صحيح (66).‬ ‫قلت : جري بن كليب قال عنه في (( خالصة التذهيب )) : روى عنه قتادة فقط . وقال أبو حاتم : ال يحتج به . اه . ولذلك قال‬ ‫في (( الفروع )) وفي صحة الخبر يعنى خبر العضب نظر .‬ ‫فأما مفقودة القرن واألذن بأصل الخلقة فال تكره ، لكن غيرها أولى .‬ ‫الثانية : المقابلة ، وهي التي شقت أذنها من األمام عرضاً .‬ ‫الثالثة : المدابرة ، وهي التي شقت أذنها من الخلف عرضاً .‬ ‫الرابعة : الشرقاء ، وهي التي شقت أذنها طوال .‬ ‫الخامسة : الخرقاء ، وهي التي خرقت أذنها .‬ ‫لحديث على رضي اهلل عنه ، قال أمرنا رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم أن نستشرف العين واألذن ، وأن ال نضحي بمقابلة وال مدابرة وال‬ ‫شرقاء وال خرقاء . رواه الخمسة ،وقال الترمذي :حسن صحيح (76).‬ ‫71‬
  • 18.
    ‫أحكام االضحية والذكاة‬ ‫وأخرجهابن حبان والحاكم والبيهقي والبزار(86) ، وأعله الدارقطني ، ونقل في (( عون المعبود )) عن البخاري أن هذا الحديث لم يثبت رفعه‬ ‫، واهلل أعلم .‬ ‫السادسة ، المصفرة ، وهي التي تستأصل أذنها حتى يبدو صماخها ، وهكذا في الخبر ، وفي (( التلخيص )) : أنها المهزولة ، وذكرها في‬ ‫النهاية بقيل كذا وقيل كذا .‬ ‫السابعة : المستأصلة ، وهي التي ذهب قرنها من أصله .‬ ‫الثامنة : البخقاء ، وهي التي بخقت عينها ، قال في (( النهاية )) : والبخق أن يذهب البصر وتبقى العين قائمة . وفي (( القاموس )) :‬ ‫البخق أقبح العور وأكثره غمصا ، وعلى هذا فإذا كان البخق عورا بينا لم تجز كما يدل عليه حديث البراء السابق .‬ ‫التاسعة : المشيعة ، وهي التي ال تتبع الغنم عجفاً وضعفا ، تكون وراء الغنم كالمشيع للمسافر ، وقيل بفتح الياء لحاجتها إلى من يشيعها‬ ‫لتلحق بالغنم ، وهذه إن لم يكن فيها م خ فال تجزئ لحديث البراء ، وإن كان فيها مخ وال تستطيع معانقة الغنم لم تجز أيضا ؛ ألنها‬ ‫كالعرجاء البين ظلعها ، وإن كانت تستطيع معانقة الغنم إذا زجرت فهي مكروهة ؛ لحديث يزيد ذي مصر قال : أتيت عتبة بن عبد السلمي‬ ‫فقلت : يا أبا الوليد ، إني خرجت ألتمس الضحايا فلم أجد شيئا يعجبني غير ثرماء فما تقول ؟ . قال : أال جئتني أضحي بها ؟ قلت :‬ ‫سبحان اهلل ، تجوز عنك وال تجوز عني . قال نعم ، إنك تشك وال أشك ، إنما نهى رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم عن المصفرة‬ ‫والمستأصلة والبخقاء والمشيعة ، والكسراء ، فالمصفرة التي تستأصل أذنها حتى يبدو صماخها ، والمستأصلة التي ذهب قرنها من أصله،‬ ‫والبخقاء التي تبخق عينها ، والمشيعة التي ال تتبع الغنم عجفاء وضعفا ، والكسراء التي ال تنقي ، رواه أحمد وأبو داود والبخاري في تاريخه‬ ‫، وقال الحاكم : صحيح اإلسناد ولم يخرجاه(96) . وقوله : والكسراء التي ال تنفي سبق ذكرها في العيوب المانعة من اإلجزاء .‬ ‫وإنما قلنا : هذه العيوب التسعة مكروهة لورود النهي أو األمر بعدم التضحية بما عاب بها ، ولم نقل : إنها مانعة من اإلجزاء ؛ ألن حديث‬ ‫البراء بن عازب رضي اهلل عنه خرج مخرج البيان والحصر ؛ ألنه جواب سؤال ، والظاهر أنه كان حال خطبة وإعالن ، ولو كان غير العيوب‬ ‫المذكورة فيه مانعاً من اإلجزاء ؛ للزم ذكره المتناع تأخير البيان عن وقت الحاجة ، فالجمع بينه وبين هذه األحاديث ال يتأتى إال على هذا‬ ‫الوجه بأن نقول :‬ ‫العيوب المذكورة في حديث البراء مانعة من اإلجزاء ، والعيوب المذكورة في هذه األحاديث موجبة للكراهة غير مانعة من اإلجزاء لما يقتضيه‬ ‫سياق حديث البراء ؛ وألنها دون العيوب المذكورة فيه ، وقد فهم الترمذي رحمه اهلل ذلك فترجم على حديث البراء : ( باب ما ال يجوز من‬ ‫األضاحي ) وعلى حديث علي : ( باب ما يكره من األضاحي ) .‬ ‫ويلحق بهذه العيوب المكروهة ما يأتي :‬ ‫األولى : البتراء من اإلبل والبقر والمعز ، وهي التي قطع ذنبها ، فتكره التضحية بها قياسا على العضباء ؛ ألن في الذنب مصلحة كبيرة‬ ‫للحيوان ودفاعا عما يؤذيه ، وجماال لمؤخره ، وفي قطعه فوات هذه األمور .‬ ‫فأما البتراء بأصل الخلقة فال تكره لكن غيرها أولى .‬ ‫وأما البتراء من الضأن وهي التي قطعت أليتها أو أكثرها فال تجزئ ؛ ألن ذلك نقص بين في جزء مقصود منها .‬ ‫81‬
  • 19.
    ‫أحكام االضحية والذكاة‬ ‫فأماإن قطع من أليتها النصف فأقل فإنها تجزئ مع الكراهة قياسا على العضباء ، قال الشافعية : إال التطريف وهو قطع شي يسير من طرف‬ ‫األلية ، فإنه ال يضر ؛ ألن ذلك ينجبر بزيادة سمنها فأشبه الخصاء .‬ ‫وأما مفقودة األلية بأصل الخلقة فإن كانت من جنس ال ألية له في العادة أجزأت بدون كراهة ؛ ألنها ال نقص فيها عن جنسها ، وإن كانت‬ ‫من جنس له ألية في العادة لكن لم يخلق لها أجزأت ، وفي الكراهة تردد ؛ ألننا إذا نظرنا إليها باعتبار جنسها قلنا : إنها ناقصة بفقد جزء‬ ‫مقصود لكن ال يمنع اإلجزاء ألنه بأصل الخلقة ، وإذا نظرنا إليها باعتبار الخلقة قلنا : إنها ناقصة فلم تكره كالجماء . وعلى كل حال فغيرها‬ ‫أولى منها .‬ ‫الثانية : ما قطع ذكره فتكره التضحية به قياسا على العضباء ، ف أما ما قطعت خصيتاه فال تكره التضحية به لما سبق من الحديث : أن النبي‬ ‫صلى اهلل عليه وسلم ضحى به ، وألن الخصاء يزيد في سمنه وطيب لحمه .‬ ‫الثالثة : الهتماء ، وهي التي سقط بعض أسنانها ، فتكره التضحية بها قياسا على عضباء القرن ، فإن في األسنان جماال ومنفعة ، ففقد شيء‬ ‫منها يخل بذلك .‬ ‫فإن فقد شيء منها بأصل الخلقة لم تكره إال أن يؤثر ذلك في اعتالفها .‬ ‫الرابعة : ما قطع شيء من حلمات ضرعها ، فتكره التضحية بها قياساً على العضباء.‬ ‫فإن فقد شيء منها بأصل الخلقة لم تكره قياسا على المخلوقة بال أذن .‬ ‫وإن توقف ضرعها عن الدر فنش ف لبنها أجزأت بال كراهة ؛ ألنه ال نقص في لحمها وال في خلقتها ، واللبن غير مقصود في األضحية ،‬ ‫واألصل اإلجزاء وعدم الكراهة حتى يقوم دليل على خالف ذلك .‬ ‫هذه هي العيوب المكروهة التي يوجب وجودها في األضحية كراهة التضحية بها ، وال يمنع من إجزائها وهي ثالثة عشر : تسعة منها ورد بها‬ ‫النص ، وأربعة منها رأيناها مقيسة على ما ورد به النص ، وأسأل اهلل تعالى أن نكون فيها موفقين للصواب هداة مهتدين .‬ ‫الفصل السادس‬ ‫فيما تتعين به األضحية وأحكامه‬ ‫تتعين األضحية أضحية بواحد من أمرين :‬ ‫أحدهما : اللفظ بتعيينها أضحية بأن يقول : هذه أضحية قاصدا بذلك إنشاء تعيينها.‬ ‫فأما إن قصد اإلخبار عما سيصرفها إليه في المستقبل ؛ فإنها ال تتعين بذلك ؛ ألن هذا إخبار عما في نيته أن يفعل ، وليس للتعيين .‬ ‫91‬
  • 20.
    ‫أحكام االضحية والذكاة‬ ‫الثاني : ذبحها بنية األضحية ، فمتى ذبحها بنية األضحية ؛ ثبت لها حكم األضحية ، وإن لم يتلفظ بذلك قبل الذبح ، هذا هو المشهور‬ ‫من مذهب اإلمام أحمد ، وهو مذهب الشافعي ، أعني أن األضحية تتعين بأحد هذين األمرين ، وزاد شيخ اإلسالم ابن تيمية أمراً ثالثاً وهو :‬ ‫الشراء بنية األضحية ، فإذا اشتراها بنية األضحية تعينت ، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة .‬ ‫واألول أرجح كما لو اشترى عبداً يريد عتقه فإنه ال يعتق ، كما لو اشترى بيتا ليجعله وقفا ؛ فإنه ال يصير وقفا بمجرد النية ، كما لو أخرج‬ ‫و‬ ‫و‬ ‫من جيبه دراهم ليتصدق بها ؛ فإنها ال تتعين الصدقة بها بل هو بالخيار إن شاء أنفذها وإن شاء منعها . ويستثني من ذلك ما إذا اشترى‬ ‫أضحية بدالً عن معينة فإنها تتعين بمجرد الشراء مع النية .‬ ‫وإذا تعينت أضحية تعلق بذلك أحكام :‬ ‫أحدها : أنه ال يجوز نقل الملك فيها ببيع وال هبة وال غيرهما إال أن يبدلها بخير منها ، أو يبيعها ليشتري خيراً منها فيضحي به .‬ ‫وإن مات من عينها لم ي ملك الورثة إبطال تعيينها ، ولزمهم ذبحها أضحية ، ويفرقون منها ويأكلون .‬ ‫الثاني : أنه ال يجوز أن يتصرف فيها تصرفا مطلقا ، فال يستعملها في حرث ونحوه ، وال كبها بدون حاجة وال مع ضرر ، وال يحلب من‬ ‫ير‬ ‫لبنها ما فيه نقص عليها أو يحتاجه ولدها المتعين معها . وال يجز شيئا من صوفها ونحوه إال أن يكون أنفع لها ، وإذا جزه فليتصدق به أو‬ ‫ينتفع ، والصدقة أفضل .‬ ‫الثالث : أنها إذا تعيبت عيباً يمنع اإلجزاء فله حاالن :‬ ‫الحال األولى : أن يكون ذلك بدون فعل منه وال تفريط ؛ فيذبحها وتجزئه إال أن تكون واجبة في ذمته قبل التعيين ؛ ألنها أمانة عنده ، فإذا‬ ‫تعيبت بدون فعل منه وال تفريط فال حرج عليه .‬ ‫مثال ذلك : أن يشتري شاةً فيعينها أضحية ، ثم تعثر وتنكسر بدون سبب منه فيذبحها وتجزئه أضحية .‬ ‫فإن كانت واجبة في ذمته قبل التعيين كما لو نذر أن يضحي ثم عين عن نذره شاة فتعيبت بدون فعل من وال تفريط وجب عليه إبدالها‬ ‫بسليمة تجزئ عما في ذمته ؛ ألن ذمته مشغولة بأضحية سليمة قبل أن يعينها ، فال يخرج من عهدة الواجب إال بأضحية سليمة .‬ ‫الحال الثانية : أن يكون تعيبها بفعله أو تفريط ؛ فيلزمه إبدالها بمثلها على كل حال ، سواء كانت واجبة في ذمته قبل التعيين أم ال ، وسواء‬ ‫كانت بقدر ما يجزئ في األضحية أو أعلى منه .‬ ‫مثال ذلك : أن يشتري شاة سمينة فيعينها أضحية ثم يربطها برباط ضيق كان سببا في كسرها فتنكسر ؛ فيلزمه إبدالها بشاة سمينة يضحي‬ ‫بها .‬ ‫وإذا ضحى بالبدل فهل يلزمه ذبح المتعيب أيضا ، أو يعود ملكا له ؟ على روايتين عن أحمد :‬ ‫إحداهما : يلزمه ذبح المتعيب ، وهو المذهب المشهور عند األصحاب لتعلق حق الفقراء فيه يتعيينه .‬ ‫الثانية : ال يلزمه ذبحه لبراءة ذمته بذبح بدله ، فلم يضع حق الفقراء فيه ، وهذا هو القول الراجح ، اختاره الموفق والشارح وغيرهما ، وعلى‬ ‫هذا فيعود المتعيب ملكا له يصنع فيه ما شاء من أكل وبيع وهدية وصدقة وغير ذلك .‬ ‫الرابع : أنها ضلت ( ضاعت ) أو سرقت فثم حاالن :‬ ‫02‬
  • 21.
    ‫أحكام االضحية والذكاة‬ ‫الحال األولى : أن يكون ذلك بدون تفريط منه فال ضمان عليه إال أن تكون واجبة في ذمته قبل التعيين ؛ ألنها أمانة عنده ، واألمين ال‬ ‫ضمان عليه إذا لم يفرط ، لكن متى وجدها أو استنقذها من السارق ؛ لزمه ذبحها ولو فات وقت الذبح ، وإن كانت واجبة في ذمته قبل‬ ‫التعيين وجب عليه ذبح بدلها على أقل ما تبرأ به الذمة كما سبق ، فإن وجدها أو استنقذها من السارق بعد ذبح بدلها لم يلزمه ذبحها لبراءة‬ ‫ذمته ، وسقوط حق الفقراء بذبح البدل ، لكن إن كان البدل الذي ذبحه أنقص لزمه الصدقة بأرش النقص ؛ لتعلق حق الفقراء به ، واهلل أعلم‬ ‫.‬ ‫الحال الثانية : أن يكون ذلك بتفريط منه فيلزمه إبدالها بمثلها على كل حال ، أي سواء كانت واجبة في ذمته قبل التعيين أو ال ، وسواء‬ ‫كانت بقدر ما يجزئ في األضحية أم أعلى منه .‬ ‫مثال ذلك : اشترى شاة فعينها أضحية ، ثم وضعها في مكان غير محرز فسرقت أو خرجت فضاعت ؛ فيلزمه إبدالها بأضحية مثلها على‬ ‫صفتها ، وإن شاء أعلى منها .‬ ‫وإذا ضحى بالبدل ثم وجدها أو استنقذها من السارق ؛ عادت ملكا له يصنع بها ما شاء من بيع وهبة وصدقة وغير ذلك ؛ ألنه برئت ذمته‬ ‫بذبح بدلها ، وسقط به حق الفقراء .‬ ‫الخامس : أنها إذا تلفت فلها ثالث حاالت :‬ ‫الحال األولى : ان يكون تلفها بأمر ال صنع لآلدمي فيه ؛ كمرض أو آفة سماوية أو سبب تفعله هي ، فال يلزمه بدلها إال أن تكون واجبة في‬ ‫ذمته قبل التعيين ؛ ألنها أمانة عن ده ، واألمين ال ضمان عليه في مثل ذلك ، فإن كانت واجبة في ذمته قبل التعيين ؛ لزمه ذبح بدلها على‬ ‫أقل ما تبرأ به ذمته ، وإن شاء أعلى منه .‬ ‫الحال الثانية : أن يكون تلفها بفعل مالكها ، فيلزمه ذبح بدلها على صفتها بكل حال ، أي سواء كانت واجبة في ذمته قبل التعيين أم ال ،‬ ‫وسواء كانت بقدر ما يجزئ في األضحية أم أعلى منه ؛ لقول النبى صلى اهلل عليه وسلم : (( من ذبح قبل أن يصلى فليعد مكانها أخرى‬ ‫))(17) كما لو تعيبت بفعله فيلزمه بدلها على صفتها كما سبق .‬ ‫و‬ ‫الحال الثالثة : أن يكون تلفها بفعل آدمي غير مالكها ، فإن كان ال يمكن تضمينه كقطاع الطريق ؛ فحكمه حكم تلفها بأمر ال صنع لآلدمي‬ ‫فيه على ما سبق في الحال األولى . وإن كان يمكن تضمينه كشخص معين ذبحها فأكلها ، فإنه يلزمه ضمانها بمثلها يدفعه إلى مالكها‬ ‫ليضحي به ، وقيل : يلزمه ضمانها بالقيمة ، واألول أصح ، فإن الحيوان يضمن بمثله على القول الراجح ؛ لما روى البخاري عن أبي هريرة‬ ‫رضي اهلل عنه أن رجال أتى النبي صلى اهلل عليه وسلم يتقاضاه بعيرا وفي رواية فأغلظ له فهم به أصحابه فقال : (( دعوه ، فإن لصاحب‬ ‫الحق مقاالً ، واشتروا له بعيرا فأعطوه إياه ، وقالوا : ال نجد إال أفضل من سنه ، قال : اشتروا له وأعطوه إياه ، فإن كم أحسنكم قضاء‬ ‫خير‬ ‫)) (27).‬ ‫(27)‬ ‫ولو كان البدل الواجب في الحيوان قيمته لم يعدل النبي صلى اهلل عليه وسلم عنها ، ولم يكلفهم الشراء له .‬ ‫ولمسلم نحوه‬ ‫السادس : أنها إذا ذبحت قبل وقت الذبح ولو بنية األضحية ؛ فحكمه حكم إتالفها على ما سبق ، وإن ذبحت في وقت الذبح فإن كان‬ ‫الذابح صاحبها أو كيله ؛ فقد وقعت موقعها . وإن كان الذبح غير صاحبها وال كيله ؛ فله ثالث حاالت :‬ ‫و‬ ‫و‬ ‫12‬
  • 22.
    ‫أحكام االضحية والذكاة‬ ‫الحال األولى : أن ينويها عن صاحبها ، فإن رضي صاحبها بذلك أجزأت بال ريب ، وإن لم يرض أجزأت أيضا على المشهور من مذهب‬ ‫أ حمد والشافعي وأبي حنيفة ، ونقل في المغني عن مالك أنها ال تجزئ ، وعلى هذا فينبغي أن يلزم الذابح ضمانها بمثلها يدفعه إلى مالكها‬ ‫ليضحي به كاإلتالف ، ويكون اللحم للذابح إال أن يرضى صاحبها بأخذه مع األرش وهو فرق ما بين قيمتها حية ومذبوحة ، فيملكه ويذبح‬ ‫بدلها .‬ ‫الحال الثانية : أن ينويها عن نفسه ال عن صاحبها ، فإن كان يعلم أنها أضحية غيره لم تجز عنه وال عن صاحبها ؛ ألنه غاضب معتد فال‬ ‫يكون فعله قربة ، ويلزمه ضمانها بمثلها يدفعه إلى صاحبها ليضحي به وقيل : تجزئ عن صاحبها إلغاء لنية الذابح دون فعله ، وعلى هذا فال‬ ‫يضمن إال ما فرق من اللحم ، وإن كان ال يعلم أنها أضحية غيره ؛ أجزأت عن صاحبها بكل حال ، وقيل : إن فرق لحمها لم تجز عن واحد‬ ‫منهما ، واألول أظهر ؛ ألن تفرقه اللحم ال أثر لها في اإلجزاء وعدمه ؛ بدليل ما لو ذبحها ثم سرقت قبل تفريقها فإنها تجزئ . نعم تفريق‬ ‫اللحم له أثر في الضمان وعدمه ، فإنه إذا فرق اللحم ؛ لزمه ضمانه لصاحبها ما لم يرض بتفريقه إياه .‬ ‫الحال الثالثة : أن يذبحها مع اإلطالق ؛ فال ينويها عن صاحبها وال عن نفسه ، فتجزئ عن صاحبها أيضا ؛ ألنها معينة من قبله ، وقيل : ال‬ ‫تجزئ عن واحد منهما .‬ ‫( تنبيه ) : في حال إجزاء المذبوح عن صاحبه فيما سبق ، إن كان اللحم باقيا أخذه صاحبه وفرقه أضحية ، وإن كان الذابح قد فرقه تفريق‬ ‫أضحية ورضي به صاحبها ، فقد وقع الموقع ، وإن لم يرض ضمنه لصاحبه ليفرقه بنفسه .‬ ‫( تنبيه ثان ) محل ما ذكر من التفصيل إن قلنا بحل ما ذكاه الغير بغير إذن مالكه ، وإال فال تجزئ بكل حال وعليه الضمان .‬ ‫( تتمه ) : قال األصحاب : وإن ضحى اثنان كل منهما بأضحية اآلخر عن نفسه غلظاً كفتهما وال ضمان ، فإن فرقاً اللحم ؛ فقد وقع موقعه‬ ‫وإال تراداه ليفرق كل واحد منهما لحم أضحيته .‬ ‫( فائدتان ) :‬ ‫( األولى ) : إذا تلفت بعد ا لذبح أو سرقت أو أخذها من ال تمكن مطالبته ، ولم يفرط صاحبها فال ضمان عليه ، وإن فرط ضمن ما تجب‬ ‫به الصدقة منها قط .‬ ‫( الثانية ) : إذا ولدت بعد التعيين فحكم ولدها حكمها في جميع ما تقدم سواء حملت به بعد التعيين أم قبله ، وأما ما ولدته قبل التعيين‬ ‫فهو مستقل في حكم نفسه فال يتبع أمه.‬ ‫22‬
  • 23.
    ‫أحكام االضحية والذكاة‬ ‫الفصل السابع‬ ‫فيما كل منها وما يفرق‬ ‫يؤ‬ ‫قال اهلل تعالى : ( لِيَشهدوا منَافِع لَهم ويَذكروا اسم اللَّه فِي أَيَّام معلُومات علَى ما رزقَ هم من بَهيمة األَنْعام فَكلُوا من ها وأَطْعموا الْبَائِس الْفقير)‬ ‫ِ‬ ‫َ َ َ‬ ‫ِ‬ ‫َِ ُ َْ َ ُ‬ ‫ِ‬ ‫َ ِ ِ ِ‬ ‫ٍ َْ َ َ َ َ ُ ْ ْ َ‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫ْ َ ُ َ َ ُ ْ َ ُُْ ْ َ‬ ‫(الحج:82) ، وقال تعالى : ( ولِكل أُمة جعلْنَا منسكاً لِيَذكروا اسم اللَّه علَى ما رزقَ هم من بَهيمة األَنْعام )(الحج: 31) وقال النبي صلى اهلل‬ ‫ْ ُ ْ ِ َ َ ََ ُ ْ ِ ْ ِ َ ِ َ ِ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ٍ‬ ‫َ ُ ِّ َّ َ َ َ ْ َ‬ ‫عليه وسلم (( كلوا وادخروا وتصدقوا )) . رواه مسلم من حديث عائشة رضي اهلل عنها(37) . وقال النبي صلى اهلل عليه وسلم : (( كلوا‬ ‫وأطعموا وادخروا )) . رواه البخاري من حديث سلمة بن األكوع(57) ، وهو أعم من األول ؛ ألن اإلطعام يشمل الصدقة على الفقراء والهدية‬ ‫لألغنياء ، وقال أبو بردة للنبي صلى اهلل عليه وسلم : إني عجلت نسيكتي ألطعم أهلي وجيراني وأهل داري أي أهل محلتي (67).‬ ‫وليس في هذه اآلية واألحاديث نص في مقدار ما كل ويتصدق به ويهدى ، ولذلك اختلف العلماء رحمهم اهلل في مقدار ذلك ، فقال‬ ‫يؤ‬ ‫اإلمام أحمد : نحن نذهب إلى حديث عبد اهلل : يأكل هو الثلث ، ويطعم من أراد الثلث ، ويتصدق بالثلث على المساكين ، وقال الشافعي‬ ‫: أحب أن ال يتجاوز باألكل واالدخار الثلث ، وأن يهدي الثلث ، ويتصدق بالثلث ، ويعني اإلمام أحمد بحديث عبد اهلل ما ذكره علقمة‬ ‫قال بعث معي عبد اهلل يعني ابن مسعود بهدية فأمرني أن آكل ثلثا ، وأن أرسل إلى أهل أخيه عتبة بثلث ، وأن أتصدق بثلث (77) ، وعن‬ ‫ابن عمر رضي اهلل عنهما قال : الضحايا والهدايا : ثلث لك ، وثلث ألهلك ، وثلث للمساكين . ومراده باألهل : األقارب الذين ال‬ ‫تعولهم ، نقل هذين األثرين في (( المغني )) ثم قال : ولنا ما روي عن ابن عباس رضي اهلل عنهما في صفة أضحية النبي صلى اهلل عليه‬ ‫وسلم قال : ويطعم أهل بيته الثلث ، ويطعم فقراء جيرانه الثلث ، ويتصدق على السؤال بالثلث . رواه الحافظ أبو موسى األصفهاني في‬ ‫الوظائف وقال : حديث حسن ؛ وألنه قول ابن مسعود وابن عمر ، ولم نعرف لهما مخالفا في الصحابة فكان إجماع . اه .‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ ُ ِ‬ ‫والقول القديم للشافعي يأكل النصف ، ويتصدق بالنصف ؛ لقوله تعالى : (ِ فَكلُوا منْ ها وأَطْعموا الْبَائِس الْفقير)(الحج: من اآلية82)‬ ‫َ َ َ‬ ‫َ َ ُ‬ ‫فجعلها بين اثنين فدل على أنها بينهما نصفين قال في (( المغني)) : واألمر في ذلك واسع، فلو تصدق بها كلها أو بأكثرها جاز ، وإن‬ ‫أكلها إال أوقية تصدق بها جاز . وقال أصحاب الشافعي :يجوز أكلها كلها . أه .‬ ‫32‬
  • 24.
    ‫أحكام االضحية والذكاة‬ ‫وما ذكرناه من األكل واإلهداء ؛ فعلى سبيل االستحباب ال الوجوب ، وذهب بعض العلماء إلى وجوب األكل منها ، ومنع الصدقة بجميعها‬ ‫لظاهر اآلية واألحاديث ، وألن النبي صلى اهلل عليه وسلم أمر في حجة الوداع من كل بدنة ببضعة ، فجعلت في قدر فطبخت ، فأكل من‬ ‫لحمها وشرب من مرقها . رواه مسلم من حديث جابر(87) .‬ ‫ويجوز ادخار ما يجوز أ كله منها ؛ ألن النهي عن االدخار منها فوق ثالث منسوخ على قول الجمهور ، وقال شيخ اإلسالم ابن تيمية : بل‬ ‫حكمه باق عند وجود سببه وهو المجاعة ؛ لحديث سلمة بن األكوع رضي اهلل عنه قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم : (( من ضحى‬ ‫منكم فال يصبحن بعد ثالثة وفي بيته منه شيء )) ، فلما كان العام المقبل قالوا يا رسول اهلل ، نفعل كما فعلنا في العام الماضي ، فقال صلى‬ ‫اهلل عليه وسلم : (( كلوا وأطعموا وادخروا ، فإن ذلك العام كان الناس في جهد فأردت أن تعينوا فيها )) . متفق عليه(97) . فإذا كان في‬ ‫الناس مجاعة زمن األضحى ؛ حرم االدخار فوق ثالث وإال فال بأس به .‬ ‫وال فرق فيما سبق من األكل والصدقة واإلهداء من لحوم األضاحي بين األضحية الواجبة والتطوع ، وال بين األضحية عن الميت أو الحي ،‬ ‫وال بين األضحية التي ذبحها من عنده أو التي ذبحها لغيره بوصية ،فإن الموصى إليه يقوم مقام الموصي في األكل واإلهداء والصدقة ، فأما‬ ‫كيل عن الحي فإن أذن له كل في ذلك أو دلت القرينة أو العرف عليه فعله ، وإال سلمها كل كاملة وهو الذي يقوم بتوزيعها .‬ ‫للمو‬ ‫المو‬ ‫الو‬ ‫ويحرم أن يبيع شيئا منها من لحم أو شحم أو دهن أو جلد أو غيره ؛ ألنها مال أخرجه هلل فال يجوز الرجوع فيه كالصدقة ، وال يعطي الجازر‬ ‫شيئا منها في مقابلة أجرته أو بعضها ؛ ألن ذلك بمعنى البيع .‬ ‫فأما من أهدي له شيء منها أو تصدق به عليه فله أن يتصرف فيه بما شاء من بيع وغيره ؛ ألنه ملكه ملكا تاما فجاز له التصرف فيه ، وفي‬ ‫(( ا لصحيحين )) عن عائشة رضي اهلل عنها أن النبي صلى اهلل عليه وسلم دخل بيته فدعا بطعام فأتي بخبز وأدم من أدم البيت فقال النبي‬ ‫صلى اهلل عليه وسلم : (( ألم أر البرمة فيها لحم ؟ )) قالوا : بلى ، ولكن ذلك لحم تصدق به على بريرة وأنت ال تأكل الصدقة ، قال ((‬ ‫عليها صدقة ولنا هدية )) وفي لفظ البخاري : (( ولكنه لحم تصدق به على بريرة فأهدته لنا )) ولمسلم : (( هو عليها صدقة ، وهو منها لنا‬ ‫هدية )) (18).‬ ‫لكن ال يشتريه من أهداه أو تصدق به ؛ ألنه نوع من الرجوع في الهبة والصدقة ، وفي (( الصحيحين )) عن عمر بن الخطاب رضي اهلل عنه‬ ‫قال : حملت على فرس في سبيل اهلل فأضاعه الذي كان عنده فأردت أن أشتريه منه وظننت أنه بائعه برخص ، فسألت عن ذلك النبي صلى‬ ‫(28)‬ ‫اهلل عليه وسلم فقال (( ال تشتره وإن أعطاكه بدرهم ، فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه ))‬ ‫فإن عاد إلى من أهداه أو تصدق به بإرث مثل أن يهدي إلى قريب له أو يتصدق عليه ثم يموت فيرثه من أهداه أو تصدق به ، فإنه يعود إليه‬ ‫ملكا تاما يتصرف فيه كما شاء على وجه مباح ؛ لما رواه مسلم عن بريدة رضي اهلل عنه أن امرأة أتت النبي صلى اهلل عليه وسلم فقالت :‬ ‫يا رسول اهلل ، (1262) إني تصدقت على أمي بجارية وإنها ماتت . فقال النبي صلى اهلل عليه وسلم : (( وجب أجرك وردها عليك‬ ‫الميراث )) (28).‬ ‫42‬
  • 25.
    ‫أحكام االضحية والذكاة‬ ‫الفصل الثامن‬ ‫فيما يجتنبه من أراد األضحية‬ ‫عن أم سلمة رضي اهلل عنها أن النبي صلى اهلل عليه وسلم قال : (( إذا رأيتم هالل ذي الحجة وفي لفظ : إذا دخلت العشر وأراد أحدكم‬ ‫أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره )) . رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه (18)، وفي لفظ لمسلم وأبي داود‬ ‫والنسائي (38): (( فال يأخذ من شعره شيئا حتى يضحي )) ، ولمسلم والنسائي أيضا وابن ماجه (58): (( فال يمس من شعره وال بشره شيئا ))‬ ‫.‬ ‫ففي هذا الحديث النهي عن أخذ شيء من الشعر أو الظفر أو البشرة ممن أراد أن يضحي من دخول شهر ذي الحجة حتى يضحي ، فإن‬ ‫دخل العشر وهو ال يريد األضحية ثم أرادها في أثناء العشر أمسك عن أخذ ذلك منذ إرادته ، وال يضره ما أخذ قبل إرادته .‬ ‫وق د اختلف العلماء رحمهم اهلل تعالى في هذا النهي ، هل هو للكراهة أو للتحريم ؟ واألصح أنه للتحريم ؛ ألنه األصل في النهي وال دليل‬ ‫يصرفه عنه ، ولكن ال فدية فيه إذا أخذه لعدم الدليل على ذلك .‬ ‫52‬
  • 26.
    ‫أحكام االضحية والذكاة‬ ‫والحكمة في هذا النهي واهلل أعلم أنه لما كان المضحي كا للمحرم في بعض أعمال النسك ، وهو التقرب إلى اهلل بذبح القربان ،‬ ‫مشار‬ ‫كان من الحكمة أن يعطى بعض أحكامه ، وقد قال اهلل في المحرمين : ( وال تَحلِقوا رؤوسكم حتَّى يَب لُغ الْهدي محلَّهُ)(البقرة: 692) .‬ ‫َ ْ ِ‬ ‫َ ْ ُ ُُ َ ُ ْ َ ْ َ ُ َ‬ ‫وقيل : الحكمة أن يبقى المضحي كامل األجزاء للعتق من النار ، ولعل قائل ذلك استند إلى ما ورد من أن اهلل تعالى يعتق من النار بكل‬ ‫عضو من األضحية عضوا من المضحي ، لكن هذا الحديث قال ابن الصالح : غير معروف ولم نجد له سندا يثبت به ، ثم هو منقوض بما‬ ‫ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة أن النبي صلى اهلل عليه وسلم قال : (( أيما رجل مسلم أعتق امرأً مسلما استنقذ اهلل بكل‬ ‫عضو منه عضوا منه من النار ))(68) ولم ينه من أراد العتق عن أخذ شيء من شعره وظفره وبشرته حتى يعتق .‬ ‫وقيل : الحكمة : التشبه بالمحرم ، وفيه نظر ، فإن المضحي ال يحرم عليه الطيب والنكاح والصيد واللباس المحرم على المحرم ، فهو‬ ‫مخالف للمحرم في أكثر األحكام ، ثم رأيت ابن القيم أشار إلى أن الحكمة توفير الشعر والظفر ليأخذه مع األضحية ، فيكون ذلك من تمام‬ ‫األضحية عند اهلل كمال التعبد بها ، واهلل أعلم .‬ ‫و‬ ‫( تنبيه ) : يتوهم بعض العامة أن من أراد األضحية ثم أخذ من شعره أو ظفره أو بشرته شيئا في أيام العشر ؛ لم تقبل أضحيته ، وهذا خطأ‬ ‫بين ، فال عالقة بين قبول األضحية واألخذ مما ذكر ، لكن من أخذ بدون عذر فقد خالف أمر النبي صلى اهلل عليه وسلم باإلمساك ، ووقع‬ ‫فيما نهى عنه من األخذ ، فعليه أن يستغفر اهلل ويتوب إليه وال يعود ، وأما أضحيته فال يمنع قبولها أخذه من ذلك .‬ ‫وأما من احتاج إلى أخذ الشعر والظفر والبشرة فأخذها فال حرج عليه ، مثل أن يكون به جرح فيحتاج إلى قص الشعر عنه ، أو ينكسر ظفره‬ ‫فيؤذيه فيقص ما يتأذى به ، أو تتدلى قشرة من جلده فتؤذيه فيقصها ، فال حرج عليه في ذلك كله .‬ ‫( تن بيه ثان ) : ظاهر الحديث كالم أهل العلم أن نهي المضحي عن أخذ الشعر والظفر والبشرة يشمل ما إذا نوى األضحية عن نفسه أو‬ ‫و‬ ‫تبرع بها عن غيره ، وهو كذلك ، وذكر بعض المحشين من أصحابنا أن من تبرع باألضحية عن غيره ال يشمله النهي ، وما ذكرناه أولى‬ ‫وأحوط . فأما من ضحى عن غيره كالة أو وصية ؛ فال يشمله النهي بال ريب .‬ ‫بو‬ ‫وأما من يضحى عنه فظاهر الحديث كالم كثير من أهل العلم أن النهي ال يشمله ، فيجوز له األخذ من شعره وظفره وبشرته ، ويؤيد ذلك أن‬ ‫و‬ ‫النبي صلى اهلل عليه وسلم كان يضحي عن آل محمد ولم ينقل أنه كان ينهاهم عن ذلك ، وذكر المتأخرون من أصحابنا أنه يشمل المضحى‬ ‫عنه ، فال يأخذ من شعره وال ظفره وال بشرته من دخول شهر ذي الحجة ، أو من حين يعلم أنه سيضحى عنه إن كان لم يعلم حتى تذبح‬ ‫األضحية وذلك ألنه مشارك للمضحي في الثواب ، كه في الحكم ، واهلل أعلم.‬ ‫فشار‬ ‫الفصل التاسع‬ ‫في الذكاة وشروطها‬ ‫أخرنا الكالم عن الذكاة وشروطها وما يتعلق بها ؛ ألن أحكامها عامة في األضحية وغيرها.‬ ‫الذكاة : نحر الحيوان البري الحالل أو ذبحه أو جرحه في أي موضع من بدنه .‬ ‫62‬
  • 27.
    ‫أحكام االضحية والذكاة‬ ‫فالنحر لإلبل ، والذبح لما سواها ، والجرح لكل ما ال يقدر عليه إال به من إبل وغيرها .‬ ‫ويشترط لحل الحيوان بالذكاة شروط تسعة :‬ ‫األول: أن يكون المذكي ممن يمكن منه قصد التذكية ، وهو المميز العاقل ، فال يحل ما ذكاه صغير دون التمييز، وال هرم ذهب‬ ‫تمييزه ، والتمييز فهم الخطاب والجواب بالصواب .‬ ‫وال يحل ما ذكاه مجنون وسكران ومبرسم ونحوهم ؛ لعدم إمكان القصد من هؤالء .‬ ‫وإنما اشترط إمكان القصد ؛ ألن اهلل أضاف التذكية إلى المخاطبين في قوله : ( إِال ما ذَكيتُم ) (المائدة: 1) وهو ظاهر في إرادة‬ ‫َ َّ ْ ْ‬ ‫الفعل ، ومن ال يمكن منه القصد تمكن منه اإلرادة .‬ ‫الشرط الثاني : أن يكون المذكي مسلما أو كتابيا ، وهو من ينتسب لدين اليهود أو النصارى . فأما المسلم فيحل ما ذكاه وإن كان‬ ‫فاسقا أو مبتدعا ببدعة غير مكفرة ، أو صبيا مميزاً، أو امرأة؛ لعموم األدلة وعدم المخصص، قال في (( المغني )) عن ابن المنذر: أجمع‬ ‫كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إباحة ذبيحة المرأة والصبي، قال: وقد روي أن جارية لكعب بن مالك كانت ترعى غنما بسلع‬ ‫فأصيبت شاة منها كتها فذكتها بحجر ، فسأل النبي صلى اهلل عليه وسلم فقال ( كلوها )(78) متفق عليه . قال: وفي هذا الحديث فوائد‬ ‫فأدر‬ ‫سبع :‬ ‫إحداها : إباحة ذبيحة المرأة.‬ ‫الثانية : إباحة ذبيحة األمة .‬ ‫الثالثة : إباحة ذبيحة الحائض ؛ ألن النبي صلى اهلل عليه وسلم لم يستفصل .‬ ‫الرابعة : إباحة الذبح بحجر .‬ ‫الخامسة : إباحة ذبح ما خيف عليه الموت .‬ ‫السادسة : حل ما يذبحه غير مالكه بغير أذنه .‬ ‫السابعة : إباحة ذبحه لغير مالكه عند الخوف عليه . اه .‬ ‫قلت : وفائدة ثامنة : وهي إباحة ذبح الجنب . وتاسعة : وهي أن األصل في تصرفات من يصح تصرفه الحل والصحة حيث لم‬ ‫يسأل : أذكرت اسم اهلل عليها أم ال ، وزاد في (( شرح المنتهى )) حل ذبيحة الفاسق واألقلف(88) فتكون الفوائد إحدى عشرة .‬ ‫وقول الشيخ رحمه اهلل في (( المغني )) : السادسة : حل ما يذبحه غير مالكه بغير إذنه ، إن كان مراده بالغير من كان أمينا عليه أو‬ ‫ذبحه لمصلحة مالكه فمسلم وواضح ، وإن كان مراده ما يشمل الغاصب ونحوه ؛ ففيه خالف يأتي إن شاء اهلل ، والحديث المذكور ال يدل‬ ‫على حل ما ذكاه وال عدمه ؛ ألن الذكاة فيه واقعة من الجارية التي ترعى الغنم وهي أمينة عليها ، ثم إنها لمصلحة مالكها أيضا .‬ ‫وقوله : السابعة : إباحة ذبحه لغير مالكه عند الخوف عليه : إن أراد به اإلباحة المطلقة التي تقتضي أن يكون مستوي الطرفين ، ففيه‬ ‫نظر ، وإن أراد اإلباحة في المنع فال تنافي الوجوب فمسلم ، وذلك أن األمين إذا رأى فيما اؤتمن عليه خوف ضياع أو تلف وجب عليه أن‬ ‫72‬
  • 28.
    ‫أحكام االضحية والذكاة‬ ‫يتدارك ذلك ؛ ألنه مؤتمن عليه ، يجب عليه فعل األصلح ، ففي مثل هذه الصورة يجب على الراعي تذكيتها ؛ ألنه أصلح األمرين ، وهو‬ ‫أمين مقبول قوله في خوف التلف ، أما غير األمين فال يجب عليه ذلك إن خاف تبعة ، واهلل أعلم .‬ ‫ومقتضى ما سبق حل ذكاة األ قلف بدون كراهة ، وهو ظاهر النصوص وإطالق كثير من أصحابنا منهم صاحب المنتهى ، ونقل في‬ ‫المغني عن ابن عباس : ال كل ذبيحة األقلف ، وأن عن اإلمام أحمد مثله ، قال في (( الرعاية )) : وعنه تكره ذبيحة األقلف والجنب‬ ‫تؤ‬ ‫والحائض والنفساء ، وجزم بكراهة ذكاة األقلف في (( اإلقناع )) .‬ ‫وأما الكتابي : فيحل ما ذكاه بالكتاب والسنة واإلجماع .‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫أما الكتاب : فقوله تعالى : (الْيَ وم أُحل لَكم الطَّيِّبَات وطَعام الَّذين أُوتُوا الْكتَاب حل لَكم )(المائدة: 5) قال ابن عباس رضي اهلل‬ ‫َ ٌّ ُ ْ‬ ‫ُ َ َُ َ‬ ‫ْ َ َّ ُ ُ‬ ‫عنهما : طعامهم ذبائحهم ، وروي ذلك عن مجاهد وسعيد والحسن وغيرهم .‬ ‫وأما السنة :ففي صحيح مسلم عن أنس بن مالك رضي اهلل عنه أن امرأة يهودية أتت رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم بشاة مسمومة‬ ‫فأكل منها . الحديث(98) . وفي مسند اإلمام عن أنس أيضا أن يهوديا دعا رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم إلى خبز شعير وإهالة سنخة‬ ‫فأجابه(19) . واإلهالة السنخة : الشحم المذاب إذا تغيرت رائحته ، وفي صحيح البخاري عن عبد اهلل بن مغفل قال : كنا محاصرين قصر‬ ‫خيبر فرمى إنسان بجراب فيه شحم ، وفي صحيح مسلم قال : فالتزمته فقلت : ال أعطي اليوم أحدا من هذا شيئا ، فالتفت فإذا رسول اهلل‬ ‫صلى اهلل عليه وسلم مبتسما (29).‬ ‫وأما اإلجماع : فقد حكى إجماع المسلمين على حل ذبائح أهل الكتاب غير واحد من العلماء ، منهم صاحب (( المغني )) وشيخ‬ ‫اإلسالم ابن تيمية وابن كثير في تفسيره ، قال شيخ اإلسالم : ومن المعلوم أن حل ذبائحهم ونسائهم ثبت بالكتاب والسنة واإلجماع ، قال :‬ ‫وما زال المسلمون في كل عصر ومصر يأكلون ذبائحهم ، فمن خالف ذلك ؛ فقد أنكر إجماع المسلمين . اه .‬ ‫واختلف العلماء رحمهم اهلل : هل يشترط لحل ما ذكاه الكتابي أن يكون أبواه كتابيين ، أو أن المعتبر هو بنفسه بقطع النظر عن‬ ‫أبويه ؟ فا لمشهور من المذهب أن ذلك شرط ، وانه ال يحل ما ذكاه كتابي أبوه أو أمه من المجوس أو نحوهم ، والصحيح أن ذلك ليس‬ ‫بشرط ، وأن المعتبر هو بنفسه ، فإذا كان كتابيا ؛ حل ما ذكاه ، وإن كان أبواه أو أحدهما من غير أهل الكتاب ، قال شيخ اإلسالم ابن‬ ‫تيميه : الصواب المقطوع به أن كون الرجل كتابيا أو غير كتابي هو حكم يستفيده بنفسه ال بنسبه ، فكل من تدين بدين أهل الكتاب ؛ فهو‬ ‫منهم سواء كان أبوه أو جده داخال في دينهم ، أو لم يدخل ، وسواء كان دخوله قبل النسخ والتبديل أو بعد ذلك ، وهذا مذهب جمهور‬ ‫العلماء كأبي حنيفة ومالك والمنصوص الصريح عن أحمد وإن كان في ذلك بين أصحابه نزاع معروف وهذا القول هو الثابت عن الصحابة،‬ ‫رضي اهلل عنهم وال أعلم في ذلك بينهم نزاعا ، وقد ذكر الطحاوى أن هذا إجماع قديم . اه .‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫وأما غير الكتابي فال يحل ما ذكاه ؛ لمفهوم قوله تعالى : ( وطَعام الَّذين أُوتُوا الْكتَاب حل لَكم ) (المائدة: 5) . قال الخازن في‬ ‫َ ٌّ ُ ْ‬ ‫َ َُ َ‬ ‫تفسيره : أجمعوا على تحريم ذبائح المجوس وسائر أهل الشرك من كي العرب وعبدة األصنام ومن ال كتاب له ، وقال اإلمام أحمد : ال‬ ‫مشر‬ ‫أعلم أحدا قال بخالفه إال أن يكون صاحب بدعة .‬ ‫82‬
  • 29.
    ‫أحكام االضحية والذكاة‬ ‫الشرط الثالث : أن يقصد التذكية ، فإن لم يقصد التذكية ؛ لم تحل الذبيحة ، مثل أن تصول عليه بهيمة فيذبحها للدفاع عن نفسه‬ ‫فقط ، أو يريد قطع شيء فتصيب السكين حلق بهيمة فال تحل ؛ لقوله تعالى : ( إِالَّ ما ذَكيتُم )(المائدة: 1) فأضاف الفعل إلى‬ ‫َ َّ ْ ْ‬ ‫المخاطبين ، وهو فعل خاص ( تذكية ) فيحتاج إلى نيته ؛ لقول النبي صلى اهلل عليه وسلم (( إنما األعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما‬ ‫نوى )) (29).‬ ‫وهل يشترط مع ذلك أن يقصد األكل ؟ على قولين :‬ ‫أحدهما : ال يشترط فلو ذكاها إلراحتها أو تنفيذا ليمين حلف به كقوله : واهلل ألذبحن هذه الشاة ، فذبحها لتنفيذ يمينه فقط حلت‬ ‫لعموم األدلة .‬ ‫القول الثاني : أنه يشترط ، اختاره الشيخ تقي الدين فقال : وإذا لم يقصد المذكي األكل أو قصد حل يمينه لم تبح الذبيحة . اه .‬ ‫وفي (( سنن النسائي )) عن عبد اهلل بن عمرو رضي اهلل عنهما أن النبي صلى اهلل عليه وسلم قال (( ما من إنسان قتل عصفوراً فما‬ ‫فوق بغير حقها إال سأله اهلل عز وجل عنها )) وفي رواية : (( عنها يوم القيامة )) قيل يا رسول اهلل ، فما حقها ؟ قال (( حقها أن تذبحها‬ ‫فتأكلها ، وال تقطع رأسها فترمي بها ))(19) ، وله من حديث عمرو بن الشريد عن أبيه سمعت رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم يقول (( من‬ ‫قتل عصفوراً عبثا عج إلى اهلل يوم القيامة يقول : إن فالنا قتلني عبثا ، ولم يقتلني لمنفعة ))(39) .‬ ‫ونقل صاحب الفروع عن صاحب الفنون وهو ابن عقيل الحنبلي أن بعض المالكية قال له : الصيد فرجة ونزهة ميتة لعدم قصد األكل‬ ‫، قال : وما أحسن ما قال ؛ أل نه عبث محرم ، وال أحد أحق بهذا من مذهب أحمد حيث جعل في إحدى الروايتين كل حظر في مقصود‬ ‫شرعي يمنع صحته . اه .‬ ‫الشرط الرابع : أن ال يذبح لغير اهلل ، مثل أن يذبح تقربا لصنم أو وثن أو صاحب قبر ، أو يذبح تعظيما لملك أو رئيس أو وزير أو‬ ‫وجيه أو والد أو غيرهم من المخلوقين ، فإن ذبح لغير اهلل لم يحل وإن ذكر اسم اهلل عليه ؛ لقوله تعالى : (حرمت علَيكم الْميتَةُ و َّم) إلى‬ ‫ُ ِّ َ ْ َ ْ ُ ُ َ ْ َ الد ُ‬ ‫قوله تعالى : ( وما ذُبِح علَى النُّصب)(المائدة: 1) وقول النبي صلى اهلل عليه وسلم (( لعن اهلل من ذبح لغير اهلل ). رواه مسلم من حديث‬ ‫ُِ‬ ‫ََ َ َ‬ ‫على بن أبي طالب رضي اهلل عنه (59).‬ ‫الشرط الخامس : أال يهل لغير اهلل به ، بأن يذكر عليه اسم غير اهلل مثل أن يقول : باسم النبي ، أو باسم جبريل ، أو باسم الحزب‬ ‫الفالني ، أو الشعب الفالني ، أو الملك ، أو الرئيس ، أو نحو ذلك ، فإن ذكر عليه اسم غير اهلل لم يحل وإن ذبح هلل أو ذكر معه اسمه ؛‬ ‫لقوله تعالى : ( حرمت علَيكم الْميتَةُ و َّم)(المائدة: 1) إلى قوله تعالى : (وما أُهل لِغَير اللَّه بِه ) وقد ذكر ابن كثير في تفسير اإلجماع على‬ ‫ِ َّ ِ ِ ِ‬ ‫ْ‬ ‫ََ‬ ‫ُ ِّ َ ْ َ ْ ُ ُ َ ْ َ الد ُ‬ ‫تحريم ما أهل لغير اهلل به .‬ ‫ِ ِ‬ ‫ِ‬ ‫الشرط السادس : أن يسمي اهلل عليها ؛ لقوله تعالى : ( فَكلُوا مما ذُكِر اسم اللَّه علَيْه إِن كنتُم بِآياتِه مؤمنِين) (األنعام:822) ، وقوله‬ ‫ِ ِ‬ ‫ُْ َ‬ ‫َ ْ ُْ ْ‬ ‫ُ َّ َ ْ ُ‬ ‫َ ُ ِ َّ ْ ْ َ ِ ْ ُ ِ َ ْ ِ َ ِ ْ ٌ‬ ‫( وال تَأْكلُوا مما لَم يُذكر اسم اللَّه علَيه وإِنَّهُ لَفسق)(األنعام: 222)وقول النبي صلى اهلل عليه وسلم (( ما أنهر الدم وذكر اسم اهلل عليه‬ ‫فكلوا )) . أخرجه الجماعة واللفظ للبخاري(69) . فشرط النبي صلى اهلل عليه وسلم للحل ذكر اسم اهلل عليه مع إنهار الدم .‬ ‫92‬
  • 30.
    ‫أحكام االضحية والذكاة‬ ‫ِ ِ‬ ‫ويشترط أن تكون التسمية عند إرادة الذبح ، فلو فصل بينهما وبين الذبح بفاصل كثير لم تنفع ؛ لقوله تعالى : ( فَكلُوا مما ذُكر‬ ‫ُ َّ َ‬ ‫َ ِ‬ ‫ِ َ ِ‬ ‫اسم اللَّه علَيْه ) ( األنعام 82 ) وقوله صلى اهلل عليه وسلم : (( وذكر اسم اهلل عليه )) كلمة (علَيه ) تدل على حضوره وأن التسمية تكون‬ ‫و‬ ‫ْ‬ ‫ُْ‬ ‫عند الفعل ، وألن التسمية ذكر مشترط لفعل فاعتبر اقترانها به لتصح نسبتها إليه ، لكن لو كان الفصل من أجل تهيئة الذبيحة كاضجاعها‬ ‫واخذ السكين لم يضر ما دام يريد التسمية على الذبح ال على فعل التهيئة ، قياسا على ما لو فصل بين أعضاء الوضوء ألمر يتعلق بالطهارة .‬ ‫ويشترط أن تكون بلفظ بسم اهلل ، فلو قال بسم الرحمن أو باسم رب العالمين لم تجز ، هذا هو المشهور من المذهب ، والصواب‬ ‫أنه إذا أضاف التسمية إلى ما يختص باهلل كالرحمن ورب العالمين ومنزل الكتاب وخالق الناس أو إلى ما كه فيه غيره وينصرف إليه تعالى‬ ‫يشر‬ ‫عند اإلطالق ونواه به ، كالمولى والعظيم ونحوهما مثل أن يقول : باسم الرحمن أو باسم العظيم وينوي به اهلل ؛ فإنه يجزئ لحصول‬ ‫المقصود بذلك ، واهلل أعلم .‬ ‫ويعتبر أن تكون التسمية على ما أراد ذبحه ، فلو سمى على شاة ثم كها إلى غيرها أعاد التسمية ، وأما تغيير اآللة فال يضر ، فلو‬ ‫تر‬ ‫سمى وبيده سكين ثم ألقاه وذبح بغيرها فال بأس .‬ ‫واختلف العلماء رحمهم اهلل فيما إذا ترك التسمية على الذبيحة فهل تحل الذبيحة ؟ على ثالثة أقوال :‬ ‫أحدها : أنها تحل سواء ترك التسمية عالما ذاكرا أم جاهال ناسيا ، وهو مذهب الشافعي بناء على أن التسمية سنة وال شرط .‬ ‫الثاني : أنها تحل إن كها نسيانا ، وال تحل إن كها عمدا ولو جاهال ، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد في المشهور عنه ،‬ ‫تر‬ ‫تر‬ ‫وهنا فرقوا بين النسيان والجهل ، فقالوا : إن ترك التسمية ناسياً حلت الذبيحة ، وإن كها جاهال لم تحل ، كما فرق أصحابنا بين الذبيحة‬ ‫تر‬ ‫والصيد ، فقالوا في الذبيحة كما ترى ، وقالوا في الصيد : إن ترك التسمية عليه لم يحل سواء كها عالما ذاكرا أم جاهالً ناسيا .‬ ‫تر‬ ‫القول الثالث : أنها ال تحل سواء ترك التسمية عالما ذاكرا أم جاهال ناسيا ، وهو إحدى الروايتين عن أحمد قدمه في الفروع ،‬ ‫واختاره أبو الخطاب في خالفه وشيخ اإلسالم ابن تيمية وقال : إنه قول غير واحد من السلف .‬ ‫ِ َ ِ‬ ‫ِ‬ ‫وهذا هو القول الصحيح ؛ لقوله تعالى : ( وال تَأْكلُوا مما لَم يُذكر اسم اللَّه علَيه )(األنعام: 222) ، وهذا عام ، لقول النبي صلى‬ ‫ْ‬ ‫َ ُ َّ ْ ْ َ ِ ْ ُ‬ ‫اهلل عليه وسلم (( ما أنهر الدم وذكر اسم اهلل عليه فكلوا )) (79)، فقرن بين إنهار الدم وذكر اسم اهلل على الذبيحة في شرط الحل ، فكما‬ ‫أنه لو ل م ينهر الدم ناسيا أو جاهال لم تحل الذبيحة ، فكذلك إذا لم يسم ؛ ألنهما شرطان قرن بينهما النبي صلى اهلل عليه وسلم في جملة‬ ‫واحدة ، فال يمكن التفريق بينهما إال بدليل صحيح ، وألن التسمية شرط وجودي ، والشرط الوجودي ال يسقط بالنسيان كما لو صلى بغير‬ ‫وضوء ناسيا ، ف إن صالته ال تصح ، كما لو رمى صيدا بغير تسمية ناسيا ، فإن الصيد ال يحل عند المفرقين بين الذبيحة والصيد ، كما لو‬ ‫و‬ ‫ذبح بغير تسمية جاهال ، فإن الذبيحة ال تحل عند المفرقين بين الجهل والنسيان ، مع الجهل عذر مقرون بالنسيان في الكتاب والسنة‬ ‫ومساو له ، وربما يكون أ حق بكونه عذرا ؛ كجهل حديث العهد باإلسالم الذي لم يمض عليه زمن يتمكن من العلم .‬ ‫َ ِْ ْ ِ ْ ْ‬ ‫فإن قيل : ما الجواب عن قوله تعالى : ( ربَّنَا ال تُؤاخذنَا إِن نَسينَا أَو أَخطَأْنَا)(البقرة: 682) ، وقد فعل سبحانه وتعالى ، وقوله تعالى‬ ‫َ‬ ‫: ( ولَيْس علَيْكم جنَاح فِيما أَخطَأْتُم بِه ولَكن ما تَ عمدت قُلُوبُكم)(األحزاب: 5) والجاهل مخطئ ، والناسي لم يتعمد قلبه ، وقد رفع اهلل‬ ‫ُ‬ ‫َ َ َ ُ ْ ُ ٌ َ ْ ْ ِ َ ِ ْ َ َ َّ َ ْ‬ ‫عنهما المؤاخذة والجناح .‬ ‫03‬
  • 31.
    ‫أحكام االضحية والذكاة‬ ‫قلنا: الجواب : أننا نقول بمقتضى هاتين اآليتين الكريمتين وال نعدو قول ربنا ، فمن ترك التسمية على الذبيحة ناسيا أو جاهال فال‬ ‫مؤاخذة عليه وال جناح ، لكن ال يلزم من انتفائهما عنه حل ذبيحته ، فإن حل ذبيحته أثر حكم وضعي حيث إنه مرتب على شرط يوجد‬ ‫بوجوده وينتفى بانتفائه ، وأما المؤاخذة والجناح فهما أثر حكم تكليفي من شرطه الذكر والعلم ، فلذلك انتفيا بانتفائهما .‬ ‫يوضح ذلك : أنه لو صلى بغير وضوء ناسيا فال مؤاخذة عليه وال جناح ، وال يلزم من انتفائهما عنه صحة صالته ، فصالته باطلة وإن‬ ‫كان ناسيا لفقد شرطها الوجودي وهو الوضوء .‬ ‫ويوضح ذلك أيضا : أنه لو ذبحها في غير محل الذبح ناسيا أو جاهال فال مؤاخذة عليه وال جناح ، وال يلزم من انتفائهما عنه حل‬ ‫ذبيحته ، فذبيحته حرام لفقد شرطها الوجودي ، وهو إنهار الدم في محل الذبح .‬ ‫فإن قيل : ما الجواب عما ثبت في صحيح البخاري وغيره من حديث عائشة رضي اهلل عنها : أن قوما قالوا للنبي صلى اهلل عليه‬ ‫(89)‬ ‫وسلم : إن قوما يأتوننا بلحم ال ندري أذكروا اسم اهلل عليه أم ال ؟ فقال : (( سموا عليه أنتم كلوه )) قالت : كانوا حديثي عهد بالكفر‬ ‫و‬ ‫و‬ ‫.‬ ‫قلنا : الجواب : أننا نقول بمقتضى هذا الحديث ، وأنه لو أتانا من تحل ذكاته من مسلم أو كتابي بلحم حل لنا أكله وإن كنا ال‬ ‫ندري هل ذكر اسم اهلل عليه أو ال ، ألن األصل في التص رفات الواقعة من أهلها الصحة حتى يقوم دليل الفساد ، ولسنا مخاطبين بفعل غيرنا‬ ‫، وإنما نخاطب بفعلنا نحن ، وقد أشار النبي صلى اهلل عليه وسلم إلى ذلك حيث قال : (( سموا عليه أنتم كلوه )) كأنه يقول : أنتم‬ ‫و‬ ‫مخاطبون بالتسمية عند فعلكم وهو األكل ، فسموا عليه ، وأما الذبح والتسمية عليه فمخاطب به كم ، فعليكم ما حملتم وعليهم ما‬ ‫غير‬ ‫حملوا ، وليس يعني أن تسميتكم هذه تغني عن التسمية على الذبح ، وذلك ألن الذبح قد فات .‬ ‫وليس في الحديث دليل على سقوط التسمية بالجهل ، وال على أنها ليست بشرط لحل الذبيحة ؛ ألنه ليس فيه أنهم كوا التسمية‬ ‫تر‬ ‫فأحل لهم النبي صلى اهلل عليه وسلم اللحم ، وإنما فيه أنهم ال يدرون أذكروا اسم اهلل عليه أم ال ، واألصل أن الفعل وقع على الصحة ، بل‬ ‫قد يقال : إن في الحديث دليال على أن التسمية شرط لحل الذبيحة ، وأنه البد منها ، وإال لما أشكل حكم هذا اللحم على الصحابة حتى‬ ‫سألوا النبي صلى اهلل عليه وسلم عنه ، ثم لو كانت التسمية غير شرط أو كانت تسقط في مثل هذه الحال لقال لهم النبي صلى اهلل عليه‬ ‫وسلم : وما كم إذا كوها أو نحو هذا الكالم ؛ ألنه أبين وابلغ في إظهار الحكم وسقوط التسمية ، ولم يرشدهم إلى ما ينبغي أن يعتنوا‬ ‫تر‬ ‫يضر‬ ‫به وهو التسمية على فعلهم .‬ ‫فإن قيل : ما الجواب عن اآلثار التي احتج بها من ال يرى أن التسمية شرط لحل الذبيحة أو أنها تسقط بالنسيان ؟‬ ‫قلنا : الجواب : أن هذه اآلثار ال تصح مرفوعة إلى النبي صلى اهلل عليه وسلم وإنما هي موقوفة على بعض الصحابة على ما في‬ ‫أسانيدها من مقال ، فال يعارض بها ظاهر الكتاب والسنة .‬ ‫فإن قيل : ما الجواب عما قاله ابن جرير رحمه اهلل من أن القول بتحريم ما لم يذكر اسم اهلل عليه نسيانا خارج عما عليه الحجة‬ ‫مجمعة من تحليله ، يعني أن اإلجماع على تحليل ما لم يذكر اسم اهلل عليه نسيانا ؛ فالقول بتحريمه خارج عن اإلجماع ؟‬ ‫13‬
  • 32.
    ‫أحكام االضحية والذكاة‬ ‫قلنا : الجواب عليه : أنه مدفوع بما نقله غيره من الخالف فيه ، فقد قال شيخ اإلسالم : إن القول بالتحريم قول غير واحد من‬ ‫السلف ، وقد قال ابن كثير : إنه مروي عن ابن عمر ونافع مواله وعامر الشعبي ومحمد بن سيرين ، وهو رواية عن اإلمام مالك ورواية عن‬ ‫أحمد ابن حنبل ، نصرها طائفة من أصحابه المتقدمين والمتأخرين ، وهو اختيار أبي ثور وداود الظاهري ، واختار ذلك أبو الفتوح محمد بن‬ ‫محمد بن على الطائي من متأخري الشافعية في كتابه (( األربعين )) ، قال ابن الجوزي : وإلى هذا المعنى ذهب عبد اهلل بن يزيد الخطمي .‬ ‫قلت : واختاره ابن حزم وذكر أدلته ، وأجاب عن اآلثار المروية في الحل .‬ ‫فإن قيل : إن تحريمها إضاعة للمال ، والنبي صلى اهلل عليه وسلم نهى عن إضاعة المال .‬ ‫فالجواب : أن الذبيحة التي لم يذكر اسم اهلل عليها ليست بمال ؛ ألنها ميتة حيث لم تذك ذكاة شرعية لفقد شرط من شروط الذكاة‬ ‫ِ َ ِ‬ ‫ِ‬ ‫، فليس تحريمها بإضاعة للمال ، وإنما هو امتثال وطاعة هلل تعالى في قوله : ( وال تَأْكلُوا مما لَم يُذكر اسم اللَّه علَيه)(األنعام:222 ) على‬ ‫ْ‬ ‫َ ُ َّ ْ ْ َ ِ ْ ُ‬ ‫أن تحريم أكلها ال يمنع من االنتفاع بشحمها وودكها على وجه ال يتعدى كطلي السفن وإيقاد المصابيح ونحو ذلك ، فعن ميمونة بنت‬ ‫الحارث أم المؤمنين رضي اهلل عنها قالت : مر النبي صلى اهلل عليه وسلم بشاة يجرونها ، فقال : (( لو أخذتم إهابها )) فقالوا : إنها ميتة .‬ ‫قال : (( يطهرها الماء والقرظ )) أخرجه أبو داود النسائي(99) ، وعن ابن عباس رضي اهلل عنهما أن النبي صلى اهلل عليه وسلم قال : (( إذا‬ ‫دبغ اإلهاب فقد طهر )) . رواه مسلم(112) . وعنه رضي اهلل عنه أن النبي صلى اهلل عليه وسلم مر بشاة ميتة فقال : (( هال استمتعتم بإهابها‬ ‫)) قالوا : إنها ميتة . قال : (( إنما حرم أكلها )) . رواه البخاري (212).‬ ‫فإن قيل : إن في تحريمها حرجا وتضييقا على الناس حيث يكثر نسيان التسمية فيكثر ما يضيع عليهم من أموالهم ، وقد نفى اهلل‬ ‫َ َ َ َ َ َ ْ ُ ْ الد ِ ِ ْ َ َ ٍ‬ ‫سبحانه الحرج في الدين فقال تعالى : ( وما جعل علَيكم فِي ِّين من حرج) (الحج: 87) .‬ ‫فالجواب : أننا نقول بمقتضى هذه اآلية الكريمة ، وأن دين اإلسالم ليس فيه وهلل الحمد حرج وال ضيق ، فكل شيء أمر اهلل به ؛‬ ‫فال حرج في فعله ، كل شيء نهى اهلل عنه ؛ فال حرج في كه لمن قويت عزيمته ، وصحت رغبته في دين اهلل ، وها هو الجهاد أمر اهلل به‬ ‫تر‬ ‫و‬ ‫وهو من أشق شيء على النفوس من حيث طبيعتها لما فيه من عرض الرقاب للسيوف وترك األموال واألوالد والمألوف ، ومع هذا نفى بعد‬ ‫ِ‬ ‫ََ ُِ‬ ‫األمر به أن يكون قد جعل علينا في الدين حرجاً فقال تعالى : ( وجاهدوا فِي اللَّه حق جهاده هو اجتَبَاكم وما جعل علَيكم فِي ِّين من‬ ‫ِ ِِ‬ ‫ِ‬ ‫َ َّ َ ُ َ ْ ُ ْ َ َ َ َ َ َ ْ ُ ْ الد ِ ْ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫حرج)(الحج: 87 ) ، وأي حرج في اجتناب ذبيحة لم يذكر اسم اهلل عليها كها طاعة لربه في قوله ( وال تَأْكلُوا مما لَم يُذكر اسم اللَّه‬ ‫َ ُ َّ ْ ْ َ ِ ْ ُ‬ ‫يتر‬ ‫ََ ٍ‬ ‫علَيه) وهو ليس مضطراً إليها ، ولو اضطر إليها في مخمصة غير متجانف إلثم لو سعته رحمة ربه وحلت له .‬ ‫َْ‬ ‫ثم إن في تحريم الذبيحة إذا لم يذكر اسم اهلل عليها نسيانا تقليال للنسيان ، فإن اإلنسان إذا حرمها بعد أن ذبحها وتشوفت نفسه لها‬ ‫من أجل أنه لم يسم اهلل عليها ؛ فسوف ينتبه في المستقبل وال ينسى التسمية .‬ ‫وبعد ، فإنما أطلنا الكالم في هذا ألهميته ؛ وألن اإلنسان ربما ال يظن أن القول بتحريم الذبيحة التي لم يذكر اسم اهلل عليها نسيانا‬ ‫يبلغ إلى هذا المكان من القوة ، واهلل الموفق .‬ ‫(تتمه ) يشترط التلفظ بالتسمية إال مع العجز عن النطق ، فتكفي اإلشارة .‬ ‫23‬
  • 33.
    ‫أحكام االضحية والذكاة‬ ‫الشرطالسابع : أن تكون الذكاة بمحدد ينهر الدم غير سن وظفر من حديد وحجر وخشب وزجاج وغيرها ، لحديث رافع بن خديج‬ ‫رضي اهلل عنه أن النبي صلى اهلل عليه وسلم قال : (( ما أنهر الدم وذكر اسم اهلل عليه فكلوا ما لم يكن سناً أو ظفراً ، وسأحدثكم عن ذلك‬ ‫، أما السن فعظم ، وأما الظفر فمدى الحبشة )) رواه الجماعة(212) . وقوله ((وسأحدثكم عن ذلك )) إلى آخره زعم ابن القطان أنها‬ ‫مدرجة ، نقله ابن حجر في (( الدراية )) وهذا الزعم مردود بما جاء في بعض روايات البخاري بلفظ : (( غير السن والظفر ، فإن السن‬ ‫عظم ، والظفر مدى الحبشة )) ، وبأن األصل عدم اإلدراج ، فال يصار إليه إال بدليل لفظي أو معنوي .‬ ‫فإن ذبحها بغير محدد مثل أن يقتلها بالخنق أو بالصعق الكهربائي أو غيره ، أو بالصدم أو بضرب الرأس ونحوه حتى تموت لم تحل‬ ‫، وإن ذبحها بالسن أو بالظفر لم تحل وإن جرى دمها بذلك.‬ ‫وظاهر الحديث ال فرق في السن والظفر بين أن يكونا متصلين أو منفصلين من آدمي أو غيره للعموم ، خالفا للحنفية حيث خصوه‬ ‫بالمتصل وقالوا : إنه الواقع من فعل الحبشة ، وظاهر تعليلهم أنه خاص بظفر اآلدمي ، قال في (( المغني )) ردا عليهم : ولنا عموم حديث‬ ‫رافع ، وألن ما لم تجز الذكاة به متصال لم تجز به منفصال كغير المحدد . اه . وفي تشبيهه بغير المحدد غموض .‬ ‫وقد علل النبي صلى اهلل عليه وسلم منع الذكاة بالسن بأنه عظم ، فاختلف العلماء رحمهم اهلل هل الحكم خاص في محله وهو السن‬ ‫أو عام في جميع العظام لعموم علته على قولين :‬ ‫أحدهما : أنه خاص في محله وهو السن ، وأما ما عداه من العظام فتحل الذكاة به ، وهو مذهب أبي حنيفة والمشهور من مذهب‬ ‫أحمد ؛ ألن النبي صلى اهلل عليه وسل م لو أراد العموم لقال غير العظم والظفر لكونه أخصر وأبين ، والنبي صلى اهلل عليه وسلم أعطي جوامع‬ ‫الكلم ومفاتيح البيان ، وألننا ال نعلم وجه الحكمة في تأثير العظم فكيف نعدي الحكم مع الجهل .‬ ‫الثاني : أن الحكم عام في جميع العظام ، لعموم العلة ، وهو قول الشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد ؛ ألن النص على العلة يدل‬ ‫على أنها مناط الحكم ، متى وجدت وجد الحكم ، وتخصيص السن بالذكر قد يكون من أجل أنه عادة يرتكبها بعض الناس بالتذكية به ، ثم‬ ‫أشار إلى عموم الحكم بذكر العلة ، أو يقال : إن تعليله بكونه عظما يدل على أنه كان من المتقرر عندهم أن العظام ال يذكى بها ، وهذا‬ ‫القول أحوط .‬ ‫وأما كوننا ال نعلم وجه الحكمة في تأثير العظم ، فهذا ال يمنع من تعدية الحكم إلى ما ينطبق عليه اسم العظم ؛ ألنه معلوم على أنه‬ ‫يمكن أن يقال : وجه الحكمة : أنه إن كان العظم طاهرا فهو طعام إخواننا من الجن ، ففي الذبح به تلويث له بالنجاسة ، وإن كان العظم‬ ‫نجسا فليس من الحكمة أن يكون وسيلة للذكاة التي بها تطهير الحيوان وطيبه للتضاد ، واهلل أعلم .‬ ‫وأما الظفر : فعلله النبي صلى اهلل عليه وسلم بمدى الحبشة ، وظاهر التعليل مشكل إن قلنا : أن الحكم عام بعموم علته ؛ ألنه‬ ‫يقتضي منع الذكاة بما يختص به الحبشة من المدى ولو كان حديدا أو خشبا أو نحوهما مما تجوز الذكاة به .‬ ‫واألقرب عندي : أن األصل في ذلك أن الحبشة كانوا يذبحون بأظافرهم ، فنهى الشارع عن ذلك ؛ ألنه يقتضي مخالفة الفطرة من‬ ‫وجهين :‬ ‫أحدهما : أنه يستلزم توفير األظافر ليذبح بها ، وهذا مخالف للفطرة التي هي تقليم األظافر .‬ ‫33‬
  • 34.
    ‫أحكام االضحية والذكاة‬ ‫الثاني : أن في القتل بالظفر مشابهة لسباع البهائم والطيور التي فضلنا عليها ونهينا عن التشبه به ، ولذلك تجد اإلنسان ال يشبه‬ ‫البهائم إال في مقام الذم .‬ ‫الشرط الثامن : إنهار الدم ، أي إجراؤه ؛ لقول النبي صلى اهلل عليه وسلم : (( ما أنهر الدم وذكر اسم اهلل عليه فكل )) (112)وله‬ ‫حاالن :‬ ‫الحال األولى : أن يكون المذكي غير مقدور عليه ، مثل أن يهرب أو يسقط في بئر أو في مكان سحيق ال يمكن الوصول إليه ، أو‬ ‫يدخل مقدمه في غار بحيث ال يمكن الوصول إلى رقبته أو نحو ذلك فيكفي في هذه الحال إنهار الدم في أي موضع كان من بدنه حتى‬ ‫يموت ، واألولى أن يتحرى أسرع شيء في موته ، وفي ((الصحيحين )) من حديث رافع بن خديج رضي اهلل عنه أنهم كانوا مع النبي صلى‬ ‫اهلل عليه وسلم في غزوة فأصابوا إبالً وغنماً فند منها بعير فرماه رجل فحبسه ، فقال النبي صلى اهلل عليه وسلم : (( إن لهذه اإلبل أوابد‬ ‫الوحش ، فإذا غلبكم منها شيء فاصنعوا به هكذا ))(312) . وفي لفظ لمسلم : فند علينا بعير منها فرميناه بالنبل حتى وهصناه .‬ ‫وهصناه(512) : رميناه رميا شديدا حتى سقط على األرض ، قال ابن عباس رضي اهلل عنهما : ما أعجزك من البهائم مما في يديك فهو‬ ‫كالصيد ، وفي بعير تردى في بئر من حيث قدرت عليه فذكه . رواه البخاري تعليقا . قال : ورأى ذلك علي وابن عمر وعائشة (612).‬ ‫الحال الثانية : أن يكون مقدوراً عليه بحيث يكون حاضرا أو يمكن إحضاره بين يدي المذكي ، فيشترط أن يكون اإلنهار في موضع‬ ‫معين وهو الرقبة ، قال ابن عباس رضي اهلل عنهما : الذكاة في الحلق واللبة . وقال عطاء : ال ذبح وال نحر إال في المذبح والمنحر ، ذكره‬ ‫البخاري عنهما تعليقا .‬ ‫وتمام ذلك بقطع أربعة أشياء وهي :‬ ‫2 الحلقوم ، وهو مجرى النفس ، وفي قطعه حبس النفس الذي ال بقاء للحيوان مع انحباسه .‬ ‫2 المريء ، وهو مجرى الطعام والشراب ، وفي قطعه منع وصول الغذاء إلى الحيوان من طريقه المعتاد .‬ ‫1، 3 الودجان ، وهما عرقان غليظان محيطان بالحلقوم والمريء ، وفي قطعهما تفريغ الدم الذي به بقاء الحيوان حيا وتنقية‬ ‫الحيوان من انحباس الدم الضار فيه بعد الموت .‬ ‫فمتى قطعت هذه األشياء األربعة ؛ حلت المذكاة بإجماع أهل العلم ، ثم اختلفوا :‬ ‫فقال بعضهم : البد من قطع األربعة كلها ، ونقله النووي عن الليث وداود وقال : اختاره ابن المنذر . قلت : هو رواية عن أحمد‬ ‫نقلها في (( المغني )) و(( اإلنصاف )) وقال : اختاره أبو بكر وابن البناء ، وجزم به في الروضة ، واختاره أبو محمد الجوزي ، قال في ((‬ ‫الكافي )) : األولى قطع الجميع .‬ ‫القول الثاني : البد من قطع ثالثة معينة وهي إما ( الحلقوم والودجان ) كما هو مذهب مالك ، ونقله في اإلنصاف عن اإليضاح .‬ ‫وإما ( المريء والودجان ) نقله في ( اإلنصاف ) عن كتاب اإلشارة .‬ ‫القول الثالث : البد من قطع ثالثة : اثنان منهما على التعيين وواحد غير معين ، وهي الحلقوم والمريء وأحد الودجين وهو إحدى‬ ‫الروايات عن اإلمام أحمد ، وأحد القولين في مذهب أبي حنيفة .‬ ‫43‬
  • 35.
    ‫أحكام االضحية والذكاة‬ ‫القول الرابع : البد من قطع ثالثة بدون تعيين وهي : إما ( الحلقوم والودجان ) ، وإما ( المريء والودجان ) ، وإما ( الحلقوم‬ ‫والمريء وأحد الودجين ) وهو المشهور من مذهب أبي حنيفة ، وأحد الوجهين في مذهب أحمد ، اختاره شيخ اإلسالم ابن تيمية وقال :‬ ‫إن قطع الودجين أبلغ من قطع الحلقوم وأبلغ في إنهار الدم .‬ ‫القول الخامس : البد من قطع اثنين على التعيين وهما : إما ( الحلقوم والمريء ) وهو المشهور من مذهب أحمد والشافعي ، قال‬ ‫شيخ اإلسالم ابن تيمية : وعلى هذا فقطع أحد الودجين والحلقوم أولى باإلباحة من قطع الحلقوم والمريء . وإما ( الودجان ) فقط وهو‬ ‫إحدى الروايات عن أحمد ذكرها شيخ اإلسالم ابن تيمية ، ونقل عن مالك ، والمشهور عنه ما سبق ، وذكره في ((اإلنصاف )) عن ((الرعاية‬ ‫)) و(( الكافي )) . قلت : عبارة (( الكافي )) : وإن قطع األوداج وحدها فينبغي أن تحل استدالال بالحديث والمعنى . اه .ويعني بالحديث‬ ‫ما رواه أبو داود في النهي عن شريطة الشيطان ، وسنذكره إن شاء اهلل ، ويعني بالمعنى ما قطع في األوداج من إنهار الدم المنصوص على‬ ‫اعتباره .‬ ‫فهذه أراء العلماء فيما يشترط قطعه في محل الذكاة ، ثم اختلفوا أيضا فيما يشترط قطعه من ذلك ، هل يشترط فيه تمام القطع‬ ‫بحيث ينفصل المقطوع بعضه عن بعض أوال يشترط ؟ على قولين :‬ ‫أحدهما : ال يشترط ، فلو قطع بعض ما يجب قطعه ؛ حلت الذبيحة وإن لم ينفصل بعض المقطوع عن بعض ، وهو المشهور من‬ ‫مذهب أحمد ، وظاهر مذهب أبي حنيفة ، وهو الصواب إذا حصل إنهار الدم بذلك لحصول المقصود .‬ ‫الثاني : يشترط ، فيجب أن تستوعب القطع ما يجب قطعه بحيث ينفصل بعض المقطوع عن بعض ، وهو قول مالك والشافعي‬ ‫وبعض أصحاب أحمد .‬ ‫واختلفوا أيضا هل يشترط أن يكون القطع من ناحية الحلق أو ال يشترط ؟ على قولين:‬ ‫أحدهما : ال يشترط ، فلو ذكاها من قفا الرقبة حلت إن وصل إلى محل الذكاة قبل أن تموت ، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي‬ ‫وأحمد ، وهو الصواب لحصول الذكاة بذلك .‬ ‫الثاني : يشترط فلو ذبحها من قفا الرقبة لم تحل ، وهو مذهب مالك .‬ ‫وسبب اختالف العلماء فيما يشترط قطعه في الذكاة وفي كيفيته أنه ليس في النصوص الواردة ذكر ما يقطع ، وإنما فيها اعتبار إنهار‬ ‫الدم ، وفيها أيضا تعيين األوداج بالقطع فيما رواه أبو داود عن ابن عباس وأبي هريرة رضي اهلل عنهم أن النبي صلى اهلل عليه وسلم نهى عن‬ ‫شريطة الشيطان ، وهي التي تذبح فيقطع الجلد وال تفرى األوداج ، ثم تترك حتى تموت(712) ، وفيما رواه ابن أبي شيبة عن رافع بن خديج‬ ‫رضي اهلل عنه أن النبي صلى اهلل عليه وسلم سئل عن الذبح بالليطة(812) فقال : (( كل ما أفرى األوداج إال سناً أو ظفراً ))(912) وفيما أخرجه‬ ‫الطبراني عن أبي أمامة رضي اهلل عنه أن النبي صلى اهلل عليه وسلم قال : (( كل ما أفرى األوداج ما لم يكن قرض سن أو حز ظفر )) (122)،‬ ‫وهذه األحاديث وإن كانت ضعيفة ال تقوم بها الحجة بمفردها إال أنها تعضد بمعنى ما ثبت في الصحيحين من حديث رافع بن خديج رضي‬ ‫اهلل عنه أن النبي صلى اهلل عليه وسلم قال (( ما أنهر الدم وذكر اسم اهلل عليه فكلوا ما لم يكن سنا أو ظفر )) ، فعلق الحكم على إنهار‬ ‫الدم ، ومن المعلوم أن أبلغ ما يكون به اإلنهار قطع الودجين .‬ ‫53‬
  • 36.
    ‫أحكام االضحية والذكاة‬ ‫وعلىهذا فيشترط لحل الذبيحة كاة قطع الودجين ، فلو ذبحها ولم يقطعهما لم تحل ، ولو قطعهما حلت وإن لم يقطع الحلقوم‬ ‫بالز‬ ‫أو المريء .‬ ‫ق ال ابن عباس رضي اهلل عنهما : كل ما أفرى األوداج غير مترد ، ذكره عنه في (( المحلى )) قال : وعن النخعي والشعبي وجابر بن‬ ‫زيد ويحيى بن يعمر كذلك . وقال عطاء : الذبح قطع األوداج (222)، وقال سفيان الثوري : إن قطع الودجين فقط ؛ حل أكله .‬ ‫وليس في اشتراط قطع الحلقوم والمريء نص يجب المصير إليه ، قال ابن رشد في (( بداية المجتهد )) : وأما من اشترط قطع‬ ‫الحلقوم والمريء فليس له حجة من السماع ، وأكثر من ذلك من اشتراط المريء والحلقوم دون الودجين . اه .‬ ‫والرقبة كلها محل للذكاة ، فلو ذكى من أعلى الرقبة أو أسفلها أو وسطها حلت الذبيحة ، لكن األفضل نحر اإلبل وذبح ما سواها .‬ ‫والنحر : يكون في أسفل الرقبة مما يلى الصدر في الوهدة التي بين الصدر وأصل العنق .‬ ‫والذبح : يكون فيما فوق ذلك إلى اللحيين ، فلو ذبحها من فوق الجوزة وهي العقدة الناتئة في أعلى الحلقوم ، وصارت العقدة تبع‬ ‫الرقبة ؛ حلت الذبيحة على القول الصحيح ؛ ألن ذلك من الرقبة وهي محل الذكاة .‬ ‫وإن قطع الرأس مرة واحدة ؛ حلت لحصول الذكاة بذلك ، وقد روى ابن حزم من طريق ابن أبي شيبة عن على بن أبي طالب رضي‬ ‫اهلل عنه أنه سئل عن رجل ضرب عنق بعير بالسيف ، وذكر اسم اهلل فقطعه ، فقال علي رضي اهلل عنه : ذكاة وحية أي سريعة ، وقال ابن‬ ‫عمر وابن عباس وانس رضي اهلل عنهم : إذا قطع الرأس فال بأس ، ذكره البخاري تعليقا .‬ ‫وإن شرع يذبحها فرأى في السكين خلال فألقاها وأخذ غيرها ثم أتم الذكاة قبل موت الذبيحة حلت ، كذلك لو رفع يده بعد أن‬ ‫و‬ ‫شرع في ذبحها ليستم كن منها ثم أتم الذكاة قبل موتها حلت ؛ لحصول المقصود بذلك ، وليست بأقل حاال مما أكل السبع كناه حيا‬ ‫فأدر‬ ‫وذكيناه فإنه حالل بنص القرآن .‬ ‫ُ ِّ َ ْ َ ْ ُ ُ َ َ َّ ُ َ ْ ُ‬ ‫وإذا حصلت الذكاة لما أصابها سبب الموت ؛ حلت إذا كها وفيها حياة ، لقوله تعالى : (حرمت علَيكم الْميْتَةُ والدم ولَحم‬ ‫أدر‬ ‫الْخنزير وما أُهل لِغَير اللَّه بِه والْمنخنِقةُ والْموقُوذَةُ والْمتَ ر ِّيَةُ والنَّطيحةُ وما أَكل السبُع إِالَّ ما ذَكيتُم)(المائدة: 1) فالمنخنقة المنحبس نفسها‬ ‫َ َ َ َ َ َّ ُ َ َّ ْ ْ‬ ‫ِ‬ ‫َ ُ َد َ‬ ‫َ ُْ َ َ َ َ ْ‬ ‫ِ َّ ِ ِ ِ‬ ‫ْ‬ ‫ِْ ِ ََ‬ ‫ِ‬ ‫، والموقوذة المضروبة بعصا ونحوها حتى تدهور حياتها ، والمتردية الهاوية من جبل أو في بئر ونحوه ، والنطيحة التي نطحتها أختها حتى‬ ‫أردتها ، وما أكل السبع ما أكلها ذئب ونحوه ، فكل هذه الخمس إذا ذكيت قبل أن تموت ؛ فهي حالل ، ويعرف عدم موتها بأحد أمرين :‬ ‫األول : كة ، فمتى كت بعد ذكاتها كة قليلة أو كثيرة بيد أو رجل أو عين أو أذن أو ذنب حلت . قال علي بن أبي طالب‬ ‫بحر‬ ‫تحر‬ ‫الحر‬ ‫رضي اهلل عنه في قوله تعالى : (إِالَّ ما ذَكيتُم ) إن مصعت بذنبها أو كضت برجلها أو طرفت بعينها فكل ، وقال نحوه غير واحد من‬ ‫ر‬ ‫َ َّ ْ ْ‬ ‫السلف ، وألن كة دليل بين علي بقاء الروح فيها إذ الميت ال يتحرك .‬ ‫الحر‬ ‫األمر الثاني : جريان الدم بقوة ؛ لقول النبي صلى اهلل عليه وسلم : (( ما أنهر الدم وذكر اسم اهلل عليه فكل )) . فمتى ذكيت فجرى‬ ‫منها الدم األحمر الذي يخرج من المذكى المذبوح عادة حلت وإن لم تتحرك ، قاله شيخ اإلسالم ابن تيمية ، قال : والناس يفرقون بين دم‬ ‫ما كان حياً ودم ما كان ميتاً ، فإن الميت يجمد دمه ويسود . قلت : ولذلك يكون باردا بطيئا .‬ ‫63‬
  • 37.
    ‫أحكام االضحية والذكاة‬ ‫وإذا شك في وجود ما يعرف به عدم الموت بأن شك في كتها أو في حمرة الدم وجريانه كما يجري دم المذبوح عادة لم تحل‬ ‫حر‬ ‫الذبيحة ؛ لقوله تعالى : (إِالَّ ما ذَكيتُم ) وما شككنا في بقاء حياته لم تتحقق ذكاته .‬ ‫َ َّ ْ ْ‬ ‫فإن قيل : األصل بقاء الحياة فلنحكم به فتحل الذبيحة إال أن نتيقن الموت .‬ ‫الجواب : األصل بقاء الحياة لكن عارضه ظاهر أقوى منه وهو السبب المفضي إلى الموت ، فأنيط الحكم به ما لم نتحقق بقاء‬ ‫حياته .‬ ‫( تنبيه ) المنفصل من أكيل ة السبع ونحوها قبل ذكاتها ليس بحالل ؛ ألنه بائن من حي ، وما بان من حي فهو كميته ، فإن انفصل‬ ‫شيء من المذكاة قبل موتها فهو حالل ، لكن الواجب االنتظار في قطعه حتى تموت .‬ ‫الشرط التاسع : أن يكون المذكي مأذونا في ذكاته شرعاً ، فإن كان غير مأذون فيها شرعاً فهو على قسمين :‬ ‫القسم األول : أن يكون ممنوعاً منه لحق اهلل تعالى كالصيد في الحرم ، أو حال اإلحرام بحج أو عمرة ، فمتى صاد صيدا فذبحه‬ ‫َّ ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫وهو محرم ، أو ذبح صيداً داخل حدود الحرم ؛ فهو حرام ؛ لقوله تعالى : ( أُحلَّت لَكم بَهيمةُ األَنْعام إِالَّ ما يُت لَى علَيكم غَي ر محلِّي الصيد‬ ‫ْ‬ ‫َ ِ َ ْ َ ْ ُ ْ َْ ُ‬ ‫ْ ُْ ِ َ‬ ‫ِ‬ ‫وأَنْتُم حرم )(المائدة: 2) ، وقوله تعالى : ( يَا أَيُّها الَّذين آمنُوا ال تَ قتُ لُوا الصيد وأَنْتُم حرم)(المائدة: 59)، وقوله سبحانه : ( وحرم علَيكم‬ ‫َ ُ ِّ َ َ ْ ُ ْ‬ ‫َّ ْ َ َ ْ ُ ُ ٌ‬ ‫ْ‬ ‫َ َ‬ ‫َ‬ ‫َ ْ ُ ٌُ‬ ‫صيد الْبَ ر ما دمتُم حرماً )(المائدة: 69)، قال في المغني: وال خالف في تحريم الصيد على المحرم إذا صاده أو ذبحه . ثم قال بعد فصول‬ ‫َ ْ ُ ِّ َ ُ ْ ْ ُ ُ‬ ‫: وإذا ذبحه صار ميتة يحرم أكله على جميع الناس ، وهذا قول الحسن ، والقاسم ، والشافعي ، وإسحاق ، واألوزاعي ، وأصحاب الرأي ،‬ ‫قال : كذلك الحكم في صيد الحرم إذا ذبحه الحالل . اه .‬ ‫القسم الثاني : أن يكون ممنوعاً منه لحق اآلدمي ، وهو ما ليس ملكا له ، وال يملك ذبحه كالة أو نحوها ؛ كالمغصوب يذبحه‬ ‫بو‬ ‫الغاصب ، والمسروق يذبحه السارق ونحو ذلك ، ففي حله قوالن ألهل العلم :‬ ‫أحدهما : ال يحل ، وهو قول إسحاق ، وأهل الظاهر ، وإحدى الروايتين عن أحمد ، اختارها أبو بكر من أصحابنا ، وإليه ميل‬ ‫البخاري، قال في (( صحيحه )) : باب إذا أصاب قوم غنيمة فذبح بعضهم غنما أو إبال بغير أمر أصحابها لم كل ؛ لحديث رافع عن النبي‬ ‫تؤ‬ ‫صلى اهلل عليه وسلم ثم ذكر حديث رافع بسنده وفيه : وتقدم سرعان الناس فأصابوا من الغنائم والنبي صلى اهلل عليه وسلم في آخر الناس‬ ‫فنصبوا قدورا ، فأمر بها فأكفئت فقسم بينهم وعدل بعيراً بعشرة شياه (222).‬ ‫وروى أبو داود من طريق عاصم بن كليب عن أبيه عن رجل من األنصار قال : خرجنا مع النبي صلى اهلل عليه وسلم في سفر فأصاب‬ ‫الناس حاجة شديد وجهد ، فأصابوا غنما فانتهبوها ، فإن قدورنا لتغلي إذ جاء رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم يمشي على قوسه فأكفأ قدورنا‬ ‫بقوسه ، ثم جعل يرمل اللحم بالتراب ثم قال : (( إن النهبة ليست بأحل من الميتة ، أو إن الميتة ليست بأحل من النهبة ))(122). قال أبو‬ ‫داود : الشك من هناد يعني أحد رواته .‬ ‫القول الثاني : أنه يحل ، وهو المشهور من مذهب أحمد وقول جمهور العلماء لما روى أحمد وأبو داود من حديث جابر رضي اهلل‬ ‫عنه قال : خرجنا مع النبي صلى اهلل عليه وسلم في جنازة ، فلما رجع استقبله داعي امرأة وفي لفظ ألحمد داعي امرأة من قريش فقال يا‬ ‫رسول اهلل ، إن فالنة تدعوك ومن معك إلى طعام فانصرف ، فانصرفنا معه فجيء بالطعام فوضع يده ثم وضع القوم أيديهم ، فنظر آباؤنا إلى‬ ‫73‬
  • 38.
    ‫أحكام االضحية والذكاة‬ ‫رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم يلوك لقمة في فمه ثم قال : (( أجد لحم شاة أخذت بغير إذن أهلها )) فأرسلت المرأة وفي رواية : قامت‬ ‫فقالت : يا رسول اهلل ، إني أرسلت إلى البقيع من يشتري لي شاة فلم أجد ، فأرسلت إلى جار لي قد اشترى شاة أن أرسل إلي بها بثمنها ،‬ ‫فلم أجد ، فأرسلت إلى امرأته فأرسلت إلي بها ، فقال النبي صلى اهلل عليه وسلم : (( أطعميه األسارى ))(322) .‬ ‫هذا ما استدل به الجمهور ، ووجه الداللة : أن النبي صلى اهلل عليه وسلم أمر بإطعامه األسارى ، ولو كان حراما ما أمر النبي صلى‬ ‫اهلل عليه وسلم بإطعامهم إياه .‬ ‫وأجابوا عن دليلي القائلين بعدم الحل بأن إكفاء القدور على سبيل التعزير والمبالغة في الزجر ، وهو جواب قوي لكن يعكر عليه‬ ‫قول النب ي صلى اهلل عليه وسلم : (( إن النهبة ليست بأحل من الميتة )) إال أن يقال : المراد بيان حكم أصل النهبة، وأن من انتهب شيئا‬ ‫بغير حق كان حراما عليه كالميتة وإن لم يكن من شرطه الذكاة ، وأنه ليس المراد أن ذبح المنهوب ال يحله فيكون ميتة ، واهلل أعلم .‬ ‫وأما حديث جابر الذي استدل به الجمهور على الحل ؛ فليس بظاهر الداللة إذ ليس أخذ المرأة للشاة عدواناً محضاً ، فإنما أخذتها‬ ‫مضمونة بالثمن من امرأة المالك ، وقد جرت العادة بالسماح في مثل ذلك غالبا السيما وهي مقدمة لرسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم‬ ‫وأصحابه ، فهو من المشتبه الذ ي ينبغي التنزه عنه عند عدم الحاجة إليه ولذا تنزه عنه النبي صلى اهلل عليه وسلم لعدم حاجته إليه، وأمر‬ ‫بإطعامه األسارى لحاجتهم إليه غالبا .‬ ‫وإذا تبين أال داللة للجمهور فيما استدلوا به وال لمخالفيهم ؛ وجب الرجوع إلى القواعد الشرعية العامة .‬ ‫فنقول : المغصوب ونح وه مما أخذ بغير رضا صاحبه حرام على الغاصب ونحوه ، وعلى كل من علم به ، سواء أكان مما يشترط‬ ‫بحله في األصل الذكاة أم ال ، حتى لو غصب لحماً كان حراماً عليه وعلى من علم به وأما ذكاة الغاصب ونحوه ؛ فهي ذكاة من مسلم أهل‬ ‫ذكر اسم اهلل عليها بما ينهر الدم ، فكانت مبيحة للمذكى كغير الغاصب ، واهلل أعلم بالصواب.‬ ‫فصل في خالصة ما سبق من الشروط‬ ‫لما كان الكالم في بعض شروط الذكاة مطوالً ؛ أحببنا أن نذكر في هذا الفصل خالصة تلك الشروط ؛ ليكون أيسر في حصرها ،‬ ‫فنقول : خالصة ما سبق من الشروط التسعة كما يلي:‬ ‫األول : أن يكون المذكي ممن يمكن منه قصد التذكية ، وهو المميز العاقل .‬ ‫الثاني : أن يكون مسلما أو كتابيا .‬ ‫الثالث : أن يقصد التذكية .‬ ‫الرابع : أن ال يذبح لغير اهلل .‬ ‫الخامس : أن ال يهل لغير اهلل به ، بأن يذكر عليه اسم غير اهلل .‬ ‫السادس : أن يسمي اهلل عليها .‬ ‫83‬
  • 39.
    ‫أحكام االضحية والذكاة‬ ‫السابع : أن تكون الذكاة بمحدد ينهر الدم غير سن وظفر .‬ ‫الثامن : إنهار الدم في موضعه .‬ ‫التاسع : أن يكون المذكى مأذوناً في ذكاته شرعا .‬ ‫وال تأثير للذكاة في محرم األكل ؛ كالحمار والكلب والخنزير ، فهذه ونحوه من الحيوانات المحرمة ال تحل بالذكاة ، وال تشترط الذكاة في‬ ‫ِ‬ ‫َّ ُ ْ َ ْ ُ ْ ِ َ َ ُ‬ ‫ح ل حيوان البحر ، فجميع ما في البحر من حيوان فهو حالل حيا وميتا صغيرا أو كبيرا ؛ لقوله تعالى : ( أُحل لَكم صيد الْبَحر وطَعامهُ‬ ‫)(المائدة: 69) قال ابن عباس رضي اهلل عنهما : صيد البحر ما أخذ حياً ، وطعامه ما لفظه ميتاً ، وروى ذلك عن غير واحد من الصحابة‬ ‫والتابعين . وعن أبي هريرة رضي اهلل عنه أن النبي صلى اهلل عليه وسلم سئل عن الوضوء بماء البحر ، فقال النبي صلى اهلل عليه وسلم : ((‬ ‫هو الطهور ماؤه الحل ميتته )) قال في (( بلوغ المرام )) : أخرجه األربعة وابن أبي شيبة واللفظ له ، وصححه ابن خزيمة والترمذي ، ورواه‬ ‫مالك والشافعي وأحمد(522) .‬ ‫وفي (( الصحيحين )) من حديث جابر رضي اهلل عنه قال : بعثنا رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم وأمر علينا أبا عبيدة نتلقى عيرا لقريش ،‬ ‫وزودنا جراباً من تمر لم يجد لنا غيره ، فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة نمصها كما يمص الصبي ، ثم نشرب عليها الماء فتكفينا يومنا إلى‬ ‫الليل ، كنا نضرب بعصينا الخبط ثم نبله بالماء فنأكله ، وانطلقنا على ساحل البحر ، ، فرفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم ،‬ ‫و‬ ‫فأتيناه فإذا هي دابة تدعى العنبر ، فقال أبو عبيدة : ميتة ثم قال : ال ، نحن رسل رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم وفي سبيل اهلل وقد‬ ‫اضطررتم فكلوا ، قال : فأقمنا عليه شهرا ونحن ثالثمائة حتى سمنا ، ولقد رأيتنا نغترف من وقب عينه بالقالل الدهن ، ونقتطع منه الفدر‬ ‫كقدر الثور ، وأخذ منا أبو عبيدة ثالثة عشر رجالً فأقعدهم في وقب عينه ، وأخذ ضلعا من أضالعه فأقامها ، ثم رحل أعظم بعير معنا فمر‬ ‫من تحتها ، وتزودنا من لحمه وشائق حتى قدمنا المدينة فقال النبي صلى اهلل عليه وسلم (( هو رزق أخرجه اهلل لكم ، فهل معكم من لحمه‬ ‫شيء فتطعمونا )) فأرسلنا إليه منه فأكله(622) .‬ ‫وال تشترط الذكاة في حل الجراد ونحوه مما ال دم له ، لحديث ابن عمر : (( أحلت لنا ميتتان ودمان ، فأما الميتتان : فالجراد‬ ‫والحوت ، وأما الدمان : فالكبد والطحال )) أخرجه أحمد وابن ماجه (722).‬ ‫وألن الغرض من الذكاة إنهار الدم ، فما ال دم له ال يحتاج لذكاة .‬ ‫93‬
  • 40.
    ‫أحكام االضحية والذكاة‬ ‫الفصل العاشر‬ ‫في آداب الذكاة ومكروهاتها‬ ‫كاة شروط تجب مراعاتها ، وال تحل المذكاة بدونها ، وتقدم الكالم عليها في الفصل السابق ، ولها آداب ينبغي مراعاتها وتحل المذكاة‬ ‫للز‬ ‫بدونها ، فمن آدابها :‬ ‫2 استقبال القبلة بالذبيحة عند الذبح ؛ لحديث جابر رضي اهلل عنه قال : ضحى النبي صلى اهلل عليه وسلم يوم العيد بكبشين فقال حين‬ ‫وجههما … ( الحديث ) . رواه أبو داود وابن ماجه (822)، وفي إسناد مقال .‬ ‫04‬
  • 41.
    ‫أحكام االضحية والذكاة‬ ‫2 اإلحسان إلى الذبيحة بعمل كل ما يريحها عند الذكاة ، بأن تكون الذكاة بآلة حادة ، وأن يمرها على محل الذكاة بقوة وسرعة ؛ لقول‬ ‫النبي صلى اهلل عل يه وسلم : (( إن اهلل كتب اإلحسان على كل شيء ، فإذا قتلتم ؛ فأحسنوا القتلة ، وإذا ذبحتم ؛ فأحسنوا الذبحة ، وليحد‬ ‫أحدكم شفرته وليرح ذبيحته )) رواه مسلم (922).‬ ‫قال الشيخ تقي الدين شيخ اإلسالم ابن تيمية : في هذا الحديث أن اإلحسان واجب على كل حال حتى في حال إزهاق النفوس ناطقها‬ ‫وبهيمها ، فعليه أن يحسن القتلة لآلدميين والذبحة للبهائم . وذكر في (( اإلنصاف )) استحباب الرفق بالذبيحة ، والحمل على اآللة بقوة‬ ‫وإسراعه بالشحط ، قال : وفي كالم الشيخ تقي الدين إيماء إلى وجوب ذلك .‬ ‫ُ ُ ْ َ ِ َ ْ َ ََ ّ‬ ‫1 أن ينحر اإلبل قائمة معقولة يدها اليسرى ؛ لقوله تعالى : ( فَاذْكروا اسم اللَّه علَي ها صواف)(الحج:61) قال ابن عباس رضي اهلل عنهما :‬ ‫قياما على ثالث قوائم معقولة يدها اليسرى . وعن جابر بن عبد اهلل رضي اهلل عنهما أن النبي صلى اهلل عليه وسلم وأصحابه كانوا ينحرون‬ ‫البدن معقولة اليسرى قائمة على ما بقي من قوائمها . رواه أبو داود(122) ، وعن عبد اهلل بن عمر رضي اهلل عنهما أنه أتى على رجل قد أناخ‬ ‫بدنته ينحرها فقال : ابعثها قياماً مقيدة سنة محمد صلى اهلل عليه وسلم . متفق عليه(222) ، فإن لم يتيسر له نحرها قائمة ؛ جاز له نحرها‬ ‫كة إذا أتى بما يجب في الذكاة لحصول المقصود بذلك .‬ ‫بار‬ ‫3 أن يذبح غير اإلبل مضجعة على جنبها ، ويضع رجله على صفحة عنقها ليتمكن منها ؛ لما روى أنس بن مالك رضي اهلل عنه قال :‬ ‫ضحى رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم بكبشين أملحين وفي رواية : أقرنين فرأيته واضعاً قدمه على صفاحهما يسمى ويكبر فذبحهما بيده‬ ‫. رواه البخاري(222) . ويكون اإلضجاع على الجنب األيسر، ألنه اسهل للذبح، فإن كان الذابح أعسر وهو األشدف الذي يعمل بيده‬ ‫اليسرى عمل اليد اليمني ، كان اليسر له أن يضجعها على الجنب األيمن، فال بأس أن يضجعها عليه؛ ألن المهم راحة الذبيحة.‬ ‫و‬ ‫وينبغي أن يمسك برأسها ويرفعه قليالً ليبين محل الذبح، وأما اإلمساك بيدي الذبيحة ورجليها عند ذبحها لئال تتحرك، فظاهر حديث أنس‬ ‫السابق أنه ال يستحب؛ ألنه لم يذكر أن أحداً امسك بها عندما ذبحها النبي صلى اهلل عليه وسلم ، ولو كان مشروعاً لفعله النبي صلى اهلل‬ ‫عليه وسلم ثم نقل عنه ألهميته كما نقل عنه وضع قدمه على صفاحهما ، بل صرح النووي في شرح المهذب أنه يستحب أن ال يمسكها‬ ‫بعد الذبح مانعاً لها من االضطراب، إال أنه ذكر استحباب شد قوائهما الثالث وترك الرجل اليميني ولم يذكر له دليالً، وابدي بعض‬ ‫المعاصرين حكمة في إرسال قوائمها وعدم إمساكها بأن من فوائد إطالقها وعدم إمساكها أن كتها تزيد في إنهار الدم وإفراغه من الجسم،‬ ‫حر‬ ‫وال أعلم لإلمساك بيدي الذبيحة ورجليها عند ذبحها أصالً سوى ما سبق من حديث أبي األشد عن أبيه عن جده في السبعة الذين كوا‬ ‫اشتر‬ ‫في أضحية وتقدم ما فيه، وأما لي يد الذبيحة من وراء عنقها كما يفعله بعض العامة فال أصل له، وال ينبغي فعله؛ ألنه تعذيب للبهيمة بال‬ ‫فائدة وال حاجة.‬ ‫5- استكمال قطع الحلقوم والمريء والودجين، وسبق الكالم على ما يشترط قطعه من هذه األربعة، وال يتجاوز قطع هذه األربعة.‬ ‫6- عرض الماء عليها عند الذبح، ذكره بعض الشافعية ولم يذكروا دليله، وال أعلم له أصالً، لكن لو علم منها طلب الماء مثل أن تري الماء‬ ‫فتحاول الذهاب إليه فال ينبغي منعها منه حينئذ.‬ ‫14‬
  • 42.
    ‫أحكام االضحية والذكاة‬ ‫7- أن يواري عنها السكين، يعني يسترها عنها بحيث ال تراها إال ساعة ذبحها، قال اإلمام أحمد رحمه اهلل: تقاد إلى الذبح قوداً رفيقاً،‬ ‫وتوارى السكين عنها، وال يظهر السكين إال عند الذبح ، أمر رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم بذلك أن توارى الشفار . اه . الشفار جمع‬ ‫شفرة وهي السكين . وفي مسند اإلمام أحمد عن معاوية بن قرة عن أبيه أن رجالً قال : يا رسول اهلل ؛ إني ألذبح الشاة وأنا ارحمها أو قال :‬ ‫إني ألرحم الشاة أن أذبحها ، فقال النبي صلى اهلل عليه وسلم : (( والشاة إن رحمتها رحمك اهلل ))(122) . وفي الصحيحين عن أسامة ابن‬ ‫زيد رضي اهلل عنه في قصة أن النبي صلى اهلل عليه وسلم قال : (( إنما يرحم اهلل من عباده الرحماء )) (322). وفي صحيح البخاري وغيره‬ ‫عن أبي هريرة رضي اهلل عنه قال : قبل رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم الحسن بن علي وعنده األقرع بن حابس التميمي جالسا ، فقال‬ ‫األقرع : إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدا ، فنظر إليه رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم فقال : (( من ال يرحم ال يرحم )) (522).‬ ‫8 زي ادة التكبير بعد التسمية فيقول : بسم اهلل واهلل أكبر ؛ لحديث أنس بن مالك رضي اهلل عنه أن النبي صلى اهلل عليه وسلم ضحى‬ ‫بكبشين يسمي ويكبر . متفق عليه(622) . وعموم كالم األصحاب أن زيادة التكبير سنة في ذبيحة القربان وذبيحة اللحم . وال تسن الزيادة‬ ‫في الذكر على ا لتسمية والتكبير لعدم وروده ، وال الصالة على النبي صلى اهلل عليه وسلم هنا ؛ ألنه غير الئق بالمقام ، وذكر في (( شرح‬ ‫المهذب )) عن القاضي عياض أنه نقل عن مالك وسائر العلماء كراهة الصالة على النبي صلى اهلل عليه وسلم ، قالوا : وال يذكر عند الذبح‬ ‫إال اهلل وحده .‬ ‫9 أن يسمي عند ذبح األضحية أو العقيقة من هي له ؛ لحديث جابر رضي اهلل عنه قال : صليت مع النبي صلى اهلل عليه وسلم عيد‬ ‫األضحى ، فلما انصرف أتى بكبش فذبحه فقال : (( بسم اهلل واهلل أكبر ، اللهم هذا عني وعمن لم يضح من أمتي )) . رواه أحمد وأبو‬ ‫داود والترمذي(922) . وعن أبي رافع في أضحية النبي صلى اهلل عليه وسلم بكبشين قال : فإذا صلى وخطب أتى بأحدهما فذبحه بنفسه ثم‬ ‫يقول : (( اللهم هذا عن أمتي جميعا من شهد لك بالتوحيد وشهد لي بالبالغ )) الحديث ؛ رواه أحمد(112) . قال الهيثمي : إسناده حسن .‬ ‫وعن أبي سعيد الخدري رضي اهلل عنه أن النبي صلى اهلل عليه وسلم ضحى بكبش أقرن وقال : (( هذا عني وعمن لم يضح من أمتي )) .‬ ‫رواه أحمد (212).‬ ‫وإذا ذبحها ونوى من هي له بدون تسمية أجزأت النية ؛ لقول النبي صلى اهلل عليه وسلم : (( إنما األعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما‬ ‫نوى ))(212) .‬ ‫والتسمية المشروعة هي ما ذكرناه من تسمية من هي له حال الذبح ، وأما ما يفعله بعض العامة من مسح ظهر األضحية مرددين اسم من هي‬ ‫له ، فال أعلم له أصال ، وال ينبغي فعله ؛ ألن خير الهدي هدي محمد صلى اهلل عليه وسلم ، وقد علمت كيفية تسميته .‬ ‫12 أن يدعو عند ذبح األضحية بالقبول ؛ لحديث عائشة رضي اهلل عنها ، أن النبي صلى اهلل عليه وسلم أمر بكبش أقرن يطأ في سواد ،‬ ‫ويبرك في سواد ، وينظر في سواد ، فأتي به ليضحي به فقال لها : (( يا عائشة ، هلمي المدية )) ثم قال : (( اشحذيها بحجر )) ففعلت ،‬ ‫ثم أخذها وأخذ الكبش فأضجعه ثم ذبحه ثم قال : (( بسم اهلل ، اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد )) رواه أحمد ومسلم‬ ‫(112). وقولها : ثم ذبحه ثم قال : بسم اهلل متأول بمعنى : ثم شرع في ذبحه أو هيأه للذبح أو بأنه على التقديم والتأخير ، واهلل أعلم .‬ ‫وأما مكروهات الذكاة فهي :‬ ‫24‬
  • 43.
    ‫أحكام االضحية والذكاة‬ ‫2 أن يذكيها بآلة كالة ؛ لمخالفة أمر النبي صلى اهلل عليه وسلم بإحداد الشفرة ولما فيه من تعذيب الحيوان ، وقيل : يحرم ذلك .‬ ‫2 أن يحد السكين والبهيمة تنظر ؛ ألن النبي صلى اهلل عليه وسلم أمر أن تحد الشفار ، وأن توارى عن البهائم . رواه أحمد وابن ماجه‬ ‫(312)، ورأى رجال أضجع شاة وهو يحد شفرته ، فقال النبي صلى اهلل عليه وسلم : (( لقد أردت أن تميتها موتان ، هال حددتها قبل أن‬ ‫تضجعها )) . رواه الحاكم والطبراني (512). وألن حد الشفرة وهي تنظر يوجب إزعاجها وذعرها ، وهو ينافي الرحمة المطلوبة .‬ ‫1 أن يذكيها واألخرى تنظر إليها ، هكذا قال أهل العلم ، وذلك ؛ ألنها تنزعج إذا رأت أختها تذكى بنحر أو ذبح ، فإنها تشعر بذلك كما‬ ‫هو مشاهد ، فإنك ترى القطيع أو الذود ينفر إذا نفرت منه واحدة وإن لم ير السبب الذي نفرت منه .‬ ‫3 أن ال يفعل ما يؤلمها قبل زهوق نفسها ، مثل أن يكسر عنقها ، أو يبدأ بسلخها ، أو يقطع شيئا من أعضائها قبل أن تموت ، وقيل :‬ ‫يحرم ذلك ، وهو الصحيح لما فيه من األلم الشديد عليها بدون فائدة أو حاجة ، وعلى هذا فلو شرع في سلخها ثم كت وجب عليه أن‬ ‫تحر‬ ‫يمسك حتى يتيقن موتها .‬ ‫5 أن يوجهها إلى غير القبلة عند الذبح ، ذكره األصحاب ولم يذكروا دليال يوجب الكراهة ، واألصل عدمها ، وترك المستحب ال يلزم منه‬ ‫الكراهة ؛ ألن الكراهة حكم وجودي يحتاج إلى دليل وإال لقلنا : إن كل من ترك شيئا من المستحبات لزم أن يكون فاعال مكروها ، وال شك‬ ‫أن األولى توجيه الذبيحة إلى القبلة السيما الذبح الذي يتقرب به إلى اهلل كاألضحية .‬ ‫وإلى هنا انتهى ما أردنا كتابته في اليوم العاشر من شهر رجب سنة ست وتسعين وثالثمائة وألف ، والحمد هلل الذي بنعمته تتم الصالحات .‬ ‫قال ذلك جامعه الفقير إلى اهلل سبحانه محمد الصالح العثيمين ، غفر اهلل له ولوالديه وإلخوانه المسلمين ، وصلى اهلل وسلم على نبينا محمد‬ ‫، وعلى آله وأصحابه ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .‬ ‫34‬
  • 44.
    ‫أحكام االضحية والذكاة‬ ‫)1(رواه البخاري ، كتاب األضاحي باب الذبح بعد الصالة ، (1655) ومسلم، كتاب األضاحي باب وقتها، رقم (2692).‬ ‫)2(رواه البخاري ، كتاب األضاحي ، باب قسمة اإلمام األضاحي بين الناس، رقم (7355) ومسلم كتاب األضاحي باب سن األضحية،‬ ‫رقم (5692).‬ ‫)3(رواه البخاري ، كتاب األضاحي ، باب التكبير عند الذبح ، رقم (5655) ومسلم، كتاب األضاحي ،باب استحباب الضحية وذبحها‬ ‫مباشرة (6692).‬ ‫)4(رواه أحمد (82/2) والترمذي ، كتاب األضاحي ، باب الدليل على أن األضحية سنة رقم (7152)‬ ‫)5(رواه البخاري، كتاب األضاحي ، باب من ذبح قبل الصالة أعاد، رقم (2655) ومسلم ، كتاب األضاحي، باب وقتها، رقم (1692).‬ ‫)6(رواه الترمذي ، كتاب األضاحي ، باب ما جاء أن الشاة الواحدة تجزئ عن أهل البيت، رقم (5152) وابن ماجه ، كتاب األضاحي ،‬ ‫باب من ضحي بشاة عن أهله، رقم ( 7321).‬ ‫)7(رواه أحمد (2/221) وابن ماجه ، كتاب األضاحي ، باب األضاحي واجبة هي أم ال ؟رقم (1221) ،والحاكم (2/981).‬ ‫)8(رواه أحمد(3/522) وأبو داود ، كتاب األضاحي، باب ما حاء في إيجاب األضاحي، رقم (8872) ، والترمذي ، كتاب األضاحي،‬ ‫باب رقم (82) حديث األضاحي، باب األضاحي واجبة هي أم ال ؟ رقم (5221).‬ ‫)9(تقدم تخريجه.‬ ‫)01(رواه البخاري، كتاب العقيقة، باب الفرع، رقم (1735) ومسلم ، كتاب األضاحي باب الفرع والعتيرة، رقم (6792)‬ ‫)11( أخرجه أحمد(2/212)، والحاكم (2/111) والبيهقي (9/362)‬ ‫)21(أخرجه أحمد(6/2918)، والبزار (9/921) وابن ماجه ، كتاب األضاحي باب أضاحي رسول اهلل النبى صلي اهلل عليه وعلي آله‬ ‫وسلم ، رقم (2221).‬ ‫)31(((مجمع الزوائد)) (3/22).‬ ‫44‬
  • 45.
    ‫أحكام االضحية والذكاة‬ ‫)41(راجع: أحمد (6/291) والطبراني في (( الكبير))( 2/221)ابن ماجه رقم (2221)، والبيهقي(9/952) والحاكم (2/523)‬ ‫)51(رواه مسلم، كتاب األضاحي، باب نهي من دخل عليه عشر ذي الحجة وهو مريد..، رقم (7792)وأبو داود، كتاب الضحايا باب‬ ‫الرجل يأخذ من شعره في العشر، رقم (2792)، والترمذي ، كتاب األضاحي، باب من ترك أخذ الشعر لمن أراد أن يضحي، رقم‬ ‫(1252)، والنسائي ، كتاب الضحايا باب رقم (2) حديث رقم (2613)، وابن ماجه ، كتاب األضاحي، باب من أراد أن يضحي فال‬ ‫يأخذ في العشر..، رقم 93211)‬ ‫)61(رواه مسلم، كتاب األضاحي، رقم (7792)‬ ‫)71(رواه البخاري ، كتاب الحج، باب مهل أهل الشام، رقم (6252)، ومسلم، كتاب الحج باب مواقيت الحج والعمرة، رقم (2822)‬ ‫)81((( السنن الكبري) للبيهقي (9/362).‬ ‫)91((( السنن الكبري)) البيهقي (9/562)‬ ‫)02(رواه أبو داود، كتاب الضحايا ، باب ما جاء في إيجاب الضاحي، رقم (9872) والنسائي ، كتاب الضحايا باب من لم يجد‬ ‫األضحية، رقم (5613).‬ ‫)12(سبق تخريجه ص22‬ ‫)22(رواه البخاري، كتاب األضاحي، باب ما كل من لحوم األضاحي ومايتزود منها، رقم (9655)، ومسلم ، كتاب األضاحي باب بيان ما‬ ‫يؤ‬ ‫كان من النهي عن أكل لحوم األضاحي بعد ثالث، رقم (3792).‬ ‫)32(رواه البخاري، كتاب األطعمة باب ما كان السلف يدخرون في بيوتهم واسفارهم..، رقم (1235).‬ ‫)42(سبق تخريجه‬ ‫)52(رواه أبو داود، كتاب الضحايا باب األضحية عن الميت، رقم (1972)والترمذي ، كتاب األضاحي باب ما جاء في األضحية عن‬ ‫الميت، رقم (5932)‬ ‫)62(رواه البخاري، كتاب العيدين باب فضل العمل في أيام التشريق ، رقم (969) وأبو داود، كتاب الصوم ، باب في صوم العشر، رقم‬ ‫81321) والترمذي، كتاب الصوم باب ما جاء في العمل في أيام العشر، رقم (757) وابن ماجه ، كتاب الصيام، باب صيام العشر،‬ ‫رقم (7272).‬ ‫)72(رواه البخاري، كتاب األضاحي، باب سنة األضحية ، برقم (5355)/ ومسلم، كتاب األضاحي ، باب وقتها، رقم (2692)‬ ‫)82(تقدم تخريجه‬ ‫)92(تقدم تخريجه‬ ‫)03(رواه البخاري، كتاب العيدين باب كالم اإلمام والناس في خطبة العيد، رقم (589).‬ ‫)13(رواه البخاري، كتاب العيدين باب النحر والذبح بالمصلي يوم العيد. رقم (289)‬ ‫54‬
  • 46.
    ‫أحكام االضحية والذكاة‬ ‫)23(رواه البخاري، كتاب األضاحي، باب من ذبح قبل الصالة أعاد، رقم (2655).‬ ‫)33(رواه مسلم، كتاب األضاحي ، باب سن األضحية ، (3692) وأحمد (1/392)‬ ‫)53( ذكر اسم اهلل على ذلك يتناول ذكر اسمه عند ذبحها وعند أكلها. (المؤلف)‬ ‫)63(رواه ابن حاتم في تفسيره (8/9832)‬ ‫)73(رواه أحمد (3/28) والبيهقي (9/652)، وابن حبان (9/662)‬ ‫)83(رواه مسلم، كتاب الصيام/ باب تحريم صوم أيام التشريق، رقم (2322)‬ ‫)93(((تلخيص الحبير)) (3/232)‬ ‫)04(ذكره البخاري تعليقاً في كتاب البيوع، باب تفسير المشبهات، ورواه الترمذي من حديث حسن بن على مرفوعاً، كتاب صفة القيامة باب‬ ‫رقم (16) حديث رقم (8522) وصححه (6/152).‬ ‫)14( رواه مسلم كتاب األضاحي باب سن األضحية، رقم (1692)‬ ‫)24(‬ ‫تقدم تخريجه‬ ‫)34(‬ ‫رواه أبو داود، كتاب الضحايا باب ما يستحب من الضحايا ، رقم (6972)، والترمذي ، كتاب األضاحي باب ما يستحب من‬ ‫األضاحي رقم (6932)، والنسائي، كتاب الضحايا، باب الكبش رقم (1913) وابن ماجه كتاب األضاحي باب ما يستحب من‬ ‫األضاحي (8221).‬ ‫)44(‬ ‫رواه أحمد 61/22) وابن ماجه كتاب االضاحي باب أضاحي رسول اهلل اصلى اهلل عليه وسلم رقم (2221)‬ ‫)54(‬ ‫رواه مسلم، كتاب الحج باب االشتراك في الهدي، رقم (8212)‬ ‫)64(‬ ‫انظر الحديث السابق.‬ ‫)74(‬ ‫رواه مسلم، كتاب األضاحي ، باب استحباب األضحية وذبحها مباشرة، رقم (7692).‬ ‫)84(‬ ‫رواه أحمد (6/8)‬ ‫)94(‬ ‫رواه الترمذي ، كتاب االضاحي باب رقم (12) حديث رقم (2252) وأحمد (1/1،8/651).‬ ‫)05(‬ ‫تقدم تخريجه‬ ‫)15(‬ ‫سبق تخريجه‬ ‫)25(‬ ‫رواه مسلم، كتاب األضحية، باب نقض األحاكم الباطلة، رقم (8272)‬ ‫)35(‬ ‫رواه أحمد (1/323)‬ ‫)45(‬ ‫سبق تخريجه‬ ‫64‬
  • 47.
    ‫أحكام االضحية والذكاة‬ ‫)55( رواه مسلم ، كتاب الزهد والرقائق باب من أشرك في عمله غير اهلل، رقم (5892)‬ ‫)65(‬ ‫سبق تخريجه‬ ‫)75(‬ ‫رواه البخاري، كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود، رقم (7962)، ومسلم ، كتاب األقضية، باب نقض‬ ‫األحكام الباطلة، رقم (8272)‬ ‫)85(‬ ‫سبق تخريجه‬ ‫)95(‬ ‫رواه أحمد (6/861) وابن ماجه كتاب األضاحي باب ما تجزئ من األضاحي، رقم (9121)‬ ‫)06(‬ ‫رواه النسائ كتاب الضحايا، باب المسنة والجذعة، رقم (2813)‬ ‫)16(‬ ‫رواه الترمذي ، كتاب األضاحي ، باب ما جاء في الجذع من الضان في األضاحي، رقم 99321)، وأحمد (2/533)‬ ‫)26(‬ ‫سبق تخريجه‬ ‫)36(‬ ‫رواه أبو داود، كتاب الضحايا ، باب ما يكره من الضحايا، رقم (2182)، والترمذي ، كتاب األضاحي باب ما ال يجوز من األضاحي،‬ ‫رقم (7932) والنسائي، كتاب الضحايا باب ما نهي من االضاحي، رقم (9613)، وابن ماجه، كتاب األضاحي، باب ما يكره أن‬ ‫يضحي به، رقم 33211) وأحمد (3/111).‬ ‫)46(‬ ‫رواه النسائي، كتاب الضحايا ، باب العرجاء رقم (1713)‬ ‫)56(‬ ‫رواه مالك في الموطأ، كتاب الضحايا (2)‬ ‫)66( رواه الترمذي، كتاب األضاحي، باب في الضحية بعضباء القرن واألذن، رقم (3152)‬ ‫)76( رواه أحمد (2/932) والترمذي ، كتاب األضاحي، باب ما يكره من األضاحي، رقم (8932)، والنسائي في ( الكبري) رقم (2633)‬ ‫وابن ماجه ، كتاب األضاحي، باب ما يكره أن يضحي به، رقم (1321،2321).‬ ‫)86( رواه البزار(2/221) والحاكم (3/932) والبيهقي (9/572).‬ ‫)96( رواه أحمد (3/582) وأبو داود، كتاب الضحايا باب ما يكره من الضحايا، رقم(1182)، والحاكم (3/152)‬ ‫)07( سبق تخريجه‬ ‫)17(‬ ‫رواه البخاري، كتاب االستقراض، باب استقراض اإلبل، رقم (1912)‬ ‫)27(‬ ‫رواه مسلم، كتاب المساقاة، باب من استسلف شيئاً فقضى خيراً منه، رقم (2162)‬ ‫)47(رواه مسلم، كتاب األضاحي، باب بيان ما كان من النهي عن أكل لحوم األضاحي، رقم (2792)‬ ‫74‬
  • 48.
    ‫أحكام االضحية والذكاة‬ ‫)57(رواه البخاري، كتاب األضاحي ، باب ما كل من لحوم االضاحي وما يتزود منها، رقم (9655)‬ ‫يؤ‬ ‫)67(رواه مسلم، كتاب األضاحي، باب وقتها، رقم (2692)‬ ‫)77(تفسير ابن أبي حاتم (8/9832)‬ ‫)87(رواه مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي صلى اهلل عليه وسلم رقم 82221)‬ ‫)97(سبق تخريجه‬ ‫)08(رواه البخاري، كتاب النكاح، باب الحرة تحت العبد، رقم (7915) ومسلم، كتاب العتق، باب إنما الوالء لمن أعتق، رقم (3152)‬ ‫)18(رواه البخاري، كتاب كاة، باب هل يشتري صدقته؟ رقم (1932 )، ومسلم كتاب الهبات، باب كراهة شراء اإلنسان ما تصدق به، رقم‬ ‫الز‬ ‫(1262).‬ ‫)28(رواه مسلم، كتاب الصيام، باب قضاء الصيام عن الميت، رقم (9322)‬ ‫)38( رواه مسلم، باب نهي من دخل عليه عشر ذي الحجة وهو مريد التضحية أن يأخذ من شعره…، رقم (7792)، وأبو داود ، كتاب‬ ‫الضحايا ، باب الرجل يأخذ من شعره في العشر، رقم (2972)، والترمذي ، كتاب األضاحي، باب ترك أخذ الشعر لمن أراد أن‬ ‫يضحي، رقم (1252)والنسائي، كتاب الضحايا، باب رقم (2) حديث رقم (2613) وابن ماجه كتاب االضاحي، باب من أراد أن‬ ‫يضحي فال يأخذ من شعره…، رقم (9321)، وأحمد (6/982).‬ ‫)48(‬ ‫انظر تخريج الحديث السابق.‬ ‫)58(‬ ‫رواه مسلم، كتاب األضاحي ، باب نهي من دخل عليه عشر ذي الحجة…، رقم (7792)، والنسائي، كتاب الضحايا ، باب رقم (2)‬ ‫حديث رقم (3613)، وابن ماجه ، كتاب األضاحي، باب من أراد أن يضحي فال يأخذ في العشر من شعره..،رقم (9321)‬ ‫)68(‬ ‫رواه البخاري، كتاب العتق، باب في العتق وفضله، رقم (7252)، ومسلم، كتاب العتق، رقم (9152)‬ ‫)78(‬ ‫رواه البخاري، كتاب كالة، باب إذا أبصر الراعي أو كيل شاة تموت…، رقم (3112).‬ ‫الو‬ ‫الو‬ ‫)88(‬ ‫األقلف:هو الذي لم يختن سمي بذلك ألن قلفته لم تقطع.‬ ‫)98(‬ ‫كين، رقم (7262)، ومسلم كتاب الطب، باب السم، رقم (1922)‬ ‫رواه البخاري، كتاب الهبة، باب قبول الهدية من المشر‬ ‫)09(‬ ‫رواه أحمد (1/122)‬ ‫)19(‬ ‫رواه البخاري، كتاب فرض الخمس، باب ما يصيب من الطعام في أرض الحرب، رقم (1521)، ومسلم ، كتاب الجهاد والسير باب‬ ‫أخذ الطعام من أرض العدو، رقم (2772)‬ ‫84‬
  • 49.
    ‫أحكام االضحية والذكاة‬ ‫)29(‬ ‫رواه البخاري، كتاب بدء الوحي، باب كيف بدء الوحي إلى رسول اهلل…، رقم (2)ومسلم، كتاب الجهاد، باب قوله النبي صلى اهلل‬ ‫عليه وعلي آله وسلم : (( إنما األعمال بالنية))رقم (7192).‬ ‫)39(‬ ‫رواه النسائي، كتاب الصيد والذبائح، باب إباحة أكل العصافير، رقم (9313)‬ ‫)49(‬ ‫رواه النسائي ، كتاب الضحايا، باب من قتل عصفوراً بغير حقها، رقم (6333)‬ ‫)59(‬ ‫رواه مسلم، كتاب األضاحي، باب تحريم الذبح لغير اهلل، رقم (8792)‬ ‫)69(‬ ‫رواه البخاري، كتاب كة، باب قسمة الغنم، رقم (8832) ، ومسلم ، كتاب األضاحي، باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم إال‬ ‫الشر‬ ‫السن..، رقم 86921)، وأبو داود، كتاب الضحايا ، باب في الذبيحة بالمروة، رقم (2282 والترمذي، كتاب الصيد ، باب ما جاء‬ ‫في الذكاة بالقصب وغيره، رقم (2932)والنسائي، كتاب الضحايا ، باب ذكر المنفلتة التي ال يقدر على أخذها، رقم (9133،‬ ‫1233)، وابن ماجه ، كتاب الذبائح، باب ما يذكي به، رقم (8721)‬ ‫)79(‬ ‫سبق تخريجه‬ ‫)89(‬ ‫رواه البخاري، كتاب الذبائح والصيد، باب ذبيحة األعراب ونحوهم، رقم (7155)‬ ‫)99(‬ ‫رواه أبو داود، كتاب اللباس، باب في أهب الميتة، رقم (6223)، والنسائي، كتاب الفرع والعتيرة، باب ما يدبغ به جلود الميتة، رقم‬ ‫(8323).‬ ‫)001(‬ ‫رواه مسلم، كتاب الحيض، باب طهارة جلود الميتة بالدباغ، رقم (661)‬ ‫)101(‬ ‫رواه البخاري، كتاب الذبائح والصيد، باب جلود الميتة، رقم (2155)‬ ‫)201(‬ ‫سبق تخريجه‬ ‫)301(‬ ‫سبق تخريجه‬ ‫)401(‬ ‫سبق تخريجه‬ ‫)501(‬ ‫رواه مسلم، كتاب األضاحي، باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم إال…رقم (8692)‬ ‫)601(‬ ‫صحيح البخاري، كتاب الذبائح والصيد، باب ما ند من البهائم فهو بمنزلة الوحش.‬ ‫)701(‬ ‫رواه أبو داود، كتاب الضحايا ، باب في المبالغة في الذبح، رقم (6282)‬ ‫)801(‬ ‫قال في : (( النهاية)) الليط قشر القصب والقناة كل شيء كانت له صالبة ومتانة، والقطعة منه: ليطة.‬ ‫و‬ ‫)901(‬ ‫رواه ابن شيبة (3/152، 552)‬ ‫)011(‬ ‫رواه الطبراني في (( الكبير )) (8/222)‬ ‫)111(‬ ‫ذكره عنه البخاري تعليقاً في كتاب الذبائح والصيد، باب النحر والذبح.‬ ‫)211(‬ ‫رواه البخاري، كتاب الذبائح والصيد، باب إذا أصاب قوم غنيمة..، رقم (1355)‬ ‫)311(‬ ‫رواه أبو داود ، كتاب الجهاد، باب في النهي عن النهي ..ن رقم (5172)‬ ‫94‬
  • 50.
    ‫أحكام االضحية والذكاة‬ ‫)411(‬ ‫رواه أحمد(5/392) وأبو داود، كتاب البيوع ، باب في اجتناب الشبهات، رقم (2111)‬ ‫)511(‬ ‫رواه أبو داود، كتاب الطهارة ، باب الوضوء بماء البحر، رقم (18)، والترمذي ، كتاب الطهارة ، باب ما جاء في ماء البحر أنه‬ ‫طهور، رقم (96)، والنسائي ، كتاب الطهارةن باب ماء البحر، رقم (95)، وابن ماجه ، كتاب الطهارة، باب الوضوء بماء البحر،‬ ‫رقم (681) وأحمد(2/261)‬ ‫)611(‬ ‫رواه البخاري، كتاب كة، باب كة في الطعام..، رقم (1832)، ومسلم، كتاب الصيد والذبائح، باب إباحة ميتة البحر، رقم‬ ‫الشر‬ ‫الشر‬ ‫(5192).‬ ‫)711(‬ ‫رواه أحمد (2/79) وابن ماجه ، كتاب األطعمة، باب الكبد والطحال، رقم (3211)‬ ‫)811(رواه أبو داود، كتاب الضحايا، باب ما يستحب من الضحايا، رقم (5972) وابن ماجه، كتاب األضاحي، باب أضاحي رسول‬ ‫اهلل صلى اهلل عليه وسلم ، رقم (2221).‬ ‫)911(‬ ‫رواه مسلم، كتاب الصيد والذبائح، باب األمر بإحسان الذبح والقتل، (5592)‬ ‫)021(‬ ‫رواه أبو داود، كتاب المناسك، باب كيف تنحر البدن، رقم (7672)‬ ‫)121(‬ ‫رواه البخاري، كتاب الحج، باب نحر اإلبل مقيدة، رقم (1272)، ومسلم ، كتاب الحج، باب نحر البدن قياماً مقيدة، رقم‬ ‫(1212)‬ ‫)221(‬ ‫سبق تخريجه‬ ‫)321(‬ ‫رواه أحمد(1/613)‬ ‫)421(‬ ‫رواه البخاري، كتاب الجنائز، باب قول النبى صلى اهلل عليه وسلم : (( ويعذب الميت ببعض بكاء أهله)) رقم (3822) ، ومسلم،‬ ‫كتاب الجنائز، باب البكاء على الميت، رقم (129)‬ ‫)521(‬ ‫رواه البخاري، كتاب األدب، باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته، رقم (7995)، ومسلم، كتاب الفضائل، باب رحمته صلى اهلل عليه‬ ‫وسلم الصبيان والعيال…، رقم (8212).‬ ‫)621(‬ ‫سبق تخريجه‬ ‫)921( رواه أبو داود، كتاب الضحايا، باب في الشاة يضحى بها عن جماعة ، رقم (1282)، والترمذي ، كتاب األضاحي، باب ما جاء أن‬ ‫الشاة الواحدة تجزي عن أهل البيت، رقم (5152)، وأحمد (1/8)‬ ‫)031(‬ ‫سبق تخريجه‬ ‫)131(‬ ‫رواه أحمد (6/291)‬ ‫)231(‬ ‫سبق تخريجه‬ ‫)331(‬ ‫سبق تخريجه‬ ‫05‬
  • 51.
    ‫أحكام االضحية والذكاة‬ ‫)431(‬ ‫رواه أحمد(2/812)، وابن ماجه، كتاب الذبائح، باب إذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، رقم (2721)‬ ‫)531(‬ ‫رواه الحاكم( 3/112) ، وصححه ، وسكت عنه الذهبي.‬ ‫15‬