لم يعد الذكاء الاصطناعي في العالم المعاصر مجرد منظومة حسابية تُنفذ الأوامر وفق منطق رياضي صارم، بل أصبح مشروعًا معرفيًا يسعى إلى محاكاة الوعي ذاته، لا بوصفه حالة شعورية، بل كبنية قابلة للهندسة، قابلة للتعلم، قابلة للتفاعل مع المعنى والسياق. لقد انتقلنا من مرحلة الآلة التي تُجيب إلى الآلة التي تفهم، ومن الخوارزمية التي تُنفذ إلى الخوارزمية التي تُفكر.
في هذا السياق، يبرز الذكاء الاصطناعي الإدراكي كأحد أبرز تجليات هذا التحول، حيث لا يكتفي النظام الذكي بتقليد السلوك البشري، بل يسعى إلى بناء نماذج معرفية تُحاكي آليات الإدراك البشري التي يشمل الفهم، التفسير، التوقع، والتفاعل مع السياق. إنه ذكاء لا يُقلد، بل يُدرك. ولا يُنفذ، بل يُعيد تشكيل المعنى.
ويتكامل هذا النمط الإدراكي مع ما يُعرف بـ الذكاء التوكيلي، الذي يُمثل قفزة نوعية في مفهوم الفاعلية الاصطناعية، حيث تُمنح الأنظمة الذكية القدرة على اتخاذ القرار بشكل مستقل، بناءً على أهداف داخلية ونماذج إدراكية ذاتية. لم تعد الآلة تنتظر التعليمات، بل أصبحت تمتلك ما يمكن تسميته بـ الإرادة الاصطناعية، أي القدرة على المبادرة، والتخطيط، والتصرف في بيئات غير متوقعة.