في زمن تتسارع فيه التكنولوجيا ويتسيد فيه الظهور على الجوهر، يشرّح هذا الكتاب الواقع الثقافي والاجتماعي والنفسي الذي تمر به المجتمعات المعاصرة، وخصوصًا المجتمعات العربية، تحت وطأة التفاهة والسطحية والفراغ المعرفي.
يرصد الكتاب كيف تحولت "التفاهة" من ظاهرة هامشية إلى بنية مهيمنة تُعيد تشكيل الوعي الجمعي، وتُقصي المعرفة النقدية لصالح استهلاك سريع، تكراري، قابل للتداول، لكنه مفرّغ من أي عمق أو مسؤولية. لم تعد المعرفة هي مصدر التأثير، بل أصبح "المؤثر" هو من يُتقن فن الظهور لا فن الفكرة.
ينتقل الكاتب بنا من عالم المثقف إلى عالم المؤثر، ومن وظيفة التفكير إلى وظيفة الإمتاع اللحظي، حيث تحلّ الصورة مكان القيمة والمعنى، وتصبح الشهرة معيارًا للصدق لا البرهان.
يفكك الكتاب العلاقة المريبة بين الخوارزميات الرقمية وسلوك المستخدم، كاشفًا عن "هندسة الرغبة"، التي تُبرمجنا من الداخل دون أن نشعر. نعيش داخل فقاعات ترشيح تصنع لنا واقعًا وهميًا يبدو مريحًا، لكنه يعزلنا عن الاختلاف، عن الذات، وعن الحقيقة.
في فصول متعددة، يناقش المؤلف ظواهر مثل تفاهة المحتوى، واغتراب الجيل الرقمي، وانهيار المعايير الثقافية، واستبدال القيم بالترندات. ويُبيّن كيف تسهم النماذج الرائجة في تحويل المواطن من فاعل إلى متلقٍ، ومن منتج للمعنى إلى مستهلك للفراغ. ويطرح في المقابل بدائل عملية لإعادة الاعتبار للمعرفة والتفكير النقدي من خلال التعليم، الإعلام، السياسات العامة، والمبادرات الثقافية.
هندسة الفراغ ليس كتابًا نقدياً فقط، بل هو صرخة تنبيه، لضرورة وجود ثقافة جديدة تدعو إلى مقاومة الانحدار لا عبر الرفض الغاضب، بل عبر بناء مساحات بديلة تُعيد الاعتبار للمعنى، للعقل، وللإنسان.
هذا الكتاب يُخاطب القارئ الجاد، الباحث عن العمق، الرافض للسطحية.. للاستفاقة من سبات ثقافي طويل، ولإعادة صياغة علاقتنا بذواتنا، بمجتمعاتنا، وبالعالم من حولنا.