1
‫لم يستوعب الفاعلون السياسيون في تونس جوهر‬
‫الثورة وقيمتها وإن عبروا عن ذلك ..لقد أضفوا‬
‫قراءاتهم السياسية و اإليديولوجية على حراك الفقراء‬
‫و المهمشين فحادوا بالثورة عن مسارها الحقيقي ، و‬
‫التجاذبات السياسية التي يشهدها المشهد السياسي‬
                  ‫العام هو أحد اإلفرازات المكشوفة.‬




                        ‫2‬
‫حركة النهضة بين االنفتاح و الهيمنة.‬

‫كان بإمكان حركة النهضة باعتبارها الحزب الفائز في‬
‫االنتخابات أن تؤكد منذ البداية أنها ستقود البالد في هذه‬
‫المرحلة المؤقتة بالطريقة التي تراها مناسبة ، دون أن‬
‫تضطر إلى بعث رسائل اطمئنان و دون أن تؤكد أن‬
‫الحكومة المؤقتة ستكون حكومة ائتالف وطني مفتوحة‬
            ‫أمام الجميع للمساهمة في إنجاح هذه المرحلة.‬
‫ال أحد كان سيلومها على ذلك باعتبارها الحزب الفائز‬
‫في انتخابات شرعية وبالتالي فإن قيادتها لهذه المرحلة‬
                      ‫هي قيادة شرعية مصدرها الناخب.‬
‫لكن أن تدعو حركة النهضة إلى حكومة ائتالف وطني و‬
‫إلى االنفتاح على كافة األطراف ، وفي الوقت ذاته تعمل‬
‫من أجل الهيمنة على السلطة التنفيذية و التشريعية مما‬
‫يجعل بقية األطراف مجرد ديكور ، فهذا غير معقول و‬
                                            ‫غير مقبول.‬
‫مؤشرات نزعة الهيمنة المطلقة لحركة النهضة تظهر‬
                                       ‫من خالل ما يلي:‬
‫-استئثارها بأغلب الوزارات بما في ذلك وزارات‬
                                                ‫السيادة.‬
‫-السلطة شبه المطلقة لرئيس الحكومة و في‬
‫المقابل تحديد صالحيات بقية أعضاء السلطة التنفيذية (‬

                           ‫3‬
‫مشروع قانون تنظيم السلط العمومية الذي قدم للمجلس‬
                                         ‫التأسيسي.)‬
‫-نزعة الهيمنة على أشغال المجلس التأسيسي و‬
                               ‫سيطرتها على اللجان.‬
‫ربما من حق حركة النهضة أن تستثمر األغلبية التي‬
‫حصلت عليها في انتخابات 23 أكتوبر للمحطات المقبلة‬
‫وهو أمر مشروع و كان يمكن أن يمارسه أي حزب فاز‬
‫باألغلبية ، لكن هذا يتناقض مع خطابها الداعي لالنفتاح‬
‫على الجميع و يتناقض مع خصوصية المرحلة التي تمر‬
 ‫بها تونس التي تتطلب مشاركة الجميع في إعادة بناء‬
‫الدولة و مؤسساتها و اقتصادها ...مشاركة حقيقية و‬
                             ‫ليست مشاركة صورية.‬




                         ‫4‬
‫أوقفوا هذا المسار‬
‫ثمة مسار يجب أن يتوقّف، ألن في استمراره وتواصله‬
                                ‫ْ‬               ‫ّ‬
‫خطورة ليس فقط على ثورة 14 جانفي وما جاءت به من‬
‫قيم ومبادئ وإنما أيضا على وحدة التونسيين والمشترك‬
                                            ‫بينهم.‬
‫هذا المسار الذي يسعى البعض للنفخ فيه وتضخيمه‬
‫ليكون من األولويات المطروحة ليس أمام النخب‬
‫والناشطين السياسيين فحسب بل أيضا أمام "المواطن‬
‫العادي"، هو تحويل قاعدة الفرز بين من يدفع لتنجز‬
‫الثورة مهامها السياسية واالقتصادية واالجتماعية وبين‬
‫من يبحث بكافة الوسائل لاللتفاف عليها وحصرها في‬
‫أفق محدود، إلى قاعدة فرز جديدة بين المؤمنين‬
‫والعلمانيين، بين "الغيورين على المقدسات" وبين‬
                                   ‫"المشككين فيها".‬
‫قاعدة الفرز هذه التي يحرص البعض إليجاد المبررات‬
‫الميدانية والواقعية لها، تبقى مسقطة ومفتعلة ألنها تمس‬
‫من وحدة التونسيين حول دينهم وعروبتهم، وتشكك في‬
                          ‫المشترك بينهم منذ قرون.‬

                          ‫5‬
‫الموقف من المسالة الدينية لم يكن في يوم من األيام‬
‫عنصر خالف بين التونسيين وعامل صراع بينهم، فلماذا‬
‫النفخ في هذه النقطة وتحويلها إلى واجهة رئيسية في هذه‬
               ‫المرحلة الدقيقة والحرجة من عمر الثورة؟‬
‫ثورة 14 جانفي مازالت تترصد بها المخاطر الداخلية‬
‫والخارجية .وتوجيه بوصلة الشعب الذي أنجز هذه‬
‫الثورة إلى وجهة غير حماية ثورته ودفعها النجاز كافة‬
‫مهامها نعتقد انه أمر مشبوه، وال يخدم إال أغراض‬
                                    ‫المتربصين بها.‬




                          ‫6‬
‫كلية اآلداب بمنوبة : معركة مواقف أم مواقع‬

‫ما تشهده كلية اآلداب بمنوبة هو حلقة غير منفصلة عن‬
          ‫ُ‬
‫سلسلة كاملة من الممارسات الممنهجة بدأت بعدد من‬
                     ‫ُ‬
‫المساجد و الجوامع و الكتاتيب و الفضاءات العمومية‬
            ‫لتصل إلى الجامعة في انتظار بقية الحلقات.‬
‫اكتفت هياكل الدولة و مؤسسات المجتمع المدني و‬
‫األحزاب السياسية بمراقبة ما يحدث دون أن تتدخل‬
                                             ‫ّ‬
‫لوضع حد لتزايد حلقات السلسلة و أقصى ما قامت به‬
‫بيانات اإلدانة التي تعبّر عن القلق، فيما اآلخرون يفتكون‬
                                ‫المساحة تلوى المساحة.‬
‫المعركة من وجهة نظر المجتمع المدني و األحزاب‬
‫السياسية هي معركة مواقف ، فيما هي معركة مواقع‬
‫بالنسبة للسلفيين شعارهم: افتكاك أوسع ما يمكن من‬
                       ‫المساحات وفرض األمر الواقع.‬
‫هياكل ومؤسسات الدولة لم تتحرك إما ألنها مشلولة أو‬
‫ألنها تمارس الحياد في وقت ال حياد فيه مع مكتسبات‬
                                      ‫المجتمع و بنيته.‬
‫المعركة مازالت ستتواصل تحت شعار " ذراعك يا‬
‫عالّف" ما دامت الدولة مستقيلة و المجلس التأسيسي‬
‫مهتم بخالفات صلوحيات الرئاسات الثالث و األحزاب‬
‫منها المهتم بالحقائب الوزارية و منها من يبحث عن‬
                              ‫آليات ممارسة المعارضة‬
                           ‫7‬
‫هناك من يسعى إلعادة إنتاج القيود على حرية الرأي و‬
                     ‫التعبير‬

‫قبل ثورة 14 جانفي 4413 كان شعار و مطلب حرية‬
‫الرأي و التعبير حلقة رئيسية في العمل النقابي الصحفي‬
‫و النشاط الحقوقي و السياسي في تونس ، أغلب القوى‬
‫رفعت هذا الشعار و دافعت عن هذا المطلب ألن حرية‬
‫الرأي و التعبير هي إحدى المداخل الرئيسية ألي عملية‬
                                                ‫تغيير.‬
‫و بعد الثورة سقطت أغلب القيود عن ممارسة هذه‬
‫الحرية خاصة المفروضة على اإلعالميين باعتبارهم‬
‫الجهة األولى المعنية بهذه الحرية من خالل األشكال‬
                              ‫الصحفية التي ينتجونها.‬
‫وكشف المناخ الجديد قوة التعدد و االختالف و هي‬
                      ‫مسالة طبيعية لصيقة بأي مجتمع.‬
‫لكن ما يُالحظ أن هناك من يسعى إلعادة إنتاج القيود‬
‫على حرية الرأي و التعبير بأشكال جديدة مثل التكفير و‬
‫التخوين و التشكيك حتى في النوايا ..فقط لالختالف في‬
                                               ‫الرأي.‬
‫االختالف في الرأي مبدأ أساسي ألي عملية تقدم و شرط‬
‫هام ألي نقاش و جدل حقيقيين ، ومن يعمل على تقييد‬
‫حرية الرأي و التعبير فإنه يضع القيود أمام أي تقدم‬
                                        ‫حقيقي وجاد.‬
                          ‫8‬
‫و أعتقد أن ما يتعرض له عدد من اإلعالميين خاصة من‬
‫تكفير وتخوين بسبب أراء عبروا عنها تختلف نسبيا أو‬
‫كليا مع أراء آخرين هي مسألة خطيرة و تمس بالدرجة‬
‫األولى من مساحة حرية الرأي و التعبير التي تحققت بعد‬
                                     ‫ثورة 14 جانفي.‬




                         ‫9‬
‫الحكومة الجديدة:الحلقة المفقودة في المخرج من‬
                 ‫الوضع الراهن‬

‫تُدرك حركة النهضة وحليفاها أن عوائق كثيرة ومتنوعة‬
‫تمأل الطريق أمام الحكومة الجديدة ، أهم هذه العوائق و‬
‫أخطرها الملف االقتصادي و تداعياته االجتماعية‬
‫،خاصة في الجهات التي كانت تنتظر نصيبها من التنمية‬
       ‫في فترة بن علي و تنتظر اليوم نصيبها من الثورة.‬
‫خطورة الملف االقتصادي و االجتماعي ال تكمن فقط في‬
‫المؤشرات الحالية التي تنذر بأزمة حقيقة حسب‬
‫األخصائيين و الفاعلين االقتصاديين ، بل أيضا في خطط‬
‫و آليات الخروج من هذا الوضع الذي يرفض التعامل‬
             ‫بالعواطف و حسن النوايا و اإلرادة االيجابية.‬
‫ال نخال أن "مهندسي" الحكومة الجديدة تغيب عنهم‬
‫حقيقة أنهم سيحاسبون على نتائج أعمالهم و أدائهم‬
‫الملموس و ليس على شعارات الوفاء للثورة و الصدق‬
‫في العمل، و هو األمر الذي يتطلب منهم فهما دقيقا لواقع‬
                          ‫دقيق يتداخل فيه أكثر من معطى.‬
                                ‫ُ‬
‫لم تبدأ الحكومة الجديدة بعد في عملها و تنفيذ مخططاتها‬
‫للحكم لها أو عليها و حتى إن بدأت فإن األمر يتطلب‬
‫منحها الوقت الكافي للتقييم ..لكن ذلك ال يمنع من‬
‫اإلشارة أن المقدمات و الخطوات األولى في اتجاه‬
                           ‫01‬
‫ممارسة الحكومة تدفع للتساؤل عن مدى التآلف‬
‫الحكومي الجديد وعموده الفقري حركة النهضة واع‬
                ‫بحجم التحديات و خاصة بمخارج األزمة.‬
‫الحلقة الرئيسية في مخرج األزمة هي الوفاق الحقيقي‬
‫بين الفاعلين السياسيين و االقتصاديين و االجتماعيين‬
‫على أرضية مشاركة هذه األطراف مع بعضها في رسم‬
‫خطة الخروج من الوضع الراهن، هذه الحلقة ال يبدو أنه‬
                  ‫تم المسك بها على األقل إلى حد اللحظة.‬
                                  ‫ويظهر ذلك من خالل:‬
‫توزيع المسؤوليات الحكومية لم يتم على قاعدة ما‬               ‫‪‬‬

‫يتطلبه الوضع في البالد من وفاق بين الفاعلين السياسيين‬
‫و االقتصاديين و االجتماعيين ، بل تم على قاعدة حزبية‬
                                                  ‫ضيقة.‬
‫تعمق الهوة بين عدد من الفاعلين السياسيين بسبب‬               ‫‪‬‬

‫سيطرة منطق األغلبية و األقلية، رغم أن المرحلة‬
          ‫الحالية للبالد ال تحتمل هذا التقسيم وهذا الفرز.‬
‫تعدد اإلشارات و التصريحات حول وجود‬                          ‫‪‬‬

‫مؤامرات لعرقلة الحكومة المقبلة ، وهي إشارات خطيرة‬
‫ألنها ربما تضع من اآلن تفسيرا ألسباب فشل الحكومة‬
                                   ‫الجديدة ( إن فشلت.)‬


                           ‫11‬
‫التعاطي السلبي مع بعض التحركات االحتجاجية‬            ‫‪‬‬

‫ذات الطابع االجتماعي و النظر إليها فقط من زاوية‬
                                       ‫المؤامرة.‬
‫التقليل من حجم األزمة االقتصادية و اعتبار‬            ‫‪‬‬

‫بعض التصريحات في هذا الصدد، تصريحات سياسية‬
                                       ‫باألساس.‬


‫نأمل كما يأمل أي تونسي أن تثبت الحكومة الجديدة أن‬
‫هذه المؤشرات ظرفية.و أن فترة إدارتها لشؤون البالد‬
  ‫ستؤسس لمرحلة جديدة سياسيا و اقتصاديا و اجتماعيا.‬




                        ‫21‬
‫الصورة المقلوبة !‬

‫ال يبدو المشهد العام في البالد واضحا أو على األقل يدفع‬
‫لالطمئنان فالضبابية والخوف من االنزالق نحو‬
‫المجهول عناصر مازالت تلقي بظاللها ويرددها‬
                 ‫المواطن العادي كما المراقب السياسي.‬

‫السؤال الذي يتردد : " البالد وين ماشية ؟" وهو مستمد‬
‫من الوقائع الميدانية وما يحدث على األرض ، اقتصاد‬
‫تكاد تالمس نسبة نموه صفر بالمائة و مصانع ال تعمل و‬
                                ‫ّ‬
‫ارتفاع في نسبة البطالة و القطاع السياحي يعاني‬
                 ‫صعوبات وتجاذبات سياسية عميقة.‬

‫هذا هو المشهد العام رغم حصول انتخابات أفرزت‬
‫مجلسا تأسيسيا أنتخب حكومة لتسيير البالد و الخروج‬
                             ‫بها من عنق الزجاجة.‬

‫األكيد أن ثورة 14 جانفي 4413 لم تنجز إلحداث هذا‬
‫"االنقالب السلبي" في البالد . إنما أنجزها الشباب وأبناء‬
‫الجهات الداخلية المعدمون من أجل الحرية والتشغيل‬
           ‫والتنمية العدالة ، من أجل وجه جديد لتونس.‬


                          ‫31‬
‫ماذا حدث؟‬

‫في السياسة التبرير وتركيب الجمل لرسم صورة معينة‬
‫مسألة سهلة ويمكن ألي ناشط سياسي أن يجد بدل‬
‫التبرير الواحد عشرات التبريرات . كالقول إن المرحلة‬
‫الحالية استثنائية، أو أن تونس مازالت تعيش المرحلة‬
‫االنتقالية ، أو أن قوى الثورة المضادة مازالت تتحرك‬
                                   ‫إلفشال الثورة...‬

‫قد ال يختلف عاقالن حول هذه العوائق وأهمية تأثيرها‬
‫في الواقع لكنها وحدها ال تفسر ما يحدث عن األرض‬
‫ثمة عناصر أخرى ال تقل أهمية وخطورة أهمها أن‬
‫العملية السياسية ما زالت تحتل النصيب األكبر في‬
‫اهتمامات الفاعلين السياسيين مما جعل مسارها ( مسار‬
‫العملية السياسية) يسير في طريق عكسي لمسار التنمية‬
‫واإلصالح االجتماعي. وهو ما يذكر بإحدى مفارقات‬
‫نظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي الذي كان‬
‫يفتخر بتقدم نسبة النمو وسالمة االقتصاد وفي الوقت‬
‫ذاته كان منغلقا سياسيا وال يسمح بالحريات ويقمع الرأي‬
                                             ‫اآلخر.‬

‫أما اليوم فإن الصورة أصبحت مقلوبة فالفاعلون‬
‫السياسيون يشيدون بفضاءات الحرية والديمقراطية وتقدم‬
                         ‫41‬
‫العملية السياسية وفي الوقت ذاته هناك صعوبات‬
      ‫اقتصادية واجتماعية خطيرة تنذر بأزمة حقيقية.‬

‫بعد 14 جانفي اكتشف الجميع أن الرفاه االجتماعي‬
‫والتقدم االقتصادي لنظام بن علي كانت أكذوبة فهل‬
‫نكتشف بعد مدة أن كل ما يقال حول الحرية‬
                    ‫والديمقراطية هو أيضا أكذوبة!!!‬




                        ‫51‬
‫حول بيان السيد الباجي القائد السبسي: "خريطة‬
           ‫طريق" قديمة لوضع جديد‬

‫لم يأت بيان السيد الباجي القائد السبسي في حجم‬
‫التسريبات التي سبقته من ناحية توصيفه للوضع العام‬
‫في البالد ودليل الخروج من مظاهر األزمة التي مازالت‬
                                            ‫تحيط به.‬
‫البيان تمت صياغته بطريقة مكثفة شبيهة بالبيانات‬
‫التأسيسية التي تكتفي بطرح الخطوط العريضة بعيدا عن‬
‫التفاصيل .ومع ذلك أعطى صورة واضحة على " بديل"‬
                                  ‫السيد القائد السبسي.‬
‫إن قول إن الوضع في البالد يتميز بالضبابية هو أمر‬
‫معلوم لدى عديد الفاعلين السياسيين والمراقبين وإن كان‬
‫هناك خالف في تحديد أسباب هذه الضبابية .كما أن‬
‫التأكيد على " اختالط المهام التي سادت أعمال المجلس‬
‫الوطني التأسيسي " هو أمر سبقت اإلشارة إليه من قبل‬
‫عديد المختصين و السياسيين.وهذا يدفع للقول إن السيد‬
‫الباجي القائد السبسي يتفق في بيانه مع توصيف العديد‬
‫من األطراف للوضع العام في البالد هو وضع دقيق و‬
‫خطير و" يهدد األمن و االقتصاد والوضع االجتماعي‬
                                            ‫عموما."‬
‫غير أن االلتقاء في توصيف الوضع ال يعني أن السيد‬
‫الباجي القائد السبسي يتفق مع اآلخرين في " بديل"‬
                          ‫61‬
‫الخروج من األزمة فقد طرح "خريطة طريق " تتكون‬
‫من 2 نقاط كبرى اعتبارها أساسية لعودة الثقة السياسية‬
‫وهي أن يحدد المجلس الوطني التأسيسي مدة عمله و‬
‫الشروع فورا في اإلعداد للدستور و الدعوة النتخابات‬
‫يوم 23 أكتوبر المقبل ثم إعادة تفعيل مؤسسة الهيئة‬
‫العليا المستقلة للبالد وتمكينها من استئناف عملها "حاال"‬
‫ودعا أيضا إلى تجميع طاقات القوى السياسية والفكرية و‬
                 ‫الوطنية التي "تأبى" التطرف والعنف."‬
‫-1إن "خريطة الطريق " هذه ال تختلف في عمومها‬
‫عن تلك التي جاء بها السيد الباجي القائد السبسي نهاية‬
‫شهر فيفري الفارط..ومكنته من قيادة البالد في مرحلة‬
‫صعبة و الوصول بها إلى االنتخابات يوم 23 أكتوبر‬
‫4413 . السؤال الذي يطرح هنا :هل أن أولويات البالد‬
‫من مارس 4413 إلى ديسمبر4413 هي ذاتها أولويات‬
                                          ‫البالد اآلن ؟.‬
‫-2السيد الباجي القائد السبسي يعتبر أن المسألة‬
‫السياسية مازالت تحتل األولوية في الخروج من مظاهر‬
‫األزمة التي تميز الوضع العام في البالد .فيما العديد‬
‫يعتبرون أن المسألة االقتصادية واالجتماعية وعدم قدرة‬
‫الحكومة الحالية على تقديم برنامج اقتصادي و اجتماعي‬
‫واضح وعدم قدرتها على تقديم حلول ملموسة لملفات‬
‫اقتصادية واجتماعية هي السبب في تواصل حالة‬
                   ‫االحتقان و التوتر االجتماعي واألمني.‬
                          ‫71‬
‫-3السيد الباجي القائد السبسي لم يتعرض إلى‬
‫المطلوب من الحكومة الحالية في الجوانب االقتصادية‬
‫واالجتماعية وهي القاعدة التي ستوفر المناخ اآلمن‬
‫لتنظيم االنتخابات المقبلة .وهو ما بذلك يثبت السير في‬
‫مسارين غير متوازيين إلى حد اآلن وهما المسار‬
           ‫السياسي و المسار االقتصادي و االجتماعي.‬

‫أما دعوته إلى تجميع طاقات القوى السياسية و الفكرية و‬
‫الوطنية فهي دعوة انطلقت منذ االنتخابات الفارطة‬
‫وقطعت عديد األطراف خطوات هامة فيها وبالتالي فإنها‬
‫ليست دعوة جديدة فقط إذا نظرنا إليها من زاوية الدور‬
‫الذي يمكن أن يقوم به في هذا التجمع وهو ما لم يشر إليه‬
                                             ‫بوضوح.‬




                         ‫81‬
‫االعتصامات من "صنيعة الثورة المضادة" في حكومة‬
  ‫الغنوشي مرورا بـ "إفشال االنتخابات" في حكومة‬
 ‫القائد السبسي إلى "إفشال حكومة االئتالف الثالثي‬


‫من 17 ديسمبر 2720 إلى اليوم لم تتوقف االعتصامات‬
‫و الحركات االحتجاجية من أجل المطالبة بالتشغيل،‬
‫حقيقة يجب أن نقر بها حتى نفهم لماذا تواصلت هذه‬
‫االعتصامات في عدد من المدن خاصة التي عانت‬
‫طويال من غياب مجهود تنموي حقيقي، رغم تشكيل‬
              ‫حكومة منتخبة من مجلس تأسيسي منتخب.‬
                                              ‫ُ‬
‫مطالب أبناء الجهات الداخلية هي ذاتها من 17 ديسمبر‬
‫إلى اليوم، لكن التعامل مع هذه المطالب تغيّر من فترة‬
                                            ‫إلى أخرى:‬
‫من 17 ديسمبر 2720 الى 17 جانفي 7720 وحدت‬
‫هذه المطالب كافة فئات الشعب التونسي وتم الدفع بها في‬
‫اتجاه تصعيدها لتتحول هذه الحركة االحتجاجية إلى‬
                              ‫حركة تشمل البالد كلها.‬


                         ‫91‬
‫من 17 جانفي إلى 10 فيفري 7720 تغير مسار‬
‫المطالب بعد أن كانت المطالب االجتماعية و الحق في‬
‫الشغل هي الحلقة الرئيسية أصبحت اإلصالحات‬
‫السياسية هي الحلقة األولى (العفو التشريعي العام – منح‬
‫التراخيص ألكثر من مائة حزب – منح تراخيص‬
‫لعشرات النشريات...الخ)، تم ذلك على خلفية أن المدخل‬
‫الرئيسي لإلصالح هو المدخل السياسي. لكن في الوقت‬
‫ذاته ظلت مطالب حق التشغيل دون حلول حقيقية وبقي‬
‫أبناء الجهات ينتظرون حقهم في التشغيل و حق جهاتهم‬
                                           ‫في التنمية.‬

‫في هذه الفترة تم التعامل مع عديد االعتصامات و‬
‫الحركات االحتجاجية على أنها من صنع قوى الثورة‬
‫المضادة التي تريد إجهاض الثورة ومن صنع أيادي‬
‫خفية كما جاء على لسان السيد محمد الغنوشي في كلمة‬
                                         ‫استقالته.‬

‫من مارس 7720 إلى ديسمبر 7720 عندما استلم‬
‫السيد الباجي قائد السبسي رئاسة الحكومة طرح خريطة‬
‫طريق سياسية (انتخابات المجلس التأسيسي) ورغم أن‬
                          ‫02‬
‫هذا المطلب كان مطلب اعتصام القصبة 0 فإن المسار‬
‫بعد ذلك كان مسارا سياسيا، اهتمت األحزاب باإلعداد‬
‫لالنتخابات و تمحور الجدل داخل هيئة تحقيق أهداف‬
‫الثورة حول قضايا سياسية، بمعنى أن قضايا التشغيل و‬
‫قضايا التنمية بقيت أيضا في المرتبة متأخرة في‬
                                ‫اهتمامات السياسيين.‬

‫في هذه الفترة تواصلت االعتصامات و الحركات‬
‫االحتجاجية و تم التعامل معها أيضا على أنها من صنع‬
‫أيادي خفية مع إضافة أن هناك مخطط إلفشال‬
                                       ‫االنتخابات.‬

‫من ديسمبر 7720 إلى اآلن وجدت الحكومة الجديدة‬
‫المنتخبة من المجلس التأسيسي نفسها أمام ملفات عالقة‬
‫منذ 17 ديسمبر 2720 ورغم دعوتها لهدنة اجتماعية و‬
‫تأكيدها على خطورة الوضع االقتصادي و تداعياته‬
‫المستقبلية فإن حركة االعتصامات و االحتجاجات‬
‫مازالت متواصلة.وهو أمر بديهي ألن ملف التشغيل و‬
‫التنمية الجهوية العادلة الذي كان الحلقة الرئيسية في‬

                        ‫12‬
‫ثورة الشعب التونسي لم يحتل المرتبة الرئيسية في‬
      ‫المتابعة من طرف السياسيين منذ سقوط بن علي.‬

‫ويتم التعامل مع هذه االعتصامات و الحركات على أنها‬
‫تندرج ضمن مخطط إلفشال حكومة االئتالف الثالثي و‬
                       ‫عمودها الفقري حركة النهضة.‬

‫ال ندعو إلى استمرار هذه االعتصامات المضرة بالعجلة‬
             ‫ُ‬
‫االقتصادية..لكننا في الوقت ذاته ندعو إلى التعامل معها‬
‫بوعي و فهم: أبناء الجهات الداخلية و العاطلون عن‬
‫العمل لن يتوقفوا عن المطالبة باالرتقاء بأوضاعهم‬
‫االجتماعية ما لم يلمسوا أن هناك فعال خطوات حقيقية‬
                                      ‫في هذا االتجاه.‬




                         ‫22‬
‫الحركات االحتجاجية ال تُفسر بالمؤامرة فقط .....‬

‫اخطأ النظام السابق حين حاول تفسير االنتفاضة الشعبية‬
‫التي انطلقت من سيدي بوزيد يوم 14 ديسمبر بأنها‬
‫مؤامرة ضد مكاسب و انجازات تونس ، وأن أطرافا‬
‫مجهولة وملثمة و إرهابية تحرك الشباب و تحرضهم و‬
                      ‫تدفعهم إلى التظاهر و االحتجاج .‬
‫أخطأ النظام السابق في قراءته لحقيقة ودوافع انتفاضة‬
‫العاطلين عن العمل و المهمشين و الفقراء ، ألنه لم‬
                                     ‫يبحث عن األس‬
‫باب في الوقائع الملموسة ، إنما ذهب إلى ما يُرضيه وما‬
‫يدين اآلخر ، ذهب إلى نظرية المؤامرة ألنها األسهل‬
‫للتفسير و ترمي المسؤولية على اآلخرين .‬
‫وعلى قاعدة هذا التفسير التآمري جاء خطاب التهديد و‬
‫الوعيد و تطبيق القانون "بكل حزم" الذي أثبت مسار‬
‫الثورة في تونس أنه زاد المنتفضين قوة و إرادة للوصول‬
‫باالنتفاضة إلى آخر مراحلها أي الثورة و إسقاط رأس‬
                                               ‫النظام.‬
                                             ‫*****‬
‫إن تعاطي النظام السابق مع مطالب العاطلين عن العمل‬
‫و المهمشين و الفقراء هو بمثابة الدرس لكافة‬
‫الحكومات،درس جوهره أن التفسير التآمري‬
‫لالحتجاجات االجتماعية ورمي المسؤولية على اآلخرين‬
                          ‫32‬
‫ال يزيد األوضاع إال تأزما ، وهو درس ال يبدو أن‬
‫الحكومات التي تتالت على قيادة البالد بعد 14 جانفي قد‬
                                       ‫استوعبته جيدا.‬

‫لم تستوعبه حكومة السيد محمد الغنوشي فاضطرت‬
‫لالستقالة تحت ضغط اعتصام القصبة3 ، وقال السيد‬
‫محمد الغنوشي إن أيادي خفية كانت تحرض على‬
‫اإلضرابات و االعتصامات و تضع العصا في عجلة‬
     ‫الحكومة و ال تريدها أن تنجز برنامجها اإلصالحي .‬
‫ولم تستوعبه أيضا حكومة السيد الباجي القائد السبسي‬
‫التي وزعت االتهامات في أكثر من مناسبة إلى مجهولين‬
‫و أيادي خفية تعمل لعرقلة خريطة الطريق التي تقدمت‬
                                                   ‫بها‬
                                                     ‫.‬
‫وال يبدو أيضا أن حكومة 23 أكتوبر بدورها قد‬
‫استوعبت الدرس، فهي بصدد تفسير االحتجاجات‬
                 ‫بالمؤامرة ضدها و بالتخطيط إلسقاطها.‬
                                               ‫*****‬
‫دون شك أن فلول النظام البائد وكافّة العناصر التي كانت‬
‫مرتبطة بهذا النظام والتي فقدت مصالحها وامتيازاتها‬
‫وسقطت بسقوط النظام تعمل على خلق التوتّر و"تجتهد"‬
‫حتى ال يتفرّغ أبناء الشعب الذين أنجزوا الثورة للبناء‬
‫ولرسم مستقبل جديد لتونس بل ويحرصون على عرقلة‬
                          ‫42‬
‫كل خطوة إيجابية إلى األمام باإلشاعات وإثارة النعرات‬
‫المتخلفة من نعرات جهوية وقبلية وغيرها هدفهم الوحيد‬
                        ‫أن ال تنهض البالد على قدميها.‬
‫هذا أمر مفهوم ومعلوم و كل تجارب الثورات في العالم‬
‫عرفت الثورات المضادة وميليشيات الحرس القديم ولن‬
‫تكون تونس استثناء في هذا الصدد ألن ثورة 14 جانفي‬
                    ‫ليست استثناء في تاريخ اإلنسانية .‬
‫لكن ما هو غير مفهوم أن تصبح "الثورة المضادة"‬
‫الشماعة التي تعلق عليها الحكومات أخطاءها وعدم‬
‫قدرتها على المسك "برأس الخيط" في هذه المرحلة‬
                              ‫ّ‬
                  ‫االنتقالية والدقيقة التي تمر بها البالد.‬

‫كنا نبهنا عندما استلمت حكومة 23 أكتوبر مهامها أن‬
‫عوائق كثيرة ومتنوعة تمأل الطريق أمامها ، أهمها و‬
‫أخطرها الملف االقتصادي و تداعياته االجتماعية‬
‫،خاصة في الجهات التي كانت تنتظر نصيبها من التنمية‬
‫في فترة بن علي و تنتظر اليوم نصيبها من الثورة. وهو‬
‫ملف يرفض التعامل بالعواطف و حسن النوايا و اإلرادة‬
‫االيجابية.ألنه يتطلب فهما دقيقا لواقع دقيق يتداخل فيه‬
                                    ‫أكثر من معطى.‬
                                          ‫ُ‬



                           ‫52‬
‫صورة تونس في الخارج:‬
     ‫الصورة األصلية وحدها القادرة على اإلشعاع‬


‫صورة تونس في الخارج ( مشرقة كانت أم عكسها) من‬
                          ‫ُ‬
‫يرسمها ؟ هل ترسمها الحكومات ؟ أم الشعوب؟ أم‬
‫يرسمها اإلعالم من خالل القضايا والملفات التي ينشرها‬
                                                     ‫؟‬
‫أسئلة تطرح اليوم على خلفية تصريحات عدد من‬
‫الفاعلين السياسيين و المسؤولين الحكوميين ، تقول أن‬
‫صورة تونس في الخارج أصبحت مهزوزة بسبب أداء‬
              ‫اإلعالم وما ينشره وتركيزه على ملفات اال‬
‫عتصامات و اإلضرابات و "الخطر السلفي" ، وغير‬
‫ذلك من المسائل التي تعطل قدوم االستثمارات األجنبية‬
‫وتثير الخوف لدى السياح ، و الحال أن البالد اليوم في‬
‫حاجة إلى رسائل طمأنة لكافة الجهات ، طمأنة‬
‫المستثمرين و السياح و الشركاء االقتصاديين.‬
‫أغلب الفاعلين السياسيين و الحقوقيين و اإلعالميين في‬
‫تونس يدركون أن صورة تونس في الخارج كانت إحدى‬
‫الواجهات التي "اشتغل" عليها النظام السابق ،وسخر من‬
‫أجلها اإلمكانات المادية والبشرية من أجل أن تكون‬
‫تونس في عيون اآلخرين "بلد األمن و االستقرار" و‬
                            ‫"بلد االنجازات والمكاسب" .‬
                          ‫62‬
‫ويدركون أيضا الدور الذي كانت تقوم به الوكالة‬
‫التونسية لالتصال الخارجي في هذا االتجاه ،‬
‫والضغوطات التي كانت تُمارس على المؤسسات‬
‫اإلعالمية واإلعالميين في تونس للتعتيم على الملفات و‬
‫القضايا التي من شأنها أن "تسيء " إلى صورة تونس‬
‫في الخارج.ومع ذلك لم تنجح منظومة النظام السابق في‬
‫رسم صورة مشرقة لتونس في الخارج ، ألن الوقائع‬
  ‫الميدانية كانت دائما أقوى من إرادة التضليل و التعتيم .‬
‫لم تنجح منظومة النظام السابق ألنها استبعدت أداء‬
‫حكومات بن علي من تفاصيل الصورة التي أرادت‬
‫رسمها ، استبعدت الفساد و المحسوبية والرشوة والخلل‬
‫في البرامج التنموية ، واعتقدت أن تقريرا صحفيا في‬
‫إحدى الصحف األجنبية أو الفضائيات من شأنه أن‬
                            ‫يغطي عن الحقائق الملموسة.‬
‫إن أفضل صورة لتونس في الخارج منذ االستقالل تلك‬
‫التي رسمها الشعب التونسي بكافة مكوناته من 14‬
‫ديسمبر 1413 إلى 14 جانفي 4413 ، صورة أصلية‬
‫عكست إرادة الشعب التونسي في التغيير و التمسك بقيم‬
              ‫الحرية و الديمقراطية والعدالة االجتماعية .‬
‫برز في تلك الصورة أبناء الشعب التونسي ، برز محمد‬
‫البوعزيزي الذي أضرم النار في جسده ليمهد الطريق‬
‫أمام ثورة أسقطت مؤسسات حكمت 23 سنة ،وبرزت‬
‫صورة أبناء سيدي بوزيد و القصرين وتالة و الشمال‬
                          ‫72‬
‫الغربي و األحياء الفقيرة ينتفضون ضد الحيف‬
‫االجتماعي ، وبرزت صورة الحناجر تهتف يوم 14‬
                                     ‫جانفي "ديقاج" .‬
‫هذه الصورة األصلية التي رسمها الشعب التونسي‬
‫أسقطت أيضا الصورة المركبة التي حاول النظام السابق‬
‫رسمها من خالل شراء التقارير الصحفية في وسائل‬
‫اإلعالم األجنبية وفرض الوصاية على اإلعالم المحلي ،‬
‫وإبراز "المكاسب و االنجازات" والتقليل من حدة‬
‫المشاكل السياسية و االقتصادية واالجتماعية.‬
‫في المحصلة أثبتت ثورة 14 جانفي أن الصورة األصلية‬
‫وحدها القادرة على اإلشعاع ، أما الصورة المركبة فإنها‬
                       ‫غير قادرة على الصمود طويال.‬




                         ‫82‬
‫مؤامرة" المعارضة إلسقاط الحكومة أم "مؤامرة"‬
           ‫الحكومة إلسقاط المعارضة‬

‫ين التأكيد و التشكيك يراوح الجدل في تونس مكانه حول‬
‫"المؤامرة" إلسقاط حكومة 23 أكتوبر المنتخبة ، ال‬
‫المسؤولين في الحكومة الذين أثاروا الملف قدموا‬
‫اإلثباتات و الدالئل و األطراف المورطة ، وال المشككين‬
‫تمكنوا من اإلقناع بغيابها أصال.وفي الحقيقة يعكس هذا‬
‫الجدل في جانب منه ما بلغته حالة التجاذب بين الفرقاء‬
‫السياسيين بعد انتخابات 23 أكتوبر التي فازت فيها‬
‫حركة النهضة اإلسالمية بأغلب المقاعد في المجلس‬
                                     ‫الوطني التأسيسي.‬

‫حركة النهضة تقول إن الخاسرين في االنتخابات أو‬
‫"جماعة صفر فاصل" كما يحلو ألنصارها أن يصفوهم‬
‫، لم يقبلوا نتائج صناديق االقتراع ويعملون من أجل‬
‫عرقلة عمل الحكومة من خالل التحريض على‬
‫االعتصامات و اإلضرابات وخلق مناخ متوتر ، وفي‬
‫المقابل ترفض األحزاب اليسارية والوسطية المتهمة‬
‫بعرقلة عمل الحكومة االتهامات الموجهة لها و تعتبر أن‬
‫حكومة 23 أكتوبر هي المسؤولة عن حالة الالاستقرار‬
‫االجتماعي لعدم تعاطيها مع الملفات االقتصادية‬
‫واالجتماعية ألوسع فئات المجتمع ، وتذهب إلى حد‬
                         ‫92‬
‫اعتبار أن الحكومة ال تملك برنامجا واضح المعالم من‬
              ‫شأنه أن يُخرج البالد من عنق الزجاجة.‬

‫ورغم أن هذا الجدل لم يكن غائبا عن المشهد السياسي‬
‫العام في تونس منذ سقوط زين العابدين بنعلي ، فقد سبق‬
‫أن وجّهت الحكومة األولى للسيد محمد الغنوشي‬
‫االتهامات ذاتها لخصومها السياسيين وكذلك فعلت‬
‫الحكومة الثانية للسيد الباجي القائد السبسي، رغم ذلك‬
‫لم ُتلق المؤامرة بضاللها على المشهد في تونس ولم يتم‬
‫التسويق لها كما هو الحال بالنسبة للحكومة الحالية .وذلك‬
                             ‫على األقل لألسباب التالية:‬

‫‪‬إن حكومة 23 أكتوبر هي حكومة منتخبة تستمد‬
‫شرعيتها من صناديق االقتراع وهو ما يعني أن التآمر‬
                       ‫عليها، هو تآمر على الشرعية.‬

‫‪‬إن حكومة 23 أكتوبر عملت منذ أن تولت تسيير‬
‫شؤون البالد إلى خلق قاعدة فرز جديدة بين الفاعلين‬
‫السياسيين تقوم على من مع الشرعية ومن ضدها ، بعد‬
‫أن كانت قبل انتخابات المجلس الوطني التأسيسي بين من‬
‫مع استكمال مهام الثورة وبين من يعمل على االلتفاف‬
                                            ‫عليها.‬

                          ‫03‬
‫‪‬إن حكومة 23 أكتوبر على خالف الحكومتين األولى‬
‫والثانية، تستند إلى قاعدة واسعة من األنصار و‬
‫المتعاطفين تدافع عنها وتروج لخطابها بما في ذلك القول‬
   ‫إن مؤامرة تُحاك ضد الحكومة إلضعافها و إسقاطها.‬

‫ال بد من القول إن الحديث عن مؤامرة تشترك فيها‬
‫"أطراف تدعي الديمقراطية وعدد من رموز النظام‬
‫السابق وجهات خارجية " هو من أخطر االتهامات التي‬
‫وجهت ألطراف سياسية منذ 17 جانفي 7720 ، ألنها‬
‫ترتقي إلى مستوى التآمر على أمن الدولة و البالد مع ما‬
‫يعميه ذلك من ضرورة لمحاكمة األطراف المورطة‬
                               ‫على قاعدة هذه التهمة .‬

‫غير أن عدة إشكاالت حقيقية تطرح حول جدية هذا‬
            ‫االتهام، بل حول وجود مؤامرة، من ذلك:‬

‫‪‬إن الجهات المتهمة غير معلومة إلى حد اآلن وترفض‬
                                  ‫ُ‬
‫األطراف التي تتحدث عن المؤامرة الكشف عنها رغم‬
‫تصاعد نسق الحديث عن هذه المؤامرة وخطورتها.‬
‫‪‬إن الفريق الحكومي غير متفق على وجود مؤامرة‬
‫بالحجم الذي تحدث عنه كل من المستشار السياسي‬
                      ‫لرئيس الحكومة ووزير النقل.‬

                         ‫13‬
‫‪‬إن مسؤوال في وزارة الداخلية أكد غياب المؤامرة بل‬
‫وذهب إلى حد القول إن الحديث عنها يدخل في خانة‬
                                       ‫حرية التعبير.‬

‫‪‬إن األطراف التي قد تكون معنية ضمنيا بتهمة التآمر‬
‫تطالب الحكومة بالكشف عن خيوط هذه المؤامرة و‬
                                         ‫تفاصليها.‬

‫وعليه فإن الصورة كالتالي: جزء من الحكومة يتحدث‬
‫عن مؤامرة وجزء آخر ينفيها، معارضة تطالب بالكشف‬
‫عن المؤامرة فيأتي الرد سيكون ذلك في الوقت المناسب،‬
‫لكن دون توضيح هل الوقت المناسب للجزء من‬
‫الحكومة الذي يتحدث عن المؤامرة أم الوقت المناسب‬
                                   ‫لمصلحة تونس؟‬




                         ‫23‬
‫مؤتمر النهضة ..مؤتمر التمكن من الحكم‬
‫في كلمته في افتتاح المؤتمر التاسع لحركة النهضة ،‬
‫الذي لم تحضره أغلب قيادات أحزاب السياسية بما في‬
‫ذلك شريك النهضة في الحكم المؤتمر من أجل‬
‫الجمهورية ، وجه السيد حمادي الجبالي رسالة غير‬
‫مشفرة إلى المؤتمرين، هي الفوز في االنتخابات‬
                     ‫التشريعية المقبلة بأغلبية مريحة‬
‫األمين العام لحركة النهضة يدرك ما يقول وإن جاءت‬
‫رسالته بعد كلمة رئيس الحركة السيد راشد الغنوشي‬
‫الذي وجه رسائله إلى المجتمع السياسي عموما داعيا‬
                        ‫للوفاق و الشراكة و الوحدة‬
‫بين الرسالتين سلك متين ال تستطيع حركة النهضة ردمه‬
‫: الوفاق و الشراكة مع مكونات المجتمع السياسي دون‬
‫ضغوط التحالفات وما تفرضه من تنازالت .وهو الدرس‬
‫الذي ربما استفادت منه حركة النهضة من تجربتها‬
‫القصيرة في الحكم مع حزبي التكتل الديمقراطي‬
                       ‫والمؤتمر من أجل الجمهورية‬


                         ‫33‬
‫ويبدو أن رسالة السيد حمادي الجبالي وصلت إلى‬
‫المؤتمرين واضحة دون تشويش ، كل الخالفات و‬
‫التباينات في تقييم مختلف المحطات التي مرت بها حركة‬
‫النهضة يجب أن ال تُبعد البوصلة عن وجهتها الصحيحة‬
‫أي االنتخابات المقبلة التي ستعطي للحركة شرعية حكم‬
‫أقوى من الشرعية المؤقتة التي منحتها لها انتخابات 23‬
                                       ‫أكتوبر 4413 .‬
‫الحركة التي جاءت إلى الحكم بغبار السرية و الهجرة ال‬
‫يمكن أن تفرط فيه بعد أن المست معنى الحكم وإن‬
‫بشرعية يمنحها نظام مؤقت للسلطات العمومية . هذا‬
‫يجعلنا نفهم لماذا تمت الدعوة إلى مؤتمر استثنائي بعد‬
‫سنتين ولماذا تم تأجيل فتح عدد من الملفات الداخلية لهذا‬
                                               ‫المؤتمر.‬
‫في كلمة المؤتمر التاسع لحركة النهضة الذي انعقد تحت‬
‫شعار " مستقبلنا بين أيدينا" هو مؤتمر التمكن من الحكم‬
                                                    ‫.‬




                          ‫43‬
‫حول جدل التعويض للمساجين السياسيين:‬
  ‫الخطاب ال يغير الواقع و الملفات الملموسة تتطلب‬
                 ‫حلوال ملموسة‬


‫ال يخلو الجدل حول موضوع التعويضات المادية‬
‫للمساجين السياسيين من جوانب شعبوية مستمدة من حالة‬
‫التجاذب التي يعرفها المشهد السياسي العام في البالد.‬
‫وحصر الجدل في" مع أو ضد التعويض " و انتقاء‬
 ‫األمثلة والمبررات من الجانبين ال أعتقد أنه يدفع بالنقاش‬
‫التعويض المادي و المعنوي لمساجين الرأي هو احد‬
‫مبادئ العدالة االنتقالية وثمة عدة تجارب في هذا الصدد‬
‫منها التجربة المغربية و إن كانت مختلفة عن الوضع‬
‫الذي تمر به حاليا تونس. وبالتالي إن الذين يدعون إلى‬
‫تعويض المساجيين السياسيين في نهاية األمر لم يأتوا‬
    ‫ببدعة ..هذه حقيقة يجب االعتراف بها .‬
‫لكن الحكمة في األداء الحكومي هي القدرة على تحديد‬
‫األولويات وبالنسبة لحكومة "الترويكا" في تونس‬
‫األولوية مازالت أهداف ثورة 14 جانفي 4413 :‬

                           ‫53‬
‫النهوض بالجهات المحرومة التي انطلقت منها الثورة ،‬
‫ملف البطالة والتشغيل ، ملفات شهداء و جرحى الثورة ،‬
                  ‫ُ‬
‫وهي ملفات مازالت لم تعرف بعد طريقها إلى بداية‬
                                           ‫التسوية.‬

‫في سيدي بوزيد ( مهد الثورة التونسية) انطلقت قبل أيام‬
‫احتجاجات عمال الحضائر ، وفي القصرين التي دفعت‬
‫أكبر عدد من الشهداء و الجرحى مقر الوالية (‬
‫المحافظة) مغلق منذ أسابيع ، في الكاف (الشمال الغربي‬
‫) ..الوضع االجتماعي مازال يتسم بالتوتر..وكذلك الشأن‬
                                   ‫في أغلب مدن البالد.‬
‫وعندما يقول أبناء القصرين و سيدي بوزيد و قفصة و‬
‫غيرها من المناطق الداخلية المهمشة أنهم مازالوا‬
‫ينتظرون نصيبهم من التنمية ..وعندما تكون البطالة احد‬
‫الملفات الرئيسية في الوضع االجتماعي في البالد بعد‬
‫أكثر من سنة و نصف من الثورة ..وعندما تؤكد األرقام‬
‫أن الوضع االقتصادي في البالد مازال في مرحلة حرجة‬
‫..وعندما يصيح شهداء و جرحى الثورة أنهم مازالوا في‬


                          ‫63‬
‫انتظار تسوية ملفاتهم ..تكون اإلجابة دائما أن تسوية هذه‬
     ‫الملفات يتطلب سنوات ..وقد يكون األمر كذلك فعال‬
‫في ظل هذا الوضع هل من الحكمة طرح مشروع‬
‫التعويض للمساجين السياسيين ؟ وإعطائه هذه األولوية ؟‬
‫ربما ليس مبالغة التأكيد أن حكومة "الترويكا" تمر هذه‬
‫األيام بأصعب فتراتها بسب الملفات المفتوحة أمامها و‬
‫عليها ، فباإلضافة إلى الوضع االجتماعي و االقتصادي‬
‫استقالة وزير المالية وقبل ذلك إقالة محافظ البنك‬
‫المركزي . ورغم أن الخطاب المعلن للمسؤولين‬
‫الحكوميين يحاول التخفيف من حدة هذه الصعوبات .لكن‬
‫الخطاب ال يغير الواقع ألن الملفات الملموسة تتطلب‬
                                      ‫حلوال ملموسة‬
‫قد تتراجع الحكومة عن أولوية ملف التعويض للمساجين‬
‫السياسيين (ولن تفرط فيه) ، لكنها ال يمكن أن تتراجع‬
‫عن مطالب الفقراء و المحرومين ( وقود الثورة) ألن أي‬
‫تراجع يعني مزيد الصعوبات ، وما حدث في سيدي‬
‫بوزيد قبل أيام هو بمثابة ناقوس إنذار حقيقي لمن يريد‬
                        ‫أن يستوعب الدروس في حينها‬

                          ‫73‬
‫حكومة الترويكا التي تمثل حركة النهضة اإلسالمية‬
‫عمودها الفقري في موقف حرج و الخروج منه يبدأ أوال‬
‫بتخلص هذه "الحكومة السياسية " من ضغوطات‬
‫االنتخابات المقبلة ألن الحكومات دورها التعامل مع‬
‫مطالب مواطنيها االجتماعية و االقتصادية و السياسية‬
‫وليس العمل من أجل مكاسب يتم توظيفها في االنتخابات‬
                                            ‫المقبلة‬




                        ‫83‬
‫تونس …الثورة المغدورة‬
‫بعد أكثر من سنة ونصف من ثورة تونس ، ال يبدو أن‬
‫هناك من استوعب جوهرها أكثر من الذين أشعلوا‬
‫شرارتها ودفعوا بها إلى أن سقط رأس النظام ..إنهم‬
              ‫الفقراء و المهمشين و العاطلين عن العمل.‬
                                      ‫ّ‬
‫جوهر الثورة اجتماعي واقتصادي ،ثورة من أجل التنمية‬
‫العادلة والتوزيع العادل للثروة والحق في التشغيل ،‬
‫لخصها بشكل مكثف وقوي شعار” التشغيل استحقاق يا‬     ‫ّ‬
                                    ‫عصابة السرّاق.”‬
‫ال يمكن ألي جهة في الداخل أو الخارج أن تنفي هذه‬
‫الحقيقة وتعطي للثورة مضمونا آخر غير هذا المضمون‬
‫، وال يمكن ألي طرف أن يعتبر استكمال أهداف الثورة‬
       ‫بعيدا عن هذا المضمون االجتماعي و االقتصادي.‬
‫الفقراء و المهمشون والعاطلون عن العمل استوعبوا‬
                                     ‫ّ‬
‫أكثر من غيرهم جوهر الثورة ألنهم مازالوا بعد أكثر من‬
‫عام ونصف يرفعون المطالب ذاتها ومازال الحق في‬
‫التشغيل والحق في التنمية الشعار الرئيس في‬
‫احتجاجاتهم وان اختلفت القراءات السياسية لهذه‬
         ‫االحتجاجات من الحزب الحاكم إلى المعارضة.‬
                                              ‫****‬
                         ‫93‬
‫لم يستوعب الفاعلون السياسيون في تونس جوهر الثورة‬
‫وقيمتها وإن عبروا عن ذلك ..لقد أضفوا قراءاتهم‬
‫السياسية و اإليديولوجية على حراك الفقراء و المهمشين‬
‫فحادوا بالثورة عن مسارها الحقيقي ، و التجاذبات‬
‫السياسية التي يشهدها المشهد السياسي العام هو أحد‬
                               ‫اإلفرازات المكشوفة.‬
‫ال أحد اجتهد قوال وفعال لمحاصرة هذا التجاذب الذي‬
‫بدأا يتوسع و يتطور ليصل إلى معتقدات الناس و نمط‬
                 ‫عيشهم، يحدث كل هذا باسم الثورة!!‬
‫وأخطر مظاهر هذا التجاذب زرع بذور الفتنة بين‬
‫التونسيين على خلفية انتماءاتهم و معتقداتهم ، وما فشل‬
‫االستعمار المباشر وغير المباشر في تحقيقه ثمة اليوم‬
             ‫من ينفخ في الشرارة لتلتهم وحدة التونسيين.‬
‫ماحدث في القيروان وقابس و بنزرت هو نفخ في شرارة‬
‫الفتنة وضرب لوحدة التونسيين وطعن للثورة في الظهر.‬
‫بعد أكثر من عام ونصف من انجاز التونسيين لثورتهم‬
‫التي هزت العالم..تبدو الثورة التونسية مطعونة ومغدورة‬




                          ‫04‬
‫" اكبس" ..لفك الضغط على الحكومة !!‬
‫أن تكون حملة " اكبس" (أي اضغط) ، مبادرة من‬
‫داخل حركة النهضة أو من خارجها، ذلك أمر غير‬
‫مهم ، المهم هو هل أن هذه المبادرة لدعم الحكومة‬
‫أم للضغط عليها من أجل انجاز أهداف الثورة.‬
‫جاءت حملة " اكبس" في فترة تزايدت فيها‬
‫االنتقادات ألداء الحكومة وخاصة ضعفها في‬
‫التعاطي مع ملفات التنمية وكشف ملفات الفساد و‬
‫فرض األمن ، وربما أكثر هذه االنتقادات رمزية‬
‫ما جاء على لسان رئيس الجمهورية ذاته الذي‬
‫حذر من ثورة ثانية في مناسبة أولى و لمح إلى‬
       ‫ّ‬
‫خطورة هيمنة حركة النهضة على مفاصل الدولة‬
                               ‫في مناسبة ثانية.‬

‫و المتابع ألداء الحكومة يالحظ أن أغلب‬
‫االنتقادات الموجهة إليها ، لم تأت من فراغ ،‬
‫فالوقائع الميدانية تؤكد أن هذا األداء مازال لم‬
‫يرتق إلى ما انتظره أبناء الجهات الفقيرة‬
‫والمحرومة و شهداء وجرحى الثورة و إلى ما‬
                    ‫انتظره ضحايا الفساد ..الخ.‬

‫حاولت الحكومة في أكثر من مناسبة تبرير ضعف‬
                      ‫14‬
‫أدائها مرة بـ" الثورة المضادة" وبإرباك‬
‫المعارضة ألدائها ، وأخرى بحجم الملفات التي‬
‫ورثتها عن النظام السابق وأيضا عن الحكومة التي‬
‫سبقتها( حكومة السيد الباجي القايد السبسي) ،‬
‫وأحيانا بالقفز إلى األمام والقول - رغم ذلك- أن‬
‫الحكومة الحالية هي األقوى في تاريخ تونس منذ‬
‫االستقالل ، دون أن تقدم ما يؤكد ذلك باستثناء أنها‬
                          ‫حكومة شرعية ومنتخبة.‬

‫وال يبدو أن هذه التبريرات وجدتها صداها القوي‬
‫لدى عموم الشارع في تونس ، فأبناء الجهات‬
‫الداخلية المحرومة الذين لم يكفوا عن االحتجاج‬
‫رفضوا أن تفسر احتجاجاتهم بأنها من أفعال الثورة‬
‫المضادة ، والمعارضة رفضت دائما أن يتم تفسير‬
‫كل ما يحدث من حراك في الشارع بأنه مؤامرة‬
                           ‫منها إلسقاط الحكومة .‬

‫مثلت هذه العومل عناصر ضغط حقيقية على‬
‫الحكومة ( بالتونسي نقول "كبسة" ) ، ثم أنضاف‬
‫إليها عنصر آخر ال يقل أهمية ،هو اقتراب موعد‬
‫23 أكتوبر الذي تعتبر عديد األطراف أنه موعد‬
‫انتهاء الشرعية االنتخابية للحكومة حسب المرسوم‬
‫الذي نظم انتخابات المجلس الوطني التأسيسي.‬
                       ‫24‬
‫في هذا اإلطار وفي هذا التوقيت جاءت حملة "‬
‫اكبس" رافعة شعارات المحاسبة و التطهير وفتح‬
‫ملفات الفساد ، وهي من الشعارات الرئيسية للثورة‬
‫واليمكن معارضتها ، إنما من المفروض دعمها و‬
‫االنخراط فيها من المعارضة التي رفعت هذه‬
‫الحكومة.‬           ‫لمحاججة‬           ‫الشعارات‬
‫لكن دائما بين الشعارات و األفعال مساحة ،‬
‫فشعارات المحاسبة و التطهير التي رفعتها حملة‬
‫"اكبس" ، اثبت األفعال ( وقفة الجمعة 42 أوت‬
‫في العاصمة- وقفة السبت 4 سبتمبر في صفاقس)‬
‫أنها في جانب منها ال تختلف عن التبريرات التي‬
‫كانت تقدمها الحكومة من كونها عرضة للمؤامرة‬
‫من المعارضة و من الثورة المضادة..بل أن عديد‬
‫الشعارات التي رفعت في هذه التظاهرات كانت‬
‫موجهة للمعارضة وتدعم الحكومة و حضور‬
‫بعض المسؤولين الحكوميين ضمنها هو دليل قوي‬
                                             ‫.‬

‫فهل الحكومة الشرعية في حاجة لالنخراط في‬
‫حملها تحثها على فتح ملفات الفساد ؟ وهل الحزب‬
‫الحاكم ( حركة النهضة) في حاجة للنزول للشارع‬
‫للضغط على الحكومة التي شكلتها؟‬
‫حملة " اكبس" قد تكون فكرتها تتماشى و أهداف‬
                      ‫34‬
‫الثورة ، لكن أدائها يشير أنها لدعم الحكومة و‬
                  ‫الضغط على الشارع ليدعمها‬




                     ‫44‬
‫"الوفاق" بعد 23 أكتوبر..بين قوة الشعار وعراقيل‬
                     ‫الواقع‬


‫قبل أسابيع من موعد 23 أكتوبر 3413 ، بدأت مساحة‬
  ‫النقاش حول مستقبل حكومة "الترويكا " في‬
‫تونس تتوسّع ، بين من يعتقد أن الشرعية االنتخابية التي‬
‫تستند إليها هذه الحكومة تنتهي بحلول التاريخ المذكور‬
‫،وبين من يتمسك بشرعيتها إلى حين انتهاء المجلس‬
                   ‫الوطني التأسيسي من إعداد الدستور.‬
‫النقاش يتداخل فيه القانوني مع السياسي مع االلتزام‬
‫األخالقي ( وثيقة 14 سبتمبر 4413) ،ويشمل إلى جانب‬
‫الفاعلين السياسيين المعنيين بممارسة الحكم ،‬
            ‫ّ‬
‫األخصائيين في القانون الدستوري ، كل يقدم حججه‬
‫ومبرراته لما يمكن أن تكون عليه مرحلة ما بعد 32‬
‫أكتوبر ، دون التوصل إلى حد اآلن إلى وفاق حقيقي‬
                 ‫يحدد عناصر هذه المرحلة ومسارها.‬
                                           ‫****‬
‫غياب الوفاق له ما يفسره على أرض الواقع، وأيضا في‬
                         ‫54‬
‫العالقة بين األحزاب السياسية ألن هذا الجدل حول ما‬
‫بعد 23 أكتوبر يجري في مناخ سياسي يتسم ب:‬
‫.غياب إطار واضح للحوار الوطني بين الفاعلين‬
‫السياسيين وكافة المتدخلين في الشأن الوطني ،وهو‬
‫اإلطار الذي لم تحرص حكومة "الترويكا" على بعثه‬
                           ‫رغم النداءات المتكررة.‬
‫.ارتفاع نسق التجاذبات السياسية استعدادا لالنتخابات‬
‫المقبلة خاصة أن كافة األحزاب بدأت تعدل بوصلتها‬
‫على االنتخابات المقبلة المزمع تنظيمها بعد االنتهاء من‬
                                       ‫إعداد الدستور.‬
‫.تباين في تقييم فترة حكم "الترويكا "، بين المعارضة‬
‫التي تصفها بالفاشلة لعدم قدرة الحكومة على التعاطي مع‬
‫أهم ملفات استحقاقات الثورة ، وبين الحكومة التي تعتبر‬
‫أنها كانت عرضة لتعطيل دورها وعرقلة نشاطها‬
                       ‫والتآمر عليها من أجل إسقاطها.‬
‫ويجري هذا النقاش أيضا في ظل مناخ اقتصادي و‬
‫اجتماعي يتسم بالهشاشة و االضطراب ، فإلى جانب‬
‫تواصل اإلضرابات و االعتصامات، خاصة في الجهات‬

                         ‫64‬
‫الداخلية ، تشير التقارير االقتصادية إلى صعوبة الظرف‬
‫االقتصادي في تونس وحاجته إلى مناخ من األمن و‬
                         ‫االستقرار لينتعش و ينمو.‬
‫وإضافة إلى ذلك فإن ملف العنف في المجتمع و التباين‬
‫الواضح بين الحكومة و المعارضة في تفسير دوافعه‬
‫وأسبابه وحدود مسؤولية الحكومة في توسّعه وانتشاره‬
‫أصبح بدوره عنصرا هاما ال يمكن التغافل عنه ، خاصة‬
‫أن الملف كانت له خالل المدة األخيرة تداعيات ملموسة‬
‫على صورة تونس في الخارج ( االعتداءات على‬
                ‫المبدعين – حادثة السفارة األمريكية.)..‬
                                               ‫****‬
‫في ظل هذا المناخ يدور الجدل و النقاش حول مرحلة‬
‫دقيقة من مراحل االنتقال الديمقراطي في تونس ، و ال‬
‫نعتقد أن أي نقاش مهما كانت إرادته جدية ونواياه‬
‫صادقة يمكن أن يفضي إلى وفاق إذا لم يتم تخليص‬
‫المشهد العام في البالد من العناصر و األسباب التي تعيق‬
                     ‫الوصول إلى قاعدة توافق حقيقية‬


                          ‫74‬
‫ونعتقد أن التأسيس آللية حوار وطني تجمع كافة الفاعلين‬
‫السياسيين تمثل الخطوة األولى المطلوبة حاليا ، وتتحمل‬
‫الحكومة المسؤولية في الحرص على بعثها ضمانا لسد‬
       ‫األبواب أمام أي مأزق جديد يمكن أن يهدد البالد .‬




                          ‫84‬
‫النهضة والسلفيون: التصادم غير المتكافئ‬
‫عندما دوى رصاص السلفية الجهادية في احدى‬
‫الضواحي الجنوبية للعاصمة التونسية في كانون‬
‫أول/ديسمبر 2006، انطلق الجدل بين النخب والفاعلين‬
‫السياسيين حول حجم هذا التيار واألسباب الخاصة‬
‫لظهوره. وكان للسيد راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة‬
‫رأيا في هذا الموضوع عبر عنه من مقر اقامته وقتها في‬
‫لندن قائال أن ما ظهر من السلفية هو "رأس جبل‬
                                           ‫الجليد".‬
‫الذين تابعوا ذلك الجدل والنقاش اعتبروا أن رأي‬
‫الغنوشي تضمن رسائل متعددة الى نظام بن علي.‬
‫الرسالة األولى تحذر من توسع قاعدة السلفية الجهادية‬
‫في البالد، والثانية تحاول إقناعه أن "ال مفر من التعاطي‬
              ‫مع االسالم المعتدل" في مواجهة التطرف.‬
‫عموما لم يكن موقف حركة النهضة (وهي في‬
‫المعارضة وقيادتها في الخارج) من السلفية الجهادية‬
‫بعيدا عن هذه الرؤية المستمدة أصال من مواقف حكومية‬
‫ودولية ظهرت بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 1006،‬
‫دفعت في اتجاه المزيد من التعاطي مع االسالم السياسي‬
                                            ‫المعتدل.‬
                          ‫94‬
‫بعد 11 كانون الثاني/يناير 1106 وهروب زين‬
‫العابدين، تغير المشهد السياسي في تونس، ووجدت‬
‫حركة النهضة نفسها طرفا أساسيا في المعادلة الجديدة،‬
‫ليس من موقع المعارضة وإنما من موقع أحد المكونات‬
‫الرئاسية للوفاق الذي حكم تونس في مرحلة أولى، ثم من‬
‫موقع الحزب الحاكم بعد انتخابات 26 تشرين‬
                                   ‫أول/أكتوبر 1106.‬
‫في المقابل برز الملف السلفي على سطح المشهد الجديد‬
‫بعد العفو عن الذين شاركوا في المواجهة المسلحة في‬
‫2006 والبروز العلني لعدد من قياداتهم وحضورهم‬
                        ‫الميداني في أكثر من محطة.‬
‫وبدا واضحا لكافة المراقبين أن مسار حركة النهضة في‬
‫التعاطي مع الوضع في تونس لن يكون هو مسار التيار‬
‫السلفي، فقد اختارت حركة النهضة دخول اللعبة‬
‫السياسية الجديدة من بابها الكبير مع ما تفرضه من‬
‫تحالفات وتنازالت وتوافقات، هدفها الوصول الى‬
                   ‫السلطة من بوابة العملية االنتخابية.‬
‫اختار التيار السلفي االستفادة من حضوره العلني‬
 ‫الفتكاك مواقع ميدانية دون التورط في العملية السياسية.‬
‫برز ذلك من خالل سيطرة السلفيين على العديد من‬
‫المساجد وخوضهم لمعركة النقاب في الجامعة التونسية‬
                          ‫05‬
‫الى جانب النشاط االجتماعي في عديد األحياء الفقيرة‬
                         ‫والجهات الداخلية المحرومة.‬
‫ورغم التباين الظاهري بين المسارين، فإن كل طرف‬
‫حاول االستفادة من مسار الطرف اآلخر، لتأكيد معطى‬
‫روج له بعض مشايخ وحكومات الخليج، وهو أن ثورات‬   ‫ّ‬
‫الربيع العربي هي ثورات إسالمية، سترد االعتبار‬
                   ‫لمكانة االسالم ودوره في المجتمع.‬
‫هذا ما يفسر غياب التصادم بين حركة النهضة و التيار‬
‫السلفي في أكثر من محطة. وقد حرصت حركة النهضة‬
‫(المنخرطة في العملية السياسية) على تأجيل هذا‬
‫التصادم، وهو تأجيل تحركه اعتبارات سياسية تقود‬
‫الحزب الحاكم الجديد الذي عمل على توسيع قاعدة حزام‬
‫المتعاطفين مع "مشروع الحكم اإلسالمي " في مواجهة‬
‫المشروع العلماني. وربما تطلب األمر غض الطرف‬
‫عن التجاوزات التي يقوم بها السلفيون. من ذلك‬
‫سيطرتهم بالقوة على المساجد وهجومهم على الحانات‬
          ‫وغلقها بالقوة ومنعهم لعديد التظاهرات الثقافية.‬
‫اقصى ما كان يصدر عن حركة النهضة والمسؤولين‬
‫الحكوميين أن التعاطي مع السلفيين يكون فقط بالحوار.‬
‫حيث تحدث زعيم الحركة السيد راشد الغنوشي في أكثر‬
‫من مناسبة عن ضرورة الحوار مع السلفيين، لكن دون‬
                          ‫15‬
‫أن تبرز نتائج هذا الحوار باستثناء التصريحات التي‬
‫أدلى بها في بعض المناسبات بعض زعماء ما يُعرف بـ‬
                                 ‫"السلفية العلمية".‬
‫لكن أمام توسع حجم تجاوزات السلفيين وتراخي السلطة‬
‫التنفيذية لوضع حد لهذه التجاوزات، تحرك المجتمع‬
‫المدني في تونس للتشهير بالطرفين، ووصلت أصداء‬
‫ذلك الى االعالم االجنبي. وأصبحت صورة الثورة‬
‫التونسية التي وصفت بثورة الياسمين وثورة الحرية و‬
          ‫الكرامة، مرتبطة بما أفرزته من عنف سلفي.‬
‫وما أحرج بالدرجة األولى حركة النهضة، خاصة، تفاقم‬
‫األوضاع االقتصادية واالجتماعية الهشة التي تتطلب‬
                ‫تدفق االستثمارات وانجاز المشاريع.‬
‫إن الضغط الداخلي على حركة النهضة من طرف‬
‫المجتمع المدني والمجتمع السياسي الى جانب الضغط‬
‫الدولي دفع الحكومة للتلويح بالتصادم مع السلفيين.‬
‫وكانت أولى تلميحات النهضويين أن جزء منهم‬
‫(السلفيين) هم "صنيعة النظام السابق" وأن من يحركهم‬
‫هم "فلول النظام السابق" الى التأكيد أنهم يخدمون‬
‫"أجندة الثورة المضادة"، ثم انطلقت حملة اعتقاالت‬
‫شملت بعض عناصر هذا التيار على خلفية تورطهم في‬
                                     ‫أعمال عنف .‬
                        ‫25‬
‫هذه الحملة وإن يعتبرها مراقبون ال ترتقي إلى ما‬
‫يستحقه هذا الملف من تعامل، إال أنها أعادت كل من‬
‫حركة النهضة والتيار السلفي إلى بداية مسارهما في‬
                      ‫التعاطي مع الوضع في تونس.‬
‫حركة النهضة بينت أنها الحركة السياسية المنخرطة في‬
‫اللعبة السياسية مع ما يتطلب ذلك من تقديم تنازالت حتى‬
‫على حساب أقرب التيارات الفكرية واإليديولوجية اليها،‬
‫من أجل ضمان استمرارها في السلطة. أما التيار السلفي‬
‫الذي يرفض االنخراط في السياسة الوضعية، يبدو أنه‬
                        ‫اختار سياسة الهروب إلى األمام.‬
‫اليمكن التكهن بنتائج هذا التصادم والدرجة التي يمكن أن‬
‫يبلغها. ليس من ناحية التيار السلفي الذي بين منذ ظهوره‬
‫العلني أنه ثابت على مواقفه وإنما من ناحية حركة‬
‫النهضة التي لم تخف أنها حركة براغماتية تتعامل مع‬
‫الوضع من خالل موازين القوى وما يضمن لها‬
                               ‫االستمرار في السلطة .‬




                          ‫35‬
‫حملة "اكبس".. االنتخابية‬
‫في جميع تحركاتهم حرص منظمو حملة "اكبس" على‬
‫التذكير بأنها مستقلة ال ترتبط بحزب "النهضة"‬
‫اإلسالمي، وأنها عنوانها الكبير هو الضغط على‬
      ‫الحكومة "من أجل تسريع تحقيق أهداف الثورة".‬
‫لكن النشاطات التي انطلقت قبل أسابيع في العاصمة‬
‫تونس وبلغت ذروتها في السابع من أيلول/سبتمبر‬
‫الجاري في اعتصام ساحة القصبة قرب مقر رئاسة‬
‫الحكومة تضع عالمات استفهام كبيرة على مزاعم‬
                                    ‫االستقاللية.‬
‫خمسة آالف جلّهم من أنصار التيار اإلسالمي شاركوا‬
‫في التظاهرة، كان يتقدمهم أحد أبرز قيادات النهضة‬
‫الحبيب اللوز والمستشار السياسي لرئيس الحكومة لطفي‬
                                           ‫زيتون.‬
‫الشعارات التي هتف بها المشاركون في القصبة كانت‬
‫هي نفسها التي حملها الحزب الحاكم في المجلس الوطني‬
‫التأسيسي. مهاجمة اإلعالم واإلعالميين جاءت بالطريقة‬
‫ذاتها التي تتردد على ألسنة المسؤولين في الحكومة، ما‬
‫يجعل من "اكبس" حلقة جديدة في سلسلة دعم الحكومة‬
 ‫المؤقتة ومساندتها في مواجهة االنتقادات الموجهة إليها.‬
                          ‫45‬
‫جاءت هذه المبادرة في فترة تزايدت فيها االنتقادات‬
‫ألداء الحكومة وخاصة ضعفها في التعاطي مع ملفات‬
‫التنمية وكشف ملفات الفساد و فرض األمن. ربما أكثر‬
‫هذه االنتقادات رمزية ما جاء على لسان رئيس‬
‫الجمهورية المؤقت ذاته الذي حذر من ثورة ثانية في‬
‫مناسبة أولى، ولمح إلى خطورة هيمنة حركة النهضة‬
                                     ‫ّ‬
                   ‫على مفاصل الدولة في مناسبة ثانية.‬


‫المتابع ألداء الحكومة يلحظ أن أغلب االنتقادات الموجهة‬
‫إليها لم تأت من فراغ، فالوقائع الميدانية تؤكد أن هذا‬
‫األداء مازال لم يرتق إلى ما انتظره أبناء الجهات الفقيرة‬
‫والمحرومة وشهداء وجرحى الثورة وما انتظره ضحايا‬
                                                ‫الفساد.‬
‫حاولت الحكومة في أكثر من مناسبة تبرير ضعف أدائها‬
‫مرة بـ" الثورة المضادة" وبإرباك المعارضة ألدائها،‬
‫وأخرى بحجم الملفات التي ورثتها عن النظام السابق‬
‫وأيضا عن الحكومة التي سبقتها (حكومة السيد الباجي‬
‫القايد السبسي)، وأحيانا بالقفز إلى األمام والقول - رغم‬
‫ذلك- أن الحكومة الحالية هي األقوى في تاريخ تونس‬
‫منذ االستقالل، دون أن تقدم ما يؤكد ذلك باستثناء أنها‬
                               ‫حكومة شرعية ومنتخبة.‬
                          ‫55‬
‫ال يبدو أن هذه التبريرات وجدت صداها القوي لدى‬
‫عموم الشارع في تونس، فأبناء الجهات الداخلية‬
‫المحرومة الذين لم يكفوا عن االحتجاج رفضوا أن تفسر‬
‫احتجاجاتهم بأنها من أفعال الثورة المضادة، والمعارضة‬
‫رفضت دائما أن يتم تفسير كل ما يحدث من حراك في‬
‫الشارع بأنه مؤامرة منها إلسقاط الحكومة .‬

‫هذه العوامل مثّلت عناصر ضغط حقيقية على الحكومة.‬
‫يضاف إلى كل ذلك عنصر آخر ال يقل أهمية، هو‬
‫اقتراب موعد 26 تشرين أول/ أكتوبر، وهو موعد‬
‫انتهاء الشرعية االنتخابية للحكومة، حسب المرسوم الذي‬
‫نظم انتخابات المجلس الوطني التأسيسي قبل أقل من‬
                                              ‫سنة.‬
‫في هذا اإلطار وفي هذا التوقيت جاءت حملة "اكبس"‬
‫التي لم يعد خافيا أنها حملة أنصار الحكومة لدعم‬
‫الحكومة وحملة أنصار حركة النهضة إلبراز أن‬
                ‫حركتهم مازال لها قاعدتها الشعبية.‬
‫حملة "اكبس" كما أرادها منظموها اكتفت إلى حد اآلن‬
‫بوقفة احتجاجات، لكن حملة "اكبس" الحقيقية التي‬
‫يمارسها العاطلون عن العمل وأبناء الجهات الداخلية‬

                        ‫65‬
‫المحرومة و أبناء األحياء الفقيرة الذين كانوا وقود ثورة‬
                 ‫11 كانون ثاني/ يناير مازالت مستمر‬


          ‫تونس ..عاصمة إلضرابات الجوع‬
‫بعد أكثر من سنة ونصف على سقوط النظام السابق،‬
‫مازالت اضرابات الجوع في تونس تسجل حضورا بقوة.‬
‫فقد دخل أعضاء من المجلس الوطني التأسيسي‬
‫(البرلمان) مطلع تشرين أول/ اكتوبر الجاري إضرابا‬
‫عن الطعام احتجاجا على حملة مداهمات واعتقاالت‬
‫شملت متظاهرين من مدينة منزل بوزيان التي قدمت‬
                      ‫أول شهيد في الثورة التونسية.‬
‫كما قام شيوخ وعجائز بعضهم تجاوز العقد الثامن،‬
‫بإضراب عن الطعام في المدينة ذاتها للمطالبة بإطالق‬
‫سراح أبنائهم، الذين احتجوا وتظاهروا للمطالبة بالحق‬
                 ‫في التشغيل ونصيب الجهة من التنمية.‬
‫صحفيون وصحافيات من دار الصباح وصحيفة السور‬
‫األسبوعية، أيضا دخلوا في اضراب جوع دفاعا عن‬
‫استقاللية المؤسسات االعالمية وعن حق الصحف في‬
                            ‫اإلعالنات العمومية.‬
                          ‫75‬
‫وقبل ذلك كان عشرات من جرحى الثورة وعائالت‬
‫الشهداء ومن العاطلين عن العمل دخلوا في اضرابات‬
                ‫عن الطعام في أكثر من مدينة وقرية.‬
‫صدى هذه االضرابات وصل الى وسائل االعالم‬
‫االجنبية في مشهد يذكر تماما بما كان عليه األمر قبل‬
‫الثورة، حتى أن بعض المسؤولين الجدد رددوا العبارات‬
‫ذاتها التي كان يرددها المسؤولون السابقون "ثمة من‬
           ‫يعمل على تشويه صورة تونس في الخارج".‬
‫بدأت قصة التونسيين مع اضرابات الجوع عندما أصبح‬
‫هذا الخيار هو الوسيلة الوحيدة أمام الحقوقيين والناشطين‬
‫السياسيين واالعالميين لمواجهة االستبداد، وهو خيار‬
‫صعب ألنه يضع حياة المضرب عن الطعام أمام خطر‬
‫معلوم، لكنه كان الخيار الذي ال مفر منه في مواجهة‬
                    ‫االستبداد والتضييق على الحريات.‬
‫وتمكن التونسيون بدء من سنة 0006 من مراكمة‬
                             ‫ً‬
‫تجربة نوعية في تنظيم هذا النوع من االضرابات، ففي‬
‫تلك السنة أضرب الصحفي توفيق بن بريك عن الطعام‬
‫احتجاجا على منعه من الكتابة وهو اضراب كسر حاجز‬
‫الخوف لدى العديد من التونسيين وفتح األبواب أمام‬
‫سلسلة أخرى من االضرابات يبقى أهمها اضراب 11‬
‫أكتوبر 2006 الذي شارك فيه حقوقيون وناشطون‬
                          ‫85‬
‫سياسيون وإعالميون من ضمنهم وزير حقوق االنسان‬
                ‫والعدالة االنتقالية الحالي سمير ديلو.‬
‫كان هذا االضراب هو األهم ألنه وحّد المعارضة‬
‫السياسية باختالف مرجعياتها االيديولوجية وجمع‬
  ‫ّ‬
‫الحقوقيين واالعالميين حول مطالب حرية االعالم‬
                               ‫وحرية التنظيم.‬
‫وأضربت أيضا المحامية والحقوقية راضية النصراوي‬
‫أكثر من ثالثين يوما احتجاجا على المضايقات التي‬
‫تعرضت لها، وأضرب في السجون مساجين حركة‬
‫النهضة، وهي االضرابات التي قال عنها الناشط‬
‫الحقوقي السوري هيثم مناع إنها "األطول في السجون‬
                                      ‫األفريقية".‬
‫لقد ساهمت هذه االضرابات، وقتها، في وضع ملف‬
‫حقوق االنسان والحريات في تونس تحت المجهر،‬
‫وحظيت بمتابعة في أعلى الهيئات االوروبية‬
‫واألمريكية، وهو ما أحرج كثيرا النظام السابق الذي‬
‫عجز عن رسم صورة أخرى لتونس غير صورة البلد‬
            ‫الذي تنتهك فيه الحريات و حقوق االنسان.‬
‫بعد الثورة، سقطت كافة القيود التي كانت مفروضة على‬
‫الحريات وعلى حقوق االنسان في تونس، ووجد بعض‬
                         ‫95‬
‫من كانوا يشاركون في اضرابات الجوع أنفسهم في‬
‫مواقع قيادية في الدولة، وكأن الثورة كافأتهم على تلك‬
                                         ‫النضاالت.‬
‫الثورة التونسية كانت في جوهرها ثورة على الخيارات‬
‫االقتصادية واالجتماعية للنظام السابق، التي حرمت‬
‫جهات وأقاليم كاملة من تنمية حقيقية، فتوسع الفقر‬
‫وارتفعت نسب البطالة وغرق الشباب في قوارب الموت‬
          ‫نحو الضفة الشمالية للبحر االبيض المتوسط.‬
‫وكان من المفروض أن يعي المسؤولون الجدد الذين‬
‫جاؤوا للحكم من النضال السياسي والحقوقي ومن‬
‫اضرابات الجوع داخل السجون وخارجها، جوهر الثورة‬
‫وبالتالي جوهر انتظارات ابناء الجهات المحرومة‬
 ‫والمهمشة والعاطلين عن العمل و سكان األحياء الفقيرة.‬
‫لكن ما حصل أن كل الحكومات التي تعاقبت منذ 11‬
‫كانون الثاني/يناير 1106 بما في ذلك الحكومة المنتخبة‬
‫يوم 26 اكتوبر 1106، جعلت من االصالحات‬
‫االقتصادية واالجتماعية تحتل مراتب متأخرة في‬
‫أولوياتها، معوضة االجراءات الملموسة بالوعود مرة‬
‫وباإلشارة الى صعوبة ودقة الوضع االقتصادي في‬
                                     ‫أغلب األحيان.‬

                         ‫06‬
‫لم يلمس الشباب الذي كان وقود الثورة ثمار دوره في‬
‫اسقاط النظام السابق، ولم يتغير حال الجهات الداخلية‬
‫التي بقيت محرومة ومهمشة، ولم تفلح الوعود والحلول‬
‫اللفظية في اقناع هؤالء، فكان من الطبيعي أن تبرز من‬
    ‫جديد الحركات االحتجاجية وتتوسع الحركة المطلبية.‬
‫إن المتمعن في التوزيع الجغرافي والقطاعي لهذه‬
‫التحركات يالحظ أنها في الجهات والقطاعات التي‬
                       ‫انطلقت منها شرارة الثورة.‬
‫وقد تعاملت الحكومة الحالية مع هذه التحركات بأساليب‬
‫مختلفة، فمن وصف المحتجين بأدوات "بيد الثورة‬
‫المضادة" و"أزالم النظام السابق" الى استعمال الحل‬
‫االمني، دون أن تتقدم في ايجاد حلول لألسباب الحقيقية‬
          ‫لهذه االحتجاجات أي الحق في الشغل والتنمية.‬
‫ويبقى مثال مدينة منزل بوزيان (محافظة سيدي بوزيد)‬
‫هو األبرز، فقد استعمل ابناء هذه المدينة كافة االشكال‬
‫للفت انتباه الحكومة الى حقيقة أوضاعهم لكن دون‬
‫جدوى، مما اضطرهم الى التصعيد في حركة احتجاجهم‬
‫وهو ما قابلته الحكومة بجملة من المداهمات واالعتقاالت‬
 ‫شملت العديد من الشبان أغلبهم ممن شاركوا في الثورة.‬


                         ‫16‬
‫وأمام هذه االعتقاالت ورفض الحكومة اطالق سراح‬
‫المعتقلين لم يبق اال خيار اضراب الجوع الذي شارك فيه‬
‫شيوخ تجاوز بعضهم عقده الثامن وساندهم أعضاء من‬
                        ‫المجلس الوطني التأسيسي .‬
‫وفي قطاع االعالم ال يبدو االمر مغايرا، فرغم‬
‫التحذيرات التي اطلقها المهنيون وهياكلهم الممثلة من‬
‫محوالت الحكومة إلعادة انتاج الهيمنة على قطاع‬
‫االعالم، ليكون اداة بيدها مثلما كان الشأن قبل ثورة 11‬
                                        ‫يناير 1106.‬
‫اعتبرت الحكومة دائما أن االعالم غير محايد وال‬
‫يتعاطى مع الحكومة المنتخبة بما يتطلب التعاطي مع‬
‫حكومة "تمثل إرادة الشعب"، وبلغ األمر بأنصار‬
‫الحكومة واألحزاب المكونة لها الى حد توصيف االعالم‬
‫أنه أداة "بيد الثورة المضادة". بل وذهبت الحكومة في‬
‫خطوات عملية اكدت انها بصدد وضع يدها على االعالم‬
‫من أجل السيطرة عليه وذلك من خالل سلسلة من‬
‫التعيينات على راس بعض المؤسسات االعالمية من‬
                                ‫ضمنها دار الصباح.‬
‫تمت هذه التعيينات بشكل فوقي دون التشاور بين الهيكل‬
‫الممثلة وهو ما صعد من شدة االحتجاجات انتهت‬

                         ‫26‬
‫بإضراب الجوع الذي شنه مجموعة من الصحفيين ألكثر‬
      ‫من شهر دفاعا عن استقاللية المؤسسة االعالمية.‬
‫تونس مازالت عاصمة اضرابات الجوع رغم الثورة‬
‫التي حصلت وهو ما يعني ان اهداف الثورة مازالت لم‬
           ‫تحقق ألن في تحقيقها سيرحل هذا التوصيف‬




                        ‫36‬
‫عودة إلى صحافة بن علي‬
‫منذ إعالن تشكيلها قبل أقل من سنة ترى الحكومة‬
‫المؤقتة أن االعالم التونسي غير محايد وال يتعاطى معها‬
‫بصفتها حكومة منتخبة تمثل "إرادة الشعب". بل إن‬
‫األمر بلغ باألحزاب الثالثة المكونة للحكومة إلى حد‬
        ‫وصف االعالم بأنه "أداة بيد الثورة المضادة".‬
‫في المقابل تتهم النقابات اإلعالمية الحكومة بالعمل على‬
‫إعادة انتاج الهيمنة على قطاع االعالم، متحدثة عن‬
‫"حساسية مفرطة" لدى حزب النهضة اإلسالمي على‬
                  ‫وجه الخصوص إزاء حرية التعبير.‬
‫التجاذب بين الطرفين مازال قائما، بل تحول إلى معركة‬
‫بين مدافعين ومتمسكين باستقاللية االعالم وبين محاولين‬
‫لتركيعه والسيطرة عليه مثلما كان الشأن قبل ثورة 11‬
                                       ‫جانفي 1106.‬
               ‫ّ‬
‫في هذا المناخ من االتهامات المتبادلة قدم حزب المؤتمر‬
‫من أجل الجمهورية (حزب رئيس الجمهورية منصف‬
‫المرزوقي) مشروع قانون جديد للصحافة وحرية التعبير‬
         ‫يخفف – حسب رأي الحزب- من هذا التجاذب.‬


                         ‫46‬
‫ويستند المشروع على ثالثة أفكار أساسية هي "حرية‬
‫االعالم هي المبدأ" و"الحد منها للمصلحة العامة‬
‫ومصلحة األفراد جائز" و"الحد منها ال ينبغي التوسع‬
                 ‫فيه و ال أن يتجاوز ما هو ضروري".‬
‫ومن المالحظ ورود كلمة "الحد" من حرية االعالم في‬
‫عنصرين من أصل ثالثة رئيسة "لكل تشريع يخص‬
‫االعالم"، باإلضافة إلى تأكيد واضعي المشروع على‬
‫ضرورة "وضع حد لالفراط في حرية االعالم التي‬
                            ‫تغافل عنها تشريعنا..".‬
‫وتتضمن عديد الفصول الواردة في مشروع القانون‬
‫عقوبات مالية وجسدية بحق الصحفيين عند ارتكابهم‬
‫"مخالفات"، من ذلك مثال ما ورد في الفصل 11‬
‫(يعاقب بالسجن لمدة ستة أشهر وبخطية (غرامة) قدرها‬
       ‫الف ومائتا دينار تحقير األديان القائمة في البالد).‬
‫ولم يوضح مشروع القانون معنى احتقار االديان، فتقديم‬
‫عبارة فضفاضة دون توضيح من شأنه أن يحد من حرية‬
                                            ‫التعبير.‬
‫كما أن الفصل 41 ينص على أن "يعاقب بالسجن لمدة‬
‫سنة والخطية بألف ومائتي دينار من ينشر ...خبرا‬
‫زائفا". وتعتبر هذه العقوبة قاسية ألن تحديد الخبر‬
                           ‫56‬
‫الزائف من دونه مسألة في حاجة الى اجتهاد، وتطرح‬
              ‫ملفا أوسع هو حق الصحفي في الخطأ.‬
‫كما يتضمن المشروع عدة فصول أخرى ذات طابع‬
‫زجري عقوبتها قاسية من شأنها أن تحد من حرية‬
                                     ‫الصحفي.‬
‫من المهم التذكير في هذا الصدد أن أغلب القوانين‬
‫المنظمة لقطاع اإلعالم قبل 11 جانفي بما في ذلك مجلة‬
‫الصحافة (قانون الصحافة) كانت تعتمد على قوانين‬
‫زجرية تستند على مصطلحات فضفاضة كثيرا ما وقع‬
‫استغاللها للحد من حرية التعبير والزج بإعالميين في‬
‫السجون. ومن بين هذه المصطلحات " المصلحة‬
                           ‫الوطنية" و" األمن العام".‬
‫وهو ما يدفع للقول إن جوهر المشروع الذي قدمه حزب‬
‫الرئيس الحاكم يستند الى رؤية حزب سياسي في الحكم‬
‫وال يمكن أن يكون مشروعا لتجاوز حالة التجاذب‬
                  ‫الراهنة بين اإلعالميين والحكومة.‬
‫ويطرح تقديم حزب المؤتمر من أجل الجمهورية هذا‬
‫المشروع المتعلق بحرية اإلعالم أسئلة أخرى تهم‬
‫"أحقية" األحزاب السياسية في تقديم مشاريع قوانين‬

                         ‫66‬
‫قطاعات لها هياكلها النقابية الممثلة دون الرجوع إليها‬
                 ‫كما هو الشأن بالنسبة لقطاع االعالم.‬
‫صحيح أن قطاع اإلعالم شأن عام يهم كافة مكونات‬
‫المجتمع المدني والسياسي، لكن مسألة التشريع وتنظيم‬
     ‫القطاع ترجع باألساس الى الهياكل المنظّمة للمهنة.‬
‫فتقديم مشروع قانون حول حرية االعالم من طرف‬
‫حزب سياسي، ال يمنع في المستقبل أي حزب آخر من‬
‫المبادرة بتقديم مشروع آخر يهم قطاع المحاماة أو الطب‬
 ‫ّ‬
‫أو القضاء دون استشارة أهل المهنة، وهو ما يذكر‬
           ‫بتعاطي النظام السابق مع مختلف القطاعات.‬
‫إن حرية االعالم في تونس هي مكسب من مكاسب‬     ‫ّ‬
‫الثورة وال يمكن ألي حزب أن ينسبها لنفسه ومحاوالت‬
‫الحد منها تحت أي عنوان هو سعي لسلب أحد مكاسب‬
                                         ‫الثورة.‬
‫وإذا كان مطروحا اليوم تنظيم النشاط االعالمي في‬
‫تونس فيجب أن يكون على قاعدة هذه الحرية مع فسح‬
‫المجال أمام المهنيين و هياكلهم الممثلة لالضطالع‬
                            ‫بدورهم في هذا المجال‬


                         ‫76‬
‫رئاسي برلماني، األنسب لمن؟‬

‫لم يوضّح بيان الهيئة التنسيقية العليا ألحزاب االئتالف‬
‫الحاكم الثالثة (حركة النهضة وحزب التكتل وحزب‬
‫المؤتمر من أجل الجمهورية)، الصادر األحد الماضي‬
‫(6106001021) تفاصيل وخصوصيات النظام‬
‫السياسي الجديد الذي اقترحته، إذ جاء في البيان "اختيار‬
‫نظام سياسي مزدوج يُنتخب فيه رئيس الجمهورية‬
‫مباشرة من الشعب يضمن التوازن بين السلطات وداخل‬
                                     ‫السلطة التنفيذية".‬
‫ورغم التباس البيان، فإن هذا المقترح حسم جدال محتدا،‬
‫منذ الثورة التونسية، حول طبيعة النظام السياسي، وأثار‬
    ‫ردود الفاعلين السياسيين وخبراء القانون الدستوري.‬
‫السيدة مية الجريبي، األمينة العامة للحزب الجمهوري‬
‫عبرت عن ارتياح حزبها لهذا المقترح، خاصة في نقطته‬
‫المتعلقة بانتخاب رئيس الجمهورية مباشرة من الشعب،‬
‫وهذا االرتياح مفهوم للمراقبين والمهتمين بالشأن‬
‫السياسي في تونس، فالحزب الجمهوري من األحزاب‬
‫التي اعتبرت دائما أن النظام الرئاسي هو األنسب للبالد‬

                          ‫86‬
‫وأن رئيس الجمهورية يجب أن يُنتخب مباشرة من‬
                                     ‫الشعب.‬
‫أما األستاذ الجامعي المختص في القانون الدستوري قيس‬
‫سعيد فقد أبدى تحفظات حول اختيار هذا النظام السياسي‬
‫من ناحية أنه يوزع السلطة التنفيذية بين "رأسين" قد‬
‫يصطدمان عند التعاطي مع الملفات الملموسة. ونبه الى‬
‫مخاطر هذا النظام السياسي الجديد اذا لم يتم بشكل دقيق‬
   ‫تحديد صالحيات كل من رئيس الجمهورية والحكومة.‬
‫ومن المنتظر أن يرتفع نسق الجدل حول هذا المقترح‬
‫داخل المجلس الوطني التأسيسي، السلطة األصلية‬
‫المؤهلة تشريعيا الختيار النظام السياسي الجديد لتونس.‬
‫جدل قد يُبرز حجم التباين بين الفاعلين السياسيين لكنه‬
‫لن يؤثر على نتائج التصويت طالما أن التحالف الثالثي‬
‫الحاكم يتمتع بأغلبية األصوات داخل المجلس الوطني‬
                                           ‫التأسيسي.‬
‫التجاذب حول هذا المقترح يمس أيضا جوانب أخرى‬
‫تتعلق بدوافع توافق التحالف الثالثي الحاكم على هذا‬
                                   ‫النظام السياسي.‬
‫فحركة النهضة االسالمية، أهم طرف في التوافق، كانت‬
‫قد دافعت دائما عن خيار النظام البرلماني، واعتبرت أن‬
                         ‫96‬
‫النظام البرلماني هو األقدر على القطع مع االستبداد‬
‫وتغول السلطة، مستندة في ذلك على تجربة الحكم‬     ‫ّ‬
‫الرئاسي الذي عرفته تونس منذ االستقالل مع الرئيس‬
    ‫األسبق الحبيب بورقيبة وخلفه زين العابدين بن علي.‬
‫وقد تضمن البرنامج االنتخابي الذي تقدمت به النهضة‬
‫في انتخابات 26 تشرين اول/ أكتوبر 1106، تأكيدا‬
‫على خيار النظام البرلماني. كما دافع النهضويون في‬
‫لجنة التشريع التابعة للمجلس الوطني التأسيسي في‬
‫النقاشات االولية حول النظام السياسي على النظام‬
                                        ‫البرلماني .‬
‫إن قبول حركة النهضة بالنظام المزدوج، هو تراجع‬
‫واضح من طرفها للحفاظ على بعض التوافقات، وخاصة‬
‫على تحالفاتها مع شريكيها في الحكم. وهي الزالت تعمل‬
‫من أجل الحفاظ على هذا التحالف الذي تسوقه على أنه‬
‫"انموذجا تونسيا في التحالف بين االسالميين المعتدلين‬
                               ‫والعلمانيين المعتدلين".‬
‫الواضح إن النظام المزدوج المقترح من التحالف الثالثي‬
‫الحاكم هو النظام األنسب للحفاظ على وحدة التحالف،‬
‫وليس بالضرورة هو األنسب للتونسيين، كما جاء على‬
‫لسان السيد الصحبي عتيق رئيس كتلة حركة النهضة.‬
‫فالقول إن النظام المزدوج هو األنسب للتونسيين يفترض‬
                          ‫07‬
‫كحد أدنى التوافق عليه داخل المجلس الوطني التأسيسي‬
‫باعتباره ممثال للشعب أو في مرحلة أخرى االستفتاء‬
                            ‫عليه إن تتطلب األمر .‬
‫أما النظام المزودج بحد ذاته، فلم يعرفه التونسيون إال‬
‫من خالل تجارب اآلخرين. ويؤكد الخبراء في القانون‬
‫الدستوري أنه ال يوجد من الناحية النظرية نظام يسمى‬
‫النظام المزدوج، بل إن المقصود هنا هو نوع من النظام‬
‫البرلماني أدخلت عليه تعديالت زادت من قوة السلطة‬
‫التنفيذية عبر توسيع صالحيات رئيس الجمهورية مقارنة‬
‫بما يتمتع به الرئيس في النظام البرلماني التقليدي. لذا‬
              ‫فهو يجمع بين النظامين الرئاسي والبرلماني‬
‫ويؤكد الخبراء في القانون الدستوري أن تونس لم تعرف‬
‫النظام الرئاسي، بل عرفت النظام "الرئاسوي" الذي‬
‫يعتبر نسخة مشوهة من النظام الرئاسي "الحقيقي" كما‬
                  ‫هو في الواليات المتحدة األمريكية .‬
‫ومن مظاهر النظام الرئاسي أن يكون رئيس الجمهورية‬
‫منتخب من الشعب، ويتولى رئاسة مجلس الوزراء، كما‬
‫يعين الوزير األول، ويعين الوزراء و يقيلهم بناء على‬
     ‫ً‬
‫اقتراح رئيس الحكومة، ويعين رئيس الجمهورية أيضا‬
‫كبار موظفي الدولة من مدنيين وعسكريين يتمتع‬
          ‫بالسلطة التنظيمية و خاصة إصدار القرارات.‬
                          ‫17‬
‫ولم تعرف تونس أيضا النظام البرلماني، رغم أن‬
‫التجربة الحالية للحكم التي يطلق عليها "النظام‬
‫المجلسي"، أي أن السلطة األولى بيد المجلس الوطني‬
                                       ‫التأسيسي.‬
‫ويقيم العديد من المحللين السياسيين التجربة الحالية بأنها‬
‫انموذج النظام البرلماني الذي كانت تدعو اليه حركة‬
‫النهضة. حيث تتمركز أغلب السلطات التنفيذية بيد‬
‫رئاسة الحكومة فيما ال يتمتع رئيس الجمهورية اال‬
         ‫بصالحيات محدودة تجعل مجال تحركه محدودا.‬
‫ومن مظاهر النظام البرلماني، ثنائية السلطة التنفيذية اذ‬
‫يوجد رئيس حكومة، و البرلمان يراقب نشاط الحكومة،‬
‫كما أن الحكومة مسئولة أمام البرلمان و يستطيع أن‬
‫يسحب منها الثقة، ويمكن للسلطة التنفيذية حل البرلمان،‬
‫وتشارك السلطة التنفيذية في الوظيفة التشريعية باقتراح‬
                       ‫القوانين و مناقشتها داخل البرلمان.‬
‫إن خيار النظام المزدوج الذي يمزج بين النظامين‬
‫الرئاسي والبرلماني المقترح من طرف التحالف الثالثي‬
‫الحاكم في تونس، مازال مقترحا سيعرض على المجلس‬
‫الوطني التاسيسي للنقاش و المصادقة عليه. وفي انتظار‬
                           ‫27‬
‫هذه المصادقة ستعرف الحياة السياسية في تونس حراكا‬
‫وجدال حول هذا المقترح الذي سيرسم مالمح المستقبل‬
                                   ‫السياسي لتونس‬




                       ‫37‬

تونس ..سنة بعد حكم الترويكا

  • 1.
  • 2.
    ‫لم يستوعب الفاعلونالسياسيون في تونس جوهر‬ ‫الثورة وقيمتها وإن عبروا عن ذلك ..لقد أضفوا‬ ‫قراءاتهم السياسية و اإليديولوجية على حراك الفقراء‬ ‫و المهمشين فحادوا بالثورة عن مسارها الحقيقي ، و‬ ‫التجاذبات السياسية التي يشهدها المشهد السياسي‬ ‫العام هو أحد اإلفرازات المكشوفة.‬ ‫2‬
  • 3.
    ‫حركة النهضة بيناالنفتاح و الهيمنة.‬ ‫كان بإمكان حركة النهضة باعتبارها الحزب الفائز في‬ ‫االنتخابات أن تؤكد منذ البداية أنها ستقود البالد في هذه‬ ‫المرحلة المؤقتة بالطريقة التي تراها مناسبة ، دون أن‬ ‫تضطر إلى بعث رسائل اطمئنان و دون أن تؤكد أن‬ ‫الحكومة المؤقتة ستكون حكومة ائتالف وطني مفتوحة‬ ‫أمام الجميع للمساهمة في إنجاح هذه المرحلة.‬ ‫ال أحد كان سيلومها على ذلك باعتبارها الحزب الفائز‬ ‫في انتخابات شرعية وبالتالي فإن قيادتها لهذه المرحلة‬ ‫هي قيادة شرعية مصدرها الناخب.‬ ‫لكن أن تدعو حركة النهضة إلى حكومة ائتالف وطني و‬ ‫إلى االنفتاح على كافة األطراف ، وفي الوقت ذاته تعمل‬ ‫من أجل الهيمنة على السلطة التنفيذية و التشريعية مما‬ ‫يجعل بقية األطراف مجرد ديكور ، فهذا غير معقول و‬ ‫غير مقبول.‬ ‫مؤشرات نزعة الهيمنة المطلقة لحركة النهضة تظهر‬ ‫من خالل ما يلي:‬ ‫-استئثارها بأغلب الوزارات بما في ذلك وزارات‬ ‫السيادة.‬ ‫-السلطة شبه المطلقة لرئيس الحكومة و في‬ ‫المقابل تحديد صالحيات بقية أعضاء السلطة التنفيذية (‬ ‫3‬
  • 4.
    ‫مشروع قانون تنظيمالسلط العمومية الذي قدم للمجلس‬ ‫التأسيسي.)‬ ‫-نزعة الهيمنة على أشغال المجلس التأسيسي و‬ ‫سيطرتها على اللجان.‬ ‫ربما من حق حركة النهضة أن تستثمر األغلبية التي‬ ‫حصلت عليها في انتخابات 23 أكتوبر للمحطات المقبلة‬ ‫وهو أمر مشروع و كان يمكن أن يمارسه أي حزب فاز‬ ‫باألغلبية ، لكن هذا يتناقض مع خطابها الداعي لالنفتاح‬ ‫على الجميع و يتناقض مع خصوصية المرحلة التي تمر‬ ‫بها تونس التي تتطلب مشاركة الجميع في إعادة بناء‬ ‫الدولة و مؤسساتها و اقتصادها ...مشاركة حقيقية و‬ ‫ليست مشاركة صورية.‬ ‫4‬
  • 5.
    ‫أوقفوا هذا المسار‬ ‫ثمةمسار يجب أن يتوقّف، ألن في استمراره وتواصله‬ ‫ْ‬ ‫ّ‬ ‫خطورة ليس فقط على ثورة 14 جانفي وما جاءت به من‬ ‫قيم ومبادئ وإنما أيضا على وحدة التونسيين والمشترك‬ ‫بينهم.‬ ‫هذا المسار الذي يسعى البعض للنفخ فيه وتضخيمه‬ ‫ليكون من األولويات المطروحة ليس أمام النخب‬ ‫والناشطين السياسيين فحسب بل أيضا أمام "المواطن‬ ‫العادي"، هو تحويل قاعدة الفرز بين من يدفع لتنجز‬ ‫الثورة مهامها السياسية واالقتصادية واالجتماعية وبين‬ ‫من يبحث بكافة الوسائل لاللتفاف عليها وحصرها في‬ ‫أفق محدود، إلى قاعدة فرز جديدة بين المؤمنين‬ ‫والعلمانيين، بين "الغيورين على المقدسات" وبين‬ ‫"المشككين فيها".‬ ‫قاعدة الفرز هذه التي يحرص البعض إليجاد المبررات‬ ‫الميدانية والواقعية لها، تبقى مسقطة ومفتعلة ألنها تمس‬ ‫من وحدة التونسيين حول دينهم وعروبتهم، وتشكك في‬ ‫المشترك بينهم منذ قرون.‬ ‫5‬
  • 6.
    ‫الموقف من المسالةالدينية لم يكن في يوم من األيام‬ ‫عنصر خالف بين التونسيين وعامل صراع بينهم، فلماذا‬ ‫النفخ في هذه النقطة وتحويلها إلى واجهة رئيسية في هذه‬ ‫المرحلة الدقيقة والحرجة من عمر الثورة؟‬ ‫ثورة 14 جانفي مازالت تترصد بها المخاطر الداخلية‬ ‫والخارجية .وتوجيه بوصلة الشعب الذي أنجز هذه‬ ‫الثورة إلى وجهة غير حماية ثورته ودفعها النجاز كافة‬ ‫مهامها نعتقد انه أمر مشبوه، وال يخدم إال أغراض‬ ‫المتربصين بها.‬ ‫6‬
  • 7.
    ‫كلية اآلداب بمنوبة: معركة مواقف أم مواقع‬ ‫ما تشهده كلية اآلداب بمنوبة هو حلقة غير منفصلة عن‬ ‫ُ‬ ‫سلسلة كاملة من الممارسات الممنهجة بدأت بعدد من‬ ‫ُ‬ ‫المساجد و الجوامع و الكتاتيب و الفضاءات العمومية‬ ‫لتصل إلى الجامعة في انتظار بقية الحلقات.‬ ‫اكتفت هياكل الدولة و مؤسسات المجتمع المدني و‬ ‫األحزاب السياسية بمراقبة ما يحدث دون أن تتدخل‬ ‫ّ‬ ‫لوضع حد لتزايد حلقات السلسلة و أقصى ما قامت به‬ ‫بيانات اإلدانة التي تعبّر عن القلق، فيما اآلخرون يفتكون‬ ‫المساحة تلوى المساحة.‬ ‫المعركة من وجهة نظر المجتمع المدني و األحزاب‬ ‫السياسية هي معركة مواقف ، فيما هي معركة مواقع‬ ‫بالنسبة للسلفيين شعارهم: افتكاك أوسع ما يمكن من‬ ‫المساحات وفرض األمر الواقع.‬ ‫هياكل ومؤسسات الدولة لم تتحرك إما ألنها مشلولة أو‬ ‫ألنها تمارس الحياد في وقت ال حياد فيه مع مكتسبات‬ ‫المجتمع و بنيته.‬ ‫المعركة مازالت ستتواصل تحت شعار " ذراعك يا‬ ‫عالّف" ما دامت الدولة مستقيلة و المجلس التأسيسي‬ ‫مهتم بخالفات صلوحيات الرئاسات الثالث و األحزاب‬ ‫منها المهتم بالحقائب الوزارية و منها من يبحث عن‬ ‫آليات ممارسة المعارضة‬ ‫7‬
  • 8.
    ‫هناك من يسعىإلعادة إنتاج القيود على حرية الرأي و‬ ‫التعبير‬ ‫قبل ثورة 14 جانفي 4413 كان شعار و مطلب حرية‬ ‫الرأي و التعبير حلقة رئيسية في العمل النقابي الصحفي‬ ‫و النشاط الحقوقي و السياسي في تونس ، أغلب القوى‬ ‫رفعت هذا الشعار و دافعت عن هذا المطلب ألن حرية‬ ‫الرأي و التعبير هي إحدى المداخل الرئيسية ألي عملية‬ ‫تغيير.‬ ‫و بعد الثورة سقطت أغلب القيود عن ممارسة هذه‬ ‫الحرية خاصة المفروضة على اإلعالميين باعتبارهم‬ ‫الجهة األولى المعنية بهذه الحرية من خالل األشكال‬ ‫الصحفية التي ينتجونها.‬ ‫وكشف المناخ الجديد قوة التعدد و االختالف و هي‬ ‫مسالة طبيعية لصيقة بأي مجتمع.‬ ‫لكن ما يُالحظ أن هناك من يسعى إلعادة إنتاج القيود‬ ‫على حرية الرأي و التعبير بأشكال جديدة مثل التكفير و‬ ‫التخوين و التشكيك حتى في النوايا ..فقط لالختالف في‬ ‫الرأي.‬ ‫االختالف في الرأي مبدأ أساسي ألي عملية تقدم و شرط‬ ‫هام ألي نقاش و جدل حقيقيين ، ومن يعمل على تقييد‬ ‫حرية الرأي و التعبير فإنه يضع القيود أمام أي تقدم‬ ‫حقيقي وجاد.‬ ‫8‬
  • 9.
    ‫و أعتقد أنما يتعرض له عدد من اإلعالميين خاصة من‬ ‫تكفير وتخوين بسبب أراء عبروا عنها تختلف نسبيا أو‬ ‫كليا مع أراء آخرين هي مسألة خطيرة و تمس بالدرجة‬ ‫األولى من مساحة حرية الرأي و التعبير التي تحققت بعد‬ ‫ثورة 14 جانفي.‬ ‫9‬
  • 10.
    ‫الحكومة الجديدة:الحلقة المفقودةفي المخرج من‬ ‫الوضع الراهن‬ ‫تُدرك حركة النهضة وحليفاها أن عوائق كثيرة ومتنوعة‬ ‫تمأل الطريق أمام الحكومة الجديدة ، أهم هذه العوائق و‬ ‫أخطرها الملف االقتصادي و تداعياته االجتماعية‬ ‫،خاصة في الجهات التي كانت تنتظر نصيبها من التنمية‬ ‫في فترة بن علي و تنتظر اليوم نصيبها من الثورة.‬ ‫خطورة الملف االقتصادي و االجتماعي ال تكمن فقط في‬ ‫المؤشرات الحالية التي تنذر بأزمة حقيقة حسب‬ ‫األخصائيين و الفاعلين االقتصاديين ، بل أيضا في خطط‬ ‫و آليات الخروج من هذا الوضع الذي يرفض التعامل‬ ‫بالعواطف و حسن النوايا و اإلرادة االيجابية.‬ ‫ال نخال أن "مهندسي" الحكومة الجديدة تغيب عنهم‬ ‫حقيقة أنهم سيحاسبون على نتائج أعمالهم و أدائهم‬ ‫الملموس و ليس على شعارات الوفاء للثورة و الصدق‬ ‫في العمل، و هو األمر الذي يتطلب منهم فهما دقيقا لواقع‬ ‫دقيق يتداخل فيه أكثر من معطى.‬ ‫ُ‬ ‫لم تبدأ الحكومة الجديدة بعد في عملها و تنفيذ مخططاتها‬ ‫للحكم لها أو عليها و حتى إن بدأت فإن األمر يتطلب‬ ‫منحها الوقت الكافي للتقييم ..لكن ذلك ال يمنع من‬ ‫اإلشارة أن المقدمات و الخطوات األولى في اتجاه‬ ‫01‬
  • 11.
    ‫ممارسة الحكومة تدفعللتساؤل عن مدى التآلف‬ ‫الحكومي الجديد وعموده الفقري حركة النهضة واع‬ ‫بحجم التحديات و خاصة بمخارج األزمة.‬ ‫الحلقة الرئيسية في مخرج األزمة هي الوفاق الحقيقي‬ ‫بين الفاعلين السياسيين و االقتصاديين و االجتماعيين‬ ‫على أرضية مشاركة هذه األطراف مع بعضها في رسم‬ ‫خطة الخروج من الوضع الراهن، هذه الحلقة ال يبدو أنه‬ ‫تم المسك بها على األقل إلى حد اللحظة.‬ ‫ويظهر ذلك من خالل:‬ ‫توزيع المسؤوليات الحكومية لم يتم على قاعدة ما‬ ‫‪‬‬ ‫يتطلبه الوضع في البالد من وفاق بين الفاعلين السياسيين‬ ‫و االقتصاديين و االجتماعيين ، بل تم على قاعدة حزبية‬ ‫ضيقة.‬ ‫تعمق الهوة بين عدد من الفاعلين السياسيين بسبب‬ ‫‪‬‬ ‫سيطرة منطق األغلبية و األقلية، رغم أن المرحلة‬ ‫الحالية للبالد ال تحتمل هذا التقسيم وهذا الفرز.‬ ‫تعدد اإلشارات و التصريحات حول وجود‬ ‫‪‬‬ ‫مؤامرات لعرقلة الحكومة المقبلة ، وهي إشارات خطيرة‬ ‫ألنها ربما تضع من اآلن تفسيرا ألسباب فشل الحكومة‬ ‫الجديدة ( إن فشلت.)‬ ‫11‬
  • 12.
    ‫التعاطي السلبي معبعض التحركات االحتجاجية‬ ‫‪‬‬ ‫ذات الطابع االجتماعي و النظر إليها فقط من زاوية‬ ‫المؤامرة.‬ ‫التقليل من حجم األزمة االقتصادية و اعتبار‬ ‫‪‬‬ ‫بعض التصريحات في هذا الصدد، تصريحات سياسية‬ ‫باألساس.‬ ‫نأمل كما يأمل أي تونسي أن تثبت الحكومة الجديدة أن‬ ‫هذه المؤشرات ظرفية.و أن فترة إدارتها لشؤون البالد‬ ‫ستؤسس لمرحلة جديدة سياسيا و اقتصاديا و اجتماعيا.‬ ‫21‬
  • 13.
    ‫الصورة المقلوبة !‬ ‫اليبدو المشهد العام في البالد واضحا أو على األقل يدفع‬ ‫لالطمئنان فالضبابية والخوف من االنزالق نحو‬ ‫المجهول عناصر مازالت تلقي بظاللها ويرددها‬ ‫المواطن العادي كما المراقب السياسي.‬ ‫السؤال الذي يتردد : " البالد وين ماشية ؟" وهو مستمد‬ ‫من الوقائع الميدانية وما يحدث على األرض ، اقتصاد‬ ‫تكاد تالمس نسبة نموه صفر بالمائة و مصانع ال تعمل و‬ ‫ّ‬ ‫ارتفاع في نسبة البطالة و القطاع السياحي يعاني‬ ‫صعوبات وتجاذبات سياسية عميقة.‬ ‫هذا هو المشهد العام رغم حصول انتخابات أفرزت‬ ‫مجلسا تأسيسيا أنتخب حكومة لتسيير البالد و الخروج‬ ‫بها من عنق الزجاجة.‬ ‫األكيد أن ثورة 14 جانفي 4413 لم تنجز إلحداث هذا‬ ‫"االنقالب السلبي" في البالد . إنما أنجزها الشباب وأبناء‬ ‫الجهات الداخلية المعدمون من أجل الحرية والتشغيل‬ ‫والتنمية العدالة ، من أجل وجه جديد لتونس.‬ ‫31‬
  • 14.
    ‫ماذا حدث؟‬ ‫في السياسةالتبرير وتركيب الجمل لرسم صورة معينة‬ ‫مسألة سهلة ويمكن ألي ناشط سياسي أن يجد بدل‬ ‫التبرير الواحد عشرات التبريرات . كالقول إن المرحلة‬ ‫الحالية استثنائية، أو أن تونس مازالت تعيش المرحلة‬ ‫االنتقالية ، أو أن قوى الثورة المضادة مازالت تتحرك‬ ‫إلفشال الثورة...‬ ‫قد ال يختلف عاقالن حول هذه العوائق وأهمية تأثيرها‬ ‫في الواقع لكنها وحدها ال تفسر ما يحدث عن األرض‬ ‫ثمة عناصر أخرى ال تقل أهمية وخطورة أهمها أن‬ ‫العملية السياسية ما زالت تحتل النصيب األكبر في‬ ‫اهتمامات الفاعلين السياسيين مما جعل مسارها ( مسار‬ ‫العملية السياسية) يسير في طريق عكسي لمسار التنمية‬ ‫واإلصالح االجتماعي. وهو ما يذكر بإحدى مفارقات‬ ‫نظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي الذي كان‬ ‫يفتخر بتقدم نسبة النمو وسالمة االقتصاد وفي الوقت‬ ‫ذاته كان منغلقا سياسيا وال يسمح بالحريات ويقمع الرأي‬ ‫اآلخر.‬ ‫أما اليوم فإن الصورة أصبحت مقلوبة فالفاعلون‬ ‫السياسيون يشيدون بفضاءات الحرية والديمقراطية وتقدم‬ ‫41‬
  • 15.
    ‫العملية السياسية وفيالوقت ذاته هناك صعوبات‬ ‫اقتصادية واجتماعية خطيرة تنذر بأزمة حقيقية.‬ ‫بعد 14 جانفي اكتشف الجميع أن الرفاه االجتماعي‬ ‫والتقدم االقتصادي لنظام بن علي كانت أكذوبة فهل‬ ‫نكتشف بعد مدة أن كل ما يقال حول الحرية‬ ‫والديمقراطية هو أيضا أكذوبة!!!‬ ‫51‬
  • 16.
    ‫حول بيان السيدالباجي القائد السبسي: "خريطة‬ ‫طريق" قديمة لوضع جديد‬ ‫لم يأت بيان السيد الباجي القائد السبسي في حجم‬ ‫التسريبات التي سبقته من ناحية توصيفه للوضع العام‬ ‫في البالد ودليل الخروج من مظاهر األزمة التي مازالت‬ ‫تحيط به.‬ ‫البيان تمت صياغته بطريقة مكثفة شبيهة بالبيانات‬ ‫التأسيسية التي تكتفي بطرح الخطوط العريضة بعيدا عن‬ ‫التفاصيل .ومع ذلك أعطى صورة واضحة على " بديل"‬ ‫السيد القائد السبسي.‬ ‫إن قول إن الوضع في البالد يتميز بالضبابية هو أمر‬ ‫معلوم لدى عديد الفاعلين السياسيين والمراقبين وإن كان‬ ‫هناك خالف في تحديد أسباب هذه الضبابية .كما أن‬ ‫التأكيد على " اختالط المهام التي سادت أعمال المجلس‬ ‫الوطني التأسيسي " هو أمر سبقت اإلشارة إليه من قبل‬ ‫عديد المختصين و السياسيين.وهذا يدفع للقول إن السيد‬ ‫الباجي القائد السبسي يتفق في بيانه مع توصيف العديد‬ ‫من األطراف للوضع العام في البالد هو وضع دقيق و‬ ‫خطير و" يهدد األمن و االقتصاد والوضع االجتماعي‬ ‫عموما."‬ ‫غير أن االلتقاء في توصيف الوضع ال يعني أن السيد‬ ‫الباجي القائد السبسي يتفق مع اآلخرين في " بديل"‬ ‫61‬
  • 17.
    ‫الخروج من األزمةفقد طرح "خريطة طريق " تتكون‬ ‫من 2 نقاط كبرى اعتبارها أساسية لعودة الثقة السياسية‬ ‫وهي أن يحدد المجلس الوطني التأسيسي مدة عمله و‬ ‫الشروع فورا في اإلعداد للدستور و الدعوة النتخابات‬ ‫يوم 23 أكتوبر المقبل ثم إعادة تفعيل مؤسسة الهيئة‬ ‫العليا المستقلة للبالد وتمكينها من استئناف عملها "حاال"‬ ‫ودعا أيضا إلى تجميع طاقات القوى السياسية والفكرية و‬ ‫الوطنية التي "تأبى" التطرف والعنف."‬ ‫-1إن "خريطة الطريق " هذه ال تختلف في عمومها‬ ‫عن تلك التي جاء بها السيد الباجي القائد السبسي نهاية‬ ‫شهر فيفري الفارط..ومكنته من قيادة البالد في مرحلة‬ ‫صعبة و الوصول بها إلى االنتخابات يوم 23 أكتوبر‬ ‫4413 . السؤال الذي يطرح هنا :هل أن أولويات البالد‬ ‫من مارس 4413 إلى ديسمبر4413 هي ذاتها أولويات‬ ‫البالد اآلن ؟.‬ ‫-2السيد الباجي القائد السبسي يعتبر أن المسألة‬ ‫السياسية مازالت تحتل األولوية في الخروج من مظاهر‬ ‫األزمة التي تميز الوضع العام في البالد .فيما العديد‬ ‫يعتبرون أن المسألة االقتصادية واالجتماعية وعدم قدرة‬ ‫الحكومة الحالية على تقديم برنامج اقتصادي و اجتماعي‬ ‫واضح وعدم قدرتها على تقديم حلول ملموسة لملفات‬ ‫اقتصادية واجتماعية هي السبب في تواصل حالة‬ ‫االحتقان و التوتر االجتماعي واألمني.‬ ‫71‬
  • 18.
    ‫-3السيد الباجي القائدالسبسي لم يتعرض إلى‬ ‫المطلوب من الحكومة الحالية في الجوانب االقتصادية‬ ‫واالجتماعية وهي القاعدة التي ستوفر المناخ اآلمن‬ ‫لتنظيم االنتخابات المقبلة .وهو ما بذلك يثبت السير في‬ ‫مسارين غير متوازيين إلى حد اآلن وهما المسار‬ ‫السياسي و المسار االقتصادي و االجتماعي.‬ ‫أما دعوته إلى تجميع طاقات القوى السياسية و الفكرية و‬ ‫الوطنية فهي دعوة انطلقت منذ االنتخابات الفارطة‬ ‫وقطعت عديد األطراف خطوات هامة فيها وبالتالي فإنها‬ ‫ليست دعوة جديدة فقط إذا نظرنا إليها من زاوية الدور‬ ‫الذي يمكن أن يقوم به في هذا التجمع وهو ما لم يشر إليه‬ ‫بوضوح.‬ ‫81‬
  • 19.
    ‫االعتصامات من "صنيعةالثورة المضادة" في حكومة‬ ‫الغنوشي مرورا بـ "إفشال االنتخابات" في حكومة‬ ‫القائد السبسي إلى "إفشال حكومة االئتالف الثالثي‬ ‫من 17 ديسمبر 2720 إلى اليوم لم تتوقف االعتصامات‬ ‫و الحركات االحتجاجية من أجل المطالبة بالتشغيل،‬ ‫حقيقة يجب أن نقر بها حتى نفهم لماذا تواصلت هذه‬ ‫االعتصامات في عدد من المدن خاصة التي عانت‬ ‫طويال من غياب مجهود تنموي حقيقي، رغم تشكيل‬ ‫حكومة منتخبة من مجلس تأسيسي منتخب.‬ ‫ُ‬ ‫مطالب أبناء الجهات الداخلية هي ذاتها من 17 ديسمبر‬ ‫إلى اليوم، لكن التعامل مع هذه المطالب تغيّر من فترة‬ ‫إلى أخرى:‬ ‫من 17 ديسمبر 2720 الى 17 جانفي 7720 وحدت‬ ‫هذه المطالب كافة فئات الشعب التونسي وتم الدفع بها في‬ ‫اتجاه تصعيدها لتتحول هذه الحركة االحتجاجية إلى‬ ‫حركة تشمل البالد كلها.‬ ‫91‬
  • 20.
    ‫من 17 جانفيإلى 10 فيفري 7720 تغير مسار‬ ‫المطالب بعد أن كانت المطالب االجتماعية و الحق في‬ ‫الشغل هي الحلقة الرئيسية أصبحت اإلصالحات‬ ‫السياسية هي الحلقة األولى (العفو التشريعي العام – منح‬ ‫التراخيص ألكثر من مائة حزب – منح تراخيص‬ ‫لعشرات النشريات...الخ)، تم ذلك على خلفية أن المدخل‬ ‫الرئيسي لإلصالح هو المدخل السياسي. لكن في الوقت‬ ‫ذاته ظلت مطالب حق التشغيل دون حلول حقيقية وبقي‬ ‫أبناء الجهات ينتظرون حقهم في التشغيل و حق جهاتهم‬ ‫في التنمية.‬ ‫في هذه الفترة تم التعامل مع عديد االعتصامات و‬ ‫الحركات االحتجاجية على أنها من صنع قوى الثورة‬ ‫المضادة التي تريد إجهاض الثورة ومن صنع أيادي‬ ‫خفية كما جاء على لسان السيد محمد الغنوشي في كلمة‬ ‫استقالته.‬ ‫من مارس 7720 إلى ديسمبر 7720 عندما استلم‬ ‫السيد الباجي قائد السبسي رئاسة الحكومة طرح خريطة‬ ‫طريق سياسية (انتخابات المجلس التأسيسي) ورغم أن‬ ‫02‬
  • 21.
    ‫هذا المطلب كانمطلب اعتصام القصبة 0 فإن المسار‬ ‫بعد ذلك كان مسارا سياسيا، اهتمت األحزاب باإلعداد‬ ‫لالنتخابات و تمحور الجدل داخل هيئة تحقيق أهداف‬ ‫الثورة حول قضايا سياسية، بمعنى أن قضايا التشغيل و‬ ‫قضايا التنمية بقيت أيضا في المرتبة متأخرة في‬ ‫اهتمامات السياسيين.‬ ‫في هذه الفترة تواصلت االعتصامات و الحركات‬ ‫االحتجاجية و تم التعامل معها أيضا على أنها من صنع‬ ‫أيادي خفية مع إضافة أن هناك مخطط إلفشال‬ ‫االنتخابات.‬ ‫من ديسمبر 7720 إلى اآلن وجدت الحكومة الجديدة‬ ‫المنتخبة من المجلس التأسيسي نفسها أمام ملفات عالقة‬ ‫منذ 17 ديسمبر 2720 ورغم دعوتها لهدنة اجتماعية و‬ ‫تأكيدها على خطورة الوضع االقتصادي و تداعياته‬ ‫المستقبلية فإن حركة االعتصامات و االحتجاجات‬ ‫مازالت متواصلة.وهو أمر بديهي ألن ملف التشغيل و‬ ‫التنمية الجهوية العادلة الذي كان الحلقة الرئيسية في‬ ‫12‬
  • 22.
    ‫ثورة الشعب التونسيلم يحتل المرتبة الرئيسية في‬ ‫المتابعة من طرف السياسيين منذ سقوط بن علي.‬ ‫ويتم التعامل مع هذه االعتصامات و الحركات على أنها‬ ‫تندرج ضمن مخطط إلفشال حكومة االئتالف الثالثي و‬ ‫عمودها الفقري حركة النهضة.‬ ‫ال ندعو إلى استمرار هذه االعتصامات المضرة بالعجلة‬ ‫ُ‬ ‫االقتصادية..لكننا في الوقت ذاته ندعو إلى التعامل معها‬ ‫بوعي و فهم: أبناء الجهات الداخلية و العاطلون عن‬ ‫العمل لن يتوقفوا عن المطالبة باالرتقاء بأوضاعهم‬ ‫االجتماعية ما لم يلمسوا أن هناك فعال خطوات حقيقية‬ ‫في هذا االتجاه.‬ ‫22‬
  • 23.
    ‫الحركات االحتجاجية التُفسر بالمؤامرة فقط .....‬ ‫اخطأ النظام السابق حين حاول تفسير االنتفاضة الشعبية‬ ‫التي انطلقت من سيدي بوزيد يوم 14 ديسمبر بأنها‬ ‫مؤامرة ضد مكاسب و انجازات تونس ، وأن أطرافا‬ ‫مجهولة وملثمة و إرهابية تحرك الشباب و تحرضهم و‬ ‫تدفعهم إلى التظاهر و االحتجاج .‬ ‫أخطأ النظام السابق في قراءته لحقيقة ودوافع انتفاضة‬ ‫العاطلين عن العمل و المهمشين و الفقراء ، ألنه لم‬ ‫يبحث عن األس‬ ‫باب في الوقائع الملموسة ، إنما ذهب إلى ما يُرضيه وما‬ ‫يدين اآلخر ، ذهب إلى نظرية المؤامرة ألنها األسهل‬ ‫للتفسير و ترمي المسؤولية على اآلخرين .‬ ‫وعلى قاعدة هذا التفسير التآمري جاء خطاب التهديد و‬ ‫الوعيد و تطبيق القانون "بكل حزم" الذي أثبت مسار‬ ‫الثورة في تونس أنه زاد المنتفضين قوة و إرادة للوصول‬ ‫باالنتفاضة إلى آخر مراحلها أي الثورة و إسقاط رأس‬ ‫النظام.‬ ‫*****‬ ‫إن تعاطي النظام السابق مع مطالب العاطلين عن العمل‬ ‫و المهمشين و الفقراء هو بمثابة الدرس لكافة‬ ‫الحكومات،درس جوهره أن التفسير التآمري‬ ‫لالحتجاجات االجتماعية ورمي المسؤولية على اآلخرين‬ ‫32‬
  • 24.
    ‫ال يزيد األوضاعإال تأزما ، وهو درس ال يبدو أن‬ ‫الحكومات التي تتالت على قيادة البالد بعد 14 جانفي قد‬ ‫استوعبته جيدا.‬ ‫لم تستوعبه حكومة السيد محمد الغنوشي فاضطرت‬ ‫لالستقالة تحت ضغط اعتصام القصبة3 ، وقال السيد‬ ‫محمد الغنوشي إن أيادي خفية كانت تحرض على‬ ‫اإلضرابات و االعتصامات و تضع العصا في عجلة‬ ‫الحكومة و ال تريدها أن تنجز برنامجها اإلصالحي .‬ ‫ولم تستوعبه أيضا حكومة السيد الباجي القائد السبسي‬ ‫التي وزعت االتهامات في أكثر من مناسبة إلى مجهولين‬ ‫و أيادي خفية تعمل لعرقلة خريطة الطريق التي تقدمت‬ ‫بها‬ ‫.‬ ‫وال يبدو أيضا أن حكومة 23 أكتوبر بدورها قد‬ ‫استوعبت الدرس، فهي بصدد تفسير االحتجاجات‬ ‫بالمؤامرة ضدها و بالتخطيط إلسقاطها.‬ ‫*****‬ ‫دون شك أن فلول النظام البائد وكافّة العناصر التي كانت‬ ‫مرتبطة بهذا النظام والتي فقدت مصالحها وامتيازاتها‬ ‫وسقطت بسقوط النظام تعمل على خلق التوتّر و"تجتهد"‬ ‫حتى ال يتفرّغ أبناء الشعب الذين أنجزوا الثورة للبناء‬ ‫ولرسم مستقبل جديد لتونس بل ويحرصون على عرقلة‬ ‫42‬
  • 25.
    ‫كل خطوة إيجابيةإلى األمام باإلشاعات وإثارة النعرات‬ ‫المتخلفة من نعرات جهوية وقبلية وغيرها هدفهم الوحيد‬ ‫أن ال تنهض البالد على قدميها.‬ ‫هذا أمر مفهوم ومعلوم و كل تجارب الثورات في العالم‬ ‫عرفت الثورات المضادة وميليشيات الحرس القديم ولن‬ ‫تكون تونس استثناء في هذا الصدد ألن ثورة 14 جانفي‬ ‫ليست استثناء في تاريخ اإلنسانية .‬ ‫لكن ما هو غير مفهوم أن تصبح "الثورة المضادة"‬ ‫الشماعة التي تعلق عليها الحكومات أخطاءها وعدم‬ ‫قدرتها على المسك "برأس الخيط" في هذه المرحلة‬ ‫ّ‬ ‫االنتقالية والدقيقة التي تمر بها البالد.‬ ‫كنا نبهنا عندما استلمت حكومة 23 أكتوبر مهامها أن‬ ‫عوائق كثيرة ومتنوعة تمأل الطريق أمامها ، أهمها و‬ ‫أخطرها الملف االقتصادي و تداعياته االجتماعية‬ ‫،خاصة في الجهات التي كانت تنتظر نصيبها من التنمية‬ ‫في فترة بن علي و تنتظر اليوم نصيبها من الثورة. وهو‬ ‫ملف يرفض التعامل بالعواطف و حسن النوايا و اإلرادة‬ ‫االيجابية.ألنه يتطلب فهما دقيقا لواقع دقيق يتداخل فيه‬ ‫أكثر من معطى.‬ ‫ُ‬ ‫52‬
  • 26.
    ‫صورة تونس فيالخارج:‬ ‫الصورة األصلية وحدها القادرة على اإلشعاع‬ ‫صورة تونس في الخارج ( مشرقة كانت أم عكسها) من‬ ‫ُ‬ ‫يرسمها ؟ هل ترسمها الحكومات ؟ أم الشعوب؟ أم‬ ‫يرسمها اإلعالم من خالل القضايا والملفات التي ينشرها‬ ‫؟‬ ‫أسئلة تطرح اليوم على خلفية تصريحات عدد من‬ ‫الفاعلين السياسيين و المسؤولين الحكوميين ، تقول أن‬ ‫صورة تونس في الخارج أصبحت مهزوزة بسبب أداء‬ ‫اإلعالم وما ينشره وتركيزه على ملفات اال‬ ‫عتصامات و اإلضرابات و "الخطر السلفي" ، وغير‬ ‫ذلك من المسائل التي تعطل قدوم االستثمارات األجنبية‬ ‫وتثير الخوف لدى السياح ، و الحال أن البالد اليوم في‬ ‫حاجة إلى رسائل طمأنة لكافة الجهات ، طمأنة‬ ‫المستثمرين و السياح و الشركاء االقتصاديين.‬ ‫أغلب الفاعلين السياسيين و الحقوقيين و اإلعالميين في‬ ‫تونس يدركون أن صورة تونس في الخارج كانت إحدى‬ ‫الواجهات التي "اشتغل" عليها النظام السابق ،وسخر من‬ ‫أجلها اإلمكانات المادية والبشرية من أجل أن تكون‬ ‫تونس في عيون اآلخرين "بلد األمن و االستقرار" و‬ ‫"بلد االنجازات والمكاسب" .‬ ‫62‬
  • 27.
    ‫ويدركون أيضا الدورالذي كانت تقوم به الوكالة‬ ‫التونسية لالتصال الخارجي في هذا االتجاه ،‬ ‫والضغوطات التي كانت تُمارس على المؤسسات‬ ‫اإلعالمية واإلعالميين في تونس للتعتيم على الملفات و‬ ‫القضايا التي من شأنها أن "تسيء " إلى صورة تونس‬ ‫في الخارج.ومع ذلك لم تنجح منظومة النظام السابق في‬ ‫رسم صورة مشرقة لتونس في الخارج ، ألن الوقائع‬ ‫الميدانية كانت دائما أقوى من إرادة التضليل و التعتيم .‬ ‫لم تنجح منظومة النظام السابق ألنها استبعدت أداء‬ ‫حكومات بن علي من تفاصيل الصورة التي أرادت‬ ‫رسمها ، استبعدت الفساد و المحسوبية والرشوة والخلل‬ ‫في البرامج التنموية ، واعتقدت أن تقريرا صحفيا في‬ ‫إحدى الصحف األجنبية أو الفضائيات من شأنه أن‬ ‫يغطي عن الحقائق الملموسة.‬ ‫إن أفضل صورة لتونس في الخارج منذ االستقالل تلك‬ ‫التي رسمها الشعب التونسي بكافة مكوناته من 14‬ ‫ديسمبر 1413 إلى 14 جانفي 4413 ، صورة أصلية‬ ‫عكست إرادة الشعب التونسي في التغيير و التمسك بقيم‬ ‫الحرية و الديمقراطية والعدالة االجتماعية .‬ ‫برز في تلك الصورة أبناء الشعب التونسي ، برز محمد‬ ‫البوعزيزي الذي أضرم النار في جسده ليمهد الطريق‬ ‫أمام ثورة أسقطت مؤسسات حكمت 23 سنة ،وبرزت‬ ‫صورة أبناء سيدي بوزيد و القصرين وتالة و الشمال‬ ‫72‬
  • 28.
    ‫الغربي و األحياءالفقيرة ينتفضون ضد الحيف‬ ‫االجتماعي ، وبرزت صورة الحناجر تهتف يوم 14‬ ‫جانفي "ديقاج" .‬ ‫هذه الصورة األصلية التي رسمها الشعب التونسي‬ ‫أسقطت أيضا الصورة المركبة التي حاول النظام السابق‬ ‫رسمها من خالل شراء التقارير الصحفية في وسائل‬ ‫اإلعالم األجنبية وفرض الوصاية على اإلعالم المحلي ،‬ ‫وإبراز "المكاسب و االنجازات" والتقليل من حدة‬ ‫المشاكل السياسية و االقتصادية واالجتماعية.‬ ‫في المحصلة أثبتت ثورة 14 جانفي أن الصورة األصلية‬ ‫وحدها القادرة على اإلشعاع ، أما الصورة المركبة فإنها‬ ‫غير قادرة على الصمود طويال.‬ ‫82‬
  • 29.
    ‫مؤامرة" المعارضة إلسقاطالحكومة أم "مؤامرة"‬ ‫الحكومة إلسقاط المعارضة‬ ‫ين التأكيد و التشكيك يراوح الجدل في تونس مكانه حول‬ ‫"المؤامرة" إلسقاط حكومة 23 أكتوبر المنتخبة ، ال‬ ‫المسؤولين في الحكومة الذين أثاروا الملف قدموا‬ ‫اإلثباتات و الدالئل و األطراف المورطة ، وال المشككين‬ ‫تمكنوا من اإلقناع بغيابها أصال.وفي الحقيقة يعكس هذا‬ ‫الجدل في جانب منه ما بلغته حالة التجاذب بين الفرقاء‬ ‫السياسيين بعد انتخابات 23 أكتوبر التي فازت فيها‬ ‫حركة النهضة اإلسالمية بأغلب المقاعد في المجلس‬ ‫الوطني التأسيسي.‬ ‫حركة النهضة تقول إن الخاسرين في االنتخابات أو‬ ‫"جماعة صفر فاصل" كما يحلو ألنصارها أن يصفوهم‬ ‫، لم يقبلوا نتائج صناديق االقتراع ويعملون من أجل‬ ‫عرقلة عمل الحكومة من خالل التحريض على‬ ‫االعتصامات و اإلضرابات وخلق مناخ متوتر ، وفي‬ ‫المقابل ترفض األحزاب اليسارية والوسطية المتهمة‬ ‫بعرقلة عمل الحكومة االتهامات الموجهة لها و تعتبر أن‬ ‫حكومة 23 أكتوبر هي المسؤولة عن حالة الالاستقرار‬ ‫االجتماعي لعدم تعاطيها مع الملفات االقتصادية‬ ‫واالجتماعية ألوسع فئات المجتمع ، وتذهب إلى حد‬ ‫92‬
  • 30.
    ‫اعتبار أن الحكومةال تملك برنامجا واضح المعالم من‬ ‫شأنه أن يُخرج البالد من عنق الزجاجة.‬ ‫ورغم أن هذا الجدل لم يكن غائبا عن المشهد السياسي‬ ‫العام في تونس منذ سقوط زين العابدين بنعلي ، فقد سبق‬ ‫أن وجّهت الحكومة األولى للسيد محمد الغنوشي‬ ‫االتهامات ذاتها لخصومها السياسيين وكذلك فعلت‬ ‫الحكومة الثانية للسيد الباجي القائد السبسي، رغم ذلك‬ ‫لم ُتلق المؤامرة بضاللها على المشهد في تونس ولم يتم‬ ‫التسويق لها كما هو الحال بالنسبة للحكومة الحالية .وذلك‬ ‫على األقل لألسباب التالية:‬ ‫‪‬إن حكومة 23 أكتوبر هي حكومة منتخبة تستمد‬ ‫شرعيتها من صناديق االقتراع وهو ما يعني أن التآمر‬ ‫عليها، هو تآمر على الشرعية.‬ ‫‪‬إن حكومة 23 أكتوبر عملت منذ أن تولت تسيير‬ ‫شؤون البالد إلى خلق قاعدة فرز جديدة بين الفاعلين‬ ‫السياسيين تقوم على من مع الشرعية ومن ضدها ، بعد‬ ‫أن كانت قبل انتخابات المجلس الوطني التأسيسي بين من‬ ‫مع استكمال مهام الثورة وبين من يعمل على االلتفاف‬ ‫عليها.‬ ‫03‬
  • 31.
    ‫‪‬إن حكومة 23أكتوبر على خالف الحكومتين األولى‬ ‫والثانية، تستند إلى قاعدة واسعة من األنصار و‬ ‫المتعاطفين تدافع عنها وتروج لخطابها بما في ذلك القول‬ ‫إن مؤامرة تُحاك ضد الحكومة إلضعافها و إسقاطها.‬ ‫ال بد من القول إن الحديث عن مؤامرة تشترك فيها‬ ‫"أطراف تدعي الديمقراطية وعدد من رموز النظام‬ ‫السابق وجهات خارجية " هو من أخطر االتهامات التي‬ ‫وجهت ألطراف سياسية منذ 17 جانفي 7720 ، ألنها‬ ‫ترتقي إلى مستوى التآمر على أمن الدولة و البالد مع ما‬ ‫يعميه ذلك من ضرورة لمحاكمة األطراف المورطة‬ ‫على قاعدة هذه التهمة .‬ ‫غير أن عدة إشكاالت حقيقية تطرح حول جدية هذا‬ ‫االتهام، بل حول وجود مؤامرة، من ذلك:‬ ‫‪‬إن الجهات المتهمة غير معلومة إلى حد اآلن وترفض‬ ‫ُ‬ ‫األطراف التي تتحدث عن المؤامرة الكشف عنها رغم‬ ‫تصاعد نسق الحديث عن هذه المؤامرة وخطورتها.‬ ‫‪‬إن الفريق الحكومي غير متفق على وجود مؤامرة‬ ‫بالحجم الذي تحدث عنه كل من المستشار السياسي‬ ‫لرئيس الحكومة ووزير النقل.‬ ‫13‬
  • 32.
    ‫‪‬إن مسؤوال فيوزارة الداخلية أكد غياب المؤامرة بل‬ ‫وذهب إلى حد القول إن الحديث عنها يدخل في خانة‬ ‫حرية التعبير.‬ ‫‪‬إن األطراف التي قد تكون معنية ضمنيا بتهمة التآمر‬ ‫تطالب الحكومة بالكشف عن خيوط هذه المؤامرة و‬ ‫تفاصليها.‬ ‫وعليه فإن الصورة كالتالي: جزء من الحكومة يتحدث‬ ‫عن مؤامرة وجزء آخر ينفيها، معارضة تطالب بالكشف‬ ‫عن المؤامرة فيأتي الرد سيكون ذلك في الوقت المناسب،‬ ‫لكن دون توضيح هل الوقت المناسب للجزء من‬ ‫الحكومة الذي يتحدث عن المؤامرة أم الوقت المناسب‬ ‫لمصلحة تونس؟‬ ‫23‬
  • 33.
    ‫مؤتمر النهضة ..مؤتمرالتمكن من الحكم‬ ‫في كلمته في افتتاح المؤتمر التاسع لحركة النهضة ،‬ ‫الذي لم تحضره أغلب قيادات أحزاب السياسية بما في‬ ‫ذلك شريك النهضة في الحكم المؤتمر من أجل‬ ‫الجمهورية ، وجه السيد حمادي الجبالي رسالة غير‬ ‫مشفرة إلى المؤتمرين، هي الفوز في االنتخابات‬ ‫التشريعية المقبلة بأغلبية مريحة‬ ‫األمين العام لحركة النهضة يدرك ما يقول وإن جاءت‬ ‫رسالته بعد كلمة رئيس الحركة السيد راشد الغنوشي‬ ‫الذي وجه رسائله إلى المجتمع السياسي عموما داعيا‬ ‫للوفاق و الشراكة و الوحدة‬ ‫بين الرسالتين سلك متين ال تستطيع حركة النهضة ردمه‬ ‫: الوفاق و الشراكة مع مكونات المجتمع السياسي دون‬ ‫ضغوط التحالفات وما تفرضه من تنازالت .وهو الدرس‬ ‫الذي ربما استفادت منه حركة النهضة من تجربتها‬ ‫القصيرة في الحكم مع حزبي التكتل الديمقراطي‬ ‫والمؤتمر من أجل الجمهورية‬ ‫33‬
  • 34.
    ‫ويبدو أن رسالةالسيد حمادي الجبالي وصلت إلى‬ ‫المؤتمرين واضحة دون تشويش ، كل الخالفات و‬ ‫التباينات في تقييم مختلف المحطات التي مرت بها حركة‬ ‫النهضة يجب أن ال تُبعد البوصلة عن وجهتها الصحيحة‬ ‫أي االنتخابات المقبلة التي ستعطي للحركة شرعية حكم‬ ‫أقوى من الشرعية المؤقتة التي منحتها لها انتخابات 23‬ ‫أكتوبر 4413 .‬ ‫الحركة التي جاءت إلى الحكم بغبار السرية و الهجرة ال‬ ‫يمكن أن تفرط فيه بعد أن المست معنى الحكم وإن‬ ‫بشرعية يمنحها نظام مؤقت للسلطات العمومية . هذا‬ ‫يجعلنا نفهم لماذا تمت الدعوة إلى مؤتمر استثنائي بعد‬ ‫سنتين ولماذا تم تأجيل فتح عدد من الملفات الداخلية لهذا‬ ‫المؤتمر.‬ ‫في كلمة المؤتمر التاسع لحركة النهضة الذي انعقد تحت‬ ‫شعار " مستقبلنا بين أيدينا" هو مؤتمر التمكن من الحكم‬ ‫.‬ ‫43‬
  • 35.
    ‫حول جدل التعويضللمساجين السياسيين:‬ ‫الخطاب ال يغير الواقع و الملفات الملموسة تتطلب‬ ‫حلوال ملموسة‬ ‫ال يخلو الجدل حول موضوع التعويضات المادية‬ ‫للمساجين السياسيين من جوانب شعبوية مستمدة من حالة‬ ‫التجاذب التي يعرفها المشهد السياسي العام في البالد.‬ ‫وحصر الجدل في" مع أو ضد التعويض " و انتقاء‬ ‫األمثلة والمبررات من الجانبين ال أعتقد أنه يدفع بالنقاش‬ ‫التعويض المادي و المعنوي لمساجين الرأي هو احد‬ ‫مبادئ العدالة االنتقالية وثمة عدة تجارب في هذا الصدد‬ ‫منها التجربة المغربية و إن كانت مختلفة عن الوضع‬ ‫الذي تمر به حاليا تونس. وبالتالي إن الذين يدعون إلى‬ ‫تعويض المساجيين السياسيين في نهاية األمر لم يأتوا‬ ‫ببدعة ..هذه حقيقة يجب االعتراف بها .‬ ‫لكن الحكمة في األداء الحكومي هي القدرة على تحديد‬ ‫األولويات وبالنسبة لحكومة "الترويكا" في تونس‬ ‫األولوية مازالت أهداف ثورة 14 جانفي 4413 :‬ ‫53‬
  • 36.
    ‫النهوض بالجهات المحرومةالتي انطلقت منها الثورة ،‬ ‫ملف البطالة والتشغيل ، ملفات شهداء و جرحى الثورة ،‬ ‫ُ‬ ‫وهي ملفات مازالت لم تعرف بعد طريقها إلى بداية‬ ‫التسوية.‬ ‫في سيدي بوزيد ( مهد الثورة التونسية) انطلقت قبل أيام‬ ‫احتجاجات عمال الحضائر ، وفي القصرين التي دفعت‬ ‫أكبر عدد من الشهداء و الجرحى مقر الوالية (‬ ‫المحافظة) مغلق منذ أسابيع ، في الكاف (الشمال الغربي‬ ‫) ..الوضع االجتماعي مازال يتسم بالتوتر..وكذلك الشأن‬ ‫في أغلب مدن البالد.‬ ‫وعندما يقول أبناء القصرين و سيدي بوزيد و قفصة و‬ ‫غيرها من المناطق الداخلية المهمشة أنهم مازالوا‬ ‫ينتظرون نصيبهم من التنمية ..وعندما تكون البطالة احد‬ ‫الملفات الرئيسية في الوضع االجتماعي في البالد بعد‬ ‫أكثر من سنة و نصف من الثورة ..وعندما تؤكد األرقام‬ ‫أن الوضع االقتصادي في البالد مازال في مرحلة حرجة‬ ‫..وعندما يصيح شهداء و جرحى الثورة أنهم مازالوا في‬ ‫63‬
  • 37.
    ‫انتظار تسوية ملفاتهم..تكون اإلجابة دائما أن تسوية هذه‬ ‫الملفات يتطلب سنوات ..وقد يكون األمر كذلك فعال‬ ‫في ظل هذا الوضع هل من الحكمة طرح مشروع‬ ‫التعويض للمساجين السياسيين ؟ وإعطائه هذه األولوية ؟‬ ‫ربما ليس مبالغة التأكيد أن حكومة "الترويكا" تمر هذه‬ ‫األيام بأصعب فتراتها بسب الملفات المفتوحة أمامها و‬ ‫عليها ، فباإلضافة إلى الوضع االجتماعي و االقتصادي‬ ‫استقالة وزير المالية وقبل ذلك إقالة محافظ البنك‬ ‫المركزي . ورغم أن الخطاب المعلن للمسؤولين‬ ‫الحكوميين يحاول التخفيف من حدة هذه الصعوبات .لكن‬ ‫الخطاب ال يغير الواقع ألن الملفات الملموسة تتطلب‬ ‫حلوال ملموسة‬ ‫قد تتراجع الحكومة عن أولوية ملف التعويض للمساجين‬ ‫السياسيين (ولن تفرط فيه) ، لكنها ال يمكن أن تتراجع‬ ‫عن مطالب الفقراء و المحرومين ( وقود الثورة) ألن أي‬ ‫تراجع يعني مزيد الصعوبات ، وما حدث في سيدي‬ ‫بوزيد قبل أيام هو بمثابة ناقوس إنذار حقيقي لمن يريد‬ ‫أن يستوعب الدروس في حينها‬ ‫73‬
  • 38.
    ‫حكومة الترويكا التيتمثل حركة النهضة اإلسالمية‬ ‫عمودها الفقري في موقف حرج و الخروج منه يبدأ أوال‬ ‫بتخلص هذه "الحكومة السياسية " من ضغوطات‬ ‫االنتخابات المقبلة ألن الحكومات دورها التعامل مع‬ ‫مطالب مواطنيها االجتماعية و االقتصادية و السياسية‬ ‫وليس العمل من أجل مكاسب يتم توظيفها في االنتخابات‬ ‫المقبلة‬ ‫83‬
  • 39.
    ‫تونس …الثورة المغدورة‬ ‫بعدأكثر من سنة ونصف من ثورة تونس ، ال يبدو أن‬ ‫هناك من استوعب جوهرها أكثر من الذين أشعلوا‬ ‫شرارتها ودفعوا بها إلى أن سقط رأس النظام ..إنهم‬ ‫الفقراء و المهمشين و العاطلين عن العمل.‬ ‫ّ‬ ‫جوهر الثورة اجتماعي واقتصادي ،ثورة من أجل التنمية‬ ‫العادلة والتوزيع العادل للثروة والحق في التشغيل ،‬ ‫لخصها بشكل مكثف وقوي شعار” التشغيل استحقاق يا‬ ‫ّ‬ ‫عصابة السرّاق.”‬ ‫ال يمكن ألي جهة في الداخل أو الخارج أن تنفي هذه‬ ‫الحقيقة وتعطي للثورة مضمونا آخر غير هذا المضمون‬ ‫، وال يمكن ألي طرف أن يعتبر استكمال أهداف الثورة‬ ‫بعيدا عن هذا المضمون االجتماعي و االقتصادي.‬ ‫الفقراء و المهمشون والعاطلون عن العمل استوعبوا‬ ‫ّ‬ ‫أكثر من غيرهم جوهر الثورة ألنهم مازالوا بعد أكثر من‬ ‫عام ونصف يرفعون المطالب ذاتها ومازال الحق في‬ ‫التشغيل والحق في التنمية الشعار الرئيس في‬ ‫احتجاجاتهم وان اختلفت القراءات السياسية لهذه‬ ‫االحتجاجات من الحزب الحاكم إلى المعارضة.‬ ‫****‬ ‫93‬
  • 40.
    ‫لم يستوعب الفاعلونالسياسيون في تونس جوهر الثورة‬ ‫وقيمتها وإن عبروا عن ذلك ..لقد أضفوا قراءاتهم‬ ‫السياسية و اإليديولوجية على حراك الفقراء و المهمشين‬ ‫فحادوا بالثورة عن مسارها الحقيقي ، و التجاذبات‬ ‫السياسية التي يشهدها المشهد السياسي العام هو أحد‬ ‫اإلفرازات المكشوفة.‬ ‫ال أحد اجتهد قوال وفعال لمحاصرة هذا التجاذب الذي‬ ‫بدأا يتوسع و يتطور ليصل إلى معتقدات الناس و نمط‬ ‫عيشهم، يحدث كل هذا باسم الثورة!!‬ ‫وأخطر مظاهر هذا التجاذب زرع بذور الفتنة بين‬ ‫التونسيين على خلفية انتماءاتهم و معتقداتهم ، وما فشل‬ ‫االستعمار المباشر وغير المباشر في تحقيقه ثمة اليوم‬ ‫من ينفخ في الشرارة لتلتهم وحدة التونسيين.‬ ‫ماحدث في القيروان وقابس و بنزرت هو نفخ في شرارة‬ ‫الفتنة وضرب لوحدة التونسيين وطعن للثورة في الظهر.‬ ‫بعد أكثر من عام ونصف من انجاز التونسيين لثورتهم‬ ‫التي هزت العالم..تبدو الثورة التونسية مطعونة ومغدورة‬ ‫04‬
  • 41.
    ‫" اكبس" ..لفكالضغط على الحكومة !!‬ ‫أن تكون حملة " اكبس" (أي اضغط) ، مبادرة من‬ ‫داخل حركة النهضة أو من خارجها، ذلك أمر غير‬ ‫مهم ، المهم هو هل أن هذه المبادرة لدعم الحكومة‬ ‫أم للضغط عليها من أجل انجاز أهداف الثورة.‬ ‫جاءت حملة " اكبس" في فترة تزايدت فيها‬ ‫االنتقادات ألداء الحكومة وخاصة ضعفها في‬ ‫التعاطي مع ملفات التنمية وكشف ملفات الفساد و‬ ‫فرض األمن ، وربما أكثر هذه االنتقادات رمزية‬ ‫ما جاء على لسان رئيس الجمهورية ذاته الذي‬ ‫حذر من ثورة ثانية في مناسبة أولى و لمح إلى‬ ‫ّ‬ ‫خطورة هيمنة حركة النهضة على مفاصل الدولة‬ ‫في مناسبة ثانية.‬ ‫و المتابع ألداء الحكومة يالحظ أن أغلب‬ ‫االنتقادات الموجهة إليها ، لم تأت من فراغ ،‬ ‫فالوقائع الميدانية تؤكد أن هذا األداء مازال لم‬ ‫يرتق إلى ما انتظره أبناء الجهات الفقيرة‬ ‫والمحرومة و شهداء وجرحى الثورة و إلى ما‬ ‫انتظره ضحايا الفساد ..الخ.‬ ‫حاولت الحكومة في أكثر من مناسبة تبرير ضعف‬ ‫14‬
  • 42.
    ‫أدائها مرة بـ"الثورة المضادة" وبإرباك‬ ‫المعارضة ألدائها ، وأخرى بحجم الملفات التي‬ ‫ورثتها عن النظام السابق وأيضا عن الحكومة التي‬ ‫سبقتها( حكومة السيد الباجي القايد السبسي) ،‬ ‫وأحيانا بالقفز إلى األمام والقول - رغم ذلك- أن‬ ‫الحكومة الحالية هي األقوى في تاريخ تونس منذ‬ ‫االستقالل ، دون أن تقدم ما يؤكد ذلك باستثناء أنها‬ ‫حكومة شرعية ومنتخبة.‬ ‫وال يبدو أن هذه التبريرات وجدتها صداها القوي‬ ‫لدى عموم الشارع في تونس ، فأبناء الجهات‬ ‫الداخلية المحرومة الذين لم يكفوا عن االحتجاج‬ ‫رفضوا أن تفسر احتجاجاتهم بأنها من أفعال الثورة‬ ‫المضادة ، والمعارضة رفضت دائما أن يتم تفسير‬ ‫كل ما يحدث من حراك في الشارع بأنه مؤامرة‬ ‫منها إلسقاط الحكومة .‬ ‫مثلت هذه العومل عناصر ضغط حقيقية على‬ ‫الحكومة ( بالتونسي نقول "كبسة" ) ، ثم أنضاف‬ ‫إليها عنصر آخر ال يقل أهمية ،هو اقتراب موعد‬ ‫23 أكتوبر الذي تعتبر عديد األطراف أنه موعد‬ ‫انتهاء الشرعية االنتخابية للحكومة حسب المرسوم‬ ‫الذي نظم انتخابات المجلس الوطني التأسيسي.‬ ‫24‬
  • 43.
    ‫في هذا اإلطاروفي هذا التوقيت جاءت حملة "‬ ‫اكبس" رافعة شعارات المحاسبة و التطهير وفتح‬ ‫ملفات الفساد ، وهي من الشعارات الرئيسية للثورة‬ ‫واليمكن معارضتها ، إنما من المفروض دعمها و‬ ‫االنخراط فيها من المعارضة التي رفعت هذه‬ ‫الحكومة.‬ ‫لمحاججة‬ ‫الشعارات‬ ‫لكن دائما بين الشعارات و األفعال مساحة ،‬ ‫فشعارات المحاسبة و التطهير التي رفعتها حملة‬ ‫"اكبس" ، اثبت األفعال ( وقفة الجمعة 42 أوت‬ ‫في العاصمة- وقفة السبت 4 سبتمبر في صفاقس)‬ ‫أنها في جانب منها ال تختلف عن التبريرات التي‬ ‫كانت تقدمها الحكومة من كونها عرضة للمؤامرة‬ ‫من المعارضة و من الثورة المضادة..بل أن عديد‬ ‫الشعارات التي رفعت في هذه التظاهرات كانت‬ ‫موجهة للمعارضة وتدعم الحكومة و حضور‬ ‫بعض المسؤولين الحكوميين ضمنها هو دليل قوي‬ ‫.‬ ‫فهل الحكومة الشرعية في حاجة لالنخراط في‬ ‫حملها تحثها على فتح ملفات الفساد ؟ وهل الحزب‬ ‫الحاكم ( حركة النهضة) في حاجة للنزول للشارع‬ ‫للضغط على الحكومة التي شكلتها؟‬ ‫حملة " اكبس" قد تكون فكرتها تتماشى و أهداف‬ ‫34‬
  • 44.
    ‫الثورة ، لكنأدائها يشير أنها لدعم الحكومة و‬ ‫الضغط على الشارع ليدعمها‬ ‫44‬
  • 45.
    ‫"الوفاق" بعد 23أكتوبر..بين قوة الشعار وعراقيل‬ ‫الواقع‬ ‫قبل أسابيع من موعد 23 أكتوبر 3413 ، بدأت مساحة‬ ‫النقاش حول مستقبل حكومة "الترويكا " في‬ ‫تونس تتوسّع ، بين من يعتقد أن الشرعية االنتخابية التي‬ ‫تستند إليها هذه الحكومة تنتهي بحلول التاريخ المذكور‬ ‫،وبين من يتمسك بشرعيتها إلى حين انتهاء المجلس‬ ‫الوطني التأسيسي من إعداد الدستور.‬ ‫النقاش يتداخل فيه القانوني مع السياسي مع االلتزام‬ ‫األخالقي ( وثيقة 14 سبتمبر 4413) ،ويشمل إلى جانب‬ ‫الفاعلين السياسيين المعنيين بممارسة الحكم ،‬ ‫ّ‬ ‫األخصائيين في القانون الدستوري ، كل يقدم حججه‬ ‫ومبرراته لما يمكن أن تكون عليه مرحلة ما بعد 32‬ ‫أكتوبر ، دون التوصل إلى حد اآلن إلى وفاق حقيقي‬ ‫يحدد عناصر هذه المرحلة ومسارها.‬ ‫****‬ ‫غياب الوفاق له ما يفسره على أرض الواقع، وأيضا في‬ ‫54‬
  • 46.
    ‫العالقة بين األحزابالسياسية ألن هذا الجدل حول ما‬ ‫بعد 23 أكتوبر يجري في مناخ سياسي يتسم ب:‬ ‫.غياب إطار واضح للحوار الوطني بين الفاعلين‬ ‫السياسيين وكافة المتدخلين في الشأن الوطني ،وهو‬ ‫اإلطار الذي لم تحرص حكومة "الترويكا" على بعثه‬ ‫رغم النداءات المتكررة.‬ ‫.ارتفاع نسق التجاذبات السياسية استعدادا لالنتخابات‬ ‫المقبلة خاصة أن كافة األحزاب بدأت تعدل بوصلتها‬ ‫على االنتخابات المقبلة المزمع تنظيمها بعد االنتهاء من‬ ‫إعداد الدستور.‬ ‫.تباين في تقييم فترة حكم "الترويكا "، بين المعارضة‬ ‫التي تصفها بالفاشلة لعدم قدرة الحكومة على التعاطي مع‬ ‫أهم ملفات استحقاقات الثورة ، وبين الحكومة التي تعتبر‬ ‫أنها كانت عرضة لتعطيل دورها وعرقلة نشاطها‬ ‫والتآمر عليها من أجل إسقاطها.‬ ‫ويجري هذا النقاش أيضا في ظل مناخ اقتصادي و‬ ‫اجتماعي يتسم بالهشاشة و االضطراب ، فإلى جانب‬ ‫تواصل اإلضرابات و االعتصامات، خاصة في الجهات‬ ‫64‬
  • 47.
    ‫الداخلية ، تشيرالتقارير االقتصادية إلى صعوبة الظرف‬ ‫االقتصادي في تونس وحاجته إلى مناخ من األمن و‬ ‫االستقرار لينتعش و ينمو.‬ ‫وإضافة إلى ذلك فإن ملف العنف في المجتمع و التباين‬ ‫الواضح بين الحكومة و المعارضة في تفسير دوافعه‬ ‫وأسبابه وحدود مسؤولية الحكومة في توسّعه وانتشاره‬ ‫أصبح بدوره عنصرا هاما ال يمكن التغافل عنه ، خاصة‬ ‫أن الملف كانت له خالل المدة األخيرة تداعيات ملموسة‬ ‫على صورة تونس في الخارج ( االعتداءات على‬ ‫المبدعين – حادثة السفارة األمريكية.)..‬ ‫****‬ ‫في ظل هذا المناخ يدور الجدل و النقاش حول مرحلة‬ ‫دقيقة من مراحل االنتقال الديمقراطي في تونس ، و ال‬ ‫نعتقد أن أي نقاش مهما كانت إرادته جدية ونواياه‬ ‫صادقة يمكن أن يفضي إلى وفاق إذا لم يتم تخليص‬ ‫المشهد العام في البالد من العناصر و األسباب التي تعيق‬ ‫الوصول إلى قاعدة توافق حقيقية‬ ‫74‬
  • 48.
    ‫ونعتقد أن التأسيسآللية حوار وطني تجمع كافة الفاعلين‬ ‫السياسيين تمثل الخطوة األولى المطلوبة حاليا ، وتتحمل‬ ‫الحكومة المسؤولية في الحرص على بعثها ضمانا لسد‬ ‫األبواب أمام أي مأزق جديد يمكن أن يهدد البالد .‬ ‫84‬
  • 49.
    ‫النهضة والسلفيون: التصادمغير المتكافئ‬ ‫عندما دوى رصاص السلفية الجهادية في احدى‬ ‫الضواحي الجنوبية للعاصمة التونسية في كانون‬ ‫أول/ديسمبر 2006، انطلق الجدل بين النخب والفاعلين‬ ‫السياسيين حول حجم هذا التيار واألسباب الخاصة‬ ‫لظهوره. وكان للسيد راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة‬ ‫رأيا في هذا الموضوع عبر عنه من مقر اقامته وقتها في‬ ‫لندن قائال أن ما ظهر من السلفية هو "رأس جبل‬ ‫الجليد".‬ ‫الذين تابعوا ذلك الجدل والنقاش اعتبروا أن رأي‬ ‫الغنوشي تضمن رسائل متعددة الى نظام بن علي.‬ ‫الرسالة األولى تحذر من توسع قاعدة السلفية الجهادية‬ ‫في البالد، والثانية تحاول إقناعه أن "ال مفر من التعاطي‬ ‫مع االسالم المعتدل" في مواجهة التطرف.‬ ‫عموما لم يكن موقف حركة النهضة (وهي في‬ ‫المعارضة وقيادتها في الخارج) من السلفية الجهادية‬ ‫بعيدا عن هذه الرؤية المستمدة أصال من مواقف حكومية‬ ‫ودولية ظهرت بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 1006،‬ ‫دفعت في اتجاه المزيد من التعاطي مع االسالم السياسي‬ ‫المعتدل.‬ ‫94‬
  • 50.
    ‫بعد 11 كانونالثاني/يناير 1106 وهروب زين‬ ‫العابدين، تغير المشهد السياسي في تونس، ووجدت‬ ‫حركة النهضة نفسها طرفا أساسيا في المعادلة الجديدة،‬ ‫ليس من موقع المعارضة وإنما من موقع أحد المكونات‬ ‫الرئاسية للوفاق الذي حكم تونس في مرحلة أولى، ثم من‬ ‫موقع الحزب الحاكم بعد انتخابات 26 تشرين‬ ‫أول/أكتوبر 1106.‬ ‫في المقابل برز الملف السلفي على سطح المشهد الجديد‬ ‫بعد العفو عن الذين شاركوا في المواجهة المسلحة في‬ ‫2006 والبروز العلني لعدد من قياداتهم وحضورهم‬ ‫الميداني في أكثر من محطة.‬ ‫وبدا واضحا لكافة المراقبين أن مسار حركة النهضة في‬ ‫التعاطي مع الوضع في تونس لن يكون هو مسار التيار‬ ‫السلفي، فقد اختارت حركة النهضة دخول اللعبة‬ ‫السياسية الجديدة من بابها الكبير مع ما تفرضه من‬ ‫تحالفات وتنازالت وتوافقات، هدفها الوصول الى‬ ‫السلطة من بوابة العملية االنتخابية.‬ ‫اختار التيار السلفي االستفادة من حضوره العلني‬ ‫الفتكاك مواقع ميدانية دون التورط في العملية السياسية.‬ ‫برز ذلك من خالل سيطرة السلفيين على العديد من‬ ‫المساجد وخوضهم لمعركة النقاب في الجامعة التونسية‬ ‫05‬
  • 51.
    ‫الى جانب النشاطاالجتماعي في عديد األحياء الفقيرة‬ ‫والجهات الداخلية المحرومة.‬ ‫ورغم التباين الظاهري بين المسارين، فإن كل طرف‬ ‫حاول االستفادة من مسار الطرف اآلخر، لتأكيد معطى‬ ‫روج له بعض مشايخ وحكومات الخليج، وهو أن ثورات‬ ‫ّ‬ ‫الربيع العربي هي ثورات إسالمية، سترد االعتبار‬ ‫لمكانة االسالم ودوره في المجتمع.‬ ‫هذا ما يفسر غياب التصادم بين حركة النهضة و التيار‬ ‫السلفي في أكثر من محطة. وقد حرصت حركة النهضة‬ ‫(المنخرطة في العملية السياسية) على تأجيل هذا‬ ‫التصادم، وهو تأجيل تحركه اعتبارات سياسية تقود‬ ‫الحزب الحاكم الجديد الذي عمل على توسيع قاعدة حزام‬ ‫المتعاطفين مع "مشروع الحكم اإلسالمي " في مواجهة‬ ‫المشروع العلماني. وربما تطلب األمر غض الطرف‬ ‫عن التجاوزات التي يقوم بها السلفيون. من ذلك‬ ‫سيطرتهم بالقوة على المساجد وهجومهم على الحانات‬ ‫وغلقها بالقوة ومنعهم لعديد التظاهرات الثقافية.‬ ‫اقصى ما كان يصدر عن حركة النهضة والمسؤولين‬ ‫الحكوميين أن التعاطي مع السلفيين يكون فقط بالحوار.‬ ‫حيث تحدث زعيم الحركة السيد راشد الغنوشي في أكثر‬ ‫من مناسبة عن ضرورة الحوار مع السلفيين، لكن دون‬ ‫15‬
  • 52.
    ‫أن تبرز نتائجهذا الحوار باستثناء التصريحات التي‬ ‫أدلى بها في بعض المناسبات بعض زعماء ما يُعرف بـ‬ ‫"السلفية العلمية".‬ ‫لكن أمام توسع حجم تجاوزات السلفيين وتراخي السلطة‬ ‫التنفيذية لوضع حد لهذه التجاوزات، تحرك المجتمع‬ ‫المدني في تونس للتشهير بالطرفين، ووصلت أصداء‬ ‫ذلك الى االعالم االجنبي. وأصبحت صورة الثورة‬ ‫التونسية التي وصفت بثورة الياسمين وثورة الحرية و‬ ‫الكرامة، مرتبطة بما أفرزته من عنف سلفي.‬ ‫وما أحرج بالدرجة األولى حركة النهضة، خاصة، تفاقم‬ ‫األوضاع االقتصادية واالجتماعية الهشة التي تتطلب‬ ‫تدفق االستثمارات وانجاز المشاريع.‬ ‫إن الضغط الداخلي على حركة النهضة من طرف‬ ‫المجتمع المدني والمجتمع السياسي الى جانب الضغط‬ ‫الدولي دفع الحكومة للتلويح بالتصادم مع السلفيين.‬ ‫وكانت أولى تلميحات النهضويين أن جزء منهم‬ ‫(السلفيين) هم "صنيعة النظام السابق" وأن من يحركهم‬ ‫هم "فلول النظام السابق" الى التأكيد أنهم يخدمون‬ ‫"أجندة الثورة المضادة"، ثم انطلقت حملة اعتقاالت‬ ‫شملت بعض عناصر هذا التيار على خلفية تورطهم في‬ ‫أعمال عنف .‬ ‫25‬
  • 53.
    ‫هذه الحملة وإنيعتبرها مراقبون ال ترتقي إلى ما‬ ‫يستحقه هذا الملف من تعامل، إال أنها أعادت كل من‬ ‫حركة النهضة والتيار السلفي إلى بداية مسارهما في‬ ‫التعاطي مع الوضع في تونس.‬ ‫حركة النهضة بينت أنها الحركة السياسية المنخرطة في‬ ‫اللعبة السياسية مع ما يتطلب ذلك من تقديم تنازالت حتى‬ ‫على حساب أقرب التيارات الفكرية واإليديولوجية اليها،‬ ‫من أجل ضمان استمرارها في السلطة. أما التيار السلفي‬ ‫الذي يرفض االنخراط في السياسة الوضعية، يبدو أنه‬ ‫اختار سياسة الهروب إلى األمام.‬ ‫اليمكن التكهن بنتائج هذا التصادم والدرجة التي يمكن أن‬ ‫يبلغها. ليس من ناحية التيار السلفي الذي بين منذ ظهوره‬ ‫العلني أنه ثابت على مواقفه وإنما من ناحية حركة‬ ‫النهضة التي لم تخف أنها حركة براغماتية تتعامل مع‬ ‫الوضع من خالل موازين القوى وما يضمن لها‬ ‫االستمرار في السلطة .‬ ‫35‬
  • 54.
    ‫حملة "اكبس".. االنتخابية‬ ‫فيجميع تحركاتهم حرص منظمو حملة "اكبس" على‬ ‫التذكير بأنها مستقلة ال ترتبط بحزب "النهضة"‬ ‫اإلسالمي، وأنها عنوانها الكبير هو الضغط على‬ ‫الحكومة "من أجل تسريع تحقيق أهداف الثورة".‬ ‫لكن النشاطات التي انطلقت قبل أسابيع في العاصمة‬ ‫تونس وبلغت ذروتها في السابع من أيلول/سبتمبر‬ ‫الجاري في اعتصام ساحة القصبة قرب مقر رئاسة‬ ‫الحكومة تضع عالمات استفهام كبيرة على مزاعم‬ ‫االستقاللية.‬ ‫خمسة آالف جلّهم من أنصار التيار اإلسالمي شاركوا‬ ‫في التظاهرة، كان يتقدمهم أحد أبرز قيادات النهضة‬ ‫الحبيب اللوز والمستشار السياسي لرئيس الحكومة لطفي‬ ‫زيتون.‬ ‫الشعارات التي هتف بها المشاركون في القصبة كانت‬ ‫هي نفسها التي حملها الحزب الحاكم في المجلس الوطني‬ ‫التأسيسي. مهاجمة اإلعالم واإلعالميين جاءت بالطريقة‬ ‫ذاتها التي تتردد على ألسنة المسؤولين في الحكومة، ما‬ ‫يجعل من "اكبس" حلقة جديدة في سلسلة دعم الحكومة‬ ‫المؤقتة ومساندتها في مواجهة االنتقادات الموجهة إليها.‬ ‫45‬
  • 55.
    ‫جاءت هذه المبادرةفي فترة تزايدت فيها االنتقادات‬ ‫ألداء الحكومة وخاصة ضعفها في التعاطي مع ملفات‬ ‫التنمية وكشف ملفات الفساد و فرض األمن. ربما أكثر‬ ‫هذه االنتقادات رمزية ما جاء على لسان رئيس‬ ‫الجمهورية المؤقت ذاته الذي حذر من ثورة ثانية في‬ ‫مناسبة أولى، ولمح إلى خطورة هيمنة حركة النهضة‬ ‫ّ‬ ‫على مفاصل الدولة في مناسبة ثانية.‬ ‫المتابع ألداء الحكومة يلحظ أن أغلب االنتقادات الموجهة‬ ‫إليها لم تأت من فراغ، فالوقائع الميدانية تؤكد أن هذا‬ ‫األداء مازال لم يرتق إلى ما انتظره أبناء الجهات الفقيرة‬ ‫والمحرومة وشهداء وجرحى الثورة وما انتظره ضحايا‬ ‫الفساد.‬ ‫حاولت الحكومة في أكثر من مناسبة تبرير ضعف أدائها‬ ‫مرة بـ" الثورة المضادة" وبإرباك المعارضة ألدائها،‬ ‫وأخرى بحجم الملفات التي ورثتها عن النظام السابق‬ ‫وأيضا عن الحكومة التي سبقتها (حكومة السيد الباجي‬ ‫القايد السبسي)، وأحيانا بالقفز إلى األمام والقول - رغم‬ ‫ذلك- أن الحكومة الحالية هي األقوى في تاريخ تونس‬ ‫منذ االستقالل، دون أن تقدم ما يؤكد ذلك باستثناء أنها‬ ‫حكومة شرعية ومنتخبة.‬ ‫55‬
  • 56.
    ‫ال يبدو أنهذه التبريرات وجدت صداها القوي لدى‬ ‫عموم الشارع في تونس، فأبناء الجهات الداخلية‬ ‫المحرومة الذين لم يكفوا عن االحتجاج رفضوا أن تفسر‬ ‫احتجاجاتهم بأنها من أفعال الثورة المضادة، والمعارضة‬ ‫رفضت دائما أن يتم تفسير كل ما يحدث من حراك في‬ ‫الشارع بأنه مؤامرة منها إلسقاط الحكومة .‬ ‫هذه العوامل مثّلت عناصر ضغط حقيقية على الحكومة.‬ ‫يضاف إلى كل ذلك عنصر آخر ال يقل أهمية، هو‬ ‫اقتراب موعد 26 تشرين أول/ أكتوبر، وهو موعد‬ ‫انتهاء الشرعية االنتخابية للحكومة، حسب المرسوم الذي‬ ‫نظم انتخابات المجلس الوطني التأسيسي قبل أقل من‬ ‫سنة.‬ ‫في هذا اإلطار وفي هذا التوقيت جاءت حملة "اكبس"‬ ‫التي لم يعد خافيا أنها حملة أنصار الحكومة لدعم‬ ‫الحكومة وحملة أنصار حركة النهضة إلبراز أن‬ ‫حركتهم مازال لها قاعدتها الشعبية.‬ ‫حملة "اكبس" كما أرادها منظموها اكتفت إلى حد اآلن‬ ‫بوقفة احتجاجات، لكن حملة "اكبس" الحقيقية التي‬ ‫يمارسها العاطلون عن العمل وأبناء الجهات الداخلية‬ ‫65‬
  • 57.
    ‫المحرومة و أبناءاألحياء الفقيرة الذين كانوا وقود ثورة‬ ‫11 كانون ثاني/ يناير مازالت مستمر‬ ‫تونس ..عاصمة إلضرابات الجوع‬ ‫بعد أكثر من سنة ونصف على سقوط النظام السابق،‬ ‫مازالت اضرابات الجوع في تونس تسجل حضورا بقوة.‬ ‫فقد دخل أعضاء من المجلس الوطني التأسيسي‬ ‫(البرلمان) مطلع تشرين أول/ اكتوبر الجاري إضرابا‬ ‫عن الطعام احتجاجا على حملة مداهمات واعتقاالت‬ ‫شملت متظاهرين من مدينة منزل بوزيان التي قدمت‬ ‫أول شهيد في الثورة التونسية.‬ ‫كما قام شيوخ وعجائز بعضهم تجاوز العقد الثامن،‬ ‫بإضراب عن الطعام في المدينة ذاتها للمطالبة بإطالق‬ ‫سراح أبنائهم، الذين احتجوا وتظاهروا للمطالبة بالحق‬ ‫في التشغيل ونصيب الجهة من التنمية.‬ ‫صحفيون وصحافيات من دار الصباح وصحيفة السور‬ ‫األسبوعية، أيضا دخلوا في اضراب جوع دفاعا عن‬ ‫استقاللية المؤسسات االعالمية وعن حق الصحف في‬ ‫اإلعالنات العمومية.‬ ‫75‬
  • 58.
    ‫وقبل ذلك كانعشرات من جرحى الثورة وعائالت‬ ‫الشهداء ومن العاطلين عن العمل دخلوا في اضرابات‬ ‫عن الطعام في أكثر من مدينة وقرية.‬ ‫صدى هذه االضرابات وصل الى وسائل االعالم‬ ‫االجنبية في مشهد يذكر تماما بما كان عليه األمر قبل‬ ‫الثورة، حتى أن بعض المسؤولين الجدد رددوا العبارات‬ ‫ذاتها التي كان يرددها المسؤولون السابقون "ثمة من‬ ‫يعمل على تشويه صورة تونس في الخارج".‬ ‫بدأت قصة التونسيين مع اضرابات الجوع عندما أصبح‬ ‫هذا الخيار هو الوسيلة الوحيدة أمام الحقوقيين والناشطين‬ ‫السياسيين واالعالميين لمواجهة االستبداد، وهو خيار‬ ‫صعب ألنه يضع حياة المضرب عن الطعام أمام خطر‬ ‫معلوم، لكنه كان الخيار الذي ال مفر منه في مواجهة‬ ‫االستبداد والتضييق على الحريات.‬ ‫وتمكن التونسيون بدء من سنة 0006 من مراكمة‬ ‫ً‬ ‫تجربة نوعية في تنظيم هذا النوع من االضرابات، ففي‬ ‫تلك السنة أضرب الصحفي توفيق بن بريك عن الطعام‬ ‫احتجاجا على منعه من الكتابة وهو اضراب كسر حاجز‬ ‫الخوف لدى العديد من التونسيين وفتح األبواب أمام‬ ‫سلسلة أخرى من االضرابات يبقى أهمها اضراب 11‬ ‫أكتوبر 2006 الذي شارك فيه حقوقيون وناشطون‬ ‫85‬
  • 59.
    ‫سياسيون وإعالميون منضمنهم وزير حقوق االنسان‬ ‫والعدالة االنتقالية الحالي سمير ديلو.‬ ‫كان هذا االضراب هو األهم ألنه وحّد المعارضة‬ ‫السياسية باختالف مرجعياتها االيديولوجية وجمع‬ ‫ّ‬ ‫الحقوقيين واالعالميين حول مطالب حرية االعالم‬ ‫وحرية التنظيم.‬ ‫وأضربت أيضا المحامية والحقوقية راضية النصراوي‬ ‫أكثر من ثالثين يوما احتجاجا على المضايقات التي‬ ‫تعرضت لها، وأضرب في السجون مساجين حركة‬ ‫النهضة، وهي االضرابات التي قال عنها الناشط‬ ‫الحقوقي السوري هيثم مناع إنها "األطول في السجون‬ ‫األفريقية".‬ ‫لقد ساهمت هذه االضرابات، وقتها، في وضع ملف‬ ‫حقوق االنسان والحريات في تونس تحت المجهر،‬ ‫وحظيت بمتابعة في أعلى الهيئات االوروبية‬ ‫واألمريكية، وهو ما أحرج كثيرا النظام السابق الذي‬ ‫عجز عن رسم صورة أخرى لتونس غير صورة البلد‬ ‫الذي تنتهك فيه الحريات و حقوق االنسان.‬ ‫بعد الثورة، سقطت كافة القيود التي كانت مفروضة على‬ ‫الحريات وعلى حقوق االنسان في تونس، ووجد بعض‬ ‫95‬
  • 60.
    ‫من كانوا يشاركونفي اضرابات الجوع أنفسهم في‬ ‫مواقع قيادية في الدولة، وكأن الثورة كافأتهم على تلك‬ ‫النضاالت.‬ ‫الثورة التونسية كانت في جوهرها ثورة على الخيارات‬ ‫االقتصادية واالجتماعية للنظام السابق، التي حرمت‬ ‫جهات وأقاليم كاملة من تنمية حقيقية، فتوسع الفقر‬ ‫وارتفعت نسب البطالة وغرق الشباب في قوارب الموت‬ ‫نحو الضفة الشمالية للبحر االبيض المتوسط.‬ ‫وكان من المفروض أن يعي المسؤولون الجدد الذين‬ ‫جاؤوا للحكم من النضال السياسي والحقوقي ومن‬ ‫اضرابات الجوع داخل السجون وخارجها، جوهر الثورة‬ ‫وبالتالي جوهر انتظارات ابناء الجهات المحرومة‬ ‫والمهمشة والعاطلين عن العمل و سكان األحياء الفقيرة.‬ ‫لكن ما حصل أن كل الحكومات التي تعاقبت منذ 11‬ ‫كانون الثاني/يناير 1106 بما في ذلك الحكومة المنتخبة‬ ‫يوم 26 اكتوبر 1106، جعلت من االصالحات‬ ‫االقتصادية واالجتماعية تحتل مراتب متأخرة في‬ ‫أولوياتها، معوضة االجراءات الملموسة بالوعود مرة‬ ‫وباإلشارة الى صعوبة ودقة الوضع االقتصادي في‬ ‫أغلب األحيان.‬ ‫06‬
  • 61.
    ‫لم يلمس الشبابالذي كان وقود الثورة ثمار دوره في‬ ‫اسقاط النظام السابق، ولم يتغير حال الجهات الداخلية‬ ‫التي بقيت محرومة ومهمشة، ولم تفلح الوعود والحلول‬ ‫اللفظية في اقناع هؤالء، فكان من الطبيعي أن تبرز من‬ ‫جديد الحركات االحتجاجية وتتوسع الحركة المطلبية.‬ ‫إن المتمعن في التوزيع الجغرافي والقطاعي لهذه‬ ‫التحركات يالحظ أنها في الجهات والقطاعات التي‬ ‫انطلقت منها شرارة الثورة.‬ ‫وقد تعاملت الحكومة الحالية مع هذه التحركات بأساليب‬ ‫مختلفة، فمن وصف المحتجين بأدوات "بيد الثورة‬ ‫المضادة" و"أزالم النظام السابق" الى استعمال الحل‬ ‫االمني، دون أن تتقدم في ايجاد حلول لألسباب الحقيقية‬ ‫لهذه االحتجاجات أي الحق في الشغل والتنمية.‬ ‫ويبقى مثال مدينة منزل بوزيان (محافظة سيدي بوزيد)‬ ‫هو األبرز، فقد استعمل ابناء هذه المدينة كافة االشكال‬ ‫للفت انتباه الحكومة الى حقيقة أوضاعهم لكن دون‬ ‫جدوى، مما اضطرهم الى التصعيد في حركة احتجاجهم‬ ‫وهو ما قابلته الحكومة بجملة من المداهمات واالعتقاالت‬ ‫شملت العديد من الشبان أغلبهم ممن شاركوا في الثورة.‬ ‫16‬
  • 62.
    ‫وأمام هذه االعتقاالتورفض الحكومة اطالق سراح‬ ‫المعتقلين لم يبق اال خيار اضراب الجوع الذي شارك فيه‬ ‫شيوخ تجاوز بعضهم عقده الثامن وساندهم أعضاء من‬ ‫المجلس الوطني التأسيسي .‬ ‫وفي قطاع االعالم ال يبدو االمر مغايرا، فرغم‬ ‫التحذيرات التي اطلقها المهنيون وهياكلهم الممثلة من‬ ‫محوالت الحكومة إلعادة انتاج الهيمنة على قطاع‬ ‫االعالم، ليكون اداة بيدها مثلما كان الشأن قبل ثورة 11‬ ‫يناير 1106.‬ ‫اعتبرت الحكومة دائما أن االعالم غير محايد وال‬ ‫يتعاطى مع الحكومة المنتخبة بما يتطلب التعاطي مع‬ ‫حكومة "تمثل إرادة الشعب"، وبلغ األمر بأنصار‬ ‫الحكومة واألحزاب المكونة لها الى حد توصيف االعالم‬ ‫أنه أداة "بيد الثورة المضادة". بل وذهبت الحكومة في‬ ‫خطوات عملية اكدت انها بصدد وضع يدها على االعالم‬ ‫من أجل السيطرة عليه وذلك من خالل سلسلة من‬ ‫التعيينات على راس بعض المؤسسات االعالمية من‬ ‫ضمنها دار الصباح.‬ ‫تمت هذه التعيينات بشكل فوقي دون التشاور بين الهيكل‬ ‫الممثلة وهو ما صعد من شدة االحتجاجات انتهت‬ ‫26‬
  • 63.
    ‫بإضراب الجوع الذيشنه مجموعة من الصحفيين ألكثر‬ ‫من شهر دفاعا عن استقاللية المؤسسة االعالمية.‬ ‫تونس مازالت عاصمة اضرابات الجوع رغم الثورة‬ ‫التي حصلت وهو ما يعني ان اهداف الثورة مازالت لم‬ ‫تحقق ألن في تحقيقها سيرحل هذا التوصيف‬ ‫36‬
  • 64.
    ‫عودة إلى صحافةبن علي‬ ‫منذ إعالن تشكيلها قبل أقل من سنة ترى الحكومة‬ ‫المؤقتة أن االعالم التونسي غير محايد وال يتعاطى معها‬ ‫بصفتها حكومة منتخبة تمثل "إرادة الشعب". بل إن‬ ‫األمر بلغ باألحزاب الثالثة المكونة للحكومة إلى حد‬ ‫وصف االعالم بأنه "أداة بيد الثورة المضادة".‬ ‫في المقابل تتهم النقابات اإلعالمية الحكومة بالعمل على‬ ‫إعادة انتاج الهيمنة على قطاع االعالم، متحدثة عن‬ ‫"حساسية مفرطة" لدى حزب النهضة اإلسالمي على‬ ‫وجه الخصوص إزاء حرية التعبير.‬ ‫التجاذب بين الطرفين مازال قائما، بل تحول إلى معركة‬ ‫بين مدافعين ومتمسكين باستقاللية االعالم وبين محاولين‬ ‫لتركيعه والسيطرة عليه مثلما كان الشأن قبل ثورة 11‬ ‫جانفي 1106.‬ ‫ّ‬ ‫في هذا المناخ من االتهامات المتبادلة قدم حزب المؤتمر‬ ‫من أجل الجمهورية (حزب رئيس الجمهورية منصف‬ ‫المرزوقي) مشروع قانون جديد للصحافة وحرية التعبير‬ ‫يخفف – حسب رأي الحزب- من هذا التجاذب.‬ ‫46‬
  • 65.
    ‫ويستند المشروع علىثالثة أفكار أساسية هي "حرية‬ ‫االعالم هي المبدأ" و"الحد منها للمصلحة العامة‬ ‫ومصلحة األفراد جائز" و"الحد منها ال ينبغي التوسع‬ ‫فيه و ال أن يتجاوز ما هو ضروري".‬ ‫ومن المالحظ ورود كلمة "الحد" من حرية االعالم في‬ ‫عنصرين من أصل ثالثة رئيسة "لكل تشريع يخص‬ ‫االعالم"، باإلضافة إلى تأكيد واضعي المشروع على‬ ‫ضرورة "وضع حد لالفراط في حرية االعالم التي‬ ‫تغافل عنها تشريعنا..".‬ ‫وتتضمن عديد الفصول الواردة في مشروع القانون‬ ‫عقوبات مالية وجسدية بحق الصحفيين عند ارتكابهم‬ ‫"مخالفات"، من ذلك مثال ما ورد في الفصل 11‬ ‫(يعاقب بالسجن لمدة ستة أشهر وبخطية (غرامة) قدرها‬ ‫الف ومائتا دينار تحقير األديان القائمة في البالد).‬ ‫ولم يوضح مشروع القانون معنى احتقار االديان، فتقديم‬ ‫عبارة فضفاضة دون توضيح من شأنه أن يحد من حرية‬ ‫التعبير.‬ ‫كما أن الفصل 41 ينص على أن "يعاقب بالسجن لمدة‬ ‫سنة والخطية بألف ومائتي دينار من ينشر ...خبرا‬ ‫زائفا". وتعتبر هذه العقوبة قاسية ألن تحديد الخبر‬ ‫56‬
  • 66.
    ‫الزائف من دونهمسألة في حاجة الى اجتهاد، وتطرح‬ ‫ملفا أوسع هو حق الصحفي في الخطأ.‬ ‫كما يتضمن المشروع عدة فصول أخرى ذات طابع‬ ‫زجري عقوبتها قاسية من شأنها أن تحد من حرية‬ ‫الصحفي.‬ ‫من المهم التذكير في هذا الصدد أن أغلب القوانين‬ ‫المنظمة لقطاع اإلعالم قبل 11 جانفي بما في ذلك مجلة‬ ‫الصحافة (قانون الصحافة) كانت تعتمد على قوانين‬ ‫زجرية تستند على مصطلحات فضفاضة كثيرا ما وقع‬ ‫استغاللها للحد من حرية التعبير والزج بإعالميين في‬ ‫السجون. ومن بين هذه المصطلحات " المصلحة‬ ‫الوطنية" و" األمن العام".‬ ‫وهو ما يدفع للقول إن جوهر المشروع الذي قدمه حزب‬ ‫الرئيس الحاكم يستند الى رؤية حزب سياسي في الحكم‬ ‫وال يمكن أن يكون مشروعا لتجاوز حالة التجاذب‬ ‫الراهنة بين اإلعالميين والحكومة.‬ ‫ويطرح تقديم حزب المؤتمر من أجل الجمهورية هذا‬ ‫المشروع المتعلق بحرية اإلعالم أسئلة أخرى تهم‬ ‫"أحقية" األحزاب السياسية في تقديم مشاريع قوانين‬ ‫66‬
  • 67.
    ‫قطاعات لها هياكلهاالنقابية الممثلة دون الرجوع إليها‬ ‫كما هو الشأن بالنسبة لقطاع االعالم.‬ ‫صحيح أن قطاع اإلعالم شأن عام يهم كافة مكونات‬ ‫المجتمع المدني والسياسي، لكن مسألة التشريع وتنظيم‬ ‫القطاع ترجع باألساس الى الهياكل المنظّمة للمهنة.‬ ‫فتقديم مشروع قانون حول حرية االعالم من طرف‬ ‫حزب سياسي، ال يمنع في المستقبل أي حزب آخر من‬ ‫المبادرة بتقديم مشروع آخر يهم قطاع المحاماة أو الطب‬ ‫ّ‬ ‫أو القضاء دون استشارة أهل المهنة، وهو ما يذكر‬ ‫بتعاطي النظام السابق مع مختلف القطاعات.‬ ‫إن حرية االعالم في تونس هي مكسب من مكاسب‬ ‫ّ‬ ‫الثورة وال يمكن ألي حزب أن ينسبها لنفسه ومحاوالت‬ ‫الحد منها تحت أي عنوان هو سعي لسلب أحد مكاسب‬ ‫الثورة.‬ ‫وإذا كان مطروحا اليوم تنظيم النشاط االعالمي في‬ ‫تونس فيجب أن يكون على قاعدة هذه الحرية مع فسح‬ ‫المجال أمام المهنيين و هياكلهم الممثلة لالضطالع‬ ‫بدورهم في هذا المجال‬ ‫76‬
  • 68.
    ‫رئاسي برلماني، األنسبلمن؟‬ ‫لم يوضّح بيان الهيئة التنسيقية العليا ألحزاب االئتالف‬ ‫الحاكم الثالثة (حركة النهضة وحزب التكتل وحزب‬ ‫المؤتمر من أجل الجمهورية)، الصادر األحد الماضي‬ ‫(6106001021) تفاصيل وخصوصيات النظام‬ ‫السياسي الجديد الذي اقترحته، إذ جاء في البيان "اختيار‬ ‫نظام سياسي مزدوج يُنتخب فيه رئيس الجمهورية‬ ‫مباشرة من الشعب يضمن التوازن بين السلطات وداخل‬ ‫السلطة التنفيذية".‬ ‫ورغم التباس البيان، فإن هذا المقترح حسم جدال محتدا،‬ ‫منذ الثورة التونسية، حول طبيعة النظام السياسي، وأثار‬ ‫ردود الفاعلين السياسيين وخبراء القانون الدستوري.‬ ‫السيدة مية الجريبي، األمينة العامة للحزب الجمهوري‬ ‫عبرت عن ارتياح حزبها لهذا المقترح، خاصة في نقطته‬ ‫المتعلقة بانتخاب رئيس الجمهورية مباشرة من الشعب،‬ ‫وهذا االرتياح مفهوم للمراقبين والمهتمين بالشأن‬ ‫السياسي في تونس، فالحزب الجمهوري من األحزاب‬ ‫التي اعتبرت دائما أن النظام الرئاسي هو األنسب للبالد‬ ‫86‬
  • 69.
    ‫وأن رئيس الجمهوريةيجب أن يُنتخب مباشرة من‬ ‫الشعب.‬ ‫أما األستاذ الجامعي المختص في القانون الدستوري قيس‬ ‫سعيد فقد أبدى تحفظات حول اختيار هذا النظام السياسي‬ ‫من ناحية أنه يوزع السلطة التنفيذية بين "رأسين" قد‬ ‫يصطدمان عند التعاطي مع الملفات الملموسة. ونبه الى‬ ‫مخاطر هذا النظام السياسي الجديد اذا لم يتم بشكل دقيق‬ ‫تحديد صالحيات كل من رئيس الجمهورية والحكومة.‬ ‫ومن المنتظر أن يرتفع نسق الجدل حول هذا المقترح‬ ‫داخل المجلس الوطني التأسيسي، السلطة األصلية‬ ‫المؤهلة تشريعيا الختيار النظام السياسي الجديد لتونس.‬ ‫جدل قد يُبرز حجم التباين بين الفاعلين السياسيين لكنه‬ ‫لن يؤثر على نتائج التصويت طالما أن التحالف الثالثي‬ ‫الحاكم يتمتع بأغلبية األصوات داخل المجلس الوطني‬ ‫التأسيسي.‬ ‫التجاذب حول هذا المقترح يمس أيضا جوانب أخرى‬ ‫تتعلق بدوافع توافق التحالف الثالثي الحاكم على هذا‬ ‫النظام السياسي.‬ ‫فحركة النهضة االسالمية، أهم طرف في التوافق، كانت‬ ‫قد دافعت دائما عن خيار النظام البرلماني، واعتبرت أن‬ ‫96‬
  • 70.
    ‫النظام البرلماني هواألقدر على القطع مع االستبداد‬ ‫وتغول السلطة، مستندة في ذلك على تجربة الحكم‬ ‫ّ‬ ‫الرئاسي الذي عرفته تونس منذ االستقالل مع الرئيس‬ ‫األسبق الحبيب بورقيبة وخلفه زين العابدين بن علي.‬ ‫وقد تضمن البرنامج االنتخابي الذي تقدمت به النهضة‬ ‫في انتخابات 26 تشرين اول/ أكتوبر 1106، تأكيدا‬ ‫على خيار النظام البرلماني. كما دافع النهضويون في‬ ‫لجنة التشريع التابعة للمجلس الوطني التأسيسي في‬ ‫النقاشات االولية حول النظام السياسي على النظام‬ ‫البرلماني .‬ ‫إن قبول حركة النهضة بالنظام المزدوج، هو تراجع‬ ‫واضح من طرفها للحفاظ على بعض التوافقات، وخاصة‬ ‫على تحالفاتها مع شريكيها في الحكم. وهي الزالت تعمل‬ ‫من أجل الحفاظ على هذا التحالف الذي تسوقه على أنه‬ ‫"انموذجا تونسيا في التحالف بين االسالميين المعتدلين‬ ‫والعلمانيين المعتدلين".‬ ‫الواضح إن النظام المزدوج المقترح من التحالف الثالثي‬ ‫الحاكم هو النظام األنسب للحفاظ على وحدة التحالف،‬ ‫وليس بالضرورة هو األنسب للتونسيين، كما جاء على‬ ‫لسان السيد الصحبي عتيق رئيس كتلة حركة النهضة.‬ ‫فالقول إن النظام المزدوج هو األنسب للتونسيين يفترض‬ ‫07‬
  • 71.
    ‫كحد أدنى التوافقعليه داخل المجلس الوطني التأسيسي‬ ‫باعتباره ممثال للشعب أو في مرحلة أخرى االستفتاء‬ ‫عليه إن تتطلب األمر .‬ ‫أما النظام المزودج بحد ذاته، فلم يعرفه التونسيون إال‬ ‫من خالل تجارب اآلخرين. ويؤكد الخبراء في القانون‬ ‫الدستوري أنه ال يوجد من الناحية النظرية نظام يسمى‬ ‫النظام المزدوج، بل إن المقصود هنا هو نوع من النظام‬ ‫البرلماني أدخلت عليه تعديالت زادت من قوة السلطة‬ ‫التنفيذية عبر توسيع صالحيات رئيس الجمهورية مقارنة‬ ‫بما يتمتع به الرئيس في النظام البرلماني التقليدي. لذا‬ ‫فهو يجمع بين النظامين الرئاسي والبرلماني‬ ‫ويؤكد الخبراء في القانون الدستوري أن تونس لم تعرف‬ ‫النظام الرئاسي، بل عرفت النظام "الرئاسوي" الذي‬ ‫يعتبر نسخة مشوهة من النظام الرئاسي "الحقيقي" كما‬ ‫هو في الواليات المتحدة األمريكية .‬ ‫ومن مظاهر النظام الرئاسي أن يكون رئيس الجمهورية‬ ‫منتخب من الشعب، ويتولى رئاسة مجلس الوزراء، كما‬ ‫يعين الوزير األول، ويعين الوزراء و يقيلهم بناء على‬ ‫ً‬ ‫اقتراح رئيس الحكومة، ويعين رئيس الجمهورية أيضا‬ ‫كبار موظفي الدولة من مدنيين وعسكريين يتمتع‬ ‫بالسلطة التنظيمية و خاصة إصدار القرارات.‬ ‫17‬
  • 72.
    ‫ولم تعرف تونسأيضا النظام البرلماني، رغم أن‬ ‫التجربة الحالية للحكم التي يطلق عليها "النظام‬ ‫المجلسي"، أي أن السلطة األولى بيد المجلس الوطني‬ ‫التأسيسي.‬ ‫ويقيم العديد من المحللين السياسيين التجربة الحالية بأنها‬ ‫انموذج النظام البرلماني الذي كانت تدعو اليه حركة‬ ‫النهضة. حيث تتمركز أغلب السلطات التنفيذية بيد‬ ‫رئاسة الحكومة فيما ال يتمتع رئيس الجمهورية اال‬ ‫بصالحيات محدودة تجعل مجال تحركه محدودا.‬ ‫ومن مظاهر النظام البرلماني، ثنائية السلطة التنفيذية اذ‬ ‫يوجد رئيس حكومة، و البرلمان يراقب نشاط الحكومة،‬ ‫كما أن الحكومة مسئولة أمام البرلمان و يستطيع أن‬ ‫يسحب منها الثقة، ويمكن للسلطة التنفيذية حل البرلمان،‬ ‫وتشارك السلطة التنفيذية في الوظيفة التشريعية باقتراح‬ ‫القوانين و مناقشتها داخل البرلمان.‬ ‫إن خيار النظام المزدوج الذي يمزج بين النظامين‬ ‫الرئاسي والبرلماني المقترح من طرف التحالف الثالثي‬ ‫الحاكم في تونس، مازال مقترحا سيعرض على المجلس‬ ‫الوطني التاسيسي للنقاش و المصادقة عليه. وفي انتظار‬ ‫27‬
  • 73.
    ‫هذه المصادقة ستعرفالحياة السياسية في تونس حراكا‬ ‫وجدال حول هذا المقترح الذي سيرسم مالمح المستقبل‬ ‫السياسي لتونس‬ ‫37‬