‫اإلصالح‬

‫﴿ إن أريد إ ّ اإلصالح ما استطعت‬
‫ال‬
‫وما توفيقي إ ّ باهلل﴾‬
‫ال‬

‫( قرآن كريم)‬

‫العدد السابع واألربعون السنة الثانية 8 ربيع األول 5341 - - جانفي 4102‬
‫العدد الثامن والعشرون السنة الثانية - 9مجادى الثانية 4341 0191 أفريل 3102‬

‫بعد ثالث سنوات من الثورة..حقيق بنا أن نفصح..‬
‫بقلم : محمد القوماني‬

‫الثورة التونسية وصناعة الحياة‬
‫بقلم : د. حسن الطرابلسي‬

‫ما هكذا تبنى األوطان، ما هكذا تنهض األمم ...‬
‫بقلم : شكري عسلوج‬

‫في السؤال القديم المتجدد:‬
‫الثورة العربية بين الممكن والمستحيل‬
‫بقلم : د.محمد الحاج سالم‬
‫األولى‬
‫بسم هللا والصالة والسالم على رسول هللا‬
‫ّ‬
‫ما حدث قبل ثالث سنوات كان حدثا جلال ال ريب فيه شد إليه أنظار العالم كلّه وأخرجنا نحن العرب من سباتنا العميق ومن واقع طغى عليه‬
‫االستبداد والظلم والقهر. لقد غيّرت األحداث التي اندلعت في تونس ثم انتشرت كانتشار النار في الهشيم في بقية الدول العربية موازين القوى‬
‫وأسقطت عددا من رؤوس األنظمة االستبدادية الفاسدة ومارست الشعوب ألول مرّة في تاريخها حقّها االنتخابي بكل حرّية وشفافية وأتت بمن‬
‫ّ‬
‫كان في السجون إلى سدة الحكم. غير أن األمور لم تسر كما تمنّتها الشعوب العربيّة وتحوّل الربيع العربي إلى خريف تساقطت معه المكاسب كما‬
‫تتساقط أوراق الشجر وتحوّل الحلم العربي إلى كابوس مخيف يعلم هللا وحده متى تستيقظ منه الشعوب.‬
‫فبدال من حصول انتقال من االستبداد والقمع إلى الحرّية والديمقراطية ومن نظام الشخص الواحد إلى نظام ديمقراطي ومن حكم العائلة إلى‬
‫حكم الشعب عبر إرساء دعائم نظام يقوم على المواطنة ، عاد النظام القديم في اليمن في جلباب جديد وانقلب العسكر على الرئيس الشرعي في‬
‫مصر ودخلت ليبيا في دوامة حرب العصابات ونظام الالدولة وتحولت سوريا إلى حلبة قتال عنيف راح ضحيّته عشرات اآلالف من المدنيين‬
‫ّ‬
‫السوريين من أطفال ونساء وشيوخ. أما تونس فقد شهدت عودة االغتياالت السياسية وأصبحت البالد تودع أزمة لتستقبل أخرى أعنف منها فهل‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫هذا هو النتاج الطبيعي للفترة االنتقالية التي تعرفها كل الثورات ؟ وهل تدخل هذه االضطرابات والتجاذبات ضمن إرهاصات الثورة؟ أم أنها‬
‫ّ‬
‫االنتكاسة والعودة إلى نقطة الصفر؟ وهل ما يحدث اليوم سببه فشل النخبة السياسية التي تسلّمت زمام األمور في تحقيق الشعارات التي رفعتها‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الجموع الثائرة وفي استعادة أمن واستقرار البالد ؟، أم أن قوى الردة أو ما يصطلح على تسميته بقوى الثورة المضادة قد بدأت تأخذ بزمام األمور‬
‫بعد أن فرضت وجودها في غياب قرارات ثورية لتحصين الثورة؟ أم أن األمر مرتبط أساسا بعوامل خارجيّة ضاغطة ومتحكمة في األحداث؟‬
‫أسئلة عديدة تطرح نفسها ونحن نحتفل بالذكرى الثالثة الندالع الثورات العربية ، لعلّنا نفهم ما حدث وما يحدث وما سيحدث في المستقبل.‬
‫يرى البعض أن القوى االستعمارية التي كانت تساند الطواغيت قد استفاقت بسرعة من صدمتها بعد أن فاجأها الزلزال العربي واستطاعت‬
‫بحكم حنكتها ودهاء سياسييها من جهة وضعف خبرة القوى التي أتت بها الثورة وعدم توحّدها من جهة أخرى بأن تأخذ من جديد بزمام األمور‬
‫وتتحكم في العملية السياسية بدول «ثورات الربيع العربي» وتوجهها نحو إجهاض عملية االنتقال الديمقراطي أو على األقل تشويهه بما يضمن‬
‫مصالحها االستعمارية وتبعية األنظمة الجديدة لمنظومتها.‬
‫ويرى البعض اآلخر بأن ما حدث خالل السنوات الثالث أمر طبيعي ذلك أن الثورة ليست عمال محدودا في الزمان والمكان وإنما هي عمل‬
‫معقّد من حيث تداخل عناصره وارتباطه بالواقع الجيو- سياسي واالجتماعي وهو أيضا شاق ومضن يتطلب الكثير من التضحيات والصبر والعمل‬
‫ٍ‬
‫واليقظة فال يمكن حرق مراحل الثورة أو استعجال قطاف ثمارها. وما يحدث اليوم في تونس أو في مصر إنما هي تحوالت طبيعيّة ومتوقعة فقوى‬
‫ّ‬
‫الثورة المضادة والمعارضة للنظام الجديد تتوحّد وتسعى جاهدة إلفشال المسار الثوري لكنها ستفشل حتما بقرار سنن التاريخ حتّى وان اعترت‬
‫هذا المسار هزّ‬
‫ات ومطبّات ألن ما يحدث اليوم إنما هو استكمال متأخر لموجة الديمقراطية الثالثة على رأي المفكر األمريكي الراحل صموئيل‬
‫هنتنغتون التي شملت دول من أوروبا الشرقية وأمريكا الالتينيّة وبعض الدول اإلفريقية أو هو بداية لموجة ديمقراطية رابعة انطلقت من تونس‬
‫لتنخرط فيها بقية الدول العربية وغيرها التي مازال يحكمها االستبداد والقمع.‬
‫ونحن نرى أن تفسير ما حدث خالل السنوات الثالث الماضية يحتمل شيئا من هذا وشيئا من ذاك . لقد قررت الشعوب العربية بانتفاضتها أن‬
‫ّ‬
‫تنخرط في عمليات التحرر من أنظمة االستبداد والتسلط والتماس طريقها نحو االنتقال الديمقراطي برغم أنف قوى الشد إلى الوراء ومن تساندها‬
‫َ ِ ُ‬
‫ْ‬
‫من قوى استعمارية وقوى معادية لهذه األمةّ تخشى نهضتها وستتحقق إرادتها بعون هللا « ونُريد أَن نَّمن علَى الَّذينَ استُضْ عفُوا فِي الأَْرْ ض‬
‫ُ َّ َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ َ ِّ‬
‫َ َ َ ُ َ َ ِ ْ َّ َ‬
‫ونَجْ علَهُم أَئِمةً ونَجْ علَهُم الوارثِينَ (5) ونُمكنَ لَهُم فِي الأَْرْ ض ونُري فِرْ عَوْ نَ وهَامانَ وجنُودهُما منهُم ما كانُوا يَحْ ذرُونَ (6)» سورة القصص .‬
‫ْ‬
‫َ َ ْ َّ َ َ ُ ْ َ ِ‬
‫ِ َ ِ‬
‫غير أن النجاح في تحقيق هذه اإلرادة ال يمكن أن يحصل إال عبر العمل المشترك في المسارات الثالثة التالية: السياسية والثقافية واالقتصادية.‬
‫فالمواطن العربي الذي ثار على االستبداد يرى أن أولوياته تكمن في تحسين األوضاع االقتصادية وتحقيق االستقـــرار واألمـــن وهذا ال يمكــن‬
‫ّ‬
‫أن يتحقق إالّ عبر إرساء نظام ديمقراطي حقيقي يرتكز على ثقافة المواطنة الغائبة إلى حد اآلن وهو ما يتطلب توحيد الجهود إلنجاز ثورة ثقافية‬
‫تنسف ثقافة االستبداد واألنانية والفوضى وتكرّس بديال وطنيّا قائما على االحترام المتبادل بين الدولة والمواطن وبين المواطنين أنفسهم وهو عمل‬
‫صعب وشاق ال نرى مكونات المجتمع المدني من جمعيات ومفكرين ومثقفين قد انطلقوا في انجازه بعد.‬
‫سيبقى تحول الشعوب العربية من واقع االستبداد والتهميش إلى واقع السيادة والمواطنة أعرجا ما لم تصاحبه ثورة ثقافية شاملة وحركة‬
‫اقتصادية تعمل في كل االتجاهات وتؤسس على حبّ العمل واالستثمار في الوطن ومن أجل الوطن وستبقى المرحلة القادمة مفتوحة على كل‬
‫االحتماالت مادامت القوى السياسية والمجتمعية تفتقر إلى رؤية مستقبلية مشتركة، أو متقاربة بالحدود الدنيا المطلوبة.‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫فهل ستتواصل الهزات واالرتدادات واألزمات خالل هذا العام الجديد أم ستعرف مختلف القوى كيف تضع القطار على السكة الصحيحة‬
‫لينطلق نحو الهدف المنشود؟ سؤال نختم به مصافحتنا وللحديث بقية.‬
‫-------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------- المهندس فيصل العش‬

‫2‬
‫الفهرس‬
‫بهدوء‬
‫بعد ثالث سنوات من الثورة..حقيق بنا أن نُفصح..‬
‫مجرّد رأي‬
‫الدستور التونسي والمنزلة بين المنزلتين‬
‫في الصميم‬
‫األمة في حاجة إلى «رجال مبادئ»‬
‫وليس إلى حوار «الطرش»‬
‫حوار حول الثورة‬
‫في السؤال القديم المتجدّد:‬
‫الثورة العربيّة بين الممكن والمستحيل‬
‫نقاط على الحروف‬
‫ما هكذا تُبنى األوطان، ما هكذا تنهض األمم ...‬
‫تمتمات‬
‫وأخيرا نجحنا‬
‫الكلمة الحرّة‬
‫ّ‬
‫اإلسالميّون والثورات العربيّة ... على سرير بروكوسْتْ‬
‫همسات‬
‫هل هي ثورة فعال ؟ هل هي انتفاضة ؟‬
‫هل هي مسار ثوري ؟ أم ماذا ؟‬
‫في العمق‬
‫الثورة التونسية وصناعة الحياة‬
‫وجهة نظر‬
‫الثورة التونسية بين عفن الموروث و معلمة الكهنوت‬
‫في التحليل السياسي‬
‫الثورة التونسية : من إسقاط النظام إلى عودة األزالم.‬
‫مدى النجاح أو الفشل !...‬
‫من وحي الحدث‬
‫صعوبات اإلنتقال الديمقراطي في دول الربيع العربي‬
‫بال حدود‬
‫في الثورة: يقولون « ثورة » في تونس مريضة، قلت‬
‫أغاني الحياة‬
‫راجع راجع لبالدي‬
‫قبل الوداع‬
‫بيت العنكبوت‬

‫محمد القوماني‬

‫4‬

‫عادل السمعلي‬

‫9‬

‫د. مصباح الشيباني‬

‫01‬

‫د. محمد الحاج سالم‬

‫21‬

‫شكري عسلوج‬

‫61‬

‫رفيق الشاهد‬

‫91‬

‫عبداللطبف علوي‬

‫02‬

‫إسماعيل بوسروال‬

‫32‬

‫د. حسن الطرابلسي‬

‫52‬

‫طه مصدق كعنيش‬

‫82‬

‫علي الطرهوني‬

‫03‬

‫محمد الطرابلسي‬

‫43‬

‫نعمان العش‬

‫63‬

‫غناء شباب الثورة‬

‫83‬

‫لطفي الدهواثي‬

‫93‬

‫3‬
‫بهدوء‬
‫ُ‬
‫بعد ثالث سنوات من الثورة..حقيق بنا أن نفصح..‬
‫بقلم : محمد القوماني*‬
‫ّ‬
‫يحيـي التونسيــون الذكــرى الثالثــة لثــورة الكرامــة والحريـــة‬
‫ّ‬
‫71 ديسمبر/ 41 جانفي، مرة أخرى في ظل حالة من االنقسام السياسي‬
‫الذي لم يسمح حتّى اآلن باالتفاق على تاريخ موحّد لذكرى الثورة‬
‫ّ‬
‫فضال عن أنشطة مشتركة لالحتفال بها، ووسط مخاوف متعددة‬
‫وخاصة منها األمنية، لم تتح فرصة لمعنى االحتفال أصال منذ هروب‬
‫الدكتاتور. وفي انتظار النتائج النهائية للحوار الوطني على جميع‬
‫المسارات، الذي مازالت بعض اآلمال معلّقة عليه، رغم الصعوبات‬
‫والخيبات، في تجاوز األزمة السياسية خاصة، وإحياء ذكرى الثورة‬
‫يوم 41 جانفي 3102 في أجواء احتفالية وتضامنية، في انتظار ذلك،‬
‫وبعد ثالث سنوات من الثورة المجيدة، وبعد أن ابتعدنا نسبيا عن أجواء‬
‫الضغط بأنواعه وتراجعت العواطف لتفسح المجال للعقل بالمراجعة‬
‫والتحليل، نرى من حقّنا ومن واجبنا في آن، أن نفصح عن بعض‬
‫ّ‬
‫المعطيات واالستنتاجات التي نقدر أن الوضوح فيها بات مطلوبا بل‬
‫شرطا للنجاح في استكمال المسار الديمقراطي وتحقيق أهداف الثورة.‬
‫1 ـ ثورة حقيقية‬
‫بعيدا عن الجدال العقيم أحيانا حول مفاهيم الثورة واالنتفاضة‬
‫واالحتجاج والغضب والتمرّد وغيرها من المصطلحات التي يختلف‬
‫المحللون في أيّهـــا األنسب فــي توصيف مــا حصــل بتونس ما بين‬
‫71 ديسمبر 0102 و41 جانفي 1102، يسلّم الجميع بأن أقل من‬
‫شهر من التحركات الشعبيّة التي انطلقت من سيدي بوزيد وامتدت إلى‬
‫القصرين بالوسط الغربي التونسي لتأخذ منعرجا حاسما، ولتعم مختلف‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الواليات بدرجات متفاوتة من االحتجاج، كانت كفيلة بوضع حد لنظام‬
‫بوليسي كان يُنظر إليه على أنه من أعتى الدكتاتوريات في المنطقة.‬
‫تساءلت شخصيّا في مقال نشرتة مطلع جانفي 1102 بعنوان: الغضب‬
‫االجتماعي بالوسط التونسي: هل يكون البداية؟ (1) وجاء الجواب‬
‫ّ‬
‫سريعا. ولعلّه من المفيد أن أذكر ببعض المقتطفات من ذلك المقال‬
‫ألهميتها في إضـــاءة جوانب مــن واقع الحــال، والتي ذكرت فيها أن‬
‫« تحرّكات الغضب االجتماعي بوالية سيدي بوزيد بالوسط التونسي‬
‫التي امتدت على مدى األسبوعين األخيرين من سنة 0102، وجّهت‬
‫ضربة موجعة للخطاب السياسي الرسمي القائم على جُمل دعائية‬
‫ُ‬
‫مفادها : «نجحنا ..ورضي المواطنون.. وشهد لنا العالم ..وسنواصل».‬
‫كما شكلت تلك التحركات بتلقائيتها وخلفياتها االجتماعية وما القته من‬
‫تجاوب في بقية جهات البالد وما حظيت به من دعم سياسي وتغطية‬
‫إعالمية واسعة، فرصة استثنائية للوقوف على قضايا وطنية في غاية‬

‫األهمية». وأضفت أن «تحركات الغضب االجتماعي بوالية سيدي‬
‫بوزيد خاصة، وما سبقها من أحداث بالحوض المنجمي وبجهات‬
‫ّ‬
‫أخرى تؤشر على أن االنجازات دون المطلوب، وأن ثمار التنمية‬
‫تحتاج إلى عدل أكبر في التوزيع، وأن الرضا عن النفس مضرّ، وأن‬
‫صبر المواطنين محدود، وأن استحسان األجانب ال يصمد أمام مظاهر‬
‫الغضب الشعبي. وأن مراجعات جوهرية باتت متأكدة لمنوال التنمية‬
‫في الثقافة التي يستند إليها وفي األهداف التي يضعها وفي قاعدته‬
‫االقتصادية بالداخل والخارج وفي الخيارات التي ينتهجها والسياسات‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫التي يعتمدها». وشددت على أن «المعارضة بجميع أطيافها، بأحزابها‬
‫وجمعياتها، وبنشطائها السياسيين والحقوقيين، لم تُوفّ‬
‫ق في الصياغة‬
‫المناسبة للتّالزم بين الحقوق المدنيّة والسياسيّة والحقوق االقتصاديّة‬
‫واالجتماعيّة، وبين مطالب الحرّيات الفرديّة والعامة ومطالب تحسين‬
‫ّ‬
‫ظروف عيش المواطنين. ولذلك تُربك االحتجاجات االجتماعية في كل‬
‫ُ‬
‫مرة المعارضة في خطابها وأجندتها.» ولست أبالغ حين أقول اليوم‬
‫أننا بعد ثالث سنوات من ثورة 71 ديسمبر لم نستخلص الدرس في‬
‫ّ‬
‫الممارسة سلطة ومعارضة، ولم نوف حقوق الشهداء رحمهم هللا تعالى‬
‫والجرحى والمستضعفين الذين فجروا تلك الثورة العظيمة، وما زال‬
‫الوضع تقريبا على حاله.‬
‫هرب المخلوع وبعض أفراد عائلته مساء يوم 41 جانفي 1102،‬
‫وانزاح عن تونس كابوس االستبداد والفساد. تحرّر التونسيون ودخلوا‬
‫في أجواء ما تواضعوا على تسميته بالثورة، التي دخلوا في حركيتها بعد‬
‫41 جانفي بأعداد أكبر بكثير مما حصل قبل ذلك. تسارعت األحداث‬
‫وسط مخاوف أمنية جمة وتضامن شعبي الفت في حماية األحياء‬
‫ّ‬
‫والممتلكات العامة والخاصة وفي ظل غموض في تفسير ما يحدث.‬
‫غادر نزالء السجون من السياسيين وأصحاب الرأي خاصّة مواقعهم‬
‫وعاد المهجّرون قسريّا تباعا. نشطت األحزاب والجمعيات بعد إعالن‬
‫العفو التشريعي العام وإطالق حرية التنظّم القانوني. تغيّرت مالمح‬
‫اإلعالم الخشبي وارتفع منسوب حرية التعبير إلى درجات قياسية.‬
‫قادت بعض التحركات التلقائية في اإلدارة والمؤسسات والمدن والقرى‬
‫إلى إجبار مسؤولين في العهد البائد على التنحّي تحت شعار «ديقاج»‬
‫واستبدالهم بآخرين، وشملت العملية حتى بعض أئمة المساجد. كثر‬
‫الجدال واللغط في أغلب األحوال حول الماضي والحاضر والمستقبل‬
‫وتوّجت المرحلة االنتقالية األولى التي اعتمدت على «التوافق»‬
‫بانتخابات المجلس الوطني التأسيسي يوم 32 أكتوبر 1102 التى أشاد‬
‫الجميع في الداخل والخارج بنزاهتها واعتبارها أول انتخابات حرّة‬

‫«أننا بعد ثالث سنوات من ثورة 71 ديسمرب مل نستخلص الدرس يف املمارسة سلطة ومعارضة،‬
‫ّ‬
‫ومل نوف حقوق الشهداء رمحهم اهلل تعاىل واجلرحى واملستضعفني الذين فجروا تلك الثورة‬
‫العظيمة، وما زال الوضع تقريبا على حاله . »‬

‫4‬
‫ُ‬
‫بعد ثالث سنوات من الثورة..حقيق بنا أن نفصح..‬

‫وتعددية وشفافة في تاريخ تونس.‬
‫انتصب مجلس تأسيسي منتخب من المعارضين السابقين في‬
‫أغلبيته الساحقة، وإن بدا كثير منهم من غير المعروفين، واختار‬
‫أعضاء المجلس المعارض البارز مصطفى بن جعفر رئيسا له. تم تسليم‬
‫ّ‬
‫السلطة للفائزين في االنتخابات وسط أجواء الفتة وصفت بالمتحضّرة‬
‫ُ‬
‫والديمقراطيّة. دخل المنصف المرزوقي، المعارض الشرس لبن علي،‬
‫قصر قرطاج رئيسا لتونس. ودخل حمادي الجبالي السجين السياسي‬
‫من حركة النهضة المحظورة سابقا، قصر القصبة، رئيسا لحكومة كان‬
‫كثير من أعضائها من المساجين السياسيين والمهجّرين والمعارضين‬
‫البارزين. وكانت كل هذه التحوّالت التي حاولنا اختزالها في العناوين‬
‫الكبرى أدلّة قاطعة على أن تغييرات كبرى قد حصلت في الحكم وفي‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫المجتمع، يحق وصفها بالثورة دون تردد. ثورة شدت أنظار العالم‬
‫وشاع خبرها، وسرعان ما انتقل فتيلها إلى ربوع عربيّة أخرى في‬
‫مصر وليبيا واليمن والبحرين وسوريا، وكان انتصار الثورة في مصر‬
‫وليبيا خاصة خير سند للثّورة التونسيّة.‬
‫2 ـ ثورة مخصوصة‬
‫خالل ثالث سنوات بعد الثورة تعاقبت علينا أربع حكومات‬
‫ّ‬
‫والخامسة في الطريق، لكن إلى حد اآلن ال توجد رواية رسميّة لما‬
‫حدث في يوميّات الثورة وخاصة يوم 41 جانفي وما تاله. كما ال‬
‫توجد روايات غير رسميّة موثوق بها ومتفق عليها. مازال التونسيون‬
‫يتطلّعون إلى الحقيقة. من قتل الشهداء وأصاب الجرحى؟ ما حقيقة‬
‫القنّاصة؟ ما الذي دفع بن علي إلى الهروب المفاجئ؟ ما تفاصيل‬
‫ما جرى بقرطاج في الساعات األخيرة قبل الهروب وما تالها من‬
‫قرارات؟ من كان يدير دفّة األمور ويقف وراء القرارات الحاسمة؟‬
‫ما حجم التدخل الخارجي في األحداث والقرارات؟ من هي الجهات‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫المتدخلـــة؟ هل فر بن على أم أجبـــر علـــى المغــــادرة؟ ماذا حصل‬
‫في صفوف قوات األمن والجيش؟ ما حقيقة محاوالت االنقالب‬
‫ّ‬
‫الفاشلــة أو المتضادة؟ ما جوهر الصّراع داخل النخبة الحاكمة وما هي‬

‫ّ‬
‫أطرافه؟ ما سر االعتقاالت في صفوف القيادات األمنية والسياسية؟‬
‫هل حصلت صفقات سياسيّة من وراء ظهور عموم التونسيين؟...أسئلة‬
‫عديدة لم تحسم أجوبتها ومعطيات كثيرة لم يتم الكشف عنها رغم‬
‫أعمال اللجان العديدة التي تشكلت في الغرض ورغم مرور وقت ليس‬
‫بالقليل. وهذا ما يزيد في صعوبة فهم ما حدث وفي تعقيدات الجدال‬
‫النظري حول الثورة التونسية.‬
‫رضي عموم التونسيين أن يتم التحول «الثوري» في إطار‬
‫ّ‬
‫«دستور» 9591 المنقّح مرارا على القياس، والذي طالما انتقدته‬
‫المعارضة واعتبرته غطاء لالستبداد. وتم تنصيب رئيس «برلمان‬
‫بن علي» السيد فؤاد المبزع رئيسا مؤقتا للجمهورية بعد الثورة.‬
‫ودخلت وجوه بارزة من المعارضة في حكومة مع وزراء سابقين‬
‫برئاسة السيد محمد الغنوشي الوزير األول في «حكومة بن علي»‬
‫وبدا األمر أقرب إلى استمرار «حكم التجمع الدستوري» دون بن علي‬
‫وعائلته. استمر غضب الشباب واحتجاجاتهم وتصاعد وهج الثورة في‬
‫اعتصام القصبة1 واعتصام القصبة2 وتشكلت معارضة لهذا المسار‬
‫في إطار «المجلس الوطني لحماية الثورة» الذي ضم أهم األحزاب‬
‫ّ‬
‫برعاية االتحاد العام التونسي للشغل والهيئة الوطنية للمحامين‬
‫والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق اإلنسان، فكانت من نتائج تصاعد‬
‫االحتجاجات والضغوط، استقالة حكومة السيد محمد الغنوشي وإعالن‬
‫ّ‬
‫الرئيس المؤقت إلغاء العمل بالدستور وحل الهيئات الدستوريّة القائمة‬
‫وتحديد موعد النتخاب مجلس وطني تأسيسي. تشكّ‬
‫لت في ظروف‬
‫اعتراها كثير من الغموض حكومة جديدة برئاسة السيد الباجي قائد‬
‫السبسي، الوزير األسبق في حكم الرئيس بورقيبة ورئيس برلمان‬
‫أسبق في أوائل حكم بن علي، لتأمين االنتخابات واستكمال المرحلة‬
‫االنتقالية التوافقية، وتواطأت مختلف األطراف السياسية واالجتماعية‬
‫والمدنية في القبول بحكومة سي الباجي. وتم بعث «الهيئة العليا لتحقيق‬
‫ّ‬
‫أهداف الثورة واإلصالح السياسي واالنتقال الديمقراطي» برئاسة‬
‫ّ‬
‫السيد عياض ابن عاشور لتحل عمليّا مكان المجلس الوطني وتعمل‬
‫ّ‬
‫في إطار رسمي بالتعاون مع الحكومة، وبسقف أقل بكثير مما طرحه‬
‫«المجلس الوطني لحماية الثورة» في التنقيحات التي اقترح إجراءها‬
‫على المرسوم الرئاسي المحدث للهيئة العليا.‬
‫هكذا بدت المرحلة االنتقالية األولى مزيجا من الخطابات والمطالب‬
‫ّ‬
‫والقرارات الثورية ومن القرارات واإلجراءات والممارسات المضادة‬
‫للثورة. إذ تم من ناحية إقرار العفو التشريعي العام واعتقال بعض‬
‫ّ‬
‫رموز النظام السابق وحل التجمع الدستوري وإدخال تغييرات في‬
‫وزارة الداخلية ومصادرة بعض األمالك المرتبطة بالرئيس السابق‬
‫وعائلته وبشبكات الفساد المالي والتوجه إلى انتخاب مجلس وطني‬
‫تأسيسي وتشكيل هيئة عليا مستقلة لالنتخابات...وتم من ناحية ثانية‬
‫ّ‬
‫وبالتّـــوازي، تالعب بجــزء مــن األرشيــف وتنقّــل مشبـــوه لألموال‬
‫واستعادة بعض الوجوه والدوائر المرتبطة بالمنظومة القديمة لمواقع‬

‫« خالل ثالث سنوات بعد الثورة تعاقبت علينا أربع حكومات واخلامسة يف الطريق، لكن إىل حد‬
‫ّ‬
‫اآلن ال توجد رواية رمسية ملا حدث يف يوميات الثورة وخاصة يوم 41 جانفي وما تاله. كما ال توجد‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫روايات غري رمسية موثوق بها ومتفق عليها. »‬
‫ّ‬

‫5‬
‫ُ‬
‫بعد ثالث سنوات من الثورة..حقيق بنا أن نفصح..‬
‫النفوذ في اإلدارة واإلعالم واألمن والقضاء وتشكيل مجموعات من‬
‫التجمع المنحل، الذي لم يتم تفكيكه، ألحزاب بعناوين جديدة، وغياب‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫أية رؤية أو توجّه جدي للمحاسبة والمصارحة والمصالحة وإلصالح‬
‫المؤسسات والقطاعات وخاصة الداخلية والقضاء واإلعالم...‬
‫تم التركيز قصدا، من بعض الجهات التي انتسبت إلى الثورة‬
‫ّ‬
‫مخاتلة، على أن الثورة التونسية تلقائية وسلمية، ال قيادة لها وال‬
‫ُ‬
‫دور لألحزاب السياسية فيها، وأنّ‬
‫مطالبها اجتماعية وتنموية وليست‬
‫سياسية، وذلك بغاية إفراغ الثورة من محتواها والمساواة بين المتسببين‬
‫فيها بفسادهم وظلمهم من المنظومة القديمة والخاسرين لمواقعهم‬
‫ومصالحهم بسببها، وبين المشاركين فيها من المكتوين بنار االستبداد‬
‫ُ‬
‫والفساد، من مختلف األجيال واالتجاهات الفكرية والسياسية، الذين‬
‫راكموا أسبابها بنضاالتهم وتضحياتهم، والمستفيدين من هذه الثورة‬
‫المباركة التي توّجت مسارا ولم تحصل فجأة كما يتم الترويج لذلك،‬
‫بصرف النظر عن تعقيدات اليوميّات الحاسمة في الثورة والمتدخلين‬
‫فيها والفاعلين في نتائجها.‬
‫لهذه األسباب جميعا، ولتفاصيل أخرى يطول شرحها، يمكن‬
‫القول أن ثورة الحرية والكرامة التونسية، ثورة حقيقية ال مصلحة‬
‫في التشكيك فيها، للمنحازين إليها والمستفيدين من حصولها، لكنها‬
‫ّ‬
‫تبقى ثورة مخصوصة على غير مثال سابق، يتحدد مصيرها ومدى‬
‫نجاحها في تحقيق أهدافها بمدى قدرة المدافعين عنها في مواجهة القوى‬
‫المضادة للثورة وإحباط مخططاتهم إلفشال مسارها واالنقضاض على‬
‫مكتسباتها. وأحسب أن االنتصار الحقيقي للثورة لن يكون بالمزايدة‬
‫في االنتساب إليها والوصاية عليها بخطابات «ثورجية» تنفّر وال‬
‫ّ‬
‫تبشر، وتهدم وال تبني، وتفرّق وال تجمع، بل بخطاب إصالحي أصيل‬
‫ّ‬
‫وبدائل عملية تكشف قدرة على االقتراح، وتوازي بين الهدم والبناء‬
‫وتقطع مع منظومة الفساد واالستبداد، دون أن تفرّط في المكاسب‬
‫وتضم جهود المتأخرين لمن سبقهم في الخير واإلصالح.‬
‫3 ـ مسار تأسيسي خاطئ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫تمر تونس بعد ثالث سنوات من الثورة بأزمة سياسيّة حادة، يحتدم‬
‫فيها الصراع العاري حول الحكم ويضرب فيها اإلرهاب بقوة وتدخل‬
‫أجهزة الدولة سرعة قصوى في مواجهته، وتتعاظم مخاطر االنهيار‬
‫االقتصادي واالنفجار االجتماعي والفوضـــى وتتزايــــد التدخــــالت‬
‫الخارجية في الشأن الداخلي ويُلقي الزلزال السياسي المصري بظالله‬
‫على الساحة الوطنية. وتبدو األزمة الحالية وثيقة الصّلة بمسار ما بعد‬
‫االنتخابات.‬
‫لم يكن الخطأ في اختيار انتخاب مجلس وطني تأسيسي كما يرى‬
‫البعض، فهذا االختيار يبدو أقرب إلى جوهر الثورة في النزوع إلى‬
‫القطع مع منظومة الفساد واالستبداد، بل كان الخطأ في ضعف تمثّل‬
‫مقتضيات التأسيس والتعاطي غير المناسب مع تلك المقتضيــــــــات.‬

‫إذ تعكس األزمة الحالية في العمق، مأزق مسار تأسيسي خاطئ نبّهنا‬
‫ّ‬
‫إليه مبكرا حين قلنا بعد انتخابات 32 أكتوبر 1102 أن «استقطاب‬
‫المشهد السياسي بين حكومة ومعارضة نراه غير صحّي في سياق‬
‫ّ‬
‫تأسيسي، يقتضي شراكة ال تطمس التعددية وحق االختالف.‬
‫فاألطرف الحاكمة مهما كانت شرعيّتها، ال يمكن أن تستأثر بالمرحلة‬
‫لوحدها. والشرعية االنتخابية غير كافية لممارسة السلطة. إذ ال يمكن‬
‫الحكم بمنطق األغلبية في غياب دستور وعقد اجتماعي وسياسي‬
‫واتفاق بين جميع األطراف على قواعد إدارة الحكم. كما أن األطراف‬
‫ّ‬
‫السياسية التي اختارت المعارضة مبكرا وصنعت حاجزا بينها وبين‬
‫الحكومة، تتحمل المسؤولية في المشهد االستقطابي السلبي ومخاطره.‬
‫فمن كان شريكا في الثورة، عليه أن يدافع عن حظوظه في المشاركة‬
‫السياسية ويواصل إسهامه في إنجاح المرحلة وتحقيق أهداف الثورة.‬
‫فالديمقراطية تكليف ومراقبة وليس تفويضا مطلقا ألي طرف.‬
‫والتوازن ضروري للمجتمع في كل األحوال».(2)‬
‫كانت فكرة الحكم من خالل ائتالف حزبي ثالثي اختيارا صائبا‬
‫مقارنة بالتجربة المصرية على سبيل المثال، مع أن ذلك الثالثي لم‬
‫يمنح الحكم الجديد السند السياسي الكافي لمواجهة تحديات كبرى بعد‬
‫الثورة وإرث ثقيل لم يحسن الثالثي الحاكم تقديره. فالشرعية االنتخابية‬
‫التي بالغت «الترويكا» في التذكير بها، لم تمنحها القوة السياسية‬
‫المطلوبة للحكم وفرض التقيّد بالقانون. مما شجّع على االنفالت األمني‬
‫واستفحال الجريمة بأنواعها وتهديد الممتلكات الخاصة والعامة وتهديد‬
‫الحريات والعجز عن التحكم في االرتفاع المشط لألسعار واستمرار‬
‫االحتجاجات االجتماعية وعدم نشاط االستثمار الداخلي والخارجي‬
‫بالنسق المطلوب. ولذلك نادينا بعد مواجهات أحداث 90 افريل‬
‫2102، أي أشهر قليلة بعد حكم «الترويكا»، إلى «مبادرة سياسية‬
‫لخفض التشنج وبناء الشرعية»(3). وعملنا في هذا االتجاه ولم نجد‬
‫التجاوب الكافي.‬
‫أساءت «الترويكا» استخدام التفويض الشعبي، فبدت تشتغل‬
‫ّ‬
‫كوريث للحكم المنهار في حين تشدد في خطابها على التأسيس والقطع‬

‫« تبقى الثورة التونسية ثورة خمصوصة على غري مثال سابق، يتحدد مصريها ومدى جناحها‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫يف حتقيق أهدافها مبدى قدرة املدافعني عنها يف مواجهة القوى املضادة للثورة وإحباط‬
‫خمططاتهم إلفشال مسارها واالنقضاض على مكتسباتها»‬

‫6‬
‫ُ‬
‫بعد ثالث سنوات من الثورة..حقيق بنا أن نفصح..‬

‫مع الماضي. ودفعتها نشوة االنتصار في االنتخابات في المرحلة‬
‫األولى من الحكم خاصة إلى إظهار استعالء ونزعة في الهيمنة زادتا‬
‫في توتير الوضع السياسي. ولذلك اعتبرنا دائما أن تعبير «الصفر‬
‫فاصل» في وصف المعارضة تعبير خاطئ ومضلّل وسلبي.‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫تعددت أخطاء الثالثي الحاكم بقيادة حركة النهضة، الذي لم يف‬
‫بوعوده المعلنة في برامجه وحملته االنتخابية، وكشف عن سذاجة‬
‫سياسية أو سوء تقدير، حين علّق آماال عريضة على انتصار الثورة‬
‫الليبية وعلى وعود األشقاء واألصدقاء بالدعم المطلوب. وتآكلت‬
‫مصداقيته مع مرور األشهر وتجديد وعوده بالنتائج المرجوّة في‬
‫قادم األيام. عجزت الحكومة على تنفيذ مشاريعها المعلنة في الجهات‬
‫المحتقنة خاصة. تفاقم التهريب بأنواعه واستشرى االحتكار والفساد‬
‫وارتفعت األسعار وكثر التذمر الشعبي من صعوبات العيش وتراجع‬
‫ّ‬
‫الخدمات. تعطّل اإلنتاج في قطاعات حيوية وخاصة في الفسفاط‬
‫وتضررت ميزانية الدولة، فازدادت المصاعب المالية وارتفعت‬
‫المديونية وشحّت القروض. تأزمت العالقة بالنقابات وخاصة‬
‫باالتحاد العام التونسي للشغل في مناسبات عديدة، وتنامى العنف‬
‫اللفظي والمادي حتى بلغنا االغتيال السياسي. وتصاعدت المخاوف‬
‫األمنية بعد االكتشافات المتكررة لمخابئ لألسلحة في مناطق مختلفة‬
‫من البالد وتم استهداف عناصر من الجيش واألمن الوطنيين على‬
‫يد إرهابيين. تراكمت التجاوزات في مجال انتهاك حقوق اإلنسان،‬
‫فكان القمع البوليسي على طريقة النظام السابق في أكثر من مناسبة‬
‫وتأزمت العالقة بالمعارضة الديمقراطية داخل المجلس التأسيسي‬
‫خاصة، وكانت المواجهة مع المتشددين الدينيين على أكثر من صعيد،‬
‫ودخل عنصر الدم مجددا على الخط بعد الثورة. وتواترت أخبار عن‬
‫عودة التعذيب واستشهد مضربون عن الطعام بالسجون. كما تكرّرت‬
‫اإلخفاقات في السياسة الخارجية ولم تظهر مؤشرات ايجابية نوعية في‬
‫العالقة بالجيران. (4)‬
‫تأخر مسار العدالة االنتقالية، الذي تتحمل فيه «الترويكا»‬
‫المسؤولية الرئيسية، وتنامت أزمة الثقة بين الماسكين الجدد بالسلطة‬

‫وبين خصومهم، من أصدقائهم في المعارضة باألمس أو من المستفيدين‬
‫من الحكم السابق. يتبادل الفريقان تهم احتكار السلطة وعقلية الغنيمة‬
‫ونزعة الهيمنة غير المشروعة على الدولة من جهة، أو عدم التسليم‬
‫بنتائج االنتخابات الحرّة والتآمر على السلطة الشرعية وعرقلة عملها‬
‫ومحاولة االنقالب عليها، من جهة أخرى.‬
‫لعبت المعارضة أدوارا سلبية في عرقلة المسار التأسيسي وإرباك‬
‫الحكم الجديد واتخذت بعض أطرافها منحى انقالبيا أصال، ولم تتحمل‬
‫أطراف أخرى منها مسؤولياتها بالقدر الكافي في البناء، باعتبارها‬
‫شريكة في السلطة اعتمادا على تمثيليتها في المجلس الوطني التأسيسي‬
‫بصفته السلطة األصلية. لكن المعارضة في المحصّلة استطاعت أن‬
‫تخلق حالة من التوازن في المشهد السياسي، الذي يبدو ضروريا‬
‫للديمقراطية، وكان مفقودا في نتائج االنتخابات. كما نجحت المعارضة‬
‫ّ‬
‫في االستفادة من انحياز اإلعالم عموما ضد الحكم لتفرض عليه حالة‬
‫من الضغط والمراقبة االيجابية، وتجبره على المراجعة والتعديل في‬
‫مرّات عديدة وفي مواضيع مختلفة.‬
‫وإضافة إلى ما سبق، زادت األخطاء المنهجية في تمشي المجلس‬
‫الوطني التأسيسي الطين بلّة، وخاصة عدم تقيده بفترة زمنية، وضعف‬
‫ّ‬
‫أداء رئيسه وأعضائه، وحدة المناكفات السياسية داخله، وحصر مهمة‬
‫التأسيس تقريبا في الدستور الجديد، الذي حاول البعض حصر مهمة‬
‫ّ‬
‫المجلس فيه، والحال أن التأسيس كان يقتضي في الحد األدنى وفي‬
‫المقام األول تقييما عميقا لخيارات الحكم السابق وأخطائه الكبرى‬
‫والتوافق على مالمح مشروع وطني جديد يوجه السياسة الداخلية‬
‫والخارجية في مختلف المجاالت. كما يقتضي تسريع آلية وطنية متفق‬
‫عليه للمحاسبة والمصارحة والمصالحة الوطنية.‬
‫4 ـ مخاطر تتهدد المسار الثوري واالنتقال الديمقراطي‬
‫نجح هذا الجيل في الثورة على رموز االستبداد وأبعدهم من‬
‫رأس الدولة، وحقق ما عجزت عنه أجيال سابقة، وكسّر قاعدة‬
‫ّ‬
‫االستثناء العربي، لكنه فشل على ما يبدو إلى حد اآلن في إسقاط‬
‫النظام القديم وبناء ديمقراطية فعلية. وقد كشف التجربة المصرية‬
‫ّ‬
‫أن عوامل خارجية، إضافة إلى األسباب الداخلية المعلومة، ساهمت‬
‫في إجهاض الحلم العربي في الديمقراطية، باعتبارها شرط التنمية‬
‫الشاملة والنهضة الحضارية، وأن عناصر قديمة مؤثرة في الوضع‬
‫العربي، ما زالت تفعل فعلها بقوة. وليس الدور الخليجي المؤامراتي‬
‫الذي تأكد في ما حصل من انتكاسة بمصر، والتواطؤ الدولي المريب،‬
‫الذي تلكأ في إدانة االنقالب وما تاله من مجازر في حق المصريين‬
‫ّ‬
‫العزل، سوى برهانا على ذلك. لذلك يتعيّن على الثوريين المخلصين‬
‫أن ينجحوا في كشف المخاطر والمؤامرات الداخلية والخارجية، وأن‬
‫يعملوا بواقعية على تفكيك منظومة الفساد واالستبداد وحماية القرار‬
‫الوطني المستقل وااللتحام بالجماهير التي تظل يقظتها ومشاركتها في‬

‫« جنح هذا اجليل يف الثورة على رموز االستبداد وأبعدهم من رأس الدولة، وحقق ما عجزت عنه‬
‫أجيال سابقة، وكسر قاعدة االستثناء العربي، لكنه فشل على ما يبدو إىل حد اآلن يف إسقاط‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫النظام القديم وبناء دميقراطية فعلية. »‬

‫7‬
‫ُ‬
‫بعد ثالث سنوات من الثورة..حقيق بنا أن نفصح..‬
‫ّ‬
‫رفع التحديات أكبر تحصين للثورة ضد أعدائها. وأن يعمقوا النظر‬
‫ّ‬
‫أكثر في تعقيدات التغيير ومتطلباته، في ضوء المشهد العربي عموما‬
‫والتونسي خصوصا، لنستفيد من تجارب الماضي ونعي حقائق األمور‬
‫بعيدا عن العنتريات واألحالم الوردية والشعارات وتبسيط القضايا إلى‬
‫حد اإلسفاف. (5)‬
‫لن نكسب شيئا من تبادل التهم وتحميل المسؤولية لجهة واحدة‬
‫في تعثّر مسار الديمقراطية وتحقيق أهداف الثورة. فالمسؤولية تظل‬
‫جماعية وإن اختلفت الدرجات والمقادير. للحاكمين الجدد مسؤولية‬
‫وللمعارضة ولمن هم خارج هذا التصنيف من سياسيين ونشطاء في‬
‫ّ‬
‫المجتمع المدني، وللقوى المضادة للثورة في الداخل والخارج تأثيرها.‬
‫ولعامة قوى الشعب مسؤولية أيضا. أخطأنا في الحكم وفي المعارضة‬
‫كما أسلفنا، ولكن لم نحسن عموما ترتيب األوليات ولم نظهر ما يكفي‬
‫من التضحية والصبر والتضامن في ظروف انتقالية صعبة. تحرّكت‬
‫المصالح الشخصية والفئوية والنعرات الجهوية والقبليّة. تراجع اإلقبال‬
‫عن العمل وأداء الواجب. بلغ عدد اإلضرابات واالعتصامات رقما‬
‫قياسيا. استجابت الحكومات المتعاقبة لبعض المطالب تحت الضغط‬
‫فأثقلت كاهل الدولة. لم يستأنف االقتصاد دورته العادية وصارت‬
‫ّ‬
‫المؤشرات السلبية للنمو وحدة األزمة السياسية وغموض المسار‬
‫عوامل مضاعفة لألزمة المالية ولمخاطر االنهيار االقتصادي. تراجع‬
‫منسوب الرغبة في المشاركة في الحياة العامة واالنخراط في األحزاب‬
‫والجمعيات وبتنا نسجل عزوفا متناميا لدى األغلبية من الشباب خاصة،‬
‫بما يؤشر على استمرار أزمة التنمية السياسية وضعف ثقافة المواطنة‬
‫والديمقراطية.‬
‫لقد جربنا التغيير بالبداية من األعلى واستهداف رأس السلطة‬
‫والتعويل على قوة الدولة أكثر من االهتمام بتطوير المجتمع، وكانت‬
‫ّ‬
‫النتائج مخيبة لآلمال على مدى عقود، فهل نعي الدرس ونعدل‬
‫البوصلة ونجرّب مداخل ثبت نجاحها ولو في ربوع أخرى؟ هل حان‬
‫الوقت لمراجعة عميقة لمناهج التغيير التي دأبنا عليها وروّجنا لها‬
‫طويال، وللفكر السياسي الذي قادنا في السابق؟ وهل نوفّق في بناء‬
‫الثقة ووضع معجم خاص باالنتقال بين الفاعلين السياسيين، وتطوير‬
‫ُ‬
‫الوفاقات عبر حوار وطني حقيقي، ووضع اآلليات الضامنة للتطبيق‬
‫والحامية للمكتسبات. فنتوخي المرحلية في تغيير الواقع نوعيا، دون‬
‫هزات ال يتطلبها وضعنا وال يتحملها. ونستحضر المشترك ونبني‬
‫ّ‬
‫عليه ونستبعد التنافي واإلقصاء واإلكراه ونحل التنافس السياسي‬
‫بدل العداوة. ونعتمد اإلصالح الذي ينطلق من مرتكزات إيجابية في‬
‫الواقع لمعالجة السلبيات، ويستبعد النقض واستئصال الخصم والبدائل‬
‫الشمولية. ونتوخى التدرج والمرحلية والواقعية ونبحث في الممكن‬
‫ونتفهّم تعقيدات الواقع وصعوباته، وال نقع تحت إغراءات الفرضيات‬
‫الذهنية القصوى. ونعمل بجاذبية الديمقراطية ونتحرك بروح التجديد‬
‫والتطوير ومراكمة االيجابيات واالستفادة من األخطاء والمراهنة‬
‫ُ‬

‫على المستقبل بتمكين الشباب وإعطائه األولوية في االهتمام والتكوين‬
‫وتحمل المسؤولية في القيادة واتخاذ القرارات.(6)‬
‫نتمنى أن تكون الذكرى الثالثة للثورة فرصة حقيقية للمراجعة‬
‫وتصحيح المسار، وإذ نسجل بارتياح التقدم الحاصل في الحوار‬
‫الوطني ونأمل أن تهيئ الوفاقات على مختلف المسارات إلنهاء ما تبقى‬
‫من المرحلة االنتقالية في إطار من الوفاق الوطني المفضي إلى تنظيم‬
‫انتخابات عاجلة في مناخ سياسي وأمني واجتماعي مناسب وبضمانات‬
‫تجعل مختلف المتنافسين فيها يقبلون بنتائجها، فإننا ننبّه إلى أن البحث‬
‫عن التوافق واالحتكام إلى شخصيات «مستقلة» ال يجب أن يكون على‬
‫حساب التنافس الديمقراطي والصراع حول تحقيق أهداف الثورة، وال‬
‫يؤدي إلى إضعاف األحزاب التي تضل قوام الحياة السياسية مهما‬
‫بلغت أخطاء السياسيين.‬
‫الهوامش‬
‫(1) مقال منشور بجريدة «مواطنون» العدد041، تونس، جانفي‬
‫1102 وبالتوازي في جريدة «القدس العربي».‬
‫(2) راجع على سبيل المثال مقالنا بعنوان «على هامش التجاذبات‬
‫حول أحداث 9 أفريل 2102: مبادرة سياسية لخفض التشنّج وبناء‬
‫الشرعية» منشور بجريدة المغرب (اليومية التونسية) بتاريخ 31 أفريل‬
‫2102. وكذلك مقالنا بعنوان «32 أكتوبر: شرعية ضرورية لكن‬
‫ليست فوق النقد» منشور بالعدد 41 من مجلة «اإلصالح» االلكترونية‬
‫بتاريخ 50 أكتوبر 2102. ومقالنا «بين حكم خائف ومعارضة يائسة:‬
‫متى يأذن صبح العرب بالبلج؟» منشور بالعدد 92 من نفس المجلة‬
‫بتاريخ 30 ماي 3102. (‪.)www.alislahmag.com‬‬
‫(3) مقال منشور بجريدة المغرب بتاريخ 31 أفريل 2102.‬
‫وبالتوازي في جريدة الضمير(اليومية التونسية).‬
‫(4) مقال منشـــور بجريــــدة «الغـــرب»، عــدد 915، ص71،‬
‫بتاريخ 8ماي 3102.‬
‫(5) راجع مقالنا بعنوان « يوميّات الزلزال السياسي بمصر:‬
‫ّ‬
‫وال بد للثورة أن تنتصر» منشور بالعدد 43 من مجلة «اإلصالح»‬
‫االلكترونية بتاريخ 21 جويلية 3102 ومنشور بالتوازي في جريدة‬
‫الضمير.‬
‫(6) راجع مقالنا بعنوان «بين حكم خائـف ومعارضة يائسة: متى‬
‫يأذن صبح العرب بالبلج؟» منشور بالعدد 92 من مجلة «اإلصالح»‬
‫االلكترونية بتاريخ 30 ماي 3102.‬
‫-------‬

‫* األمين العام لحزب اإلصالح والتنمية‬

‫‪goumani.med@gmail.com‬‬

‫« لقد جربنا التغيري بالبداية من األعلى واستهداف رأس السلطة والتعويل على قوة الدولة أكثر من‬
‫االهتمام بتطوير اجملتمع، وكانت النتائج خميبة لآلمال على مدى عقود، فهل نعي الدرس ونعدل‬
‫ّ‬
‫البوصلة وجنرب مداخل ثبت جناحها ولو يف ربوع أخرى؟»‬
‫ّ‬

‫8‬
‫مجرد رأي‬
‫ّ‬
‫الدستور التونسي والمنزلة بين المنزلتين‬
‫بقلم : عادل السمعلي*‬

‫لقد أثارت زيــادة فقرة في البند السادس للدستور التونسي الجديد‬
‫يتم بموجبها تحجير التكفير ردود أفعال غاضبة و عنيفة ومثيرة للجدل‬
‫من طرف أغلب مساندي احزاب الترويكا الحاكمة في حين استقبلت‬
‫العائلة اليسارية والحداثية هذه الزيادة باالنشراح والترحاب واعتبرتها‬
‫مكسبا من المكاسب التي يحق لهم االفتخار بها والتي حسب رأيهـــم‬
‫من شأنها أن تحد من العنف السياسي وظواهر التكفير التي انتشرت‬
‫بعد الثورة .‬
‫إال أن المتأمل في البنود االولى من الدستور بما في ذلك البند‬
‫السادس مثار الجدل سرعان ما يتفطن إلى أن المعركة بين االسالميين‬
‫وبين العلمانيين في تونس ما هي إال معركة طواحين الهواء بامتياز‬
‫فالدستور التونسي في نسخته هذه مؤكد أنه لن يرضي االسالميين‬
‫ولكنه من الثابت أيضا أنه لن يشفي غليل العلمانيين باعتبار أنه‬
‫دستور (هجين) يحاول أن يرضي كل األطراف المشاركة في صياغته‬
‫حتى ولو كان ذلك على حساب منطقه الداخلي وانسجام رؤيته‬
‫لمشروع مجتمعي تونسي مستقبلي فهو يضم النقيض ونقيضه ويجمع‬
‫بين الرؤى واألفكار التي ال يمكن أن تجتمع في رؤية واحدة منسجمة‬
‫ومتناغمة ويعيدنا الى مربع الصراع االسالمي العلماني وكل طرف‬
‫يؤول مضامينه حسب خلفيته الفكرية و رؤيته االيديولوجية وأنه‬
‫من المؤكد عند الدخول في تفاصيل هذا الدستور وتطبيقاته العملية‬
‫ستتداخل التفسيرات والتأويالت وتتباين يمينا ويسارا ....‬
‫إن شعار التوافق الذي رفع عند كتابة الدستور سينجر عنه دستور‬
‫ينظر لرؤية مجتمعية مليئة بالتناقض باعتبار أن الرغبة الجامحــة‬
‫في إرضاء كل العائالت الفكرية واإليديولوجية سيترتب عليها فصول‬
‫قانونية أقرب منها إلى تبني المنزلة بين المنزلتين فال يمكن وصفه بأنه‬
‫دستور اسالمي كما ال يمكن أي يوصف بأنه علماني مما يفتح المجال‬
‫واسعا للتجاذب السياسي المرضي البعيد كل البعد عن استحقاقات ثورة‬
‫الحرية والكرامة .‬
‫إن تضمين (تحجير التكفير) وما صحبه من هرج ومرج سياسي‬
‫وإعالمي يؤكد أن النخب التونسية مازالت تراوح مكانها ولم تتخلص‬
‫بعد من عقدها االيديولوجية و «فانتازماتها» الفكرية ولم تصل بعد‬
‫لدرجة الوعي التي تمكنها من فهم وإستيعاب أن الدستور ليس مطلوبا‬
‫منه أن يكون دستورا إيديولوجيا يحقق انتصارا لهذا الطرف أو‬
‫ذلك بقدر ما يجب أن يكون عقدا اجتماعيا وثيقا بين كل التونسيين‬
‫مهما كانت إنتماءاتهم الفكرية والسياسية وأن التجاذب مجاله الخطط‬
‫والبرامج السياسية واالقتصادية واالجتماعية وليس مجاله الدستور.‬
‫إن لعبة االستقطاب الثنائي (إسالمي/علماني) كما كانت تسمى في‬
‫ّ‬
‫أواخر الثمانينات تطل برأسها من جديد في جلسات التأسيسي وفي‬

‫مناقشة بنود الدستور ويبدو أن بعض من عايشها وأكتوى بنارها سابقا‬
‫لم يستفد من عبر التاريخ ويكفي هنا أن أشير أنها نفس اللعبة التي لعبها‬
‫بن علي ليستفرد بالسّلطة ويقضي على الجميع فتضرّر منها االسالمي‬
‫أيّما ضرر ولم يستفد منها العلماني بتاتا إالّ ما ندر من االنتهازيين ..‬
‫إن محاولة إحياء نفس االشكاليات النظريّة التي طرحت في نهاية‬
‫ّ‬
‫الثمانينات والدخول في جداالت بيزنطيّة ال تُسمن وال تُغني من جوع‬
‫هدفها اإلشغال المنهجي وإلهاء الرأي العام بما ال يعول عليه وما ال‬
‫فائدة تنجر عنه وهو تقريبا نفس الجدل النظري العقيم الذي انشغلت‬
‫به النخب أواخر الثمانينات قبل أن يهرب الجمل بما حمل ويستفرد بن‬
‫علي طويال بالسلطة ويبدو أن النخب لم تستفد من التجربة السابقة ولم‬
‫تعدل بوصلتها مما يعرضها لخطر السقوط مرة أخرى في الفخ الذي‬
‫نصب لها في أواخر الثمانينات وكلفها عشرين سنة من الديكتاتورية‬
‫والظلم واالستبداد ...‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫إنني أرى أن هذا المنحى القديم والمتجدد الذي أدى إلى إدراج‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫(تحجير التكفير) في الدستور سيضر ويرجع بالوبال شعبيّا وإنتخابيّا‬
‫لمن أعتقد أنّه انتصر على خصومه السياسييّن بفرض إدراجه في‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الدستور ألن التكفير بكل بساطة مبحث فقهي وعقائدي، ومجرد إيراد‬
‫المصطلح في الدستور سيفتح باب البالء على (الكفّار المفترضيـن)‬
‫و(التكفيريين المفترضين) على حد سواء .... ألن تفسير المصطلح في‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫حد ذاته وتحديد مفهومه سيمر حتما عبر مباحث دينيّة وفقهيّة وتاريخيّة‬
‫بداية من الفتنة الكبرى إلى يومنا هذا وسيحتاج المشرّع لالستئناس بكل‬
‫هذه المباحث في هذا الشأن وترجيح معنى يتعارف عليه للمفهوم أمام‬
‫معاني أخرى... وفي هته الحالة سيمثّل ورطة حقيقية أمام من دفع‬
‫إلضافة هذه الفقرة في البند السادس من الدستور.‬
‫ّ‬
‫إن الدستور الذي يحتاجه ويستحقّه التونسيون هو الدستور الذي‬
‫يسطّر الطريق نحو تحقيق أهداف الثورة في كنف األمن واالستقرار‬
‫ّ‬
‫والنهوض االقتصادي واالجتماعي. وأن أي حديث أو نقاش وطني‬
‫خارج مطالب المحاسبة وكشف ملفات الفساد وإصالح القضاء‬
‫واإلعالم واألمن وإقصاء المنظومة القديمة، وإن أي جدال خارج‬
‫تحقيق العدالة االنتقاليّة وضمان العدالة االجتماعيّة بين الجهات‬
‫والتّقسيم العادل للثّروات وتكريس سيادة القرار الوطني هو حديث‬
‫هراء وكالم دون محتوى لمحاولة تجريف استحقاقات الثّورة نحو‬
‫معارك جانبيّة ال جدوى منها.‬
‫--------------------‬‫* كاتب تونسي‬
‫‪Samaaliadel@yahoo.fr‬‬

‫ّ‬
‫ّ‬
‫«إن الدستور الذي حيتاجه ويستحقه التونسيون هو الدستور الذي يسطر الطريق حنو حتقيق‬
‫ّ‬
‫أهداف الثورة يف كنف األمن واالستقرار والنهوض االقتصادي واالجتماعي »‬

‫9‬
‫في الصميم‬
‫األمة في حاجة إلى «رجال مبادئ»‬
‫وليس إلى حوار «الطرش»‬
‫بقلم : د.مصباح الشيباني*‬
‫ّ‬
‫تمر أمتنــا العربية واإلسالميـــة بمرحلة تاريخية صعبــة، حيث‬
‫يحاصرها أعداؤها من جميع االتجاهات والمواقع ، وأصبح لصراعها‬
‫مع األعداء في الداخل والخارج أبعادا جديدة، ومضامين سياسية‬
‫وأخالقية مضافة إلى مضامين القضايا والمشاكل األصلية من تخلف‬
‫وتجزئة واستعمار..الخ. فتدنت معه المشاعر اإلنسانية والقيم الوطنية‬
‫إلى درجة أن تحول معها من كانوا عقالء إلى مخبولين، ومن كانوا‬
‫أمناء إلى لصوص وتجار في السياسة والدين. فباسم «الحرية» يتم‬
‫تدمير كيان األمة، وباسم «حقوق اإلنسان» يتم تفكيك الدول وإبادة‬
‫الشعوب، وباسم «الديمقراطية» يتم االستنجاد بالمحتل. لقد كان‬
‫السبب المباشر لهذه الثورة هو واقع االستبداد والظَلم الذي هيمن على‬
‫المشهد المجتمعي العربي. وكان الهدف األول من االحتجاجات هو‬
‫بناء الديمقراطية واالعتراف بالمواطنة العربية وعودة سيادة الدولة‬
‫وتحقيق التنمية االقتصادية واالجتماعية..الخ. ومازالت أهدافها الكبرى‬
‫ّ‬
‫هي استعادة روح األمة والدفاع عن هويتها العربية واإلسالمية وعن‬
‫ّ‬
‫قيمها الثقافية والدينية التي تعرّضت إلى التهديم المنظّ‬
‫ّ‬
‫م من قبل أعداء‬
‫ّ‬
‫األمة في الداخل والخارج معا.‬
‫هناك مشاكل وتحديات أخالقية وثقافية وسياسية كبيرة لم نعشها في‬
‫الماضي. والتحدي الجديد يتعلق أساسا بكيفية إنتاج مجتمعنا العربي‬
‫نفسه بنفسه، وكيفية تغيير آليات الفعل السياسي في الدولة. فالمشهد‬
‫السياسي التونسي والعربي عموما، يطرح علينا السّؤال المنهجي‬
‫التالي: وفق أية معايير يجب أن نشكل تجربتنا السّياسية الجديدة؟ أي‬
‫هل نحن نعيش مرحلة القطيعة مع ماضي استبدادي مازال قريبا منا أم‬
‫أننا نعيد إنتاجه ولكن بلبوس ثوري ناعم؟‬
‫فمن خالل فهمنا للثقافة السّياسية الخاصة بمجتمع ما ومن خالل‬
‫إرثه المعرفي والقيمي نستطيع أن نعرف كيف تتشكل السّياسات في‬
‫هذا المجتمع وكيف تنتقل من جيل إلى آخر. وكل أزمة حادة تشمل‬
‫الحراك السياسي واالجتماعي والثقافي تبدو أوال وقبل كل شيء‬
‫ّ‬
‫أزمة حوار بين السّياسيين وأزمة في تأسيس ثقافة االختالف والتعدد‬
‫والديمقراطية. إن االفتراء على هذه القيم والمبادئ اإلنسانية النبيلة،‬
‫واستشراء ازدواجية المعايير في التعامل معها من قبل الفاعلين‬
‫السياسيين (حكومات ومعارضات) في الوطن العربي أدى إلى مزيد‬
‫تعميق هذه المشاكل واالبتعاد عن حل قضايانا االستراتيجية، وبات‬
‫ّ‬
‫األمر سافرا ومبتذال إلى درجة غير معقولة وغير مقبولة وتأكد لنا‬

‫اليوم أن محنة األمة في محنة بعض نخبها الفكرية وسياسييها أي في‬
‫ّ‬
‫غياب «رجال المبادئ».‬
‫ّ‬
‫نعتقد أن جميع الفاعلين السّياسييـــن واإلعالمييــن والمثقفيـــن‬
‫لم يتحملوا بعد مسؤولياتهم في إعادة تشكيل المشهد السياسي‬
‫ّ‬
‫التونسي وتخليصه من التشوّهات األخالقية والقيمية السّابقة والتي‬
‫مازالت تطبع ممارساتهم ومواقفهم وخطاباتهم إلى اليــــوم. فهؤالء‬
‫الفاعلون يمثلون قنوات الثقافة السياسية في المجتمع. والمناخ‬
‫ّ‬
‫السياسي الجديد «المتحرّر» الذي حرّكتــــه الثورة لم يخفف من حدة‬
‫الصراعات السياسية واأليديولوجية والنزاعات االجتماعيــــة والعنف‬
‫اإلعالمــــي في مجتمعنـــا التونســـي بـــل عمقهـــا أكثر من جديد‬
‫في مجتمعنـــا . وهذه الحالـــــة من «الفتنـــة السياسيــــة» ليست إال‬
‫إحدى تجليات ضعـــف األسس التي قام عليها «مجتمع النخبة» وتأكد‬
‫ّ‬
‫أن هذه النخبة هي سبب نكبة مجتمعنا العربي في مختلف الحقـــول‬
‫ّ‬
‫السياسية والثقافية واإلعالمية ألنها تفقد الحد األدنى من المبدئيـــة في‬
‫ّ‬
‫مقارباتها السياسية التي تدعي أنها تناضل من أجلها. والمجتمـــع الذي‬
‫يفتقد فيه قادته السياسيــــون القدرة على إعمال العقـــل وتطويـــر‬
‫طرق التعامــــل في ما بينهم في إطار الوحدة والمشاركة السياسية‬
‫واالنخراط الفعلي وتحمل المسؤولية في إدارة الشأن العام، سوف يبقى‬
‫ّ‬
‫وضعه االجتماعي العام ميزته القصور الذّ‬
‫اتي وغياب الوعي السّياسي‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫والتفكك المؤسّساتــــي للدولـــة وللمجتمـــع وقد يعود في أية لحظة‬
‫إلى الحالة البربرية .‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫إن التعدد واالختالف بين الناس ليس حقّا قانونيا فقط، بل هو سنّة‬
‫ُ‬
‫وثقافة تحتاج إلى دربة حتى تتحول إلى ممارسة يومية في المجتمع.‬
‫وحتى تصبح نمطا من السّلـــــوك أو نموذجـــا يقتدي به جميع‬
‫األفـــراد وفي مختلف المواقــــع. وهذه الثقافـــة ال يمكن أن تتأسّـــــس‬
‫إال في مناخ سياسي وثقافي تعددي في طرق التفكير وفـــي الوعي.‬
‫ّ‬
‫أي أن ثقافة االختالف ال تمثل ظاهرة سياسية فقــــط، بل هي أيضا‬
‫ّ‬
‫ظاهرة اجتماعيـــة وثقافيـــة ورمزية. أي أن مستـــــوى مشاركــــة‬
‫المواطنين في الحراك السّياســــي مثال، يتأثر بعــــدد من المتغيرات‬
‫االجتماعية والثقافية الخاصة بالمجتمع الذي ينتمـــون إليـــه. لذلك،‬
‫فهي مرتبطة بنسق التنشئة االجتماعية باعتبارها عملية يتدرب عليها‬
‫الفرد طوال حياته وتمكنه من استبطان القيم واالنخراط في العمل‬
‫الجماعي لخدمة الشأن العام. وهذه التنشئة تنطلق من المحيط العائلي‬

‫ّ‬
‫« نعتقد أن مجيع الفاعلني السياسيني واإلعالميني واملثقفني مل يتحملوا بعد مسؤولياتهم يف إعادة‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫تشكيل املشهد السياسي التونسي وختليصه من التشوهات األخالقية والقيمية السابقة واليت‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫مازالت تطبع ممارساتهم ومواقفهم وخطاباتهم إىل اليوم . »‬

‫01‬
‫األمة في حاجة إلى «رجال مبادئ»‬
‫وليس إلى حوار «الطرش»‬

‫ثم التعليمي والمجتمعي. وبالتّالي، فالتنشئة السّياسية للفرد ليست‬
‫عملية شكلية ومناسباتية، وإنّما هي عبارة عن قيم ومشاعر واتجاهات‬
‫يستبطنها المواطن وتوجه سلوكه للمشاركة المسؤولة في إطار نظام‬
‫ديمقراطي.‬
‫ّ‬
‫ومن الالّفت في تونس مثال، أن مختلف البرامج السّياسية‬
‫والسّجاالت الفكرية التي تدور في رحاب الوسائط الثقافية واإلعالمية‬
‫تكشف لنا كل يوم عن مستوى رهيب من التخلف من حيث اللّغة‬
‫السوقية المستخدمة ورفض االستماع إلى اآلخر ومنعه من التعبير عن‬
‫رأيه. إذ ال تساعد مختلف البرامج السّياسية في تكوين ثقافة سياسية‬
‫متنورة بمقدار تساعد على تأجيج الصراعات وتعميق النّزاعات‬
‫السياسية واأليديولوجية. وال يحتاج أي متابع مشغول أو مراقب مهتم‬
‫بقضايا األمة إلى مقدمات من أي نوع حتى يقول أنّنا في حاجة إلى‬
‫إنشاء خطاب ثقافي وسياسي مختلف حتى ال نتأخر أو نتوه في حركة‬
‫التاريخ. وهذه الحالة من العطالة التي تخترق الواقع العربي هي تعبير‬
‫عن أزمة بنيوية وحضارية شاملة وعميقة جدا ال يمكن أن تعالج في‬
‫سنوات بل تحتاج إلى عقود من الزمن. فلم تكن منجزات ثالث سنوات‬
‫ّ‬
‫من «الحراك الثوري» سوى انتكاسة وردة حقيقية لما حققته األمة‬
‫على مدى أكثر من أربعة عشرة قرنا، وبدال من أن توجّه «النخبة»‬
‫بوصلتها نحو تغيير وضع الجماهير العربية واإلسالمية المنتفضة‬
‫من المحيط إلى الخليج استخدمت من قبل أعداء الشعب إلعادة إنتاج‬
‫مناخ عربي مضطرب ومنقسم داخليا، وضع عربي تابع للغرب‬
‫االستعماري وللصهيونية.‬
‫لقد كانت التجربة السياسية خالل الثالث سنوات الماضية صدمة‬
‫أليمة للمواطن العربي، وقللت من رغبته في متابعة المسائل السياسية‬
‫أو المشاركة في الحياة السياسية، سواء كان علنا أو ضمنا. فالخطاب‬
‫السياسي المتداول منذ األيام األولى من قيام الحراك الثوري بدا وكأنه‬
‫يتجه نحو إغراق المجتمع في «ثقافة اإلقصاء» من جديد. ومعرفة‬
‫أزمة هذا الخطاب في بعده األنثربولوجي يؤدي بنا إلى فهم أفضل‬

‫للسياسيين ونخبنا الفكرية. وطريقة معالجة الفاعلين السياسيين للمسائل‬
‫وكيفية إدارة حواراتهم وتفاعالتهم السياسية تعبر كلها عن وجود أزمة‬
‫في ثقافتنا السياسية وأزمة في «أسلوب حياتنا» نتيجة غلبة ذهنية‬
‫اإلقصاء وهيمنة «حوار الطرش» على المشهد السّياسي التونسي‬
‫والعربي عموما.‬
‫لم تكن أهداف الصراعات السياسية بين ما تسمى بـالمعارضة‬
‫والحكومات االنتقالية في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا، من‬
‫أجل إعالء شأن دين أو إستقالل وطن، أو من أجل دفع المظالم عن‬
‫الناس وتفكيك منظومة االستبداد، أو من أجل نصرة قضايا العرب‬
‫والمسلمين، وإنما كانت جميعها ذات مقاصد وغايات التناحر‬
‫والتقاتل طمعا في المال والملك، فسقط جميعهم في ثقافة التخريب‬
‫والفتنة السياسية. وقد بلغت رداءة المشهد السياسي في هذه األقطار‬
‫إلى حد دعوة بعضهم إلى التحالف مع األعداء التاريخيين لألمة من‬
‫أجل االستفراد بـ «غنيمة الثورة» وأصبحت الفتنة بالمفرق والموت‬
‫بالجملة، فحسبنا هللا ونعم الوكيل فيهم جميعا؟‬
‫ّ‬
‫نعتقد أن قراءة «التجربة الثورية» العربية الرّاهنة بشكل علمي‬
‫وموضوعي يمثّ‬
‫ل الخطوة األولى لمعرفة كيفية التعامل مع تحدياتها‬
‫الداخلية وأخطارها الخارجية معا. ويتوقف نجاح هذا المشروع على‬
‫مدى تجذير الوعي الثوري وطنيا وقوميا، وإدراك الشعب العربي‬
‫ّ‬
‫طبيعة أعدائه الحقيقيين ومواقعهم المختلفة، وفك االرتباط بالغرب‬
‫ّ‬
‫االستعماري حتى يعطي للجديد الثوري إمكانية النجاح، ألن الثورات‬
‫ال تصنع ويستحيل أن تنجح بأسلوب االحتماء باآلخر اإلستعماري‬
‫الذي ال يريد إال حماية مصالحه فقط.‬
‫فغالبا ما نقرأ بعض الكتابات والقراءات التي تهمل جانبا مهما‬
‫ّ‬
‫من طبيعة الحراك «الثوري» الدائر اليوم في الوطن العربي وعالقته‬
‫ّ‬
‫بالصراعات اإلقليمية والدولية عموما. إن هدف هذه الثورات ليس‬
‫اإلطاحة بالحكام العرب الطغاة والمستبدين فقط، مثلما يحاول البعض‬
‫من العرب والغربيين إيهامنا به، ولن يكون ذلك منتهى المعركة طالما‬
‫بقيت األسباب الحقيقية لالستبداد والتخلف والفقر واألمية قائمة. كما‬
‫أنَ الدراسة الموضوعية والعلمية االستشرافية تقتضي أن ننظر إلي‬
‫هذه الثورات باعتبارها حركات وانتفاضات جماهيرية ديناميكية ـ سلبا‬
‫وإيجاباـ حتى ال نضعها في إطار مغلق وجامد قد يفقدها عالقاتها‬
‫ّ‬
‫التاريخية وتفاعالتها الداخلية والخارجية. فالمناخ العربي والدولي‬
‫الرّاهن ال يساعد على نجاح هذه الثورة بقدر ما يساعد على وأدها‬
‫وإفشالها.‬
‫-------------------‬‫* أستاذ وباحث في علم االجتماع‬
‫‪abounour05@yahoo.fr‬‬

‫« بدال من أن توجه «النخبة» بوصلتها حنو تغيري وضع اجلماهري العربية واإلسالمية املنتفضة من احمليط‬
‫ّ‬
‫إىل اخلليج استخدمت من قبل أعداء الشعب إلعادة إنتاج مناخ عربي مضطرب ومنقسم داخليا،‬
‫وضع عربي تابع للغرب االستعماري وللصهيونية. »‬

‫11‬
‫حوار حول الثورة‬
‫ّ‬
‫في السؤال القديم المتجدد:‬
‫الثورة العربية بين الممكن والمستحيل‬
‫ّ‬
‫ّّ‬
‫حوار مع: الدكتور األزهر الزناد، واألستاذ عماد محنان(*)‬
‫تنسيق الحوار : د. محمد الحاج سالم*‬
‫خطاب الثورة والعقالنيّة‬
‫ّ‬
‫محمد الحاج سالم: في ظل االلتباسات المهيمنة على الخطاب‬
‫ّ‬
‫«الثّوري» العربي المعاصر، هل يبدو لكم ذلك الخطاب عقالنيّا ً ؟‬
‫وما هي مظاهر العقالنيّة فيه ؟‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ األزهر الزنّاد: للخطاب الثّوري ثالث مراحل - في ما‬‫أرى- تناسب درجةُ‬
‫العقالنيّة فيه ترتيب المرحلة: ما قبل الثورة‬
‫َ‬
‫وزمن الثورة وما بعدها. فما قبلها خطاب إعداد للثورة يوصّف‬
‫ّ‬
‫الواقع المتردي وفيه نسبة كبيرة من العقالنيّة، وفي زمنها خطاب‬
‫استنهاضي حماسي قد تتقلّ‬
‫ص فيه العقالنيّة وأما خطاب ما بعد‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الثّورة فال مناص من أن يكون عقالنيّا ً بما يرسم من برامج مستقبليّة.‬
‫وهذه المراحل في الثورات العربيّة متداخلة متزامنة بحكم تتابعها‬
‫فتزامنها فاختالفها في المراحل المذكورة باالستتباع. فأسبقها‬
‫الثورة التونسيّة، وفيها يلمس النّاظر زيادة في درجة العقالنيّة في‬
‫الخطاب بحكم مقتضيات المرحلة: تنظيم االنتخابات، مهام المجلس‬
‫ّ‬
‫التّأسيسي، برامج األحزاب ومضامينها، التّحاليل الفكريّة السياسيّة‬
‫ّ‬
‫بما في الواحد منها من تصوّر(ات) للمستقبل، إلخ. وفي العموم،‬
‫ّ‬
‫أرى أن في الخطاب العربي صوتين على األقلّ: عقالنيّا ً وغير‬
‫ّ‬

‫عقالني، وكالهما يعد بمشروع اجتماعي وللواحد منهما أنصار‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ومعارضون على مستويين وطني وعالمي، وقد يخفت صوت‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ويرتفع آخر، وقد تتبلور عقالنيّة توافقيّة في نهاية المطاف.‬
‫ عماد محنان: خالفيّا ً يكون جواب مسألة «عقالنيّة الخطاب‬‫الثّوري العربي الرّاهن» كخالفيّة مفهوم العقالنيّة وبقدرها. وهذا‬
‫فضالً عن سياقيّة مفهوم الخطاب نفسه. ولكون المعاصرة حجابا،‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫فإن طرح المسألة راهنا ً ال يبدو مراعيا ً للمسافة الزمنيّة الضّروريّة‬
‫ُ‬
‫للرّؤية. لذا يكون بحث المسألة تقصّداً لثمار غير ناضجة، فيؤول‬
‫الجني جناية بما هو هتك للبستان وفتك بعافية اإلنسان. من جهة‬
‫ّ‬
‫الفهم الفلسفي يتسنّى لنا الكالم على عقالنيّة «الخطاب الثّوري‬
‫العربي» باتّخاذ مطيّة التّمييز بين تصوّريْن لمصدر المعرفة :‬
‫العقل والتّجربة. وال يبدو في الطّابع المفاجيء لثورة تونس فاتحة‬
‫ثورات ما يُعرف بالرّبيع العربي أنّه بوسع أيّة تمثّالت عقليّة‬
‫ْ‬
‫خالصة أن تستبق هذه الثّورة أو أن تستشرف مآالتها. بل لعلّه‬
‫كان في قراءة الحراك المجتمعي استثماراً لمحصّلة معرفة تجريبيّة‬
‫فيزيائيّة تجسّمت في شعارات مستقاة من السّياق المعرفي التّجريبي‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الفيزيائي شأن مقولة «كل فعل يقابله رد فعل...» و مقولة «الكبت‬
‫ّ‬
‫يولّد االنفجار». ولئن لم يكن ما أسميناه بـ «الخطاب الثّوري‬
‫ّ‬
‫العربي» لراهنيّته شاهداً بمقوّماته فلعلّه يبدو واعداً بمقدماته.‬
‫***‬
‫ّ‬
‫محمد الحاج سالم: هل تعني بذلك نفي أي دور للنّخب ؟‬
‫ّ‬
‫ عماد محنان: الثّورة بما هي أداة التّغيير التّ‬‫اريخي كانت أكبر‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫هموم الفلسفة المعاصرة. بل لقد أدى الشاغل التّغييري إلى قطيعة‬
‫بين الفلسفة ومطلبها التّأملي العالق بها بما هي «نظر في الوجود».‬
‫ّ‬
‫وتُعبّر عن هذه القطيعة نشأة ما يصطلح عليه بفلسفة الممارسة‬
‫أو «البراكسيس». ولما كانت النّخب العربيّة التي وجّهت الثّورة‬
‫ّ‬
‫وأطّرتها حاملة لرؤية هذه الفلسفة لإلنسان والتّ‬
‫اريخ سواء بالمعرفة‬
‫ّ‬
‫أو بالتّبنّي فإن الجماهير نفسها انخرطت في هذه الرّؤية أمالً في‬
‫خالص ممكن مما عكس تسليما ً للمثقّ‬
‫ف والعالم بزمام التّأسيس‬
‫ّ‬
‫المجتمعي.‬

‫ّ‬
‫«من جهة الفهم الفلسفي يتسنى لنا الكالم على عقالنية «اخلطاب الثوري العربي» باتخّاذ‬
‫ّ ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ ّ‬
‫مطية التمييز بني تصورين ملصدر املعرفة : العقل والتجربة. »‬
‫ّ ْ‬

‫21‬
‫ّ‬
‫في السؤال القديم المتجدد:‬
‫الثورة العربية بين الممكن والمستحيل‬
‫ّ‬

‫ّ‬
‫غير أن جدل العالقة بين المثقّف/السّياسي والجماهير ال يسمح‬
‫ّ‬
‫بوالدة خطاب ثوري عقالني أو غير عقالني إالّ في االعتباريْن‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫اإليديولوجي والقطاعي. فمن جهة اإليديولوجيا تلوح في األفق‬
‫السّياسي العربي هيمنة النّزوع اإلحيائي الذي يصبو إلى استرجاع‬
‫ّ‬
‫الماضي. وهو ما فعّل سؤال الهويّة والجذور وغلّب حضور المكوّن‬
‫ّ‬
‫العقدي الوثوقي. وأما من جهة القطاعيّة فإن الخطاب الثّوري مأخوذ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫بضرورة التّبسيط إلى حد التّسطيح مراعاة لتردي مراتب قطاعات‬
‫ّ‬
‫واسعة من جماهير الشعب العربي في سلّم التّعليم والثّقافة.‬
‫الثورة والتكنولوجيا الرقميّة‬
‫محمد الحاج سالم: نعم، لكن بقطع النظر عن المسارات الممكنة‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫للثورة، فإن الثابت أن التّكنولوجيا الرّقميّة لعبت دوراً أساسيّا ً في تحديد‬
‫ّ‬
‫المسار الثّوري العربي. هل ترون أن دورها كان في تثوير الطاقات‬
‫الشعبيّة أم اقتصر فحسب على استنساخ الثورات؟‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ األزهر الزنّاد: لكل ثورة أدواتها حسب العصور، والمهم أن ال‬‫ّ‬
‫قيام لثورة ما لم تتوفّ‬
‫ر جملة من العوامل المتظافرة يعيشها جميع النّاس‬
‫أو جلّهم، وهي في جوهرها فقر وشعور بالظّلم وإحباط وانعدام الثّقة في‬
‫الحاكم فيكون البحث عن البديل. وقد ينشأ البديل نشوءاً جماعيّا ً عفويّا ً‬
‫ّ‬
‫ثم يتبلور في رؤية متكاملة يتوحّد فيها صنّاع الثّورة: أي أبناء الشعب‬
‫ّ‬
‫شيبهم وشبابهم. وإذ كانت التكنولوجيا الرّقميّة متاحة استخدموها. فهي‬
‫أداة افتراضيّة ولكنّها ذات نتائج تتحقّق في الميدان تسهّل التّواصل‬
‫فالتّنظيم وتنسيق الفعل وسرعته في الميدان رغم اتّساعه، فتضمن‬
‫توحيد الطّاقات وتوجيهها توجيها ً ناجعا ً وهذا ما شهدناه، وهنا كانت‬
‫مزيّة التّكنولوجيا الرّقميّة. وإذ كانت هذه التّكنولوجيا منتشرة بين‬
‫شعوب متشابهة في ظروف مهيّئة لقيام الثورة اعتُمدت فيها جميعا ً‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫وبنفس األسلوب تقريبا. وهذا الشبه لم تفرضه أدوات التّواصل وإنّما‬
‫فرضه شبه في واقع بائس خلقته أنظمة متشابهة انجرّ‬
‫عنه شبه في‬
‫ّ‬
‫الحلول المنشودة وفي السّبيل إلى تحقيقها. ولعل للتّكنولوجيا الرّقميّة‬

‫دوراً في البناء بعد قيام الثّورة. فهي، بهذا المعنى،لم تستكمل بعد.‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ عماد محنان: دشنت العشريّة األخيرة من القرن العشرين بحق‬‫ّ‬
‫موت الجمركي وحارس الحدود. فلم تقف أوروبا الجديدة المتجددة‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫عند عتبة رأب الصّدع األلماني وال عند فك أسر األقلّيات المسلمة في‬
‫البلقان من تغوّل القوميّات المتغلّبة وعنجهيّتها، بل لقد أسّست كيانها‬
‫األوروبي الموحّد بحدود مفتوحة. وقد خطا مشروع العولمة األمريكي‬
‫خطوته العمالقة بإسدال نسيج شبكة العنكبوت التّواصليّة على مساحة‬
‫العالم. وصارت المعلومة هي الملِكة في خليّة النّحل البشري العالمي.‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫وكذبت نوايا اقتصاد السّوق المحمومة هواجس المتخوّفين من أن‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫الغرب يريد لنا أن نظل رهن الحبس الحضاري البارد وأن نبقى على‬
‫حال تخلّفنا وجمودنا. وذلك أن اكتساح األسواق يفترض تأهيلها معرفيّا ً‬
‫ّ‬
‫وتقنيّا ً ألجل تسهيل التّواصل مع المصنّع والتّعامل مع المصنوع.‬
‫ُ‬
‫لذا كانت التّحفة المعلوماتيّة أولى منحوتات اليد األجنبيّة في بالدنا‬
‫بالتّمويل «المشروط طبعا» والضّغط لنشر ثقافتها وتعميمها على‬
‫مستويات التّعليم جنبا ً إلى جنب مع إشاعة اإلنقليزيّة «االستهالكيّة»‬
‫في التّعليم الجامعي وما دونه.‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫لقد وجد الشباب العربي المأزوم في فضاء األنترنت المفتوح ــ‬
‫وإن بتعبيرنا األثيل ـ مبكى لليتامى وداراً للنّدامى : نشطت عالقات‬
‫ّ‬
‫التّواصل مع األوساط الشبابيّة األوروبيّة واألمريكيّة في صلب‬
‫مقايضة ـ بيْنمجتمعيّةـ مقنّعة تُ‬
‫بادل بُعبع الفقر وحلم الهجرة في العالم‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫العربي بهاجس التّصحّر الشبابي وشبح التّهرّم السكاني ونقص اليد‬
‫العاملة البخسة خارج أطر الضّمانات الحقوقيّة في المجتمعات الغربيّة.‬
‫ووجدت الجماعات الحقوقيّة والمثقّفة طريقا ً سالكة إلى ضمير الرّأي‬
‫ّ‬
‫العام العالمي ومؤسّساته لفضح رياء الدكتاتوريّة وتعرية جرائمها.‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫وتدعمت ثقافة التّواصل الرّقمي في ظل هذا الفضاء «الثّوري»‬
‫ّ‬
‫من جهة سرعة توصيل المعلومة ومدى انتشارها فتشكلت لغة برقيّة‬
‫ّ‬
‫قائمة على الرّموز والمختصرات واألرقام. وقد أدى هذا الفضاء ولغة‬
‫ّ‬
‫التّواصل فيه دوراً بالغ األهميّة في توسيع الهوّة بين فئة الشباب وباقي‬
‫فئات المجتمع العربي. وولّد ذلك إحساسا ً بامتالك رؤية مغايرة للممكن‬
‫المجتمعي ومؤهّالت تقنيّة وتواصليّة هي مفتاح األزمة وأداة التّغيير.‬
‫هكذا كان للثّورة أن انطلقت في تونس ثم مصر من حناجر جيل شابّ‬
‫ّ‬
‫لطالما سّفهه أساتذته ومعلّموه وقنتوا منه، ولم يروا إالّ قطاعا ً‬
‫منه‬
‫ّ‬
‫غرق في الكحوليّة واحترف الغياب أو تلهّى بمواقع الدردشة وقنوات‬
‫اإلباحيّة.‬
‫***‬
‫ّ‬
‫محمد الحاج سالم: تقصد أن الثورة كانت غير متوقّعة بما أنّها‬
‫ّ‬
‫كانت غير تقليديّة في أدواتها ؟‬
‫ّ‬
‫ عماد محنان: نعم، فقد تسلّح الشباب الثّائر بلغة التّواصل التي‬‫تخصّه دون سواه. إنّها لغة تتّسم بكل سمات الثّ‬
‫ّ‬
‫ورة. لغة مختصرة‬

‫ّ‬
‫ّ‬
‫« لكل ثورة أدواتها حسب العصور، واملهم أن ال قيام لثورة ما مل تتوفر مجلة من العوامل املتظافرة‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫يعيشها مجيع الناس أو جلهم، وهي يف جوهرها فقر وشعور بالظلم وإحباط وانعدام الثقة يف‬
‫احلاكم فيكون البحث عن البديل. »‬

‫31‬
‫ّ‬
‫في السؤال القديم المتجدد:‬
‫الثورة العربية بين الممكن والمستحيل‬
‫ّ‬
‫برقيّة خاطفة يمتزج فيها الرّقم بالحرف بالصّورة. وينشب فيها الحوار‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫مخترقا ً حدود المكان والزمان والعرق والدين واإليديولوجيا وفي مقام‬
‫ّ‬
‫حر مفتوح قد ال نعلم عدد المتواصلين فيه. هي لغة الفضاء المفتوح‬
‫وفّرتها األنترنت على مواقع التّواصل العنكبوتي وغذّ‬
‫اها التّواصل‬
‫بواسطة الجوّال وعاضدها اإلعالم الفضائي المحموم بالسّبق والرّوح‬
‫ّ‬
‫التّنافسيّة. ولكونه فضاء مفتوحا ً فقد بنى عقليّة االنفتاح. ولكونه فضاء‬
‫ّ‬
‫التّعدد وإلغاء الحدود قام على االختزال والسّرعة وانقشعت منه السّريّة‬
‫والحيطة الثّوريّة والتّخطيط المسبق فليس له برنامج قصدي قائم في‬
‫ُ‬
‫أذهان المخطّطين وال مخطّط تنفيذي في أجندة القادة الميدانيّين.‬
‫***‬
‫محمد الحاج سالم: في هذه الحال، ما هي الفروق بين هذه الثورة‬
‫ّ‬
‫الجديدة وسابقاتها ؟‬
‫ّ‬
‫ أ.عماد محنان: أوّال، كان الثّوري القديم ملتزما ً منضبطا ً ال يبتسم‬‫إالّ بمقدار. وكانت الثّورة كالمحراب ال تقبل لغواً وال خروجا ً عن‬
‫ّ‬
‫الصّف. وثانياً، لم يكن في حسبان الحرس القديم في سلطة الدكتاتور‬
‫ّ‬
‫أن شيئا ً كهذا يوجد في المجتمع وهو يسوده التّرويع األمني إلى درجة‬
‫ّ‬
‫تذهل معها األم عما ولدت. وبحسب ظن الجميع ليس للثّورة إالّ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ّ ّ‬
‫ّ‬
‫الشكل التّنظيمي المعروف والعنف المقاوم والتّ‬
‫ضحيات الجسام. ومن‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ ّ‬
‫تابع مظاهرات الشباب اللّيليّة في المدن التّونسيّة يشهد أن التّخطيط‬
‫ُ‬
‫كان إبداع اللّحظة. لم يكن الشباب التّونسي يقارع بوليسا ً واقعيّا ً‬
‫ّ‬
‫بل‬
‫ّ‬
‫افتراضيّا ً ارتسم في عقليّته من ثقافة األنترنت (واستعمالها في تونس‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫بنسبة مهولة تُقدر بـ 52 في المائة بمعنى أنّها مرتفعة جداً في فئة‬
‫ّ‬
‫الشباب). ولم يبحث في هذا البوليس العدواني عن أجساد يسحلها في‬
‫ّ‬
‫الطّ‬
‫ّ‬
‫ريق بل عن قيمة سالبة يتجاوزها ويتحداها بإبداعيّة مراوغة تنال‬
‫من هيبتها وتذلّل من سطوتها في نفوس جماهير الشّ‬
‫عب. وقد ساعد‬
‫ّ‬
‫هذا التّعامل الذي تغلب فيه الرّمزيّة على العنف الثّوري على إجراء‬
‫المنهجيّة الثّوريّة الحديثة التي عرفها التّاريخ المعاصر مع الثّ‬
‫ورة‬
‫التّونسيّة. فغياب العنف الثّوري واالكتفاء بما يكفل البعد االحتجاجي‬
‫ّ‬
‫والمطلب التّغييري المجمع على شرعيّته حتّى من أركان النّظام القائم‬
‫ُ‬
‫جعل أهداف الثّورة خفيّة وأخّ‬
‫ر خيار االستخدام المفرط للقوّة من جانب‬
‫السّلطة.‬
‫الثورة بين سؤال الهويّة والمطلبيّة االجتماعيّة‬
‫محمد الحاج سالم: اختلطت المطلبيّة السياسيّة بالمطلبيّة االجتماعيّة‬
‫ّ‬
‫في الثورة العربيّة، وجاءت مسألة الهويّة ونموذج المجتمع المنشود‬
‫ّ‬
‫لتؤجّج مخاوف بعض األطراف بخصوص مصير الديمقراطيّة وحريّة‬
‫التّعبير. برأيكم، هل يمكن للثّورة العربيّة الرّاهنة تجاوز سؤال الهويّة‬
‫ّ‬
‫(الجوع الرّوحي) والمطلبيّة االجتماعيّة (الجوع المادي) إلى مساءلة‬
‫آفاق الفعل الحضاري الكوني؟ وما هي إرهاصات ذلك التجاوز ؟ وما‬
‫هي حدوده الممكنة ؟‬

‫ّ‬
‫ األزهر الزنّاد: هذه أسئلة كثيرة في واحد. كل ثورة تقوم على‬‫مطالب سياسيّة و/أو اجتماعيّة. والمفقود، هنا، مطلوب منذ قرون،‬
‫ولكن لم يحدث أن تحقّق ذانك المطلبان، فقد أخطأنا مواعيد مع تحقيقهما‬
‫في تواريخ عديدة منها االستقالل في منتصف القرن الماضي، وأخطأنا‬
‫ّ ّ‬
‫تحقيقهما مع نظم عربيّة فشلت في توفير الشبع المادي (الرّفاه والتّنمية)‬
‫ّ‬
‫والشبع الرّوحي (الهويّة). ولنا اآلن في الثورات العربيّة مجال لذلك‬
‫ّ‬
‫ولكن المشكل يطرح في األولويّة وفي الطّريقة: أقول هما متكامالن‬
‫َ‬
‫يمكن تحقيقهما بالتوازي إذ ال سبيل إلى تحديد الهويّة وأنت جائع أو‬
‫مكبّل اليدين واللّسان، والعكس صحيح. والمشكل عائد - في رأيي-‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫إلى أساس الوعي الثنائي بالزمن: الفردي والجمعي في آن، وعندما‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫يلتقيان بمعنى تشبع الحاجات بنوعيها (الماديّة والسّياسيّة، الفردية‬
‫والجماعيّة) يكون التّوجّه طبيعيّا ً إلى آفاق الفعل الحضاريّ، شريطة‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫أن يكون توجّها ً مستقبليّا ً ال إحيائيّا ً غفالً، يحتاط لكل العراقيل بأنواعها‬
‫داخليّة كانت أو خارجيّة. والثورات العربيّة بكل ما فيها إرهاص بذلك،‬
‫ّ‬
‫فأعمار الشعوب تقاس بالقرون ال بالسّنوات والعقود.‬
‫ أ.عماد محنان: يكفي أن نتّخذ من فهم األوساط االجتماعيّة التي‬‫ّ‬
‫انطلقت منها الثّورة التّونسيّة والشعارات التي رُفعت في تفاعالتها‬
‫ّ‬
‫األوّليّة لكي نتبيّن أن المطلبيّة الماديّة كانت قادحها الرّئيسي. ولكن ذلك‬
‫ال ينفي دور النّخب في توجيه العمل االحتجاجي إلى المطلب السّياسي‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫وعنوانه الحريّات وتأسيس النّظام الديمقراطي. ويبدو أن المسار‬
‫االنتخابي عرف حيوداً يبدو في تقديرنا رد ّفعل طبيعي على جملة‬
‫ّ‬
‫مؤثّرات ظهرت خالل الفترة الفاصلة بين سقوط حكومة الغنّوشي‬
‫وموعد انتخابات المجلس التّأسيسي. أوّلها غلبة اليسار على لجنة حماية‬
‫ّ‬
‫الثّورة وثانيها احتدام النّقاش حول الفصل األوّل من الدستور وثالثها‬
‫القانون االنتخابي الذي يسمح في بعض بنوده باحتساب أصوات طرف‬
‫سياسي لفائدة طرف آخر ورابعها االستفزاز اإلعالمي المتمثّل في هتك‬
‫المقدسات الدينيّة. هذه المؤثّرات جميعها جعلت الفعل االنتخابي منصبّا ً‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫على سؤال الهويّة. وانحصر التّ‬
‫صويت في ضمان المحافظة على‬

‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫« يكفي أن نتخذ من فهم األوساط االجتماعية اليت انطلقت منها الثورة التونسية والشعارات‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫اليت رفعت يف تفاعالتها األولية لكي نتبينّ أن املطلبية املادية كانت قادحها الرئيسي. ولكن‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ ّ‬
‫ذلك ال ينفي دور ال ّ‬
‫نخب يف توجيه العمل االحتجاجي إىل املطلب السياسي»‬
‫ّ‬

‫41‬
‫ّ‬
‫في السؤال القديم المتجدد:‬
‫الثورة العربية بين الممكن والمستحيل‬
‫ّ‬

‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الفصل األوّل من الدستور. ويمكن القول استخالصا ً للدرس إن الثّورة‬
‫كانت مطلبيّة في منطلقها واالنتخابات كانت محافظة في مضمونها.‬
‫ولكن ما حافظت عليه نتيجة االنتخابات هو المكوّن الهووي الذي‬
‫ّ‬
‫أقرّته الدكتاتوريّة واعترفت به صوريّا ً دون أن تكرّسه موضوعيّاً.‬
‫هذا الحيود ال يمكن أن يُعد انحرافا ً إالّ قُ‬
‫ّ‬
‫رئ قراءة محافظة تأخذ من‬
‫ّ ّ‬
‫معنى «البيْعة» أكثر مما تأخذ من معنى االنتخاب الحر الدوريّ. وأثقل‬
‫ّ‬
‫المسؤوليّات ما يقع على األطراف التي هي خارج المجلس التّ‬
‫أسيسي‬
‫ّ‬
‫أو ال تشكل فيه األغلبيّة. وهي في العموم أحزاب اليسار.وذلك أنّها‬
‫تخضع الختبار تاريخي في مجاوزة سؤال الهويّة بعدم تهييج العاطفة‬
‫ّ‬
‫الدينيّة عبر المساس بالمقدسات، والضّغط في اتّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫جاه بلورة مشروع‬
‫لإلصالح االقتصادي والتّنمية المتوازنة ووضع تشريعات ضامنة‬
‫ّ‬
‫لسقف من الحريّات يلبّي مطمح الشعب ويكفل شروط اإلبداع من أجل‬
‫دخول مدار الفعل الحضاري.‬
‫الثورة بين الحداثة والتغرّب‬
‫محمد الحاج سالم: أفرزت الثورة العربيّة رؤية جديدة للذات‬
‫ّ‬
‫ولآلخر، وأحيت مشاريع تحديثيّة خلنا أنّها ماتت. فكيف ترون سبل‬
‫الحوار الوطني بين مختلف مكوّنات الشعب في سبيل إرساء نظام‬
‫ّ‬
‫وطني ديمقراطي حديث ؟ وما هي حظوظ نجاحه أو إخفاقه في ظل‬
‫الهيمنة السياسيّة واالقتصاديّة للقوى العالميّة ؟‬
‫ّ‬
‫ األزهر الزنّاد: جواب هذا مواصلة لما قبله، فمن مكوّنات الهويّة‬‫ّ‬
‫تصوّر الذات (فرداً أو شعباً) وتصوّر اآلخر، وكالهما ال يكون إالّ‬
‫ّ‬
‫إزاء قرينه. فقد يكون اآلخر قويّا ً ال لقوّة فيه وإنّما لضعف في الذات‬
‫والعكس صحيح. والسّبيل إلى تحقيق القوّة (العلميّة والتّكنولوجيّة‬
‫واالقتصاديّة وما يتبعها) نظام وطني ديمقراطي حديث فيه تجاوز‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫لكل مصلحة (فرديّة، حزبيّة، فئويّة) ضيّقة أو عاجلة إلى مصلحة‬
‫جماعيّة عليا تضمن فيها مصالح األفراد على المدى الطّ‬
‫ويل. وأساس‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ذلك نهج سياسة مستقبليّة متكاملة تنهض بها الدولة على المدى البعيد‬

‫دون انقطاع وإن تغيّرت الحكومات تبعا ً للتّداول على السّلطة، وهذا‬
‫ما نجح فيه وبه الكثير مما نسميه بالقوى العالميّة. ومن المعلوم أنّها‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ال تتغيّر سياساتها بتغيّر حكوماتها. ومن أسسه كذلك أن يراعي من‬
‫هو في الحكم مصلحةَ الجميع وأن يعارضه من هو خارج الحكم في‬
‫ما يستوجب المعارضة، ال في ما هو من صميم المصلحة الوطنيّة.‬
‫ّ‬
‫ومن شروطه كذلك أن نجتنب أسباب عودة الدكتاتوريّة فرديّة كانت أو‬
‫جماعيّة. ينجح هذا المشروع باجتناب اإلقصاء والتّ‬
‫هميش وبزرع قيم‬
‫العمل والكفاءة والمحاسبة، والمكافأة على قدر المجهود.‬
‫ عماد محنان: الثّورة أشبه شيء بتحريك قطعة شطرنج‬‫واحدة يغيّر نظام الرّقعة بكامله ويفرض منظومة عالقات جديدة‬
‫ّ‬
‫على الالّعبين التّفكير مجدداً لفهم كيفيّات التّعامل معها. فالقوى‬
‫ّ‬
‫ّ ّ‬
‫االستعماريّة التي كانت باألمس القريب تقدم الدعم السّياسي والمادي‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫واالستخباراتي للدكتاتوريّات أصبحت في مصاف أعدائها تحاربها‬
‫بما كانت تسندها به. واألحزاب اليمينيّة تسربلت بوشاح مدني وقبلت‬
‫ّ‬
‫لعبة الديمقراطيّة والتّداول ووعدت بالحفاظ على المكتسبات الحقوقيّة‬
‫ّ‬
‫واالتّفاقيّات الدوليّة الملزمة. واألحزاب اليساريّة وجدت نفسها خارج‬
‫ّ‬
‫قائمة المدعوّين شعبيّا ً وليس أمامها إالّ مراجعة حساباتها أو التّسكع‬
‫ّ‬
‫طويالً على قارعة الشارع السّياسي. فقد أتّخذت أزمة الثّقة اتّجاها‬
‫جديداً بين النّخب اليساريّة والحداثيّة والعلمانيّة من جهة والجماهير من‬
‫جهة ثانية. واستفحل النّفاق السّياسي فمأل القتلة طوابير جنائز الهالكين‬
‫ّ‬
‫من عموم الشعب الذي رفع على كاهلة وزر سنين الجمر ودفع فاتورة‬
‫الثّورة. فهل هو خلط أوراق على طريقة اللّوطو ليكون نزول الورقة‬
‫ّ‬
‫الرّابحة محض صدفة؟ الواضح أن الطّرف الذي يراهن على عدد‬
‫أكبر من األوراق هو الذي يحظى بفرص أكثر للفوز. لم يستطع منطق‬
‫المطلبيّة الماديّة أن يفرض نفسه أمام سؤال الهويّة في هذه المرحلة.‬
‫وهذا ليس فيه قطع للرّجاء من توفّر مجال العمل السّياسي على موطئ‬
‫ّ‬
‫قدم لليساريين والعلمانيين. بل إن االعتراف المتبادل هو ضمانة‬
‫الوجود المشترك والعيش معا. فليس رهان الثّورة مصلحيّا ً انتخابيّا ً‬
‫بل‬
‫حضاريّا ً في مداه البعيد.‬
‫الهوامش‬
‫(*) أجريت هذا الحوار بتاريخ 03 نوفمبر 1102 وأنا أستعيده‬
‫هنا كوثيقة دالّة عما كان يكتنف المثقّف في تلك األيّام الجيّاشة الفوّارة‬
‫ّ‬
‫من آمال ومخاوف وهُوامات حول ثورة ما تزال أسئلتها التي ال تنتهي‬
‫تالحقنا، مع الشكر الجزيل للصّديقين الفاضلين اللذين كانت لي معهما‬
‫مقابسات ممتعة.‬
‫--------------------‬‫* باحث في اإلناسة ومترجم،‬
‫‪aboujihedm@gmail.com‬‬

‫ّ‬
‫« تسربلت األحزاب اليمينية بوشاح مدني وقبلت لعبة الدميقراطية والتداول ووعدت باحلفاظ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫على املكتسبات احلقوقية. أما األحزاب اليسارية فقد وجدت نفسها خارج قائمة املدعوين شعبياً‬
‫ّ ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫وليس أمامها إال مراجعة حساباتها أو التسكع طويال على قارعة ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الشارع السياسي »‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫51‬
‫نقاط على الحروف‬
‫ُ‬
‫ما هكذا تبنى األوطان، ما هكذا تنهض األمم ...‬
‫بقلم : شكري عسلوج*‬
‫أبدأ هذا المقال بحكمة هي من أبلغ ما تطرق إلى سمعي وما‬
‫وقعت عليه عيني وما كان له أعمق الوقع في نفسي. في منفاه في‬
‫أقصي سيبيريا أو الجحيم المتجمد كما يسميه البعض، كتب ألكسندر‬
‫سولجينيتسين كتابه «أرخبيل الجوالج»، والذي اقتطفت لكم منه الفقرة‬
‫التالية: «... ورويدا رويدا، تبيّن لي أن الخطّ الفاصل بين الخير والشر‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ال يمر عبر الدول، وال بين الطبقات أو األحزاب السياسية، بل يمر‬
‫مباشرة خالل قلب كل إنسان وعبر قلوب البشر جميعا. وهذا الخط‬
‫يُغيّر موضعه، فحتى داخل القلوب التي يغمرها الشرّ، يظل هناك رأس‬
‫جسر صغير من الخير قائما، وحتى داخل أطهر القلوب، تظل هناك‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫مضغة صغيرة من الشر لم تُجتث ...»‬
‫من أهم خصائص دولة الظلم واالستبداد، أنها تناصب العداء‬
‫َ‬
‫وتقاوم بل وتسعى للقضاء على كل ما هو خيِّر وجميل ونبيل وفي‬
‫ّ‬
‫المقابل فإنها ترعى وتساند وتضخم كل ما هو خبيث وذميم وخسيس‬
‫في النفس اإلنسانية. لذلك فهي تُعلي من شأن أصحاب النفوس الخبيثة‬
‫والعقول التافهة والقلوب المريضة، الذين يهرولون لخدمتها والتمسّح‬
‫ّ‬
‫على أعتابها لنيل رضاها والتمعش من عطاياها، وتُذل بل وتسحق‬
‫كبار النفوس وذوي األلباب الذين يعارضونها ويقفون أمام أهدافها‬
‫ّ‬
‫الهدامة وأساليبها المقرفة. في كنف دولة الظلم واالستبداد، أنحسر‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫الخير في القلوب ليضمحل ويتالشى اإلحسان بين الناس. وليس أدل‬
‫ّ‬
‫مثاال عن ذلك من رجل قدم مساعدة مادية ألسرة سجين سياسي ترك‬
‫أهله بدون معيل، ليحاكم من أجل ذلك بكل قسوة ويقضي سنوات‬
‫ُ‬
‫طويلة في السجون المظلمة بتهمة تمويله لإلرهابيين. فقد كان مكتوبا‬
‫على الحرّة التي تجاسر زوجها على مقارعة الظالم، أن تجوع أو أن‬
‫ّ‬
‫تأكل وتُطعم أوالدها من ثدييها ال من عطايا أهل البر واإلحسان. من‬
‫ّ‬
‫أبلغ األمثلة أيضا أوالئك الذين لم يجدوا بُدا من دفع رشاوى سخيّة‬
‫حتى يتمكنوا من أن يكونوا من بين المحضوضين الذين يُسمح لهم‬
‫بأداء مناسك الحج.‬
‫ّ‬
‫شكل قيام الثورة التونسية واندحار واحد من أعتى األنظمة الشمولية‬
‫والمستبدة، الذي كان قد حوّل وطننا إلى دولة مارقة تديرها مافيات‬
‫الفساد واإلفساد، ارتهنت مقدرات شعب بأكمله وعبثت بحاضره‬
‫وصادرت مستقبله ، حدثا جلال وتاريخا فارقا ليس فقط على الصعيد‬
‫ّ‬
‫الوطني وإنما تعداه ليكون سمة بارزة على الصعيد العالمي في تاريخنا‬
‫المعاصر. شاهدنا بأم أعيننا معجزات لم نكن نعرفها إال من القَصص‬
‫ّ‬
‫القرآني أو من األساطير التي درجنا على مطالعتها في قِصص األطفال‬
‫ونحن أحداث. شهدنا جبابرة كبارهم وصغارهم، والذين كان مجرد‬

‫ذكر أسمائهم يثير الخوف والرعب في األفئدة، يتهاوون صاغرين‬
‫ِ‬
‫مدحورين، وأكتشف أولياءهم وأزالمهم الذين كانوا يستقوون بالطاغية‬
‫للنيل من بني جلدتهم، أن مثَلهم كان كالعنكبوت الذي احتمى بأوهن‬
‫َ‬
‫البيوت، رغم مظاهر القوة والمنَعة الزائفة التي كانت تحيط به. في‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫المقابل شهدنا المقهورين الذين نَكل بهم زبانيتهم ورموهم في غياهب‬
‫ُّ‬
‫السجون وحكموا عليهم باإلعدام، يصعدون إلى سدة الحكم في مشهد‬
‫ّ‬
‫ذكرنا بنبي هللا يوسف وهو ملقى في أعماق الجُبّ بعدما رماه إخوته‬
‫ُ‬
‫فيه ومن بعد سجينا في غياهب السجن بعدما كادت له النسوة قبل أن‬
‫يرفعه هللا أخيرا ليصبح عزيز مصر والوصي على خزائنها.‬
‫الثورة التونسية التي بدأت بعبق الياسمين، كانت مبهرة للنفوس‬
‫ُ‬
‫ُ ّ‬
‫ُ ّ‬
‫وملهمة للعقول ومجددة لألمل ومبشرة بتحقيق األحالم في تكريس‬
‫ُ‬
‫مبادئ الخير والعدل وفي إحداث نُقلة نوعية في العقليات وتكريس‬
‫ممارسات راقية من أجل حياة أفضل للجميع في ربوع هذا الوطن.‬
‫كانت ظاهرة التشكل التلقائي للدفاع الشعبي عن األحياء والممتلكات‬
‫واألعراض بعد انهيار المؤسسة األمنية وانتشار المليشيات المأجورة‬
‫وعصابات الجريمة التي جابت البالد طوال وعرضا ناشرة الرعب‬
‫والسلب والنهب والحرق، دليال ساطعا على تميّز هذا الشعب ووعيه‬
‫وإدراكه للحظة التاريخية التي يمر بها وحتمية المحافظة عليها. كما‬
‫كانت جموع التالميذ الميسورين في عمر الزهور، وهم يتطوعون‬
‫من تلقاء أنفسهم لتنظيف الساحات العامة، من دواعي األمل والسرور‬
‫والثقة بمستقبل تونس، وكان سيل اإلمدادات والتبرعات األهلية المتجهة‬
‫صوب الجنوب لغوث الالجئين من األشقاء الليبيين ومن شعوب العالم‬
‫كافة، مثاال رائعا على اإليثار والسمو واللحمة بين أقطار األمة الواحدة‬
‫ّ‬
‫التي فرّقها االستعمار ووحدَتها الثورة، وكان المدّ‬
‫َّ‬
‫التضامني من خالل‬
‫االنتشار الواسع للجمعيات الخيرية التي تُغيث المستغيثين وتمد يد‬
‫المساعدة للسائل والمحروم، ألحسن تبيان على الخير العميم الكامن في‬
‫هذه األرض الطيبة والذي وجد أخيرا متنفَّسا وسبيال للفعل العلني على‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫األرض، بعدما كبت وغيّب ظلما وجورا وقسرا لعقود خلت، وكانت‬
‫الجموع الجمة التي اصطفت يوم 32 أكتوبر 1102 بصبر وجلد لتدلي‬
‫ّ‬
‫بأصواتها وتختار بكل حرية من يحكمها ألول مرة في تاريخ الوطن،‬
‫محطة تاريخية وضّاءة ومتميزة في الصيرورة التاريخية لثورة تونس‬
‫المجيدة وإنعتاق شعبنا.‬
‫أحس التونسيون وكأن العناية اإللهية تتدخل مباشرة في مجريات‬
‫ّ‬
‫األمور، وأَن ما خلناه في األمس القريب مستحيال قد أصبح بقدرة‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫قادر في المتناول، وأن خط الخير قد تقدم إلى األمام مكتسحا مساحات‬

‫«كانت اجلموع اجلمة اليت اصطفت يوم 32 أكتوبر 1102 بصرب وجلد لتدلي بأصواتها وختتار‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫بكل حرية من حيكمها ألول مرة يف تاريخ الوطن، حمطة تارخيية وضاءة ومتميزة يف الصريورة‬
‫التارخيية لثورة تونس اجمليدة وإنعتاق شعبنا. »‬

‫61‬
‫ُ‬
‫ما هكذا تبنى األوطان، ما هكذا تنهض األمم ...‬

‫الشر الذي كان مستحكما في قلوب الناس وفي معامالتهم بين بعضهم‬
‫البعض، واستبشرنا خيرا بأن الشر وأجناده قد بدؤوا في االنحسار‬
‫ّ‬
‫بعدما تواروا مشفقين من سوء ما بُشروا به وهم يخشون نقمة الشعب‬
‫الثائر الذي يطلب بالقصاص لما لحقه منهم من جور وانتهاكات وقتل‬
‫وإثخان في الجراح.‬
‫ّ‬
‫كان هذا قبل صدور نتائج االنتخابات وعودة النخب إلى تصدر‬
‫ّ‬
‫المشهد، بعد أن أوكل لها الشعب مهمة قيادة الوطن إلى بر األمان‬
‫ّ‬
‫ووضع أسس دولة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، بمعنى دولة‬
‫تحافظ على هوية الوطن وال تحاربها من دين ولغة وتاريخ، لكي‬
‫تستمد منها القوّة العقائدية والفكرية والمعنوية إلرساء نهضة حقيقية‬
‫شاملة، تكرّس جوهر التقدم والتطور ال قشوره كما حصل في السابق.‬
‫ُ‬
‫لكن الطريق كان قد زرع أشوكا ومطبّات وعراقيل وحتى ألغاما.‬
‫ِ‬
‫البداية المتعثرة لمشوار التحيّل على مسار التحول الديمقراطي‬
‫في تونس، تلخصت في أن رئيس دولة غير منتخب كان قد عيّن‬
‫رئيس حكومة غير منتخب ورئيسا غير منتخب للهيئة العليا لتحقيق‬
‫ّ‬
‫أهداف الثورة واإلصالح السياسي واالنتقال الديمقراطي. إذا صح‬
‫ما أشيع الحقا، فإن هذه الشخصيات وغيرها، والتي تولت مصير‬
‫الديمقراطية في تونس ونصّبت نفسها للقيام بمهمة إرساء الجمهورية‬
‫الثانية، تجمعها أواصر قرابة عائلية وطيدة سواء أكان ذلك حسبا أو‬
‫نسبا. هذا عالوة على أن هذه الشخصيات، أقل ما يقال عنها أنها تُمثّل‬
‫رموزا للجمهورية األولى. تركيبة الهيئة كانت غير ممثِّلة للشعب‬
‫ُ‬
‫التونسي بقدر ما كانت ممثِّلة لتوجهات ومصالح وارتباطات من‬
‫ُ‬
‫عيّنها، وهذا ما أثبتته االنتخابات الحقا. وبما أن الشيء من مأتاه ال‬
‫ّ‬
‫يُستغرب فإن المجلس التأسيسي الذي أفرزته هذه الهيئة بقانون انتخابي‬
‫ّ‬
‫يعتمد على مبدأ أكبر البقايا وبأمر رئاسي يُحدد عمل المجلس بسنة‬
‫واحدة رغم إدراك الجميع بأن هذا ال يكفي، كان غير تناسبي بالنظر‬
‫للتركيبة السياسية والفكرية واالجتماعية للشعب التونسي. الهيئة لم‬
‫تتفطن أيضا إلى تحصين المجلس التأسيسي من أعوان النظام السابق‬
‫أو حتى إلى وضع شروط لضمان قدر أدنى من مستوى نواب الشعب‬
‫الذين سيصوغون الدستور، ولكنها سعت في المقابل إلى فرض مبادئ‬

‫فوق دستورية حتى تضمن أال يخرج المجلس المرتقب عن الطريق‬
‫المرسوم سلفا. المجلس التأسيسي كان يحمل إذن جينات فشله وزواله‬
‫ُ‬
‫في داخله وقد يكون هذا صدفة أو سهوا وقد يكون أمرا دبّر بليل وأُريد‬
‫له كذلك أن يكون. ما جرى فيما بعد في رحاب المجلس كان مسلسال‬
‫من الشغب والعراك والسباب والمناكفات والتغيّب وتعطيل األشغال‬
‫ألن األقلية سعت إلى فرض رأيها على األغلبية، وبذلك أُسقط المجلس‬
‫في نظر الكثير من التونسيين كتمهيد إلسقاطه الفعلي على يد أعدائه‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫من داخل رحابه ومن خارجها. من الصفاقة أن من حددوا مدة مهام‬
‫المجلس التأسيسي بسنة واحدة ومن حالوا دونه ودون إكمال مهامه‬
‫ّ‬
‫في المدة المحددة كانوا على رأس من قادوا الحملة لحلّه بعد أن أعلنوا‬
‫فشله وفقدانه لشرعيته، ومن سوّقوا إلعادة مبدأ الوصاية على الشعب‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫من خالل مجلس أعلى للدولة يكون معينا ويحل محل كل المؤسسات‬
‫المنتخبة.‬
‫ُ‬
‫هذا المشهد التأسيسي المتردي، كان وليد المشهد السياسي الذي ال‬
‫يقل عنه رداءة، حيث أنه بقي طوال الوقت بعيدا عن كل االنتظارات‬
‫وما دون المأمول. الطبقة السياسية لم تنخرط في مشروع شعاره‬
‫«سويّا نوحّد جهودنا ونبني هذا الوطن من جديد» وإنما تصرفت‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫بمنطق «نجاحي يمر عبر فشل خصومي السياسيين ونجاتي تمر عبر‬
‫القضاء عليهم» وال يهم إن كانت تونس تدفع الفاتورة من دمها ولحمها.‬
‫قطاعات واسعة من الطبقة السياسية الجديدة تصرّفت بطريقة ال تتميز‬
‫كثيرا عن النظام السابق من حيث أنها سعت إلى نشر اليأس والقنوط‬
‫وتأجيج نوازع الشر في نفوس األفراد وتوسيع الفرقة بين الناس‬
‫بينما أهملت بل أو قاومت نوازع الخير الكامنة في نفوس الناس وفي‬
‫ّ‬
‫المجتمع. لم نر الكثير من النماذج في نخبنا التي تصلح أن يُعتَد بها‬
‫َ‬
‫وتكون أمثلة عليا يَحتذي بها عامة الشعب والشباب منهم بصفة أخص،‬
‫ّ‬
‫وإنما رأينا فصيال صعد إلى سدة الحكم بتفويض واضح من الشعب‬
‫سعى إلى الحفاظ على الحكم وعلى تماسك الدولة والحيلولة دون انفراط‬
‫عقد الوطن عن طريق خضوعه لالبتزاز والتنازل المتواصل على‬
‫المشروع الثوري مقابل فصيل انخرط في مسلسل انقالبي للوصول‬
‫إلى الحكم واإلطاحة بحكام تونس الجدد بطريقة تكون مهينة ومذلّة قدر‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫اإلمكان وهذه الغاية التي بررت كل الوسائل التي تم اللجوء إليها. وكي‬
‫نأتي على الوسائل المتَّبعة ذكرا ال حصرا نسوق ما يلي:‬
‫ُ‬
‫* الدفع نحو االستقطاب بين التيار اإلسالمي والتيار الحداثي‬
‫عوض االستقطاب بين مناصري الثورة وأعدائها ودعاة الديمقراطية‬
‫ومناهضيها بحيث حاد الصراع السياسي عن إطاره الحقيقي وأهدافه‬
‫المرجوّة.‬
‫َ ُ‬
‫* تأجيج الجهويات والفئويات والخصومات والخالفات وحتى‬
‫حميّة االنتماءات الكروية الكامنة في المجتمع التونسي التي تكرّس‬
‫فرقته وتهدد لُحمته‬
‫* االستقواء بالخارج من خالل الهرولة إلى السفارات والدول‬

‫« الطبقة السياسية مل تنخرط يف مشروع شعاره «سويا نوحد جهودنا ونبين هذا الوطن من جديد»‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫وإمنا تصرفت مبنطق «جناحي مير عرب فشل خصومي السياسيني وجناتي متر عرب القضاء عليهم»‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫وال يهم إن كانت تونس تدفع الفاتورة من دمها وحلمها. »‬

‫71‬
‫ُ‬
‫ما هكذا تبنى األوطان، ما هكذا تنهض األمم ...‬
‫األجنبية والمنظمات الدولية لتلقّي التعليمات وطلب الدعم وتدويل‬
‫الشأن الداخلي بحيث أصبحت بالدنا مسرحا لصراعات قوى إقليمية‬
‫ودولية .‬
‫* ضرب الشعب التونسي في اقتصاده من خالل المطلبية النقابية‬
‫المجحفة واإلحجام عن العمل واإلنتاج في إضرابات لم يشهد لها العالم‬
‫ّ‬
‫مثيال مع حث الدول المانحة على اإلحجام عن تقديم قروضها وهباتها‬
‫حتى تتعفن األمور ويتم إسقاط الحكومة أو تنهار ذاتيا، بالتوازي مع‬
‫ّ‬
‫افتعال أزمات مع الدول التي وقفت إلى جانب الحكومة وتعمد ضرب‬
‫ّ‬
‫السياحة من خالل تهويل الوضع األمني.‬
‫* االستثمار السياسي للجرائم السياسية لضرب وابتزاز الخصوم‬
‫السياسيين والتهديد بالمزيد إذا لم يتم االنصياع الالمشروط لإلمالءات‬
‫ّ‬
‫*محاولة جرجرة المؤسسة العسكرية التي حافظت إلى حد اآلن‬
‫على دورها كضامن رئيسي للدولة وتوريطها في الصراع السياسي‬
‫لترجيح كفّة فصيل دون آخر في مسعى يشي بتوجه انقالبي واضح‬
‫* تنفيذ إستراتجية لضرب األحزاب ذات المرجعية اإلسالمية‬
‫تتلخص في التكتيكات التالية: التطاول على المقدسات بطرق هي‬
‫ّ‬
‫غاية في الفحش بتِعلّة الفن واإلبداع لحملها على ردة فعل عنيفة تقيم‬
‫الدليل عليها تمهيدا لقمعها وإقصاءها الحقا وبصفة نهائية من الحياة‬
‫السياسية، خلق مناخ من التناحر بين مختلف التيارات ذات المرجعية‬
‫اإلسالمية لتحارب بعضها البعض عمال بمبدأ «فخار يكسّر بعضه»،‬
‫إلصاق تهمة اإلرهاب بالتيار السلفي وابتزاز حركة النهضة إلجبارها‬
‫على قمعه فإن هي امتنعت فقد ثبت تورطها في دعم اإلرهاب وإن هي‬
‫شاركت فيه فقد خسرت أهم رصيد أخالقي ومعنوي لديها، كونها كانت‬
‫الضحية التي تعرضت لمحرقة بعنوان محاربة التطرف واإلرهاب‬
‫أو محاربة اإلسالم السياسي باإلضافة إلى إثارة مسائل فقهية خالفية‬
‫وصراعات مذهبية نحن اآلن في غنى عنها .‬
‫* المسّ من مؤسسات الدولة والتطاول على رموزها والدفع نحو‬
‫العصيان المدني والتمهيد له بإعالن إضرابات عامة بدوافع سياسية.‬
‫* إرباك الحكومة من خالل إثارة الرأي العام ونشر اإلشاعات‬
‫والبلبلة والخوف وتضخيم المساوئ والسكوت على اإليجابيات‬
‫ّ‬
‫والمطالبة بالشيء وضده.‬
‫* استعمال تِعلَّة استقاللية مؤسسات اإلعالم واألمن والقضاء‬
‫ِ‬
‫والبنك المركزي وغيرها للحيلولة دون إصالحها وتطهيرها. هذا‬
‫غيض من فيض وما خفي كان أعظم.‬
‫من نكد الزمان وسخرية األقدار أن موازين القوى الخفية تحيلنا‬
‫إلى المشهد الحالي والذي يتلخص في أن الرّاعي للحوار الوطني‬
‫ّ‬
‫للخروج من األزمة الخانقة التي تمر بها البالد هو من أكبر المتسبّبين‬
‫فيها، كما أن أكبر قوة سياسية في البالد حسبما بَشّ‬
‫رتنا به استطالعات‬
‫الرأي، والتي تساهم بصفة أساسية في تحديد المستقبل السياسي لبالدنا،‬

‫لم تخضع بعد إلى تزكية الشعب من خالل االنتخابات مما يطرح أكثر‬
‫من سؤال حارق حول مصداقية وكاالت سبر اآلراء هذه ومدى صحة‬
‫الشكوك التي تحوم حولها والتهم الموجهة إليها في كونها أدواة للتالعب‬
‫بالرأي العام وتوجيهه حيث يُراد له أن يكون، وذلك لصنع واقع سياسي‬
‫ّ‬
‫حسب المقاس. الحراك السياسي الرّاهن أنحسر وتقلّص، ويتلخص في‬
‫ظل ما يسمى بالحوار الوطني في أن حركة النهضة تقايض التنازل‬
‫عن الشرعية االنتخابية وبالتالي الخروج اآلمن من الحكم مقابل‬
‫المحافظة على المسار الديمقراطي وإيقاف المشروع االنقالبي. وحيال‬
‫فشل حتى المحاوالت المحتشمة للنظام الجديد في فرض وجوه غير‬
‫مستهلكة وأيدي نظيفة في اإلدارة وفي هياكل الدولة ومؤسساتها، أمام‬
‫ُ‬
‫المعارضة النقابية الشديدة لكل التعيينات التي وصمت بأنها تخضع‬
‫ُ‬
‫للوالء الحزبي وليس للكفاءة، فهذا يحيلنا إلى حقيقة ساطعة بأن هياكل‬
‫ُ ّ‬
‫الدولة ومؤسساتها ولوبيات المصالح والنخب بأنواعها، تعج حتى يوم‬
‫الناس هذا بهؤالء المرتشين والمفسدين والمتورطين والعمالء أو ما‬
‫يُصطلح على تسميته بالدولة العميقة التي تقود الثورة المضادة وتسعى‬
‫بكل الوسائل وبإمكانيات ضخمة إلعادة إنتاج النظام السابق ولو بشكل‬
‫منمق وبالتالي إجهاض وإفشال كل محاولة إلعادة بناء الدولة على‬
‫ُ ّ‬
‫أسس سليمة، تقطع مع الماضي التعيس وتكرس أهداف ثورة الحرية‬
‫والكرامة وتؤسس لقفزة حضارية في ربوعنا. في هذه الفترة المفصلية‬
‫وأمام تقلص هامش الفعل والمناورة أمام القوى التي أتت بها الثورة‬
‫لصالح قوى الردة، يكتم الخيّرون والصادقون أنفاسهم في انتظار‬
‫مآالت األمور، وتبقى أزمة تونس العميقة هي في حقيقة األمر أزمة‬
‫أخالق ومبادئ وقيم وعلم وعمل قبل أن تتحول في ظاهر األمر إلى‬
‫أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية ويبقى األمل في أن يعي‬
‫الجميع بأن علينا أن نؤسس لدولة الخير في قلوبنا ونفوسنا وعقولنا‬
‫لكي نراها يوما أمام أعيننا ولكي نعيش في كنفها.‬
‫-------------‬‫* مهندس‬
‫‪c_aslouje@yahoo.com‬‬

‫ّ‬
‫ّ‬
‫« احلراك السياسي الراهن أحنسر وتقلص، ويتلخص يف ظل ما يسمى باحلوار الوطين يف أن حركة‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫النهضة تقايض التنازل عن الشرعية االنتخابية وبالتالي اخلروج اآلمن من احلكم مقابل احملافظة‬
‫على املسار الدميقراطي وإيقاف املشروع االنقالبي»‬

‫81‬
‫تمتمات‬
‫و أخيرا نجحنا..‬
‫ّ‬
‫بقلم : رفيق الشاهد*‬

‫تونس بلد ليس ككل البلدان. تونس موضع فخر واعتزاز بشعبها‬
‫ونخبها وموروثها الثقافي المنقى من جملة الحضارات التي توالت‬
‫عليها عبر آالف السنين. لقد اعترف المستعمر بشجاعة آبائنا وأجدادنا‬
‫ووثق بسجالته أسماء العديد من أبطال التحرير وغفل كما غفل مؤرخو‬
‫الحركة الوطنية عن ذكر آخرين كثيرين لم يشهروا نشاطهم تواضعا‬
‫لوطنهم واعترافا له بأحقية الدفاع عنه دون منة وال رياء.‬
‫لقد انفتحت البالد التونسية على بلدان صديقة كانت باألمس معادية‬
‫تنهب ثرواتها فبنت معها عالقات صداقة مصلحة وهي ما تصنف‬
‫بالعالقات الدبلوماسية الضرورية بين الدول وخاصة المجاورة منها.‬
‫وهكذا استفاد التونسي من مستعمر األمس الذي لم يكن ساذجا حتى‬
‫ال يستفيد هو بدوره من التونسي الذي كان يرنو إلى تحقيق أهداف‬
‫غاية في األهمية وقد نجح في ذلك حيث تمكنت تونس من تكوين نخب‬
‫تعلمت في مدارسهم وبلغتهم فعرفت قراءة أفكارهم ومجابهة خططهم‬
‫لتعديل كفة االستفادة من هذه العالقات الدولية التي ال غنى عنها.‬
‫وموضع فخر آخر لتونس يتمثل في المحافظة على قيم وتعاليم‬
‫دينها الحنيف الذي بفضل الحركة التنويرية للجامعة الزيتونية لم يمنع‬
‫االنفتاح على الشعوب والثقافات األخرى من تثبيت أصول الدين‬
‫اإلسالمي بربوع البالد وتقوية غيرة شعبها على عروبته وتعلقه‬
‫بثوابت األمة وتعميق إيمانه بالقضية الفلسطينية.‬
‫لقد أثبتت البالد التونسية مرة أخرى ميزتها عن بقية الدول العربية‬
‫ومازلت أثق جيدا في كفاءة التونسي وقدرته على المناورة لبلوغ‬
‫الهدف المنشود باالعتماد على ذكائه. وال يظن أحد أن هذا الذكاء‬
‫نور يقذف في القلب بل هو نتاج مسار تعليمي راهنت عليه تونس‬
‫فنجحت في صد كل عدوان خارجي دون جيش على الحدود فوجهت‬
‫النفقات العسكرية للكتاب والقلم والكراس وأصبحت للبالد أعالم في‬

‫كل المجاالت العلمية يمكن لها االستفادة منها في كل مناسبة.‬
‫هل يخشى على البالد التونسية من فوضى الربيع العربي؟‬
‫ال يستحق الجواب أن أنضوي تحت جناح الحزب الحاكم وال‬
‫المعارضة حتى ال يقال أنه رأي منحاز. وال أخشى من تفاؤلي‬
‫المفرط وإن خاب. وكيف يخيب ظني، ويكفي تونس فخرا أنها أشعلت‬
‫فتيل الثورات العربية بثورة ال مثيل لها، على الطريقة التونسية‬
‫وبخصائصها. فكانت ثورة شعبية يقودها الوعي االجتماعي والثقافي‬
‫للفرد بمختلف درجات تعلمه ومختلف انتماءاته الفكرية والعقائدية.‬
‫وفوجئ السياسيون الذين اعتقدوا بنرجسيتهم أنهم فوق شعب أثقل‬
‫كاهله حتى هرم فكادوا يفقدون الثقة في العامل الخاضع لسلطان‬
‫الخبرة والموظف المكبل بقيود اإلدارة. من يملك القدرة على طرد‬
‫حاكم تغلغلت سلطته في كامل أرجاء البالد؟ ال يقدر على ذلك إال شعب‬
‫ّ‬
‫قادر متعلّم ومتمرّس شجاع. ذلك الذي لم يقدروه حق قدره ولم يعرفوا‬
‫ّ‬
‫حق شأنه واستهانوا بقدرته، قدر ودبّر ولم يتهوّر حين أقدم على تحدي‬
‫جالده وطرده ثم حمل مفتاح القصر الذي أسال لعاب الطامعين هدية‬
‫لمشروع حاكم يحكم بسلطان شعبه.‬
‫ال أبالغ فإنني منبهر بما أشهده من فوضى وغليان بين المتنازعين‬
‫على السلطة وإني كنت أخشى على الثورة لو لم يكن ما آلت إليه البالد‬
‫من اهتزازات عنيفة وموجعة أحيانا. إن ما تحقق لتونس ال يمكن‬
‫تقديره لقد فات كل توقع. لقد أثبتت النخب ثقلها وأفرزت خياراتها.‬
‫إنه إلنجاز عظيم وال أظن الثورة منتهية بل دائمة ومستدامة على كل‬
‫من يخالف إرادة الشعب إرادة الحياة ومهما تطلب ذلك من قرابين من‬
‫األعزاء األخيار.‬
‫ال يهم اليوم من يحكم البالد طالما اكتسبت أصوات شجاعة تعلو‬
‫على كل متكبر متعال وعيونا يقظة تسهر على كنوزها عسى أن تمتد‬
‫لها يد غادر ماكر عرفت وتمرست على خلعه وطرده.‬
‫إنني اخترت اليوم إن أدعم استمرارية الثورة استثمارا ألبنائي‬
‫وتأمينا لميراث يستحق الذكر فيجلب لي الرحمة في قبري. سأعمل‬
‫مضاعفا وازهد في الحياة ما استطعت دعما لسياسة البالد وإنجاح‬
‫مشاريعها بصرف النظر عن من يسيرها وأعد نفسي وأعاهدها على‬
‫أن أكون ذلك المسمار الذي ينخر دبر الجالس على العرش مهما كان‬
‫حتى ال يهنأ فيطيل البقاء.‬
‫-------------‬‫* مهندس‬
‫‪chahed@meteo.tn‬‬

‫91‬
‫الكلمة الحرة‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫اإلسالميون والثورات العربية ... على سرير بروكوست‬
‫ْ ْ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫بقلم : عبد اللطيف علوي *‬

‫تحكي األسطورة اإلغريقية عن شخصية قاطع طريق يدعى‬
‫بروكست. كان يسكن في مدينة كوريدال. وكان يخرج إلى الطريق‬
‫الرابطة بين أثينا وإيلوسيس، فيقبض على المسافرين، ليمارس عليهم‬
‫تعذيبا بالغ الغرابة. وقد كانت أداته في التعذيب هي مقاس السرير.‬
‫حيث كان يخدع المسافر بدعوى ضيافته، لكن بمجرد ما يدخله إلى‬
‫بيته يبدأ في ممارسة عنفه السّادي عليه. حيث كان لديه سريران واحد‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫صغير الحجم جدا والثاني كبير جدا. فإذا كان المسافر من طوال القامة‬
‫ّ‬
‫يمدده على السرير الصغير، ثم يقطع رجليه حتى ال يبقى من الجسد‬
‫إال ما يماثل حجم السّرير. أما إذا كان من قصار القامة فيمدده على‬
‫السرير الكبير، ثم يمطّط جسده حتى يطول ويستوي على مقاسه. وكلتا‬
‫ّ‬
‫العمليتين مؤلمتان جدا.‬
‫تكاثرت جرائم بروكست، لكن حظّه العاثر أوقعه يوما في مسافر‬
‫من نوع خاص، إنه البطل األثيني تيسي. فقام هذا األخير بقتله بنفس‬
‫طريقة التعذيب التي كان يمارسها على ضحاياه، أي التمديد على‬
‫السّرير والبدء في بتر ما ال يتناسب مع مقاسه، أو تمطيط الجسد حتى‬
‫يتماشى مع مساحة السّرير...‬
‫تلك هي حكاية هذه األسطورة الشهيرة.. وإني إذ أستحضرها هنا‬
‫ّ‬
‫فذلك للتمهيد لتصوير عالقة القوى العربيّة والدوليّة باإلسالميّين على‬
‫سرير الثّورة . إذ أجد بين حالة بروكست وواقع الثورات العربيّة تشابها‬
‫كبيرا. وبين ساطوره وسريره، وبين طرائق المعارضة ومناهجها في‬
‫ّ‬
‫التّعامل مع مسألة الشرعيّة قرابة ونسبا. وبين الجسد المسكين الذي‬
‫يوضع للقطع أو التمطيط على السرير، والسّيرة والمسيرة الّتي توضع‬
‫على طاولة النّخب العربيّة مقاربة إن لم نقل مماثلة !!‬
‫بعد ثالث سنوات عن انقداح شرارة الثّورات العربيّة، بدأ غبار‬
‫المرحلة يتالشى تدريجيّا ومجال الرّؤية يتّسع أكثر، وبدأت عناصر‬
‫المشهد تتجمع وتتكامل شيئا فشيئا والمسارات تسفرعن مالمح نهاياتها‬
‫ّ‬
‫المرجّحة، وجدير هنا أن نلفت االنتباه بوضوح إلى فعل الشّ‬
‫روع‬
‫ّ‬
‫«بدأت»، ألن عمليّة التّفاعل الكيميا- تاريخي ما تزال أبعد ما تكون‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫عن إفراز مخرجات محددة يمكن الجزم بها في هذا االتّجاه أو في ذاك.‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫من المفيد أن نسجّل بداية، أن حدث الثّورات العربيّة، وإن بدا‬
‫مفاجئا- وأحيانا ال تاريخيّا في منظور البعض - ال يمكن عزله عن‬
‫سياق كامل بدأ مع نهاية األلفيّة المنقضية واقترن ببداية األلفيّة الثّالثة،‬
‫هذا السّياق الكوني بدأ بانفجار معلوماتي تالشت معه الحدود وتعرّت‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫مختلف األوضاع الّ‬
‫تي تعيشها البلدان ومعوقات الحركة لديها، فشهدنا‬

‫ّ ّ‬
‫تحرّك كنتونات المعسكر الشرقي نحو الفضاء اللّيبرالي الديموقراطي،‬
‫ّ‬
‫ّ ّ‬
‫وليس بعيدا عنها – في المسار الخطّي التّ‬
‫اريخي – شعوب أمريكا‬
‫ّ‬
‫الجنوبيّة وشعوب إفريقيّة كثيرة. ضمن هذا السّياق المترابط، كانت‬
‫حركة التّاريخ الخفيّة تحضّر ركحا آخر وإن اختلفت مقتضيات‬
‫ّ‬
‫اإلخراج بحسب الزمان والمكان ... الرّكح العربي .‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫بعض المتحذلقين يجدون رواجا لمقولة إن الرّبيع الثّوري العربي،‬
‫ّ‬
‫حدث ال تاريخي ومفتعل، ويؤسّس أصحاب هذا القول رأيهم على‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫مجرّد معطيات وصفيّة ال ترقى إلى مستوى التّحليل المركب لما‬
‫حدث، فينطلقون من كون هذا الحراك كان تلقائيّا غير مؤطّر، ولم تكن‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫له قيادات معيّنة، ولم يرفع شعارات ايديولوجيّة محددة، بل إن هناك‬
‫ّ‬
‫من اعتبرها مجرّد انتفاضة جياع ال تحمل في طيّاتها أي أفق سياسي‬
‫ّ‬
‫أو ايديولوجي، وغيرهم من ربط األمر كلّه بمؤامرة كونيّة كبرى‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫عنوانها مشروع الشرق األوسط الجديد والفوضى الخالّقة بالمفهوم‬
‫الجيوسياسي األمريكي ...‬
‫ّ‬
‫غير أن تسطيح األمر عند مجرّد مالحظة األحداث القادحة‬
‫المباشرة ، أو التّوقّف عند مجرّد ربطه بمخطّ‬
‫طات دوليّة معلومة منذ‬
‫ّ‬
‫«سايكس بيكو» وما قبله، كل ذلك ال قيمة له إذا لم يضع في االعتبار‬
‫ّ ّ‬
‫المعطى الرّئيسي لكل حركة ديناميّة تاريخيّة بهذا الحجم، وهو تقاطع‬
‫ّ‬
‫كل ما سبق ذكره مع النّضج الموضوعي لتفاعالت اجتماعيّة وسياسيّة‬
‫ّ‬
‫وبنيويّة في المجتمع العربي منذ عقود، وتحديدا منذ انتقال ناصية‬
‫ّ‬
‫الشعوب العربيّة – على األقل في شكلها الظّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫اهر والمعلن – من القبضة‬
‫ّ‬
‫االستعماريّة ، إلى قبضة ما سمي بالدولة الوطنيّة أو دولة االستقالل ..‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫من هنا يصح القول، إن الفرن الحقيقي الّذي أنضج الظّروف الممكنة‬
‫ّ‬
‫للثّورة العربيّة الكبرى – إن جاز أن نستعمل هذا المصطلح – هو ما‬
‫عاشته شعوبها طيلة العقود السّابقة من تغوّل السّلط الوريثة لالستعمار‬
‫وتحوّل بلداننا إلى سجون ومعتقالت كبرى على امتداد حدودها،‬
‫ّ ّ‬
‫وبروز أقلّيّات ساديّة مستغلّة لكل مقدرات الحياة في هذه البلدان بشكل‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫حصريّ، ودون أي اعتبار ألبسط قواعد العيش المشترك، فكان ال بد‬
‫من حركة مقاومة داخل هذه المجتمعات، ودون أن نغمط ما كان للقوى‬
‫الليبراليّة واليساريّة والنّقابيّة من دور في مسيرة المقاومة الطّويلة، فإنّه‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ال يمكن ألي منصف أن ينكر أن الحضور األقوى واألوسع جماهيريّا‬
‫واألكثر فاعليّة واألقسى تكلفة كان للحركات اإلسالميّة في مختلف‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫البلدان العربيّة، على اختالف تجاربها حدة أو دمويّة. والحقيقة أن‬
‫مجال القول في تفسير ذلك طويل ومتشعّب ، ولسنا هنا بصدد تفصيله،‬

‫ّ‬
‫ّ‬
‫«إن حدث الثورات العربية، وإن بدا مفاجئا ال ميكن عزله عن سياق كامل بدأ مع نهاية األلفية املنقضية‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ ّ‬
‫واقرتن ببداية األلفية الثالثة، هذا السياق الكوني بدأ بانفجار معلوماتي تالشت معه احلدود وتعرت‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫خمتلف األوضاع اليت تعيشها البلدان ومعوقات احلركة لديها. »‬

‫02‬
‫ّ‬
‫اإلسالميون والثورات العربية ... على سرير بروكوست‬
‫ْ ْ‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫لكنّنا نستطيع أن نكتفي ببعض العناوين الكبرى ، أهمها :‬
‫ّ‬
‫* االمتداد التّاريخي للحركة اإلسالميّة باعتبارها وريثة للحركات‬
‫اإلصالحيّة في العالم العربي، منذ بداية عصر النّهضة العربيّة، مرورا‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫بحضورها القوي في مواجهة المستعمر، واألمثلة هنا أوسع من أن‬
‫تحصر : الثعالبي، ابن باديس، الشيخ بوعمامة، عبد الكريم الخطّ‬
‫ابي،‬
‫عمر المختار، عز الدين القسام ... وكثيرون غيرهم‬
‫ّ‬
‫* انطالق المشروع من المخزون الحضاري العميق لإلنسان‬
‫العربي .‬
‫ّ‬
‫* ردة الفعل الطّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫بيعيّة والمفهومة تاريخيّا بعد كل فترة استعماريّة،‬
‫ّ‬
‫وهي تتمثّل غالبا في نزوع الشعوب التي كانت مستعمرة إلى التّحصّن‬
‫بالهويّة كنوع من الضّمانة والحماية.‬
‫* العنجهيّة الفكريّة للنّخب العربيّة الليبراليّة واليساريّة، وفشلها‬
‫ّ‬
‫في خلق التّوازن الضّروري بين القوالب النّظريّة المستوردة‬
‫وخصوصيّات الواقع العربي الموضوعي.‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫كل هذه العوامل رشحت الحركة اإلسالميّة ألن تكون في طليعة‬
‫ّ‬
‫القوى المناضلة ضد االستبداد والحيف االجتماعي والمسخ الثّقافي،‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫فدفِع بها إلى قلب الرّحى عقودا طويلة مظلمة، ال شك أنّها كانت أقسى‬
‫ُ َ‬
‫في التّاريخ العربي حتّى من ممارسات استعماريّة سابقة..‬
‫ّ‬
‫بعد 41جانفي 1102، وما تالها في مصر وليبيا واليمن، أصبحت‬
‫ّ‬
‫الثّورة أمرا واقعا وجب على النّخب وعلى كل الحساسيّات بمختلف‬
‫مشاربها أن تتعامل معه، وبدأ التّخلّص من ربكة اللّ‬
‫حظة التّاريخيّة‬
‫ّ‬
‫واالستعداد لمرحلة الحصاد، بالتّوازي مع كل ذلك، كانت مراكز‬
‫ّ‬
‫القرار الدولي هي أيضا في حالة ذهول وانتظار وتربّص بأي معطى‬
‫ّ ّ‬
‫جديد كي تبني عليه استراتيجيّتها البديلة تجاه بلدان لطالما كانت‬
‫مخزونا استراتيجيّا غير مكلف وال مشاغب ...‬
‫ّ‬
‫ّ ّ‬
‫الجدير بالذكر هنا – للتّاريخ – أن كل هذه القوى المختلفة،‬
‫ّ‬
‫الداخليّة والخارجيّة، لم تطرح على الطّاولة في الفترة األولى – ما‬
‫قبل االنتخابات – الورقة االيديولوجيّة ولم تستهدف التّ‬
‫يّار اإلسالمي‬
‫ّ‬

‫ّ‬
‫بشكل مباشر ووجودي (رغم بعض البدايات غير الممنهجة في التناول‬
‫اإلعالمي المعادي)، بل إنّه قد بدا على بعضها ما يشبه الرّغبة في‬
‫ّ‬
‫التّكفير عن تجاهل المحرقة التي تعرّضت إليها، وربّما عن تواطئها‬
‫ّ‬
‫الخفي والمعلن ... ولعل السّبب في ذلك كان سوء تقدير هذه القوى‬
‫ّ‬
‫مجتمعة لمدى الحضور الفعلي للتّيّار اإلسالمي في الميزان االنتخابي،‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ومدى قدرته على التّعبئة، واالستفادة من آليّات الحراك الجديد في‬
‫بلدان الرّبيع العربي ..‬
‫ّ‬
‫المنعرج الحاد الّ‬
‫ّ‬
‫ّ ذي دفع كل هذه المتناقضات إلى السّطح السّياسي‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫كان نتائج االنتخابات، حيث بدأ مسار السّقوط المدوّي لكل المكوّنات‬
‫الليبرالية واليسارية والقومية التقليدية، في مقابل الصّعود الكاسح‬
‫لإلسالميّين في مصر (في أكثر من خمس مناسبات انتخابيّة)، وفي‬
‫المغرب األقصى، وفي تونس (رغم الضّربة الفنّيّة االستباقيّة المتمثّلة‬
‫ّ‬
‫في قانون االنتخاب على أساس أكبر البقايا) ومع ذلك فإن الفارق في‬
‫حاصل النّتائج يوم 32 أكتوبر 3102 عكس اختالال رهيبا في ميزان‬
‫القوى بين طرف بعينه وهو حركة النّهضة وبقيّة مكوّنات المشهد‬
‫السياسي .‬
‫ّ‬
‫هذا االنقالب الدراماتيكي في مسار الثّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ورات العربيّة خلط كل‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫األوراق، وأسقط كل الحسابات المراهنة على القنوات الطّبيعيّة‬
‫ّ‬
‫الديموقراطيّة في الوصول إلى الحكم ، بل كشف عن مشهد استشرافي‬
‫ّ‬
‫يؤكد أن هذه الحركات اإلسالميّة – إذا سمح لها بالنّجاح – فإنّ‬
‫ّ ّ‬
‫ها‬
‫ّ‬
‫ستدشن مرحلة طويلة من االستئثار بالحكم وعصرا غير محسوب‬
‫العواقب بالنّ‬
‫ّ‬
‫سبة لكثير من القوى الدوليّة ذات المصلحة .‬
‫من هنا بدأت فصول المعركة، معركة اإلفشال في البداية، لكنّها‬
‫ّ‬
‫سرعان ما تحوّلت إلى معركة وجود وكسر عظم، تستعمل فيها كل‬
‫األسلحة، بدءا باإلشاعة والتّشويه والتّضليل، مرورا باإلضرابات‬
‫ّ‬
‫واالعتصامات والتّجييش االجتماعي، وصوال إلى االنقالب العسكري‬
‫ّ‬
‫والقتل والحرق واإلبادة كما حدث في رابعة العدويّة، وفي كل محطّات‬
‫القمع الّتي تلت انقالب العسكر في مصر .‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫كل ذلك حدث، ويحدث، في كل بلدان الرّبيع العربي وفق تمشٍّ‬
‫ّ‬
‫ممنهج وموقّع، يبدأ من محطّ‬
‫ّ‬
‫ات محددة ويصل إلى نتائج مدروسة‬
‫تماما ...‬
‫* بدأ األمر بالتّشكيك في مشاركة اإلسالميّين في الثّ‬
‫ورة، وكانت‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫الحجّة في ذلك أنّه لم تُرْ فَع في تلك التّحرّكات الشعبيّة شعارات إخوانيّة،‬
‫ّ‬
‫لكن هذه الحجّة يدحضها المنطق والواقع معا، حيث أنّه لو كان غياب‬
‫الشعارات الحزبيّة أو االيديولوجيّة دليال على غياب هذا الطّ‬
‫ّ‬
‫رف أو‬
‫ذاك، الستنتجنا ببساطة أنّه ال أحد من هذه األطراف السياسية مجتمعة‬
‫ّ‬
‫قد شارك في الحراك الثّوريّ، ألنّنا لم نر في كل فعاليّات الثورة‬
‫التونسية قبل سقوط بن علي شعارات مرجعيّة لليمين وال لليسار.‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫األمر الثّاني، أنّه من الذكاء الفطري الغريزي لهذه الثّورات أنّها‬

‫ّ‬
‫« هناك العديد من العوامل اليت رشحت احلركة اإلسالمية ألن تكون يف طليعة القوى املناضلة‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ضد االستبداد واحليف االجتماعي واملسخ الثقايف، فدفع بها إىل قلب الرحى عقودا طويلة‬
‫ّ َُِ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫مظلمة، ال شك أنها كانت أقسى يف التاريخ العربي ح ّ‬
‫ّ‬
‫ّ ّ‬
‫ّ تى من ممارسات استعمارية سابقة. »‬
‫ّ‬

‫12‬
‫ّ‬
‫اإلسالميون والثورات العربية ... على سرير بروكوست‬
‫ْ ْ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫لم ترفع شعارات مخصّصة ألطراف معيّنة، وإالّ لكان بإمكان تلك‬
‫األنظمة أن تجهز عليها بحجّة العمالة لهذا الطّرف أو اإلرهاب الديني‬
‫ّ‬
‫أو غير ذلك ..‬
‫لقد تنبّه الخصوم – الّذين صاروا موضوعيّا أعداء بما أنّهم أسقطوا‬
‫االلتزام بشرف الخصومة – إلى أن أهم عامل في نجاح الحركة‬
‫ّ ّ‬
‫االسالميّة االنتخابي، هو الرّأسمال الرّمزي المتمثّ‬
‫ّ‬
‫ل في تاريخها‬
‫ّ‬
‫النّضالي، و في االعتبار األخالقي السّلوكي الّذي ال يزال محدّ‬
‫دا في‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫المخيال الشعبي عموما، فأطلقت حرب التّشويه على مدار السّاعة‬
‫ّ ّ‬
‫ّ‬
‫لتسفيه المناضلين وضرب ثقافة النّضال، فافتعلوا كل أصناف الفضائح‬
‫األخالقيّة والسّياسيّة، واستدعيت حتّى أساليب النّظام القديم في هتك‬
‫األعراض والتّجريح والنّيل من شرف اإلنسان‬
‫ّ‬
‫يعلم الجميع أن اإلسالميّين كانوا في قلب الحراك الثّوريّ، بحكم‬
‫ّ‬
‫أنّهم واقعيّا يشكلون القاعدة المتسيّسة األعرض في البالد، وليس بعيدا‬
‫عن المتاح ما يعرض من مشاهد موثّقة لقياديّين إسالميّين كثر في‬
‫ّ‬
‫مصر كما في تونس، كانوا في الصّفوف األولى للحراك الثوريّ، لكن‬
‫ّ‬
‫األكيد أنّهم اختاروا أن ال يتمايزوا عن اللّوحة الشعبيّة العامة بشعارات‬
‫ّ‬
‫حزبيّة، وهذا كان سببا هاما من أسباب نجاح هذه الثّورات ..‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫في مصر، كان معلوما منذ البداية أن الوضع سيكون أكثر حرجا‬
‫وتعقيدا، العتبارات ال يحيط بها أهل االختصاص وحدهم، وكان مجرّد‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫التّوهّم بأن إسرائيل وعكاكيزها اإلقليميّة أو الدوليّة، ستقبل واقعا‬
‫ّ‬
‫مماثال أو تفكر مجرّد التّفكير في التّعامل معه كأمر واقع .. القول بذلك‬
‫أو التّفكير فيه كان أشبه ما يكون بنكتة سمجة ال تضحك أحدا ..‬
‫المنظومة االنقالبيّة في مصر ضمت توليفة شديدة التّركيز من‬
‫ّ‬
‫عناصر مختلفة لكنّها تقاطعت كلّها في المصلحة االستراتيجيّة،‬
‫وأهمها : الالّعب الدولي صاحب المصلحة العليا في المنطقة ممثّلة‬
‫ّ ّ‬
‫ّ‬
‫في الصّهيونيّة، وحليفها الخليجي صاحب المصلحة في اإلبقاء على‬
‫ّ‬
‫النّموذج الرّجعي النّفطي في المجتمع والحكم، ومربّع الفساد الداخلي‬
‫ّ ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫المتمثّل خاصّة في رأس المال الوسخ، واألمن الّذي تربّى في ظل‬
‫عقيدة ال وطنيّة وال ديموقراطيّة، والقضاء الفاسد واإلعالم االنتهازيّ،‬
‫ّ‬
‫يضاف إلى كل ذلك طبقة من النّخبة السّياسيّة والفكريّة المدينة بوالءاتها‬
‫لمنظومة الفساد واالستبداد .‬
‫بعد خمس محطّات انتخابيّة معلومة النّتائج، بدأ اإلعداد مباشرة‬
‫ّ‬
‫للسيناريو االنقالبي المتكامل، فاشتغلت المنظومة بكل أذرعها:‬
‫ّ‬
‫اإلعالمي بمخطّط الدعاية السّوداء، والقضائي بتعطيل عمل المؤسّسات‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫المنتخبة الّتي مازالت تشكو بدورها هشاشة الخطوات األولى، واألمني‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫بخلق حالة غير مسبوقة من االنفالت بغرض تهرية الدولة، والسّياسي‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫بعزل اإلخوان تماما في الحكم وفي السلطة التّشريعيّة لتمرير فزاعة‬
‫ّ‬
‫األخونة، والدولي بتوفير الغطاء السياسي لكل ذلك ...‬
‫ّ ّ‬
‫ّ‬
‫النّتيجة ال تحتاج إلى تذكير: ذبح الحركة اإلسالميّة في مصر، وكل‬
‫ْ ُ‬
‫ِ‬

‫ّ‬
‫أمل في حياة سياسيّة تعددية على معابد نفس المقوالت التّنويريّة التي‬
‫ترفع كشعارات للمرحلة ...‬
‫السّيناريو التّونسي كان الحقا للسّيناريو المصري في محطّ‬
‫ّ‬
‫ات‬
‫ّ‬
‫كثيرة ومتأثّرا بنتائجه على كل المستويات وفي جميع االتّ‬
‫ّ‬
‫جاهات،‬
‫ّّ‬
‫ولذلك نجد أنّه بقدر ما استفادت قوى الردة أو اإلقصاء االيديولوجي‬
‫ّ‬
‫من نتائج المعركة المصريّة لخلق المناخ االنقالبي وتجييش ما أمكن‬
‫ّ‬
‫تجييشه، بقدر ما استفادت حركة النّهضة هي أيضا من نفس المعركة‬
‫لتطوير أساليبها في إدارة المرحلة، وتفادي الخطإ القاتل الّذي وقع‬
‫ّ‬
‫فيه إخوان مصر، وهو في تقديري االطمئنان السّاذج إلى يقين أن‬
‫المعطيات على األرض قد تغيّرت تماما وأنّه ال مجال أبدا للعودة إلى‬
‫الوراء.‬
‫المسار االنقالبي في تونس مازال متواصال وال يمكن الجزم‬
‫ّ‬
‫بمآالته بمجرّد استشراف انطباعي يقوم على التّفاؤل أو التّ‬
‫ّ‬
‫شاؤم، لكن‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫األكيد أن تعامل النّهضة غير المتوقّع وغير التّقليدي معه قد قصّر‬
‫ّ‬
‫في عمره وكشف الكثير من أوراقه وحشره في الزاوية أكثر من مرّة.‬
‫ّ‬
‫سياسة إسقاط األعذار وإقامة الحجّة على الخصوم، الشك أنّها‬
‫منهجيّا تتّسم بالحكمة وبالمرونة ، وقد تجنّب الحركة – ربّما إلى‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫حين – الصّدام المباشر والمصيري مع حتميّة ما يراد لها، لكن ذلك‬
‫ّ‬
‫لن يحقّق سوى تأجيل الحسم ال أكثر، ألن أيّة قراءة متأنّيّة ستخلص‬
‫إلى نتيجة ال جدال فيها: وهي أن قرار تصفية الثّ‬
‫ّ‬
‫ورات العربيّة قد‬
‫ّ‬
‫اتّخذ، وتقرّر أن يكون البديل عنها إما عودة الديكتاتوريّات التّقليديّة‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫بنفس شروط الحماية، أو إحالل الفوضى ودفع هذه الشعوب إلى حالة‬
‫ّ‬
‫التّدمير الذاتي كما في السّيناريو السّوري ..‬
‫ّ ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ملخص الفكرة أن الثّورات العربيّة كشفت أن الضّحيّة قد استبطنت‬
‫ثقافة الجالّد وتمثّلتها وأنّها لم تعد تستطيع أن تعيش أو تفعل إالّ في‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫شروطه ... بعض القوى تحجّمها الديموقراطيّة وتقزمها وتجعلها مجرّد‬
‫العب صفري ال أمل له في المنافسة الحقيقيّة والتّ‬
‫ّ‬
‫داول المؤسّسي على‬
‫السّلطة ... عندما يكون لدينا مثل هذا االختالل الفادح في موازين‬
‫ّ‬
‫القوى الحزبيّة ، ينتج اليأس من العمليّة الديموقراطيّة، وتصبح‬
‫ّ‬
‫السّاحة السياسية غابة، تستباح فيها كل قيم التّعايش المشترك، التّوازن‬
‫ّ‬
‫هو شرط أساسي لتحقّق الديموقراطيّة، وما لم تجد القوى العلمانيّة‬
‫ّ‬
‫والليبراليّة صيغة للتّنظّم والتّ‬
‫حالف القائم على أسس وطنيّة واجتماعيّة‬
‫ّ‬
‫حقيقيّة ستظل التّجربة العربيّة محكومة بسيناريوهات االنقالب على‬
‫اإلسالميّين، الّذين، شاء لهم القدر والتّ‬
‫ّ‬
‫اريخ أن يكونوا قربان الحريّة في‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫عصر االستبداد، وقربان بناء الدولة الديموقراطيّة بعد الثّورة .‬
‫-------‬‫* مرب تونسي وشاعر وناشط سياسي‬
‫ُ ٍّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫‪alouiabdellatif222@gmail.com‬‬

‫« املسار االنقالبي يف تونس مازال متواصال وال ميكن اجلزم مبآالته مبجرد استشراف انطباعي‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫يقوم على التفاؤل أو التشاؤم، لكن األكيد أن تعامل النهضة غري املتوقع وغري التقليدي معه قد‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫قصر يف عمره وكشف الكثري من أوراقه وحشره يف الزاوية أكثر من مرة»‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫22‬
‫همسات‬
‫هل هي ثورة فعال ؟ هل هي انتفاضة ؟‬
‫هل هي مسار ثوري ؟ أم ماذا ؟‬
‫بقلم : إسماعيل بوسروال*‬
‫مقدمة‬
‫تحيي البالد التونسية هذه األيام الذكرى الثالثة لثورة الحرية‬
‫والكرامة التي دارت أحداثها بين 71 ديسمبر0102 و41 جانفي1102‬
‫وفق التحديد الرّسمي الوارد في توطئة الدستور الجديد الذي تناقش‬
‫فصوله هذه األيام ...ولكن من باب التساؤل المنطقي عن التحوالت‬
‫الطارئة في البـالد أردت أن أطــرح أسئلـــة فرضت نفسهـــا علـي:‬
‫ّ‬
‫هل هي ثورة اكتملت فعال صورتها وتوضّحت أهدافها وانخرط‬
‫«الثوار الجدد» في مشروع جديد مختلف عن النظام السابق؟ أم هي‬
‫انتفاضة شعبية واحتجاجات في شكل «غضبــة» تجسّدت أهدافهــا‬
‫ّ‬
‫في فرار رأس النظام وحل حزب التّجمع الحاكم وبذلك فرح النّاس‬
‫ّ‬
‫وسعدوا بذلك ورجعوا إلى ديارهم مسرورين ؟ أم هي مسار ثوري بدأ‬
‫بإسقاط رأس النّظام وجهازه الحزبي؟ أم هي شيء آخر مختلف عما‬
‫ّ‬
‫ذكرت وأخذت من كل شيء بطرف ؟‬
‫71 ديسمبر و41 جانفي تاريخان مهمان في الثورة التونسية‬
‫مثّل 41 جانفي 1102 عالمة فارقة في تاريخ تونس القريب ألنه‬
‫وضع نهاية لحكم الفرد ذي السلطات المطلقة. صحيح أن االحتجاجات‬
‫اندلعت في سيدي بوزيد يوم 71 ديسمبر إثر إحراق محمد البوعزيزي‬
‫نفسه أمام مقر الوالية، وصحيح أن األحداث اتسعت وشملت مختلف‬
‫جهات الجمهورية دون استثناء، وصحيح أن دور الطبقات المهمشة‬
‫ّ‬
‫واألحياء الفقيرة والجهات الداخلية كان حيويّا، ولكن ثمة «قوة» قاهرة‬
‫بقيت خفيّة إلى اليوم ساهمت في تتويج ذلك الحراك الشعبي العفوي‬
‫والسلمي –غالبا - والرائع بضربة «معلم» جعلت من األحداث تنتهي‬
‫ّ‬
‫نهاية «سعيدة جدا» بأخف األضرار وبأقل التكاليف قياسا بتضحيات‬
‫شعوب أخرى مازالت تدفع معاناة مأسويّة كالشّ‬
‫عب السّوري حاليّا .‬
‫يتّسم المشهد الحالي في تونس بوضع متحرك غير نسقي فهو يتّجه‬
‫أحيانا نحو مســار إيجابــي ويتّجــه أحيانــا أخرى اتجاها سلبيّا مما‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫يحد من التفاؤل الذي يظهر بين الحين واآلخر. فأثناء مناقشة الدستور‬
‫خالل الشهر الحالي، وفي حين يواصل رؤساء األحزاب « حوارهم‬
‫الوطني» و حزمت «لجنة التوافقات» التابعة للمجلس التّأسيسي‬
‫أمرها وقرّبت وجهات النظر وتم ادراج «تحجير التكفير» ضمن نص‬
‫ّ‬

‫الدستور، نجد عددا البأس به من الصّحف اليوميّة واألسبوعيّة تحمل‬
‫ّ‬
‫عناوين مشحونة بالحقد والكراهيّة ضد الترويكا والنّهضة خصوصا‬
‫ّ‬
‫وضد المجلس التأسيسي والحكومة والرئاسة،وتحتفي باالضرابات‬
‫واالعتصامات. هذا األسلوب العدائي في صحف معسكر « نداء‬
‫ّ‬
‫تونس والجبهة الشعبية» تعاضده قنوات عمومية وخاصة تدق نواقيس‬
‫ّ‬
‫الحرب وتشحن وتجيّش ضد أي قرار حكومي أو رئاسي وتترصّد أيّة‬
‫كلمة صادرة عن الترويكا لتشهّر بها ولو كانت «البسملة». وتصفّق‬
‫ألي قرار داع إلضراب أو اعتصام أو تعطيل مرفق ...ألن الهدف‬
‫هو عدم الوصول بالبالد إلى انتخابات حرّة ونزيهة وشفّافة مرة ثانية‬
‫ّ‬
‫خشية أن تفوز فيها حركة النّهضة عدوهم األول الرئيسي وليست‬
‫خصمهم ومنافسهم السياسي .‬
‫الثورة التونسية وأحالم الفتى التائه‬
‫عندما أُعلنَ عن شغور منصب رئيس الجمهورية التونسية وإعالن‬
‫حالة الطوارئ مساء 41 من جانفي، انتابني شعور مزدوج من‬
‫التوجّس واالنشراح ... لقد تابعت منذ الصباح- وعلى الساعة الحادية‬
‫عشر صباحا - عن طريق بعض شهود العيان وأشارت إلى ذلك محطة‬
‫قناة الجزيرة عملية زحف بعض اآلليات العسكرية صوب القصر‬
‫الجمهوري في قرطاج ... ووصفوا لنا من شرفات المنازل المشهد‬
‫بأنهم يرون الحرس الرّئاسي يسلّم أسلحته لقوات الجيش ... لذلك ترسّخ‬
‫ّ‬
‫في ذهني الدور العسكري المهم في 41 جانفي ... وتعزز اعتقادي في‬
‫أهمية ما يحدث من خالل المظاهرة الشعبية التي انطلقت من ساحة‬
‫ّ‬
‫محمد علي ( االتحاد العام التونسي للشغل ) وتأكد اتجاه األحداث‬
‫عندما أشارت وكاالت األنباء والمحطات التلفزية الى احتجاز عائالت‬
‫الطرابلسية أصهار الرئيس آنذاك في مطار قرطاج الدولي في حدود‬
‫ّ‬
‫الساعة الثالثة بعد الزوال بتدخل فرقة أمنيّة منعت إقالع طائرتهم.‬
‫ّ‬
‫وبذلك اكتملت الصورة في وضع حد لنظام 7 نوفمبر حيث ساهمت‬
‫فيه احتجاجات شعبية ومظاهرات جماهيرية... وشهداء وجرحى ...‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ودورعسكري هادف ومحدد وتدخل أمني نوعي دقيق...وال استبعد‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫متابعة قواعد الحلف األطلسي في جنوب ايطاليا لمسار االحداث كما‬
‫فعلت في ليلة االطاحة بالزعيم بورقيبة حيث كانت تراقب تطوّرات‬
‫الوضع عن كثب ال سيما وأن صقلية ال تبعد كثيرا عن العاصمة‬
‫التونسية ...‬

‫ّ‬
‫ّ‬
‫« يتسم املشهد احلالي يف تونس بوضع متحرك غري نسقي فهو يتجه أحيانا حنو مسار إجيابي‬
‫ّ‬
‫ويتجه أحيانا أخرى اجتاها سلبيا مما حيد من التفاؤل الذي يظهر بني احلني واآلخر»‬
‫ّ‬
‫ّ ّ‬

‫32‬
‫هل هي ثورة فعال ؟ هل هي انتفاضة ؟‬
‫هل هي مسار ثوري ؟ أم ماذا ؟‬
‫بعد آذان المغرب بقليل و بهبوط الليل، وبعد حرق المقر األمني في‬
‫الحي، بدأ إطالق النّار من عناصر الجيش تطبيقا لقانون منع الجوالن .‬
‫وفي األيام الموالية خرج شباب األحياء لينسق مع قوات الجيش تنظيم‬
‫ّ‬
‫نقاط حراسة. واستمرت الحياة شبه طبيعية. كان الشعب التّونسي رائعا‬
‫في تلك اللحظات، وأُعجب العالم بتحضّر التونسيين ورفعة أخالقهم‬
‫وسلوكهم المدني ... .‬
‫ّ‬
‫كنت أمنّي النّفس بأن يستمر ذلك التضامن األخوي الودي بين‬
‫التونسيين ... وكنت أحلم بأن يتم االتجاه نحو بناء المستقبل وكانت‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫أحالمي بال سقف ...اآلن تمر ثالث سنوات على «الثورة التونسية»‬
‫فكيف هي الصورة ؟‬
‫ّ‬
‫أرى اآلن نخبة تونسيّة نكصت على أعقابها وتنكرت لمبادئ كثيرا‬
‫ما تغنّت بها، فالدولة التونسية في حالة ضعف واضح حيث ال قيمة‬
‫للعمل وال احترام للوقت وال تقدير لآلخر وال احترام للحريات من قبل‬
‫الجماعات والنقابات واألحزاب ...‬
‫أقصد إدارة ما، فال أرى الموظفين يؤدون أعمالهم. وأتّجه صوب‬
‫ّ‬
‫مستشفى عمومي فال أجد الطبيب بل وال أجد الدواء. ويحدثني األستاذ‬
‫عن معاناته في المعهد حيث ال قانون وال تربية. ويصارحني مواطن‬
‫ّ‬
‫عن الظّلم المستمر في المجال القضائي وعن الرشوة والمحسوبية‬
‫في كل ميدان. وأتصفّح الصحف التونسية، فال تقع عيناي إالّ على‬
‫الحقد والكراهية تنضح من بين السطور. وأتابع الصفحات االلكترونية‬
‫فاكتشف هول العداء المستشري بين أبناء الشعب التونسي. وأتابع نشرة‬
‫أخبار الوطنية األولى فأرى مشاهد وأسمع كالما قام بتأليفه وإخراجه‬
‫حزبان فقط وهما الجبهة الشعبية ونداء تونس وأثر باهت لآلخرين في‬
‫الحكم أوخارجه.‬
‫كنت أحلم بأن نبني بلدا يقوم أبناؤه بوضع أسس نهضته العلمية‬
‫واالقتصادية واالجتماعية ال سيما وأن العقود السابقة خلّفت شعبا‬
‫متعلّما ومتسامحا.‬
‫كنت أحلم بأن نبني مجتمعا متضامنا، فإذا الجماهير الرياضية‬
‫تحيي النّعرات الجهوية. وإذا بنقابات األطباء ترفض العمل في الجهات‬
‫الداخليّة وتعارض قانونا سبقتنا إليه الجزائر وفرنسا. وكان أحرى بهم‬
‫وضع مصلحة الوطن والمواطن قبل « المصحات الخاصة». وإذا‬
‫ّ‬
‫بنقابات التعليم تندد بتسوية وضعية األساتذة والمعلّمين المسجونين‬
‫سابقا آلرائهم السياسية وتعتبر تسوية المسار المهني ظلما مسلّ‬
‫طا‬
‫على القطاع.‬
‫كنت أحلم بحكومة «حازمة» و «جادة» تتّ‬
‫خذ اجراءاتها بعد‬
‫التشاور مع من يهمهم األمر وتصارح الشعب في الحين بما تواجه‬
‫ّ‬
‫من صعوبات حتى تقف معها الجماهير صاحبة المصلحة. غير أن‬
‫ّ‬
‫صوت «الحكومة» كان ضعيفا باهتا كأنه قادم من أقاصي الدنيا، وكان‬
‫«تواصلها» مع النّاس ضعيفا.‬

‫كنت أحلم بقضاء عادل تتم فيه اإلجراءات بشفافيّة وتصدر األحكام‬
‫ّ‬
‫بنزاهــة فإذا برئيسة جمعية القضاة (سابقا ) تحضر اعتصاما حزبيا،‬
‫ثم ترافــق متّهمـــا بالتآمـــر على أمن الدولة إلى التحقيق. وإذا بأحد‬
‫قضـــاة المحكمــة اإلداريــة يصـرّح باعتزازه باالنتمـــاء إلى الجبهة‬
‫الشعبية.‬
‫كنت أحلــم بصحافــة رصينــة متّزنــة متوازنـــة، فإذا بي أمام‬
‫كم هائـل من إعالم موجّه بالمال لتشويه كل شيء من أجل تبرير‬
‫ّ‬
‫الماضي بكل تضاريسه وتجميل عمليات سابقة اتسمت بالفساد المالي‬
‫واإلداري.‬
‫كنت أمني النّفس بعودة الوعي إلى ضمير المربّين فيقترحون حلوال‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫معقولة تضع حدا نهائيّا للدروس الخصوصية وتضمن لهم وضعا ماديا‬
‫مريحا في ذات الحين ...ولكن ...‬
‫كنت أحلم بإدارة تونسيّـة تحتـــرم المواطــن وتكـــون في خدمته‬
‫ال أن تقول له «ارجع غدوة» أو «ضاع الملف».‬
‫كنت أحلم ببيئة نظيفة فإذا بعمال البلديات يعمدون إلى االختفـاء‬
‫عن األنظار بعد أن تم ترسيمهم وتحسين أجورهم.‬
‫ّ‬
‫كنت أحلم أن يتم تفكيك عصابات اللّصوص التي روّعت الفالحين‬
‫ّ‬
‫في واليـــات القيـــروان وسيــدي بوزيــد والقصريــن وسلبتهــم‬
‫عرقهم وتسلّلت إلى أغنامهم وخرفانهم وأبقارهم طيلة عقد مـن الزمن‬
‫وسرقت جهودهم ومنعت االستثمار في هذه الجهـــات. ولكن عادت‬
‫عصابات اللصوص أكثر قوة ومسلحة أحيانا لتواجه المواطنين ورجال‬
‫األمن ...‬
‫خاتمة‬
‫إن ما حدث في تونس (71 ديسمبر 0102ـــ 41جانفـي 1102)‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫هو «حراك ثوري حقيقي» شاركت فيه عدة قطاعات وعدة أطراف‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫أدى إلى سقوط رأس النظام ولكنه لم يؤد الى مسار ثوري «عقالني»‬
‫وغير غوغائي يحقّ‬
‫ق األهداف السياسيّــة واالجتماعيّـــة والقيميّـــة‬
‫التي من أجلها ضجر النّاس ونفضوا أيديهــم من نظام لم يحقق لهم‬
‫الحريـــة والكرامـــــة ولم يتصــف بالصّــدق والنّزاهـــة والعـــدل.‬
‫ّ‬
‫وإن أي إجراءات على األرض ال تؤدي الى «إنهاء الظلم» و «إحقاق‬
‫الحق» و «نشر الفضيلة» و«سيادة القانون» هي مجرد مسار على‬
‫هامش األهداف النبيلة وتجعل من الثورة التونسية « بناء مع تأجيل‬
‫التّفيذ».‬
‫-------------‬‫* متفقد أول للمدارس االبتدائية ـ منتدى المعرفة سوسة‬
‫‪ismail_bsr2004@yahoo.fr‬‬

‫ّ‬
‫« إن أي إجراءات على األرض ال تؤدي اىل «إنهاء الظلم» و «إحقاق احلق» و «نشر الفضيلة» و«سيادة‬
‫القانون» هي جمرد مسار على هامش األهداف النبيلة وجتعل من الثورة التونسية « بناء مع تأجيل‬
‫ّ‬
‫التفيذ»»‬

‫42‬
‫في العمق‬
‫الثورة التونسية وصناعة الحياة‬
‫بقلم : حسن الطرابلسي*‬
‫حري بنا والشعب التونسي يستعد إلحياء الذكرى الثالثة لثورته‬
‫المباركة أن نلقـــي الضـــوء علــى بعــض خصائــص هذه الثورة‬
‫التي ال خالف في أنها كانت نتاجا ألزمات وأحداث عاشتهـــا البـالد‬
‫منذ اإلستقالل، كما أن مجرد النظرة السريعـــة لتعاقــب األحـــداث،‬
‫منذ ما قبل الثورة، تمكننا من استخالص مجموعة من الخصائص‬
‫المميزة التي تابعت الحراك المجتمعي التونسي، كان أبرزها أولويّة‬
‫السّياسي والثقافي وأهميّة التعايش أو التوافق بين مكونات الفاعلين في‬
‫الحياة السياسيّة واإلجتماعيّة والثقافيّة. كما أنه يمكن الجزم بأن أهم‬
‫خصائص الثورة التونسيّة أنها أضافت أبعادا ومعان جديدة لمفهوم‬
‫ّ‬
‫الشعب وبشرت بالتالي بفعل سياسي منح تونس دورا رياديّا في دعم‬
‫النهوض والتّحرر العربي واإلسالمي. فكانت بذلك صانعة للحياة‬
‫ملهمة لألمل.‬
‫أولوية السياسي والثقافي‬
‫رغم عمق األزمة التونسية واستفحال أمرها، خاصة في حقبة‬
‫المخلوع بن علي، ورغم التشابك الكبير بين العناصر السياسية‬
‫واإلجتماعية واإلقتصادية والثقافية، فأن للبعدين السياسي والثقافي‬
‫قصب السبق طيلة العقود الماضية. فاألزمات اإلجتماعيّة التي مرّت‬
‫بها البالد وخاصة منذ انتفاضة 8791 ثم 4891 و7891 ثم في بداية‬
‫تسعينيات القرن الماضي كانت أبعادهــــا السياسيّــة والثقافيــة أكبــر.‬
‫ّ‬
‫ثم إن نضاالت اإلتحاد العام التونسي للشغل لم تكــــن فـــي تاريخهـــا‬
‫ذات بعد اجتماعي مطلبي فحسب بل كان لألبعاد السياسيّة والثقافيّة‬
‫دور ال يستهان به فيها.‬
‫التوافق والتعايش بين الفاعلين السياسيين‬

‫إلى انفراد بن علي بهم وهرسلتهم وتشريدهم ومحاولة القضاء عليهم.‬
‫وفي المقابل فإن أغلب التحركات التي قامت على التوافق‬
‫المجتمعي، كان حليفها النجاح.‬
‫ففي سنة 8791 وعندما قاد اإلتحاد العام التونسي للشغل هذه‬
‫اإلنتفاضة كان مسنودا من التيارات السياسية والفكرية في البالد.‬
‫ورغم العنف األمني في مواجهة هـــذه اإلنتفاضـــة ومحاولـــة إخمــاد‬
‫صوتهــا إال أنها أثمرت نوعـــا من المرونــة فــي تعاطــي بورقيبــة‬
‫مع العمل السياسي فاضطــر إلى أن يقـرّ، ولـــو بشكـــل كاريكاتـوري‬
‫وغير جاد، بمبدأ التعدد الحزبي في بداية ثمانينات القرن الماضي.‬
‫وأما انتفاضة 4891 فإنه أعقبها حوار مجتمعي ومدني هام جاء‬
‫انقالب بن علي سنة 7891 ليعيده إلى الصفر بعد أن وأد هذه التجربة‬
‫في مهدها. ولم يختلف األمر في عهد المخلوع فالتحركات «ذات البعد‬
‫الواحد» وئدت في بداياتها وهو ما جعل الفرقاء السياسيين يتنادون‬
‫إلى صيغة مشتركة للعمل السياسي بدأت منذ أواخر التسعينيات لتتوج‬
‫بتشكيل مجموعة 81 أكتوبر ولتأسس بذلك لفعل سياسي ومجتمعي‬
‫قوي نجح في أن يعزل المخلوع ويقلص من نشاطه رغم السند الغربي‬
‫والدعاية الضخمة التي كان يروجها جهازه اإلعالمي داخليا وخارجيا،‬
‫معتمدا في ذلك على صحفيين وكتاب من تونس ومن خارجها كما‬
‫كشف لنا «الكتاب األســـود». ويمكن اعتبــار انتفاضة الرديف‬
‫إحدى آخر التحركات القوية التي دكت مسمار غائرا في نعش السلطة‬
‫اإلستبدادية ولتتوج هـــذه التحركـــات بثـــورة الحريـــة والكرامــة‬
‫وفرار المخلوع في 41 جانفي 1102.‬
‫وقد تداولت وكاالت األنباء صورا ومشاهد كانت فخرا للثورة‬

‫مع غلبة السياسي والثقافي على طبيعة األزمة التونسيـــة فإنــه‬
‫من الملفت لإلنتباه أن الفعل السياسي والميداني لم يحقّق نجاحات تذكر‬
‫إال إذا تواجد فيها لحمة أو توافق، معلن أو غير معلن، بين الفاعلين‬
‫السياسيين.‬
‫إن التحركات والصدامات التي قامت بها أحزاب أو تيارات‬
‫منفردة كان في الغالب مصيرها الفشل. فالمحاولة اإلنقالبية التي قادها‬
‫الشرايطي ومجموعته في 2691 فشلت، ومحاوالت اليسار المتكررة‬
‫في التغيير بعد ذلك بقيت محدودة ونخبوية ولم تصل إلى العمق‬
‫التونسي ونجح بورقيبة في ترويضها. كما أن قيادة اإلسالميين لعملية‬
‫ّ‬
‫التغيير ضد بورقيبة سنة 7891 ثــم ضـــد بن علــي منــذ 0991 أدت‬
‫ّ‬

‫«ميكن اجلزم بأن أهم خصائص الثورة التونسية أنها أضافت أبعادا ومعان جديدة ملفهوم‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الشعب وبشرت بالتالي بفعل سياسي منح تونس دورا رياديا يف دعم النهوض والتحرر العربي‬
‫ّ‬
‫واإلسالمي. فكانت بذلك صانعة للحياة ملهمة لألمل . »‬

‫52‬
‫الثورة التونسية وصناعة الحياة‬
‫التونسية تثبت مبدأ التعايش الديني والثقافي بين فصائل المجتمع‬
‫السياسي والفكري التونسي. بحيث أننا كنا نرى أثناء الثورة‬
‫الفتاة المحجبة وغير المحجبة، الملتحي وغير الملتحي، اليساري‬
‫واإلسالمي، المحافظ واللبرالي، الطالب واألستاذ، العامل والفالح،‬
‫المحامي والقاضي وغيرهم كثير يسيرون جنبا إلى جنب ويرددون‬
‫نفس الشعار «تونسنا حرة... حرة … وبن علي على برة» ولتبدع‬
‫بعد ذلك شعارا يعلن ألول مرة، بهذه الصياغة والوضوح، في التاريخ‬
‫العربي واإلسالمي وهو «الشعب يريد إسقاط النظام» لتكون فعال‬
‫إرادة الشعب هي المقياس األساسي والحاسم في عملية التغيير .‬
‫إعادة صياغة مفهوم الشعب‬
‫كان لشعار « الشعب يريد إسقاط النظام» قوة هائلة ودوي كبير‬
‫استطاع به التونسيين أن يزلزلوا عرش بن علي األمني ويسقطوه‬
‫وكان للنصف األول من الشعار خاصة «الشعب يريد...» مفعوله‬
‫«السحري» على مسار الثورة التونسية بل على مسار الربيع العربي‬
‫ككل إذ سرعان ما تلقفه أخواننا المصرييون واليمنيون والسوريون‬
‫والليبيون وأضافوا إليه إبداعات أخرى ساهمت في نجاح الثورات‬
‫العربية سنة 1102، بل وتعدى هذا الشعار مستواه العربي ليصل‬
‫إلى كل الشعوب الطامحة إلى التغيير. فردده اليونانيون واإلسبان‬
‫والمعارضون لهيمنة البورصة في الواليات المتحدة األمريكية.‬
‫والنقطة المحورية في هذا الشعار هي التأكيد على إرادة الشعب‬
‫وهو ما يثبت أهمية الشعب في العملية التغييرية. وهذا كان له دور في‬
‫إضافة أبعاد جديدة لمفهوم الشعب. فلقد قام التعريف الكالسيكي على‬
‫اعتبار أن مفردة الشعب تعني «الجمع والتفريق واإلصالح واإلفساد»‬
‫كما يجمل ذلك القاموس المحيط ولسان العرب. ومعنى التفريق يشرحه‬
‫األصمعي بقوله: شعب الرجل أمره، إذا شتته وفرقه (لسان العرب،‬
‫المجلد السابع، مادة شعب)‬
‫وأما في معنى اإلصطالح فإن العرب تقول «شعب الصدع في‬
‫اإلناء فهذا يعني إصالحه ومالءمته» كما يقول ابن منظور ويضيف بأن‬
‫«الشعب أكبر من القبيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ، ثم الفصيلة»‬
‫وحتى ال نقع في خطإ منهجي فإن الموسوعة السياسية العربية تنبهنا‬
‫إلى أنه ال يصح الخلط بين األمة والشعب ألن األمة «حقيقة اجتماعية‬
‫مفادها أن مجموعة من األفراد تم انصهارهم واتحادهم» وأما «الشعب‬
‫فال يعدوا أن يكون عنصر السكان في الدولة» ولكن الشعب «قد يكون‬
‫أمة واحدة ، حين تكون األمة قد حققت استقرارها وكونت دولة قومية‬
‫كما هو الحال في بعض الدول الغربية» وقد يكون «جزءا من أمة‬
‫موزعة بين أكثر من دولة، وصورتها األمة العربية» (موسوعة‬
‫السياسة، الجزء الثالث، 3891)‬
‫إن التعريف الكالسيكي الذي نجده عند ابن منظور والفيروز‬
‫ّ‬
‫آبادي، يحدد مفهوم الشعب في إطار ضيق، وأما الربيع العربي فإنه‬

‫قام بتوسعة هذا المفهوم ليشمل معان جديدة. فشعار «الشعب يريد...»‬
‫الذي رفع في تونس ثم انتشر في العالم العربي واإلسالمي انتشار‬
‫النار في الهشيم وأصبح أيقونة الثورات العربية جعلنا ننفتح على أبعاد‬
‫جديدة تتجاوز مفهوم الشعب في بعده الكالسيكي ليعبر بوضح وجالء‬
‫عن إرادة األمة. وبالتالي اقترب هذا المفهوم كثيرا من مفهوم األمة،‬
‫التي هي مصدر اإلجماع لتصبح بالتالي العملية التي يقرها الشعب‬
‫هي نتاج إلجماع األمة، أو على األقل، الجزء األكبر منها. وثبّت‬
‫بذلك بعد أصولي مهم وهو اإلجماع. وآلية تحقيق هذا اإلجماع في‬
‫مجتمعنا المعاصر تتمثل في اإلنتخاب، ومن ثمة فإن العملية اإلنتخابية‬
‫ليست عملية براغماتية وقتية وإنما هي استفتاء لرأي اآلمة ولتوجها‬
‫العام يعقبه التزام وخضوع لهذا التوجه. ومع األسف، فإني أعتقد أن‬
‫أنقالبيي مصر قد تفطنوا ألهمية دور الشعب فوظفوه لتبرير فعلهم‬
‫الشنيع‬
‫العلمانية / اليسار / السلفية‬
‫قد ينزعج القارئ العزيز من هذا العنوان لجمعه لمصطلحات‬
‫متناقضة ظاهريا، ولكني أطمئنه وأهدئ من روعه وأعلمه أني كنت‬
‫على اقتناع تام بوجود هوّة كبيرة بين هذه التيارات الثالث إلى أن اندلع‬
‫ّ‬
‫الربيع العربي، وخاصة ما حدث في السنتيين األخيرتين في كل من‬
‫مصر وتونس، فزلزل هذه القناعة وجعلني أجد خيطا يجمع بين هذه‬
‫ُ ُ‬
‫التيارات الثالث المتنافرة أيديولوجيا. وعقَد هذا الخيط ثالث مبادئ‬
‫هي: الدغمائية والتطرف والغلوّ.‬
‫فالعلمانيون المتطرفون رأووا في التحرر والحداثة المنشودة أن‬
‫تنزع فتاة مالبسها وتعرض جسدها على الفايسبوك أو في إنتاج فلم ال‬
‫يعترف بأي مقدس ديني أو دنيوي فرفع شعار «ال ربي وال سيدي».‬
‫وأما اليسار المتطرف فإنه بدعوى أن تقود البروليتاريا وتسود فإنه‬
‫حرّض العمال ووظّف النقابات لإلضرابات العشوائية والعنيفة فكان‬
‫أول المتضررين من تطرفه البروليتاريا نفسها.‬

‫« فشعار «الشعب يريد...» الذي رفع يف تونس ثم انتشر يف العامل العربي واإلسالمي انتشار النار‬
‫يف اهلشيم وأصبح أيقونة الثورات العربية جعلنا ننفتح على أبعاد جديدة تتجاوز مفهوم الشعب‬
‫يف بعده الكالسيكي ليعرب بوضح وجالء عن إرادة األمة »‬

‫62‬
‫الثورة التونسية وصناعة الحياة‬

‫وأما السلفيون المتطرفون، وهم «تيار وافد» كما يقول الباحث‬
‫التونسي سامي براهم، فإنهم اعتقدوا أن عملية التغيير تكون باإلنعزال‬
‫عن المجتمع وتكفيره والدعوة إلى تأسيس إمارة إسالمية وإعالن‬
‫«الجهاد» ضد الحكومة، التي كفروها، رغم أنها شرعية.‬
‫ومن هنا فإنني ال أعجب عندما أجد أن بعض المثقفين واالحزاب‬
‫الليبرالية المغتربة واليسارية المستلبة والسلفية التكفيرية تحاول من‬
‫ناحية تعطيل عمل المجلس التأسيسي لكي ال يتوصل الى إنهاء الدستور‬
‫وتشكيل الهيئة المستقلة لإلنتخابات ومن ناحية أخرى تضع يدها في‬
‫يد اإلنقالبيين ألنها رأت أن استفتاء األمة لن يكون في صالحها ومن‬
‫هنا خرقت اإلجماع بل إنقلبت عليه. وقد تجلى التحالف بين التيارات‬
‫الثالث بشكل سافر في مصر أكثر منه في تونس.‬
‫وقد رأينا في تونس أن محاولة صناعة دور للشعب لم تنجح‬
‫ألن شعار «الشعب يريد...» تحوّل مع اليسار المستلب والليبرايين‬
‫المغتربين والسلفيين التكفيريين إلى عملية توظيف ركيكة لم تنطل‬
‫على التونسيين والمصريين، فتدخل العسكر في مصر وحاولت النخب‬
‫المستلبة في تونس أن تسير على نفس الخط اإلنقالبي المصري‬
‫ّ‬
‫فأسست مجموعة سمت نفسها «تمرّد» وتشكلت جبهة أطلقت على‬
‫ّ‬
‫نفسها «جبهة اإلنقاذ» ولكنهما فشلتا في توافق داخلي يوحدهما. فكيف‬
‫لها أن تتوافق مع الشعب الذي يريد بناء وتنمية وتعميرا.‬
‫إنه من الصعب صناعة الثورات في المختبرات ألن العملية‬
‫الثورية فعل مبدع وخالق إضافة إلى أنها عملية تراكم للتجربة‬
‫والوعي بها. ثم إن العامل األساسي للنجاح هو التوافق المجتمعي أو ما‬
‫أسماه الفيلسوف التونسي فتحي التريكي «التآنس» والذي يعني عنده‬
‫«العيش معا» (الصدى، اإلربعاء 7 سبتمبر 1102). فالثورة صنعها‬
‫الشعب ولم يقدها تيار أو حزب معين وبذلك أعادت اإلعتبار للشعب‬
‫باعتباره مصدر السلطات والحارس للديمقراطية والضامن لها.‬
‫وقد تجلّى ذلك خاصّة بعد هروب الدكتاتور المخلوع وسعي‬
‫أجهزته األمنيّة إلى إدخال البالد في حالة من «الفوضى العارمة»‬

‫‪ Status Chaos‬إلرهاب المواطنين المسالمين ودفعهم إلى اإلنقالب‬
‫على الثورة .‬
‫ومن المدهش حقا سرعة رد الجماهير الثائرة وقدرتها على‬
‫التنظم، إذ بادر الثوار مباشرة إلى تأسيس لجان األحياء لحماية األمالك‬
‫والمؤسسات العامة والخاصة وغيرها وتعاونت في ذلك مع الجيش‬
‫الوطني. وقد بهرت هذه اللجان العالم في قدرتها على سرعة التحرك‬
‫ّ‬
‫ورد الفعل مع إلتزام السلميّة واإلنضباط والتنظيم. واستطاعت أن‬
‫ّ‬
‫تمتلك شرعية ‪ Legitimation‬أمام المواطن التونسي. وأدى نجاحها‬
‫في مهماتها إلى جعل الثورة المصرية تستفيد منها كثيرا وتطورها‬
‫وتمنحها أبعادا ثقافية وحضارية.‬
‫وهكذا فإن محاوالت الدغمائيون من الشيوعيين والعلمانيين‬
‫والسلفيين وبعض من ساندهم صناعة ثورة في بعض الجهات‬
‫المحرومة ال يمكن وصفها إال بالفوضى والعنف.‬
‫الجيش حام للثورة وليس مختطف لها‬
‫في هذا المستوى يطرح سؤال مهم: أي دور للجيش في العملية‬
‫الثورية؟‬
‫لئن سعى بن علي إلى تهميش دور الجيش وتفعيل دور المؤسسة‬
‫األمنية فإن تبني الجيش الوطني التونسي في اللحظة المناسبة لحماية‬
‫الثورة ساهم في نجاحها ورفع قيمة الجيش الواقعية والرمزية ليس‬
‫فقط في تونس وإنما في العالم العربي واإلسالمي وأصبح مثاال يقتدى‬
‫به في وطنيته.‬
‫فالجيش التونسي لم يسع إلى اختطاف الثورة كما حصل في مصر.‬
‫ولم يكن للتصريحات السياسوية التي أطلقها الجنرال عمار بعد تقاعده‬
‫أي تأثير سياسي أو مجتمعي يذكر.‬
‫وهكذا يمكن وصف الثورة التونسية بأنها بمثابة القلب الذي ضخ‬
‫الحياة والشعور باألمل ليس لدى التونسيين فحسب وإنما لدى األمة‬
‫العربية واإلسالمية ووضعت بذلك حجر األساس للثورة العارمة في‬
‫األمة فلحقت بها الثورة المصرية وعمقت هذا األمل فاندلعت ثورات‬
‫أخرى في ليببيا واليمن وسوريا. وبالتالي فإن ميزة الثورة التونسية،‬
‫والثورات العربية، أنها أسست لمفوم الشعب صاحب اإلجماع وبالتالي‬
‫فإنها بشرت بفلسفة للحياة ونفت الموت والعبث وصنعت األمل وهي‬
‫ستقود ـ بإذن هللا ـ في بعدها اإلستراتيجي إلى إعادة شباب األمة‬
‫وبالتالي المطالبة بأن يكون للعرب والمسلمين دور في إدارة أمورهم‬
‫بحرية والخروج من حالة المفعول به والمساهمة بدور فاعل في‬
‫تشكيل المستقبل.‬
‫-------------‬‫* باحث تونسي مقيم في المانيا‬
‫‪trabelsi.h@gmx.de‬‬

‫« إن ميزة الثورة التونسية، والثورات العربية، أنها أسست ملفوم الشعب صاحب اإلمجاع وبالتالي‬
‫فإنها بشرت بفلسفة للحياة ونفت املوت والعبث وصنعت األمل وهي ستقود ـ بإذن اهلل ـ يف‬
‫بعدها اإلسرتاتيجي إىل إعادة شباب األمة »‬

‫72‬
‫وجهة نظر‬
‫الثورة التونسية بين عفن الموروث و معلمة الكهنوت‬
‫بقلم : طه مصدق كعنيش*‬
‫بعد ثالث سنوات أصبحنا ندرك مقولة المؤرخ الفرنســـي‬
‫« ‪ »Jacques Sole‬الذي ميّز بين الثّورات الفاشلة والظافرة. (1)‬
‫فالثّورات الفاشلة ال تستحق في نظره، نعت الثورة ألنها انتهت إلى‬
‫الفشل؛ لكنها تبقى مع ذلك غنية بالمعلومات عن « الثّوريين الذين‬
‫حاولوا قيادتها إلى النجاح». ونحن نقول على طريقتنا: قد بتنا نعرف‬
‫باليقين من هم الثّوريون الذين يتلبّسون بلبوس الثّورة وأمخاخهم مجردة‬
‫منها فهم عبء عليها وهم في حكم الموات تاريخيا، ولكن لألسف‬
‫لم نعرف أضدادهم. أما الثورات الظافرة فهي التي يقودها ثوريّون‬
‫ّ‬
‫حقيقيون وأنا أقول ال معنى للظفر بال وقود، وقود بديناميات الثورة‬
‫ومنطق الحقبة ليفضي إلى تغييرات وإالّ فلنغرد كما غرّد برتراند‬
‫راسل عما أسماه ب «موت الفاعل التاريخي».‬
‫ّ‬
‫لوحة مريرة من تاريخ ثورة‬
‫في تونس لم تكن حكومة الغنوشي األولى (المعيّنة بعد تهريب‬
‫الرئيس) وال الثانية (التي أدارها السبسي) من الثورية في شيء. ورغم‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫أن الثانية هيّأت لالنتخابات إالّ أن ربّانها كانوا بمثابة السّلف الذي‬
‫ّ‬
‫عبّد الطريق لمتاعب الخلف، فانبثق النظام الوليد الذي رشح عن‬
‫االنتخابات ولم يكن قادرا على ضمان االستقرار في البالد، فبسرعة‬
‫ّ‬
‫استرجع «الدساترة» مواقعهم بعد أن جمعهم الباجي قائد السبسي‬
‫وبدل أن ينكفئ كما وعد، هيّج مع أتباعه على أعمدة الصحافة ومنابر‬
‫اإلعالم معارك سياسيّة ال مصلحة للشعب فيها، سماتها التنافــــس‬
‫لضمان االستقرار للبلد وتداعياتها باألساس تطبيق األجندة االقتصاديّة‬
‫والسياسيّة األمريكية على الوجه األتعس..‬

‫من رحم حكومة االنتخابات وفي غمرة مؤتمرات ومهرجانات‬
‫األحزاب المزهوة بنجاحاتها انطمس عن األعين البديل الخطير المهيّأ‬
‫له المسمى بـ « نداء تونس» ثم وظّف اليسار واألحزاب الواهية لبدء‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫التصدير لوهم الثورة الثانية ليصعد أي مولود وديع مستكين للدول‬
‫المانحة (من سماهم الجبالي بالشركاء) وتظهر الديمقراطية في حلّة‬
‫مغشوشة قاعدتها التحاور لوأد الماضي الموبوء وانصياع األحزاب‬
‫ّ‬
‫للمشروع الذي أعد على نار صبورة هادئة في مطابخ اخطبوطية‬
‫تعمل بسقف الدعاية لنظرية «التخطيط الممنهج» بعبارة تشومسكي‬
‫في إعادة القاطرة ومقطوراتها للبلد «األمين» والمؤتمن على رعاية‬
‫مصالح الواليات المتحدة واللوبي الفرنسي الصهيوني في الوضع‬
‫العالمي المتقلب.‬
‫وهكذا أصبح «المثلث الصحراوي» للجنوب التونسي منطقة‬
‫عسكرية مغلقة لحماية الحقول النفطية (تصريح بن نصر) وذلك‬
‫قبيل إعالن ليبيا بدورهـا عن اغالق حدود بالدهــا مع أربــع دول‬
‫مجــاورة ( تشاد والنيجر والسودان والجزائـر) –ولو بشكل مؤقــت-‬
‫واعالن جنوب بالدها منطقة عسكرية مغلقة في مواجهة االضطرابات‬
‫ّ‬
‫المتصاعدة. دون أن ننسى أن مناطق غدامس في ليبيا (المحاذية‬
‫للجنوب التونسي) تخضع هي األخرى لحاكم عسكري للمنطقة‬
‫الجنوبية بأسرها وله كافة الصالحيات المخولة للسلطة التنفيذية.‬
‫صفحة من دوافع غير مكينة‬
‫هل يمكن الحديث اليوم في تونس عن وجود فكر سياسي متأهب‬
‫للبناء؟ هل توجد رؤية سياسية مكتملة لتطوير المجتمع بتحديد أزماته‬
‫وتشخيص مشاكله و تجاوز مرحلة االستقطابات االديولوجية والفرز‬
‫السياسي الناهض على أساس االصطفاف الضيق للمجموعات السياسية‬
‫المنغلقة على نفسها الغافلة عن بوصلة الوالء للوطن وضرورة التقييم‬
‫الدقيق لإلنجازات وإخضاع القادة السياسيين لمشاريعنـــــا القوميـــة‬
‫ال للمزايدات على بعضهم البعض..‬
‫التغيير الحزبي المترهل‬
‫ممارسات بعض قادة األحزاب ،ال تنبئ أنهم يستشعرون مقتضيات‬
‫ّ‬
‫اإلصالح بتنمية الفكر لطرح القضايا الصحيحة والكف عن بيع الوعود‬
‫للناس والتأسيس للممارسة المنظمة والبعيدة المدى بتخيّر أعضاء‬
‫ملتزمين بالديمقراطية خلقا واالستقامة منهجا وبالمبادئ والقيم عقيدة‬

‫«ممارسات بعض قادة األحزاب ،ال تنبئ أنهم يستشعرون مقتضيات اإلصالح بتنمية الفكر لطرح‬
‫ّ‬
‫القضايا الصحيحة والكف عن بيع الوعود للناس والتأسيس للممارسة املنظمة والبعيدة املدى . »‬

‫82‬
‫الثورة التونسية بين عفن الموروث و معلمة الكهنوت‬
‫ّ‬
‫التوازنات والتصدي لتجاوزات بعض الوجوه النقابية و تتقزم أدوار‬
‫السياسيين وتتراجع فاعليتهم في التصدي لقضايا الشأن العام بل تصدر‬
‫ّ‬
‫أحكام قضائية وأخرى إدارية ضد أيمة غاظتهم عودة التجمعيين بل‬
‫ّ‬
‫وامتدت فسحة الزمان لقبر الملفات الخطيرة وغضّ النظر عن ساسة‬
‫امتهنوا التحريض على جهاز الدولة والتشهير بأعضاء الحكومة وحتى‬
‫التهكم برئيس الدولة بحجّة التدرّب على الديمقراطية.‬
‫باختصار غابت الحكمة في التقييم وفي التخطيط لقادم األيام‬
‫بارتفاع منسوب االستدانة وهدر المال والمضي في الموازنات‬
‫الملغومة باالقتصاد الريعي، وتجافى التّمعن في حل اإلشكاالت‬
‫الداخلية والخارجية العالقة وشرّع وطبّق في دهشة المواطنين مبدأ‬
‫المكافئة لمن هانوا والصفح عمن ولوا المسؤولية وتورطوا والعقوبة‬
‫لمن عساه أن يقع في الشبهة....‬
‫وموقفا وهكذا بتنا نرى من تتلون مواقفهم بين تصريح وآخر ولتعدو‬
‫طبيعة األنشطة الحزبية محمولة على حذق المناورة وإتقان المراوغة‬
‫ّ‬
‫والتزلف للمستبد األقدر وإن كان مفضوح العداوة للوطن..‬
‫هذا في عامة األحزاب وأعجزها، أما األحزاب الحاكمة فيبدو‬
‫ّ‬
‫أنّها فهمت دورها في ضمان دواعي استمرارها وحشد القوى لعرض‬
‫إنجازاتها حتى وإن كانت تلك اإلنجازات مجرد مشاريع لم تر النور في‬
‫ّ‬
‫حيز الواقع أي إنّها في حكم المأمول ال المتحقق وربّما فهم البعض أن‬
‫الحكم تحذلق وظهور مستمر على الشاشات التلفزية تخندقا في الدفاع‬
‫عن مكاسب مختلف الهياكل وتوعية للمواطن بحجم التحديات وجبر‬
‫خاطره عند تعثر اإلنجازات (حتى وإن كانت الوزارة المعنية باإلنجاز‬
‫ال تدخل تحت أنظار مشموالت الوزير المدعو) أي أنهم لم يولوا عناية‬
‫كبيرة لتعزيز أركان الدولة وفرض هيبتها لتحديث الترسانة القانونية‬
‫ومراجعة القوانين المعطلة لدورة اإلنتاج وإحياء األراضي وإحداث‬
‫ثورة زراعية لتنمية الثروة.. بل عملوا على تطبيق قوانين تناقض‬
‫حقوق اإلنسان (قانون مكافحة اإلرهاب) ولم يراعوا حاجات المواطن‬
‫للمعلومة الدقيقة والفكرة العميقة في تحليل الواقع بالتقدم في إصالح‬
‫اإلعالم واالستفادة من دروس الماضي في ضرورة تحييد المؤسسة‬
‫األمنية،والقضاء، والمؤسسات التربوية بما في ذلك المساجد، عن‬
‫ّ‬
‫الصراعات السياسية ولتتصدر رابطات الثورة والمنظمات المهنية‬
‫والجمعيات الشرعية والخطابة الدينية المشهد السياسي إلحداث‬

‫وتبقى األسئلة بال جواب‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫لماذا ال نحتمل أن ما جد في تونس وما يجد اآلن في الدول‬
‫العربيّة هو مجموعة من االنقالبات المنظمة في لحظات حرجة على‬
‫أنظمة مفلسة سياسيا واقتصاديا أجبرت على الرّحيل وغيّرت بأنظمة‬
‫أخرى في وضع مغشوش... ربّما ليس من السهل أن تستلهم األوطان‬
‫واألحزاب الحاكمة فيها بعد، حتى وهي تقول إنّها إسالمية، دقّة المرحلة‬
‫وتستوعب تقدم مشروع تفعيل الدحر والتقسيم للكيان العربي بصفة ال‬
‫تعصم من مذاق مرارته ولو لحين أو قل هي أحزاب لقلّة خبرتها‬
‫بدت في ترددها وخوفها – كاألحزاب التي سبقتها – متماثلة أداء‬
‫في الطواعيّة واإلذعان ألعداء األمس و اليوم من القوى االمبرياليّة‬
‫الصهيونيّة. فهل يشرع بين العفن والكهنوت أن نحلم بزهو المصير إالّ‬
‫ّ‬
‫بدق المسامير في النعوش أو بمعانقة التفكير وإتقان العمل...؟‬
‫الهوامش‬
‫(1) النوعان من الثورات معا(الفاشلة والظافرة )هما موضوع‬
‫كتاب صوليه ‪ .›Sole‬أسماه «الثورة بال ثوريين»‬
‫-------------------‬‫* متفقد تعليم ابتدائي‬

‫92‬
‫في التحليل السياسي‬
‫الثورة التونسية : من إسقاط النظام إلى عودة األزالم.‬
‫مدى النجاح أو الفشل !...‬
‫بقلم : علي الطرهوني*‬
‫41 جانفي، اللحظة الفارقية.‬
‫مازالت صدى مقولة شي غيفارا الزعيم البوليفي يتردد صداها‬
‫«الثورة مغامرة يخوضها األبطال ويركبها االنتهازيون ويجني ثمارها‬
‫الجبناء.»‬
‫لقد أمكن للثورات العربية اإلطاحة بأنظمة فاسدة لم تحقق تنمية‬
‫ّ‬
‫شاملة ولم تحترم حقوق اإلنسان، فحرّرت الذات الخائفة من الحضور‬
‫الطاغي ألنظمة استبداديــــة. وكانت اللّحظة الفارقة الحاسمـــة «هرمنا‬
‫من أجل هذه اللّحظة التاريخيّة» يقول الحفنـــاوي، ماسحـــا بيـــده‬
‫على رأسه األشيب، إذ خرجت الجموع الهادرة إلى الشوارع منادية‬
‫بإسقاط النظام، الشعار الحاسم في الثــــورة. ولم يكن شعــــار إسقاط‬
‫النظام إال تعبيرا عن توق هذه الشعوب للتمـــرّد على نظم استباحت‬
‫ّ‬
‫كل شيء وأفرغت البالد من معنى الدولة، فبسطت عصاباتهــــا اليد‬
‫على مفاصلها وتغلغلت في النفوس. وقـــرّر األنا المكبـــوت تحطيم‬
‫كل القيود في إندفاعة عارمة من الشمال إلى الجنوب لتصنع تاريخا‬
‫جديدا مثّل فيه الشبـــاب الهادر انتفاضـــة ضد الطاغيـــة وأزالمه‬
‫الجشعين.‬
‫ّ‬
‫والحقيقة أن الثورة لم تكن فقط ضد الطاغية وأسرته وأصهاره بل‬

‫ّ‬
‫ضد الدولة األبويّة ونخبتها األكثر فسادا التي خلعت مالبسها القديمة‬
‫بحثا عن دور جديد يناسب المرحلة الجديدة.‬
‫لقد اجتّث النظام البوليسي المتغطرس الديمقراطية وأباح جميع‬
‫المحرّمات، فزوّر االنتخابات واحتوى الصّحافة وحاصر المجتمع‬
‫ّ‬
‫واعتقل النّخب المفكرة يساريين وإسالميين وعلمانيين. وأضحت تونس‬
‫صحراء صفصفا تضاعف فيها القمع واالستبداد والنهب والفساد، لذلك‬
‫صار شعار الثورة التونسية « ال للفساد يا عصابة السرّاق».‬
‫فاستطاعت الثورة التونسية بال حزب أو زعماء أو جبهة وبال‬
‫وضوح في الرؤية أن تنقضّ كالحجر من أعلى الجبل على نظام متآكل‬
‫وتقضى عليه.‬
‫ومما سهّل عملية االنقضاض على الحكم الدور األمريكي المحرض‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫والداعم للثورة من خالل وثائق «ويكيليكس» التي صرحت بالموقف‬
‫الرسمي األمريكي من النظام واعتباره مافيا عائلية مع دور الجزيرة‬
‫في تأجيج االشتعال والغضب الشعبي، زيادة على صمود المنظمة‬
‫النقابية والحكم البوليسي لبن علـــي الذي همش الجيش التونســـي‬
‫ّ‬
‫وأهان ضبّاطه كما وقع في براكة الساحل، مما جعله يتخلّى عنه أيام‬
‫ّ‬
‫سقوطه المدوي. فقد ضاعف أعداد األمن وجعل الجيش محايدا فلم‬
‫يتجاوب معه. واألمر الملفت لالنتباه أن الجنرال بن علـــي راهـــن‬
‫على إعادة إنتاج التجمع الدستوري كحزب قناع من خالل مراهنته‬
‫على انتهازية بعض ضحايا القمع في أوساط اليســار بعد انقـــالب‬
‫7 نوفمبر 7891 والتضامن معه في محاربة خطر االتجاه اإلسالمي‬
‫تحت يافطة مقاومة اإلرهاب وتهميش الطبقات الوسطى والفقيرة‬
‫وسياسة تجفيف المنابع.‬
‫و السؤال المطروح اليوم هل المطالب االجتماعية التي قامت‬
‫عليها الثورة كرغيف العيش والعدالة االجتماعية وسياسة التهميش‬
‫والبطالة أم المطالب السياسية كالدستور الجديد وحل مجلس النواب‬
‫ّ‬
‫وإنهاء عصر الحزب الواحد هي األولويــــة؟ أي هل غيّرنا الحكـــام‬
‫أم بنيان السلطة وماذا تحقّق بعد ثالث سنوات من الثورة؟‬
‫الخوف من عودة النظام القديم‬
‫لم يكن شعار «الشعب يريد إسقاط النظام» إال تعبيرا عن توق‬
‫هذه الشعوب للخروج من كنف هذه النظم التي استباحت كل شيء‬

‫«احلقيقة أن الثورة مل تكن فقط ضد الطاغية وأسرته وأصهاره بل ضد الدولة األبوية وخنبتها األكثر‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫فسادا اليت خلعت مالبسها القدمية حبثا عن دور جديد يناسب املرحلة اجلديدة . »‬

‫03‬
‫الثورة التونسية : من إسقاط النظام إلى عودة األزالم.‬
‫مدى النجاح أو الفشل !...‬

‫ّ‬
‫وأفرغت البالد من كل معاني الدولة الحديثة فال شيء يدل في بلداننا‬
‫العربية (مصر- سوريا – ليبيا - اليمن...) أن هذه النظم كانت تعمل‬
‫ّ‬
‫لبناء دولة حديثة رغم الزمن الطويل الذي إستغرقته في الحكم بل‬
‫استفقنا من خالل ما كشفه اإلعالم فيها وفي قصر المخلوع بسيدي‬
‫الظريف فداحة االنتهاكات وحجم الفساد المحيّر والتّخريب الممنهج‬
‫ّ‬
‫للدولة، ما جعل إرادة الشعب هي الشعار البارز لما يسمى بثورة الربيع‬
‫ّ‬
‫العربي ولكن أي معنى إلرادة الشعب إن كان النظام السياسي يعيد‬
‫إنتاجه بنفس األدوات واألالعيب حيث يرتبط مفهوم القانون بمفهوم‬
‫ّ‬
‫القوّة كما هو في الشقيقة مصر أو بمفهوم التالعب بالديمقراطية ليخرج‬
‫ّ‬
‫النظام البالي المهترئ من الباب ويعود من الشباك كما الحال في بلدنا‬
‫ّ‬
‫تونس. إن ما حصل هو تغيير من الظاهر، مما جعل دول الثورات‬
‫العربية خصوصا في الجارتين ليبيا ومصر تصير إلى وقت قريب‬
‫أنظمة بوليسية قمعية تفرض إرادتها على الشعب بقوة السالح وتحتمي‬
‫بالثورة لتبرير محاكماتها.‬
‫هل يعود االستبداد تحت غطاء الديموقراطية؟‬
‫تصحيح المفاهيم:‬
‫1 	 لقد سجّلت ثورة «الربيع العربي» عصر الشعوب بعد أن‬
‫)‬
‫انتهى عصر الحكومات لكن مبدأ إرادة الشعب «الشعب يريد» يحتاج‬
‫ّ‬
‫إلى نقاش، فلئن كانت إرادة الشعب هي الشعار البارز للثورة التونسية‬
‫فأي معنى إلرادة الشعب حين نرى أن كل نظام سياسي يحاول‬
‫تبرير قوانينه الوضعية. وهنا يتكلّم الجميع باسم إرادة الشعب وكأنه‬
‫يملك تفويضا منه حتى ارتبط مفهوم القانون بقانون القوة « من يملك‬
‫أكثر هو القادر على تجييش الشارع والخروج في مظاهرات»، حتى‬
‫صار الخوف من نشوء الحرب األهلية ومن مسارات مختلفة تنحرف‬
‫بأهداف الثورة أمرا واقعا.‬
‫فالمجتمع يريد أن يكون سيد مصيره يمثله أعضاء يضبطون أعمال‬

‫قادته المنتخبين لضمان امتثالهم لمصلحة المجتمع فال أحد منهم يمتلك‬
‫المشروعية للحديث عن الشرعية. فالحراك الشعبي في أوطاننا يمثل‬
‫انتفاضة شعبية تتجاوز األحزاب واإلديولوجيات وتتجاوز المثقفين،‬
‫وهو أثر لقهر شعبي متراكم البطولة فيه للشعوب التي تدافع عن قيم‬
‫العدالة والحرية والمساواة وعن حقـّها في االحتجاج على رغيف الخبز‬
‫ّ‬
‫و تردي الظروف المعيشية ومقاومة الفساد قبل البحث عن الدستور‬
‫الجديد والمجلس التأسيسي وإنهاء عصر الحزب الواحد.‬
‫لقد انتزع الشعب المقهور حريته بمبادرة أملتها معاناة طويلة بعيدا‬
‫عن المثقفين الذين أرادوا تعليم الشعب مبادئ الحرية وهم مجتمعون‬
‫في مكاتب مغلقة يدور الحديث فيها عن استيراد الديمقراطية. فالخطاب‬
‫النهضوي أعاد المقوالت األساسية من الخبز إلى الكرامة.‬
‫ّ‬
‫يقول برهان غليون «لقد غذت الثورة التونسية شعورا متجددا‬
‫باالنتماء العربي بعد عقود من االنتكاس يسبّبه اإلحباط السياسي‬
‫ّ‬
‫وفقدان الثقة في النفس وهو ما يؤشر على عودة العرب إلى التاريخ‬
‫ومسكهم بزمام أمورهم، لكن الحذر من الفهم المغلوط لسلطة الشعب‬
‫ومن تراجع األنا الجماعية وعودة الجهويّة والفئوية الضيقة والفردية‬
‫مما يمثل االرتداد عن الثورة، إذا استمر الوضع فال بد من أجندا‬
‫عقالنية للتحول نحو الديمقراطية»‬
‫2 	 لقد وجدت البلدان العربية ومن ضمنها تونس نفسها في‬
‫)‬
‫شراكة مع دول ناشئة لم تنهج الديمقراطية كالصّين وكوريا مثــال‬
‫(زعيمها ترك الكالب جائعة لتنهش جسد زوج عمته ثم قدم لها العزاء‬
‫في وفاته) ومع دول تراجعت كروسيا بل أصبحنا نشهد ظاهرة‬
‫عولمة الديمقراطية الذي يعني عديد الدالالت كديمقراطية برلمانية‬
‫وديمقراطية دستورية وديمقراطية اوليغراشية. فشبكات التواصل‬
‫ّ‬
‫االجتماعي واالنترنت ساهمتا في جعل األنظمة العربية تقدم تنازالت‬
‫في مجال حقوق االنسان.‬
‫3 	 هناك عدم الثقة في السلطات الحاكمة التي تنهب ثرواتها‬
‫)‬
‫وتصادر حقوقها.‬
‫4 	 لقد وجد االسالميون أنفسهم أمام وضع جديد تتشكل‬
‫)‬
‫فيه الحركة الشبابيّة بدوافع اجتماعية أخالقية، ال بدوافع سياسية.‬
‫فاإلسالميون اضطهدوا في الفترات السابقة وهمشوا ولكنّهم أقوياء‬
‫ّ‬
‫تنظيميّا و ظلوا خارج الحداثة االقتصادية الناجمة عن ظاهرة العولمة‬
‫وهو بعد غائب في برامجهم.‬
‫5 	 بعض المثقفين يدافعون عن سلطات حديثة سعى االستبداد‬
‫)‬
‫لتكريسها خوفا من قيام سلطة دينية فأقاموا قطعا كامال يين اإلسالم‬
‫والحداثة. فهم يحافظون على األنظمة العلمانية خوفا من استبدادية‬
‫إسالمية لحركة النهضة حتى أصبح البعض يسوّغ استيراد الديمقراطية‬
‫من الخارج على اعتبار أن حملة «نابوليون بونابارت» على مصر‬
‫جاءت للعالم العربي باليقظة الحداثية مثل الغبي السعيد في تبعية‬
‫سعيدة.‬

‫« لقد انتزع الشعب املقهور حريته مببادرة أملتها معاناة طويلة بعيدا عن املثقفني الذين أرادوا‬
‫تعليم الشعب مبادئ احلرية وهم جمتمعون يف مكاتب مغلقة يدور احلديث فيها عن استرياد‬
‫الدميقراطية »‬

‫13‬
‫الثورة التونسية : من إسقاط النظام إلى عودة األزالم.‬
‫مدى النجاح أو الفشل !...‬
‫شبح عودة النظام القديم‬
‫كيف تأكل الثورة أبناءها!؟‬
‫لقد قامت الثورة التونسية على أسباب رئيسية ثالثة وهي البطالة‬
‫والفساد والتنمية الجهوية المختلة. واليوم بعد ثالث سنوات من الثورة‬
‫ماهــي الحصيلــة؟ هل قاومنــا الفســاد؟ هل حققنــا تنميــة عادلة‬
‫بين كل الجهات؟ هل قدمنا حلوال لمعضلة البطالة أمام تراجــع النمو‬
‫االقتصادي؟‬
‫يقول العديد من الزعماء السياسيين أن الحرية والديموقراطية أهم‬
‫مكسب للثورة التونسية.‬
‫إذا كان الشعب التونسي قد هبّ على بكرة أبيه يوم الرابع عشــر‬
‫من جانفي ليفرض التغيير ويقطع دابر «صانع التغييــر» فهل نحن‬
‫نحتاج إلى أحزاب سياسية؟‬
‫ما موقع الشباب الذي هو وقود هذه الثورة؟‬
‫لقد اختزل الكيـــان الوطنـــي في هم حفاظ المتسلطين على‬
‫ّ‬
‫الكراسي ليس فيه لبذل الشبـــاب دور بعــد أن تـــم هدره وليس لها‬
‫ّ‬
‫أن تلبــس لبوسا ماركسيا أو علمانيّا أو دينيّا. فالثورة مدلــول شمولي‬
‫ّ‬
‫يقتضــى إحداث قطيعة مع الماضي يختار نهجـــا جديـــدا يفضــى‬
‫إلى الدخــول فــي مرحلة الديموقراطية، لكن في غياب مشروع ثوري‬
‫يقطــع مع الماضــي ويؤسس لعدالة انتقالية بعد المحاسبة والتسامــح‬
‫فذلك ما يؤدي إلى استمرار وجود النظام السابق ليعــود التجمع‬
‫الدستوري الديموقراطي في أثواب شتى فقد توزعوا على عديــد‬
‫ّ‬
‫األحــزاب متنكرين تحت قناع الحرّية والديمقراطيــة. (المبادرة،‬
‫الوطن، نداء تونس، أفاق تونس، العدالة والحريّة، أحــرار تونس،‬
‫االتحاد الشعبــــي الجمهــوري، االستقالل من أجل الحريّة، حركة‬
‫ّ‬
‫الكرامة والديمقراطية، المستقبل، الحزب الحر الدستوري التّونسي،‬
‫الوفاق الجمهوري...)‬
‫إذن عاد هؤالء التجمعيّون تحت عباءة االنتقال الديمقراطي ودخلوا‬
‫المجلس التأسيسي قبل االنخراط في الحوار الوطني.‬
‫فهل يمكن بناء ديمقراطية برموز المخلوع وإعالم مأجور مشبوه‬
‫في ثورة تحترم نفسها؟‬
‫و في حكومة تحترم شعبها ومطالبه، هل نغفل عن تطبيق العدالة‬
‫االنتقالية دون محاسبة؟‬
‫دائما هناك من يقاوم التغيير ومــن يسعـــى لقتــل الثـــورات.‬
‫ّ‬
‫ولعل أكبر تهديد للثورة هو القطع الجذري مع النظام، ألن النظام‬
‫في مثل وضعنا العربي قد استشرى في كل الوظائف والقطاعات‬
‫وتغلغل في النفوس. فالثورة تؤهّل المجتمع إلعادة بناء األفكار وقلب‬
‫القيم وترتيب األولويات مما يعني أننا في حاجة ألسس ثقافيّة جديدة‬

‫تعيد بناء اإلنسان وهو ما سينعكس على الواقع. أليس في قول نيتشه‬
‫« إن بؤس الروح كبؤس الجسد» ما يعكس بوضوح حاجتنا لثورة‬
‫في األفكار وفي وعينا بقيمة أنفسنا. هذه الروح العربيّة التي طالما‬
‫احتقرناها ونظرنا إليها بازدراء مما انعكس سلبا على مجتمعاتنا،‬
‫فهؤالء جاثمون على صدورنا لكنهم سيرحلون. أنهم كمن يريد العودة‬
‫إلى الحياة وقد قال فيهم الشعب كلمته « لن يعودوا إال على جثثنا»‬
‫وكتبها في كل الحيطان.‬
‫ّ‬
‫إن القوى المضادة من األحزاب السياسية ال تتردد في نشر‬
‫األكاذيب واإلشاعات والمهيجات من أجل صرف الثورة عن أهدافها‬
‫وإسباغ الغموض والتشويه على منطلقاتها وتحريــض المعطليــن‬
‫على االعتصامات والتخريب خصوصا في غيــاب حكومة شرعيّة‬
‫غير مؤقتة وغير دائمة تحكم قبضتها على الواقـــع حتى ال تسمح‬
‫لقوى االستبداد والفساد أن ترفع رؤوسها وتلتقط أنفاسهــا، فهؤالء‬
‫ّ‬
‫يجن جنونهم حين يمجّدون الشباب صناع الثورة ومستقبل األمة‬
‫ألنهم يعتقدون أن مستقبل األمة تصنعه النخب ورجاالت الحكم وليس‬
‫الشباب القاصر من البسي القمصان الرخيصة كما يقـــول الدكتور‬
‫«على محمد فخرو». لهؤالء أقول :‬
‫ال تهتفوا للقاتل المدان بالرحيل.‬
‫سيصلح األذناب من طائرة الرحيل...‬
‫ألف كيس‬
‫ليخنقوا القانون و العدالة ،‬
‫ليضعوا ذممهم في الوحل والزبالة‬
‫هل نجحت الثورة؟‬
‫احتاجت الثورة الفرنسية التي سالت فيها الدماء سواقي إلى سنوات‬
‫حتى تقف على قدميها كذلك اضطرت الثورة الروسية للتراجع أمام‬

‫« لقد قامت الثورة التونسية على أسباب رئيسية ثالثة وهي البطالة والفساد والتنمية اجلهوية‬
‫املختلة. واليوم بعد ثالث سنوات من الثورة ماهي احلصيلة؟ هل قاومنا الفساد؟ هل حققنا تنمية‬
‫عادلة بني كل اجلهات؟ هل قدمنا حلوال ملعضلة البطالة أمام تراجع النمو االقتصادي؟»‬

‫23‬
‫الثورة التونسية : من إسقاط النظام إلى عودة األزالم.‬
‫مدى النجاح أو الفشل !...‬

‫الكوالك لكن فشل الثورة يعني موت األحالم العليا وموت الرسالة‬
‫وموت الهدف.‬
‫هناك صعوبات تعيشها الثورة التونسية من خالل أزمة الحكم‬
‫والحكومة ومن خالل بطء الدعم المالي األوربي وصندوق النقد‬
‫الدولي مع األزمة المالية التي تجتاح أوروبا بعد خسائرها في العراق‬
‫وأفغانستان وسوريا.‬
‫* إن الخسائر اإلنتاجية الناجمة عن ثورات تونس ومصر وليبيا‬
‫واليمن بلغت حوالي 48.55 مليار دوالر.‬
‫يرى المؤلف ‪ Patrick Buchanan‬في كتابه «انتحار القوة‬
‫العظمى – هل تقوى أمريكا على الصمود إلى سنة 5202 ؟» إن‬
‫الواليات المتحدة لم تعد تنفرد بالساحة الدولية مع صعود قوى أخرى‬
‫كالصين والهند والبرازيل فهي ستتفكك تحت وطأة عوامل عدة منها‬
‫ديونها المثقلة التي تصل إلى حوالي 3.41 تريليون دوالر مع فقدان‬
‫هويتها المسيحية وثقافتها مع ما ينتج عن ذلك من علل اجتماعية‬
‫وحروب ثقافية.‬
‫ّ‬
‫إذن هناك معايير هشة في توصيف نظام ما بأنه ديمقراطي لمجرّد‬
‫أن لديه مؤسسات دستورية عصرية واقتصاد ليبرالي رأس مالي وهي‬
‫مقوالت يصعب تحديد جديتها إذا لم تواكبها ثقافة ديموقراطية تؤمن‬
‫باالختالف فما فعلت أمريكا في معتقل غوانتنامو وسجون أبو غريب‬
‫ال يرقى إلى أدني مستويات اإلنسانية.‬

‫نحن ال نحتاج إلى رئيس طاغية يحكمنا بل نردد مع «فوليتر» أن‬
‫التسامح هو النتيجة الحتمية إلدراكنا أننا لسنا معصومين من الخطأ.‬
‫وأن الصراع السياسي خارج الوحدة الوطنية ال ينتج غير الفوضى‬
‫والحروب األهلية.‬
‫وأن معايير نجاح ثورتنا هو في انهيار النظام السياسي القديم بكل‬
‫مؤسساته ونخبه المنتجة والبحث عن زعامات سياسية مستقلة تحوز‬
‫ثقة الشعب ثم مع الرغبة في تحديث المؤسسات والقطع مع ممارسات‬
‫الماضي نحو إرساء ديمقراطية تشاركية بين األحزاب.‬
‫إن تونس الجديدة البد أن تبنى على الثقة المتبادلة بين الجميع من‬
‫الفرقاء السياسيين من أجل العمل على المصلحة العامة من منطلق البناء‬
‫ال الهدم لنتذكر التحابب في األيام األولى للثورة، لماذا يتناسى الناس‬
‫ذلك ليصبح مفهوم الثورة هو الغنيمة في اقتسام المرابيح والكراسي.‬
‫خذوا الكراسي واتركوا لي الوطن كما يقول الفنان لطفي بوشناق‬
‫فتونس قادرة على احتضان الجميع بعيدا عن الصراع اإليديولوجي‬
‫ّ‬
‫المتخلف وإن المظاهرات االجتماعية التعبوية قد أظهرت وجوب‬
‫إعادة النظر في مفهوم المثقف وفي تفعيل العمل الثقافي الجماعي‬
‫وليس الفردي.‬
‫خاتمة:‬
‫إذا كنا نريد ثورة تنموية ديمقراطية بديلة عن العولمة فانه يتعين‬
‫استعادة وظيفة الشأن السياسي و معنى الصالح العام فالبد من الشروع‬
‫في القيام بإصالحات في العمق تحد من تشكيل سلطة معولمة فليس‬
‫لدى اإلنسان أمل كبير بمجيء نظام سياسي تتوسع فيه أبواب الحرية‬
‫و المساواة بين الجميع فهل كانت الثورة التونسية ثورة ثقافية؟ و هل‬
‫أسست لمشروع مجتمعي تحرري يكرس الشعارات التي رفعت في‬
‫بداية الثورة أم تنتكس كما وقع مع بعض الثورات في التاريخ اإلنساني؟‬
‫لكي تحقق الثورة أهدافها و منها القضاء على منظومة الفساد و‬
‫االستبداد فال مفر من أن يتم االنتقال من مجتمع الرعية إلى دولة‬
‫الرعاية و إلى مجتمع المواطنة و في غياب ذلك مازلنا نقفز من مشكل‬
‫إلى أخر بل من ورطة إلى أخرى...‬
‫----------‬‫* استاذ وكاتب حر من صفاقس‬
‫‪tarhouniali01@gmail.com‬‬

‫33‬
‫من وحي الحدث‬
‫صعوبات اإلنتقال الديمقراطي في دول الربيع العربي‬
‫بقلم : محمد الطرابلسي*‬
‫تقديم‬
‫ٱنطلقت شرارة الربيع العربي من مدينة سيدي بوزيد التونسية‬
‫على إثر إقدام الشاب « محمد البوعزيزي» على إحراق نفسه بعد‬
‫مصادرة عربته من أعوان البلدية . و كان هذا الحدث بمثابة القطرة‬
‫التي أفاضت الكأس، و ٱنتشرت رقعة الثورة كإنتشار النّار في الهشيم‬
‫لتشمل مدن تونسيـــة عديــــدة . ورفع المحتجــــون شعار «ارحل»‬
‫في وجوه رموز النظام السابق، وكان أيضا شعار « شغل، حرية،‬
‫كرامة وطنية» شعارا أساسيا حاضرا بقوة في الشارع التونسي يترجم‬
‫ويختزل األهداف التي قامت ألجلها الثورة. وأدى تطور األحداث‬
‫وتسارعها إلى سقوط النظام، وكان لذلك إنعكاسا مباشرا على عديد‬
‫الشعوب العربية . وبسرعة غريبة لعبت فيها وسائل اإلعالم العالمية‬
‫وشبكات التواصل اإلجتماعي دورا هاما، إنتقلت الثورة من تونس‬
‫لتشمل دول عربية أخرى على غرار مصـــر وليبيـــا واليمـــن‬
‫وسوريا. سقطت أنظمة إستبدادية عديدة بكل من تونس وليبيـــا‬
‫ومصـــر واليمن وطرحت منذ ذلك الوقت مسألة اإلنتقال الديمقراطي‬
‫والتأسيس لمرحلــة جديــــدة تقطع مع الماضي وتفتح آفاقا جديـــدة‬
‫نحو المستقبل.‬
‫إن عملية اإلنتقال الديمقراطي في دول الربيع العربي تواجه‬
‫صعوبات عديدة : اقتصادية واجتماعية وأمنية ، ومن هذا المنطلق‬
‫نطرح التساؤل التالي : هل يمكن بناء ديمقراطية على قاعدة الفقر‬
‫واإلرهاب؟ وسنحاول من خالل هذا المقال تقديم أبرز التحديات‬
‫والصعوبات التي تعترض عملية اإلنتقال الديمقراطي .‬
‫إرث الحكم المطلق :‬
‫من أجل فهم جذور الربيع العربي بصورة أوضح، ال بد من‬
‫اإلشارة أن معظم رؤساء دول الربيع العربي ٱعتقدوا أن لديهم ملكية‬
‫مطلقة للسلطة، فالرئيس كان يحتكر جميع السلطات في شخصه‬
‫(التشريعية والقضائية والتنفيذية)، وكان الحكم المطلق بالنسبة لهؤالء‬
‫يمثل مبررا ألفعالهم وتصرفاتهم، واستمر الرؤساء الساقطـــون‬
‫والمتساقطون الواحد تلو األخر في كل من مصر وليبيا وتونـــس‬
‫واليمن في البحث عن طرق جديدة لتوريث الحكم حتى وإن إقتضى‬
‫األمر تعديالت دستورية إلضفاء الشرعية على تصرفاتهم. وقد أدى‬
‫هذا األمر إلى بروز عصابات حاكمة تحتكر السلطة والثروة فٱنتشر‬

‫الفساد والمحسوبية على أعلى المستويات وفي مختلف القطاعات‬
‫اإلقتصادية.‬
‫هذه التركة الثقيلـــة كانت لهـا تداعياتهـــا على المسار اإلنتقالي‬
‫في جميع دول الربيع العربـــي. صحيـــح أن رؤوس هذه األنظمـــة‬
‫قد قطعت ولكن تركت شبكات تشتغل على أمــل إستعــــادة ما فقـــدوه‬
‫من ثروة وسلطة.‬
‫حاولت هذه الشبكات التنظم في أحزاب جديدة وسعت جاهدة‬
‫إلجهاض الثورات ونشر حالة اإلحباط لدى عموم الناس ليشرّعوا‬
‫من جديد لعودة الدكتاتوريات. وقد كان لإلنقالب الذي حدث في مصر‬
‫إنعكاسات مباشرة على بقية الدول، إذ حاولت العديد من األطــراف‬
‫التي ال تعترف بنتائج اإلنتخابات إستيراد ما حصل في مصر واسقاطه‬
‫على الواقع التونسي أو الليبي. ولكن فشل اإلنقالب في تونس ال يعني‬
‫أن آلة الثورة المضادة قد تعطلت، ويبقــى الحذر واجبــــا وطنيــــا‬
‫على القوى الديمقراطية أن تلتزم به.‬
‫الفقر، البطالة و رداءة البنى التحتية:‬
‫كان رموز األنظمة السابقة يعتقدون أن كل موارد دولهم هي ملكهم‬
‫وحقهم الشرعي، وهذا األمر كان واضحا في ليبيا التي طالما انتشر‬
‫اإلعتقاد بأنها من أغنى الدول في العالم حيث تتوفر الموارد النفطية‬
‫العالية الجودة في باطن أراضيها. ولكن في المقابل نجد أكثر من ثلث‬
‫السكان يعيشون في فقر مدقع، ونسبة قليلة من عائدات النفط يتم إنفاقها‬
‫ّ‬
‫في برامج التهيئة والبنى التحتية. وعندما نستدل بمشاهد من بعض‬
‫المدن الليبية خالل الفيضانات األخيرة يصبح كالمنا غير قابل للنقاش.‬
‫وقد بلغ في مصر التفاوت بين الفقراء واألغنياء ذروته أثناء المراحل‬
‫األخيرة من عمر نظام مبارك، إذ كانت الثروة توزع بطريقة غير‬
‫عادلة، تحتكرها رموز النظام وعائلته. وتواجه مصر اليوم مجموعة‬
‫من التحديات بسبب األحداث المتسارعة منذ سقوط نظام مبارك، فقد‬
‫تعطل النشاط التجاري بسبب اإلنقالب العسكري والمجازر التي حدثت‬
‫من وراء ذالك في حق األبرياء، فأغلقت البورصة وانخفضت عائدات‬
‫ّ‬
‫السياحة وأدت األزمة االقتصادية العالمية إلى تراجع اإلستثمارات‬
‫األجنبية، وتراجع نسبة النمو اإلقتصادي إلى ما دون 1 % . ويزيد‬
‫إنخفاض معدالت النمو اإلقتصادي من تأزم األوضاع اإلجتماعية إذ‬
‫أنها ال تكفي لتوفير فرص العمل للسكان.‬

‫«احلقيقة أن الثورة مل تكن فقط ضد الطاغية وأسرته وأصهاره بل ضد الدولة األبوية وخنبتها األكثر‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫فسادا اليت خلعت مالبسها القدمية حبثا عن دور جديد يناسب املرحلة اجلديدة . »‬

‫43‬
‫صعوبات اإلنتقال الديمقراطي‬
‫في دول الربيع العربي‬

‫وفي تونس كانت وال تزال مشكلة البطالة من أهم المشاكل،‬
‫وبالرغم من تعاقب العديد من الحكومات خالل المرحلة اإلنتقالية، فإن‬
‫هذه المشكلة تزداد تعقيدا، وهذا الوضع ال يختلف عن بقية دول الربيع‬
‫العربي. وفي هذا اإلطار نقدم جدول تفصيلي عن تطور نسب البطالة‬
‫في تونس خال ل الفترة الممتدة من 6002 إلى 3102 .‬
‫ﻋﻧﻭﺍﻥ ﺍﻟﺟﺩﻭﻝ: ﺗﻁﻭﺭ ﻧﺳﺑﺔ ﺍﻟﺑﻁﺎﻟﺔ ﻣﻥ 6002 ﺍﻟﻰ 3102 ) % (‬

‫ﺍﻟﺴﻨﻮﺍﺕ 6002 7002 8002 9002 0102 1102 2102 3102‬
‫ﻧﺴﺒﺔ‬
‫ﺍﻟﺒﻄﺎﻟﺔ‬

‫5.21 4.21 4.21 3.31‬

‫31‬

‫3.81 7.61 7.51‬

‫ﺍﻟﻣﺻﺩﺭ : ﺍﻟﻣﻌﻬﺩ ﺍﻟﻭﻁﻧﻲ ﻟﻺﺣﺻﺎء ، ﺍﻟﻣﺳﺢ ﺍﻟﻭﻁﻧﻲ ﺣﻭﻝ ﺍﻟﺳﻛﺎﻥ ﻭ ﺍﻟﺗﺷﻐﻳﻝ‬

‫كما تعد إشكالية التضخم المالي من أبرز اإلشكاليات التي تواجهها‬
‫إقتصاديات دول الربيع العربي، فإنهارت قيمة العملة األمر الذي‬
‫ٱنعكس على القدرة الشرائية للسكان و أدى إلى إرتفاع كبير في األسعار‬
‫تزامن مع تواتر عمليات التهريب واإلحتكار ونمو التجارة الموازية.‬
‫وتتعرض العمالت في دول الربيع العربي إلى نزيف مستمر‬
‫خاصة في كل من تونس وليبيا ومصر، وتلعب حالة عدم اإلستقرار‬
‫السياسي واألمني واإلجتماعي دورا مهما ورئيسيا في تكبّد هذه‬
‫العمالت خسائر كبيرة بسبب نزيف إحتياطات هذه الدول من العملة‬
‫األجنبية، وهذا النزيف مرتبط بتراجع أداء قطاعات هامة مثل السياحة‬
‫وتوقف المناجم عن اإلنتاج بسبب اإلضرابات مدة طويلة إلى جانب‬
‫تراجع حجم الصادرات واإلستثمارات وعجز الميزان التجاري. وهذا‬
‫الوضع له إنعكاساته على األمن الغذائي في هذه الدول‬
‫خطر اإلرهاب:‬
‫مما ال شك فيه أن أخطر ما يواجه عالمنا اليوم هو تنامي المنظمات‬

‫اإلرهابية، فلم تعد هذه المنظمات مقتصرة على دولة ما، بل هي غدت‬
‫ظاهرة دولية خطيرة، و يجري تنفيذ جرائمها في مختلف دول العالم،‬
‫في أمريكا وروسيا وإسبانيا وفرنسا وألمانيا واندونيسيا... ونال العالم‬
‫العربي الذي غدا المنبع األكبر لقوى اإلرهاب نصيب األسد من هذه‬
‫النشاطات بحكم إستغالل القائمين على المنظمات اإلرهابية الظروف‬
‫اإلجتماعية لبعض الفئات وهشاشة األوضاع اإلقتصادية وتسخيرهم‬
‫لتنفيذ عملياتهم اإلجرامية .‬
‫ويعد اإلرهاب اليوم عائقا أمام عملية اإلنتقال الديمقراطي في‬
‫دول الربيع العربي، وكلّنا نستحضر عمليات اإلغتيال والترويع التي‬
‫حدثت في تونس وليبيا ومصر، ذهب ضحيتها العديد من األبرياء.‬
‫وهذا الوضع ليس بجديد عن دول الربيع العربي، فقد ساهمت األنظمة‬
‫القمعية السابقة في هذه الدول في إيجاد تربة خصبة للتطرف على‬
‫إختالف عناوينه، تربة تم إستغاللها لتكون النتيجة اآلالف من الشباب‬
‫العاطل عن العمل مستعد للقتل والقتال بعد غسيل دماغه بفتاوي وهابية‬
‫وغيرها.‬
‫والمطلوب اليوم في دول الربيع العربي إعتماد سياسة إقتصادية‬
‫عادلة تعالج مشكلة الفقر والجوع والتخلف، وتوظّف الثروات من‬
‫أجل بناء أنظمة جديدة عادلة ديمقراطية تحقق الحياة الكريمة لجميع‬
‫المواطنين، كما أنه من الضروري نشر ثقافة التسامح واآلخاء والتوافق‬
‫بين مختلف مكونات المجتمع وبين مختلف األطياف السياسية.‬
‫خاتمة :‬
‫قد يعلمنا التاريخ أنه بعد الثورات قد يستغرق الوضع أعواما أو‬
‫عقودا حتى يتحقق اإلستقرار السياسي واإلنتعاشة اإلقتصادية. ولكن‬
‫هنالك إشكاليات ال تقبل التأجيل، تتطلب تدخال عاجال من مختلف‬
‫األطراف السياسية، وإجراءات فورية في حجم الثورات العربية، ومن‬
‫أبرز هذه اإلشكاليات الفقر والبطالة، ألنه ال يمكن أن نبني ديمقراطية‬
‫على قاعدة الفقر والبطالة.‬
‫المراجع :‬
‫ إحصائيات المعهد الوطني لإلحصاء، المسح الوطني حول‬‫السكان و التشغيل 3102.‬
‫ احمد يوسف التل 8991 : اإلرهاب في العالمين العربي و‬‫الغربي، عمان ( األردن) ، 475 ص.‬
‫ جون آربرادلي 3102 : ما بعد الربيع العربي ، كلمات عربية‬‫للترجمة و النشر ، القاهرة ، 691 ص.‬
‫----------‬‫*باحث في العلوم الجغرافية ( مرحلة الدكتوراه)‬
‫‪geographie_tunisie@yahoo.fr‬‬

‫« املطلوب اليوم يف دول الربيع العربي إعتماد سياسة إقتصادية عادلة تعاجل مشكلة الفقر واجلوع‬
‫ّ‬
‫والتخلف، وتوظف الثروات من أجل بناء أنظمة جديدة عادلة دميقراطية حتقق احلياة الكرمية‬
‫جلميع املواطنني »‬

‫53‬
‫بال حدود‬
‫في الثورة: يقولون « ثورة » في تونس مريضة، قلت ...‬
‫بقلم : نعمان العش*‬
‫ّ‬
‫لن نتملّك القدرة على وصفه فاقدا للمناعة كل قول أو رأي أو‬
‫موقف يسبق التّفكير في موضوع، وسوف نعجز عن وصفه بالوجاهة‬
‫ّ‬
‫كل قول أو رأي أو موقف عبّر أو وصف أو تقرّر وهو فاقد لمقوّمات‬
‫منهجية تجعله وجيها، فهل يمكن أن نستبيح ساحة الحدث منذ 71‬
‫ّ‬
‫ديسمبر 0102 فنصفه بالثّورة؟ وهل لنا أن نبطل موقف من يعن له أن‬
‫ّ‬
‫يصفه بالالثورة؟ إن الميل إلى أحد الرأيين أو اإلقرار به لن يكون، في‬
‫واقع الحال، مختلفا عن كل ميل يسبق اإلقرار بكليهما، فمالّ‬
‫ّ‬
‫ذي يبرّر‬
‫لنا هذا الموقف؟‬
‫ّ‬
‫ثمة تصوّرات بعضها يستمد من أنساق فكرية أو فلسفية وبعضها‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫اآلخر تدعمه نصوص دينية وكثير منها ال يفارق الدغمائية والكليانية‬
‫الموصولة بإيديولوجيات لم تكن بنيتها المرجعية إالّ مؤسّسة لبؤس‬
‫ّ‬
‫االستبداد. كل ذلك يبطل القدرة على تحديد صارم لمفهوم الثّورة، ولكن‬
‫هل عسانا نتراجع نكوصا لنصف الحدث بأنّه بعيد عن الثّورة الّ‬
‫تي‬
‫ّ‬
‫كان الشعب يطمح إليها وهو في اآلن نفسه يسعى للكشف عن شروط‬
‫تحقّقها، ومن عناصره من يتهيّأ لقيادتها بإعداد لـ:‬
‫ّ‬
‫* أفكار تستمد من مرجعياته الفكرية أو اإليديولوجية أو الدينية‬
‫وتصوّرات مناسبة لشكل الثّ‬
‫ورة المرجوّة وأطروحات وبرامج ورؤى‬
‫حول طبيعة الثّورة وأهدافها الّتي يجب تحقيقها.‬
‫* أسلوب إنجاز الثّورة الّذي يجب أن يوافق المرجعيات الفكرية‬
‫أو اإليديولوجية أو الدينية ويعكس أفكار الثّورة وأهدافها.‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫1. بنية الثورة األساسية أو هيكلها الثوري‬
‫نحاول، بدءا، أن نحصر رهانات الحدث الّذي نسميه ثورة شعبية،‬
‫ّ‬

‫في هدفين رئيسيين وهما:‬
‫ّ‬
‫* تخلّص الشعب من هيمنة االستبداد السّياسي بأسلوب حركة‬
‫سلميّة.‬
‫* إقامة نظام سياسي ديمقراطي يحتكم فيه إلى القانون واالنتخاب‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫العام لتحقيق العدالة االجتماعية والتّوزيع العادل للثّروات ولمواطن‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الشغل مع ترسيخ احترام الحرّيات العامة.‬
‫ّ ّ‬
‫هل يمكن، وفق هذا السّياق، أن نؤكد أن الحراك الثّوري السّلمي‬
‫في تونس، مثلما هو الشأن في بقية البلدان العربية الثّ‬
‫ّ‬
‫ائرة:‬
‫* مثّل إستراتيجية ثوريّة مستحدثة تخلّصت من غموض مفهوم‬
‫الثّورة حسب األنماط الفكرية الّتي كانت قد أسبقت له سياقات نظرية‬
‫أوثقتها بشرط القيادة والحزب الثّوريين لدى بعضها، لتكون إستراتيجية‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫معتمدة على أساس وثيق هو إرادة الشعب، إرادة لخصها الشعار الّذي‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫أجمعت عليه مجمل الشعوب العربية المسلمة الثّائرة « الشعب يريد »‬
‫فأصبحت هي البديل الموضوعي للقيادة الجامعة،‬
‫ّ‬
‫* ومثّل بنفس الدرجة استدعاء لمجتمع النّخبة بشقّيها الفكري‬
‫والسّياسي لتلتزم بمراجعة مرجعياتها الفكريـــة أو اإليديولوجيـة‬
‫أو الدينية وتصوّراتها الثّورية السّابقة مراجعة قد تصل إلى درجــة‬
‫ّ‬
‫استئصــال كل واحدة تستنكف عن أن تكون موافقة للقيادة الحقيقية لما‬
‫سمي بالثّورة وهي الشّ‬
‫عب وإرادته،‬
‫ّ‬
‫* وحقّق تنازال دوليا، عن منظومة دعم االستبداد فكريا وسياسية‬
‫ّ‬
‫واقتصاديا وعسكريا. تنازل تجسّد في إقرار بأحقّية الشعوب الثّائـرة‬
‫ّ‬
‫في تحقيق مصيرها وتملّك حقّها في األمن والسّيادة في محاالت عدة‬
‫لعل أهمها يتمثّل في األمن والسّيادة الغذائية.‬
‫ّ ّ‬
‫ّ‬
‫* وبشر بالفصل بين قيادة كانت تفرض ذاتها كقيادة تاريخية‬
‫ّ‬
‫مؤبّدة تحتكر لديها كل عناصر القوّة والهيمنة والجبروت وقيادة مؤمنة‬
‫بقيم الحرّية والعدالة والمساواة وبديمقراطية ذات نمط جديد يؤسّس‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫بموجبها لحق إرادة الشعب في إرساء خيار التّأصيل الملتزم بإطاره‬
‫الثّقافي الّذي يتبنّاه ويدافع عنه وهو ما به يحقّ‬
‫ق ذاته الوطنية كشعب‬
‫صاحب إرادة ال تنفصل عن تاريخ تؤبّد فيه إرادة التّجديد واإلصالح.‬
‫ّ‬
‫هذه القيادة هي الشباب الّذي اختبر كثير من أفراده لؤم االستبداد وعقم‬
‫ّ‬
‫تأبيد القيادة الّذي تتّكئ عليه قيادات االستبداد. ألم يمثّل الشباب المتعلّم‬
‫والجامعي قيادة حقيقية للحراك الطالّبـــي طيلـــة العشريـــة األخيــرة‬
‫من سنين الحكم البورقيبي وعشريتين من حكم بن علي.‬
‫* وكشف بكل وضوح ونقاء عما أسميناه « لؤم االستبداد وعقم‬
‫ّ‬

‫ّ‬
‫ّ‬
‫«بشر احلراك الثوري السلمي يف تونس بالفصل بني قيادة كانت تفرض ذاتها كقيادة تارخيية‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫مؤبدة حتتكر لديها كل عناصر القوة واهليمنة واجلربوت وقيادة مؤمنة بقيم احلرية والعدالة‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫واملساواة وبدميقراطية ذات منط جديد يؤسس مبوجبها حلق إرادة الشعب. »‬
‫ّ‬

‫63‬
‫في الثورة: يقولون « ثورة » في تونس مريضة، قلت‬

‫ّ‬
‫تأبيد القيادة » ليكون الشباب/القيادة الجديدة عاطال عن العمل أو يعيش‬
‫في وضع اجتماعي متدنٍّ . إن شبكة التّ‬
‫ّ‬
‫واصل االجتماعي أفصحت‬
‫ّ‬
‫عن نفسها كـ« محبرة » لكتاب الثّورة الّتي كتب بها الشباب عبارات‬
‫الرّفض للواقع المأزوم والمنبوذ وقرّر عبرها عدم المرور بوساطة‬
‫األحزاب السياسية.‬
‫ّ‬
‫* وتميّز الشباب/القيادة بالتّحرّر من قيود األيديولوجية ليختزل‬
‫ّ‬
‫رهانــــه االستراتيجــــي األوّل في شعـــار مركزي مجمع هو شعار‬
‫« ارحل».‬
‫ّ‬
‫2. الدولة: صورة مطابقة لألصل أم مناقضة لألصل‬
‫ّ‬
‫عبارة الفيلسوف االنجليزي « إنجلز » يعبّر فيها عن أن « الدولة‬
‫إذن ليست بحال سلطة مفروضة على المجتمع من خارجه، كما أنها‬
‫ليست كذلك « تجسيدا للفكرة األخالقية » « وصورة وحقيقة العقل» كما‬
‫ّ‬
‫يدعي هيغل »([1]) تبين في بعض مالمحها عن االستقالل والسّيادة‬
‫لدولة يكون أساسها ما يثبّت أحقّ‬
‫ّ‬
‫ية إرادة الشعب ووجوب فرضها على‬
‫تسلّط السّلطة الخارجية المفروضة من الخارج وفيها ما يبيّن أيضا‬
‫الخالص من التّبعيّة والتّحرّر ألجل األمن والسّيادة كرهانين متحقّقين‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫كما تبين في مالمح أخرى الخالص من الدغمائية الشمولية المفسدة،‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫حال هيمنتها على الدولة، للحرّية والعدالة. إن العقل، وإن اختزل آلية‬
‫ّ‬
‫إنشاء منظومة القوانين المدنية إالّ أنّه بنفس الدرجة في واجهة أخرى‬
‫ّ‬
‫يفهمه المستبدون آلية لإلجهاز على المخالفين وبه يبرّرون إقصاءهم‬
‫واستئصالهم.‬
‫ّ‬
‫« الدولة باألحرى هي نتاج للمجتمع عند درجة معيّنة من تطوّره،‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الدولة هي اعتراف بأن هذا المجتمع قد توّرط في تناقض مع ذاته غير‬
‫قابل للحلّ، وأنّه قد تصدع إلى تناقضات ال يمكن التّ‬
‫ّ‬
‫وفيق بينها وال‬
‫طاقة له بالخالص منها. ولكي ال تقوم هذه التّناقضات، هذه الطّبقات‬
‫ذات المصالح االقتصادية المتصارعة، باستهالك أنفسها والمجتمع في‬

‫نضال عقيم، أصبح من الضّروري قيام سلطة تقف في الظّاهر فوق‬
‫ّ‬
‫المجتمع، سلطة تهدئ الصّراع وتبقيه في حدود « النظام »، وهذه‬
‫السّلطة المنبثقة عن المجتمع والّتي تضع نفسها فوقه وتغترب عنه‬
‫ّ‬
‫أكثر فأكثر هي الدولة » ([2]) قول هو بدوره إلنجلز يضع حدودا‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫للدولة تفارق في ركن منها إرادة الشعب حينما تتعالى عليه وتوافق في‬
‫ركن ثان إرادة الشعب حينما تبرّر ضمنياتها وجاهة الثّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ورة على الدولة‬
‫المتعالية على إرادة الشعب. قد يتضمن إبرازا ألهمية الثّورة الّ‬
‫ّ‬
‫تي قد‬
‫ّ‬
‫يستوجب تحقّقها أن تكون عنيفة، وهو يقول في ذلك « فالعنف، على‬
‫ّ‬
‫أي حال يقوم كذلك بدور آخر في التّاريخ (غير دوره كقوّة وحشية)‬
‫ّ‬
‫بدور ثانوي، وبتعبير ماركس العنف يقوم بدور المولّدة لكل مجتمع‬
‫ّ‬
‫قديم حامل بمجتمع جديد وهو األداة التي تشق الحركة االجتماعية‬
‫بواسطتها الطّريق لنفسها وتحطّم األشكال السّياسية المتحجّرة والميّتة‬
‫([3]).‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫3. ثورة النخبة أم نخبة الثورة‬
‫ّ‬
‫المناص من إقرار يجب أن تفعم به الدراسات التّحليلية لرصيد‬
‫االندماج في واقع الثّورة وهو إدانة النّخبة التّونسية الّتي خسرت:‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫* شوط ادعائها بقيادة منظومة النّضال ضد نظام القمع واالستبداد،‬
‫* وشوط التّمويه من خالل معاشرة االستبداد الخفيّة والتّحالف‬
‫َ‬
‫الوثيق الصّامت بين نظام االستبداد في تونس خالل المرحلة البورقيبية‬
‫َ‬
‫(6591-7891) ومرحلة نظام بن علي (7891-0102) وبين النّخب‬
‫السّياسية.‬
‫كل ادعاء بأن ما حدث منذ 71 ديسمبر 0102 يمثّ‬
‫ّ ّ‬
‫ل ثورة حقيقية‬
‫هو ادعاء غير مكتمل الشرط ألن سياقات الثّورة تشترط التّحقّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ق‬
‫المكتمل والمتكامل وكل ادعاء بأن ذلك الحدث ال يمثّ‬
‫ّ‬
‫ّ ّ‬
‫ل ثورة حقيقية‬
‫هو ادعاء متجن ألن إبطاله واجب يشترط اعتباره مبشّ‬
‫ّ ّ‬
‫ّ‬
‫را بثورة عمقها‬
‫سوف يكون ثقافيا باإلضافة إلى أعماقه األخرى السّياسية واالقتصادية‬
‫واالجتماعية والتّنموية وعمق العمق سوف بكون الثّورة في وعي‬
‫شعب يراهن بصدق على ديمقراطية لن تكون إقصائية.‬
‫4. الهوامش‬
‫[1] و [2]- (إنجلز «أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة»، ص‬
‫771-871 من الطبعة األلمانية السادسة).‬
‫[3] - (أنجلز «أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة»، ص 391‬
‫من الطبعة األلمانية السادسة).‬
‫----------‬‫*باحث في الفكر السياسي‬
‫‪noomen_e@yahoo.com‬‬

‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫« كل ادعاء بأن ما حدث منذ 71 ديسمرب 0102 ميثل ثورة حقيقية هو ادعاء غري مكتمل الشرط ألن‬
‫ّ‬
‫ّ ّ‬
‫ّ ّ‬
‫ّ‬
‫سياقات الثورة تشرتط التحقق املكتمل واملتكامل »‬

‫73‬
‫أغاني الحياة‬
‫راجع راجع يا بالدي‬
‫ما أحلى الڨعدة ع الميّة‬
‫و ما أحلى الربيع..‬
‫وما أحلى الثورة التونسيّة‬
‫تضم الجميع‬
‫ّ‬
‫راجع راجع يا بالدي‬
‫عبر الجبال‬
‫وين تتالقى اندادي‬
‫على الساحة رجال‬
‫راجع راجع يا بالدي‬
‫عبر الحدود‬
‫وين تتالقى اندادي‬
‫على الساحة صيود‬
‫يا حاللي ويا مالي‬
‫يا وطنا يا غالي‬
‫يا علمنا يا غالي‬
‫يا شهيدنا يا غالي‬
‫غناء : شباب القصبة‬

‫لسماع األغنية على العنوان التالي:‬

‫‪http://www.youtube.com/watch?v=Irt5kP_T-oM‬‬

‫83‬

‫راجع راجع يا بالدي‬
‫عبر البحار‬
‫وين تتالقى اندادي‬
‫على الساحة أحرار‬
‫فوق التل و تحت التل‬
‫و بين الوادي و الوادي‬
‫وين تسأل عنّي‬
‫تندل‬
‫تلقاني وتلقى أوالدي‬
‫يا امي يا اخواتي‬
‫ال تحزنون‬
‫نور الثورة في قلبي‬
‫مازال حي‬
‫مين اللّي خان ترابك‬
‫يا تونس مين‬
‫غير الخونة والعمالء والرجعيين‬
‫قبل الوداع‬
‫بيت العنكبوت‬
‫بقلم : لطفي الدهواثي*‬
‫ظل المتابعون للشأن السياسي في الوطن العربي يصفون اإلحتقان‬
‫السائد في كثير من البلدان العربية بأنه المقدمة الطبيعيـــة للثورات‬
‫التي ستعقب هذا اإلحتقان ولكنهم اختلفوا في مقدار الزمن الالزم‬
‫لحدوث أي تغيير كما اختلفوا في تقدير درجاته من بلد إلي آخرغير أنه‬
‫ّ‬
‫كان من شبه الحاصل أن أحداثا كبرى ستحدث في بلدان مرشحة قبل‬
‫غيرها لزلزال اجتماعي وسياسي لم يعد منه بد.‬
‫ّ‬
‫وصلت األمور في مصر وفي ليبيا وفي سوريا مثال الي الحد‬
‫الذي لم يعد من الممكن السكوت عليه، حيث بلغت األنظمة السياسية‬
‫الحاكمة في هذه البلدان قدرا كبيرا من الشيخوخة والفساد والقمع‬
‫وصل ببعضها حد توريث الحكم عنوة ومن دون اإللتفات الي رأي‬
‫ّ‬
‫الشعــب فى هذا التوريث، فكانت هذه البلدان الثالثة المرشحة قبل‬
‫غيرها لحدوث الثورات. غير أن المفارقة الكبري كانت قيام الثورة‬
‫في تونس ونجاحها السريع في انهاء ديكتاتورية بغيضة جثمت على‬
‫صدور الناس ألكثر من عقدين. فهل كانت تونس حقا أرضا خصبة‬
‫لحدوث زلزال سياسي كالذي حدث ؟ وهل كان الشعب التونسي يعد‬
‫لثورته على مهل أم أن ما حدث كان مفاجئا حقا للنظام وللثوار والنخب‬
‫على حد السواء؟ من هنا يبدأ اإلختالف.‬
‫بدأ المخلوع حكمه ببيان أصدره يوم تولّيه نسجه كما ينسج‬
‫العنكبوت بيته وعد فيه الناس بعهد جديد، فخرج الكثير منهم مهللين‬
‫لهذا العهد الذي ال ظلم فيه وال حيف وال بقاء مدى الحياة ولكن سرعان‬
‫ما انكشف المستور وبدأ النظام الجديد يحوّل خيوط العنكبوت الى بيت‬
‫منسوج بإحكام. سنوات قليلة مرت ليجد المهللون أنفسهم من جديــد‬
‫فى قبضة نظام مستبد أتقن لعبة التحالفات وأطبق على المعارضة‬
‫وأزال من أمامه كل العقبات، ولم يعد هناك صوت يعلو فوق صوته‬
‫ّ‬
‫وهكذا يوما بعد آخر وسنة بعد أخرى والهوّة بينه وبين الشعب تزداد‬
‫حتى تحولت الي قطيعة، فتململ هنا وهناك، فثورة عاصفة أطاحت به‬
‫في أقل من شهر و «إن أوهن البيوت لبيت العنكبوت» .‬
‫ّ‬
‫ال يوجد أي شك عند المتتبعين المتبصّرين ليوميات الثورة في كون‬
‫النطام سقط بسرعة ولم يصمد بالقدر المطلوب من نظام أتقن البقاء‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫لمدة عقدين من الزمن لم يعرف فيهما هزات تذكر باستثناء انتفاضة‬
‫الحوض المنجمي ولعل ذلك من األسباب التى أدت بالكثيرين الى الشّ‬
‫ّ‬
‫ك‬
‫ّ‬
‫في أن الثورة حدثت أصال، ومنهم من يتحدث الى اآلن عن شيء ما‬
‫ّ‬
‫حدث هو الذي أدى الى فــرار المخلــوع بتلك السرعـــة، معتقديــن‬
‫أنه لم يحم كرسيه بالقدر الذي يتطلّبه طول التنعّم بالكرسي مما يعني‬
‫فى المحصلة أنه دُفع الى الفرار دفعا من جهة مجهولة هي من تولّت‬
‫بعده مهمة إدارة األمور. ومثل هؤالء يغفلون فى نظرنا أن طول البقاء‬
‫بال كلفة تذكر، ال يعني أبدا أن النظام كان يحكم البلد بأريحية وال أنـه‬

‫لم يكن نظاما غبيا يحكم من خالل توليد الكذب بعضه من بعض، غافال‬
‫عن كون الكذب وتدليس األرقام وطمس الحقائـــق وتضخيم القليــل‬
‫من المنجز ال يستطيع وحده أن يطيل البقاء‬
‫لسنا ممن يستبعد تدخل الخارج في الشأن الداخلي، فالخارج لم يكن‬
‫بعيدا عن البداية. فال مجال إذن الستبعاده من رسم النهاية السريعة‬
‫ّ‬
‫ولكن هذا الخارج لم يكن يعمل مع النظام المنهار فقط وإنما كان يمد‬
‫خيوط الوصل مع النّخب المعارضة ومع الالّعبين الرئيسين والثانويين‬
‫فى المشهد السّياسى التّونسى حتى ال تخـــرج األمــور عن سيطرتــه‬
‫ّ‬
‫بعد أن وعى جيدا الدرس اإليراني ولم يعد من الجائز السماح بتكراره،‬
‫غير أننا نرى أيضا أن ما حدث كان مفعما بعبقرية الشعوب التائقة‬
‫للمجد والحرّية والتّقدم، وأن الشعوب إذا أرادت إنجاز شيء فإنها‬
‫تنجزه على النحو الذى تراه وفى المدة التى تهتدي إليها . وهذه العبقرية‬
‫ال تصنع فى المخابر وال تنشأ بين يوم ليلة وإنما هى المحصلة الطبيعية‬
‫لطول المكابدة والمعانات وهي الثمرة الزكيّة لكل التضحيات المبذولة‬
‫قرنا بعد قرن وعهدا بعد عهد وجيال بعد جيل، فكم عاني التونسيـون‬
‫من حكم البايات ومن كان قبلهم وكم قاسوا من ظلم المستعمـر الوافد‬
‫ّ‬
‫حتى جاءت دولة اإلستقالل بغير ما كانوا يرجونه منها، وصارت أشد‬
‫عليهم ممن كان قبلها، فال غرابــة إذن أن تجتمـــع اإلرادة الكليـــة‬
‫على رأي هو الثورة على الطاغوت وقطع حبل الكذب نهائيـا ونعم‬
‫ما كان.‬
‫المصريون والليبيون والسوريون واليمنيون كانوا سواء فى توقهم‬
‫للحرية والكرامة واإلنعتاق وهم كانوا األقرب للثورة من غيرهم ولكن‬
‫تفاصيل األشياء كالجغرافيا والمحيط وطبيعة األنظمة السائدة من حيث‬
‫ّ‬
‫حجم العنف الذي كانت تمارسه على هذه الشعوب، كلها عوامل أدت‬
‫الى بعض التأثير مما أتاح للشعب التونسي أن يكون له شرف السبق‬
‫ولكن العبقرية واحدة وإن اختلفت منجزاتها .‬
‫ثارت هذه الشعوب كلها بكلفة كانت عند بعضها أشد إيالما من‬
‫المتوقع ومن هذه الثورات ما أسقط بتدبير ومنها من لم يكتمل مخاضها‬
‫بعد وقد يجري إسقاطها هي أيضا، ولعل هذا ما يدعونا للتأمل بدقة‬
‫في مسار هذه الثورات من البداية الى اللحظة الراهنة لعلنا نستطيع أن‬
‫ّ‬
‫نتبيّن األخطار التى تحف بهذه الثورات وبالعبقريات التى أنجزنتها‬
‫حتى ال تحولها النخب الفاسدة والمتناحرة الى بيوت أخرى من بيوت‬
‫العنكبوت وحينها سوف نندم جميعا حين ال ينفع الندم .‬
‫-------------‬‫* مستشار في الخدمة اإلجتماعيّة‬
‫‪lotfi.dahwathi@gmail.com‬‬

‫93‬
‫ّ‬
‫مجلة‬

‫اإلصالح‬
‫محاولة "الكترونية" للتأسيس لدوريات سياسيّة فكرية‬
‫ذات منحى إصالحي .. نريد من خاللها المشاركة في بلورة‬
‫فكرة وسطيّة تتفاعل مع محيطها وتقترح عليه الحلول‬
‫لمختلف مشاكله الفكرية والسياسية واالجتماعية. نريدها‬
‫حاضنة ألفكـار ورؤى تناضـــل من أجل بناء دولة فلسفتها‬
‫خدمة المواطن، ومجتمع مبني على التعاون والتآزر‬
‫والعيش المشترك في كنف الحريّة والمساواة . نريدها‬
‫منبرا للتحليل واقتراح البديل من دون تشنّج إيديولوجي‬
‫وال تعصب لفئة دون أخرى. نحلم أن نواصل مـــا بدأه‬
‫ّ‬
‫المصلحـــون، دون تقديـــس لهم أو اجتـــرار ألفكارهم.‬
‫ننطلق من الواقـــع الذي نعيــش فيــه، متمسكين بهويتنا‬
‫العربيـــة االسالميــــة ومنفتحيــن علــى العصـر وعلى كل‬
‫فكرة أو مشروع يؤدّي إلى اإلصالح .‬

‫دورية نصف شهرية‬
‫ّ‬
‫توزع مجانا عبر البريد اإللكتروني.‬
‫ّ‬
‫مدير المجلّة‬
‫فيصل العش‬
‫‪faycalelleuch@gmail.com‬‬
‫العنوان اإللكتروني للمجلّة‬
‫‪Alislah.mag@gmail.com‬‬
‫الموقع اإللكتروني للمجلّة‬
‫‪www.alislahmag.com‬‬
‫لإلشتراك في المجلّة‬
‫الرجاء ممن يرغب في الحصول على نسخة منها‬
‫إرسال عنوانه االلكتروني على العنوان االلكتروني‬
‫للمجلّة أو عنوان مديرها‬
‫للمشاركة في الكتابة‬
‫نرجو من األخوة واألصدقاء الذين يرون في أنفسهم‬
‫القدرة على الكتابة ( المقال - الشعــر - القصة .....)‬
‫ّ‬
‫أو لرسم الكاريكاتور ويريد ون المساهمة في المجلّ‬
‫ة‬
‫"مجانا" أن يرسلوا إنتاجهم علـى نفـــس العنـــوان‬
‫ّ‬
‫مع صورة رقمية لشخصه .‬
‫للمجلة كامل الصالحية في نشر أو رفض المشاركات.‬
‫ال تقبل المشاركات التي تدعو إلى العنف أو التمييز‬
‫على أساس الجنس أو العرق أو الدين أو فيهـا شتـم‬
‫أو معلومات من دون ذكر المصدر.‬
‫يتحمل الكاتب مسؤولية أفكاره وكتاباته.‬
‫ّ‬
‫صفحة الفايس بوك‬
‫‪alislah.mag‬‬

‫موعدنا يتجدد معكم‬
‫إن شاء اهلل‬
‫يوم 32 ربيع األول 5341‬
‫42 جانفي 4102‬

الاصلاح

  • 1.
    ‫اإلصالح‬ ‫﴿ إن أريدإ ّ اإلصالح ما استطعت‬ ‫ال‬ ‫وما توفيقي إ ّ باهلل﴾‬ ‫ال‬ ‫( قرآن كريم)‬ ‫العدد السابع واألربعون السنة الثانية 8 ربيع األول 5341 - - جانفي 4102‬ ‫العدد الثامن والعشرون السنة الثانية - 9مجادى الثانية 4341 0191 أفريل 3102‬ ‫بعد ثالث سنوات من الثورة..حقيق بنا أن نفصح..‬ ‫بقلم : محمد القوماني‬ ‫الثورة التونسية وصناعة الحياة‬ ‫بقلم : د. حسن الطرابلسي‬ ‫ما هكذا تبنى األوطان، ما هكذا تنهض األمم ...‬ ‫بقلم : شكري عسلوج‬ ‫في السؤال القديم المتجدد:‬ ‫الثورة العربية بين الممكن والمستحيل‬ ‫بقلم : د.محمد الحاج سالم‬
  • 2.
    ‫األولى‬ ‫بسم هللا والصالةوالسالم على رسول هللا‬ ‫ّ‬ ‫ما حدث قبل ثالث سنوات كان حدثا جلال ال ريب فيه شد إليه أنظار العالم كلّه وأخرجنا نحن العرب من سباتنا العميق ومن واقع طغى عليه‬ ‫االستبداد والظلم والقهر. لقد غيّرت األحداث التي اندلعت في تونس ثم انتشرت كانتشار النار في الهشيم في بقية الدول العربية موازين القوى‬ ‫وأسقطت عددا من رؤوس األنظمة االستبدادية الفاسدة ومارست الشعوب ألول مرّة في تاريخها حقّها االنتخابي بكل حرّية وشفافية وأتت بمن‬ ‫ّ‬ ‫كان في السجون إلى سدة الحكم. غير أن األمور لم تسر كما تمنّتها الشعوب العربيّة وتحوّل الربيع العربي إلى خريف تساقطت معه المكاسب كما‬ ‫تتساقط أوراق الشجر وتحوّل الحلم العربي إلى كابوس مخيف يعلم هللا وحده متى تستيقظ منه الشعوب.‬ ‫فبدال من حصول انتقال من االستبداد والقمع إلى الحرّية والديمقراطية ومن نظام الشخص الواحد إلى نظام ديمقراطي ومن حكم العائلة إلى‬ ‫حكم الشعب عبر إرساء دعائم نظام يقوم على المواطنة ، عاد النظام القديم في اليمن في جلباب جديد وانقلب العسكر على الرئيس الشرعي في‬ ‫مصر ودخلت ليبيا في دوامة حرب العصابات ونظام الالدولة وتحولت سوريا إلى حلبة قتال عنيف راح ضحيّته عشرات اآلالف من المدنيين‬ ‫ّ‬ ‫السوريين من أطفال ونساء وشيوخ. أما تونس فقد شهدت عودة االغتياالت السياسية وأصبحت البالد تودع أزمة لتستقبل أخرى أعنف منها فهل‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫هذا هو النتاج الطبيعي للفترة االنتقالية التي تعرفها كل الثورات ؟ وهل تدخل هذه االضطرابات والتجاذبات ضمن إرهاصات الثورة؟ أم أنها‬ ‫ّ‬ ‫االنتكاسة والعودة إلى نقطة الصفر؟ وهل ما يحدث اليوم سببه فشل النخبة السياسية التي تسلّمت زمام األمور في تحقيق الشعارات التي رفعتها‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الجموع الثائرة وفي استعادة أمن واستقرار البالد ؟، أم أن قوى الردة أو ما يصطلح على تسميته بقوى الثورة المضادة قد بدأت تأخذ بزمام األمور‬ ‫بعد أن فرضت وجودها في غياب قرارات ثورية لتحصين الثورة؟ أم أن األمر مرتبط أساسا بعوامل خارجيّة ضاغطة ومتحكمة في األحداث؟‬ ‫أسئلة عديدة تطرح نفسها ونحن نحتفل بالذكرى الثالثة الندالع الثورات العربية ، لعلّنا نفهم ما حدث وما يحدث وما سيحدث في المستقبل.‬ ‫يرى البعض أن القوى االستعمارية التي كانت تساند الطواغيت قد استفاقت بسرعة من صدمتها بعد أن فاجأها الزلزال العربي واستطاعت‬ ‫بحكم حنكتها ودهاء سياسييها من جهة وضعف خبرة القوى التي أتت بها الثورة وعدم توحّدها من جهة أخرى بأن تأخذ من جديد بزمام األمور‬ ‫وتتحكم في العملية السياسية بدول «ثورات الربيع العربي» وتوجهها نحو إجهاض عملية االنتقال الديمقراطي أو على األقل تشويهه بما يضمن‬ ‫مصالحها االستعمارية وتبعية األنظمة الجديدة لمنظومتها.‬ ‫ويرى البعض اآلخر بأن ما حدث خالل السنوات الثالث أمر طبيعي ذلك أن الثورة ليست عمال محدودا في الزمان والمكان وإنما هي عمل‬ ‫معقّد من حيث تداخل عناصره وارتباطه بالواقع الجيو- سياسي واالجتماعي وهو أيضا شاق ومضن يتطلب الكثير من التضحيات والصبر والعمل‬ ‫ٍ‬ ‫واليقظة فال يمكن حرق مراحل الثورة أو استعجال قطاف ثمارها. وما يحدث اليوم في تونس أو في مصر إنما هي تحوالت طبيعيّة ومتوقعة فقوى‬ ‫ّ‬ ‫الثورة المضادة والمعارضة للنظام الجديد تتوحّد وتسعى جاهدة إلفشال المسار الثوري لكنها ستفشل حتما بقرار سنن التاريخ حتّى وان اعترت‬ ‫هذا المسار هزّ‬ ‫ات ومطبّات ألن ما يحدث اليوم إنما هو استكمال متأخر لموجة الديمقراطية الثالثة على رأي المفكر األمريكي الراحل صموئيل‬ ‫هنتنغتون التي شملت دول من أوروبا الشرقية وأمريكا الالتينيّة وبعض الدول اإلفريقية أو هو بداية لموجة ديمقراطية رابعة انطلقت من تونس‬ ‫لتنخرط فيها بقية الدول العربية وغيرها التي مازال يحكمها االستبداد والقمع.‬ ‫ونحن نرى أن تفسير ما حدث خالل السنوات الثالث الماضية يحتمل شيئا من هذا وشيئا من ذاك . لقد قررت الشعوب العربية بانتفاضتها أن‬ ‫ّ‬ ‫تنخرط في عمليات التحرر من أنظمة االستبداد والتسلط والتماس طريقها نحو االنتقال الديمقراطي برغم أنف قوى الشد إلى الوراء ومن تساندها‬ ‫َ ِ ُ‬ ‫ْ‬ ‫من قوى استعمارية وقوى معادية لهذه األمةّ تخشى نهضتها وستتحقق إرادتها بعون هللا « ونُريد أَن نَّمن علَى الَّذينَ استُضْ عفُوا فِي الأَْرْ ض‬ ‫ُ َّ َ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫َ َ ِّ‬ ‫َ َ َ ُ َ َ ِ ْ َّ َ‬ ‫ونَجْ علَهُم أَئِمةً ونَجْ علَهُم الوارثِينَ (5) ونُمكنَ لَهُم فِي الأَْرْ ض ونُري فِرْ عَوْ نَ وهَامانَ وجنُودهُما منهُم ما كانُوا يَحْ ذرُونَ (6)» سورة القصص .‬ ‫ْ‬ ‫َ َ ْ َّ َ َ ُ ْ َ ِ‬ ‫ِ َ ِ‬ ‫غير أن النجاح في تحقيق هذه اإلرادة ال يمكن أن يحصل إال عبر العمل المشترك في المسارات الثالثة التالية: السياسية والثقافية واالقتصادية.‬ ‫فالمواطن العربي الذي ثار على االستبداد يرى أن أولوياته تكمن في تحسين األوضاع االقتصادية وتحقيق االستقـــرار واألمـــن وهذا ال يمكــن‬ ‫ّ‬ ‫أن يتحقق إالّ عبر إرساء نظام ديمقراطي حقيقي يرتكز على ثقافة المواطنة الغائبة إلى حد اآلن وهو ما يتطلب توحيد الجهود إلنجاز ثورة ثقافية‬ ‫تنسف ثقافة االستبداد واألنانية والفوضى وتكرّس بديال وطنيّا قائما على االحترام المتبادل بين الدولة والمواطن وبين المواطنين أنفسهم وهو عمل‬ ‫صعب وشاق ال نرى مكونات المجتمع المدني من جمعيات ومفكرين ومثقفين قد انطلقوا في انجازه بعد.‬ ‫سيبقى تحول الشعوب العربية من واقع االستبداد والتهميش إلى واقع السيادة والمواطنة أعرجا ما لم تصاحبه ثورة ثقافية شاملة وحركة‬ ‫اقتصادية تعمل في كل االتجاهات وتؤسس على حبّ العمل واالستثمار في الوطن ومن أجل الوطن وستبقى المرحلة القادمة مفتوحة على كل‬ ‫االحتماالت مادامت القوى السياسية والمجتمعية تفتقر إلى رؤية مستقبلية مشتركة، أو متقاربة بالحدود الدنيا المطلوبة.‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫فهل ستتواصل الهزات واالرتدادات واألزمات خالل هذا العام الجديد أم ستعرف مختلف القوى كيف تضع القطار على السكة الصحيحة‬ ‫لينطلق نحو الهدف المنشود؟ سؤال نختم به مصافحتنا وللحديث بقية.‬ ‫-------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------- المهندس فيصل العش‬ ‫2‬
  • 3.
    ‫الفهرس‬ ‫بهدوء‬ ‫بعد ثالث سنواتمن الثورة..حقيق بنا أن نُفصح..‬ ‫مجرّد رأي‬ ‫الدستور التونسي والمنزلة بين المنزلتين‬ ‫في الصميم‬ ‫األمة في حاجة إلى «رجال مبادئ»‬ ‫وليس إلى حوار «الطرش»‬ ‫حوار حول الثورة‬ ‫في السؤال القديم المتجدّد:‬ ‫الثورة العربيّة بين الممكن والمستحيل‬ ‫نقاط على الحروف‬ ‫ما هكذا تُبنى األوطان، ما هكذا تنهض األمم ...‬ ‫تمتمات‬ ‫وأخيرا نجحنا‬ ‫الكلمة الحرّة‬ ‫ّ‬ ‫اإلسالميّون والثورات العربيّة ... على سرير بروكوسْتْ‬ ‫همسات‬ ‫هل هي ثورة فعال ؟ هل هي انتفاضة ؟‬ ‫هل هي مسار ثوري ؟ أم ماذا ؟‬ ‫في العمق‬ ‫الثورة التونسية وصناعة الحياة‬ ‫وجهة نظر‬ ‫الثورة التونسية بين عفن الموروث و معلمة الكهنوت‬ ‫في التحليل السياسي‬ ‫الثورة التونسية : من إسقاط النظام إلى عودة األزالم.‬ ‫مدى النجاح أو الفشل !...‬ ‫من وحي الحدث‬ ‫صعوبات اإلنتقال الديمقراطي في دول الربيع العربي‬ ‫بال حدود‬ ‫في الثورة: يقولون « ثورة » في تونس مريضة، قلت‬ ‫أغاني الحياة‬ ‫راجع راجع لبالدي‬ ‫قبل الوداع‬ ‫بيت العنكبوت‬ ‫محمد القوماني‬ ‫4‬ ‫عادل السمعلي‬ ‫9‬ ‫د. مصباح الشيباني‬ ‫01‬ ‫د. محمد الحاج سالم‬ ‫21‬ ‫شكري عسلوج‬ ‫61‬ ‫رفيق الشاهد‬ ‫91‬ ‫عبداللطبف علوي‬ ‫02‬ ‫إسماعيل بوسروال‬ ‫32‬ ‫د. حسن الطرابلسي‬ ‫52‬ ‫طه مصدق كعنيش‬ ‫82‬ ‫علي الطرهوني‬ ‫03‬ ‫محمد الطرابلسي‬ ‫43‬ ‫نعمان العش‬ ‫63‬ ‫غناء شباب الثورة‬ ‫83‬ ‫لطفي الدهواثي‬ ‫93‬ ‫3‬
  • 4.
    ‫بهدوء‬ ‫ُ‬ ‫بعد ثالث سنواتمن الثورة..حقيق بنا أن نفصح..‬ ‫بقلم : محمد القوماني*‬ ‫ّ‬ ‫يحيـي التونسيــون الذكــرى الثالثــة لثــورة الكرامــة والحريـــة‬ ‫ّ‬ ‫71 ديسمبر/ 41 جانفي، مرة أخرى في ظل حالة من االنقسام السياسي‬ ‫الذي لم يسمح حتّى اآلن باالتفاق على تاريخ موحّد لذكرى الثورة‬ ‫ّ‬ ‫فضال عن أنشطة مشتركة لالحتفال بها، ووسط مخاوف متعددة‬ ‫وخاصة منها األمنية، لم تتح فرصة لمعنى االحتفال أصال منذ هروب‬ ‫الدكتاتور. وفي انتظار النتائج النهائية للحوار الوطني على جميع‬ ‫المسارات، الذي مازالت بعض اآلمال معلّقة عليه، رغم الصعوبات‬ ‫والخيبات، في تجاوز األزمة السياسية خاصة، وإحياء ذكرى الثورة‬ ‫يوم 41 جانفي 3102 في أجواء احتفالية وتضامنية، في انتظار ذلك،‬ ‫وبعد ثالث سنوات من الثورة المجيدة، وبعد أن ابتعدنا نسبيا عن أجواء‬ ‫الضغط بأنواعه وتراجعت العواطف لتفسح المجال للعقل بالمراجعة‬ ‫والتحليل، نرى من حقّنا ومن واجبنا في آن، أن نفصح عن بعض‬ ‫ّ‬ ‫المعطيات واالستنتاجات التي نقدر أن الوضوح فيها بات مطلوبا بل‬ ‫شرطا للنجاح في استكمال المسار الديمقراطي وتحقيق أهداف الثورة.‬ ‫1 ـ ثورة حقيقية‬ ‫بعيدا عن الجدال العقيم أحيانا حول مفاهيم الثورة واالنتفاضة‬ ‫واالحتجاج والغضب والتمرّد وغيرها من المصطلحات التي يختلف‬ ‫المحللون في أيّهـــا األنسب فــي توصيف مــا حصــل بتونس ما بين‬ ‫71 ديسمبر 0102 و41 جانفي 1102، يسلّم الجميع بأن أقل من‬ ‫شهر من التحركات الشعبيّة التي انطلقت من سيدي بوزيد وامتدت إلى‬ ‫القصرين بالوسط الغربي التونسي لتأخذ منعرجا حاسما، ولتعم مختلف‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الواليات بدرجات متفاوتة من االحتجاج، كانت كفيلة بوضع حد لنظام‬ ‫بوليسي كان يُنظر إليه على أنه من أعتى الدكتاتوريات في المنطقة.‬ ‫تساءلت شخصيّا في مقال نشرتة مطلع جانفي 1102 بعنوان: الغضب‬ ‫االجتماعي بالوسط التونسي: هل يكون البداية؟ (1) وجاء الجواب‬ ‫ّ‬ ‫سريعا. ولعلّه من المفيد أن أذكر ببعض المقتطفات من ذلك المقال‬ ‫ألهميتها في إضـــاءة جوانب مــن واقع الحــال، والتي ذكرت فيها أن‬ ‫« تحرّكات الغضب االجتماعي بوالية سيدي بوزيد بالوسط التونسي‬ ‫التي امتدت على مدى األسبوعين األخيرين من سنة 0102، وجّهت‬ ‫ضربة موجعة للخطاب السياسي الرسمي القائم على جُمل دعائية‬ ‫ُ‬ ‫مفادها : «نجحنا ..ورضي المواطنون.. وشهد لنا العالم ..وسنواصل».‬ ‫كما شكلت تلك التحركات بتلقائيتها وخلفياتها االجتماعية وما القته من‬ ‫تجاوب في بقية جهات البالد وما حظيت به من دعم سياسي وتغطية‬ ‫إعالمية واسعة، فرصة استثنائية للوقوف على قضايا وطنية في غاية‬ ‫األهمية». وأضفت أن «تحركات الغضب االجتماعي بوالية سيدي‬ ‫بوزيد خاصة، وما سبقها من أحداث بالحوض المنجمي وبجهات‬ ‫ّ‬ ‫أخرى تؤشر على أن االنجازات دون المطلوب، وأن ثمار التنمية‬ ‫تحتاج إلى عدل أكبر في التوزيع، وأن الرضا عن النفس مضرّ، وأن‬ ‫صبر المواطنين محدود، وأن استحسان األجانب ال يصمد أمام مظاهر‬ ‫الغضب الشعبي. وأن مراجعات جوهرية باتت متأكدة لمنوال التنمية‬ ‫في الثقافة التي يستند إليها وفي األهداف التي يضعها وفي قاعدته‬ ‫االقتصادية بالداخل والخارج وفي الخيارات التي ينتهجها والسياسات‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫التي يعتمدها». وشددت على أن «المعارضة بجميع أطيافها، بأحزابها‬ ‫وجمعياتها، وبنشطائها السياسيين والحقوقيين، لم تُوفّ‬ ‫ق في الصياغة‬ ‫المناسبة للتّالزم بين الحقوق المدنيّة والسياسيّة والحقوق االقتصاديّة‬ ‫واالجتماعيّة، وبين مطالب الحرّيات الفرديّة والعامة ومطالب تحسين‬ ‫ّ‬ ‫ظروف عيش المواطنين. ولذلك تُربك االحتجاجات االجتماعية في كل‬ ‫ُ‬ ‫مرة المعارضة في خطابها وأجندتها.» ولست أبالغ حين أقول اليوم‬ ‫أننا بعد ثالث سنوات من ثورة 71 ديسمبر لم نستخلص الدرس في‬ ‫ّ‬ ‫الممارسة سلطة ومعارضة، ولم نوف حقوق الشهداء رحمهم هللا تعالى‬ ‫والجرحى والمستضعفين الذين فجروا تلك الثورة العظيمة، وما زال‬ ‫الوضع تقريبا على حاله.‬ ‫هرب المخلوع وبعض أفراد عائلته مساء يوم 41 جانفي 1102،‬ ‫وانزاح عن تونس كابوس االستبداد والفساد. تحرّر التونسيون ودخلوا‬ ‫في أجواء ما تواضعوا على تسميته بالثورة، التي دخلوا في حركيتها بعد‬ ‫41 جانفي بأعداد أكبر بكثير مما حصل قبل ذلك. تسارعت األحداث‬ ‫وسط مخاوف أمنية جمة وتضامن شعبي الفت في حماية األحياء‬ ‫ّ‬ ‫والممتلكات العامة والخاصة وفي ظل غموض في تفسير ما يحدث.‬ ‫غادر نزالء السجون من السياسيين وأصحاب الرأي خاصّة مواقعهم‬ ‫وعاد المهجّرون قسريّا تباعا. نشطت األحزاب والجمعيات بعد إعالن‬ ‫العفو التشريعي العام وإطالق حرية التنظّم القانوني. تغيّرت مالمح‬ ‫اإلعالم الخشبي وارتفع منسوب حرية التعبير إلى درجات قياسية.‬ ‫قادت بعض التحركات التلقائية في اإلدارة والمؤسسات والمدن والقرى‬ ‫إلى إجبار مسؤولين في العهد البائد على التنحّي تحت شعار «ديقاج»‬ ‫واستبدالهم بآخرين، وشملت العملية حتى بعض أئمة المساجد. كثر‬ ‫الجدال واللغط في أغلب األحوال حول الماضي والحاضر والمستقبل‬ ‫وتوّجت المرحلة االنتقالية األولى التي اعتمدت على «التوافق»‬ ‫بانتخابات المجلس الوطني التأسيسي يوم 32 أكتوبر 1102 التى أشاد‬ ‫الجميع في الداخل والخارج بنزاهتها واعتبارها أول انتخابات حرّة‬ ‫«أننا بعد ثالث سنوات من ثورة 71 ديسمرب مل نستخلص الدرس يف املمارسة سلطة ومعارضة،‬ ‫ّ‬ ‫ومل نوف حقوق الشهداء رمحهم اهلل تعاىل واجلرحى واملستضعفني الذين فجروا تلك الثورة‬ ‫العظيمة، وما زال الوضع تقريبا على حاله . »‬ ‫4‬
  • 5.
    ‫ُ‬ ‫بعد ثالث سنواتمن الثورة..حقيق بنا أن نفصح..‬ ‫وتعددية وشفافة في تاريخ تونس.‬ ‫انتصب مجلس تأسيسي منتخب من المعارضين السابقين في‬ ‫أغلبيته الساحقة، وإن بدا كثير منهم من غير المعروفين، واختار‬ ‫أعضاء المجلس المعارض البارز مصطفى بن جعفر رئيسا له. تم تسليم‬ ‫ّ‬ ‫السلطة للفائزين في االنتخابات وسط أجواء الفتة وصفت بالمتحضّرة‬ ‫ُ‬ ‫والديمقراطيّة. دخل المنصف المرزوقي، المعارض الشرس لبن علي،‬ ‫قصر قرطاج رئيسا لتونس. ودخل حمادي الجبالي السجين السياسي‬ ‫من حركة النهضة المحظورة سابقا، قصر القصبة، رئيسا لحكومة كان‬ ‫كثير من أعضائها من المساجين السياسيين والمهجّرين والمعارضين‬ ‫البارزين. وكانت كل هذه التحوّالت التي حاولنا اختزالها في العناوين‬ ‫الكبرى أدلّة قاطعة على أن تغييرات كبرى قد حصلت في الحكم وفي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫المجتمع، يحق وصفها بالثورة دون تردد. ثورة شدت أنظار العالم‬ ‫وشاع خبرها، وسرعان ما انتقل فتيلها إلى ربوع عربيّة أخرى في‬ ‫مصر وليبيا واليمن والبحرين وسوريا، وكان انتصار الثورة في مصر‬ ‫وليبيا خاصة خير سند للثّورة التونسيّة.‬ ‫2 ـ ثورة مخصوصة‬ ‫خالل ثالث سنوات بعد الثورة تعاقبت علينا أربع حكومات‬ ‫ّ‬ ‫والخامسة في الطريق، لكن إلى حد اآلن ال توجد رواية رسميّة لما‬ ‫حدث في يوميّات الثورة وخاصة يوم 41 جانفي وما تاله. كما ال‬ ‫توجد روايات غير رسميّة موثوق بها ومتفق عليها. مازال التونسيون‬ ‫يتطلّعون إلى الحقيقة. من قتل الشهداء وأصاب الجرحى؟ ما حقيقة‬ ‫القنّاصة؟ ما الذي دفع بن علي إلى الهروب المفاجئ؟ ما تفاصيل‬ ‫ما جرى بقرطاج في الساعات األخيرة قبل الهروب وما تالها من‬ ‫قرارات؟ من كان يدير دفّة األمور ويقف وراء القرارات الحاسمة؟‬ ‫ما حجم التدخل الخارجي في األحداث والقرارات؟ من هي الجهات‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫المتدخلـــة؟ هل فر بن على أم أجبـــر علـــى المغــــادرة؟ ماذا حصل‬ ‫في صفوف قوات األمن والجيش؟ ما حقيقة محاوالت االنقالب‬ ‫ّ‬ ‫الفاشلــة أو المتضادة؟ ما جوهر الصّراع داخل النخبة الحاكمة وما هي‬ ‫ّ‬ ‫أطرافه؟ ما سر االعتقاالت في صفوف القيادات األمنية والسياسية؟‬ ‫هل حصلت صفقات سياسيّة من وراء ظهور عموم التونسيين؟...أسئلة‬ ‫عديدة لم تحسم أجوبتها ومعطيات كثيرة لم يتم الكشف عنها رغم‬ ‫أعمال اللجان العديدة التي تشكلت في الغرض ورغم مرور وقت ليس‬ ‫بالقليل. وهذا ما يزيد في صعوبة فهم ما حدث وفي تعقيدات الجدال‬ ‫النظري حول الثورة التونسية.‬ ‫رضي عموم التونسيين أن يتم التحول «الثوري» في إطار‬ ‫ّ‬ ‫«دستور» 9591 المنقّح مرارا على القياس، والذي طالما انتقدته‬ ‫المعارضة واعتبرته غطاء لالستبداد. وتم تنصيب رئيس «برلمان‬ ‫بن علي» السيد فؤاد المبزع رئيسا مؤقتا للجمهورية بعد الثورة.‬ ‫ودخلت وجوه بارزة من المعارضة في حكومة مع وزراء سابقين‬ ‫برئاسة السيد محمد الغنوشي الوزير األول في «حكومة بن علي»‬ ‫وبدا األمر أقرب إلى استمرار «حكم التجمع الدستوري» دون بن علي‬ ‫وعائلته. استمر غضب الشباب واحتجاجاتهم وتصاعد وهج الثورة في‬ ‫اعتصام القصبة1 واعتصام القصبة2 وتشكلت معارضة لهذا المسار‬ ‫في إطار «المجلس الوطني لحماية الثورة» الذي ضم أهم األحزاب‬ ‫ّ‬ ‫برعاية االتحاد العام التونسي للشغل والهيئة الوطنية للمحامين‬ ‫والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق اإلنسان، فكانت من نتائج تصاعد‬ ‫االحتجاجات والضغوط، استقالة حكومة السيد محمد الغنوشي وإعالن‬ ‫ّ‬ ‫الرئيس المؤقت إلغاء العمل بالدستور وحل الهيئات الدستوريّة القائمة‬ ‫وتحديد موعد النتخاب مجلس وطني تأسيسي. تشكّ‬ ‫لت في ظروف‬ ‫اعتراها كثير من الغموض حكومة جديدة برئاسة السيد الباجي قائد‬ ‫السبسي، الوزير األسبق في حكم الرئيس بورقيبة ورئيس برلمان‬ ‫أسبق في أوائل حكم بن علي، لتأمين االنتخابات واستكمال المرحلة‬ ‫االنتقالية التوافقية، وتواطأت مختلف األطراف السياسية واالجتماعية‬ ‫والمدنية في القبول بحكومة سي الباجي. وتم بعث «الهيئة العليا لتحقيق‬ ‫ّ‬ ‫أهداف الثورة واإلصالح السياسي واالنتقال الديمقراطي» برئاسة‬ ‫ّ‬ ‫السيد عياض ابن عاشور لتحل عمليّا مكان المجلس الوطني وتعمل‬ ‫ّ‬ ‫في إطار رسمي بالتعاون مع الحكومة، وبسقف أقل بكثير مما طرحه‬ ‫«المجلس الوطني لحماية الثورة» في التنقيحات التي اقترح إجراءها‬ ‫على المرسوم الرئاسي المحدث للهيئة العليا.‬ ‫هكذا بدت المرحلة االنتقالية األولى مزيجا من الخطابات والمطالب‬ ‫ّ‬ ‫والقرارات الثورية ومن القرارات واإلجراءات والممارسات المضادة‬ ‫للثورة. إذ تم من ناحية إقرار العفو التشريعي العام واعتقال بعض‬ ‫ّ‬ ‫رموز النظام السابق وحل التجمع الدستوري وإدخال تغييرات في‬ ‫وزارة الداخلية ومصادرة بعض األمالك المرتبطة بالرئيس السابق‬ ‫وعائلته وبشبكات الفساد المالي والتوجه إلى انتخاب مجلس وطني‬ ‫تأسيسي وتشكيل هيئة عليا مستقلة لالنتخابات...وتم من ناحية ثانية‬ ‫ّ‬ ‫وبالتّـــوازي، تالعب بجــزء مــن األرشيــف وتنقّــل مشبـــوه لألموال‬ ‫واستعادة بعض الوجوه والدوائر المرتبطة بالمنظومة القديمة لمواقع‬ ‫« خالل ثالث سنوات بعد الثورة تعاقبت علينا أربع حكومات واخلامسة يف الطريق، لكن إىل حد‬ ‫ّ‬ ‫اآلن ال توجد رواية رمسية ملا حدث يف يوميات الثورة وخاصة يوم 41 جانفي وما تاله. كما ال توجد‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫روايات غري رمسية موثوق بها ومتفق عليها. »‬ ‫ّ‬ ‫5‬
  • 6.
    ‫ُ‬ ‫بعد ثالث سنواتمن الثورة..حقيق بنا أن نفصح..‬ ‫النفوذ في اإلدارة واإلعالم واألمن والقضاء وتشكيل مجموعات من‬ ‫التجمع المنحل، الذي لم يتم تفكيكه، ألحزاب بعناوين جديدة، وغياب‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫أية رؤية أو توجّه جدي للمحاسبة والمصارحة والمصالحة وإلصالح‬ ‫المؤسسات والقطاعات وخاصة الداخلية والقضاء واإلعالم...‬ ‫تم التركيز قصدا، من بعض الجهات التي انتسبت إلى الثورة‬ ‫ّ‬ ‫مخاتلة، على أن الثورة التونسية تلقائية وسلمية، ال قيادة لها وال‬ ‫ُ‬ ‫دور لألحزاب السياسية فيها، وأنّ‬ ‫مطالبها اجتماعية وتنموية وليست‬ ‫سياسية، وذلك بغاية إفراغ الثورة من محتواها والمساواة بين المتسببين‬ ‫فيها بفسادهم وظلمهم من المنظومة القديمة والخاسرين لمواقعهم‬ ‫ومصالحهم بسببها، وبين المشاركين فيها من المكتوين بنار االستبداد‬ ‫ُ‬ ‫والفساد، من مختلف األجيال واالتجاهات الفكرية والسياسية، الذين‬ ‫راكموا أسبابها بنضاالتهم وتضحياتهم، والمستفيدين من هذه الثورة‬ ‫المباركة التي توّجت مسارا ولم تحصل فجأة كما يتم الترويج لذلك،‬ ‫بصرف النظر عن تعقيدات اليوميّات الحاسمة في الثورة والمتدخلين‬ ‫فيها والفاعلين في نتائجها.‬ ‫لهذه األسباب جميعا، ولتفاصيل أخرى يطول شرحها، يمكن‬ ‫القول أن ثورة الحرية والكرامة التونسية، ثورة حقيقية ال مصلحة‬ ‫في التشكيك فيها، للمنحازين إليها والمستفيدين من حصولها، لكنها‬ ‫ّ‬ ‫تبقى ثورة مخصوصة على غير مثال سابق، يتحدد مصيرها ومدى‬ ‫نجاحها في تحقيق أهدافها بمدى قدرة المدافعين عنها في مواجهة القوى‬ ‫المضادة للثورة وإحباط مخططاتهم إلفشال مسارها واالنقضاض على‬ ‫مكتسباتها. وأحسب أن االنتصار الحقيقي للثورة لن يكون بالمزايدة‬ ‫في االنتساب إليها والوصاية عليها بخطابات «ثورجية» تنفّر وال‬ ‫ّ‬ ‫تبشر، وتهدم وال تبني، وتفرّق وال تجمع، بل بخطاب إصالحي أصيل‬ ‫ّ‬ ‫وبدائل عملية تكشف قدرة على االقتراح، وتوازي بين الهدم والبناء‬ ‫وتقطع مع منظومة الفساد واالستبداد، دون أن تفرّط في المكاسب‬ ‫وتضم جهود المتأخرين لمن سبقهم في الخير واإلصالح.‬ ‫3 ـ مسار تأسيسي خاطئ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫تمر تونس بعد ثالث سنوات من الثورة بأزمة سياسيّة حادة، يحتدم‬ ‫فيها الصراع العاري حول الحكم ويضرب فيها اإلرهاب بقوة وتدخل‬ ‫أجهزة الدولة سرعة قصوى في مواجهته، وتتعاظم مخاطر االنهيار‬ ‫االقتصادي واالنفجار االجتماعي والفوضـــى وتتزايــــد التدخــــالت‬ ‫الخارجية في الشأن الداخلي ويُلقي الزلزال السياسي المصري بظالله‬ ‫على الساحة الوطنية. وتبدو األزمة الحالية وثيقة الصّلة بمسار ما بعد‬ ‫االنتخابات.‬ ‫لم يكن الخطأ في اختيار انتخاب مجلس وطني تأسيسي كما يرى‬ ‫البعض، فهذا االختيار يبدو أقرب إلى جوهر الثورة في النزوع إلى‬ ‫القطع مع منظومة الفساد واالستبداد، بل كان الخطأ في ضعف تمثّل‬ ‫مقتضيات التأسيس والتعاطي غير المناسب مع تلك المقتضيــــــــات.‬ ‫إذ تعكس األزمة الحالية في العمق، مأزق مسار تأسيسي خاطئ نبّهنا‬ ‫ّ‬ ‫إليه مبكرا حين قلنا بعد انتخابات 32 أكتوبر 1102 أن «استقطاب‬ ‫المشهد السياسي بين حكومة ومعارضة نراه غير صحّي في سياق‬ ‫ّ‬ ‫تأسيسي، يقتضي شراكة ال تطمس التعددية وحق االختالف.‬ ‫فاألطرف الحاكمة مهما كانت شرعيّتها، ال يمكن أن تستأثر بالمرحلة‬ ‫لوحدها. والشرعية االنتخابية غير كافية لممارسة السلطة. إذ ال يمكن‬ ‫الحكم بمنطق األغلبية في غياب دستور وعقد اجتماعي وسياسي‬ ‫واتفاق بين جميع األطراف على قواعد إدارة الحكم. كما أن األطراف‬ ‫ّ‬ ‫السياسية التي اختارت المعارضة مبكرا وصنعت حاجزا بينها وبين‬ ‫الحكومة، تتحمل المسؤولية في المشهد االستقطابي السلبي ومخاطره.‬ ‫فمن كان شريكا في الثورة، عليه أن يدافع عن حظوظه في المشاركة‬ ‫السياسية ويواصل إسهامه في إنجاح المرحلة وتحقيق أهداف الثورة.‬ ‫فالديمقراطية تكليف ومراقبة وليس تفويضا مطلقا ألي طرف.‬ ‫والتوازن ضروري للمجتمع في كل األحوال».(2)‬ ‫كانت فكرة الحكم من خالل ائتالف حزبي ثالثي اختيارا صائبا‬ ‫مقارنة بالتجربة المصرية على سبيل المثال، مع أن ذلك الثالثي لم‬ ‫يمنح الحكم الجديد السند السياسي الكافي لمواجهة تحديات كبرى بعد‬ ‫الثورة وإرث ثقيل لم يحسن الثالثي الحاكم تقديره. فالشرعية االنتخابية‬ ‫التي بالغت «الترويكا» في التذكير بها، لم تمنحها القوة السياسية‬ ‫المطلوبة للحكم وفرض التقيّد بالقانون. مما شجّع على االنفالت األمني‬ ‫واستفحال الجريمة بأنواعها وتهديد الممتلكات الخاصة والعامة وتهديد‬ ‫الحريات والعجز عن التحكم في االرتفاع المشط لألسعار واستمرار‬ ‫االحتجاجات االجتماعية وعدم نشاط االستثمار الداخلي والخارجي‬ ‫بالنسق المطلوب. ولذلك نادينا بعد مواجهات أحداث 90 افريل‬ ‫2102، أي أشهر قليلة بعد حكم «الترويكا»، إلى «مبادرة سياسية‬ ‫لخفض التشنج وبناء الشرعية»(3). وعملنا في هذا االتجاه ولم نجد‬ ‫التجاوب الكافي.‬ ‫أساءت «الترويكا» استخدام التفويض الشعبي، فبدت تشتغل‬ ‫ّ‬ ‫كوريث للحكم المنهار في حين تشدد في خطابها على التأسيس والقطع‬ ‫« تبقى الثورة التونسية ثورة خمصوصة على غري مثال سابق، يتحدد مصريها ومدى جناحها‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫يف حتقيق أهدافها مبدى قدرة املدافعني عنها يف مواجهة القوى املضادة للثورة وإحباط‬ ‫خمططاتهم إلفشال مسارها واالنقضاض على مكتسباتها»‬ ‫6‬
  • 7.
    ‫ُ‬ ‫بعد ثالث سنواتمن الثورة..حقيق بنا أن نفصح..‬ ‫مع الماضي. ودفعتها نشوة االنتصار في االنتخابات في المرحلة‬ ‫األولى من الحكم خاصة إلى إظهار استعالء ونزعة في الهيمنة زادتا‬ ‫في توتير الوضع السياسي. ولذلك اعتبرنا دائما أن تعبير «الصفر‬ ‫فاصل» في وصف المعارضة تعبير خاطئ ومضلّل وسلبي.‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫تعددت أخطاء الثالثي الحاكم بقيادة حركة النهضة، الذي لم يف‬ ‫بوعوده المعلنة في برامجه وحملته االنتخابية، وكشف عن سذاجة‬ ‫سياسية أو سوء تقدير، حين علّق آماال عريضة على انتصار الثورة‬ ‫الليبية وعلى وعود األشقاء واألصدقاء بالدعم المطلوب. وتآكلت‬ ‫مصداقيته مع مرور األشهر وتجديد وعوده بالنتائج المرجوّة في‬ ‫قادم األيام. عجزت الحكومة على تنفيذ مشاريعها المعلنة في الجهات‬ ‫المحتقنة خاصة. تفاقم التهريب بأنواعه واستشرى االحتكار والفساد‬ ‫وارتفعت األسعار وكثر التذمر الشعبي من صعوبات العيش وتراجع‬ ‫ّ‬ ‫الخدمات. تعطّل اإلنتاج في قطاعات حيوية وخاصة في الفسفاط‬ ‫وتضررت ميزانية الدولة، فازدادت المصاعب المالية وارتفعت‬ ‫المديونية وشحّت القروض. تأزمت العالقة بالنقابات وخاصة‬ ‫باالتحاد العام التونسي للشغل في مناسبات عديدة، وتنامى العنف‬ ‫اللفظي والمادي حتى بلغنا االغتيال السياسي. وتصاعدت المخاوف‬ ‫األمنية بعد االكتشافات المتكررة لمخابئ لألسلحة في مناطق مختلفة‬ ‫من البالد وتم استهداف عناصر من الجيش واألمن الوطنيين على‬ ‫يد إرهابيين. تراكمت التجاوزات في مجال انتهاك حقوق اإلنسان،‬ ‫فكان القمع البوليسي على طريقة النظام السابق في أكثر من مناسبة‬ ‫وتأزمت العالقة بالمعارضة الديمقراطية داخل المجلس التأسيسي‬ ‫خاصة، وكانت المواجهة مع المتشددين الدينيين على أكثر من صعيد،‬ ‫ودخل عنصر الدم مجددا على الخط بعد الثورة. وتواترت أخبار عن‬ ‫عودة التعذيب واستشهد مضربون عن الطعام بالسجون. كما تكرّرت‬ ‫اإلخفاقات في السياسة الخارجية ولم تظهر مؤشرات ايجابية نوعية في‬ ‫العالقة بالجيران. (4)‬ ‫تأخر مسار العدالة االنتقالية، الذي تتحمل فيه «الترويكا»‬ ‫المسؤولية الرئيسية، وتنامت أزمة الثقة بين الماسكين الجدد بالسلطة‬ ‫وبين خصومهم، من أصدقائهم في المعارضة باألمس أو من المستفيدين‬ ‫من الحكم السابق. يتبادل الفريقان تهم احتكار السلطة وعقلية الغنيمة‬ ‫ونزعة الهيمنة غير المشروعة على الدولة من جهة، أو عدم التسليم‬ ‫بنتائج االنتخابات الحرّة والتآمر على السلطة الشرعية وعرقلة عملها‬ ‫ومحاولة االنقالب عليها، من جهة أخرى.‬ ‫لعبت المعارضة أدوارا سلبية في عرقلة المسار التأسيسي وإرباك‬ ‫الحكم الجديد واتخذت بعض أطرافها منحى انقالبيا أصال، ولم تتحمل‬ ‫أطراف أخرى منها مسؤولياتها بالقدر الكافي في البناء، باعتبارها‬ ‫شريكة في السلطة اعتمادا على تمثيليتها في المجلس الوطني التأسيسي‬ ‫بصفته السلطة األصلية. لكن المعارضة في المحصّلة استطاعت أن‬ ‫تخلق حالة من التوازن في المشهد السياسي، الذي يبدو ضروريا‬ ‫للديمقراطية، وكان مفقودا في نتائج االنتخابات. كما نجحت المعارضة‬ ‫ّ‬ ‫في االستفادة من انحياز اإلعالم عموما ضد الحكم لتفرض عليه حالة‬ ‫من الضغط والمراقبة االيجابية، وتجبره على المراجعة والتعديل في‬ ‫مرّات عديدة وفي مواضيع مختلفة.‬ ‫وإضافة إلى ما سبق، زادت األخطاء المنهجية في تمشي المجلس‬ ‫الوطني التأسيسي الطين بلّة، وخاصة عدم تقيده بفترة زمنية، وضعف‬ ‫ّ‬ ‫أداء رئيسه وأعضائه، وحدة المناكفات السياسية داخله، وحصر مهمة‬ ‫التأسيس تقريبا في الدستور الجديد، الذي حاول البعض حصر مهمة‬ ‫ّ‬ ‫المجلس فيه، والحال أن التأسيس كان يقتضي في الحد األدنى وفي‬ ‫المقام األول تقييما عميقا لخيارات الحكم السابق وأخطائه الكبرى‬ ‫والتوافق على مالمح مشروع وطني جديد يوجه السياسة الداخلية‬ ‫والخارجية في مختلف المجاالت. كما يقتضي تسريع آلية وطنية متفق‬ ‫عليه للمحاسبة والمصارحة والمصالحة الوطنية.‬ ‫4 ـ مخاطر تتهدد المسار الثوري واالنتقال الديمقراطي‬ ‫نجح هذا الجيل في الثورة على رموز االستبداد وأبعدهم من‬ ‫رأس الدولة، وحقق ما عجزت عنه أجيال سابقة، وكسّر قاعدة‬ ‫ّ‬ ‫االستثناء العربي، لكنه فشل على ما يبدو إلى حد اآلن في إسقاط‬ ‫النظام القديم وبناء ديمقراطية فعلية. وقد كشف التجربة المصرية‬ ‫ّ‬ ‫أن عوامل خارجية، إضافة إلى األسباب الداخلية المعلومة، ساهمت‬ ‫في إجهاض الحلم العربي في الديمقراطية، باعتبارها شرط التنمية‬ ‫الشاملة والنهضة الحضارية، وأن عناصر قديمة مؤثرة في الوضع‬ ‫العربي، ما زالت تفعل فعلها بقوة. وليس الدور الخليجي المؤامراتي‬ ‫الذي تأكد في ما حصل من انتكاسة بمصر، والتواطؤ الدولي المريب،‬ ‫الذي تلكأ في إدانة االنقالب وما تاله من مجازر في حق المصريين‬ ‫ّ‬ ‫العزل، سوى برهانا على ذلك. لذلك يتعيّن على الثوريين المخلصين‬ ‫أن ينجحوا في كشف المخاطر والمؤامرات الداخلية والخارجية، وأن‬ ‫يعملوا بواقعية على تفكيك منظومة الفساد واالستبداد وحماية القرار‬ ‫الوطني المستقل وااللتحام بالجماهير التي تظل يقظتها ومشاركتها في‬ ‫« جنح هذا اجليل يف الثورة على رموز االستبداد وأبعدهم من رأس الدولة، وحقق ما عجزت عنه‬ ‫أجيال سابقة، وكسر قاعدة االستثناء العربي، لكنه فشل على ما يبدو إىل حد اآلن يف إسقاط‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫النظام القديم وبناء دميقراطية فعلية. »‬ ‫7‬
  • 8.
    ‫ُ‬ ‫بعد ثالث سنواتمن الثورة..حقيق بنا أن نفصح..‬ ‫ّ‬ ‫رفع التحديات أكبر تحصين للثورة ضد أعدائها. وأن يعمقوا النظر‬ ‫ّ‬ ‫أكثر في تعقيدات التغيير ومتطلباته، في ضوء المشهد العربي عموما‬ ‫والتونسي خصوصا، لنستفيد من تجارب الماضي ونعي حقائق األمور‬ ‫بعيدا عن العنتريات واألحالم الوردية والشعارات وتبسيط القضايا إلى‬ ‫حد اإلسفاف. (5)‬ ‫لن نكسب شيئا من تبادل التهم وتحميل المسؤولية لجهة واحدة‬ ‫في تعثّر مسار الديمقراطية وتحقيق أهداف الثورة. فالمسؤولية تظل‬ ‫جماعية وإن اختلفت الدرجات والمقادير. للحاكمين الجدد مسؤولية‬ ‫وللمعارضة ولمن هم خارج هذا التصنيف من سياسيين ونشطاء في‬ ‫ّ‬ ‫المجتمع المدني، وللقوى المضادة للثورة في الداخل والخارج تأثيرها.‬ ‫ولعامة قوى الشعب مسؤولية أيضا. أخطأنا في الحكم وفي المعارضة‬ ‫كما أسلفنا، ولكن لم نحسن عموما ترتيب األوليات ولم نظهر ما يكفي‬ ‫من التضحية والصبر والتضامن في ظروف انتقالية صعبة. تحرّكت‬ ‫المصالح الشخصية والفئوية والنعرات الجهوية والقبليّة. تراجع اإلقبال‬ ‫عن العمل وأداء الواجب. بلغ عدد اإلضرابات واالعتصامات رقما‬ ‫قياسيا. استجابت الحكومات المتعاقبة لبعض المطالب تحت الضغط‬ ‫فأثقلت كاهل الدولة. لم يستأنف االقتصاد دورته العادية وصارت‬ ‫ّ‬ ‫المؤشرات السلبية للنمو وحدة األزمة السياسية وغموض المسار‬ ‫عوامل مضاعفة لألزمة المالية ولمخاطر االنهيار االقتصادي. تراجع‬ ‫منسوب الرغبة في المشاركة في الحياة العامة واالنخراط في األحزاب‬ ‫والجمعيات وبتنا نسجل عزوفا متناميا لدى األغلبية من الشباب خاصة،‬ ‫بما يؤشر على استمرار أزمة التنمية السياسية وضعف ثقافة المواطنة‬ ‫والديمقراطية.‬ ‫لقد جربنا التغيير بالبداية من األعلى واستهداف رأس السلطة‬ ‫والتعويل على قوة الدولة أكثر من االهتمام بتطوير المجتمع، وكانت‬ ‫ّ‬ ‫النتائج مخيبة لآلمال على مدى عقود، فهل نعي الدرس ونعدل‬ ‫البوصلة ونجرّب مداخل ثبت نجاحها ولو في ربوع أخرى؟ هل حان‬ ‫الوقت لمراجعة عميقة لمناهج التغيير التي دأبنا عليها وروّجنا لها‬ ‫طويال، وللفكر السياسي الذي قادنا في السابق؟ وهل نوفّق في بناء‬ ‫الثقة ووضع معجم خاص باالنتقال بين الفاعلين السياسيين، وتطوير‬ ‫ُ‬ ‫الوفاقات عبر حوار وطني حقيقي، ووضع اآلليات الضامنة للتطبيق‬ ‫والحامية للمكتسبات. فنتوخي المرحلية في تغيير الواقع نوعيا، دون‬ ‫هزات ال يتطلبها وضعنا وال يتحملها. ونستحضر المشترك ونبني‬ ‫ّ‬ ‫عليه ونستبعد التنافي واإلقصاء واإلكراه ونحل التنافس السياسي‬ ‫بدل العداوة. ونعتمد اإلصالح الذي ينطلق من مرتكزات إيجابية في‬ ‫الواقع لمعالجة السلبيات، ويستبعد النقض واستئصال الخصم والبدائل‬ ‫الشمولية. ونتوخى التدرج والمرحلية والواقعية ونبحث في الممكن‬ ‫ونتفهّم تعقيدات الواقع وصعوباته، وال نقع تحت إغراءات الفرضيات‬ ‫الذهنية القصوى. ونعمل بجاذبية الديمقراطية ونتحرك بروح التجديد‬ ‫والتطوير ومراكمة االيجابيات واالستفادة من األخطاء والمراهنة‬ ‫ُ‬ ‫على المستقبل بتمكين الشباب وإعطائه األولوية في االهتمام والتكوين‬ ‫وتحمل المسؤولية في القيادة واتخاذ القرارات.(6)‬ ‫نتمنى أن تكون الذكرى الثالثة للثورة فرصة حقيقية للمراجعة‬ ‫وتصحيح المسار، وإذ نسجل بارتياح التقدم الحاصل في الحوار‬ ‫الوطني ونأمل أن تهيئ الوفاقات على مختلف المسارات إلنهاء ما تبقى‬ ‫من المرحلة االنتقالية في إطار من الوفاق الوطني المفضي إلى تنظيم‬ ‫انتخابات عاجلة في مناخ سياسي وأمني واجتماعي مناسب وبضمانات‬ ‫تجعل مختلف المتنافسين فيها يقبلون بنتائجها، فإننا ننبّه إلى أن البحث‬ ‫عن التوافق واالحتكام إلى شخصيات «مستقلة» ال يجب أن يكون على‬ ‫حساب التنافس الديمقراطي والصراع حول تحقيق أهداف الثورة، وال‬ ‫يؤدي إلى إضعاف األحزاب التي تضل قوام الحياة السياسية مهما‬ ‫بلغت أخطاء السياسيين.‬ ‫الهوامش‬ ‫(1) مقال منشور بجريدة «مواطنون» العدد041، تونس، جانفي‬ ‫1102 وبالتوازي في جريدة «القدس العربي».‬ ‫(2) راجع على سبيل المثال مقالنا بعنوان «على هامش التجاذبات‬ ‫حول أحداث 9 أفريل 2102: مبادرة سياسية لخفض التشنّج وبناء‬ ‫الشرعية» منشور بجريدة المغرب (اليومية التونسية) بتاريخ 31 أفريل‬ ‫2102. وكذلك مقالنا بعنوان «32 أكتوبر: شرعية ضرورية لكن‬ ‫ليست فوق النقد» منشور بالعدد 41 من مجلة «اإلصالح» االلكترونية‬ ‫بتاريخ 50 أكتوبر 2102. ومقالنا «بين حكم خائف ومعارضة يائسة:‬ ‫متى يأذن صبح العرب بالبلج؟» منشور بالعدد 92 من نفس المجلة‬ ‫بتاريخ 30 ماي 3102. (‪.)www.alislahmag.com‬‬ ‫(3) مقال منشور بجريدة المغرب بتاريخ 31 أفريل 2102.‬ ‫وبالتوازي في جريدة الضمير(اليومية التونسية).‬ ‫(4) مقال منشـــور بجريــــدة «الغـــرب»، عــدد 915، ص71،‬ ‫بتاريخ 8ماي 3102.‬ ‫(5) راجع مقالنا بعنوان « يوميّات الزلزال السياسي بمصر:‬ ‫ّ‬ ‫وال بد للثورة أن تنتصر» منشور بالعدد 43 من مجلة «اإلصالح»‬ ‫االلكترونية بتاريخ 21 جويلية 3102 ومنشور بالتوازي في جريدة‬ ‫الضمير.‬ ‫(6) راجع مقالنا بعنوان «بين حكم خائـف ومعارضة يائسة: متى‬ ‫يأذن صبح العرب بالبلج؟» منشور بالعدد 92 من مجلة «اإلصالح»‬ ‫االلكترونية بتاريخ 30 ماي 3102.‬ ‫-------‬ ‫* األمين العام لحزب اإلصالح والتنمية‬ ‫‪goumani.med@gmail.com‬‬ ‫« لقد جربنا التغيري بالبداية من األعلى واستهداف رأس السلطة والتعويل على قوة الدولة أكثر من‬ ‫االهتمام بتطوير اجملتمع، وكانت النتائج خميبة لآلمال على مدى عقود، فهل نعي الدرس ونعدل‬ ‫ّ‬ ‫البوصلة وجنرب مداخل ثبت جناحها ولو يف ربوع أخرى؟»‬ ‫ّ‬ ‫8‬
  • 9.
    ‫مجرد رأي‬ ‫ّ‬ ‫الدستور التونسيوالمنزلة بين المنزلتين‬ ‫بقلم : عادل السمعلي*‬ ‫لقد أثارت زيــادة فقرة في البند السادس للدستور التونسي الجديد‬ ‫يتم بموجبها تحجير التكفير ردود أفعال غاضبة و عنيفة ومثيرة للجدل‬ ‫من طرف أغلب مساندي احزاب الترويكا الحاكمة في حين استقبلت‬ ‫العائلة اليسارية والحداثية هذه الزيادة باالنشراح والترحاب واعتبرتها‬ ‫مكسبا من المكاسب التي يحق لهم االفتخار بها والتي حسب رأيهـــم‬ ‫من شأنها أن تحد من العنف السياسي وظواهر التكفير التي انتشرت‬ ‫بعد الثورة .‬ ‫إال أن المتأمل في البنود االولى من الدستور بما في ذلك البند‬ ‫السادس مثار الجدل سرعان ما يتفطن إلى أن المعركة بين االسالميين‬ ‫وبين العلمانيين في تونس ما هي إال معركة طواحين الهواء بامتياز‬ ‫فالدستور التونسي في نسخته هذه مؤكد أنه لن يرضي االسالميين‬ ‫ولكنه من الثابت أيضا أنه لن يشفي غليل العلمانيين باعتبار أنه‬ ‫دستور (هجين) يحاول أن يرضي كل األطراف المشاركة في صياغته‬ ‫حتى ولو كان ذلك على حساب منطقه الداخلي وانسجام رؤيته‬ ‫لمشروع مجتمعي تونسي مستقبلي فهو يضم النقيض ونقيضه ويجمع‬ ‫بين الرؤى واألفكار التي ال يمكن أن تجتمع في رؤية واحدة منسجمة‬ ‫ومتناغمة ويعيدنا الى مربع الصراع االسالمي العلماني وكل طرف‬ ‫يؤول مضامينه حسب خلفيته الفكرية و رؤيته االيديولوجية وأنه‬ ‫من المؤكد عند الدخول في تفاصيل هذا الدستور وتطبيقاته العملية‬ ‫ستتداخل التفسيرات والتأويالت وتتباين يمينا ويسارا ....‬ ‫إن شعار التوافق الذي رفع عند كتابة الدستور سينجر عنه دستور‬ ‫ينظر لرؤية مجتمعية مليئة بالتناقض باعتبار أن الرغبة الجامحــة‬ ‫في إرضاء كل العائالت الفكرية واإليديولوجية سيترتب عليها فصول‬ ‫قانونية أقرب منها إلى تبني المنزلة بين المنزلتين فال يمكن وصفه بأنه‬ ‫دستور اسالمي كما ال يمكن أي يوصف بأنه علماني مما يفتح المجال‬ ‫واسعا للتجاذب السياسي المرضي البعيد كل البعد عن استحقاقات ثورة‬ ‫الحرية والكرامة .‬ ‫إن تضمين (تحجير التكفير) وما صحبه من هرج ومرج سياسي‬ ‫وإعالمي يؤكد أن النخب التونسية مازالت تراوح مكانها ولم تتخلص‬ ‫بعد من عقدها االيديولوجية و «فانتازماتها» الفكرية ولم تصل بعد‬ ‫لدرجة الوعي التي تمكنها من فهم وإستيعاب أن الدستور ليس مطلوبا‬ ‫منه أن يكون دستورا إيديولوجيا يحقق انتصارا لهذا الطرف أو‬ ‫ذلك بقدر ما يجب أن يكون عقدا اجتماعيا وثيقا بين كل التونسيين‬ ‫مهما كانت إنتماءاتهم الفكرية والسياسية وأن التجاذب مجاله الخطط‬ ‫والبرامج السياسية واالقتصادية واالجتماعية وليس مجاله الدستور.‬ ‫إن لعبة االستقطاب الثنائي (إسالمي/علماني) كما كانت تسمى في‬ ‫ّ‬ ‫أواخر الثمانينات تطل برأسها من جديد في جلسات التأسيسي وفي‬ ‫مناقشة بنود الدستور ويبدو أن بعض من عايشها وأكتوى بنارها سابقا‬ ‫لم يستفد من عبر التاريخ ويكفي هنا أن أشير أنها نفس اللعبة التي لعبها‬ ‫بن علي ليستفرد بالسّلطة ويقضي على الجميع فتضرّر منها االسالمي‬ ‫أيّما ضرر ولم يستفد منها العلماني بتاتا إالّ ما ندر من االنتهازيين ..‬ ‫إن محاولة إحياء نفس االشكاليات النظريّة التي طرحت في نهاية‬ ‫ّ‬ ‫الثمانينات والدخول في جداالت بيزنطيّة ال تُسمن وال تُغني من جوع‬ ‫هدفها اإلشغال المنهجي وإلهاء الرأي العام بما ال يعول عليه وما ال‬ ‫فائدة تنجر عنه وهو تقريبا نفس الجدل النظري العقيم الذي انشغلت‬ ‫به النخب أواخر الثمانينات قبل أن يهرب الجمل بما حمل ويستفرد بن‬ ‫علي طويال بالسلطة ويبدو أن النخب لم تستفد من التجربة السابقة ولم‬ ‫تعدل بوصلتها مما يعرضها لخطر السقوط مرة أخرى في الفخ الذي‬ ‫نصب لها في أواخر الثمانينات وكلفها عشرين سنة من الديكتاتورية‬ ‫والظلم واالستبداد ...‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫إنني أرى أن هذا المنحى القديم والمتجدد الذي أدى إلى إدراج‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫(تحجير التكفير) في الدستور سيضر ويرجع بالوبال شعبيّا وإنتخابيّا‬ ‫لمن أعتقد أنّه انتصر على خصومه السياسييّن بفرض إدراجه في‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الدستور ألن التكفير بكل بساطة مبحث فقهي وعقائدي، ومجرد إيراد‬ ‫المصطلح في الدستور سيفتح باب البالء على (الكفّار المفترضيـن)‬ ‫و(التكفيريين المفترضين) على حد سواء .... ألن تفسير المصطلح في‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫حد ذاته وتحديد مفهومه سيمر حتما عبر مباحث دينيّة وفقهيّة وتاريخيّة‬ ‫بداية من الفتنة الكبرى إلى يومنا هذا وسيحتاج المشرّع لالستئناس بكل‬ ‫هذه المباحث في هذا الشأن وترجيح معنى يتعارف عليه للمفهوم أمام‬ ‫معاني أخرى... وفي هته الحالة سيمثّل ورطة حقيقية أمام من دفع‬ ‫إلضافة هذه الفقرة في البند السادس من الدستور.‬ ‫ّ‬ ‫إن الدستور الذي يحتاجه ويستحقّه التونسيون هو الدستور الذي‬ ‫يسطّر الطريق نحو تحقيق أهداف الثورة في كنف األمن واالستقرار‬ ‫ّ‬ ‫والنهوض االقتصادي واالجتماعي. وأن أي حديث أو نقاش وطني‬ ‫خارج مطالب المحاسبة وكشف ملفات الفساد وإصالح القضاء‬ ‫واإلعالم واألمن وإقصاء المنظومة القديمة، وإن أي جدال خارج‬ ‫تحقيق العدالة االنتقاليّة وضمان العدالة االجتماعيّة بين الجهات‬ ‫والتّقسيم العادل للثّروات وتكريس سيادة القرار الوطني هو حديث‬ ‫هراء وكالم دون محتوى لمحاولة تجريف استحقاقات الثّورة نحو‬ ‫معارك جانبيّة ال جدوى منها.‬ ‫--------------------‬‫* كاتب تونسي‬ ‫‪Samaaliadel@yahoo.fr‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫«إن الدستور الذي حيتاجه ويستحقه التونسيون هو الدستور الذي يسطر الطريق حنو حتقيق‬ ‫ّ‬ ‫أهداف الثورة يف كنف األمن واالستقرار والنهوض االقتصادي واالجتماعي »‬ ‫9‬
  • 10.
    ‫في الصميم‬ ‫األمة فيحاجة إلى «رجال مبادئ»‬ ‫وليس إلى حوار «الطرش»‬ ‫بقلم : د.مصباح الشيباني*‬ ‫ّ‬ ‫تمر أمتنــا العربية واإلسالميـــة بمرحلة تاريخية صعبــة، حيث‬ ‫يحاصرها أعداؤها من جميع االتجاهات والمواقع ، وأصبح لصراعها‬ ‫مع األعداء في الداخل والخارج أبعادا جديدة، ومضامين سياسية‬ ‫وأخالقية مضافة إلى مضامين القضايا والمشاكل األصلية من تخلف‬ ‫وتجزئة واستعمار..الخ. فتدنت معه المشاعر اإلنسانية والقيم الوطنية‬ ‫إلى درجة أن تحول معها من كانوا عقالء إلى مخبولين، ومن كانوا‬ ‫أمناء إلى لصوص وتجار في السياسة والدين. فباسم «الحرية» يتم‬ ‫تدمير كيان األمة، وباسم «حقوق اإلنسان» يتم تفكيك الدول وإبادة‬ ‫الشعوب، وباسم «الديمقراطية» يتم االستنجاد بالمحتل. لقد كان‬ ‫السبب المباشر لهذه الثورة هو واقع االستبداد والظَلم الذي هيمن على‬ ‫المشهد المجتمعي العربي. وكان الهدف األول من االحتجاجات هو‬ ‫بناء الديمقراطية واالعتراف بالمواطنة العربية وعودة سيادة الدولة‬ ‫وتحقيق التنمية االقتصادية واالجتماعية..الخ. ومازالت أهدافها الكبرى‬ ‫ّ‬ ‫هي استعادة روح األمة والدفاع عن هويتها العربية واإلسالمية وعن‬ ‫ّ‬ ‫قيمها الثقافية والدينية التي تعرّضت إلى التهديم المنظّ‬ ‫ّ‬ ‫م من قبل أعداء‬ ‫ّ‬ ‫األمة في الداخل والخارج معا.‬ ‫هناك مشاكل وتحديات أخالقية وثقافية وسياسية كبيرة لم نعشها في‬ ‫الماضي. والتحدي الجديد يتعلق أساسا بكيفية إنتاج مجتمعنا العربي‬ ‫نفسه بنفسه، وكيفية تغيير آليات الفعل السياسي في الدولة. فالمشهد‬ ‫السياسي التونسي والعربي عموما، يطرح علينا السّؤال المنهجي‬ ‫التالي: وفق أية معايير يجب أن نشكل تجربتنا السّياسية الجديدة؟ أي‬ ‫هل نحن نعيش مرحلة القطيعة مع ماضي استبدادي مازال قريبا منا أم‬ ‫أننا نعيد إنتاجه ولكن بلبوس ثوري ناعم؟‬ ‫فمن خالل فهمنا للثقافة السّياسية الخاصة بمجتمع ما ومن خالل‬ ‫إرثه المعرفي والقيمي نستطيع أن نعرف كيف تتشكل السّياسات في‬ ‫هذا المجتمع وكيف تنتقل من جيل إلى آخر. وكل أزمة حادة تشمل‬ ‫الحراك السياسي واالجتماعي والثقافي تبدو أوال وقبل كل شيء‬ ‫ّ‬ ‫أزمة حوار بين السّياسيين وأزمة في تأسيس ثقافة االختالف والتعدد‬ ‫والديمقراطية. إن االفتراء على هذه القيم والمبادئ اإلنسانية النبيلة،‬ ‫واستشراء ازدواجية المعايير في التعامل معها من قبل الفاعلين‬ ‫السياسيين (حكومات ومعارضات) في الوطن العربي أدى إلى مزيد‬ ‫تعميق هذه المشاكل واالبتعاد عن حل قضايانا االستراتيجية، وبات‬ ‫ّ‬ ‫األمر سافرا ومبتذال إلى درجة غير معقولة وغير مقبولة وتأكد لنا‬ ‫اليوم أن محنة األمة في محنة بعض نخبها الفكرية وسياسييها أي في‬ ‫ّ‬ ‫غياب «رجال المبادئ».‬ ‫ّ‬ ‫نعتقد أن جميع الفاعلين السّياسييـــن واإلعالمييــن والمثقفيـــن‬ ‫لم يتحملوا بعد مسؤولياتهم في إعادة تشكيل المشهد السياسي‬ ‫ّ‬ ‫التونسي وتخليصه من التشوّهات األخالقية والقيمية السّابقة والتي‬ ‫مازالت تطبع ممارساتهم ومواقفهم وخطاباتهم إلى اليــــوم. فهؤالء‬ ‫الفاعلون يمثلون قنوات الثقافة السياسية في المجتمع. والمناخ‬ ‫ّ‬ ‫السياسي الجديد «المتحرّر» الذي حرّكتــــه الثورة لم يخفف من حدة‬ ‫الصراعات السياسية واأليديولوجية والنزاعات االجتماعيــــة والعنف‬ ‫اإلعالمــــي في مجتمعنـــا التونســـي بـــل عمقهـــا أكثر من جديد‬ ‫في مجتمعنـــا . وهذه الحالـــــة من «الفتنـــة السياسيــــة» ليست إال‬ ‫إحدى تجليات ضعـــف األسس التي قام عليها «مجتمع النخبة» وتأكد‬ ‫ّ‬ ‫أن هذه النخبة هي سبب نكبة مجتمعنا العربي في مختلف الحقـــول‬ ‫ّ‬ ‫السياسية والثقافية واإلعالمية ألنها تفقد الحد األدنى من المبدئيـــة في‬ ‫ّ‬ ‫مقارباتها السياسية التي تدعي أنها تناضل من أجلها. والمجتمـــع الذي‬ ‫يفتقد فيه قادته السياسيــــون القدرة على إعمال العقـــل وتطويـــر‬ ‫طرق التعامــــل في ما بينهم في إطار الوحدة والمشاركة السياسية‬ ‫واالنخراط الفعلي وتحمل المسؤولية في إدارة الشأن العام، سوف يبقى‬ ‫ّ‬ ‫وضعه االجتماعي العام ميزته القصور الذّ‬ ‫اتي وغياب الوعي السّياسي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫والتفكك المؤسّساتــــي للدولـــة وللمجتمـــع وقد يعود في أية لحظة‬ ‫إلى الحالة البربرية .‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫إن التعدد واالختالف بين الناس ليس حقّا قانونيا فقط، بل هو سنّة‬ ‫ُ‬ ‫وثقافة تحتاج إلى دربة حتى تتحول إلى ممارسة يومية في المجتمع.‬ ‫وحتى تصبح نمطا من السّلـــــوك أو نموذجـــا يقتدي به جميع‬ ‫األفـــراد وفي مختلف المواقــــع. وهذه الثقافـــة ال يمكن أن تتأسّـــــس‬ ‫إال في مناخ سياسي وثقافي تعددي في طرق التفكير وفـــي الوعي.‬ ‫ّ‬ ‫أي أن ثقافة االختالف ال تمثل ظاهرة سياسية فقــــط، بل هي أيضا‬ ‫ّ‬ ‫ظاهرة اجتماعيـــة وثقافيـــة ورمزية. أي أن مستـــــوى مشاركــــة‬ ‫المواطنين في الحراك السّياســــي مثال، يتأثر بعــــدد من المتغيرات‬ ‫االجتماعية والثقافية الخاصة بالمجتمع الذي ينتمـــون إليـــه. لذلك،‬ ‫فهي مرتبطة بنسق التنشئة االجتماعية باعتبارها عملية يتدرب عليها‬ ‫الفرد طوال حياته وتمكنه من استبطان القيم واالنخراط في العمل‬ ‫الجماعي لخدمة الشأن العام. وهذه التنشئة تنطلق من المحيط العائلي‬ ‫ّ‬ ‫« نعتقد أن مجيع الفاعلني السياسيني واإلعالميني واملثقفني مل يتحملوا بعد مسؤولياتهم يف إعادة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫تشكيل املشهد السياسي التونسي وختليصه من التشوهات األخالقية والقيمية السابقة واليت‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫مازالت تطبع ممارساتهم ومواقفهم وخطاباتهم إىل اليوم . »‬ ‫01‬
  • 11.
    ‫األمة في حاجةإلى «رجال مبادئ»‬ ‫وليس إلى حوار «الطرش»‬ ‫ثم التعليمي والمجتمعي. وبالتّالي، فالتنشئة السّياسية للفرد ليست‬ ‫عملية شكلية ومناسباتية، وإنّما هي عبارة عن قيم ومشاعر واتجاهات‬ ‫يستبطنها المواطن وتوجه سلوكه للمشاركة المسؤولة في إطار نظام‬ ‫ديمقراطي.‬ ‫ّ‬ ‫ومن الالّفت في تونس مثال، أن مختلف البرامج السّياسية‬ ‫والسّجاالت الفكرية التي تدور في رحاب الوسائط الثقافية واإلعالمية‬ ‫تكشف لنا كل يوم عن مستوى رهيب من التخلف من حيث اللّغة‬ ‫السوقية المستخدمة ورفض االستماع إلى اآلخر ومنعه من التعبير عن‬ ‫رأيه. إذ ال تساعد مختلف البرامج السّياسية في تكوين ثقافة سياسية‬ ‫متنورة بمقدار تساعد على تأجيج الصراعات وتعميق النّزاعات‬ ‫السياسية واأليديولوجية. وال يحتاج أي متابع مشغول أو مراقب مهتم‬ ‫بقضايا األمة إلى مقدمات من أي نوع حتى يقول أنّنا في حاجة إلى‬ ‫إنشاء خطاب ثقافي وسياسي مختلف حتى ال نتأخر أو نتوه في حركة‬ ‫التاريخ. وهذه الحالة من العطالة التي تخترق الواقع العربي هي تعبير‬ ‫عن أزمة بنيوية وحضارية شاملة وعميقة جدا ال يمكن أن تعالج في‬ ‫سنوات بل تحتاج إلى عقود من الزمن. فلم تكن منجزات ثالث سنوات‬ ‫ّ‬ ‫من «الحراك الثوري» سوى انتكاسة وردة حقيقية لما حققته األمة‬ ‫على مدى أكثر من أربعة عشرة قرنا، وبدال من أن توجّه «النخبة»‬ ‫بوصلتها نحو تغيير وضع الجماهير العربية واإلسالمية المنتفضة‬ ‫من المحيط إلى الخليج استخدمت من قبل أعداء الشعب إلعادة إنتاج‬ ‫مناخ عربي مضطرب ومنقسم داخليا، وضع عربي تابع للغرب‬ ‫االستعماري وللصهيونية.‬ ‫لقد كانت التجربة السياسية خالل الثالث سنوات الماضية صدمة‬ ‫أليمة للمواطن العربي، وقللت من رغبته في متابعة المسائل السياسية‬ ‫أو المشاركة في الحياة السياسية، سواء كان علنا أو ضمنا. فالخطاب‬ ‫السياسي المتداول منذ األيام األولى من قيام الحراك الثوري بدا وكأنه‬ ‫يتجه نحو إغراق المجتمع في «ثقافة اإلقصاء» من جديد. ومعرفة‬ ‫أزمة هذا الخطاب في بعده األنثربولوجي يؤدي بنا إلى فهم أفضل‬ ‫للسياسيين ونخبنا الفكرية. وطريقة معالجة الفاعلين السياسيين للمسائل‬ ‫وكيفية إدارة حواراتهم وتفاعالتهم السياسية تعبر كلها عن وجود أزمة‬ ‫في ثقافتنا السياسية وأزمة في «أسلوب حياتنا» نتيجة غلبة ذهنية‬ ‫اإلقصاء وهيمنة «حوار الطرش» على المشهد السّياسي التونسي‬ ‫والعربي عموما.‬ ‫لم تكن أهداف الصراعات السياسية بين ما تسمى بـالمعارضة‬ ‫والحكومات االنتقالية في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا، من‬ ‫أجل إعالء شأن دين أو إستقالل وطن، أو من أجل دفع المظالم عن‬ ‫الناس وتفكيك منظومة االستبداد، أو من أجل نصرة قضايا العرب‬ ‫والمسلمين، وإنما كانت جميعها ذات مقاصد وغايات التناحر‬ ‫والتقاتل طمعا في المال والملك، فسقط جميعهم في ثقافة التخريب‬ ‫والفتنة السياسية. وقد بلغت رداءة المشهد السياسي في هذه األقطار‬ ‫إلى حد دعوة بعضهم إلى التحالف مع األعداء التاريخيين لألمة من‬ ‫أجل االستفراد بـ «غنيمة الثورة» وأصبحت الفتنة بالمفرق والموت‬ ‫بالجملة، فحسبنا هللا ونعم الوكيل فيهم جميعا؟‬ ‫ّ‬ ‫نعتقد أن قراءة «التجربة الثورية» العربية الرّاهنة بشكل علمي‬ ‫وموضوعي يمثّ‬ ‫ل الخطوة األولى لمعرفة كيفية التعامل مع تحدياتها‬ ‫الداخلية وأخطارها الخارجية معا. ويتوقف نجاح هذا المشروع على‬ ‫مدى تجذير الوعي الثوري وطنيا وقوميا، وإدراك الشعب العربي‬ ‫ّ‬ ‫طبيعة أعدائه الحقيقيين ومواقعهم المختلفة، وفك االرتباط بالغرب‬ ‫ّ‬ ‫االستعماري حتى يعطي للجديد الثوري إمكانية النجاح، ألن الثورات‬ ‫ال تصنع ويستحيل أن تنجح بأسلوب االحتماء باآلخر اإلستعماري‬ ‫الذي ال يريد إال حماية مصالحه فقط.‬ ‫فغالبا ما نقرأ بعض الكتابات والقراءات التي تهمل جانبا مهما‬ ‫ّ‬ ‫من طبيعة الحراك «الثوري» الدائر اليوم في الوطن العربي وعالقته‬ ‫ّ‬ ‫بالصراعات اإلقليمية والدولية عموما. إن هدف هذه الثورات ليس‬ ‫اإلطاحة بالحكام العرب الطغاة والمستبدين فقط، مثلما يحاول البعض‬ ‫من العرب والغربيين إيهامنا به، ولن يكون ذلك منتهى المعركة طالما‬ ‫بقيت األسباب الحقيقية لالستبداد والتخلف والفقر واألمية قائمة. كما‬ ‫أنَ الدراسة الموضوعية والعلمية االستشرافية تقتضي أن ننظر إلي‬ ‫هذه الثورات باعتبارها حركات وانتفاضات جماهيرية ديناميكية ـ سلبا‬ ‫وإيجاباـ حتى ال نضعها في إطار مغلق وجامد قد يفقدها عالقاتها‬ ‫ّ‬ ‫التاريخية وتفاعالتها الداخلية والخارجية. فالمناخ العربي والدولي‬ ‫الرّاهن ال يساعد على نجاح هذه الثورة بقدر ما يساعد على وأدها‬ ‫وإفشالها.‬ ‫-------------------‬‫* أستاذ وباحث في علم االجتماع‬ ‫‪abounour05@yahoo.fr‬‬ ‫« بدال من أن توجه «النخبة» بوصلتها حنو تغيري وضع اجلماهري العربية واإلسالمية املنتفضة من احمليط‬ ‫ّ‬ ‫إىل اخلليج استخدمت من قبل أعداء الشعب إلعادة إنتاج مناخ عربي مضطرب ومنقسم داخليا،‬ ‫وضع عربي تابع للغرب االستعماري وللصهيونية. »‬ ‫11‬
  • 12.
    ‫حوار حول الثورة‬ ‫ّ‬ ‫فيالسؤال القديم المتجدد:‬ ‫الثورة العربية بين الممكن والمستحيل‬ ‫ّ‬ ‫ّّ‬ ‫حوار مع: الدكتور األزهر الزناد، واألستاذ عماد محنان(*)‬ ‫تنسيق الحوار : د. محمد الحاج سالم*‬ ‫خطاب الثورة والعقالنيّة‬ ‫ّ‬ ‫محمد الحاج سالم: في ظل االلتباسات المهيمنة على الخطاب‬ ‫ّ‬ ‫«الثّوري» العربي المعاصر، هل يبدو لكم ذلك الخطاب عقالنيّا ً ؟‬ ‫وما هي مظاهر العقالنيّة فيه ؟‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ األزهر الزنّاد: للخطاب الثّوري ثالث مراحل - في ما‬‫أرى- تناسب درجةُ‬ ‫العقالنيّة فيه ترتيب المرحلة: ما قبل الثورة‬ ‫َ‬ ‫وزمن الثورة وما بعدها. فما قبلها خطاب إعداد للثورة يوصّف‬ ‫ّ‬ ‫الواقع المتردي وفيه نسبة كبيرة من العقالنيّة، وفي زمنها خطاب‬ ‫استنهاضي حماسي قد تتقلّ‬ ‫ص فيه العقالنيّة وأما خطاب ما بعد‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الثّورة فال مناص من أن يكون عقالنيّا ً بما يرسم من برامج مستقبليّة.‬ ‫وهذه المراحل في الثورات العربيّة متداخلة متزامنة بحكم تتابعها‬ ‫فتزامنها فاختالفها في المراحل المذكورة باالستتباع. فأسبقها‬ ‫الثورة التونسيّة، وفيها يلمس النّاظر زيادة في درجة العقالنيّة في‬ ‫الخطاب بحكم مقتضيات المرحلة: تنظيم االنتخابات، مهام المجلس‬ ‫ّ‬ ‫التّأسيسي، برامج األحزاب ومضامينها، التّحاليل الفكريّة السياسيّة‬ ‫ّ‬ ‫بما في الواحد منها من تصوّر(ات) للمستقبل، إلخ. وفي العموم،‬ ‫ّ‬ ‫أرى أن في الخطاب العربي صوتين على األقلّ: عقالنيّا ً وغير‬ ‫ّ‬ ‫عقالني، وكالهما يعد بمشروع اجتماعي وللواحد منهما أنصار‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ومعارضون على مستويين وطني وعالمي، وقد يخفت صوت‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ويرتفع آخر، وقد تتبلور عقالنيّة توافقيّة في نهاية المطاف.‬ ‫ عماد محنان: خالفيّا ً يكون جواب مسألة «عقالنيّة الخطاب‬‫الثّوري العربي الرّاهن» كخالفيّة مفهوم العقالنيّة وبقدرها. وهذا‬ ‫فضالً عن سياقيّة مفهوم الخطاب نفسه. ولكون المعاصرة حجابا،‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫فإن طرح المسألة راهنا ً ال يبدو مراعيا ً للمسافة الزمنيّة الضّروريّة‬ ‫ُ‬ ‫للرّؤية. لذا يكون بحث المسألة تقصّداً لثمار غير ناضجة، فيؤول‬ ‫الجني جناية بما هو هتك للبستان وفتك بعافية اإلنسان. من جهة‬ ‫ّ‬ ‫الفهم الفلسفي يتسنّى لنا الكالم على عقالنيّة «الخطاب الثّوري‬ ‫العربي» باتّخاذ مطيّة التّمييز بين تصوّريْن لمصدر المعرفة :‬ ‫العقل والتّجربة. وال يبدو في الطّابع المفاجيء لثورة تونس فاتحة‬ ‫ثورات ما يُعرف بالرّبيع العربي أنّه بوسع أيّة تمثّالت عقليّة‬ ‫ْ‬ ‫خالصة أن تستبق هذه الثّورة أو أن تستشرف مآالتها. بل لعلّه‬ ‫كان في قراءة الحراك المجتمعي استثماراً لمحصّلة معرفة تجريبيّة‬ ‫فيزيائيّة تجسّمت في شعارات مستقاة من السّياق المعرفي التّجريبي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الفيزيائي شأن مقولة «كل فعل يقابله رد فعل...» و مقولة «الكبت‬ ‫ّ‬ ‫يولّد االنفجار». ولئن لم يكن ما أسميناه بـ «الخطاب الثّوري‬ ‫ّ‬ ‫العربي» لراهنيّته شاهداً بمقوّماته فلعلّه يبدو واعداً بمقدماته.‬ ‫***‬ ‫ّ‬ ‫محمد الحاج سالم: هل تعني بذلك نفي أي دور للنّخب ؟‬ ‫ّ‬ ‫ عماد محنان: الثّورة بما هي أداة التّغيير التّ‬‫اريخي كانت أكبر‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫هموم الفلسفة المعاصرة. بل لقد أدى الشاغل التّغييري إلى قطيعة‬ ‫بين الفلسفة ومطلبها التّأملي العالق بها بما هي «نظر في الوجود».‬ ‫ّ‬ ‫وتُعبّر عن هذه القطيعة نشأة ما يصطلح عليه بفلسفة الممارسة‬ ‫أو «البراكسيس». ولما كانت النّخب العربيّة التي وجّهت الثّورة‬ ‫ّ‬ ‫وأطّرتها حاملة لرؤية هذه الفلسفة لإلنسان والتّ‬ ‫اريخ سواء بالمعرفة‬ ‫ّ‬ ‫أو بالتّبنّي فإن الجماهير نفسها انخرطت في هذه الرّؤية أمالً في‬ ‫خالص ممكن مما عكس تسليما ً للمثقّ‬ ‫ف والعالم بزمام التّأسيس‬ ‫ّ‬ ‫المجتمعي.‬ ‫ّ‬ ‫«من جهة الفهم الفلسفي يتسنى لنا الكالم على عقالنية «اخلطاب الثوري العربي» باتخّاذ‬ ‫ّ ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ ّ‬ ‫مطية التمييز بني تصورين ملصدر املعرفة : العقل والتجربة. »‬ ‫ّ ْ‬ ‫21‬
  • 13.
    ‫ّ‬ ‫في السؤال القديمالمتجدد:‬ ‫الثورة العربية بين الممكن والمستحيل‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫غير أن جدل العالقة بين المثقّف/السّياسي والجماهير ال يسمح‬ ‫ّ‬ ‫بوالدة خطاب ثوري عقالني أو غير عقالني إالّ في االعتباريْن‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫اإليديولوجي والقطاعي. فمن جهة اإليديولوجيا تلوح في األفق‬ ‫السّياسي العربي هيمنة النّزوع اإلحيائي الذي يصبو إلى استرجاع‬ ‫ّ‬ ‫الماضي. وهو ما فعّل سؤال الهويّة والجذور وغلّب حضور المكوّن‬ ‫ّ‬ ‫العقدي الوثوقي. وأما من جهة القطاعيّة فإن الخطاب الثّوري مأخوذ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫بضرورة التّبسيط إلى حد التّسطيح مراعاة لتردي مراتب قطاعات‬ ‫ّ‬ ‫واسعة من جماهير الشعب العربي في سلّم التّعليم والثّقافة.‬ ‫الثورة والتكنولوجيا الرقميّة‬ ‫محمد الحاج سالم: نعم، لكن بقطع النظر عن المسارات الممكنة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫للثورة، فإن الثابت أن التّكنولوجيا الرّقميّة لعبت دوراً أساسيّا ً في تحديد‬ ‫ّ‬ ‫المسار الثّوري العربي. هل ترون أن دورها كان في تثوير الطاقات‬ ‫الشعبيّة أم اقتصر فحسب على استنساخ الثورات؟‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ األزهر الزنّاد: لكل ثورة أدواتها حسب العصور، والمهم أن ال‬‫ّ‬ ‫قيام لثورة ما لم تتوفّ‬ ‫ر جملة من العوامل المتظافرة يعيشها جميع النّاس‬ ‫أو جلّهم، وهي في جوهرها فقر وشعور بالظّلم وإحباط وانعدام الثّقة في‬ ‫الحاكم فيكون البحث عن البديل. وقد ينشأ البديل نشوءاً جماعيّا ً عفويّا ً‬ ‫ّ‬ ‫ثم يتبلور في رؤية متكاملة يتوحّد فيها صنّاع الثّورة: أي أبناء الشعب‬ ‫ّ‬ ‫شيبهم وشبابهم. وإذ كانت التكنولوجيا الرّقميّة متاحة استخدموها. فهي‬ ‫أداة افتراضيّة ولكنّها ذات نتائج تتحقّق في الميدان تسهّل التّواصل‬ ‫فالتّنظيم وتنسيق الفعل وسرعته في الميدان رغم اتّساعه، فتضمن‬ ‫توحيد الطّاقات وتوجيهها توجيها ً ناجعا ً وهذا ما شهدناه، وهنا كانت‬ ‫مزيّة التّكنولوجيا الرّقميّة. وإذ كانت هذه التّكنولوجيا منتشرة بين‬ ‫شعوب متشابهة في ظروف مهيّئة لقيام الثورة اعتُمدت فيها جميعا ً‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫وبنفس األسلوب تقريبا. وهذا الشبه لم تفرضه أدوات التّواصل وإنّما‬ ‫فرضه شبه في واقع بائس خلقته أنظمة متشابهة انجرّ‬ ‫عنه شبه في‬ ‫ّ‬ ‫الحلول المنشودة وفي السّبيل إلى تحقيقها. ولعل للتّكنولوجيا الرّقميّة‬ ‫دوراً في البناء بعد قيام الثّورة. فهي، بهذا المعنى،لم تستكمل بعد.‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ عماد محنان: دشنت العشريّة األخيرة من القرن العشرين بحق‬‫ّ‬ ‫موت الجمركي وحارس الحدود. فلم تقف أوروبا الجديدة المتجددة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫عند عتبة رأب الصّدع األلماني وال عند فك أسر األقلّيات المسلمة في‬ ‫البلقان من تغوّل القوميّات المتغلّبة وعنجهيّتها، بل لقد أسّست كيانها‬ ‫األوروبي الموحّد بحدود مفتوحة. وقد خطا مشروع العولمة األمريكي‬ ‫خطوته العمالقة بإسدال نسيج شبكة العنكبوت التّواصليّة على مساحة‬ ‫العالم. وصارت المعلومة هي الملِكة في خليّة النّحل البشري العالمي.‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وكذبت نوايا اقتصاد السّوق المحمومة هواجس المتخوّفين من أن‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ّ‬ ‫الغرب يريد لنا أن نظل رهن الحبس الحضاري البارد وأن نبقى على‬ ‫حال تخلّفنا وجمودنا. وذلك أن اكتساح األسواق يفترض تأهيلها معرفيّا ً‬ ‫ّ‬ ‫وتقنيّا ً ألجل تسهيل التّواصل مع المصنّع والتّعامل مع المصنوع.‬ ‫ُ‬ ‫لذا كانت التّحفة المعلوماتيّة أولى منحوتات اليد األجنبيّة في بالدنا‬ ‫بالتّمويل «المشروط طبعا» والضّغط لنشر ثقافتها وتعميمها على‬ ‫مستويات التّعليم جنبا ً إلى جنب مع إشاعة اإلنقليزيّة «االستهالكيّة»‬ ‫في التّعليم الجامعي وما دونه.‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫لقد وجد الشباب العربي المأزوم في فضاء األنترنت المفتوح ــ‬ ‫وإن بتعبيرنا األثيل ـ مبكى لليتامى وداراً للنّدامى : نشطت عالقات‬ ‫ّ‬ ‫التّواصل مع األوساط الشبابيّة األوروبيّة واألمريكيّة في صلب‬ ‫مقايضة ـ بيْنمجتمعيّةـ مقنّعة تُ‬ ‫بادل بُعبع الفقر وحلم الهجرة في العالم‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫العربي بهاجس التّصحّر الشبابي وشبح التّهرّم السكاني ونقص اليد‬ ‫العاملة البخسة خارج أطر الضّمانات الحقوقيّة في المجتمعات الغربيّة.‬ ‫ووجدت الجماعات الحقوقيّة والمثقّفة طريقا ً سالكة إلى ضمير الرّأي‬ ‫ّ‬ ‫العام العالمي ومؤسّساته لفضح رياء الدكتاتوريّة وتعرية جرائمها.‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وتدعمت ثقافة التّواصل الرّقمي في ظل هذا الفضاء «الثّوري»‬ ‫ّ‬ ‫من جهة سرعة توصيل المعلومة ومدى انتشارها فتشكلت لغة برقيّة‬ ‫ّ‬ ‫قائمة على الرّموز والمختصرات واألرقام. وقد أدى هذا الفضاء ولغة‬ ‫ّ‬ ‫التّواصل فيه دوراً بالغ األهميّة في توسيع الهوّة بين فئة الشباب وباقي‬ ‫فئات المجتمع العربي. وولّد ذلك إحساسا ً بامتالك رؤية مغايرة للممكن‬ ‫المجتمعي ومؤهّالت تقنيّة وتواصليّة هي مفتاح األزمة وأداة التّغيير.‬ ‫هكذا كان للثّورة أن انطلقت في تونس ثم مصر من حناجر جيل شابّ‬ ‫ّ‬ ‫لطالما سّفهه أساتذته ومعلّموه وقنتوا منه، ولم يروا إالّ قطاعا ً‬ ‫منه‬ ‫ّ‬ ‫غرق في الكحوليّة واحترف الغياب أو تلهّى بمواقع الدردشة وقنوات‬ ‫اإلباحيّة.‬ ‫***‬ ‫ّ‬ ‫محمد الحاج سالم: تقصد أن الثورة كانت غير متوقّعة بما أنّها‬ ‫ّ‬ ‫كانت غير تقليديّة في أدواتها ؟‬ ‫ّ‬ ‫ عماد محنان: نعم، فقد تسلّح الشباب الثّائر بلغة التّواصل التي‬‫تخصّه دون سواه. إنّها لغة تتّسم بكل سمات الثّ‬ ‫ّ‬ ‫ورة. لغة مختصرة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫« لكل ثورة أدواتها حسب العصور، واملهم أن ال قيام لثورة ما مل تتوفر مجلة من العوامل املتظافرة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫يعيشها مجيع الناس أو جلهم، وهي يف جوهرها فقر وشعور بالظلم وإحباط وانعدام الثقة يف‬ ‫احلاكم فيكون البحث عن البديل. »‬ ‫31‬
  • 14.
    ‫ّ‬ ‫في السؤال القديمالمتجدد:‬ ‫الثورة العربية بين الممكن والمستحيل‬ ‫ّ‬ ‫برقيّة خاطفة يمتزج فيها الرّقم بالحرف بالصّورة. وينشب فيها الحوار‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫مخترقا ً حدود المكان والزمان والعرق والدين واإليديولوجيا وفي مقام‬ ‫ّ‬ ‫حر مفتوح قد ال نعلم عدد المتواصلين فيه. هي لغة الفضاء المفتوح‬ ‫وفّرتها األنترنت على مواقع التّواصل العنكبوتي وغذّ‬ ‫اها التّواصل‬ ‫بواسطة الجوّال وعاضدها اإلعالم الفضائي المحموم بالسّبق والرّوح‬ ‫ّ‬ ‫التّنافسيّة. ولكونه فضاء مفتوحا ً فقد بنى عقليّة االنفتاح. ولكونه فضاء‬ ‫ّ‬ ‫التّعدد وإلغاء الحدود قام على االختزال والسّرعة وانقشعت منه السّريّة‬ ‫والحيطة الثّوريّة والتّخطيط المسبق فليس له برنامج قصدي قائم في‬ ‫ُ‬ ‫أذهان المخطّطين وال مخطّط تنفيذي في أجندة القادة الميدانيّين.‬ ‫***‬ ‫محمد الحاج سالم: في هذه الحال، ما هي الفروق بين هذه الثورة‬ ‫ّ‬ ‫الجديدة وسابقاتها ؟‬ ‫ّ‬ ‫ أ.عماد محنان: أوّال، كان الثّوري القديم ملتزما ً منضبطا ً ال يبتسم‬‫إالّ بمقدار. وكانت الثّورة كالمحراب ال تقبل لغواً وال خروجا ً عن‬ ‫ّ‬ ‫الصّف. وثانياً، لم يكن في حسبان الحرس القديم في سلطة الدكتاتور‬ ‫ّ‬ ‫أن شيئا ً كهذا يوجد في المجتمع وهو يسوده التّرويع األمني إلى درجة‬ ‫ّ‬ ‫تذهل معها األم عما ولدت. وبحسب ظن الجميع ليس للثّورة إالّ‬ ‫ْ‬ ‫ّ‬ ‫ّ ّ‬ ‫ّ‬ ‫الشكل التّنظيمي المعروف والعنف المقاوم والتّ‬ ‫ضحيات الجسام. ومن‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ْ ّ‬ ‫تابع مظاهرات الشباب اللّيليّة في المدن التّونسيّة يشهد أن التّخطيط‬ ‫ُ‬ ‫كان إبداع اللّحظة. لم يكن الشباب التّونسي يقارع بوليسا ً واقعيّا ً‬ ‫ّ‬ ‫بل‬ ‫ّ‬ ‫افتراضيّا ً ارتسم في عقليّته من ثقافة األنترنت (واستعمالها في تونس‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫بنسبة مهولة تُقدر بـ 52 في المائة بمعنى أنّها مرتفعة جداً في فئة‬ ‫ّ‬ ‫الشباب). ولم يبحث في هذا البوليس العدواني عن أجساد يسحلها في‬ ‫ّ‬ ‫الطّ‬ ‫ّ‬ ‫ريق بل عن قيمة سالبة يتجاوزها ويتحداها بإبداعيّة مراوغة تنال‬ ‫من هيبتها وتذلّل من سطوتها في نفوس جماهير الشّ‬ ‫عب. وقد ساعد‬ ‫ّ‬ ‫هذا التّعامل الذي تغلب فيه الرّمزيّة على العنف الثّوري على إجراء‬ ‫المنهجيّة الثّوريّة الحديثة التي عرفها التّاريخ المعاصر مع الثّ‬ ‫ورة‬ ‫التّونسيّة. فغياب العنف الثّوري واالكتفاء بما يكفل البعد االحتجاجي‬ ‫ّ‬ ‫والمطلب التّغييري المجمع على شرعيّته حتّى من أركان النّظام القائم‬ ‫ُ‬ ‫جعل أهداف الثّورة خفيّة وأخّ‬ ‫ر خيار االستخدام المفرط للقوّة من جانب‬ ‫السّلطة.‬ ‫الثورة بين سؤال الهويّة والمطلبيّة االجتماعيّة‬ ‫محمد الحاج سالم: اختلطت المطلبيّة السياسيّة بالمطلبيّة االجتماعيّة‬ ‫ّ‬ ‫في الثورة العربيّة، وجاءت مسألة الهويّة ونموذج المجتمع المنشود‬ ‫ّ‬ ‫لتؤجّج مخاوف بعض األطراف بخصوص مصير الديمقراطيّة وحريّة‬ ‫التّعبير. برأيكم، هل يمكن للثّورة العربيّة الرّاهنة تجاوز سؤال الهويّة‬ ‫ّ‬ ‫(الجوع الرّوحي) والمطلبيّة االجتماعيّة (الجوع المادي) إلى مساءلة‬ ‫آفاق الفعل الحضاري الكوني؟ وما هي إرهاصات ذلك التجاوز ؟ وما‬ ‫هي حدوده الممكنة ؟‬ ‫ّ‬ ‫ األزهر الزنّاد: هذه أسئلة كثيرة في واحد. كل ثورة تقوم على‬‫مطالب سياسيّة و/أو اجتماعيّة. والمفقود، هنا، مطلوب منذ قرون،‬ ‫ولكن لم يحدث أن تحقّق ذانك المطلبان، فقد أخطأنا مواعيد مع تحقيقهما‬ ‫في تواريخ عديدة منها االستقالل في منتصف القرن الماضي، وأخطأنا‬ ‫ّ ّ‬ ‫تحقيقهما مع نظم عربيّة فشلت في توفير الشبع المادي (الرّفاه والتّنمية)‬ ‫ّ‬ ‫والشبع الرّوحي (الهويّة). ولنا اآلن في الثورات العربيّة مجال لذلك‬ ‫ّ‬ ‫ولكن المشكل يطرح في األولويّة وفي الطّريقة: أقول هما متكامالن‬ ‫َ‬ ‫يمكن تحقيقهما بالتوازي إذ ال سبيل إلى تحديد الهويّة وأنت جائع أو‬ ‫مكبّل اليدين واللّسان، والعكس صحيح. والمشكل عائد - في رأيي-‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫إلى أساس الوعي الثنائي بالزمن: الفردي والجمعي في آن، وعندما‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫يلتقيان بمعنى تشبع الحاجات بنوعيها (الماديّة والسّياسيّة، الفردية‬ ‫والجماعيّة) يكون التّوجّه طبيعيّا ً إلى آفاق الفعل الحضاريّ، شريطة‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫أن يكون توجّها ً مستقبليّا ً ال إحيائيّا ً غفالً، يحتاط لكل العراقيل بأنواعها‬ ‫داخليّة كانت أو خارجيّة. والثورات العربيّة بكل ما فيها إرهاص بذلك،‬ ‫ّ‬ ‫فأعمار الشعوب تقاس بالقرون ال بالسّنوات والعقود.‬ ‫ أ.عماد محنان: يكفي أن نتّخذ من فهم األوساط االجتماعيّة التي‬‫ّ‬ ‫انطلقت منها الثّورة التّونسيّة والشعارات التي رُفعت في تفاعالتها‬ ‫ّ‬ ‫األوّليّة لكي نتبيّن أن المطلبيّة الماديّة كانت قادحها الرّئيسي. ولكن ذلك‬ ‫ال ينفي دور النّخب في توجيه العمل االحتجاجي إلى المطلب السّياسي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وعنوانه الحريّات وتأسيس النّظام الديمقراطي. ويبدو أن المسار‬ ‫االنتخابي عرف حيوداً يبدو في تقديرنا رد ّفعل طبيعي على جملة‬ ‫ّ‬ ‫مؤثّرات ظهرت خالل الفترة الفاصلة بين سقوط حكومة الغنّوشي‬ ‫وموعد انتخابات المجلس التّأسيسي. أوّلها غلبة اليسار على لجنة حماية‬ ‫ّ‬ ‫الثّورة وثانيها احتدام النّقاش حول الفصل األوّل من الدستور وثالثها‬ ‫القانون االنتخابي الذي يسمح في بعض بنوده باحتساب أصوات طرف‬ ‫سياسي لفائدة طرف آخر ورابعها االستفزاز اإلعالمي المتمثّل في هتك‬ ‫المقدسات الدينيّة. هذه المؤثّرات جميعها جعلت الفعل االنتخابي منصبّا ً‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫على سؤال الهويّة. وانحصر التّ‬ ‫صويت في ضمان المحافظة على‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫« يكفي أن نتخذ من فهم األوساط االجتماعية اليت انطلقت منها الثورة التونسية والشعارات‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫اليت رفعت يف تفاعالتها األولية لكي نتبينّ أن املطلبية املادية كانت قادحها الرئيسي. ولكن‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ ّ‬ ‫ذلك ال ينفي دور ال ّ‬ ‫نخب يف توجيه العمل االحتجاجي إىل املطلب السياسي»‬ ‫ّ‬ ‫41‬
  • 15.
    ‫ّ‬ ‫في السؤال القديمالمتجدد:‬ ‫الثورة العربية بين الممكن والمستحيل‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الفصل األوّل من الدستور. ويمكن القول استخالصا ً للدرس إن الثّورة‬ ‫كانت مطلبيّة في منطلقها واالنتخابات كانت محافظة في مضمونها.‬ ‫ولكن ما حافظت عليه نتيجة االنتخابات هو المكوّن الهووي الذي‬ ‫ّ‬ ‫أقرّته الدكتاتوريّة واعترفت به صوريّا ً دون أن تكرّسه موضوعيّاً.‬ ‫هذا الحيود ال يمكن أن يُعد انحرافا ً إالّ قُ‬ ‫ّ‬ ‫رئ قراءة محافظة تأخذ من‬ ‫ّ ّ‬ ‫معنى «البيْعة» أكثر مما تأخذ من معنى االنتخاب الحر الدوريّ. وأثقل‬ ‫ّ‬ ‫المسؤوليّات ما يقع على األطراف التي هي خارج المجلس التّ‬ ‫أسيسي‬ ‫ّ‬ ‫أو ال تشكل فيه األغلبيّة. وهي في العموم أحزاب اليسار.وذلك أنّها‬ ‫تخضع الختبار تاريخي في مجاوزة سؤال الهويّة بعدم تهييج العاطفة‬ ‫ّ‬ ‫الدينيّة عبر المساس بالمقدسات، والضّغط في اتّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫جاه بلورة مشروع‬ ‫لإلصالح االقتصادي والتّنمية المتوازنة ووضع تشريعات ضامنة‬ ‫ّ‬ ‫لسقف من الحريّات يلبّي مطمح الشعب ويكفل شروط اإلبداع من أجل‬ ‫دخول مدار الفعل الحضاري.‬ ‫الثورة بين الحداثة والتغرّب‬ ‫محمد الحاج سالم: أفرزت الثورة العربيّة رؤية جديدة للذات‬ ‫ّ‬ ‫ولآلخر، وأحيت مشاريع تحديثيّة خلنا أنّها ماتت. فكيف ترون سبل‬ ‫الحوار الوطني بين مختلف مكوّنات الشعب في سبيل إرساء نظام‬ ‫ّ‬ ‫وطني ديمقراطي حديث ؟ وما هي حظوظ نجاحه أو إخفاقه في ظل‬ ‫الهيمنة السياسيّة واالقتصاديّة للقوى العالميّة ؟‬ ‫ّ‬ ‫ األزهر الزنّاد: جواب هذا مواصلة لما قبله، فمن مكوّنات الهويّة‬‫ّ‬ ‫تصوّر الذات (فرداً أو شعباً) وتصوّر اآلخر، وكالهما ال يكون إالّ‬ ‫ّ‬ ‫إزاء قرينه. فقد يكون اآلخر قويّا ً ال لقوّة فيه وإنّما لضعف في الذات‬ ‫والعكس صحيح. والسّبيل إلى تحقيق القوّة (العلميّة والتّكنولوجيّة‬ ‫واالقتصاديّة وما يتبعها) نظام وطني ديمقراطي حديث فيه تجاوز‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫لكل مصلحة (فرديّة، حزبيّة، فئويّة) ضيّقة أو عاجلة إلى مصلحة‬ ‫جماعيّة عليا تضمن فيها مصالح األفراد على المدى الطّ‬ ‫ويل. وأساس‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ذلك نهج سياسة مستقبليّة متكاملة تنهض بها الدولة على المدى البعيد‬ ‫دون انقطاع وإن تغيّرت الحكومات تبعا ً للتّداول على السّلطة، وهذا‬ ‫ما نجح فيه وبه الكثير مما نسميه بالقوى العالميّة. ومن المعلوم أنّها‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ال تتغيّر سياساتها بتغيّر حكوماتها. ومن أسسه كذلك أن يراعي من‬ ‫هو في الحكم مصلحةَ الجميع وأن يعارضه من هو خارج الحكم في‬ ‫ما يستوجب المعارضة، ال في ما هو من صميم المصلحة الوطنيّة.‬ ‫ّ‬ ‫ومن شروطه كذلك أن نجتنب أسباب عودة الدكتاتوريّة فرديّة كانت أو‬ ‫جماعيّة. ينجح هذا المشروع باجتناب اإلقصاء والتّ‬ ‫هميش وبزرع قيم‬ ‫العمل والكفاءة والمحاسبة، والمكافأة على قدر المجهود.‬ ‫ عماد محنان: الثّورة أشبه شيء بتحريك قطعة شطرنج‬‫واحدة يغيّر نظام الرّقعة بكامله ويفرض منظومة عالقات جديدة‬ ‫ّ‬ ‫على الالّعبين التّفكير مجدداً لفهم كيفيّات التّعامل معها. فالقوى‬ ‫ّ‬ ‫ّ ّ‬ ‫االستعماريّة التي كانت باألمس القريب تقدم الدعم السّياسي والمادي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫واالستخباراتي للدكتاتوريّات أصبحت في مصاف أعدائها تحاربها‬ ‫بما كانت تسندها به. واألحزاب اليمينيّة تسربلت بوشاح مدني وقبلت‬ ‫ّ‬ ‫لعبة الديمقراطيّة والتّداول ووعدت بالحفاظ على المكتسبات الحقوقيّة‬ ‫ّ‬ ‫واالتّفاقيّات الدوليّة الملزمة. واألحزاب اليساريّة وجدت نفسها خارج‬ ‫ّ‬ ‫قائمة المدعوّين شعبيّا ً وليس أمامها إالّ مراجعة حساباتها أو التّسكع‬ ‫ّ‬ ‫طويالً على قارعة الشارع السّياسي. فقد أتّخذت أزمة الثّقة اتّجاها‬ ‫جديداً بين النّخب اليساريّة والحداثيّة والعلمانيّة من جهة والجماهير من‬ ‫جهة ثانية. واستفحل النّفاق السّياسي فمأل القتلة طوابير جنائز الهالكين‬ ‫ّ‬ ‫من عموم الشعب الذي رفع على كاهلة وزر سنين الجمر ودفع فاتورة‬ ‫الثّورة. فهل هو خلط أوراق على طريقة اللّوطو ليكون نزول الورقة‬ ‫ّ‬ ‫الرّابحة محض صدفة؟ الواضح أن الطّرف الذي يراهن على عدد‬ ‫أكبر من األوراق هو الذي يحظى بفرص أكثر للفوز. لم يستطع منطق‬ ‫المطلبيّة الماديّة أن يفرض نفسه أمام سؤال الهويّة في هذه المرحلة.‬ ‫وهذا ليس فيه قطع للرّجاء من توفّر مجال العمل السّياسي على موطئ‬ ‫ّ‬ ‫قدم لليساريين والعلمانيين. بل إن االعتراف المتبادل هو ضمانة‬ ‫الوجود المشترك والعيش معا. فليس رهان الثّورة مصلحيّا ً انتخابيّا ً‬ ‫بل‬ ‫حضاريّا ً في مداه البعيد.‬ ‫الهوامش‬ ‫(*) أجريت هذا الحوار بتاريخ 03 نوفمبر 1102 وأنا أستعيده‬ ‫هنا كوثيقة دالّة عما كان يكتنف المثقّف في تلك األيّام الجيّاشة الفوّارة‬ ‫ّ‬ ‫من آمال ومخاوف وهُوامات حول ثورة ما تزال أسئلتها التي ال تنتهي‬ ‫تالحقنا، مع الشكر الجزيل للصّديقين الفاضلين اللذين كانت لي معهما‬ ‫مقابسات ممتعة.‬ ‫--------------------‬‫* باحث في اإلناسة ومترجم،‬ ‫‪aboujihedm@gmail.com‬‬ ‫ّ‬ ‫« تسربلت األحزاب اليمينية بوشاح مدني وقبلت لعبة الدميقراطية والتداول ووعدت باحلفاظ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫على املكتسبات احلقوقية. أما األحزاب اليسارية فقد وجدت نفسها خارج قائمة املدعوين شعبياً‬ ‫ّ ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫وليس أمامها إال مراجعة حساباتها أو التسكع طويال على قارعة ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الشارع السياسي »‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫51‬
  • 16.
    ‫نقاط على الحروف‬ ‫ُ‬ ‫ماهكذا تبنى األوطان، ما هكذا تنهض األمم ...‬ ‫بقلم : شكري عسلوج*‬ ‫أبدأ هذا المقال بحكمة هي من أبلغ ما تطرق إلى سمعي وما‬ ‫وقعت عليه عيني وما كان له أعمق الوقع في نفسي. في منفاه في‬ ‫أقصي سيبيريا أو الجحيم المتجمد كما يسميه البعض، كتب ألكسندر‬ ‫سولجينيتسين كتابه «أرخبيل الجوالج»، والذي اقتطفت لكم منه الفقرة‬ ‫التالية: «... ورويدا رويدا، تبيّن لي أن الخطّ الفاصل بين الخير والشر‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ال يمر عبر الدول، وال بين الطبقات أو األحزاب السياسية، بل يمر‬ ‫مباشرة خالل قلب كل إنسان وعبر قلوب البشر جميعا. وهذا الخط‬ ‫يُغيّر موضعه، فحتى داخل القلوب التي يغمرها الشرّ، يظل هناك رأس‬ ‫جسر صغير من الخير قائما، وحتى داخل أطهر القلوب، تظل هناك‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫مضغة صغيرة من الشر لم تُجتث ...»‬ ‫من أهم خصائص دولة الظلم واالستبداد، أنها تناصب العداء‬ ‫َ‬ ‫وتقاوم بل وتسعى للقضاء على كل ما هو خيِّر وجميل ونبيل وفي‬ ‫ّ‬ ‫المقابل فإنها ترعى وتساند وتضخم كل ما هو خبيث وذميم وخسيس‬ ‫في النفس اإلنسانية. لذلك فهي تُعلي من شأن أصحاب النفوس الخبيثة‬ ‫والعقول التافهة والقلوب المريضة، الذين يهرولون لخدمتها والتمسّح‬ ‫ّ‬ ‫على أعتابها لنيل رضاها والتمعش من عطاياها، وتُذل بل وتسحق‬ ‫كبار النفوس وذوي األلباب الذين يعارضونها ويقفون أمام أهدافها‬ ‫ّ‬ ‫الهدامة وأساليبها المقرفة. في كنف دولة الظلم واالستبداد، أنحسر‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫الخير في القلوب ليضمحل ويتالشى اإلحسان بين الناس. وليس أدل‬ ‫ّ‬ ‫مثاال عن ذلك من رجل قدم مساعدة مادية ألسرة سجين سياسي ترك‬ ‫أهله بدون معيل، ليحاكم من أجل ذلك بكل قسوة ويقضي سنوات‬ ‫ُ‬ ‫طويلة في السجون المظلمة بتهمة تمويله لإلرهابيين. فقد كان مكتوبا‬ ‫على الحرّة التي تجاسر زوجها على مقارعة الظالم، أن تجوع أو أن‬ ‫ّ‬ ‫تأكل وتُطعم أوالدها من ثدييها ال من عطايا أهل البر واإلحسان. من‬ ‫ّ‬ ‫أبلغ األمثلة أيضا أوالئك الذين لم يجدوا بُدا من دفع رشاوى سخيّة‬ ‫حتى يتمكنوا من أن يكونوا من بين المحضوضين الذين يُسمح لهم‬ ‫بأداء مناسك الحج.‬ ‫ّ‬ ‫شكل قيام الثورة التونسية واندحار واحد من أعتى األنظمة الشمولية‬ ‫والمستبدة، الذي كان قد حوّل وطننا إلى دولة مارقة تديرها مافيات‬ ‫الفساد واإلفساد، ارتهنت مقدرات شعب بأكمله وعبثت بحاضره‬ ‫وصادرت مستقبله ، حدثا جلال وتاريخا فارقا ليس فقط على الصعيد‬ ‫ّ‬ ‫الوطني وإنما تعداه ليكون سمة بارزة على الصعيد العالمي في تاريخنا‬ ‫المعاصر. شاهدنا بأم أعيننا معجزات لم نكن نعرفها إال من القَصص‬ ‫ّ‬ ‫القرآني أو من األساطير التي درجنا على مطالعتها في قِصص األطفال‬ ‫ونحن أحداث. شهدنا جبابرة كبارهم وصغارهم، والذين كان مجرد‬ ‫ذكر أسمائهم يثير الخوف والرعب في األفئدة، يتهاوون صاغرين‬ ‫ِ‬ ‫مدحورين، وأكتشف أولياءهم وأزالمهم الذين كانوا يستقوون بالطاغية‬ ‫للنيل من بني جلدتهم، أن مثَلهم كان كالعنكبوت الذي احتمى بأوهن‬ ‫َ‬ ‫البيوت، رغم مظاهر القوة والمنَعة الزائفة التي كانت تحيط به. في‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫المقابل شهدنا المقهورين الذين نَكل بهم زبانيتهم ورموهم في غياهب‬ ‫ُّ‬ ‫السجون وحكموا عليهم باإلعدام، يصعدون إلى سدة الحكم في مشهد‬ ‫ّ‬ ‫ذكرنا بنبي هللا يوسف وهو ملقى في أعماق الجُبّ بعدما رماه إخوته‬ ‫ُ‬ ‫فيه ومن بعد سجينا في غياهب السجن بعدما كادت له النسوة قبل أن‬ ‫يرفعه هللا أخيرا ليصبح عزيز مصر والوصي على خزائنها.‬ ‫الثورة التونسية التي بدأت بعبق الياسمين، كانت مبهرة للنفوس‬ ‫ُ‬ ‫ُ ّ‬ ‫ُ ّ‬ ‫وملهمة للعقول ومجددة لألمل ومبشرة بتحقيق األحالم في تكريس‬ ‫ُ‬ ‫مبادئ الخير والعدل وفي إحداث نُقلة نوعية في العقليات وتكريس‬ ‫ممارسات راقية من أجل حياة أفضل للجميع في ربوع هذا الوطن.‬ ‫كانت ظاهرة التشكل التلقائي للدفاع الشعبي عن األحياء والممتلكات‬ ‫واألعراض بعد انهيار المؤسسة األمنية وانتشار المليشيات المأجورة‬ ‫وعصابات الجريمة التي جابت البالد طوال وعرضا ناشرة الرعب‬ ‫والسلب والنهب والحرق، دليال ساطعا على تميّز هذا الشعب ووعيه‬ ‫وإدراكه للحظة التاريخية التي يمر بها وحتمية المحافظة عليها. كما‬ ‫كانت جموع التالميذ الميسورين في عمر الزهور، وهم يتطوعون‬ ‫من تلقاء أنفسهم لتنظيف الساحات العامة، من دواعي األمل والسرور‬ ‫والثقة بمستقبل تونس، وكان سيل اإلمدادات والتبرعات األهلية المتجهة‬ ‫صوب الجنوب لغوث الالجئين من األشقاء الليبيين ومن شعوب العالم‬ ‫كافة، مثاال رائعا على اإليثار والسمو واللحمة بين أقطار األمة الواحدة‬ ‫ّ‬ ‫التي فرّقها االستعمار ووحدَتها الثورة، وكان المدّ‬ ‫َّ‬ ‫التضامني من خالل‬ ‫االنتشار الواسع للجمعيات الخيرية التي تُغيث المستغيثين وتمد يد‬ ‫المساعدة للسائل والمحروم، ألحسن تبيان على الخير العميم الكامن في‬ ‫هذه األرض الطيبة والذي وجد أخيرا متنفَّسا وسبيال للفعل العلني على‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫األرض، بعدما كبت وغيّب ظلما وجورا وقسرا لعقود خلت، وكانت‬ ‫الجموع الجمة التي اصطفت يوم 32 أكتوبر 1102 بصبر وجلد لتدلي‬ ‫ّ‬ ‫بأصواتها وتختار بكل حرية من يحكمها ألول مرة في تاريخ الوطن،‬ ‫محطة تاريخية وضّاءة ومتميزة في الصيرورة التاريخية لثورة تونس‬ ‫المجيدة وإنعتاق شعبنا.‬ ‫أحس التونسيون وكأن العناية اإللهية تتدخل مباشرة في مجريات‬ ‫ّ‬ ‫األمور، وأَن ما خلناه في األمس القريب مستحيال قد أصبح بقدرة‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫قادر في المتناول، وأن خط الخير قد تقدم إلى األمام مكتسحا مساحات‬ ‫«كانت اجلموع اجلمة اليت اصطفت يوم 32 أكتوبر 1102 بصرب وجلد لتدلي بأصواتها وختتار‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫بكل حرية من حيكمها ألول مرة يف تاريخ الوطن، حمطة تارخيية وضاءة ومتميزة يف الصريورة‬ ‫التارخيية لثورة تونس اجمليدة وإنعتاق شعبنا. »‬ ‫61‬
  • 17.
    ‫ُ‬ ‫ما هكذا تبنىاألوطان، ما هكذا تنهض األمم ...‬ ‫الشر الذي كان مستحكما في قلوب الناس وفي معامالتهم بين بعضهم‬ ‫البعض، واستبشرنا خيرا بأن الشر وأجناده قد بدؤوا في االنحسار‬ ‫ّ‬ ‫بعدما تواروا مشفقين من سوء ما بُشروا به وهم يخشون نقمة الشعب‬ ‫الثائر الذي يطلب بالقصاص لما لحقه منهم من جور وانتهاكات وقتل‬ ‫وإثخان في الجراح.‬ ‫ّ‬ ‫كان هذا قبل صدور نتائج االنتخابات وعودة النخب إلى تصدر‬ ‫ّ‬ ‫المشهد، بعد أن أوكل لها الشعب مهمة قيادة الوطن إلى بر األمان‬ ‫ّ‬ ‫ووضع أسس دولة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، بمعنى دولة‬ ‫تحافظ على هوية الوطن وال تحاربها من دين ولغة وتاريخ، لكي‬ ‫تستمد منها القوّة العقائدية والفكرية والمعنوية إلرساء نهضة حقيقية‬ ‫شاملة، تكرّس جوهر التقدم والتطور ال قشوره كما حصل في السابق.‬ ‫ُ‬ ‫لكن الطريق كان قد زرع أشوكا ومطبّات وعراقيل وحتى ألغاما.‬ ‫ِ‬ ‫البداية المتعثرة لمشوار التحيّل على مسار التحول الديمقراطي‬ ‫في تونس، تلخصت في أن رئيس دولة غير منتخب كان قد عيّن‬ ‫رئيس حكومة غير منتخب ورئيسا غير منتخب للهيئة العليا لتحقيق‬ ‫ّ‬ ‫أهداف الثورة واإلصالح السياسي واالنتقال الديمقراطي. إذا صح‬ ‫ما أشيع الحقا، فإن هذه الشخصيات وغيرها، والتي تولت مصير‬ ‫الديمقراطية في تونس ونصّبت نفسها للقيام بمهمة إرساء الجمهورية‬ ‫الثانية، تجمعها أواصر قرابة عائلية وطيدة سواء أكان ذلك حسبا أو‬ ‫نسبا. هذا عالوة على أن هذه الشخصيات، أقل ما يقال عنها أنها تُمثّل‬ ‫رموزا للجمهورية األولى. تركيبة الهيئة كانت غير ممثِّلة للشعب‬ ‫ُ‬ ‫التونسي بقدر ما كانت ممثِّلة لتوجهات ومصالح وارتباطات من‬ ‫ُ‬ ‫عيّنها، وهذا ما أثبتته االنتخابات الحقا. وبما أن الشيء من مأتاه ال‬ ‫ّ‬ ‫يُستغرب فإن المجلس التأسيسي الذي أفرزته هذه الهيئة بقانون انتخابي‬ ‫ّ‬ ‫يعتمد على مبدأ أكبر البقايا وبأمر رئاسي يُحدد عمل المجلس بسنة‬ ‫واحدة رغم إدراك الجميع بأن هذا ال يكفي، كان غير تناسبي بالنظر‬ ‫للتركيبة السياسية والفكرية واالجتماعية للشعب التونسي. الهيئة لم‬ ‫تتفطن أيضا إلى تحصين المجلس التأسيسي من أعوان النظام السابق‬ ‫أو حتى إلى وضع شروط لضمان قدر أدنى من مستوى نواب الشعب‬ ‫الذين سيصوغون الدستور، ولكنها سعت في المقابل إلى فرض مبادئ‬ ‫فوق دستورية حتى تضمن أال يخرج المجلس المرتقب عن الطريق‬ ‫المرسوم سلفا. المجلس التأسيسي كان يحمل إذن جينات فشله وزواله‬ ‫ُ‬ ‫في داخله وقد يكون هذا صدفة أو سهوا وقد يكون أمرا دبّر بليل وأُريد‬ ‫له كذلك أن يكون. ما جرى فيما بعد في رحاب المجلس كان مسلسال‬ ‫من الشغب والعراك والسباب والمناكفات والتغيّب وتعطيل األشغال‬ ‫ألن األقلية سعت إلى فرض رأيها على األغلبية، وبذلك أُسقط المجلس‬ ‫في نظر الكثير من التونسيين كتمهيد إلسقاطه الفعلي على يد أعدائه‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫من داخل رحابه ومن خارجها. من الصفاقة أن من حددوا مدة مهام‬ ‫المجلس التأسيسي بسنة واحدة ومن حالوا دونه ودون إكمال مهامه‬ ‫ّ‬ ‫في المدة المحددة كانوا على رأس من قادوا الحملة لحلّه بعد أن أعلنوا‬ ‫فشله وفقدانه لشرعيته، ومن سوّقوا إلعادة مبدأ الوصاية على الشعب‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫من خالل مجلس أعلى للدولة يكون معينا ويحل محل كل المؤسسات‬ ‫المنتخبة.‬ ‫ُ‬ ‫هذا المشهد التأسيسي المتردي، كان وليد المشهد السياسي الذي ال‬ ‫يقل عنه رداءة، حيث أنه بقي طوال الوقت بعيدا عن كل االنتظارات‬ ‫وما دون المأمول. الطبقة السياسية لم تنخرط في مشروع شعاره‬ ‫«سويّا نوحّد جهودنا ونبني هذا الوطن من جديد» وإنما تصرفت‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫بمنطق «نجاحي يمر عبر فشل خصومي السياسيين ونجاتي تمر عبر‬ ‫القضاء عليهم» وال يهم إن كانت تونس تدفع الفاتورة من دمها ولحمها.‬ ‫قطاعات واسعة من الطبقة السياسية الجديدة تصرّفت بطريقة ال تتميز‬ ‫كثيرا عن النظام السابق من حيث أنها سعت إلى نشر اليأس والقنوط‬ ‫وتأجيج نوازع الشر في نفوس األفراد وتوسيع الفرقة بين الناس‬ ‫بينما أهملت بل أو قاومت نوازع الخير الكامنة في نفوس الناس وفي‬ ‫ّ‬ ‫المجتمع. لم نر الكثير من النماذج في نخبنا التي تصلح أن يُعتَد بها‬ ‫َ‬ ‫وتكون أمثلة عليا يَحتذي بها عامة الشعب والشباب منهم بصفة أخص،‬ ‫ّ‬ ‫وإنما رأينا فصيال صعد إلى سدة الحكم بتفويض واضح من الشعب‬ ‫سعى إلى الحفاظ على الحكم وعلى تماسك الدولة والحيلولة دون انفراط‬ ‫عقد الوطن عن طريق خضوعه لالبتزاز والتنازل المتواصل على‬ ‫المشروع الثوري مقابل فصيل انخرط في مسلسل انقالبي للوصول‬ ‫إلى الحكم واإلطاحة بحكام تونس الجدد بطريقة تكون مهينة ومذلّة قدر‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫اإلمكان وهذه الغاية التي بررت كل الوسائل التي تم اللجوء إليها. وكي‬ ‫نأتي على الوسائل المتَّبعة ذكرا ال حصرا نسوق ما يلي:‬ ‫ُ‬ ‫* الدفع نحو االستقطاب بين التيار اإلسالمي والتيار الحداثي‬ ‫عوض االستقطاب بين مناصري الثورة وأعدائها ودعاة الديمقراطية‬ ‫ومناهضيها بحيث حاد الصراع السياسي عن إطاره الحقيقي وأهدافه‬ ‫المرجوّة.‬ ‫َ ُ‬ ‫* تأجيج الجهويات والفئويات والخصومات والخالفات وحتى‬ ‫حميّة االنتماءات الكروية الكامنة في المجتمع التونسي التي تكرّس‬ ‫فرقته وتهدد لُحمته‬ ‫* االستقواء بالخارج من خالل الهرولة إلى السفارات والدول‬ ‫« الطبقة السياسية مل تنخرط يف مشروع شعاره «سويا نوحد جهودنا ونبين هذا الوطن من جديد»‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وإمنا تصرفت مبنطق «جناحي مير عرب فشل خصومي السياسيني وجناتي متر عرب القضاء عليهم»‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وال يهم إن كانت تونس تدفع الفاتورة من دمها وحلمها. »‬ ‫71‬
  • 18.
    ‫ُ‬ ‫ما هكذا تبنىاألوطان، ما هكذا تنهض األمم ...‬ ‫األجنبية والمنظمات الدولية لتلقّي التعليمات وطلب الدعم وتدويل‬ ‫الشأن الداخلي بحيث أصبحت بالدنا مسرحا لصراعات قوى إقليمية‬ ‫ودولية .‬ ‫* ضرب الشعب التونسي في اقتصاده من خالل المطلبية النقابية‬ ‫المجحفة واإلحجام عن العمل واإلنتاج في إضرابات لم يشهد لها العالم‬ ‫ّ‬ ‫مثيال مع حث الدول المانحة على اإلحجام عن تقديم قروضها وهباتها‬ ‫حتى تتعفن األمور ويتم إسقاط الحكومة أو تنهار ذاتيا، بالتوازي مع‬ ‫ّ‬ ‫افتعال أزمات مع الدول التي وقفت إلى جانب الحكومة وتعمد ضرب‬ ‫ّ‬ ‫السياحة من خالل تهويل الوضع األمني.‬ ‫* االستثمار السياسي للجرائم السياسية لضرب وابتزاز الخصوم‬ ‫السياسيين والتهديد بالمزيد إذا لم يتم االنصياع الالمشروط لإلمالءات‬ ‫ّ‬ ‫*محاولة جرجرة المؤسسة العسكرية التي حافظت إلى حد اآلن‬ ‫على دورها كضامن رئيسي للدولة وتوريطها في الصراع السياسي‬ ‫لترجيح كفّة فصيل دون آخر في مسعى يشي بتوجه انقالبي واضح‬ ‫* تنفيذ إستراتجية لضرب األحزاب ذات المرجعية اإلسالمية‬ ‫تتلخص في التكتيكات التالية: التطاول على المقدسات بطرق هي‬ ‫ّ‬ ‫غاية في الفحش بتِعلّة الفن واإلبداع لحملها على ردة فعل عنيفة تقيم‬ ‫الدليل عليها تمهيدا لقمعها وإقصاءها الحقا وبصفة نهائية من الحياة‬ ‫السياسية، خلق مناخ من التناحر بين مختلف التيارات ذات المرجعية‬ ‫اإلسالمية لتحارب بعضها البعض عمال بمبدأ «فخار يكسّر بعضه»،‬ ‫إلصاق تهمة اإلرهاب بالتيار السلفي وابتزاز حركة النهضة إلجبارها‬ ‫على قمعه فإن هي امتنعت فقد ثبت تورطها في دعم اإلرهاب وإن هي‬ ‫شاركت فيه فقد خسرت أهم رصيد أخالقي ومعنوي لديها، كونها كانت‬ ‫الضحية التي تعرضت لمحرقة بعنوان محاربة التطرف واإلرهاب‬ ‫أو محاربة اإلسالم السياسي باإلضافة إلى إثارة مسائل فقهية خالفية‬ ‫وصراعات مذهبية نحن اآلن في غنى عنها .‬ ‫* المسّ من مؤسسات الدولة والتطاول على رموزها والدفع نحو‬ ‫العصيان المدني والتمهيد له بإعالن إضرابات عامة بدوافع سياسية.‬ ‫* إرباك الحكومة من خالل إثارة الرأي العام ونشر اإلشاعات‬ ‫والبلبلة والخوف وتضخيم المساوئ والسكوت على اإليجابيات‬ ‫ّ‬ ‫والمطالبة بالشيء وضده.‬ ‫* استعمال تِعلَّة استقاللية مؤسسات اإلعالم واألمن والقضاء‬ ‫ِ‬ ‫والبنك المركزي وغيرها للحيلولة دون إصالحها وتطهيرها. هذا‬ ‫غيض من فيض وما خفي كان أعظم.‬ ‫من نكد الزمان وسخرية األقدار أن موازين القوى الخفية تحيلنا‬ ‫إلى المشهد الحالي والذي يتلخص في أن الرّاعي للحوار الوطني‬ ‫ّ‬ ‫للخروج من األزمة الخانقة التي تمر بها البالد هو من أكبر المتسبّبين‬ ‫فيها، كما أن أكبر قوة سياسية في البالد حسبما بَشّ‬ ‫رتنا به استطالعات‬ ‫الرأي، والتي تساهم بصفة أساسية في تحديد المستقبل السياسي لبالدنا،‬ ‫لم تخضع بعد إلى تزكية الشعب من خالل االنتخابات مما يطرح أكثر‬ ‫من سؤال حارق حول مصداقية وكاالت سبر اآلراء هذه ومدى صحة‬ ‫الشكوك التي تحوم حولها والتهم الموجهة إليها في كونها أدواة للتالعب‬ ‫بالرأي العام وتوجيهه حيث يُراد له أن يكون، وذلك لصنع واقع سياسي‬ ‫ّ‬ ‫حسب المقاس. الحراك السياسي الرّاهن أنحسر وتقلّص، ويتلخص في‬ ‫ظل ما يسمى بالحوار الوطني في أن حركة النهضة تقايض التنازل‬ ‫عن الشرعية االنتخابية وبالتالي الخروج اآلمن من الحكم مقابل‬ ‫المحافظة على المسار الديمقراطي وإيقاف المشروع االنقالبي. وحيال‬ ‫فشل حتى المحاوالت المحتشمة للنظام الجديد في فرض وجوه غير‬ ‫مستهلكة وأيدي نظيفة في اإلدارة وفي هياكل الدولة ومؤسساتها، أمام‬ ‫ُ‬ ‫المعارضة النقابية الشديدة لكل التعيينات التي وصمت بأنها تخضع‬ ‫ُ‬ ‫للوالء الحزبي وليس للكفاءة، فهذا يحيلنا إلى حقيقة ساطعة بأن هياكل‬ ‫ُ ّ‬ ‫الدولة ومؤسساتها ولوبيات المصالح والنخب بأنواعها، تعج حتى يوم‬ ‫الناس هذا بهؤالء المرتشين والمفسدين والمتورطين والعمالء أو ما‬ ‫يُصطلح على تسميته بالدولة العميقة التي تقود الثورة المضادة وتسعى‬ ‫بكل الوسائل وبإمكانيات ضخمة إلعادة إنتاج النظام السابق ولو بشكل‬ ‫منمق وبالتالي إجهاض وإفشال كل محاولة إلعادة بناء الدولة على‬ ‫ُ ّ‬ ‫أسس سليمة، تقطع مع الماضي التعيس وتكرس أهداف ثورة الحرية‬ ‫والكرامة وتؤسس لقفزة حضارية في ربوعنا. في هذه الفترة المفصلية‬ ‫وأمام تقلص هامش الفعل والمناورة أمام القوى التي أتت بها الثورة‬ ‫لصالح قوى الردة، يكتم الخيّرون والصادقون أنفاسهم في انتظار‬ ‫مآالت األمور، وتبقى أزمة تونس العميقة هي في حقيقة األمر أزمة‬ ‫أخالق ومبادئ وقيم وعلم وعمل قبل أن تتحول في ظاهر األمر إلى‬ ‫أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية ويبقى األمل في أن يعي‬ ‫الجميع بأن علينا أن نؤسس لدولة الخير في قلوبنا ونفوسنا وعقولنا‬ ‫لكي نراها يوما أمام أعيننا ولكي نعيش في كنفها.‬ ‫-------------‬‫* مهندس‬ ‫‪c_aslouje@yahoo.com‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫« احلراك السياسي الراهن أحنسر وتقلص، ويتلخص يف ظل ما يسمى باحلوار الوطين يف أن حركة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫النهضة تقايض التنازل عن الشرعية االنتخابية وبالتالي اخلروج اآلمن من احلكم مقابل احملافظة‬ ‫على املسار الدميقراطي وإيقاف املشروع االنقالبي»‬ ‫81‬
  • 19.
    ‫تمتمات‬ ‫و أخيرا نجحنا..‬ ‫ّ‬ ‫بقلم: رفيق الشاهد*‬ ‫تونس بلد ليس ككل البلدان. تونس موضع فخر واعتزاز بشعبها‬ ‫ونخبها وموروثها الثقافي المنقى من جملة الحضارات التي توالت‬ ‫عليها عبر آالف السنين. لقد اعترف المستعمر بشجاعة آبائنا وأجدادنا‬ ‫ووثق بسجالته أسماء العديد من أبطال التحرير وغفل كما غفل مؤرخو‬ ‫الحركة الوطنية عن ذكر آخرين كثيرين لم يشهروا نشاطهم تواضعا‬ ‫لوطنهم واعترافا له بأحقية الدفاع عنه دون منة وال رياء.‬ ‫لقد انفتحت البالد التونسية على بلدان صديقة كانت باألمس معادية‬ ‫تنهب ثرواتها فبنت معها عالقات صداقة مصلحة وهي ما تصنف‬ ‫بالعالقات الدبلوماسية الضرورية بين الدول وخاصة المجاورة منها.‬ ‫وهكذا استفاد التونسي من مستعمر األمس الذي لم يكن ساذجا حتى‬ ‫ال يستفيد هو بدوره من التونسي الذي كان يرنو إلى تحقيق أهداف‬ ‫غاية في األهمية وقد نجح في ذلك حيث تمكنت تونس من تكوين نخب‬ ‫تعلمت في مدارسهم وبلغتهم فعرفت قراءة أفكارهم ومجابهة خططهم‬ ‫لتعديل كفة االستفادة من هذه العالقات الدولية التي ال غنى عنها.‬ ‫وموضع فخر آخر لتونس يتمثل في المحافظة على قيم وتعاليم‬ ‫دينها الحنيف الذي بفضل الحركة التنويرية للجامعة الزيتونية لم يمنع‬ ‫االنفتاح على الشعوب والثقافات األخرى من تثبيت أصول الدين‬ ‫اإلسالمي بربوع البالد وتقوية غيرة شعبها على عروبته وتعلقه‬ ‫بثوابت األمة وتعميق إيمانه بالقضية الفلسطينية.‬ ‫لقد أثبتت البالد التونسية مرة أخرى ميزتها عن بقية الدول العربية‬ ‫ومازلت أثق جيدا في كفاءة التونسي وقدرته على المناورة لبلوغ‬ ‫الهدف المنشود باالعتماد على ذكائه. وال يظن أحد أن هذا الذكاء‬ ‫نور يقذف في القلب بل هو نتاج مسار تعليمي راهنت عليه تونس‬ ‫فنجحت في صد كل عدوان خارجي دون جيش على الحدود فوجهت‬ ‫النفقات العسكرية للكتاب والقلم والكراس وأصبحت للبالد أعالم في‬ ‫كل المجاالت العلمية يمكن لها االستفادة منها في كل مناسبة.‬ ‫هل يخشى على البالد التونسية من فوضى الربيع العربي؟‬ ‫ال يستحق الجواب أن أنضوي تحت جناح الحزب الحاكم وال‬ ‫المعارضة حتى ال يقال أنه رأي منحاز. وال أخشى من تفاؤلي‬ ‫المفرط وإن خاب. وكيف يخيب ظني، ويكفي تونس فخرا أنها أشعلت‬ ‫فتيل الثورات العربية بثورة ال مثيل لها، على الطريقة التونسية‬ ‫وبخصائصها. فكانت ثورة شعبية يقودها الوعي االجتماعي والثقافي‬ ‫للفرد بمختلف درجات تعلمه ومختلف انتماءاته الفكرية والعقائدية.‬ ‫وفوجئ السياسيون الذين اعتقدوا بنرجسيتهم أنهم فوق شعب أثقل‬ ‫كاهله حتى هرم فكادوا يفقدون الثقة في العامل الخاضع لسلطان‬ ‫الخبرة والموظف المكبل بقيود اإلدارة. من يملك القدرة على طرد‬ ‫حاكم تغلغلت سلطته في كامل أرجاء البالد؟ ال يقدر على ذلك إال شعب‬ ‫ّ‬ ‫قادر متعلّم ومتمرّس شجاع. ذلك الذي لم يقدروه حق قدره ولم يعرفوا‬ ‫ّ‬ ‫حق شأنه واستهانوا بقدرته، قدر ودبّر ولم يتهوّر حين أقدم على تحدي‬ ‫جالده وطرده ثم حمل مفتاح القصر الذي أسال لعاب الطامعين هدية‬ ‫لمشروع حاكم يحكم بسلطان شعبه.‬ ‫ال أبالغ فإنني منبهر بما أشهده من فوضى وغليان بين المتنازعين‬ ‫على السلطة وإني كنت أخشى على الثورة لو لم يكن ما آلت إليه البالد‬ ‫من اهتزازات عنيفة وموجعة أحيانا. إن ما تحقق لتونس ال يمكن‬ ‫تقديره لقد فات كل توقع. لقد أثبتت النخب ثقلها وأفرزت خياراتها.‬ ‫إنه إلنجاز عظيم وال أظن الثورة منتهية بل دائمة ومستدامة على كل‬ ‫من يخالف إرادة الشعب إرادة الحياة ومهما تطلب ذلك من قرابين من‬ ‫األعزاء األخيار.‬ ‫ال يهم اليوم من يحكم البالد طالما اكتسبت أصوات شجاعة تعلو‬ ‫على كل متكبر متعال وعيونا يقظة تسهر على كنوزها عسى أن تمتد‬ ‫لها يد غادر ماكر عرفت وتمرست على خلعه وطرده.‬ ‫إنني اخترت اليوم إن أدعم استمرارية الثورة استثمارا ألبنائي‬ ‫وتأمينا لميراث يستحق الذكر فيجلب لي الرحمة في قبري. سأعمل‬ ‫مضاعفا وازهد في الحياة ما استطعت دعما لسياسة البالد وإنجاح‬ ‫مشاريعها بصرف النظر عن من يسيرها وأعد نفسي وأعاهدها على‬ ‫أن أكون ذلك المسمار الذي ينخر دبر الجالس على العرش مهما كان‬ ‫حتى ال يهنأ فيطيل البقاء.‬ ‫-------------‬‫* مهندس‬ ‫‪chahed@meteo.tn‬‬ ‫91‬
  • 20.
    ‫الكلمة الحرة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫اإلسالميون والثوراتالعربية ... على سرير بروكوست‬ ‫ْ ْ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫بقلم : عبد اللطيف علوي *‬ ‫تحكي األسطورة اإلغريقية عن شخصية قاطع طريق يدعى‬ ‫بروكست. كان يسكن في مدينة كوريدال. وكان يخرج إلى الطريق‬ ‫الرابطة بين أثينا وإيلوسيس، فيقبض على المسافرين، ليمارس عليهم‬ ‫تعذيبا بالغ الغرابة. وقد كانت أداته في التعذيب هي مقاس السرير.‬ ‫حيث كان يخدع المسافر بدعوى ضيافته، لكن بمجرد ما يدخله إلى‬ ‫بيته يبدأ في ممارسة عنفه السّادي عليه. حيث كان لديه سريران واحد‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫صغير الحجم جدا والثاني كبير جدا. فإذا كان المسافر من طوال القامة‬ ‫ّ‬ ‫يمدده على السرير الصغير، ثم يقطع رجليه حتى ال يبقى من الجسد‬ ‫إال ما يماثل حجم السّرير. أما إذا كان من قصار القامة فيمدده على‬ ‫السرير الكبير، ثم يمطّط جسده حتى يطول ويستوي على مقاسه. وكلتا‬ ‫ّ‬ ‫العمليتين مؤلمتان جدا.‬ ‫تكاثرت جرائم بروكست، لكن حظّه العاثر أوقعه يوما في مسافر‬ ‫من نوع خاص، إنه البطل األثيني تيسي. فقام هذا األخير بقتله بنفس‬ ‫طريقة التعذيب التي كان يمارسها على ضحاياه، أي التمديد على‬ ‫السّرير والبدء في بتر ما ال يتناسب مع مقاسه، أو تمطيط الجسد حتى‬ ‫يتماشى مع مساحة السّرير...‬ ‫تلك هي حكاية هذه األسطورة الشهيرة.. وإني إذ أستحضرها هنا‬ ‫ّ‬ ‫فذلك للتمهيد لتصوير عالقة القوى العربيّة والدوليّة باإلسالميّين على‬ ‫سرير الثّورة . إذ أجد بين حالة بروكست وواقع الثورات العربيّة تشابها‬ ‫كبيرا. وبين ساطوره وسريره، وبين طرائق المعارضة ومناهجها في‬ ‫ّ‬ ‫التّعامل مع مسألة الشرعيّة قرابة ونسبا. وبين الجسد المسكين الذي‬ ‫يوضع للقطع أو التمطيط على السرير، والسّيرة والمسيرة الّتي توضع‬ ‫على طاولة النّخب العربيّة مقاربة إن لم نقل مماثلة !!‬ ‫بعد ثالث سنوات عن انقداح شرارة الثّورات العربيّة، بدأ غبار‬ ‫المرحلة يتالشى تدريجيّا ومجال الرّؤية يتّسع أكثر، وبدأت عناصر‬ ‫المشهد تتجمع وتتكامل شيئا فشيئا والمسارات تسفرعن مالمح نهاياتها‬ ‫ّ‬ ‫المرجّحة، وجدير هنا أن نلفت االنتباه بوضوح إلى فعل الشّ‬ ‫روع‬ ‫ّ‬ ‫«بدأت»، ألن عمليّة التّفاعل الكيميا- تاريخي ما تزال أبعد ما تكون‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫عن إفراز مخرجات محددة يمكن الجزم بها في هذا االتّجاه أو في ذاك.‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫من المفيد أن نسجّل بداية، أن حدث الثّورات العربيّة، وإن بدا‬ ‫مفاجئا- وأحيانا ال تاريخيّا في منظور البعض - ال يمكن عزله عن‬ ‫سياق كامل بدأ مع نهاية األلفيّة المنقضية واقترن ببداية األلفيّة الثّالثة،‬ ‫هذا السّياق الكوني بدأ بانفجار معلوماتي تالشت معه الحدود وتعرّت‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫مختلف األوضاع الّ‬ ‫تي تعيشها البلدان ومعوقات الحركة لديها، فشهدنا‬ ‫ّ ّ‬ ‫تحرّك كنتونات المعسكر الشرقي نحو الفضاء اللّيبرالي الديموقراطي،‬ ‫ّ‬ ‫ّ ّ‬ ‫وليس بعيدا عنها – في المسار الخطّي التّ‬ ‫اريخي – شعوب أمريكا‬ ‫ّ‬ ‫الجنوبيّة وشعوب إفريقيّة كثيرة. ضمن هذا السّياق المترابط، كانت‬ ‫حركة التّاريخ الخفيّة تحضّر ركحا آخر وإن اختلفت مقتضيات‬ ‫ّ‬ ‫اإلخراج بحسب الزمان والمكان ... الرّكح العربي .‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫بعض المتحذلقين يجدون رواجا لمقولة إن الرّبيع الثّوري العربي،‬ ‫ّ‬ ‫حدث ال تاريخي ومفتعل، ويؤسّس أصحاب هذا القول رأيهم على‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫مجرّد معطيات وصفيّة ال ترقى إلى مستوى التّحليل المركب لما‬ ‫حدث، فينطلقون من كون هذا الحراك كان تلقائيّا غير مؤطّر، ولم تكن‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫له قيادات معيّنة، ولم يرفع شعارات ايديولوجيّة محددة، بل إن هناك‬ ‫ّ‬ ‫من اعتبرها مجرّد انتفاضة جياع ال تحمل في طيّاتها أي أفق سياسي‬ ‫ّ‬ ‫أو ايديولوجي، وغيرهم من ربط األمر كلّه بمؤامرة كونيّة كبرى‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫عنوانها مشروع الشرق األوسط الجديد والفوضى الخالّقة بالمفهوم‬ ‫الجيوسياسي األمريكي ...‬ ‫ّ‬ ‫غير أن تسطيح األمر عند مجرّد مالحظة األحداث القادحة‬ ‫المباشرة ، أو التّوقّف عند مجرّد ربطه بمخطّ‬ ‫طات دوليّة معلومة منذ‬ ‫ّ‬ ‫«سايكس بيكو» وما قبله، كل ذلك ال قيمة له إذا لم يضع في االعتبار‬ ‫ّ ّ‬ ‫المعطى الرّئيسي لكل حركة ديناميّة تاريخيّة بهذا الحجم، وهو تقاطع‬ ‫ّ‬ ‫كل ما سبق ذكره مع النّضج الموضوعي لتفاعالت اجتماعيّة وسياسيّة‬ ‫ّ‬ ‫وبنيويّة في المجتمع العربي منذ عقود، وتحديدا منذ انتقال ناصية‬ ‫ّ‬ ‫الشعوب العربيّة – على األقل في شكلها الظّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫اهر والمعلن – من القبضة‬ ‫ّ‬ ‫االستعماريّة ، إلى قبضة ما سمي بالدولة الوطنيّة أو دولة االستقالل ..‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫من هنا يصح القول، إن الفرن الحقيقي الّذي أنضج الظّروف الممكنة‬ ‫ّ‬ ‫للثّورة العربيّة الكبرى – إن جاز أن نستعمل هذا المصطلح – هو ما‬ ‫عاشته شعوبها طيلة العقود السّابقة من تغوّل السّلط الوريثة لالستعمار‬ ‫وتحوّل بلداننا إلى سجون ومعتقالت كبرى على امتداد حدودها،‬ ‫ّ ّ‬ ‫وبروز أقلّيّات ساديّة مستغلّة لكل مقدرات الحياة في هذه البلدان بشكل‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫حصريّ، ودون أي اعتبار ألبسط قواعد العيش المشترك، فكان ال بد‬ ‫من حركة مقاومة داخل هذه المجتمعات، ودون أن نغمط ما كان للقوى‬ ‫الليبراليّة واليساريّة والنّقابيّة من دور في مسيرة المقاومة الطّويلة، فإنّه‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ال يمكن ألي منصف أن ينكر أن الحضور األقوى واألوسع جماهيريّا‬ ‫واألكثر فاعليّة واألقسى تكلفة كان للحركات اإلسالميّة في مختلف‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫البلدان العربيّة، على اختالف تجاربها حدة أو دمويّة. والحقيقة أن‬ ‫مجال القول في تفسير ذلك طويل ومتشعّب ، ولسنا هنا بصدد تفصيله،‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫«إن حدث الثورات العربية، وإن بدا مفاجئا ال ميكن عزله عن سياق كامل بدأ مع نهاية األلفية املنقضية‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ ّ‬ ‫واقرتن ببداية األلفية الثالثة، هذا السياق الكوني بدأ بانفجار معلوماتي تالشت معه احلدود وتعرت‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫خمتلف األوضاع اليت تعيشها البلدان ومعوقات احلركة لديها. »‬ ‫02‬
  • 21.
    ‫ّ‬ ‫اإلسالميون والثورات العربية... على سرير بروكوست‬ ‫ْ ْ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫لكنّنا نستطيع أن نكتفي ببعض العناوين الكبرى ، أهمها :‬ ‫ّ‬ ‫* االمتداد التّاريخي للحركة اإلسالميّة باعتبارها وريثة للحركات‬ ‫اإلصالحيّة في العالم العربي، منذ بداية عصر النّهضة العربيّة، مرورا‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫بحضورها القوي في مواجهة المستعمر، واألمثلة هنا أوسع من أن‬ ‫تحصر : الثعالبي، ابن باديس، الشيخ بوعمامة، عبد الكريم الخطّ‬ ‫ابي،‬ ‫عمر المختار، عز الدين القسام ... وكثيرون غيرهم‬ ‫ّ‬ ‫* انطالق المشروع من المخزون الحضاري العميق لإلنسان‬ ‫العربي .‬ ‫ّ‬ ‫* ردة الفعل الطّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫بيعيّة والمفهومة تاريخيّا بعد كل فترة استعماريّة،‬ ‫ّ‬ ‫وهي تتمثّل غالبا في نزوع الشعوب التي كانت مستعمرة إلى التّحصّن‬ ‫بالهويّة كنوع من الضّمانة والحماية.‬ ‫* العنجهيّة الفكريّة للنّخب العربيّة الليبراليّة واليساريّة، وفشلها‬ ‫ّ‬ ‫في خلق التّوازن الضّروري بين القوالب النّظريّة المستوردة‬ ‫وخصوصيّات الواقع العربي الموضوعي.‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫كل هذه العوامل رشحت الحركة اإلسالميّة ألن تكون في طليعة‬ ‫ّ‬ ‫القوى المناضلة ضد االستبداد والحيف االجتماعي والمسخ الثّقافي،‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫فدفِع بها إلى قلب الرّحى عقودا طويلة مظلمة، ال شك أنّها كانت أقسى‬ ‫ُ َ‬ ‫في التّاريخ العربي حتّى من ممارسات استعماريّة سابقة..‬ ‫ّ‬ ‫بعد 41جانفي 1102، وما تالها في مصر وليبيا واليمن، أصبحت‬ ‫ّ‬ ‫الثّورة أمرا واقعا وجب على النّخب وعلى كل الحساسيّات بمختلف‬ ‫مشاربها أن تتعامل معه، وبدأ التّخلّص من ربكة اللّ‬ ‫حظة التّاريخيّة‬ ‫ّ‬ ‫واالستعداد لمرحلة الحصاد، بالتّوازي مع كل ذلك، كانت مراكز‬ ‫ّ‬ ‫القرار الدولي هي أيضا في حالة ذهول وانتظار وتربّص بأي معطى‬ ‫ّ ّ‬ ‫جديد كي تبني عليه استراتيجيّتها البديلة تجاه بلدان لطالما كانت‬ ‫مخزونا استراتيجيّا غير مكلف وال مشاغب ...‬ ‫ّ‬ ‫ّ ّ‬ ‫الجدير بالذكر هنا – للتّاريخ – أن كل هذه القوى المختلفة،‬ ‫ّ‬ ‫الداخليّة والخارجيّة، لم تطرح على الطّاولة في الفترة األولى – ما‬ ‫قبل االنتخابات – الورقة االيديولوجيّة ولم تستهدف التّ‬ ‫يّار اإلسالمي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫بشكل مباشر ووجودي (رغم بعض البدايات غير الممنهجة في التناول‬ ‫اإلعالمي المعادي)، بل إنّه قد بدا على بعضها ما يشبه الرّغبة في‬ ‫ّ‬ ‫التّكفير عن تجاهل المحرقة التي تعرّضت إليها، وربّما عن تواطئها‬ ‫ّ‬ ‫الخفي والمعلن ... ولعل السّبب في ذلك كان سوء تقدير هذه القوى‬ ‫ّ‬ ‫مجتمعة لمدى الحضور الفعلي للتّيّار اإلسالمي في الميزان االنتخابي،‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ومدى قدرته على التّعبئة، واالستفادة من آليّات الحراك الجديد في‬ ‫بلدان الرّبيع العربي ..‬ ‫ّ‬ ‫المنعرج الحاد الّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ ذي دفع كل هذه المتناقضات إلى السّطح السّياسي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫كان نتائج االنتخابات، حيث بدأ مسار السّقوط المدوّي لكل المكوّنات‬ ‫الليبرالية واليسارية والقومية التقليدية، في مقابل الصّعود الكاسح‬ ‫لإلسالميّين في مصر (في أكثر من خمس مناسبات انتخابيّة)، وفي‬ ‫المغرب األقصى، وفي تونس (رغم الضّربة الفنّيّة االستباقيّة المتمثّلة‬ ‫ّ‬ ‫في قانون االنتخاب على أساس أكبر البقايا) ومع ذلك فإن الفارق في‬ ‫حاصل النّتائج يوم 32 أكتوبر 3102 عكس اختالال رهيبا في ميزان‬ ‫القوى بين طرف بعينه وهو حركة النّهضة وبقيّة مكوّنات المشهد‬ ‫السياسي .‬ ‫ّ‬ ‫هذا االنقالب الدراماتيكي في مسار الثّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ورات العربيّة خلط كل‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫األوراق، وأسقط كل الحسابات المراهنة على القنوات الطّبيعيّة‬ ‫ّ‬ ‫الديموقراطيّة في الوصول إلى الحكم ، بل كشف عن مشهد استشرافي‬ ‫ّ‬ ‫يؤكد أن هذه الحركات اإلسالميّة – إذا سمح لها بالنّجاح – فإنّ‬ ‫ّ ّ‬ ‫ها‬ ‫ّ‬ ‫ستدشن مرحلة طويلة من االستئثار بالحكم وعصرا غير محسوب‬ ‫العواقب بالنّ‬ ‫ّ‬ ‫سبة لكثير من القوى الدوليّة ذات المصلحة .‬ ‫من هنا بدأت فصول المعركة، معركة اإلفشال في البداية، لكنّها‬ ‫ّ‬ ‫سرعان ما تحوّلت إلى معركة وجود وكسر عظم، تستعمل فيها كل‬ ‫األسلحة، بدءا باإلشاعة والتّشويه والتّضليل، مرورا باإلضرابات‬ ‫ّ‬ ‫واالعتصامات والتّجييش االجتماعي، وصوال إلى االنقالب العسكري‬ ‫ّ‬ ‫والقتل والحرق واإلبادة كما حدث في رابعة العدويّة، وفي كل محطّات‬ ‫القمع الّتي تلت انقالب العسكر في مصر .‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫كل ذلك حدث، ويحدث، في كل بلدان الرّبيع العربي وفق تمشٍّ‬ ‫ّ‬ ‫ممنهج وموقّع، يبدأ من محطّ‬ ‫ّ‬ ‫ات محددة ويصل إلى نتائج مدروسة‬ ‫تماما ...‬ ‫* بدأ األمر بالتّشكيك في مشاركة اإلسالميّين في الثّ‬ ‫ورة، وكانت‬ ‫ّ‬ ‫ْ‬ ‫الحجّة في ذلك أنّه لم تُرْ فَع في تلك التّحرّكات الشعبيّة شعارات إخوانيّة،‬ ‫ّ‬ ‫لكن هذه الحجّة يدحضها المنطق والواقع معا، حيث أنّه لو كان غياب‬ ‫الشعارات الحزبيّة أو االيديولوجيّة دليال على غياب هذا الطّ‬ ‫ّ‬ ‫رف أو‬ ‫ذاك، الستنتجنا ببساطة أنّه ال أحد من هذه األطراف السياسية مجتمعة‬ ‫ّ‬ ‫قد شارك في الحراك الثّوريّ، ألنّنا لم نر في كل فعاليّات الثورة‬ ‫التونسية قبل سقوط بن علي شعارات مرجعيّة لليمين وال لليسار.‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫األمر الثّاني، أنّه من الذكاء الفطري الغريزي لهذه الثّورات أنّها‬ ‫ّ‬ ‫« هناك العديد من العوامل اليت رشحت احلركة اإلسالمية ألن تكون يف طليعة القوى املناضلة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ضد االستبداد واحليف االجتماعي واملسخ الثقايف، فدفع بها إىل قلب الرحى عقودا طويلة‬ ‫ّ َُِ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫مظلمة، ال شك أنها كانت أقسى يف التاريخ العربي ح ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ ّ‬ ‫ّ تى من ممارسات استعمارية سابقة. »‬ ‫ّ‬ ‫12‬
  • 22.
    ‫ّ‬ ‫اإلسالميون والثورات العربية... على سرير بروكوست‬ ‫ْ ْ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫لم ترفع شعارات مخصّصة ألطراف معيّنة، وإالّ لكان بإمكان تلك‬ ‫األنظمة أن تجهز عليها بحجّة العمالة لهذا الطّرف أو اإلرهاب الديني‬ ‫ّ‬ ‫أو غير ذلك ..‬ ‫لقد تنبّه الخصوم – الّذين صاروا موضوعيّا أعداء بما أنّهم أسقطوا‬ ‫االلتزام بشرف الخصومة – إلى أن أهم عامل في نجاح الحركة‬ ‫ّ ّ‬ ‫االسالميّة االنتخابي، هو الرّأسمال الرّمزي المتمثّ‬ ‫ّ‬ ‫ل في تاريخها‬ ‫ّ‬ ‫النّضالي، و في االعتبار األخالقي السّلوكي الّذي ال يزال محدّ‬ ‫دا في‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫المخيال الشعبي عموما، فأطلقت حرب التّشويه على مدار السّاعة‬ ‫ّ ّ‬ ‫ّ‬ ‫لتسفيه المناضلين وضرب ثقافة النّضال، فافتعلوا كل أصناف الفضائح‬ ‫األخالقيّة والسّياسيّة، واستدعيت حتّى أساليب النّظام القديم في هتك‬ ‫األعراض والتّجريح والنّيل من شرف اإلنسان‬ ‫ّ‬ ‫يعلم الجميع أن اإلسالميّين كانوا في قلب الحراك الثّوريّ، بحكم‬ ‫ّ‬ ‫أنّهم واقعيّا يشكلون القاعدة المتسيّسة األعرض في البالد، وليس بعيدا‬ ‫عن المتاح ما يعرض من مشاهد موثّقة لقياديّين إسالميّين كثر في‬ ‫ّ‬ ‫مصر كما في تونس، كانوا في الصّفوف األولى للحراك الثوريّ، لكن‬ ‫ّ‬ ‫األكيد أنّهم اختاروا أن ال يتمايزوا عن اللّوحة الشعبيّة العامة بشعارات‬ ‫ّ‬ ‫حزبيّة، وهذا كان سببا هاما من أسباب نجاح هذه الثّورات ..‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫في مصر، كان معلوما منذ البداية أن الوضع سيكون أكثر حرجا‬ ‫وتعقيدا، العتبارات ال يحيط بها أهل االختصاص وحدهم، وكان مجرّد‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫التّوهّم بأن إسرائيل وعكاكيزها اإلقليميّة أو الدوليّة، ستقبل واقعا‬ ‫ّ‬ ‫مماثال أو تفكر مجرّد التّفكير في التّعامل معه كأمر واقع .. القول بذلك‬ ‫أو التّفكير فيه كان أشبه ما يكون بنكتة سمجة ال تضحك أحدا ..‬ ‫المنظومة االنقالبيّة في مصر ضمت توليفة شديدة التّركيز من‬ ‫ّ‬ ‫عناصر مختلفة لكنّها تقاطعت كلّها في المصلحة االستراتيجيّة،‬ ‫وأهمها : الالّعب الدولي صاحب المصلحة العليا في المنطقة ممثّلة‬ ‫ّ ّ‬ ‫ّ‬ ‫في الصّهيونيّة، وحليفها الخليجي صاحب المصلحة في اإلبقاء على‬ ‫ّ‬ ‫النّموذج الرّجعي النّفطي في المجتمع والحكم، ومربّع الفساد الداخلي‬ ‫ّ ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫المتمثّل خاصّة في رأس المال الوسخ، واألمن الّذي تربّى في ظل‬ ‫عقيدة ال وطنيّة وال ديموقراطيّة، والقضاء الفاسد واإلعالم االنتهازيّ،‬ ‫ّ‬ ‫يضاف إلى كل ذلك طبقة من النّخبة السّياسيّة والفكريّة المدينة بوالءاتها‬ ‫لمنظومة الفساد واالستبداد .‬ ‫بعد خمس محطّات انتخابيّة معلومة النّتائج، بدأ اإلعداد مباشرة‬ ‫ّ‬ ‫للسيناريو االنقالبي المتكامل، فاشتغلت المنظومة بكل أذرعها:‬ ‫ّ‬ ‫اإلعالمي بمخطّط الدعاية السّوداء، والقضائي بتعطيل عمل المؤسّسات‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫المنتخبة الّتي مازالت تشكو بدورها هشاشة الخطوات األولى، واألمني‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫بخلق حالة غير مسبوقة من االنفالت بغرض تهرية الدولة، والسّياسي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫بعزل اإلخوان تماما في الحكم وفي السلطة التّشريعيّة لتمرير فزاعة‬ ‫ّ‬ ‫األخونة، والدولي بتوفير الغطاء السياسي لكل ذلك ...‬ ‫ّ ّ‬ ‫ّ‬ ‫النّتيجة ال تحتاج إلى تذكير: ذبح الحركة اإلسالميّة في مصر، وكل‬ ‫ْ ُ‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫أمل في حياة سياسيّة تعددية على معابد نفس المقوالت التّنويريّة التي‬ ‫ترفع كشعارات للمرحلة ...‬ ‫السّيناريو التّونسي كان الحقا للسّيناريو المصري في محطّ‬ ‫ّ‬ ‫ات‬ ‫ّ‬ ‫كثيرة ومتأثّرا بنتائجه على كل المستويات وفي جميع االتّ‬ ‫ّ‬ ‫جاهات،‬ ‫ّّ‬ ‫ولذلك نجد أنّه بقدر ما استفادت قوى الردة أو اإلقصاء االيديولوجي‬ ‫ّ‬ ‫من نتائج المعركة المصريّة لخلق المناخ االنقالبي وتجييش ما أمكن‬ ‫ّ‬ ‫تجييشه، بقدر ما استفادت حركة النّهضة هي أيضا من نفس المعركة‬ ‫لتطوير أساليبها في إدارة المرحلة، وتفادي الخطإ القاتل الّذي وقع‬ ‫ّ‬ ‫فيه إخوان مصر، وهو في تقديري االطمئنان السّاذج إلى يقين أن‬ ‫المعطيات على األرض قد تغيّرت تماما وأنّه ال مجال أبدا للعودة إلى‬ ‫الوراء.‬ ‫المسار االنقالبي في تونس مازال متواصال وال يمكن الجزم‬ ‫ّ‬ ‫بمآالته بمجرّد استشراف انطباعي يقوم على التّفاؤل أو التّ‬ ‫ّ‬ ‫شاؤم، لكن‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫األكيد أن تعامل النّهضة غير المتوقّع وغير التّقليدي معه قد قصّر‬ ‫ّ‬ ‫في عمره وكشف الكثير من أوراقه وحشره في الزاوية أكثر من مرّة.‬ ‫ّ‬ ‫سياسة إسقاط األعذار وإقامة الحجّة على الخصوم، الشك أنّها‬ ‫منهجيّا تتّسم بالحكمة وبالمرونة ، وقد تجنّب الحركة – ربّما إلى‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫حين – الصّدام المباشر والمصيري مع حتميّة ما يراد لها، لكن ذلك‬ ‫ّ‬ ‫لن يحقّق سوى تأجيل الحسم ال أكثر، ألن أيّة قراءة متأنّيّة ستخلص‬ ‫إلى نتيجة ال جدال فيها: وهي أن قرار تصفية الثّ‬ ‫ّ‬ ‫ورات العربيّة قد‬ ‫ّ‬ ‫اتّخذ، وتقرّر أن يكون البديل عنها إما عودة الديكتاتوريّات التّقليديّة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫بنفس شروط الحماية، أو إحالل الفوضى ودفع هذه الشعوب إلى حالة‬ ‫ّ‬ ‫التّدمير الذاتي كما في السّيناريو السّوري ..‬ ‫ّ ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ملخص الفكرة أن الثّورات العربيّة كشفت أن الضّحيّة قد استبطنت‬ ‫ثقافة الجالّد وتمثّلتها وأنّها لم تعد تستطيع أن تعيش أو تفعل إالّ في‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫شروطه ... بعض القوى تحجّمها الديموقراطيّة وتقزمها وتجعلها مجرّد‬ ‫العب صفري ال أمل له في المنافسة الحقيقيّة والتّ‬ ‫ّ‬ ‫داول المؤسّسي على‬ ‫السّلطة ... عندما يكون لدينا مثل هذا االختالل الفادح في موازين‬ ‫ّ‬ ‫القوى الحزبيّة ، ينتج اليأس من العمليّة الديموقراطيّة، وتصبح‬ ‫ّ‬ ‫السّاحة السياسية غابة، تستباح فيها كل قيم التّعايش المشترك، التّوازن‬ ‫ّ‬ ‫هو شرط أساسي لتحقّق الديموقراطيّة، وما لم تجد القوى العلمانيّة‬ ‫ّ‬ ‫والليبراليّة صيغة للتّنظّم والتّ‬ ‫حالف القائم على أسس وطنيّة واجتماعيّة‬ ‫ّ‬ ‫حقيقيّة ستظل التّجربة العربيّة محكومة بسيناريوهات االنقالب على‬ ‫اإلسالميّين، الّذين، شاء لهم القدر والتّ‬ ‫ّ‬ ‫اريخ أن يكونوا قربان الحريّة في‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫عصر االستبداد، وقربان بناء الدولة الديموقراطيّة بعد الثّورة .‬ ‫-------‬‫* مرب تونسي وشاعر وناشط سياسي‬ ‫ُ ٍّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫‪alouiabdellatif222@gmail.com‬‬ ‫« املسار االنقالبي يف تونس مازال متواصال وال ميكن اجلزم مبآالته مبجرد استشراف انطباعي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫يقوم على التفاؤل أو التشاؤم، لكن األكيد أن تعامل النهضة غري املتوقع وغري التقليدي معه قد‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫قصر يف عمره وكشف الكثري من أوراقه وحشره يف الزاوية أكثر من مرة»‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫22‬
  • 23.
    ‫همسات‬ ‫هل هي ثورةفعال ؟ هل هي انتفاضة ؟‬ ‫هل هي مسار ثوري ؟ أم ماذا ؟‬ ‫بقلم : إسماعيل بوسروال*‬ ‫مقدمة‬ ‫تحيي البالد التونسية هذه األيام الذكرى الثالثة لثورة الحرية‬ ‫والكرامة التي دارت أحداثها بين 71 ديسمبر0102 و41 جانفي1102‬ ‫وفق التحديد الرّسمي الوارد في توطئة الدستور الجديد الذي تناقش‬ ‫فصوله هذه األيام ...ولكن من باب التساؤل المنطقي عن التحوالت‬ ‫الطارئة في البـالد أردت أن أطــرح أسئلـــة فرضت نفسهـــا علـي:‬ ‫ّ‬ ‫هل هي ثورة اكتملت فعال صورتها وتوضّحت أهدافها وانخرط‬ ‫«الثوار الجدد» في مشروع جديد مختلف عن النظام السابق؟ أم هي‬ ‫انتفاضة شعبية واحتجاجات في شكل «غضبــة» تجسّدت أهدافهــا‬ ‫ّ‬ ‫في فرار رأس النظام وحل حزب التّجمع الحاكم وبذلك فرح النّاس‬ ‫ّ‬ ‫وسعدوا بذلك ورجعوا إلى ديارهم مسرورين ؟ أم هي مسار ثوري بدأ‬ ‫بإسقاط رأس النّظام وجهازه الحزبي؟ أم هي شيء آخر مختلف عما‬ ‫ّ‬ ‫ذكرت وأخذت من كل شيء بطرف ؟‬ ‫71 ديسمبر و41 جانفي تاريخان مهمان في الثورة التونسية‬ ‫مثّل 41 جانفي 1102 عالمة فارقة في تاريخ تونس القريب ألنه‬ ‫وضع نهاية لحكم الفرد ذي السلطات المطلقة. صحيح أن االحتجاجات‬ ‫اندلعت في سيدي بوزيد يوم 71 ديسمبر إثر إحراق محمد البوعزيزي‬ ‫نفسه أمام مقر الوالية، وصحيح أن األحداث اتسعت وشملت مختلف‬ ‫جهات الجمهورية دون استثناء، وصحيح أن دور الطبقات المهمشة‬ ‫ّ‬ ‫واألحياء الفقيرة والجهات الداخلية كان حيويّا، ولكن ثمة «قوة» قاهرة‬ ‫بقيت خفيّة إلى اليوم ساهمت في تتويج ذلك الحراك الشعبي العفوي‬ ‫والسلمي –غالبا - والرائع بضربة «معلم» جعلت من األحداث تنتهي‬ ‫ّ‬ ‫نهاية «سعيدة جدا» بأخف األضرار وبأقل التكاليف قياسا بتضحيات‬ ‫شعوب أخرى مازالت تدفع معاناة مأسويّة كالشّ‬ ‫عب السّوري حاليّا .‬ ‫يتّسم المشهد الحالي في تونس بوضع متحرك غير نسقي فهو يتّجه‬ ‫أحيانا نحو مســار إيجابــي ويتّجــه أحيانــا أخرى اتجاها سلبيّا مما‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫يحد من التفاؤل الذي يظهر بين الحين واآلخر. فأثناء مناقشة الدستور‬ ‫خالل الشهر الحالي، وفي حين يواصل رؤساء األحزاب « حوارهم‬ ‫الوطني» و حزمت «لجنة التوافقات» التابعة للمجلس التّأسيسي‬ ‫أمرها وقرّبت وجهات النظر وتم ادراج «تحجير التكفير» ضمن نص‬ ‫ّ‬ ‫الدستور، نجد عددا البأس به من الصّحف اليوميّة واألسبوعيّة تحمل‬ ‫ّ‬ ‫عناوين مشحونة بالحقد والكراهيّة ضد الترويكا والنّهضة خصوصا‬ ‫ّ‬ ‫وضد المجلس التأسيسي والحكومة والرئاسة،وتحتفي باالضرابات‬ ‫واالعتصامات. هذا األسلوب العدائي في صحف معسكر « نداء‬ ‫ّ‬ ‫تونس والجبهة الشعبية» تعاضده قنوات عمومية وخاصة تدق نواقيس‬ ‫ّ‬ ‫الحرب وتشحن وتجيّش ضد أي قرار حكومي أو رئاسي وتترصّد أيّة‬ ‫كلمة صادرة عن الترويكا لتشهّر بها ولو كانت «البسملة». وتصفّق‬ ‫ألي قرار داع إلضراب أو اعتصام أو تعطيل مرفق ...ألن الهدف‬ ‫هو عدم الوصول بالبالد إلى انتخابات حرّة ونزيهة وشفّافة مرة ثانية‬ ‫ّ‬ ‫خشية أن تفوز فيها حركة النّهضة عدوهم األول الرئيسي وليست‬ ‫خصمهم ومنافسهم السياسي .‬ ‫الثورة التونسية وأحالم الفتى التائه‬ ‫عندما أُعلنَ عن شغور منصب رئيس الجمهورية التونسية وإعالن‬ ‫حالة الطوارئ مساء 41 من جانفي، انتابني شعور مزدوج من‬ ‫التوجّس واالنشراح ... لقد تابعت منذ الصباح- وعلى الساعة الحادية‬ ‫عشر صباحا - عن طريق بعض شهود العيان وأشارت إلى ذلك محطة‬ ‫قناة الجزيرة عملية زحف بعض اآلليات العسكرية صوب القصر‬ ‫الجمهوري في قرطاج ... ووصفوا لنا من شرفات المنازل المشهد‬ ‫بأنهم يرون الحرس الرّئاسي يسلّم أسلحته لقوات الجيش ... لذلك ترسّخ‬ ‫ّ‬ ‫في ذهني الدور العسكري المهم في 41 جانفي ... وتعزز اعتقادي في‬ ‫أهمية ما يحدث من خالل المظاهرة الشعبية التي انطلقت من ساحة‬ ‫ّ‬ ‫محمد علي ( االتحاد العام التونسي للشغل ) وتأكد اتجاه األحداث‬ ‫عندما أشارت وكاالت األنباء والمحطات التلفزية الى احتجاز عائالت‬ ‫الطرابلسية أصهار الرئيس آنذاك في مطار قرطاج الدولي في حدود‬ ‫ّ‬ ‫الساعة الثالثة بعد الزوال بتدخل فرقة أمنيّة منعت إقالع طائرتهم.‬ ‫ّ‬ ‫وبذلك اكتملت الصورة في وضع حد لنظام 7 نوفمبر حيث ساهمت‬ ‫فيه احتجاجات شعبية ومظاهرات جماهيرية... وشهداء وجرحى ...‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ودورعسكري هادف ومحدد وتدخل أمني نوعي دقيق...وال استبعد‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫متابعة قواعد الحلف األطلسي في جنوب ايطاليا لمسار االحداث كما‬ ‫فعلت في ليلة االطاحة بالزعيم بورقيبة حيث كانت تراقب تطوّرات‬ ‫الوضع عن كثب ال سيما وأن صقلية ال تبعد كثيرا عن العاصمة‬ ‫التونسية ...‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫« يتسم املشهد احلالي يف تونس بوضع متحرك غري نسقي فهو يتجه أحيانا حنو مسار إجيابي‬ ‫ّ‬ ‫ويتجه أحيانا أخرى اجتاها سلبيا مما حيد من التفاؤل الذي يظهر بني احلني واآلخر»‬ ‫ّ‬ ‫ّ ّ‬ ‫32‬
  • 24.
    ‫هل هي ثورةفعال ؟ هل هي انتفاضة ؟‬ ‫هل هي مسار ثوري ؟ أم ماذا ؟‬ ‫بعد آذان المغرب بقليل و بهبوط الليل، وبعد حرق المقر األمني في‬ ‫الحي، بدأ إطالق النّار من عناصر الجيش تطبيقا لقانون منع الجوالن .‬ ‫وفي األيام الموالية خرج شباب األحياء لينسق مع قوات الجيش تنظيم‬ ‫ّ‬ ‫نقاط حراسة. واستمرت الحياة شبه طبيعية. كان الشعب التّونسي رائعا‬ ‫في تلك اللحظات، وأُعجب العالم بتحضّر التونسيين ورفعة أخالقهم‬ ‫وسلوكهم المدني ... .‬ ‫ّ‬ ‫كنت أمنّي النّفس بأن يستمر ذلك التضامن األخوي الودي بين‬ ‫التونسيين ... وكنت أحلم بأن يتم االتجاه نحو بناء المستقبل وكانت‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫أحالمي بال سقف ...اآلن تمر ثالث سنوات على «الثورة التونسية»‬ ‫فكيف هي الصورة ؟‬ ‫ّ‬ ‫أرى اآلن نخبة تونسيّة نكصت على أعقابها وتنكرت لمبادئ كثيرا‬ ‫ما تغنّت بها، فالدولة التونسية في حالة ضعف واضح حيث ال قيمة‬ ‫للعمل وال احترام للوقت وال تقدير لآلخر وال احترام للحريات من قبل‬ ‫الجماعات والنقابات واألحزاب ...‬ ‫أقصد إدارة ما، فال أرى الموظفين يؤدون أعمالهم. وأتّجه صوب‬ ‫ّ‬ ‫مستشفى عمومي فال أجد الطبيب بل وال أجد الدواء. ويحدثني األستاذ‬ ‫عن معاناته في المعهد حيث ال قانون وال تربية. ويصارحني مواطن‬ ‫ّ‬ ‫عن الظّلم المستمر في المجال القضائي وعن الرشوة والمحسوبية‬ ‫في كل ميدان. وأتصفّح الصحف التونسية، فال تقع عيناي إالّ على‬ ‫الحقد والكراهية تنضح من بين السطور. وأتابع الصفحات االلكترونية‬ ‫فاكتشف هول العداء المستشري بين أبناء الشعب التونسي. وأتابع نشرة‬ ‫أخبار الوطنية األولى فأرى مشاهد وأسمع كالما قام بتأليفه وإخراجه‬ ‫حزبان فقط وهما الجبهة الشعبية ونداء تونس وأثر باهت لآلخرين في‬ ‫الحكم أوخارجه.‬ ‫كنت أحلم بأن نبني بلدا يقوم أبناؤه بوضع أسس نهضته العلمية‬ ‫واالقتصادية واالجتماعية ال سيما وأن العقود السابقة خلّفت شعبا‬ ‫متعلّما ومتسامحا.‬ ‫كنت أحلم بأن نبني مجتمعا متضامنا، فإذا الجماهير الرياضية‬ ‫تحيي النّعرات الجهوية. وإذا بنقابات األطباء ترفض العمل في الجهات‬ ‫الداخليّة وتعارض قانونا سبقتنا إليه الجزائر وفرنسا. وكان أحرى بهم‬ ‫وضع مصلحة الوطن والمواطن قبل « المصحات الخاصة». وإذا‬ ‫ّ‬ ‫بنقابات التعليم تندد بتسوية وضعية األساتذة والمعلّمين المسجونين‬ ‫سابقا آلرائهم السياسية وتعتبر تسوية المسار المهني ظلما مسلّ‬ ‫طا‬ ‫على القطاع.‬ ‫كنت أحلم بحكومة «حازمة» و «جادة» تتّ‬ ‫خذ اجراءاتها بعد‬ ‫التشاور مع من يهمهم األمر وتصارح الشعب في الحين بما تواجه‬ ‫ّ‬ ‫من صعوبات حتى تقف معها الجماهير صاحبة المصلحة. غير أن‬ ‫ّ‬ ‫صوت «الحكومة» كان ضعيفا باهتا كأنه قادم من أقاصي الدنيا، وكان‬ ‫«تواصلها» مع النّاس ضعيفا.‬ ‫كنت أحلم بقضاء عادل تتم فيه اإلجراءات بشفافيّة وتصدر األحكام‬ ‫ّ‬ ‫بنزاهــة فإذا برئيسة جمعية القضاة (سابقا ) تحضر اعتصاما حزبيا،‬ ‫ثم ترافــق متّهمـــا بالتآمـــر على أمن الدولة إلى التحقيق. وإذا بأحد‬ ‫قضـــاة المحكمــة اإلداريــة يصـرّح باعتزازه باالنتمـــاء إلى الجبهة‬ ‫الشعبية.‬ ‫كنت أحلــم بصحافــة رصينــة متّزنــة متوازنـــة، فإذا بي أمام‬ ‫كم هائـل من إعالم موجّه بالمال لتشويه كل شيء من أجل تبرير‬ ‫ّ‬ ‫الماضي بكل تضاريسه وتجميل عمليات سابقة اتسمت بالفساد المالي‬ ‫واإلداري.‬ ‫كنت أمني النّفس بعودة الوعي إلى ضمير المربّين فيقترحون حلوال‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫معقولة تضع حدا نهائيّا للدروس الخصوصية وتضمن لهم وضعا ماديا‬ ‫مريحا في ذات الحين ...ولكن ...‬ ‫كنت أحلم بإدارة تونسيّـة تحتـــرم المواطــن وتكـــون في خدمته‬ ‫ال أن تقول له «ارجع غدوة» أو «ضاع الملف».‬ ‫كنت أحلم ببيئة نظيفة فإذا بعمال البلديات يعمدون إلى االختفـاء‬ ‫عن األنظار بعد أن تم ترسيمهم وتحسين أجورهم.‬ ‫ّ‬ ‫كنت أحلم أن يتم تفكيك عصابات اللّصوص التي روّعت الفالحين‬ ‫ّ‬ ‫في واليـــات القيـــروان وسيــدي بوزيــد والقصريــن وسلبتهــم‬ ‫عرقهم وتسلّلت إلى أغنامهم وخرفانهم وأبقارهم طيلة عقد مـن الزمن‬ ‫وسرقت جهودهم ومنعت االستثمار في هذه الجهـــات. ولكن عادت‬ ‫عصابات اللصوص أكثر قوة ومسلحة أحيانا لتواجه المواطنين ورجال‬ ‫األمن ...‬ ‫خاتمة‬ ‫إن ما حدث في تونس (71 ديسمبر 0102ـــ 41جانفـي 1102)‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫هو «حراك ثوري حقيقي» شاركت فيه عدة قطاعات وعدة أطراف‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫أدى إلى سقوط رأس النظام ولكنه لم يؤد الى مسار ثوري «عقالني»‬ ‫وغير غوغائي يحقّ‬ ‫ق األهداف السياسيّــة واالجتماعيّـــة والقيميّـــة‬ ‫التي من أجلها ضجر النّاس ونفضوا أيديهــم من نظام لم يحقق لهم‬ ‫الحريـــة والكرامـــــة ولم يتصــف بالصّــدق والنّزاهـــة والعـــدل.‬ ‫ّ‬ ‫وإن أي إجراءات على األرض ال تؤدي الى «إنهاء الظلم» و «إحقاق‬ ‫الحق» و «نشر الفضيلة» و«سيادة القانون» هي مجرد مسار على‬ ‫هامش األهداف النبيلة وتجعل من الثورة التونسية « بناء مع تأجيل‬ ‫التّفيذ».‬ ‫-------------‬‫* متفقد أول للمدارس االبتدائية ـ منتدى المعرفة سوسة‬ ‫‪ismail_bsr2004@yahoo.fr‬‬ ‫ّ‬ ‫« إن أي إجراءات على األرض ال تؤدي اىل «إنهاء الظلم» و «إحقاق احلق» و «نشر الفضيلة» و«سيادة‬ ‫القانون» هي جمرد مسار على هامش األهداف النبيلة وجتعل من الثورة التونسية « بناء مع تأجيل‬ ‫ّ‬ ‫التفيذ»»‬ ‫42‬
  • 25.
    ‫في العمق‬ ‫الثورة التونسيةوصناعة الحياة‬ ‫بقلم : حسن الطرابلسي*‬ ‫حري بنا والشعب التونسي يستعد إلحياء الذكرى الثالثة لثورته‬ ‫المباركة أن نلقـــي الضـــوء علــى بعــض خصائــص هذه الثورة‬ ‫التي ال خالف في أنها كانت نتاجا ألزمات وأحداث عاشتهـــا البـالد‬ ‫منذ اإلستقالل، كما أن مجرد النظرة السريعـــة لتعاقــب األحـــداث،‬ ‫منذ ما قبل الثورة، تمكننا من استخالص مجموعة من الخصائص‬ ‫المميزة التي تابعت الحراك المجتمعي التونسي، كان أبرزها أولويّة‬ ‫السّياسي والثقافي وأهميّة التعايش أو التوافق بين مكونات الفاعلين في‬ ‫الحياة السياسيّة واإلجتماعيّة والثقافيّة. كما أنه يمكن الجزم بأن أهم‬ ‫خصائص الثورة التونسيّة أنها أضافت أبعادا ومعان جديدة لمفهوم‬ ‫ّ‬ ‫الشعب وبشرت بالتالي بفعل سياسي منح تونس دورا رياديّا في دعم‬ ‫النهوض والتّحرر العربي واإلسالمي. فكانت بذلك صانعة للحياة‬ ‫ملهمة لألمل.‬ ‫أولوية السياسي والثقافي‬ ‫رغم عمق األزمة التونسية واستفحال أمرها، خاصة في حقبة‬ ‫المخلوع بن علي، ورغم التشابك الكبير بين العناصر السياسية‬ ‫واإلجتماعية واإلقتصادية والثقافية، فأن للبعدين السياسي والثقافي‬ ‫قصب السبق طيلة العقود الماضية. فاألزمات اإلجتماعيّة التي مرّت‬ ‫بها البالد وخاصة منذ انتفاضة 8791 ثم 4891 و7891 ثم في بداية‬ ‫تسعينيات القرن الماضي كانت أبعادهــــا السياسيّــة والثقافيــة أكبــر.‬ ‫ّ‬ ‫ثم إن نضاالت اإلتحاد العام التونسي للشغل لم تكــــن فـــي تاريخهـــا‬ ‫ذات بعد اجتماعي مطلبي فحسب بل كان لألبعاد السياسيّة والثقافيّة‬ ‫دور ال يستهان به فيها.‬ ‫التوافق والتعايش بين الفاعلين السياسيين‬ ‫إلى انفراد بن علي بهم وهرسلتهم وتشريدهم ومحاولة القضاء عليهم.‬ ‫وفي المقابل فإن أغلب التحركات التي قامت على التوافق‬ ‫المجتمعي، كان حليفها النجاح.‬ ‫ففي سنة 8791 وعندما قاد اإلتحاد العام التونسي للشغل هذه‬ ‫اإلنتفاضة كان مسنودا من التيارات السياسية والفكرية في البالد.‬ ‫ورغم العنف األمني في مواجهة هـــذه اإلنتفاضـــة ومحاولـــة إخمــاد‬ ‫صوتهــا إال أنها أثمرت نوعـــا من المرونــة فــي تعاطــي بورقيبــة‬ ‫مع العمل السياسي فاضطــر إلى أن يقـرّ، ولـــو بشكـــل كاريكاتـوري‬ ‫وغير جاد، بمبدأ التعدد الحزبي في بداية ثمانينات القرن الماضي.‬ ‫وأما انتفاضة 4891 فإنه أعقبها حوار مجتمعي ومدني هام جاء‬ ‫انقالب بن علي سنة 7891 ليعيده إلى الصفر بعد أن وأد هذه التجربة‬ ‫في مهدها. ولم يختلف األمر في عهد المخلوع فالتحركات «ذات البعد‬ ‫الواحد» وئدت في بداياتها وهو ما جعل الفرقاء السياسيين يتنادون‬ ‫إلى صيغة مشتركة للعمل السياسي بدأت منذ أواخر التسعينيات لتتوج‬ ‫بتشكيل مجموعة 81 أكتوبر ولتأسس بذلك لفعل سياسي ومجتمعي‬ ‫قوي نجح في أن يعزل المخلوع ويقلص من نشاطه رغم السند الغربي‬ ‫والدعاية الضخمة التي كان يروجها جهازه اإلعالمي داخليا وخارجيا،‬ ‫معتمدا في ذلك على صحفيين وكتاب من تونس ومن خارجها كما‬ ‫كشف لنا «الكتاب األســـود». ويمكن اعتبــار انتفاضة الرديف‬ ‫إحدى آخر التحركات القوية التي دكت مسمار غائرا في نعش السلطة‬ ‫اإلستبدادية ولتتوج هـــذه التحركـــات بثـــورة الحريـــة والكرامــة‬ ‫وفرار المخلوع في 41 جانفي 1102.‬ ‫وقد تداولت وكاالت األنباء صورا ومشاهد كانت فخرا للثورة‬ ‫مع غلبة السياسي والثقافي على طبيعة األزمة التونسيـــة فإنــه‬ ‫من الملفت لإلنتباه أن الفعل السياسي والميداني لم يحقّق نجاحات تذكر‬ ‫إال إذا تواجد فيها لحمة أو توافق، معلن أو غير معلن، بين الفاعلين‬ ‫السياسيين.‬ ‫إن التحركات والصدامات التي قامت بها أحزاب أو تيارات‬ ‫منفردة كان في الغالب مصيرها الفشل. فالمحاولة اإلنقالبية التي قادها‬ ‫الشرايطي ومجموعته في 2691 فشلت، ومحاوالت اليسار المتكررة‬ ‫في التغيير بعد ذلك بقيت محدودة ونخبوية ولم تصل إلى العمق‬ ‫التونسي ونجح بورقيبة في ترويضها. كما أن قيادة اإلسالميين لعملية‬ ‫ّ‬ ‫التغيير ضد بورقيبة سنة 7891 ثــم ضـــد بن علــي منــذ 0991 أدت‬ ‫ّ‬ ‫«ميكن اجلزم بأن أهم خصائص الثورة التونسية أنها أضافت أبعادا ومعان جديدة ملفهوم‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الشعب وبشرت بالتالي بفعل سياسي منح تونس دورا رياديا يف دعم النهوض والتحرر العربي‬ ‫ّ‬ ‫واإلسالمي. فكانت بذلك صانعة للحياة ملهمة لألمل . »‬ ‫52‬
  • 26.
    ‫الثورة التونسية وصناعةالحياة‬ ‫التونسية تثبت مبدأ التعايش الديني والثقافي بين فصائل المجتمع‬ ‫السياسي والفكري التونسي. بحيث أننا كنا نرى أثناء الثورة‬ ‫الفتاة المحجبة وغير المحجبة، الملتحي وغير الملتحي، اليساري‬ ‫واإلسالمي، المحافظ واللبرالي، الطالب واألستاذ، العامل والفالح،‬ ‫المحامي والقاضي وغيرهم كثير يسيرون جنبا إلى جنب ويرددون‬ ‫نفس الشعار «تونسنا حرة... حرة … وبن علي على برة» ولتبدع‬ ‫بعد ذلك شعارا يعلن ألول مرة، بهذه الصياغة والوضوح، في التاريخ‬ ‫العربي واإلسالمي وهو «الشعب يريد إسقاط النظام» لتكون فعال‬ ‫إرادة الشعب هي المقياس األساسي والحاسم في عملية التغيير .‬ ‫إعادة صياغة مفهوم الشعب‬ ‫كان لشعار « الشعب يريد إسقاط النظام» قوة هائلة ودوي كبير‬ ‫استطاع به التونسيين أن يزلزلوا عرش بن علي األمني ويسقطوه‬ ‫وكان للنصف األول من الشعار خاصة «الشعب يريد...» مفعوله‬ ‫«السحري» على مسار الثورة التونسية بل على مسار الربيع العربي‬ ‫ككل إذ سرعان ما تلقفه أخواننا المصرييون واليمنيون والسوريون‬ ‫والليبيون وأضافوا إليه إبداعات أخرى ساهمت في نجاح الثورات‬ ‫العربية سنة 1102، بل وتعدى هذا الشعار مستواه العربي ليصل‬ ‫إلى كل الشعوب الطامحة إلى التغيير. فردده اليونانيون واإلسبان‬ ‫والمعارضون لهيمنة البورصة في الواليات المتحدة األمريكية.‬ ‫والنقطة المحورية في هذا الشعار هي التأكيد على إرادة الشعب‬ ‫وهو ما يثبت أهمية الشعب في العملية التغييرية. وهذا كان له دور في‬ ‫إضافة أبعاد جديدة لمفهوم الشعب. فلقد قام التعريف الكالسيكي على‬ ‫اعتبار أن مفردة الشعب تعني «الجمع والتفريق واإلصالح واإلفساد»‬ ‫كما يجمل ذلك القاموس المحيط ولسان العرب. ومعنى التفريق يشرحه‬ ‫األصمعي بقوله: شعب الرجل أمره، إذا شتته وفرقه (لسان العرب،‬ ‫المجلد السابع، مادة شعب)‬ ‫وأما في معنى اإلصطالح فإن العرب تقول «شعب الصدع في‬ ‫اإلناء فهذا يعني إصالحه ومالءمته» كما يقول ابن منظور ويضيف بأن‬ ‫«الشعب أكبر من القبيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ، ثم الفصيلة»‬ ‫وحتى ال نقع في خطإ منهجي فإن الموسوعة السياسية العربية تنبهنا‬ ‫إلى أنه ال يصح الخلط بين األمة والشعب ألن األمة «حقيقة اجتماعية‬ ‫مفادها أن مجموعة من األفراد تم انصهارهم واتحادهم» وأما «الشعب‬ ‫فال يعدوا أن يكون عنصر السكان في الدولة» ولكن الشعب «قد يكون‬ ‫أمة واحدة ، حين تكون األمة قد حققت استقرارها وكونت دولة قومية‬ ‫كما هو الحال في بعض الدول الغربية» وقد يكون «جزءا من أمة‬ ‫موزعة بين أكثر من دولة، وصورتها األمة العربية» (موسوعة‬ ‫السياسة، الجزء الثالث، 3891)‬ ‫إن التعريف الكالسيكي الذي نجده عند ابن منظور والفيروز‬ ‫ّ‬ ‫آبادي، يحدد مفهوم الشعب في إطار ضيق، وأما الربيع العربي فإنه‬ ‫قام بتوسعة هذا المفهوم ليشمل معان جديدة. فشعار «الشعب يريد...»‬ ‫الذي رفع في تونس ثم انتشر في العالم العربي واإلسالمي انتشار‬ ‫النار في الهشيم وأصبح أيقونة الثورات العربية جعلنا ننفتح على أبعاد‬ ‫جديدة تتجاوز مفهوم الشعب في بعده الكالسيكي ليعبر بوضح وجالء‬ ‫عن إرادة األمة. وبالتالي اقترب هذا المفهوم كثيرا من مفهوم األمة،‬ ‫التي هي مصدر اإلجماع لتصبح بالتالي العملية التي يقرها الشعب‬ ‫هي نتاج إلجماع األمة، أو على األقل، الجزء األكبر منها. وثبّت‬ ‫بذلك بعد أصولي مهم وهو اإلجماع. وآلية تحقيق هذا اإلجماع في‬ ‫مجتمعنا المعاصر تتمثل في اإلنتخاب، ومن ثمة فإن العملية اإلنتخابية‬ ‫ليست عملية براغماتية وقتية وإنما هي استفتاء لرأي اآلمة ولتوجها‬ ‫العام يعقبه التزام وخضوع لهذا التوجه. ومع األسف، فإني أعتقد أن‬ ‫أنقالبيي مصر قد تفطنوا ألهمية دور الشعب فوظفوه لتبرير فعلهم‬ ‫الشنيع‬ ‫العلمانية / اليسار / السلفية‬ ‫قد ينزعج القارئ العزيز من هذا العنوان لجمعه لمصطلحات‬ ‫متناقضة ظاهريا، ولكني أطمئنه وأهدئ من روعه وأعلمه أني كنت‬ ‫على اقتناع تام بوجود هوّة كبيرة بين هذه التيارات الثالث إلى أن اندلع‬ ‫ّ‬ ‫الربيع العربي، وخاصة ما حدث في السنتيين األخيرتين في كل من‬ ‫مصر وتونس، فزلزل هذه القناعة وجعلني أجد خيطا يجمع بين هذه‬ ‫ُ ُ‬ ‫التيارات الثالث المتنافرة أيديولوجيا. وعقَد هذا الخيط ثالث مبادئ‬ ‫هي: الدغمائية والتطرف والغلوّ.‬ ‫فالعلمانيون المتطرفون رأووا في التحرر والحداثة المنشودة أن‬ ‫تنزع فتاة مالبسها وتعرض جسدها على الفايسبوك أو في إنتاج فلم ال‬ ‫يعترف بأي مقدس ديني أو دنيوي فرفع شعار «ال ربي وال سيدي».‬ ‫وأما اليسار المتطرف فإنه بدعوى أن تقود البروليتاريا وتسود فإنه‬ ‫حرّض العمال ووظّف النقابات لإلضرابات العشوائية والعنيفة فكان‬ ‫أول المتضررين من تطرفه البروليتاريا نفسها.‬ ‫« فشعار «الشعب يريد...» الذي رفع يف تونس ثم انتشر يف العامل العربي واإلسالمي انتشار النار‬ ‫يف اهلشيم وأصبح أيقونة الثورات العربية جعلنا ننفتح على أبعاد جديدة تتجاوز مفهوم الشعب‬ ‫يف بعده الكالسيكي ليعرب بوضح وجالء عن إرادة األمة »‬ ‫62‬
  • 27.
    ‫الثورة التونسية وصناعةالحياة‬ ‫وأما السلفيون المتطرفون، وهم «تيار وافد» كما يقول الباحث‬ ‫التونسي سامي براهم، فإنهم اعتقدوا أن عملية التغيير تكون باإلنعزال‬ ‫عن المجتمع وتكفيره والدعوة إلى تأسيس إمارة إسالمية وإعالن‬ ‫«الجهاد» ضد الحكومة، التي كفروها، رغم أنها شرعية.‬ ‫ومن هنا فإنني ال أعجب عندما أجد أن بعض المثقفين واالحزاب‬ ‫الليبرالية المغتربة واليسارية المستلبة والسلفية التكفيرية تحاول من‬ ‫ناحية تعطيل عمل المجلس التأسيسي لكي ال يتوصل الى إنهاء الدستور‬ ‫وتشكيل الهيئة المستقلة لإلنتخابات ومن ناحية أخرى تضع يدها في‬ ‫يد اإلنقالبيين ألنها رأت أن استفتاء األمة لن يكون في صالحها ومن‬ ‫هنا خرقت اإلجماع بل إنقلبت عليه. وقد تجلى التحالف بين التيارات‬ ‫الثالث بشكل سافر في مصر أكثر منه في تونس.‬ ‫وقد رأينا في تونس أن محاولة صناعة دور للشعب لم تنجح‬ ‫ألن شعار «الشعب يريد...» تحوّل مع اليسار المستلب والليبرايين‬ ‫المغتربين والسلفيين التكفيريين إلى عملية توظيف ركيكة لم تنطل‬ ‫على التونسيين والمصريين، فتدخل العسكر في مصر وحاولت النخب‬ ‫المستلبة في تونس أن تسير على نفس الخط اإلنقالبي المصري‬ ‫ّ‬ ‫فأسست مجموعة سمت نفسها «تمرّد» وتشكلت جبهة أطلقت على‬ ‫ّ‬ ‫نفسها «جبهة اإلنقاذ» ولكنهما فشلتا في توافق داخلي يوحدهما. فكيف‬ ‫لها أن تتوافق مع الشعب الذي يريد بناء وتنمية وتعميرا.‬ ‫إنه من الصعب صناعة الثورات في المختبرات ألن العملية‬ ‫الثورية فعل مبدع وخالق إضافة إلى أنها عملية تراكم للتجربة‬ ‫والوعي بها. ثم إن العامل األساسي للنجاح هو التوافق المجتمعي أو ما‬ ‫أسماه الفيلسوف التونسي فتحي التريكي «التآنس» والذي يعني عنده‬ ‫«العيش معا» (الصدى، اإلربعاء 7 سبتمبر 1102). فالثورة صنعها‬ ‫الشعب ولم يقدها تيار أو حزب معين وبذلك أعادت اإلعتبار للشعب‬ ‫باعتباره مصدر السلطات والحارس للديمقراطية والضامن لها.‬ ‫وقد تجلّى ذلك خاصّة بعد هروب الدكتاتور المخلوع وسعي‬ ‫أجهزته األمنيّة إلى إدخال البالد في حالة من «الفوضى العارمة»‬ ‫‪ Status Chaos‬إلرهاب المواطنين المسالمين ودفعهم إلى اإلنقالب‬ ‫على الثورة .‬ ‫ومن المدهش حقا سرعة رد الجماهير الثائرة وقدرتها على‬ ‫التنظم، إذ بادر الثوار مباشرة إلى تأسيس لجان األحياء لحماية األمالك‬ ‫والمؤسسات العامة والخاصة وغيرها وتعاونت في ذلك مع الجيش‬ ‫الوطني. وقد بهرت هذه اللجان العالم في قدرتها على سرعة التحرك‬ ‫ّ‬ ‫ورد الفعل مع إلتزام السلميّة واإلنضباط والتنظيم. واستطاعت أن‬ ‫ّ‬ ‫تمتلك شرعية ‪ Legitimation‬أمام المواطن التونسي. وأدى نجاحها‬ ‫في مهماتها إلى جعل الثورة المصرية تستفيد منها كثيرا وتطورها‬ ‫وتمنحها أبعادا ثقافية وحضارية.‬ ‫وهكذا فإن محاوالت الدغمائيون من الشيوعيين والعلمانيين‬ ‫والسلفيين وبعض من ساندهم صناعة ثورة في بعض الجهات‬ ‫المحرومة ال يمكن وصفها إال بالفوضى والعنف.‬ ‫الجيش حام للثورة وليس مختطف لها‬ ‫في هذا المستوى يطرح سؤال مهم: أي دور للجيش في العملية‬ ‫الثورية؟‬ ‫لئن سعى بن علي إلى تهميش دور الجيش وتفعيل دور المؤسسة‬ ‫األمنية فإن تبني الجيش الوطني التونسي في اللحظة المناسبة لحماية‬ ‫الثورة ساهم في نجاحها ورفع قيمة الجيش الواقعية والرمزية ليس‬ ‫فقط في تونس وإنما في العالم العربي واإلسالمي وأصبح مثاال يقتدى‬ ‫به في وطنيته.‬ ‫فالجيش التونسي لم يسع إلى اختطاف الثورة كما حصل في مصر.‬ ‫ولم يكن للتصريحات السياسوية التي أطلقها الجنرال عمار بعد تقاعده‬ ‫أي تأثير سياسي أو مجتمعي يذكر.‬ ‫وهكذا يمكن وصف الثورة التونسية بأنها بمثابة القلب الذي ضخ‬ ‫الحياة والشعور باألمل ليس لدى التونسيين فحسب وإنما لدى األمة‬ ‫العربية واإلسالمية ووضعت بذلك حجر األساس للثورة العارمة في‬ ‫األمة فلحقت بها الثورة المصرية وعمقت هذا األمل فاندلعت ثورات‬ ‫أخرى في ليببيا واليمن وسوريا. وبالتالي فإن ميزة الثورة التونسية،‬ ‫والثورات العربية، أنها أسست لمفوم الشعب صاحب اإلجماع وبالتالي‬ ‫فإنها بشرت بفلسفة للحياة ونفت الموت والعبث وصنعت األمل وهي‬ ‫ستقود ـ بإذن هللا ـ في بعدها اإلستراتيجي إلى إعادة شباب األمة‬ ‫وبالتالي المطالبة بأن يكون للعرب والمسلمين دور في إدارة أمورهم‬ ‫بحرية والخروج من حالة المفعول به والمساهمة بدور فاعل في‬ ‫تشكيل المستقبل.‬ ‫-------------‬‫* باحث تونسي مقيم في المانيا‬ ‫‪trabelsi.h@gmx.de‬‬ ‫« إن ميزة الثورة التونسية، والثورات العربية، أنها أسست ملفوم الشعب صاحب اإلمجاع وبالتالي‬ ‫فإنها بشرت بفلسفة للحياة ونفت املوت والعبث وصنعت األمل وهي ستقود ـ بإذن اهلل ـ يف‬ ‫بعدها اإلسرتاتيجي إىل إعادة شباب األمة »‬ ‫72‬
  • 28.
    ‫وجهة نظر‬ ‫الثورة التونسيةبين عفن الموروث و معلمة الكهنوت‬ ‫بقلم : طه مصدق كعنيش*‬ ‫بعد ثالث سنوات أصبحنا ندرك مقولة المؤرخ الفرنســـي‬ ‫« ‪ »Jacques Sole‬الذي ميّز بين الثّورات الفاشلة والظافرة. (1)‬ ‫فالثّورات الفاشلة ال تستحق في نظره، نعت الثورة ألنها انتهت إلى‬ ‫الفشل؛ لكنها تبقى مع ذلك غنية بالمعلومات عن « الثّوريين الذين‬ ‫حاولوا قيادتها إلى النجاح». ونحن نقول على طريقتنا: قد بتنا نعرف‬ ‫باليقين من هم الثّوريون الذين يتلبّسون بلبوس الثّورة وأمخاخهم مجردة‬ ‫منها فهم عبء عليها وهم في حكم الموات تاريخيا، ولكن لألسف‬ ‫لم نعرف أضدادهم. أما الثورات الظافرة فهي التي يقودها ثوريّون‬ ‫ّ‬ ‫حقيقيون وأنا أقول ال معنى للظفر بال وقود، وقود بديناميات الثورة‬ ‫ومنطق الحقبة ليفضي إلى تغييرات وإالّ فلنغرد كما غرّد برتراند‬ ‫راسل عما أسماه ب «موت الفاعل التاريخي».‬ ‫ّ‬ ‫لوحة مريرة من تاريخ ثورة‬ ‫في تونس لم تكن حكومة الغنوشي األولى (المعيّنة بعد تهريب‬ ‫الرئيس) وال الثانية (التي أدارها السبسي) من الثورية في شيء. ورغم‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫أن الثانية هيّأت لالنتخابات إالّ أن ربّانها كانوا بمثابة السّلف الذي‬ ‫ّ‬ ‫عبّد الطريق لمتاعب الخلف، فانبثق النظام الوليد الذي رشح عن‬ ‫االنتخابات ولم يكن قادرا على ضمان االستقرار في البالد، فبسرعة‬ ‫ّ‬ ‫استرجع «الدساترة» مواقعهم بعد أن جمعهم الباجي قائد السبسي‬ ‫وبدل أن ينكفئ كما وعد، هيّج مع أتباعه على أعمدة الصحافة ومنابر‬ ‫اإلعالم معارك سياسيّة ال مصلحة للشعب فيها، سماتها التنافــــس‬ ‫لضمان االستقرار للبلد وتداعياتها باألساس تطبيق األجندة االقتصاديّة‬ ‫والسياسيّة األمريكية على الوجه األتعس..‬ ‫من رحم حكومة االنتخابات وفي غمرة مؤتمرات ومهرجانات‬ ‫األحزاب المزهوة بنجاحاتها انطمس عن األعين البديل الخطير المهيّأ‬ ‫له المسمى بـ « نداء تونس» ثم وظّف اليسار واألحزاب الواهية لبدء‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫التصدير لوهم الثورة الثانية ليصعد أي مولود وديع مستكين للدول‬ ‫المانحة (من سماهم الجبالي بالشركاء) وتظهر الديمقراطية في حلّة‬ ‫مغشوشة قاعدتها التحاور لوأد الماضي الموبوء وانصياع األحزاب‬ ‫ّ‬ ‫للمشروع الذي أعد على نار صبورة هادئة في مطابخ اخطبوطية‬ ‫تعمل بسقف الدعاية لنظرية «التخطيط الممنهج» بعبارة تشومسكي‬ ‫في إعادة القاطرة ومقطوراتها للبلد «األمين» والمؤتمن على رعاية‬ ‫مصالح الواليات المتحدة واللوبي الفرنسي الصهيوني في الوضع‬ ‫العالمي المتقلب.‬ ‫وهكذا أصبح «المثلث الصحراوي» للجنوب التونسي منطقة‬ ‫عسكرية مغلقة لحماية الحقول النفطية (تصريح بن نصر) وذلك‬ ‫قبيل إعالن ليبيا بدورهـا عن اغالق حدود بالدهــا مع أربــع دول‬ ‫مجــاورة ( تشاد والنيجر والسودان والجزائـر) –ولو بشكل مؤقــت-‬ ‫واعالن جنوب بالدها منطقة عسكرية مغلقة في مواجهة االضطرابات‬ ‫ّ‬ ‫المتصاعدة. دون أن ننسى أن مناطق غدامس في ليبيا (المحاذية‬ ‫للجنوب التونسي) تخضع هي األخرى لحاكم عسكري للمنطقة‬ ‫الجنوبية بأسرها وله كافة الصالحيات المخولة للسلطة التنفيذية.‬ ‫صفحة من دوافع غير مكينة‬ ‫هل يمكن الحديث اليوم في تونس عن وجود فكر سياسي متأهب‬ ‫للبناء؟ هل توجد رؤية سياسية مكتملة لتطوير المجتمع بتحديد أزماته‬ ‫وتشخيص مشاكله و تجاوز مرحلة االستقطابات االديولوجية والفرز‬ ‫السياسي الناهض على أساس االصطفاف الضيق للمجموعات السياسية‬ ‫المنغلقة على نفسها الغافلة عن بوصلة الوالء للوطن وضرورة التقييم‬ ‫الدقيق لإلنجازات وإخضاع القادة السياسيين لمشاريعنـــــا القوميـــة‬ ‫ال للمزايدات على بعضهم البعض..‬ ‫التغيير الحزبي المترهل‬ ‫ممارسات بعض قادة األحزاب ،ال تنبئ أنهم يستشعرون مقتضيات‬ ‫ّ‬ ‫اإلصالح بتنمية الفكر لطرح القضايا الصحيحة والكف عن بيع الوعود‬ ‫للناس والتأسيس للممارسة المنظمة والبعيدة المدى بتخيّر أعضاء‬ ‫ملتزمين بالديمقراطية خلقا واالستقامة منهجا وبالمبادئ والقيم عقيدة‬ ‫«ممارسات بعض قادة األحزاب ،ال تنبئ أنهم يستشعرون مقتضيات اإلصالح بتنمية الفكر لطرح‬ ‫ّ‬ ‫القضايا الصحيحة والكف عن بيع الوعود للناس والتأسيس للممارسة املنظمة والبعيدة املدى . »‬ ‫82‬
  • 29.
    ‫الثورة التونسية بينعفن الموروث و معلمة الكهنوت‬ ‫ّ‬ ‫التوازنات والتصدي لتجاوزات بعض الوجوه النقابية و تتقزم أدوار‬ ‫السياسيين وتتراجع فاعليتهم في التصدي لقضايا الشأن العام بل تصدر‬ ‫ّ‬ ‫أحكام قضائية وأخرى إدارية ضد أيمة غاظتهم عودة التجمعيين بل‬ ‫ّ‬ ‫وامتدت فسحة الزمان لقبر الملفات الخطيرة وغضّ النظر عن ساسة‬ ‫امتهنوا التحريض على جهاز الدولة والتشهير بأعضاء الحكومة وحتى‬ ‫التهكم برئيس الدولة بحجّة التدرّب على الديمقراطية.‬ ‫باختصار غابت الحكمة في التقييم وفي التخطيط لقادم األيام‬ ‫بارتفاع منسوب االستدانة وهدر المال والمضي في الموازنات‬ ‫الملغومة باالقتصاد الريعي، وتجافى التّمعن في حل اإلشكاالت‬ ‫الداخلية والخارجية العالقة وشرّع وطبّق في دهشة المواطنين مبدأ‬ ‫المكافئة لمن هانوا والصفح عمن ولوا المسؤولية وتورطوا والعقوبة‬ ‫لمن عساه أن يقع في الشبهة....‬ ‫وموقفا وهكذا بتنا نرى من تتلون مواقفهم بين تصريح وآخر ولتعدو‬ ‫طبيعة األنشطة الحزبية محمولة على حذق المناورة وإتقان المراوغة‬ ‫ّ‬ ‫والتزلف للمستبد األقدر وإن كان مفضوح العداوة للوطن..‬ ‫هذا في عامة األحزاب وأعجزها، أما األحزاب الحاكمة فيبدو‬ ‫ّ‬ ‫أنّها فهمت دورها في ضمان دواعي استمرارها وحشد القوى لعرض‬ ‫إنجازاتها حتى وإن كانت تلك اإلنجازات مجرد مشاريع لم تر النور في‬ ‫ّ‬ ‫حيز الواقع أي إنّها في حكم المأمول ال المتحقق وربّما فهم البعض أن‬ ‫الحكم تحذلق وظهور مستمر على الشاشات التلفزية تخندقا في الدفاع‬ ‫عن مكاسب مختلف الهياكل وتوعية للمواطن بحجم التحديات وجبر‬ ‫خاطره عند تعثر اإلنجازات (حتى وإن كانت الوزارة المعنية باإلنجاز‬ ‫ال تدخل تحت أنظار مشموالت الوزير المدعو) أي أنهم لم يولوا عناية‬ ‫كبيرة لتعزيز أركان الدولة وفرض هيبتها لتحديث الترسانة القانونية‬ ‫ومراجعة القوانين المعطلة لدورة اإلنتاج وإحياء األراضي وإحداث‬ ‫ثورة زراعية لتنمية الثروة.. بل عملوا على تطبيق قوانين تناقض‬ ‫حقوق اإلنسان (قانون مكافحة اإلرهاب) ولم يراعوا حاجات المواطن‬ ‫للمعلومة الدقيقة والفكرة العميقة في تحليل الواقع بالتقدم في إصالح‬ ‫اإلعالم واالستفادة من دروس الماضي في ضرورة تحييد المؤسسة‬ ‫األمنية،والقضاء، والمؤسسات التربوية بما في ذلك المساجد، عن‬ ‫ّ‬ ‫الصراعات السياسية ولتتصدر رابطات الثورة والمنظمات المهنية‬ ‫والجمعيات الشرعية والخطابة الدينية المشهد السياسي إلحداث‬ ‫وتبقى األسئلة بال جواب‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫لماذا ال نحتمل أن ما جد في تونس وما يجد اآلن في الدول‬ ‫العربيّة هو مجموعة من االنقالبات المنظمة في لحظات حرجة على‬ ‫أنظمة مفلسة سياسيا واقتصاديا أجبرت على الرّحيل وغيّرت بأنظمة‬ ‫أخرى في وضع مغشوش... ربّما ليس من السهل أن تستلهم األوطان‬ ‫واألحزاب الحاكمة فيها بعد، حتى وهي تقول إنّها إسالمية، دقّة المرحلة‬ ‫وتستوعب تقدم مشروع تفعيل الدحر والتقسيم للكيان العربي بصفة ال‬ ‫تعصم من مذاق مرارته ولو لحين أو قل هي أحزاب لقلّة خبرتها‬ ‫بدت في ترددها وخوفها – كاألحزاب التي سبقتها – متماثلة أداء‬ ‫في الطواعيّة واإلذعان ألعداء األمس و اليوم من القوى االمبرياليّة‬ ‫الصهيونيّة. فهل يشرع بين العفن والكهنوت أن نحلم بزهو المصير إالّ‬ ‫ّ‬ ‫بدق المسامير في النعوش أو بمعانقة التفكير وإتقان العمل...؟‬ ‫الهوامش‬ ‫(1) النوعان من الثورات معا(الفاشلة والظافرة )هما موضوع‬ ‫كتاب صوليه ‪ .›Sole‬أسماه «الثورة بال ثوريين»‬ ‫-------------------‬‫* متفقد تعليم ابتدائي‬ ‫92‬
  • 30.
    ‫في التحليل السياسي‬ ‫الثورةالتونسية : من إسقاط النظام إلى عودة األزالم.‬ ‫مدى النجاح أو الفشل !...‬ ‫بقلم : علي الطرهوني*‬ ‫41 جانفي، اللحظة الفارقية.‬ ‫مازالت صدى مقولة شي غيفارا الزعيم البوليفي يتردد صداها‬ ‫«الثورة مغامرة يخوضها األبطال ويركبها االنتهازيون ويجني ثمارها‬ ‫الجبناء.»‬ ‫لقد أمكن للثورات العربية اإلطاحة بأنظمة فاسدة لم تحقق تنمية‬ ‫ّ‬ ‫شاملة ولم تحترم حقوق اإلنسان، فحرّرت الذات الخائفة من الحضور‬ ‫الطاغي ألنظمة استبداديــــة. وكانت اللّحظة الفارقة الحاسمـــة «هرمنا‬ ‫من أجل هذه اللّحظة التاريخيّة» يقول الحفنـــاوي، ماسحـــا بيـــده‬ ‫على رأسه األشيب، إذ خرجت الجموع الهادرة إلى الشوارع منادية‬ ‫بإسقاط النظام، الشعار الحاسم في الثــــورة. ولم يكن شعــــار إسقاط‬ ‫النظام إال تعبيرا عن توق هذه الشعوب للتمـــرّد على نظم استباحت‬ ‫ّ‬ ‫كل شيء وأفرغت البالد من معنى الدولة، فبسطت عصاباتهــــا اليد‬ ‫على مفاصلها وتغلغلت في النفوس. وقـــرّر األنا المكبـــوت تحطيم‬ ‫كل القيود في إندفاعة عارمة من الشمال إلى الجنوب لتصنع تاريخا‬ ‫جديدا مثّل فيه الشبـــاب الهادر انتفاضـــة ضد الطاغيـــة وأزالمه‬ ‫الجشعين.‬ ‫ّ‬ ‫والحقيقة أن الثورة لم تكن فقط ضد الطاغية وأسرته وأصهاره بل‬ ‫ّ‬ ‫ضد الدولة األبويّة ونخبتها األكثر فسادا التي خلعت مالبسها القديمة‬ ‫بحثا عن دور جديد يناسب المرحلة الجديدة.‬ ‫لقد اجتّث النظام البوليسي المتغطرس الديمقراطية وأباح جميع‬ ‫المحرّمات، فزوّر االنتخابات واحتوى الصّحافة وحاصر المجتمع‬ ‫ّ‬ ‫واعتقل النّخب المفكرة يساريين وإسالميين وعلمانيين. وأضحت تونس‬ ‫صحراء صفصفا تضاعف فيها القمع واالستبداد والنهب والفساد، لذلك‬ ‫صار شعار الثورة التونسية « ال للفساد يا عصابة السرّاق».‬ ‫فاستطاعت الثورة التونسية بال حزب أو زعماء أو جبهة وبال‬ ‫وضوح في الرؤية أن تنقضّ كالحجر من أعلى الجبل على نظام متآكل‬ ‫وتقضى عليه.‬ ‫ومما سهّل عملية االنقضاض على الحكم الدور األمريكي المحرض‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫والداعم للثورة من خالل وثائق «ويكيليكس» التي صرحت بالموقف‬ ‫الرسمي األمريكي من النظام واعتباره مافيا عائلية مع دور الجزيرة‬ ‫في تأجيج االشتعال والغضب الشعبي، زيادة على صمود المنظمة‬ ‫النقابية والحكم البوليسي لبن علـــي الذي همش الجيش التونســـي‬ ‫ّ‬ ‫وأهان ضبّاطه كما وقع في براكة الساحل، مما جعله يتخلّى عنه أيام‬ ‫ّ‬ ‫سقوطه المدوي. فقد ضاعف أعداد األمن وجعل الجيش محايدا فلم‬ ‫يتجاوب معه. واألمر الملفت لالنتباه أن الجنرال بن علـــي راهـــن‬ ‫على إعادة إنتاج التجمع الدستوري كحزب قناع من خالل مراهنته‬ ‫على انتهازية بعض ضحايا القمع في أوساط اليســار بعد انقـــالب‬ ‫7 نوفمبر 7891 والتضامن معه في محاربة خطر االتجاه اإلسالمي‬ ‫تحت يافطة مقاومة اإلرهاب وتهميش الطبقات الوسطى والفقيرة‬ ‫وسياسة تجفيف المنابع.‬ ‫و السؤال المطروح اليوم هل المطالب االجتماعية التي قامت‬ ‫عليها الثورة كرغيف العيش والعدالة االجتماعية وسياسة التهميش‬ ‫والبطالة أم المطالب السياسية كالدستور الجديد وحل مجلس النواب‬ ‫ّ‬ ‫وإنهاء عصر الحزب الواحد هي األولويــــة؟ أي هل غيّرنا الحكـــام‬ ‫أم بنيان السلطة وماذا تحقّق بعد ثالث سنوات من الثورة؟‬ ‫الخوف من عودة النظام القديم‬ ‫لم يكن شعار «الشعب يريد إسقاط النظام» إال تعبيرا عن توق‬ ‫هذه الشعوب للخروج من كنف هذه النظم التي استباحت كل شيء‬ ‫«احلقيقة أن الثورة مل تكن فقط ضد الطاغية وأسرته وأصهاره بل ضد الدولة األبوية وخنبتها األكثر‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫فسادا اليت خلعت مالبسها القدمية حبثا عن دور جديد يناسب املرحلة اجلديدة . »‬ ‫03‬
  • 31.
    ‫الثورة التونسية :من إسقاط النظام إلى عودة األزالم.‬ ‫مدى النجاح أو الفشل !...‬ ‫ّ‬ ‫وأفرغت البالد من كل معاني الدولة الحديثة فال شيء يدل في بلداننا‬ ‫العربية (مصر- سوريا – ليبيا - اليمن...) أن هذه النظم كانت تعمل‬ ‫ّ‬ ‫لبناء دولة حديثة رغم الزمن الطويل الذي إستغرقته في الحكم بل‬ ‫استفقنا من خالل ما كشفه اإلعالم فيها وفي قصر المخلوع بسيدي‬ ‫الظريف فداحة االنتهاكات وحجم الفساد المحيّر والتّخريب الممنهج‬ ‫ّ‬ ‫للدولة، ما جعل إرادة الشعب هي الشعار البارز لما يسمى بثورة الربيع‬ ‫ّ‬ ‫العربي ولكن أي معنى إلرادة الشعب إن كان النظام السياسي يعيد‬ ‫إنتاجه بنفس األدوات واألالعيب حيث يرتبط مفهوم القانون بمفهوم‬ ‫ّ‬ ‫القوّة كما هو في الشقيقة مصر أو بمفهوم التالعب بالديمقراطية ليخرج‬ ‫ّ‬ ‫النظام البالي المهترئ من الباب ويعود من الشباك كما الحال في بلدنا‬ ‫ّ‬ ‫تونس. إن ما حصل هو تغيير من الظاهر، مما جعل دول الثورات‬ ‫العربية خصوصا في الجارتين ليبيا ومصر تصير إلى وقت قريب‬ ‫أنظمة بوليسية قمعية تفرض إرادتها على الشعب بقوة السالح وتحتمي‬ ‫بالثورة لتبرير محاكماتها.‬ ‫هل يعود االستبداد تحت غطاء الديموقراطية؟‬ ‫تصحيح المفاهيم:‬ ‫1 لقد سجّلت ثورة «الربيع العربي» عصر الشعوب بعد أن‬ ‫)‬ ‫انتهى عصر الحكومات لكن مبدأ إرادة الشعب «الشعب يريد» يحتاج‬ ‫ّ‬ ‫إلى نقاش، فلئن كانت إرادة الشعب هي الشعار البارز للثورة التونسية‬ ‫فأي معنى إلرادة الشعب حين نرى أن كل نظام سياسي يحاول‬ ‫تبرير قوانينه الوضعية. وهنا يتكلّم الجميع باسم إرادة الشعب وكأنه‬ ‫يملك تفويضا منه حتى ارتبط مفهوم القانون بقانون القوة « من يملك‬ ‫أكثر هو القادر على تجييش الشارع والخروج في مظاهرات»، حتى‬ ‫صار الخوف من نشوء الحرب األهلية ومن مسارات مختلفة تنحرف‬ ‫بأهداف الثورة أمرا واقعا.‬ ‫فالمجتمع يريد أن يكون سيد مصيره يمثله أعضاء يضبطون أعمال‬ ‫قادته المنتخبين لضمان امتثالهم لمصلحة المجتمع فال أحد منهم يمتلك‬ ‫المشروعية للحديث عن الشرعية. فالحراك الشعبي في أوطاننا يمثل‬ ‫انتفاضة شعبية تتجاوز األحزاب واإلديولوجيات وتتجاوز المثقفين،‬ ‫وهو أثر لقهر شعبي متراكم البطولة فيه للشعوب التي تدافع عن قيم‬ ‫العدالة والحرية والمساواة وعن حقـّها في االحتجاج على رغيف الخبز‬ ‫ّ‬ ‫و تردي الظروف المعيشية ومقاومة الفساد قبل البحث عن الدستور‬ ‫الجديد والمجلس التأسيسي وإنهاء عصر الحزب الواحد.‬ ‫لقد انتزع الشعب المقهور حريته بمبادرة أملتها معاناة طويلة بعيدا‬ ‫عن المثقفين الذين أرادوا تعليم الشعب مبادئ الحرية وهم مجتمعون‬ ‫في مكاتب مغلقة يدور الحديث فيها عن استيراد الديمقراطية. فالخطاب‬ ‫النهضوي أعاد المقوالت األساسية من الخبز إلى الكرامة.‬ ‫ّ‬ ‫يقول برهان غليون «لقد غذت الثورة التونسية شعورا متجددا‬ ‫باالنتماء العربي بعد عقود من االنتكاس يسبّبه اإلحباط السياسي‬ ‫ّ‬ ‫وفقدان الثقة في النفس وهو ما يؤشر على عودة العرب إلى التاريخ‬ ‫ومسكهم بزمام أمورهم، لكن الحذر من الفهم المغلوط لسلطة الشعب‬ ‫ومن تراجع األنا الجماعية وعودة الجهويّة والفئوية الضيقة والفردية‬ ‫مما يمثل االرتداد عن الثورة، إذا استمر الوضع فال بد من أجندا‬ ‫عقالنية للتحول نحو الديمقراطية»‬ ‫2 لقد وجدت البلدان العربية ومن ضمنها تونس نفسها في‬ ‫)‬ ‫شراكة مع دول ناشئة لم تنهج الديمقراطية كالصّين وكوريا مثــال‬ ‫(زعيمها ترك الكالب جائعة لتنهش جسد زوج عمته ثم قدم لها العزاء‬ ‫في وفاته) ومع دول تراجعت كروسيا بل أصبحنا نشهد ظاهرة‬ ‫عولمة الديمقراطية الذي يعني عديد الدالالت كديمقراطية برلمانية‬ ‫وديمقراطية دستورية وديمقراطية اوليغراشية. فشبكات التواصل‬ ‫ّ‬ ‫االجتماعي واالنترنت ساهمتا في جعل األنظمة العربية تقدم تنازالت‬ ‫في مجال حقوق االنسان.‬ ‫3 هناك عدم الثقة في السلطات الحاكمة التي تنهب ثرواتها‬ ‫)‬ ‫وتصادر حقوقها.‬ ‫4 لقد وجد االسالميون أنفسهم أمام وضع جديد تتشكل‬ ‫)‬ ‫فيه الحركة الشبابيّة بدوافع اجتماعية أخالقية، ال بدوافع سياسية.‬ ‫فاإلسالميون اضطهدوا في الفترات السابقة وهمشوا ولكنّهم أقوياء‬ ‫ّ‬ ‫تنظيميّا و ظلوا خارج الحداثة االقتصادية الناجمة عن ظاهرة العولمة‬ ‫وهو بعد غائب في برامجهم.‬ ‫5 بعض المثقفين يدافعون عن سلطات حديثة سعى االستبداد‬ ‫)‬ ‫لتكريسها خوفا من قيام سلطة دينية فأقاموا قطعا كامال يين اإلسالم‬ ‫والحداثة. فهم يحافظون على األنظمة العلمانية خوفا من استبدادية‬ ‫إسالمية لحركة النهضة حتى أصبح البعض يسوّغ استيراد الديمقراطية‬ ‫من الخارج على اعتبار أن حملة «نابوليون بونابارت» على مصر‬ ‫جاءت للعالم العربي باليقظة الحداثية مثل الغبي السعيد في تبعية‬ ‫سعيدة.‬ ‫« لقد انتزع الشعب املقهور حريته مببادرة أملتها معاناة طويلة بعيدا عن املثقفني الذين أرادوا‬ ‫تعليم الشعب مبادئ احلرية وهم جمتمعون يف مكاتب مغلقة يدور احلديث فيها عن استرياد‬ ‫الدميقراطية »‬ ‫13‬
  • 32.
    ‫الثورة التونسية :من إسقاط النظام إلى عودة األزالم.‬ ‫مدى النجاح أو الفشل !...‬ ‫شبح عودة النظام القديم‬ ‫كيف تأكل الثورة أبناءها!؟‬ ‫لقد قامت الثورة التونسية على أسباب رئيسية ثالثة وهي البطالة‬ ‫والفساد والتنمية الجهوية المختلة. واليوم بعد ثالث سنوات من الثورة‬ ‫ماهــي الحصيلــة؟ هل قاومنــا الفســاد؟ هل حققنــا تنميــة عادلة‬ ‫بين كل الجهات؟ هل قدمنا حلوال لمعضلة البطالة أمام تراجــع النمو‬ ‫االقتصادي؟‬ ‫يقول العديد من الزعماء السياسيين أن الحرية والديموقراطية أهم‬ ‫مكسب للثورة التونسية.‬ ‫إذا كان الشعب التونسي قد هبّ على بكرة أبيه يوم الرابع عشــر‬ ‫من جانفي ليفرض التغيير ويقطع دابر «صانع التغييــر» فهل نحن‬ ‫نحتاج إلى أحزاب سياسية؟‬ ‫ما موقع الشباب الذي هو وقود هذه الثورة؟‬ ‫لقد اختزل الكيـــان الوطنـــي في هم حفاظ المتسلطين على‬ ‫ّ‬ ‫الكراسي ليس فيه لبذل الشبـــاب دور بعــد أن تـــم هدره وليس لها‬ ‫ّ‬ ‫أن تلبــس لبوسا ماركسيا أو علمانيّا أو دينيّا. فالثورة مدلــول شمولي‬ ‫ّ‬ ‫يقتضــى إحداث قطيعة مع الماضي يختار نهجـــا جديـــدا يفضــى‬ ‫إلى الدخــول فــي مرحلة الديموقراطية، لكن في غياب مشروع ثوري‬ ‫يقطــع مع الماضــي ويؤسس لعدالة انتقالية بعد المحاسبة والتسامــح‬ ‫فذلك ما يؤدي إلى استمرار وجود النظام السابق ليعــود التجمع‬ ‫الدستوري الديموقراطي في أثواب شتى فقد توزعوا على عديــد‬ ‫ّ‬ ‫األحــزاب متنكرين تحت قناع الحرّية والديمقراطيــة. (المبادرة،‬ ‫الوطن، نداء تونس، أفاق تونس، العدالة والحريّة، أحــرار تونس،‬ ‫االتحاد الشعبــــي الجمهــوري، االستقالل من أجل الحريّة، حركة‬ ‫ّ‬ ‫الكرامة والديمقراطية، المستقبل، الحزب الحر الدستوري التّونسي،‬ ‫الوفاق الجمهوري...)‬ ‫إذن عاد هؤالء التجمعيّون تحت عباءة االنتقال الديمقراطي ودخلوا‬ ‫المجلس التأسيسي قبل االنخراط في الحوار الوطني.‬ ‫فهل يمكن بناء ديمقراطية برموز المخلوع وإعالم مأجور مشبوه‬ ‫في ثورة تحترم نفسها؟‬ ‫و في حكومة تحترم شعبها ومطالبه، هل نغفل عن تطبيق العدالة‬ ‫االنتقالية دون محاسبة؟‬ ‫دائما هناك من يقاوم التغيير ومــن يسعـــى لقتــل الثـــورات.‬ ‫ّ‬ ‫ولعل أكبر تهديد للثورة هو القطع الجذري مع النظام، ألن النظام‬ ‫في مثل وضعنا العربي قد استشرى في كل الوظائف والقطاعات‬ ‫وتغلغل في النفوس. فالثورة تؤهّل المجتمع إلعادة بناء األفكار وقلب‬ ‫القيم وترتيب األولويات مما يعني أننا في حاجة ألسس ثقافيّة جديدة‬ ‫تعيد بناء اإلنسان وهو ما سينعكس على الواقع. أليس في قول نيتشه‬ ‫« إن بؤس الروح كبؤس الجسد» ما يعكس بوضوح حاجتنا لثورة‬ ‫في األفكار وفي وعينا بقيمة أنفسنا. هذه الروح العربيّة التي طالما‬ ‫احتقرناها ونظرنا إليها بازدراء مما انعكس سلبا على مجتمعاتنا،‬ ‫فهؤالء جاثمون على صدورنا لكنهم سيرحلون. أنهم كمن يريد العودة‬ ‫إلى الحياة وقد قال فيهم الشعب كلمته « لن يعودوا إال على جثثنا»‬ ‫وكتبها في كل الحيطان.‬ ‫ّ‬ ‫إن القوى المضادة من األحزاب السياسية ال تتردد في نشر‬ ‫األكاذيب واإلشاعات والمهيجات من أجل صرف الثورة عن أهدافها‬ ‫وإسباغ الغموض والتشويه على منطلقاتها وتحريــض المعطليــن‬ ‫على االعتصامات والتخريب خصوصا في غيــاب حكومة شرعيّة‬ ‫غير مؤقتة وغير دائمة تحكم قبضتها على الواقـــع حتى ال تسمح‬ ‫لقوى االستبداد والفساد أن ترفع رؤوسها وتلتقط أنفاسهــا، فهؤالء‬ ‫ّ‬ ‫يجن جنونهم حين يمجّدون الشباب صناع الثورة ومستقبل األمة‬ ‫ألنهم يعتقدون أن مستقبل األمة تصنعه النخب ورجاالت الحكم وليس‬ ‫الشباب القاصر من البسي القمصان الرخيصة كما يقـــول الدكتور‬ ‫«على محمد فخرو». لهؤالء أقول :‬ ‫ال تهتفوا للقاتل المدان بالرحيل.‬ ‫سيصلح األذناب من طائرة الرحيل...‬ ‫ألف كيس‬ ‫ليخنقوا القانون و العدالة ،‬ ‫ليضعوا ذممهم في الوحل والزبالة‬ ‫هل نجحت الثورة؟‬ ‫احتاجت الثورة الفرنسية التي سالت فيها الدماء سواقي إلى سنوات‬ ‫حتى تقف على قدميها كذلك اضطرت الثورة الروسية للتراجع أمام‬ ‫« لقد قامت الثورة التونسية على أسباب رئيسية ثالثة وهي البطالة والفساد والتنمية اجلهوية‬ ‫املختلة. واليوم بعد ثالث سنوات من الثورة ماهي احلصيلة؟ هل قاومنا الفساد؟ هل حققنا تنمية‬ ‫عادلة بني كل اجلهات؟ هل قدمنا حلوال ملعضلة البطالة أمام تراجع النمو االقتصادي؟»‬ ‫23‬
  • 33.
    ‫الثورة التونسية :من إسقاط النظام إلى عودة األزالم.‬ ‫مدى النجاح أو الفشل !...‬ ‫الكوالك لكن فشل الثورة يعني موت األحالم العليا وموت الرسالة‬ ‫وموت الهدف.‬ ‫هناك صعوبات تعيشها الثورة التونسية من خالل أزمة الحكم‬ ‫والحكومة ومن خالل بطء الدعم المالي األوربي وصندوق النقد‬ ‫الدولي مع األزمة المالية التي تجتاح أوروبا بعد خسائرها في العراق‬ ‫وأفغانستان وسوريا.‬ ‫* إن الخسائر اإلنتاجية الناجمة عن ثورات تونس ومصر وليبيا‬ ‫واليمن بلغت حوالي 48.55 مليار دوالر.‬ ‫يرى المؤلف ‪ Patrick Buchanan‬في كتابه «انتحار القوة‬ ‫العظمى – هل تقوى أمريكا على الصمود إلى سنة 5202 ؟» إن‬ ‫الواليات المتحدة لم تعد تنفرد بالساحة الدولية مع صعود قوى أخرى‬ ‫كالصين والهند والبرازيل فهي ستتفكك تحت وطأة عوامل عدة منها‬ ‫ديونها المثقلة التي تصل إلى حوالي 3.41 تريليون دوالر مع فقدان‬ ‫هويتها المسيحية وثقافتها مع ما ينتج عن ذلك من علل اجتماعية‬ ‫وحروب ثقافية.‬ ‫ّ‬ ‫إذن هناك معايير هشة في توصيف نظام ما بأنه ديمقراطي لمجرّد‬ ‫أن لديه مؤسسات دستورية عصرية واقتصاد ليبرالي رأس مالي وهي‬ ‫مقوالت يصعب تحديد جديتها إذا لم تواكبها ثقافة ديموقراطية تؤمن‬ ‫باالختالف فما فعلت أمريكا في معتقل غوانتنامو وسجون أبو غريب‬ ‫ال يرقى إلى أدني مستويات اإلنسانية.‬ ‫نحن ال نحتاج إلى رئيس طاغية يحكمنا بل نردد مع «فوليتر» أن‬ ‫التسامح هو النتيجة الحتمية إلدراكنا أننا لسنا معصومين من الخطأ.‬ ‫وأن الصراع السياسي خارج الوحدة الوطنية ال ينتج غير الفوضى‬ ‫والحروب األهلية.‬ ‫وأن معايير نجاح ثورتنا هو في انهيار النظام السياسي القديم بكل‬ ‫مؤسساته ونخبه المنتجة والبحث عن زعامات سياسية مستقلة تحوز‬ ‫ثقة الشعب ثم مع الرغبة في تحديث المؤسسات والقطع مع ممارسات‬ ‫الماضي نحو إرساء ديمقراطية تشاركية بين األحزاب.‬ ‫إن تونس الجديدة البد أن تبنى على الثقة المتبادلة بين الجميع من‬ ‫الفرقاء السياسيين من أجل العمل على المصلحة العامة من منطلق البناء‬ ‫ال الهدم لنتذكر التحابب في األيام األولى للثورة، لماذا يتناسى الناس‬ ‫ذلك ليصبح مفهوم الثورة هو الغنيمة في اقتسام المرابيح والكراسي.‬ ‫خذوا الكراسي واتركوا لي الوطن كما يقول الفنان لطفي بوشناق‬ ‫فتونس قادرة على احتضان الجميع بعيدا عن الصراع اإليديولوجي‬ ‫ّ‬ ‫المتخلف وإن المظاهرات االجتماعية التعبوية قد أظهرت وجوب‬ ‫إعادة النظر في مفهوم المثقف وفي تفعيل العمل الثقافي الجماعي‬ ‫وليس الفردي.‬ ‫خاتمة:‬ ‫إذا كنا نريد ثورة تنموية ديمقراطية بديلة عن العولمة فانه يتعين‬ ‫استعادة وظيفة الشأن السياسي و معنى الصالح العام فالبد من الشروع‬ ‫في القيام بإصالحات في العمق تحد من تشكيل سلطة معولمة فليس‬ ‫لدى اإلنسان أمل كبير بمجيء نظام سياسي تتوسع فيه أبواب الحرية‬ ‫و المساواة بين الجميع فهل كانت الثورة التونسية ثورة ثقافية؟ و هل‬ ‫أسست لمشروع مجتمعي تحرري يكرس الشعارات التي رفعت في‬ ‫بداية الثورة أم تنتكس كما وقع مع بعض الثورات في التاريخ اإلنساني؟‬ ‫لكي تحقق الثورة أهدافها و منها القضاء على منظومة الفساد و‬ ‫االستبداد فال مفر من أن يتم االنتقال من مجتمع الرعية إلى دولة‬ ‫الرعاية و إلى مجتمع المواطنة و في غياب ذلك مازلنا نقفز من مشكل‬ ‫إلى أخر بل من ورطة إلى أخرى...‬ ‫----------‬‫* استاذ وكاتب حر من صفاقس‬ ‫‪tarhouniali01@gmail.com‬‬ ‫33‬
  • 34.
    ‫من وحي الحدث‬ ‫صعوباتاإلنتقال الديمقراطي في دول الربيع العربي‬ ‫بقلم : محمد الطرابلسي*‬ ‫تقديم‬ ‫ٱنطلقت شرارة الربيع العربي من مدينة سيدي بوزيد التونسية‬ ‫على إثر إقدام الشاب « محمد البوعزيزي» على إحراق نفسه بعد‬ ‫مصادرة عربته من أعوان البلدية . و كان هذا الحدث بمثابة القطرة‬ ‫التي أفاضت الكأس، و ٱنتشرت رقعة الثورة كإنتشار النّار في الهشيم‬ ‫لتشمل مدن تونسيـــة عديــــدة . ورفع المحتجــــون شعار «ارحل»‬ ‫في وجوه رموز النظام السابق، وكان أيضا شعار « شغل، حرية،‬ ‫كرامة وطنية» شعارا أساسيا حاضرا بقوة في الشارع التونسي يترجم‬ ‫ويختزل األهداف التي قامت ألجلها الثورة. وأدى تطور األحداث‬ ‫وتسارعها إلى سقوط النظام، وكان لذلك إنعكاسا مباشرا على عديد‬ ‫الشعوب العربية . وبسرعة غريبة لعبت فيها وسائل اإلعالم العالمية‬ ‫وشبكات التواصل اإلجتماعي دورا هاما، إنتقلت الثورة من تونس‬ ‫لتشمل دول عربية أخرى على غرار مصـــر وليبيـــا واليمـــن‬ ‫وسوريا. سقطت أنظمة إستبدادية عديدة بكل من تونس وليبيـــا‬ ‫ومصـــر واليمن وطرحت منذ ذلك الوقت مسألة اإلنتقال الديمقراطي‬ ‫والتأسيس لمرحلــة جديــــدة تقطع مع الماضي وتفتح آفاقا جديـــدة‬ ‫نحو المستقبل.‬ ‫إن عملية اإلنتقال الديمقراطي في دول الربيع العربي تواجه‬ ‫صعوبات عديدة : اقتصادية واجتماعية وأمنية ، ومن هذا المنطلق‬ ‫نطرح التساؤل التالي : هل يمكن بناء ديمقراطية على قاعدة الفقر‬ ‫واإلرهاب؟ وسنحاول من خالل هذا المقال تقديم أبرز التحديات‬ ‫والصعوبات التي تعترض عملية اإلنتقال الديمقراطي .‬ ‫إرث الحكم المطلق :‬ ‫من أجل فهم جذور الربيع العربي بصورة أوضح، ال بد من‬ ‫اإلشارة أن معظم رؤساء دول الربيع العربي ٱعتقدوا أن لديهم ملكية‬ ‫مطلقة للسلطة، فالرئيس كان يحتكر جميع السلطات في شخصه‬ ‫(التشريعية والقضائية والتنفيذية)، وكان الحكم المطلق بالنسبة لهؤالء‬ ‫يمثل مبررا ألفعالهم وتصرفاتهم، واستمر الرؤساء الساقطـــون‬ ‫والمتساقطون الواحد تلو األخر في كل من مصر وليبيا وتونـــس‬ ‫واليمن في البحث عن طرق جديدة لتوريث الحكم حتى وإن إقتضى‬ ‫األمر تعديالت دستورية إلضفاء الشرعية على تصرفاتهم. وقد أدى‬ ‫هذا األمر إلى بروز عصابات حاكمة تحتكر السلطة والثروة فٱنتشر‬ ‫الفساد والمحسوبية على أعلى المستويات وفي مختلف القطاعات‬ ‫اإلقتصادية.‬ ‫هذه التركة الثقيلـــة كانت لهـا تداعياتهـــا على المسار اإلنتقالي‬ ‫في جميع دول الربيع العربـــي. صحيـــح أن رؤوس هذه األنظمـــة‬ ‫قد قطعت ولكن تركت شبكات تشتغل على أمــل إستعــــادة ما فقـــدوه‬ ‫من ثروة وسلطة.‬ ‫حاولت هذه الشبكات التنظم في أحزاب جديدة وسعت جاهدة‬ ‫إلجهاض الثورات ونشر حالة اإلحباط لدى عموم الناس ليشرّعوا‬ ‫من جديد لعودة الدكتاتوريات. وقد كان لإلنقالب الذي حدث في مصر‬ ‫إنعكاسات مباشرة على بقية الدول، إذ حاولت العديد من األطــراف‬ ‫التي ال تعترف بنتائج اإلنتخابات إستيراد ما حصل في مصر واسقاطه‬ ‫على الواقع التونسي أو الليبي. ولكن فشل اإلنقالب في تونس ال يعني‬ ‫أن آلة الثورة المضادة قد تعطلت، ويبقــى الحذر واجبــــا وطنيــــا‬ ‫على القوى الديمقراطية أن تلتزم به.‬ ‫الفقر، البطالة و رداءة البنى التحتية:‬ ‫كان رموز األنظمة السابقة يعتقدون أن كل موارد دولهم هي ملكهم‬ ‫وحقهم الشرعي، وهذا األمر كان واضحا في ليبيا التي طالما انتشر‬ ‫اإلعتقاد بأنها من أغنى الدول في العالم حيث تتوفر الموارد النفطية‬ ‫العالية الجودة في باطن أراضيها. ولكن في المقابل نجد أكثر من ثلث‬ ‫السكان يعيشون في فقر مدقع، ونسبة قليلة من عائدات النفط يتم إنفاقها‬ ‫ّ‬ ‫في برامج التهيئة والبنى التحتية. وعندما نستدل بمشاهد من بعض‬ ‫المدن الليبية خالل الفيضانات األخيرة يصبح كالمنا غير قابل للنقاش.‬ ‫وقد بلغ في مصر التفاوت بين الفقراء واألغنياء ذروته أثناء المراحل‬ ‫األخيرة من عمر نظام مبارك، إذ كانت الثروة توزع بطريقة غير‬ ‫عادلة، تحتكرها رموز النظام وعائلته. وتواجه مصر اليوم مجموعة‬ ‫من التحديات بسبب األحداث المتسارعة منذ سقوط نظام مبارك، فقد‬ ‫تعطل النشاط التجاري بسبب اإلنقالب العسكري والمجازر التي حدثت‬ ‫من وراء ذالك في حق األبرياء، فأغلقت البورصة وانخفضت عائدات‬ ‫ّ‬ ‫السياحة وأدت األزمة االقتصادية العالمية إلى تراجع اإلستثمارات‬ ‫األجنبية، وتراجع نسبة النمو اإلقتصادي إلى ما دون 1 % . ويزيد‬ ‫إنخفاض معدالت النمو اإلقتصادي من تأزم األوضاع اإلجتماعية إذ‬ ‫أنها ال تكفي لتوفير فرص العمل للسكان.‬ ‫«احلقيقة أن الثورة مل تكن فقط ضد الطاغية وأسرته وأصهاره بل ضد الدولة األبوية وخنبتها األكثر‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫فسادا اليت خلعت مالبسها القدمية حبثا عن دور جديد يناسب املرحلة اجلديدة . »‬ ‫43‬
  • 35.
    ‫صعوبات اإلنتقال الديمقراطي‬ ‫فيدول الربيع العربي‬ ‫وفي تونس كانت وال تزال مشكلة البطالة من أهم المشاكل،‬ ‫وبالرغم من تعاقب العديد من الحكومات خالل المرحلة اإلنتقالية، فإن‬ ‫هذه المشكلة تزداد تعقيدا، وهذا الوضع ال يختلف عن بقية دول الربيع‬ ‫العربي. وفي هذا اإلطار نقدم جدول تفصيلي عن تطور نسب البطالة‬ ‫في تونس خال ل الفترة الممتدة من 6002 إلى 3102 .‬ ‫ﻋﻧﻭﺍﻥ ﺍﻟﺟﺩﻭﻝ: ﺗﻁﻭﺭ ﻧﺳﺑﺔ ﺍﻟﺑﻁﺎﻟﺔ ﻣﻥ 6002 ﺍﻟﻰ 3102 ) % (‬ ‫ﺍﻟﺴﻨﻮﺍﺕ 6002 7002 8002 9002 0102 1102 2102 3102‬ ‫ﻧﺴﺒﺔ‬ ‫ﺍﻟﺒﻄﺎﻟﺔ‬ ‫5.21 4.21 4.21 3.31‬ ‫31‬ ‫3.81 7.61 7.51‬ ‫ﺍﻟﻣﺻﺩﺭ : ﺍﻟﻣﻌﻬﺩ ﺍﻟﻭﻁﻧﻲ ﻟﻺﺣﺻﺎء ، ﺍﻟﻣﺳﺢ ﺍﻟﻭﻁﻧﻲ ﺣﻭﻝ ﺍﻟﺳﻛﺎﻥ ﻭ ﺍﻟﺗﺷﻐﻳﻝ‬ ‫كما تعد إشكالية التضخم المالي من أبرز اإلشكاليات التي تواجهها‬ ‫إقتصاديات دول الربيع العربي، فإنهارت قيمة العملة األمر الذي‬ ‫ٱنعكس على القدرة الشرائية للسكان و أدى إلى إرتفاع كبير في األسعار‬ ‫تزامن مع تواتر عمليات التهريب واإلحتكار ونمو التجارة الموازية.‬ ‫وتتعرض العمالت في دول الربيع العربي إلى نزيف مستمر‬ ‫خاصة في كل من تونس وليبيا ومصر، وتلعب حالة عدم اإلستقرار‬ ‫السياسي واألمني واإلجتماعي دورا مهما ورئيسيا في تكبّد هذه‬ ‫العمالت خسائر كبيرة بسبب نزيف إحتياطات هذه الدول من العملة‬ ‫األجنبية، وهذا النزيف مرتبط بتراجع أداء قطاعات هامة مثل السياحة‬ ‫وتوقف المناجم عن اإلنتاج بسبب اإلضرابات مدة طويلة إلى جانب‬ ‫تراجع حجم الصادرات واإلستثمارات وعجز الميزان التجاري. وهذا‬ ‫الوضع له إنعكاساته على األمن الغذائي في هذه الدول‬ ‫خطر اإلرهاب:‬ ‫مما ال شك فيه أن أخطر ما يواجه عالمنا اليوم هو تنامي المنظمات‬ ‫اإلرهابية، فلم تعد هذه المنظمات مقتصرة على دولة ما، بل هي غدت‬ ‫ظاهرة دولية خطيرة، و يجري تنفيذ جرائمها في مختلف دول العالم،‬ ‫في أمريكا وروسيا وإسبانيا وفرنسا وألمانيا واندونيسيا... ونال العالم‬ ‫العربي الذي غدا المنبع األكبر لقوى اإلرهاب نصيب األسد من هذه‬ ‫النشاطات بحكم إستغالل القائمين على المنظمات اإلرهابية الظروف‬ ‫اإلجتماعية لبعض الفئات وهشاشة األوضاع اإلقتصادية وتسخيرهم‬ ‫لتنفيذ عملياتهم اإلجرامية .‬ ‫ويعد اإلرهاب اليوم عائقا أمام عملية اإلنتقال الديمقراطي في‬ ‫دول الربيع العربي، وكلّنا نستحضر عمليات اإلغتيال والترويع التي‬ ‫حدثت في تونس وليبيا ومصر، ذهب ضحيتها العديد من األبرياء.‬ ‫وهذا الوضع ليس بجديد عن دول الربيع العربي، فقد ساهمت األنظمة‬ ‫القمعية السابقة في هذه الدول في إيجاد تربة خصبة للتطرف على‬ ‫إختالف عناوينه، تربة تم إستغاللها لتكون النتيجة اآلالف من الشباب‬ ‫العاطل عن العمل مستعد للقتل والقتال بعد غسيل دماغه بفتاوي وهابية‬ ‫وغيرها.‬ ‫والمطلوب اليوم في دول الربيع العربي إعتماد سياسة إقتصادية‬ ‫عادلة تعالج مشكلة الفقر والجوع والتخلف، وتوظّف الثروات من‬ ‫أجل بناء أنظمة جديدة عادلة ديمقراطية تحقق الحياة الكريمة لجميع‬ ‫المواطنين، كما أنه من الضروري نشر ثقافة التسامح واآلخاء والتوافق‬ ‫بين مختلف مكونات المجتمع وبين مختلف األطياف السياسية.‬ ‫خاتمة :‬ ‫قد يعلمنا التاريخ أنه بعد الثورات قد يستغرق الوضع أعواما أو‬ ‫عقودا حتى يتحقق اإلستقرار السياسي واإلنتعاشة اإلقتصادية. ولكن‬ ‫هنالك إشكاليات ال تقبل التأجيل، تتطلب تدخال عاجال من مختلف‬ ‫األطراف السياسية، وإجراءات فورية في حجم الثورات العربية، ومن‬ ‫أبرز هذه اإلشكاليات الفقر والبطالة، ألنه ال يمكن أن نبني ديمقراطية‬ ‫على قاعدة الفقر والبطالة.‬ ‫المراجع :‬ ‫ إحصائيات المعهد الوطني لإلحصاء، المسح الوطني حول‬‫السكان و التشغيل 3102.‬ ‫ احمد يوسف التل 8991 : اإلرهاب في العالمين العربي و‬‫الغربي، عمان ( األردن) ، 475 ص.‬ ‫ جون آربرادلي 3102 : ما بعد الربيع العربي ، كلمات عربية‬‫للترجمة و النشر ، القاهرة ، 691 ص.‬ ‫----------‬‫*باحث في العلوم الجغرافية ( مرحلة الدكتوراه)‬ ‫‪geographie_tunisie@yahoo.fr‬‬ ‫« املطلوب اليوم يف دول الربيع العربي إعتماد سياسة إقتصادية عادلة تعاجل مشكلة الفقر واجلوع‬ ‫ّ‬ ‫والتخلف، وتوظف الثروات من أجل بناء أنظمة جديدة عادلة دميقراطية حتقق احلياة الكرمية‬ ‫جلميع املواطنني »‬ ‫53‬
  • 36.
    ‫بال حدود‬ ‫في الثورة:يقولون « ثورة » في تونس مريضة، قلت ...‬ ‫بقلم : نعمان العش*‬ ‫ّ‬ ‫لن نتملّك القدرة على وصفه فاقدا للمناعة كل قول أو رأي أو‬ ‫موقف يسبق التّفكير في موضوع، وسوف نعجز عن وصفه بالوجاهة‬ ‫ّ‬ ‫كل قول أو رأي أو موقف عبّر أو وصف أو تقرّر وهو فاقد لمقوّمات‬ ‫منهجية تجعله وجيها، فهل يمكن أن نستبيح ساحة الحدث منذ 71‬ ‫ّ‬ ‫ديسمبر 0102 فنصفه بالثّورة؟ وهل لنا أن نبطل موقف من يعن له أن‬ ‫ّ‬ ‫يصفه بالالثورة؟ إن الميل إلى أحد الرأيين أو اإلقرار به لن يكون، في‬ ‫واقع الحال، مختلفا عن كل ميل يسبق اإلقرار بكليهما، فمالّ‬ ‫ّ‬ ‫ذي يبرّر‬ ‫لنا هذا الموقف؟‬ ‫ّ‬ ‫ثمة تصوّرات بعضها يستمد من أنساق فكرية أو فلسفية وبعضها‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫اآلخر تدعمه نصوص دينية وكثير منها ال يفارق الدغمائية والكليانية‬ ‫الموصولة بإيديولوجيات لم تكن بنيتها المرجعية إالّ مؤسّسة لبؤس‬ ‫ّ‬ ‫االستبداد. كل ذلك يبطل القدرة على تحديد صارم لمفهوم الثّورة، ولكن‬ ‫هل عسانا نتراجع نكوصا لنصف الحدث بأنّه بعيد عن الثّورة الّ‬ ‫تي‬ ‫ّ‬ ‫كان الشعب يطمح إليها وهو في اآلن نفسه يسعى للكشف عن شروط‬ ‫تحقّقها، ومن عناصره من يتهيّأ لقيادتها بإعداد لـ:‬ ‫ّ‬ ‫* أفكار تستمد من مرجعياته الفكرية أو اإليديولوجية أو الدينية‬ ‫وتصوّرات مناسبة لشكل الثّ‬ ‫ورة المرجوّة وأطروحات وبرامج ورؤى‬ ‫حول طبيعة الثّورة وأهدافها الّتي يجب تحقيقها.‬ ‫* أسلوب إنجاز الثّورة الّذي يجب أن يوافق المرجعيات الفكرية‬ ‫أو اإليديولوجية أو الدينية ويعكس أفكار الثّورة وأهدافها.‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫1. بنية الثورة األساسية أو هيكلها الثوري‬ ‫نحاول، بدءا، أن نحصر رهانات الحدث الّذي نسميه ثورة شعبية،‬ ‫ّ‬ ‫في هدفين رئيسيين وهما:‬ ‫ّ‬ ‫* تخلّص الشعب من هيمنة االستبداد السّياسي بأسلوب حركة‬ ‫سلميّة.‬ ‫* إقامة نظام سياسي ديمقراطي يحتكم فيه إلى القانون واالنتخاب‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫العام لتحقيق العدالة االجتماعية والتّوزيع العادل للثّروات ولمواطن‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الشغل مع ترسيخ احترام الحرّيات العامة.‬ ‫ّ ّ‬ ‫هل يمكن، وفق هذا السّياق، أن نؤكد أن الحراك الثّوري السّلمي‬ ‫في تونس، مثلما هو الشأن في بقية البلدان العربية الثّ‬ ‫ّ‬ ‫ائرة:‬ ‫* مثّل إستراتيجية ثوريّة مستحدثة تخلّصت من غموض مفهوم‬ ‫الثّورة حسب األنماط الفكرية الّتي كانت قد أسبقت له سياقات نظرية‬ ‫أوثقتها بشرط القيادة والحزب الثّوريين لدى بعضها، لتكون إستراتيجية‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫معتمدة على أساس وثيق هو إرادة الشعب، إرادة لخصها الشعار الّذي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫أجمعت عليه مجمل الشعوب العربية المسلمة الثّائرة « الشعب يريد »‬ ‫فأصبحت هي البديل الموضوعي للقيادة الجامعة،‬ ‫ّ‬ ‫* ومثّل بنفس الدرجة استدعاء لمجتمع النّخبة بشقّيها الفكري‬ ‫والسّياسي لتلتزم بمراجعة مرجعياتها الفكريـــة أو اإليديولوجيـة‬ ‫أو الدينية وتصوّراتها الثّورية السّابقة مراجعة قد تصل إلى درجــة‬ ‫ّ‬ ‫استئصــال كل واحدة تستنكف عن أن تكون موافقة للقيادة الحقيقية لما‬ ‫سمي بالثّورة وهي الشّ‬ ‫عب وإرادته،‬ ‫ّ‬ ‫* وحقّق تنازال دوليا، عن منظومة دعم االستبداد فكريا وسياسية‬ ‫ّ‬ ‫واقتصاديا وعسكريا. تنازل تجسّد في إقرار بأحقّية الشعوب الثّائـرة‬ ‫ّ‬ ‫في تحقيق مصيرها وتملّك حقّها في األمن والسّيادة في محاالت عدة‬ ‫لعل أهمها يتمثّل في األمن والسّيادة الغذائية.‬ ‫ّ ّ‬ ‫ّ‬ ‫* وبشر بالفصل بين قيادة كانت تفرض ذاتها كقيادة تاريخية‬ ‫ّ‬ ‫مؤبّدة تحتكر لديها كل عناصر القوّة والهيمنة والجبروت وقيادة مؤمنة‬ ‫بقيم الحرّية والعدالة والمساواة وبديمقراطية ذات نمط جديد يؤسّس‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫بموجبها لحق إرادة الشعب في إرساء خيار التّأصيل الملتزم بإطاره‬ ‫الثّقافي الّذي يتبنّاه ويدافع عنه وهو ما به يحقّ‬ ‫ق ذاته الوطنية كشعب‬ ‫صاحب إرادة ال تنفصل عن تاريخ تؤبّد فيه إرادة التّجديد واإلصالح.‬ ‫ّ‬ ‫هذه القيادة هي الشباب الّذي اختبر كثير من أفراده لؤم االستبداد وعقم‬ ‫ّ‬ ‫تأبيد القيادة الّذي تتّكئ عليه قيادات االستبداد. ألم يمثّل الشباب المتعلّم‬ ‫والجامعي قيادة حقيقية للحراك الطالّبـــي طيلـــة العشريـــة األخيــرة‬ ‫من سنين الحكم البورقيبي وعشريتين من حكم بن علي.‬ ‫* وكشف بكل وضوح ونقاء عما أسميناه « لؤم االستبداد وعقم‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫«بشر احلراك الثوري السلمي يف تونس بالفصل بني قيادة كانت تفرض ذاتها كقيادة تارخيية‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫مؤبدة حتتكر لديها كل عناصر القوة واهليمنة واجلربوت وقيادة مؤمنة بقيم احلرية والعدالة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫واملساواة وبدميقراطية ذات منط جديد يؤسس مبوجبها حلق إرادة الشعب. »‬ ‫ّ‬ ‫63‬
  • 37.
    ‫في الثورة: يقولون« ثورة » في تونس مريضة، قلت‬ ‫ّ‬ ‫تأبيد القيادة » ليكون الشباب/القيادة الجديدة عاطال عن العمل أو يعيش‬ ‫في وضع اجتماعي متدنٍّ . إن شبكة التّ‬ ‫ّ‬ ‫واصل االجتماعي أفصحت‬ ‫ّ‬ ‫عن نفسها كـ« محبرة » لكتاب الثّورة الّتي كتب بها الشباب عبارات‬ ‫الرّفض للواقع المأزوم والمنبوذ وقرّر عبرها عدم المرور بوساطة‬ ‫األحزاب السياسية.‬ ‫ّ‬ ‫* وتميّز الشباب/القيادة بالتّحرّر من قيود األيديولوجية ليختزل‬ ‫ّ‬ ‫رهانــــه االستراتيجــــي األوّل في شعـــار مركزي مجمع هو شعار‬ ‫« ارحل».‬ ‫ّ‬ ‫2. الدولة: صورة مطابقة لألصل أم مناقضة لألصل‬ ‫ّ‬ ‫عبارة الفيلسوف االنجليزي « إنجلز » يعبّر فيها عن أن « الدولة‬ ‫إذن ليست بحال سلطة مفروضة على المجتمع من خارجه، كما أنها‬ ‫ليست كذلك « تجسيدا للفكرة األخالقية » « وصورة وحقيقة العقل» كما‬ ‫ّ‬ ‫يدعي هيغل »([1]) تبين في بعض مالمحها عن االستقالل والسّيادة‬ ‫لدولة يكون أساسها ما يثبّت أحقّ‬ ‫ّ‬ ‫ية إرادة الشعب ووجوب فرضها على‬ ‫تسلّط السّلطة الخارجية المفروضة من الخارج وفيها ما يبيّن أيضا‬ ‫الخالص من التّبعيّة والتّحرّر ألجل األمن والسّيادة كرهانين متحقّقين‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫كما تبين في مالمح أخرى الخالص من الدغمائية الشمولية المفسدة،‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫حال هيمنتها على الدولة، للحرّية والعدالة. إن العقل، وإن اختزل آلية‬ ‫ّ‬ ‫إنشاء منظومة القوانين المدنية إالّ أنّه بنفس الدرجة في واجهة أخرى‬ ‫ّ‬ ‫يفهمه المستبدون آلية لإلجهاز على المخالفين وبه يبرّرون إقصاءهم‬ ‫واستئصالهم.‬ ‫ّ‬ ‫« الدولة باألحرى هي نتاج للمجتمع عند درجة معيّنة من تطوّره،‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الدولة هي اعتراف بأن هذا المجتمع قد توّرط في تناقض مع ذاته غير‬ ‫قابل للحلّ، وأنّه قد تصدع إلى تناقضات ال يمكن التّ‬ ‫ّ‬ ‫وفيق بينها وال‬ ‫طاقة له بالخالص منها. ولكي ال تقوم هذه التّناقضات، هذه الطّبقات‬ ‫ذات المصالح االقتصادية المتصارعة، باستهالك أنفسها والمجتمع في‬ ‫نضال عقيم، أصبح من الضّروري قيام سلطة تقف في الظّاهر فوق‬ ‫ّ‬ ‫المجتمع، سلطة تهدئ الصّراع وتبقيه في حدود « النظام »، وهذه‬ ‫السّلطة المنبثقة عن المجتمع والّتي تضع نفسها فوقه وتغترب عنه‬ ‫ّ‬ ‫أكثر فأكثر هي الدولة » ([2]) قول هو بدوره إلنجلز يضع حدودا‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫للدولة تفارق في ركن منها إرادة الشعب حينما تتعالى عليه وتوافق في‬ ‫ركن ثان إرادة الشعب حينما تبرّر ضمنياتها وجاهة الثّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ورة على الدولة‬ ‫المتعالية على إرادة الشعب. قد يتضمن إبرازا ألهمية الثّورة الّ‬ ‫ّ‬ ‫تي قد‬ ‫ّ‬ ‫يستوجب تحقّقها أن تكون عنيفة، وهو يقول في ذلك « فالعنف، على‬ ‫ّ‬ ‫أي حال يقوم كذلك بدور آخر في التّاريخ (غير دوره كقوّة وحشية)‬ ‫ّ‬ ‫بدور ثانوي، وبتعبير ماركس العنف يقوم بدور المولّدة لكل مجتمع‬ ‫ّ‬ ‫قديم حامل بمجتمع جديد وهو األداة التي تشق الحركة االجتماعية‬ ‫بواسطتها الطّريق لنفسها وتحطّم األشكال السّياسية المتحجّرة والميّتة‬ ‫([3]).‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫3. ثورة النخبة أم نخبة الثورة‬ ‫ّ‬ ‫المناص من إقرار يجب أن تفعم به الدراسات التّحليلية لرصيد‬ ‫االندماج في واقع الثّورة وهو إدانة النّخبة التّونسية الّتي خسرت:‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫* شوط ادعائها بقيادة منظومة النّضال ضد نظام القمع واالستبداد،‬ ‫* وشوط التّمويه من خالل معاشرة االستبداد الخفيّة والتّحالف‬ ‫َ‬ ‫الوثيق الصّامت بين نظام االستبداد في تونس خالل المرحلة البورقيبية‬ ‫َ‬ ‫(6591-7891) ومرحلة نظام بن علي (7891-0102) وبين النّخب‬ ‫السّياسية.‬ ‫كل ادعاء بأن ما حدث منذ 71 ديسمبر 0102 يمثّ‬ ‫ّ ّ‬ ‫ل ثورة حقيقية‬ ‫هو ادعاء غير مكتمل الشرط ألن سياقات الثّورة تشترط التّحقّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ق‬ ‫المكتمل والمتكامل وكل ادعاء بأن ذلك الحدث ال يمثّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ ّ‬ ‫ل ثورة حقيقية‬ ‫هو ادعاء متجن ألن إبطاله واجب يشترط اعتباره مبشّ‬ ‫ّ ّ‬ ‫ّ‬ ‫را بثورة عمقها‬ ‫سوف يكون ثقافيا باإلضافة إلى أعماقه األخرى السّياسية واالقتصادية‬ ‫واالجتماعية والتّنموية وعمق العمق سوف بكون الثّورة في وعي‬ ‫شعب يراهن بصدق على ديمقراطية لن تكون إقصائية.‬ ‫4. الهوامش‬ ‫[1] و [2]- (إنجلز «أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة»، ص‬ ‫771-871 من الطبعة األلمانية السادسة).‬ ‫[3] - (أنجلز «أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة»، ص 391‬ ‫من الطبعة األلمانية السادسة).‬ ‫----------‬‫*باحث في الفكر السياسي‬ ‫‪noomen_e@yahoo.com‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫« كل ادعاء بأن ما حدث منذ 71 ديسمرب 0102 ميثل ثورة حقيقية هو ادعاء غري مكتمل الشرط ألن‬ ‫ّ‬ ‫ّ ّ‬ ‫ّ ّ‬ ‫ّ‬ ‫سياقات الثورة تشرتط التحقق املكتمل واملتكامل »‬ ‫73‬
  • 38.
    ‫أغاني الحياة‬ ‫راجع راجعيا بالدي‬ ‫ما أحلى الڨعدة ع الميّة‬ ‫و ما أحلى الربيع..‬ ‫وما أحلى الثورة التونسيّة‬ ‫تضم الجميع‬ ‫ّ‬ ‫راجع راجع يا بالدي‬ ‫عبر الجبال‬ ‫وين تتالقى اندادي‬ ‫على الساحة رجال‬ ‫راجع راجع يا بالدي‬ ‫عبر الحدود‬ ‫وين تتالقى اندادي‬ ‫على الساحة صيود‬ ‫يا حاللي ويا مالي‬ ‫يا وطنا يا غالي‬ ‫يا علمنا يا غالي‬ ‫يا شهيدنا يا غالي‬ ‫غناء : شباب القصبة‬ ‫لسماع األغنية على العنوان التالي:‬ ‫‪http://www.youtube.com/watch?v=Irt5kP_T-oM‬‬ ‫83‬ ‫راجع راجع يا بالدي‬ ‫عبر البحار‬ ‫وين تتالقى اندادي‬ ‫على الساحة أحرار‬ ‫فوق التل و تحت التل‬ ‫و بين الوادي و الوادي‬ ‫وين تسأل عنّي‬ ‫تندل‬ ‫تلقاني وتلقى أوالدي‬ ‫يا امي يا اخواتي‬ ‫ال تحزنون‬ ‫نور الثورة في قلبي‬ ‫مازال حي‬ ‫مين اللّي خان ترابك‬ ‫يا تونس مين‬ ‫غير الخونة والعمالء والرجعيين‬
  • 39.
    ‫قبل الوداع‬ ‫بيت العنكبوت‬ ‫بقلم: لطفي الدهواثي*‬ ‫ظل المتابعون للشأن السياسي في الوطن العربي يصفون اإلحتقان‬ ‫السائد في كثير من البلدان العربية بأنه المقدمة الطبيعيـــة للثورات‬ ‫التي ستعقب هذا اإلحتقان ولكنهم اختلفوا في مقدار الزمن الالزم‬ ‫لحدوث أي تغيير كما اختلفوا في تقدير درجاته من بلد إلي آخرغير أنه‬ ‫ّ‬ ‫كان من شبه الحاصل أن أحداثا كبرى ستحدث في بلدان مرشحة قبل‬ ‫غيرها لزلزال اجتماعي وسياسي لم يعد منه بد.‬ ‫ّ‬ ‫وصلت األمور في مصر وفي ليبيا وفي سوريا مثال الي الحد‬ ‫الذي لم يعد من الممكن السكوت عليه، حيث بلغت األنظمة السياسية‬ ‫الحاكمة في هذه البلدان قدرا كبيرا من الشيخوخة والفساد والقمع‬ ‫وصل ببعضها حد توريث الحكم عنوة ومن دون اإللتفات الي رأي‬ ‫ّ‬ ‫الشعــب فى هذا التوريث، فكانت هذه البلدان الثالثة المرشحة قبل‬ ‫غيرها لحدوث الثورات. غير أن المفارقة الكبري كانت قيام الثورة‬ ‫في تونس ونجاحها السريع في انهاء ديكتاتورية بغيضة جثمت على‬ ‫صدور الناس ألكثر من عقدين. فهل كانت تونس حقا أرضا خصبة‬ ‫لحدوث زلزال سياسي كالذي حدث ؟ وهل كان الشعب التونسي يعد‬ ‫لثورته على مهل أم أن ما حدث كان مفاجئا حقا للنظام وللثوار والنخب‬ ‫على حد السواء؟ من هنا يبدأ اإلختالف.‬ ‫بدأ المخلوع حكمه ببيان أصدره يوم تولّيه نسجه كما ينسج‬ ‫العنكبوت بيته وعد فيه الناس بعهد جديد، فخرج الكثير منهم مهللين‬ ‫لهذا العهد الذي ال ظلم فيه وال حيف وال بقاء مدى الحياة ولكن سرعان‬ ‫ما انكشف المستور وبدأ النظام الجديد يحوّل خيوط العنكبوت الى بيت‬ ‫منسوج بإحكام. سنوات قليلة مرت ليجد المهللون أنفسهم من جديــد‬ ‫فى قبضة نظام مستبد أتقن لعبة التحالفات وأطبق على المعارضة‬ ‫وأزال من أمامه كل العقبات، ولم يعد هناك صوت يعلو فوق صوته‬ ‫ّ‬ ‫وهكذا يوما بعد آخر وسنة بعد أخرى والهوّة بينه وبين الشعب تزداد‬ ‫حتى تحولت الي قطيعة، فتململ هنا وهناك، فثورة عاصفة أطاحت به‬ ‫في أقل من شهر و «إن أوهن البيوت لبيت العنكبوت» .‬ ‫ّ‬ ‫ال يوجد أي شك عند المتتبعين المتبصّرين ليوميات الثورة في كون‬ ‫النطام سقط بسرعة ولم يصمد بالقدر المطلوب من نظام أتقن البقاء‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫لمدة عقدين من الزمن لم يعرف فيهما هزات تذكر باستثناء انتفاضة‬ ‫الحوض المنجمي ولعل ذلك من األسباب التى أدت بالكثيرين الى الشّ‬ ‫ّ‬ ‫ك‬ ‫ّ‬ ‫في أن الثورة حدثت أصال، ومنهم من يتحدث الى اآلن عن شيء ما‬ ‫ّ‬ ‫حدث هو الذي أدى الى فــرار المخلــوع بتلك السرعـــة، معتقديــن‬ ‫أنه لم يحم كرسيه بالقدر الذي يتطلّبه طول التنعّم بالكرسي مما يعني‬ ‫فى المحصلة أنه دُفع الى الفرار دفعا من جهة مجهولة هي من تولّت‬ ‫بعده مهمة إدارة األمور. ومثل هؤالء يغفلون فى نظرنا أن طول البقاء‬ ‫بال كلفة تذكر، ال يعني أبدا أن النظام كان يحكم البلد بأريحية وال أنـه‬ ‫لم يكن نظاما غبيا يحكم من خالل توليد الكذب بعضه من بعض، غافال‬ ‫عن كون الكذب وتدليس األرقام وطمس الحقائـــق وتضخيم القليــل‬ ‫من المنجز ال يستطيع وحده أن يطيل البقاء‬ ‫لسنا ممن يستبعد تدخل الخارج في الشأن الداخلي، فالخارج لم يكن‬ ‫بعيدا عن البداية. فال مجال إذن الستبعاده من رسم النهاية السريعة‬ ‫ّ‬ ‫ولكن هذا الخارج لم يكن يعمل مع النظام المنهار فقط وإنما كان يمد‬ ‫خيوط الوصل مع النّخب المعارضة ومع الالّعبين الرئيسين والثانويين‬ ‫فى المشهد السّياسى التّونسى حتى ال تخـــرج األمــور عن سيطرتــه‬ ‫ّ‬ ‫بعد أن وعى جيدا الدرس اإليراني ولم يعد من الجائز السماح بتكراره،‬ ‫غير أننا نرى أيضا أن ما حدث كان مفعما بعبقرية الشعوب التائقة‬ ‫للمجد والحرّية والتّقدم، وأن الشعوب إذا أرادت إنجاز شيء فإنها‬ ‫تنجزه على النحو الذى تراه وفى المدة التى تهتدي إليها . وهذه العبقرية‬ ‫ال تصنع فى المخابر وال تنشأ بين يوم ليلة وإنما هى المحصلة الطبيعية‬ ‫لطول المكابدة والمعانات وهي الثمرة الزكيّة لكل التضحيات المبذولة‬ ‫قرنا بعد قرن وعهدا بعد عهد وجيال بعد جيل، فكم عاني التونسيـون‬ ‫من حكم البايات ومن كان قبلهم وكم قاسوا من ظلم المستعمـر الوافد‬ ‫ّ‬ ‫حتى جاءت دولة اإلستقالل بغير ما كانوا يرجونه منها، وصارت أشد‬ ‫عليهم ممن كان قبلها، فال غرابــة إذن أن تجتمـــع اإلرادة الكليـــة‬ ‫على رأي هو الثورة على الطاغوت وقطع حبل الكذب نهائيـا ونعم‬ ‫ما كان.‬ ‫المصريون والليبيون والسوريون واليمنيون كانوا سواء فى توقهم‬ ‫للحرية والكرامة واإلنعتاق وهم كانوا األقرب للثورة من غيرهم ولكن‬ ‫تفاصيل األشياء كالجغرافيا والمحيط وطبيعة األنظمة السائدة من حيث‬ ‫ّ‬ ‫حجم العنف الذي كانت تمارسه على هذه الشعوب، كلها عوامل أدت‬ ‫الى بعض التأثير مما أتاح للشعب التونسي أن يكون له شرف السبق‬ ‫ولكن العبقرية واحدة وإن اختلفت منجزاتها .‬ ‫ثارت هذه الشعوب كلها بكلفة كانت عند بعضها أشد إيالما من‬ ‫المتوقع ومن هذه الثورات ما أسقط بتدبير ومنها من لم يكتمل مخاضها‬ ‫بعد وقد يجري إسقاطها هي أيضا، ولعل هذا ما يدعونا للتأمل بدقة‬ ‫في مسار هذه الثورات من البداية الى اللحظة الراهنة لعلنا نستطيع أن‬ ‫ّ‬ ‫نتبيّن األخطار التى تحف بهذه الثورات وبالعبقريات التى أنجزنتها‬ ‫حتى ال تحولها النخب الفاسدة والمتناحرة الى بيوت أخرى من بيوت‬ ‫العنكبوت وحينها سوف نندم جميعا حين ال ينفع الندم .‬ ‫-------------‬‫* مستشار في الخدمة اإلجتماعيّة‬ ‫‪lotfi.dahwathi@gmail.com‬‬ ‫93‬
  • 40.
    ‫ّ‬ ‫مجلة‬ ‫اإلصالح‬ ‫محاولة "الكترونية" للتأسيسلدوريات سياسيّة فكرية‬ ‫ذات منحى إصالحي .. نريد من خاللها المشاركة في بلورة‬ ‫فكرة وسطيّة تتفاعل مع محيطها وتقترح عليه الحلول‬ ‫لمختلف مشاكله الفكرية والسياسية واالجتماعية. نريدها‬ ‫حاضنة ألفكـار ورؤى تناضـــل من أجل بناء دولة فلسفتها‬ ‫خدمة المواطن، ومجتمع مبني على التعاون والتآزر‬ ‫والعيش المشترك في كنف الحريّة والمساواة . نريدها‬ ‫منبرا للتحليل واقتراح البديل من دون تشنّج إيديولوجي‬ ‫وال تعصب لفئة دون أخرى. نحلم أن نواصل مـــا بدأه‬ ‫ّ‬ ‫المصلحـــون، دون تقديـــس لهم أو اجتـــرار ألفكارهم.‬ ‫ننطلق من الواقـــع الذي نعيــش فيــه، متمسكين بهويتنا‬ ‫العربيـــة االسالميــــة ومنفتحيــن علــى العصـر وعلى كل‬ ‫فكرة أو مشروع يؤدّي إلى اإلصالح .‬ ‫دورية نصف شهرية‬ ‫ّ‬ ‫توزع مجانا عبر البريد اإللكتروني.‬ ‫ّ‬ ‫مدير المجلّة‬ ‫فيصل العش‬ ‫‪faycalelleuch@gmail.com‬‬ ‫العنوان اإللكتروني للمجلّة‬ ‫‪Alislah.mag@gmail.com‬‬ ‫الموقع اإللكتروني للمجلّة‬ ‫‪www.alislahmag.com‬‬ ‫لإلشتراك في المجلّة‬ ‫الرجاء ممن يرغب في الحصول على نسخة منها‬ ‫إرسال عنوانه االلكتروني على العنوان االلكتروني‬ ‫للمجلّة أو عنوان مديرها‬ ‫للمشاركة في الكتابة‬ ‫نرجو من األخوة واألصدقاء الذين يرون في أنفسهم‬ ‫القدرة على الكتابة ( المقال - الشعــر - القصة .....)‬ ‫ّ‬ ‫أو لرسم الكاريكاتور ويريد ون المساهمة في المجلّ‬ ‫ة‬ ‫"مجانا" أن يرسلوا إنتاجهم علـى نفـــس العنـــوان‬ ‫ّ‬ ‫مع صورة رقمية لشخصه .‬ ‫للمجلة كامل الصالحية في نشر أو رفض المشاركات.‬ ‫ال تقبل المشاركات التي تدعو إلى العنف أو التمييز‬ ‫على أساس الجنس أو العرق أو الدين أو فيهـا شتـم‬ ‫أو معلومات من دون ذكر المصدر.‬ ‫يتحمل الكاتب مسؤولية أفكاره وكتاباته.‬ ‫ّ‬ ‫صفحة الفايس بوك‬ ‫‪alislah.mag‬‬ ‫موعدنا يتجدد معكم‬ ‫إن شاء اهلل‬ ‫يوم 32 ربيع األول 5341‬ ‫42 جانفي 4102‬