‫1‬




‫حرب الع�صابات‬
      ‫َ ُ ِ‬
                 ‫ّ‬
    ‫بني النظرية العلميـة‬
      ‫ّ‬
    ‫والتطبيق الفل�سطيني‬
‫2‬




              ‫حرب الع�صابات‬
   ‫بني ال ّنظرية العلميـة والتطبيق الفل�سطيني‬
                         ‫ّ‬


          ‫�إعداد الأ�سري حممد ناجي �صبحة‬
                         ‫____________‬
    ‫الطبعة الأوىل – 2341هـ / 1102م‬


        ‫توزيع: م�ؤ�س�سة فل�سطني للثقافة‬




    ‫________________________________________________________‬
    ‫�سورية – دم�شق – �ص.ب: 92031‬
      ‫هاتف: 20847361136900‬
      ‫فاك�س: 15547361136900‬
‫الربيد االلكرتوين: ‪thaqafa@thaqafa.org‬‬
 ‫املوقع االلكرتوين: ‪www.thaqafa.org‬‬
‫3‬




       ‫حرب الع�صابات‬
    ‫بني ال ّنظرية العلميـة والتطبيق الفل�سطيني‬
                          ‫ّ‬




              ‫�إعداد الأ�سري حممد ناجي �صبحة‬
4
‫5‬




                    ‫�إهـــــداء‬

      ‫�إىل �أ�سود كتائب ال�شهيد عز الدين الق�سام..‬
                 ‫�إىل ال�شهداء العظام..‬


              ‫و�إىل املرابطني املجاهدين..‬
    ‫ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠﭡ ﭢ ﭣ ﭤ‬
       ‫و�إىل ال�صابرين الثابتني؛ جرحى و�أ�رسى..‬



                  ‫�أُهدي كتابي هذا..‬
                ‫راجياً من اهلل القَبول..‬
6
‫7‬




                          ‫َ ِ ُّ ّ‬
                         ‫مـن قـبـ�س النـبـوة‬


‫«لن تربح هذه الأمة من�صورين �أينما توجهوا، ال ي�رضهم من خذلهم من‬
              ‫ّ‬           ‫ّ‬                   ‫ُ‬         ‫َ‬
                                     ‫النا�س، حتى ي�أتي �أمر اهلل وهم بال�شّ ام».‬
                                                          ‫َ ُ‬

               ‫ّ‬      ‫ٌ‬     ‫ُ‬             ‫َ‬       ‫ِ‬        ‫َ ُ‬
‫«�إذا فَ�سد �أهل ال�شّ ام فال خري فيكم. ال تزال طائفة من �أمتي من�صورين، ال‬
                                    ‫ي�رضهم من خذ َلهم، حتى تقوم ال�ساعة».‬
                                          ‫َ ّ‬                    ‫ُّ َ‬
                                                   ‫«عقر دارِ امل�ؤمنني ال�شّ ام».‬
                                                                               ‫ُ‬

‫«�إنيّ ر�أيت املالئكة يف املنام �أخذوا عمود الكتاب فعمدوا به �إىل ال�شّ ام، ف�إذا‬
                           ‫َ‬          ‫َ‬       ‫ِ َ‬           ‫َ‬        ‫ُ‬
                                            ‫وقعت الفنت ف�إنّ الإميانَ بال�شّ ام».‬
                                                                       ‫ُ‬
                               ‫َ‬
‫«عن عبد اهلل بن حوالة �أ ّنه قال: يا ر�سول اهلل، اكتب يل بلداً �أكون فيه،‬
                                                               ‫َ‬
‫فلو �أعلم �أ ّنك تبقى مل �أخرت �إال قر َبك. فقال عليه ال�سالم: «عليك بال�شّ ام،‬
                            ‫ُ‬
‫عليك بال�شّ ام، عليك بال�شّ ام». فلما ر�أى ر�سول اهلل كراهي َته لل�شام، قال:‬
‫«هل تدرون ما يقول اهلل عز وجل؟ يقول: �أنت �صفْوتي من بالدي، �أُدخل‬
 ‫ِ ُ‬                   ‫ِ َ َ‬
                                                      ‫فيك خريتي من عبادي»‬
                                                                    ‫ِ ِ‬

‫«ور�أيت ليلة ُ�أ�سرِْي بي عموداً �أبي�ضا ك�أنه ل�ؤل�ؤ، حتمله املالئكة، فقلت: ما‬
                    ‫ُ‬                   ‫ً‬                   ‫َ‬      ‫ُ َ‬
                   ‫حتملون؟ قالوا: عمود الإ�سالم �أُمرنا �أنْ ن�ضعه بال�شّ ام»‬
                               ‫َ‬                 ‫ِ‬        ‫َ‬
‫8‬

                                                   ‫ِ ّ ِ ُ‬               ‫َ‬
       ‫«عليك بال�شّ ام ف�إنها خرية اهلل من �أر�ضه، جتبي �إليها خريته من عباده»‬

‫«�ستجدون �أجناداً: جنداً بال�شام، وجنداً بالعراق، وجنداً باليمن. قال عبد‬
                                      ‫َ‬
‫اهلل: فقمت فقلت: اخرت يل يا ر�سول اهلل. فقال: عليكم بال�شّ ام، فمن �أبى‬
                                                        ‫ُ‬    ‫ُ‬
             ‫َ‬         ‫َّ‬   ‫َ َّ‬
‫فليلحق مبنه، ولي�ستعذ من غدره، ف�إنّ اهلل عز وجل قد تكفّل يل بال�شّ ام‬
                                                                                   ‫و�أه ِله»(1).‬



                                               ‫***‬




‫1جميع ما تقدم م�أخوذ من كتاب (ف�ضائل ال�شام/ للربيعي)، حتقيق ال�شيخ الألباين، وجميع الأحاديث �إما �صحيحة‬
                                                                                          ‫�أو ح�سنة.‬
‫9‬




                                  ‫تقدمي‬
                              ‫الدكتور �أحمد نوفل‬
                  ‫�أ�ستاذ ال�رشيعة الإ�سالمية يف اجلامعة الأردنية‬

‫ال�صاع هو قانون احلياة، و�س ّنة ال ّتدافع �سنة كونية اجتماعية، و�ضعها اهلل‬
                      ‫ٌّ‬    ‫ٌ‬                                          ‫رِّ‬
‫يف ُبنية الكون واملجتمعات، بل جعلها �صمـام �أمان، و�ضمانَ �سالمة وعدم‬
‫ِ‬    ‫ٍ‬                     ‫ّ َ‬
‫ف�سادٍ للأر�ض، و�أمن �أماكن العبادة، وقد كررها القر�آن الكرمي يف مو�ضعنيِ‬
   ‫َ‬                          ‫ّ‬                      ‫ِ‬
‫من �سورتَنيِ كرمي َتني، هما �سورة البقرة و�سورة احلج، فقال: }ﮰ ﮱ‬
‫ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ{ [البقرة: ١٥٢]، وقال:‬
‫}ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ‬
                               ‫ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ{ [احلج: ٠٤].‬

‫واخلالف بني بني الب�رش �س ّنـة �أخرى، و�سيالزمهم ذلك ما الزم ْتهم احلياة:‬
                                           ‫ٌ‬                         ‫ِ‬
‫}ﭙ ﭚ ﭛ{ [هود:٨١١]. وكثرياً ما يح�سم الب�رش خالفاتهم بالقوة‬
                                                                       ‫واحلروب.‬

‫وحتى �إن مل يكن ثمة خالفات، ف�إن نظرية (فائ�ض القوة) �ستجد نف�سها‬
   ‫َ‬                                        ‫ّ ِ‬
‫متحقّقة يف الواقع؛ اعتداء على ال�ضعيف، ومتدداً يف �أر�ضه، ومت ّتعا برثوته. �إن‬
            ‫ً‬                      ‫ّ‬                 ‫ً‬                 ‫ً‬
‫َّ ْ ِ‬                   ‫ّ‬
‫ال�ضعف ال ُيغري الأقوياء �إال باالعتداء على الطرف ال�ضعيف، ورائحة ال�ضعف‬
                                                ‫َ‬                 ‫َّ َ‬
                       ‫َ ِ‬
‫جتذب الأقوياء كما جتذب رائحة الدم �أ�سماك القر�ش يف البحار واملحيطات‬
                                   ‫ُ ِّ‬                ‫َ‬
                                                                    ‫نحو الفرائ�س.‬
‫01‬

‫هذه هي طبيعة احلياة، وهذه طبيعة الأ�شياء. وما ال�سالم �إال �أماين عذاب‬
‫ٍ‬                    ‫ّ‬
‫ّ‬                                         ‫َّ‬
‫و�أحالم، يحلم بها ال�ضعفاء ويتعللونَ بها، كما هو حال العامل العربي الر�سمي‬
                                                     ‫ّ‬
                                                                    ‫اليوم.‬

‫ما دام الأمر كذلك، و�أن الأقوياء ال يرحمون ال�ضعفاء، بل �إن �ضعفهم‬
                                       ‫َ‬
‫ُيغري الأقوياء باالعتداء، ويهدد ال�ضعفاء بالإنهاء والإفناء، �أفال ترى �إىل‬
                                         ‫ُّ‬  ‫ّ‬               ‫َ‬
                                                          ‫ُ‬
‫م�صري الهنود احلمر؟ و�أال ترى �إىل م�صري �إفريقيا كيف تُف َتعل فيها احلروب‬
‫وتُوزع الأ�سلحة «ليتفانى» النا�س يف حرب قذرة ال م�صلحة لهم فيها؟ ولكن‬
‫ّ‬              ‫َ‬         ‫ٍ‬     ‫ٍ‬                                 ‫َّ‬
‫الأقوياء يت�صارعون من خالل ال�ضعفاء، ففرن�سا و�أمريكا تتناطحان من خالل‬
                                        ‫ُّ‬                     ‫َ‬
                                                       ‫الأفارقة... وهكذا..‬

‫فهل بعد هذا الت�صوير ال�سوداوي للواقع من �أمل لل�ضعفاء؟! �أم �أن النهاية‬
‫َ‬                      ‫ٍ ُّ‬               ‫ِّ‬    ‫َّ‬
                                       ‫احلتمية با�ستئ�صالهم هي لهم باملر�صاد؟‬
                                                                      ‫َّ‬

       ‫ّ‬        ‫َ‬
‫اجلواب نعم! �إنّ لهم ف�سحة وفر�صة للبقاء واالنت�صار، �رشط �أن يتغلبوا على‬
                                        ‫ً‬      ‫ً‬
‫�ضعفهم، ويقهروا �سلبي َتهم وخوفَهم و�شعور الإحباط والي�أ�س والتمزق والتفرق،‬
  ‫ّ‬       ‫ّ‬                       ‫َ‬                   ‫ّ‬
                           ‫ويجتمعوا على املقاومة و�شن «حرب الع�صابات».‬
                                            ‫ّ‬
‫لقد غيرّت حرب الع�صابات وجه التاريخ! و�إن لنا فيها نحن امل�سلمني جتربة‬
‫ً‬                                          ‫َ‬             ‫ُ‬
‫عتيقة قدمية منذ فجر الإ�سالم، حني اتّخذ �أبو جندل و�أبو ب�صري من مواقعهما‬
                                                              ‫ً‬     ‫ً‬
                               ‫ٍ‬        ‫ٍ‬    ‫َ‬
‫على طريق القوافل نقاط هجوم وانق�ضا�ض على م�صالح قري�ش، فقامت قري�ش‬
                                                      ‫َ‬
‫ترجو النبي [ �أن يقبلهم يف املدينة، بعك�س االتفاقية املوقَّعة بني ال ّنبي [‬
                         ‫ّ‬
                                                          ‫وقري�ش، وقد كان.‬

‫على �أنّ حرب الع�صابات، �أو حرب ال�شعب، �أو املقاومة، �أو العمل الفدائي،‬
‫11‬


                        ‫ُ‬      ‫ّ‬                             ‫ِ ً‬
‫قد �أ�صبحت علما وممار�سةً، و�صار لل�شعوب، خا�صة الـم�س َتعمرة منها، �صار لها‬
            ‫جتارب، تتبادلها الأمم والأقوام، وتتكامل اخلربات بني امل�ست�ضعفني.‬

                                                               ‫ُّ‬
‫فكل عاملنا الإ�سالمي خا�ض حرب حترير �ضد امل�ستعمر، حتى حقّق لبالده‬
                                ‫َّ‬            ‫ً‬
‫اال�ستقالل، واحدة فواحدة.. ولعل من �أجمل �صفحات الن�ضال واجلهاد‬
            ‫ِّ‬
‫ً‬                     ‫ٍ ّ‬       ‫ٍ‬         ‫ّ‬                 ‫َّ‬
‫والقتال؛ ما �سطره ال�شعب اجلزائري يف مقاومة �شعبية قدمت فيها اجلزائر مليونا‬
                                                                             ‫ً‬
                                                                ‫ون�صفا من ال�شهداء.‬

‫وجتربة عبد الكرمي اخلطابي يف حرب الريف باملغرب العربي غنيـة قيمـة‬
‫ّ ّ ٌ ّ ٌ‬                    ‫ِّ‬
‫كذلك. وجتربة عمر املختار معلم م�رشِّف. واملقاومة امل�رص ّية يف قناة ال�سوي�س‬
     ‫ُّ‬                                      ‫َ ٌ ُ‬
                                                       ‫ِّ‬   ‫ٌ‬     ‫ٌ‬
‫عمل �شجاع متقدم. على �أن من �أعظم جتارب حروب الع�صابات جتربة ال�شّ عب‬
‫ٍّ ٍ‬               ‫ٍ ّ‬       ‫ٍ‬          ‫ُ ُّ‬      ‫َ‬
‫الفيتنامي؛ فقد انخرط ال�شعب كله يف مقاومة رائعة �ضد طغيانٍ �أمريكي عات‬
                                                             ‫ّ‬
        ‫َ‬                                ‫َ َّ‬
‫مدجج ال يرحم، وا�ستخدم كل الأ�سلحة املحظورة واملحرمة، وحرق الغابات‬
                ‫َّ‬                                            ‫َّ ٍ‬
‫والب�رش، وارتكب من املجازر ما ت�شيب له الولدان. ومن قبله فرن�سا �صنعت‬
‫ال�صنيع نف�سه يف ذات البلد، ومع ذات ال�شعب، وخرج ال�شعب الفيتنامي منت�رصاً‬
         ‫ُّ‬                                                    ‫َّ َ َ‬
      ‫ً ّ‬             ‫ّ‬          ‫ّ ِ‬
‫على القوتَنيِ اال�ستعمار ّي َتنيِ امل�ستكربتَنيِ الطاغ َيتني، ولق َنهما در�سا تعلمت منه‬
                                                                               ‫ّ‬
                                                                  ‫كل �شعوب الأر�ض.‬   ‫ُّ‬

‫وثورة غيفارا وحربه الفدائية مدر�سة يف حرب الع�صابات، حتى غدا رمزاً‬
                                ‫ٌ‬
  ‫ِ‬             ‫ّ‬             ‫ً‬
‫للمقاومة. وخا�ض ال�شّ عب اللبناين مقاومة عنيدة با�سلةً، و�سطر مالحم من العرب‬
                                    ‫ً‬      ‫ّ‬
‫والبطولة والت�ضحية. وكذا ال�شّ عب ال�سوري يف مقارعة اال�ستعمار الفرن�سي،‬
                               ‫ُ ُّ ُّ‬
                                                                         ‫َّ َ‬
                                                        ‫�سطر بطوالت وت�ضحيات.‬
                                                                  ‫ٍ‬

‫ِّ‬       ‫ّ‬    ‫ُّ َ َ ً‬
‫على �أنّ ب�سالة ونبالة املقاومة يف فل�سطني، تظل معلما متميزا بني كل‬
                                             ‫َ‬      ‫َ‬
‫21‬

‫ال ّتجارب، وخا�صة جتربة (حما�س).. ومن قبلها جتربة املقاومة الفل�سطينية‬
                            ‫ٍ‬                     ‫ُ‬        ‫َ‬
‫قبل �أن تنحرف القيادات وتنجرف باجتاه ت�سويات غري �سو ّية، �إمنا تنخرط يف‬
                                                       ‫م�رشوع مقاومة املقاومة.‬
                                                                 ‫ِ‬

‫لقد ابتد�أت املقاومة الفل�سطينية من اال�ستعمار الربيطاين يف �أوا�سط العقد‬
                                          ‫ّ‬
                ‫ً‬
               ‫الثاين من القرن الع�رشين، �أي منذ قرابة قرن من الآن.. �إال قليال.‬

 ‫ّ‬
‫ثم تطورت مبقاومة م�رشوع اليهود ال�صهاينة، بالهجرة �إىل فل�سطني والتوطن‬
                                                                ‫ّ‬
    ‫ّ‬      ‫ّ ّ‬                 ‫ّ‬                    ‫ٌ ٌّ‬
‫فيها. وظهرت قيادات فذة لهذه الأعمال البطولية، من �أبرزها عز الدين الق�سام،‬
‫َّ‬                               ‫ُ‬
‫وفرحان ال�سعدي، وعبد القادر احل�سيني، وغريهم... رحمهم اهلل وتقبل‬
                                                      ‫َّ‬
                                                         ‫جهادهم.‬
                                                            ‫َ‬
                                                         ‫ّ‬
‫ولقد �سطرت (فتح) بطوالت ال تُنكر، �إنْ يف حرب الكرامة �أو بعدها..‬
                                          ‫ٍ‬
             ‫َ‬                         ‫ّ‬      ‫ّ‬                    ‫ّ َ‬
‫قبل �أن يت�سلط عليها جمموعة من التجار وال�سما�رسة ا ّلذين باعوا دماء ال�شُّ هداء،‬
                                                      ‫ٌ‬
                                       ‫وا�شتغلوا متعهدين مقاولني عن الأعداء.‬
                                                   ‫ِ َ‬     ‫ِّ َ‬
‫ثم منذ نيف وع�رشين �سنة، ظهرت حركة (حما�س)، مقاومة فل�سطينية‬
‫ٌ‬         ‫ٌ‬                                                ‫ّ ٍ‬
‫منطلقة من الإ�سالم العظيم ومبادئه يف احل�ضِّ على اجلهاد واملقاومة ومقارعة‬
                                                                   ‫ٌ‬
‫املحتل: }ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ{[البقرة: ١٩١]، وقد غدت يف زمن‬
‫ٍ‬      ‫ْ‬
  ‫ّ‬                                                       ‫ً‬
‫ي�سري واحدة من رموز املقاومة على مدى العامل والتاريخ الإن�ساين، وقدمت‬
                                                                ‫ٍ‬
                       ‫ِّ‬         ‫ِ‬               ‫ّ‬                   ‫َ‬
‫قوافل من ال�شهداء، يف مقدمتهم قادتُها العظام وامل�ؤ�س�سون، ومل تفرت عزميتها‬
        ‫ْ‬
‫وما النت. ثم خا�ضت حروب مواجهة مع �أعتى قوة ع�سكرية يف العامل، مع �أنه‬
                   ‫ٍ‬       ‫ٍ‬            ‫ٍ‬      ‫َ‬
          ‫ّ‬     ‫ٍ‬       ‫ً‬      ‫َ‬                           ‫ً‬
‫لي�س مطلوبا من حركات املقاومة �أن تواجه جيو�شا يف حروب نظامية، ومع هذا‬
                   ‫ٍّ ّ‬          ‫َ ّ‬        ‫ً‬
                 ‫�أثبتت موجود ّية وخرجت منت�رصة مرفوعة الر�أ�س وبهمة علية.‬
                                                          ‫ً‬         ‫ْ‬
‫31‬

                                    ‫ً‬       ‫ً‬      ‫ُ َّ‬
‫كانت حرب غزة منعطفا تاريخيا �أوقف فيه العدو من طرف واحدٍ �إطالق‬
             ‫ٍ‬      ‫ُّ‬        ‫َ‬
 ‫َ َ‬                                              ‫ُ ُّ‬
‫النار، واعرتف العامل كله �أنّ العدو خ�رس يف هذه احلرب، و�إن كان �آمل بع�ض‬
                                      ‫َّ‬
‫العرب هذا الواقع اجلديد وال ّن�رص العتيد؛ فهم يعتربون �أنف�سهم و�إ�رسائيل يف‬
                 ‫َ‬                          ‫ُ‬        ‫ُ‬      ‫ُ‬            ‫ِ‬
                           ‫ُ‬
                         ‫خندق واحد، ي�ؤذيهم ما ي�ؤذيها، ويقاتلون من تقاتله.‬
                                                                       ‫ٍ‬

                              ‫ً‬       ‫ّ ُ‬
‫يف هذا ال�سياق، اطلعت، �رسيعا، على كتاب «حرب الع�صابات، بني‬
                                                 ‫ِّ‬
‫ال ّنظر ّية العلمية وال ّتطبيق الفل�سطيني». وكاتبه ممن خا�ض الغَمرات، ولبث‬
 ‫َ‬         ‫َ‬               ‫ُ‬                            ‫ِ ّ‬
                                         ‫َّ َ‬
‫يف ال�سجن �سنوات، و�سجل من ال ّتجارب وامل�شاهدات واملعاي�شات هذه‬
                                                               ‫ّ‬
‫ال�صفحات. ونحن نرحب بالكتاب لين�ضم �إىل مئات الكتب عن حرب‬
                       ‫َّ‬              ‫ّ‬              ‫ّ‬
‫الع�صابات، و�إىل ع�رشات الكتب من ال ّتجربة العربية الإ�سالمية يف حرب‬
                   ‫ّ‬
                                                          ‫الع�صابات.‬

‫ِّ‬
‫�أ�س�أل اهلل لهذا الكتاب وكاتبه القبول، و�أ�س�أل اهلل لأمتنا �أن ت�ستفيد من كل‬
      ‫َ‬              ‫ّ‬
   ‫َ ْ‬              ‫ً َ‬         ‫َ‬          ‫َ‬               ‫ِ‬    ‫ِّ‬
‫جتربة، ومن كل كلمة مقاومة، و�أن جتعل املقاومة لها نهجا وخياراً، فما ج َنـيـنا‬
‫من خدعة ال�سالم �إال العلقم واملوت الز�ؤام. وخيار املقاومة �أربح اخليارات‬
              ‫ُ‬            ‫ُ‬            ‫ُّ‬                         ‫ّ‬
‫واحللول، وخيار م�ساملة العدو �أ�سو�أُ و�أرد�أُ اخليارات.. والأحمق من ال تعلمه‬
  ‫ّ‬                                              ‫ّ‬             ‫ُ‬
                                                                ‫اخلربة والتجربة.‬

‫يجب �أن ت�صبح املقاومة ثقافة �شعبية عامة، و�أن يكونَ ال�صرب على الن�ضال‬
            ‫ّ ُ‬                 ‫ًّ ّ‬       ‫ً‬     ‫ُ‬        ‫َ‬
         ‫ّ‬     ‫ّ ٍ‬    ‫ٍ‬     ‫ّ‬       ‫ٍ‬      ‫ّ‬
‫وحتمل تبعا ِته وتكاليفه بكل �شجاعة و�أريحية وروح م�ضحية فدائية. هذا هو‬
                                                ‫ِ‬                 ‫ّ‬
                                         ‫طريق ال�شرَّف وال ّن�رص والعزة والتحرير.‬
                                                    ‫ّ‬                ‫َ‬

‫وفعال وحقا، �أنّ ما �أُخذ بالقوة؛ ال ميكن �أن ي�سرتد �إال بالقوة، وما جاء‬
                     ‫َّ‬                         ‫ِ َ‬            ‫ًّ‬   ‫ً‬
‫41‬


‫َّ‬             ‫ّ‬             ‫ُ‬                          ‫ُّ‬
‫باملفاو�ضات تبدده �أقل التحديات. والأق�صى �أكرم على اهلل و�أعز من �أن يتحرر‬
                                                  ‫ّ‬           ‫ّ‬
‫�إال بالدماء وال�شهداء، فهذا م�رسى �أعظم الأنبياء، ومهره �أكرم ما ُيقدم الأحياء؛‬
          ‫ِّ‬             ‫َ ُ‬
                                              ‫الدماء.. وال نامت �أعني اجلبناء..‬
                                                                            ‫ّ‬



          ‫د.�أحمد نوفل‬                 ‫					‬
     ‫					�أ�ستاذ ال�رشيعة الإ�سالمية‬
        ‫يف اجلامعة الأردنية‬            ‫					‬
          ‫عمان ـ الأردن‬                ‫					‬
‫51‬




                                   ‫ِّ‬
                               ‫مـقـدمــة‬


‫�إنَّ الناظر �إىل حال العمل الثوري واجلهادي يف فل�سطني على مدار العقود‬
                                                          ‫َ‬
‫ال�سابقة، يجده قائما على التطور الع�شوائي، معتمداً على الكثري من اجلهود‬
                                                   ‫ً‬
‫الفردية واملبادرات الذاتية، ما يجعله مفتقراً �إىل النظرات التحليلية والتقييمية‬
                                                                   ‫ً‬
‫غالبا، فالتجارب الثورية ـ رغم غزارتها ـ متر مرور الكرام من غري توثيق �أو‬
‫حتليل، فرتى مئات بل �آالف العمليات الع�سكرية تُنفذ ومتر ب�إجنازاتها و�أخطائها‬
‫دون �أن جتد من يتوقف عندها فيدر�سها وي�ستخل�ص النتائج منها، ثم ي�ضعها بني‬
                                                              ‫َ‬
                                               ‫�أيدي العاملني لال�ستفادة منها.‬

‫لذا، ف�إن كثرياً من ال�سلبيات ا ّلتي واجهت العمل الوطني الفل�سطيني ال زالت‬
               ‫ً‬
‫متكررة، وما زال ال�سقوط عند «الع�صافري» ي�شكل ن�سبة كبرية من االعرتافات،‬
                                                                    ‫ّ‬
‫وال زالت االغتياالت تُنفَّذ بحق املقاومني بنف�س الطريقة، ودومنا يقظة �أو‬
                                                       ‫مراجعة حقيقية مت�أ ّنية.‬

‫كذلك ال زال اال�ستهتار الأمني، والف�شل املرتتّب على ا�ستخدام االت�صاالت‬
‫الإلكرتونية، والقافلة ت�سري، وال زال.. وال زال.. وال من معترب. و�إن كنا قد‬
‫بد�أنا ن�شهد يف املدة الأخرية تطوراً ملحوظا على العمل الع�سكري يف قطاع‬
                           ‫ً‬
                      ‫ً‬
‫غزة، وا�ستفادة طيبة من التجارب ال�سابقة، ونقال لتجارب وخربات ال�شعوب‬
 ‫الأخرى، التي عا�شت احلياة الثورية ومار�ست حرب الع�صابات �ضد عدوها.‬
‫61‬

                                                                ‫َ‬
‫�إنَّ اخللل الذي تعي�شه املقاومة الفل�سطينية هو خلل يف �إدارة العمل املقاوم‬
                                                      ‫ُ‬
‫وتوجيهه واال�ستفادة منه، وتوجيه العاملني �إىل الوجهة ال�صحيحة. �أما �إدارة‬
‫ال�سيا�سة، فهي خا�ضعة �إىل ِفكر احلركة التي تدير هذا العمل، فعندما �أدارت‬
               ‫ً‬
‫حركة فتح واملنظمة العمل املقاوم كانت توجهه ليقطف حلوال �سلمية تو�صلها‬
‫�إىل ثمار (واهية) حددتها هي لنف�سها، وعندما �أدارت حركة حما�س عملها‬
‫املقاوم ف�إنها وجهته �إىل وجهة �أخرى ونح�سبها قد �أح�سنت يف �إدارته �إن �شاء‬
                                                           ‫َّ‬
                                                                          ‫اهلل.‬

‫�إنَّ الثورة الفل�سطينية حتتاج �إىل مفكرين ميتازون بعقول نرية، لهم جتارب‬
‫عملية ثرية يدعمونها بدرا�سات متعمقة لثورات العامل امل�شابهة، الأمر الذي‬
‫ي�ؤهلهم �إىل درا�سة الكم الهائل من التجربة والتاريخ الثوري يف فل�سطني، و�إنني‬
                                                     ‫ّ‬                   ‫ّ‬
                                                                       ‫ّ‬
‫�أ�ؤكد �أنّ وجود مثل ه�ؤالء املفكرين، ي�ضمن جتاوزاً للكثري من ال�سلبيات التي‬
‫تكرر الوقوع فيها، وي�سمح بالتخطيط امل�ستقبلي البديل عن االندفاع الع�شوائي‬
                                                                     ‫َّ َ‬
                                                   ‫الذي ن�شهده كثرياً للأ�سف.‬

‫لن جنلد ذاتنا، فاملقاومة حقّقت من الإجنازات ما نفخر به، �إال �أنّ الأمل‬
‫معقود عليها لتكون �أكرث قوة و�أبلغ �أثراً، و�أدق تخطيطا، و�أكرث ا�ستفادة‬
                 ‫ً‬
                                                          ‫وا�ستثماراً للخربات.‬

                                               ‫ّ‬
‫هذه الدرا�سة جهد املقل، �أ�سعى من خاللها �إىل ت�سليط ال�ضوء على �أبرز‬
‫جتارب (حرب الع�صابات) احلديثة، و�إجراء مقارنة �رسيعة بني النظرية العملية‬
‫لهذه احلروب والتطبيق الفل�سطيني لقواعدها، و�أخ�صِّ�ص درا�ستي للتجربة‬
                 ‫ُ‬
                                 ‫الق�سامية التي ع�شناها و�سمعناها و�شاهدناها.‬
‫71‬

‫لقد ا�ستمعت يف �سجني �إىل مئات التجارب اجلهادية الق�سامية، فخبرِت‬
‫َ ُ‬
‫الكثري من الأخطاء التي تقع فيها، وللأ�سف ف�أغلبها متكررة وم�ستمرة، وقد‬
                ‫ّ‬
‫ا�ستفدت من بع�ضها يف هذه الدرا�سة، وا�ست�شهدت بها مبا يتوافق مع الأبواب‬
                          ‫ُ‬                                     ‫ُ‬
                                                              ‫التي �سنطرقها.‬

‫�أ�س�أل اهلل العظيم �أن يكتب لهذا العمل القبول، ويجعل فيه اخلري والنفع‬
           ‫والفائدة، و�أن يكتبه يف ميزان ح�سناتنا يوم نلقاه، �إنه �سميع جميب.‬
18
‫91‬




     ‫متهيد‬
20
‫12‬




                                  ‫متهيد‬


                                                 ‫ما هي حرب الع�صابات؟‬
                                      ‫ٌ ُّ‬
‫حرب الع�صابات هي حرب �أقل من حمدودة، وغري نظامية، بني طرفني غري‬
                      ‫ُ‬
 ‫ٍ‬     ‫ِ‬                 ‫ِّ ُ‬
‫متكافئني. وهي قد تكون حربا وحدها، �أو ت�شكل جزءاً من تكتيكات حرب‬
                                           ‫ً‬

      ‫ّ‬     ‫ّ‬                            ‫ّ‬
‫تقليدية، دوافعها حتررية، �أو للتخل�ص من دكتاتورية، �أو انف�صامية عرقية، وهي‬
                                                       ‫ّ‬
                                                  ‫ٍ‬        ‫ٍ‬                   ‫ً‬
                                ‫غالبا ما ت�ستند �إىل حركة �سيا�سية تتولىّ �إدارتَها.‬

‫�إذن فهي حرب غري نظامية، لأنها ال تعتمد �أ�سلوب احلرب ال ّنظامية القائمة على‬
                             ‫َ‬                        ‫ّ‬         ‫ٌ‬
‫املواجهة املبا�رشة، فحرب الع�صابات تقوم على العمل ال�رسِّي، وا�ستخدام �أ�سلوب‬
‫املجموعات ال�صغرية املنف�صلة، وانتهاج �أ�سلوب الكر والفر واخلديعة والكمائن‬
       ‫وعدم الظهور، واالكتفاء با�ستخدام ال�سالح اخلفيف لتحقيق هذا الغر�ض.‬

‫بينما احلروب النظامية (الكال�سيكية)، ف�إنها تقوم على تقابل جي�شنيِ‬
    ‫َ‬
‫نظامينيِ �أو �أكرث، تدور بينهم معارك ع�سكرية كبرية ذات طابع معلوم، وتعتمد‬
                                                                    ‫َّ‬
‫هذه احلرب على نظام اجليو�ش يف التعبئة والتنظيم والقتال، وا�ستخدام ال�سالح‬
      ‫ٌ‬
‫الثقيل من املدفعية والدبابات والطائرات وال�سفن احلربية. فهي �شكل خمتلف‬
‫ٌ‬
‫من التكتيكات واخلطط والآليات، تختلف يف �أهدافها وو�سائلها و�أ�ساليبها‬
                                            ‫وميزاتها ومبادئها التي ت�ستند �إليها.‬
‫22‬

‫وحرب الع�صابات ت�ستند �إىل حركة �سيا�سية تقود العمل املقاوم وتوجهه‬
  ‫ّ‬
‫الوجهة التي ر�سمتها لنف�سها، تقيم �أداءه، وتقطف ثماره. هذه احلركة تقوم‬
                                      ‫ّ‬
‫مبوازاة العمل املقاوم بخلق وعي �سيا�سي يرقى بوعي ال�شعب ليكون قادراً‬
                    ‫ِ‬         ‫ٍّ‬      ‫ٍ‬   ‫ِ‬
 ‫على حمل �أعباء وتبعات الثورة. فحرب الع�صابات هي ذراع ع�سكري حلركة‬
‫�سيا�سية، وهذا ما �أثبته (ماو) يف مبادئ ثورته حني قال: «�إنّ ال�شيوعية هي‬
    ‫ّ‬
                                                                 ‫ُ‬
                                    ‫القائدة حلرب الع�صابات ال�صينية»(1).‬
                                              ‫ّ‬
‫�أما دوافع حرب الع�صابات فمتعددة: منها ما كان دافعه حترريا طارداً‬
       ‫ّ ً‬                         ‫ّ‬
 ‫لالحتالل؛ كما الثورة الفل�سطينية والثورة اجلزائرية، ومنها ما كان هدفه‬
‫التخل�ص من الدكتاتورية؛ كالثورة ال�صينية والكوبية، ومنها ما كان لدوافع‬
‫انف�صالية؛ كثورة الأكراد على احلدود الرتكية العراقية الإيرانية، والثورة البا�سكية‬
 ‫ّ‬
                                                ‫املم َّثلة بحركة (�إينا) االنف�صالية.‬

‫وحرب الع�صابات كما ذكرنا تكون بني طرفني غري متكافئني، الأول جي�ش‬
 ‫ٌ‬
              ‫ً َ ً‬
‫نظامي يتبع لدولة ذات كيانٍ و�سيادة، ميلك عتاداً ثقيال و ِفرقا وت�شكيالت‬
                                                   ‫ٍ ِ‬            ‫ٌّ‬
‫مقاتلة، �أما الطرف الآخر فمجموعات مقاتلة مكونة من �أفراد ال ميلكون �إال‬
                         ‫ٌ َّ ٌ‬       ‫ٌ‬
                                                        ‫ً‬      ‫ً‬     ‫ً‬
                        ‫�سالحا خفيفا مدعوما بالإميان والإخال�ص يف االنتماء.‬

         ‫ً‬
‫فحرب الع�صابات �أ�سلوب ي�ستخدمه الطرف ال�ضعيف ع�سكريا، لي ّتقي‬
                                        ‫ٌ‬
‫التفوق ا ّلذي يتمتع به خ�صمه، ويتجنب الفارق العددي والتكنولوجي،‬
                        ‫َ‬     ‫َ‬                             ‫ّ َ‬
                                  ‫ً‬          ‫ً‬
‫في�ستخدم �أ�ساليب بدائية ن�سبيا، و�أ�شكاال يف املواجهة ال تنفع معها كرثة عدد‬
‫جيو�ش اخل�صم وثقل عدته، مما ي�ضطر اخل�صم �إىل مالحقته ومواجهته بالطريقة‬
                               ‫َ‬


                                                ‫1 احلرب واال�سرتاتيجية /يهو�شيفت هركيف.‬
‫32‬

                             ‫ّ‬
‫التي يفر�ضها الطرف ال�ضعيف، وبالتايل يتخلى هذا اخل�صم عن تفوقه الهائل،‬
                                               ‫وال ي�ستطيع اال�ستفادة منه كثرياً.‬

‫ويالحظ �أنّ حرب الع�صابات قد تكون (ا�سرتاتيجية)، فتكون هي طريقة‬
                                                          ‫َ‬
‫القتال الأ�سا�سية الوحيدة، كما هو احلال يف التجارب الفيتنامية وال�صينية‬
‫ً‬
‫والكوبية والفل�سطينية، والتي هي مو�ضوع بحثنا هنا، وحينها تكون حربا‬
                                  ‫ً‬                             ‫ً‬
                          ‫مفتوحة زمانيا، �أهدافها �أكرث �شمولية وعمقا وحيوية.‬

                                  ‫ً‬
‫وقد تكون حرب الع�صابات تكتيكا، فتكون �إحدى طرق القتال امل�ساندة‬
‫للقتال التقليدي الدائر بني جيو�ش نظامية، فت�ستخدم هذه اجليو�ش �أ�ساليب‬
‫قتالية حمددة تخو�ضها وحدات خا�صة مدربة على هذا اللون من القتال، تقوم‬
‫ب�أغرا�ض حمددة؛ كوحدات من الكوماندوز. ويف ذات الإطار، قد تعمد بع�ض‬
           ‫الدول املتحاربة �إىل خلق ع�صابات غري نظامية كي تخدم �أغرا�ضها.‬
                      ‫َ‬
‫لقد �أُطلق على حرب الع�صابات عامليا ا�سم (جاريال)، وهي كلمة التينية‬
                                ‫ً‬
‫تعني (احلرب ال�صغرية)، ولأنه م�صطلح عاملي يعرب عن م�صطلحات اجلهاد‬
       ‫والثورة واملقاومة والن�ضال واالنتفا�ضة، ف�سن�ستخدمه نحن يف درا�ستنا.‬

‫وقد تكون الع�صابة كلمة غري حمببة �إىل النف�س الرتباطها ببع�ض املعاين ال�سلبية‬
 ‫ّ‬                                             ‫َّ‬
‫يف الأذهان، �إال �أنها لي�ست بالكلمة ال�سلبية يف حقيق ِتها وجوهرها، فقد وردت‬
                                ‫ّ‬
‫يف حديث لر�سول اهلل [ يف �صحيح م�سلم: «اللهم �إنْ تهلك هذه الع�صابة من‬
                          ‫َّ‬                                       ‫ٍ‬
                                          ‫�أهل الإ�سالم؛ ال تُعبد يف الأر�ض».‬
‫42‬


                                                          ‫ملحة تاريخية:‬
‫تُعد حرب الع�صابات �صورة قدمية من �صور ال�رصاع، �سبقت احلرب النظامية‬
                                                                ‫ُّ‬
‫يف وجودها، ذلك �أن النزاعات وال�رصاعات بد�أت بني قوات غري نظامية،‬
‫ثم �أخذت هذه القوات تُـعـد نف�سها، وتزيد من قدرتها وترفع من كفاءتها،‬
                                          ‫ِ ُّ‬
‫وت�ضاعف من قواتها ملواجهة الهجمات امل�ضادة والرد عليها ب�رسعة وقوة،‬
‫وت�شن هجمات ا�ستباقية خاطفة، فبد�أت ت�شكل القوات �شبه النظامية، ومن ثم‬
     ‫النظامية، لتتحول ال�رصاعات �إىل حرة نظامية ت�شبه واقع احلال هذه الأيام.‬

‫ولقد بد�أت حرب الع�صابات على �شكل غارات خاطفة ومتكررة بني مقاتلي‬
‫القبائل املختلفة يف م�ساع لل�سيطرة على الكلأ واملاء، ول�ضم �أرا�ض جديدة �إىل‬
            ‫ٍ‬     ‫ِّ‬
‫ممتلكات القبيلة وزعيمها، وا�س َتخدمت هذه الغارات بع�ض الأ�ساليب البدائية‬
       ‫َ‬           ‫اّ‬
‫حلرب الع�صابات؛ كالكر والفر، والتمويه واملباغتة، �إل �أن عنا�رصها بقيت‬
                                           ‫ّ‬     ‫ِّ‬
‫غري مكتملة، فال تنطبق عليها مبادئ حرب الع�صابات املعا�رصة ب�شكل فعلي.‬
‫ومن �أ�شهر حروب الع�صابات القدمية يف تاريخنا العربي: (حرب الب�سو�س)، و‬
‫(داح�س والغرباء). ثم جاءت جتارب حروب الع�صابات يف ع�رص النبوة، ومن‬
                                   ‫�أبرزها جتربة ال�صحابي اجلليل (�أبو ب�صري).‬

           ‫ً‬      ‫ً‬
‫وتطورت حرب الع�صابات الأخرية (احلديثة) �شيئا ف�شيئا مع التجارب‬
‫الثورية الناجحة التي خا�ضتها ال�شعوب �ضد امل�ستعمر وامل�ستبد، ومع كل جتربة‬
                        ‫ً‬            ‫ً‬
‫جديدة كانت (اجلاريال) ت�أخذ �شكال �أكرث و�ضوحا، وتثبت لها قواعد ومبادئ‬
                  ‫ّ‬
‫و�سمات جديدة، حتى ت�شكلت مدار�س ثورية متثل الأ�شكال املختلفة حلرب‬
                                                  ‫الع�صابات املدنية والريفية.‬
‫52‬

‫ولقد ا�ستطاعت حرب الع�صابات عرب تاريخها حتقيق جناحات وانت�صارات‬
‫و�إجنازات؛ زادت من �أهميتها، وقناعة املجتمع بها.. فقد متكنت من طرد‬
‫امل�ستعمر مهما عظمت قوته، وحترير البالد املحتلة مهما طال احتاللها، وحتقيق‬
‫الأهداف املرجوة واملر�سومة، وحتقيق التقدم والتفوق، على الرغم من الفرق‬
                                    ‫ال�شا�سع يف ميزان القوى ل�صالح عدوها.‬

‫ومن الأمثلة املعا�رصة التي انت�رصت فيها حرب الع�صابات على عدوها:‬
‫الثورة ال�صينية يف مواجهة الدكتاتورية الداخلية واال�ستعمار الياباين، والثورة‬
‫الفيتنامية يف مواجهة الواليات املتحدة الأمريكية، والثورة اجلزائرية يف وجه‬
 ‫ً‬
‫اال�ستعمار الفرن�سي، والثورة الكوبية يف وجه الدكتاتور ّية املدعومة خارجيا،‬
                                       ‫ّ‬
                                        ‫والثورة الأفغانية يف وجه ال�سوفييت.‬



                                  ‫***‬
26
‫72‬




        ‫مدار�س‬
          ‫ُ‬
     ‫حرب الع�صابات‬
            ‫ِ‬    ‫َ‬
28
‫92‬




                  ‫مدار�س حرب الع�صابات‬


                         ‫ً‬                                ‫ً‬
‫و�سعيا لالنتفاع من جتارب الآخرين، ونقال خلرباتهم، ف�إننا �سنعر�ض‬
‫ب�إن�صاف مناذج من حروب الع�صابات احلديثة التي �شكلت مدار�س يحتذى‬
‫بها وجتارب تُدر�س، و�أبرزها (ال�صينية، الكوبية، الفيتنامية).. ونعر�ض معها‬
                                                          ‫َّ‬
                                            ‫ً‬
‫(التجربة اجلزائرية)، وقبلها جميعا نعر�ض خري جتربة عرفتها الإن�سانية، �أال وهي‬
‫التجربة النبويّة املحمد ّية.. نعر�ض منها وم�ضات خاطفة تبارك لنا م�رشوعنا،‬
   ‫َ‬                ‫ً‬     ‫ٍ‬                        ‫ّ‬
                               ‫ونغرتف من معانيها يف ا�ستنتاجاتنا �إن �شاء اهلل.‬



                               ‫�أوالً: حرب الع�صابات يف ع�رص النُّبوة:‬
                                 ‫ّ‬
                                               ‫ُ‬
‫ا�ستخدم الر�سول [ و�صحاب ُته الأطهار مبادئ حرب الع�صابات ب�شكل‬
                    ‫َ‬
                  ‫ّ‬
‫كبري، بل ويف مرحلة مبكرة من الدعوة واجلهاد.. ولعل ممار�ساتهم �أ�صلت‬
   ‫ّ‬
          ‫ً‬       ‫ً‬                                  ‫ً‬
‫وابتكرت بع�ضا من تلك املبادئ، حتى �أ�صبحت مدر�سة متكاملة اقتدى بها‬
                                                                      ‫ُ‬
                        ‫قادة الفتح الإ�سالمي وجند الإ�سالم على مر الع�صور.‬

‫و�سنتحدث هنا عن هذه املدر�سة باخت�صار، حيث �سنطرق بع�ض العناوين‬
                                                        ‫ّ‬
                  ‫واملواقف التي برزت فيها فنون حرب الع�صابات ومباد�ؤها.‬
‫03‬


                                                       ‫جمموعات �أبي ب�صري:‬
                                        ‫ُ‬
‫كما نعلم، فقد عقد ر�سول اهلل [ مع م�رشكي مكة �صلح احلديبية، وقد‬
                                              ‫َ‬
‫ت�ضمن هذا ال�صلح بنـداً اعتربه كبار ال�صحابة جمحفا بحق امل�سلمني، بل رف�ضوه؛‬
                          ‫ً‬                                             ‫ّ‬
                                                    ‫لوال طاعتهم لر�سول اهلل [.‬

               ‫ً‬
‫وهذا الن�ص هو: (من جاء �إىل املدينة من �أهل مكة م�س ِلما فعلى امل�سلمني‬
                      ‫ُ‬
                   ‫ً‬
‫رده �إىل �أهله، �أما من جاء �إىل مكة من �أهل املدينة م�رشكا فلي�س على �أهل مكة‬
                                                                            ‫ّ‬
                                                                           ‫رده)..‬

‫ولقد ا�ستطاع ال�صحابي املجاهد عتبة بن �أ�سيد (�أبو ب�صري) �أن يفر من قيده‬
        ‫َّ‬
‫الذي كبله به خا ُله، الأخن�س بن �رشيف، وفر �إىل مدينة ر�سول اهلل [، و�أقام فيها‬
                                     ‫َّ‬                                 ‫ّ‬
‫�أياما بني �إخوانه م�رسوراً بدينه �سعيداً ب�إميانه، وملا علمت قري�ش بذلك �أر�سلت من‬
                                                                             ‫ً‬
‫امل�رشكني من يرده �إليهم، وحدثوا ر�سول اهلل بذلك، فما كان من ر�سول اهلل [‬
                                            ‫ّ‬            ‫ّ‬
                                          ‫َ ٍ‬
                             ‫وفاء للعهد �إال �أنْ رده �إليهم على كره من ال�صحابة.‬
                                                          ‫ّ‬                  ‫ً‬
‫ويف طريق العودة، احتال �أبو ب�صري على حرا�سه، فقتل �أحدهما، بينما‬
                         ‫ُ ّ‬
                                                                          ‫ّ‬
‫متكن الثاين من الفرار �إىل املدينة، فتبعه �أبو ب�صري.. وهناك مل يجر�ؤ امل�رشك‬
‫على ا�صطحاب �أبي ب�صري معه ثانيةً، بعد ما ر�أى ما ح�صل ب�صاحبه، وعندها‬
‫�أوم�أ ر�سول اهلل �صلى اهلل عليه و�سلم ب�إميائة خفية التقطها �أبو ب�صري و�سارع �إىل‬
                          ‫ً‬
‫تنفيذها، فقال عليه ال�سالم «ويح �أمه! ُي�سعر حربا لو كان معه رجال».. فانطلق‬
                                        ‫َّ‬
                          ‫َّ ٍّ‬   ‫َ‬
‫�أبو ب�صري �إىل �أر�ض حمايدة يجمع الرجال وكل فار بدينه من �أر�ض الكفر، حتى‬
‫جتمع لديه جمموعات مقاتلة، واتخذت لنف�سها قاعدة ع�سكرية قريبة من �ساحل‬
                                                                  ‫ّ‬
                                                                           ‫البحر.‬
‫13‬

‫ثم بد أ� بالإغارة على قوافل امل�رشكني و�سلبها، حتى ت�رضرت جميع قوافلهم،‬
‫وفقدوا الأمان حتى على �أنف�سهم، فما كان من م�رشكي مكة �إال �أن بعثوا بوفدٍ‬
‫�إىل ر�سول اهلل [ يف املدينة يطلبون منه �أن يتنازل عن ال�رشط الذي و�ضعوه هم،‬
                                               ‫ً‬
‫وهو ال�رشط الذي ذكرناه �آنفا. وبذاك حقّق �أبو ب�صري هدفه، وعاد جند الإ�سالم‬
                                   ‫َ‬
             ‫�إىل مع�سكرهم و�إىل مدينة ر�سول اهلل [ والن�رص ي�سري بركبهم(1).‬



                                                            ‫االغتياالت:‬

‫ولقد ا�ستخدم ر�سول اهلل [ مبد أ� االغتياالت يف العديد من املرات التي ر�أى‬
‫فيها �أنه احلل الأمثل، فيحقن بذلك دماء امل�سلمني ويفت من ع�ضد امل�رشكني‬
                  ‫ّ‬
                                             ‫ََ‬             ‫َ‬
‫ويفرق �شملهم ويدب الهلع يف قلوبهم، وقد حققت عمليات االغتيال يف‬
                                                  ‫ُّ‬                ‫ّ‬
‫جمملها �أهدافَها بنجاح، ومن �أمثلة االغتياالت يف عهد النبوة؛ اغتيال (كعب‬
‫بن الأ�رشف)، و (�سالم بن �أبي حقيق)، و (�أبو عقل)، و (�أبو رافع)، و (ابن‬
‫�سنينة).. وجميعهم يهود. و (�سفيان بن خالد الهنديل) و (ع�صماء بنت‬
                                                         ‫مروان).. وغريهم.‬

‫ونقف مع �أحد هذه الأمثلة، وهي عملية اغتيال ر�أ�س الكفر اليهودي: (�سالم‬
‫بن �أبي حقيق).. فقد جمع عدو اهلل (ابن �أبي حقيق) اليهود من حوله، و�أخذ‬
               ‫َ‬                               ‫َ‬
‫يحر�ض على امل�سلمني، ومتادى يف التعري�ض بهم وب�أعرا�ضهم، ويف �إيذائهم‬
                                                                  ‫ّ‬
                                      ‫بكل و�سيلة ممكنة.. ولذا كان قرار قتله.‬



                                                      ‫1الرحيق املختوم، املباركفوري.‬
‫23‬


‫اختار ر�سول اهلل [ �أمري املجموعة مبوا�صفات خا�صة جتعله قادراً على �إنفاذ‬
‫املهمة بنجاح، فهو (عبد اهلل بن عتيك)، جماهد �صادق خمل�ص يف دينه، �شجاع‬
‫ومقدام، ال ي�ساوره الرتدد يف �أ�صعب املواقف، ويتقن اللغة العربية ـ لغة اليهود،‬
‫وبالتايل ميكنه التعامل معهم والفهم عليهم و�إفهامهم �إن لزم الأمر. ثم �إن �أمه‬
‫بالر�ضاعة يهودية، مما يوفر له مربراً كافيا لدخول ح�صن اليهود، ويوفر له ملج�أ‬
                                  ‫ً‬
‫يف حال اقت�ضت احلاجة. وترك ر�سول اهلل [ لعبد اهلل �أن يختار جمموعته،‬
‫وذلك كي يختارهم �ضمن موا�صفاته، فيطمئن �إليهم و�إىل قدراتهم، ويكونوا‬
                                ‫على توافق كامل ي�سهل عليهم �إجناح مهمتهم.‬

‫انطلق عبد اهلل و�إخوانه الثالثة �صوب ح�صن خيرب، حيث يقيم (�سالم)،‬
‫بعد �أن جمعوا ما توفر من معلومات عن عدوهم. وكان همهم الأول دخول‬
‫احل�صن، و�إيجاد ملج�أ �آمن بداخله ي�سمح لهم بر�صد الهدف عن قرب والقيام‬
‫بعمليتهم على ب�صرية كاملة، فكان ات�صال عبد اهلل ب�أمه التي �سمحت لهم بالإقامة‬
                         ‫ّ‬
‫يف بيتها، وبالتايل ا�ستطاعوا دخول احل�صن ب�صحبتها، ومن ثم �إيجاد ملج�أ ق�ضوا‬
                                                                   ‫َ‬
‫فيه مدة اال�ستعداد والر�صد ثم االنطالق. وملا جتمعت لديهم املعلومات الالزمة‬
‫والكافية لتنفيذ املهمة، واملتوفرة عرب الر�صد واملراقبة، و�ضع املجاهدون خطتهم،‬
‫وانطلقوا للعمل متوكلني على اهلل، م�ستفيدين من قدرات �أمريهم، وحتديداً يف‬
‫احلديث باللغة العربية، حيث كانت مفتاحهم للو�صول �إىل داخل ق�رص عدو اهلل‬
‫(�سالم بن �أبي حقيق)، وهناك ا�ستطاعوا قتله واالن�سحاب ب�أمان، دون �أن يمُ�س‬
 ‫َّ‬
                                                           ‫�أحدهم ب�سوء(1).‬
                                                                       ‫ُ‬


                                                                    ‫1 نور اليقني.‬
‫33‬


                                                    ‫ال�ســرايا والبعـــوث :‬
                                                      ‫ُ‬
‫بعث ر�سول اهلل [ ع�رشات ال�رسايا والبعوث املجاهدة لتحقيق �أهداف‬
                                                            ‫َ‬
‫ع�سكرية مدرو�سة، �سواء كانت دفاعية ل�صد خطر قادم، �أو هجومية لتحقيق‬
                                                                   ‫�إجناز وتقدم.‬

‫هذه ال�رسايا عملت على طريقة حرب الع�صابات يف معظمها؛ فقد اعتمدت‬
‫ب�شكل �أ�سا�سي على مبد أ� املباغتة وال�سية. ولذا كان الأمر النبوي لقادتها ب�أن‬
                                       ‫رِّ‬
                                                               ‫ً‬
‫ي�سريوا ليال ويكمنوا نهاراً، و�أن ال يحدثوا عن وجهتهم. بل �إنه ا�ستخدم �أول‬
                                   ‫ّ‬
              ‫َ‬                  ‫ُ‬
‫ر�سالة مغلقة ال يعلم بنودها وفحواها حاملها، فقد �أر�سل (عبد اهلل بن جح�ش)‬
                                                ‫َ‬
‫على ر�أ�س �رسية، ومل يخربه عن وجهته، بل �أعطاه ر�سالة مغلقة، وطلب منه �أن‬
‫ال يفتحها �إال بعد م�سري يومني، و�أن يقوم بقراءتها على جنده، ومن ثم يخيرّه‬
‫يف اال�ستمرار �أو االن�سحاب، وبذلك تكون وجهة ال�سرّ ّية جمهولة حتى على‬
                   ‫ِ‬
                                                                         ‫جندها.‬

‫ناهيك عن �أن عدداً من امل�سلمني مل يكونوا يعلمون بو�صول قوات امل�سلمني‬
                  ‫ِ ُ‬
‫�إال يف اللحظات الأخرية، فها هم ع�رشة �آالف مقاتل َي�صلون مكة لفتحها، وال‬
‫يعلم �أهلها بذلك �إال وامل�سلمون على �أبوابها. ويكفي يف هذا املجال الإ�شارة �إىل‬
‫�أن ر�سول اهلل [ مل يعلن عن وجهة �رسية �أو غزوة طوال حياته �إال غزوة تبوك،‬
                           ‫ٍ‬        ‫ٍ‬
‫وذلك لبعد املكان وق�سوة الطريق وحمنة القحط واجلوع التي كانت؛ في�ستعد‬
                                                             ‫ُ‬
                                                                  ‫امل�سلمون لها.‬


                                    ‫***‬
‫43‬


                                       ‫ثانياً: املدر�سة ال�صينيّة (املاويّـة):‬
                                                          ‫ِّ‬
‫هي جاريال ريفية كبرية، رافقَها �أن�شطة متعددة الأ�شكال، موجهة خللق‬
‫ِ‬                      ‫ّ‬    ‫ٌ‬
‫وعي �سيا�سي لدى �أفراد ال�شعب، قادها احلزب ال�شيوعي ال�صيني، وكان هدفها‬
                                                            ‫ٍّ‬      ‫ٍ‬
       ‫ال�سيطرة على احلكم.. فحاربت العدو اخلارجي، واال�ستبداد الداخلي.‬

‫بد�أت الثورة ال�صينية باالحتجاجات ال�شعبية التي قادها احلزب ال�شيوعي‬
                           ‫ّ‬
 ‫ّ‬
‫ال�صيني يف العقد الثاين من القرن الع�رشين، ثم بد�أت هذه االحتجاجات تتنظم‬
                                                              ‫ً‬      ‫ً‬
‫�شيئا ف�شيئا، �إذ �أن�ش�أ احلزب 02 نقابة عمالية من عمال املناجم وعمال �سكك‬
                               ‫ّ‬
‫احلديد، ثم دخلت هذه النقابات يف �إ�رضاب قوي عام 2291م، قاده الزعيم‬
           ‫ال�صيني (ماوت�سي تونغ)، الذي �أ�صبح الأب الروحي للثورة ال�صينية.‬

‫�أطلق (ماو) �رشارة الثورة يف الأرياف، بعك�س تعاليم املارك�سية، فقد حترك‬
‫من (هوتان) حني تر�أّ�س قاعدة �أول نواة ثورية، وحرك االحتادات الفلاّحية‬
                     ‫ّ َ‬
            ‫لتحقيق هدفه، و�أطلق عليها ا�سم: (احلرب الأهلية الثورية الأوىل).‬

‫بادر (ماو) يف �سنة (7291م) �إىل بناء جي�ش ثوري، بهدف حترير مناطق‬
‫ي�صعب مهاجمتها، وذلك لإقامة قاعدة انطالق على �أر�ضها، معتمداً يف ذلك‬
‫على عمال املناجم والفالحني، �إ�ضافة �إىل بع�ض اجلنود الثائرين الفارين من قيادة‬
           ‫ّ‬
                                                                 ‫( الكومنتانغ).‬

‫بد�أ (ماو) بتنظيم (انتفا�ضة ح�صاد اخلريف) من خالل فرقته الأوىل، �إال �أنّ‬
‫حماولته تلك مـ ِنـيـت بالف�شل، وتكبدت قواته خ�سائر فادحة، و�أُلقي القب�ض‬
            ‫َ‬                            ‫ّ‬                 ‫ُ َ‬
                                               ‫عليه، غري �أنه متكن من الفرار.‬

‫جل� (ماو) �إىل اجلبال، حيث �أن�ش� قواعد �سوثياتية، ومناطق حكم تدير كل‬
                                    ‫أ‬                             ‫أ‬
‫53‬

‫الأمور احلياتية والع�سكرية، ثم عمد �إىل �إن�شاء (قواعد حمراء) �أخرى، فات�سعت‬
‫رقعة �سيطرته.. مما �أثار ردة فعل عنيفة لدى (ت�شيانغ كاي ت�سك) الذي حاولت‬
                                        ‫ّ ٍ‬
‫قواته تطويق قوات (ماو ) وجي�شه، �إال �أن (ماو) بادر باالن�سحاب بقواته �إىل‬
‫ال�شمال الغربي، وذلك ما بات يعرف با�سم (امل�سرية الكربى) التي ا�ستغرقت‬
                                                           ‫ً‬     ‫ً‬
‫عاما كامال، عرب فيها 01 �آالف كيلو مرت، وكانت قواته قد بد�أت بـ (001)‬
                     ‫ّ‬
     ‫�ألف ثائر، وانتهت بـ (02) �ألف ثائر فقط، حتى و�صل �إقليم (�شان �سي ).‬

                   ‫ً‬
‫ويف العام (7391م) كانت اليابان قد �شنت هجوما على ال�صني، فتحالف‬
‫(ماو) مع (ت�شيانغ كاي) يف �صد العدوان الياباين، وا�ستمر احلال على ذلك حتى‬
                                            ‫ِّ‬
‫العام 5491م، حتى و�ضعت احلرب �أوزارها با�ست�سالم اليابان. وعندئذ جتدد‬
‫َّ‬
‫القتال بني الطرفني؛ ال�شيوعي بقيادة (ماو)، واليميني بقيادة (ت�شيانغ )، وا�ستمر‬
‫القتال دائراً بني الطرفني حتى العام 9491م، حيث ا�ستطاع ال�شيوعيون‬
   ‫االنت�صار، والتج� (ت�شيانغ ) �إىل جزيرة تايوان و�أقام حكومة ال�صني الوطنية.‬
                                                             ‫أ‬

‫هذا وقد اع ُتـبِـر (ماوت�سي تونغ)، مفكر الثورة ال�صينية، ووا�ضع �أُ�س�سها،‬
    ‫َ ِ‬                            ‫َ‬                    ‫َ‬
‫حتى �سميت منظومة �أفكار الثورة ال�صينية بـ (املاوية) ن�سبة له، ومن الكتب التي‬
                   ‫ً‬                                                  ‫ُ ِّ‬
‫و�ضعها يف هذا املجال: «امل�شكالت اال�سرتاتيجية للحروب الثورية يف ال�صني»‬
‫و «يف احلرب طويلة الأمد»، و «امل�شكالت اال�سرتاتيجية حلرب الأن�صار �ضد‬
‫اليابان». �إ�ضافة �إىل عدد �آخر من امل�ؤ َّلفات التي �أ�صبحت مدر�سة �أ�سا�سية من‬
   ‫ً‬         ‫ً‬                                                 ‫ً‬
                                          ‫مدار�س حرب الع�صابات احلديثة(1).‬




                                              ‫1 املو�سوعة ال�سيا�سية، د. عبد الوهاب الكيايل.‬
‫63‬


                                     ‫من ر�ؤى (ماو) يف حرب الع�صابات:‬

                 ‫- يرى ماو �أن حرب الع�صابات تت�ألف من ثالث مراحل:‬

‫1- االن�سحاب اال�سرتاتيجي: يكون العدو فيه هو الأقوى، والثورة ت�شاغله‬
                                                  ‫وت�رضبه رغم �ضعفها.‬

‫2- الت�ساوي اال�سرتاتيجي: ي�ضعف العدو و ُي�ستنزف، وتقوى الثورة وتبد�أ‬
                                            ‫بالتحول �إىل قوات نظامية.‬

                    ‫ً‬      ‫ً‬
‫3- ال�رضبة اال�سرتاجتية: تتغري الثورة لت�صبح جي�شا نظاميا وتُنزل بالعدو �رضبة‬
                                                     ‫قوية لتحقِّق الن�رص.‬



                                                        ‫ولهذه املراحل �أثران:‬

‫�أ- ع�سكريا ومنهجيا: العمليات التكتيكية ت�أخذ بعداً ا�سرتاتيجيا، واملراحل‬
          ‫ً‬                                           ‫ً‬       ‫ً‬
‫تعطي اجلاريال القدرة على زيادة خلق املبادرة والزيادة التدريجية يف‬
                                                       ‫حجم العمليات.‬

                                        ‫ً‬           ‫ً‬
‫ب- نف�سيا و�أيدولوجيا: اجلاريال تبث روح الأمل يف نفو�س ال�شعب‬
‫واملقاتلني، فترُِيهم ال�ضوء يف نهاية النفق، فيفهمون �أن الأمل واملعاناة‬
                                 ‫والت�ضحية �سيكون لها ثمار ونتائج(1).‬

‫ويرى (ماو) �أن حرب الع�صابات تتنا�سب مع الدول الوا�سعة كال�صني، التي‬
                                 ‫حررت مقاطعة (ينالدا) ف�أ�صبحت مركزاً لها.‬

                                                ‫1احلرب واال�سرتاتيجية، يهو�شيفت هركيف.‬
‫73‬

‫كما يرى �رضورة االعتماد على الذات من الناحية اللوج�ستية، بحيث يكون‬
‫�سالح الثورة غنيمة من عدوها، حيث يقول: «مع�سكر دعمنا يف وا�شنطن،‬
                                              ‫ً‬
                          ‫و�ضابط التوريد الذي ينقله لنا هو ت�شانغ كاي �شك».‬

‫و�أخرياً، ف�إن من املبادئ التي �أكد عليها (ماو) كذلك، هو �أنه ال جناح للثورة‬
                                                    ‫�إال باالعتماد على الفالحني.‬

                                     ‫***‬

                                                    ‫ثالثاً: املدر�سة الكوبيّـة:‬
‫ميكننا اعتبار الثورة الكوبية (جاريال) ريفية �صغرية، ارتبطت ب�شخ�ص‬
 ‫ِ‬                     ‫ّ‬
‫قائدها (فيدل كا�سرتو)، والذي ال زال على ر�أ�سها. فقد قام هذا املحامي ال�شاب‬
                                                                       ‫ِ‬
‫بجمع (021) ثائراً من الناقمني على حكم (بات�ستا)، وهاجموا ثكنة (فونكادا)‬
                                               ‫ّ‬
‫الع�سكرية، يف (62/7/3591م)، �إال �أن هذا الهجوم عد انتحاراً من ِق َبله..‬
                      ‫ُ َّ‬
                                   ‫ً‬
‫حيث كان عدد جنود الثكنة �ضخما، يزيد على (0001) جندي، فباء الهجوم‬
                  ‫ٍ‬              ‫َّ ُ‬                    ‫ُ َ‬
‫بالف�شل الذريع، وق ِتل معظم املنا�ضلني، ومت �أ�سرْ جمموعة منهم، على ر�أ�سهم‬
 ‫كا�سرتو نف�سه، وحكم عليه بال�سجن (51) عاما، �إال �أنه �أُفرج عنه بعد عامني.‬
                                  ‫ً‬

‫وفور خروج كا�سرتو من ال�سجن، توجه �إىل املك�سيك، وهناك جمع بع�ض‬
‫�أن�صاره، و�أ�س�س معهم حركة (62 متوز)، ثم �أعد عدته، ودرب �أتباعه، وعاد‬
               ‫ّ‬      ‫ّ‬                     ‫َ‬          ‫ّ َ‬
                          ‫ً‬
‫بهم على ظهر �سفينة (غرانا)، ي�صحبه (18) منا�ضال، �أبرزهم املنا�ضل املعروف‬
                   ‫ُ‬
                                                                  ‫(ت�شي جيفارا).‬

                                                   ‫َ‬
‫وقد �أطلق ال ُّثوار ال�رشارة الأوىل لثورتهم من جبال (�سريا ماي�سرتا)، حتت �شعار‬
‫83‬


‫(�سنعي�ش هذه ال�سنة �أحراراً �أو منوت �شهداء). ويف نهاية العام كان الفالحون قد‬
‫ا�ستجابوا للثورة، ثم ا�ستجابت جبهات �أخرى يف جبال (دوليكامرياي) ويف‬
                 ‫ُ‬
‫�شمال (�سانتياغو)... وهكذا ا�شتعلت البالد، وهبت الثورة يف كامل القطاعات‬
                         ‫ّ‬
                                                                              ‫واملناطق.‬

‫بد�أت الثورة يف �أيامها القا�سية بالزحف �إىل اجلبال �صوب املدن، و�رشعت‬
‫يف دخول املدن وفتحها دومنا عناد كبري، بدءاً من مدينة (�سانتاكالرا) التي فتحها‬
‫(ت�شي جيفارا)، وانتهاء بالعا�صمة (هافانا) التي فُتحت على يد( فيدل كا�سرتو)‬
                                                    ‫ً‬
                                                       ‫يف مطلع عام (9591م).‬

‫ُيذكر �أن ت�شي جيفارا حاول نقل التجربة �إىل (بوليفيا)، فانتقل �إليها ب�صحبة‬
‫جمموعة من الثوار، �إال �أنه ف�شل يف ذلك لعدم قدرته على جمع ال�سكان حوله،‬
               ‫فانتهت ثورته بعد (11) �شهراً مبقتله يف �أكتوبر عام 7691(1).‬



                                              ‫من �سمات الثورة الكوبية:‬
‫- اعتمدت على ال�شخ�صانية �أكرث من العقالنية، فقد طرح كا�سرتو ورفاقه الثورة‬
                                                   ‫ّ‬
‫والعمل امل�سلح دون �أن يطرحوا �أو يناق�شوا م�س�ألة طبيعة ال�سلطة القادمة‬
‫والأيدولوجية التي تتب ّناها، بل �إنها مل تتنب املارك�سية �إال بعد عامني من‬
                   ‫ّ‬         ‫َّ‬
                                                                 ‫انطالقها.‬
‫- اعتمدت الثورة على اجلبال والأرياف مقراً لها، واعتربتها الرتبة اخل�صبة‬
‫واملكان الأمثل لها، ولي�س املدينة والتجمعات ال�سكنية ال�ضخمة، وهناك‬

                                              ‫1 املو�سوعة ال�سيا�سية، د. عبد الوهاب الكيايل.‬
‫93‬

‫كونت القواعد املتحركة التي تعمل على ن�رش الأفكار وتوجيه املقاتلني الذين‬
                                                                     ‫ّ‬
                                                    ‫ينت�رشون بني ال�سكان.‬
‫- اعتمدت الثورة على تنفيذ عمليات ت�شكل الدعاية امل�سلحة التي تُعر�ض‬
                           ‫ً‬
‫�أمام العامة ك�أداة تَ�سيِي�س تخلق �أجواء وظروفا �سيا�سية و�إعالمية، وحت�شد‬
                  ‫ً‬               ‫ً‬            ‫ٍ‬        ‫ِ‬
‫الأن�صار والثوار، فكان الفالحون الب�سطاء �أكرث ت�أثراً بالبطوالت والأعمال‬
                                      ‫ُ‬
                                                    ‫من الأفكار والأقوال.‬
                   ‫- مل تعتمد على وجود مراحل حمددة ووا�ضحة النت�صارها.‬
                                      ‫ًّ‬     ‫ً‬
‫- يعترب البع�ض �أنها ال تقيم وزنا حقيقيا مل�شقّات الثورة، فهي �رضب من املغامرة‬
            ‫ٌ‬
‫غري املح�سوبة، والتي تقود �أ�صحابها �إىل النهاية امل�أ�ساوية، كما حدث مع‬
                                                           ‫جتربة 62 متوز.‬
‫- نادى (كا�سرتو) ب�إمكانية بدء الثورة يف كل زمان ومكان مبجرد وجود ثور ّيني‬
‫م�ستعدين للقتال، �سماهم هو با�سم (ب�ؤرة الثورة)، ودون احلاجة النتظار‬
                                                ‫ّ‬             ‫ّ‬
                                                     ‫ظروف ثور ّية مواتية.‬



                           ‫رابعاً: الثورة الفيتنامية (املدر�سة الفيتنامية):‬
‫بد�أت الثورة الفيتنامية كثورة �شعبية يف العام (6591م)، وبد�أت الثورة‬
‫تت�صاعد حتى بلغت ذروتها يف العام (0691م) بت�أ�سي�س (جبهة التحرير الوطنية‬
                                           ‫ـ فيت كنغ) وزعيمها (هو�شي من).‬

‫يف العام (3691م) عملت �أمريكا على �إ�سقاط نظام (نغودين يام)،‬
‫وو�ضعت قوتها يف امليزان، ثم تبع ذلك �سل�سلة انقالبات ع�سكرية زعزعت‬
‫04‬

                            ‫ً‬
‫كيان الدولة، فوجدت �أمريكا نف�سها م�ضطرة لدخول حرب حقيقية، تدفع فيها‬
                                      ‫َ‬
‫قواتها وترمي بثقلها، نظراً للدعم الكبري الذي قدمته جمهورية فيتنام الدميقراطية‬
                                                ‫ال�شمالية لثوار (�ألفيت كنغ).‬

‫وامتد م�رسح العمليات لي�شمل كامل (الهند ال�صينية)، وكانت الأ�سلحة‬
‫وامل�ؤن والعتاد واجلنود وخمتلف �أ�شكال الدعم اللوجي�ستي تدخل فيتنام عرب‬
‫طريق (الالوح�س). كما كانت تتواجد يف كمبوديا مبوافقة �أمريها يف خميمات‬
‫ومع�سكرات وم�ست�شفيات ومدار�س ثورية تابعة لـ (�ألفيت كنغ)، ويف العام‬
‫(8691م) قامت اجلبهة بهجمات �شاملة، �سميت (هجوم التيت)، �أذهلت‬
                       ‫ُ ّ‬
‫العامل ب�أ�رسه.. وعـد هذا العام عام املنعطف التاريخي يف حرب فيتنام، حيث‬
                                    ‫َ‬             ‫ُ َّ‬
                                    ‫ُ‬    ‫ً‬
‫وافقت �أمريكا التي متلك قوة ت�صل �إىل ن�صف مليون جندي بعدتهم وعتادهم‬
‫على �إجراء مفاو�ضات �سالم يف باري�س، �إال �أن احلرب َبقيت م�شتعلة طوال مدة‬
         ‫ً‬         ‫َ ِ‬
                                           ‫ً‬
          ‫املفاو�ضات التي ا�ستمرت طويال حتت وط�أة الهجمات التي مل تهد�أ.‬

‫ويف العام 0791م �أعلن الرئي�س الأمريكي (نك�سون) عن ان�سحاب �شكلي‬
‫من �إدارة احلرب يف فيتنام، مع �سحب جزء من القوات الع�سكرية املتواجدة‬
‫هناك، �إال �أنّ ذلك مل ُيوقف اال�ستعمار، وبقيت احلرب يف ا�شتعالها. حتى كان‬
‫العام 2791م، حيث حدث هجوم الربيع الكبري، والذي �ساهم يف ترجيح‬
‫الكفة ل�صالح (�ألفيت كنغ).. ويف مطلع عام 3791م، وبعد مفاو�ضات �شاقة،‬
‫وقِّعت معاهدة باري�س بني �أطرافها: الواليات املتحدة الأمريكية، وجمهورية‬
                                                                      ‫ُ‬
‫فيتنام الدميقراطية، وجمهورية فيتنام (�سايفون)، واحلكومة الثورية امل�ؤقتة‬
                                                    ‫جلمهورية فيتنام اجلنوبية.‬

‫ولكن ب�سبب ال�صعوبات وتباط�ؤ �أمريكا يف �سحب م�ست�شاريها، قامت‬
‫14‬

‫احلكومة الثورية امل�ؤقتة بهجوم ع�سكري كبري ووا�سع النطاق على طول احلدود‬
‫الكمبودية الفيتنامية يف نهاية عام 4791م، ومل ي�أت �شهر ني�سان من العام‬
‫(5791م) حتى وقعت املدن الرئي�سية يف فيتنام بيد الثوار، وكان احلدث الأهم‬
        ‫�سقوط العا�صمة �سايغون بيد الثوار، فغيرّوا ا�سمها �إىل (هو�شي من)(1).‬



                                   ‫***‬

              ‫خام�ساً: حرب التحرير اجلزائرية (ثورة املليون �شهيد):‬
 ‫ُ‬                                                     ‫ً‬     ‫ً‬
‫كانت ثورة عظيمة يف وجه اال�ستعمار الفرن�سي اال�ستيطاين، قام بها ال�شعب‬
‫اجلزائري بقيادة جبهة التحرير الوطني، وا�ستطاعت انتزاع ا�ستقالل اجلزائر بعد‬
                                                                   ‫ُّ‬
                                                       ‫ً‬
                                                      ‫ا�ستعمار دام (031) عاما.‬

‫انطلقت �رشارة الثورة يف 03/11/4591م، والذي ي�صادف عيد القوميني‬
  ‫ِّ‬
‫القدي�سني عند الأوروبيني، حيث بد�أت مبجموعات م�سلحة �صغرية، متلك بع�ض‬
                                                                 ‫ِّ‬
‫الأ�سلحة البدائية، ثم �أعلنت عرب بيانٍ لل�شعب اجلزائري عن هدفها، ودعت �أبناء‬
                                                          ‫ال�شعب لالن�ضمام �إليها.‬

       ‫وقد دخلت الثورة اجلزائرية �أربع مراحل حتى و�صلت �إىل التحرير:‬

         ‫ُ‬      ‫ّ‬
‫املرحلة الأوىل: وكانت عرب البداية التي قدمنا لها، تخللها عقد امل�ؤمتر‬
                            ‫ّ‬
      ‫ُ َ‬
‫الأول جلبهة التحرير الوطني يف منت�صف عام 6591م، الذي عرف با�سم‬
‫(م�ؤمتر ال�صومام)، والذي عقد يف �إحدى وديان اجلزائر النائية، و�أ�سفر عن‬
                                           ‫ُِ َ‬
‫�إقرار امليثاق التاريخي للجبهة، و�إن�شاء املجل�س الوطني للثورة اجلزائرية، وجلنة‬

                                              ‫1 املو�سوعة ال�سيا�سية، د. عبد الوهاب الكيايل.‬
‫24‬

‫التن�سيق والتنفيذ املكونة من خم�سة �أع�ضاء ميار�سون ال�سلطة التنفيذية للثورة.‬
‫وفيه مت تق�سيم اجلزائر �إىل خم�س مناطق ع�سكرية، تولىّ كل منطقة منها عقيد‬
                                                                 ‫َّ‬
‫يف اجلبهة، وقرر امل�ؤمتر ت�صعيد الكفاح امل�سلح. وقد �أ�صبح (02 �آب) بعد‬
                                         ‫اال�ستقالل: (اليوم الوطني للمجاهد).‬
                                                   ‫َّ‬     ‫َ‬
‫املرحلة الثانية (6591 ـ 8591م): �شهدت هذه املرحلة ارتفاعا يف حدة‬
 ‫ً ِ ّ‬
‫الهجوم الفرن�سي امل�ضاد للثورة يف حماولة للق�ضاء عليها، �إال �أن الثورة ازدادت‬
                                                                   ‫ً‬
‫ا�شتعاال خالل هذه املدة، وبد�أت معركة اجلزائر العا�صمة، وا�ستمرت قرابة عام،‬
‫�أعلنت خاللها اجلبهة الإ�رضاب العام يف كافة �أنحاء اجلزائر ثمانية �أيام، كما ح�صل‬
                ‫َ‬                                   ‫َ‬        ‫ُ‬
‫خالل هذه الفرتة �أطول �إ�رضاب طالبي دعا �إليه االحتاد العام للطلبة امل�سلمني‬
                       ‫ُ‬
‫اجلزائريِّني، وا�ستمر حتى اال�ستقالل. كما بنت احلكومة الفرن�سية خاللها خط‬
     ‫(مور�س) املكهرب بني اجلزائر وتون�س، وخط (�شال) بني اجلزائر واملغرب.‬

‫املرحلة الثالثة (8591 ـ 0691م): وهي من �أ�صعب املراحل التي مرت‬
                                                      ‫َ‬
‫بها الثورة، �إذ نفَّذ اجلي�ش الفرن�سي عمليات ع�سكرية هجومية �رش�سة، مثل‬
‫(كودرن)، (�إيتان�سيل)، (الأحجار الكرمية)، كما �أُقيمت العديد من مع�سكرات‬
                                                           ‫االعتقال يف اجلزائر.‬

‫ويف املقابل، اعتمد جي�ش التحرير فتح جبهات متعددة، وحاول قطع‬
                            ‫َ‬
‫خطوط �إمداد اجلي�ش الفرن�سي، وقد �أعلن الثوار يف هذه املرحلة عن حكومة‬
                                                ‫م�ؤقتة برئا�سة (فرحات عبا�س).‬

‫كما �أعلن (ديغول) خالل ذلك عن اعرتاف فرن�سا بحق اجلزائر يف تقرير‬
‫م�صريها، وكان التفاو�ض وقتها يتم بني احلكومة الفرن�سية واحلكومة اجلزائرية‬
                                         ‫ُّ‬
                                                                         ‫امل�ؤقتة.‬
‫34‬


‫َ‬        ‫َ‬         ‫ّ‬
‫املرحلة الرابعة (0691 ـ 2691م): وهي التي �شكلت املرحلة احلا�سمة‬
‫يف حرب التحرير وتقرير امل�صري، حيث حاولت فرن�سا خاللها ح�سم الأمور‬
                                    ‫ً َ‬
‫باحلل الع�سكري، �إال �أنها ف�شلت مرة تلو مرة، �إىل �أن و�صلت �إىل قناعة تامة‬
‫ب�أن التفاو�ض هو احلل الوحيد والكفيل ب�إنهاء ال�رصاع، ما �أجربها على الدخول‬
       ‫ً‬
‫يف مرحلة تفاو�ضية �ساخنة مع احلكومة امل�ؤقتة، طرحت خاللها حلوال م�ؤقتة‬
‫ً‬
‫وجزئية؛ حاولت من خاللها اقتطاع �أجزاء من اجلزائر، �أو �أن ت�أخذ حقوقا‬
                      ‫وامتيازات ما، �إال �أن اجلبهة رف�ضت ذلك ب�شكل قاطع.‬
                                                   ‫ّ‬
‫ويف تلك الأثناء، ت�شكلت �أول هيئة �أركان للجي�ش اجلزائري الذي بد�أ ي�أخذ‬
 ‫ال�شكل النظامي، و�أ�صبح العقيد (هواري بومدين) �أول رئي�س �أركان للجي�ش.‬

                                                             ‫ً‬
‫وفعال، توقّف القتال يف 91/3/2691م. وكان الأول من متوز يوم ا�ستفتاء‬
         ‫َ‬
‫�شعبي، ف�صوت ال�شعب اجلزائري ل�صالح اال�ستقالل، وكان ان�سحاب اجلي�ش‬
                                       ‫ُّ‬       ‫ُ‬      ‫ّ َ‬
‫الفرن�سي يف 5/11/2691م، وهو ذات التاريخ الذي دخلت فيه فرن�سا اجلزائر‬
                                                                 ‫ً‬
                                                                ‫قبل (031) عاما.‬

‫نعم! لقد خرج اجلي�ش الفرن�سي بعد �أنْ قدم ال�شعب اجلزائري قرابة 5.1‬
                          ‫َّ َ‬
                                               ‫َّ َ‬
‫مليون �شهيد، وبعد �أن نظم ثورات عديدة �سبقت ثورة اال�ستقالل، وتعر�ض‬
  ‫ّ‬
‫ملجازر ب�شعة دموية، �أكرثها ب�شاعة وفظاعة كانت يف (8/5/5491م) �أثناء‬
                           ‫ً‬      ‫ً‬
‫م�سرية �شعبية راف�ضة لال�ستعمار، قُتل فيها على يد اجلي�ش الفرن�سي �أكرث من 54‬
                   ‫�ألف �شهيد يف يوم واحد، �إ�ضافة �إىل مئة جندي فرن�سي(1).‬

                                 ‫***‬


                                            ‫1 املو�سوعة ال�سيا�سية، د. عبد الوهاب الكيايل.‬
‫44‬


                                            ‫�ساد�ساً: التجربة الفل�سطينية:‬
‫عقب انتهاء احلرب العاملية الأوىل وانت�صار احللفاء على دول املحور، مت‬
‫َّ‬
‫تق�سيم البالد العربية ح�سب اتفاق (�سايك�س بيكو)، فكانت فل�سطني من ن�صيب‬
                       ‫بريطانيا، ودخلت حالة ا�ستعمار حتت م�سمى االنتداب.‬

‫�أح�س ال�شعب الفل�سطيني �أن املهاجرين اليهود بد�ؤوا م�رشوع ا�ستيالء على‬
                                                                   ‫َّ‬
                                                        ‫ً‬
‫الأر�ض، خ�صو�صا بعد �صدور (وعد بلفور) امل�ش�ؤوم، الذي قدمت فيه بريطانيا‬
               ‫ّ‬
‫تعهداً ب�إقامة (وطن قومي) لليهود يف فل�سطني، فبد أ� ال�شعب عمليات احتجاج‬
‫ورف�ض للهجرة والوجود اليهودي يف فل�سطني، ومت تقدمي �شكوى للباب العايل‬
                         ‫َّ‬
‫ثم �إىل املندوب ال�سامي، �إال �أن ذلك مل ي�ضع حداً للهجرة اليهودية �أو املمار�سات‬
‫اال�ستعمارية املتمثلة باغت�صاب الأر�ض وبناء امل�ستوطنات والإف�ساد والتحر�ش‬
‫بال�سكان.. لتبد�أ بعدها الهبات ال�شعبية العفوية، كثورة (النبي مو�سى)، و(ثورة‬
                                                ‫ّ‬
‫يافا) و(ثورة الرباق)، والتي جاءت بغالبها كردات فعل غري من�سقة على‬
                     ‫ّ‬
                                               ‫املمار�سات الربيطانية واليهودية.‬

                                                 ‫ّ‬
‫وقد تخلل ذلك ت�شكيل جمعيات �إ�سالمية وم�سيحية وطنية تهدف‬
‫�إىل اال�ستقالل، وطرد اال�ستعمار الربيطاين، ومواجهة الزحف اليهودي‬
‫(الكولونيايل).. وعقد خالل ذلك �سبعة م�ؤمترات وطنية و�إ�سالمية، دعت‬
                                                ‫ُ‬
‫ال�شعب �إىل عدم بيع �أي قطعة �أر�ض لليهود، ورف�ض (وعد بلفور)، كما دعت‬
                                                               ‫َ‬
‫ال�شعب �إىل مواجهة االحتالل بكل ال�سبل، وت�شكلت �أحزاب فل�سطينية كحزب‬
‫(اال�ستقالل)، و(الدفاع الوطني)، و(م�ؤمتر ال�شباب)، و(حزب الإ�صالح)،‬
         ‫و(احلزب ال�شيوعي الفل�سطيني)، و(الإخوان امل�سلمون)، وغريهم...‬
‫54‬

‫ويف العام (6391م) دخلت البالد حالة �إ�رضاب وع�صيان ا�ستمر �ستة �أ�شهر،‬
‫كان له �أثر كبري يف حتريك ال�شارع وحت�شيده، و ُبعيد انتهائه دخلت اجلماهري ثورة‬
                           ‫َ‬
‫(6391) ال�شهرية، والتي ا�ستمرت ثالث �سنوات، خا�ضت خاللها املقاومة‬
‫الفل�سطينية حرب ع�صابات �رش�سة، وقدمت الت�ضحيات واجلراحات، و�أثخنت‬
                       ‫يف عدوها، �إال �أن اخليانة العربية حالت دون جناحها(1).‬

‫ً‬
‫دخلت فل�سطني احلرب عام (8491م)، وتقدمت اجليو�ش العربية ـ �شكليا‬
‫ـ نحو فل�سطني، وا�شتبكت مع القوات ال�صهيونية يف عدة مواقع، وتقدمت‬
‫كتائب املتطوعني من الإخوان امل�سلمني وغريهم، فقاتلوا بب�سالة و�رضاوة، و�أبلوا‬
                                                               ‫ً‬
‫بالء ح�سنا، وا�ستخدموا فنون حرب الع�صابات بنجاح، �إال �أن اخليانة العربية‬
                                                                     ‫ً‬
                                                                ‫ّ‬
‫�أطلت من جديد؛ حيث ان�سحبت اجليو�ش العربية من �أر�ض املعركة، واعتقلت‬
‫املتطوعني، وزجت بهم يف ال�سجون(2)، ف�سقط (87%) من الأرا�ضي الفل�سطينية‬
                                                        ‫ّ‬
        ‫بيد االحتالل الإ�رسائيلي، والذي �أعلن قيام دولته يف 51/5/8491م.‬

‫عا�ش ال�شعب الفل�سطيني بعدها حالة من ال�ضياع والت�رشيد، ومل يجد من‬
                                  ‫ً‬
                                ‫ّ‬
‫الدول العربية االهتمام الكايف بق�ضيته، وفكر العرب بت�شكيل ج�سم ميثل ال�شعب‬
‫الفل�سطيني فيلقون على كاهله م�س�ؤولية الق�ضية، فكان ت�شكيل منظمة التحرير‬
‫الفل�سطينية عام (4691) برئا�سة (�أحمد ال�شقريي)، وت�شكلت حركة فتح التي‬
‫قادت املقاومة يف ذلك احلني، تبعها ت�أ�سي�س اجلبهتني ال�شعبية والدميقراطية،‬
                                                  ‫ّ‬
‫و�أحزاب �أخرى، �شكلت مبجموعها منظومة املقاومة الفل�سطينية امل�سلحة يف‬
‫ذلك احلني، ونفذت مئات العمليات الع�سكرية من داخل الأرا�ضي املحتلة،‬


                                                          ‫1 تاريخ الق�ضية الفل�سطينية.‬
                                                                    ‫2 احلقيقة الغائبة.‬
‫64‬

                               ‫ً‬
‫ومن الأردن ولبنان وم�رص، خ�صو�صا بعد العام (7691م)، حيث �أ�صبحت‬
                                                            ‫ُ ً ُّ‬
                                                         ‫فل�سطني حمتلة كلها.‬

‫وقد ا�ستمرت العمليات الع�سكرية منذ منت�صف ال�ستينات وطوال عقد‬
‫ال�سبعينات ومطلع الثمانينات من القرن املا�ضي، حيث بد�أ التيار الإ�سالمي‬
‫باالنخراط يف العمل الع�سكري واجلهادي، بدءاً من مع�سكرات ال�شيوخ يف‬
‫الأردن.. وظهرت جمموعات نفذت العديد من العمليات، تخلل ذلك ثورات‬
‫�شعبية �صغرية، كثورة امل�ساجد، ثم تُـوِّجت هذه احلركات ال�شعبية وحالة الغليان‬
‫العام باالنتفا�ضة الكربى يف (8/21/7891م)، والتي بد�أت بثورة �شعبية‬
‫جماهريية، وتطورت �إىل عدة مراحل، بدءاً بثورة ال�سكاكني، مروراً بالعمل‬
                                                  ‫ً‬
                             ‫الع�سكري الناري، و�صوال �إىل العمل التفجريي.‬

‫بعد ذلك، دخلت املنظمة مرحلة (�أو�سلو) التفاو�ضية، والتي خا�ضت حركة‬
‫فتح من خاللها عملية تفاو�ضية طويلة، متخ�ضت عن اتفاق هزيل، ا�سرتجعت‬
‫فيه جزئيات من الأر�ض، واعرتفت بحق (�إ�رسائيل) بباقي الأرا�ضي الفل�سطينية،‬
                                   ‫وبذلك تنازل من ال ميلك، ملن ال ي�ستحق.‬

‫لكن املقاومة بقيت م�ستمرة بوترية معتدلة، قادتْها حركة حما�س، التي‬  ‫ّ‬
‫�أ�صبحت كربى احلركات الوطنية املقاومة، �إىل �أن اندلعت انتفا�ضة الأق�صى يف‬
                                       ‫ِ‬
‫العام (0002م)، والتي تُعد �أعنف الثورات الفل�سطينية، و�أكرثها ع�سكريةً،‬
                                              ‫ُّ‬
‫وا�ستمرت ل�سنوات قدم خاللها ال�شعب الفل�سطيني �آالف ال�شهداء، �إ�ضافة �إىل‬
                                                       ‫ٍ ّ‬
‫ع�رشات الآالف من اجلرحى والأ�رسى والبيوت املهدمة، و�أ�صابت من العدو‬
                     ‫َّ‬
‫�أكرث من �ألف قتيل، عدا عن عدد كبري من الإ�صابات والأ�رضار التي تكبدها‬
   ‫ّ‬
               ‫العدو، ما دفع االحتالل ال�صهيوين لالن�سحاب من قطاع غزة.‬
‫74‬

‫ولقد ا�ستطاعت املقاومة تطوير �أدائها، ورفع كفاءة مقاوميها، فبالإ�ضافة �إىل‬
‫عمليات �إطالق النار وعمليات التفجري التقليدية التي متيزت بقوتها و�رشا�ستها؛‬
‫ا�ستطاعت املقاومة �إنتاج �سالح �صاروخي فل�سطيني، عرف با�سم (�صاروخ‬
                ‫ُ‬
       ‫الق�سام)، والذي دب الرعب يف قلب الكيان ال�صهيوين بكافة قطاعاته.‬
                                                    ‫َّ‬            ‫ّ‬
‫كذلك فقد ابتكرت املقاومة ما عرف با�سم (حرب الأنفاق)، التي امتاز بها‬
                                      ‫ُ‬
      ‫ً‬
‫قطاع غزة، وغري ذلك من الأ�ساليب التي �أظهرتها بقوة غري معهودة �سابقا، وقد‬
        ‫ً‬              ‫ً‬                                               ‫ّ‬
‫�شكل (قطاع غزة) بعد االن�سحاب ال�صهيوين منه قاعدة ثورية �أنتجت قوة ثورية‬
‫ً‬                ‫ً‬
                                                                          ‫َّ‬
‫منظمة، ا�ستطاعت ت�صنيع ال�سالح، و�إعداد الرجال، وتوجيه ال�رضبات امل�ؤملة �إىل‬
                                                        ‫ً‬
                     ‫عدوها، فكانت قفزة نوعية يف العمل الفل�سطيني املقاوم.‬
                                                  ‫ً‬
‫84‬


                                                                            ‫مقارنة:‬
   ‫وال�ستفادة �أعمق من جتارب ومدار�س العامل يف حروب الع�صابات؛ جنري‬
                                                         ‫ٍ‬
                                              ‫هذه املقارنة بينها وبني احلالة الفل�سطينية:‬
                                                                             ‫َ‬
 ‫الثورة الفيتنامية‬        ‫الثورة الكوبية‬              ‫الثورة ال�صينية‬       ‫وجه املقارنة‬
 ‫ـ قاعدة االنطالق‬       ‫ـ امل�ساحة �صغرية،‬          ‫ـ امل�ساحة �شا�سعة،‬    ‫ـ م�ساحة الأر�ض‬
‫من دولة جماورة هي‬      ‫والعمل من الأرياف‬           ‫وقاعدة االنطالق من‬      ‫وقاعدة االنطالق:‬
  ‫فيتنام ال�شمالية.‬   ‫والأحرا�ش دون وجود‬          ‫مقاطعة داخل الأر�ض.‬
                          ‫مكان حمدد.‬

‫ـ لي�س لها مراحل.‬      ‫ـ لي�ست لها مراحل‬           ‫ـ لها مراحل حمددة.‬       ‫ـ تعدد املراحل:‬
                                                                                      ‫ّ‬
                           ‫(ع�شوائية)‬

  ‫ـ (نظام خمتلط):‬     ‫ـ اعتمدت على مقاتلي‬         ‫ـ اعتمدت على مقاتلي‬          ‫ـ رجالها:‬
‫تعتمد على املقاتلني‬         ‫ال�شعب.‬                     ‫ال�شعب.‬
  ‫وجي�ش الدولة.‬

  ‫ـ االعتماد على‬      ‫ـ االعتماد على الذات‬        ‫ـ االعتماد على الذات‬        ‫ـ الت�سليح:‬
‫اخلارج يف الت�سليح.‬       ‫يف الت�سليح.‬                 ‫يف الت�سليح.‬

  ‫ـ �صعبة وقا�سية.‬      ‫ـ خاطفة و�رسيعة‬            ‫ـ احتاجت �إىل نف�س‬          ‫ـ طبيعتها:‬
                             ‫و�سهلة.‬                     ‫طويل.‬

‫ـ احلزب هو املوجه.‬     ‫ـ الب�ؤرة الثورية هي‬         ‫ـ احلزب هو املوجه‬
                                                     ‫ِّ‬                     ‫ـ موجه الثورة:‬
                                                                                     ‫ِّ‬
                       ‫املوجه دون وجود‬               ‫«�صانع الثورة».‬
                             ‫حزب.‬
‫94‬

‫وبالنظر �إىل ما �أ�سلفنا من جتارب حلروب الع�صابات العاملية، وحتديداً‬
‫املدار�س الثالثة الأبرز: (ال�صينية، والكوبية، والفيتنامية)، ميكننا القول ب�أن‬
‫النموذج الفل�سطيني حلرب الع�صابات يختلف ب�شكل كبري عنها، مع وجود‬
‫بع�ض �أوجه الت�شابه املحدودة. فهو منوذج خليط بني هذه النماذج، كما �أنه‬
‫يتميز بوجود ظروف خا�صة غري موجودة وال متكررة يف �أي منوذج عاملي‬
                                                                        ‫�آخر:‬

‫- فالتجربة ال�صينية اعتمدت ب�شكل �أ�سا�س على �سعة الرقعة اجلغرافية التي‬
                                                     ‫ّ‬
‫متتاز بها ال�صني، مما مكن الثورة هناك من االبتعاد عن مركز قوة النظام، و�إقامة‬
‫مع�سكرات تدريب و�إعداد، وت�شكيل جبهة خلفية داعمة ل�صفوف املقاومة‬
‫املتقدمة، وكان ذلك يف مقاطعة (نيان).. بل �إن الثورة بقيادة (ماو) عندما‬
‫تعر�ضت لهزمية نكراء يف بادئ الأمر؛ فر (ماو) ومعه جي�ش قوامه ع�رشات‬
                             ‫َّ‬
‫الألوف من املقاومني، وقاموا باالن�سحاب الذي عرف با�سم (الهروب‬
                ‫ُ‬
          ‫الكبري)، م�سافة ت�صل �إىل ع�رشة �آالف كيلو مرت مبتعداً عن خ�صمه.‬
                                                           ‫ً‬

‫وهذا ال يطابق التجربة الفل�سطينية بحال، والتي ال ت�شكل الأر�ض فيها‬
‫م�ساحة جزئية من مقاطعة (نيان)، فنحن واالحتالل نعي�ش ب�أر�ض متال�صقة ال‬
                                                     ‫يكاد يف�صل بينها فا�صل.‬

          ‫ً‬
‫وبالتايل فالأر�ض كلها حتت عني االحتالل ويده، خ�صو�صا مع التقدم‬
‫العلمي الذي مل يكن يف ذلك احلني، وحتى قطاع غزة الذي حترر من االحتالل،‬
‫غري �أنه بقي يف مرمى النريان الإ�رسائيلية، وحتت �سمع وب�رص �أجهزته الإلكرتونية‬
                                  ‫وطائراته اال�ستطالعية التي ال تفارق �سماءه.‬
‫05‬

‫- والتجربة الكوبية واجهت عدواً �ضعيفا (بات�ستا) وحكومته اله�شة،‬
                          ‫ً‬
                                  ‫ً‬
‫فانطلق (فيديل كا�سرتو) ومعه (18) منا�ضال من رفاقه، بد�ؤوا الثورة و�أ�شعلوا‬
‫�أوارها، ثم قادوها وانت�رصوا بها يف مدة ال تتجاوز العامني، مل يحتاجوا خاللها‬
                     ‫َ‬
‫�إىل عمل الكثري من داخل املدن، بل اكتفوا بالتحرك يف اجلبال والعمل من‬
‫خاللها، وتوجيه بع�ض املقاومني هنا وهناك.. ومل ي�شرتك يف كربى املعارك‬
                                                  ‫ً‬
‫احلا�سمة �إال (022) مقاتال، بل �إن احلكومة الأمريكية التي كانت مبثابة الداعم‬
                  ‫ّ‬
‫وامل�ساند حلكومة (بات�ستا) مل تقدم املعونة الالزمة وتخلت عنه مع �أول حمنة‬
                                                                  ‫تعر�ض لها.‬
                                                                         ‫ّ‬
‫وهذا ما ال ي�شبه عدونا بحال، فنحن نواجه �أعتى قوى ال�رش على وجه‬
                                           ‫َّ‬
‫الأر�ض، دولة قائمة، يرتتّب م�صريها ووجودها على نتيجة هذه احلرب، ولي�س‬
                             ‫ُ‬       ‫ُ‬                   ‫ٌ‬
‫لها �أر�ض بديلة تعود �إليها، وما من خيار �أمامها �إال القتال حتى �آخر رمق، هذه‬
                                                                      ‫ٌ‬
‫القوة املتمثلة باالحتالل الإ�رسائيلي، واجهتها املقاومة الفل�سطينية منذ �س ّتني‬
                                                                  ‫ّ‬
                                                                   ‫ً‬
‫عاما، �إال �أنها مل تكل ومل متل، ومل تتورع خاللها عن ارتكاب املجازر بحق‬
‫ال�شعب الفل�سطيني ال�صابر، بل �إن مواجهة ال�شعب الفل�سطيني مل تقت�رص على‬
‫االحتالل الإ�رسائيلي وحده، بل �إن �شعبنا يواجه ـ و�إن ب�صورة غري مبا�رشة ـ‬
 ‫ً‬      ‫ً‬
‫ر�أ�س الكفر والإف�ساد يف الأر�ض (�أمريكا)، التي تقف مع االحتالل قلبا وقالبا،‬
‫وتدعمه باملال وال�سالح، وتنا�رصه باملوقف ال�سيا�سي والإعالمي، وتغطي عليه‬
‫َ‬                                      ‫ً‬        ‫َّ‬
‫جرائمه وممار�ساته، فهي مل تتخل عنه يوما، ومل تتوانَ عن �إخراجه من م�أزقه املرة‬
                                                                ‫تلو الأخرى.‬

‫- وعملت الثورة الفيتنامية من خالل دولة جماورة، هي (فيتنام ال�شمالية)،‬
‫فانطلقت من �أر�ضها، بل �إن اجلي�ش الفيتنامي ال�شمايل نف�سه �شارك بقواته يف‬
‫15‬

‫احلرب �إىل جانب قوات الثورة (�ألفيت كونغ). فكانت احلرب يف الكثري‬
                                                 ‫ً‬
‫من الأحيان حربا نظامية، تدعمها حرب ع�صابات من الداخل، ا�س ُتخدمت‬
‫فيها الأ�سلحة الثقيلة واملواجهات ال�رش�سة الوا�سعة، بالإ�ضافة �إىل (القر�صات)‬
‫ال�صغرية هنا وهناك.. وقد ذكرنا �أن هجوم (تت) ال�شهري �سقط فيه من الثوار‬
‫واجلي�ش الفيتنامي ال�شمايل حوايل (32�ألف) مقاتل، ومن اجلي�ش الأمريكي‬
‫والفيتنامي اجلنوبي ثالثة �آالف جندي، فكم �سيكون حجم القوات امل�شاركة‬
         ‫يف ذلك الهجوم؟ وما هي الأ�سلحة امل�ستخدمة فيه من كال الطرفني؟!‬

‫ثم �أين �شعبنا الفل�سطيني من ذلك، ففي الوقت الذي حاول فيه ال�شعب‬
‫الفل�سطيني العمل من خارج �أر�ضه تعر�ض للم�ؤامرات، فقد �أنهى النظام الأردين‬
‫الوجود الفل�سطيني امل�سلح من الأر�ض الأردنية التي ت�شكل االمتداد الطبيعي‬
                               ‫ً‬
‫لفل�سطني و�صاحبة �أطول حدود معها، متذرعا بالأخطاء التي وقعت فيها ف�صائل‬
‫املقاومة الفل�سطينية، ومت طردها بعد حرب دامية قُتل فيها الآالف من الطرفني،‬
                                                         ‫هي حرب (�أيلول).‬

‫ثم انتهى الوجود الفل�سطيني يف لبنان بعد ح�صار بريوت عام (2891م)،‬
‫ومل يقف �أي جي�ش عربي مع املقاومة الفل�سطينية ليقاتل معها �أو يحت�ضنها‬
‫لت�شكل �أر�ضه نقطة انطالق لها، ومل تلق املقاومة من هذه اجليو�ش �سوى‬
                    ‫ُ‬        ‫َ‬
                                                        ‫امل�ؤامرات واخلذالن.‬

‫�إ�ضافة �إىل ما �سبق ف�إن املقاومة الفل�سطينية اختلفت عن باقي الثورات‬
‫واملقاومات ب�ضعف الإمكانات الع�سكرية، وقلة ال�سالح امل�ستخدم، ففي الوقت‬
‫الذي مل تتمكن فيه املقاومة الفل�سطينية من توفري �أكرث من ال�سالح ال�شخ�صي‬
‫اخلفيف كامل�سد�س والعبوة والر�شا�ش، كانت الثورات الأخرى تتمتع برت�سانة‬
‫25‬

         ‫ً‬
‫�ضخمة من ال�سالح والعتاد والذخرية، وبنوعيات متطورة ن�سبيا؛ كالثورة‬
                  ‫ّ‬
                                          ‫ال�صينية والفيتنامية والأفغانية.‬

‫- كذلك �شكل التطور العلمي والتقني والتكنولوجي الذي تواجهه املقاومة‬
‫الفل�سطينية وتتمتع به الدولة العربية ُيعد عقبة ك�أداء يف وجه جناح العمل املقاوم،‬
                                       ‫ُّ‬
                                                                 ‫ً‬
‫وخ�صو�صا �أجهزة الر�صد واال�ستطالع واملراقبة التي جعلت املقاومة غري قادرة‬
‫على اتخاذ مواقع متركز خمفية عن عيون عدوها، وكذا تطور ال�سالح الهجومي‬
                               ‫ً‬
‫الذي ميتلكه االحتالل؛ حيث �أ�صبح �أكرث فتكا باملقاومة ومقاتليها، وقد عبرَّ‬
‫(�إجنلز)، �أحد مفكري حرب الع�صابات، عن هذه الفكرة بقوله: «ب�سبب‬
‫التطور العلمي والتكنولوجي؛ ت�ضاءلت فر�ص جناح املقاومة ب�صورة فيالق»، �أي‬
            ‫ِ‬
                   ‫�أن ظهور قوات منظمة مقاتلة يعني الإجهاز عليها و�إبادتها.‬

                                   ‫َ ً‬
‫- مالحظة �أخرى ذكرناها عر�ضا بني ال�سطور، وهي الفرق يف (امليزان‬
‫احليوي) بني التجربة الفل�سطينية والثورات الأخرى، والتي ترجح ل�صالح‬
‫تلك الثورات ب�شكل كبري. وامليزان احليوي يعني الدافعية �إىل القتال وال�صمود‬
‫ومقارنته بني املقاومة وعدوها، فعلى الرغم من �أن امليزان احليوي مييل ل�صالح‬
‫املقاومة الفل�سطينية يف وجه االحتالل الإ�رسائيلي، �إال �أن هذا االحتالل مبا ميثله‬
‫من كولونيالية �إحاللية ميلك الرغبة واحلر�ص واحلاجة لأن يحافظ على كيانه،‬
                                                         ‫ً‬
‫لأنه ال ميلك خطوطا خلفية ين�سحب �إليها كما ان�سحبت �أمريكا �إىل والياتها من‬
‫فيتنام، وكما تراجعت رو�سيا من �أفغان�ستان �إىل اتحّادها، وكذلك تركت فرن�سا‬
                                             ‫�أر�ض اجلزائر وعادت �إىل بلدها...‬

‫لقد ان�سحب اجلي�ش الإ�رسائيلي من �أر�ض �سيناء ومن جنوب لبنان �إىل الأر�ض‬
                                 ‫ً‬
‫التي يدعي �أنها �أر�ضه، ثم ان�سحب جزئيا من ال�ضفة الغربية وقطاع غزة �إىل‬
‫35‬

‫مربعه الأخري، ومل يعد ميلك الكثري من اخليارات، ولذا ف�إن �رصاعه الآن �رصاع‬
                               ‫وجود، ونحن على ثقة ب�أنه �سيزول ب�إذن اهلل.‬

‫هذه الفروق وغريها ت�شكل االختالف بني التجربة الفل�سطينية وغريها‬
                                  ‫ّ‬
‫من التجارب والثورات، ولكن بال �شك ف�إن هناك �سمات وميزات كثرية متثل‬
                  ‫قوا�سم م�شرتكة بني جميع الثورات وبني الثورة الفل�سطينية.‬



                                 ‫***‬
54
‫55‬




          ‫ُ‬
         ‫�أهداف‬
     ‫حرب الع�صابات‬
               ‫ِ‬
56
‫75‬




            ‫�أهداف حرب الع�صابات (اجلاريال)‬


‫تَ�رشع ال�شعوب يف حرب الع�صابات عندما تُ�سلب حقوقها، وتُنتهك‬
‫�أر�ضها، وتنعدم ال�سبل ال�سلمية يف ا�سرتجاعها، فتنتقل من العمل ال�سلمي‬
    ‫ِّ‬                                     ‫ّ‬        ‫ُ‬
‫وال�سيا�سي البحت، �إىل ا�ستخدام القوة املتوفّرة(1). وتكون قوة ال�شعب غري‬
                                                              ‫ّ‬
‫متكافئة مع عدوها؛ فتبحث عن و�سيلة تتجاوز فيها البون ال�شا�سع بني القوتني،‬
    ‫ّ‬                   ‫َ‬
‫فتلج�أ �إىل (اجلاريال)، التي تقود ال�شعوب املقهورة �إىل تفوق تكتيكي يف وجه‬
               ‫ّ‬
                                                                   ‫تفوق اخل�صم اال�سرتاتيجي.‬
                                                                                         ‫ّ‬
   ‫ً‬
‫واملتتبع للتاريخ يجد �أن ال�شعوب التي جل�أت �إىل هذا الأ�سلوب، عادة ما‬
                                                               ‫ّ‬
                    ‫ٌ‬      ‫ٌ‬       ‫ٌ‬    ‫ِ‬                  ‫ً ً ُ‬
‫تكون �شعوبا حمتلة �سلبت �أر�ضها، �أو عرقيات م�ضطهدة مه�ضوم حقُّها، �أو �أقاليم‬
‫�صغرية تبحث عن اال�ستقالل �أو االنف�صال... و�إنّ هذه ال�شعوب مم َّثلة مبقاومتها‬
‫وقادتها ت�سعى �إىل �أهداف عامة حتققها عرب �أعمالها الع�سكرية التي تنفذها �ضد‬
                                                    ‫عدوها، وجنمل هذه الأهداف بالآتي:‬

‫ا�ستنزاف العدو اقت�صادياً و�إرهاقه مادياً، �سواء كان ذلك ب�رضب من�ش�آته‬
‫االقت�صادية، �أو زعزعة موارده ال�سياحية، �أو تكبيده اخل�سائر املادية، �أو جعله‬
        ‫م�ضطراً لإنفاق مبالغ طائلة يف م�ساعيه حلفظ �أمنه والق�ضاء على املقاومة.‬

                                      ‫ً‬
‫لقد كان االقت�صاد ال�صهيوين مرهونا بارتفاع وانخفا�ض وترية العمل املقاوم،‬

                               ‫َّ‬
‫1 يقول كالوفيرت: «�إن حرب الع�صابات ا�ستمرار لل�سيا�سة بوا�سطة �رصاع م�سلح». من كتاب (حرب امل�ست�ضعفني)،‬
                                                        ‫ٌ ّ‬
                                                                                     ‫روبرت تابر.‬
‫85‬


     ‫َ‬                                             ‫ُّ‬          ‫ُّ‬
‫وقد اعرتف املحتل الإ�رسائيلي ب�أن اقت�صاده و�صل �إىل �أدنى م�ستوى له منذ عقدٍ ،‬
‫وذلك يف العام(2002 ـ 3002م)، وذلك عندما كانت املقاومة تنال منه ومن‬
‫مدنه ومغت�صباته ومن�ش�آته، فقد بلغت ن�سبة منو اقت�صاده يف العام (9991م)، �أي‬
           ‫ً‬
‫قبل انتفا�ضة الأق�صى بعام، ن�سبة (8%)، وهي من �أكرث الن�سب ارتفاعا يف العامل،‬
‫�أما يف العام (3002م)، فقد بلغت ن�سبة الت�ضخم (5.7%)، �أي برتاجع مقداره‬
                           ‫ّ‬
                                                            ‫(5.51%) عن �سنواته ال�سابقة(1).‬

                                         ‫وقد ت�أثر االقت�صاد الإ�رسائيلي على حماور عدة:‬
                                                             ‫ّ‬
‫- فقد كلفته الأن�شطة الع�سكرية جلي�شه موازنات �ضخمة، و�صلت �إىل ب�ضعة‬
                                       ‫ً‬         ‫ً‬
‫ماليني من ال�شواكل يوميا، وخ�صو�صا بعد ا�ستدعاء �آالف اجلنود االحتياطيني،‬
   ‫ّ‬
                                      ‫�إ�ضافة �إىل ما يلزمه من �سالح وعتاد وم�صاريف.‬

‫- الأ�رضار املادية ال�ضخمة التي تكبدها االحتالل جراء الهجمات الع�سكرية‬
‫اال�ست�شهادية والتفجريية والنارية وال�صاروخية التي نظمتها املقاومة �ضد مـدن‬
 ‫ُ ُ‬
‫االحتالل وقطعان م�ستوطنيه، �إ�ضافة �إىل عمليات اال�ستنزاف االقت�صادي‬
                                                                                           ‫املختلفة.‬

‫فقد �أعلنت قناة �إ�رسائيل الثانية بتاريخ 22/2/5002م �أن �سيارة تُ�رسق‬
                         ‫ً‬
‫كل (71) دقيقة، �أي مبعدل (03) �ألف �سيارة �سنويا(2)، وميكننا �أن نتخيل كم‬
                                     ‫�سيكون جمموع خ�سائره �إذا ما قي�س مبثل هذا البند.‬



‫1�صحيفة (يديعوت �أحرنوت)، العدد ال�صادر يف 32/2/7002م: «حت�صل �إ�رسائيل على م�ساعدات �سنوية من‬
‫�أمريكا بقيمة (4.2) مليار دوالر، لكنها قبل �أربع �سنوات ب�سبب االنتفا�ضة وموجة الأعمال الإرهابية طلبت من‬
                                                                                              ‫ً‬
                                  ‫�أمريكا قر�ضا بقيمة (9) مليار دوالر، �إ�ضافة �إىل مليار واحد غري م�سرتد».‬
                                                                  ‫2 قناة �إ�رسائيل الثانية، يف 22/2/5002م.‬
‫95‬

          ‫ً‬
‫- اخل�سائر يف قطاع ال�سياحة، ويف هجرة اال�ستثمارات، ف�ضال عن �إحجام‬
‫العديد من رجال الأعمال الذين كانوا ي�ستثمرون �أموالهم يف الأرا�ضي‬
‫املحتلة يف م�شاريع اقت�صادية عن ذلك، وتلك الأموال كانت ت�صب يف النهاية‬
                                                            ‫يف جيب االحتالل.‬

‫لقد كانت وزارة ال�سياحة ال�صهيونية تدر على خزينة الدولة مبالغ طائلة،‬
                              ‫ّ‬
‫ومع ا�شتداد حدة االنتفا�ضة حتول الفائ�ض �إىل عجز حاد، حتى باتت تتلقّى‬
                                                       ‫ّ‬
                                                              ‫ً‬      ‫ً‬
‫دعما �سنويا بلغ مئة مليون دوالر. وقد �أخربين الإخوة منفّذو عملية «�سبارو»‬
                                    ‫ً‬      ‫ً‬
‫يف القد�س؛ �أنهم زرعوا عبوة �صغرية على �شكل «علبة برية» يف �سوبر ماركت‬
‫يهودي يف القد�س، وبعد �أنفجارها الذي مل ي�صب �أحداً، �أعلن تلفاز العدو �أن‬
    ‫ّ‬
‫الت�سوق يف القد�س انخف�ض يف الأيام الأوىل التي تلت العملية �إىل الن�صف، قبل‬
                                                                     ‫ّ‬
                                                              ‫�أن يتعافى من جديد.‬

‫�إ�ضافة �إىل ذلك، فهناك �أ�شكال عديدة �أخرى من اال�ستنزاف االقت�صادي‬
                                                             ‫ً‬
‫الذي ت�سببت به املقاومة الفل�سطينية، ويف التجربة العراقية مثال �آخر غاية يف‬
                                                                  ‫ّ‬
                                                     ‫ّ‬
‫الو�ضوح، فقد تكلف اجلي�ش الأمريكي يف مالحقته للمقاومة التي �أثخنت فيه‬
                                                        ‫ُ‬            ‫ً‬
                                ‫�أمواال طائلة جعلت كلفة االحتالل فوق الطاقة.‬
                                                               ‫ً‬

‫ا�ستنزاف العدو �سيا�سياً، وك�شف الوجه احلقيقي لال�ستعمار وتعريته �أمام العامل:‬
‫ففي الوقت الذي يقوم فيه الثوار ب�رضب العدو والإثخان به، ف�إنه �سريد على ذلك‬
        ‫ّ‬
‫بوح�شية وهمجية؛ فريتكب املجازر، وينتهك احلقوق، ويقرتف املحرمات،‬
‫وبهذا ي�ضع نف�سه يف املكان احلقيقي الذي يقفه، ويك�شف القناع املز ّيف الذي‬
                                                                       ‫ً‬
                                                 ‫يلب�سه مدعيا الدميقراطية والعدالة.‬
‫06‬

‫ولقد ا�ستطاعت املقاومة العراقية �أن متار�س مع اجلي�ش الأمريكي هذا الدور،‬
‫فكلما جنحت املقاومة يف �رضب خطوط اجلي�ش ووحداته، كانت طائراته‬
‫وقواته ترد بقوة �ضد املدنيني الآمنني، فتقتل الن�ساء والأطفال، وتفتح ال�سجون‬
‫لتزج بع�رشات الألوف من الأبرياء بها، ثم تبد أ� ف�ضائحها بالظهور على و�سائل‬
                 ‫الإعالم، كف�ضيحة �سجن (�أبو غريب) و(غوانتانامو) وغريهما...‬

         ‫َ ً‬
‫وما �أحدثته الثورة الفل�سطينية ومقاومتها ال يقل عن ذلك، و�إن حدثا مثل بناء‬
‫جدار العزل ال�صهيوين، والذي جاء رداً على عمليات املقاومة اجلريئة التي هزت‬
                                       ‫ّ‬
‫قلب االحتالل، جعلت العامل يتنادى يف حمكمة (الهاي) ليخرج بقرار تاريخي‬
‫يرف�ض هذا ال�سور، ويحرك ع�رشات املظاهرات يف العامل الغربي املناه�ضة للدولة‬
          ‫ِ‬
‫العربية، والداعية �إىل املقاطعة، رغم �أن هذا القرار بقي بعيداً عن التنفيذ، �إال �أنه‬
                              ‫ُيـعـد جولة �سيا�سية و�إعالمية رابحة للق�ضية الفل�سطينية.‬
                                                                                 ‫َ ّ‬

‫�سلب العدو �أمنه، وجعله يعي�ش حالة من التوتر والقلق واال�ضطراب‬
‫والّالا�ستقرار الدائم، وهذا ما يفقده �صوابه، ويحد من تقدمه وازدهاره، ويجعله‬
                          ‫ّ‬
‫م�شغول التفكري بكيفية حماية نف�سه، واتقاء ال�رضبات املوجهة �إليه. كما �أن ذلك‬
‫ُي�شعر كل عن�رص يف كيان العدو ب�أنه م�ستهدف ومعر�ض للقتل، ومهدد باملالحقة،‬
                          ‫َّ‬
‫مما يجعله يفكر بالبحث عن �أمنه خارج الأر�ض املحتلة؛ وهذا ما خلق ظاهرة‬
‫الهجرة العك�سية من �أر�ض فل�سطني، وقد تنا�سب الر�سم البياين لهجرة اليهود‬
                                               ‫ً‬      ‫ً‬
‫�إىل فل�سطني تنا�سبا عك�سيا مع ارتفاع وترية الأحداث واملواجهات، كما تنا�سب‬
       ‫ً‬
‫الر�سم البياين لهجرتهم املعاك�سة (�إىل خارج �أر�ض فل�سطني) طرديا مع حدة‬
 ‫ِ ّ‬
‫الأحداث(1). بل �إن الهجرة الداخلية ظهرت لأول مرة يف الكيان ال�صهيوين مع‬

‫1 «02 �ألف يهودي يرتكون البالد �سنوياً، وهو �أكرث من الهجرة �إىل البالد يف هذا العام بـ (0005) �شخ�ص».‬
                                                  ‫يديعوت �أحرنوت، العدد ال�صادر يف 02/4/7002م.‬
‫16‬

‫تعر�ض ال�شمال الفل�سطيني ل�صواريخ الكتيو�شا اللبنانية، ثم مع تعر�ض اجلنوب‬
         ‫ّ‬
                                                          ‫ل�صواريخ الق�سام الفل�سطينية.‬

‫وقد �أورد الرئي�س ال�سابق جلهاز ال�شاباك الإ�رسائيلي (يعقوب بريي) يف كتابه‬
‫(مهنتي كرجل خمابرات) ق�صة تاجر الذهب الإ�رسائيلي الذي مت خطفه من مدينة‬
‫(طولكرم) على يد مقاومني من حركة (فتح)، وكيف �أنه فور �إطالق �رساحه‬
       ‫ا�صطحب عائلته و�أقاربه وهاجر بهم �إىل م�سقط ر�أ�سه من حيث �أتى(1).‬

‫ولقد دب الرعب يف �أو�صال الكيان ال�صهيوين جراء قنابل اال�ست�شهاديِّني‬
                         ‫ّ‬                                    ‫ّ‬
‫التي مل تفت�أ تنفجر بهم فتثخن فيهم، حتى مل يعودوا يجدون و�سيلة ملنعها، وقد‬
‫عبـر عن حالة الي�أ�س هذه رئي�س وزرائهم الأ�سبق (�إ�سحاق رابني) بقوله: «ماذا‬
                                                                       ‫ّ َ‬
                                         ‫�أ�ستطيع �أن �أفعل لرجل يريد �أن ميوت؟!».‬

‫وبهذا �أ�صبح ال�صهاينة ال ي�أمنون على �أنف�سهم ركوب احلافالت �أو ال�سري‬
‫يف ال�شوارع العامة والأ�سواق املكتظة، ما دفع �رشكة احلافالت الرئي�سية (�إيغد)‬
                                 ‫َ‬
‫�إىل تنظيم حفالت غنائية داخل احلافالت، لت�شجيع النا�س على ركوبها، وذلك‬
‫�إثر عمليات الث�أر التي قامت بها كتائب الق�سام رداً على اغتيال املهند�س القائد‬
          ‫ّ‬
‫(يحيى عيا�ش). ولقد �رصحت �أجهزة �إعالم االحتالل �أكرث من مرة بحقيقة ما‬
                                                ‫ّ‬
‫يعاين منه املجتمع ال�صهيوين نتيجة الفعل املقاوم، ومن ذلك �أن الإقبال على‬
‫العيادات النف�سية ت�ضاعف مع �أحداث التفجري، و�أنه كلما كان انفجار �صاروخ‬
       ‫�أو هجوم يقع م�صابون يف نفو�سهم �أكرث مما يقع م�صابون يف �أج�سادهم.‬

‫خلق ظرف مت�أزم ال خمرج منه، وتر�سيخ قناعة لدى قادة االحتالل و�سا�سته‬
                                                      ‫ً‬       ‫ً‬
‫�أن حال ع�سكريا للق�ضية لن يكون، و�أن ال�شعب واملقاومة لن تنك�رس مهما‬
                    ‫1 (مهنتي كرجل خمابرات)، يعقوب بري؛ رئي�س جهاز ال�شّ اباك الإ�رسائيلي ال�سابق.‬
                         ‫ّ‬
‫26‬

            ‫ً‬
‫ا�شتدت ال�رضبات، و�أنه على الرغم من �إمكانية �إ�ضعاف (اجلاريال) حينا، �إال �أنها‬
‫لن تلبث �أن تنه�ض من جديد؛ لأنها مت ّثل ال�شعب ب�أ�رسه، وال ميكن الق�ضاء عليها‬
‫�إال بالق�ضاء على ال�شعب ب�أكمله، وبالتايل �إيجاد قناعة لدى العدو ب�أن خمرجه‬
‫الوحيد من �أزمته هو اللجوء �إىل التفاو�ض الذي يف�ضي �إىل االن�سحاب والرحيل.‬
‫وكذلك حتى يعلم العدو ب�أن تكلفة مت�سكه باالحتالل �أو بكر�سي احلكم باهظة‬
             ‫الثمن، تفوق ما ميكن �أن يحققه ا�ستمرار اال�ستعمار من مكا�سب.‬

‫هذا ما ا�ستطاعت الثورات التي انت�رصت �أن حتقّقه، وهذا ما �أقنعت به الثورة‬
‫اجلزائرية فرن�سا، وهو ما و�صل �إليه الأمريكيون يف فيتنام دون �أن تُهزم جيو�شهم‬
             ‫يف �أر�ض املعركة، وكذا احلال مع اجلي�ش ال�سوفييتي يف �أفغان�ستان.‬

‫�إن الهجوم ال�شهري (‪ )TET‬يف (فيتنام)، والذي قُتل فيه �أكرث من 23 �ألف‬
‫مقاتل فيتنامي �شمايل وثائر من قوات الثورة (فيتكونغ)، مقابل (�ألف) جندي‬
‫�أمريكي و(�ألفي) مقاتل فيتنامي جنوبي موايل، وعلى الرغم من خ�سارة الثورة‬
‫الكبرية للأرواح، �إال �أنه ترك انطباعا كبرياً و�أثراً عميقا لدى ال�شارع الأمريكي،‬
                      ‫ً‬                    ‫ً‬
‫وذلك لب�سالة ال�شعب الفيتنامي وا�ستعداد ثواره للت�ضحية مبثل هذا العدد الكبري‬
‫من الأرواح، فخرج ال�شعب الأمريكي يف مظاهرات كبرية تدعو حكومتها‬
‫�إىل االن�سحاب من فيتنام، بل �إن الرئي�س الأمريكي (ليندون جون�سن) �أعلن‬
‫عن قراره بعدم تر�شيح نف�سه، فكان هذا الهجوم نقطة انعطاف وحتول ل�صالح‬
                                                        ‫ال�شعب الفيتنامي الثائر.‬

‫ويالحظ �أنه يف اللحظة التي ي�صل فيها االحتالل �إىل هذه القناعة، ف�إن املقاومة‬
                                                     ‫ً‬
‫تكون قد حقّقت هدفا �آخر، هو وقف تو�سع االحتالل على الأر�ض، و�إيقافه عند‬
                                    ‫ّ‬
       ‫احلدود التي و�صلها، ثم حماولة ا�ستخال�ص �أي �أر�ض �أو موقع من بني يديه.‬
‫36‬

‫فها هو االحتالل الإ�رسائيلي، كان يحلم ب�أر�ض (�إ�رسائيل الكربى) من‬
‫النيل �إىل الفرات، وكان ينق�ش خارطتها على عملته املعدنية، و�رشع مبمار�سة‬
                 ‫ّ‬           ‫ُ‬
‫ً‬                                                      ‫ّ‬      ‫ً‬
‫ذلك عمليا، فاحتل �سيناء امل�رصية، وجنوب لبنان، واجلوالن ال�سوري، وبع�ضا‬
                  ‫ّ‬
‫من الأر�ض الأردنية، �إال �أن املقاومة الع�سكرية حطمت حلمه، فردته حرب‬
      ‫ّ‬
‫(رم�ضان) عن �أر�ض �سيناء، ودحرته املقاومة الإ�سالمية عن �أر�ض لبنان، ثم‬
‫جاءت املقاومة الفل�سطينية لرتغمه على التخلي عن قطاع غزة ال�صامد وبع�ض‬
     ‫من �أرا�ضي ال�ضفة الغربية، وال زلنا على ذات الطريق حتى الن�رص ب�إذن اهلل.‬

‫�إبراز عدالة الق�ضية عاملياً: �إن التزام �أ�صحاب احلق باملطالبة بحقهم،‬
‫وا�ستماتتهم يف �سبيل حت�صيله، وت�ضحيتهم الّالحمدودة يف �سبيله؛ يجعل الأنظار‬
‫تتوجه �إليهم، والعقول ت�ؤمن بعدالة مطلبهم. وكذا ف�إن وجود �رصاع يف �أي‬
                                                                  ‫ّ‬
‫بقعة يف العامل يلفت النظر �إليها، ويثري االهتمام بق�ضيتها، ويجرب الإعالم على‬
‫متابعتها، فتكون الفر�صة مهي�أة ل�رشح �أبعاد الق�ضية واملظلمة الواقعة عليها،‬
                                                            ‫وعدالة مطلبها...‬

‫لقد عملت جميع حركات املقاومة وجتارب (اجلاريال) على ب�سط ق�ضيتها‬
‫عرب املقاومة، وكذا كانت الق�ضية الفل�سطينية عندما وقف الأخ (يا�رس عرفات)‬
                  ‫ً‬
          ‫لأول مرة يف العام (4991م) على منرب الأمم املتحدة عار�ضا ق�ضيته.‬

‫وقد قامت االنتفا�ضة الفل�سطينية بالدور خري قيام، ودخل الإعالم بقوة‬
‫يف دعم هذا الهدف وتعظيمه و�إجناحه، و�إنّ �صورة واحدة من �صور املقاومة‬
‫ال�شعبية لأطفال فل�سطني بحجارتهم �أغنت عن �ألف بيان و�إعالن، ومثلها‬
‫من الكتب وامل�ؤلفات، ف�صورة الطفل ال�شهيد (فار�س عودة) م ّثلت ال�شعب‬
‫َ‬
‫الفل�سطيني ال�شجاع املقاوم، و�صورة الطفل ال�شهيد (حممد الدرة) م ّثلت ال�شعب‬
  ‫َ‬
‫46‬

‫الفل�سطيني املقهور واملظلوم، و�أمثالها كثري من ال�صور التي عبرّت عن حال‬
‫ال�شعب الفل�سطيني للعامل كله، وا�ستدرت عطفه من جهة �أخرى، وا�ستحوذت‬
                                 ‫ّ‬
                                                                 ‫على اهتمامه.‬

‫�إ�ضافة ملا �سبق، ف�إن (اجلاريال) حتقّق جملة من الأهداف الآنية التي تخدم‬
                                                                 ‫ً‬
                                                               ‫الهدف الأ�سمى:‬

‫- ك�أن حتقِّـق نه�ضة عامة لدى ال�شعب و�صحوة يف نفو�س �أبنائه؛ فتوقظهم من‬
                                                    ‫ً‬     ‫َ‬
‫ال�سبات، وت�رصفهم عن �سفا�سف الأمور، وت�ؤدي بهم �إىل رف�ض اال�ستعمار‬
                          ‫ّ‬
‫ومقاومته، وامل�سارعة �إىل االن�ضمام وااللتحاق ب�صفوف الثورة مقاتلني �أو‬
    ‫َ‬
                                                      ‫داعمني �أو م�ؤ ّيدين.‬
                                                                     ‫َ‬

‫- ولعل الثورة حتقق يقظة �أ�شمل يف �إطار قطرها، فت�ساهم يف �إحياء الأمة‬
‫وتوجيه طاقاتها و�شبابها نحو وجهة �أكرث جدية وعملية، وتب�صرّها بامل�صائب‬
‫الواقعة فيها، والأخطار املحدقة حولها، كما فعلت املقاومة الفل�سطينية يف‬
                        ‫نفو�س ع�رشات �آالف ال�شباب العربي والإ�سالمي.‬

‫- كما ت�سعى (اجلاريال) �إىل اال�ستيالء على ال�سالح من عدوها وا�ستخدامه‬
‫ً‬
‫يف �رضبه وحماربته، فمن املعلوم �أن �سالح الثورة عادة ما يكون خفيفا‬
                                                               ‫ً‬
‫وقليال وم�صادره �شحيحة، ولذا ف�إن غنيمة �أي �سالح من العدو هو انت�صار‬
‫مزدوج، فهو �إرهاق للعدو وا�ستنزاف له، وهو دعم للمقاومة ومتويل لها،‬
                    ‫ورفع ملعنويات املقاتلني يقابله �رضب ملعنويات العدو.‬
                                    ‫ٌ‬                              ‫ٌ‬
‫ومن الثورات التي اعتمدت على �سالح عدوها: الثورة ال�صينية، حيث‬
‫ي�صف زعيمها (ماو) اال�ستيالء على ال�سالح القادم من �أمريكا �إىل احلكومة‬
‫56‬

‫املتعاونة عرب رئي�سها (ت�شانغ كاي ت�شك) فيقول: «مع�سكر دعمنا موجود‬
‫ٌ‬          ‫ُ ِ‬
‫يف وا�شنطن، و�ضابط التوريد الذي ينقله لنا هو ت�شانغ كاي ت�شك!». �أما يف‬
‫املقاومة الفل�سطينية، فهناك الع�رشات من العمليات الق�سامية التي نفّذها �أبطا ُلها‬
‫ب�سالح عدوهم الذي غنموه من �أر�ض املعركة، ومنها عمليات خلية القد�س،‬
                                                         ‫ّ‬
‫وعمليات خاليا ال�شهيد (عماد عقل)(1)، وكذا فعلت ف�صائل املقاومة الأخرى‬
                                                                             ‫يف عدد من عملياتها.‬

‫- كذلك ف�إن املقاومة حتقِّـق خ�سائر ب�رشية وقتلى يف �صفوف العدو(2)، الأمر‬
                                             ‫ُ‬
       ‫ً‬
‫الذي ي�ضعفه ويفت من عـ�ضده، على الرغم من �أن القتل لي�س هدفا بذاته،‬
                                          ‫َ ُ ِ‬    ‫ّ‬
‫�إال �أنه �أق�رص الطرق �إىل �إقناع العدو بالعدول عن مواقفه، واالن�سحاب من‬
                                                                         ‫ّ‬
                                                                      ‫الأرا�ضي التي يحتلها.‬

‫- وحتقِّق (اجلاريال) مبقاومتها خلق حالة من توازن الردع والرعب، الذي مينع‬
                                 ‫ٍ‬    ‫َ‬
‫املحتل من االجرتاء على ال�شعب، وتو�سيع قتله للنا�س، واال�ستهانة بقدراتهم‬
‫وقدرات املقاومة، فهو يعلم �أن كل جمزرة يرتكبها �ستعر�ضه ل�رضبة قوية‬
               ‫ّ‬
‫وجريئة وم�ؤملة، ومع كل �إقدام على اغتيال كادر من كوادر الثورة �سيدفع‬
                                                                ‫ً‬      ‫ً‬
  ‫ثمنا مماثال، وهكذا ف�إنه يعلم �أن كل جرمية ميار�سها قد تعود عليه بالوبال.‬




‫1 متكنت خلية القد�س من قتل اجلندي (ن�سيم طوليدانو) وا�ستخدام �سالحه يف علمياتهم التالية. وا�ستطاع القائد‬
                             ‫ّ‬
‫(عماد عقل) و�إخوانه غنيمة �سالح اجلنود يف اجليب الع�سكري بعد قتلهم يف عملية (م�صعب بن عمري)، ثم‬
‫ا�ستخدموا ال�سالح يف جهادهم. ونفّذ املجاهد (�إبراهيم �سالمة) عملية (غاين تال) يف هجوم (دير بلوط) بر�شّ ا�ش‬
                                                               ‫غَ نمه املجاهدون من عملية (عمارة العنبتاوي).‬
‫2	 لأول مرة يف تاريخ املقاومة الفل�سطيني ت�صل ن�سبة القتلى ثالثة �شهداء مقابل قتيل �صهيوين واحد، وذلك يف‬
                                                                                          ‫انتفا�ضة الأق�صى.‬
‫66‬


‫ويبقى الهدف الأ�سمى للجاريال الثائرة هو حترير الأر�ض املغت�صبة وا�ستعادة‬
     ‫احلقوق امل�سلوبة. هذا الهدف الأ�سمى ميكن حتقيقه ب�إحدى الطرق التالية:‬

‫1ـ الو�صول �إىل املرحلة احلا�سمة بحيث ت�صبح (اجلاريال) مع الزمن جي�شا قويا‬
‫ً ً‬
                                                                      ‫ً‬
‫منظما، فينق�ض على عدوه ويجهز عليه بال�رضبة القا�ضية بعد �أن يكون قد �أنهكه،‬
                                                               ‫ّ‬
‫وهذا عني ما ح�صل يف الثورة ال�صينية والثورة الكوبية، وهي املرحلة الثالثة التي‬
          ‫حددها (ماوت�سي تونغ) يف ا�سرتاتيجيته الثورية ذات املراحل الثالثة.‬
                                         ‫ّ‬
‫وميكن �أن ُي�ضاف �إىل هذه الطريقة طريقة �أخرى، ي�صفُها البع�ض ب�أنها �أ�سلوب‬
‫ٌ‬                                    ‫ٌ‬
‫منف�صل، وهي طريقة (حرب ال�شعلة)، وذلك ب�أن تعمد (اجلاريال) �إىل �رضب‬
‫العدو ب�شكل متالحق، حتى ي�ضطر �إىل الرد ب�رضبات ع�شوائية انتقامية تطال‬
                                                                   ‫ً‬
‫دوال �أخرى يتواجد فيها عنا�رص (اجلاريال)، فتدخل هذه الدول حلبة ال�رصاع،‬
‫فيتو�سع القتال، وتكون نهاية العدو على يد هذه الدول بالتعاون مع (اجلاريال)،‬
                                                                     ‫ّ‬
            ‫وهذا ما حاولته الثورة الفل�سطينية لكنها مل تنجح يف الو�صول �إليه.‬

                              ‫ً‬
‫واحل�سم بهذه الطريقة يكون ع�سكريّا، بجي�ش (اجلاريال) ودعم غريها،‬
            ‫فيكون الق�ضاء على قوة العدو و�إ�سقاط حكمه وطرده من الأر�ض.‬

‫2ـ فر�ض و�ضع ال خمرج منه، ي�صل �إليه االحتالل بعد �أن ميار�س مع رجال‬
‫(اجلاريال) وال�شعب كل ما ميلكه من �أ�ساليب وو�سائل م�رشوعة وغري م�رشوعة،‬
                                        ‫ً‬                 ‫ً‬
                          ‫فيثخن بهم قتال وت�رشيداً وتنكيال لكن دون جدوى.‬

                                             ‫َ‬
‫يف املقابل، تُظهر (اجلاريال) جلداً و�صرباً و�إ�رصاراً، فتقاوم التنكيل، وتثبت‬
‫يف وجه العا�صفة، وحتاول �أن ترد ال�صاع �إىل عدوها عرب قر�صات متفرقة،‬
   ‫ّ‬    ‫ٍ‬            ‫ّ‬               ‫ّ‬
                                                          ‫و�رضبات هنا وهناك.‬
                                                                     ‫ٍ‬
‫76‬

‫هذه املرحلة حتتاج �إىل نف�س طويل وت�ضحيات كبرية، لكنها احلل الأمثل يف‬
                            ‫ٍ‬              ‫ٍ‬
‫مواجهة قوى اال�ستكبار العظمى التي ال ميكن هزمها بال�رضبة القا�ضية احلا�سمة،‬
                                               ‫�أو ا�ستئ�صال جيو�شها و�إبادتها.‬

‫ولقد قدمت الثورة اجلزائرية يف م�سرية التحرير الطويلة مليون ون�صف‬
‫املليون �شهيد؛ �سعيا لإي�صال فرن�سا �إىل هذه القناعة، وكانت كلما قدمت مزيداً‬
                                                        ‫ً‬
‫من الت�ضحيات حاول االحتالل الفرن�سي �أن يتم�سك وي�ضغط حتى الرمق‬
‫الأخري، حتى �أن الأ�شهر الأخرية من الثورات كانت الأكرث �رضاوة وق�سوة بني‬
‫ال ُّثوار وجلاّديهم، �إذ حاول اجلي�ش الغا�ضب �أن يلعب ب�أوراقه الأخرية، وي�رضب‬
                                        ‫ً ّ‬
‫ال�رضبات الأ�شد فتكا، علها تكون احلا�سمة، لكن دون جدوى، فكان ع�ض‬
 ‫ُّ‬
‫الأ�صابع الذي �صمد فيه ال�شعب، وانت�رص على املحتل، وا�ضطرت فرن�سا �إىل‬
             ‫ّ‬                                      ‫َ‬
‫االعرتاف والتفاو�ض، ومن ثم االن�سحاب. وقدم ال�شعب الفيتنامي مئات �آالف‬
                             ‫ّ‬
  ‫القتلى حتى ا�ستطاع �أن ي�صل بال�شعب واحلكومة الأمريكية �إىل ذات القناعة.‬

‫�إن العامل الأ�سا�سي الذي يفر�ض هذا احلل، هو معادلة (امليزان احليوي)،‬
‫التي متيل ل�صالح املقاومة، فرتجح على ميزان القُوى املختل، والراجح ل�صالح‬
                                                        ‫ّ ِ ْ ُ‬
‫املحتل، فحر�ص ال�شعب اجلزائري على نيل حريته وطرد امل�ستعمر يفوق حاجة‬
                    ‫ِ‬
‫الفرن�سيني �إىل �إيجاد م�ستعمرات �إ�ضافية والبقاء يف اجلزائر كاحتالل، ورغبة‬
‫ُ‬                                                                  ‫ّ‬
‫ال�شعب الفيتنامي بالتخل�ص من اال�ستبداد واالنعتاق من الدكتاتوريّة يفوق‬
              ‫حر�ص الأمريكيني على دعم نظام ا�ستبدادي ال يقدم لهم الكثري.‬
                           ‫ّ‬      ‫ٍّ‬                       ‫ّ‬         ‫َ‬



                                   ‫***‬
68
‫96‬




       ‫من قواعد‬
        ‫ِ‬       ‫ِ‬
     ‫حرب الع�صابات‬
           ‫ِ ِ‬
70
‫17‬




               ‫من قواعد حرب الع�صابات‬


‫ُ‬        ‫ُ ِ َ ُ‬
‫هي مبادئ عامة، وقواعد ثابتة، انتهجـ ْتها اجلماعات الثائرة والفـرق املقاتلة‬
                           ‫ُ‬            ‫َ‬
             ‫َ ّ‬         ‫ٍ‬                     ‫ّ‬
‫يف �ش ّتى الأ�صقاع والأزمان، ف�شكلت مبجموعها �سمات وقوالب ميزت حرب‬
‫الع�صابات، بع�ضها ت�شرتك به اجلاريال مع احلروب الكال�سيكية، وبع�ضها تخت�ص‬
 ‫ّ‬       ‫َ‬                                                 ‫َ‬
                                                              ‫به دون غريها.‬



                                                                   ‫َ ُّ‬
                                                         ‫الـكـر والـفَـر:‬
                                                          ‫ّ‬
‫وهي من �سيا�سات حرب الع�صابات على مدار تاريخها، فاحلركة الثورية‬
                                                  ‫ً‬
‫املقاتلة ال تتخذ �شكال واحداً من الهجوم والكر واالختفاء والفر، �أي �أنها‬
                                    ‫ً‬        ‫ً‬      ‫ً‬
‫ال تهجم هجوما �شامال متوا�صال بحيث ت�ضع نف�سها �أمام مواقف حا�سمة‬
‫وم�صرييّة، وكذلك ال تختفي عن ال�ساحة ب�شكل كامل ال حمدود فتكون‬
‫بال ح�ضور وال ت�أثري، بل هي دائمة احلركة مبا تقت�ضيه احلاجة وال�رضورة،‬
‫تهاجم يف اللحظة املنا�سبة، وتن�سحب دون حرج عندما يكون االن�سحاب‬
                                                                    ‫ً‬
                                                                   ‫�رضوريا.‬

       ‫ً‬
‫وهي بذلك كله حتقِّق مبد�أ املباغتة واملفاج�أة، وبذلك حتقّق �أهدافا مرحلية‬
‫�ضمن ما يعرف ب ِـ (القر�صات املو�ضوعية)، يقول (ماو): «دفاع من �أجل‬
        ‫ٌ‬
‫27‬

‫الهجوم، وان�سحاب من �أجل التقدم، وانحناء من �أجل مواجهة و�سيطرة، م�شي‬
‫ٌ‬             ‫ٍ‬              ‫ٌ‬         ‫ّ‬              ‫ٌ‬
                                      ‫متعرج لأجل الذهاب امل�ستقيم»(1).‬
                                                                 ‫ِّ ٌ‬
‫�إذاً فالكر والفر وظيفة لتح�صيل الهدف الأ�سا�سي وهو االنت�صار، وبالتايل‬
                                                ‫ٌ‬     ‫ُّ‬    ‫ُّ‬
‫فهو اختيار للأ�سلوب الأمثل الذي يتنا�سب واحلالة الراهنة للجاريال. يقول‬
                                                            ‫ٌ‬
‫لوران�س: «على املقاتلني �أن يختفوا كالبخار»، ويقول كلوزي�ست: «على‬
‫املقاتل �أن يختفي كالغيم». �إذن هو �إجماع لدى مدار�س حرب الع�صابات على‬
                             ‫ٌ‬
                                                             ‫تب ّني العمل بهذا املبد�أ.‬

‫وبالعودة �إىل عمليات املقاومة الفل�سطينية، ف�إننا نالحظ �أنها بجملها تخ�ضع‬
‫لهذا املبد�أ، با�ستثناء العمليات اال�ست�شهاد ّية ب�أ�شكالها، �أما الأ�ساليب الأخرى‬
‫من املقاومة، فقد اعتمدت الكر على �أهداف حمددة، وال�رضب بقوة و�رسعة، ثم‬
                           ‫ّ‬              ‫َّ‬
                      ‫ً‬
‫االن�سحاب ب�أقل وقت ممكن؛ قبل �أن يجد العدو وقتا ال�ستدعاء فرق م�ساعدة‬
                                 ‫َ‬
‫ودعم. وحني مل ي�ستطع املقاومون االن�سحاب ب�رسعة من موقع الهجوم، كان‬
‫م�صريهم اال�ست�شهاد �أو االعتقال �أو الوقوع يف م�آزق �صعبة، كما ح�صل مع‬
‫جماهدي اخللية الأردنية على احلدود الفل�سطينية يف �إحدى عمليات الدوريات،‬
                                                   ‫وقد �أوردناها يف هذا البحث.‬


                                               ‫اعتماد اخلديعة يف احلرب:‬
‫يقول عليه ال�صالة وال�سالم: «احلرب خدعة»(2)، و ُي�رشع للقوى املقاتلة‬
‫ا�ستخدام اخلديعة واملكر والدهاء يف �رضب العدو، �أو يف �أثناء �رضباته، مما يج ّنب‬

                                                ‫1	 احلرب واال�سرتاتيجية)، يهو�شيفت هركيف.‬
                                                                             ‫2	 م َّتفق عليه.‬
‫37‬

           ‫َ‬                                                     ‫ً‬
‫ال ُّثوار �شيئا من التفوق يف القوة التي يتم ّتع بها عدوهم.. وقد �أكرث مقاتلو حرب‬
                                                        ‫ّ‬
‫الع�صابات من ا�ستخدام �أ�ساليب خداعية يف �رضب اخل�صوم، ومن �أ�شهر ما‬
‫تناقل ْته كتب التاريخ يف هذا الباب؛ ق�صة (ح�صان طروادة) ال�شهرية، والذي‬
                                                          ‫ُ‬
‫ا�ستخدمه اجلي�ش الروماين يف احتالل مدينة طروادة، فقد ا�ستع�صت املدينة‬
‫عليهم �شهوراً طويلة، و�صمدت يف وجه قواتهم ملناعة �أ�سوارها و�صمود �أهلها‬
                                   ‫ّ‬
        ‫ًّ‬     ‫ّ ً‬
‫وا�ستب�سال مقاتليها، فعمد الرومان �إىل اخلديعة، �إذ �أعدوا جم�سما خ�شبيا حل�صانٍ‬
                        ‫ّ‬                          ‫َ ّ‬
‫كبري، وهم يعلمون �أن �أهل طروادة يع�شقون اخليل لدرجة التقدي�س، وقد �أعدوا‬
  ‫ّ‬
‫هذا املج�سم ب�شكل �أجوف، حيث كمن بداخله بع�ض اجلنود، ثم تظاهر اجلي�ش‬
 ‫ُ‬     ‫َ‬                 ‫ُ‬          ‫َ‬                      ‫ّ‬
                                                                  ‫ً‬
‫باالن�سحاب ليال من حميط املدينة، حتى طلع ال�صباح ولي�س �أمام �أ�سوار املدينة �إال‬
                                         ‫َ‬
                                     ‫ّ َ‬              ‫َ‬
‫جم�سم احل�صان، ف�أدخل ال�سكانُ املج�سم داخل املدينة، واحتفلوا بالن�رص، وعند‬
                                                                        ‫َّ‬
‫امل�ساء خرج اجلنود من مكمنهم داخل احل�صان، وتوجهوا �إىل احلرا�س فقتلوهم،‬
            ‫ّ‬            ‫ّ‬
‫ويف ذات الوقت كان اجلي�ش الروماين قد عاد �أدراجه، فوجد الأ�سوار قد‬
   ‫َ‬         ‫َ‬
                                                                            ‫ُ‬
  ‫ف ِتحت، و�سقطت املدينة يف �أيديهم باخلداع واحليلة، ال بالقوة و�شدة الب�أ�س!‬

‫والناظر يف �سرية (عمرو بن العا�ص) ر�ضي اهلل عنه، يجد ع�رشات الق�ص�ص‬
                             ‫َ ِ َ‬
                                                        ‫ّ‬
‫اخلداعية التي مكنته من اخلروج من امل�آزق واالنت�صار يف املعارك، وهذا حال‬
                                                                 ‫ّ‬
‫قادة احلروب املميزين، فكلما كانت القيادة للعمل املقاوم متتلك عقلية خلاّقة‬
‫ً‬      ‫ًّ‬                                               ‫ّ‬
                                  ‫ً‬                        ‫ً ِ‬
‫مبتكرة فَطنة، وتبتدع الأ�ساليب تبعا للمواقف والأحداث ومقت�ضياتها، كان‬
                                           ‫ً‬     ‫ً‬
  ‫العمل الثوري �أكرث جناحا وقدرة على اال�ستمرار والإجناز والإثخان بالعدو.‬

‫�أما يف جتربتنا الفل�سطينية، فقد ا�ستخدم املقاتلون �أ�ساليب (املخادعة) ب�صورٍ‬
  ‫ُ َ‬
                                                                ‫ً‬
‫متعددة، فتارة يظهر مقاتل الق�سام على طريق (رام اهلل) بلبا�س (قمباز) �أو لبا�س‬
‫امر�أة، فال َي�أبه امل�ستوطنون املارون يف املوقع به، ويف اللحظة املنا�سبة ينق�ض عليهم‬
       ‫ُّ‬                                        ‫ّ‬
‫47‬

                                           ‫ً‬
‫ب�سالحه املخب�أ حتت ثيابه. وتارة يزرع املقاومون عبوة �صغرية يف �أحد املواقع‬
                                                              ‫ّ‬
‫تهدف �إىل حمل ال�صهاينة على الفرار �إىل االجتاه املعاك�س، وهناك تكون العبوة‬
                                             ‫ً ّ‬
‫الكبرية بانتظارهم. وتارة يفجر اال�ست�شهادي نف�سه داخل مقهى �صهيوين، بينما‬
                           ‫َ‬
‫ينتظر �صاحبه اال�ست�شهادي الآخر يف اخلارج، ومع تدافع النا�س يتظاهر ب�أنه‬
‫من رجال الأمن، فيبد�أ بجمع النا�س من حوله متظاهراً �أنه �سينقذهم، حتى �إذا‬
‫جتمعوا حوله فجر نف�سه بهم، (كما فعل اال�ست�شهاد ّيان: بحر وحلبية). ورابعة‬
‫ً‬         ‫ّ‬                                                ‫ّ‬          ‫ّ‬
  ‫وخام�سة و�ساد�سة، وكلما �أتقن املقاومون ح َيلهم، كان النجاح حليفهم(1).‬
                               ‫ِ‬                                 ‫ً‬



                                                                   ‫املباغتة واملفاج�أة :‬
‫وذاك خري �سالح ميلكه رجل الع�صابات. واملباغتة تقت�ضي �أن ال يعرف العدو‬
‫�أو يتوقع مكان وزمان و�آلية تنفيذ املقاتلني لهجمتهم القادمة، مما يعني عدم قدرته‬
                      ‫على التهي�ؤ واال�ستعداد لها، �أو �إحباطها �أو اتّقاء نتائجها.‬
                                                                          ‫ّ‬
                                                 ‫ٌ‬
‫�إن عن�رص املباغتة كفيل بردم الهوة ال�سحيقة بني �إمكانات الثوار ال�ضعيفة‬
                                  ‫ّ ّ‬
‫املهاجمة، وبني قوة العدو الكبرية املتمركزة، فتكون املباغتة مقابل الكرثة،‬
                                                                  ‫ِ‬
                                                                 ‫ً‬
‫فتخلق بع�ضا من التوازن. ولتحقيق هذا املبد�أ، فقد اعتمدت (اجلاريال) يف قتالها‬
‫على ال�رضب بطريقة (الكمائن)، وبطريقة (اال�ستدراج)، ملا حتقّقه من مفاج�أة‬
                         ‫َ‬
‫لقوات العدو، ولذات ال�سبب حفرت الأنفاق لكي تخرج �إليه من حيث ال‬
                                                            ‫ّ‬
                                                                                       ‫يحت�سب.‬



                          ‫1 التفا�صيل يف كتاب (�صفحات من جهاد �أبناء الق�سام)، مل�ؤلِّفه: �أبو م�ؤمن.‬
‫57‬

‫لقد متكن ر�سول اهلل [ وقادة الفتح الإ�سالمي من بعده من ا�ستخدام عن�رص‬
                             ‫ّ‬
‫املباغتة على �أكمل وجه، وتوظيفه بالقدر الذي مكنهم من ج ْني االنت�صارات التي‬
                 ‫ِ‬
                               ‫ّ‬                                     ‫ّ‬
‫تخطت احل�سابات املادية واملنطقية، فقد متكن عليه ال�سالم من مباغتة م�رشكي‬
‫مكة بجي�ش قوامه ع�رشة �آالف مقاتل يقف على ر�ؤو�س اجلبال املحيطة بهم،‬
‫وكذا تكرر احلال ع�رشات املرات يف ال�سرَّايا والبعوث واملعارك والغزوات على‬
                                                                 ‫ّ‬
                         ‫ً‬
‫مدار تاريخنا. وهو ما فعله ر�سول اهلل [ �أي�ضا مع يهود (خبري) عندما خرج‬
‫بجي�شه نحو (غطفان)، ف�أوهمهم �أنه يق�صدهم فا�ستعدوا له، بينما اطم�أ ّنت‬
‫خبري، ومل تقم ب�أي ا�ستعداد، فانعطف عليه ال�صالة وال�سالم باجلي�ش عليهم،‬
                                                      ‫ِّ‬
                                    ‫ففاج�أهم وهو يقف على �أعتاب ح�صونهم.‬

‫ومن الق�ص�ص اجلميلة التي تُروى عن القائد اجلليل (خالد بن الوليد) ر�ضي‬
‫َ ِ َ‬
‫اهلل عنه، ما قام به من حركة �أُحاد ّية جريئة مفاجئة، زعزع بها �صفوف جي�ش‬
                   ‫َ‬              ‫ٍ‬     ‫ٍ‬     ‫ٍ‬
‫عدوه الذي يفوقُه عدداً وعتاداً، فبعد �أن ا�صطف اجلي�شان للمواجهة؛ امل�سلمون‬
                             ‫َّ‬                                         ‫ّ‬
‫بقيادة خالد، والفُر�س ومن واالهم من العرب بقيادة عقّة، ويف غفلة من‬
‫اجلي�شينْ، انطلق خالد على فَر�سه �صوب عدوه، واجلميع يف ذهول، ومل ي�صحوا‬
                              ‫ّ‬          ‫ِ‬        ‫ُ‬               ‫َ‬
                                              ‫َ‬
‫من ذهولهم �إال بعد �أن و�صل خالد �إىل قائد جي�شهم (عقّة)، وانتزعه وهو على‬
                                         ‫ُ‬
‫فر�سه، وعاد به �أ�سرياً، فدب اال�ضطراب يف �صفوف الكفَرة، وهجم اجلي�ش‬
                                        ‫َّ‬
                        ‫ً‬
‫الإ�سالمي يقتل منهم وي�أ�رس، فلم يجدوا �إال الفرار �سبيال، وحقّق امل�سلمون ن�رصاً‬
                 ‫َ‬
                                                                  ‫م�ؤزراً بغري خ�سائر(1).‬
                                                                                     ‫ّ‬

                           ‫ُّ ُ‬
‫ومن مناذج املباغتة يف الع�رص احلديث، متكن اجلي�ش ال�صهيوين من مباغتة‬
‫اجلي�ش امل�رصي الذي كان قادتُه يف غفلتهم ولهوهم، فدمـر �سالح الطريان‬
              ‫َّ َ‬
                                   ‫1 (فر�سان ال ّنهار من ال�صحابة الأخيار)، د. �سيد ح�سني العفاين.‬
                                                   ‫ّ‬                     ‫ّ‬
‫67‬

                            ‫ً‬      ‫ِّ َ‬
‫امل�رصي وهو على �أر�ضه دون �أن يحرك �ساكنا، فانتهت احلرب يف �ست �ساعات‬
                                                                            ‫فقط!‬

‫�أما يف جتربتنا الفل�سطينية، فقد حقّق املجاهدون املباغتة يف مئات ال�رضبات،‬
                                     ‫َ‬
                               ‫ّ َ‬
‫ومنها عملية (احلرم الإبراهيمي)، عندما متكن املجاهدان: عماد عقل، وهارون‬
‫نا�رص الدين، من قتل حار�س املنطقة و�إ�صابة زميله رغم ح�صانة املوقع. فقد‬
‫ت�رصف الأخوان ب�صورة غري متوقّعة، وعلى الرغم من �أن امل�سافة املك�شوفة‬
                                                    ‫ٍ‬            ‫َ‬     ‫ّ َ‬
                            ‫ّ‬
‫�أمامهم للو�صول �إىل النقطة طويلة، �إال �أنهما متكنا من مفاج�أة اجلنود بالعدو‬
 ‫َِْ‬
‫نحوهم ب�رسعة وقوة، بينما عقدت ال�صدمة على تفكري اجلنود، فلم ميلكوا �إال‬
                                             ‫ُ‬             ‫ٍ‬
      ‫النظر �إىل املجاهدين الّلذين �أفرغا �سالحيهما نحوهم، ثم ان�سحبا ب�سالم.‬
                                                 ‫َ ِ َ ِ‬

‫ولتحقيق املباغتة، البد من ا�ستخدام القدر الأكرب من (ال�سـرية) يف الزمان‬
             ‫ِّ ّ‬
‫واملكان والكيفية، وكلما كانت عوامل (املكان والزمان والكيفية) بغري ما يتوقع‬
                ‫ّ‬
                                  ‫العدو؛ كان النجاح حليف املقاومة ب�إذن اهلل.‬



                                                    ‫تو�سيع دائرة ال�رضب:‬
‫ويكون ذلك بزيادة عدد املواقع امل�ستهدفة، وعدم الرتكيز على منطقة دون‬
‫غريها، مما يعر�ضها لل�ضغط والرتكيز، �أو ُيـخ�ضعها للمراقبة واملتابعة. وقد ذكرنا‬
                                                                 ‫ّ‬
‫�أن املباغتة حتتاج �إىل �رضب مواقع ال يتوقّعها العدو، وهذا ال يت�أتّى �إال بتو�سيع‬
                     ‫ً‬
‫رقعة العمل املقاوم، وزيادة كم ونوع �أهدافه، خ�صو�صا يف واقعنا الفل�سطيني‬
                                           ‫ّ‬
                                                             ‫ً‬
‫الذي يعاين �أ�صال من �ضيق البقعة اجلغرافية التي نعي�ش فيها، والتي تُـعـد �ساحة‬
      ‫َ ّ‬
                                                                       ‫املواجهة.‬
‫77‬

‫ويالحظ �أن حتييد �أي بقعة جغرافية، وا�ستثناءها من �ساحة املواجهة دون‬
                                                ‫ّ‬
                                      ‫ّ‬                ‫ً‬
‫مربر، يعطي العدو �أمانا فيها، ويجعله يركز اهتمامه باجتاه البقع ال�ساخنة، وينقل‬
‫قواته وا�ستخباراته �إليها، فتقل حاجته ال�ستخدام كامل قواته، وتزداد قوته يف‬
                   ‫ّ‬
                                                                   ‫�رضب املقاومة.‬

‫وبنظرة �إىل واقع االحتالل، ف�إننا جند �أن املواقع امل�ستهدفة تنق�سم مكانياً �إىل‬
                                                                            ‫ق�سمني:‬

‫الأول: يتمثل بال�ضفة الغربية وحميط قطاع غزة، وي�شمل كذلك امل�ستوطنات‬
                                                         ‫ّ‬
‫واملع�سكرات واحلواجز والطرق االلتفافية والآليات الع�سكرية واال�ستيطانية،‬
‫كما ي�شمل الدفاع عن املدن �أثناء االجتياحات. والثاين: هو الأرا�ضي املحتلة‬
‫عام (8491م)، وي�شمل جميع املواقع الع�سكرية، واملواقع امل�سماة (مدنية‬
          ‫ّ‬
‫واقت�صادية)، واملوا�صالت، مع جت ّنب املواقع ذات اخل�صو�صية، كدور العبادة‬
            ‫ُ‬
‫واملراكز الطبية وحتى التعليمية، وما من مرة �ضرُبت فيه هذه املواقع �إال ملربر،‬
  ‫ِّ‬
‫ك�إقدام االحتالل على ارتكاب جمازر كبرية، �أو اغتيال قادة، �أو �رضب مواقع‬
‫فل�سطينية م�شابهة، فكانت حماولة لتحقيق (توازن الردع)، كما ح�صل يف‬
                                  ‫ً‬
‫عملية اجلامعة العربية يف القد�س، والتي نفّذها جماهدو خلية �سلوان؛ رداً على‬
      ‫ّ‬
‫جمزرة (حي الدرج) يف غزة، والتي ا�س ُت�شهد فيها القائد العام لكتائب الق�سام‬
                                                            ‫َّ‬
                               ‫ً‬
‫ال�شيخ �صالح �شحادة، و�سبعة ع�رش فل�سطينيا �آخر، وذلك ب�إلقاء قنبلة عليهم‬
                                                                        ‫ً‬
                                                                      ‫تَـزنُ (ط ّنـا).‬
                                                                                  ‫ِ‬
‫87‬


                                              ‫جتنُّب املواجهات الوا�سعة:‬
‫حيث �أنه كلما كانت املواجهة �أقرب �إىل مبد أ� (الكر والفر) والهجمات‬
‫اخلاطفة التي ال ت�صل بحال �إىل املواجهة املبا�رشة، والتي ال يطول زمنها �أو يت�سع‬
                                          ‫ً‬
      ‫مكانها، كان العمل �أكرث جناحا.. وذلك من �أ�سا�سيات حرب الع�صابات.‬

‫يقول قائد الثورة ال�صينية (ماو): «يجب االمتناع عن املعارك احلا�سمة‬
                                  ‫ْ‬
‫وب�شكل قاطع»، ويقول �أي�ضا: «قا ِتل فقط عندما تكون قادراً على الن�رص،‬
                                           ‫ً‬
         ‫ٌّ‬
‫وان�رصف عندما ال تكون قادراً»، و�سبب ذلك �أن ميزان القوى خمتل لدرجة ال‬
   ‫ٍ‬
‫يجوز معها املقارنة، فالعدو ميتلك ال�سالح والعتاد والإمكانات باحلجم الذي‬
                                       ‫ٌ‬
‫ال ميكن �أنْ تواجهه جمموعة �صغرية متلك بع�ض الأ�سلحة اخلفيفة. ف�إذا كانت‬
                                              ‫ٌ‬       ‫َ‬
‫املواجهة طويلة ف�إن ذلك ُيفقد املقاومة �أهم امتيازاتها، وهو عن�رص املباغتة والكر‬
‫والفر واملناورة واالختفاء، وعندئذ ترجح كفة الأقوى، �إذ �أن كل عنا�رص القوة‬
                                                                           ‫معه.‬

‫ون�شري �إىل �أن املجاهد قد ي�ضطر �إىل املواجهة وال�صمود حتى النهاية، لكن‬
                          ‫ّ َ‬
‫ذلك يف حاالت خا�صة جداً، وحتديداً �إذا متكن العدو من حما�رصة خلية �أو‬
    ‫ٍ‬
‫مطاردٍ يف موقع ما، بحيث ال ميكن االن�سحاب منه، فاملواجهة هي الأ�صل هنا،‬
                                                                   ‫َ‬
                   ‫مع الإدراك �شبه اليقيني �أن ال�شهادة هي نهاية هذه املواجهة.‬

‫�إن من عوامل جناح (اجلاريال) �أن تفر�ض هي �شكل املواجهة، وعندما ي�ستطيع‬
‫العدو فر�ض �شكل املواجهة ف�إنه يكون �أقرب لالنت�صار، وجت ُّنب املواجهات‬
                                                        ‫ً‬      ‫ً‬
                      ‫الوا�سعة �شكال وزمانا يعطي املقاومة فر�صة �أكرب للنجاح.‬
                                    ‫ً‬
‫97‬


                                                       ‫البعد عن النمطية :‬
‫اخلروج عن امل�ألوف، وجت ُّنب الروتني والتكرار؛ مما يحقّق املفاج�أة، وجت ُّنب‬
                                            ‫ّ‬
‫ً‬                                 ‫ً‬     ‫ً‬
‫النمطية، يعني �أال تعتمد (اجلاريال) �شكال معينا يف الأداء واملقاومة واحلركة زمانا‬
                                                                           ‫ّ‬
                                                      ‫ً‬         ‫ً‬
‫ومكانا و�أ�سلوبا، حتى ال ي�سهل على االحتالل درا�سة حركة املقاومة وتتبع‬
 ‫ّ‬
 ‫ً‬
‫خطواتها، ومن ثم التنب�ؤ بحركتها القادمة، وما يمُكن �أن تُقدم عليه م�ستقبال،‬
               ‫َ‬          ‫ِ‬
       ‫ً‬                                    ‫ّ‬
‫ومن ثم ي�أخذ حذره، ويت�سلم زمام املبادرة، ويفاجئ املقاومة بدال من �أن‬
                                                        ‫ِ‬       ‫ّ‬
                      ‫تفاجئه، وقد قيل: «خري عادة، �أن ال يكون لك عادة».‬

                          ‫ً‬
‫نعم! �إن البعد عن الروتني يجعل الزمان مفتوحا للعمل بليله ونهاره، �صيفه‬
‫و�شتائه، هدوئه وا�شتعاله، ويجعل املكان كله �ساحة مقاومة، ال ت�ستثنى منه‬
‫بقعة، وال يحده ميدان؛ �سهله وجبله، َبـره و ما�ؤه، مدنه و�أريافه، جوه وباطن‬
       ‫ّ‬               ‫ُ‬           ‫ُّ‬                        ‫ُّ‬
                                           ‫ً‬
‫�أر�ضه... و�إن من �ش�أن ذلك �أي�ضا، �أن يجعل من الو�سائل املتاحة م�ستخدمة على‬
    ‫ً‬
‫الدوام بح�سب احلاجة والإمكان، �إطالق نار �أو تفجري �أو �صواريخ �أو اغتيال‬
                         ‫ً‬
‫وقن�ص، ويجعل من الو�سائل املتوفرة �أر�ضية جيدة للتطوير، فال يكون التوقف‬
                              ‫ًّ‬
‫عند و�سيلة ا�س ُتخدمت، بل ي�ستخدم ال�سابق، ويطور احلايل، ويبتكر اجلديد،‬
                        ‫ّ‬
                                              ‫وي�ستجلب ما ا�ستخدمه الغري....‬

                                                            ‫ّ‬
‫كل ذلك يجعل االحتالل يف حرية من �أمره، ويحجزه عن توقّع القادم،‬
‫و ُيف�شله يف مقاومته، و ُيعدم قدرته على مواكبة ما ت�ستحدثه املقاومة من �أ�ساليب،‬
                    ‫بينما ذلك ي�ضع املقاومة يف موقع املبادرة و�صناعة احلدث.‬
‫08‬


                  ‫التطوير الدائم لأ�ساليب العمل، وعدم االكتفاء مبا �سبق:‬
‫فهي حرب طويلة ال ينفع معها اال�ستمرار بروتني معني من املواجهة، �أو‬
                                                     ‫ٌ‬     ‫ٌ‬
‫ا�ستخدام �سالح واحد فيها، �أو العمل بو�سائل وطرق تقليدية حمددة، ذلك �أن العدو‬
‫�سيفهم �أ�سلوب القُوى املقاومة يف عملها، و�سيجد العالج الناجع الذي يحد من‬
   ‫ّ‬                                         ‫ِ‬
‫فاعليتها، وتوقّي �رضباتها، بل من املحتوم �أنه �سيعمد �إىل االبتكار و�إبداع الو�سائل‬
                                                                              ‫ّ‬
‫والطرق والأدوات اجلديدة يف حربه و�رضبه للثورات، وعندئذ �ستجد (اجلاريال)‬
                                                           ‫ّ‬
‫نف�سها قد تخلفت وتقدم عدوها. ففي الوقت الذي كان فيه مقاتلو (�ألفيت كونغ)‬
                                               ‫ّ َ ُّ‬
‫يف (فيتنام) يحتمون بالغابات وخ�رضائها لالختفاء من الطريان الأمريكي، قامت‬
‫(1)‬
   ‫�أمريكا بتطوير �سالح جديد يتنا�سب وهذه املع�ضلة، فاخرتعوا (القنابل امل�سمارية)‬
‫التي حتوي �آالف امل�سامري القاتلة التي تنت�رش حال �إطالقها على م�ساحات �شا�سعة،‬
‫فت�ؤدي �إىل قتل الثوار دون �أن يحتاجوا لر�ؤيتهم، فلم يكن �أمام املقاتلني �إال �إيجاد‬
                                                                               ‫ّ‬
‫احللول املنا�سبة التي ت�سمح لهم بالتمرت�س خلف حاجز يقيهم من امل�سامري، ومن ثم‬
        ‫كان حفر املزيد من اخلنادق والأنفاق التي ت�سمح لهم باالختفاء واالحتماء.‬

‫وقد كان النموذج الفل�سطيني متميزاً يف تطوره وتنوع �أ�ساليبه ودخوله يف‬
‫مراحل �إبداعية متعاقبة، خرجت به من دائرة العمل ال�شعبي الأعزل، �إىل دائرة‬
‫الإبداع واالبتكار يف �إيجاد الأ�سلحة املنا�سبة لطريقته يف مقاومة عدوه، فبعد �أن‬
           ‫ّ‬
‫بد�أَ العمل الفل�سطيني باملقاومة ال�سلمية االحتجاجية واال�ستنكار ّية، ثم االنتفا�ضة‬
                                ‫ّ‬          ‫ّ‬
                  ‫ُ‬                                     ‫َّ‬
‫ال�شعبية امل�سلحة باحلجر والزجاجة احلارقة؛ تطور العمل ليدخل مرحلة (ثورة‬
                        ‫َّ‬                                      ‫ّ‬
‫ال�سكاكني) التي ا�س َتخدمت �أب�سط �أنواع ال�سالح الأبي�ض املتوفّر يف املنازل،‬

                                                               ‫ّ‬
‫1 القنابل امل�سماريّة تُطلق على �شكل دفعات، كل دفعة حتوي عدة قنابل، كل قنبلة حتوي �آالف امل�سامري الفوالذ ّية‬
                                                  ‫ّ‬
                                                        ‫ّ‬
‫بطول (01) �سنتيمرتاً، تنطلق بقوة فتنت�رش م�سامري كل قنبلة على م�ساحة طولها (003) مرت، وعر�ضها (09)‬
                                                                                               ‫مرتاً تقريباً.‬
‫18‬

                                              ‫ّ‬
‫ثم كانت مرحلة العمل امل�سلح با�ستخدام الكم القليل من ال�سالح الناري الذي‬
                              ‫ّ‬
‫يتوفر بيد املقاومني مما غنموه من �أيدي االحتالل الإ�رسائيلي، �أو مما مت تهريبه من‬
          ‫َّ‬
                                                                ‫اخلارج، �أو مما ورثوه من الأجيال...‬

‫ثم كانت مرحلة التفجري التي ا�ستخدم فيها املجاهدون املواد املتفجرة‬
         ‫َّ‬
‫املوجودة يف الألغام القدمية وكحل البارود وغريه، وعندما عجزوا عن توفري‬
‫املواد الكافية بد�ؤوا بالبحث عن مواد �أولية ُي�صنعون من خاللها متفجراتهم،‬
                        ‫ِّ‬       ‫ّ‬
‫فا�ستخدموا الأ�سمدة النباتية، واملواد الطبية، ومواد التنظيف الكيماوية، فكانت‬
‫مادة (�أم العبد) املتفجرة التي �أثبتت جناع َتها يف عمليات التفجري، ثم تطور‬
‫هذا ال�سالح حتى دخلت فيه ق�ضية التكنولوجيا يف التوجيه، فكان التفجري‬
‫عن ُبعد وغريه من الو�سائل... ويف هذه املرحلة، دخلت املقاومة الفل�سطينية‬
‫حرب اال�ست�شهاد ّيني، الذين �أ�صبحوا �سالح املقاومة الأقوى. ثم كانت حرب‬
 ‫ُ‬
‫الأنفاق، التي ا�ستطاعت فيها املقاومة جتاوز احلدود الـمـ�صطنعة املح�صنة بالألغام‬
            ‫َّ‬           ‫ُ‬
                                ‫والأ�سالك ال�شائكة والأبراج و�أجهزة الر�صد الإلكرتونية.‬

‫و�أخرياً، كانت القفزة االبتكارية، والتي مت ّثلت ب�إنتاج ال�صاروخ الفل�سطيني‬
‫(ق�سام)، وما َتبِـعـه من �صواريخ م ّثلت مبجملها �أف�ضل ما تو�صل �إليه املقاتل‬
                ‫ّ‬                                         ‫َ‬               ‫ّ‬
          ‫الفل�سطيني من ابتكارات تزيد من كفاءة ال�سالح الذي متلكه املقاومة...‬

‫وهكذا، ف�إنه ال ا�ستمرار للمقاومة، وال بقاء ملقاتليها، وال �إجناز �أو حتقيق‬
‫لأهدافها دون �أن تتمكن من تطوير �أدائها، وم�ضاعفة دفاعاتها ومناعتها،‬
                                                    ‫و�إيجاد احللول للمع�ضالت التي تعرت�ضها(1).‬

‫1 يروي املجاهدون املتطوِّعون من الإخوان امل�سلمني يف حرب عام (8491م) �أنهم غنموا كمية من قذائف‬
              ‫ّ ً‬
‫املورتر، ومل يكونوا ميلكون قاذفات لها، فلم ي�ستطيعوا اال�ستفادة منها، �إال �أنهم فوجئوا يف اليوم التايل باملجاهد‬
                                                                  ‫ً َ َ‬        ‫ً ّ ً‬
‫(يو�سف طلعت) قد ابتكر قاذفا بدائيـا يدويّـا �سهِ ر على �إعداده طوال الليل، وهكذا ا�ستفادوا مما غنموه. ومن‬
‫الـقـ�ص�ص التاريخـيـة على جتاوز العقبات؛ ما كان من (القعقاع بن عمرو) ر�ضي اهلل عنه يف معركة القاد�سية،‬
                                  ‫َ ِ َ‬                                                                ‫ّ‬
‫عندما وجدَ اخليل تنفر من الفِ َيلة، ف�صنع فيال (متثاال) ودرب فر�سه عليه حتى �أَ ِلفَه و�أ�صبح ال يخ�شى الفِ َيلة،‬
                    ‫َ‬                            ‫َ‬     ‫ّ َ‬     ‫ً‬       ‫َ ً‬                               ‫َ‬
                                               ‫وا�ستطاع �أن يهاجم به الفِ َيلة احلقيقية يف اليوم التايل، و�أن ُيثخن فيها.‬
                                                     ‫َ‬                            ‫ّ‬       ‫َ‬
‫28‬


                                                      ‫املركزية والالمركزية:‬
‫حتتاج احلركات الثورية �إىل ا�ستخدام املركزية يف بع�ض جوانب العمل املقاوم‬
‫حفاظا على امل�سار وجناح العمل، وحتديداً يف القرارات اال�سرتاتيجية وال�سيا�سية،‬
                                                                         ‫ً‬
‫فلي�س من احلكمة ترك قرارات وقف �أو �إنهاء ال�رصاع، �أو تغيري �أ�س�س ومبادئ‬
‫العمل، �أو قطع �أو و�صل عالقات خارجية، �أو دخول مواجهات داخلية �أهلية،‬
                                                  ‫ّ‬
                  ‫بقرارات ال مركزية، تتحكم بها اخلاليا العاملة هنا وهناك.‬

‫بينما من ال�صواب ترك حرية العمل واالجتهاد لهذه اخلاليا يف الق�ضايا امليدانية‬
‫واليومية والروتينية، والتي تقع �ضمن ال�سيا�سة العامة والإطار العري�ض الذي‬
‫حددته القيادة، ف�إنْ كان القرار ال�سيا�سي بدخول ثورة م�سلحة، ُيـرتك للخاليا‬
                                                                         ‫ّ‬
      ‫العاملة �أنْ حتدد املكان والزمان والكيفية التي تنفذ من خاللها هجماتها.‬
                                                            ‫ّ‬

‫بل �إن على القيادة �أنْ ت�شجع املبادرات الذاتية والفردية امل�ضبوطة، والتي تنمي‬
 ‫ّ‬                                                ‫ّ‬
‫العمل وترتقي به وتزيد من فاعليته و�إجنازاته وجناحاته.. ومن هنا، ف�إننا نالحظ‬
                                              ‫ّ‬
‫�أنّ كمـا كبرياً من العمل الفل�سطيني املقاوم يقع �ضمن دائرة اجلهود الفردية التي‬
                                                                      ‫ّ ً‬
‫نفّذها �أبطا ُلها مبفردهم، �أو تلك التي نفّذها �أو ابتد�أها الأفراد، ثم كان االت�صال‬
‫بالتنظيم الذي �ساعد ووفّـر وقدم، ومن ثم كان االنخراط الع�سكري يف الإطار‬
                                         ‫َ َّ‬
                                                                          ‫احلركي.‬

‫�إن الالمركزية يف الأعمال اليومية ُيعطي العمل حيو ّية وحترراً من القيود‬
             ‫ُّ‬   ‫ً‬
‫البريوقراطية املعقّدة التي تُعيقه عن التقدم والإجناز. ويف ذات الوقت، ف�إن هذه‬
                                   ‫ّ‬
‫ا ّلالمركزية ال تعني بحال �أن ُيرتك للأطراف واخلاليا املتناثرة واملنت�رشة �أنْ حتدد‬
‫َّ‬
‫م�سار العمل الثوري و�آلية �إنفاذه.. وكلما كانت تلك الالمركز ّية متوافقة مع‬
   ‫ً‬
‫38‬

‫ً‬
‫قياداتها، متناغمة مع ما ي�صدر عن القيادة من قرارات، ف�إن ذلك ي�ساهم قطعا‬
                                                       ‫ً‬
                       ‫يف �رسعة الإجناز، وجت ّنب الوقوع يف الأخطاء والأخطار.‬

‫�إذاً، فاملقاومة حتتاج �إىل املركزية على امل�ستوى اال�سرتاتيجي ال�سيا�سي، و�إىل‬
‫الالمركزية على امل�ستوى التكتيكي والإجرائي، وهذا ما امتازت به (حركة‬
‫حما�س) وذراعها الع�سكري (كتائب الق�سام)، ففي الوقت الذي كانت تعلن‬
‫فيه احلركة عن قبول هدنة م�رشوطة مع العدو، كان عنا�رصها ومقاتلوها هم‬
                                                     ‫ً‬        ‫ً‬
‫الأكرث ان�ضباطا والتزاما، ف�إذا انتهت الهدنة انطلقوا �إىل ميادين البطولة، وقد‬
                                             ‫�شهد لهم االحتالل ذاته على ذلك.‬



                                             ‫�رضب العدو يف نقاط �ضعفه:‬
‫فال بد من �رضب العدو يف نقاط �ضعفه، والرتكيز على �أطرافه ووحداته‬
                                            ‫ِّ‬    ‫ِ‬       ‫ّ‬
‫املنف�صلة، ومراكزه النائية، وخطوط �إمداده وات�صاله، واالبتعاد عن جتمعاته‬
    ‫ّ‬
‫الكبرية، ومواقعه احل�صينة، ومراكزه التي ي�صعب الو�صول �إليه فيها، �إال يف‬
‫عمليات تندرج حتت �إطار العمل اال�ست�شهادي، �أو يف حالة امتالك �أدوات توفِّـر‬
‫ُ‬                                                                     ‫ٍ‬
                                                    ‫للمقاومة النجاح يف ذلك.‬

‫ويف التجارب املعا�رصة، كان الف�شل الأول للثورة الكوبية يف (62 متوز)،‬
‫ملحاولتها �رضب مع�سكر �ضخم يحوي بداخله �أكرث من �ألف جندي بعتادهم،‬
‫�إ�ضافة �إىل ما ميتلكه املع�سكر من د�شم ومتاري�س و�سالح ثقيل، بينما ال متلك‬
                                    ‫ُ َ ٍ‬
‫الثورة (القوة الثائرة املهاجمة) �سوى ع�رشات الرجال الذين ال ميلكون من‬
                                         ‫ِ‬
‫ال�سالح �إال �أخفّه و�أ�ضعفه، فانتهت الثورة عند ذلك الهجوم، واع ُتقل قائدها،‬
‫48‬

                                                            ‫ُ َ‬
‫وق ِتـل العديد من رجالها. يقول (ماو): «ا�رضب ال�ضعيف دون خجل، واهرب‬
                                                                ‫من القوي دون خجل!».‬

                          ‫ً‬
‫ويف ثورتنا الفل�سطينية، كانت هذه القاعدة دافعا الختيار الأهداف املتحركة،‬
   ‫ِّ‬
‫واملتمثلة بالدور ّيات والآليات والراجلة، والأهداف الثابتة املتم ّثلة باحلواجز‬
                                                 ‫ّ‬             ‫ّ‬      ‫ّ‬
‫ً‬
‫الع�سكرية النائية، وبقيت عمليات اقتحام املع�سكرات ال�ضخمة احل�صينة مقت�رصة‬
‫على نطاق �ضيق، وحتديداً يف قطاع غزة، لندرة الأهداف الأخرى هناك. �أما‬
                                                        ‫ّ‬
‫ال�ضفة الغربية فهي حمكومة بظروف خا�صة، مع ال�سعي الدائم الختيار املوقع‬
                                                        ‫ً‬              ‫ً‬
                                               ‫الأقل حت�صينا والأ�ضعف �أمنا بال �شك.‬

      ‫ً‬
‫وليعلم �أنّ العدو يحافظ على تفوقه يف حرب الع�صابات، ما دام حمافظا على‬
                                         ‫ّ‬             ‫ّ‬        ‫ُ َ‬
‫مبد�أ (تركيز القُوى)، ف�إذا توزعت قواته بد�أت ت�ضعف وتفقد تفوقها، ولذا ف�إن‬
              ‫ّ‬                        ‫ّ‬    ‫ّ‬
          ‫َ ُ َ‬
‫من �أهداف (اجلاريال) �أن جتعل العدو ينت�رش، فتتفرق قواته، لي�سهل على رجال‬
                    ‫ّ ّ‬
                ‫ّ‬
‫الع�صابات ا�ستهداف تلك القوات وا�صطيادها دون �أن تتمكن من الدفاع عن‬
                                                                                        ‫نف�سها.‬

‫ويف �أر�ضنا الفل�سطينية، ا�ضطر جي�ش االحتالل ورغم �صغَر م�ساحة الأر�ض‬
              ‫ِ ِ‬
‫�إىل االنت�شار على م�ساحات وا�سعة، يف حماولة منه حلماية م�ستوطنيه وطرقه‬
‫االلتفافية، وملالحقة مطاردي وجماهدي املقاومة، فبالعودة �إىل �إح�صائية يف‬
                                                               ‫ّ‬
‫(حزيران 7002م)، ف�إن �أرا�ضي ال�ضفة الغربية وحدها حتوي: (712) ب�ؤرة‬
‫ا�ستيطانية، و(012) قاعدة ع�سكرية، و(675) حاجزاً ع�سكريا، و(008) كم‬
           ‫ً‬
‫من الطرق االلتفافية(1). الأمر الذي ي�شري �إىل توفر عدد كبري جداً من الأهداف‬
                                              ‫ُ‬


            ‫1	 �صحيفة القد�س، �إح�صائية معهد الأبحاث التطبيقية ـ �أرع، العدد ال�صادر يف 5/6/7002م.‬
                                                 ‫ّ‬                      ‫ّ‬
‫58‬

       ‫ً‬                                      ‫ً‬
‫التي ميكن �رضبها، وخ�صو�صا �أن الكثري من هذه الأهداف �ضعيف �أمنيا وي�سهل‬
‫الو�صول �إليه، وهذا ما جعل عدداً من ال�ضباط الع�سكريِّني يف اجلي�ش ال�صهيوين‬
‫يقدم احتجاجاته على �سيا�سة احلواجز، فقد ن�رش اجلي�ش ع�رشات احلواجز يف‬
                         ‫َ‬                                        ‫ّ‬
                                ‫ً‬
‫مواقع (�ساقطة �أمنيا)، ف�أ�صبحت �صيداً �سهال لرجال املقاومة الذين ا�ستهدفوها‬
                                                        ‫ًّ‬
                                                              ‫ع�رشات املرات.‬



                                             ‫االهتمام بالقاعدة ال�شعبية:‬
‫حيث ُيعد من �أبرز عوامل النجاح يف احلركات الثورية على اختالف منطلقاتها‬
                                                              ‫ّ‬
‫وتوجهاتها، قدرتُها على تكوين قاعدة �شعبية عري�ضة داعمة، تتب ّنى موقفها، وت�أمتر‬
                                       ‫ّ‬                                   ‫ّ‬
        ‫ب�أمرها، وت�ساند م�سريتَها، وتوفّر لها ما يلزمها من خدمات وم�ساهمات.‬

‫فالقاعدة ال�شعبية هي م�صدر الإمداد الب�رشي، وذلك �أكرث ما ُيهِ م الثورة‬
       ‫ّ‬
‫ويلزمها، فكلما كانت القاعدة امل�ؤمنة بالثورة ومنهجيتها �أعر�ض و�أو�سع؛ زاد‬
‫َ‬                      ‫ّ‬
 ‫عدد املتطوعني يف العمل الثوري واملن�ضوين حتت لوائه والعاملني يف �صفوفه.‬
                                ‫َ‬                             ‫ّ‬
‫والقاعدة ال�شعبية هي ال�ستار الذي ت ّتقي به احلركات الثورية يف اللحظات‬
                                                                   ‫َِ‬
‫احلرجة، وحتتمي به يف حاالت الرتاجع.. ففي (اجلاريال)، كان رجال الثورة يف‬
‫النهار فلاّحني، ويف الليل مقاتلني، ويف (اجلاريال املدنية) يختفون يف �صفوف‬
                                                    ‫ال�شعب في�صعب �ضبطهم.‬

‫والقاعدة ال�شعبية هي قاعدة الإمداد اللوج�ستي الذي حتتاجه جميع القوى‬
                       ‫ِّ‬        ‫ِ‬
‫املقاتلة، من �إيوا ٍء للمطاردين، ومتويل لهم بالطعام واالحتياجات، وتزويدهم‬
                                  ‫ٍ‬
                                                      ‫باملعلومات والتقارير...‬
‫68‬

‫ولذا، ف�إن اعتماد اجلاريال على القاعدة ال�شعبية مينحها فر�صة �أطول لل�صمود‬
              ‫ً‬
‫يف وجه الت�ضييق والقمع والتنكيل. ففي الوقت الذي يكون فيه ال�شعب على‬
‫قناعة بحركات املقاومة ودورها و�أدائها و�أ�شخا�صها، ف�إنه يحتمل يف �سبيلها‬
‫الكثري، وهذا ما جعل ال�شعب يف قطاع غزة ي�صرب مع حركة (حما�س)، رغم‬
                          ‫احل�صار والتجويع وانقطاع الرواتب وقلة ذات اليد.‬

‫وعليه، ف�إن واجب املقاومة جتاه ال�شعب �أنْ تحُ�سن �إليه ال �أن جترتئ عليه،‬
      ‫َ‬                  ‫ِ َ‬
                                         ‫ّ‬
‫عليها �أن ت�شعر ب�شعوره، و�أن ت�سعى حلل �إ�شكاالته، و�أن توفر له احتياجاته، و�أن‬
‫تنقذه من �أزماته، و�أن ال تتعر�ض له بالأذى والرتهيب والتنكيل والإ�ساءة، فينظر‬
                                              ‫ّ َ‬
                                                          ‫�إليها بكراهية ونفور.‬

‫َ‬          ‫ُ ّ َ‬                 ‫ِّ َ‬
‫�إن من قواعد العمل الثوري �أن ت�شكل القُوى الثائرة الداعم واملموِّل‬
‫لل�شعب، ال �أن تعتمد عليه بالتمويل املادي، فاملطلوب منها �أن توفّر له املال‬
         ‫َ‬
‫الذي يعو�ضه عن اخل�سائر التي يتكبدها يف الدفاع عن املقاومة؛ من قتل وهدم‬
‫ٍ‬    ‫ٍ‬    ‫ِ‬                           ‫ّ‬                        ‫ّ‬
‫للمنازل وال�سجن وم�صادرة الأرا�ضي والأموال والت�ضييق يف �أبواب الرزق،‬
                                            ‫و�إال ف�إن ال�شعب ال ميكنه ال�صمود..‬

‫لقد �أقدم االحتالل الإ�رسائيلي يف ال�سنوات ال�ست الأوىل من انتفا�ضة‬
                   ‫ّ‬
‫الأق�صى على قتل �أكرث من خم�سة �آالف فل�سطيني، وهدم (0064) منزل،‬
             ‫ِ‬                                   ‫ِ‬
‫واقتالع (مليون ون�صف مليون) �شجرة، وم�صادرة (006) �ألف دومن، �إ�ضافة‬
‫�إىل �صنوف �أخرى من االعتداءات... فكيف �سي�صمد �أمامها ال�شعب بدون‬
                                      ‫(1)‬
                                         ‫وجود داعم خلفه يعينه على ال�صمود؟‬


                                                               ‫1	 نف�س امل�صدر ال�سابق.‬
‫78‬


         ‫ٍّ‬    ‫ٍ‬         ‫ٍ‬         ‫ً‬
‫نعم، �إن علينا �أن ندرك �أن هناك فرقا بني جماعة �أو تنظيم �شعبي قد يعي�ش‬
              ‫ٍ‬                   ‫ِ ٍ َّ ٍ‬
 ‫على اال�شرتاكات، وبني عمل مقاوم م�سلح يحتاج �إىل م�رصوفات وله َتبِعات.‬
                                              ‫ٍ‬

‫كذلك، ف�إن من واجب اجلاريال جتاه ال�شعب �أن ت�سعى �إىل تثقيفه و�إعداده‬
‫وت�أهيله وتوريثه الفكرة ال ّثور ّية والقناعة بها، لكي يبدي اال�ستعداد للت�ضحية‬
          ‫َّ‬
‫بها، وبدون هذا التثقيف ف�إن اجلماعات املقاتلة ال تلبث �أنْ ت�ضمحل وتتال�شى،‬
                 ‫فال جتد املنابع الّتي تغذيها بالرجال الذين ي�ضمنون لها احلياة.‬
                                                      ‫ّ‬         ‫َ‬
‫�إن من �أهم الأمور التي يجب على قُوى املقاومة �أن تغر�سها يف نفو�س‬
             ‫َ‬
‫ال�شعب؛ هو كراهية االحتالل، والقناعة ب�رضورة �إزالته، فهي �أهم �أ�سباب‬
              ‫ٍ ً‬
‫النجاح.. ولقد انتف�ض ال�شعب الفل�سطيني بهبات متالحقة تبعا لهذه القناعة،‬
                           ‫ّ ٍ‬                      ‫َ‬
                                       ‫َ ّ‬
‫فلم تكن هذه القناعة �شديدة الر�سوخ يف مطلع عقد الثمانينات، وعندما قرر‬
‫َّ‬
‫املجاهدون غر�سها يف نفو�س ال�شعب، بد�أت معاين اجلهاد والوطنية وحب‬
                                                       ‫َ‬
                                                        ‫ّ‬
‫الأوطان تتجذر يف نفو�س املواطنني، وتدعمت هذه املعاين بع�رشات املجازر‬
                              ‫ّ‬
‫ال�صهيونية واجلرائم املتنوعة من قتل و�إبعادٍ واعتقالٍ وم�صادرة، فانتف�ض ال�شعب‬
                  ‫َ‬                        ‫ٍ‬
‫على جلاّده، ووقف الكف الفل�سطيني الطاهر يف وجه خمرز العدو ال ّنج�س،‬
          ‫ّ‬                        ‫ُّ‬         ‫ُّ‬   ‫َ‬
‫وا�ستمرت االنتفا�ضة �سنوات طويلة رغم ما مر به �شعبنا من ظروف غاية يف‬
        ‫ٍ‬                 ‫ّ‬                                  ‫ّ‬
                                                       ‫الق�سوة وال�شدة والأمل.‬

‫ومن الأمثلة العاملية على جناح الثورات بف�ضل االلتفاف اجلماهريي حولها:‬
‫(الثورة الإ�سالمية يف �إيران)، فقد انتظم ال�شعب يف م�سريات ومظاهرات‬
                               ‫ُ‬
‫حا�شدة ومتوا�صلة، بطلب من قائد الثورة (اخلميني) من منفاه يف بريطانيا، عرب‬
                                                   ‫ٍ‬
‫كا�سيتات م�سجلة ب�صوته، حتى عرفت الثورة الإيرانية ب ِـ(ثورة الكا�سيت)..‬
                                           ‫ُ‬                  ‫ُ َّ‬
 ‫ولقد بلغت هذه الطاعة واالن�ضباط حداً عجيبا، وكانت �سببا رئي�سا يف الن�رص.‬
            ‫ً‬      ‫ً‬             ‫ً‬      ‫ّ‬
‫88‬

                                                           ‫ِ َ‬
‫ويف املقابل، فَ�شل املنا�ضل البولويف (ت�شي جيفارا) يف نقل الثورة من (كوبا)‬
‫�إىل (بوليفيا)، فقد انتقل مع بع�ض رفاقه �إىل جبال (بوليفيا)، وبد َ�أ العمل الثوري،‬
‫�إال �أنه مل ي�ستطع ك�سب ثقة وت�أييد ال�شعب، فا�ستطاعت القوات احلكومية النيل‬
                 ‫منه وقتله بعد �أقل من عام على �إعالن الثورة التي انتهت مبقتله.‬



                                                      ‫الف�شل ال يعني الي�أ�س:‬
‫البد للثائر من الإميان املطلق ب�أن حرب الع�صابات هي حرب ال ّنـفَ�س الطويل‬
   ‫َ‬
‫والع�ض على الأ�صابع، ينجح فيها الطرف الذي ُيبدي �صرباً و�صموداً وجلداً‬
                                                                 ‫ّ‬
‫�أكرب. وعلى الثائر �أن ي�ؤمن ب�أن هذا الهدف ال�سامي الذي يبغي بلوغَ ه ال ميكن‬
‫�أن يتحقّق بلمح الب�رص، �أو ب�رضبة واحدة، بل هو نتاج �أعمالٍ تراكمية حتقّق‬
‫ُ‬     ‫ٍّ‬                                ‫ٍ‬                       ‫َ‬
‫الهدف املن�شود، ف�إذا تعر�ضت القوى الثائرة لنك�سة �أو �رضبة، ف�إن ذلك ال يعني‬
                            ‫ٍ‬                       ‫ّ‬
‫النهاية، وال يعني الي�أ�س والقنوط �أو ال�شعور بالعجز وعدم القدرة على الفعل،‬
‫بل يجب �أن تعني جتديد الهمة، واالنطالق بخربة جديدة م�ستقاة من ع�صارة‬
‫تلك التجربة، والعمل بحر�ص �شديد، وهذا ناجم عن وعي �إ�ضايف، يهدف �إىل‬
                   ‫ٍ‬      ‫ٌ‬
                                                           ‫عدم ال�سقوط فيما �سبق.‬

‫و�إذا �سمحت القوى الثائرة لنف�سها �أو لعنا�رصها ب�أن تدخل مرحلة �إحباط �أو‬
    ‫ٍ‬      ‫َ‬
‫ي�أ�س �أو �ضغط ناجت عن هزمية مو�ضعية �أو ف�شل جزئي �أو تقهقر يف ميدانٍ �أو تقدم‬
‫ُّ ٍ‬                 ‫ٍ‬         ‫ٍّ‬   ‫ٍ‬         ‫ٍّ‬         ‫ٍ‬        ‫ٍ ٍ‬             ‫ٍ‬
 ‫للعدو، فتلك �إذاً هي بداية النهاية.. �أما �إذا انطلقت الثورة بعزمية متقدمة و�إ�رصارٍ‬
           ‫ٍ ّ ٍ‬
          ‫وت�صميم؛ ف�إنها تثبت املبد�أ القائل: «ال�رضبة التي ال تمُي ُتنا تزيدنا قوة».‬
                  ‫ُ‬                                                ‫ّ‬
‫هذا املبد أ� ينطبق على كل مهمة وعمل، حتى �إن العا ِلـم امل�شهور (توما�س‬
‫98‬

‫ً‬
‫�أدي�سون) �أجرى �ألف جتربة لإنتاج م�صباحه الكهربائي، وكانت نتيجتها جميعا‬
         ‫َّ َ‬
‫الف�شل، حتى ا�ستطاع يف النهاية �إنتاج هذا االخرتاع الرائع الذي خلد ا�سمه يف‬
                                                                       ‫التاريخ.‬

                      ‫ِ َ‬
‫�أما يف الثورات العاملية؛ ففي املدر�سة الكوبية، فَ�شل القائد (فيدل كا�سرتو)‬
‫يف هجوم (22متوز)، ل�سوء تقدير ح�صل، واع ُتقل هو وعدد من رفاقه، وقُتل‬
                                    ‫َ‬
‫�آخرون، وانتهت الثورة.. �إال �أن القائد (كا�سرتو) مل يي�أ�س، بل �سارع فور‬
‫خروجه من ال�سجن �إىل جمع فلوله وم�ؤ ّيدي ِفكره ليعود فاحتا بلده، طارداً‬
         ‫ً َ‬       ‫َ‬
                                                    ‫احلكومة العميلة من �أر�ضه.‬

‫هذه القاعدة متثل �إجابة وجت�سيداً ملبد�أ �أ�سا�سي تخ�ضع له جميع �أ�شكال حروب‬
                                                     ‫ً‬       ‫ّ‬
‫الع�صابات، وهو مبد�أ (ا�سرتاتيجية اال�ستنزاف)، والت�أثري الرتاكمي للهجمات‬
‫الناجحة املحدودة، فال ميكن للجاريال �أن تهزم عدوها ب�رضبة واحدة، �أو حتى‬
                        ‫ّ‬
                  ‫ً‬     ‫ً‬
‫ب�سل�سلة �رضبات ومعارك حمدودة، بل �إنّ زمنا طويال من العمل الد�ؤوب،‬
                                          ‫َّ‬
‫وال�رضبات املتوالية، واجلهود املركزة، وال�صرب دون ي�أ�س، وجتاوز العقبات، هذا‬
            ‫هو الكفيل بالن�رص على االحتالل، وح�سم احلرب ل�صالح املقاومة.‬
                                   ‫ِ‬
‫ُ‬
‫ويف امليدان، مار�س املجاهدون املثابرة وعدم الي�أ�س كثرياً، فخرج �أبطال‬
       ‫َّ َ‬                                          ‫َ‬
              ‫ّ‬           ‫ً‬
‫خلية (�صوريف) ع�رشات الطلعات اجلهادية بحثا، حتى متكنوا من خطف‬
‫اجلندي (�شارون �أدري)، و�ص ّنع مهند�سو كتائب الق�سام ع�رشات النماذج من‬
                                        ‫َ‬
‫ال�صواريخ، و�أجروا عليها ع�رشات التجارب، حتى خرج ال�صاروخ �إىل حيز‬
                                                                       ‫الوجود.‬
‫09‬


                                  ‫التفريق بني اال�سرتاتيجية والتكتيك:‬
‫ال بد من �أن متيـز (اجلاريال) بني الأهداف اال�سرتاتيجية العامة، والتكتيكية‬
                                                        ‫ّ َ‬          ‫ّ‬
‫امل َّتبعة، هذا التفريق يتيح لها التم�سك بحقوقها واالرتباط بثوابتها، ويف ذات‬
‫الوقت، ف�إنه يعطيها القدرة على التفاعل مع الأحداث والتجارب، والت�أقلم‬
‫مع املتغريات، وال�سري يف حقل الأ�شواك الذي يعرت�ضها، ويج ّنبها الكثري من‬
‫الإ�شكاالت، ويجيب على الت�سا�ؤالت، وي�سمح لها با�ستخدام كل ما هو‬
                                                                       ‫ممكن.‬

‫ففي مقاومتنا الفل�سطينية، متيـز حركة (حما�س) بني ا�سرتاتيجية حترير‬
        ‫ّ‬                               ‫ِّ ُ‬
 ‫ّ‬
‫فل�سطني كلها من بحرها �إىل نهرها، وبني مرحلية التحرير واجلاهز ّية لت�سلم‬
                            ‫ّ‬
‫�أي �شرب يخرج منه االحتالل، كما يف (غزة).. وفرقت حما�س بني ا�سرتاتيجية‬
 ‫ّ‬                      ‫ّ‬
‫احلق يف املقاومة بكل �أ�شكالها، وم�رشوعية العمل لطرد االحتالل، وبني تكتيك‬
                                 ‫ّ‬
‫اختيار الأ�سلوب الأمثل للمقاومة الذي تواجه به االحتالل، والذي يتنا�سب مع‬
                                                           ‫املرحلة وظروفها.‬

‫وب�صيغة �أخرى، هو تفريق وتوفيق بني الثابت واملتغري؛ ثابت املقاومة ومتغري‬
                                                                 ‫ٍ‬
‫الأ�سلوب، ثابت ال�سعي يف التحرير ومتغري القبول بالهدنة امل�ؤقّتة ذات الأهداف‬
                                                                    ‫املحددة.‬
                                                                       ‫َّ‬



                                   ‫***‬
‫19‬




       ‫العمل‬
     ‫الفل�سطيني‬
     ‫ّ‬
       ‫املقـاوم‬
92
‫39‬




                  ‫العمل الفل�سطيني املقاوم‬


‫تعتمد القوى الثائرة يف عملها على �أ�ساليب تُـجنـب مقاتليها املواجهة‬
                  ‫ِّ ُ‬
                  ‫املبا�رشة والوا�سعة، مما يحقّق لها مبد�أ املباغتة الذي حتتاجه..‬

‫فهي تعتمد خيار الكمائن، والتي تُعدها حماطة بكل ال�رسية، لتنق�ض من‬
     ‫َّ‬      ‫ّ‬         ‫ً‬       ‫ِ ُّ‬
‫خاللها على عدوها ب�صورة تُفقده القدرة على رد الفعل، فتمتلك هي حينها‬
‫زمام املبادرة، وتُثخن فيه، ثم تن�سحب �إىل م�أمنها. وال�شكل الذي يتنا�سب مع‬
                     ‫الكمائن، هو ال�رضب من موقع ثابت نحو هدف متحرك.‬

‫وهي تعتمد الهجوم املباغت، ف ُتعـد مقاتليها مبا يلزم، ومبا ينا�سب املهمة من‬
                                         ‫ِ ُّ‬
‫ًَ‬                                      ‫ً‬      ‫ً‬
‫�سالح وعتاد، لينفّذوا هجوما مباغتا على الهدف الذي �سبق �أن مت ر�صده؛ ثابتا‬
             ‫ّ‬
                                                                ‫ً‬
‫كان �أم متحركا. و ُي�شرتط يف مثل هذا الهجوم ال�رسعة و ِق�صرَ مدة التنفيذ، و�أن‬
               ‫ّ‬
‫تكون طريقة االن�سحاب مر�سومة، فتنجز اخللية مهمتها، ثم تعود �أدراجها �إىل‬
                          ‫ّ‬
                                                                       ‫مكمنها.‬

‫وهي تعتمد اال�ستدراج، والذي يخدم طريقة الكمائن. �سواء كان اال�ستدراج‬
‫مبا�رشاً؛ عرب �إي�صال معلومات ا�ستخبار ّية مغلوطة �إىل العدو يتحرك بناء عليها‬
            ‫ّ‬
‫�إىل نقطة حتددها املقاومة، فيكون الكمني جاهزاً لالنق�ضا�ض على الهدف. �أو‬
                                                           ‫ّ‬
                                                                    ‫ً‬
‫ا�ستدراجا غري مبا�رش، وذلك بتوجيه �رضبات تكتيكية تهدف �إىل �إغرائه بتتبع �أثر‬
      ‫ّ‬
‫49‬

          ‫املجاهدين، وحماولة الّلحاق بهم، وعندئذ يكون املقاتلون باملر�صاد.‬

          ‫َ‬
‫وقد مار�س ال�شعب الفل�سطيني جميع �أ�شكال املقاومة التي ملك �أدواتها،‬
‫وتوفرت �إمكاناتها، بدءاً من املقاومة ال�سلبية وتعري�ض �صدره العاري لنريان‬
                               ‫ّ‬
                                                              ‫ً‬
‫عدوه، و�صوال �إىل حتويل ج�سمه �إىل قنبلة ا�ست�شهادية، تنفجر بعدوها فتقتله.‬
‫�أما �سالح هذا ال�شعب، فهو كل ما وقعت عليه يده؛ من �سالح �أبي�ض �أو ناري‬
‫�أو �صاروخي �أو متفجر، وكل ما تف ّتـق عنه ذهن املقاومة من عمل ا�ستخباري �أو‬
                                      ‫َ‬                ‫ّ‬
‫ا�ست�شهادي، وكل جهد وجهاد؛ �سواء كان من حتت الأر�ض بالأنفاق، �أو فوق‬
                      ‫ّ‬
‫الأر�ض بالهجمات، �أو يف اجلو باملقذوفات، حتى غطى العمل املقاوم م�ساحة‬
‫ً‬
                                ‫وا�سعة من �أ�ساليب حرب الع�صابات احلديثة.‬
                                                                   ‫ً‬



                                  ‫***‬
‫59‬




                          ‫�أ�شكال هجمات املقاومة‬


                                                                  ‫�أوالً: املقاومة ال�شعبية:‬
‫فقد انطلقت اجلماهري الفل�سطينية وقواها املقاومة يف ثورة �شعبية عارمة‬
                             ‫ً‬
‫نهاية عام (7891م)، كان هذا االنفجار قويا لدرجة �أن كافة قطاعات ال�شعب‬
‫�شاركت فيه، فلم ميلك االحتالل �أن ينهيه �أو يح�سمه على الرغم من اجلهود التي‬
                                                 ‫بذلها جي�شه يف قمع ال�شعب واالنتفا�ضة.‬

‫لقد انطلق ال�شعب مبا ميلكه من �إمكانات بدائية ب�سيطة؛ بدءاً باحلجر الذي‬
‫م ّثل رمز ال�شعب واملرحلة، وما رافقه من م�سريات ومظاهرات واعت�صامات‬
‫ٍ‬          ‫ٍ‬        ‫ٍ‬
‫و�إ�رضابات وم�ؤمترات ومهرجانات... ثم ا�ضطرته احلاجة �إىل �إيالم عدوه �إىل‬
      ‫ّ‬               ‫ُ‬        ‫ّ‬                     ‫ٍ‬         ‫ٍ‬
‫�أن يبحث عن �أدوات �أكرب �أ َثراً، فدخل مرحلة حرب ال�سكاكني التي �أعلنت‬
                                ‫َ‬
‫عنها حركة حما�س يف (51/01/5991م)، وكان �أول املنت�سبني �إليها املجاهد‬
                                                  ‫(عامر �أبو �رسحان)، وتبعته القافلة ترتى.‬

‫ثم وا�صل ال�شعب الفل�سطيني عطاءه وم�سريته؛ فا�ستخدم الزجاجات‬
     ‫ّ‬
‫احلارقة، وا�ستخدم �أ�سلوب حوادث ال�سيارات، كما فعل املنا�ضل (عبد الهادي‬
      ‫غنيم)، واملجاهد (راتب زيدان)، واملجاهد (خليل �أبو علبة)، وغريهم(1).‬

 ‫َ‬                       ‫ّ‬
‫1	 املنا�ضل (عبد الهادي غنيم) من حركة فتح، قام بعمل حادث يف حافلة يقودها وي�ستقلها عدد من اليهود، فقتل‬
                   ‫ٌ‬
‫منهم (51) �صهيونياً. واملجاهد (راتب زيدان) من حركة حما�س قام بده�س عدد من ال�صهاينة املتوقّفني على‬
                                                                                   ‫ّ‬
                                                                              ‫َ‬
‫حافّة الطريق ب�سيارته فقتل منهم ثالثة. واملجاهد (خليل �أبو علبة) قام بده�س جنود �صهاينة على جانب الطريق،‬
                                                                                       ‫ّ‬
                                                                                                    ‫َ‬
                                                      ‫فقتل منهم ثمانية، وهو من حركة اجلهاد الإ�سالمي.‬
‫69‬

        ‫َّ‬
‫كذلك فقد ا�ستخدم ال�شعب الفل�سطيني �أ�سلوب (التخريب املنظم)، وذلك‬
‫ب�رسقة ال�سيارات، و�إحراق و�إتالف بع�ض املزروعات واملمتلكات، واملثل الذي‬
‫�سبق ذكره و�أ�شار �إىل اعرتاف االحتالل ب�أن 03 �ألف �سيارة �إ�رسائيلية تُ�رسق‬
                                                                         ‫َ‬
                                                              ‫ً ّ‬
                  ‫�سنويا، ي�ؤكد على انتهاج هذا الأ�سلوب على نطاق وا�سع(1).‬

             ‫ُّ‬
‫ولقد �أحدثت هذه الأ�شكال املقاومة وغريها حالة من الذعر واال�ضطراب‬
                    ‫ً‬      ‫ُ‬    ‫ِ ُ‬
‫يف �صفوف االحتالل وقطعان م�ستوطنيه، فقد �أفقدتْه �أم َنه وقطعت خطوط‬
                      ‫َ‬
‫م�ستوطناته، و�أنزلت به خ�سائر مادية كبرية، �إ�ضافة �إىل بع�ض اخل�سائر الب�رش ّية‬
                              ‫ً‬                ‫ّ‬
                                                                               ‫املحدودة.‬



                                              ‫ثانياً: عمليات �إطالق النار:‬
                                        ‫ّ‬
‫وهي �أول �أ�شكال املقاومة امل�سلحة التي انتهجها جماهدو فل�سطني منذ انطلق‬
‫العمل الفل�سطيني املقاوم، مع دخول الأفواج الأوىل لال�ستعمار الإجنليزي مطلع‬
               ‫القرن الع�رشين، ثم مع ا�ستفحال ال�رسطان اال�ستيطاين اليهودي.‬

‫توا�صل هذه النموذج وتطور مع تطور ال�سالح وتوفره ب�أيدي املجاهدين،‬
                                         ‫َ‬
                       ‫ً‬            ‫ً‬        ‫ً‬
‫فكان النموذج الأكرث ا�ستخداما و�شيوعا، وخ�صو�صا يف املراحل التي �شح‬
 ‫َّ‬
                                               ‫ّ‬
‫فيها ال�سالح التفجريي نظراً لقلة الإمكانات املادية، وانعدام اخلربات الب�رشية،‬
                                                     ‫و�ضعف التقنيات الإعدادية.‬

‫وبقيت عمليات �إطالق النار مرت ّبعة على �صدارة عمليات املقاومة من حيث‬
                          ‫َ َ‬     ‫ً‬
‫العدد حتى يومنا هذا، على الرغم من وجود كافة �أنواع و�أ�شكال العمليات‬

                                         ‫1 قناة (�إ�رسائيل الثّانية)، يف بثّها يوم 22/2/5002م.‬
‫79‬

‫الأخرى. وقد �أوردت قناة (�إ�رسائيل الأوىل) بتاريخ (8/2/5002م) تقريراً‬
                                                                ‫ً‬
‫�إح�صائيا لعدد عمليات املقاومة يف ال�سنوات الأوىل النتفا�ضة الأق�صى، فكان‬
‫عدد عمليات �إطالق النار (03731) عملية، مقابل (831) عملية ا�ست�شهادية‬
                                        ‫تفجريية، �أي بن�سبة (1) �إىل (99)(1).‬

‫ومع �أحداث االنتفا�ضة الأوىل، برزت عمليات �إطالق النار بكثافة،‬
                                                           ‫ً‬
‫خ�صو�صا مع انبثاق جنم حما�س، ثم بروز جناحها الع�سكري كتائب ال�شهيد‬
‫عز الدين الق�سام يف عام (1991م)، فكان �أ�سود املقاومة ال�شهداء (يا�رس‬
‫النمروطي، ويا�رس احل�سنات، وطارق دخان، و�إخوانهم...)، ثم ملع جنم ال�شهيد‬
‫القائد (عماد عقل) يف عام (2991ـ3991م) بعد �أن �أبدع وابتكر و�أجنز على‬
‫هذا ال�صعيد، لي�صبح �أحد �أعالم املرحلة وعناوينها البارزة، وا�ستحق لقب (�أ�سد‬
                                                                     ‫فل�سطني املل َّثم).‬

‫ثم برز املجاهدون ال�شهداء؛ (حممد عزيز ر�شدي)، و(جميل وادي)،‬
‫و(عو�ض �سلمي)، وع�رشات الق�ساميني الذين �صوبوا بنادقهم �إىل �صدور عدوهم‬
  ‫ّ‬                         ‫ّ‬               ‫ّ‬
                                     ‫ف�أثخنوا فيه، و�شفوا �صدور قوم م�ؤمنني.‬
                                              ‫ٍ‬
‫ولقد ا�ستطاعت عمليات �إطالق النار �أن توقع يف �صفوف االحتالل‬
‫�إ�صابات مبا�رشة وخ�سائر ب�رشية، بعد �أن كانت خ�سائره يف املقاومة ال�شعبية‬
‫حمدودة جداً، وبد�أت و�سائل الإعالم تتحدث عن جنودٍ تتهاوى، ومع�سكرات‬
‫ٍ‬                           ‫ّ‬                                ‫ً‬
 ‫َ‬             ‫َّ َ‬       ‫ُ‬
‫تُهاجم، ومركبات تُ�رضب، وهجمات تتواىل وتكرث بعددٍ �أرق االحتالل وتركه‬
                                       ‫ٍ‬              ‫ٍ‬
‫يف حرية من �أمره، فقُطعت الكثري من خطوط امل�ستوطنات والطرق االلتفافية،‬
                                                               ‫ٍ‬
‫مما ا�ضطر االحتالل �إىل ن�رش مئات احلواجز الع�سكرية ونقاط املراقبة، الأمر الذي‬
                                                                     ‫َّ‬
                                         ‫1 قناة (�إ�رسائيل الأوىل)، يف بثّها يوم 8/2/5002م.‬
‫89‬


                                 ‫ّ َ‬                   ‫ً‬     ‫ً‬
 ‫�أوجد �أهدافا جديدة �سهلة اال�صطياد، ومكن املقاومة من ا�ستهدافها و�رضبها!‬
                                                 ‫َ‬

‫ومن االمتيازات التي يراها البع�ض لعمليات �إطالق النار، �أنها تُخرج املقاومة‬
‫من احلرج الذي قد تَت�سبب به العمليات اال�ست�شهادية، التي قد تَظهر بنظر العامل‬
                                                     ‫َّ ُ‬             ‫َ‬
                            ‫ً‬      ‫ً‬
                           ‫�أنها عمليات �إرهابية، وت�أخذ �صدى �إعالميا وا�سعا.‬

                ‫ً‬
‫كما �أن ردة فعل االحتالل على العمليات اال�ست�شهادية عادة ما تفوق مثيلتها‬
                                                              ‫ّ‬
‫من عمليات �إطالق النار، �إذ قد ي�صل الأمر �إىل �إ�صدار قرارات االغتيال بحق‬
‫القادة ال�سيا�سيني كرد على العمليات اال�ست�شهادية يف العمق ال�صهيوين، كما‬
                                                   ‫ٍّ‬    ‫ّ‬
‫حدث مع القادة ال�شهداء؛ ال�شيخ �أحمد يا�سني، والدكتور عبد العزيز الرنتي�سي،‬
                   ‫واملهند�س �إ�سماعيل �أبو �شنب، والدكتور فتحي ال�شقاقي...‬

       ‫ً‬
‫�أما �صور و�أ�شكال عمليات �إطالق النار فقد تنوعت وتعددت تبعا لطبيعة‬
              ‫ّ‬      ‫ّ‬
 ‫الهدف، واملوقع، ونوعية ال�سالح، واملهمة املطلوبة. وميكن �أن تتلخ�ص بالآتي:‬

                              ‫�أ ـ ال�رضب من موقع ثابت نحو هدف متحرك:‬
                                ‫ّ‬
‫وذلك ب�أنْ يتمركز املجاهدون ب�أ�سلحتهم النارية يف نقطة ثابتة؛ انتظاراً‬
‫لهدف متحرك �سبق ر�صده، ك�سيارة جيب ع�سكري، �أو م�ستوطن �صهيوين،‬
                                           ‫ُ‬    ‫َ‬     ‫ّ‬
                                                                   ‫ّ‬
‫�أو حافلة ركاب �إ�رسائيلية، ثم االنق�ضا�ض عليها بقوة و�رسعة، وال َّنيل منها، ثم‬
  ‫االن�سحاب من املكان قبل و�صول تعزيزات العدو، والعودة �إىل نقطة الأمان.‬

                               ‫ب ـ ال�رضب من موقع ثابت نحو هدف ثابت:‬
‫ويقوم ذلك على االنق�ضا�ض على مع�سكر �صهيوين، �أو حاجز ع�سكري،‬
        ‫ٍ‬                 ‫ٍ‬
‫�أو جتمع ا�ستيطاين، �أو �أي هدف ثابت، ومباغتته وهو يف غفلة من �أمره، فيكون‬
                                               ‫ِّ‬                 ‫ّ ٍ‬
‫99‬

‫االنق�ضا�ض من نقطة ارتكاز �آمنة توفِّـر للمجاهدين اال�ستتار الذي يحافظ على‬
                                   ‫ُ‬
‫عن�رص املباغتة واالحتماء من ردة فعل العدو، ثم ي�سارع املجاهدون بعد تنفيذ‬
                                          ‫ّ‬
                                                        ‫املهمة �إىل االن�سحاب.‬

                           ‫ج ـ ال�رضب من موقع متحرك نحو هدف متحرك:‬
                             ‫ِّ‬            ‫ِّ‬
           ‫ً‬
‫وهي العمليات التي تعارف عليها املجاهدون ا�صطالحا بـ (عمليات‬
      ‫ّ َ‬
‫التجاوز)، وخري من ا�ش ُتهر بها ال�شهيد (عماد عقل)، حيث كان �أول من‬
‫بد�أَها. وتقوم عمليات التجاوز على �أنْ ت�ستقل اخللية �سيارة مدنية، ثم تعمد �إىل‬
                    ‫ً‬      ‫ُ‬      ‫َّ‬
‫مالحقة �إحدى �سيارات االحتالل الع�سكرية �أو املدنية دون �أنْ ت�شعر، وعندما‬
‫حتني الفر�صة املنا�سبة، ينطلق �سائق �سيارة املجاهدين بال�رسعة الق�صوى ليتجاوز‬
                                          ‫ُ‬                      ‫ُ‬
          ‫ِ ُّ‬
‫الهدف، ويف اللحظة التي ت�صبح فيها ال�سيارتان متوازي َتني؛ ُيطل املجاهدون‬
                                 ‫ّ‬
‫ب�سالحهم من نوافذ �سيارتهم، فيفرغون ما معهم من ر�صا�ص يف ال�سيارة‬
                                   ‫ُ‬        ‫ّ‬
                                ‫َ‬                     ‫ّ‬
‫امل�ستهدفة وركابها، ثم يوا�صلون �سريهم يف طريق االن�سحاب. مع مالحظة‬
                                                           ‫َ‬
                                             ‫ً‬
                       ‫�إمكانية �أنْ يكون التنفيذ وجها لوجه، ولي�س بالتجاوز.‬

                              ‫د ـ ال�رضب من موقع متحرك نحو هدف ثابت:‬
                                             ‫ِّ‬
 ‫ً‬       ‫ً‬           ‫َّ‬                     ‫َّ‬
‫وقد يكون هذا ال�شكل �أقل �أ�شكال الهجمات امل�سلحة ا�ستخداما و�شيوعا،‬
‫وعادة ما يكون الهدف يف هذه احلالة حاجزاً ع�سكريا، �أو دورية راجلة، �أو‬
           ‫ً‬          ‫ً‬                                          ‫ً‬
‫�صهاينة يتواجدون على حمطة ركاب، فيهاجمهم املجاهدون من داخل �سياراتهم‬
      ‫ّ‬
                            ‫فيجهزون عليهم، ثم ين�سحبون نحو نقطة الأمان.‬
                                                                     ‫ُ‬
‫001‬


                                                              ‫هـ ـ القن�ص:‬
‫وهو من �أ�ساليب املقاومة قليلة اال�ستخدام، وذلك لأنه يحتاج �إىل مهارة‬
‫ً‬       ‫َ‬
‫خا�صة ال ميلكها �إال من اجتهد بالتدرب عليها، وقبل ذلك ملك موهبة‬
                                   ‫ّ‬
‫ملمار�ستها. وميتاز هذا الأ�سلوب ب�أنه ال يحتاج �إىل الكثري من الرجال وال�سالح،‬
                            ‫كما �أنه ال يحوي ن�سبة خماطرة عالية تُعيق الق ّنا�ص.‬
                                                   ‫ٍ‬

‫وقد ا�ستخدمته املقاومة العراقية ب�شكل وا�سع، فا�شتهر (ق ّنا�ص بغداد) الذي‬
‫�أردى مئات اجلنود الأمريكيني وحلفاءهم، وقام بت�صوير عمليا ِته وب ّثها عرب‬
                 ‫ّ‬                    ‫َ‬        ‫ّ‬
                                             ‫ً‬       ‫ً‬        ‫ّ‬
‫الإعالم، ف�شكلت �إهانة و�صفعة للجي�ش الأمريكي وجنوده. بينما مل ت�ستخدمه‬
‫املقاومة الفل�سطينية على نطاق وا�سع، و�أبرز و�أجنح عمليات املقاومة الفل�سطينية‬
‫بهذا الأ�سلوب هي عملية (عيون احلرامية) البطولية، وكان بطلها وفار�سها (ثائر‬
 ‫ً‬        ‫ً‬
‫حماد) من حركة فتح، وقد �أثمرت عمليته تلك عن �أحد ع�رش قتيال �صهيونيا،‬
                     ‫ً‬
               ‫دون خ�سائر يف املقابل، فكانت من �أكرث العمليات جر�أة وقوة.‬

‫وقد جنحت كتائب الق�سام يف قن�ص عددٍ من جنود االحتالل ب�شكل متفرق،‬
  ‫ّ‬
                                                                    ‫ً‬
‫خ�صو�صا يف حميط قطاع غزة، ومنها ما ب ّثته عرب �رشيط تلفزيوين م�صور، يف �شهر‬
          ‫َّ‬
‫�أيّار من العام 7002م، حيث ا�ستطاعت قتل �أحد جنود االحتالل املتمركزين‬
                        ‫على ظهر د ّبابة �صهيونية تقف على حدود قطاع غزة.‬

‫ونلفت �إىل �أن ال�سالح الناري ا�ستخدم يف معظم �أ�شكال املقاومة الأخرى،‬
‫�سواء يف االغتياالت �أو عمليات اخلطف �أو يف حرب الأنفاق، بل �إنّ بع�ض‬
‫املجاهدين الذين كانوا يتوجهون لتنفيذ عملية ا�ست�شهادية تفجريية، كانوا‬
                                              ‫ّ‬
              ‫ي�صطحبون معهم �سالحا نار ّيا �صغرياً ال�ستخدامه وقت احلاجة.‬
                                             ‫ً ً‬
‫101‬


                                                  ‫ثالثاً: عمليات التفجري:‬
‫�شكلت عمليات التفجري، �سيما العمليات اال�ست�شهادية، التطور الأبرز‬
        ‫ّ‬                                                        ‫ّ‬
‫والقفزة ال ّنوعية يف تاريخ العمل الفل�سطيني املقاوم، فقد �أ�صبحت عمليات‬
‫التفجري ب�أ�شكالها عنوانَ املقاومة، والزخم احلقيقي لها، و�صاحبة احل�صيلة‬
         ‫َ‬                          ‫ّ َ‬
‫الكربى يف �إيقاع اخل�سائر والأ�رضار الب�رشية واملادية، والت�أثري الأكرب على العدو‬
 ‫ال�صهيوين، فقد �رضبت عمليات التفجري جميع �أ�صناف الأهداف الإ�رسائيلية.‬
                               ‫َ‬            ‫ُ‬

‫وقد دخلت عمليات التفجري مراحل عدة �صاحبت خمتلف مراحل املقاومة‬
                                                                 ‫ّ‬
‫امل�سلحة، ويف كل مرحلة كان يظهر على �ساحة املقاومة �أبطال ورموز �صبغوها‬
‫بطابع خا�ص ومميز، ومن �أبرز ه�ؤالء؛ ال�شهيد القائد واملهند�س الأول (يحيى‬
                   ‫عيا�ش)، الذي �أ�صبح عنوان املرحلة ورمز عمليات التفجري.‬

                           ‫َّ‬
‫وقد تطورت علميات التفجري ب�شكل مطرد على كافة ال�صعد، ف�ضاعفت‬
            ‫ُّ‬
‫املقاومة �أحجام العبوات، وا�ستخدمت مواد �أكرث قوة وقدرة على التدمري،‬
‫وطورت �أ�شكال العبوات و�أ�ضافت �إليها الكثري من ال ّتح�سينات، وتقدمت‬‫َّ‬
                                             ‫ّ‬
‫ب�صورة كبرية يف كيفية التحكم بالتفجري، بدءاً بالتفجري البدائي (ال�سلكي)،‬
      ‫ِّ‬
‫مروراً بنظام الألغام، و�صوال �إىل التوقيت، وانتهاء بالتفجري ا ّلال�سلكي عرب جهاز‬
                              ‫ً‬                     ‫ً‬
                                               ‫(الرميوت) �أو اخللوي (البلفون).‬

                                    ‫َ‬
‫ولتو�ضيح ذلك، نعر�ض فيما يلي ل�شكلني من �أ�شكال املقاومة امل�ستخدمة يف‬
                          ‫هذا املجال، وهما: العبوات، والعمليات اال�ست�شهادية:‬
‫201‬


                                                                ‫1 ـ العبوات:‬

‫وهو التفجري بدون وجود ا�ست�شهادي، ويكون بو�ضع عبوة نا�سفة يف طريق‬
‫الهدف، �أو يف موقع اكتظاظ، ثم القيام بتفجريها يف اللحظة املنا�سبة �إنْ كان التفجري‬
                 ‫ِ‬         ‫ِ‬
                                                                        ‫َّ ً‬
      ‫موجها، �أو تركها تنفجر وحدها �إنْ كانت تعمل بالتوقيت �أو بنظام الألغام.‬

‫وتُـعـد من �أبرز ميزات هذا الأ�سلوب، عدم احلاجة �إىل ا�ست�شهادي لت�شغيله،‬
                                 ‫ُ‬                    ‫ِّ‬          ‫َ ُّ‬
‫مبعنى عدم وجود خ�سائر ب�رشية يف �صفوف املقاومة، وبالتايل عدم ترك �آثار‬
                                                              ‫ّ‬
‫مادية ت�شكل بداية اخليط الذي قد ُير�شد �أجهزة الأمن ال�صهيونية �إىل ك�شف‬
                                                                     ‫ّ‬
                                                    ‫اخللية التي تقف وراء العمل.‬



                                            ‫ومن و�سائل العبوات امل�ستخدمة:‬

‫�أ ـ الُّلغم: وهو العبوة التي ال حتتاج �إىل من يفجرها، حيث ينفجر اللغم‬
                    ‫ّ‬
                                                                ‫ّ ً‬
‫تلقائيـا حال مرور الهدف بقربه �أو مالم�سته له. ومن الألغام ما حت�صل عليه‬
‫املقاومة جاهزاً؛ وهو اللغم الع�سكري من خملفات احلروب، �أو من حقول‬
‫الألغام املنت�رشة يف الوطن، ومنه ما ُيعده املجاهدون بطريقتهم البدائية اليدوية.‬
                                      ‫ِ ُّ‬
‫وقد ا�س ُتخدم بكرثة يف قطاع غزة. وبطبيعة احلال، ف�إن اللغم ال ميكن ا�ستخدامه‬
                                                            ‫ل�رضب �أهداف ثابتة.‬

‫ب ـ التّوقيت: وهو نظام قدمي، تكون فيه العبوة مو�صولة ب�ساعة حتدد وقت‬
     ‫ٍ ِّ‬       ‫ً‬
‫ً‬
‫االنفجار ح�سبما ي�ضبطها املقاومون، فتنفجر وحدها يف ذلك الوقت. وعادة‬
                                           ‫ّ‬
‫ما تُ�ستخدم يف الأماكن املكتظة والأهداف الثابتة، بعك�س الألغام، وال ميكن‬
                                                  ‫ا�ستخدامها لأهداف متحركة.‬
‫301‬

    ‫ّ‬                                                ‫ُّ ِّ‬
‫ج ـ التحكم ال�سلكي: حيث تُو�صل العبوة ب�سلك طويل، ينتهي �إىل بطارية‬
                                       ‫َ‬
                                           ‫َّ‬
‫كهربائية يحملها املقاوم املكلف بت�شغيل العبوة، و ُيو�صل قطبيها بالأ�سالك‬
                   ‫ِ‬
‫حلظة التفجري. وامل�شكلة يف هذا ال�شكل، �أن املجاهد م�ضطر �إىل االقرتاب منها‬
                   ‫ٌّ‬
‫لتفجريها ب�شكل قد يعر�ضه للخطر عند االن�سحاب، �إال �أنها ت�صلح للأهداف‬
                                                 ‫ِّ‬
          ‫ً‬
‫الثابتة واملتحركة، وهي دقيقة يف وقت االنفجار، مما مينحها قدرة �أعلى على‬
                                              ‫ٌ‬
                                        ‫ّ‬
‫�إ�صابة الهدف، كما �أنها �سهلة التحكم، وال حتتاج �إىل خربة كبرية يف الإعداد.‬
‫وقد ا�ستخدم املجاهدون هذا ال�شكل يف طرق امل�ستوطنات، وعلى ال�شّ وارع‬
                              ‫االلتفافية، و�أثناء االجتياحات يف �صد �آليات العدو.‬
                                       ‫ِّ ّ‬                             ‫ّ‬
                                                          ‫ّ‬
‫د ـ التحكم الّال�سلكي: ويكون با�ستخدام (الرميوت)، �أو (اخللوي)، وهو‬
‫�آخر ما ا�ستخدمته املقاومة يف العبوات املتفجرة. ومتتاز هذه الطريقة بدقّتها‬
‫يف الإ�صابة، والأهم من ذلك، �أنها توفّر مل�ستخدمها قدراً عاليا من الأمن،‬
          ‫ً‬
‫بحيث ميكن ت�شغيل العبوة يف �أي نقطة مهما بعدت عن موقع التفجري. وميكن‬
‫ا�ستخدامها للأهداف الثابتة واملتحركة على حد �سواء. �إال �أن م�شكلتها الأبرز‬
                                ‫ٍّ‬
‫تكمن يف �إمكانية الت�شوي�ش عليها، بحيث ال ت�ستقبل املوجات املوجهة �إليها،‬
          ‫َّ‬
                                                           ‫مما يعني �إمكانية تعطيلها.‬

‫و�إ�ضافة �إىل ما �سبق، فقد ا�ستخدمت املقاومة بع�ض الطرق غري املنت�رشة؛‬
‫كالتفجري عرب الظل، وال�صوت، وغريه... �إال �أنها بقيت يف نطاق �ضيق،‬
                                                         ‫وجتارب حمدودة مل تتكرر.‬
                                                           ‫ّ‬
‫وقد ا�ستخدمت املقاومة �أكرث من نظام ت�شغيل يف �آنٍ واحد، وذلك �إما بتزويد‬
                       ‫ً‬
‫العبوة ب�أكرث من �أداة ت�شغيل، �أو باال�ستعانة ب�أ�سلو َبنيِ معا لتجاوزِ �إِ�شكال معني.‬
‫ومثال ذلك؛ ما �أعده �أبطال خلية (�سلوان)، عندما �أرادوا و�ضع عبوة يف موقع‬
        ‫ٍ‬                                              ‫َّ‬
‫401‬

                                                                  ‫ُ‬
‫ال ت�صل �إليه خدمة ا�ستقبال (الرميوت)، ويف ذات الوقت، يكون بعيداً عن نقطة‬
‫الأمان م�سافة تزيد عن مائتي مرت، فقاموا بو�صل العبوة ب�سلك طوله مائتي مرت،‬
                ‫ٍ‬            ‫ِ‬
‫ثم �شبكوا يف نهايته جهاز ا�ستقبال، وابتعدوا عن املكان، ثم قاموا بت�شغيل العبوة‬
    ‫وتفجريها عرب (الرميوت)، وبهذا جتاوزوا م�شكلة الأمان وم�شكلة امل�سافة.‬



                                                  ‫2 ـ العمليات اال�ست�شهادية:‬

‫وهي �سيدة �أ�شكال املقاومة، و�صاحبة الباع الأطول يف �إيالم العدو و�رضبه‬
‫يف عقر داره، و�إيقاع القدر الأكرب من اخل�سائر املادية والب�رشية يف �صفوفه، وهي‬
‫متثل الت�ضحية والفداء واال�ستعداد الكامل وال�صادق لتقدمي الروح رخي�صة يف‬
   ‫ً‬
                                                             ‫ً‬
                                        ‫�سبيل اهلل، ون�رصة لهذا الوطن امل�سلوب.‬

‫ولقد انطلقت �رشارة العمليات اال�ست�شهادية التفجريية على يد املجاهد ال�شهيد‬
‫(�ساهر تـمام)، الذي افتتح عهداً جديداً يف البطولة والت�ضحيات، ثم تبعه ال�شيخ‬
                                                   ‫َ‬              ‫ّ‬
‫(�سليمان زيدان)، فاملجاهد (�سالمة الأحمد)... وتتابعت قافلة ال�شرَّف مو�صولة،‬
‫جنومها مقاتلو حما�س، ثم اجلهاد الإ�سالمي ورداً من الزمان، �إىل �أنْ دخلت احلركات‬
                                      ‫ِ‬
‫الفل�سطينية الأخرى نادي اال�ست�شهاديِّني، ف�أ�صبحت العمليات اال�ست�شهادية �ساحة‬
‫ً‬
 ‫َّ‬    ‫ِ‬                                                       ‫ً‬
‫لل ّتناف�س وميدانا للبذل والعطاء، وال زالت �أ�شواق اال�ست�شهاديِّني العظام تُ�سجل‬
                      ‫بنورِ الدماء الزكية املنبعثة من �أج�سادهم و�أ�شالئهم الطاهرة.‬
                                                                 ‫ّ ّ‬      ‫ِّ‬

                      ‫َ‬     ‫ُ‬             ‫ُ‬          ‫ّ‬
‫نعم! لقد �شكلت العمليات اال�ست�شهادية احللقة الأقوى يف فر�ض مبد�أ‬
  ‫َ‬     ‫ّ‬
 ‫(توازن الردع) الذي فر�ضته املقاومة على عدوها ال�صهيوين، وكلما زرع‬
                        ‫ِّ‬
                           ‫َ‬      ‫َ‬                     ‫ُ‬
‫االحتالل اخلراب والدمار والقتل واخلوف يف �صفوف ال�شعب الفل�سطيني‬
                                         ‫ّ َ‬     ‫َ‬
‫501‬

     ‫ُّ‬
‫الأعزل، كانت العمليات اال�ست�شهاد ّية تزرع وتكر�س حالة اخلوف والذعر يف‬
                ‫َ‬      ‫ِّ‬        ‫ُ‬
‫قلب الكيان ال�صهيوين، مما �أحال نهارهم �إىل ليل دام�س، و�أمـ َنهم �إىل خوف‬
‫ٍ‬              ‫ْ‬           ‫ٍ‬          ‫َ‬
                         ‫ّ ُ‬
‫قاتل، وا�ستقرارهم �إىل جزع وا�ضطراب. و�أول ما حتققت تلك املعادلة يف‬
                                          ‫ٍ‬          ‫َ‬
‫عمليات ال ّث�أر ملجزرة احلرم الإبراهيمي، عام (4991م): عمليات (العفّولة)‬
                                                                   ‫ّ‬
                                                   ‫و(اخل�ضرية) و(دزنغوف).‬

      ‫ً َ‬
‫وا�ستمرت العمليات اال�ست�شهادية حتى يومنا هذا وحقّقت جناحا ِتلو جناح،‬
                                               ‫ُّ‬
‫و�إجنازاً عقب �إجناز، تزرع الذعر والقلق يف قلب املحتل، وال ترتك له مدينة �إال‬
     ‫ً‬
                                                                ‫ّ ً‬
                                                 ‫هزتْها، وال جتمعا �إال �رضب ْته.‬
                                                                               ‫َّ‬
                             ‫ّ‬
‫وقبل �أن نختم احلديث عن �سالح التفجري، نذكر �أنه ا�س ُتخدم بالت�شارك مع‬
‫الأ�سلحة الأخرى يف الكثري من العمليات اجلهاد ّية، كال�سالح الناري، وحرب‬
‫الأنفاق، والكمائن اجلهادية... ومن الأمثلة على ذلك، عملية (عمنوئيل) البطولية،‬
‫التي ا�س ُتخدم فيها �سالح التفجري و�سالح �إطالق النار، وعملية (الوهم املتبدد)،‬
   ‫ِّ‬
‫التي ا�س ُتخدم فيها ال�سالح الناري وال�صاروخي يف التفجري، و�أدارها العن�رص‬
          ‫َ‬                                ‫ّ‬       ‫ِّ‬
     ‫اال�ست�شهادي، وحقّقت اجلرح والقتل واخلطف، ثم كان االن�سحاب الآمن.‬



                                            ‫رابعاً: عمليات االختطاف:‬
  ‫ّ‬            ‫ً‬                    ‫ً‬
‫وتلك �أكرث �أ�ساليب املقاومة �إيالما للعدو، و�أكرثها كلفة عليه، و�أ�شدها‬
          ‫ً‬                               ‫ً‬
‫جر�أة، و�أعالها �صدى �إعالميا.. ويلج�أ �إليها املقاومون عموما يف حماولة‬
‫ٍ‬                                                  ‫ً‬
‫مل�ساومة االحتالل على �إطالق �رساح الأ�رسى الأبطال يف �سجون االحتالل،‬
      ‫مقابل �إطالق �رساح الأ�سري ال�صهيوين الذي اختطفته املقاومة يف عمليتها.‬
          ‫ّ‬
‫601‬

                    ‫ً‬
‫�إال �أنّ املقاومة حتقِّق من خالل عمليات اخلطف �أهدافا �أخرى، منها احل�صول‬
                                                        ‫َ‬
      ‫ً‬
‫على معلومات �أمنية من خالل التحقيق مع الأ�سري (الع�سكري خ�صو�صا)، كما‬
                                                   ‫ٍ ٍّ‬
                                                        ‫َ ِ‬
‫ح�صل مع خطفة رجل املخابرات ال�صهيوين (�سا�سون)، ومنها �رضب معنو ّيات‬
       ‫العدو وال ّت�أثري على جنوده، ورفع معنويات املقاتلني والأ�رسى وال�شعب.‬

‫ومن �أبرز عمليات تبادل الأ�رسى التي �شهدتها فل�سطني؛ �صفقة التبادل‬
‫التي نفّذتها (القيادة العامة)، املعروفة ب�صفقة (�أحمد جربيل)، والتي جرت‬
‫عام (5891م)، و ُ�أطلق مبوجبها �رساح (0511) �أ�سرياً فل�سطينيا من �سجون‬
         ‫ً‬
‫االحتالل، ومنهم ال�شيخ (�أحمد يا�سني)، مقابل الإفراج عن ثالثة جنود �صهاينة‬
‫كانوا قد وقعوا �أ�رسى يف يد اجلبهة �أثناء غزو لبنان. ثم تكررت املحاوالت‬
            ‫ّ‬
                  ‫ً ُ ً‬
                 ‫مراراً، منها ما جنح جناحا جمزوءاً، ومنها ما ف�شل ف�شال مطلقا.‬
                                                     ‫ً‬

‫وقد عملت حركة حما�س طوال االنتفا�ضة الأوىل، ويف عهد �أو�سلو،‬
‫ويف انتفا�ضة الأق�صى، على اختطاف عدد من جنود االحتالل، فنجحت يف‬
‫�أ�رس ب�ضعة ع�رش جنديا، بدءاً من اجلندي ال�صهيوين (�آيف �سب�سورتا�س)، الذي‬
                                                    ‫ً‬
‫مت اختطافه يف العام (9891م)، و(�إيالن �سعدون)، و(ن�سيم طوليدانو)...‬
                                                                 ‫ّ‬
                                                              ‫ً‬
‫و�صوال �إىل رجل املخابرات (�سا�سون)، الذي اخ ُتطف يف العام (5002م)..‬
                                                                 ‫ً‬
‫�إال �أن �أيا من هذه العمليات مل ي�ؤد �إىل عقد �صفقة تبادل �أ�رسى مع االحتالل،‬
                                         ‫ِّ‬
                                            ‫فكان م�صريهم القتل دون مقابل.‬

‫و�أخرياً كان �أ�رس اجلندي ال�صهيوين (جلعاد �شاليط)، يف عملية غاية يف‬
        ‫ٍ‬
‫الروعة والإتقان، �أطلقت عليها الكتائب ا�سم (عملية الوهم املتبدد)، وال زالت‬
            ‫ِّ‬
‫احلركة ترت ّبع على �صدارة هذا اللون من العمليات منذ االنتفا�ضة الأوىل ب�صورة‬
                                             ‫�شبه مطلقة ال يجاريها فيها �أحد.‬
‫701‬


                                                     ‫خام�ساً: االغتياالت:‬
‫وهو �أ�سلوب ناجح من �أ�ساليب حرب الع�صابات التي ا�ستخدمها املقاتلون‬
    ‫ّ‬                               ‫ّ َ‬
‫عرب التاريخ، كان هدفه الأ�سا�س التخل�ص من قادة اخل�صم ورموزِ ه ومفكريه،‬
                    ‫ِ‬
                                                            ‫ُّ‬
‫و�إ�صابته بالذعر و�رضب معنوياته، والظهور مبظهر القادر على �إجناز �أي مهمة،‬
‫والو�صول �إىل �أي هدف تختاره (اجلاريال)، وحتقيق انت�صار �إعالمي و�سيا�سي..‬
‫ثم تثبيت مبد أ� توازن الردع، والرد على اعتداءات العدو واغتياالته لقادة‬
                                    ‫ّ‬        ‫َّ‬
                                                             ‫(اجلاريال).‬

‫وقد ا�ستخدم ر�سول اهلل [ هذا الأ�سلوب مرات عديدة، كان �أكرثها يف‬
                      ‫ٍ‬
‫حق اليهود، وذلك ملكرهم وحقدهم على الإ�سالم، و�سعيهم الدائم �إىل ح�شد‬
             ‫ّ‬                                                    ‫ّ‬
                                     ‫َ‬
‫�أعداء الإ�سالم يف مواجهته، حماولني ال َّنيل من هذا الدين و�أبنائه. ومن �أبرز تلك‬
‫االغتياالت التي تزخر بالعبرَ؛ حادثتي اغتيال ر�أ�س الكفر اليهود َّيني: (كعب بن‬
                                                    ‫ُ ِ‬
                                                 ‫الأ�رشف)، و(�سالم بن حقيق).‬

‫وقد ا�ستطاع [ من خالل هذه االغتياالت �أن يحمي امل�سلمني من ِف َتـن‬
‫ٍ‬
                   ‫ّ‬
‫عا�صفة ومعارك هوجاء، و�أن يفرق جماعات كانت تخطط ل�رضب الإ�سالم يف‬
                                    ‫ِّ‬
‫عقر داره، ف�أراح اهلل امل�سلمني من �رشورهم، ومن الدخول يف حروب ال يعلم‬
                                                                   ‫ثمنها �إال اهلل.‬

‫وا�س َتخدمت الدول واجلماعات يف الع�رص احلديث �أ�سلوب عمليات االغتيال‬
‫يف حاالت كثرية، بحق وبغري حق، ولعل �أكرث من ا�ستخدم هذا الأ�سلوب،‬
                                              ‫ٍّ‬         ‫ٍ‬
‫وبحق ال�شعب الفل�سطيني املرابط حتديداً، هو االحتالل ال�صهيوين، فانتهجه‬
                                                                     ‫ِّ‬
              ‫ِّ َّ‬                                           ‫ّ‬    ‫ً‬
‫�أ�سلوبا يتخل�ص من خالله من �أي جماهد �أو منا�ضل �أو مفكر �أرقَه. ومن �أبرز‬
‫801‬

‫�ضحايا االغتيال؛ ال�شهداء (�أحمد يا�سني، عبد العزيز الرنتي�سي، خليل الوزير‬
‫«�أبو جهاد»، �صالح خلف «�أبو �إياد»، فتحي ال�شقاقي، �أبو علي م�صطفى،‬
‫غ�سان كنفاين، �إ�سماعيل �أبو �شنب، �إبراهيم املقادمة، كمال عدوان، كمال‬
 ‫نا�رص، �سعد �صايل، �صالح �شحادة، يحيى عيا�ش، وغريهم الكثري الكثري...).‬

‫كما حاول االحتالل اغتيال (خالد م�شعل)، رئي�س املكتب ال�سيا�سي حلركة‬
                            ‫َ‬        ‫َّ‬                             ‫ّ‬
           ‫حما�س، �إال �أنّ حماولته باءت بالف�شل، ورد اهلل كيدهم �إىل نحورِ هم.‬

‫لذا، كان من املنا�سب �أن يكون الرد على جرائم االحتالل باملثل، حتى نحقّق‬
‫َ‬                                    ‫ُّ‬
‫النكاية والردع، ولكن �إحقاقا للحق، ف�إن جتربتنا الفل�سطينية متوا�ضعة جداً يف‬
                                                ‫ً‬       ‫ْ‬            ‫ِّ َ‬
‫هذا املجال، �إذ مل تنجح يف �إحداث ثغرات بارزة يف هذا اجلدار (جدار �أمن‬
                    ‫ٍّ‬                 ‫ّ‬
‫ال�شخ�صيات الإ�رسائيلية)، ومل تتمكن من الو�صول �إىل �أي من قادتهم ورموزهم‬
                                                                 ‫ّ‬
                                            ‫البارزين، رغم تكرار املحاوالت.‬

‫وقد �أجاد رفاق (اجلبهة ال�شعبية) يف عملية اغتيال الوزير ال�صهيوين احلاقد‬
                    ‫ّ‬
‫(رحبعام زئيفي)، �صاحب فكرة (الرتان�سفري)، والذي متكن مقاتلو اجلبهة من‬
‫الو�صول �إليه يف الفندق الذي يقيم فيه، فقتلوه رداً على اغتيال الأمني العام‬
                          ‫ّ‬
                                          ‫للجبهة ال�شعبية (�أبو علي م�صطفى).‬

‫لقد جرت حماوالت عديدة للو�صول �إىل ر�ؤو�س االحتالل، �إال �أنها بقيت‬
                                                            ‫ً‬
‫حماوالت حمدودة مل يرافقها الكثري من الإعداد، ولذا مل يحالفها النجاح، ومنها‬
                                                                   ‫ٍ‬
‫حماولة جماهدي �إحدى خاليا (القد�س) اغتيال الإرهابي �أوملرت، وحماولة اغتيال‬
‫(�شارون)، �إال �أنها مل تُوفَّق ومل يكتب لها النجاح، بل �إن �أكرثها مل يخرج عن‬
                           ‫ٍ‬     ‫ُ‬
‫دائرة الر�سم والتخطيط. بينما خطا الإخوة خطوات �أو�سع ملالحقة بع�ض الرموز‬
                                          ‫َ‬
‫901‬

‫امليدانية للعدو و�رضبهم، فكثرياً ما حدد املجاهدون هدفهم (زعيم م�ستوطنة)،‬
                                 ‫َّ‬
‫�أو (حاخام منطقة) �أو (خمتار بلدة)، فو�صلوا �إليه وقتلوه، ث�أراً لدماء �شعبهم، كما‬
                                                  ‫فعل املجاهد (�أحمد الفليت).‬

‫ومن املحاوالت املتقدمة التي يجدر ذكرها، على الرغم من �أنها مل ُيكتب‬
                                                ‫ّ‬
                        ‫ّ َ‬
‫لها النجاح الكامل؛ عملية خلية (�سلوان)، والتي متكن املجاهدون فيها من زرع‬
‫عبوة نا�سفة �أ�سفل �سيارة �ضابط �صهيوين كبري يف اجلي�ش االحتاليل كانوا قد‬
            ‫ر�صدوه، �إال �أنَّ العبوة مل تنفجر، فتم اكت�شافُها، ومن ثم تفكيكها.‬
                                        ‫َّ‬



                                                  ‫�ساد�ساً: حرب الأنفاق:‬
‫ب�سبب احل�صار اخلانق الذي فر�ضته قوات االحتالل يف قطاع غزة، والعزلة‬
   ‫ُ‬
‫التامة التي و�ضعوه فيها عرب اجلدار الإلكرتوين ال�سلكي الذي يحيط به من كل‬
                       ‫ِّ‬
‫َ‬
‫�أطرافه، ا�ضطرت املقاومة الفل�سطينية �إىل البحث عن طرق جديدة وم�سالك‬
        ‫ٍ‬     ‫ٍ‬
                              ‫ُ‬        ‫ِّ‬                  ‫ُ‬
‫ملتوية ت�صل عربها �إىل قلب عدوها فت�صيبه يف مقتل، فقامت مبحاوالت‬ ‫ٍ‬
                                     ‫ً‬      ‫ً‬      ‫ً‬
‫عديدة متنوعة مكانا وزمانا و�شكال الخرتاق الأ�سوار واقتحام امل�ستوطنات‬
                                                             ‫ّ‬
‫واملع�سكرات، فنجحت و�أخفقت، لكن االحتالل �ضاعف من احتياطاته‬
             ‫َ‬
‫الأمنية والع�سكرية املحيطة به وبكل موقع، حتى �أ�صبح كل جتمع ا�ستيطاين �أو‬
               ‫ّ‬
                                        ‫ع�سكري �أ�شبه ما يكون باحلزام الأمني.‬

                      ‫َّ‬
‫بحث املجاهدون عن �أ�سلوب يتجاوزون فيه كل هذه التح�صينات، فقدحت‬
  ‫َ‬
‫يف �أذهانهم فكرة �رسعان ما �أ�صبحت قراراً، ثم كان التنفيذ: �أ�سلوب جديد‬
‫ٌ‬    ‫ٌ‬                                                 ‫ٌ‬
‫غاية يف الروعة قامت فكرته على جت ُّنب املرور عرب حزام الأمان الذي يحيط‬
‫011‬

‫باملع�سكرات، والو�صول �إىل الهدف دون ا�ستخدام �سطح الأر�ض املك�شوف‬
 ‫ً‬
‫للرقابة، فكان الو�صول عرب باطن الأر�ض باحلفر على عمق ب�ضعة �أمتار عمود ّيا،‬
‫ثم احلفر الأفقي مل�سافة ت�صل �إىل مئات الأمتار، ومن ثم مفاج�أة العدو يف عقر‬
‫ً‬
‫م�أمنه، واالنق�ضا�ض عليه من �أ�سفل بقوة التفجري، و�إطالق النار، مدعوما‬
                     ‫ً‬
‫ب�سالح اال�ست�شهاديِّني الذين اختاروا لقاء ربهم عو�ضا عن العودة �إىل الأهل‬
                                                                    ‫والأحباب.‬

‫وقد حقّقت عمليات الأنفاق جناحا رائعا فاج�َأ ال�صديق و�أذهل العدو،‬
        ‫َ‬      ‫َّ َ‬             ‫ً‬     ‫ً‬
                                                                            ‫َّ‬
‫ف�شكلت له �أرقا وذعراً جعله ُيعيد ح�ساباته، ويهرع �إىل حماولة �إيجاد احللول التي‬
                                                              ‫َ ً ُ‬
                                                    ‫َ‬       ‫ً‬
‫مل تُغن عنه �شيئا، ف�أدخل ما ميلك من علم وتكنولوجيا وخربات، وا�ستعان ب�أذنابه‬
                                                                      ‫ِ‬
‫ِ‬         ‫َّ‬
‫وعمالئه، ثم بال�سلطة الفل�سطينية و�أجهزتها الأمنية، �إال �أنّ كل ذلك مل يف‬
                                           ‫ّ‬
‫بالغر�ض، ومل مينع الأبطال من موا�صلة احلفر والو�صول �إىل �أهدافهم، وتكرار‬
‫ً‬    ‫ً‬
‫حماوالتهم م�صحوبة بتطوير الأ�سلوب، حتى باتت (حرب الأنفاق) عامال مهما‬
                                                   ‫ً‬
        ‫من العوامل التي �رسعت يف قرار االحتالل باالن�سحاب من قطاع غزة.‬
                                                   ‫ّ‬
                                   ‫ً‬                         ‫ّ‬
‫لقد �شكلت عمليات الأنفاق قفزة نوعية يف العمل الفل�سطيني املقاوم،‬
                             ‫ًّ‬
                                                    ‫ً‬     ‫ً‬
‫وم ّثلت تطبيقا مثاليا للحكمة القائلة: (احلاجة �أم االخرتاع)، فكانت كتائب‬
‫الق�سام و ُلوداً لالخرتاعات التي جعلت التفوق الع�سكري وال ّتقني ال�صهيوين‬
                              ‫ّ‬                                 ‫َ‬
                                                      ‫ً‬
‫ال يقف حائال دون ا�ستمرار املقاومة وتوا�صل جناحاتها يف �رضب عدوها،‬
   ‫ِّ‬
‫وال زالت عمليات الأنفاق منذ ذلك احلني ح�رصاً على �أبناء كتائب الق�سام‬
                                                                      ‫و�أبطالها.‬
‫111‬


                                                                ‫�سابعاً: ال�صواريخ:‬
        ‫ّ‬
‫وهو �آخر ما تف ّتقت عنه عقلية البحث والتطوير الفل�سطينية املحلية. وكان‬
                                          ‫ّ‬
‫�إنتاج �أول �سالح �صاروخي فل�سطيني بتاريخ (03/01/1002م)، �إذ �أعلنت‬
                                          ‫ٍّ‬
‫كتائب ال�شهيد عز الدين الق�سام عن �إنتاج �صاروخ (ق�سام 1)، الذي �أ�صبح‬
                   ‫ِّ‬
‫ا�سمه عالمة م�سجلة ُيقـر بها العدو وال�صديق، وتُطلق على كل ال ّنماذج املماثلة‬
                                                     ‫َّ ِ ُّ‬      ‫ً‬
                                                                            ‫لهذا ال�صاروخ.‬

‫و�أول ما �صنع �صاروخ (ق�سام 1)، كان مبدى �إطالق ال يتجاوز (61كم)،‬
                                                       ‫ُ‬
‫وطول (51مرتاً)، ووزن يقل عن (03كغم)، ليفتح بابا وا�سعا من الإنتاج‬
           ‫ً‬      ‫ً‬
‫والتطوير ال�صاروخي بعده، فكان �صاروخ (ق�سام 2)، و �صاروخ (القد�س)،‬
          ‫ُّ‬
‫و�صاروخ (الأق�صى)، و�صاروخ (نا�رص)، و�صاروخ (اليا�رس)، كلها على خطى‬
‫�صاروخ الق�سام الأول، وبذات �أ�سلوبه ومبدئه ال ّت�شغيلي، فقد نقلت كتائب الق�سام‬
            ‫ً‬
‫املعلومات واخلربة والتجربة �إىل �سائر ف�صائل املقاومة الفل�سطينية، �سعيا منها لتعميم‬
             ‫التجربة وتو�سيع العمل وتطوير القدرات يف �رضب العدو ال�صهيوين.‬

                             ‫ً‬
‫ثم قفز الإنتاج ال�صاروخي احلم�ساوي قفزة �أخرى بت�صنيع �صواريخ م�ضادة‬
‫ٍّ‬
‫للدروع، حتت م�سميات: (�صاروخ البنا، �صاروخ اليا�سني، �صاروخ الب ّتار)،‬
                                                      ‫َّ‬           ‫ُّ‬
‫والذي �أثبت جناعة يف الت�صدي لآليات العدو املدرعة �أثناء حماوالتها اجتياح‬
                          ‫َّ‬            ‫ّ‬     ‫ّ‬         ‫ً‬
                                                             ‫مدن وخميمات قطاع غزة.‬

‫وقد �رصح �أحد مقاتلي كتائب الق�سام، وحدة �سالح ال ّت�صنيع، يف برنامج‬
                                                            ‫ّ َ‬
‫(يف �ضيافة البندقية)، الذي ب ّثته قناة اجلزيرة يف حزيران من العام (6002م)(1)،‬

                             ‫1 برنامج (يف �ضيافة البندقية) ـ قناة اجلزيرة الف�ضائية، حزيران/6002م.‬
                                                                       ‫ّ‬
‫211‬

                                             ‫ّ‬
‫�أنّ قاذف (‪ )RBJ‬كان يكلف خزينة الكتائب �أكرث من �أحد ع�رش �ألف دوالر‬
‫�أمريكي لل�سالح الواحد، بينما يتم ت�صنيعه اليوم ب�أيدي �أبطال الكتائب حتت‬
                                        ‫ُّ‬
                           ‫م�سمى (اليا�سني)، بتكلفة ال تتجاوز مئتي دوالر �أمريكي.‬
                                                         ‫ٍ‬                   ‫َّ‬
‫ولقد ا�ستطاعت �صواريخ الق�سام �إيقاع خ�سائر ب�رشية ومادية يف �صفوف‬
           ‫ّ‬
‫االحتالل، �إال �أنّ الأثر ال ّنف�سي واملعنوي ا ّلذي خلفه ال�صاروخ يف م�ستوطني‬
 ‫ِ ْ‬                   ‫ّ‬
‫املغت�صبات املحيطة بقطاع غزة ومدن االحتالل القريبة، بل ويف قادة حكومة‬
                           ‫َ‬
‫االحتالل و�أركان جي�شه و�أجهزته الأمنية، فاق الأثر املادي والب�رشي، حتى‬
                                                       ‫ً‬
‫�أ�صبح كابو�سا يزرع فيهم الرعب واال�ضطراب، بل و�أوجد (الهجرة الداخلية‬
 ‫ّ‬
‫ال�صهيونية)(1)؛ فكان م�ستوطنو املناطق امل�ستهدفة يفرون من حمم ال�صواريخ‬
            ‫ِ‬      ‫ّ‬
‫نحو مناطق ومدن �أخرى توفّر لهم مزيداً من الأمن، كما ح�صل على �سبيل‬
‫املثال يف مدينة (ا�سديروت) يف �شهر �أيار من العام (7002م)، عندما �أخلى‬
                   ‫ً‬
‫�أكرث من ن�صف امل�ستوط ِنني بيوتَهم نحو ال�شمال، هربا من كثافة ال�صواريخ‬
      ‫ّ‬
                                                                                        ‫الق�سامية.‬
                                                                                              ‫ّ‬
                             ‫ً‬         ‫ً‬                    ‫َّ َ‬
‫وقد �شكـل �صاروخ الق�سام عامال �أ�سا�سيا يف تثبيت مبد�أ (توازن الردع)‬
   ‫َّ‬
‫الذي ابتد أ�تْه العمليات اال�ست�شهادية، وكثرياً ما �أبدى االحتالل ا�ستعداده لوقف‬
      ‫َ‬
‫اعتداءاته �ضد ال�شعب الفل�سطيني والدخول معه يف هدنة، مقابل وقف �إطالق‬
                                                                      ‫ال�صواريخ على جتمعاته.‬
                                                                           ‫ّ‬

                                   ‫ً َ‬          ‫ً‬
‫وكان �صاروخ الق�سام عامال �إ�ضافيا دفع العدو �إىل ت�رسيع ان�سحابه من قطاع‬
                             ‫َّ‬
‫غزة، كما �أوجد و�سيلة �أخرى للو�صول �إىل العمق ال�صهيوين دون احلاجة �إىل‬
                                                   ‫ً‬
                                                   ‫ّ‬
‫1 «ا�ضطرت �سلطة ال�ضرّائب �إىل التخفي�ض على ال�سكان يف مدينة ا�سديروت بـ (31%)، جراء تعر�ضها الدائم‬
   ‫ّ‬       ‫ّ‬     ‫ّ‬                                                                             ‫ّ‬
                                                     ‫ّ‬
‫ل�صواريخ الق�سام، التي �أدى �سقوطها �إىل هجرة ال�سكان منها». �صحيفة (يديعوت �أحرنوت)، يف عددها ال�صادر‬
                                                                            ‫ّ‬            ‫ّ‬
                                                                               ‫يف 42/11/6002م.‬
‫311‬


                                   ‫ُ ُ‬
‫اخرتاق ال ّتح�صينات الأمنية امل�شددة واجلـدر الإلكرتونية والإ�سمنتية التي كانت‬
                                            ‫َّ‬      ‫ّ‬
                                                ‫تف�صل املجاهدين عن هدفهم.‬

‫وكان �أول من حاز �رشف �إنتاج �أول �صاروخ (ق�سام)، ال�شهيد البطل (ن�ضال‬
                          ‫ّ‬
‫فرحات)، بينما ُين�سب �إىل ال�شهيد (عدنان الغول) الف�ضل يف تطوير وت�صنيع‬
‫�صواريخ الق�سام وتقدمي امل�ساعدة املبا�رشة والعون ال ّنظري والعملي واملادي‬
‫للأجهزة الع�سكرية التابعة لف�صائل املقاومة على �ساحة (غزة) ل�صنع �صواريخ‬
                                                                       ‫مماثلة.‬

                                   ‫***‬
114
‫511‬




         ‫مناذجُ‬
      ‫ٌ‬
      ‫وتطبيقات‬
        ‫ق�ساميـة‬
           ‫ّ ّ‬
116
‫711‬




                ‫مناذج وتطبيقات ق�سامية‬
                     ‫ّ‬

‫يف ال�صفحات القادمة، �سنعر�ض مناذج من عمليات املقاومة الفل�سطينية‬
‫الق�سامية، ك�أمثلة على الو�سائل والأ�ساليب التي تعر�ضنا لها يف ال�صفحات‬
                   ‫ّ ْ‬                               ‫ٍ‬             ‫ّ‬
                                                              ‫ال�سابقة.‬

‫وقد ذكرنا �أنّ املقاومة ا�ستخدمت يف عملياتها �أ�ساليب قتالية منفردة،‬
         ‫ّ‬                  ‫ّ‬           ‫َ‬      ‫َ‬
‫وا�ستخدمت يف عمليات �أخرى �أ�ساليب قتالية م�شترَكة؛ فدجمت بني الإطالق‬
                              ‫ُ‬
          ‫ّ‬
‫والتفجري، و�أ�رشكت العمل اال�ست�شهادي باجلهد اال�ستخباري، ووظفت الأنفاق‬
         ‫يف خدمة الهجمات ال ّنارية وال ّتفجري ّية وعمليات اخلطف وهكذا...‬

‫ومن الأمثلة الكبرية التي ت�ستحق اال�ستدالل بها، عملية (ال�سهم ال ّثاقب)،‬
              ‫َّ‬                         ‫ّ‬
‫التي ا�ستخدم فيها املقاومون الأ�سلوب اال�ستخباري (العميل املزدوج)،‬
‫وحرب الأنفاق، وال�سالح ال ّناري مع ال�سالح املتفجر، �إ�ضافة �إىل �سالح‬
           ‫ً‬         ‫ِّ‬
                                                             ‫اال�ست�شهاديِّني.‬

                                                    ‫ف�إىل هذه النماذج..‬
‫811‬


                                                            ‫املقاومة ال�شعبية:‬
                                                          ‫�أ ـ حرب ال�سكاكني:‬
                                                                 ‫ّ‬
                                                                     ‫عملية يافا‬
                                                   ‫الزمـان: 41/2/5991م.‬
                                                                    ‫ّ‬
                                                          ‫املـكـان: مدينة يافا.‬
  ‫املنفِّذون: مروان الزايغ ـ غزة (�شهيد)، و�أ�رشف البعلوجي ـ غزة (م�ؤ َّبد).‬
                                                          ‫النتيجة: ثالثة قتلى.‬
‫حلت الذكرى الثالثة النطالقة حركة املقاومة الإ�سالمية حما�س، فقرر‬
‫َّ َ‬                                                             ‫َّ ْ‬
                                                                       ‫َ‬
‫بطالنا: مروان و�أ�رشف، االحتفال باملنا�سبة على طريق ِتهما اخلا�صة، وتقدمي‬
                                            ‫هدية االنطالقة �إىل ال�شعب و�شهدائه.‬

            ‫َ‬         ‫َ‬     ‫ّ‬
‫كان الأخوانِ يعمالن يف مدينة يافا املحتلة، فخبرِاها وعرفا تفا�صيلها‬
                                                                ‫َ‬
‫ب�شوارعها وبناياتها، ف�أعدا نف�سيهما �إعداد من َيقدم �إىل لقاء ربه. ومع فجر‬
              ‫ِّ‬        ‫ُ‬                     ‫ْ‬      ‫ّ‬
                                   ‫ِ ّ‬
‫ذلك اليوم، حزما طعامهما، و�أخفَيا به �سكي َننيِ لتنفيذ املهمة، وانطلقا �صوب‬
                                                ‫ْ‬      ‫َ‬      ‫َ‬
                                                                 ‫ِّ‬
                 ‫هدفَيهما متوكلني على اهلل عز وجل، �سائلي َنه التوفيق والنجاح.‬
                                                  ‫َّ‬

‫و�صال امل�صنع الإ�رسائيلي الذي يعمالن فيه ويعرفانه حق املعرفة، كان الوقت‬
                   ‫َّ‬                                                 ‫َ‬
                                                                             ‫َ‬
‫مبكراً، ومل يفتح امل�صنع �أبوا َبه بعد، فانتظرا حتى ح�رض العامل امل�س�ؤول عن فتح‬
                         ‫َ‬
    ‫ً ْ‬          ‫ّ‬
‫امل�صنع، فتبِعاه �إىل الداخل، وب�شكل مباغت انهاال عليه بال�سكني طعنا، ف�أردياه‬
                                    ‫ٍ‬     ‫ٍ‬
                                                                               ‫ً‬
‫قتيال على الفور، ثم قاما ب�إخفاء اجلثة و�إزالة �آثار الدماء انتظاراً لقادم جديد، فلم‬
                                                               ‫تنته مهمـ ُتهما بعد.‬
                                                                           ‫ِ ّ‬
‫جاء العامل الثاين بعده بقليل، ففعال به ما فعاله مع زميله الأول، و�أحلقاه به،‬
‫911‬

‫ثم جل�سا انتظاراً للتايل، وكانت جم ّندة �صهيونية يف جي�ش االحتالل، فانق�ضا‬
  ‫ّ‬                          ‫ً‬      ‫ً‬
                            ‫ً َّ ً‬                       ‫ّ‬      ‫ً‬
                   ‫عليها طعنا بال�سكني، حتى وقعت �رصيعة ملطخة بدمائها.‬

‫�أثناء ذلك، ُ�أ�صيب املجاهد (�أ�رشف) بجراح عميقة يف يده، جراء �رضبة‬
‫ٍ‬       ‫ّ‬
                                ‫ً‬                     ‫َ‬      ‫ّ‬
‫خاطئة بال�سكني، نزف على �إثرها دماء غزيرة بد�أت تُفقده توازنَه وقدرته على‬
                                      ‫ً‬                             ‫ٍ‬
    ‫َ‬                    ‫َ‬                   ‫َ‬
‫اال�ستمرار، عندئذ قررا تعديل اخلطة، واالن�سحاب من املوقع، واالكتفاء مبا‬
                                                      ‫ّ‬
                           ‫�أجنزاه، مع �أنّ عزمهما ونيتهما كانت اال�ستمرار...‬
                                                  ‫ّ‬      ‫َ‬
‫وقبل االن�سحاب، ك َتبا بالدهان على جدران امل�صنع �شعارات حم�ساو ّية،‬
            ‫ٍ‬                            ‫ِّ‬
                     ‫ً‬
‫تعلن م�س�ؤولية احلركة عن التنفيذ، و�أنهما جاءا احتفاال بذكرى االنطالقة،‬
                                                           ‫ّ‬
‫ثم بدءا باالن�سحاب. توجه الأخ مروان �إىل قطاع غزة، بينما �آثر الأخ �أ�رشف‬
                                                  ‫َّ‬
‫االن�سحاب �إىل مدينة رام اهلل، خ�شية انك�شاف �أمره على حاجز �إيرز، ب�سبب‬
                       ‫ِ ِ‬          ‫َ‬
                                                             ‫الإ�صابة يف يده.‬

        ‫َ‬                  ‫ً ًّ‬
‫جن جنون االحتالل، وبد�أ ي�رضب مينة وي�رسة عله ي�صل �إىل املجاهدين، وقام‬
                                     ‫ُ ً‬                             ‫ُ َّ‬
‫بحملة اعتقاالت �رش�سة هي الأو�سع يف ذلك احلني بحق قيادات وعنا�رص و�أن�صار‬
                        ‫ِّ‬
‫احلركة يف ال�ضفة الغربية وغزة، حتى زاد عدد املعتقلني فيها عن (0041)‬
                                                                      ‫جماهد.‬
‫021‬


                                 ‫ب ـ ا�ستخدام ال�سيارات يف املقاومة ال�شعبية:‬
                                                   ‫الزمان: 11/01/5991م.‬
                                                 ‫املكان: تل الربيع (تل �أبيب).‬
                                  ‫املنفِّذ: راتب زيدان ـ ِقبية/رام اهلل، (م�ؤ َّبد).‬
                                  ‫النتيجة: مقتل ثالثة جنود، وجرح �آخرين.‬
‫يف ذكرى جمزرة ( ِقبية)، كان (راتب) على موعد مع الث�أر، فقد انتظر حلول‬
           ‫ً‬                                          ‫َ ُ ِّ‬
‫الذكرى لينفّذ هجومه فيعلم املحتل �أن جمزرته الب�شعة �ستبقى حمفورة يف ذاكرة‬
                                 ‫ً‬      ‫ّ َ ُ ً‬
‫�أبناء القرية و�أبناء فل�سطني، لت�شكل ملهِ ما ودافعا ملوا�صلة اجلهاد واملقاومة، و�أنه‬
                                                ‫�سيدفع ثمن جرميته مرات ومرات.‬
                                                       ‫ٍ‬

         ‫ّ َ‬          ‫ّ‬            ‫َ‬       ‫َّ‬
‫ا�ستيقظ جماهدنا فجراً، تو�ض�أ و�ضوءه لل�صالة، ودع زوجته وقبـل �أوالده،‬
                                                         ‫ُ‬
‫وم�ضى �إىل م�سجد القرية لأداء �صالة الفجر. ثم انطلق ب�سيارته وعيونُه تنظر �إىل‬
                               ‫َ ِّ‬
‫حواري وبيوت و�أرا�ضي القرية نظرة مودع، وولىّ وجهه �شطر (تل الربيع)،‬
                   ‫َ‬
                                                              ‫لتكون م�رسح بطول ِته.‬
                                                                        ‫َ‬
       ‫ً‬       ‫ً‬                              ‫ِّ ً‬
‫طاف (راتب) كالن�رس حملقا فوق �أر�ضه، عيناه حتدقان ذهابا و�إيابا تبحثان‬
                        ‫ّ‬
‫عن فري�سة ينق�ض عليها، حتى وجد �ضا ّلته، حمطة انتظارٍ تعج بجنود االحتالل،‬
                ‫ُّ‬                                         ‫ُّ‬
           ‫ٍ‬                ‫ّ‬
‫ف�أطلق ل�سيارته العنان لتدو�س ر�ؤو�س املحتلني، فتجعلهم كع�صف م�أكول بني‬
                                                            ‫ّ‬
                                                                        ‫قتيل وجريح.‬
                                                                               ‫ٍ‬

‫ومن الأمثلة الأخرى على عمليات املقاومة ال�شعبية وحرب ال�سكاكني؛ ما‬
          ‫ّ‬
        ‫ّ‬                                                      ‫ٌّ‬
‫نفّذه كل من املجاهدين: عامر �أبو �رسحان، عماد زيدان، �إياد البطاط، وهيب‬
                                                    ‫ِ‬
‫�أبو الرب، زيد الكيالين، ماهر �أبو �رسور، �أحمد الفليت، من�صور ريان، هيثم‬
‫121‬

‫جملة، ف�ؤاد �أبو العمرين، هاين جابر، وجمموعة عملية م�صنع كارين، ووحدة‬
                  ‫بدر، وخلية البلدة القدمية يف اخلليل، و�أمثلة كثرية �أخرى...‬

‫ومثلها �أمثلة على عمليات املقاومة ال�شعبية الأخرى: ال�سيارات، واحلجارة،‬
                                                          ‫ٌ‬
‫والزجاجات احلارقة. ومنهم املجاهد ال�شخ�شري، و�ساهر التمام، وجمموعة‬
                                                 ‫امل�ساكن ال�شعبية ـ نابل�س...‬
                                                              ‫ّ‬


                                                 ‫عمليات �إطالق النار:‬
                       ‫�أ ـ �إطالق النار من موقع متحرك نحو هدف متحرك:‬
                         ‫ِّ‬            ‫ِّ‬
                                                         ‫عملية ال�شجاعية‬
                                               ‫الزمان: 7/21/2991م.‬
                                     ‫املكان : حي ال�شجاعية ـ مدينة غزة.‬
              ‫املنفِّذون: عماد عقل ـ غزة، وكان م�س�ؤول اخللية، (�شهيد).‬
                      ‫جميل وادي ـ غزة، وهو �سائق املجموعة، (�شهيد).‬
                                                   ‫حمدي ان�صيو ـ غزة.‬
                                             ‫النتيجة: مقتل ثالث جنود.‬
‫وهي من �أوائل عمليات التجاوز التي �أبدع فيها القائد عماد. حيث انطلق‬
                           ‫ّ‬      ‫َ‬    ‫ٌّ‬
‫الأبطال ب�سيارتهم وقد اتّخذ كل موقعه، وتوجهوا �صوب ال�شارع الذي حددوه‬
   ‫ّ‬                                                     ‫ّ‬
‫م�سبقا، ثم �سارت ال�سيارة على مهل انتظاراً ملرور الهدف، وبعد قليل الح جيب‬
    ‫َ‬                                   ‫ٍ‬                          ‫ً‬
‫ع�سكري من بعيد ي ّتجه �صوبهم، ف�أعطى القائد عماد �أوامره ب�أنْ تبقى ال�سيارة‬
   ‫ّ‬                 ‫َ‬
‫على �سريها الطبيعي؛ لأنهم ال يريدون مهاجمة وجه لوجه، بل االنق�ضا�ض على‬
                                          ‫اجليب من نقطة �ضعفه من اخللف.‬
‫221‬

                                                  ‫ّ‬
‫وهكذا تخطاهم اجليب، بينما بقوا يف م�سارهم، وما �أن اختفى عن‬
‫�أنظارهم حتى ا�ستدارت ال�سيارة ب�رسعة، وانطلقت تلحق بفري�س ِتها، وت�أهب‬
 ‫ّ َ‬
‫البطالن للمهمة: عماد يتكفّل باجلندي اجلال�س يف املقعد اخللفي، بينما يقوم‬
                                ‫�أحمد مبهاجمة اجلند َّينيِ اجلال�سنيِ يف املقدمة.‬
                                   ‫ِّ‬           ‫َ‬
‫تقدم جميل مبهارة حتى �أ�صبحت ال�سيارة مبحاذاة اجليب، وتالقت املر�آتان،‬
                                                      ‫ٍ‬            ‫َّ‬
‫ويف تلك اللحظة �ضغطت الأ�صابع على الزناد، وانطلقت احلناجر بال ّتكبري،‬
                                ‫ِّ‬
              ‫َّ‬
‫واندفعت الر�صا�صات لت�ستقر يف �أج�ساد اجلنود الثالثة الذين متلك ْتهم احلرية،‬
                                                  ‫َّ‬             ‫َّ‬
                ‫َ‬                     ‫َّ‬
‫فلم ي�ستيقظوا منها �إال وقد تخطفهم املوت. وعندئذ �ضغط جميل على دوا�سة‬
    ‫ّ‬
                                                 ‫البنزين ليغادروا املوقع �آمنني.‬

‫ومثلها كانت جمموعة من عمليات ال�شهيد عماد عقل و�إخوانه: عملية‬
                                           ‫ٌ‬
‫اخلليل يف 22/01/2991م، وعملية احلاووز يف 21/21/2991م، وعملية‬
‫تقّوع يف 8/7/3991م، وعملية (كريات �أربع) يف �آذار من العام 3991م،‬
‫وعملية (قرن ثور) يف ني�سان من العام 3991م. وعمليات خلية �صوريف:‬
‫يف 7/1/6991م، ويف 72/7/6991م، وعملية مفرق بني نعيم يف‬
           ‫8/21/0002م، وعملية الفح�ص يف كانون الأول عام 5002م.‬
‫321‬


                           ‫ب ـ �إطالق النار من موقع متحرك نحو هدف ثابت:‬
                                          ‫ِّ‬
                                                                 ‫عملية ع�صيون‬
                                                   ‫الزمان: 71/01/5002م.‬
                                 ‫املكان: موقف حافالت (ع�صيون) ـ اخلليل.‬
                   ‫املنفِّذون: حممد اجلوالين ـ اخلليل، وهو �سائق املجموعة.‬
                                                     ‫�شكيب العويري ـ اخلليل.‬
                                                         ‫مو�سى وزوز ـ اخلليل.‬
                                          ‫النتيجة: ثالثة قتلى، و�أربعة جرحى.‬
           ‫ٌ‬                       ‫ٌ‬     ‫ٌّ‬       ‫َ ٌ‬
‫(ع�صيون)، م�ستوطنة �صهيونية قريبة من مدينة اخلليل، ح�صينة يف موقعها،‬
‫حتيطها م�ستوطنات وحواجز ومع�سكرات و�أبراج مراقبة، وكانت الطريق‬
                             ‫ُ‬         ‫ٌ‬             ‫ُ‬           ‫ٌ‬
                                ‫ّ ّ‬                                ‫َ ِ ً‬
‫امل�ؤدية �إليها خطرة لكرثة املركبات الإ�رسائيلية املارة فيها، ولكرثة احلواجز ال ّثابتة‬
                                                                                ‫ِّ‬
    ‫والطيارة املوجودة ب�صورة �شبه دائمة عليها، مما جعلها ذات ح�صانة ومنعة.‬
                                                                     ‫ّ‬
‫قرر املجاهدون اخرتاق ح�صانتها، و�رضب الغا�صبِني على �أبوابها، وتقدمي‬
                                                                  ‫ّ‬
‫�رضبتهم هديّة ث�أرٍ يف الذكرى الهجرية ملجزرة احلرم الإبراهيمي يف 51رم�ضان.‬
                                                             ‫َ‬
               ‫ً‬                                     ‫َ‬
‫عر�ض حممد الفكرة على �إخوانه، فلم تلق بادئ الأمر قبوال، وذلك خلطورتها‬
                                ‫َ‬                                 ‫َ‬
‫وارتفاع ن�سبة املراهنة واملجازفة فيها، �إال �أنّ اجلميع تدار�سها بعد �أن قُدمت‬
  ‫ِّ‬             ‫َ‬     ‫َ‬
                                                         ‫ّ‬
      ‫التفا�صيل الكاملة للخطة املقرتحة، فاتّفقوا على ال�شرُّوع يف الإعداد لها..‬

‫وعلى مدخل امل�ستوطنة، يوجد موقف للحافالت ال�صهيونية، يقف عليه‬
                              ‫ٌ‬
                          ‫ّ‬                               ‫َ‬          ‫ّ‬
‫�سكان امل�ستوطنة انتظاراً حلافالت ومركبات تُقلهم يف طريقهم �إىل م�ستوطنة‬
‫(كريات �أربع) وغريها من امل�ستوطنات واملع�سكرات ال�صهيونية املحيطة، فاتّفق‬
‫َ‬                ‫ّ‬
‫الإخوة على �أن يكون هذا املوقف مق�صدهم، ولعلمهم بخطورة املوقع، قرروا‬
   ‫ّ‬
‫421‬

‫االعتماد على مبد�أ ال�سرّعة واملباغتة؛ بحيث ال ي�ستغرق الهجوم واالن�سحاب‬
                          ‫�أكرث من ب�ضع دقائق، ي�صلوا بعدها �إىل منطقة الأمان.‬

‫وفَّـر الإخوة ر�شا�ش (كارلو غو�ستاف)، �إ�ضافة �إىل ر�شا�ش املجموعة‬
                       ‫ً‬                                       ‫َ‬
‫(الكال�شنكوف)، وذلك لزيادة قوتهم ال�ضاربة، مما يوفّر لهم نتائج �أف�ضل،‬
                                         ‫ّ‬
                                                  ‫ً‬
                             ‫و�رسعة يف الأداء، وقدرة على مواجهة �أي طارئ.‬
                                                                   ‫ً‬

‫َ�أعد املجاهدون �أنف�سهم كما اقت�ضت اخلطة، وانطلقوا للعمل.. حتى‬
                                                  ‫َ‬                   ‫َّ‬
‫ً‬                     ‫ُّ‬
‫و�صلوا املوقع قُبيل املغرب بقليل، فوجدوا فيه ما ال يقل عن اثني ع�رش م�ستوطنا‬
                                                                  ‫ً‬
‫يهوديا يقفون يف املحطة، وال تقف معهم �أي حرا�سة، ففرحوا بذلك وا�ستب�رشوا‬
                                ‫ُّ‬
‫بنجاح املهمة، ثم وا�صلوا ال�سري يف ال�شارع لتفح�صه، ففوجئوا بوجود حاجز‬
                       ‫ّ‬               ‫ّ َ‬
                                                  ‫ً‬
‫ع�سكري يرب�ض قريبا من مدخل خميم (العروب)، و�شعروا ب�أن هذا احلاجز‬
                             ‫ّ‬
           ‫ّ‬
‫�سيف�شل مهمتهم. وبعد درا�سة للمعطيات اجلديدة، ومراجعة للخطة، وت�شاورٍ‬
                ‫ٍ‬                ‫ِ‬        ‫ٍ‬               ‫ّ‬       ‫ُ‬
‫فيما بينهم، قرر الإخوة اعتبار مهم ِتهم ا�ست�شهاديةً، و�أنْ ُيقدموا على تنفيذها‬
               ‫ِ‬                             ‫َ ّ‬               ‫َّ َ‬
                                                            ‫ّ َ‬
‫مهما كلف الأمر، فوجود هذا العدد الكبري من امل�ستوطنني يغري بالتنفيذ،‬
                          ‫ً‬
                  ‫وا�ستعداداتهم ال�سابقة والطويلة تعطي فر�صة جيدة للنجاح.‬
                               ‫ً‬

‫َّ‬                                                               ‫ُ‬
‫عاد الإخوة �إىل موقع التنفيذ، وقبالة املحطة ومن فيها من امل�ستوط ِنني، �أطل‬
‫املجاهدان �شكيب ومو�سى من النافذة ب�أ�سلح ِتهم، و�شرَعا ب�إطالق النار، حيث‬
                     ‫َ‬
‫ّ َ‬                                             ‫ً‬
‫�أطلق �شكيب كمية كبرية من الر�صا�ص من �سالحه (الكال�شنكوف)، فيما تعطـل‬
                                                      ‫ً‬
                              ‫�سالح مو�سى (الكارلو)، ومل ُيطلق �أي ر�صا�صة.‬

                        ‫َ‬
‫ثم �سارعوا باالن�سحاب، وقاد حممد ال�سيارة بال�رسعة الق�صوى باجتاه‬
                                                          ‫َ‬
‫احلاجز، و�أخذ �شكيب ومو�سى ُيعدان ال�سالح من جديد؛ ا�ستعداداً لال�شتباك‬
                                        ‫ِ ّ‬
‫521‬

‫مع اجلنود املتواجدين على احلاجز �إنْ َلزم الأمر. فعال، و�صل الإخوة �إىل احلاجز‬
                   ‫َ‬     ‫ً‬           ‫َِ‬
‫الذي يبعد عن موقع التنفيذ �أقل من كيلو مرت واحد، وتوقّعوا �أنْ يكونَ اجلنود‬
‫بانتظارهم، فوجدوا �أنّ الأخبار مل ت�صل �إليهم بعد، و�أ�صوات الر�صا�ص مل تتناه‬
‫َ‬                                              ‫َ‬
‫�إىل م�سامعهم، فمر جماهدونا ب�سالم، وانطلقوا يف طريق العودة فَرحني مبا وفّقهم‬
           ‫ِ َ‬                                             ‫َّ‬     ‫ِ‬
                                                                      ‫اهلل �إليه.‬

                                  ‫ومن العمليات التي نُـفِّذت بذات الأ�سلوب:‬

‫عملية حاجز (دورا القرع)، يف 2/11/1002م، وعملية (كريات �أربع)،‬
                                      ‫وعملية (حجاي) يف حزيران 5002م.‬



                         ‫ج ـ �إطالق النار من موقع ثابت نحو هدف متحرك:‬
                           ‫ِّ‬
                                                         ‫عملية (غان تال)‬
                                      ‫املكان: م�ستوطنة (غان تال) ـ غزة.‬
                         ‫اخللية: �إبراهيم �سالمة ـ خانيون�س/غزة، (�شهيد).‬
                                                          ‫براء الأغا ـ غزة.‬
                               ‫جمال مو�سى ـ غزة، وهو �سائق املجموعة.‬
               ‫النتيجة: قتل جند َّيني و�إ�صابة ثالث، وغنيمة �سالح ر�شا�ش.‬
‫جاءت �أعني الر�صد ب�صيدٍ ثمني؛ جيب ع�سكري يتجول منفرداً يف ال�شارع‬
                    ‫ّ‬                               ‫َّ‬
‫الأمني مل�ستوطنة (غان تال)، فكان قرار الإخوة وعلى ر�أ�سهم جرنال الكتائب‬
‫(جميل وادي) �رض َبه واال�ستيالء على �سالح اجلنود فيه، فا�ستدعى املجموعة،‬
                                         ‫َ‬
                     ‫ّ َ‬
             ‫وو�ضعهم بال�صورة، وتدار�سوا التفا�صيل، و�أعدوا خطـة الهجوم.‬
                            ‫ّ‬
‫621‬

‫انطلق الأبطال: �إبراهيم، وبراء، وجمال، مع �ساعات الفجر الأوىل �صوب‬
     ‫َّ‬                              ‫َّ َ‬
‫امل�ستوطنة، وعند نقطة حمددة، ترجل املجاهدان؛ �إبراهيم وبراء، وتقدما من‬
                                             ‫َّ‬
                  ‫َ‬
‫ال�سلك ال�شّ ائك املحيط بامل�ستوطنة، وبدءا باحلفر �أ�سفله بهمة و�رسعة، ذلك‬
            ‫ٍ‬
                                ‫َّ‬                               ‫ّ‬
‫�أنّ اخلطة التي ر�سموها تقت�ضي ب�أنْ يت�سلال من حتت ال�سلك، لكنهما ا�صطدما‬
                           ‫ب�سورٍ �أ�سمنتي مدفونٍ يف الرمال منعهما من التقدم..‬
                              ‫ّ‬           ‫َ‬                    ‫ٍّ‬
‫�أُ�صيب الأخوان ب�صدمة وحرية، ولكن ملعرفة براء باملنطقة، �أ�شار �إىل موقع‬
 ‫ٍ‬          ‫َ‬                   ‫ِ‬      ‫ْ‬                      ‫َ‬
       ‫ً‬       ‫ً‬                                    ‫ً‬     ‫ً‬
‫قريب يحوي مدخال بديال، فانطلقا �إليه دون تردد، ووجدا مدخال منا�سبا نَـفذا‬
                         ‫َ‬        ‫ُّ‬
                                                                 ‫منه �إىل الداخل.‬

                                         ‫ً‬
‫مل يكن موقع التنفيذ مثاليا، فاالحتالل �أحكم حرا�سته للم�ستوطنة، ومل‬
‫يرتك يف املحيط �أ�شجاراً �أو �سواتر طبيعية ت�سمح للمهاجم �أن يحتمي بها �أو‬
        ‫َ‬
  ‫َ‬                      ‫ً ًّ ًّ‬
‫ي�سترت خلفها. كما وجد املجاهدان �شارعا ترابيا �أمنيا يحيط بامل�ستوطنة ليزيدها‬
                                                        ‫َ‬              ‫َ‬
                           ‫ً‬
‫ح�صانة وم َنعة، �إال �أن الأبطال تخيرَّا �شجريات �صغرية �أ�شبه باحل�شائ�ش املرتفعة‬
                                  ‫ٍ‬     ‫ُ‬                                   ‫ً‬
‫تنمو على حافّة الطريق فاحتميا بها، وكادا �أن يدفنا نف�سيهما بالرمال حتى ال‬
                              ‫ً‬                  ‫ً‬
‫يظهر منهما �شيء. بل وزيادة على ذلك، و�إح�سانا لعن�رص املباغتة، ف�إنهما كمنا‬
  ‫َ‬
‫يف اجلهة الداخلية لل�شارع الأمني، �أي بعك�س ما يتوقّعه جنود الدورية، وبعك�س‬
                                                               ‫ّ‬
                                           ‫ما �ستتوجه �إليه �أنظارهم واهتمامهم.‬
                                                                      ‫ّ‬
‫كمن الأبطال انتظاراً لهدفهم بقلوب كال�صخر، وعيونٍ كال�صقر، و�أل�سن‬
‫ٍ‬                                ‫ٍ‬
                                                      ‫ِّ‬
‫تلهج بالدعاء والذكر، و�أيدٍ تقب�ض على بندقية (كارلو غو�ستاف)، مكتوب على‬
‫حزامها (كتائب الق�سام ـ خانيون�س)، وبندقية (61‪ )M‬غَ ِنمها املجاهدون من‬
               ‫َ‬
                               ‫اجلندي ال�صهيوين (�ألون كورثاين) بعد اختطافه.‬
‫721‬


            ‫ُ‬             ‫ِّ‬
‫مرت الدورية فانق�ض عليها �إبراهيم بكل ما حواه �سالحه من ر�صا�ص،‬
                                              ‫َّ‬             ‫َّ‬
         ‫ّ‬                                 ‫ً َّ ً‬
‫وبراء يحمل �سالحا معطال، والأخوان ال يعلمان ما ح�صل مع ركاب اجليب.‬
                                    ‫َ‬
‫وبعد حلظات، خرج اجلندي الثالث اجلال�س يف املقعد اخللفي، وقد ظن �أنّ‬
     ‫َّ‬                                                 ‫َ‬
‫املجاهدين ان�سحبا، وبد َ�أ مبحاكاة زمالئه، وملا وجدهم �رصعى بد أ� بال�رصاخ،‬
                        ‫َ‬                ‫ِ‬                          ‫َ‬
                             ‫َّ‬        ‫َ‬
‫وتوجه نحو ال�سلك ال�شائك، و�أخذ ُيطلق الر�صا�ص باجتاه اخلارج حتى �أفرغ‬
                                                                  ‫ّ‬
‫خمزن الر�صا�ص، ثم انطلق يعدو مبتعداً عن املكان، وعندئذ �سارع �إبراهيم �إىل‬
      ‫تبديل خمزن الر�صا�ص، ثم انطلق خلفه يطلق الر�صا�ص عليه حتى �أ�صابه.‬
                                           ‫َ‬

‫عاد الأخوان �إىل اجليب، و�أخرجا قطعة ال�سالح الأوىل، وحاوال �إخراج‬
                                                          ‫َ‬
‫الثانية، لكنها كانت عالقة حتت اجلندي القتيل، فرتكاها و�سارعا باالن�سحاب‬
                                              ‫ً‬
                                                          ‫بعيداً عن املكان.‬

                                           ‫عمليات �أخرى بذات الأ�سلوب:‬

‫عملية م�سجد م�صعب بن عمري ر�ضي اهلل عنه، يف 41/9/3991م،‬
‫وعملية ليلة القدر يف 02/3/3991م، وعملية (عمنوئيل) الأوىل يف‬
                 ‫21/21/1002م، و(عمنوئيل) الثانية يف 71/7/2002.‬
‫821‬


                            ‫د ـ �إطالق النار من موقع ثابت نحو هدف ثابت:‬
                                            ‫عملية التلة الفرن�سية ـ القد�س.‬
                                                     ‫الزمان: 9/2991م.‬
                                                               ‫ّ‬
                                    ‫املكان: التلة الفرن�سية ـ مدينة القد�س.‬
                                                     ‫ّ‬
                 ‫املنفِّذون: حممد عارف ب�شارات ـ طمون/جنني، (م�ؤ َّبد).‬
                                                       ‫طالل ن�صار ـ غزة.‬
                                                        ‫ب�شري حماد ـ غزة.‬
                                          ‫النتيجة: مقتل جندي �صهيوين.‬
‫التقى املجاهد (حممد) بالأخوين: ب�شري وطالل، القادمني من قطاع غزة‬
              ‫َ‬                       ‫َ‬
                 ‫ً‬
‫لإحياء العمل اجلهادي الع�سكري يف ال�ضفة، وتناق�شوا جميعا بتفا�صيل العملية‬
      ‫الـمعدة، واتّفقوا على خطة التنفيذ، ووفّروا لوازمها، ثم انطلقوا للتنفيذ.‬
                                                                       ‫َُّ‬

‫ارتدى حممد بدلة ع�سكرية جلي�ش االحتالل، وحمل بندقيته (61‪ )M‬حتى‬
                                       ‫ً‬       ‫ً‬
 ‫ّ‬
‫بدا كجندي �صهيوين، وتوجه به الأبطال ب�سيارتهم نحو الهدف، حيث حمطة‬
                         ‫ّ‬               ‫ّ َ‬    ‫ّ‬       ‫ٍّ‬
‫حافالت يتوقّف عندها جنود �إ�رسائيليون. ت�صافح الأبطال، وودعوا �أخاهم‬
           ‫ّ‬            ‫َ‬            ‫ّ‬      ‫ٌ‬                    ‫ٍ‬
‫وداع مفارق، وطلبوا منه ال�شفاعة يف اجلنة، ثم انطلقوا وقد تركوه يف �أر�ض‬
                                                                   ‫َ ُ‬
                                                                      ‫املعركة.‬

‫توجه حممد �صوب املحطة، ولكنه تفاج�أَ �أنها تخلو من اجلنود �إال واحداً،‬
                                                  ‫ّ‬                ‫َّ‬
                                                         ‫ً َّ‬
‫فقرر االنتظار قليال عل جنوداً �آخرين يح�رضون �إىل املوقع، فتزداد ح�صيلة‬   ‫َّ‬
‫الهجوم، وعلى غري ما توقَّع حممد، تقدم منه اجلندي، وحاد َثه باللغة العربية التي‬
         ‫ِ‬                                ‫َّ‬
‫ال يعرفها، وهنا، خ�شي جماهدنا من افت�ضاح �أمره، فقرر �أخذ زمام املبادرة، رفع‬
                                                 ‫ُ‬     ‫َ ِ َ‬
‫�سالحه �صوب اجلندي ال�صهيوين، و�أفرغ ر�صا�صه يف ج�سد اجلندي الذي وقع‬
‫921‬

                                                                      ‫ً‬
                                                           ‫�رصيعا على الفور.‬

‫ويف تلك اللحظة، كانت �سيارة (‪� )GMC‬صهيونية مليئة باجلنود ت�صل �إىل‬
                         ‫ّ‬
‫املحطة، ف�شاهدوا احلادث، وظ ّنوا �أنّ �شجاراً دار بني جند َّيني، ف�سارعوا �إىل‬
                                    ‫ٌّ ُ‬
‫الإم�ساك مبحمد، ظانني �أنه جندي مثلهم، بينما مل ي�ستطع هو فعل �شيء لأنّ‬
                                                    ‫ّ‬
                                                        ‫ً‬
                                           ‫�سالحه �أ�صبح خاليا من الر�صا�ص.‬
                                                 ‫ّ‬
                                                           ‫عمليات مثلها:‬

‫عملية احلرم الإبراهيمي يف 52/01/2991م، وعملية اخلار�سينة يف‬
‫6/21/3991م، وعملية ح�سبة اخل�ضار ـ غزة يف 7/5/2991م، وعملية‬
                            ‫مع�سكر ال�شيخ ر�ضوان يف ت�رشين الثاين 2991م.‬
‫031‬


                                                       ‫عمليات االغتيال:‬
               ‫عملية اغتيال (�شمعون بريان)، خمتار م�ستوطنة (كفار داروم).‬
                                                ‫الزمان : 72/5/2991م.‬
                                   ‫املكان: م�ستوطنة (كفار داروم) ـ غزة.‬
                           ‫املنفِّذ: �أحمد الفليت ـ دير البلح/غزة، (م�ؤ َّبد).‬
                            ‫النتيجة: قتل خمتار امل�ستوطنة (�شمعون بريان).‬
            ‫َّ‬    ‫ّ َ‬
‫تلك عملية بطولية ناجحة، مبجهودٍ فردي كامل، خطط و�أعد لها املجاهد‬
                            ‫ٍّ‬                  ‫ٌ‬      ‫ٌ‬
                                               ‫�أحمد، ونفَّذها بكفاءة واقتدار.‬
                                                        ‫ٍ‬

                                                          ‫ُ‬
‫كان �أحمد يتوق �إىل العمل اجلهادي، ويبحث عن ال�شهادة، بينما مل يكن‬
                            ‫ِّ‬      ‫ُّ‬   ‫ّ ً‬
‫ميلك من �أدواتها املادية �إال �سكينا يجتز بها الرقاب، �أما الأدوات املعنو ّية‬
                                                       ‫ّ‬
                                               ‫والروحية، فحدث وال حرج!‬
                                                   ‫َ َ‬         ‫ِّ‬     ‫ُّ ّ‬
                           ‫َّ‬    ‫َ ّ‬
‫نظر �أحمد حوله، فوجد االحتالل ال�صهيوين يغت�صب �أر�ضه يف قطاع غزة،‬
               ‫َ‬                              ‫َ‬                ‫َ‬
‫ووجد م�ستوطنة (كفار داروم) جتثم وع�رشات امل�ستوطنات على �أر�ض فل�سطني،‬
                                                                  ‫َ‬
         ‫َّ‬                             ‫ُ‬                 ‫ُ‬        ‫ُ َ‬
‫فتطرد �أهلها، وتنهب خريا ِتها، وت�سلبها من �أ�صحابها.. ولذا، فقد قرر �أن تكون‬
 ‫ِّ‬
‫وجهته نحو كبري هذه امل�ستوطنة وخمتارها، واملعروف بحقده وكراهيته لكل‬        ‫ِ‬
             ‫ّ‬
‫فل�سطيني وعربي وم�سلم، ملا مي ّثله قتله من �أ َثر معنوي على �سكان امل�ستوطنة‬
                           ‫ٍ‬          ‫ُ‬                         ‫ٍّ‬  ‫ٍّ‬
‫ومغت�صبيها، و�أ َثر معنوي م�ضاد، واملتم ّثل بالفرحة الكبرية ل�سكان قطاع غزة‬
                                               ‫ّ‬        ‫ٍّ‬    ‫ٍ‬
                                      ‫الذين ذاقوا الويالت على يد هذا احلاقد.‬

‫بد�أ �أحمد مرحلة ر�صدٍ طويلة للم�ستوطنة وخمتارِ ها (�شمعون بريان)، وا�ستمر‬
‫ّ‬                                  ‫ِ‬                      ‫َ‬
                 ‫َ‬
      ‫ير�صد ويتابع طوال �شهرين، حدد �أحمد خاللهما من �أين ُت�ؤكل الكتف.‬
                                             ‫َّ‬
‫131‬

                       ‫ّ‬                                    ‫ُ‬
‫ثم اندفع بطلنا �إىل مغت�صبة (كفار داروم) يحمل �سكينه، وتوجه تلقاء املوقع‬
              ‫َّ‬
‫الذي اعتاد �أنْ يرى فيه هدفه، ومل يح َتج �إىل وقت طويل من االنتظار، فقد كان‬
                                   ‫ْ‬
                                    ‫ال�صهيوين امل�ستهدف يف مكانه على عادته.‬
                    ‫ّ‬           ‫ً‬     ‫ً‬     ‫ً‬
‫انق�ض �أحمد عليه انق�ضا�ضا عنيفا قاتال، و�أعمل �سكينه يف ج�سده ف�أرداه‬
                                                                  ‫َّ‬
                                             ‫ً‬                        ‫ً‬
‫�رصيعا على الفور، وانطلق حماوال االبتعاد عن املكان، بينما اندفع خلفه ح�شد من‬
   ‫ٌ‬         ‫َ‬
‫جنود االحتالل وقطعان امل�ستوط ِنني يالحقونه و ُيطلقون عليه النار، حتى �أ�صاب ْته‬
                                            ‫ً‬
‫ر�صا�صة يف كتفه طرح ْته �أر�ضا بجراح بالغة اخلطورة، و�شاءت �إرادة اهلل �أن‬
                                                                   ‫ٌ‬
  ‫يعي�ش، على الرغم من �أنه مل يكن بينه وبني ال�شهادة التي مت ّناها �إال حلظات...‬
                                                                  ‫ّ‬



                                    ‫***‬
‫231‬


                                                        ‫عمليات اخلطف:‬
                                                         ‫�أ ـ اخلطف الفردي:‬
                                    ‫عملية خطف اجلندي (�شارون �إدري).‬
                                                   ‫الزمان: 9/9/6991م.‬
                                     ‫املكان: �رصفند ـ تل الربيع (تل �أبيب).‬
                                   ‫اخللية: جمال الهور ـ �صوريف/اخلليل.‬
                              ‫مو�سى غنيمات ـ �صوريف/اخلليل، (�شهيد).‬
                              ‫رائد �أبو حمدية ـ �صوريف/اخلليل، (�شهيد).‬
                                  ‫عبد الرحمن غنيمات ـ �صوريف/اخلليل.‬
                                            ‫النتيجة: خطف اجلندي وقتله.‬
‫د�أب جماهدو خلية �صوريف على اخلروج يف جولة ليلية مبعدل مرتني‬
    ‫ّ‬         ‫ّ‬                                                   ‫َ‬
‫ً‬                                                         ‫ً‬     ‫ً‬
‫�أ�سبوعيا؛ بحثا عن جندي �إ�رسائيلي ي�أ�رسوه، وا�ستمروا على هذا احلال زمنا‬
                                       ‫ٍّ‬         ‫ٍّ‬
                                                               ‫ً ّ‬
‫طويال، جتولوا خالله ب�سيارتهم يف طول البالد وعر�ضها، و�ساروا على �أقدامهم‬
                    ‫ً‬                                                ‫ً‬
‫طويال وهم يلب�سون زِ ي ال�رشطة ال�رسية ال�صهيونية بحثا عن ُبغيتهم، حتى كان‬
                                      ‫ّ‬             ‫ّ‬
                                           ‫التا�سع من �أيلول من العام 6991م.‬

‫توجه املجاهدون (جمال) و(مو�سى) و(رائد) ب�سيارتهم بعد �أن �أح�سنوا‬
                                                              ‫ّ‬
                                                        ‫ّ‬
‫اال�ستعداد، فغطوا زجاج ال�سيارة بال�سواد حتى ال يظهر ما بداخلها للخارج،‬
                                   ‫ّ‬
‫وجهزوا �أبوابها بالأقفال حتى تُفتح من اخلارج وال تُفتح من الداخل، وذلك‬       ‫ّ‬
                ‫ً‬      ‫ً‬                                             ‫ّ‬
‫حتى ال يتمكن الأ�سري من الفرار، وو�ضعوا يف امل�سجل �رشيطا غنائيا باللغة العربية،‬
                               ‫ّ‬
       ‫و�ألقوا بع�ض ال�صحف العربية يف ال�سيارة، ثم انطلقوا متوكلني على اهلل.‬
‫331‬

          ‫اّ‬
‫كانت وجهتهم نحو م�ست�شفى (�رصفند)، ذلك �أنّ عزمهم كان �أل ي�أ�رسوا‬
                   ‫َ‬                                        ‫ِ‬
                                                                   ‫ً‬
‫�إال جنديا، وجتولوا ب�سيارتهم كاملعتاد، �أ�شار اجلندي (�شارون �إدري) لل�سيارة‬
                                                             ‫ّ‬
‫فتوقّفت، وحتدث معه (مو�سى) باللغة العربية بطالقة، فركب اجلندي يف املقعد‬
                                                          ‫ّ‬
‫ً‬
‫اخللفي بجانب املجاهد (رائد)، وانطلقت به ال�سيارة تعرب به الطريق مبتعدة‬
                                                                  ‫نحو نهايته.‬

‫كانت اخلطة تق�ضي ب�أن يجل�س (جمال) يف الكر�سي الأمامي، وي�ضع‬
‫م�سد�سه حتت فخذه، وحزام الأمان على و�سطه، بينما يجل�س (رائد) بجانب‬
                                                              ‫ّ‬
‫اجلندي يف الكر�سي اخللفي، وقد تظاهر ب�أنه نائم، بينما يداه تلتفّان �إىل �صدره،‬
‫وم�سد�سه يف يده خمبوء حتت �إبطه، والر�صا�صة يف بيت النار، حتى �إذا اقت�ضى‬
                                                                    ‫ّ‬
‫الأمر �رسعة اال�ستخدام، ويف اللحظة التي يبد�أ فيها (جمال) بنزع حزام الأمان،‬
‫يقوم (رائد) ب�رضب اجلندي على وجهه بكعب امل�سد�س بينما يلتفت (جمال)‬
                                         ‫ّ‬
                             ‫وي�ضع م�سد�سه يف ر�أ�سه حتى ي�سلم باالختطاف.‬

‫�سارت اخلطة كما هو مر�سوم، ولكن بعد �أنْ �سارت ال�سيارة م�سافة لي�ست‬
      ‫ً‬
                               ‫َ‬
‫طويلة �ساور اجلندي �شيئ من الريبة، و�أخذ يلتفت مينة وي�رسة، عندئذ وبغري‬
                    ‫ً‬                    ‫ّ‬      ‫ٌ‬           ‫َ‬     ‫ً‬
‫ما اقت�ضت اخلطة �صوب (رائد) م�سد�سه �إىل �صدر اجلندي، و�أطلق ثالث‬
                                    ‫ّ‬            ‫ّ َ‬
‫ر�صا�صات، ف�أ�صاب اجلندي باثنتني، بينما انحرفت الر�صا�صة الثالثة لت�صيب‬
           ‫ج�سم ال�سيارة، ف�رصخ اجلندي: (�أمي.. �أمي)، ثم �سكت �إىل الأبد.‬
                       ‫َ‬

‫بعد حلظات كان املجاهدون يقفون ا�ضطراراً �أمام �إ�شارة �ضوئية يتواجد‬
            ‫َ‬
‫عندها بع�ض املارة، ف�سارعوا �إىل و�ضع اجلثة يف �أر�ضيـة ال�سيارة وتغطيتها‬
                    ‫ّ‬                                    ‫ّ‬
                                                           ‫بقمي�ص �أحدهم.‬
‫431‬

‫ويف تلك اللحظة وب�شكل غريب ومفاجئ، خرجت من اجلندي رائحة‬
‫ٌ‬                            ‫ٍ‬    ‫ٍ‬
‫كريهة، ومل مي�ض على موته �سوى ب�ضع دقائق، حتى كاد الإخوة يخرجون من‬
                                                    ‫ِ‬
‫ال�سيارة ل�شدة الرائحة، بل و�صفوها لنا ب�أنها الرائحة الأ�سو� التي متر عليهم‬
               ‫أ‬                                               ‫ّ‬
‫طوال حياتهم! وقد حاولوا فيما بعد �إزالة الرائحة من ال�سيارة بالغ�سل والتنظيف‬
‫ور�ش العطور، ولكن دون جدوى، فا�ضطروا �إىل ا�ستبدال فر�ش ال�سيارة ب�آخر‬
                                                                   ‫ّ‬
                                                                          ‫جديد..‬

          ‫َّ‬        ‫َ‬         ‫ً‬
‫بد�أ العمل مبا�رشة وفق اخلطة املعدة م�سبقا، فقد �سبق �أنْ �أعد املجاهدون‬
                                      ‫ّ‬
                                                                ‫ً ً‬
‫مكانا �آمنا لإخفاء اجلندي وهو على قيد احلياة للمقاي�ضة عليه، لكنهم مل يعدوا‬
  ‫ّ‬
                                                                              ‫ً‬
                                                                      ‫مكانا جل ّثة!‬

‫وفور و�صولهم حميط (�صوريف)، بد�ؤوا بحفر قرب للجندي امليت، وا�ستغرق‬
‫العمل طوال الليلة حتى ا�ستطاعوا �إجنازه، تعر�ضوا خاللها �إىل مواقف �صعبة، فقد‬
                                 ‫ّ‬
                                              ‫َ ِ ً‬
  ‫كان الو�ضع الأمني حرجا، وطائرات االحتالل جتوب اجلو وتر�صد املنطقة.‬
                  ‫ّ‬
‫�أخذ الإخوة �أوراق اجلندي ال ّثبوتية، ودفنوه يف احلفرة التي �أعدوها على‬
       ‫ّ‬
‫عجل، و�أبقوه فيها �شهرين، ثم قام الأخوان (عبد الرحمن) و (جمال) بعد ذلك‬
                                 ‫َ‬                                   ‫َ‬
                                                        ‫ً‬
 ‫بتغيري موقع اجل ّثة احتياطا؛ حتى ال يكون باقي �أفراد اخللية على علم مبوقع اجل ّثة.‬

‫وبقيت اجلثة يف موقعها مدفونة ت�سعة �أ�شهر، مل يكن خاللها لدى حكومة‬
                                ‫َ‬     ‫ً‬
                                     ‫ٌ‬
‫االحتالل �أي علم ب�أن اجلندي خمطوف لدى الفل�سطينيني، �إىل �أن اع ُتقلت‬
                                             ‫َّ‬          ‫ٍ‬  ‫ُّ‬
                                                               ‫ُ‬
‫اخللية، وك�شف مكان اجلثة، وحينئذ خرج رئي�س وزراء العدو (بنيامني نتيياهو)‬
‫�إىل الإعالم، ليعلن بنف�سه �أن (�شارون �إدري) كان خمطوفا، و�أنهم عرثوا �أخرياً‬
                      ‫ً‬                                    ‫َ‬
                                                                       ‫على ج ّثته.‬
‫531‬

‫ويالحظ �أن جميع عمليات اخلطف التي قامت بها الكتائب كانت فرديةً، �إال واحدة،‬
                                                                        ‫ومنها:‬

‫�آيف �س�سبورتا�س، يف 62/2/9891م، و�إيالن �سعدون، يف 3/5/9891م،‬
‫و�ألون كورثاين، يف 11/8/2991م، ون�سيم طوليدانو 31/21/2991م،‬
   ‫ويرون 5/8/3991م، ونح�شون فاك�سمان، و�سا�سون، وجلعاد �شاليط...‬



                                                     ‫ب ـ اخلطف اجلماعي:‬
                                            ‫عملية خطف احلافلة ـ القد�س.‬
                                                  ‫الزمان: 1/7/3991م.‬
                                            ‫املكان: التلة الفرن�سية/القد�س.‬
‫اخللية: ماهر �أبو �رسور ـ خميم عايدة/بيت حلم، وهو م�س�ؤول اخللية، (�شهيد).‬
      ‫حممد عزيز ر�شدي ـ خميم العروب/اخلليل، وهو القائد العام، (�شهيد).‬
                                        ‫حممد الهندي ـ بيت حلم، (�شهيد).‬
                                         ‫�صالح عثمان ـ خميم جباليا/غزة.‬
                          ‫النتيجة: مقتل اثنني من ال�صهاينة وجرح �آخرين.‬
‫هي عملية االختطاف اجلماعية الوحيدة التي نفّذتها كتائب الق�سام منذ‬
                                         ‫ّ‬
‫انطالق حركة املقاومة الإ�سالمية (حما�س)، مبعنى �أنها العملية الوحيدة التي‬
‫ا�ستهدفت اختطاف عدد من اجلنود ولي�س جنديا واحداً. حيث بد�أ القائد‬
                        ‫ً‬
‫ال�شهيد (حممد عزيز) و�إخوانه بالإعداد لعملية تهدف �إىل �أ�رس عدد كبري من‬
                            ‫ٍ‬
             ‫ال�صهاينة، وذلك ملقاي�ضتهم بجميع الأ�رسى يف �سجون االحتالل.‬
‫631‬

                         ‫ً‬
‫�أعد املجاهدون اخلطة، وتدار�سوها معا، وو�ضعوا جميع االحتماالت‬
                                                         ‫َّ‬
‫املمكنة، وا�شرتك يف ذلك املجاهدون الثالثة �أع�ضاء اخللية مع قيادتهم، ثم‬
                            ‫َّ َ‬                      ‫ّ‬                ‫ّ‬
‫ت�سلموا العتاد املكونَ من بندقية (61‪ ،)M‬وم�سد�سني، وحقيب َتنيِ نا�سف َتنيِ‬
                                                             ‫لتنفيذ املهمة.‬

‫انطلق الأبطال بهمة عالية يحملون عتادهم، ويحلمون بلقاء ربهم، و�صلوا‬
                                                 ‫ّ‬
‫�إىل مدينة القد�س، وهناك بحثوا عن حافلة ي�ستهدفونها، فوقع اختيارهم على‬
                               ‫ٍ‬
‫حافلة مزدوجة (قاطرة ومقطورة)، العتقادهم �أنها حتمل عدداً كبرياً من‬
‫الرهائن. �إال �أنّ ذلك �أوقعهم يف خط� قاتل، حيث خالفوا اخلطة الـمعدة وامل َّتفق‬
            ‫ُ َّ‬                          ‫أ‬                                 ‫ّ‬
‫عليها، �إذ �أن عدتهم وعددهم مل تكن تكفي لل�سيطرة على حافلة مزدوجة مليئة‬
‫ٍ‬                                                     ‫ُ ّ‬
                                                                        ‫ّ‬
                                                                     ‫بالركاب.‬

‫ركب (حممد) و (ماهر) يف القاطرة الأوىل معهما حقيبة متفجرة، وبندقية‬
           ‫ّ‬
                                         ‫ّ‬
‫(61‪ )M‬وم�سد�س، فيما ا�ستقل (حممد) القاطرة الثانية ومعه حقيبة متفجرة‬
  ‫ّ‬
                        ‫ّ‬
‫وم�سد�س، ثم وقف (ماهر) يف مقدمة احلافلة، و�أعلن للركاب �أنّ احلافلة مخُتطفة،‬
                                               ‫ِّ‬            ‫َ‬         ‫ّ‬
‫و�أن عليهم التزام الهدوء وال�صمت، و�إال ف�إن املجاهدين �سيفجرون احلافلة بهم،‬
                ‫ّ‬
                                ‫�أما (�صالح) فقد تظاهر ب�أنه �أحد املخطوفني..‬

                         ‫ٌ‬
‫وبينما الأمر حتت ال�سيطرة، قامت امر�أة يهودية مبحاولة خطف �سالح‬
‫(ماهر)، ف�أطلق عليها الر�صا�ص و�أ�صابها بجراح خطرة، فد ّبت الفو�ضى‬
                    ‫ٍ َ ِ‬
‫والإرباك يف احلافلة، ثم انطلقت بع�ض الطلقات �أ�صابت �إحداها ر�أ�س (�صالح)،‬
                                           ‫ً‬
‫ف�سقط على الأر�ض م�صابا بجراح خطرة، وحاول ال�سائق ا�ستغالل الفو�ضى‬
                                  ‫َ ِ‬
    ‫ً‬
   ‫وخطف ال�سالح من يد (ماهر)، �إال �أنّ (ماهر) عاجله بر�صا�صة �أردتْه قتيال.‬
‫731‬

‫�سارت احلافلة بدون �سائق م�سافة ق�صرية، ثم ما لبثت �أن ا�صطدمت بعمود‬
                                     ‫ً‬
‫كهرباء، فقفز املجاهدان (ماهر) و (حممد) من احلافلة حماولني االن�سحاب من‬
                                                          ‫َ‬
‫املوقع، و�سارعا �إىل �إيقاف �سيارة �إ�رسائيلية تقودها �سيدة يهودية، وركبا معها‬
                      ‫حتت تهديد ال�سالح، وانطلقا �صوب مدينة (بيت حلم).‬

‫بد�أت عملية مطاردة �رش�سة، وانطلقت ع�رشات املركبات الع�سكرية‬
             ‫ال�صهيونية تالحق املجاهدين، تقودهم وتوجههم طائرة مروحية.‬
               ‫ّ‬              ‫ّ‬
‫ويف هذه الأثناء، حاولت اليهودية التي تقود ال�سيارة �أن تتباط�أ، ومل تتجاوب‬
                                   ‫َ‬      ‫َ‬
‫مع توجيهات املجاهدين، فف�ضلوا ق ْتـلها ورميـها من ال�سيارة، ف�أ�صابوها �إ�صابة‬
                                                     ‫ّ‬
‫غري مبا�رشة، فانحرفت ال�سيارة عن م�سارها لت�ستقر على حافة الطريق، وقد‬
                       ‫ّ‬
   ‫�أُ�صيب كل من فيها، فقام االحتالل باعتقالهم، ثم ق َتـلهم وحرق جثامينهم.‬
             ‫َ‬       ‫َ‬                                          ‫ّ‬
‫831‬


                                                       ‫عمليات التفجري:‬
                                                ‫�أ ـ العمليات اال�ست�شهادية:‬
                                        ‫1ـ با�ستخدام ال�سيارات املفخخة:‬
                                                      ‫عملية (دير �رشف).‬
                                                ‫الزمان: 92/4/1002م.‬
                                                    ‫املكان: مدينة نابل�س.‬
                                ‫املنفّذ: اال�ست�شهادي جمال نا�رص ـ نابل�س.‬
‫كان (جمال) من ن�شطاء الكتلة الإ�سالمية يف جامعة النجاح الوطنية، وكان‬
     ‫ً‬                   ‫ُ‬
‫�أحد م�س�ؤويل اللجنة الدعوية فيها. بحث بطلنا عن ال�شهادة طويال، حتى‬
                             ‫َ‬
        ‫ً‬
‫وجدها قريبة منه، ووجد الأبواب تُفتح له م�رشعةً، فاندفع �إليها م�رسعا ال يهاب‬
                                                                 ‫ً‬
                                                                       ‫املوت..‬

‫�أعد (�أبو خالد) نف�سه للقاء ربه، فاغت�سل ولب�س �أجمل الثياب وتطيب، ثم‬
     ‫ّ‬
                                                           ‫ً‬    ‫ً‬
                                 ‫خرج مبت�سما فرحا بقرب املوعد الذي مت ّناه.‬

‫ركب (جمال) �سيارته املفخخة، واملح�شوة بع�رشات الكيلوغرامات من‬
                           ‫ّ‬             ‫ّ‬
‫املواد املتفجرة وال�شّ ظايا، �إ�ضافة �إىل ا�سطوانات الغاز وقذائف الهاون، وتوجه‬
 ‫ّ‬                                         ‫ً‬                     ‫ّ‬
‫�إىل الهدف املحدد. وكان الهدف يومها حافلة �صهيونية تخرج من م�ستوطنة‬
                 ‫ً‬        ‫ً‬
‫(�شايف �شمرون) يف بلدة (دير�رشف) املحاذية ملدينة نابل�س، ولقد كانت حافلة‬
‫ً‬
‫مليئة بالركاب، تخرج من امل�ستوطنة ب�شكل منتظم، فتوقّف (جمال) بال�سيارة‬
                                                                 ‫ً‬
‫يف نقطة قريبة من مدخل امل�ستوطنة انتظاراً ملرور هدفه... ويف اللحظة التي‬
‫خرجت فيها احلافلة من امل�ستوطنة و�سارت على ال�شارع، اندفع (جمال)‬
‫931‬

‫ب�سيارته نحوها بال�رسعة الق�صوى، وعند نقطة ال�صفر �ضغط على مفتاح ال�شهادة‬
‫فانفجرت ال�سيارة باحلافلة وتطايرت النريان منها، �إال �أنّ احلافلة كانت م�صفّحة،‬
                                                                ‫ّ‬
                                ‫الأمر الذي قلل من خ�سائر االحتالل و�إ�صاباته.‬

‫ً‬
‫ويف امل�ساء، ظهر �شهيدنا على �شا�شات التلفاز يف �رشيط م�صور مبت�سما‬
         ‫َّ‬
                        ‫ً‬                       ‫ً َ‬                   ‫ّ ً‬
‫متو�شحا بالأخ�رض ومتزينا بالع�صبة، وخاطب العامل قائال: «يا �أبناء فل�سطني، يا‬
  ‫�أبناء جامعة النجاح احلبيبة، التفّوا حول خيار املقاومة، و�أع ِلنوا راية اجلهاد».‬



‫ومن الأمثلة الأخرى على ا�ستخدام �أ�سلوب ال�سيارة املفخخة التي يقودها‬
              ‫ّ‬
                                                                     ‫ا�ست�شهادي:‬
    ‫- عملية (ميحوال)، يف 61/4/3991م، وبطلها اال�ست�شهادي (�ساهر التمام).‬
 ‫- عملية (بيت �إيل)، يف 3/01/3991م، وبطلها اال�ست�شهادي (�سليمان زيدان).‬
    ‫- عملية (نتانيا)، يف 1/1/1002م، وبطلها اال�ست�شهادي (حامد �أبو حجلة).‬
  ‫- عملية غزة، يف 22/6/1002م، وبطلها اال�ست�شهادي (�إ�سماعيل املع�صوابي).‬
                       ‫- عملية (�سنجل)، وبطلها اال�ست�شهادي (�سالمة الأحمد).‬
‫041‬


                                                ‫2 ـ بوا�سطة عمليات التفجري:‬
                                                               ‫عملية (البحر)‬
                                                  ‫الزمان: 7/21/0002م.‬
                                                        ‫املكان: �شواطئ غزة.‬
                                  ‫املنفّذ: اال�ست�شهادي حمدي ن�صيو ـ غزة.‬
‫وهي �أوىل العمليات اال�ست�شهادية البحر ّية يف تاريخ العمل الفل�سطيني‬
‫املقاوم، و�أوىل عمليات كتائب الق�سام اال�ست�شهادية يف انتفا�ضة الأق�صى،‬
‫ولقد كانت عملية نوعية جريئة �أدت �إىل تدمري زورق حربي �صهيوين من نوع‬
                                     ‫ً ّ‬       ‫ً‬     ‫ً‬
                                    ‫ً‬     ‫ً‬        ‫ً‬
                    ‫(د ّبور)، �إال �أنها القت تعتيما �إعالميا كامال من ِقبل املحتل.‬

‫فقد قررت الكتائب �إ�شعال البحر حتت االحتالل كما �أ�شعلت البـر، ليكون‬
       ‫َ ّ‬
                       ‫ً‬
‫ما�ؤه قرباً لبني �صهيون، ف�أعدت زورق �صيدٍ مثقال باملواد املتفجرة ليكون‬
                                   ‫َ‬     ‫ّ‬
‫االنفجار �شديداً، و�أعدت للمهمة فار�سا مميزاً، اال�ست�شهادي البطل (حمدي)،‬
                                   ‫ً‬
                                           ‫الذي كان على جاهزية دائمة للفداء.‬

 ‫ً‬      ‫ً‬
‫انطلق حمدي بعبوته املتحركة (الزورق) يجوب بحر غزة طوال وعر�ضا،‬
‫وتوغّ ل يف عر�ض البحر، لي�صل �إىل الزوارق احلربية الإ�رسائيلية ال�رسيعة التي تقوم‬
                                                         ‫ً‬
                               ‫بحرا�سة املياه منعا من تهريب ال�سالح والرجال.‬

‫والح له �صيده، فانطلق نحوه بخربة ال�صياد، ومل ي�ستطع زورق العدو‬
‫ّ‬                                                          ‫ُ‬
‫ٍّ‬                                               ‫ّ‬
‫�أن يوقفه، ومل يح�سوا به �إال وقد انغر�س يف ج�سم زورقهم، ثم انفجر ب�شدة‬
                                                         ‫ّ‬
‫حولت الزورقَنيِ �إىل كتلة من الّلهب ر ِئيت من �شواطئ البحر، �إال �أن عدم وجود‬
                                        ‫ُ‬                            ‫ّ‬     ‫ّ‬
‫ال�صحافة يف عر�ض البحر، حال دون الك�شف عن حقيقة خ�سائر االحتالل‬
                                                ‫الذي مل يعلن عن وقوع العملية.‬
‫141‬


                                                         ‫3 ـ احلزام النا�سف:‬
                                                             ‫عملية (بارك).‬
                                                  ‫الزمان: 72/3/2002م.‬
                                      ‫املكان: فندق بارك ـ نتانيا (�أم خالد).‬
                         ‫املنفّذ: اال�ست�شهادي عبد البا�سط عودة ـ طولكرم.‬
      ‫اخلليـة: عبا�س ال�سيد ـ طولكرم، وكان م�س�ؤول اخللية، (53 م�ؤ َّبداً).‬
                                                       ‫ّ‬              ‫ّ‬
         ‫فتحي اخل�صيب ـ ِقفّني/طولكرم، وهو �سائق العملية، (92م�ؤبداً).‬
                                  ‫�أحمد اجليو�سي ـ طولكرم، (92 م�ؤبداً).‬
                                       ‫مهند �رشمي ـ طولكرم، (92 م�ؤبداً).‬
                                   ‫معمر �شحرور ـ طولكرم، (92 م�ؤبداً).‬
                                        ‫ن�رص يتامية ـ طولكرم، (92 م�ؤبداً).‬
                                    ‫ً‬          ‫ً‬
                                   ‫نتيجة العملية: 13 قتيال و061 جريحا.‬
‫امتازت عملية (بارك) البطولية ب�أنها الأكرب من حيث عدد القتلى ال�صهاينة‬
‫خالل العقود الثالثة الأخرية من العمل الفل�سطيني املقاوم، �إ�ضافة �إىل �أنّ حزامها‬
                 ‫ً‬
‫النا�سف كان من �أف�ضل ما �صنعه �أبطال الق�سام من حيث القوة، فلم يكن يحوي‬
‫�أكرث من (4-5) كيلوغرام من املواد املتفجرة، �إ�ضافة �إىل كمية من ال�شظايا، �إال‬
‫�أنه �أثمر عن هذا الكم الهائل من الإ�صابات يف الأرواح والدمار يف املوقع..‬
‫وقد كان �صاحب الإبداع واالمتياز يف �إعداده ال�شهيد القائد (مهند الطاهر)،‬
‫�صاحب �أعلى ح�صيلة قتلى يف العمل الفل�سطيني املقاوم، ومعه ال�شهيد البطل‬
                                                     ‫ِ‬
               ‫(�إياد حمادنة)، تلميذ ال�شهيد القائد حممود �أبو ه ّنود رحمه اهلل.‬

                       ‫ً‬     ‫ً‬
‫فقد �أعد جماهدو (نابل�س) بداية حزاما عاديا لإخوانهم يف طولكرم، ثم‬
                                   ‫ً‬                     ‫َّ‬
‫241‬

                                           ‫ً‬
‫�أر�سلوا �إليهم �أن يرت ّيثوا قليال لأنهم يعملون على �إعداد حزام جديد ب�أ�سلوب‬
‫�أكرث فاعلية و�أو�سع �أثراً و�أخف وزنا، ف�أعدوا لهم احلزام املذكور، بعد �أن و�ضعوا‬
                                     ‫ّ‬      ‫ً‬    ‫ّ‬
     ‫فيه خال�صة جهدهم وخربتهم ومهارتهم، مدعومة ب�إخال�صهم ودعائهم.‬
                         ‫ً‬

‫كانت القمة العربية قد انعقدت يف (بريوت)، وتُـوِّجت بتقدمي املبادرة ال�سعودية‬
‫ال�شهرية، التي �أ�صبحت تُعرف بعد ذلك با�سم (املبادرة العربية لل�سالم)، فكان قرار‬
‫قيادة اجلهاز الع�سكري للحركة �أن توجه ر�سالة �شديدة اللهجة �إىل امل�ؤمترين، ر�سالة‬
                                              ‫ّ‬
                                                        ‫ٌ‬
‫متفجرة يو�صلها بطل ا�ست�شهادي، �صيغتها: «ال تنازل عن احلقوق»، لتم ّثل رداً‬
                                                                           ‫ً‬
                     ‫بليغا على ما حتويه املبادرة من تنازل، فكان الإعداد للعملية.‬
                          ‫َ‬
‫كان قرار الإخوة ب�أن تكون العملية مزدوجة، بطالها: ال�شهيد (عبد البا�سط‬
‫عودة)، واملجاهد (ن�ضال تلق)، �إال �أن وعكة �صحية �ألـمت بالأخ (ن�ضال) حالت‬
                   ‫َّ ْ‬         ‫ً‬
    ‫دون م�شاركته يف الهجوم، وبقي ال�شهيد (عبد البا�سط) وحده فار�س امليدان.‬
                                                                  ‫ّ‬
‫ت�سلم املجاهدون احلزام املتفجر، و�أعدوا ال�شهيد للمهمة، و�أول الإعداد:‬
                                 ‫ّ‬
                               ‫التهيئة الروحية، فكان �شهيدنا على �أمت اجلهوزية.‬
                                         ‫ّ‬                          ‫ُّ‬
‫ثم الت�صوير التلفزيوين؛ ليظهر �شهيدنا �أمام الإعالم بع�صبته و�سالحه‬
             ‫َ‬
‫ورجولته، وليو�صل للعامل ر�سائل عدة، ف�أدى البطل دوره على �أكمل وجه، كما‬
‫�أداه يف امليدان، ووجه ر�سائل عدة؛ �أولها كانت لل�صهيوين احلاقد (�شارون)،‬
                                   ‫ّ‬                ‫ّ‬                 ‫ّ‬
                          ‫و�آخرها جلامعة الدول العربية وللم�ؤمترين يف بريوت.‬

‫ثم كان الإعداد النهائي، ليخرج (عبد البا�سط) بال�صورة التي �سينفذ بها‬
      ‫ّ‬                        ‫ُ ِ‬
‫هجومه، ولأن �شهيدنا �شاب و�سيم جميل اخللقة، كان اخليار ب�أن يتنكر على‬
                                        ‫ٌ‬     ‫ٌّ‬     ‫َ‬
‫هيئة فتاة �إ�رسائيلية ت�ستطيع الدخول حيث ت�شاء، ف�أح�سن الإخوة يف �إعداده،‬
                                      ‫حتى ظهر على غري الهيئة التي عرفوه بها!‬
                                                                     ‫َ‬
‫341‬

‫انطلق املجاهد (فتحي) يحمل �شهيدنا برفقته يف ال�سيارة، ويروي فتحي‬
                                 ‫َ‬
                ‫ً‬
‫عن حال ال�شهيد �أثناء الطريق فيقول: «كان (عبد البا�سط) �صائما، و�أثناء �سرينا‬
          ‫ً‬                          ‫ّ‬
‫�أكرث من الدعاء، و�ألح يف القول: «اللهم مكـ ّني منهم، وال تردين خائبا»، وكان‬
                    ‫َّ‬                                   ‫َّ‬
                                                                 ‫ً‬    ‫ً‬
                             ‫مطمئنا فرحا، وك�أنه يف الطريق �إىل حفل زفافه!».‬

‫ويف الطريق، واجه ْتهم دبابة احتاللية تَن�صب حاجزاً على ال�شارع الذي‬
                        ‫ُ‬                  ‫ّ‬
‫ي�سلكونه، وتُو ِقف ال�سيارات املارة وتُخ�ضعها للتفتي�ش، فتوقّف الأخوان على‬
       ‫َ‬                                ‫ّ‬               ‫ُ‬
‫جانب الطريق، وطلب (عبدالبا�سط) من (فتحي) �أن ُي�سمع له جزءاً من �سورة‬
                   ‫ِّ‬
                                                                     ‫ً‬
‫البقرة غيبا، وبعد �أن انتهى من ال ّت�سميع توجه �إىل اهلل بالدعاء، ثم قال للمجاهد‬
                                   ‫ّ‬
‫(فتحي): «�سـر على بركة اهلل!».. فقال له (فتحي): «ولكن �أخ�شى �أن يوقفونا»،‬
                                                               ‫ِ ْ‬
‫فقال عبد البا�سط: «لقد �سمعت حديثا معناه �أنّ من قر�أَ �أول مئة �آية من �سورة‬
              ‫ّ َ ٍ‬                        ‫ً‬     ‫ُ‬
            ‫ً َ ّ‬
‫البقرة ثم دعا اهلل؛ ا�س ُتجيب له». فانطلق (فتحي) مطمئ ّنـا، ومـرا على احلاجز‬
                                              ‫دون �أن ُيلتفت �إليهما بف�ضل اهلل.‬

‫ويف داخل الأر�ض املحتلة عام 8491م، جابت ال�سيارة طول البالد‬
‫وعر�ضها دون جدوى، فقد كان يوم عيد، واملحالت واملطاعم والنوادي وكل‬
‫املرافق مغلقة الأبواب، لكنهما ا�ستمرا بالبحث، حتى و�صال �إىل مدينة (نتانيا)،‬
                                        ‫ّ‬
‫وبعد طول عناء و�صال �إىل فندق (بارك)، وبتوفيقٍ من اهلل، وجداه دون غريه يعج‬
‫ّ‬
‫بالنزالء، وعلى بابه حار�س يف ّت�ش كل من ي�شتبه به. فتوقّفت ال�سيارة، وترجل‬
  ‫ّ‬                                                                    ‫ّ‬
                                   ‫َ‬
           ‫(عبد البا�سط)، وطلب من (فتحي) املغادرة بعد �أن وعده بال�شفاعة.‬
                       ‫َ‬

      ‫كانت هيئة فتاة جميلة، ويف �أثوابها قلب �أ�سدٍ ه�صورٍ عامر بالإميان!!‬
                 ‫ٍ‬                  ‫ُ‬                       ‫َ ٍ‬

‫انطلق بخطى ثابتة نحو هدفه، ودخل الفندق دون �أن يعرت�ض احلار�س‬
                                             ‫ٍ‬     ‫ً‬
‫441‬


        ‫َ‬        ‫ً‬
‫طريقه، ومل مت�ض �إال دقائق معدودة، حتى كان الفندق خرابا، و�إذا من بداخله‬
                                                          ‫ِ‬
                                                          ‫كع�صف م�أكول..!‬
                                                                    ‫ٍ‬

‫ويف امل�ساء، كانت �صور الإعالم تُظهر مكانا مدمراً ال ي�صدق العقل �أنّ عبوة‬
‫ً‬                ‫ّ‬          ‫ً َّ‬
     ‫َّ‬
‫تَزنُ ب�ضعة كيلو غرامات من املواد املتفجرة املعدة بطريقة مثالية تفعل كل ذلك،‬
                            ‫ّ‬                                    ‫َ‬       ‫ِ‬
    ‫ولكننا نقول كما قال تعاىل: } ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ{.‬

‫�أُ�صيب االحتالل بذهول �شديد، فعبرّ عن ذلك بعملية اجتياح �رش�سة، كانت‬
‫هي الأو�سع منذ ترك جي�شه املدنَ منت�صف ال ّت�سعينات، ف�شملت معظم مدن‬
                                              ‫ُ‬
‫ال�ضفة الغربية، و�أحدثت جمازر ب�شعة يف خميم (جنني) ومدينة (نابل�س). ثم ظهر‬
‫ذات احلقد على املجاهدين �أبطال اخللية بعد اعتقالهم، �سواء يف مدة التحقيق‬
‫التي امتدت قرابة �أربعة �أ�شهر، �أو يف املحاكم ال�صورية، التي اقرتحت خاللها‬
                       ‫ُّ َ‬                                       ‫ّ‬
‫�إحدى القا�ضيات ال�صهيونيات �أن يمُنع �أفراد اخللية من ر�ؤية ال�شم�س طوال‬
                              ‫حياتهم، بينما طالب القا�ضي الثالث ب�إعدامهم.‬



            ‫والعمليات اال�ست�شهادية بالأحزمة النا�سفة تُعد باملئات، ومنها:‬
                            ‫ّ‬
      ‫- عملية (اللمبي)، يف 91/9/2002م، وبطلها اال�ست�شهادي (�إياد رداد).‬
   ‫- عملية (نتانيا)، يف 81/5/1002م، وبطلها اال�ست�شهادي (حممود مرم�ش).‬
  ‫- عملية (حيفا)، يف 11/21/1002م، وبطلها اال�ست�شهادي (ماهر حبي�شة).‬
      ‫- عملية (�سبارو)، يف 1002م، وبطلها اال�ست�شهادي (عز الدين امل�رصي).‬
   ‫- عملية (مومنت)، يف 9/3/2002م، وبطلها اال�ست�شهادي (ف�ؤاد حوراين).‬
‫- عملية (كفي هلل)، يف 9/9/3002م، وبطلها اال�ست�شهادي (رامز �أبو �سليم).‬
 ‫- عملية (�رصفند)، يف 9/9/3002م، وبطلها اال�ست�شهادي (�إيهاب �أبو �سليم).‬
‫541‬


                                                            ‫ب ـ العبوات:‬
                                                     ‫عملية اجلامعة العربية‬
                                               ‫الزمان: 13/7/2002م.‬
                                         ‫املكان: اجلامعة العربية ـ القد�س.‬
   ‫اخللية: حممد عرمان ـ خربثا/رام اهلل، وهو م�س�ؤول اخللية، (53 م�ؤ َّبد).‬
                                             ‫حممد عودة ـ �سلوان/القد�س.‬
                                             ‫وائل قا�سم ـ �سلوان/القد�س.‬
                                   ‫ً‬
                ‫النتيجة: �سبعة قتلى، و 59 جريحا منهم 11 حالة خطرة.‬
                   ‫َ ِ‬
‫�أقدم االحتالل الإ�رسائيلي بتاريخ 32/7/2002م على جرمية ب�شعة بحق‬
‫ّ‬
‫�أهلنا يف مدينة غزة، حيث �أقدم على ق�صف (حي الدرج) ب�صواريخ حربية ثقيلة،‬
        ‫ّ‬               ‫َّ َ‬
‫زِ نَتها (1) طن؛ وذلك الغتيال القائد العام لكتائب الق�سام، ال�شيخ (�صالح‬
                   ‫ً‬
‫�شحادة).. مما �أدى �إىل ا�ست�شهاده و�سبعة ع�رش مواطنا من الرجال والن�ساء‬
                                                         ‫ّ‬
                                          ‫ً‬      ‫ّ‬
‫والأطفال وال�شبان، لت�شكل جمزرة ب�شعة ال �أخالقية كباقي جمازره، فكان قرار‬
                        ‫ً‬           ‫ً‬
‫الإخوة ب�رضورة الإعداد ل�رضبة ق�سامية نوعية، ت�أخذ بالث�أر، وال تراعي حرمة‬
   ‫ُ‬                                 ‫ٍ‬       ‫ٍ‬
           ‫املكان، كما مل يراع االحتالل حرمة املكان وحرمة البيوت الآمنة.‬
                                          ‫ُ‬          ‫ِ‬
‫بد�أ الإعداد، ومل يكن لدى املجاهدين �أكرث من ب�ضعة كيلو غرامات من املواد‬
‫املتفجرة، ف�أعدوها على �شكل حقيبة درا�سية، مطعمة (ب�ألف) �شظية معدنية،‬
  ‫ّ‬      ‫ّ‬              ‫ّ ُ َّ‬                         ‫ّ‬
‫تتنا�سب يف �شكلها واملكان الذي �س ُتزرع فيه والدور والوظيفة التي �ست�ؤديها،‬
                           ‫ّ‬
                      ‫بحيث يتم ت�شغيل العبوة عرب الهاتف النقّال (البلفون)..‬
                                                                   ‫ّ‬
‫واختار الإخوة لث�أرهم موقعا جديداً، مل ي�سبق �أن ا�س ُتهدف يف عملية من‬
                                           ‫ً‬
‫قبل، وهو كفترييا اجلامعة العربية يف مدينة ( القد�س)، حيث يكرث الطلبة يف‬
‫641‬

                ‫وقت الت�سجيل، ومع اقرتاب موعد بدء العام الدرا�سي اجلديد.‬

 ‫ّ‬               ‫ُ ّ َ‬
‫�أعد الأخ (عرمان) العبوة النا�سفة، وو�ضع اجلميع اخلطـة وناق�شوها، وتوجه‬
                               ‫َ‬                                   ‫ّ‬
  ‫ّ‬
‫الأخوان: (عودة) و(وائل) بالعبوة نحو حرم اجلامعة، وبتاريخ 82/7 ت�سلقا‬
                                                                ‫َ‬
‫�سورها �إىل الداخل، وو�ضعا احلقيبة يف �صالة الكفترييا، ثم ان�سحبا بهدوء فلم‬
‫يرهما �أحد. ومن خارج اجلامعة، قاما باالت�صال لتفجري العبوة، �إال �أن املفاج�أة‬
                                                                            ‫َ‬
                        ‫كانت �أنها مل تنفجر! كررا املحاولة لكن دون جدوى.‬
                                                 ‫ّ‬
‫عاد الأخ (عودة) �أدراجه و�أخذ العبوة من مكانها، وتوجها �إىل الأخ‬
            ‫ّ‬
                   ‫ً‬
‫(عرمان)، الذي �أعاد فح�صها فتبيـن له �أنّ هناك خلال �أ�صابها يف تو�صيل‬
                                     ‫ّ َ‬       ‫َ‬
‫الأ�سالك، وذلك حينما قام الإخوة ب�إلقائها من �سور اجلامعة لإدخالها �إليها،‬
‫بل �إن لطف اهلل ورحمته حالت دون تفجريها، ف�أعاد الأخ (عرمان) تو�صيل‬
                                         ‫ً‬
                        ‫الأ�سالك، و�أ�صبحت العبوة جاهزة للتفجري من جديد.‬

                  ‫ً‬
‫وبعد ثالثة �أيام، توجه الأخ (حممد عودة) �إىل اجلامعة ليال، و�أخفى العبوة يف‬
                                                      ‫ّ‬
‫�أحد �أحوا�ض الورد، ثم عاد �إىل منزله، ويف �صبيحة اليوم التايل دخل اجلامعة من‬
     ‫ً‬
‫بابها، وتوجه �إىل العبوة، وزرعها يف املوقع املحدد، ثم ان�سحب خارجا، ومن‬
                       ‫ّ‬                  ‫َ‬                 ‫ّ‬
                                   ‫مكان بعيد �أجرى ات�صاله الذي فجر العبوة.‬
                                           ‫ّ َ‬

       ‫َّ‬                            ‫ُ‬
‫كان ذلك وقت الظهرية، والرواد كـثرُ، وكان االنفجار �شديداً هز املكان‬
                                          ‫ُّ‬            ‫َ‬
‫و�أحاله دماراً، وهز قلوب الأعداء ف�أ�سكنها رعبا، و�ألهب م�شاعر ال�شعب‬
                 ‫َ‬      ‫ً‬                         ‫َّ‬
      ‫ّ‬                                 ‫َ‬
‫الفل�سطيني ابتهاجا، و�شفى غليل من كان ينتظر من كتائب الق�سام رداً على‬
                                                     ‫ً‬
           ‫جمزرة (حي الدرج)، و�أربك الأمن ال�صهيوين الذي �أثبت ه�شا�شته.‬
                                                           ‫ّ‬
‫741‬


                                   ‫ومن عمليات العبوات املتفجرة الأخرى:‬

‫عملية ال�ساحل، يف 32/6/0991م، وعملية بئر ال�سبع، يف‬
‫01/5/2002م، وعملية املغري، يف 6/01/3002م، وعملية (تل �أبيب)، يف‬
                                                               ‫9/1/7991م.‬



                                                     ‫اقتحام املع�سكرات:‬
                                                    ‫اقتحام م�ستوطنة �أدورة.‬
                                                 ‫الزمان: 72/4/2002م.‬
                                          ‫املكان: م�ستوطنة �أدورة ـ اخلليل.‬
      ‫اخللية: منري مرعي ـ بيتا/نابل�س، وهو م�س�ؤول اخللية، (5 م�ؤبدات).‬
                                           ‫طارق دوف�ش ـ اخلليل، (�شهيد).‬
                                      ‫فادي دويك ـ اخلليل، (5 م�ؤبدات).‬
                                            ‫ً‬
                                           ‫النتيجة: 5 قتلى، و 81 جريحا.‬
          ‫ً‬
‫وهي عملية بطولية من �أكرث عمليات اقتحام امل�ستوطنات جناحا، فقد جمعت‬
                                                   ‫ٌ‬      ‫ٌ‬
‫بني النتائج اجليدة يف عدد القتلى واجلرحى، وبني النجاح يف االن�سحاب‬
‫من موقع التنفيذ بعد �إجناز املهمة، رغم �أن مثل هذه العمليات تُعد عمليات‬
‫ٍ‬      ‫ّ‬
                                                                   ‫ا�ست�شهادية.‬

‫بد�أ �إعداد اخللية قبل تنفيذ العملية مبدة طويلة، فقد قام ال�شهيد (�أحمد بدر)‬
                                    ‫ّ‬
‫بتنظيم ال�شهيد (طارق) يف �صفوف كتائب الق�سام، ثم قام (طارق) بتنظيم‬
‫املجاهد (فادي). وقام (�أحمد) بعد ذلك بتدريبهما للقيام بعملية جهادية‬
‫841‬

‫يف منطقة احلرم الإبراهيمي يف املدينة، ثم للقيام بعملية ا�ست�شهادية يف مدينة‬
          ‫(ال�سبع).. �إال �أن عدداً من العوامل والظروف حالت دون �أي تنفيذ.‬

‫وبينما كان الأخوان (طارق) و(فادي) يف انتظار حتقّق �أُمنيتهما، جاءهما‬
                                                     ‫َ‬
‫الفرج من طرف جديد، وهو املجاهد (منري)، امل�س�ؤول عنهما يف جامعة‬
                                                              ‫َ‬
‫البولتكنك، حيث عر�ض عليهما تنفيذ عملية جهادية يف �إحدى امل�ستوطنات‬
                                                ‫َ‬
‫القريبة من مدينة اخلليل، فلم يرتددا يف القبول. و�رشعا بالتدريب واال�ستعداد‬
                       ‫َ‬                 ‫ّ‬
          ‫حتت �إ�رشاف (منري)، حتى �أمت �إعدادهما يف مدة ال تتجاوز ثالثة �أيام.‬
                                           ‫َ‬      ‫ّ‬

‫وقبل العملية بيوم، ا�صطحبهما (منري) �إىل �سكنه، وهناك قام بت�صويرهما‬
                                                            ‫ًّ‬
‫فوتوغرافيا وعلى �رشيط فيديو، وك�شف لهما عن ا�سم امل�ستوطنة الهدف، وكان‬
                              ‫ً‬
‫قد ر�صده ب�شكل دقيق وطويل، ثم توجهوا جميعا �إىل حميط امل�ستوطنة، ودر�سوا‬
                                       ‫ّ‬                         ‫َ‬
‫املوقع عن كثب، وتدار�سوا اخلطة املعدة للهجوم، واتفقوا على �آلية التنفيذ‬
                                   ‫ّ‬
                                                                        ‫ووقته.‬

                                     ‫ّ‬
‫ا�ستيقظ املجاهدون قبيل الفجر، �صلوا وت�رضعوا �إىل ربهم، طالبني التوفيق‬
                             ‫ّ‬
‫وال�شهادة، وتوجهوا �إىل موقع اللقاء، وهناك َلبِ�س الأخوان (طارق) و(فادي) زِ ّيا‬
‫ً‬                        ‫َ‬     ‫َ‬
                                                         ‫ً‬        ‫ً‬
‫ع�سكريا �صهيونيا حتى يظهرا كجنود االحتالل، وامت�شقا �سالحنيِ ر�شا�شني، مع‬
       ‫ّ َ‬      ‫َ‬
                                                      ‫ّ‬
 ‫كمية كبرية من الذخرية، وودعا (منري) الذي عاد �أدراجه كما اقت�ضت اخلطة.‬
                                             ‫ّ‬
                 ‫ّ‬
‫ثم انطلقا �صوب امل�ستوطنة م�رسعني، ويف الطريق �صليا الفجر، ووا�صال‬
           ‫ً‬        ‫َ‬
‫ال�سري حتى و�صال قرب �سور امل�ستوطنة ال�شّ ائك، وهناك كمنا قليال، ثم تعانقا‬
                                                              ‫َ‬
‫عناق مودع، و َبدءا مرحلة العبور، فتجاوزا ال�سلك ال�شائك الأول، ثم الثاين‬
                                                                ‫ّ‬
                                     ‫َ‬                        ‫ْ‬
‫بعد قطعه مبق�ص كانا يحمالنه، وكمنا من جديد قرب البيوت ال�سكنية، وبعد‬
           ‫ّ‬                                           ‫ٍّ‬
‫941‬

‫قليل جاء �أحد اجلنود، ودخل البيت الذي كانا يختبئان عنده، فتبعه (فادي)‬
                                                                 ‫ٍ‬
‫ودخل البيت خلفه، ف ّت�ش الطابق الأول فلم يجد فيه �إال ولداً نائما، فرتكه و�صعد‬
             ‫ً‬                                          ‫َ‬
‫�إىل الطابق الثاين، وانتظر عند باب غرفة النوم، حتى ي�سمع �صوت �إطالق النار‬
‫من (طارق) ح�سب االتفاق، وما �إن �سمع �صوت الر�صا�ص، حتى قام بك�سرْ‬
                                   ‫َ‬
‫ً‬
‫الباب؛ فوجد اجلندي مع زوجته، ف�أطلق عليهما النار وقتلهما، ثم توجه م�رسعا‬
         ‫ّ‬                                                   ‫َ‬
            ‫�إىل الطابق الأول حيث ينام الولد، فقام بقتله، ثم خرج من البيت.‬

‫يف تلك الأثناء كان ال�شهيد (طارق) قد توجه �إىل بيت قريب، وقرع اجلر�س،‬
                   ‫ٍ‬         ‫َّ‬
                                                               ‫ٌ‬
‫ف�أطلق عليه رجل من الطابق العلوي النار، لك ّنه مل ي�صبه، ثم �أطلق (طارق) النار‬
                                                                        ‫َ‬
‫�صوب باب املنزل ليفتحه، �إال �أنه كان م�صفَّحا فلم يت�أ ّثر بالر�صا�ص، والتقى‬
                               ‫ً‬
                                         ‫َّ ٌّ ّ‬
‫الأخوان جمدداً، ثم تفرقا كل ملهمته: (طارق) يقتحم البيوت، و(فادي) ي�سري يف‬
                                                              ‫َّ‬     ‫َ‬
                ‫ال�شارع الرئي�س، مي�شّ طان املنطقة و ُيطلقان النار على كل حي.‬

‫تقدم الأخوان يف �سريهما حتى التقيا من جديد، وف َتحا ا�شتباكا مريراً مع‬
          ‫ً‬                                                  ‫َّ َ‬
‫ح�شدٍ من امل�ستوطنني والع�سكر ّيني، و�أكثرَا من �إطالق الر�صا�ص حتى فقد‬
‫َ‬
‫(طارق) ال�سمع ب�إحدى ُ�أذنيه، و�أثناء ذلك �أطلت عليه �إحدى الن�ساء اليهود ّيات‬
                                ‫ّ‬                                   ‫ّ‬
        ‫من نافذة املنزل ظا ّنـة �أنه جندي �صهيوين، ف�أطلق عليها النار و�أ�صابها.‬
                                               ‫ٌّ‬        ‫ً‬

      ‫َ‬                ‫ّ‬                    ‫ُ َ‬
‫وبعد �أن �شارفت ذخرية الأخوين على النفاد، قررا االن�سحاب، فخرجا من‬
                                                   ‫َ‬
‫حيث دخال، بعد �أن مكثا يف امل�ستوطنة قرابة ال�ساعة، وبد�أت رحلة العودة،‬
                                                                 ‫َ‬
                                 ‫ً‬          ‫َ‬
‫لكن من طريق غري الذي �سلـكاه �صباحا، ولأنهما ال يعرفان الطريق اجلديد‬
‫جيداً، �ضلاّ الطريق، فطال وقت االن�سحاب حتى ح�رضت �أثناء ذلك �أربع‬  ‫ّ‬
          ‫َ‬         ‫ً‬
‫طائرات مروحية �صهيونية، وبد�أت بتم�شيط املكان بحثا عنهما، فكمنا �أ�سفل‬
                                                          ‫ّ‬
‫�إحدى �أ�شجار الزيتون، وبعد �أربع �ساعات من االنتظار �شاهدا عمليات �إنزال‬
‫051‬

‫جلنود االحتالل، ف�أدركا �أنهما مك�شوفان، فهما باالن�سحاب من املوقع، وعندها‬
                              ‫َّ‬
                                   ‫بد�أت مئات الر�صا�صات تنطلق نحوهما.‬
                                                        ‫ّ‬

                                          ‫ّ َ‬
‫وبعد كثري من امل�صاعب، متكن فادي من االن�سحاب والنجاة ب�أعجوبة، بينما‬
   ‫�أراد اهلل (طارق) �شهيداً بعد �أن �أ�صابته عدة ر�صا�صات من جنود االحتالل.‬
                               ‫ّ‬



                   ‫ومن عمليات اقتحام امل�ستوطنات واملع�سكرات الأخرى:‬
   ‫- عملية (عت�صمونة)، يف 7/3/2002م، وبطلها اال�ست�شهادي (حممد فرحات).‬
‫- عملية (�ألون موريه)، يف 82/3/2002م، وبطلها اال�ست�شهادي (�أحمد عبد اجلواد).‬
            ‫- عملية احلمرا، يف 13/1/2002م، وبطلها ال�شهيد (حممد اخلليلي).‬
            ‫- عملية بقعوت، يف 31/5/2002م، وبطلها ال�شهيد (�أجمد القطب).‬
‫151‬


                                                  ‫عمليات الدوريات:‬
                                                       ‫عملية نهر الأردن.‬
                                                  ‫الزمان: 11/0991م.‬
                                     ‫املكان: احلدود الأردنية الفل�سطينية.‬
                   ‫اخللية: خالد �أبو غليون ـ خميم حطني/الأردن، (م�ؤبد).‬
                           ‫�سامل �أبو غليون ـ خميم حطني/الأردن، (م�ؤبد).‬
                              ‫فايق كعابنة ـ خميم حطني/الأردن، (م�ؤبد).‬
                                   ‫�أمني ال�صانع ـ عمان/الأردن، (م�ؤبد).‬
                             ‫ً‬
                           ‫�إبراهيم غامن ـ خميم البقعة/الأردن، (52عاما).‬
                              ‫النتيجة: مقتل �ضابط، وجرح �أربعة جنود.‬

                 ‫ّ‬          ‫ّ‬                           ‫ٌ‬
‫ال�شهادة، فكرة طاملا داعبت �أفكارهم وخميلتهم وا�ستقرت يف نفو�سهم،‬
   ‫ف�شغلتهم حتى بد�ؤوا بالبحث عنها لينالوها، فكان االنطالق �إىل فل�سطني..‬

‫مل ي�ستغرق االنطالق يف العملية البطولية نحو فل�سطني �أكرث من جل�سة‬
                                                          ‫ّ‬
‫واحدة، تخللها طرح فكرة، �أعقبها �س�ؤال: هل �أنتم على ا�ستعداد؟ فجاءت‬
‫الإجابة الواثقة من اجلميع: «نعم».. ثم انطلقوا على بركة اهلل الجتياز نهر‬
‫الأردن، هدفهم مع�سكر �صهيوين، وو�سيلتهم �أ�سلحة نارية خفيفة، و�أ�سلوبهم‬
‫عملية ا�ست�شهادية تهدف �إىل �إحراق املع�سكر وقتل �أكرب عدد ممكن من اجلنود‬
                                                                   ‫ال�صهاينة.‬

‫تكفّل (�إبراهيم) بتوفري ال�سالح، بينما انطلق باقي الإخوة نحو نقطة العبور‬
‫التي حددوها لأنف�سهم، واتّفقوا على اللقاء على احلافة ال�رشقية للنهر. وهناك‬
                                                                   ‫ّ‬
‫251‬

‫تفاج�أ الإخوة �أن (�إبراهيم) ح�رض �إىل املوقع ولي�س معه �أي قطعة �سالح، ومل‬
                ‫ّ‬
                   ‫يكونوا يحملون �إال امل�سد�سات ال�شخ�صية، فهل يعودون؟!‬
                                  ‫ّ‬            ‫ّ‬

                                             ‫ً‬
‫وهنا كان اجلواب منهم قاطعا، �أن ال عودة وال ت�أجيل، فقد ح�سبوا �أنف�سهم‬
‫يف طريقهم �إىل لقاء اهلل، فكيف مبن ع�شق ال�شهادة وحان �أجلها ف�أ�صبحت‬
‫�أمام ناظريه �أن َيعدل عنها ويختار الرجوع؟! ثم انطلقوا مب�سد�ساتهم و�إميانهم،‬
                 ‫ّ‬                                      ‫ِ‬
                                          ‫ً‬
                              ‫واخرتقوا الأ�سالك ال�شائكة و�صوال �إىل هدفهم.‬
                                                 ‫َ‬

‫وهناك �أ�شعلوا مع عدوهم جبهة �أداروها مب�سد�سات ال حتوي �إال القليل من‬
                           ‫ّ‬              ‫ً‬      ‫ّ‬
‫الر�صا�ص، و�أدارها جنود االحتالل بكل ما ميلكون من �أ�سلحة خفيفة وثقيلة،‬
                   ‫ً‬        ‫ً‬
‫لكن املجاهدين ا�ستطاعوا �أن يقتلوا �ضابطا �صهيونيا، هو م�س�ؤول الوحدة‬
           ‫ُ‬
‫ال�صهيونية، وجرحوا غريه، وما لبثت �أن ح�رضت ال ّتعزيزات، فلم َيطل اال�شتباك‬
                                                               ‫ً‬
‫طويال، �إذ نفدت ذخرية املجاهدين، وا�ست�شهد نايف، ووقع باقي الإخوة يف‬
                                                                       ‫الأ�رس.‬



                                       ‫ومن عمليات (الدوريّات) الأخرى:‬
                                                      ‫َّ‬
           ‫- العملية التي قام بها الأ�سري املحرر �سلطان العجلوين ـ الأردن.‬
                                      ‫َّ‬
‫351‬


                                                          ‫حرب الأنفاق:‬
                                                       ‫عملية ال�سهم الثاقب‬
                                                ‫الزمان: 8/21/4002م.‬
                                                      ‫املكان: كارين ـ غزة.‬
                              ‫النتيجة: مقتل جندي، وجرح �أربعة �آخرين.‬
‫عملية بطولية جريئة من عمليات (حرب الأنفاق)، تلك التي �ش ّنها �أبطال العز‬
‫ّ‬                                                     ‫ٌ‬     ‫ٌّ‬     ‫ٌ‬
‫على عدوهم، ليحيلوا الأر�ض ناراً حتت �أقدامهم. وهي من العمليات التي امتازت‬
                                                                     ‫ّ‬
‫با�ستخدام �أنواع عدة من ال�سالح املقاوم؛ فقد ا�ستخدم املجاهدون فيها ال�سالح‬
                                                        ‫ّ‬
‫الناري، و�سالح التفجري، كما ا�ستخدموا �أ�سلوب الهجوم واملباغتة، والعمل‬
                                                                   ‫ّ‬
                                  ‫ّ‬
         ‫اال�ستخباري، و�أ�سلوب الأنفاق، وفوق ذلك كله �سالح اال�ست�شهاد ّيني.‬

‫بد�أ املجاهدون عملية حفر طويلة م�ضنية يف باطن الأر�ض، بد�أت من‬
                         ‫ٍ ُ ْ ٍ‬      ‫ٍ‬   ‫َ‬
                                                                      ‫ّ‬
‫الطرف الغزي لل�شّ يك الفا�صل بني القطاع والأرا�ضي الفل�سطينية املحتلة عام‬
                                                               ‫ّ‬
‫(8491)، وم ّتجهة نحو مع�سكر ح�صنيٍ للجي�ش ال�صهيوين يقع داخل اخلط‬
                                      ‫ٍ‬          ‫ً‬
   ‫الأخ�رض، وحتيط به جدران وموانع، جتعل من ال�صعوبة مبكان الو�صول �إليه.‬

‫من باطن الأر�ض، اجتاز املقاومون ال�شِّيك الأول، ثم اجتازوا الطريق الأمني‬
‫الذي اتّخذه العدو حلماية حدوده امل�صطنعة، ثم اجتازوا ال�شِّيك املحيط باملع�سكر،‬
                       ‫ً‬
‫وهكذا و�صل الأبطال نقطة داخل املوقع حددوها م�سبقا، وعند هذه النقطة قاموا‬
                                  ‫ّ‬              ‫ً‬
                  ‫ّ‬
   ‫بزرع عبوة نا�سفة �ضخمة تزن مئات الكيلو غرامات يتم التحكم بها عن ُبعد.‬

‫�أما اجلزء الأروع يف العملية، فهو �إدخال البعد اال�ستخباري، فقد ن�سقت‬
   ‫ّ‬                     ‫ُ‬
                   ‫َ‬                   ‫ً‬
‫الكتائب عملية ا�ستخبارية معقّدة عرب عميل مزدوج، زرعه �أبطال الق�سام يف‬
                                              ‫ً‬          ‫ً‬
‫451‬

‫�صفوف العدو، هذا اجلزء الهام من العملية �ساهم ب�صورة كبرية يف �إجناح املهمة‬
                                               ‫ّ‬
                                                           ‫َ‬
                                             ‫و�إرباك العدو وجعله يفقد �صوابه.‬

‫كان دور العميل املزدوج هو �إي�صال املعلومة املغلوطة التي طلبت قيادة‬
‫الكتائب منه �إي�صالها �إىل �أجهزة الأمن ال�صهيونية، واملعلومة تُفيد ب�أن مطارداً‬
‫من قادة كتائب الق�سام �سيتواجد يف ذات النقطة التي زرعت فيها العبوة لتنفيذ‬
                      ‫ُ‬
‫مهمة جهادية، فتوجهت قوات االحتالل �إىل املوقع على �شكل جمموعات راجلة‬
                                                   ‫ّ‬
                                                                        ‫ً‬
                                                 ‫�سعيا منهم ال�صطياد املجاهد.‬

‫و�صلت املجموعة الأوىل من جنود االحتالل على �شكل دور ّية راجلة‬
‫يتقدمها كلب بولي�سي مدرب وما �إن و�صلت املجموعة �إىل النقطة املحددة‬
  ‫َّ‬                                          ‫َّ‬   ‫ٌّ‬        ‫ٌ‬         ‫ّ‬
‫حتى قام ُ�أ�سد الق�سام بت�شغيل العبوة �أ�سفلهم، فقتلت قائد املجموعة وكلبهم‬
     ‫َ‬              ‫َ‬                                          ‫ْ‬
                       ‫البولي�سي، وجرحت �أربعة جنود �آخرين بجروح �صعبة.‬
                                                              ‫ّ‬
‫ومل يكتف املجاهدون بذلك، بل خرج من النفق مقاتالن من الق�سام نحو‬
‫ً‬     ‫ً‬
‫القوة ال�صهيونية التي تتابعت للم�ساندة، وا�شتبكا معها، وتبادلوا �إطالقا كثيفا‬
‫للر�صا�ص، �أُ�صيب �أثناءه عدد من اجلنود، وا�ستمر اال�شتباك مدة طويلة كان دوي‬
  ‫ُّ‬      ‫ً‬       ‫ً‬            ‫ّ‬
‫ر�صا�صه وفرقعات قناب ِله تُ�سمع من بعيد، حتى حانت �ساعة ال�شهادة، واختار‬
                                                           ‫ُ‬           ‫ِ‬
                                                       ‫اهلل الأ�سدين �إىل جواره.‬
                                                                   ‫َ ِ‬

                                      ‫ومن عمليات حرب الأنفاق الأخرى:‬
‫- عملية بوابة �صالح الدين، يف 01/1002م، وعملية (غو�ش قطيف)،‬
                                                             ‫وعملية معرب رفح.‬
‫551‬


                                                        ‫حرب ال�صواريخ:‬
                                     ‫�أ ـ ال�صواريخ امل�ضادة للدروع (البتّار):‬
                                                        ‫عملية حي الزيتون.‬
                                                ‫الزمان: 11/5/4002م.‬
                                         ‫املكان: حي الزيتون ـ مدينة غزة.‬
                             ‫النتيجة: مقتل �ستة جنود، بعد تدمري د ّبابتهم.‬
‫بعد �أن توغلت د ّبابات وناقالت جند �صهيونية يف قطاع غزة، وو�صلت‬
                                    ‫ً‬
‫حي الزيتون الذي ُيعد معقال من معاقل حركة حما�س يف القطاع، وذلك‬
                                          ‫ّ‬
‫بهدف تدمري م�ستودعات وم�شاغل وخمارط حديد حتت ذريعة �أنها ور�ش ت�صنيع‬
          ‫ُ‬
                                            ‫ع�سكري لإنتاج �صواريخ الق�سام.‬

  ‫ً‬
‫نفّذت تلك القوة ال�صهيونية مهمتها، ثم عادت �أدراجها، �إال �أن وحدة‬
                                      ‫ّ‬
‫ً‬        ‫ً‬
‫مقاتلة من كتائب الق�سام كانت لها باملر�صاد، �إذ �أعدت لها كمينا �صاروخيا‬
                        ‫ّ‬                                         ‫ً‬
‫قُبيل الفجر، وا�ستهدفت هذه الوحدة الق�سامية �إحدى املدرعات ال�صهيونية‬
                                                     ‫ّ‬
‫ب�صاروخ م�ضاد للدروع حملي ال�صنع من نوع (ب ّتار)، و�شاءت �إرادة اهلل �أن حتوي‬
                                      ‫َ‬
‫املركبة امل�ستهدفة بداخلها مواد �شديدة االنفجار، ا�ستجلبتها القوة ال�صهيونية‬
                                             ‫َّ‬           ‫ُ‬          ‫ُ‬
‫معها لتدمري ور�ش العمل، ف�أدى انفجار ال�صاروخ الق�سامي �إىل تفجري هذه‬
                                         ‫ّ‬              ‫ُ‬
‫املواد، فا�ستحالت املدرعة �إىل عبوة هائلة انفجرت ب�شدة وتبعرثت �إىل �أ�شال ٍء‬
                                                      ‫َّ‬
‫ممزقة توزعت يف م�ساحة تزيد عن ن�صف كيلو مرت مربع، وتناثرت معها �أ�شالء‬
                                                 ‫ٍ‬           ‫َّ ٍ ّ‬
                                           ‫اجلنود ال�س ّتة الذين كانوا بداخلها..‬

                    ‫ّ‬
‫وقد و�صف �أحد اجلنود ال�صهاينة الذين كانوا ي�ستقلون مركبة �أخرى ت�سري‬
            ‫ً‬
‫651‬

                      ‫ً‬
‫خلف الآلية امل�ستهدفة ذلك االنفجار فقال: «كنا ن�سري معا، و�إذا باملدرعة تختفي‬
        ‫ّ‬
                                             ‫ُ‬             ‫َ‬       ‫ً‬
                ‫فج�أة ومل يبق منها �شيئ، ف�صدمت ومل �أعلم ما الذي حدث!».‬

                                                  ‫ٌ‬      ‫ّ‬
‫هذا وقد متكنت وحدة من (�رسايا القد�س) التابعة حلركة اجلهاد الإ�سالمي‬
‫من احل�صول على �أ�شال ِء �أحد اجلنود، وحاولت املقاي�ضة عليها، �إال �أنها ا�ضطرت‬
 ‫ّ‬                       ‫َ‬                        ‫ِ‬
‫�إىل ت�سليمها �إىل االحتالل بعد �أزمة �ضغوطات �شديدة مور�ست عليها من جميع‬
                   ‫ٍ ُ‬      ‫ٍ‬       ‫ِ‬
                      ‫الأطراف، مبا فيها ال�سلطة الفل�سطينية واحلكومة امل�رصية.‬

‫جن جنون االحتالل �إثر العملية، و�أجرى العديد من ال ّتحليالت وال ّتقييمات‬
                                                                      ‫ُ َّ‬
‫والدرا�سات، خل�ص منها �إىل �إ�صدار قرار مبنع �أ ّيـة مركبة ع�سكرية من حمل‬
                                                                     ‫ّ‬
                      ‫كمية من املتفجرات �إال بقرار من القائد الأعلى للجي�ش.‬



                 ‫ومن الأمثلة الأخرى ال�ستخدام ال�صواريخ امل�ضادة للدروع:‬

                ‫- عملية رفح، يف 3/01/4002م، وعملية بيت حانون،‬
   ‫يف 22/11/6002م، وعملية بيت حانون، يف 32/11/6002م.‬
‫751‬


                                                                   ‫ب ـ �صواريخ الق�سام(1):‬

‫هذه �إح�صائية نوردها لبع�ض تواريخ ونتائج �إطالق �صواريخ الق�سام من‬
                                                  ‫�أرا�ضي غزة نحو التجمعات ال�صهيونية:‬
                                                                 ‫ّ‬
                  ‫النتائج‬                       ‫املوقع امل�ستهدف‬                   ‫التاريخ‬
              ‫اثنان جرحى‬                            ‫ا�سديروت‬                  ‫5/3/2002م‬
              ‫�إ�صابة خطرة‬                          ‫ا�سديروت‬                 ‫91/3/3002م‬
                ‫اثنان قتلى‬                          ‫ا�سديروت‬                 ‫82/6/4002م‬
             ‫ثالث �إ�صابات‬                       ‫�شاعر هينجف‬                 ‫92/6/4002م‬
               ‫قتيلة واحدة‬                        ‫غو�ش قطيف‬                  ‫42/9/4002م‬
        ‫قتيل واحد و 6جرحى‬                             ‫موراغ‬                 ‫82/01/4002م‬
              ‫�ست �إ�صابات‬                         ‫نفي دجاليم‬               ‫01/21/4002م‬
           ‫ً‬
           ‫جرح11 جنديا‬                              ‫عت�صمونة‬                ‫61/21/4002م‬
                ‫ً‬
    ‫�إ�صابة 21 جنديا، منهم اثنان‬
                                                 ‫موقع ع�سكري‬                  ‫5/1/5002م‬
               ‫خطرة‬
    ‫عدة �إ�صابات، �إحداها برت يد‬                     ‫نت�سارمي‬                ‫51/1/5002م‬
            ‫قتل جم ّندة‬                             ‫ا�سديروت‬                 ‫41/7/5002م‬
  ‫قتيل، و�إ�صابات خطرة، وحرق‬
                                                    ‫ا�سديروت‬                ‫12/11/6002م‬
             ‫م�صنع‬
  ‫قتيلة، و�إ�صابات خطرة، وتفجري‬
                                                    ‫ا�سديروت‬                 ‫12/5/7002م‬
             ‫�سيارة‬




      ‫ّ‬                   ‫ً‬                    ‫ّ‬                                             ‫ّ‬
‫1 يقول املفكر الإ�سالمي (عبد الوهاب امل�سريي): «�إنّ الق�سام الّذي اختفى �شيخا عاد �صاروخاً؛ لي�ؤكدَ �أن‬
                                                                         ‫املخل�صني لق�ضاياهم ال ينتهون».‬
                                                                                               ‫َ‬
‫851‬

‫وال زالت ال�صواريخ الق�سامية تنطلق من �أر�ض غزة نحو التجمعات‬
   ‫ّ‬
‫ال�صهيونية �إىل اليوم، بينما مل ينتقل هذا الأ�سلوب �إىل ال�ضفة الغربية، مع وجود‬
‫العديد من املحاوالت يف هذا املجال، �إال �أنها انتهت �إما بالف�شل، �أو ا�ستطاع‬
                            ‫االحتالل اعتقال العاملني عليها و�إيقاف تطويرها.‬
‫951‬


                                                       ‫العمل اال�ستخباري:‬
                                           ‫عملية قتل ال�ضابط (نوعام كوهن).‬
                                                   ‫الزمان: 31/4/4991م.‬
                                                      ‫املكان: بيتونيا/رام اهلل.‬
             ‫اخللية: عبد املنعم �أبو حميد ـ خميم الأمعري/رام اهلل، (�شهيد).‬
                                              ‫علي العامودي ـ غزة، (م�ؤبد).‬
                           ‫النتيجة: قتل �ضابط املخابرات و�إ�صابة حار�سيه.‬

‫كان �شهيدنا (عبد املنعم) من املجاهدين الذين ال تلني لهم قناة، وال تهد�أ‬
‫لهم حركة، فاعتقله االحتالل غري مرة، و�ساومه على وطنيته وانتمائه، و�ألح عليه‬
     ‫َّ‬                ‫ّ‬                  ‫ّ‬
          ‫بالعمل معهم كعميل، مقابل الإفراج عنه، و�إعطائه امتيازات عديدة.‬

‫ويف تلك الأثناء، قفزت �إىل ذهن َبط ِلنا فكرة (العميل املزدوج)، �أي �أن‬
                                        ‫ِ‬
‫يتظاهر بقبول العمل مع املخابرات ال�صهيونية، حتى �إذا �سنحت له الفر�صة،‬
                                                              ‫�رض َبها من الداخل.‬

‫ومن هنا، كان قراره القبول، ف�أ�سعد ذلك رجال املخابرات، حيث ظ ّنوا‬
                               ‫َ‬
                                                         ‫ً‬
‫�أنهم وجدوا عينا لهم على املقاومة من داخلها، وبذا �سيجدون و�سيلة ل�رضبها.‬
         ‫ً‬

‫بد�أت املخابرات ب�إعداده مبا يلزمه للقيام باملهمة املوكلة �إليه، حتى �أ�صبح‬
‫بنظرهم جاهزاً الخرتاق �صفوف كتائب الق�سام، واتفقوا معه على �آليات‬
  ‫ّ‬
   ‫التوا�صل واللقاء.. ثم �أطلقوا �رساحه بحجة عدم اعرتافه بال ُّتهم املن�سوبة �إليه.‬
                                           ‫ّ‬

‫وكان �أول ما قام به جماهدنا بعد الإفراج عنه، �أنه توجه �إىل �إخوانه يف احلركة،‬
                         ‫ّ‬                                            ‫ّ‬
‫061‬

‫و�أطلعهم على ما ح�صل معه، وو�ضع نف�سه بني �أيديهم التخاذ القرار املنا�سب.‬
                      ‫ً‬      ‫ً‬                         ‫ّ‬
‫ومل يكن �إخوانه �أقل مبادرةً، فقد وجدوها فر�صة �سانحة لالنتقام من االحتالل،‬
                                  ‫وهنا بد أ� التخطيط، ومن ثم الإعداد والتنفيذ.‬

‫لقد كانت فر�صة �سنحت للمجاهدين لالنتقام من �ضابط املخابرات امل�س�ؤول‬
                                                      ‫ً‬
‫ً‬
‫عن الإ�سقاط واالت�صال مع اخلونة يف تلك املنطقة، فو�ضعت خطة ت�صفي ِته زمانا‬
                ‫ُ‬       ‫ُ‬
                                                                         ‫ً‬
                                                                ‫ومكانا وكيفيةً.‬
                                                                   ‫ّ‬
‫كانت اخلطة تقوم على �أن يتفق (عبد املنعم) مع ال�ضابط (كوهن) على لقاء‬
‫يف موعد حمدد، ويف ذات املوقع تكمن �أُ�سد الكتائب باالنتظار؛ لتنق�ض عليه‬
      ‫َّ‬                         ‫ْ‬
                                                                  ‫هو ومن معه.‬

‫كان املوعد يف 31/4، واملكان: �أحد �شوارع (بيتونيا) يف رام اهلل، والكيفية:‬
  ‫ّ‬                                     ‫ُ‬
‫تقوم على �أ�سا�س �أنْ يح�رض ال�ضابط مع مرافقيه ب�سيارة مر�سيد�س عربية، ويجد‬
‫(عبد املنعم) يف املوقع امل َّتفق عليه، ويلب�س لبا�سا مميزاً حتى يعرفوه من خالله،‬
                            ‫ً‬
                         ‫ّ‬
                     ‫في�صعد معهم يف ال�سيارة؛ لي�أخذوه �إىل موقع جمهولٍ للقاء.‬
                                   ‫ٍ‬

‫و�ضع (عبد املنعم) التفا�صيل بني يدي �إخوانه الذين توجهوا مبكراً �إىل املوقع،‬
                       ‫ّ‬
‫واتخذوا و�ضعية اال�ستعداد... ويف املوعد املحدد وفق اخلطة امل َّتفق عليها، جاء‬
                                                                ‫ّ‬
               ‫ً‬     ‫ً‬        ‫ً‬
‫�ضابط املخابرات ومعه اثنان من مرافقيه، ظا ّنا �أن رجال خائنا ل�شعبه يبحث عن‬
‫الفتات من عدوه ينتظره، لكنه فوجئ بر�صا�ص الق�سام يرتقّبه فيخرتق ج�سده‬
 ‫َ‬                                                      ‫ّ‬
                                            ‫ً‬
‫ومن معه، فيرُديه قتيال، ويوقعهم جرحى، بينما ان�سحب املجاهدون ومعهم‬
                                                       ‫َ ّ‬
                                                   ‫(عبد املنعم) فرحني مهللني.‬
‫161‬


                                 ‫ومن �أمثلة العمليات اال�ستخبارية الأخرى:‬

‫عملية قتل ال�ضابط (نحماين)، يف 3/1/3991م، وعملية (ثقب القلب)،‬
         ‫يف 81/1/0002م، وعملية (ال�سهم ال ّثاقب)، يف 8/21/4002م.‬

‫تلك مناذج من بطوالت ق�سامية كثرية، و�سطور من �صفحات م�ضيئة،‬
           ‫ٍ‬              ‫ٌ‬                 ‫ٍ ّ ٍ‬                ‫ُ‬
‫حاو ْلنا جمعها يف كتابنا (�صفحات من جهاد �أبناء الق�سام)، فلمن �أراد اال�ستزادة‬
                                    ‫الرجوع �إليه؛ ففيه اخلري وال ّنفع �إن �شاء اهلل.‬



                                   ‫***‬
162
‫361‬




      ‫و�سائل حتقيق الأهداف‬
164
‫561‬




                    ‫و�سائل حتقيق الأهداف‬


‫حتتاج الع�صابات يف م�سريتها نحو حتقيق �أهدافها �إىل و�سائل و�أدوات تُعينها‬
                           ‫ّ‬           ‫ُ‬             ‫ّ‬
‫وت�سهل عليها مهمـ َتها ومتكنها من بلوغ مرادها، وتقويها يف مواجهة ال�صِّعاب،‬
                                                            ‫ّ‬           ‫ّ‬
                                                     ‫َ‬
                          ‫وبها جتابه عدوها وو�سائله التي يعتمد عليها يف حربه.‬
                                                               ‫َّ‬
                                            ‫ّ‬
‫�إنّ هذه الأدوات ت�شكل حلقة يف �سل�سلة احللقات التي تعمل على ك�رس‬
                                      ‫ً‬
‫الهوة ال�سحيقة بني قوة العدو املادية، وقوة (اجلاريال) والثورات ال�شعبية، وهي‬
      ‫ّ‬                                   ‫ّ‬                             ‫ّ‬
                                                                      ‫ّ‬
               ‫تقلل من كفاءة قوة العدو وفاعليتها يف �رضب احلركات الثورية.‬
                                           ‫ّ‬
             ‫ويف هذا الف�صل، نناق�ش �أبرز هذه الو�سائل والأدوات، وهي:‬
                                                                    ‫�أوالً: التنظيم.‬
                                                                   ‫ثانياً: الت�سليح.‬
                                                             ‫ثالثاً: اال�ستخبارات.‬
                                                                   ‫رابعاً: الإعالم.‬
                                                       ‫خام�ساً: التخفّي والتّمويْـه.‬
        ‫�ساد�ساً: و�سائل االت�صال الآمنة: ال�شيفرة، احلرب ال�رسّي، النّقاط امليتة.‬
                                             ‫ِّ‬
                                                                   ‫�سابعاً: الإميان.‬
‫661‬

                            ‫َ‬        ‫َ‬         ‫ّ‬
‫�إنّ هذه الو�سائل ت�شكل الأ�سلحة احلقيقية واملتكاملة يف مواجهة العدو،‬
                         ‫ً‬                       ‫ّ‬
‫و�إن فقدان �أي منها ي�شكل نقطة �ضعف، ومدخال ميكن �أن ي�ؤدي �إىل �رضب‬
                                                          ‫ٍّ‬
                           ‫(اجلاريال)، وبالتايل �إف�شالها، وعدم بلوغها �أهدافها.‬



                                                              ‫�أوالً: التنظيم‬
‫ال ميكن حلرب ع�صابات �أن حتقّق �أهدافها �أو تنت�رص يف حربها؛ �إال �إذا‬
                                                  ‫ٍ‬       ‫ِ‬
‫خ�ضعت لتخطيط دقيقٍ وتنظيم رتيب وتقييم متوا�صل، وفوق ذلك كله قيادة‬
                            ‫ٍ‬      ‫ٍ‬    ‫ٍ‬            ‫ٍ‬
‫حكيمة قادرة على قراءة الواقع وتقدير و�إ�صدار القرار احلكيم الذي ينا�سبها.‬
‫وبغري ذلك ت�صبح الثورة �أقرب �إىل الهبة ال�شعبية التي تنفجر، ثم �رسعان ما تخبو‬
                                        ‫ّ‬
                    ‫وينطفئ �أوارها دون �أن تحُدث تغيرياً جوهريا على الأر�ض.‬
                                ‫ً‬

‫فال يفهم ال�سامع �إذن �أن (حرب الع�صابات) هي �رضب من الع�شوائية‬
              ‫ٌ‬
  ‫والّالتنظيم، بل �إن جوهرها هو التنظيم، و�أ�سا�سها االن�ضباط والتناغم يف الأداء.‬

‫نعم! �إنّ وجود تنظيمات عاملة على �ساحة املقاومة، تقوم بدورها يف �إدارة‬
                                                        ‫َ‬
‫دفّة القيادة وتوجيه مركب الثورة لري�سو على بر الأمان، هو �ضمانُ النجاح.‬
‫وما من ثورة معا�رصة من الثورات الناجحة التي �أ�سلفنا ذكرها، �إال و�أدارتْها‬
                                                        ‫ٍ‬       ‫ٍ‬
       ‫ّ‬                       ‫ُ‬      ‫ّ ٌ‬      ‫ّ‬
‫حركات وتنظيمات ير�أ�سها مفكرون وثوار ورجال جتديدٍ ميلكون من ال�صفات‬
                                                           ‫ٌ‬         ‫ٌ‬
‫القياد ّية ما ي�ؤهلهم ليكونوا على ر�أ�س الهرم ويف موقع القيادة وال ّتوجيه. ولقد‬
                                                             ‫ّ‬
                       ‫ّ‬    ‫ّ‬    ‫ً‬     ‫ُ ً‬                 ‫ّ‬
‫و�ضع ه�ؤالء املفكرون لثوراتهم خططا �شاملة تت�ضمن عدة مراحل، ال بد للثورة‬
                           ‫ّ‬
‫�أن متر بها، وحددوا الأ�ساليب التي تتنا�سب وكل مرحلة، والو�سائل التي يلزم‬
                                                         ‫ّ‬        ‫َّ‬
                                                       ‫ا�ستخدامها يف كل دور.‬
‫761‬

‫كما واكب ه�ؤالء القادة تطور الثورة وحروبها، و�شاركوا يف �صناعتها‬
                                             ‫ّ‬
   ‫وتطويرها، وطوروا ِفكرهم معها، وابتدعوا الفكر الذي ُي�سيها و َي�سري بها.‬
                    ‫رِّ‬         ‫ِ‬                            ‫ّ‬



                                                                 ‫�أ�شكال التنظيم:‬

‫�إذاً فقد علمنا �أنّ حتديد الأهداف، التكتيكية واال�سرتاتيجية، ومعرفة‬
                                              ‫َ‬           ‫ْ‬
‫الأ�ساليب التي حتقّقها، وو�ضع اخلطط ومتابعة تنفيذها؛ يحتاج �إىل تنظيم دقيق،‬
                                         ‫تقوده نخبة متميزة، ت�سري به �إىل النجاح..‬

‫هذا التنظيم الذي يحوي عدداً كبرياً من الأفراد املقاتلني، واملجموعات‬
‫الثائرة، والعنا�رص الداعمة، والت�شكيالت العامة، وقدراً كبرياً من ال ّتبعات‬
‫وامل�س�ؤوليات؛ ال بد له من �أن يخ�ضع لأحد �أ�شكال التنظيم الرئي�سية، هذه‬
                                                    ‫ّ‬
                                            ‫ٌّ‬
‫الأ�شكال التي ي�صلح كل منها حلالة خا�صة من العمل دون غريها، فطبيعة‬
‫الأر�ض، والعمل املحيط، والعنا�رص، واملهمات، والعدو... كلها عوامل تفر�ض‬
                                ‫ً‬         ‫ّ‬                 ‫ّ‬           ‫ً‬
                   ‫�شكال حمدداً وتقدمه على غريه، وتُرجح �أ�سلوبا وترف�ض �آخر.‬

                                                ‫�أما هذه الأ�شكال التنظيمية فهي:‬

                                                             ‫�أوالً: التنظيم الهرمي:‬
                                                                ‫َ‬
‫ن�سبة �إىل �شكل الهرم الذي مي ّثل ر�أ�سه املد َّبب ر�أ�س التنظيم وقيادتَه، وقاعدتُه‬
                            ‫َ‬    ‫ُ‬           ‫ُ‬                                ‫ً‬
‫العري�ضة هي قاعدة التنظيم وعنا�رصه، وتت�صل فيه القيادة بالقاعدة كما هو‬
‫الهرم، فالقيادة ت ّت�صل بامل�ستوى الذي دونها ب�صورة مبا�رشة، ويت�صل امل�ستوى‬
‫الثاين بقاعدة �أو�سع، والتي تت�صل بدورها بامل�ستوى الذي يليها، وهكذا يكون‬
‫861‬

               ‫االت�صال من ر�أ�س الهرم وحتى �أدنى القواعد.. (انظر الر�سم 1).‬

‫ميتاز هذا الأ�سلوب من التنظيم ب�سهولة االت�صال و�رسعته بني حلقات التنظيم،‬
                                           ‫ّ‬
‫وعدم وجود (بريوقراطية) مملة ب�سبب االنفتاح يف العالقة واالت�صال، وعدم‬
‫وجود خطوط مقطوعة �أو غري معلومة. �إال �أن ال�سلبية الأبرز فيه، تكمن يف‬
                     ‫ّ‬
‫�سهولة اكت�شاف جميع حلقات التنظيم، و�إمكانية توجيه �رضبة قا�سية �إىل جميع‬
‫حلقاته من ر�أ�س الهرم �إىل قاعدته، فبحدوث خط�أ �أمني �أو اخرتاق داخلي، �أو‬
‫عرب التحقيق االعتقايل؛ ف�إن االنهيار ال يتوقف �إال ب�صمود �أو ا�ست�شهاد م�ستوى‬
‫من حلقات الو�صل التي تقطع الطريق �أمام املخابرات املعادية، ومتنعها من‬
‫اال�ستمرار يف فرط عقد التنظيم وك�شف م�ؤ�س�ساته وعنا�رصه.. وعليه، ف�إن هذا‬
‫الأ�سلوب ال ي�صلح �إال للأعمال ال�سيا�سية �أو ال ّنقابية �أو االجتماعية �أو املهنية‬
 ‫ّ‬           ‫ّ‬                                   ‫ّ‬
‫الهادئة، وغري املعر�ضة للمالحقة ال�شديدة.. بينما ال ي�صلح للعمل الع�سكري‬
                                                     ‫ّ‬
                              ‫والأمني واخلاليا الثائرة املنت�رشة يف ميدان املعركة.‬

                                                                       ‫ر�سم (1)‬




                                      ‫القيادة‬

                                 ‫امل�ستوى الثاين‬


                                 ‫امل�ستوى الثالث‬


                                 ‫امل�ستوى الرابع‬
‫961‬


                                                           ‫ثانياً: التنظيم الر�أ�سي:‬

‫هو تنظيم �شبيه بالتنظيم الهرمي، �إال �أنه ميتاز بعدم تو�سيع قاعدة االت�صال،‬
                                               ‫َ‬             ‫ٌ‬     ‫ٌ‬
                ‫ّ‬
‫فيكون التوا�صل على حلقاته عن طريق �شخ�ص واحد ي�شكل حلقة الو�صل‬
        ‫َ‬
                                    ‫ّ‬
‫بني م�ستوى و�آخر، في�ضمن عدم اطالع �أكرث من �شخ�ص على هذا امل�ستوى،‬
‫وي�ضمن عدم اطالع امل�ستوى �إال على �شخ�ص واحد. و�إذا مت ا�ستخدام االت�صال‬
                  ‫ّ‬
‫بني احللقات عرب و�سيلة �آمنة (غري مبا�رشة) كالنقاط امليتة �أو ن�صف امليتة؛ ف�إنه يزيد‬
                                                 ‫من �أمنه و�سالمته. (انظر الر�سم 2).‬

           ‫ً‬
‫وميكن اعتماد هذا الأ�سلوب يف العمل الع�سكري والأمني عموما، فهو �أكرث‬
              ‫ً‬                                                   ‫ً‬
‫�أمنا من �سابقه، لأن �صمود �شخ�ص واحد ميكن �أن يكون كفيال بوقف ال ّنزيف‬
‫و�إبطال م�سل�سل االنهيار وك�شف العاملني، كما �أن ا�ستخدام و�سائل االت�صال‬
      ‫ً‬                           ‫َّ‬
‫الآمنة فيه ي�ضمن قطع اخلطوط، �إال �أن علته الأبرز هي كونه �أكرث بطئا وحاجة‬
‫ً‬
                                                                     ‫للوقت واجلهد.‬

                                                                            ‫ر�سم (2)‬




                                       ‫القيادة‬                                         ‫	‬



                                  ‫امل�ستوى الثاين‬


                                 ‫امل�ستوى الثالث‬
‫071‬


                                                    ‫ثالثاً: التنظيم العنقودي:‬

‫�شبيه بعنقود العنب يف �شكله، ولذا ُين�سب �إليه، فهو يتم ّثل يف قيادة مركزية،‬
        ‫ٍ‬                                                              ‫ٌ‬
                              ‫ٌّ‬
‫ت ّت�صل بها جمموعة من القيادات الفرعية، وكل منها تقود خاليا فرعية منفردة،‬
                                                       ‫ٌ‬
               ‫ّ‬
‫والعالقة بينها تكون مرتبطة بقيادة اخلاليا فقط، بحيث ت�شكل يف جمموعها‬
                                       ‫حبات عنقود العنب.. (انظر الر�سم3).‬

                  ‫ّ‬                                ‫ً‬           ‫ُّ ّ ٍ‬
‫�إذن فكل حبـة مت ّثل خلية منفردة، وهذه اخللية لي�س لها �أي ارتباط مع اخلاليا‬
             ‫ٍّ‬
‫الأخرى العاملة، ولي�س لديها �أي معلومة تف�صيلية عنها، وقائد كل منها ال يعرف‬
                             ‫ّ‬
‫املجموعة الأخرى، ولي�س له ارتباط �إال مع قائده الأعلى، وكذلك القادة ال‬
‫يعرفون �إال مر�ؤو�سيهم (قادة اخلاليا)، دون �أن يعرفوا التفا�صيل الأخرى، فهي‬
                                                           ‫ً‬
               ‫�أكرث الأ�ساليب �أمنا، و�أف�ضلها �أداء يف العمل الأمني والع�سكري.‬
                                          ‫ً‬
                                                                     ‫ر�سم (3)‬
‫171‬


                                                  ‫رابعاً: التنظيم الع�شوائي:‬
                                           ‫ٌ‬
‫(العمل االرجتايل)؛ هو عمل قائم على املبادرات الفردية واجلهود الذاتية‬
‫النابعة من قناعة الفرد بدوره الذي يتوجب عليه القيام به، وانتمائه جتاه دينه‬
                                    ‫ّ‬
‫ووطنه و�أمته، فيبادر �إىل االت�صال بعدد من �أقرانه، و ُين�شئ معهم جمموعة مقاتلة‬
‫�أو �أكرث، ال يوجد بينها وبني غريها من اخلاليا �أو التنظيمات روابط ر�سمية �أو‬
                                                      ‫خطوط ات�صال تنظيمية.‬
                                                        ‫ّ‬
‫و ُيعد هذا النوع من العمل معتمداً بكرثة يف جتربتنا الفل�سطينية، خ�صو�صا‬
‫ً‬                                                                ‫ُّ‬
‫مع اخلاليا املجاهدة التي ال جتد لنف�سها خطوط ات�صال، �أو التي متلك �أفراداً‬
‫تواقني للجهاد، وهم غري منت�سبِني �إىل جهاز ع�سكري، فيبادرون بجهودهم‬
                                                                 ‫ّ‬
‫الفردية لإن�شاء اخللية و�إعدادها وحت�صيل ال�سالح والعتاد، ف�إذا �سنحت الفر�صة‬
‫لهم لإيجاد روابط ب�إحدى الأجنحة الع�سكرية املقاتلة، ف�إنها تعقد هذا االت�صال،‬
                                              ‫فتدخل �ضمن هيكليته التنظيمية.‬

‫ولقد �أثمر هذا ال�شكل من العمل يف فل�سطني عن نتائج طيبة، فقد عملت‬
                                                     ‫ً ِْ‬
‫هذه اخلاليا مطمئنة لعلمها �أنها متلك مفاتيحها بيدها، وال ميكن جلهة �أن تكون‬
                                                                     ‫ً‬
‫�سببا ل ُت�ؤتى من خلفها، و�إن �أي اعتقاالت �أو حمالت قد تطال تنظيمات ثائرة‬
‫لن ت�صل يف النهاية �إىل ك�شف �أمر اخللية، فال ارتباط بينهما ي�ؤدي �إىل ك�شفها،‬
                                                        ‫ً‬
        ‫وال ميلك �أحد علما ب�أمر هذه اخللية وما ا�ستطاعت �إجنازه من مهمات.‬
                                                             ‫ٌ‬

                  ‫ً‬       ‫ً‬
‫�إال �أن هذا اللون من العمل ال ي�شكل تنظيما متكامال، وال ي�صلح لإدارة‬
‫�ش�أن عام �أو حتريك ثورة مكتملة، �أو �أن يوجه (جاريال) ثائرة وي�صل بها �إىل‬
              ‫ّ‬                                    ‫ً‬
‫الن�رص، كما �أن خالياه عادة ما تعاين من ال�ضعف املادي، �سواء بقلة ال�سالح، �أو‬
                                   ‫ّ‬
‫271‬

                             ‫ًّ‬
‫بعدم القدرة على تغطية احتياجات العمل ماليا، ملا للعمل الع�سكري من تكلفة‬
                        ‫وتبعات قد تثقل كاهل الأفراد بينما حتتمله التنظيمات.‬

                                                                    ‫ً‬
                                       ‫خام�سا: التنظيم اخليطي (ال�سل�سلة):‬
                                               ‫ِّ‬
 ‫ً‬
‫يكون االت�صال فيه من القيادة للقاعدة وبالعك�س ويف جميع املراحل فرديا،‬
‫وبذا؛ ال يتعرف العن�رص �إال على عن�رص �أعلى منه، و�آخر �أدنى منه، وفقط. (انظر‬
                                                                ‫ّ‬
                                                                     ‫الر�سم5).‬


    ‫(4)‬                ‫(3)‬                 ‫(2)‬                  ‫القيادة (1)‬

                                           ‫ٌ‬
‫فال يكون هناك ات�صال �إذن بني (2) و(4)، وبني (1) و(4)، وبني (1)‬
                                                                         ‫و(3).‬

                                ‫ّ ً‬
‫وميكن �أن يكون ال ّتوا�صل بني احللقات �أمنيـا (نقطة ميتة)، وبالتايل ال يتعرف‬
   ‫ّ‬
          ‫ٍّ‬                            ‫ّ‬                      ‫ً‬
‫�أحد على �أحدٍ بتاتا، وال يكون معه خلية يعرفها. ف�إذا كان اعتقال �أي من عنا�رص‬
                                                                             ‫ٌ‬
                                     ‫ِّ‬     ‫ً‬
‫ال�سل�سلة ف�إنه يكون �أكرث �أمنا من �أي �شكل من الأ�شكال ال�سابقة، و�أبعد من‬
                                                                         ‫ّ‬
‫االعرتاف، منه �أو عليه. �إال �أنه يبقى النموذج الأبط�أ، والأقل �رسعة يف الإجناز،‬
            ‫ً‬
                                                           ‫ً‬
                        ‫والأ�ضعف قدرة على تفعيل املجموعات، لأنه للأفراد.‬

                  ‫َ‬
‫وي�صلح هذا ال�شكل لبع�ض املهمات الع�سكرية واجلهادية جلودته الأمنية، �إال‬
       ‫ّ‬
                                                         ‫ً‬
                    ‫�أنه ال ي�صلح بتاتا للعمل اجلماهريي، لل�سبب الذي ذكرناه.‬

‫ويف جمموع �أ�ساليب العمل التّنظيمي، نلحظ �أن الأمن يتنا�سب عك�سيا مع‬
   ‫ً‬
                        ‫ُ‬         ‫ً‬
‫معرفة قادة و�أفراد اخلاليا بع�ضهم بع�ضا.. فكلما ك�شفت اخلاليا على بع�ضها،‬
‫371‬

‫وكلما تعرف العاملون على بع�ضهم، وكلما زاد عدد وحجم اخلطوط املو�صولة؛‬
                                                           ‫ّ‬
                                                                    ‫ّ ْ‬
‫قلت ن�سبة الأمان، وزادت املخاطر و�إمكانية ال�سقوط واحتمالية ك�شف اخليوط‬
                                                                  ‫واخلطوط..‬

‫وكلما ا�س ُتخدم مبد أ� قطع اخليوط عرب النقاط امليتة، وقلة املتعارفني، وكلما‬
 ‫ّ‬                       ‫ً‬        ‫ً‬       ‫ّ‬
‫ا�س ُتخدمت الأ�ساليب الأقل ات�صاال واحتكاكا؛ زادت ن�سبة الأمان، وقلت‬
                                                   ‫احتمالية الوقوع واالنهيار.‬

‫لذا، ف�إن الأ�سلوب العنقودي يف ت�شكيل ج�سم التنظيم الع�سكري، وقطع‬
‫خيوط التوا�صل وخطوط العمل عرب و�سائل الأمان، هو ال�ضمان الأف�ضل‬
‫ال�ستمرار اخلاليا العاملة يف مهامها ع�صية على الك�شف وال�سقوط. ولقد �شهد‬
‫َ‬                               ‫ّ‬      ‫ّ‬
‫العدو ال�صهيوين بنف�سه؛ �أنّ الطريقة التي عملت من خاللها اخلاليا الق�سامية‬
                                                                     ‫ّ‬
                       ‫ً‬      ‫ّ‬
‫املجاهدة املنت�رشة يف ال�ساحة الفل�سطينية �شكلت حائال دون �سقوطها ال�رسيع‬
                                                            ‫وانهيارها ال�سهل.‬

‫وعلى الرغم من ذلك، ف�إن ق�صوراً ال يزال يعرتي العمل الفل�سطيني املقاوم‬
‫يف ت�شكيل هياكل تنظيمية �آمنة، و�إن ال�سقوط املتوا�صل وال�رسيع لعدد من‬
                                                ‫ّ‬
‫خاليا املجاهدين دليل على ذلك. فانعدام اخلربة، و�ضعف الكفاءة يف �إعداد‬
‫الت�شكيالت التنظيمية، واال�ستهتار الذي وقع به العديد من العاملني، وعدم‬
                   ‫ّ َ‬         ‫ُّ‬
‫ا�ستخدام الأ�ساليب الآمنة يف التوا�صل، كل ذلك �شكل بجملته ثغرات كانت‬
      ‫ٍ‬
‫ت�سهم يف ت�صدع وانهيار �أركان العمل الع�سكري... ويف درا�ستنا (�أمن املطارد/‬
                                                              ‫ّ‬
                                                ‫ٌ‬
                     ‫باب �أمن املجموعات) تف�صيل مفيد، نن�صح بالرجوع �إليه.‬
‫471‬


                                                              ‫ثانياً: التّ�سليح‬
‫ال بد للمقاتل من �سالح ي�ستخدمه يف حربه �ضد عدوه، هذا ال�سالح يتنا�سب‬
                                                                ‫ّ‬
‫وطبيعة احلرب التي يخو�ضها رجل الع�صابات. ومن املعروف بداهة �أن هناك‬
         ‫ً‬
                  ‫ّ‬
‫فرقا كبرياً بني �سالح املقاتل الثائر، وبني �سالح الدولة املحتلة التي تقاتله؛ ففي‬
                                                                            ‫ً‬
                     ‫ّ‬                     ‫ًّ‬     ‫ً‬
‫حني ميتلك االحتالل جي�شا نظاميا و�أ�سلحة ثقيلة من الطريان والآليات الثقيلة‬
          ‫ّ‬                 ‫ً‬     ‫ً‬
‫ً‬                                       ‫ّ‬
‫والقطع احلربية �أو البحرية والعتاد القتايل الهائل، ف�إن الثائر ال ميلك �إال �سالحا‬
‫خفيفا ي�ستطيع القتال به منفرداً، هذا ال�سالح اخلفيف ي�ساعده يف اتّباع قواعد‬
                                                                      ‫ً‬
          ‫ُ‬   ‫َ‬
‫حرب الع�صابات من كـر وفـر ومباغتة وكمائن.. ولو ملك رجل الع�صابات‬
                               ‫ٍ‬       ‫ٍّ ٍّ‬
                                                              ‫ً‬     ‫ً‬
‫�سالحا ثقيال ملا ا�ستطاع �إخفاءه �أو االن�سحاب به، وعندها �سيتعر�ض للتدمري‬
          ‫ّ‬
                               ‫والفناء، �إال �إن كانت (اجلاريال) يف دولة �صديقة.‬

‫كما �أن �إمكانات (اجلاريال) الب�سيطة، وال ّت�ضييق الذي يفر�ضه عليها املحتل،‬
‫وغريها من الأ�سباب؛ ال ت�ساعد يف امتالك ال�سالح الثقيل بكافّة �أ�شكاله، ولو‬
                                ‫ً‬
‫ا�ستطاعت توفريه �ستبقى النقطة الأوىل حائال دون قدرة الثوار على ا�ستخدامه..‬
‫ومع التقدم يف ت�صنيع ال�سالح، �أ�صبح ب�إمكان الثائر �أن يح�صل على �سالح‬
                                                              ‫ّ‬
                                      ‫ّ‬
‫فردي لكنه ذو فاعلية وكفاءة، وميكنه من مواجهة ال�سالح الثقيل، كما فعل‬
‫املجاهدون يف �أفغان�ستان بح�صولهم على �صواريخ (�ستبحح) الأمريكية‬
       ‫ً‬
‫املحمولة على الكتف، والتي ت�ستطيع �إ�سقاط الطائرات، فكانت �سهما �أ�صاب‬
                                        ‫الرو�س يف مقتل، و�آمل طريانهم املتفوق.‬
                                          ‫ّ‬
‫ولقد ا�ستخدمت املقاومة الفل�سطينية عرب م�سريتها ما ا�ستطاعت توفريه من‬
                                             ‫�سالح، وهو �ضمن الأ�شكال التالية:‬
‫571‬


                                                       ‫�أوالً: ال�سالح الأبي�ض:‬
   ‫ِّ ّ‬        ‫ّ‬
‫هو �أب�سط �أنواع ال�سالح املادي الذي ميكن ملقاومة �أن تت�سلح به: ال�سـكني،‬
                         ‫ٍ‬
‫ذلك ال�سالح الذي ي�ستخدمه من ال ميلك غريه، ف�إذا تعر�ض للقهر واال�ضطهاد،‬
                    ‫ّ‬
‫�أو ر�أى �شعبه ُيقتل و ُيذبح و ُي�رشد، ور�أى عدوه يعيث يف الأر�ض ف�ساداً وال يجد‬
                                ‫َّ‬          ‫َّ‬
‫من يرده، تتحرك يف املجاهد نوازع الوطنية واحلمية والث�أر ورف�ض الظلم، ثم‬
                                                           ‫ّ‬        ‫ّ‬
                     ‫ّ‬                                ‫ً‬
‫ال يجد �أمامه �سالحا يحقق ث�أره، فيعمد �إىل �سالح ال�سكني، ل�سهولة احل�صول‬
    ‫عليه، فيجعل منها �أداة ث�أره، وو�سيلته التي يعبرّ بها عما ي�ضطـرم يف �صدره.‬
               ‫ْ ّ‬
‫ولقد ا�س ُتخدم ال�سالح الأبي�ض يف بع�ض �أ�شكال املقاومة اخلا�صة التي ال‬
‫ي�صلح لها �إال ال�سالح الأبي�ض، وال ي�صلح غريه، مثل بع�ض عمليات االغتيال؛‬
‫كقتل �ضابط املخابرات (نحماين)، وكقتل بع�ض اجلنود املختطفني، كرجل‬
‫املخابرات (�سا�سون)... و�سبب ا�ستخدامه هو عدم �إ�صدار �صوت كما يفعل‬
                 ‫ال�سالح الناري، وبالتايل ال ُيلفت النظر، وال يك�شف املنفّذين.‬

 ‫ِ‬                          ‫ّ‬
‫ويقع �ضمن �إطار ال�سالح الأبي�ض، �إ�ضافة �إىل ال�سكني، ما ي�شابه عمله: كالف�أ�س‬
                                       ‫ً‬
      ‫وال�سيف واحلجارة والزجاجات الفارغة وكل ما هو دون ال�سالح الناري.‬
                                    ‫ِ‬       ‫ِ‬    ‫ِ ّ‬           ‫ّ ِ‬



                                                        ‫ثانياً: ال�سالح النّاري:‬

‫�سالح خفيف عموما، �شخ�صي غالبا، بدءاً بامل�سد�سات، مروراً بالبنادق‬
                     ‫ّ‬              ‫ً‬     ‫ٌّ‬         ‫ً‬       ‫ٌ‬       ‫ٌ‬
                                ‫ّ‬               ‫ً‬
                        ‫البدائية والأوتوماتيكية، و�صوال �إىل املدافع الر�شا�شة.‬
                                                                        ‫ّ‬
                      ‫ً‬
‫وال�سالح الناري هو �أكرث الأ�سلحة ا�ستخداما يف حروب الع�صابات على‬
‫671‬

‫اختالف مدار�سها، وقد كان ا�ستخدامه يف فل�سطني يف �أول �أ�شكال املقاومة‬
‫امل�سلحة، فقد ا�ستخدمه ال ّثوار يف �أ�سلوب الكمائن املفاجئة التي كانوا ي�رضبون بها‬
‫مركبات العدو و�آلياته وقوافل �إمداده وخطوط متوينه وات�صاله، كما ا�ستخدموه‬
            ‫ً‬
           ‫يف اال�شتباكات املبا�رشة وغري املبا�رشة، ف�أثبت يف ذلك جناعة وجناحا.‬

             ‫ّ‬
‫كما ا�ستخدمه املقاومون يف احلرا�سات ال�شخ�صية وحماية الذات والقيادات،‬
                                        ‫ِ‬
‫فما من مطاردٍ �إال ويلزمه �سالح ناري يحمله دفاعا عن نف�سه، ورداً لعدوه، ودفعا‬
‫ً‬       ‫ّ‬      ‫ّ‬             ‫ً‬           ‫ٌّ‬   ‫ٌ‬
    ‫للمخاطر عنه، فبدونه يكون عاجزاً ال ميلك رد فعل، وال يجد �إال الت�سليم.‬
                                ‫ّ‬

‫ولقد بد�أ املجاهدون يف فل�سطني مقاومتهم ب�أعداد حمدودة جداً من ال�سالح‬
‫ال ّناري، وبفقدانٍ �شبه كامل لأنواع ال�سالح الأخرى، وقد ذكرنا ما عر�ضه‬
  ‫َ‬
‫ال�شيخ ال�شهيد (�أحمد يا�سني) يف هذا الباب، حني قال �أنّ قطعة ال�سالح الواحدة‬
‫كانت تعمل بها جمموعات الق�سام يف غزة، ثم تنتقل �إىل جمموعات ال�ضفة...‬
                                                                         ‫وهكذا!‬

‫�أما هذا ال�شح يف ال�سالح؛ فهو عائد �إىل احل�صار ال�شديد الذي فر�ضه االحتالل‬
                                         ‫ٌ‬                    ‫ّ‬
‫على احلدود الفل�سطينية من جهاتها الأربع، بحيث ي�صعب تهريب �أي قطعة من‬
‫ال�سالح والذخرية، والت�ضييق ال�شديد داخل فل�سطني باملالحقة واملتابعة بق�سوة‬
                                                                     ‫ّ‬
‫لكل من يفكر باقتناء ال�سالح �أو املتاجرة به، ولذا ف�إنه يف اللحظة التي ا�ستطاعت‬
‫املقاومة فيها حفر �أنفاق �رسية بني قطاع غزة والأرا�ضي امل�رصية، �أ�صبح ال�سالح‬
                                                  ‫ّ‬
                                          ‫ّ‬
‫يتدفّق بكرثة، حتى �أ�صبح لكل جماهد قطعة �سالح، بل �أ�صبح احلديث دائراً‬
            ‫حول مفهوم (فو�ضى ال�سالح) لكرثته و�سعة انت�شاره دون �ضوابط.‬

‫كذلك ف�إن من الأ�سباب التي زادت من توفّر ال�سالح وانت�شاره؛ دخول‬
‫771‬

‫ال�سلطة الفل�سطينية ب�أجهزتها الأمنية و�أ�سلحتها النارية �إىل عدد املناطق‬
                                                                       ‫الفل�سطينية.‬

‫�أما عن كيفية احل�صول على ال�سالح وا�ستخدامه واحلفاظ عليه، ففي باب‬
                      ‫ٌ‬     ‫ٌ‬
   ‫(�أمن ال�سالح) من درا�ستنا (�أمن املطارد) تف�صيل وب�سط ميكن الرجوع �إليه.‬



                                                        ‫ثالثاً: ال�سالح املتفجر:‬
                                                          ‫ّ‬          ‫ّ‬
 ‫ً‬                 ‫ُ‬                    ‫ً‬
‫وهو �أحد �أ�سلحة اجلاريال الأ�شد فتكا.. ا�ستخدم ْته الثورة الفل�سطينية قدميا،‬
       ‫ُ‬
                                                            ‫ً‬
‫ثم خبا جنمه زمنا، ليعود من جديد مع مطلع ال ّت�سعينات وبقوة مت�صاعدة و�أ�شكال‬
                                                                  ‫ُ‬     ‫َ‬
                                                                ‫ً‬
‫متنوعة، خ�صو�صا مع انطالق العمليات ال ّتفجري ّية اال�ست�شهاد ّية التي �صبغت بها‬
        ‫ُ‬
                                                             ‫املقاومة الفل�سطينية.‬

‫و ُيالحظ �أنّ ل�سالح التفجري �صوراً عديدة ا�ستخدمتها املقاومة ب�شكل‬
                          ‫ً‬
                                         ‫ً‬                ‫ً‬
‫مت�صاعد �أحيانا، ومتزامن �أحيانا �أخرى، �أولها العبوات التي تُزرع يف طريق‬
                              ‫ّ‬
‫�أهداف العدو املتحركة، وثانيها القنابل اليدو ّية التي تُرمى على التجمعات‬
    ‫ّ‬                                                ‫ّ‬
‫وال ّنقاط الثابتة والأهداف املتحركة، وثالثها و�أرقاها و�أبلغها: العمليات‬
                                        ‫ّ‬
  ‫اال�ست�شهادية ب�أ�شكالها؛ �سواء بالأحزمة �أو احلقائب �أو ال�سيارات املفخخة...‬
       ‫ّ‬

‫وما مييز هذا ال�سالح، �أنه ذو ت�أثري كبري يفوق مثيله من الأ�سلحة ال ّنارية �أو‬
                                                                       ‫ّ‬
‫البدائية، حيث �أنّ �أذاه �أكرب، وال�رضر املرتتّب عليه �أبلغ، بالإ�ضافة �إىل التدمري‬
‫الذي ي�صاحبه، واخل�سائر املادية اجل�سيمة التي ُيحدثها، والإ�صابات الأكرب،‬
                                                  ‫ّ‬
‫والأكرث عدداً يف الأرواح، كما �أنه يرتك �أثراً نف�سيا بالغا يف املحيط، قد يفوق‬
                    ‫ً ً‬
             ‫ً‬      ‫ًّ‬       ‫َ ً‬
‫يف عمقه الإ�صابات املبا�رشة، كما يحدث دو ّيا �إعالميا �صارخا يف املجتمع..‬
‫871‬

‫و�أكرثها �أثراً هي العمليات التي حيرّت العدو ال�صهيوين، فوقف �أمامها �صامتا،‬
 ‫ً‬
                                                         ‫ومل يجد عليها �إجابة.‬

‫لقد اعتمدت املقاومة الفل�سطينية يف عمليات التفجري على مبد�أ ال ّت�صنيع‬
                                                                          ‫ّ‬
‫الذاتي والتطوير الدائم، وا�ستخدام �أب�سط املواد الأولية للو�صول �إىل املركبات‬
                       ‫ّ‬
‫املتفجرة، فبعد �أن ا�س َتخدمت مادة (‪ )TNT‬اجلاهزة التي ا�ستخرجتها من‬
                                                             ‫ّ‬
‫الألغام الأر�ضية وقذائف الهاون، ومادة كحل البارود امل�ستخرجة من الر�صا�ص،‬
‫ومادة الكربيت امل�أخوذة من كربيت البيوت، انطلقت لت�صنيع املواد املتفجرة من‬
‫الأ�سمدة ومواد التنظيف واملواد الأولية، حتى و�صلت �إىل عدة مواد متفجرة‬
  ‫ّ‬          ‫ّ‬                                          ‫ّ‬
‫كانت �أداتها يف �رضب عدوها، مما دفع االحتالل �إىل منع هذه املواد، وفر�ض‬
 ‫َ‬                                             ‫ّ‬
‫ح�صاراً عليها وطلب متابعة م�شرتيها، الأمر الذي دفع املقاومة �إىل �إدامة البحث‬
                                                ‫ً‬
                        ‫عن مواد جديدة �أكرث �شيوعا ُينتجون منها متفجراتهم.‬
                              ‫ّ‬
‫وقد �أدخلت املقاومة التطور التكنولوجي يف خدمة �سالح التفجري، يف حماولة‬
‫ٍ‬                                           ‫َّ‬
                                  ‫ّ‬                    ‫ّ‬
‫جلعله �أعمق �أثراً، و�أقل تكلفة ب�رشيةً، و�أقل خطراً على املنفّذ، فانتقل التفجري‬
                                                 ‫ً‬
‫من ا�ستخدام ال�سلك املو�صول بالعبوة، واملنتهي �إىل بطارية مي�سكها املجاهد‬
‫لت�شغيلها، م�ضطراً �إىل البقاء قريبا منها، انتقل �إىل ا�ستخدام �أجهزة التحكم عن‬
                                            ‫ً‬
 ‫ّ‬
‫ُبعد، والرميوت الذي ال يحتاج �إىل �سلك �أو بطارية، والهاتف النقّال الذي ميكن‬
                                   ‫املجاهد من تفجري العبوة من �أي موقع كان.‬
                                        ‫ٍ‬    ‫ِّ‬

‫وهكذا �أ�صبح �سالح التفجري يف مقدمة الأ�سلحة امل�ستخدمة يف املقاومة‬
‫الفل�سطينية �ضد عدوها، �سواء يف الدفاع عن املدن يف عمليات االجتياح‬
                                                        ‫ّ‬
‫املتكررة التي ميار�سها اجلي�ش ال�صهيوين، �أو ن�صب الكمائن لقواته و�آلياته، �أو‬
                               ‫ْ‬                                        ‫ّ‬
                       ‫ملهاجمته يف عقر داره وجتمعاته التي كان يح�سبها �آمنة.‬
                                                   ‫ّ‬
‫971‬


                                                 ‫رابعاً: ال�سالح ال�صاروخي:‬
                                                        ‫ّ‬       ‫ّ‬
‫ونق�صد به ال�سالح ال�صاروخي اخلفيف، كال�صواريخ املحمولة على الكتف؛‬
                          ‫ّ‬
‫مثل �صاروخ (‪ )RBJ‬امل�ضاد للدروع، وهو �أول �سالح �صاروخي ا�ستخدم ْته‬
‫املقاومة الفل�سطينية خارج فل�سطني، ثم �أ�صبح يف نهاية ال ّت�سعينات بيد املقاومة‬
                                                             ‫ّ‬
                           ‫ّ ً‬
‫نت كتائب الق�سام من �إنتاجه حمليا حتت م�سمى (اليا�سني).‬
              ‫َّ‬                                         ‫يف (غزة)، �إىل �أن متكّ‬
                                             ‫ٌ‬
                                 ‫ومثله �صاروخ (الو)، وهو قليل يف فل�سطني.‬

‫ومنها �صواريخ ذات قاعدة �أر�ضية؛ بدءاً باملقذوفات (الهاون)، وي�سمى‬
 ‫َّ‬
               ‫ً‬       ‫ّ ً‬
‫(املورتر)، والتي كانت ت�أتي جاهزة، ثم امل�ص َّنعة حمليا، و�صوال �إىل ال�صواريخ‬
   ‫ّ‬                    ‫َ‬                                       ‫ّ ّ‬
‫الأر�ضية حملية ال�صنع (الق�سام)، والتي �أ�صبحت مفخرة �صناعة ال�سالح املحلية،‬
             ‫ِ ّ‬                                 ‫ّ‬        ‫ُّ‬
                                      ‫ً‬      ‫ً‬
‫وقد تطور هذا ال�صاروخ �شيئا ف�شيئا، ليزداد وزنه وحجمه ومداه وقوة تفجريه،‬
         ‫ّ‬      ‫َ‬
                                         ‫ً‬
  ‫وال يزال العمل على تطويره جاريا، الأمر الذي ُي�شعر االحتالل برعب كبري.‬
        ‫ٍ‬

‫ولقد ا�ستطاعت املقاومة الفل�سطينية، وحتديداً كتائب الق�سام، ت�صنيع �أنواع‬
‫َ‬      ‫َ‬
‫عديدة من ال�صواريخ امل�ضادة للدروع، و�صواريخ (�أر�ض ـ �أر�ض)، واملقذوفات،‬
                                          ‫ّ ّ‬                       ‫ٍ‬
‫و�أ�صبحت جميع القوى املقاومة تت�سابق يف هذا امليدان، وال زال ال�سبق من‬
      ‫َّ‬                                    ‫ِ‬
                                                                ‫ن�صيب الق�سام.‬

‫لقد �أثبتت هذه ال�صواريخ جناع َتها وقدرتَها على �رضب �أهدافها والإثخان‬
           ‫ّ‬                 ‫ٌ‬
‫بعدوها، وقد كان (لغباءها وع�شوائيتها) ف�ضل يف عدم قدرة العدو على �إيجاد‬
                                      ‫ّ‬                            ‫ِّ‬
‫م�ضاد لها، على الرغم من تقدمه العلمي، وا�ستعانته بخرباء اجلي�ش الأمريكي‬
                                                                  ‫ّ‬
‫واجلي�ش الربيطاين وغريها من اخلربات، وعلى الرغم من �إنتاجه عدة �أنواع من‬
           ‫ّ‬
‫ال�سالح امل�ضاد، وتطويره �أ�سلحة �أخرى، وا�ستعانته ب�أ�سلحة جاهزة... �إال �أنها‬
                                                                    ‫ُّ‬
                        ‫ف�شلت كلها يف �إ�سقاط �صاروخ الق�سام �أو الت�صدي له.‬
                             ‫ّ‬
‫081‬

‫لذا، فقد خلقت هذه ال�صواريخ حالة من (توازن الردع)، و�أثارت الرعب،‬
   ‫ُّ‬              ‫ّ‬             ‫ً‬
‫و�أذهلت العدو و�أجهزته الأمنية والع�سكرية وعموم جمتمعه، فلم ُيـجـد معه‬
     ‫ْ ِ‬
‫�سور واق، �أو حزام �أمني، �أو ح�صار ع�سكري، �أو �إجراءات م�شددة، �أو رقابة‬
             ‫ّ‬                                                    ‫ٌ ٍ‬
‫دائمة... كما مل يعد املقاوم بحاجة �إىل االنطالق بنف�سه ومبتفجراته �إىل هدفه،‬
               ‫ّ‬                                 ‫ِ ُ‬
                                                ‫فال�صاروخ يقوم باملهمة عنه.‬

‫ومن �أ�شكال الرعب التي ظهرت على الكيان ال�صهيوين م�ؤخراً؛ حماول ُته‬
              ‫َّ‬
‫�إيجاد دروع معنو ّية ثقيلة على جميع املباين يف مدينة (ا�سديروت)، باعتبارها‬
‫الأكرث تعر�ضا ل�صواريخ الق�سام وت�رضراً منها، �إال �أنهم عدلوا عن الفكرة لعدم‬
                  ‫َ َ‬                    ‫ّ‬                      ‫ّ ً‬
                                                 ‫ُ‬
‫جدواها، والرتفاع كلفتها، ولأن الكتائب و�سعت نطاق ال�صواريخ و�أ�صبحت‬
                           ‫ّ‬
                                                                   ‫ً‬
                                             ‫قادرة على �رضب مراكز �أخرى.‬

‫�إ�ضافة �إىل ما �سبق، ف�إن بع�ض املجموعات املجاهدة حاولت ا�ستخدام‬
                                                          ‫ً‬
‫ال�سالح (الكيماوي) غري مرة، وذلك ب�إ�ضافة مواد كيماوية �سامة وقاتلة �إىل‬
             ‫ّ‬            ‫ّ‬                    ‫َ ّ‬
‫بع�ض �أ�سلحة التفجري، وقد ك�شفت ال ّتحقيقات هذه املحاوالت، �إال �أنّ الأمر ال‬
‫يزال قيد التجربة واملحاولة والتفكري، ومل يدخل حيز التنفيذ احلقيقي، وذلك‬
                       ‫ّ‬                                   ‫ّ‬
‫لأ�سباب عديدة، وقد يكون ال�سبب عدم رغبة املقاومة ب�إدخال ال�صرّاع يف‬
‫مرحلة جديدة قد تكون �آثارها وخيمة، وقد ت�ؤدي �إىل ردة فعل قا�سية وفوق‬
                 ‫ّ‬        ‫ّ‬
                                                                     ‫الطاقة.‬

                                       ‫ّ‬
‫هذه هي الأ�سلحة اخلفيفة التي ت�سلحت بها املقاومة الفل�سطينية داخل الوطن،‬
‫�أما خارجه؛ فقد ا�ستطاعت املقاومة �أثناء تواجدها يف لبنان احل�صول على بع�ض‬
‫�أنواع الأ�سلحة الثقيلة، كالدبابات الرو�سية (55‪ ،)T‬وبع�ض ال�صواريخ امل�ضادة‬
 ‫ّ‬                                           ‫ّ‬
                                                                         ‫ّ‬
‫للطريان، واملدافع الثقيلة، وراجمات ال�صواريخ، و�أنواع �أخرى من ال�سالح، �إال‬
‫181‬

‫�أنها ا�س ُتخدمت بغالبها يف ال�رصاع الداخلي واحلرب الأهلية، وانتهى مع خروج‬
                                                         ‫قوات الثورة نحو اجلزائر.‬

    ‫ً‬            ‫ً‬
‫�إن التنوع يف �سالح املقاومة الذي متلكه، يعطيها قوة ومرونة وقدرة على‬
          ‫ً‬                                                ‫ّ‬
‫ا�ستخدام ال�سالح الأن�سب يف الوقت الأن�سب، وي�ساعد يف توجيه �رضبات �أكرث‬
                           ‫ً‬           ‫ً‬                               ‫ً‬
‫�إيالما لالحتالل، ويجعله �أ�شد حرية و�أبعد قدرة على توقّع القادم، فيزيد من‬
                                             ‫َّ‬
      ‫ّ‬
‫حجم املفاج�أة و�أثرها فيه. كما �أنه يجعل بدائل املقاومة متعددة، وميكنها من‬
               ‫ّ‬
        ‫املناورة، فتتخيرّ ال�سالح الأن�سب من بينها، وتلوح ب�أ�شكالها املختلفة.‬



                                                          ‫ثالثاً: اال�ستخبارات‬
                      ‫ّ‬                        ‫ٍ َّ ٍ‬      ‫ّ ِّ‬
‫ال بد لكل ثورة م�سلحة وجماعة منا�ضلة من الت�سلح بال�سالح اال�ستخباري‬
                                ‫ٍ‬       ‫ٍ‬
‫الأمني؛ فهو ي�ضمن لها ا�ستقراريّتها، و َيقيها من مكائد عدوها، و ُيعينها على‬
                 ‫ّ‬
                                                 ‫ُ‬
 ‫تنفيذ مهامها... ومل َيـخل منوذج من مناذج حرب الع�صابات احلديثة من‬
                                                              ‫ّ‬
                           ‫َّ‬
‫جهازٍ ا�ستخباري ي�ؤدي هذا الغر�ض، بل �إنّ معلمنا ر�سول اهلل [ اعتمد مبد�أ‬
                                                     ‫ٍّ ّ‬
‫اال�ستطالع واال�ستخبار باعتماد الفرق اال�ستطالعية التي تعمل على ك�شف‬
                     ‫ّ‬            ‫َِ‬
‫نوايا �أعداء امل�سلمني، وتتح�س�س �أخبارهم، وت�ستطلع حتركاتهم، وتعمل على‬
                ‫ّ‬                         ‫َّ‬
‫�إي�صال معلومات مغلوطة �إليهم. كما حر�ص [ يف ذات الوقت على �أن يقتدي‬
‫َ‬                             ‫َ‬               ‫ٍ‬      ‫ٍ‬
                                                   ‫ْ‬
‫�أ�صحابه به ويحذوا حذوه، يقول عنه الكاتب (منري الغ�ضبان) حتت عنوان؛ (قوة‬
‫املخابرات ال ّنبو ّية): «لو وقفنا على ال�سرّايا والبعوث والغزوات يف هذه املرحلة،‬
        ‫ً‬                                                           ‫َ ّ‬
   ‫لأذهلنا قوة املخابرات النبو ّية ب�صورة يكاد ال ي�شهد لها التاريخ مثيال»(1).‬
                                        ‫ٍ‬

                                           ‫1 (املنهج احلركي لل�سرية النبويّة)، �أ. منري الغ�ضبان.‬
                                                                             ‫ِّ‬    ‫َ‬
‫281‬

‫ثم تبعه �صحابته الأخيار من بعده(1)، فاقتفوا �أ َثره، فهذا عمر بن اخلطاب‬
           ‫ّ‬                      ‫ّ‬            ‫ً‬
‫ر�ضي اهلل عنه، ي�ضع بع�ضا من قواعد الر�صد واال�ستطالع يف و�صيته ل�سعد بن‬
                                                                    ‫َ ِ َ‬
‫�أبي وقّا�ص ر�ضي اهلل عنه، قائد جي�ش امل�سلمني يف معركة القاد�سية، فيقول له:‬
                                                            ‫َ ِ َ‬
‫«�إذا وطئت الأر�ض ف�أر�سل العيون، وال تخف عليك �أمرهم، وليكن عندك من‬
                                                          ‫ْ َ‬
‫العرب �أو �أهل الأر�ض من تطمئن من ن�صحه و�صدقه، ف�إن الكذوب ال ينفعك‬
                                      ‫ّ‬
                     ‫ً‬                              ‫َ َ ُ‬
                ‫خربه و�إن �صدقك بع�ضه، والغا�ش عني عليك ولي�س عينا لك».‬
                                     ‫ٌ‬    ‫ّ‬

‫�إن �أهمية العمل اال�ستخباري تكمن �أ�سا�ساً يف �أمرين اثنَني، ينبثق عنهما فروع‬
‫ٌ‬                        ‫َ ِ‬
                                                                          ‫عديدة:‬

‫�أولهما: �إعطاء رجل الع�صابات واملجموعات املقاتلة الطم�أنينة واال�ستقرار‬
‫َ‬           ‫َ‬                                                        ‫ّ‬
‫وال�شّ عور بالأمان، مما يدفعه �إىل التفرغ الكامل للعمل والإعداد والتخطيط‬
                                       ‫ّ‬                           ‫َ‬
‫ل�رضب عدوه وال َّنيل منه، فهو يثق بوجود عيون �ساهرة وجنود جمهولني يقومون‬
                                                               ‫ّ‬
                                 ‫َْ‬
‫على حمايته واحلفاظ عليه من �أن ُي�ؤتى من م�أمـ ِنه، �أو �أن ُيطعن على حني غرة.‬
  ‫ّ‬
‫ثانياً: توفري املعلومات ا ّلالزمة وال ّتف�صيلية عن العدو، و�أماكن متركزه،‬
                            ‫ّ‬
‫وخطوط �إمداده، وكيفية حتركه، ونقاط �ضعفه وقوته، وغريها من املعلومات‬
                       ‫ّ‬                        ‫ّ ّ‬
‫التي حتتاجها اخلاليا يف عملية �رضب العدو والإثخان فيه، و�إن هذه املعلومات‬
                     ‫ً‬
‫توفّر للمقاتل �صورة جليـة عن هدفه، وجتعله �صيداً �سهال له، في�ضع اخلطة التي‬
                                                  ‫ً ّ ً‬
                                          ‫ً‬      ‫ً‬
                                  ‫تتنا�سب وطبيعة الهدف زمانا ومكانا وهيئةً.‬

‫�إن العمل اال�ستخباري ُيعـينْ (اجلاريال) على معرفة الواقع من حولها،‬
                                          ‫ِ‬
                                                                 ‫ّ‬
‫واالطالع على ما يدور يف حميطها والتخطيط له، فت�ستعد لذلك، وال تكون‬
                ‫ّ‬

                                                        ‫1الرحيق املختوم)، املباركفوري.‬
                                                                                  ‫َّ‬
‫381‬

‫يف غفلة، وال تُفاج� بال ّنازلة وهي يف �سبات عميق، وبالتايل ي�ساعدها يف اتّخاذ‬
                                  ‫ٍ‬                       ‫أ‬
                                        ‫ِّ َ ْ‬
                                      ‫االحتياطات الالزمة ملواجهة كل خطب.‬

   ‫واملتابع للعمل اال�ستخباري، يالحظ �أنه ينق�سم من حيث مهامـه �إىل ق�سمني:‬
                  ‫ِّ‬
                                                       ‫�أوالً: الأمن الداخلي:‬
‫ً‬       ‫ً‬
‫ويقوم على متابعة الأو�ضاع الداخلية للتنظيم وخالياه العاملة، حفظا وترتيبا‬
                                                          ‫و�إعداداً، فهو ي�شمل:‬

‫�أ ـ �أمن الأفراد: ويعني احلفاظ على �سالمتهم وحمايتهم مما يتهددهم، و�صون‬
          ‫ّ‬
‫دمائهم و�أرواحهم، وعدم تعري�ضهم ملا فيه هالكهم �أو �أذيتهم، ففي الوقت الذي‬
‫يتح�صل فيه التنظيم على معلومات ا�ستخباريّة حية و�ساخنة تبينّ حركة العدو‬
      ‫َ‬                   ‫ّ‬                                        ‫ّ‬
                                                      ‫ً‬
‫وقواته، فتك�شف �شيئا من نواياه، ف�إنها ت�ضع املعلومات بني يدي القيادة التي‬
                                                                       ‫ّ‬
        ‫توجه الأفراد ملا فيه �سالمتهم، فتحفظهم من الوقوع يف قب�ضة عدوهم.‬
           ‫ِّ‬                                                        ‫ّ‬
‫ومن باب �آخر، ف�إن (�أمن الأفراد) يح�صن جنود املقاومة من الوقوع يف‬
                      ‫َ‬      ‫ّ‬
            ‫ِّ‬                                   ‫ً‬
‫�شرِك احلرب ال ّنف�سية التي عادة ما ي�ش ّنها العدو عرب �إعالمه امل�ضلل، حيث ين�رش‬
                               ‫ّ‬
‫ٍ‬         ‫ٍ‬                                           ‫ُّ‬
‫معلومات كاذبة تثري الذعر يف �أو�ساط رجال املقاومة، وت�ضعهم يف �صورة مغلوطة‬
                                                             ‫ً‬     ‫ٍ‬
                                                                      ‫ّ‬
‫ت�شككهم يف قيادتهم وقدراتها، ويف �إمكانية ا�ستمرارهم وانت�صارهم، ف�إذا ما‬
‫وفّرت �أجهزة اال�ستخبارات يف قوى املقاومة املعلومات ال�صحيحة عن واقع‬
‫االحتالل وحاله، وعن جمريات الأمور، وو�ضعتها �أمام املقاتلني، ف�إنها فتكفل‬
‫لهم االطالع على حقيقة احلال، وما يتكبده االحتالل من معاناة وخ�سائر، وما‬
                                  ‫ّ‬
‫يتعر�ض له من �أ�رضار مادية ونف�سية جراء املقاومة، وما تتم ّتع به املقاومة من‬
                                       ‫ّ‬            ‫ّ‬                   ‫ّ‬
‫رباطة ج�أ�ش، وقدرة على العمل، وتقدم يف الأداء، و�إجنازٍ على الأر�ض، وحتقيقٍ‬
                                        ‫ٍّ‬               ‫ٍ‬       ‫ٍ‬    ‫ِ‬
‫481‬

‫للأهداف... وما يحيطها من تعاطف �أُممي، وت�أييدٍ عاملي، والتفاف جماهريي،‬
         ‫ٍ‬                               ‫ٍ‬
‫َ‬                        ‫ِ‬                        ‫ِ َ‬       ‫َّ‬
‫ف�إن ذلك كله يرفع همم املقاتلني، ويزيد من حما�سهم واندفاعهم، ويرفع �سقف‬
             ‫ا�ستعدادهم وقناع َتهم بعدالة ق�ضيتهم، ويحفظهم من اال�ضطراب.‬
                                            ‫ِ‬                   ‫ِ‬

              ‫ُ‬       ‫ٍ‬         ‫ٍ‬    ‫ّ‬
‫ب ـ �أمن املعلومات والأ�رسار: فلكل ثورة �أو جماعة �أ�رسارها ومعلوماتُها‬
‫التي ت�سعى �إىل حفظها، وتعمل على �صونها من الوقوع يف �أيدي عدوها، ولها‬
        ‫ِّ‬                        ‫َ ْ‬
‫�أر�شيفها الذي جتتهد يف االحتفاظ به بعيداً عن الأعني �إىل حني حاجة، مبا يحويه‬
‫هذا الأر�شيف من �أوراق ووثائق وم�ستندات وخمطوطات، وهي تعلم �أنّ وقوع‬
‫هذه املعلومات يف �أيدي عدوها ُيعد �رضبة قا�سية قد تُ�صيبها يف مقتل، وحتديداً‬
                              ‫ً‬      ‫ً‬     ‫َّ‬     ‫ِّ‬
‫�إن حتد ْثنا عن جماعة ع�سكرية جماهدة، فهي �أ�شد حر�صا على �صونها وحفظها‬
                  ‫ً‬     ‫ُّ‬                ‫ٍ‬       ‫ٍ‬             ‫ّ‬
                                                                ‫ب�أ�سلم الطرق.‬

‫هذه الأ�رسار على اختالف م�سمياتها و�أ�شكالها حتتاج �إىل من يقوم بحفظها،‬
                    ‫َّ‬             ‫ُ َ‬
‫بحيث يخت�ص بهذه املهمة، وتكون �شغله ال�شاغل، وهـمـه الذي ميلأ ر�أ�سه،‬
                                                            ‫ّ‬
‫ومهن َته التي ُيبدع فيها، فيبحث عن �أجنع الطرق والو�سائل التي حتقق له الهدف،‬
‫وي�ضع �أعتى العراقيل التي حتول دون ت�رسيبها �أو الو�صول �إليها، وي�رشف ب�شكل‬
‫دائم على �سالمتها، و ُيعنى ب�إ�ضافة كل جديد �إليها، ويقوم على ا�سرتجاع ا ّلالزم‬
                                         ‫ِّ‬
                                                                         ‫منها.‬

‫ومع التقدم العلمي، ووجود الكمبيوتر والإنرتنت، �أ�صبح من الواجب على‬
                                                         ‫ّ‬
‫�أهل اال�ستخبارات والأمن يف املقاومة �أن َيعمدوا �إىل التبحر يف فنون هذا الباب،‬
                    ‫ّ‬
‫وا�ستخدام ما ميكن منه يف �سبيل حتقيق �أعلى قدر من الأمان لأ�رسار ومعلومات‬
                            ‫ْ‬
                                                                      ‫املقاومة.‬
‫581‬

‫ومن العلوم التي وجب على �أهل االخت�صا�ص االهتمام بها؛ ملا لها من دورٍ‬
‫يف �أر�شفة وحفظ املعلومات، (علم ال ّت�شفري) و(علم الكتابة ال�سـرية)، ولنا معها‬
              ‫ِّ ّ‬
                                                           ‫وقفة فيما هو �آت.‬

                                       ‫َّ‬
‫ج ـ �أمن احلفظ من االخرتاق: لعل من �أبرز ما يقوم به جهاز الأمن، هو حفظ‬
‫تنظيمه وثورته �سليمة من االخرتاق الذي ي�سعى العدو �إىل �إحداثه يف ج�سم‬
                     ‫ِّ‬                           ‫ً‬
                                        ‫الثورة وقواها املنا�ضلة والعاملني فيها.‬

                        ‫ٍ‬      ‫َ‬                        ‫ً‬
‫فالعدو يفهم يقينا، كما نفهمه نحن، �أنّ خري و�سيلة ل�رضب املقاومة والإجهاز‬
‫عليها؛ هي �رض ُبها من الداخل عرب زرع عمالئه ومند�سيه يف �صفوف الثورة،‬
                    ‫ُ ّ‬                     ‫ّ‬
‫وال�سعي �إىل البلوغ بهم �إىل مراكز متقدمة، ليكونوا قادرين على ت�رسيب املعلومات‬
                                       ‫ِّ‬
‫ا ّلالزمة �إىل العدو، والتي تك�شف هيكلية التنظيم وتُعريه بو�ضوح، في�سهل‬
                 ‫ّ‬              ‫ّ‬
‫�رضبه وا�ستئ�صال العاملني فيه، والإبالغ عن املعلومات التي تخ�ص العمليات‬
          ‫ّ‬
‫اجلهادية قبل حدوثها، في�ستعد العدو لها ويحبطها، كما يقومون بت�شويه �صورة‬
                                            ‫ّ‬
‫الثورة واملقاومة من خالل ف�ضح بع�ض العمالء العاملني يف �صفوفها، و�إظهارها‬
                   ‫كمجموعة من الـخونة والعمالء، وبالتايل تنتزع الثقة منها.‬
                                                           ‫َ‬

‫كما يهدف العدو من خالل ه�ؤالء العمالء �إىل حرف الثورة عن م�سارها،‬
‫و�إخراجها من م�سلكها، وخ�صو�صا �إن كانوا ممن تبو�أَ منا�صب قياد ّية ومواقع‬
                          ‫ّ‬                 ‫ً‬
                           ‫َ ِ‬
‫متقدمة. ويحقّق العدو من خالل عمالئه تثبيط همم �أبناء املقاومة وال�شعب،‬
                                                  ‫ُّ‬
               ‫َ‬
‫و�إحباط جهودهم، وال ّتخذيل عنهم ومن حولهم، وبذا ف�إن مثل ه�ؤالء العمالء‬
‫متعددي الأغرا�ض؛ هم من �أخطر ما يتعر�ض له مقاتلو الع�صابات وجماهدو‬
                              ‫ّ‬                                 ‫ّ‬
                                                            ‫املقاومة.‬
‫681‬

‫ولقد جنح عدو الثورة يف جميع التجارب املعا�رصة يف زرع بع�ض عمالئه يف‬
                                                       ‫ّ‬   ‫َ‬
‫�صفوف الثوار، فحقّق جزءاً من �أهدافه، لكنه �أخفق يف حماوالت �أخرى، وف�شل‬
                                                     ‫َ‬
                                                                 ‫ً‬
                                                          ‫يف حت�صيله �أهدافا �أخرى.‬

‫كذلك فقد جنح ال ّثوار مراراً يف ك�شف العمالء واخلونة، و�إنزال العقاب‬
                                                        ‫َ‬
                    ‫ّ‬
‫العادل بحقّهم، ومنع �آخرين من بلوغ هدفهم، وبذا متكنوا من در ِء �أخطار،‬
           ‫َْ‬
                                                    ‫وتقليل خ�سائر، و�إجناح عمل.‬
                                                         ‫ِ‬               ‫ِ‬

‫د ـ �أمن التّعبئة والتوجيه: فكما �أنّ حلركات املقاومة �أجهزتها الأمنية املخت�صة،‬
   ‫ّ‬                       ‫ِ‬        ‫ِ‬
‫ف�إن لعدوها �أجهزة تفوقها عدداً وعدة وتنظيما وتخ�ص�صا، وهي ت�صل الليل بالنهار‬
                        ‫ّ ً‬      ‫ً‬        ‫ّ‬                         ‫ِّ‬
                                                    ‫ً‬
‫بحثا وتخطيطا وعمال وتنفيذاً ل�رضب املقاومة و�أذرعتها، وهي بعملها حتاول‬
                                                          ‫ً‬       ‫ً‬
                                                              ‫ً‬
‫التطوير واالبتكار، ف�ضال عن ا�ستخدام الأ�ساليب التقليد ّية امل َّتبعة، فال بد للمقاومة‬
         ‫َّ‬
‫من متابعة �أ�ساليب هذه الأجهزة وو�سائ ِلها يف �رضب املقاومة ور�صدها وحماولة‬
‫ِ‬         ‫َ ْ ِ‬                                                   ‫ِ‬
       ‫الوقوف عليها، و�إيجاد العالجات واحللول الأمثل التي تَـحد من خطرها.‬
                 ‫ُّ‬                                 ‫ِ‬

‫َ‬
‫وكذا ف�إن من �أ�سا�سيات حماية املقاومة؛ �إيجاد ثقافة �أمنية تُف�صل �صورة‬
        ‫ّ‬     ‫ّ‬
                                 ‫َ‬
‫عدوها، فتك�شف ال ّثغرات، وتُعري و�سائل هذا العدو اخلبيثة �أمام املجتمع،‬
                                          ‫ّ‬                           ‫ِّ‬
                                                                         ‫ّ‬
‫وتعلمهم كيفية النجاة منها واتقاء �آثارها، كدرا�سة ظاهرة (الع�صافري)، و�رشح‬
                                                              ‫ّ‬
‫�أ�ساليب التحقيق وكيفية ال�صمود، وبيان و�سائل الإ�سقاط والإيقاع يف وحل‬
                                                ‫ّ‬
                                 ‫اخليانة، والإر�شاد �إىل طرق الوقاية من ذلك كله.‬

‫هذا وغريه ُيعد من العناوين الهامة التي حتتاج �إىل اال�ستفا�ضة يف البحث،‬
                                                         ‫ّ‬
           ‫ً‬                                         ‫ً‬
‫وتوعية املجتمع عموما، والقوى املقاومة واجلنود املجاهدة خ�صو�صا باملعلومات‬
                                                    ‫التي توفّر لهم احلماية والأمان.‬
‫781‬


                                                       ‫ثانياً: الأمن اخلارجي:‬

‫ويهتم بالعدو اخلارجي، ومعرفة �أكرب كم من املعلومات عن مراكز جتمعه،‬
   ‫ّ‬                         ‫ٍّ‬                       ‫ِّ‬
‫وخطوط �إمداده، وكيفية حتركه، و�آلية عمله، وماهية نظامه الأمني الذي يحمي‬
                        ‫ّ‬                     ‫ّ‬
      ‫به نف�سه، وطرق ات�صاله، ومكامن قوته، ونقاط �ضعفه، وهو مق�سوم �إىل:‬
            ‫ٌ‬
‫�أ ـ الر�صد واال�ستطالع: ويقوم على معرفة املعلومات الدقيقة عن العدو،‬
              ‫ّ‬                                            ‫َّ ْ‬
   ‫ّ‬
‫وحتديد الطرق الأمثل ل�رضبه والإيقاع به والتعامل معه، كما يحاول االطالع‬
                                   ‫َّ‬                     ‫ّ‬
‫والتعرف على خمططات العدو ونواياه املبيتة، ومن ثم التعامل مع هذه املعلومات‬
                                                                   ‫ّ‬
‫واملخططات، وال�سعي �إىل �إبطالها، واتخاذ التدابري الأمنية ا ّلالزمة التي حتبطها‬
                                                                         ‫َّ‬
                                                                ‫وت ّتقي �رشورها.‬

‫�إنّ من قواعد العمل الع�سكري، �أنَّ (الر�صد ن�صف العمل الع�سكري)، وقد‬
‫قيل: «با�ستطاعتك �أن تخو�ض �أي معركة دون خ�سارة؛ �إذا عرفت نف�سك،‬
       ‫َ‬                     ‫ٍ‬     ‫َّ‬
‫وعرفت عدوك»، وبالتايل ال بد من جمع املعلومات الدقيقة، والتي تُعرف‬
  ‫ِّ‬                                              ‫َّ‬               ‫َّ‬     ‫َ‬
‫مقاتلي الثورة بحقيقة عدوهم، وثغراته التي ميكن �أن ي�أتوه من ِق َبلها... فال ميكن‬
                                                        ‫ِّ‬
‫للمجموعات املقاتلة �أنْ تقوم على مهمة قتالية غري حم�سوبة بدقّة، �أو بدون �أن‬
                                ‫ّ ٍ ٍّ‬          ‫َ‬
‫تخرب هدفها بو�ضوح، وتعرف كيفية الو�صول �إليه و�آلية �رضبه، وطريقة العودة‬
                                           ‫ّ‬
‫�إىل امل�أمن، وما الذي حتتاجه املهمة من رجالٍ وعتادٍ و�إمكانات؟ وكم يلزمها‬
                                       ‫ّ‬
                  ‫ّ‬
‫من الوقت حتى تنجز؟ وما هي املخاطر التي حتفّها؟ والطوارئ التي ميكن �أن‬
‫ٌ‬
‫ت�ستجد خاللها؟ وكيفية التعامل ال�سليم مع هذه امل�ستجدات؟ وحماور كثرية‬
      ‫ُ‬            ‫ّ‬                                   ‫ّ‬                 ‫َّ‬
         ‫ِ‬     ‫ٍ‬       ‫ٍ‬     ‫ٍ‬                                     ‫ٌ‬
  ‫و�أ�سئلة عديدة ال ت�أتي الإجابة عليها �إال عرب معرفة دقيقة و�شاملة بحالة العدو.‬
                                                                            ‫ٌ‬

                                     ‫َ ً‬
‫لقد �أوجدت كتائب الق�سام ِفرقا متخ�صِّ�صة لغر�ض الر�صد واال�ستطالع،‬
                          ‫ً‬
‫881‬

‫�أطلقت عليها (كتائب املرابطني)، وهي ِفـرقٌ كثرية العدد من املجاهدين، موزعة‬
‫ّ ٌ‬                       ‫ُ‬        ‫َ‬
‫على طول حدود قطاع غزة، هدفها التعرف على حركة اجلي�ش وجتمعاته،‬
     ‫ّ‬                           ‫ّ‬
         ‫َِ ُ‬                             ‫ِّ‬
‫ور�صد ن�شاطاته، وو�ضع ذلك كله بيد القيادة، وقد قامت هذه الفرق ب�أدوارٍ‬
‫طيبة يف مواجهة حماوالت االغتيال املتكررة، وذلك بر�صد حركة الطائرات‬
                            ‫ّ‬                                 ‫ّ ٍ‬
        ‫امل ّتجهة �إىل القطاع، والإبالغ عنها قبل و�صولها لأخذ احليطة واحلذر.‬
                   ‫ِ‬

‫ومع التقدم العلمي وال ّتقني، ف�إنه ميكن لفرق الر�صد واال�ستطالع �أن‬
                      ‫ِ َ ِ َّ‬                                 ‫ّ‬
‫ت�ستخدم و�سائل تقنية متطوِّرة، بدءاً ب�أجهزة الر�صد الّليلي، مروراً ب�أدوات‬
                            ‫ّ‬                           ‫ّ‬
                                              ‫ً‬
‫ال ّت�صوير املتقدمة، و�صوال �إىل الإنرتنت وما يحويه من خرائط ميكن توفريها‬
                                                        ‫ِّ‬
       ‫على خدمة (‪ ،)Google earth‬وكل ما من �ش�أنه خدمة هذا الهدف.‬

‫والناظر �إىل جتربتنا الفل�سطينية، يجد �أنّ الغالبية العظمى من عمليات املقاومة،‬
                            ‫ّ‬
                                                           ‫ٌ‬
‫�سبقَها ن�شاط ا�ستطالعي ر�صدي، يهدف �إىل معرفة �أكرب قدر من املعلومات عن‬
                                              ‫ْ‬
                        ‫الهدف، حتى ي�ستطيع املقاومون حتديد تفا�صيل املهمة.‬
                          ‫ّ‬                      ‫ِ‬



‫ب ـ االخرتاق امل�ضاد (اجلا�سو�سيّة): �إنّ قمة ال ّنجاح اال�ستخباري يف احلرب‬
                                                       ‫ّ‬
             ‫َ‬                ‫ّ‬
‫الدائرة بني (اجلاريال) ال ّثائرة وعدوها املحتل؛ هو �أنْ ت�ستطيع اخرتاقه بزرع‬
                                       ‫ِّ‬
‫عيون لها (جوا�سي�س) يف ج�سمه، ليقوموا ب�أدوار عديدة تخدم املقاومة وت�رضب‬
‫املحتل، و�إن جناح املقاومة يف �إدخال عن�رص لها يف ج�سم العدو عرب ما ي�سمى‬
                               ‫ٍ‬     ‫ِ‬
                                   ‫ً‬     ‫ً‬
‫بالعميل املزدوج، ُيعطي مدلوال رائعا لقدرة املقاومة وتقدمها يف �أدائها،‬
               ‫ّ‬
‫كما ي�شري �إىل ه�شا�شة العدو و�ضعف دفاعاته، على الرغم مما يبذله من جهود‬
                                                             ‫و�إمكانات لتقويتها.‬
‫981‬

‫ولذا، ف�إن �أي (عميل) يتم ك�شفه يف �أجهزة العدو، ف�إنه ي�ستوقف اجلميع،‬
                                             ‫ّ‬
                                   ‫ً َّ‬
                               ‫وتُثار عليه �ضجة كبرية، و ُيعطى اهتماما مركزاً.‬
                                                              ‫ّ ٌ‬

‫لقد اعتمدت الدول العظمى �أ�سلوب االخرتاق يف حروبها؛ كما فعلت‬
                                              ‫ُّ‬
‫الواليات امل ّتحدة الأمريكية واالحتاد ال�سوفيتي يف (احلرب الباردة) التي دارت‬
                                   ‫ّ‬
‫بينهما لعقود، وخ�ص�صت يف ذلك جهوداً و�إمكانات ومقدرات وموازنات،‬
             ‫ُ ّ‬                              ‫ّ‬
‫وقد كانت القوة اال�ستخبار ّية لأي طرف تُقا�س مبقدار ما يحقّقه من اخرتاق يف‬
   ‫ٍ‬                                                         ‫ّ‬
                                                              ‫�صفوف خ�صمه.‬

‫وكذا اعتمدت الثورات هذا الأ�سلوب يف مواجها ِتها املفتوحة مع عدوها،‬
      ‫ِّ‬      ‫ِ‬
                     ‫ّ‬                      ‫ِّ‬     ‫ّ‬                     ‫ّ‬
‫فقد متكنت املقاومة الفل�سطينية من رد اعتبارها مراراً عرب عدة اخرتاقات �أحدث ْتها‬
           ‫ٍ‬
                                                    ‫يف جدار الأمن ال�صهيوين.‬
                                                           ‫ُّ‬
             ‫وقد ا�ستطاعت املقاومة من خالل اخرتاقاتِها حتقيق عدة �أغرا�ض:‬
                       ‫َ ّ‬                          ‫ُ‬

‫َ‬       ‫ٍ َ‬     ‫ٍ‬                                           ‫ّ‬
‫- فقد متكنت من ت�ضليل العدو، وذلك ب�إي�صال معلومات خاطئة عرب عمالء‬
                         ‫ِ‬
                  ‫ّ‬                     ‫ً‬
‫مزدوجني �رصفوا النظر حينا عن بع�ض املجاهدين، و�سلموا معلومات جتعل‬
      ‫ٍ‬
                   ‫بحث �أجهزة الأمن ال�صهيونية ي�سري يف االجتاه اخلاطئ.‬
   ‫ّ‬
‫- احل�صول على معلومات ا�ستخبارية عن االحتالل و�أذنابه، �سواء باالطالع‬
                                     ‫ٍ‬          ‫ٍ‬
‫على �أ�سماء عمالئه وك�شفهم، �أو مبعرفة معلومات عن حتركات جي�شه،‬
           ‫ّ‬       ‫ٍ‬
‫�أو بالطريقة التي ا�ستطاع فيها ال�شهيد (ماهر �أبو �رسور) احل�صول على‬
                                 ‫َ‬     ‫َ‬
‫املعلومات، وذلك عندما قتل �ضابط املخابرات ال�صهيوين امل�س�ؤول عن‬
                   ‫ّ‬
           ‫ٍّ ّ‬
‫جتنيد العمالء بعد �أن كان على اتفاق معه للقائه يف �شقة �أعدها االحتالل‬
‫لغر�ض االت�صال بالعمالء، ثم ا�ستوىل �شهيدنا على حقيبة �أوراقه وما حتويه‬
                  ‫ِ‬           ‫ُ‬
                                                    ‫من وثائق ومعلومات.‬
‫091‬

‫- توجيه �رضبات قا�سية لالحتالل و�أجهزته الأمنية، وقتل �ضباط ورجال‬
‫خمابراته، و�أمثلة ذلك كثرية، من �أبرزها عملية ال�شهيد (عبد املنعم �أبو‬
 ‫حميد)، الذي تواعد مع م�س�ؤولٍ كبري يف املخابرات على اللقاء يف مكانٍ‬
                                  ‫ٍ‬
                         ‫ّ‬      ‫ً‬                          ‫ُ‬
‫كان �أبطال الكتائب قد �أعدوا فيه كمينا، فتمكنوا من قت ِله هو ومرافقه،‬
                                             ‫ّ‬
‫وكذلك عملية ال�شهيد (ماهر �أبو �رسور)، وعمليتا (ثقب القلب ) و(ال�سهم‬
                        ‫ّ‬
                                             ‫ال ّثاقب) يف قطاع غزة، وغريها...‬

              ‫ً ّ‬             ‫ً ًّ‬
‫- لقد كانت حر ُبنا مع االحتالل حربا �أمنية ا�ستخبارية بالدرجة الأوىل وال‬
                                                            ‫َ‬
‫زالت، وهذا ما عبـر عنه قادة الأجهزة الأمنية ال�صهيونية، عندما قالوا‬
                                                 ‫ّ َ‬
                     ‫َ‬
‫لرئي�س وزراء العدو (�إ�سحاق رابني): «�إنّ معرك َتك مع (حما�س) معركة‬
‫ٌ‬
‫َّ‬                                 ‫َّ‬                ‫َ‬
‫�أمنية، ونحن نكفيك �إ ّياها»، وقد رد اهلل كيدهم �إىل نحورهم. ولذا ال بد‬
                          ‫َ‬                                       ‫ّ‬
               ‫لنا من �أنْ ن�ضع الأمر يف ِن�صابه من حيث االهتمام والأولو ّية.‬
                                                       ‫َ‬     ‫َ‬



                                                                  ‫رابعاً: الإعــالم‬
‫ِّ‬
‫ُيعـد الإعالم من الأ�سلحة ال�سلمية التي متلك ت�أثرياً كبرياً على النا�س يف كل‬
                                            ‫ِّ ّ‬                        ‫ُّ‬
                                             ‫ُ‬         ‫ً‬        ‫ِ ً‬
‫الظروف �سلما �أو حربا، وقد ا�صطلح على ت�سمية الإعالم ب ِـ (ال�سلطة الرابعة)؛‬
‫ملا ميلكه من ت�أثري كبري يوازي ال�سلطات الثالث: ال ّتنفيذ ّيـة وال ّت�رشيعيـة والق�ضائيـة.‬
   ‫ّ‬           ‫ّ‬                                        ‫ُّ‬
‫و�سلطة الإعالم نابعة من كونه �صاحب ت�أثري على اجلمهور حيثما كان، �إىل‬
                                   ‫َ‬             ‫ٌ‬             ‫ُ‬
‫حد �أنه يبني ِفكرهم، ويحدد توجها ِتهم، ويح�سم قرارا ِتهم، حتى بدا وك�أنه‬
                                          ‫ّ‬    ‫ّ‬       ‫َ‬              ‫ِّ‬
                  ‫ً‬
‫ميلك عليهم �سلطة لكنها بالإقناع، و�إن كان الإعالم قدميا ميلك هذه ال�سلطة،‬
                                                         ‫ً‬
                                                             ‫ف�إنه ميلك اليوم �أ�ضعافها.‬
‫191‬

‫ويف حرب الع�صابات، يربز الإعالم ك�سالح مقاوم و�أداة قتالية، و�أ�سلوب‬
‫ٍ‬          ‫ٍ ّ‬          ‫ٍِ‬    ‫ٍ‬
‫ٌ‬                                                                 ‫ٍّ‬
‫ن�ضايل موازٍ حلمل ال�سالح و�رضب العدو، فهو �سالح ا�سرتاتيجي ال متلك ثورة‬
             ‫ٌّ‬         ‫ٌ‬
‫�أو مقاومة �أن ت�ستغني عنه، �أو �أن تق�صِّـر فيه، ف�إنْ علمنا دوره؛ عرفْنا ال�سبب‬
                                     ‫َ‬                     ‫َ‬           ‫ٌ‬
                               ‫ً ًّ‬                ‫ًّ‬          ‫ً‬
                              ‫الذي جعله �سالحا ا�سرتاتيجيا ولي�س تكتيكا قتاليا.‬



                                                           ‫دور الإعالم املقاوم:‬

 ‫�إذا امت�شق املقاوم �سالحه و�صوبه �إىل �صدر عدوه؛ ف�إنه يهدف �إىل �إيقاع‬
  ‫ِ‬                       ‫ِّ‬               ‫ّ‬
‫الأذى به وحـمـ ِله على االن�سحاب من �أر�ضه، ف�إن كان العمل املقاوم مقت�رصاً‬
                                                              ‫ْ‬
‫على هذا الأ�سلوب، ف�إن ت�أثريه يبقى حمدوداً مقت�رصاً على من تلقّى ال�رضبة املبا�رشة،‬
‫�أما �إذا رافق العمل املقاوم �إعالم موازٍ له؛ ف�إنه ي�ضاعف مفعوله، ويعمم �أ َثره،‬
          ‫ّ‬                                   ‫ٌ‬      ‫ِ َ‬     ‫َ‬
‫ويقطف ثماره، وهذا ما عبرّ عنه العقيد الإ�رسائيلي (�شموئيل نري) بعد احلرب‬
‫مع (حزب اهلل) يف جنوب لبنان، فقال: «لقد كنّا نحارب حزب اهلل بطائراتِنا‬
                ‫َ‬
‫ودبّاباتِنا يف لبنان، بينما كان يهزمنا يف بيوتِنا من خالل التلفزيون». فقد كان ت�أثري‬
                                                ‫ُ‬
               ‫ّ‬    ‫ٍ‬     ‫ُّ‬
‫الإعالم اللبناين �أقوى من ت�أثري ال�صواريخ، وكان كل مقاتل يتحرك لتنفيذ عملية؛‬
                      ‫ٍ‬        ‫ُّ ٍّ‬
‫يتحرك خلفه م�صوِّر لتوثيق ما يقوم به، وكل �أم يهود ّية كانت ترى االنفجار على‬
                                                          ‫ٌ‬             ‫ّ‬
                                             ‫التلفاز؛ تت�صور �أنّ اب َنها هو ال�ضحية.‬
                                               ‫ّ‬                      ‫َّ‬
‫ولذا، ف�إن �أ َثر الإعالم يتعدى �أثر ال�سالح يف م�ساحته، كما يتعداه يف‬
     ‫ّ‬                                  ‫ّ‬
‫اجتاهاته، وكما �أن له �أثراً يف عدوه، ف�إن له �أ َثراً داخليا يف نفو�س �أبناء ال�شعب‬
                       ‫ًّ‬                        ‫ِّ‬
                     ‫املجاهد. و�إن من �أدوار الإعالم يف حرب الع�صابات ما يلي:‬
                                                                ‫ّ‬
‫- رفع معنويات ال�شعب و�شحذ همته، وتنمية �صموده، وزيادة �إ�رصاره على‬
‫291‬

‫جمالدة عدوه وحت�صيل حقوقه، و�إقناع هذا ال�شعب بقدرته على دحر عدوه‬
                                                       ‫ِّ‬
                                     ‫ً‬
‫حتى لو ظهر ميزان القوى راجحا لكفّة االحتالل. فهو يربز مواطن القوة‬
 ‫ّ‬
‫لدى املقاومة، ويعر�ض �إجنازاتها، وي�رضب الأمثلة العاملية على جناح �أ�صحاب‬
                  ‫ّ‬
‫احلق يف انتزاع حقوقهم من مغت�صبيها، وهو ُيربز �ضعف االحتالل وه�شا�شة‬
                     ‫َ‬                    ‫ُ‬
‫كيانه، وزيف قوته، و ُيظهر بع�ض مناحي ال�ضعف التي بدت عليه جراء‬
‫ّ َ‬                   ‫ّ‬                         ‫ّ‬
                                                ‫�رضبات املقاومة.‬
                                                          ‫ِ‬

 ‫ّ‬
‫- تثقيف ال�شعب ب�ش ّتى �ألوانِ الثقافة ال َّثور ّية والأخالقية التي يجب �أن يتحلى‬
                   ‫ِ‬          ‫ِ‬            ‫ِ‬
‫بها، وتعليمه كيف تكون املقاومة وال�صمود، والآليات املثلى يف املواجهة.‬
‫فهو يب�صرّه بد�سائ�س االحتالل ومكائده وم�صائده، وكيفية الوقاية منها،‬
               ‫ّ‬
              ‫ّ‬
‫والعالج من �آثارها، وجت ّنب الوقوع فيها، بل ويعلمه كيف يرد كيد‬
‫ّ َ‬
                 ‫االحتالل �إىل نحره، فريتد على �أعقابه دون �أن ينال ُبـغي َته.‬
                                                     ‫ّ‬

                                         ‫ًّ‬
‫- وهو كذلك ين�رش ثقافة م�ضادة للثقافة اال�ستعمارية التي يحاول االحتالل‬
                                                ‫ً‬
‫�أن يغر�سها يف �أذهان ال�شعب املقهور. فما من قو ِة احتاللٍ ع�سكرية �إال‬
     ‫ٍ‬                  ‫ّ‬                                      ‫َ‬
                                  ‫ًّ‬      ‫ً‬         ‫ٍ‬     ‫َ ُّ‬
‫�صاحبها قوة �إعالم ين�رش ثقافة ت�ضليلية تهدف �إىل �رصف �أنظار ال�شعب‬
‫عن ق�ضيته، و�إ�شغالهم بتوافه الأمور عن عظائمها، ون�رش الرذيلة والف�ساد‬
             ‫ّ‬                            ‫ِ‬                    ‫ّ‬
‫الذي ُي�شغلهم عن املقاومة واجلهاد، وال بد لهذا الإعالم من �إعالم‬
‫ٍ‬                      ‫ّ‬
                                                                      ‫م�ضاد.‬
                                                                       ‫ّ‬
               ‫َّ‬            ‫ً‬
‫- ن�رش �أفكار (اجلاريال) وعدالة ق�ضيتها عامليا، والدفاع والذود عن املقاومة،‬
                                       ‫ّ‬
        ‫ِّ‬
‫ورف�ض االحتالل، وتعريف الأمم بها ومب�صداقيتها، والرد على كل ما يدور‬
               ‫ّ‬         ‫ّ‬
‫حولها من �شبهات واتّهامات وت�ضليل، وخماطبة العامل و�شعوبه من منرب‬
‫ٍ‬
‫ُين�صف الق�ضيـة وينت�رص لها، وي�ضعها يف ِن�صابها ال�صحيح، و�إال ف�إنّ العامل‬
                                                             ‫ّ َ‬
‫391‬

‫ب�أُممه و�شعوبِه ال ي�سمع عنها �إال من فم مغر�ض، ومنرب م�شوه، و�إعالم م�ضلل،‬
  ‫ٍ ّ‬            ‫ٍ َّ‬            ‫ٍ ُ‬
                              ‫وتفقد الق�ضية ت�أييداً ودعما هي بحاجة �إليه.‬
                                              ‫ً‬

‫- والإعالم ذو ت�أثري كبري على العدو كما �أ�سلفنا، فالعمل املقاوم من غري‬
‫�إعالم �سيفقد كثرياً من �أ َثره، وهذا ما يدفع االحتالل �إىل عدم االعرتاف‬
 ‫ِ ُ ً‬
‫بخ�سائره خمافة �أن يتزعزع ا�ستقرار جمتمعه. ف�إذا كان الإعالم املقاوم قو ّيا،‬
                ‫ُ‬                                  ‫َ‬          ‫َ‬
‫بحيث ي�ستطيع �أن يك�شف احلقائق ويو ّثقها وي�صل بها �إىل كل بيت من‬
   ‫ِّ ٍ‬
              ‫ٍ‬   ‫ِّ‬
‫بيوت عدوه، ف�إنه ينجح يف �إنتاج �أ�صداء كبرية لكل عمل �صغري، ويحقّق‬
                                                           ‫ِّ‬
‫�أثراً معنو ّيا يفوق الأثر املادي، فيثبط معنو ّيات عدوه، ويفت من ع�ضده،‬
  ‫َ ُ ِ‬   ‫ُّ‬     ‫ِّ‬             ‫ّ‬      ‫ّ‬                ‫ً‬
‫ً‬
‫و ُيو�صله �إىل القناعة ب�أنه �ضعيف �أمام املجاهدين، و�أنّ املقاومة تقوى يوما‬
 ‫اّ‬                                      ‫ً‬
‫بعد يوم، و�أنه �سيدفع ال ّثمن يوميا من نف�سه و�أوالده واقت�صاده و�أمنه، و�أل‬
                                                      ‫مفر من االن�سحاب.‬
                                                                    ‫َّ‬
‫وهذا ما جنح به ُثوار فيتنام (الفيت كونغ)، ف�أو�صلوه �إىل ال�شعب الأمريكي‬
                                                      ‫ّ‬      ‫َ‬
‫الذي خرج مبظاهرات �شعبية �أرغمت احلكومة الأمريكية على �سحب‬
         ‫َ‬         ‫َ‬              ‫ٍ‬      ‫ٍ‬
           ‫ً‬
‫جي�شها من �أر�ض فيتنام. وهذا ما حتقّقه املقاومة العراقية يوما بعد يوم مع‬
 ‫ٍ‬               ‫ٍّ‬         ‫ّ‬    ‫ٍ‬                              ‫ٍ‬      ‫ِّ‬
‫كل ت�صوير تب ُّثه لعبوة تنفجر، �أو مركبة تتحطم، �أو جندي يتهاوى، �أو نع�ش‬
                                                  ‫ٍ‬
                                                 ‫ُيحمل، �أو مقاومة تنت�رص.‬
                                                         ‫ٍ‬

‫- والإعالم املقاوم يبث ق�ص�ص الأبطال، ويجعلها ثقافة ال�شعب و�أغنية‬
‫َ‬              ‫َ‬                            ‫ُّ‬
‫�صغاره، و َيعر�ض �إجنازات املقاومة وعملياتها وبطوالتها، فيفتح الباب‬
                           ‫ّ‬                                      ‫ِ‬
                             ‫ُّ ُّ‬
‫لالقتداء، و ُيرهب عدوه و ُيرعبه ويدب الذعر يف �صفوف جنوده و�شعبه‬
                                     ‫ُ‬       ‫َّ‬      ‫ِ‬
‫فيفقده الأمان، ويف�ضح �أمام العامل جرائمه وجمازره واعتداءاته، فيعريه‬
  ‫ِّ‬                        ‫َ‬                                       ‫ُ‬
                                 ‫ويك�شف زيفه وي�سلبه الدعم والت�أثري.‬
                                               ‫ُ َّ‬          ‫ُ َ‬
‫491‬

‫- والإعالم املقاوم يقوم بدور ال ّتحري�ض الذي ال ت�ستمر (اجلاريال) �إال به؛‬
‫التحري�ض مبفهومه ال�صادق الذي �أمر به رب العزة بقوله:}ﭿ ﮀ‬
            ‫ّ‬    ‫ُّ‬    ‫َ‬             ‫ّ‬
‫ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ{ [�سورة الأنفال:56]، فتلقَّف نبي اهلل [‬
       ‫َ ُّ‬
‫�أمر ربه فقال: «من مات ومل َيغـز، ومل يحدث نف�سه بالغزو، مات على‬
    ‫َ‬     ‫ْ‬       ‫ِّ ْ َ‬        ‫ْ ُ‬       ‫َ‬              ‫َ ِّ‬
                                                         ‫�شعبة من النفاق»(1).‬
                                                                 ‫ِّ‬     ‫ُ ٍ‬

                          ‫ِّ ً‬   ‫ً‬
‫- كما �أن الإعالم املقاوم �إنْ كان �صادقا وموثقا يف عر�ضه لإجنازات وعمليات‬
‫املقاومة، ف�إنه يدفع املحتل �إىل االعرتاف بخ�سائره، فيزيد من انهيار جمتمعه،‬
                 ‫َ‬                  ‫ُ‬                          ‫ّ‬
‫ويحطم معنو ّيات جنده، و ُيلهِ ب يف الوقت ذاته حما�س مقاتلي املقاومة‬
                                         ‫ِّ ُ‬
‫وال�شعب. كما �أنه بذلك يوثـق ملقاومته، ويثبت بطوالته، في�ضعها بني يدي‬
‫ً‬                                                     ‫ً‬           ‫ّ‬
‫امل�شاهد يتعلم منها در�سا فيقتدي، �أو يهتدي بال ّتكرارِ تارةً، وباالعتبارِ تارة‬
                                                                        ‫ِ‬
                                                                        ‫�أخرى.‬

‫- وهو كذلك يروج للف�صيل �أو اجلماعة ب�إيجاد منابر �إعالمية خا�صة بها،‬
            ‫ّ‬                                         ‫ِّ ُ‬
 ‫َِ َ ْ‬       ‫ّ‬         ‫ّ‬
‫�أو باال�ستفادة من املنابر الإعالمية الأخرى املحلية والعاملية. فقد عمدت‬
           ‫ٍّ‬       ‫َ‬     ‫ِ‬                         ‫ِّ‬
‫قوى ال ّثورة يف كل قُطر عملت فيه �إىل �إيجاد منابر �إعالمية خا�صة بها،‬
     ‫ّ ٍ‬
‫حتاول من خاللها ن�رش ِفكرها وتو�ضيح �صورتها، من خالل ال�صحف‬
      ‫ّ‬                                           ‫َ‬
                ‫ّ‬
‫واملن�شورات والإ�صدارات واملطبوعات وامل�ؤ َّلفات واملحطات ال ّتلفزيونية‬
 ‫ّ‬
                                                             ‫�أو �إذاعة الراديو.‬
                                                                  ‫ّ‬
‫فما من (جاريال) �إال ودعمها جهاز �إعالمي على ر�أ�سه �إذاعة، لأنها كانت‬
                              ‫ٌّ‬      ‫ٌ‬      ‫َ َ‬
‫�أقوى و�سائل الإعالم، ومنها ال ّتجربة ال�صينية والفيتنامية والكرد ّية والفل�سطينية،‬
  ‫ّ‬                       ‫ّ‬           ‫ّ ّ‬
                      ‫ٍ َّ ٍ‬                           ‫ُّ‬
‫واليوم �أ�صبحت كل مقاومة �أو حركة �أو جماعة م�سلحة متلك منرباً جديداً هو‬
                                       ‫ٍ‬        ‫ٍ‬

                                                                ‫1 رواه م�سلم و�أبو داوود.‬
‫591‬

‫(الإنرتنت)، ت�ؤدي عربه ذات الدور، وذلك ل�سعة انت�شاره و�سهولته ومتيزه‬
  ‫ّ‬                                    ‫َّ‬            ‫ّ‬
‫بالأمان، �إ�ضافة �إىل امتالك بع�ضها قنوات تلفزيونية، كما هو احلال مع حركة‬
                                ‫ٍ‬                        ‫ً‬
                                        ‫حما�س وف�ضائيتها (تلفزيون الأق�صى).‬
                                                              ‫ّ‬
‫ومن ناحية �أخرى، فقد �أ�صبح الإعالم العاملي �أكرث انت�شاراً وحريةً، و�أ�صبحت‬
                                 ‫ّ‬
‫قوى املقاومة �أكرث قدرة على الو�صول �إىل هذه املنابر لب�سط ق�ضيتها، فقناة‬
           ‫ّ‬
 ‫ٍ‬      ‫ُّ‬                                                       ‫ً‬
‫(اجلزيرة) مثال، وهي القناة الأكرث انت�شاراً يف عاملنا العربي، ي�ستطيع �أي ف�صيل‬
‫�أنْ َيظهر عليها ِل ُتجري معه مقابلة �أو حواراً، فيعر�ض فكرته ويب�سط ق�ضيته،‬
   ‫ّ‬                                    ‫ً‬          ‫َ‬
              ‫ٌّ‬    ‫ٌ‬    ‫َّ‬
‫ويدافع عن مواقفه ويو�ضح حقيقته.. وتلك ال �شك نقلة نوعية ا�ستفادت منها‬
                                                ‫ّ‬
                                                                       ‫املقاومة.‬



                                                      ‫خام�ساً: الـتّـخــفّـي‬
  ‫ّ‬      ‫ُ‬          ‫ً‬
‫التخفّي لغة هو الكتمان والتورية، وا�صطالحا: هو جمموعة العمليات‬
                                                   ‫ً‬
‫واملمار�سات التي ي ّتبعها املجاهد ال ّثائر لإخفاء حقيقته عن عدوه، واحلفاظ على‬
              ‫ِّ‬
‫نف�سه من االنك�شاف، وعلى مهمته من الف�شل، في�ستخدم يف �سبيل ذلك �أ�ساليب‬
                                            ‫ّ‬
                                    ‫احليلة واخلداع الّلفظي وال�شّ كلي والعملي.‬
              ‫ّ‬
‫وقد امتلأت كتب التاريخ بق�ص�ص و�أحداث التخفّي والتنكر الناجحة التي‬
‫ا�ستخدمها املقاتلون بهدف خداع عدوهم للهروب منه، �أو لت�سهيل �رضبه يف‬
                                   ‫ِّ‬     ‫ِ‬
                                                                         ‫عمقه.‬
‫691‬


                                                         ‫�أهداف التخفّي:‬
                                           ‫ّ‬
‫ا�س ُتخدم التخفّي لل ّت�سلل يف ق�صة (ح�صان طروادة) ال�شهرية، فا�ستطاع‬
                                    ‫ّ‬
‫املقاتلون من خالله فتح ح�صن املدينة عرب حيلة (احل�صان اخل�شبي) بعد �أن �صمد‬
‫َ‬                ‫َ‬
‫ُ‬
‫احل�صن يف وجه اجلي�ش الغازي ل�شهورٍ طويلة. وا�ستطاع حذيفة بن اليمان، كامت‬
         ‫ُ ُ َ‬                                              ‫ِ‬         ‫ِ‬
‫َ‬                                            ‫َّ َ‬
‫�رسِّ ر�سول اهلل [، �أنْ يت�سلـل �إىل مع�سكر امل�رشكني يف غزوة الأحزاب، ويعود‬
                                                                  ‫ِ‬
                                                     ‫َّ ً‬
                                           ‫�إىل ر�سول اهلل [ حممال بالأخبار.‬

‫وا�س ُتخدم التخفّي لالخرتاق يف ق�ص�ص وحوادث ال ح�رص لها، ومن‬
            ‫َ‬
‫�أ�شهرها يف الع�رص احلديث؛ ق�صة العميل امل�رصي (ر�أفت الهجان)، الّذي زرع ْته‬
                  ‫ّ‬           ‫ّ‬              ‫ّ ُ‬                      ‫ِ‬
‫املخابرات امل�رص ّية يف الكيان ال�صهيوين، فعمل بنجاح على نقل معلومات مهمة‬
‫ٍّ‬   ‫ٍ‬       ‫ِ‬       ‫ٍ‬                                          ‫ُ‬
‫وخطرية، واخرتاق العديد من امل�ؤ�س�سات ال�صهيونية، �إىل �أن توفِّـي يف فل�سطني‬
           ‫َ‬
      ‫ّ‬               ‫ّ‬                           ‫ُ‬
‫دون انك�شاف �أمره. ومثله العميل امل�رصي (جمعة ال�شوال)، والعميل ال�صهيوين‬
                                                              ‫ِ‬
‫(�إيلي كوهن)، الذي غر�سه االحتالل الإ�رسائيلي يف ال ّنظام ال�سوري، فارتقى يف‬
           ‫ُّ ّ‬                ‫ّ‬                      ‫َ‬
‫َّ‬               ‫ّ‬                                                      ‫ّ‬
‫�سلم امل�س�ؤولية بحزب البعث احلاكم، �إىل �أن �أ�صبح يف مقدمة ال�صفوف، ثم مت‬
                                                               ‫ُ ِ‬
                                      ‫اكت�شاف �أمره، فقامت �سورية ب�إعدامه.‬

‫وا�س ُتخدم التخفّي يف �أعمال املطاردة، كما فعلت املقاومة ومقاتلوها يف‬
‫فل�سطني، ومنهم املهند�س (يحيى عيا�ش)، والقادة (عماد عقل) و(عادل عو�ض‬
                                    ‫ّ‬
                                         ‫َ‬
‫اهلل) و(حممود �أبو ه ّنود)، ونفَّـذ املجاهد اال�ست�شهادي (عبد البا�سط عودة)‬
                                       ‫َ‬                        ‫ّ‬
‫عمليـ َته متنكراً بزي فتاة، وكذا فعل (معاوية جرارعة) يف عملية (حمنى يهودا).‬
                                                        ‫ِّ‬             ‫ّ‬
                                                  ‫َ‬      ‫ً‬
‫وهو �أي�ضا ما فعله قائد ع�صابات (الأرجون) ال�صهيونية؛ (مناحم بيغن)،‬
‫الذي تقم�ص العديد من ال�شخ�صيات، ومنها �شخ�صية طبيب، ورجل دين،‬
                 ‫ّ‬               ‫ّ‬                   ‫ّ َ‬
‫791‬

‫و�شاب بريطاين.. وا�ستطاع الإفالت من قب�ضة ورقابة اجلي�ش الربيطاين مراراً،‬
                                                                    ‫ّ‬
‫وتنفيذ العديد من العمليات الإرهابية بحق ال�شّ عب الفل�سطيني الأعزل، و�ضد‬
‫ّ‬                                ‫ِّ‬   ‫ّ‬
                                                               ‫اجلي�ش الربيطاين.‬

‫وهو �أ�سلوب ا�ستخدمه �أبرز قادة العمل الن�ضايل بل والإرهابي على م�ستوى‬
                                                           ‫ٌ‬
   ‫العامل ليختفوا عن الأنظار، ومنهم (كارلو�س)، و(�أبو ن�ضال)، و(�أوجالن).‬

    ‫ّ‬          ‫ّ‬            ‫َ‬
‫وا�س ُتخدم التخفّي ل�رضب العدو كما فعل جماهدو الق�سام يف عمليات‬
                         ‫ِ َ‬                      ‫ّ‬
‫االختطاف املتكررة التي متكنوا عربها من �أ�سرْ �أكرث من ع�رشة جنود، يف حماولة‬
‫ٍ‬                                                            ‫ِّ‬
‫للمقاي�ضة عليهم لإطالق �رساح الأ�رسى، ومنهم (�آيل �سبورتا�س) و(�إيالن �سعدون)‬
                                                 ‫ِ‬     ‫ِ‬            ‫ِ‬
‫و(نح�شون فاك�سمان)، وا�ستخدمه مقاتلوا خلية (�سلواد) مراراً لتنفيذ هجمات‬
‫ٍ‬                             ‫ّ‬
‫نار ّية ناجحة نحو املركبات ال�صهيونية، فكانوا يلب�سون (القمباز) والثوب ال ّن�شاطي‬
                                                                          ‫ٍ‬
             ‫ً‬      ‫ُ ُ ِ ً‬
            ‫القَروي، بينما ُيخفونَ ال�سالح حتته، فيكون هجومهم مباغتا وعنيفا.‬
                                                                       ‫َ‬
‫�إذاً فالتخفِّي ا�س ُتخدم يف و�سائل قتالية حتقِّق هدفَني: �أولهما؛ اخرتاق العدو‬
‫ّ‬                 ‫ّ‬                   ‫ّ‬
‫وجلب املعلومات الدقيقة عنه، ل�رضبه يف عقْر داره، وتنفيذ العلميات �ضده،‬
  ‫ّ‬                               ‫ُ‬                     ‫ّ‬
                            ‫ّ‬
 ‫وثانيهما؛ االختفاء عن �أعني العدو، واحلفاظ على الذات، والتنقّل ب�أمانٍ �أكرب.‬



                                                            ‫�أ�ساليب التَّخفِّي:‬

                                 ‫ٌ‬           ‫ٌ‬     ‫ٌ‬    ‫ّ‬
‫ال ّتخفِّي وال ّتنكر علم وا�سع فيه درا�سات و�أبحاث، وله متخ�صِّ�صون وخرباء،‬
‫ازدادت �إمكاناته ب�شكل كبري مع التقدم العلمي، وانت�شار �صناعة ال�سينما على‬
         ‫ِّ‬                           ‫ّ‬
                                                                ‫وجه اخل�صو�ص.‬
‫891‬

‫وال يخرج ال ّتخفّي الفردي يف �إطاره العام عن �أحد �أ�سلو َبني؛ ف�إما �أن يكون‬
‫التغيري يف ال�شكل واملظهر اخلارجي، �أو �أن يكون يف اال�سم مع �إخفاء حقيقة‬
                                     ‫ً‬
                        ‫املق�صد، وميكن اجلمع بني الأ�سلو َبني زيادة يف االختفاء.‬

                                         ‫ً‬
‫�أ ـ انتحال ا�سم جديد بدال عن اال�سم الأ�صلي، وتزوير �أوراق ثبوتية،‬
‫وا�ستخدامها كبديل عن الأوراق الأ�صلية؛ كالهو ّية، وجواز ال�سفَر، ورخ�صة‬
            ‫ّ‬                      ‫ّ‬                  ‫ٍ‬
                                                         ‫ال�سياقة، و�شهادة امليالد.‬
                                                                                ‫ِّ‬
‫وقد اعتاد املتخفّون �أن ينتحلوا �أ�سماء �أ�شخا�ص ميتني، �أو �أ�صحاب هو ّيات‬
                        ‫ِّ‬          ‫َ‬
‫مفقودة، �أو باالتفاق مع �أ�شخا�ص على انتحال �أ�سمائهم، �أو ح ّتى �أ�سماء وهمية،‬
  ‫ّ‬                                      ‫ِ‬
‫على �أنّ جميع هذه احلاالت حتتاج �إىل االنتباه �إىل �أنْ ال تكونَ الأ�سماء املن َتحلة‬
‫َ ُ‬        ‫ُ‬                           ‫ِ‬                               ‫َ‬
                         ‫ِّ‬              ‫َ ُ‬
           ‫تعود لأ�شخا�ص ميلكون �سوابق جتعلهم معر�ضني لل�شك �أو املالحقة.‬
              ‫َ‬                ‫َّ َ‬

‫ولقد ا�ستطاع (�إيلي كوهن) اخرتاق ال ّنظام ال�سوري بهذا الأ�سلوب، حتت‬
                   ‫ُّ ِّ‬
‫ا�سم (كمال �أمني)، وهو الأ�سلوب الذي ا�ستخدمه (ر�أفت الهجان) حتت م�سمى‬
 ‫َّ‬          ‫ّ‬
‫(ديفد �شارى �سمحون)، وهو الأ�سلوب الذي ا�ستخدمه املطارد يف فل�سطني‬
                                                                             ‫مراراً.‬

‫ب ـ تغيري املظهر، وهو الأ�سلوب الأكرث ا�ستخداماً، و ُي�ستخدم معه الأ�سلوب‬
 ‫ّ‬                                                   ‫ُ‬                   ‫ً‬
‫الأول دائما، �إذ ال ُيعقل تغيري املظهر اخلارجي دون تغيري اال�سم والأوراق ال ُّثبوتية‬
                            ‫ِ‬                                                   ‫ّ‬
                                                                         ‫املحمولة.‬

 ‫هذا الأ�سلوب تطور ب�شكل م�ضطرد، بدءاً مبحاولة تغيري للمعامل العامة‬
   ‫ّ‬             ‫ٍ‬    ‫ِ‬                             ‫َّ َ‬   ‫ُ‬
‫للوجه، كحلق الّلحية وال�شّ وارب وال�شّ عر، �أو تركيب �شعر م�ستعار، مروراً‬
                ‫ِ َ ٍ ُ‬                                  ‫ِ‬    ‫ِ‬
‫بتغيري طبيعة الِّلبا�س ا ّلذي اعتاد �أن يرتديه املطارد، كارتداء زي عجوز �أو امر�أة،‬
                 ‫ّ‬                              ‫َ‬             ‫ِ‬        ‫ِ‬     ‫ِ‬
‫991‬


‫ِ‬            ‫ِّ ُ‬                                    ‫ً‬
‫�أو ارتداء زي العدو، و�صوال �إىل ا�ستخدام علم ال ّتجميل الذي ُيغيـر لونَ الب�رشة‬
                                                                      ‫ِّ‬
                                                                           ‫َ‬
‫ومعامل الوجه ولونَ العي َننيِ وال�شَّ عر. بل وجتاوز الأمر �إىل ا�ستخدام هذا العلم‬
‫يف �إحداث تغيري جذري يف املظهر يزيل عالمات فارقة، وي�ضع غريها، ك�شكل‬
‫ِ‬        ‫َ‬                ‫ٍ‬                     ‫ٍّ‬   ‫ٍ‬
                                                     ‫الأنف وال�شِّفاه �أو ال�شّ امة.‬
                                                                               ‫ِ‬

                        ‫ِّ‬                          ‫ُ‬
‫ولقد ا�ستخدم رجال املقاومة هذا الأ�سلوب يف كل مكان، وبوا�سطته ا�ستطاع‬
                                           ‫ِ َ‬
‫املطاردون يف فل�سطني احلفاظ على �أنف�سهم، وتوجيه ال�ضرّبات لعدوهم. وقد‬
       ‫ِّ‬
                               ‫ً‬
                ‫ذكرت ق�صة املجاهد (حممد ب�شارات) تف�صيال يف هذا الكتاب.‬
                                                              ‫ُ ّ َ‬

                            ‫ُ‬
‫ويف ذات الوقت، فقد ا�ستخدم االحتالل الإ�رسائيلي هذا الأ�سلوب يف‬
                  ‫ُّ‬
‫مواجهة املقاومة الفل�سطينية، ف�أن�ش�أَ وحدات مقاتلة حتت م�سمى (الدفدوفان‬
             ‫ُ َّ‬      ‫ً‬       ‫ٍ‬
‫ـ وحدات الـمـ�ستعربِني)، فكانوا يرتدون الزي العربي، ويتواجدون يف‬
                   ‫ّ‬       ‫َّ‬                                 ‫ُ‬
‫ً‬
‫التجمعات الفل�سطينية ال�شعبية، واملواقع التي يتوقّعون لها �أن ت�شهد �أحداثا‬
        ‫َ‬                                      ‫ّ َّ ّ‬                 ‫ّ‬
            ‫ِ‬                          ‫ِّ‬
          ‫ثور ّية، ثم يبادرون �إىل القب�ض على كل من يحاول تنظيم عمل مقاوم.‬
                                                  ‫ِ‬



                                          ‫�آليّات العدو يف ك�شف الـمـتخفِّني:‬
                                                   ‫ْ ِ ُ‬        ‫ّ‬
‫يبذل العدو جهوداً كبرية ل�رضب رجل الع�صابات املتخفّي، لعلمهم بخطورته‬
                                       ‫ِ‬     ‫ً‬
                   ‫ُّ‬
‫وقدرته على حتقيق ما يعجز عنه غريه، وي�ستخدم املحتل يف ذلك ما ميلكه من‬
                                      ‫و�سائل علمية وعملية وعقلية، ومن ذلك:‬
                                                 ‫ّ‬      ‫ّ‬      ‫ّ‬
‫- الر�صد، وذلك بتجنيد العمالء واخلونة يف �صفوف ال�شعب لهذه املهمة:‬
                                                             ‫ّ‬
  ‫ِ‬                                         ‫ُ ً‬           ‫ُّ‬    ‫َ‬
‫فلقد بذل العدو جهوداً م�ضنية يف �سبيل �إ�سقاط �أبناء هذا ال�شعب وجماهديه‬
‫وجتنيدهم يف �صفوف (ال�شِّني بيت) ال�صهيوين، وت�سخريهم يف �رضب املقاومة‬
                                                                   ‫ِ‬
‫002‬

‫الفل�سطينية. بل �إنّ دور العمالء يف احلرب املوجهة �إىل �صدور هذا ال�شعب ال‬
                         ‫َّ ِ‬                     ‫َ َ‬
                         ‫ُ ِ‬       ‫ّ َ‬         ‫ِ‬               ‫َ‬    ‫ُّ‬
‫يقل عن دورِ االحتالل نف�سه، وقد �رصح �أحد قادة �أجهزة الأمن ال�صهيونية؛‬
                  ‫ِ‬
‫�أنه مهما بلغَ ال ّتقدم ال ّتكنولوجي لهذه الأجهزة، ف�إنها لن تتجاوز (02%) من‬
                                        ‫ُّ‬           ‫ُّ‬
                                          ‫عملها، ويبقى الدور الأكرب للعمالء.‬
                                                            ‫َّ‬

       ‫ِ‬                             ‫ْ ِ‬       ‫ُ‬      ‫َ ّ ُ‬
‫لقد عمل الطابور اخلام�س على ر�صد حركات ن�شطا ِء املقاومة ورفْعها �إىل‬
                               ‫ِ‬
‫�أ�سيادهم، والبحث الدائم عن املتخفني واملطاردين، وحماولة ك�شف �أماكنهم‬
         ‫ِ ْ ِ‬                    ‫ّ َ‬            ‫ِ ّ‬
‫ومواقعهم، ومعرفة �أن�شط ِتهم وفعاليا ِتهم، وتوجيه اجلي�ش ال�صهيوين ل�رضبهم.‬
                                        ‫ّ‬                  ‫ِ‬
‫ون�ستطيع اجلزم �أنه ما من عملية ا�ستخبار ّية �أمنية نفّذها جي�ش االحتالل بحق‬
‫ِّ‬                       ‫ٍ ٍّ‬                ‫ٍّ‬               ‫َْ‬
              ‫املطلوبني املتخفّني الفل�سطينيني، �إال وللعمالء فيها يد وم�ساهمة.‬
                        ‫ٌ‬                        ‫ّ‬
      ‫ٌ‬
‫- اخرتاق املتخفّني، وزرع املت�ساقطني يف �صفوفهم: وهي ا�ستكمال للبند‬

‫ٍّ‬       ‫ِ ٍّ‬                             ‫َ‬       ‫ُ‬
‫ال�سابق، فكثرياً ما ن�رش االحتالل عمالءه هنا وهناك يف حماولة لإيجاد خط تنظيمي‬
                    ‫ٍ‬                                   ‫َ‬                  ‫ّ‬
‫يو�صلهم �إىل املطاردين حتت �أي مربر، ومن ثم ال ّتظاهر ب�أنهم من املقاومني �أو‬
    ‫ِ َ‬                                     ‫ِّ ِّ‬
‫املطلوبِني، واالنخراط يف �صفوف املقاومة، وك�شف الهياكل العامة، و�أماكن‬
‫تواجدها و�آليات عملها، ورفعها �إىل �أجهزة الأمن االحتاللية لتوجيه ال�رضبة يف‬
                   ‫ً‬      ‫ً‬
    ‫الوقت املنا�سب، وقد ك�شفت ال ّتحقيقات ا�ستخداما وا�سعا لهذا الأ�سلوب.‬

‫- اال�ستفادة من اعرتافات املعتقلني: فاالعرتافات تك�شف �أ�ساليب تخفِّي‬
‫املطاردين والعاملني، واملخابئ التي ي�ستخدمونها، و�آليات التخفّي التي يتعاملون‬
                                                                          ‫بها.‬

‫و�إنّ ا�ستخدام االحتالل لهذه االعرتافات يف الو�صول �إىل املطاردين‬
‫واملتخفِّني، ثم عمل الدرا�سات والبحوث، كان له الأ َثر الكبري يف تراكم خربات‬
‫ِ‬                                                   ‫َ ُ ّ‬
‫102‬

‫ً‬
‫العدو ومعرفته ل�سلوك املطارد، وحتديد �أ�ساليب التخفّي التي يعتمدها، خ�صو�صا‬
                                                                      ‫ِّ‬
               ‫ُ ُّ‬
    ‫�أن الغالبية العظمى من هذه الأ�ساليب متكررة وي�ستخدمها جـل املطاردين.‬
                                ‫ِّ‬                       ‫ّ ُ‬
                                                         ‫ُّ‬
‫- التَّـنكر ب�أزياء املطاردين وعلى هيئتهم: وقد �سبق احلديث عن وحدات‬
                ‫َ‬
‫(امل�ستعربني) ال�صهيونية التي ن�شطت يف االنتفا�ضة الأوىل، وا�ستطاعت �رضب‬
 ‫ْ َ‬
                                                   ‫َّ‬
‫املقاومة مراراً، ولعل القارئ يف كتاب (مهنتي كرجل خمابرات) لكاتبه رئي�س‬
‫ُ‬
‫جهاز ال�شّ اباك الإ�رسائيلي ال�سابق (يعقوب بري)، يدرك كم كان االحتالل‬
                                             ‫ّ‬
                                                              ‫َ ً‬
‫يطلق ِفرقا من جنوده يف اجلبال واملناطق التي يتوقّع �أن يكون فيها مقاومون‬
                  ‫ّ‬
‫مطاردون، بحيث تنت�رش هذه الفرق بلبا�س رجال املنظمات، وحتمل �أ�سلحة‬
‫ً‬
                    ‫َ‬
‫�شبيهة ب�أ�سلحتهم (كال�شنكوف)، ويحاولون ا ّللقاء واالتّ�صال باخلاليا ال ّنا�شطة‬
                               ‫َ‬                                         ‫ً‬
‫والعاملة بتلك املنطقة، ومن ثم اعتقالها �أو اغتيالها �أو و�ضعها حتت عد�سات‬
                ‫الرقابة لتحقيق �أهداف �أخرى، وقد جنحوا يف حماوالت عديدة.‬
                                                   ‫ٍ‬      ‫ِ‬          ‫ّ‬
‫- اال�ستدراج: ويكون بافتعال �أحداث جللب املتخفني و�إخراجهم من‬
          ‫ِ‬        ‫ِّ َ‬     ‫ِ‬     ‫ٍ‬       ‫ِ‬
‫مكانهم وظهورهم على حقيق ِتهم، فقد اعتمدت �أجهزة الأمن ال�صهيونية مبد�أَ‬

                               ‫ٍ‬     ‫ِْ‬                           ‫ُّ ْ‬
‫(الطعم) يف العديد من احلاالت، كرمي �سالح يف �أحد املواقع ومراقب ِته بعد‬
‫ٍ‬                          ‫َ‬
‫�إي�صال معلومة ملن ُيعتقد �أنّ له عالقة باملطارد كي ُيو�صلها �إليه، �أو افتعال م�شكلة‬
       ‫ِ‬                                      ‫ً‬                        ‫ٍ‬      ‫ِ‬
                               ‫ُّ‬
   ‫معينة �أو حدث يدعو �صاحب ال�شّ �أنِ �إىل الظهور، ومن ثم االنق�ضا�ض عليه.‬
                                                   ‫َ‬          ‫َ ٍ‬     ‫ّ ٍ‬

‫- ا�ستخدام التّكنولوجيا وا�ستثمار التقدم العلمي والتّقني امل�ضطرد: كالت�ص ّنت‬
                                      ‫ّ‬
‫على �أجهزة االتّ�صال ال�سلكية والال�سلكية، والتعرف من خاللها على ب�صمة‬
                     ‫ّ‬        ‫ّ‬           ‫ّ‬
‫ال�صوت وموقع �صاحبه، ومعرفة �شبكة العالقات املحيطة باملطارد، والتعرف‬
 ‫ّ‬
‫على خمبئه وحتركاته ونواياه، �أو بزرع �أجهزة ت�ص ّنت وجت�س�س يف بع�ض املواقع‬
                 ‫ُّ ٍ‬   ‫ٍ‬              ‫ِ‬                     ‫ّ‬
‫ِ‬                    ‫ً‬                              ‫َ ِ ّ‬
‫والبيوت و ِقطع ال�سالح التي تعود للمطارد. �إ�ضافة �إىل ا�ستخدام طائرات‬
‫202‬

‫ال ّتج�س�س والأقمار ال�صِّناعية وغريها من الأجهزة املتطوِّرة التي تك�شف خفايا‬
                                               ‫ّ‬                    ‫ُّ ِ‬
                                               ‫الأمور، وتو�صل العدو �إىل هدفه.‬
                                                          ‫َّ‬
                                              ‫ُ‬
‫- الـمـ�صادفـة: فكثرياً ما ت�صل �أجهزة الأمن ال�صهيونية �إىل املطارد عن طريق‬
                                                                 ‫ُ َ‬
‫امل�صادفة وبدون �سابق تخطيط؛ بعملية اقتحام ع�شوائية، �أو بوقوعه بيدهم خط�أً،‬
              ‫ِ‬           ‫ّ‬       ‫ٍ‬      ‫ِّ‬
‫�أو �أنْ ُيعر�ض املتخفِّي نف�سه لرهانٍ غري حم�سوب، ك�أن مير عن حاجز ع�سكري‬
‫ٍّ‬        ‫ٍ‬        ‫َّ‬                ‫ِ‬            ‫َ‬                   ‫ِّ َ‬
‫على �أمل �أنْ ال ُيف ّت�شوه �أو ي�س�ألوه عن هو ّيته، فيدخل يف االحتماالت التي تقبل‬
                                                                           ‫ِ‬
                                                                           ‫اخلط�أ.‬



                                    ‫***‬



                                          ‫�ساد�ساً: و�سائل االتّ�صال الآمنة‬
                                            ‫ِ‬
‫يف حرب الع�صابات، يبحث العدو عن ال ّثغرات التي تحَدث مع الثائر �أثناء‬
                                                  ‫ً‬
‫عمله ومقاومته، حماوال اقتنا�صها و�رضب املقاومة عربها. ويف املقابل، يبحث‬
                                           ‫َ‬
‫الثائر عن هذه ال ّثغرات لي�سدها ويتج ّنب الوقوع فيها واالنزالق يف خماطرها،‬
                                             ‫َّ‬
‫ويبحث عن العالج الأن�سب، وطرق الوقاية الأف�ضل، حتى ت�صبح مقاومته �أكرث‬
                                                                              ‫ً‬
                                                                             ‫�أمنا.‬

‫ومن �أبرز الزوايا التي تزخر بال ّثغرات: (و�سائل االت�صال)، �سواء بني‬
    ‫ً‬                                                  ‫ّ‬
‫املجاهدين �أنف�سهم، �أو مع الآخر؛ يف خطوط التوا�صل بني القائد واجلندي،‬
‫و بني املجموعة والأخرى، وبني �أفراد املجموعة ذا ِتها، وبني قطاعات املقاومة‬
‫302‬

       ‫ً‬
‫املختلفة، وبني املقاومة والإعالم، وب�شكل عام، بني املقاومة والآخر �أيّـا كان...‬
                                       ‫ٍ‬
                             ‫ً‬                           ‫ً‬
‫�إذ ي�ضطر الثائر دوما �إىل التوا�صل مع غريه �سعيا �إىل تن�سيق املوقف، واحل�صول‬
‫على ال�سالح والعتاد، وتبادل املعلومات الالزمة، وتنفيذ الهجمات اجلهاد ّية..‬
                                        ‫ِّ‬
‫ولذا، فقد حاول خرباء ومفكرو حرب الع�صابات والعاملون يف هذا املجال‬
  ‫ِ‬                                               ‫ِّ‬
‫ابتكار الو�سائل التي تقلل خماطر االت�صال، وتعالج ثغراته، فكان اخرتاع احلرب‬
                                                                    ‫َ‬
‫ال�سرِّّي وتطويره، وكان العمل بال�شِّيفرة والترّميز وال ّنقاط امليتة، واالجتهاد يف‬
‫ابتكار الأ�ساليب الفاعلة يف قطع اخليوط وحمو الآثار، وعدم ترك �أو �إحداث ما‬
                                                               ‫يقود �إىل الوقوع.‬



                                                               ‫�أوالً: التَّ�شفري:‬

‫هو �أ�سلوب وعلم ال ّتخاطب بني طرفَني �أو �أكرث بطريقة يفهمونها، بحيث‬
‫حتمل الر�سالة جمموعة من الرموز؛ ت�شري يف معناها احلقيقي �إىل معنى خمتلف‬
‫ٍ‬     ‫ً‬                                     ‫ّ‬      ‫ً‬
                                                               ‫ّ‬
‫عن معناها الظاهري، وهي تلك ا ّللغة اخلا�صة البديلة امل�ستخدمة بال ّتوافق بني‬
                   ‫َ‬
      ‫الأطراف، بحيث ال ي�ستطيع �أحد غريهم فهمها �أو الوقوف على معانيها.‬
                                ‫َ‬     ‫ٌ ُ‬
‫يرجع العمل ب�أنظمة ال ّت�شفري �إىل عدة �آالف من ال�سنني، �أي مع بدء الأعمال‬
                        ‫ِّ‬     ‫ٍ‬      ‫ّ‬
‫احلربية بني القبائل والتجمعات والقوميات، فقد مت اكت�شاف خمطوطات‬
                     ‫َّ‬          ‫ّ‬               ‫ّ‬                      ‫ّ‬
‫فرعونية ت�شري �إىل ذلك، ثم مار�س ال�صِّينيون هذا العلم وتقدموا به، و�أ�صبحوا‬
                 ‫ّ‬                 ‫ّ‬         ‫َ‬                        ‫ّ‬
‫ي�ستخدمون (الكب�سوالت) ال�شّ معية التي يتم �إخفا�ؤها؛ �إما بالبلع، �أو ب�إدخالها‬
                 ‫ّ َ‬                  ‫ُّ‬        ‫ّ‬
                                                        ‫يف الأح�شاء (من الدبر).‬
                                                            ‫ُّ‬

‫وبعد ذلك، كان ا�ستخدام �أ�سلوب احلفر على اخل�شب، ثم �سكب ال�شّ مع‬
‫402‬


      ‫َ َّ َ‬                       ‫ّ‬
‫الـمذاب فيه وطالئه لل ّتمويِه، ف�إذا جاء الطرف الآخر، �أذاب ال�شمع وقر�أ‬ ‫ُ‬
                             ‫ّ‬
‫املكتوب، ثم كانت الهند التي �ألزمت �سفراءها بتعلم الكتابة بلغة �رسية، و�أجادت‬
            ‫ٍ ّ‬
                                                  ‫ّ َ‬
                             ‫يف ذلك حتى و�ضعت �أول كتاب يف هذا العلم...‬

                                         ‫َ‬
‫ثم تو�سعت رقعة ا�ستخدامه، لي�صل �إىل اليونان التي �أ�ضافت �إليه �إ�ضافات‬
                                                                  ‫ّ‬
‫هامة، ثم ح�ضارة ما بني ال َّنهرين، من بابليني و�آ�شوريِّني ثم فُـر�س ورومان، �إىل‬
               ‫ْ‬       ‫َ‬            ‫ِّ َ‬          ‫َ‬
                           ‫ً‬     ‫ً‬       ‫ً‬
‫�أن جاء امل�سلمون الذين جعلوه علما م�ستقال قائما بذاته كباقي العلوم. فدونوه‬
   ‫ّ‬
                                                                  ‫ّ ً‬
‫خطيا يف العام 142هـ، حني كتب العامل اجلليل (�أبو بكر وح�شية) كتابه:‬
                                       ‫َ‬
‫(�شوق امل�ستهام يف معرفة رموز الأقالم)، ثم كانت مو�سوعة (�صبح الأع�شى)‬
                                                    ‫َ َّ‬
‫للقلق�شندي، الذي �أفرد جملداً بعنوان (�إخفاء املعلومات ال�رسِّية يف الر�سائل)،‬
       ‫ّ‬
 ‫ِّ‬
‫وق�سمه �إىل ق�سمني؛ الأول يبحث يف الرموز واال�صطالحات، والثاين يف فك‬
                                      ‫ّ‬                         ‫َ‬         ‫ّ‬
                                                            ‫الرموز واحلرب ال�رسِّي.‬
                                                                        ‫ِ‬       ‫ّ‬
‫وبعد اخرتاع االتّ�صاالت احلديثة ال�سلكية وا ّلال�سلكية العابرة للقارات، �أخذ‬
            ‫ّ‬                        ‫ِّ ّ‬
                             ‫ّ‬                        ‫َ‬
‫ال ّت�شفري منحى �آخر، ودخل مرحلة جديدة، و�شكل فيها �أحد �أعمدة احلروب‬
                                              ‫ً‬                    ‫ً‬
                                                        ‫ً‬
‫الع�رص ّية احلديثة، وعامال من عوامل الن�رص، وقد �شهدت احلرب العاملية الثانية‬
         ‫ّ‬
                             ‫ِْ‬
                ‫�أبرز تلك احلروب اال�ستخباريّة التي كان عمادها علم ال ّت�شفري.‬
                                     ‫ِ‬

                            ‫ً‬                 ‫َ‬
‫ومع انت�شار الإنرتنت، و�صل ال ّت�شفري مو�صال مل يكن يت�صوره عقل، ف�أ�صبح‬
               ‫ّ‬
‫غاية يف ال ّتعقيد، وا�ستخدم ْته جميع القوى الثور ّية والتحرر ّية املقاومة، ومن‬
       ‫ِ‬           ‫ُّ‬                                                     ‫ً‬
‫�أبرزها تنظيم القاعدة، الذي اعتمد على الإنرتنت يف ربط �شبكة عالقا ِته وتبادل‬
‫ِ‬                ‫ِ‬     ‫ِ‬
                      ‫ّ‬    ‫ِ‬             ‫ّ‬
                ‫�أفكارِ ه ومعلوما ِته، وعـر�ض �أهدا ِفه وخمططا ِته و�إعداد عمليا ِته.‬
                                                         ‫َ ْ ِ‬

‫ومل تكن املقاومة الفل�سطينية بِدعا وال ن�شازاً، بل ا�ستخدمت ال ّت�شفري البدائي‬
‫َّ‬      ‫َ‬                                   ‫ً‬
‫502‬

‫مع انطالق �أعمالها الفدائية، ثم تطورت عرب ا�ستخدام الإذاعات (الراديو)‬
                                      ‫ّ‬        ‫ّ‬
‫اخلا�صة بالثوار، �إىل �أن دخلت عامل الإنرتنت وا�ستخدم ْته يف �أعمالها.. وقد‬
                                                               ‫ّ‬      ‫ّ‬
‫ك�شفت ال ّتحقيقات ال�صهيونية مع املقاومني عن كثري من ذلك، �إال �أنّ ال ّتجربة‬
                                       ‫ِ‬
 ‫ً‬       ‫ً‬
‫الفل�سطينية ال زالت خجولة ن�سبة �إىل غريها، فلم تُعط هذا العلم اهتماما م�ستقال،‬
                           ‫ِ‬                    ‫ً ً‬
                                           ‫َّ ِ‬    ‫ً‬      ‫ّ ً‬
‫ومل تنجز فيه تقدما ملحوظا. ولعل �ضيق البقعة اجلغرافية كان �أحد الأ�سباب التي‬
                        ‫ّ‬           ‫ُ‬
‫�ساهمت يف ذلك، �إذ �أنّ االت�صال املبا�رش بني �أطراف العمل كان ال�سمة الأبرز،‬
        ‫ِّ َ‬
              ‫وا�ستخدام الأ�ساليب البدائية كان ذا جدوى و�أمان �أكرث من غريه.‬
                                                 ‫ّ‬
‫ولتحقيق قدرٍ �أعلى من الأمن يف ا�ستخدام ال�شِّيفرة؛ نرى �رضورة الوقوف‬
                                                           ‫ِ ْ‬
                                       ‫ُّ ّ ً‬
‫على جمموعة مالحظات ال تقل �أهمية عن ال�شِّيفرة ذاتها، وتعطيها مزيداً من‬
                                                     ‫ٍ‬       ‫ِ‬
                                                           ‫القوة والأمان، وهي:‬

‫عدم ا�ستخدام �شيفرة جاهزة، كال�شِّيفرات امل�ستخدمة يف �أجهزة الكمبيوتر،‬
                                                       ‫ّ َ‬
‫�إذ �أنّ االحتالل �إذا متكن من احل�صول على ر�سالة م�شفّرة، ف�إنه يبد�أ بعر�ضها على‬
                                 ‫ٍ‬
‫الربامج اجلاهزة، وعلى ال�شِّيفرات املعدة م�سبقا، ف�إن مل يجد �ضالّته انطلق يف‬
   ‫َ‬             ‫ْ‬            ‫َّ ُ ً‬
                                                   ‫البحث باالتجّاهات الأخرى.‬

‫عدم ا�ستخدام م�صطلحات معروفة وعبارات وا�ضحة وكلمات متوقَّعة‬
                ‫ّ‬                                      ‫ً‬
‫الداللة، خ�صو�صا يف ال�شيفرة بالكلمات، ك�أن ت�ستخدم (رمانة) مبعنى قنبلة‬
                                                                    ‫ّ‬
‫َ َ‬                                                           ‫ّ‬
‫يدو ّية، �أو (بطيخة) مبعنى (عبوة)، �أو (عرو�س) مبعنى ا�ست�شهادي، فقد كـ ُثـر‬
        ‫ا�ستخدام مثل هذه امل�صطلحات، حتى �أ�صبح من ال�سهولة الو�صول �إليها.‬
                             ‫ُّ‬     ‫َ‬
‫- �أن تظهر الر�سالة (امل�شفَّرة بالكلمات) كن�ص طبيعي وا�ضح الدالالت،‬
      ‫ِ ّ‬       ‫ٍّ‬     ‫ٍّ‬
                   ‫اّ‬                                              ‫ً‬
‫ولي�س جتميعا، مبعنى: �أنّ �أحدهم �إذا قر أ� الر�سالة، يجب �أل يدرك �أنها ر�سالة‬
‫ٌ‬                                                ‫َ‬
‫602‬


       ‫ّ‬                       ‫َ‬           ‫ً‬
‫م�شفَّرة، بل يجدها ر�سالة عاطفية مثال، �أو ر�سالة عمل، �أو ر�سالة اجتماعية، و�أن‬
                ‫ً‬                                      ‫ً‬
                    ‫ً‬                   ‫َّ ً‬
‫يجدها مرتابطة متنا�سقة، لي�ست مفككة �أو ال تُعطي مدلوال، لأنه عندئذٍ �سيعلم‬
                                                                 ‫ً‬          ‫َ‬
‫�أنّ وراء الر�سالة ما رواءها، ويبد�أ بالبحث عن مفتاحها، فت�سهل عليه ك�شف‬
                                              ‫َ‬
               ‫الر�سالة، فالواجب �أن يكون الت�شفري بطريقة ال تثري ارتياب �أحد.‬
                                    ‫ٍ‬

‫- �أن تكون الر�سالة منا�سبة لل�شخ�ص الـمـر�سلـة �إليه، ف�إذا كانت موجهة‬
‫ّ ً‬                         ‫ُ َ‬             ‫ِ ً‬
                            ‫ّ‬        ‫ُ‬    ‫ّ َ‬                ‫ً‬
‫�إىل طالب مثال، فالأ�صل �أن يتحدث ظاهرها عن الدرا�سة وال ّتعليم وال ّت�سجيل‬
                                                                  ‫ٍ‬
                                  ‫ُ َ ً‬
‫واالمتحانات، و�إذا كانت مر�سلـة �إىل مهند�س، فاحلديث عن امل�شاريع‬
                    ‫ّ‬                                   ‫ّ‬           ‫َّ‬
                ‫واملخططات الهند�سية واخلرائط، وهكذا... حتى ال تثري الريبة.‬

‫- ال�سعي �إىل البحث وال ّتطوير واالبتكار يف �أ�ساليب �إر�سال الر�سالة امل�شفَّرة،‬
                 ‫ّ‬                                                          ‫ّ‬
‫وعدم االكتفاء مبا �سبق من و�سائل وما مت اكت�شافه من �أ�ساليب، وكلما ا�ستطاع‬
                                    ‫َّ‬               ‫َ‬
‫املقاوم �إيجاد و�سائل غري م�سبوقة، يكون قد و�ضع عراقيل جديدة يف طريق من‬
                                                         ‫َ‬      ‫ِ ُ‬
                                                           ‫يحاول ك�شف ال�شِّيفرة.‬

‫- عدم ا�ستخدام لغة ال ّت�شفري ذاتها ب�شكل دائم، بحيث ال يبقى اال�ستخدام‬
                              ‫ٍ‬
                                           ‫ّ‬
‫ملدة طويلة، ف�إذا ا�ستطاع االحتالل فك رموز ال�شِّيفرة، ف�إنه ال يهن� بذلك، لأنها‬
            ‫أ‬
              ‫ال تلبث �أن تتغيرّ، حتى لو مل يعلم املجاهدون �أن عدوهم ك�شفَها.‬
                         ‫َّ‬
‫ثم �إن وقوع �أكرث من ر�سالة م�شفَّرة بني يدي العدو حتمل ال�شِّيفرة ذاتها،‬
                                                ‫ِّ‬    ‫ِّ‬
‫يق�ص امل�سافة عليه يف حلها وفك رموزِ ها، بينما �إذا وقعت هذه الر�سائل بني يديه‬
                                                                 ‫َ‬         ‫رِّ‬
             ‫ّ‬
‫وهي مكتوبة ب�أكرث من �شيفرة، ف�إن ذلك ي�ضعه يف متاهة، وي�ضلله يف م�ساره،‬
                                           ‫َّ ّ‬       ‫َّ‬
‫ناهيك عن �أنّ املدة الزمنية كلما طالت؛ زادت من احتمالية وقوع املجاهدين يف‬
                   ‫ّ‬
                                                 ‫خط�أ ي�ؤدي �إىل ك�شف �شيفرتهم.‬
                                                                      ‫ّ‬
‫702‬

                           ‫َ‬          ‫ّ‬
‫- عدم و�ضع املعلومات يف �سلة واحدة، حذراً من وقوعها بيد االحتالل،‬
‫فتكون الكارثة. بل ُيف�ضل جتزئتها �إىل �أجزاء، بحيث ال ي�ؤدي وقوع �أحد‬
           ‫ّ‬                                   ‫َّ‬
‫هذه الأجزاء بيد العدو �إىل خ�سارة، وبالتايل ال يفهم العدو مغزى الر�سالة وال‬
                  ‫ّ‬
                                                                             ‫معناها.‬

          ‫ً‬               ‫ٌ‬
‫وحتت هذا املو�ضوع حديث طويل، وتف�صيل كثري، ومنه مثال �أن تق�سم‬
  ‫َّ‬                                    ‫ٌ‬
         ‫ً‬     ‫ً‬              ‫ُّ‬   ‫َ‬                      ‫ّ‬             ‫ِّ ّ‬
‫الر�سالة بكلـيـ ِتها �إىل عدة �أق�سام، �أو �أن ُير�سل ن�ص الر�سالة دفعة واحدة خالية من‬
   ‫ً‬
       ‫ٍ‬         ‫ً‬
‫�أي رقم �أو ا�سم، وتُر�سل الأرقام والأ�سماء وال ّتواريخ م�شفَّرة يف ر�سالة �أخرى.‬
                                                                              ‫ِّ‬
‫وكذا �أن ُير�سل مفتاح ال�شِّيفرة جمزءاً، فالأحرف والكلمات يف ر�سالة، ورموزها‬
                                        ‫ّ‬
‫ومعانيها يف ر�سالة �أخرى. وميكن �أن يكون التق�سيم �أكرث من ذلك و�أعقد،‬
                                                   ‫وكلما ازداد تعقيده ازداد �أمانه.‬

            ‫ّ‬                     ‫ّ‬                        ‫ْ‬
‫- عدم �إطالع جميع العاملني على الرموز وال ّتفا�صيل و�آليات التوا�صل،‬
‫وت�ضييق دائرة العارفني بها �إىل �أ�ضيق نطاق، والإبقاء على �أعلى درجات ال�رسِّية‬
‫يف التعامل بها، فال يعلم بها �إال �صاحب احلاجة املبا�رشة؛ كم�س�ؤويل اخلاليا‬
‫امل ّت�صلة ولي�س �أفرادها، �أو �ضباط االت�صال... ويف ذلك فوائد جمة، منها جت ُّنب‬
  ‫ُ‬            ‫ّ‬                                  ‫ّ‬
‫ّ‬
‫اخلط�أ، �أو االعرتاف يف ال ّتحقيق، �أو الثرَّثرة، �أو حتى االخرتاق، ويف حالة ال�شك‬
 ‫يف انك�شاف �أمرها، ال بد من اجلد يف امل�سارعة �إىل ا�ستبدا ِلها ب�شيفرة جديدة.‬
        ‫ٍ‬                                      ‫ِّ‬      ‫َّ‬       ‫ِ‬

‫- عدم ك�شف ال�شِّيفرة ومفاتيحها بعد االنتهاء منها، والإبقاء عليها �ضمن‬
                                  ‫ً‬              ‫َ‬      ‫ّ‬
‫املعلومات ال�رسِّية، فكلما ك�شف العدو �أ�سلوبا جديداً يف ال ّت�شفري، ف�إنه يحاول‬
‫من خالله فهم ذهنية املقاومني وطرق تفكريهم، وي�سعى �إىل تقدير الآلية التي‬
      ‫ّ‬                                        ‫ِ‬       ‫ّ‬
                                                          ‫يعملون بها �أو �سيعملون.‬
‫802‬

‫- عدم �إ�رشاك �أكرث من خلية يف ذات ال�شِّيفرة، مما يعني �أنه �إذا انك�شفت‬
                                               ‫ّ‬
         ‫ّ‬                   ‫ِّ‬
‫ال�شيفرة ف�إنها ت�ؤدي �إىل �رضب �أكرث من خط ات�صال، وك�شف كم �أكرب من‬
                                                     ‫ّ‬
                                   ‫ِّ ّ ٍ‬
‫املعلومات. فيجب �أن يكون لكل خلية �شيفرتها اخلا�صة، و�إن كانت بطريقة‬
                                                             ‫خا�صة فهو �أف�ضل.‬



                                                         ‫ثانياً؛ احلِرب ال�سرِّّي:‬

‫يزيد احلرب ال�رسِّي يف املرا�سالت ال ّتنظيمية من �رسية االت�صال وحفظ‬
                  ‫ّ‬        ‫ّ‬                                 ‫ِ‬
                                     ‫ً‬
‫املعلومات، فيجعل اخلطوط �أكرث �أمنا. وعلى الرغم من املخاطر التي ت�صاحبه،‬
         ‫ّ‬         ‫ّ‬             ‫ً‬
‫ف�إنه �إذا �أح�سن املجاهد ا�ستخدامه م�صحوبا بعوامل متويهية وت�ضليلية تزيد من‬
                                                   ‫ُ‬       ‫َ‬
      ‫�رسِّ ّيته، ف�إنه �سيح�صل على خطوط اتّ�صال �آمنة ي�صعب ك�شفُها واخرتاقُها.‬
                                ‫ِ ٍ‬

‫والكتابة باحلرب ال�رسِّي، تعني ا�ستخدام حماليل كيميائية يف كتابة ن�صو�ص‬
                 ‫ّ‬                                        ‫ُ ِ‬
 ‫ً‬
‫مخَفية، فال تظهر �إال با�ستخدام حماليل كيمائية �أخرى كا�شفة، كبخار اليود مثال،‬
                                 ‫ّ‬                                       ‫ّ‬
                                  ‫ّ‬            ‫ُ‬
                            ‫�أو بعملية ت�سخني للرقعة التي كتبت عليها الر�سالة.‬
                                                         ‫ّ‬           ‫ّ‬
‫ومن هذه املحاليل �أو الأحبار ال�رسية ا ّلتي ا�س ُتخدمت يف كتابة الر�سائل؛‬
      ‫ّ‬
‫ّ‬
‫كربيتات ال ّنحا�س، وحملول البرياميدون، وبع�ض ال�سوائل الع�ضو ّية، كاخلل‬
                        ‫ّ‬
             ‫والليمون واحلليب، وغريها من ال�سوائل التي تختفي فور كتابتها.‬
                                          ‫ّ‬
                    ‫َّ ً‬
‫كذلك مما يزيد من قوة هذا الأ�سلوب؛ ا�ستخدامه مدعما ب�أ�سلوب (الت�شفري)‬
      ‫ّ‬
‫الذي �سبق ذكره، ك�أن تُكتب الر�سالة بالرموز امل�شفَّرة، وباحلرب ال�رسي، ومبوقع‬
‫ٍ‬        ‫ّ‬         ‫ِ‬                            ‫ّ‬                  ‫َ ِ‬
‫غري متوقَّع (بني �سطور ر�سالة عادية �أو على ظهر رقعة غري متوقَّعة �أو يف مكان‬
                                                                           ‫ِ‬
                                ‫ُ‬
‫�آمن)، وبهذا ف�إنه �إذا �سقط احلاجز الأول وك�شفت الرقعة، و�سقط احلاجز الثاين‬
‫902‬


                                       ‫ّ‬                              ‫ِ‬      ‫ُ‬
‫وك�شف احلرب ال�رسِّي امل�ستخدم فظهرت الر�سالة، كانت الرموز ال�رسِّية (ال�شيفرة)‬
                                 ‫ُ‬
‫املعقَّدة باملر�صاد، وم َّثلت حاجزاً ثالثا يحول دون الو�صول �إىل حقيقة الر�سالة،‬
                                      ‫ً‬            ‫ْ‬
         ‫وكذلك ميكن �أن يكونَ تق�سيم الر�سالة �إىل �أجزاء عديدة حاجزاً رابعا.‬
          ‫ً‬

‫ً‬                  ‫ّ‬
‫هذان الأ�سلوبان؛ (ال�شِّيفرة) و(احلرب ال�رسِّي)، ي�شكالن جمتمعنيِ �ضمانا‬
          ‫َ‬                             ‫ِ‬
                          ‫َ‬        ‫َ‬
‫لرفع درجة الأمان يف االتّ�صال، �إال �أنهما يبقيانِ قابلنيِ للوقوع يف �أيدي �أجهزة‬
‫الأمن املعادية، ومن ثم ك�شف الر�سالة، وتبقى نقطة احل�سم التي جتعل منهما‬
‫�أ�ساليب ناجحة و�آمنةً، هو مقدار ال ّتعقيد والغمو�ض الذي ي�صاحب لغة التوا�صل‬
     ‫َ ّ‬                                                      ‫ً‬     ‫َ‬
                                                 ‫وما ت ّت�سم به من حنكة وتدبري.‬
                                                            ‫ِ‬

‫و�إنِ ا�ستخدمنا ال ّت�شفري عرب الأثري، فيجب �أال نن�سى �أنّ املوجات ال�صوتية‬
‫ِ ّ َ‬                                         ‫َ َ‬              ‫ْ‬
                        ‫َ‬               ‫ُّ‬            ‫ٌ‬
‫ال�سابحة يف اجلو ملك للجميع، والكل ي�ستطيع الو�صول �إليها، و�إذا ا�ستخدمنا‬
  ‫ْ‬
                              ‫َ‬        ‫َ‬
‫احلرب ال�رسِّي ب�أنواعه، فعلينا �أن ندرك �أن جميع خمابرات الدول ا�ستخدم ْته منذ‬
                  ‫ِ ُّ‬                                           ‫َّ‬       ‫ِ َ‬
           ‫ِّ‬            ‫ْ ّ َ ِ ّ ْ ّ‬
‫زمن بعيد، و�إذا ا�ستخدمنا الرموز الكتابية، فلنتذكر �أنّ لدى عدونا و�أجهزته‬
                                                                       ‫ٍ‬
              ‫ِّ‬
‫الأمنية م�ؤ�س�سات خا�صة متخ�صِّ�صة ومتفرغة لدرا�سة وحتليل كل �أنواع الكالم‬
                                ‫ِّ ٌ‬    ‫ٌ‬          ‫ّ ٌ‬   ‫ّ ٌ‬        ‫ّ‬
                     ‫ْ‬                                    ‫ً‬
                ‫الذي ي�صلها �سعيا �إىل تفكيكه والو�صول �إىل فحواه.. فلنحذر!‬



                                                           ‫ثالثاً؛ النّقاط امليتة:‬

‫يهدف ا�ستخدام النقاط امليتة يف االت�صال �إىل قطع اخليوط الوا�صلة بني‬
                                                   ‫ّ‬
‫الأطراف، و�إيجاد فراغات وتقطيعات معلوماتية جتعل مهمة االحتالل يف تتبع‬
 ‫ّ‬                ‫ّ‬         ‫ّ‬
‫املعلومة والو�صول �إليها ثم الو�صول من خاللها �إىل �أطراف العمل �أمراً يف غاية‬
                                                              ‫ال�صعوبة وال ّتعقيد.‬
                                                                               ‫ّ‬
‫012‬

         ‫ً‬
‫فهو �أ�سلوب يحد من حجم املعلومات املك�شوفة واملتداولة داخليا، بحيث ال‬
                                                      ‫ُّ‬  ‫ٌ‬
      ‫ً‬
‫يطلع العاملون على بع�ضهم البع�ض ب�صورة مك�شوفة، وال يتعاملون معا ب�شكل‬
 ‫ٍ‬                                 ‫ٍ‬                                       ‫ّ‬
‫مبا�رش، الأمر ا ّلذي يجعلهم غري قادرين على تقدمي هذه املعلومات �إىل العدو عرب‬
    ‫ّ‬                                  ‫َ‬      ‫َ‬
                                              ‫التحقيق �أو بطريقة اخلط�أ �أو امل�صادفة.‬
                                                                                   ‫ّ‬

‫و�سواء �أكانت ال ّنقاط (ميتةً) عرب نقطة لقاء جامدة، �أو (ن�صف ميتة) عرب‬
‫�شخ�ص ملثم �أو غري معروف.. و�سواء �أكانت (طبيعيةً) ال حتتاج �إىل �إعداد، �أو‬
                                                                   ‫ّ‬
 ‫َ‬      ‫ّ‬                  ‫ٍ‬            ‫ٍ‬         ‫ّ‬      ‫َ ُّ‬        ‫ُ َ‬
‫(م�صطنعةً) تُـعـد من الثوار لأغرا�ض وا�ستخدامات خا�صة، ف�إنها ت�ؤدي الغر�ض‬
                                                                   ‫الذي �أ�سلفناه ذاتَه.‬

‫ولتحقيق قدرٍ �أعلى من الهدف ا ّلذي ا�س ُتخدمت لأجله ال ّنقاط امليتة، ف�إنه ال‬
                                                                   ‫ْ‬
                                            ‫بد من اتّباع جمموعة مالحظات، منها:‬
                                                           ‫ِ‬                ‫َّ‬

‫- ال بد من اتّباع قدرٍ كبري من ال�رسِّية والك ْتمان يف ال ّتعامل مع ال ّنقاط امليتة؛‬
                                                         ‫ٍ‬                   ‫َّ‬
                       ‫ّ‬
‫�سواء مبكانها، �أو �شكلها، �أو توقيت العمل بها، وكل ما من �ش�أنه �أن يك�شف‬
‫َ‬
                                                                                ‫�أمرها.‬
                                                                                   ‫َ‬
‫- االلتزام مبواعيد العمل يف ال ّنقاط امليتة (ال�شّ حن وال ّتفريغ واللقاء)، لأن‬
                                     ‫ّ َ‬                             ‫َ ّ‬
‫احل�ضور املبكر �أو املت�أخر قد يك�شف الطرف الآخر يف العمل، وبالتايل ال حتقّق‬
 ‫ّ‬                                  ‫ّ‬                       ‫ُ َ‬
‫ال ّنقطة امليتة عملها وغاي ّتها، وعدم الرتدد على املوقع بغري حاجة، فكرثة الرتدد‬
                                                             ‫عليها ُي�رسِّع يف ك�شفها.‬
                                                                        ‫ُ‬

                 ‫َّ ً‬                             ‫ّ‬
‫- االتفاق مع الطرف الآخر على نقطة بديلة تكون معدة للعمل بها يف حال‬
                           ‫ٍ‬     ‫ٍ‬
‫انك�شاف �أمر ال ّنقطة العاملة، لأن عدم االتفاق على نقطة بديلة قد ي�ؤدي �إىل‬
      ‫ّ‬       ‫ٍ‬     ‫ٍ‬                                          ‫ِ ِ‬
                                      ‫قطع االت�صال �إذا ما انك�شفت ال ّنقطة الأوىل.‬
                                              ‫ُ‬                        ‫ِ‬        ‫ِ‬
‫112‬

‫- �إذا كانت النقطة (ن�صف ميتة)، فال بد من مراعاة كون ال�شّ خ�ص املل َّثم ال‬
                                     ‫َّ‬
   ‫ّ‬                    ‫ُّ‬
‫يحمل عالمات فارقة �أو �سمات مميزة؛ كالعرج �أو الطول ال�شّ ديد، �أو ال�صوت‬
                                 ‫َ‬        ‫ّ‬
                                 ‫ّ‬                       ‫اّ‬
‫املميز، و�أل يكون من نف�س منطقة الطرف الآخر �أو يعرفه بحكم العمل �أو‬
                                                               ‫َّ‬
                                                                                      ‫العالقة.‬

   ‫ً‬
‫- االهتمام ب�ضمان �سالمة حميط النقطة امليتة، بحيث تكون �آمنة بعيدة عن‬
         ‫ً‬
                                                                     ‫�أعني العدو وعمالئه.‬

‫كلما كانت النقطة �آمنة ومموهة و�صعبة االنك�شاف وميكن لها �أن حتمي ما‬
                                       ‫ً َّ ً‬
      ‫بداخلها من ر�سائل �أو مواد ملدة زمنية �أطول، ف�إنها تكون مثالية وناجحة.‬
              ‫ًّ‬                        ‫ٍ ٍّ‬



‫�أخرياً، ميكنني �أن �أقول: �إن �أ�سلوب (ال ّنقاط امليتة)، �إذا �أ�ضفْناه �إىل الأ�سلو َبنيِ‬
‫ال�سابقَني؛ (ال ّت�شفري) و(احلرب ال�رسِّي)، ف�إننا ن�صل �إىل قدرٍ م�ضاعف من الأمن‬
         ‫ٍ‬        ‫ْ‬                                ‫ِ‬                          ‫ّ‬
                                                      ‫ً‬
                               ‫واملحافظة على املعلومة بعيدة عن �آذان و�أعني العدو.‬

‫ولتحقيق ا�ستخدام �أ�سلم لل ّنقاط امليتة، نن�صح بالرجوع �إىل درا�سا ِتنا (�أمن‬
                          ‫ّ‬                                  ‫ٍ‬        ‫ِ‬
                                                             ‫ٍ‬    ‫ٌ‬
                                              ‫املطارد)، ففيه تف�صيل �شاف �إن �شاء اهلل.‬
                                                                                 ‫َ‬



                                           ‫***‬
‫212‬


                                                               ‫�سابعاً: الإيـْـمـان‬
                                                                        ‫ِ‬
 ‫ّ‬
‫الإميان، من الأ�سلحة اال�سرتاتيجية التي ال ميكن للمقاتل ال ّثائر �أن يتخلى‬
                                         ‫ّ‬
‫عنها، ونق�صد بالإميان؛ القناعة الرا�سخة واليقني املطلق ب�صدقية وعدالة الق�ضية،‬
  ‫ّ‬              ‫ّ‬                          ‫ّ‬
‫وما يرتتّب على ذلك من بذلٍ وت�ضحية وعطاء، وما ينتج عن ذلك من اندفاع‬
‫ٍ‬                                ‫ٍ‬
                                            ‫وا�ستعدادٍ وجهوز ّية دائمة.‬
                                                   ‫ٍ‬      ‫ُ‬
‫و�سواء كانت خلفية ال ّثائر �إ�سالمية �أو ي�سار ّية �أو قومية �أو غري ذلك، ف�إنّ‬
                   ‫ًّ‬        ‫ً‬             ‫ًّ‬                  ‫ّ‬
         ‫َّ‬  ‫َّ‬       ‫َ‬       ‫ِ َ‬         ‫ّ اّ‬        ‫َ‬
‫الإميانَ بفكرته يولد القوة والتميز، �إل �أنّ الفكر املرتبط باهلل عز وجل ميتاز عن‬
‫�أي ِفكر، والدافعية ا ّلتي يولدها تفوق �أي دافعية، والنتاج ا ّلذي ُيثمره يختلف‬
                       ‫ِّ‬     ‫ّ‬     ‫َّ‬                      ‫ّ ّ‬            ‫ِّ‬
                                                                        ‫عن �أي ِنتاج.‬
                                                                               ‫ِّ‬

                                   ‫ُ‬           ‫ّ‬                ‫ً‬
‫وهنا �س ُنبحر قليال مع املنحة الإلهية التي َيـهبها اهلل لعباده املخل�صني �إنْ دخلوا‬
‫ميادين اجلهاد وال ّت�ضحية يف �سبيل ر ِّبهم ون�رصة لدينهم وق�ضيتهم، �إنها منحة �إلغاء‬
‫ُ ِ‬                   ‫ّ‬            ‫ً‬
        ‫املنطق الريا�ضي واحل�سابات املادية يف املواجهة بني �أهل الإ�سالم وعدوهم.‬
           ‫ِّ‬                     ‫ِ‬           ‫ِ ّ ِ‬              ‫ِ ِّ ِّ‬
‫َّ‬       ‫ً‬
‫ففي اللحظة التي ي�ضع فيها امل�سلم قدمه يف �أر�ض املعركة م�ستعينا باهلل عز‬
                                    ‫َ‬
                         ‫ُ‬                                               ‫ّ‬
‫وجل، ف�إن جميع احل�سابات املادية تُلغى، وت�صبح القوة ال تعني الكرثة، والغلبة‬
                                               ‫ّ‬
‫لي�ست بال�رضورة ملن ميلك العدة والعتاد، ويف التاريخ �شواهد و�أدلّة... فال يوجد‬
                                           ‫َ‬     ‫ُّ‬
‫منطق ع�سكري �أو ريا�ضي يقبل تف�سري انت�صار امل�سلمني الأوائل يف حروبهم‬
                                    ‫َ‬           ‫ٌّ‬         ‫ٌّ‬     ‫ٌ‬
‫املتوا�صلة، على الرغم من �ضعفهم الع�سكري الدائم، وتفوق عدوهم الهائل‬
         ‫ِّ‬   ‫ّ‬        ‫ّ ّ‬            ‫َ ِ‬
                                                                         ‫عدداً وعدة.‬
                                                                           ‫ّ‬
‫312‬


                                                                           ‫مناذج خالدة:‬
 ‫ّ‬                                               ‫ً‬              ‫َّ‬
‫مل يتخل امل�سلمون يوما عن بذل اجلهد والأخذ بالأ�سباب املادية، ثم التوكل‬
             ‫ّ‬
‫على اهلل بفهمه احلقيقي: �إِميانٌ و�إِعداد. ويف جميع املواجهات واملعارك التي‬
‫توفّـر فيها هذان العن�رصان، كان ال ّن�رص حليف الإ�سالم و�أهله، دون ال ّنظر �إىل ما‬
                                     ‫َ‬                                      ‫َ‬
                                                            ‫ميلكون من العتاد وال ّتعداد.‬
                                                                           ‫َ‬
‫ففي معركة الريموك، كان عدد جند الروم 042 �ألف جندي مدججني‬
‫َّ َ‬
‫ب�أحدث �سالح يف ذاك الع�رص، قائدهم �إمرباطور الروم (هرقل)، وعدد جند‬
                   ‫ُّ‬                                  ‫ٍ‬     ‫ِ‬
‫الإ�سالم 04 �ألف جماهد، قائدهم �سيف اهلل (خالد بن الوليد) ر�ضي اهلل عنه،‬
          ‫َ ِ َ‬
                               ‫َّ‬       ‫َ ُّ‬
‫حتى قال �أحد امل�سلمني: «ما �أكرث الروم و�أقل امل�سلمني!»، ف�أجابه (خالد بن‬
‫ُ ُ‬                                                                 ‫ُ‬
‫الوليد) ر�ضي اهلل عنه �إجابة امل�ؤمن باهلل، الواثق بن�رصه، العارف باملعنى احلقيقي‬
                                  ‫ِ‬          ‫ِ‬       ‫َ‬                ‫َ ِ َ‬
‫ِ ُّ‬                    ‫ُ‬                               ‫َّ ُّ‬
‫للقوة، فقال: «بل ما �أقل الروم و�أكرث امل�سلمني! �إمنا تَكرث اجلنود بال ّن�رص، وتَقل‬
                 ‫ُ‬
‫باخلذالن، ال بعدد الرجال»، ودارت معركة طاحنة انتهت �إىل هزمية منكرة‬
‫ٍ‬      ‫ٍ‬                 ‫ٌ‬    ‫ٌ‬                   ‫َ ِ ّ‬
             ‫َ‬                                       ‫ُ َ‬
‫جلي�ش الكرثة، فق ِتل منهم �أكرث من 021 �ألف جندي، بينما قُتل من امل�سلمني‬
                                                                             ‫بِ�ضعة �آالف(1).‬
                                                                                       ‫ُ‬

‫ويف معركة (�ألي�س)، دارت حرب طاحنة بني جي�ش الفُر�س وحلفائهم من‬
              ‫ْ‬              ‫ٌ‬     ‫ٌ‬
‫ن�صارى العرب، فكان قوامهم �أكرث من 051 �ألف مقاتل، وبني جي�ش امل�سلمني‬
‫وقوامه ثمانية ع�رش �ألف جماهد، وكان مقاتلو الفُر�س �شديدي الب�أ�س، حتى قال‬
                          ‫ْ‬
 ‫ِ‬                      ‫ْ‬                  ‫ٍ‬    ‫ً‬
‫(خالد) فيهم: «ما لقيت قوما كقوم لقي ُتهم من �أهل الفُر�س، وما لقيت من �أهل‬
           ‫ُ‬                                         ‫ُ‬
             ‫َ‬     ‫ٍ‬                         ‫ّ‬                   ‫ً‬
‫فار�س قوما ك�أهل (�ألي�س)». لكن املعركة انك�شفت عن هزمية نكراء لأعداء اهلل،‬
                                    ‫َ‬
                                         ‫حتى قُتل منهم فيها �سبعون �ألف كافر(2).‬

                                                                                 ‫ّ‬
                                                                            ‫1 ابن الأثري والطربي.‬
                                     ‫2 (فر�سان ال ّنهار من ال�صحابة الأخيار)، د.�سيد ح�سني العفاين.‬
                                                     ‫ّ‬                    ‫ّ‬
‫412‬

                ‫ّ‬       ‫َ ُ ْ‬
‫ويف معركة اليمامة من حروب الردة، تقابل (م�سيلمة الكذاب) ومعه �أربعون‬
                                      ‫ِّ ّ‬
‫�ألف مقاتل، وخالد ر�ضي اهلل عنه بجي�ش فيه ثالثة ع�رش �ألف م�ؤمن، وانك�شفت‬
                                                   ‫َ ِ َ‬
             ‫املعركة عن �أربعة ع�رش �ألف قتيل مرتَد، و�ألف ومائتي �شهيدٍ م�ؤمن.‬
                                         ‫ٍ ُ ّ‬

‫وهكذا توالت املواجهات واملعارك، وكان ال ّن�رص حليف امل�سلمني مادام‬
                ‫َ‬
‫الإميان �سائراً يف ركبهم، ويف اللحظة التي �ضعف فيها �إميانُهم، وعاد اتّكالهم على‬
                                  ‫َ ُ َ‬                     ‫َ‬
                     ‫ُ‬                                 ‫َ‬
‫قوتهم، عاقبهم اهلل فوكلهم �إىل معيار العدة والعدد، ففي ح َنني، ر�أى امل�سلمون‬
                                    ‫ّ‬                             ‫َ‬        ‫ّ‬
‫�أنّ جي�شهم ميلك من العدد ما يكفي لهزمية �أي عدو، واغرتّوا بقوتهم، فابتالهم‬
             ‫ّ‬                 ‫ِ ِّ‬                                ‫َ‬
                                     ‫ُ‬                     ‫ّ َ‬
‫اهلل بالهزمية �أول الأمر، حتى َثبت ر�سول اهلل [ يف موقعه، فعاد امل�سلمون حوله‬
                                           ‫َ‬
                                 ‫ّ َ َ ُ‬
‫وحتول �سري املعركة، قال تعاىل:}ﮥ ﮦﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ‬
                                            ‫ﮬ ﮭ ﮮ{ [التوبة:٥٢].‬

                                        ‫ِّ‬                           ‫َ‬
‫نعم! لقد تكفّل اهلل ب�أمر الكرثة، ب�رشط حتل ْينا بالإميان وال�صرب، ومنطق الريا�ضيات‬
  ‫ِّ ّ‬
‫واحل�سابات الـر ّبـانية و�ضحه لنا رب العزة يف كتابه العزيز فقال:} ﮆ ﮇﮈ‬
                             ‫ُّ ّ‬           ‫ّ‬          ‫ّ‬
‫ﮉ ﮊ ﮋ ﮌﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ‬
‫ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣﮤ‬
‫ﮥﮦﮧﮨ ﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓ ﯔ‬
                                       ‫ﯕﯖﯗﯘﯙ{ [الأنفال:٥٦ـ٦٦].‬

                   ‫ًّ‬                     ‫ًّ‬
‫ولقد فهم امل�سلمون ذلك جليا، فجعلوا من الإميان عدة دائمة مل�سري ِتهم،‬
             ‫ً‬
‫ولقد طلب (�أبو بكر) ر�ضي اهلل عنه من قائد جيو�شه (خالد بن الوليد) �أن‬
                                             ‫َ ِ َ‬
 ‫اّ‬
‫يتوجه بجي�شه بعد االنتهاء من قتال املرتدين �إىل العراق، وا�شرتط عليه �أل‬
                                ‫ّ‬                                   ‫ّ‬
‫ي�أخذ معه �أي �أحدٍ من املرتدين ا ّلذين تابوا، �أو ممّن �ساعدهم ونا�رصهم، على‬
                                                ‫ّ‬               ‫َّ‬
          ‫َ‬                ‫ِّ‬
‫الرغم من حاجة امل�سلمني يف ذلك الوقت لكل جندي، لأنه �أدرك �أنّ نقاء‬
‫َ‬                                                               ‫ّ‬
‫512‬

‫اجلي�ش و�سالمة �صفّه وامتيازه ب�صدق الإميان؛ خري لهم من كرثة العدد املليء‬
                         ‫ٌ‬                                 ‫َ‬
                                                                                ‫بال�شّ وائب.‬

‫وهكذا فهم (�صالح الدين الأ ّيوبي) ر�ضي اهلل عنه �سبب ال ّن�رص، فكان يقوم‬
                    ‫َ‬             ‫َ ِ َ‬             ‫ِّ‬
‫بجولة ليلية يف مع�سكره يتفقّد جنده، ف�إذا مر بخيمة فيها جند يقومون الليل‬
             ‫ٌ‬        ‫ٍ‬     ‫َّ‬         ‫َ‬                     ‫ٍ ٍّ‬
‫ويتلون القر�آن ويلهجون بالدعاء، �سعد بهم وقال: «من هنا ي�أتي ال ّن�رص!»، و�إذا‬
                                          ‫َِ َ‬
‫ر�أى خيمة فيها جنـد نيام، ت� ّلـم حلالهم وقال: «من هنا ت�أتي الهزمية!». وقبل‬
                                           ‫أ َ‬           ‫ُ ٌ‬       ‫ً‬
‫ً‬            ‫ً‬                   ‫ّ َ‬   ‫َ‬                  ‫ِ ّ‬
‫�أن تندلع معركة حطني ب�ساعات، قام ليله ومرغ وجهه بالترّاب داعيا ر َّبه باكيا‬
                             ‫َ‬                                     ‫َ‬
‫يقول: «اللهم انقطعت �أ�سبابي الأر�ضية من نُ�رصة دينك، ومل يبق �إال الإِخالد‬
‫ُ‬             ‫َ‬             ‫ِ‬          ‫ّ‬                       ‫ّ‬
                                                          ‫�إليك، واالعت�صام بحبلك».‬
                                                               ‫َ‬
‫فالعربة �إذن لي�ست بالكرثة وال بالعدة، بل بالإميان ال�صادق، يقول [:‬
                                        ‫ّ‬
‫« ُيو�شك الأُمم �أنْ تداعى عليكم كما تداعى الأكلة �إىل قَ�صع ِتها». فقال قائل: ومن‬
 ‫ِ‬                      ‫ْ‬        ‫َ ُ‬
‫ِقلة نحن يومئذٍ ؟ قال: «بل �أنتم يومئذٍ كثري، ولك ّنكم غُ ثاء كغُثا ِء ال�سيل، و َلينزعن‬
 ‫َّ‬           ‫َّ‬                                                                    ‫ٍّ‬
‫اهلل من �صدور عدوكم املهابة منكم، وليقذفن يف قلوبكم الوهن»، فقال قائل:‬
                      ‫َ‬                 ‫َّ‬               ‫َ‬          ‫ِّ‬
                          ‫ُ‬               ‫ُّ‬             ‫َ‬
               ‫وما الوهن يا ر�سول اهلل؟ قال: «حب الدنيا، وكراهية املوت»(1).‬

‫ففي الوقت الذي بد�أ فيه الوهن ميلأ قلوب امل�سلمني، بد�أت الهزائم تتواىل‬
       ‫ُ‬
‫وت�صبح من ن�صيبهم، وبد�ؤوا يفقدون الدعم الر ّباين ا ّلذي يج�رس هوة احل�سابات‬
          ‫َّ‬               ‫َّ‬        ‫ّ َ‬
 ‫َ‬         ‫ِ‬              ‫ُ ِّ‬
‫املادية، يقول الأ�ستاذ الرا�شد: «وكما تبد�أ تَراجعات كل ح�ضارة بال َّنخر ِل ُتخلي‬
                   ‫ٍ‬                                   ‫ّ‬                     ‫ّ‬
‫مكانَها �إىل ح�ضارة مناف�سة، ف�إنّ الفتنَ هي املقدمة ا ّلتي جتعل كل دعوة تُغزى‬
         ‫ٍ‬       ‫ُ َّ‬        ‫ّ ُ‬          ‫ِ َ‬                 ‫ٍ‬
   ‫ً‬                 ‫ّ‬                         ‫َِ ُ ُ ّ َ‬
‫يف عقر دارِ ها، فيكل اهلل الدعاة �إىل �أنف�سهم، فيعود منطق الريا�ضيات انتهاء؛‬
                                       ‫ِ‬                                 ‫ُ ِ‬
             ‫اّ‬                                 ‫َ‬
‫لي�س ثمة عونٌ رباين ين�رص القليل على الكثري، بل الواحد ال ي�ساوي �إل الواحد،‬
                                                            ‫ّ ٌّ‬     ‫َّ َ‬

                                               ‫1 رواه �أحمد و�أبو داوود، (�صحيح اجلامع ال�صغري).‬
‫612‬

‫وت�ضبط ال�صرّاع الإح�صاءات ومعادالت احل�ساب؛ لي�س ثمة جهد ت�ضاعفه‬
          ‫َّ ُ‬                ‫ُ‬            ‫ُ‬           ‫َ‬
                                ‫الربكة، وال خطوة ُيطوى لها الزمن»(1).‬
                                       ‫ّ‬                         ‫َ‬
                                 ‫َ‬
‫بهذه املعادلة ميكننا �أن نفهم وندرك كيف جرت معارك الإ�سالم، وما‬
                                        ‫َ‬
‫�أثمرت عنه من انت�صارات، كما يقول الأ�ستاذ (ناجي �صبحة): «هذا املنطق‬
   ‫نعلم �أنه ركن هام من �أركان ال ّتف�سري الإ�سالمي كما ذكره القر�آنُ الكرمي»(2).‬
                         ‫َ‬       ‫ِّ‬                             ‫ٌ ٌّ‬

  ‫َ‬         ‫ّ‬      ‫َ ّ‬                                ‫َ‬
‫�إذاً؛ عندما �أ�سقط امل�سلمون يف جهادهم املكا�سب املادية، وقدموا �أرواحهم‬
‫رخي�صة يف �سبيل ربهم، و�ضحوا ب�أموالهم وممتلكاتهم دون �أن ينتظروا املقابل،‬
                                                ‫ّ‬       ‫ِّ‬          ‫ً‬
‫َ‬             ‫ُّ‬      ‫َ‬                            ‫ّ‬                    ‫َ‬
‫�أ�سقط اهلل احل�سابات املادية من �أر�ض املعركة، فذ َّلـل لهم ال�صعوبات، و�أزال‬
‫ِ‬           ‫ِّ‬
‫من �أمامهم العقَبات، فكان ال ّن�رص حليفَهم، على الرغم من قلة عددهم و�ضعف‬
                                      ‫ُ‬
                                                                            ‫�إمكاناتهم.‬



                                    ‫***‬




                                                   ‫1 (�صناعة احلياة)، �أ.حممد �أحمد الرا�شد.‬
                                                          ‫ّ‬
                                          ‫2 (�صفحات من ال ّتاريخ الإ�سالمي)، �أ.ناجي �صبحة.‬
‫712‬




              ‫ُ‬
             ‫�صفات‬
      ‫رجل الع�صابات الناجح‬
                   ‫ِ‬
218
‫912‬




             ‫�صفات رجل الع�صابات الناجح‬


                              ‫ِ‬                   ‫ُّ ّ ُّ‬         ‫ُ‬
‫ُيـعـد العمل اجلهادي والثوري من الأعمال ال�شاقّة على ال ّنف�س، املرهقة للج�سد،‬
        ‫ِ‬                                                               ‫َ ُّ‬

                                                          ‫َِ َ‬
‫اخلطرة على كل �صعيد، ولذا قال عنه رب العزة يف كتابه الكرمي: }ﭑﭒ‬
                      ‫ُّ ّ‬
                                          ‫ﭓﭔ ﭕ ﭖ{ [البقرة:٦١٢].‬

‫ً‬          ‫ً‬        ‫ً‬              ‫ً‬
‫وهذه اخلطورة وامل�شقّة ت�ستدعي نف�سا م�ضحيةً، وقلبا حديد ّيا، و�إن�سانا‬
                              ‫ِّ‬
                                     ‫َّ ً‬
‫يحمل من ال�صفات ما يجعله م�ؤهال للقيام بهذا العمل، قادراً على النجاح‬
                                                         ‫ّ‬
                                        ‫َ‬      ‫ٍ‬         ‫َ ٍ‬
                                     ‫و�إجناز مهامه دون كلل �أو تقاع�س �أو خور.‬
                                                                  ‫ِّ‬

 ‫ويف هذا الباب، ن�ستعر�ض بع�ضاً من تلك ال�صفات التي يحتاجها املجاهد نف�سه:‬
    ‫ُ‬
‫- م�ؤمن بربِّه، خمل�ص يف عمله، يحمل بني جوانحه �إميانا عميقا، وروحانية‬
          ‫ً‬     ‫ً‬
‫مرهفة، والتزاما ب�رشع اهلل، وبعداً عن املعا�صي. لأنه �إنِ التزم كان بعيداً عن‬
              ‫َ‬                                               ‫ً‬           ‫ُ َ‬
                                              ‫ِّ ً‬
‫ال�سلبية يف املمار�سات، متجنبا للتباهي والتفاخر الذي ي�صيب ال ّثائر يف مقتل،‬
                                                                     ‫ّ‬
                                                     ‫ً‬                     ‫ً‬
                                   ‫متفانيا يف �إجناز عمله، باذال اجلهد يف �إتقانه.‬

‫- م�ؤمن بعدالة ق�ضيّته، و�رضورة الدفاع عن �أر�ضه وعر�ضه وم�سلوباته، يبذل‬
                     ‫ِ‬               ‫ِّ‬
                                               ‫ً‬                        ‫َّ‬
‫كل ّيته يف �سبيل ربه ودفاعا عن ق�ضيته، فيعطي وق َته لها. وهذا الإميان يجعل‬
                                       ‫ّ‬               ‫ِّ‬
‫املجاهد يقاوم بغري ح�ساب، وي�ضحي دون انتظارٍ للنتائج والأرباح، يعطي دون‬
                                        ‫ِّ‬                      ‫َ‬
‫022‬

‫طلب، وال يبايل بفداحة ال َّثمن الذي يدفعه جراء عمله هذا(1)، كما �أنّ هذا اليقني‬
‫َ‬                                  ‫ّ‬
‫يوفّر له القناعة املطلقة ب�صدقية و�أخالقية هدفه، و�سمو وكرامة مهمته؛ فال يقبل‬
            ‫ّ‬          ‫ّ‬            ‫ّ‬         ‫ّ‬              ‫َ‬
                                     ‫ّ‬                            ‫ّ‬
      ‫الت�شكيك، وال يت�أثر مبحاوالت ال ّت�أثري امل�ضاد، �أو الإ�سقاط يف �رشك اخليانة.‬
                                                                                  ‫ّ‬
                                                            ‫ّ‬
‫- يتحلى بالأخالق الكرمية الفا�ضلة، ويعامل النا�س باحرتام، ويرتك يف‬
‫نفو�سهم �أ َثراً طيبا يدفعهم �إىل التم�سك بفكرته، والدفاع عنه، والوقوف معه،‬
                                    ‫ّ‬                 ‫ّ ً‬
‫والت�سابق خلدمته دون التذمر من تبعات ذلك. فالأخالق الفا�ضلة هي مفتاح‬
                                          ‫ّ‬
‫النجاح مع النا�س، و(اجلاريال) كما �أ�سلفْنا تعتمد على ال�شعب يف وجودها،‬
                                   ‫وعليها �أن تك�سبه ل�صفِّها ليكونَ ن�صريها واحلامي لها.‬
                                                  ‫َ‬                      ‫َ‬
‫- ال�رسِّية والكِ تمان، فذلك ما يحفظ احلركة من االنهيار، والثورة من‬
   ‫َ‬                    ‫َ‬
‫االنك�سار، واملعلومة من االنت�شار والوقوع بيد العدو. وقد روي عنه [ �أنه‬
           ‫ُِ َ‬                                    ‫َ‬
‫قال: «ا�ستعينوا على ق�ضاء حوائجكم بالكتمان»(2). ف�إن من �أ�سا�سيات العمل‬
        ‫ّ‬                         ‫ِ‬      ‫ِ‬
‫ِ ً‬                                                ‫ً‬
‫الأمني والع�سكري عموما؛ �ضمان �أعلى قدر من ال�رسِّية، وال نعتقد �أنّ �سمة‬
                                                                   ‫ّ‬
‫َ‬                                           ‫ّ‬
‫يحتاجها املجاهد بعد تقوى اهلل والتوكل عليه �أكرث من هذه، وال نن�سى �أن ال ّتفريط‬
                        ‫ً‬       ‫َ ً‬              ‫ِّ‬
‫باملعلومة و�إف�شاء املخفي منها، يكلف العام ِلني ثمنا باهظا قد يكون �أرواحهم،‬
    ‫َ‬                                                      ‫ِّ‬   ‫َ‬
‫�أو على الأقل �سنوات طويلة من الأَ�سرْ، فما من عملية اغتيالٍ �أو اعتقالٍ �أو ف�شل‬
 ‫ِ‬                           ‫ِّ‬
                                  ‫مهمة جهاد ّية �إال و�سبقَتها معلومة فرطت املقاومة بها.‬
                                       ‫ُ‬          ‫ٌ ّ‬                      ‫ٍ‬        ‫ٍّ‬

‫- متابعة ما ي�ستجد على ال�صعيد الأمني، والتعرف على �أ�ساليب العدو يف‬
                       ‫ّ‬                  ‫ّ‬       ‫ّ‬
               ‫ّ‬
‫املتابعة واالعتقال واالغتيال والإ�سقاط وال ّتحقيق، واالطالع على درا�سات‬

                                          ‫ِ َ‬       ‫ُ‬
‫1 يقول الإمام الب ّنا يف جمموعة ر�سائله: «�إمنا تنجح الفكرة �إذا قَوي الإميانُ بها، وتوفّر الإخال�ص يف �سبيلها،‬
                                                           ‫ُ‬
                      ‫وازدادت احلما�سة لها، ووجد اال�ستعداد ا ّلذي يحمل على الت�ضحية والعمل لتحقيقها».‬
                                                                                   ‫ُ‬
                               ‫َ‬
‫2 روي من عدة طرق �أكرثها �ضعيف، غري �أنه �صحيح من حيث التجربة. و ُينظر يف تخريجه: (املقا�صد احل�سنة)‬
                                                                     ‫َ‬                                      ‫ُ‬
                                                                                                   ‫لل�سخاوي.‬
‫122‬


                                          ‫ّ ُ‬             ‫ِّ‬
‫متخ�صِّ�صة يف كل عنوان. فاالطالع على �أ�ساليب العدو يف االغتيال واالعتقال؛‬
‫يقي املطارد من ال�سقوط فيها، واملعرفة ب�أ�ساليب ال ّتحقيق وكيفية انتزاع‬
        ‫ّ‬                         ‫ُ‬                  ‫ّ‬
‫املعلومات من �صدور الرجال؛ ي�ساعد الأ�سري على االحتفاظ مبعلومته التي‬
               ‫ّ‬
‫ت�رضه وت�رض حرك َته و�إخوانَه. ونقول: �إنه ال يكفي جمرد االطالع على مثل هذه‬
                     ‫ّ‬                                          ‫ُّ‬     ‫ّ‬
                 ‫ّ‬
‫الدرا�سات، بل اال�ستفا�ضة يف درا�ستها والبحث فيها واالطالع على ما ي�ستجد‬
‫ّ‬
                                                                                   ‫حولها با�ستمرار.‬

                             ‫ٌّ‬             ‫َ ُ‬
‫- الإعداد البَـدين، فرجل الع�صابات مهتم ب�إعداد ج�سمه، وبنائه البناء‬
                                                  ‫َ ّ‬
           ‫ً‬             ‫ً‬      ‫ً‬
‫ال�سليم، فيتج ّنب ما ي�ؤذيه �أو يجعله �ضعيفا خامال، كالتدخني مثال، ويعمل‬
‫بتوا�صل على تقوية ج�سمه ومترينه ليكون مرنَ احلركة، قادراً على حتمل الأعباء‬
         ‫ّ‬                        ‫َِ‬                               ‫ٍ‬
 ‫ِ‬          ‫ِ‬        ‫ُّ‬    ‫ٌ‬       ‫ُّ‬     ‫ُ‬                           ‫ّ‬
‫وامل�شاق، ويف ذلك يقول [: «امل�ؤمن القوي خري و�أحب �إىل اهلل من امل�ؤمن‬
   ‫ّ‬                         ‫ُ ً‬                 ‫ّ‬            ‫ٍّ‬
‫ال�ضعيف، ويف كل خري»(1). فكلما كان اجل�سد قو ّيا، كان قادراً على �إجناز مهامه‬
                                                                          ‫ّ‬
‫وحتمل �أعباء املقاومة، وكلما كانت ُبنيته خالية من الإعاقات والأمرا�ض، ف�إنه‬
                             ‫ً‬                                         ‫ّ‬
‫يكون قادراً على حتمل �أمل التحقيق الذي قد يتعر�ض له �أثناء �أ�رسه، وبالتايل يحفظ‬
                                  ‫ّ‬                          ‫ّ‬
                                                                                   ‫�رسه و�رس حركته.‬
                                                                                          ‫َّ‬    ‫َّ‬
                                                       ‫ّ ّ َ‬
‫وكذلك ف�إنه كلما متلك املجاهد ُبنية قويّة وهمـة عليـة، ف�إنه يكون قادراً على‬
                         ‫ُ ً ً ّ ً َ َّ‬
‫اخلروج من م�آزق يقع فيها، وخماطر يتعر�ض لها، فكم من حدث كان املجاهد‬
            ‫َ ٍ‬               ‫ّ‬
‫فيه على �شفا ال�شّ هادة �أو االعتقال، �أخرج ْته منه خ�شون ُته وهمته وقوة ُبني ِته بعد‬
              ‫ّ‬     ‫ّ‬
‫ُلطف اهلل، فكم مرة كان اجلنود على ُبعد �أمتار من القائد (ن�رص الدين ع�صيدة)‬
                                                         ‫ً‬
          ‫ً‬                     ‫ّ‬     ‫َّ ّ‬        ‫َ ِ‬
‫يحا�رصونه، لكن طول نفَ�سه وقوة حتمله مكن ْته من اخلروج �ساملا(2)، وتكرر‬
 ‫ّ‬
                                                                                              ‫1 رواه م�سلم.‬
       ‫أ‬             ‫ّ ٌ‬     ‫َّ‬                                                                       ‫ّ َ‬
‫2 متكن املجاهد (ن�رص الدين) من الإفالت من بني يدي جي�ش االحتالل بعد �أن طوقته قوات كبرية، فاختب� �أ�سفل‬
                                                            ‫ً‬       ‫ً‬                           ‫َ َ‬
‫حزمة حطب، وا�ستمر على و�ضعيته يوما كامال حتى ابتعد اجلي�ش عن املنطقة، فا�ستطاع االن�سحاب بف�ضل اهلل.‬
                                                                          ‫ّ‬         ‫ّ‬
                                        ‫وجنا ثانية باختفائه داخل برميل �صغري، وثالثة باختبائه يف حاووز ماء.‬
                                                               ‫ً‬                                 ‫ً‬
‫222‬

‫ذلك مع املجاهد ال�شهيد (�إبراهيم �سالمة) و(علي عا�صي)، �إ�ضافة �إىل ع�رشات‬
            ‫ً‬
                                                                        ‫الق�ص�ص مع جماهدين �آخرين.‬

‫ِّ‬                                ‫َ ُ‬                ‫َّ‬
‫ويالحظ �أنّ قوة اجل�سم و�سالمة البنية تكون �أكمل باختيار الأخ ال�سوي‬
                                                                  ‫ً‬
‫�أوال، ثم العمل على �إعداد هذا اجل�سم وتدريبه مبا يلزم من دورات و�ألعاب‬
         ‫ّ‬
‫قوى، ثم �إخ�ضاعه �إىل امتحانات وجتارب عملية ت�ضعه على املحك احلقيقي،‬
                          ‫ّ‬
                                              ‫وت�سرب غَ وره وقدراته وجاهز ّيته ملا تدرب عليه.‬
                                                    ‫َّ َ‬

‫- يتقن ا�ستخدام �أنواع عديدة من ال�سالح، ب�إتقان الرمي بها وتفكيكها‬
                    ‫ّ‬
‫وتنظيفها، والطريقة الأمثل يف ا�ستخدامها وتخزينها، ومع معرفته العامة، ال بد‬
 ‫َّ‬     ‫ّ‬
‫له من تخ�ص�ص بنوع من ال�سالح، يواظب التدرب عليه حتى يبلغَ مرحلة اخلربة‬
   ‫َ ِ‬                      ‫ّ َ‬                      ‫ٍ‬     ‫ُّ ٍ‬
                                                                           ‫التي ال يكاد يخالطها خط�أ.‬

‫�إنّ �إتقان التعامل مع ال�سالح؛ يجعل املقاوم ي�شعر بدرجة �أعلى من االطمئنان،‬
                    ‫ٍ‬
         ‫ِّ‬                   ‫ٍ‬    ‫ِّ‬                    ‫َّ ً‬
‫ويجعله مهيئا ل�رسعة اال�ستجابة لأي طارئ جديد، واخلروج من �أي م�أزق قد‬
                                                                                                    ‫يقع فيه(1).‬

‫ُ‬       ‫َ‬       ‫ّ‬
‫- يتقن العديد من املهارات، وهو �أمر ذو �أهمية خا�صة، فكلما �أتقن املقاتل‬
                       ‫ّ ٍ ّ‬         ‫ٌ‬
                       ‫ّ‬
‫مهارات �إ�ضافيةً؛ كان �أقرب �إىل حتقيق درجة املقاتل املثايل، وبالإ�ضافة �إىل مهارة‬
                                                       ‫َ‬                    ‫ٍ‬
        ‫�إتقان التعامل مع ال�سالح، هناك مهارات �أخرى يحتاجها املجاهد، منها:‬

                           ‫ال�سياقة مبهارة و�سرُعة، وعلى عدة �أنواع من املركبات.‬
                                                ‫ّ‬                ‫ٍ‬           ‫ِّ‬
                                                   ‫ّ‬
‫الإ�سعاف الأويل، ومعاجلة اجلرحى، وكيفية �إخالئهم من �أر�ض املعركة،‬
                            ‫ّ‬
‫1	 وقع املجاهد (�سلطان العجلوين) يف الأ�سرْ لعدم معرفته كيفية ا�ستخدام ال�سالح الر�شّ ا�ش، فبعد �أن �أطلق ال ّنار من‬
   ‫َ‬                                      ‫ّ‬             ‫ّ‬                                                      ‫َ‬
              ‫ّ‬                                                   ‫َ‬    ‫ً‬
‫م�سد�سه نحو اجلندي ال�صهيوين و�أرداه قتيال، �أخذ بندقية (61‪ )M‬وحاول ا�ستخدامها، لكنه مل يتمكن من ذلك،‬
                                                             ‫ّ‬                            ‫ّ‬                  ‫ّ‬
                                                           ‫ّ‬              ‫ّ َ‬
                                                    ‫فهجم عليه اجلنود واعتقلوه دون �أن يتمكن من �إحداث ردة فعل.‬
                                                                                                           ‫َ‬
‫322‬


             ‫َِ‬            ‫ّ‬         ‫ّ‬                          ‫ُ‬
‫وا�ستخدام احلـقَن والتنفّ�س اال�صطناعي، ومعاجلة الذات �إنْ َلزم الأمر، فقد‬
‫ا�ستطاع املجاهدون مراراً ال ّنجاة واالن�سحاب من �أر�ض املعركة ملعرف ِتهم بهذا‬
                ‫ِ‬        ‫ِ‬       ‫َ‬          ‫َ‬             ‫ِ‬
                   ‫العلم، ومن ذلك ما كان يف عملية اختطاف اجلندي (يورن)(1).‬

 ‫ّ‬
‫- بع�ض املهارات البَـدنيّـة؛ مثل اقتحام املواقع، واخرتاق احلدود، وت�سلق‬
                                                 ‫َ‬
‫اجلدران، وق�ص الأ�سالك ال�شّ ائكة، وجتاوز حقول الألغام، وال�سهر املتوا�صل،‬
            ‫ّ َ‬                                               ‫ّ‬
   ‫والدقّة يف املراقبة النهار ّية والليلية، والقدرة على الر�صد والترّكيز ملدة طويلة.‬
           ‫ّ‬                ‫ّ‬                 ‫ّ‬
‫- القدرة على ا�ستخدام بع�ض امل�ساعدات؛ كالبو�صلة، ومهارات ا�ستخدام‬
‫(احلبل)، واملناظري الّليلية والنهار ّية، و�أجهزة االت�صال الدقيقة، والكمبيوتر‬
                  ‫ّ‬                              ‫ّ‬       ‫ّ‬
                                                                ‫ّ‬
 ‫والإنرتنت، وكل ما من �ش�أنه م�ساعدة املقاتل يف �إنفاذ مهامه والقيام بواجباته.‬
                    ‫ّ‬
‫- املعرفة ببع�ض املهارات اخلا�صة بالعمل ال�رسِّي وحرب الع�صابات، مثل و�سائل‬
                                             ‫ّ‬
‫االت�صاالت (الت�شفري واحلرب ال�رسِّي، واملرا�سالت اخلفية). ويالحظ �أن هذه‬
                      ‫ّ‬                             ‫ِ‬         ‫ّ‬
 ‫ًّ‬      ‫ًّ‬    ‫ً‬         ‫َ‬
‫املهارات وغريها حتتاج بالإ�ضافة �إىل التدريب ال ّنظري، تدريبا عمليا ميدانيا،‬
        ‫و�إجراء مترينات �شبه حقيقية، ت�صل باملجاهد �إىل درجة عالية من الإتقان.‬
                    ‫ٍ‬     ‫ٍ‬                         ‫ّ‬        ‫ِ‬

‫- لديه من الوعي ال�سيا�سي ما يجعله قادراً على اختيار املكان والزمان والآلـيّـة‬
                                                     ‫ِ ّ ِّ‬
‫املنا�سبة عند �إنفاذ �أي مهمة قتاليّة، فمن غري الّالئق �أن يعمل ال ّثائر بغري ح�ساب،‬
                 ‫ُ‬    ‫َ‬                                 ‫ِّ ّ ٍ‬
‫ً‬
‫فيتعار�ض عمله مع امل�صلحة العامة، �أو يتناق�ض مع ما تطرحه حركته، وخ�صو�صا‬
                        ‫ً‬
‫�أن التوا�صل بني �أطراف العمل الثوري يكون �صعبا يف خ�ضم العمل الع�سكري،‬
                ‫ِّ‬
                              ‫ّ‬
‫وخطوط االرتباط بالقيادة قد تكون متقطعة، فالعاملون كثرياً ما يكونون‬
‫َ‬
‫مطاردين، وبالتايل فاملجموعات قد تُعزل عن قيادتها ال�سيا�سية، فال جتد �ضابط‬
                ‫ّ‬
‫1	�أُ�صيب املجاهد (تي�سري �سليمان) �أثناء عملية خطف اجلندي (يرون) بر�صا�صة يف فَخذه، فا�ستخدم ما تعلمه من‬
     ‫ّ‬                         ‫ٍ‬
                                                      ‫ّ‬                        ‫ِ‬           ‫ٍّ‬
                                      ‫�إ�سعاف �أويل يف عالج نف�سه، ثم تابع مع �إخوانه عملية اخلطف بنجاح.‬
                                                                                                 ‫ٍ‬
‫422‬

              ‫ً‬        ‫ً‬
‫اتّ�صال، عندئذٍ نحتاج �إىل االجتهاد، ومن ميلك وعيا �سيا�سيا ي�ستطيع تقدير‬
                                                           ‫�صوابية العمل �أو خطئه.‬
                                                                            ‫ّ‬
                       ‫ّ‬
‫- احلالة النف�سيّة العالية، والتي يجب على املقاتل �أن يتحلى بها كلَّ حني، فالعامل‬
‫ال ّنف�سي هو �أحد �أهم و�سائل احل�سم يف (اجلاريال)، وكلما ارتفعت معنويات‬
                                                  ‫ّ‬            ‫ُّ‬
 ‫املقاتل؛ ازداد اندفاعا وعطاء و�إ�رصاراً على موا�صلة الطريق مهما ارتفع الثمن.‬
                                                 ‫ً‬     ‫ً‬       ‫َ‬

               ‫ّ ّ‬          ‫ٍّ ٍ‬            ‫ّ‬
‫نعم! �إنّ على املقاتل �أن يتحلى بنف�سية قو ّية ال تهتز بال�صدمات، وال جتنب‬
                 ‫ٌ‬      ‫ٌ‬              ‫ّ‬        ‫َ‬
‫مع املخاطر، وال ي�صيبها اخلور مع ال�صعوبات، فهي نف�س مليئة بالإميان واليقني‬
‫ٌ‬        ‫ِّ‬      ‫ٌ َ ٌ‬           ‫ٌ‬     ‫ٌّ‬              ‫ِّ‬
‫الذي يحميها من كل ذلك، وهي نف�سية ثائرة مقاتلة �شرَِ�سة على عدوها، جريئة‬
               ‫َِ‬                               ‫ٌّ‬
‫يف جهادها، م�ستعدة لل�صمود حتى القطرة الأخرية من دمها، وهي متلك من‬
                                                           ‫ِ‬
‫الرحمة جتاه �أبناء �شعبها ما يجعلها حتنو عليهم، ومتتنع عن �إيذائهم، تتم ّتع برباطة‬
                                                                               ‫ّ‬
                                        ‫ٍ‬          ‫ّ‬              ‫ّ‬
‫اجل�أ�ش التي متكنها من الت�رصف بحكمة يف �أحلك الظروف، فال ت�ضطرب �أو‬
                                      ‫ّ‬       ‫ّ‬       ‫َ‬
‫تهلع، حتب املغامرة دون تهور، فتتقدم �إىل حيث يوجد هدفها الذي ميكن �رضبه،‬
                                                               ‫ُّ‬
                                 ‫وتحُجم حني ترى �أن التقدم �رضب من االنتحار.‬
                                              ‫ٌ‬    ‫َّ‬

                 ‫ُّ َّ‬                                    ‫أّ‬
‫وهي نف�س ال تت�ثر باحلرب النف�سية التي ي�ش ّنها العدو �ضدها، وال تبايل مبا‬
                                                                   ‫ٌ‬
‫يب ّثه �إِعالمه امل�سموم و�أل�سنته الكاذبة، فهي دائمة الثقة بربها، واالطمئنانِ لقادتها‬
                       ‫ُ ِّ ِ ِّ‬
       ‫التي ت�سي �أمورها، فتلتزم الطاعة الـمب�صرِة، وهل من جندي بغري طاعة؟!‬
                   ‫ٍّ‬                 ‫َ ُ‬                   ‫َ‬      ‫رِّ‬
‫- ميتلك عقليّة خلاّقة مبتكرة، وذهنيّة متيقّظة متَّقدة، في�ضع احللول‬
                      ‫ً‬       ‫ً‬             ‫ً ُ‬      ‫ً‬
‫للمع�ضالت، ويبتعد عن التبعية وال ّتقليد، يح�سب خطواته جيداً، ويدر�س ويقيم‬
 ‫ِّ‬                                           ‫ّ‬
                                                    ‫ِّ َ‬
                               ‫ما �سبق من �أحداث ليوظف نتائجها فيما هو �آت.‬
                                              ‫َ‬
        ‫ّ‬
‫لديه قدرة على ا�ستيعاب اجلديد، وتطوير ما ميلك من �أ�ساليب، فيفكر بعقلية‬
 ‫ّ‬
‫522‬

                  ‫َ‬
‫اخل�صم، وي�ضع نف�سه مكان عدوه، ويح�سب ما ميكن �أن يفعله، وهذا يحتاج �إىل‬
                                             ‫ِّ‬
‫�سعة ُ�أفق و�إبحار يف اخليال، �إ�ضافة �إىل اطالع على ثقافة اخل�صم. هذا الأ�سلوب‬
                                   ‫ّ ٍ‬    ‫ً‬                                ‫ِ َِ‬
‫هو الذي يجعل رجل الع�صابات قادراً على التنب�ؤِ مبا �سيقدم عليه عدوه، وما هي‬
         ‫ُّ‬        ‫ُ ِ‬          ‫ُّ‬
                                                ‫َ‬
‫ال ّثغرات التي يحاول ال َّنفاذ عربها؟ وبالتايل َي�سد هذه الثغرات، ويغلق �أبواب‬
                          ‫ُ ّ‬
                                         ‫اخلط� املحتمل الذي تُبنى عليه �أ�سو�أ االحتماالت(1).‬
                                                                                        ‫أ‬

‫- املعرفة الكاملة بت�ضاري�س املنطقة التي ت�شمل حدود عمله، و�أماكن اختفائه‬
        ‫َ‬             ‫َ‬
              ‫ّ‬
‫وكره وفره، ومعرفة طبيعة �أر�ض املعركة التي يخو�ضها، وكلما كانت معرفته‬
                                                             ‫ِّ‬   ‫ِّ‬
‫�أكمل، كانت نتيجتها �أف�ضل، و�إن هذه املعرفة حتميه من الوقوع بيد عدوه،‬
  ‫ِّ‬
‫وتُعينه يف �إنفاذ عملياته ومهامه بنجاح، وتتيح له الت�رصف ب�شكل �سليم حال‬
                 ‫ّ‬                       ‫ّ‬        ‫ّ‬
                                                                                           ‫حدوث �أي طارئ.‬
                                                                                                 ‫ِّ‬

‫�إ�ضافة �إىل ذلك، فهو مطا َلب مبعرفة ن�سبية بعموم بالده ومناطقها، وما حتويه‬
                                ‫ٍ‬      ‫ٍ‬      ‫ٌ‬                     ‫ً‬
‫من �سهولٍ وجبالٍ ووديانٍ ومدنٍ وقُرى، ومع�سكرات العدو وم�ستوطنا ِته،‬
               ‫ِّ‬    ‫ِ‬
                                                            ‫َ‬
‫ومناطق اخلطر التي يتواجد فيها، و�أماكن وفرة املياه �أو انعدامها، وكل ما‬
‫من �ش�أنه �إر�شاده �إىل اختيار املوقع الأمثل لإقامته، والهدف الأمثل ملهاجمته،‬
                                  ‫والطريق الأمثل ل�سلوكه، وامللج�أ الأح�صن لاللتجاء �إليه.‬

‫- �إتقان لغة العدو، حيث روي: «من تعلم لغة قوم �أَمن مكرهم»(2)،‬
           ‫َّ َ َ ٍ ِ َ َ َ‬          ‫َ‬  ‫ُِ َ‬
‫ً‬      ‫ً‬                                           ‫ّ ِ ِ‬
‫فمعرفة املجاهد للغة العربية يخدمه يف عدة جماالت، فهو يفتح عليه بابا وا�سعا‬
                                   ‫ّ‬                                ‫ُ‬
‫لفهم طبيعة عدوه وعاداته وممار�ساته، ويك�شف له الكثري من حتركا ِته واملعلومات‬
                 ‫ّ‬                                            ‫ِّ‬

                                                   ‫ِّ‬                 ‫ِّ َ‬                                       ‫ِّ‬
‫1	 يقول املفكر (بيرت دركر): «نحن بحاجة �إىل مدبرين وجمازِ فني؛ فاملدبرونَ يتولّون ال ّتحليل املايل و�ش�ؤون العاملني التي‬
‫حتتاج �إىل درا�سة وحتليل، �أما املجازِ فني فهم �أ�صحاب اخليال اجلامح ا ّلذين ال تقيدهم احلقائق، وينظرون �إىل امل�ستقبل‬
                                        ‫ّ‬                                           ‫َ‬
                                                                                                                      ‫ً‬
                                                                                                           ‫نظرة �إبداعية».‬
                                                                                                               ‫ّ‬
                                                                                           ‫ً‬                            ‫ٌ‬
                                                                                   ‫2 قول �صحيح و�إن مل يثبت حديثا نبوياً.‬
‫622‬

‫املفيدة عنه عرب �إعالمه، ويعينه يف التخفّي �إن كان مطارداً، وال ّتمويه على نف�سه‬
‫واخلروج من امل�آزق، وي�ساعده يف تنفيذ بع�ض �أعماله، وعلى ر�أ�سها عمليات‬
  ‫ّ‬
                                         ‫اخلطف وبع�ض العمليات اال�ست�شهاد ّية.‬
                                                            ‫ّ‬
‫ٍّ‬                                        ‫ٍ ُ َ‬
‫فكم من عملية جهادية ك ِتب لها النجاح بف�ضل هذه ال�سمة، وكم من عملية‬
                                                       ‫ٍ‬
‫ف�شلت ومل حتقِّق �أهدافَها املر�سومة �أو جزءاً منها لعدم توفّرها، فقد كان املجاهد‬
                                             ‫َ‬                   ‫ْ‬
‫(حممد ب�شارات) ُيعد نف�سه لعملية كبرية، �إال �أنّ عدم معرف ِته باللغة العربية �أوقعه‬
 ‫َ‬         ‫ِ‬                   ‫َ‬                    ‫ٍّ‬       ‫ِ ُّ َ‬
‫يف م�أزق خطري، ا�ضطره �إىل الك�شف عن حقيقة نف�سه، وق ْتل اجلندي الذي‬
     ‫ِّ‬     ‫ِ‬                      ‫ِ‬            ‫ّ‬           ‫ٍ‬
‫حاول حمادث َته، فلم يحقّق كامل هدفه. وكذا ال�شهيد البطل (ف�ؤاد القوا�سمة)،‬
                                                 ‫ْ‬
        ‫ِّ ٌ ِّ‬                                              ‫ِّ ً‬
‫كان متوجها لتفجري نف�سه داخل مغت�صبة �صهيونية وهو متنكر بزي متديِّن‬
 ‫ٍ‬                        ‫ّ‬
            ‫ّ‬
‫يهودي، فا�ضطر لتفجري نف�سه على حاجز ع�سكري، لأنه مل يتمكن من الإجابة‬
                                 ‫ٍ‬                     ‫َّ‬
                                           ‫على اجلنود الذين حتدثوا معه بالعربية.‬
                                                ‫ِ‬           ‫ّ‬



  ‫ّ‬
‫�أخـــرياً، ف�إنّ رجل الع�صابات املجاهد جندي يف جي�ش الإ�سالم، وكلما‬
                        ‫ٌّ‬
         ‫ِّ‬                 ‫ّ‬                                   ‫ٍ‬     ‫َ‬
       ‫ملك �صفات �أكمل، كان �أقرب �إىل النجاح يف مهمته، وال ّتنكيل بعدوه.‬

          ‫ًّ‬                                        ‫ِّ‬
‫و�إنّ من الوا�ضح لكل ناظر؛ �أن املقاتل الفل�سطيني ال ي�أخذ حظا وافراً من‬
    ‫ّ‬                                             ‫َ ِّ ِّ ِّ‬
‫الإعداد البدين والذهني قبل انخراطه يف العمل الن�ضايل، الأمر الذي يقلل من‬
                         ‫ِّ‬
‫كفاءته، ويحد من جناحاته، ولهذا اخللل �أ�سباب عديدة، منها ما هو خارج عن‬
   ‫ٌ‬                      ‫ٌ‬                               ‫ُّ‬
‫�إرادة املقاومة، ومنها ما ميكن �أن ن�ص ّنفه يف دائرة الق�صور، وجتربة قطاع غزة‬
           ‫ت�شري �إىل �أن املقاومة لو ملكت الفر�صة والإمكانات لقدمت الكثري.‬
                     ‫ّ‬
‫722‬




      ‫من عوامل النجاح‬
                    ‫ِ‬
228
‫922‬




                         ‫من عوامل النجاح‬


‫لكي حتقِّق اخللية املجاهدة واملجموعة املقاومة قدراً �أكرب من النجاح،‬
                                                    ‫ّ‬     ‫َ‬
‫ال بد لها من اتّباع �سل�سلة �إجراءات والأخذ بجملة اعتبارات ومالحظات،‬
             ‫ٍ‬         ‫ِ‬       ‫ِ‬     ‫ٍ‬        ‫ِ‬                    ‫َّ‬
‫تعالج ما �سبق احلديث عنه من معوِّقات، وتُعني على جت ُّنب ما ذكرناه من �أخطاء‬
                    ‫ِ‬                                          ‫َ‬
 ‫ً‬      ‫ً‬         ‫ّ‬
‫و�سقطات، وت�ستثمر ما فات من جتارب وخربات، فتوظفها توظيفا �سليما،‬
                                                            ‫وجتني �أطيب الثمار.‬
                                                                ‫ّ‬

‫و�إنّ الأخذ بهذه املالحظات، �إ�ضافة �إىل القواعد العامة حلرب الع�صابات،‬
                                    ‫ً‬
‫هو ما ي�ؤدي �إىل حتقيق قدر �أعلى من الإجناز والنجاح ب�إذن اهلل، ومن هذه‬
                                                             ‫ّ‬
                                                                    ‫املالحظات:‬

                                                                 ‫ّ‬
‫1ـ التوكل على اهلل قبل الإعداد و�أثناءه وبعده: والت�رضع �إليه، واالبتهال‬
                     ‫ّ‬
‫وااللتجاء بالدعاء، و�س�ؤاله التوفيق وال�سداد والن�رص، فهو املي�س وامل�سهل، وهو‬
        ‫ِّ‬       ‫رِّ‬                    ‫َّ‬
‫َ َ ْ َ َّ ْ‬                                                      ‫ِّ‬
‫املقدر للأمور كلها، خريِها و�رشِّها، فمن كان مع اهلل كان اهلل معه، } ومن َي َتوكل‬
                                                                               ‫ِّ‬
                                                               ‫َ َ َهّ ِ ُ َ َ ْ ُ‬
                                           ‫على الل فَهو ح�س ُبه{ [الطالق:٣].‬

                                   ‫ّ‬
‫لكن، ال بد من الف�صل وال ّتمييز بني التوكل على اهلل، وبني ال ّتواكل املذموم،‬
                                                                  ‫َّ‬
‫ٌ‬
‫فالتوكل �شعور القلب واطمئنان النف�س، وا�ستقرار العقل، ي�صاحبه �أخذ‬
                  ‫ٌ ِّ‬                 ‫ٌ‬             ‫ٌ‬
‫بالأ�سباب وعمل باجلوارح وبذل للجهد، وا�ستعداد لكل االحتماالت، و�سعي‬
‫ٌ‬
‫032‬

‫د�ؤوب يف �سبيل توفري �أ�سباب النجاح وجت ُّنب عوامل الف�شل، وهو عني ما �أمر به‬
   ‫َ‬                             ‫ِ‬                                      ‫ٌ‬
                                  ‫دي ُننا احلنيف، و�سار عليه ر�سولنا الكرمي [.‬

‫لقد �أخذ ر�سول اهلل [ بتجميع �أ�سباب الن�رص، ومار�س مبادئ احلرب،‬
            ‫ٌّ ُ ٌ ّ‬
‫واجتهد يف احليطة واحلذر واال�ستعداد، رغم �أنه نبي مر�سل يتنزل عليه الوحي‬
‫ً‬                            ‫ً‬                             ‫ً‬       ‫ً‬
‫حفظا وتوجيها وب�شارة، وهذا البذل كان �سببا يف ن�رصه على �أعدائه، ودر�سا‬
‫للعاملني من بعده. هكذا كان حاله [ يف هجرته، وهو د�أبه يف جميع غزواته‬
‫وحروبه، وو�صيته لقادة جنده وجماهدي كتائبه و�رساياه التي جابت اجلزيرة‬
                                                       ‫ّ‬
                                                   ‫ً‬       ‫ً‬
                                                  ‫العربية طوال وعر�ضا.‬

‫2ـ التخطيط املتوا�صل، واالهتمام بال ّتحديد اال�سرتاتيجي وال ّتكتيكي،‬
                                                                ‫ٍّ‬
        ‫و�أدوات كل منها، وعدم ترك العمل ي�سري بع�شوائية تقود �إىل املجهول.‬
                           ‫ٍّ‬

‫والتخطيط ي�شمل املدى الق�صري؛ بر�سم اجلزئيات واملهمات الآنية، كما‬
       ‫ّ‬                   ‫ّ‬
                ‫ٌ‬
‫ي�شمل املدى البعيد، وما يجب �أن يكون عليه احلال، فهو نظرة �إىل امل�ستقبل،‬
                                                ‫واهتمام بلحظة مبا�رشة العمل.‬
                                                       ‫ِ‬       ‫ِ‬     ‫ٌ‬
                              ‫ٌ‬
‫�إن االطمئنان �إىل دقّة التخطيط مدعاة �إىل اال�ستقرار الذي يبعث على‬
‫الإبداع، كما �أن العمل على ب�صرية يزيد من احتمالية النجاح واال�ستمرار، ف�إذا‬
                           ‫ّ‬               ‫ٍ‬
‫كان التخطيط غري مكتمل؛ فالأَوىل ت�أجيل العمل حتى يكون املوقف كامل‬
                                          ‫الو�ضوح، واخلطط مكتملة الإعداد.‬

‫3ـ التّقييم الدائم لكلِّ مراحل العمل، الأمر الذي ي�ضمن اال�ستفادة مما �سبق،‬
‫والوقوف عند مواطن اخللل لتج ّنبها، والتعرف على مكامن القوة للأخذ بها،‬
                            ‫ّ‬
‫والو�صول �إىل نتائج وخال�صات حتمي اخللية وحتفظها، واكت�ساب خربات‬
                         ‫ّ‬
                                        ‫ومهارات تزيد من جناحها.‬
‫132‬

            ‫ً‬                                      ‫َّ‬
‫وهذا التقييم ي�شمل كل عامل يف موقعه، ف�إن كان الأخ م�س�ؤوال �أمام غريه،‬
                                               ‫ٍ‬
‫مكلفا ب�إدارة خاليا وجمموعات؛ فهو َ�أوىل النا�س بانتهاج ال ّتقييم والتزامه،‬
                                     ‫ْ‬                                ‫َّ ً‬
                                          ‫ُ‬
‫لأن تقييمه ذو نتائج و�آثار تَفوق الفرد العادي. و�إن كان الأخ ع�ضو خلية �أو‬
                  ‫ُّ‬               ‫ّ‬                      ‫َّ ٌ‬
‫م�س�ؤولها، ف�إنه مكلف بدرا�سة وتقييم حال خليته، وحماولة التنب�ؤ مبا �سيكون عليه‬
‫احلال، وما ي�ستوجب فعله، و�أن يرفع ما ي�ستخل�صه من نتائج وقراءة م�ستقبلية �إىل‬
      ‫ّ‬
                                              ‫ّ‬     ‫َّ‬
                        ‫امل�ستويات العليا، علهم يوظفونها يف خدمة املجموع.‬
                                                           ‫ُ‬
                    ‫ً‬                             ‫ًّ‬
‫لقد برز الق�صور جليا يف املقاومة الفل�سطينية عموما بف�صائلها وقواها يف‬
‫�إجراء تقييم دوري لواقعها، والقيام بتحليل دائم للم�ستجدات والأحداث من‬
              ‫ّ‬        ‫ٍ ٍ‬                          ‫ٍّ‬   ‫ٍ‬
                                     ‫ً‬
‫حولها، وربطها بالتاريخ، متوازيا مع فهم احلال ومعرفة الطرف الآخر، حتى‬
                                                        ‫ً‬    ‫ً‬
‫يكون حتليال واقعيا يبعد عن اخليال، و�إن هذه اجلهود تقت�ضي �إنتاج درا�سات‬
                                                ‫ً‬         ‫ّ‬
‫و�إ�صدارات ت�شكل �أ�سا�سا لنهو�ض العمل املقاوم من كبوته، وتقدمه يف عمله،‬
           ‫ّ‬
                                                         ‫و�أداء مهامه و�إجنازها.‬
                                                                     ‫ّ‬
                            ‫ٌ‬
‫4ـ التوا�صل الدائم مع املحيط، وهو ا�ستكمال للبند ال�سابق، فاالبتعاد عن‬
‫الو�سط الذي حتياه املقاومة، واتّخاذ القرارات من ُبرج عاج؛ ي�ؤدي �إىل اتّخاذ‬
             ‫ّ‬     ‫ٍ ٍ‬
              ‫قرارات ومواقف خاطئة، و ُي�ضعف العالقة بني املقاومة وحميطها.‬
                                                            ‫َ‬      ‫ٍ‬

‫ال بد لقيادة العمل املقاوم من �أن تكون على توا�صل مع كافّة جنودها، ت�سمع‬
         ‫ِ‬             ‫ٍ‬                                           ‫َّ‬
‫منهم وحتاورهم، توفُّر احتياجاتهم وتلبي رغباتهم، وجتيب على ت�سا�ؤالتهم،‬
                                 ‫ّ‬
‫ثم على املقاومة �أن تكون على متا�س مع ال�شارع جت�س نب�ضه، وت�سمع �صوتَه،‬
                  ‫ُّ َ‬                 ‫ٍّ‬
‫وتدعم �صموده، وتعي�ش معه، في�شعر �أنه جزء منها و�أنها جزء منه، فيحميها‬
             ‫ٌ‬               ‫ٌ‬                             ‫َ‬
                                                                     ‫وين�رصها.‬
‫232‬


‫5ـ ا�ستخدام مهارات وعلوم ت�ساهم يف جناح العمل، كا ّلتي ا�ستخدم ْتها‬
            ‫ً ً‬
‫حروب الع�صابات ال�سابقة، كعلم ال ّت�شفري الذي ي�ضمن توا�صال �آمنا بني �أطراف‬
                        ‫ً‬                                      ‫ّ‬
‫العمل، وفن التنكر والتخفّي الذي يوفّر للمجاهد قدرة على االختفاء بعيداً عن‬
                                                                    ‫ّ‬
‫�أعني العدو ملدة �أطول، وفنون االت�صال واملرا�سالت، وا�ستخدام احلرب ال�رسي‬
                                                                                         ‫والنقاط امليتة.‬

‫وكلما مت ّتع �أع�ضاء اخللية مبهارات �إ�ضافية تخدم هدفهم؛ ازدادت كفاءتُهم‬
‫يف �أداء مهامهم، وقدرتُهم على جتاوز العقبات التي تعرت�ضهم، ومعاجلة الأزمات‬
                                                             ‫ّ‬
                                                                                     ‫التي يقعون فيها.‬

‫6ـ «الر�صد نِ�صف العمل الع�سكري»: قاعدة ع�سكر ّية �شهرية، وهي �أ�سا�س يف‬
    ‫ٌ‬                  ‫ٌ‬         ‫ٌ‬                              ‫َّ ْ‬
                                        ‫ّ َ‬
‫جناح العمل اجلهادي املقاوم، �أكـد على �صحتها �أبطالنا وجماهدونا بتجاربهم،‬
                                ‫ّ‬
                                                                       ‫ّ‬
‫فكلما كان الر�صد �أكرث دقّـةً، وتفا�صيل الهدف امل ْنوي �رضبه معلومةً؛ زادت‬
                                       ‫ّ‬        ‫ّ‬
‫احتمالية النجاح، وقلت �إمكانية وقوع املفاج�آت. فاملطلوب من املجاهدين‬
                                                             ‫ّ‬
 ‫ً‬             ‫ً‬     ‫ً‬
‫حت�صيل �أكرب كم من املعلومات املوثوقة عن الهدف، �شكال وكيفا وحركة وتوقيتا،‬
         ‫ً‬                                                 ‫ّ‬
‫وحجم القوة التي ميتلكها، ومواطن ال�ضعف التي تتوافر فيه، ومكامن القوة لديه،‬
       ‫ّ‬
‫والأ�سلوب الأمثل لل ّتعامل معه، وال�سالح الأف�ضل ملواجهته والإجهاز عليه، وعدد‬
                 ‫ّ‬
              ‫املقاومني القادرين على �أداء املهمة دون زيادة مفرطة �أو نق�صانٍ خمل...‬
                                 ‫ٍ ُ ٍ‬

                                                               ‫ُّ‬
‫كل ذلك ي�ضع العمل يف ن�صابه ال�صحيح، و ُيريح اخللية من خطر الوقوع‬
              ‫َّ‬
‫فيما ال تحُمد عقباه(1)، �أو الدخول يف مغامرة غري حم�سوبة الأبعاد والنتائج،‬
                                 ‫ويجعل املهمة �أقرب للنجاح وحت�صيل النتائج املرجوة.‬

‫1 يف عملية (غاين تال)، كاد املجاهدون �أن يقعوا يف مقتل؛ ب�سبب معلومات ناق�صة جاء بها الرا�صد، ت�شري �إىل وجود‬
                     ‫ّ‬
                                                  ‫جند َّينيِ يف اجليب امل�ستهدف، بينما كان يحوي ثالثة جنود!‬
                                                                                           ‫ّ‬
‫332‬


‫7ـ �رسِّيّـة العمل: فحرب الع�صابات تواجه عدواً �شرَِ�سا يبذل جهده وي�سخر‬
 ‫ّ‬               ‫ً‬          ‫ّ‬
‫�إمكاناته وخرباته يف �سبيل �رضبها والإجهاز عليها، �سعيه الأكرب وهمه الأول‬
       ‫ّ‬
‫هو جمع املعلومات عن املقاومة وقادتها وجنودها، وقواعد انطالقها و�أماكن‬
      ‫ّ‬
‫تواجدها وت�سليحها، ونقاط قوتها و�ضعفها، و�أ�سلوب تفكريها وخمططاتها،‬
                                        ‫ّ‬
                                                    ‫ّ‬
‫وكل كبرية و�صغرية متعلقة بها.. وكلما ا�ستطاع حت�صيل كم �أكرب من املعلومات؛‬
              ‫ٍّ َ‬
    ‫ً‬        ‫ً‬
   ‫كانت قدرته على �رضب املقاومة �أعلى، و�سهامه نحوها �أكرث �إيالما و�إثخانا.‬

‫يقابل ذلك كله، حر�ص (اجلاريال) على �إخفاء معلوماتها، وجعل العدو‬
                                                                  ‫ً‬
‫جاهال بحقيقتها وباملعلومات التي يبحث عنها، فت�صبح حربه و�رضباته املوجهة‬
  ‫َّ‬
‫�إىل املقاومة �رضبا من الع�شوائية والتخبط على غري هدى، فال تثمر �أذى كبرياً‬
       ‫ً‬                               ‫ّ‬      ‫ّ‬             ‫ً‬
 ‫للمقاومني. ومن هنا، د�أَب االحتالل على تقوية �أجهزة ا�ستخباراته، و�إمدادها‬
                                         ‫ُ‬        ‫َ‬
‫بالكادر الب�رشي، والإمكانات املادية، وو�سائل التطور العلمي والتقني؛ حتى‬
                     ‫ّ‬
                                                                   ‫ت�ؤدي دورها على �أكمل وجه.‬
                                                                                         ‫ّ‬
‫�إن من �أوىل �أولويات العمل املقاوم: احلفاظ على �رسِّية املعلومة، ولذا، ف�إن‬
‫عملها مبجمله يدور حول الكتمان والأمن وال�رسِّية، وما ال ّت�شفري واحلرب ال�رسِّي‬
           ‫ِ‬
                                                           ‫ُّ‬
‫والتخفّي وال ّتمويه والتنكر وال ّنقاط امليتة واملالجئ �إال �أدوات لتحقيق �أعلى قدر‬
                                                                 ‫ِ‬
                                                                                     ‫من ال�رسِّية والأمن.‬

‫لقد �أن�ش�أت الواليات امل ّتحدة الأمريكية وكالة ا�ستخبارات (‪ )CIA‬يف‬
                    ‫َ‬
‫�أعقاب ال�رضبة الع�سكرية املفاجئة التي وجهتها اليابان للأ�سطول الأمريكي يف‬
                                 ‫ّ‬
‫البا�سفيك، مطلع الأربعينات، ف�أدت �إىل تدمريه بالكامل، فكان قرار �إن�شاء جهاز‬
                                             ‫ّ‬
           ‫يحارب العدو باملعلومات، ويحفظ دولته و�شعبه بحفظ املعلومات(1).‬


                 ‫ّ‬         ‫ّ‬                   ‫ً‬      ‫َ‬
  ‫1 �أبجد ّيات ال ّت�صور احلركي للعمل الإ�سالمي)، �أ.فتحي يكن، نقال عن كتاب (اجلا�سو�سية الأمريكية)، �أندروتويل.‬
                                                                                           ‫ّ‬
                                                                                     ‫َ‬
‫432‬

‫8ـ اال�ستعداد الدائم، والبقاء على جاهزية، واليقظة لكل جديد، والتعامل‬
‫معه مبا يلزم، يقول تعاىل: } ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ‬
   ‫ٌ‬
‫ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ { [الأنفال:٠٦]. فالإعداد �أ�صل ال‬
                                                      ‫ميكن التنازل عنه بحال.‬

                          ‫ً ِّ‬
‫واال�ستعداد يعني �أن تبقى املقاومة متيقّظة لكل ما يدور حولها من م�ؤامرات‬
‫وهجمات وممار�سات تنفّذها قوات االحتالل، وتهدف من خاللها �إىل �رضب‬
                                      ‫ّ‬
                                                 ‫املقاومة، وال َّنيل من وجودها.‬

‫واال�ستعداد يعني �أال يرتك رجل الع�صابات �سالحه، و�أال يتخلى عن حر�صه‬
                       ‫َ‬
‫ويقظته وحذره، وعدم الت�رصف دون �أخذ املخاطر التي حتيط به من كل جانب‬
                                          ‫ّ‬
                                                                ‫بعني االعتبار.‬

‫واال�ستعداد يعني ا�ستقراء الواقع، وتقدير ما ميكن �أن يقوم به العدو، و�إعداد‬
                                    ‫اخلطة الكفيلة ب�إف�شاله ورد كيده �إىل نحره.‬
                                                    ‫ّ‬
                                 ‫ً‬      ‫ً‬
‫فلي�ست الع�صابات جي�شا نظاميا يخو�ض معارك حمدودة، حمدد زمانُها‬
        ‫َّ ٌ‬
‫ومكانُها، في�ستعد لها يف حينه، بل هي جبهة مفتوحة للقتال، وميدانٌ يحتمل‬
                      ‫ٌ‬      ‫ٌ‬                       ‫ُّ‬
                                                                ‫ِّ‬
‫العمل يف كل حني، ميكن �أن تُفر�ض فيه املعركة واملواجهة على ال ّثائر دون �أن‬
                         ‫ً‬                                           ‫ّ َ‬
                        ‫يخطط لها، فماذا �ستكون ردة فعله �إن كان م�سرتخيا؟‬
                                                ‫ّ‬

                                       ‫ّ َ‬
‫9ـ على قيادة العمل الثّوري �أن تركـز على احلالة النف�سيّة ملقاتليها، وتطمئن‬
 ‫َّ‬
                                           ‫ّ‬
‫دائما �إىل �سالمتها وجاهزيتها، وتركز على بنائها ب�شكل �سليم يو�صلها �إىل‬
                    ‫ٍ‬                                                     ‫ً‬
‫هدفها، و�إن عليها �أن تغر�س فيهم جملة مفاهيم و�أفكار، تزيد من قوة نف�سيتهم‬
   ‫ّ‬                                 ‫َ‬          ‫َ‬
                                                      ‫وا�ستعدادهم، من ذلك:‬
‫532‬

‫- الرتكيز على قد�سية الهدف ونقائه وم�رشوعيته، وهو حترير الإن�سان‬
                         ‫ّ‬                        ‫ّ‬
                                  ‫َ‬      ‫ِ‬                 ‫َّ‬
‫والأر�ض، والذود عن الكرامة والعر�ض، و�صون احلقوق واملمتلكات، وال ّت�أكيد‬
‫على الأحقّية الدينية والقانونية والإن�سانية والتاريخية لهذا العمل، و�أننا �إمنا نثور‬
                               ‫ّ‬          ‫ّ‬           ‫ّ‬          ‫ّ ّ‬
                                                                                                 ‫لتح�صيل احلق.‬
                                                                                                  ‫ّ‬
                         ‫ٌ‬     ‫ٌ‬
‫- اال�ستعداد الدائم للت�ضحية، وهو حت�صيل حا�صل للبند ال�سابق، ففي الوقت‬
‫الذي ي�صل فيه املقاتل �إىل القناعة املطلقة ب�أحقّيته ملا ينا�ضل من �أجله، وبقد�سية‬
 ‫ّ‬
‫هدفه، ف�إنه يندفع بدون تردد، وي�صبح على ا�ستعداد لتقدمي �أغلى ما ميلك يف‬
                                                     ‫ّ‬
    ‫ٍ‬    ‫ُ َ‬            ‫ّ ُ‬
‫�سبيل الو�صول �إىل هدفه. ففي حرب الع�صابات ت�شكل ال ّت�ضحية ر�أ�س هرم يف‬
                                 ‫ثقافة املنا�ضل، فال غنى له عنها، وال انت�صار له بدونها(1).‬
                                                                      ‫ِ‬

‫- �إيجاد ال�شعور الدائم بالثقة بالن�رص لدى املقاتلني، ف�ش ّتانَ بني مقاتل يائ�س‬
 ‫ٍ ٍ‬
‫محُ َبط، مقتنع بعدم قدرته على حت�صيل هدفه، فهو خائر الهمة، فاقد اجلاهز ّية،‬
            ‫ُ‬      ‫ُ ّ‬                                        ‫ٍ‬
      ‫ٍّ‬      ‫ٍّ‬                     ‫ّ‬           ‫ٌ‬
‫منخف�ض الإمكانية، فا�شل يف �أداء مهامه اجلهاد ّية، وبني جندي مطمئن �إىل‬
                                                        ‫ّ‬         ‫ُ‬
‫قُدرته وقدرة ثورته على حتقيق االنت�صار والو�صول �إىل الهدف، وا�سرتجاع‬
                    ‫ٌ‬                ‫ُ‬
‫احلقوق امل�سلوبة، فهو م َّتقد الهِ مة، كامل اجلاهز ّية، مليء باحليو ّية، ناجح يف‬
                                            ‫ُ ّ‬
                                                                                       ‫�أداء املهام املوكلة �إليه.‬

       ‫َ‬            ‫ِّ َ‬         ‫ّ َ‬
‫ومن بداهة القول، �أنّ الإميانَ باهلل والتوكل عليه، والثقة به وااللتجاء �إليه،‬
 ‫ّ‬             ‫َ‬                 ‫ُ‬      ‫َ ّ‬                       ‫َِ‬
‫ودوام ال�صِّلة به، وذكره وال�شّ عور مبعيته، خري ما ميكن �أن ي�شحذ الهِ مم، ويقوي‬
                                                           ‫ِ‬               ‫َ‬
‫النفو�س، ويقاوم الي�أ�س والقنوط، ويدفع �إىل االنطالق، وهذا ما مييز جنود‬
      ‫ّ‬
                                               ‫ِّ‬
                                        ‫املقاومة الإ�سالمية يف كل مكان.‬

‫1 يقول ال�شيخ عز الدين الق�سام: «لي�س املهم �أن ننت�رص، �إمنا نريد �إحياء اجلهاد، وتربية جيل يرى ال�شّ هادة يف �سبيل اهلل‬
                                                                              ‫ّ‬               ‫ّ‬
                                                       ‫غاي َته!». من كتاب: (عز الدين الق�سام)، �أ.حممد ح�سن �رشاب.‬
‫632‬




‫01ـ االحتفاظ ب�سالح ا�سرتاتيجي �أو عمليات نوعيّة ال�ستخدامها وقت احلاجة،‬
                                                         ‫ْ ً‬
‫بحيث ت�شكل ردعا للعدو من الإقدام على �أعمال جنونية وقا�سية؛ كالإقدام على‬
‫ارتكاب املجازر �أو اغتيال القيادات ال�سيا�سية �أو ا�ستخدام �أ�ساليب غري �إن�سانية‬
 ‫ّ‬                                   ‫ّ‬
‫يف �رضب املقاومة، عندئذٍ ت�ستخدم املقاومة �سالحها، وتلقي بع�ض �أوراقها،‬
                        ‫َ‬
‫فتنفّذ العملية النوعية، �أو ت�ستخدم �سالحها اال�سرتاتيجي يف الوقت املنا�سب،‬
                   ‫َّ‬             ‫َ‬                   ‫ّ‬       ‫ّ‬
‫فيكون مربراً �أمام العامل، رافعا لهمة ال�شعب، رادعا لالحتالل من تكرار فعلته،‬
                         ‫ً‬              ‫ً ّ‬                        ‫َّ‬
                          ‫ِّ‬
                    ‫مظهراً جاهز ّية املقاومة وا�ستعدادها للتفاعل مع كل جديد.‬
                                          ‫َ‬                  ‫َ‬             ‫ُ‬
                                                   ‫ًّ‬
‫وقد ظهر اخللل جليا بعدم وجود هذا ال�سالح لدى حركة املقاومة الإ�سالمية‬
 ‫حني �أقدم االحتالل على جرمي َتي اغتيال ال�شيخ امل�ؤ�س�س (�أحمد يا�سني)،‬
                     ‫ِّ‬
‫والدكتور القائد (عبد العزيز الرنتي�سي)، بينما مل ت�ستطع احلركة �أن تقدم رداً‬
  ‫َّ ّ‬
                                                                 ‫ً‬
‫منا�سبا حلجم احلدث، يف حني كان االحتالل يتوقّع ردة فعل �أكرب من تلك التي‬
                  ‫ّ ٍ‬
                                                                 ‫قدمتها احلركة.‬
                                                                             ‫ّ‬

                                    ‫***‬
‫732‬




      ‫املعوقات‬
         ‫ِّ‬
238
‫932‬




                               ‫املعوقات‬
                                  ‫ِّ‬


‫واجهت املقاومة الفل�سطينية �سل�سلة معوِّقات داخلية وخارجية �أعاقت‬
        ‫ً‬      ‫ً‬      ‫ٍ‬         ‫َ‬
                                                            ‫ّ‬
‫تقدمها، وقللت من جناحاتها، و�أ�ضعفت �إجنازاتها، وزادت من خ�سائرها،‬‫ّ‬
‫و�أبط�أت �أداءها، وق�صرّت عمر خالياها والعاملني يف �صفوفها. وهذه املعوقات‬
                                              ‫ُ‬
                                    ‫ّ‬
‫منها ما يقع �ضمن �أخطاء داخلية وعوامل متعلقة باملقاومة ذاتها و�أدائها وتنظيمها‬
                                                 ‫ّ‬
‫وكفاءة �أفرادها، ومنها ما هو خارجي مرتبط باالحتالل وما ميار�سه من حرب‬
                        ‫و�ضغوطات موجهة �إىل ال�شعب ومقاومته ومقدراته..‬
                              ‫ّ‬                           ‫َّ‬



                                                                ‫خارجياً:‬
‫وذلك ما يتم ّثل يف حرب االحتالل على املقاومة، فالعالقة بني االحتالل‬
‫ٌ‬
‫واملقاومة تقوم على ال ّتناق�ض والرف�ض واملواجهة، ولهذه املواجهة �أ�شكال‬
                                       ‫ّ‬
  ‫ّ‬             ‫ِ ٍ‬                      ‫َّ‬
‫عديدة، فاالحتالل ي�ستخدم كل ما ميلك من �أ�ساليب قَذرة وو�سائل متنوعة‬
‫لإنهاء املقاومة، و�إخ�ضاع ال�شعب ل�سلطته، وتدجينه وقمع �أي متردٍ �أو خروج‬
‫ٍ‬          ‫ِّ ّ‬                       ‫ُ‬
                             ‫عن �إرادته، و�أ�ساليبه يف ذلك ال تنتهي، ومنها :‬

‫1ـ ال�ضرّبات اليومية، من اغتياالت واعتقاالت ومالحقات و�إبعاد وت�رشيد،‬
                            ‫ِّ‬
‫وهي �سيا�سة دائمة اتّبعها االحتالل مع كل من يقف يف وجهه، حتى زاد عدد‬
                                                   ‫ٌ‬     ‫ٌ‬
‫042‬

‫�شهداء فل�سطني عن ع�رشات الألوف منذ بدء االحتالل، وبلغ عدد الأ�رسى منذ‬
‫عام (7691م) ما يقارب (007) �ألف حالة اعتقال(1)، �إ�ضافة �إىل �أعدادٍ هائلة‬
‫ٍ‬                  ‫ً‬
                                  ‫من اجلرحى والإعاقات واملبعدين وامل�رشدين.‬
                                      ‫َّ‬
‫هذه احلمالت �أفقدت املقاومة �أبرز قاد ِتها، و�أملع جنومها، و�أخل�ص �أبنا ِئها‬
            ‫َ‬         ‫ِ‬    ‫َ‬                ‫َ َ‬
‫بني �شهيدٍ و�أ�سري وجريح وطريد، وبنظرة نُلقيها على ف�صائل املقاومة و�أجنحتها‬
                                      ‫ٍ‬             ‫ٍ‬     ‫ٍ‬
       ‫الع�سكرية، جند �أنهم تعر�ضوا بال ا�ستثناء لهذه الأ�شكال من ال�ضرّبات...‬
                                                      ‫ّ‬
‫فحركة حما�س قدمت ال�شهداء ال�شيخ امل�ؤ�س�س �أحمد يا�سني، والدكتور‬
    ‫ّ‬                     ‫ِّ‬                       ‫ّ‬
‫عبد العزيز الرنتي�سي، و�إبراهيم املقادمة، و�إ�سماعيل �أبو �شنب، وجمال من�صور،‬
                                                               ‫ّ‬
‫وجمال �سليم، ويو�سف ال�رسكجي، و�صالح دروزة، و�صالح �شحادة، ويحيى‬
        ‫عيا�ش، وحميي الدين ال�رشيف، وعادل عو�ض اهلل، و حممود �أبو هنود...‬

‫وحركة فتح قدمت ال�شهداء يا�رس عرفات، وخليل الوزير، و�صالح خلف،‬
                                                  ‫ّ‬
            ‫و�سعد �صايل، و�أبو الهول، وكمال عدوان، و�أبو يو�سف النجار...‬

 ‫وقدمت حركة اجلهاد الإ�سالمي امل�ؤ�س�س فتحي ال�شقاقي، وهاين عابد...‬
                                 ‫ّ‬                              ‫ّ‬

‫وقدمت اجلبهتان ال�شعبية والدميقراطية �أبو علي م�صطفى، وعمر قا�سم،‬
                                                              ‫ّ‬
                                                                  ‫وغ�سان كنفاين...‬
                                                                               ‫ّ‬
                                          ‫َ‬
                                ‫وقدم ال�شّ عب الفل�سطيني �أ�ضعاف ه�ؤالء...‬
                                                  ‫ُّ‬         ‫ُ‬        ‫َّ‬
‫ه�ؤالء وغريهم غُ ـيبوا بالقتل، و�أ�ضعافُهم غُ ـيب بالأَ�سرْ، ناهيك عن ح�شدٍ عظيم‬
‫ٍ‬                              ‫ِّ َ‬                          ‫ِّ‬      ‫ُ‬
‫من اجلنود والفر�سان و�أبطال امليدان، ا ّلذين خا�ضوا املواجهات، وقدموا �أرواحهم‬
   ‫َ‬        ‫ّ‬
           ‫ودماءهم و�أعمارهم يف �سبيل ربهم ولتحقيق هد ِفهم وحترير �أوطا ِنهم.‬
                                                ‫ِّ‬            ‫َ‬         ‫َ‬

                                            ‫1 ن�رشة احل�صاد ـ قناة اجلزيرة، يوم 52/6/7002م.‬
‫142‬

‫واملتتبع للحرب ال�رش�سة التي ي�ش ّنها جي�ش االحتالل؛ يدرك حجم الإمكانات‬
                                                                ‫ّ‬
‫الهائلة التي ير�صدها لهذا الهدف، والأ�ساليب القذرة التي ي�ستخدمها لتحقيقه،‬
      ‫والوح�شية والهمجية التي ينتهجها �إىل درجة ي�صعب و�صفُها عرب �سطور.‬
                               ‫ٍ‬                       ‫ّ‬        ‫ّ‬
   ‫َ‬                       ‫َ‬         ‫ِّ ُ َ‬
‫لقد ا�ستخدم االحتالل القتل بكل �صوره، فقَتـل �أثناء املواجهات، وقَتل يف‬
‫َ‬          ‫َ ٍ‬       ‫ً‬       ‫َ‬                       ‫َ‬
‫العمليات الع�سكر ّية، وقتل يف �أقبية التحقيق، وقتل اغتياال، وقتل بدم بارد، وقتل‬
                                                                         ‫ّ‬
‫َ‬                         ‫َ‬                    ‫َ ِّ‬               ‫َ‬
‫املقاتلني، وقتل ال�شيوخ، وقتل الن�ساء والأطفال، قتل ب�سبب وبغري �سبب، قتل‬
                    ‫ٍ‬
        ‫َ َ‬                 ‫ً‬             ‫اّ َ‬         ‫ً‬
     ‫بِيـد عمالئه، فلم يدع بابا للقتل �إل طرقَه، وال �سبيال للإجرام �إال �سلـكه..‬
                                                                            ‫َ ِ‬

‫ٍ َّ ً‬
‫ا�ستخدم �سيا�سة تك�سري العظام وال ّتنكيل باملقاومني، و�أجرى حمالت منظمة‬
                                             ‫ِ ِ‬        ‫َ‬       ‫َ‬
‫و�أخرى ع�شوائيـة من االعتقاالت، وزج بع�رشات الآالف يف ال�سجون، و�أبعد‬
‫َ‬                                 ‫َّ‬                 ‫ّ ً‬
‫عن الأر�ض بغري ح�ساب... والزالت جتربة �إبعاد املجاهدين �إىل مرج الزهور‬
                                                              ‫ماثلة يف الأذهان.‬
                                                                          ‫ً‬

‫ّ َ‬              ‫ِّ‬
‫وهكذا كانت ممار�ساته بحق ال�شعب ومقاومته يف كل حني، وهو ما �شكل‬
                                       ‫ِّ‬
                         ‫َ‬                             ‫َ‬
‫العقبة الأوىل واملعوِّق الأبرز �أمام املقاومة، واحلائل الأ�سا�س دون ا�ستقرارها‬
                ‫واحلفاظ على قوتها ودميومة تقدمها وحتقيق �أهدافها و�آمالها.‬
                                             ‫ّ‬                ‫ّ‬
‫2ـ االخرتاق والإ�سقاط، وحماولة تدمري ال�شعب واملقاومة بالإف�ساد ون�رش‬
‫الرذيلة و�إ�شاعة االنحالل، ومن ثم ربط �أكرب عدد من �أفراد املجتمع باالحتالل،‬
                                           ‫َّ‬                            ‫ّ‬
‫وجعلهم خائ ِنني لدينهم و�أمتهم، متعاو ِنني مع عدوهم، متورطني ب�إراقة دماء‬
               ‫ِّ ِ‬     ‫ِّ‬                                             ‫َ‬
                                  ‫�شعبهم، كارهني للمقاومة وحمار ِبني لرجالها.‬
                                           ‫َ‬                     ‫ِ‬

‫ٍ‬        ‫ِّ‬         ‫َ‬    ‫ِّ ٍ‬
‫وذلك �أ�سلوب مار�سه اال�ستعمار يف كل �أر�ض دخلها، ومع �أي م�ستعمرة‬
                                                      ‫ٌ‬
‫�أن�ش�أَها، ويف كل حرب خا�ضها منذ فجر التاريخ وحتى يومنا هذا، وقد منت‬
                                                  ‫ٍ‬     ‫ِّ‬
‫242‬

‫وبرزت هذه الظاهرة يف ع�رصنا احلديث مع اندالع احلروب العاملية، ثم احلرب‬
                                        ‫الباردة بني �أمريكا واالحتاد ال�سوفيتي.‬
                                               ‫ُّ‬
                      ‫ِّ‬            ‫ً ّ َ‬                      ‫ّ‬
‫ولقد �شكلت ظاهرة اخليانة مر�ضا �أرق الثورات يف كل مكان، ومنها ال َّثورة‬
‫الفل�سطينية، ف�سعت �إىل مواجهتها ومقاومتها وزيادة ممانعة ال�شعب يف وجهها،‬
                                                               ‫ّ‬
   ‫ً‬         ‫ً‬                               ‫ً‬
‫حارب ْتها بالفكر تارةً، وبالقوة تارة �أخرى، لكنها بقيت ظاهرة موجودة مل‬
                                                   ‫ّ‬                 ‫ِ‬
     ‫ً‬     ‫ً‬                                                              ‫ّ‬
‫تتمكن جتربة من الق�ضاء عليها، وقد �شكلت ال ّتجربة اجلزائر ّية مثاال قا�سيا على‬
                                                                   ‫ٌ‬
‫هذه احلرب، حتى تواترت الروايات التي ت�شري �إىل �أنّ ال ّثورة �أعدمت �أكرث‬
                                                ‫ِّ‬
 ‫ُ‬      ‫َ‬
‫من (007) �ألف �شخ�ص بتهمة العمالة، وهو رقم لي�س ببعيدٍ عما قتله اجلي�ش‬
                               ‫ٌ‬
                                                          ‫الفرن�سي من ال ّثوار.‬
                                                                       ‫ُّ‬
                               ‫ِّ‬
‫لقد �سعى االحتالل �إىل �إ�سقاط ال�شعب كله بكافة قطاعاته وفئاته ل�سببنيِ‬
   ‫َ‬
                                                                   ‫رئي�سني:‬
                                                                       ‫َ‬
‫الأول؛ هو االخرتاق وجمع املعلومات التي تخدمه يف حربه لل�شعب وقواه‬
‫املقاومة، و�رضب �أي حماولة للثورة عليه �أو مواجهته، وتب�صرّه بواقع املجتمع‬
                                         ‫ِ‬      ‫ٍ‬      ‫ِّ‬
‫الفل�سطيني، وما ينا�سبه من �أ�ساليب تهدف �إىل تركيعه وجعله يتنازل عن‬
                                                                      ‫حقوقه.‬

‫والثاين؛ هو جتنيد �أكرب قدر من �أبناء ال�شعب وجعله يف �صف االحتالل، حتى‬
              ‫ِّ‬
‫�إذا ما دخل ال�شعب يف انتفا�ضة �أو �رشع يف مقاومة، وجد الكثريون �أنف�سهم غري‬
‫معنيني بهذه املقاومة، وغري م�ستعدين للم�شاركة فيها، بل وح�سم بع�ضهم نف�سه‬
  ‫َ‬      ‫َ َ ُ‬                        ‫ِّ َ‬                         ‫ِّ َ‬
                                                ‫يف ال�صف الآخر منحازاً �إليه.‬
                                                                     ‫ِّ‬

‫وا�ستخدم االحتالل يف �سبيل هذين الهدفَنيِ ما ميلك من و�سائل، كالرتغيب‬
‫342‬

          ‫ً‬     ‫ّ َ‬
‫والرتهيب، واجلن�س واملال، وا�ستغالل احلاجات، حتى �شكل جي�شا من اخلونة‬
             ‫يخدمونه، وي�ساهمون مع قواته يف قمع املقاومة و�رضب رجالها.‬
                                              ‫ّ‬
                                              ‫ً‬     ‫ً‬             ‫ّ َ‬
‫لقد �شكل العمالء �أداة خطرية يف �رضب املقاومة، واحلد من جناحاتها، و�إف�شال‬
                      ‫ِّ‬
                              ‫ّ‬                                       ‫ّ‬
   ‫خمططاتها، وقد �أبدع العدو يف توظيف هذه الثلة القذرة لتحقيق هذا الغر�ض.‬
                                                ‫ُّ‬

          ‫َّ‬                     ‫ُ‬
‫ومن الأ�شكال الوظيفية التي �سخر االحتالل �أذنا َبه لها؛ ما ي�سمى بالتنظيم‬
                                          ‫ّ َ‬        ‫ّ‬
‫الوهمي، فبعد �أن قام العمالء بدورِ هم يف جمع املعلومات عن املجاهدين، ور�صد‬
                  ‫ِّ‬
‫�أعمال املقاومة، ومعرفة امل�س�ؤولني عنها، وتقدمي ذلك كله هدية لأ�سيادهم،‬
           ‫ً‬
              ‫ٍ‬      ‫َ‬       ‫ّ‬
‫بد أ� االحتالل يبحث عن �أي �شخ�ص قد ي�شكل م�رشوع مقاومة �أو �شهادة يف‬
   ‫ٍ‬                                  ‫ٍ‬      ‫ِّ‬
            ‫َ‬           ‫َ‬                 ‫ِّ‬
‫امل�ستقبل، و�سعى للو�صول �إىل كل من ميلك اجلاهزيّة واال�ستعداد لالنخراط يف‬
             ‫العمل اجلهادي ولو بعد حني، ف�أدخل �أ�سلوب (ال ّتنظيم الوهمي).‬
                                                             ‫ِّ‬

‫ويقوم هذا التنظيم على بث العمالء هنا وهناك، ويقوم ه�ؤالء العمالء بعر�ض‬
                                              ‫ِّ‬
       ‫ُّ‬     ‫ُ ّ‬           ‫ُّ‬
‫العمل الع�سكري على عددٍ من ال�شباب الذين ت�شك املخابرات ال�صهيونية ب�أنهم‬
                                                           ‫ّ‬
           ‫َ‬           ‫ً‬
‫على ا�ستعدادٍ للعمل، ف�إذا وافق ال�شاب على العمل ظا ّنـا �أنّ العميل الذي يعر�ض‬
                                         ‫ّ‬
                         ‫ُ‬
‫عليه اال�شرتاك يف املقاومة من املجاهدين؛ بد�أ العميل با�ستدراجه وتوريطه، �إىل‬
‫�أن يكون قرار املخابرات باغتياله �أو اعتقاله وتغييبه يف ال�سجون لـمددٍ طويلة‬
‫ٍ‬       ‫ُ َ‬
‫تُبعده عن ميدان العمل خمافة االنخراط فيه، وهذا ما عبرّ عنه �أحد قادة �أجهزة‬
                     ‫َ‬                          ‫َ‬
‫الأمن ال�صهيونية حني قال: «�إننا نحاول اعتقال (االنتحاري) من �رسيره قبل �أن‬
                                                                  ‫ّ‬
         ‫ّ‬                                       ‫َ‬             ‫ّ‬      ‫ّ َ‬
     ‫يفكر يف مهمته، حتى ننجح يف منعه من اال�شرتاك يف الأعمال الإرهابية».‬

‫3ـ احلرب االقت�صادية، وال ّت�ضييق على النا�س يف �أرزاقهم، وجتويع ال�شعب‬
            ‫ُ‬    ‫ُ‬           ‫ُ‬                   ‫ّ‬
‫لي�شعر بتكلفة املقاومة فيتخلى عنها، فكان احل�صار وال ّت�ضييق ومنع العمل وفر�ض‬
 ‫ُ‬
‫442‬

‫منع التجول، وكان التخريب والتدمري والإف�ساد، وكانت امل�صادرات للأرا�ضي‬
                                                             ‫ّ‬
‫واملمتلكات و�رسقة احلقوق ونهب اخلريات، وكانت ال�ضرّائب والغرامات،‬
                                                                 ‫ُ ِ‬
‫و ِبلـغَـة الأرقام، ف�إن خ�سائر ال�شعب الفل�سطيني يف انتفا�ضة الأق�صى وحدها‬
                                            ‫َ‬
‫فاقت املليارات، منها؛ هـدم (0054) منزل، واقتالع (مليون ون�صف) �شجرة‬
                                         ‫َ ُْ‬
‫مثمرة، وم�صادرة (006) �ألف دومن زراعي(1)، فما بالك بع�رشات ال�سنني التي‬
                                                                     ‫ّ‬
                  ‫اح ُتلت فيها الأر�ض واغ ُت�صبت احلقوق و�سرُقت املمتلكات؟!‬

                               ‫ُ‬      ‫ُّ‬         ‫ُ‬       ‫ّ َ‬
‫لقد �شكل احل�صار االقت�صادي اخلانق املفرو�ض على ال�شعب الفل�سطيني‬
                       ‫ُ‬
        ‫ُّ ِ‬
‫عقب فوزِ حما�س يف االنتخابات الت�رشيعية عام (6002م) وت�سلمها قيادة‬
‫احلكومة �أحد �صورِ هذه احلرب الّتي مار�سها االحتالل ومن وراءه بحق ال�شعب‬
       ‫ِّ‬   ‫َ‬     ‫َ‬              ‫َ‬                      ‫َ ُ َ‬
‫ومقاومته، ثم كان احل�صار على قطاع غزة دون ال�ضفة عقب �أحداث تطهري‬
   ‫ِّ َ‬      ‫ّ َ‬
‫املقرات الأمنية يف (حزيران/7002م)، ثم دفْع رواتب املوظفني احلكوميني من‬
                      ‫ِ‬     ‫َ ُ‬                         ‫ّ‬        ‫ّ‬
                              ‫ً َ‬
‫غري املنت�سبني �أو امل�ؤيِّدين حلركة حما�س �شكال �آخر لالبتزاز وامل�ساومة على الرزق‬
                                                     ‫ِ َ‬             ‫ِ َ‬
       ‫ُ‬                                                     ‫ّ‬
‫مقابل التخلي عن املقاومة و�أن�صارها، و�أثناء ذلك كان تدمري وحرق وتخريب‬
‫ُ‬           ‫ُ‬
     ‫امل�ؤ�س�سات واملمتلكات التابعة للحركة و�أبنائها كامتدادٍ لذات احلرب.‬
                                                                   ‫ّ‬
‫لقد ا�ستخدم االحتالل احلرب االقت�صادية حلرمان املقاومة من �سالح املال،‬
‫كما ا�ستخدمها حلمل النا�س على االنف�ضا�ض من حول القوى املقاومة على‬
                                      ‫ّ َ َ ُْ‬
‫اختالفها، فعلى �سبيل املثال، �شكل هدم املنازل ملن ي�شارك يف �أعمال املقاومة‬
             ‫ّ َ‬           ‫ً‬           ‫ً‬                           ‫ً‬
‫�ضاغطا على املقاوم وذويه ومعا ِقبا لهم، ورادعا لغريه �أن يفكر بال�سري على‬
                                                       ‫ِِ‬
      ‫ٍ‬          ‫ٍّ‬ ‫ِّ‬          ‫ّ‬
‫نهجه، وكان العقاب اجلماعي للأهايل وال�سكان عقب كل عملية جهاد ّية بحظر‬
                                                        ‫ُ‬
                                                ‫ُّ‬
‫التجول والهجوم على املنازل واملمتلكات وتخريبها، يف حماولة لك�شف الغطا ِء‬
         ‫ِ‬     ‫ٍ‬                                                   ‫ّ‬
                                           ‫1	 () �صحيفة القد�س، العدد ال�صادر يف 5/6/7002م.‬
‫542‬

‫عن املقاومني وتنفري النا�س من حولهم، ودفع املجتمع �إىل ال�ضجر وال�سخط من‬
   ‫َّ َ ِ ّ ِ‬          ‫ِ‬       ‫ِ‬               ‫ِ‬     ‫ِ‬      ‫ِ َ‬
                         ‫�أعمال املقاومة، ومن ثم رف�ضها والوقوف يف وجهها.‬

          ‫ً‬     ‫ً‬       ‫َّ‬
‫4ـ احلرب الإعالمية: فقد �أبدى االحتالل �أينما حل اهتماما خا�صا بالإعالم،‬
‫وحاول ا�ستخدام هذا ال�سالح ـ الذي ميلك منه �أ�ضعاف ما متلكه املقاومة ـ‬
‫بطريقة تخدم �أهدافَه وتُبي�ض �صورتَه، وتربر �أفعا َله الإجرامية بحق ال�شعب، ويف‬
            ‫ِّ‬   ‫ّ‬                  ‫ِّ ُ‬             ‫ّ‬                   ‫ٍ‬
          ‫ذات الوقت، ت�شهر باملقاومة وت�شوِّه �صورتَها وتثري حولها ال�شكوك.‬
                                                           ‫ِّ ُ‬
                       ‫َ‬            ‫ً‬
‫لقد �شهدت و�سائل الإعالم حربا �شرَِ�سة ومعارك �ضارية بني املقاومة‬
              ‫ً‬             ‫َ ً‬
                         ‫ٍ‬            ‫َ‬        ‫ٍ‬     ‫ُّ‬
‫وعدوها، حاول كل طرف �أن يك�سب فيها جوالت �إعالمية ل�صاحله، و�أن‬
                ‫ًّ‬                                             ‫ِّ‬
                   ‫َ‬
‫ي�ستقطب العامل نحوه، لينحاز �إىل موقفه، ويغلق املنافذ يف وجه خ�صمه،‬
                                           ‫َ‬                 ‫َ‬
                                   ‫ًّ‬       ‫ُ َّ ً‬
‫و�شهدت العقود ال�سابقة تفوقا �إعالميا ل�صالح االحتالل، ب�سبب �سيطرته على‬
                                                           ‫ُ‬
                   ‫اّ‬         ‫ِ‬       ‫ٍ‬      ‫ٍ‬     ‫ًّ‬
‫و�سائل الإعالم الرئي�سية عامليا ب�شكل مبا�رش �أو غري مبا�رش، �إل �أنّ الإعالم �شهد‬
                                                           ‫ّ‬
  ‫ّ‬                                    ‫ًّ‬        ‫ّ ً‬
‫نه�ضة �إعالمية وح�ضوراً حمليا و�إقليميا ودوليا، �ساعده يف ذلك الثورة الإعالمية‬
                                 ‫ًّ‬                             ‫ً‬        ‫ً‬
                  ‫ًّ ًّ‬
‫واملعلوماتية وال ّتكنولوجية التي وفّرت منابر �إعالمية حرة حاولت املقاومة‬
‫ُ‬                              ‫َ‬                     ‫ّ‬             ‫ّ‬
‫توظيفَها يف خدمة �أهدافها، �إ�ضافة �إىل امتالك هذه القوى منابر خا�صة بها،‬
                                       ‫ً‬
‫تن�رش ِفكرها، وحتمل ر�سال َتها �إىل النا�س، كما فعلت منظمة التحرير ب�إذاعتها‬
‫(�صوت العا�صفة)، واجلبهة ال�شعبية ـ القيادة العامة ب�إذاعتها (�إذاعة ال�شَّ عب)، ثم‬
                                                   ‫ّ‬
‫�أطلقت حركة حما�س (�شبكة الأق�صى الإعالمية) والتي مت ّثلت يف �إذاعة راديو،‬
                                                            ‫ّ‬       ‫ّ ّ‬
                                  ‫وحمطة حملية، وحمطة ف�ضائية، و�صفحة �إنرتنت.‬
                                                    ‫ّ‬
         ‫ّ‬    ‫ّ‬                  ‫ُ‬
‫ومبقابل ذلك، ا�ستخدم االحتالل يف حربه الإعالمية �ضد املقاومة‬
                                       ‫َ‬
‫و�سائل عديدة، فهو ميلك و�سائل الإعالم املعروفة (راديو وتلفزيون و�صحف‬
‫و�إنرتنت)، ولديه (لوبي) �صهيوين يف �ش ّتى �أ�صقاع الأر�ض ذو ت�أثري ال يخفى‬
        ‫ٍ‬
‫642‬

‫على �أحد، وبيده الكثري من املنابر العاملية الأبرز. و�إ�ضافة �إىل ذلك، ا�ستخدم‬
                  ‫ً‬                 ‫ّ‬
‫االحتالل الو�سائل التقليد ّية املعروفة، فكان ي�صحب عمليا ِته وتوغّ ال ِته وحرو َبه‬
                           ‫ّ‬
  ‫َ‬
‫بدعاية �إعالمية عرب مئات �ألوف املنا�شري التي يمُطر بها النا�س، يحاول ت�ضليلهم‬
                                                               ‫ٍ‬        ‫ٍ‬
                  ‫ُ‬
‫من خاللها، كما فعل يف جنوب لبنان، ويف غزة، ومل ي�أل جهداً يف توظيف ما‬
                           ‫ميلك من طاقات و�إمكانات وعقول يف هذا املجال.‬



                                                                     ‫داخلياً:‬
                                                        ‫ّ‬
‫وهو ما يتعلق باملقاومة و�أدائها، وبع�ض الق�صور الذي اعرتاها يف بع�ض‬
‫مراحلها، وهو ما يجب الرتكيز عليه لتج ّنبه ومعاجلته، ثم االنطالق نحو الأمام.‬
                                                              ‫ومن هذه العوائق:‬

  ‫ُ َ‬
‫1ـ قلة الإمكانات و�ضعف التّمويل: فكثرياً ما تبد�أ اخلاليا املجاهدة عملها‬
             ‫ّ‬        ‫ٍ‬     ‫َ‬                ‫ٍ‬     ‫َ‬    ‫َ‬
‫دون �أن متلك قطعة �سالح واحدة، �أو م�صدر متويل ثابت يغطي احتياجاتها،‬
‫ويتكفّل بتكاليف �أن�شط ِتها، مما ي�ؤخر عملها، ويدفع بع�ضها نحو ممار�سات‬
‫ٍ‬               ‫َ‬                 ‫ّ‬
‫خاطئة ت�ؤدي �إىل نهايتها؛ ك�أن تبد�أ بالبحث عن م�صادر �سالح ع�شوائية غري‬
     ‫ّ‬                                                        ‫ٍ ّ‬
‫�آمنة، �أو ت�ستخدم ال�سالح الأبي�ض يف �سبيل احل�صول على ال�سالح ال ّناري،‬
                                                      ‫ِّ‬
              ‫َ‬
‫في�ؤدي �إىل اعتقال �أفراد اخللية �أو ا�ست�شهادهم، �أو يبد�ؤون عملهم ب�إمكانات‬
                                              ‫ّ‬                         ‫ّ‬
        ‫َّ‬                      ‫ً‬     ‫ً‬
‫ب�سيطة متوا�ضعة، ويبقون على ذلك مدة طويلة ال تُعطي النتائج املرجوة، مع ما‬
                                                  ‫ي�صاحب ذلك من خطر كبري.‬
                                                        ‫ٍ‬

                                                                ‫ً‬
‫وعادة ما تكون هذه احلاالت يف مرحلة ما قبل االتّ�صال بال ّتنظيم، ويكون‬
          ‫ِ َ‬          ‫ٍ‬         ‫َ ْ‬           ‫ّ‬
‫فيها االعتماد على الذات، وقد �شهِ دنا جمموعات من املجاهدين الأفا�ضل،‬
‫742‬

‫بد�أت العمل ببيع حلي زوجاتهم، �أو عقارات لهم �أو لأهلهم، �أو اقرتا�ض مبالغ‬
                                                      ‫ِّ‬  ‫ِ‬
                                                            ‫ً‬
‫ت�سد �شيئا من حاجاتهم، وتوفّر لهم ما يبد�ؤون به جهادهم(1). ومن املعلوم‬
                                                                  ‫ُّ‬
                             ‫ٍ‬     ‫ِّ‬       ‫ّ‬              ‫َّ‬       ‫َ‬
‫�أنّ العمل الع�سكري يحتاج �إىل الدعم املايل ب�شكل كبري، نظراً للتكلفة املرتفعة‬
                                            ‫ملهامه، والتي ال يقدر عليها الفرد العادي.‬
                                                                                ‫ّ‬
‫2ـ �ضعف اخلربة الأمنيّة: فكما �أنّ الكثري من املجموعات بد�أت عملها‬
                          ‫َ‬
‫ب�إمكانات مادية ب�سيطة، ف�إن هناك عدداً �أكرب من املجموعات بد�أت عملها‬
                                                           ‫ّ‬
‫بخربات �أمنية متوا�ضعة، �إذ �أنّ �أفرادها حديثو عهدٍ بالعمل اجلهادي، ولي�ست‬
        ‫ّ‬                           ‫َ‬                          ‫ٍ ّ‬
              ‫َّ‬                               ‫ٌ‬
‫لديهم جتربة اعتقالية �أو خربة باملطاردة واحتياجاتها، �أو مل يطلعوا على جتارب‬
                                                        ‫ٌّ‬       ‫ٌ‬
                                                       ‫ّ‬
‫�سابقة ناجحة، ومل يطلعوا على الدرا�سات �أو يتلقّوا ال ّتوجيهات التي تر�شدهم‬
                                           ‫ّ‬
           ‫ً‬     ‫ً‬      ‫ً‬
‫�إىل كيفية العمل الأمني ال�سليم الذي ي�ضمن لهم عمال جهاديا خاليا من الأخطاء‬
                                                    ‫ِّ‬            ‫ّ‬
                                                              ‫ً‬
              ‫وال ّثغرات، وقدرة على ال ّتمويِه على العدو لال�ستمرار ملدة �أطول.‬
                     ‫ٍ‬
            ‫ّ‬                         ‫ّ َ‬                   ‫ُ‬
‫فاخلربة الأمنية ت�ضمن االطالع على و�سائل التخفّي والتنكر وال ّتمويه‬
                                                    ‫ُّ‬
                           ‫ّ‬                           ‫ّ‬
‫وال ّت�ضليل، وكل ما من �ش�أنه �أن يخدم يف التمل�ص من حمالت االحتالل‬
                                   ‫َ‬
                                                                                      ‫ومالحقاته.‬

‫واخلربة الأمنية ت�ضمن للمجاهد �صموداً يف �أقبية التحقيق �إن كان م�صريه‬
 ‫ُ‬                                                      ‫ّ‬
  ‫ً َ َ َ ُ َ‬
‫الوقوع يف �أيدي قوات االحتالل، فعدونا ال يرتك �أ�سلوبا ـ �صـغُـر �أم كـبـر ـ‬
                                         ‫ّ‬                            ‫َ‬
                                                              ‫ً‬
‫�إال ا�ستخدمه �سعيا النتزاع االعرتافات من �صدور الأحرار، �سواء �أكان ج�سد ّيا‬
‫�أو نف�سيا، ترغيبا �أو ترهيبا، مبا�رشاً �أو غري مبا�رش، ومل يقف �أداء عدونا يف هذا‬
          ‫ْ ُ ِّ‬                                     ‫ً‬          ‫ً‬        ‫ّ‬
            ‫ُّ‬         ‫ً‬              ‫ً‬
‫املجال عند حدود، بل اجتهد دور ّيا يف تطويره تبعا للحاجة. كل ذلك يجعل من‬
‫االطالع على تلك الأ�ساليب ودرا�ستها والوقوف عندها ح�صانة حتفظ املجاهد‬
             ‫ً‬
                 ‫1	 هكذا بد�أَ جماهدو خلية �صوريف، و�أبطال خلية القد�س، وهو ما فعله جماهدو خلية �سلواد.‬
                          ‫ّ‬                               ‫ّ‬                    ‫ّ‬
‫842‬


      ‫ّ‬           ‫ِ‬    ‫َ‬
‫و�إخوانه، وما ميلكون من معلومات، ومتنع م�سل�سل ك�شفها الذي ي�ؤدي �إىل‬
                        ‫�رضب كافّة �صفوف العاملني، وك�شف �أطراف العمل.‬

‫3ـ قلة التّدريب و�ضعف القدرات: فكيف يتدرب كفاي َته من ال ميلك‬
                          ‫ّ‬
‫ال�سالح؟ وكيف �سيتميز بقدرته على الرمي والإبداع يف الأداء من ال ميلك املال‬
                            ‫ِ‬       ‫ّ ِ‬               ‫ّ‬
                                                          ‫ّ‬
                                                     ‫الذي ي�شرتي به الذخرية؟‬

                            ‫ٍ‬     ‫ّ ُ‬      ‫ً‬
‫لقد �شهِ دنا جمموعات عديدة كان �أول تدريب لعنا�رصها يف �أر�ض املعركة،‬
                                                 ‫ٍ‬         ‫َ ْ‬
‫حتى �أنهم مل يطلقوا قبل ذلك طلقة واحدة! كما ح�صل مع املجاهد (حممد‬
                                       ‫ً‬
                             ‫دخان)، واملجاهد (�أ�رشف الوادي) يف عمليتهما.‬
                                  ‫ّ‬
‫وال نن�سى كذلك ما �سببه اجلهل بكيفية ا�ستخدام ال�سالح واالحتفاظ به‬
                               ‫ّ‬             ‫ّ‬
‫وتنظيفه من ف�شل يف املهمات، ووقوع يف املطبات، وفقدانٍ للأرواح والرجال،‬
    ‫ّ‬                       ‫ّ‬        ‫ٍ‬                 ‫ٍ‬
     ‫َ‬      ‫ً‬                           ‫َ َّ‬
‫و�ضياع للفُر�ص، ولك �أن ت�س�أل �أي جمموعة عاملة جماهدة؛ كم مرة �أف�شل فيها‬
                           ‫ٍ‬     ‫ٍ‬                            ‫ٍ َ‬
                  ‫ال�سالح عملي َتهم؟ �أو �أوقعهم يف �أزمات كادت تودي بهم؟!‬
                                  ‫ٍ‬                           ‫ّ‬    ‫ّ ُ‬
‫هذا يف ال�سالح الناري، �أما بخ�صو�ص �صناعة املتفجرات، فالأمر �أكرث‬
                 ‫ّ‬                              ‫ّ‬
‫تعقيداً، فكم من جماهدٍ فقد روحه �أو �أطرافَه �أو جزءاً من ج�سده لعدم �إح�سا ِنه‬
                                                 ‫َ‬   ‫َ‬
‫ال ّتعامل مع هذه املواد، و�ضعف معرف ِته ب�أُ�س�س ال ّت�صنيع، و�صفات املادة التي‬
                                ‫ُ ِ‬
‫ي�ستخدمها، والآلية ال�سليمة لل ّتعامل معها... والأمثلة على ذلك كثرية، نذكر‬
                                                    ‫ّ‬
‫و(جهاد دوف�ش)، ا ّللذين‬
‫َ ِ‬                          ‫منها حادث ا�ست�شهاد الأخوين (حامت القوا�سمة)‬
‫تفجر بهما م�ستودع متفجرات يحوي مواد معدة لل ّت�صنيع، يفوق ثم ُنها ع�رشات‬
                                 ‫ّ ُ َّ‬           ‫ّ‬                  ‫ّ‬
‫�آالف الدوالرات، ناهيك عن نُدر ِتها، انفجرت بهما فدمرت املكان، وارتقيا‬
                  ‫ّ‬                                          ‫ّ‬
                                                                ‫�إىل اهلل �شهداء.‬
‫942‬

‫ويدخل يف ذات الباب �ضعف الإمكانات التي توفّـر ال�سالمة والأمانَ‬
         ‫ُ ّ َ‬                          ‫ُ‬
‫للمجاهد العامل يف ت�صنيع املواد املتفجرة، حتى �أنّ بع�ضهم ال ميلك الكمامات‬
                        ‫َ‬             ‫ّ‬
‫التي تقي من الأبخرة ال�سامة التي تَنتج عن ال ّتفاعالت، وقد حد َثنا ال�شّ هيدان‬
                 ‫َّ‬                                 ‫ّ‬
‫(ن�سيم �أبو الرو�س) و(جا�رس �سمارو) �أنهما كان يعمالن يف ت�صنيع مئات الكيلو‬
                                                            ‫ُّ‬
          ‫َّ ُ‬
‫غرامات دون �أن ي�ضعا على وجوههما �أي قناع، �أو يلب�سا �أي قفّاز، وذات‬
                                 ‫َّ‬     ‫ِ‬           ‫َ‬
          ‫ًّ‬
‫يوم ونتيجة ال�ستن�شاق كمية كبرية من الأبخرة ال�سامة؛ وقَعا مغ�شيا عليهما يف‬
                         ‫ّ‬                 ‫ٍ‬     ‫ّ ٍ‬             ‫ً‬
      ‫ُ‬             ‫ْ‬                                       ‫َ‬
‫خمتربهما اخلايل من ف ْتحات ال ّتهوية، وكادا �أن يفقدا حياتَيهما لوال عناية اهلل،‬
                                                          ‫َ‬
                                                      ‫وذلك ب�أن ح�رض من �أنقذهما.‬
                                                                   ‫َ‬
‫4ـ عدم وجود تخ�ص�ص يف العمل: فالإخوة العاملون يف اخلاليا م�ضطرونَ‬
   ‫ّ‬                                                             ‫ُّ‬
‫�إىل �إجناز كل جزئيات العمل من َ�أ ِلفها �إىل يائها، املبا�شرِة وغري املبا�شرِة، الداعمة‬
     ‫ّ‬                                                               ‫ّ‬    ‫ِّ‬
‫وال ّتنفيذية... فعليهم اختيار املوقع، ثم ر�صده، فالإعداد التام للمهمة، ثم‬
     ‫ّ‬     ‫ّ‬
                      ‫تنفيذها، و�إيجاد الدعم وال ّتمويل وما يلزم للتجهيز...‬
                                                       ‫ّ‬

‫ٍ‬      ‫ٍ‬                          ‫ِّ‬
‫ويف التنفيذ هم مطالبون ب�إتقان كل �أ�شكال الهجمات، من �إطالق وتفجري‬
‫واختطاف، ومطالبون ب�إتقان �إعداد املتفجرات، وال ّتعامل مع �ش ّتى �أنواع‬
                                ‫ّ‬
                                                                           ‫ال�سالح...‬

‫�إن هذا ال ّت�شتيت يف اجلهد، وعدم التخ�ص�ص يف الأداء؛ ي�ؤ ّثران �سلبا على‬
    ‫ً‬                             ‫ُّ‬                   ‫َ‬
‫جودة و�إتقان �أداء �أفراد اخللية، ويبعرثان جهودهم يف التدريب على جميع �أنواع‬
                             ‫َ‬                                             ‫َ‬
‫ال�سالح، مما يعني توزيع اجلهود دون الترّكيز على �أي نوع، في�ضيع الإبداع.‬
                     ‫ِّ‬
                   ‫ُّ ِ‬            ‫ِّ‬              ‫ّ‬                      ‫ُّ‬
‫وكلنا يعلم �أن من �أ�سا�سيات العمل الإداري الناجح؛ التخ�ص�ص ّية، التي جتعل من‬
                  ‫ّ ً‬              ‫ً‬          ‫ً‬                 ‫ً‬
    ‫�صاحبها مبدعا يف تخ�ص�صه، متقنا له، حمرتفا يف �أدائه، ملمـا يف تف�صيالته.‬
                                                         ‫ّ‬
‫052‬


‫5ـ عدم وجود تفرغ يف العمل: يعاين �شعبنا الفل�سطيني �أو�ضاعا اقت�صاد ّية‬
‫ً‬           ‫ً‬                                           ‫ُّ‬
‫�صعبة فر�ضها االحتالل الإ�رسائيلي جراء املقاومة التي تع�صف به، واملجاهدون‬
                                     ‫ّ‬                              ‫ً‬
‫واملقاومون جزء من هذا ال�شعب، بل هم قطاع ال�شباب الذي �أُلقي على كاهله‬
          ‫ِ َ‬                                             ‫ٌ‬
       ‫ً‬         ‫َ ِ َ ً‬                        ‫َ‬
‫�إعالة �أه ِله وذويه، فانخرط يف ميدان العمل، وامتهن حرفا و�أ�شغاال ملكت‬
                                                                      ‫ُ‬
            ‫ًّ ّ‬          ‫ّ ً‬                                                ‫ُ َّ‬
‫جل وقته واهتمامه وتفكريه، وجعل ْته �أ�سرياً لها كليا �أو جزئيا، فقلت جاهز ّيته‬
     ‫ّ‬
‫وا�ستعداده يف �أدائه للمهام اجلهاديّة والقتالية، وجعلته ال ميلك من وقته ما ميكنه‬
                                     ‫ّ‬                  ‫ِّ‬
                                               ‫من �أداء مهامه ويف وقتها ال�سليم.‬
                                                                   ‫ّ‬
                  ‫ٌ‬
‫فهو ملتزم مبهنته طوال نهاره، مرهق يف ليله م�شغول ب�أهله، فمتى يكون‬
                                 ‫ُ َ ٌ‬                   ‫ٌ‬
                ‫َّ‬               ‫َ‬
‫العمل؟ ف�إن كانت مهمته تقت�ضي ال ّتنفيذ يف النهار، ا�ضطر �إىل تعطيل عمله‬
                                                    ‫ّ‬
   ‫ّ‬                                      ‫َ ِ ُ‬
‫يف ذلك اليوم، فيفقد الرزق و ُيلفت ال ّنظر، وقد وجدنا خاليا عديدة تعطلت‬
‫عملياتها مراراً، وت�أجلت ب�شكل متوا�صل، لعدم قدرتهم على �إيجاد الوقت‬
                                      ‫ٍ‬       ‫ّ‬                 ‫ّ‬
‫املنا�سب لعملهم، بل وا�ضطر بع�ضهم �إىل تعطيل عمله، وقد اختارت خلية‬
 ‫ّ‬                                   ‫َّ ُ‬
    ‫ّ‬                                                 ‫َ‬
‫(�سلواد) العمل اجلهادي يوم اجلمعة مرات عديدة، لأنه اليوم الذي يعطلون‬
                              ‫ّ ٍ‬         ‫َّ َ‬
                                                                     ‫فيه مه َنهم.‬
                                                                           ‫ِ َ‬
‫وال نعني بكالمنا هذا �أن يقعد املجاهد عن عمله ب�شكل دائم، فالعمل �إ�ضافة‬
‫ً‬                    ‫ٍ‬                     ‫َ‬
‫�إىل كونه م�صدر رزق، فهو يوفّر الغطاء الأمني للمجاهد، لكن املطلوب �أن‬
            ‫ّ‬            ‫َّ‬     ‫َ‬                     ‫َ‬
‫َّ‬                                                        ‫ُ ً‬
‫ال يكون العمل معيقا للعمل اجلهادي، و�أن توفِّـر احلركة للمجاهد املبلغَ املايل‬
                       ‫ُ‬      ‫َ‬
‫ٌ َّ ٌ‬   ‫ّ َ‬
‫البديل يف حال ا�ضطر �إىل تعطيل عمله. �إ�ضافة �إىل �رضورة �أن يتفرغ عدد حمدد‬
                   ‫ِ‬           ‫ً‬                        ‫ُّ‬
‫من الإخوة للعمل اجلهادي، ويكون م�صدر رزقهم من خالل احلركة مبعا�ش‬
 ‫ٍ‬
              ‫ُ‬         ‫ّ ُ‬
‫�شهري منتظم، ه�ؤالء مطلوب منهم الإبداع والتفرغ واملثابرة ليكونوا دعامة‬
                                ‫ُ‬            ‫ٌ‬                   ‫ٍّ‬
                                                                         ‫العمل.‬
‫152‬

‫6ـ �أخـطـاء: مع كل ما �سبق من عوامل �أعاقت العمل املقاوم، ف�إنّ الأخطاء‬
                ‫ً‬          ‫ّ‬
‫الذاتية للمقاومني وللحركات الثور ّية املقاومة؛ �شكلت عامال �آخر �ساهم يف‬
                                   ‫ِ‬                          ‫ِ‬       ‫ّ‬
                         ‫ً‬
‫ت�صدع الكثري من البنى والهيئات املقاومة، و�سببا يف ف�شل عدد ال ُيح�صى من‬
                                   ‫ِ‬                 ‫ُ‬              ‫ّ‬
‫املحاوالت اجلهادية، بل هو ال�سبب الأ�سا�س يف وقوع اخلاليا املجاهدة وعدم‬
 ‫اّ‬
‫جناحها يف تنفيذ ما عقد العزم على �إجنازه من مهام، وما العمليات الناجحة �إل‬
              ‫ّ‬           ‫ّ‬                         ‫ُِ َ‬
            ‫ّ‬                                   ‫ً‬
‫مزيج من التوفيق الإلهي �أوال و�أخرياً، ثم القدرة على جتاوز املعوقات وعالجها،‬
                                                                        ‫ٌ‬
                                                   ‫وعدم الوقوع يف الأخطاء.‬

                                           ‫َّ‬
                             ‫ومن الأخطاء التي نريد �أن ن�سلط ال�ضوء عليها:‬

‫- عدم االلتزام بالقواعد الأمنيّة التي ت�ضمن �سالمة العاملني: حيث تتهاون‬
‫العديد من اخلاليا املجاهدة ب�إجراءاتها الأمنية الواجب اتّباعها لتحقيق �أعلى قدر‬
                                  ‫ّ‬
                               ‫ّ‬
‫من ال�سالمة، و�ضمان املحافظة على الذات، وعدم الوقوع يف قب�ضة �أجهزة‬
‫االحتالل الأمنية والع�سكر ّية. و�إنّ الإجراءات الأمنية التي ت�ضمن للمجاهد حالة‬
‫ً‬                        ‫ّ‬                                     ‫ّ‬
                                                    ‫ُ ُ َ‬
‫من ال�رسِّية تطيل عمر جهاده متعددة، تبد�أ من ت�شكيل اخللية، ثم يف احل�صول‬
                                         ‫ِّ‬
‫على �أدواتها وم�ستلزماتها وم�صادر متويلها، فالإعداد للمهمات اجلهادية، ثم‬
‫�أثناء التنفيذ والعودة من املهمة.. و�إنّ �أي خط�أ قد يقع فيه املجاهد وجماعته يف‬
                                      ‫َّ‬
                           ‫ّ‬      ‫ً‬      ‫ّ‬
‫�أي مرحلة من هذه املراحل، �سي�شكل ثغرة ي�ستغلها االحتالل للإيقاع باخللية‬   ‫ِّ‬
                                                                     ‫ورجالها.‬

‫- العمل بردات الفعل: من ال�سمات الأبرز التي الزمت املقاومة الفل�سطينية‬
                                           ‫ِّ‬              ‫ّ‬
‫على مدار تاريخها: االنفعالية، والعمل بردات الفعل غري املح�سوبة، واملتولِّدة‬
                                   ‫ّ‬            ‫ّ‬
‫َ‬                       ‫ٌ‬
‫جراء حدث يهز م�شاعر املجتمع، فتعقبه هبة �أو ثورة �شعبية ما تلبث �أن تفرت‬
                 ‫ٌّ‬              ‫ٌّ‬                  ‫َ‬       ‫ّ َ َ ٍ ُّ‬
‫ويخبو �أُوراها، كثورة ال ّنبي مو�سى وثورة الرباق قدميا، وثورة �أحداث النفق عام‬
                          ‫ً‬                                        ‫َ ُ‬
‫252‬

‫ً‬
‫7991م، وهو ذاتُه عني ما يح�صل يف العمليات اجلهاديّة التي ا�ستمرت حينا‬
      ‫ّ‬                       ‫ّ‬                  ‫ُ‬
                                ‫ّ‬        ‫ِّ‬              ‫ً‬
‫من الدهر مقت�رصة على حماولة الرد على عمليات االغتيال، �أو الأحداث الكبرية‬
                                       ‫واملجازر الب�شعة التي يرتكبها االحتالل.‬

‫وحتى ال يقع القارئ يف �سوء فهم، ف�إننا ال نعني �أن ال تكون هناك ردات‬
   ‫ّ‬
     ‫ّ‬                      ‫ً‬                ‫َ‬
‫فعل، وال ن ّتهمها بال�سلبية املطلقة، بل هي �أحيانا من ال�ضرّورات مبا ت�شكله من‬
                                                    ‫ّ‬
‫رادع لالحتالل، و�صاعقٍ ُيلهب قلوب ال�شعب فينتف�ض على جلاّده، ومعب‬
‫ُ رِّ ٍ‬           ‫ُ‬             ‫َ‬                             ‫ٍ‬
‫�صادق عن عاطفة جيا�شة وانفعالٍ وطني و�رشعي مع الأحداث... لكن‬
                    ‫ٍّ‬      ‫ٍّ‬            ‫ٍ ّ ٍ‬             ‫ٍ‬
‫الـم�شكل فيه �أن يكون العمل املقاوم مقت�رصاً على ردات الفعل، فال يعمد �إىل‬
                       ‫ّ‬                                           ‫ُ ِ‬
‫املبادرة، وال ي�ضبط النف�س وقت احلاجة، وال يحدد هو الزمانَ واملكانَ والكيفية‬
‫َّ‬                    ‫ّ‬      ‫ِّ ُ‬
                                               ‫املنا�سبة ليختار فيها رده و�رضبته.‬
                                                         ‫ّ‬              ‫َ‬

‫لقد ا�ضطرت املقاومة �إىل الرد ب�رضبات جهاديّة مل تكن يف متام اجلاهزيّة‬
                         ‫ٍ‬       ‫ٍ‬       ‫ّ‬                   ‫ّ‬
‫لها، فجاءت ردات �ضعيفة قا�رصة، فا�ستنزفت طاق َتها ب�إرادتها، وهي كذلك‬
                                                                ‫ّ‬
‫انحرفت عن �أهدافها التي ر�سم ْتها لنف�سها، فكثري من اخلاليا التي �أُن�شئت بهدف‬
        ‫ِ‬                     ‫ٌ‬
          ‫ّ‬   ‫ِ‬              ‫ِ‬         ‫ّ‬       ‫ً‬
‫تنفيذ عمليات اخلطف مثال، فا�ضطرت مع ر�ؤية جمزرة �إىل ترك مهم ِتها التي‬
                       ‫ٍ‬
‫�سعت �إليها وتدربت على �أ�سلوبها، ثم انطلقت لتنفيذ عملية �إطالق نار �سقطت‬
                  ‫ّ‬                                      ‫ّ‬
                                            ‫فيها ب�شرِك �أو خط�أ كان فيه نهاي ُتها.‬
                                                                        ‫ٍ‬

‫ومن الأمثلة على ذلك خلية (�صوريف)، التي تخ�ص�صت بلونٍ من العمل،‬
                    ‫َّ‬                  ‫ّ‬
‫حتى جاءت الأوامر ب�رضورة الدخول يف �سلك ال ّتفجري كردة فعل على ممار�سات‬
             ‫ّ ٍ‬
 ‫االحتالل، فكانت عمليـ ُتها ال ّتفجرييّة الأوىل نهاية �صفحا ِتها الطويلة امل�رشقة.‬
           ‫ِ‬                  ‫َ‬            ‫ُ‬                  ‫ّ‬
‫- الع�شوائية، و�ضعف التخطيط التّكتيكي: فالقاعدة التي عملت بها املقاومة‬
      ‫ً‬                                             ‫ً‬
‫الفل�سطينية عموما ويف غالب مراحلها، هي (ا�رضب متى كان ذلك ممكنا)، ويف‬
‫352‬


      ‫ّ‬                                                                 ‫ٍ‬    ‫ِّ‬
‫كل حلظة ت�سنح فيها الفر�صة، دون النظر �إىل الزمان، �أو املكان، �أو الكيفية، �أو‬
                                                   ‫حتى النتائج املرتتّبة على ذلك.‬

‫فكلما مت �إعداد عبوة؛ يبد أ� العمل على زراعتها وتفجريها، وكلما جتهز‬
‫َّ‬                                                         ‫َّ‬
       ‫ّ َّ َ ُ‬
‫ا�ست�شهادي؛ ُي�صار �إىل �إر�ساله �صوب هدفه الأقرب، وكلما مت ر�صد هدف‬
 ‫ٍ‬
                                        ‫�صهيوين؛ ُيبا�شرَ �إىل �رضبه بدون ح�ساب.‬

                   ‫ً‬
‫قد يتنا�سب ذلك مع مرحلة دون غريها، لكنه قطعا ال يتنا�سب مع جميع‬
                                        ‫ٍ‬
‫املراحل، و�إن العديد من الر�سائل القو ّية والوا�ضحة وال�صرّيحة ميكن �إر�سا ُلها �إىل‬
                                                         ‫ّ‬
‫العدو والعامل �أجمع عرب اختيار الزمان واملكان وطبيعة الهدف وكيفية التنفيذ،‬
          ‫ّ‬
        ‫ً‬
‫وغري ذلك من ال ّتف�صيالت.. وميكن مل ْثل هذه ال�ضرّبات �أن حتقّق �أهدافا تفوق ما‬
                ‫َ‬                       ‫ِ‬
‫حتقّقه ال�رضبات الع�شوائية بكثري، ف�إذا �أردنا توجيه ر�سالة �إىل م�رشوع اال�ستيطان،‬
                        ‫ٍ‬      ‫َ‬       ‫ْ‬
‫ف�إننا نحتاج �إىل توجيه عدد من ال�رضبات �إىل قُطعان امل�ستوطنني، و�إذا �أردنا‬
  ‫ْ‬
‫�رضب ال�سياحة، فاملنتجعات وال�سواحل هي املكان املنا�سب لتوجيه ال�رضبات،‬
                                         ‫ّ‬    ‫ُ‬                ‫َ ِّ‬
‫و�إذا حر�صنا على تثبيت مبد أ� (توازن الرعب)، فال بد من االحتفاظ بعملية نوعية‬
 ‫ّ‬     ‫ّ‬                 ‫َّ‬         ‫ُّ‬
‫جاهزة للتنفيذ عقب حادثة اغتيال لأحد القادة، �أو �إقدام العدو على ارتكاب‬
‫جمزرة، و�إذا �أردنا �أن نلفت الأنظار �صوب الأ�رسى وق�ضيتهم، وال�ضغط على‬
       ‫ّ‬        ‫ّ‬             ‫َ‬            ‫َ‬          ‫ْ‬
‫امل�ستوى ال�سيا�سي والعاملي للإفراج عنهم، فعمليات اخلطف هي الأمثل لتحقيق‬
                         ‫ّ‬
                                                          ‫هذا الهدف، وهكذا...‬

                  ‫ّ‬
‫لقد قدر الكثري من العارفني؛ �أنّ انتفا�ضة الأق�صى لو ركزت يف عملها على‬
                               ‫َ‬                        ‫ُ‬      ‫َّ َ‬
        ‫ِ‬      ‫ّ‬
‫اال�ستيطان وامل�ستوطنات، و�ضرَب خطوط موا�صالتها و�سكانها وحرا�ساتها‬
                                        ‫ِ‬
‫ومركبا ِتها، ال�ستطاعت �أن تحُدث تغيرياً جذريا يف و�ضعها ووجودها، فقد‬
                       ‫ً‬             ‫َ‬
                    ‫ّ‬       ‫ِّ‬      ‫ُ‬
‫ر�أينا الكثري من امل�ستوطنات هجرها �أهلها مبجرد �أن تعر�ضوا للر�شق باحلجارة‬
         ‫َّ ِ‬                              ‫َ‬
‫452‬

               ‫ِّ‬              ‫َّ‬
‫لأيام طويلة، فكيف لو مت ت�سليط اخلاليا امل�سلحة عليهم وعلى كل و�سيلة ات�صالٍ‬
        ‫ِ‬                                            ‫َّ‬
‫بينهم وبني حميطهم؟ وهكذا ميكن ر�سم �أهداف مرحلية �آمنة، وتوجيه العمل‬
                                     ‫لتحقيقها؛ عندها يكون الإجناز كبرياً حقا.‬
                                      ‫ًّ‬

‫- الوقوع يف ذات الأخطاء التي تكرر الوقوع بها: فالناظر �إىل املجموعات‬
                                   ‫َّ َ‬
‫الع�سكرية واجلهادية العاملة على ال�ساحة، والباحث عن �أ�سباب �سقوطها بيد‬
‫عدوها وف�ش ِلها يف �إجناز الكثري من �أهدا ِفها، �سيجد جتارب عديدة مت�شابهة‬
                                                                       ‫ِّ‬
                           ‫ً‬
‫متكررة، و�أخطاء يتجدد الوقوع بها تكون �سببا النتهاء عمر املجموعات، فكم‬
                                                  ‫ّ‬               ‫ِّ‬
‫من املجموعات كان �سبب �سقوطها هو ا�ستخدام الهاتف املحمول، وكم من‬
                                                             ‫َ‬
‫املجاهدين قتلهم ل�سانُهم، وكم من املطاردين ا�ست�شهدوا ب�سبب عاطف ِتهم وعدم‬
‫ِ‬
                                                        ‫قدر ِتهم على �ضبطها...‬

   ‫َ‬
‫هذا يف ميدان العمل، �أما يف ميدان االعتقال، فما الذي يجعل �أكرث من‬
‫ن�صف الأ�رسى الذين يعرتفون، يكون اعرتافُهم عند الع�صافري، على الرغم من �أنه‬
                                                          ‫ً‬       ‫ً‬
‫�أ�صبح �أ�سلوبا مك�شوفا؟ �أال يوجد من ُيح�سن درا�س َته ويتكفّل بن�رش ثقافته؟ �أال‬
                                     ‫ِ ُ‬
‫يوجد من يتعهد النا�س لفهمه وا�ستيعابه واالطمئنان �إىل عدم الوقوع به، �أم �أن‬
                                                                ‫ّ‬
                                                               ‫ّ‬
                                                 ‫الإ�شكال ال يتعلق بالدرا�سة؟!!‬

‫هذه النقطة تقودنا �إىل القول ب�أن ال�سمات ال�سلبية للثورة الفل�سطينية تفتقر‬
                          ‫ّ‬           ‫ِّ‬
                                    ‫ُ َ‬         ‫َّ‬                 ‫ِّ َ‬
‫�إىل املفكرين املبدعني ا ّلذين خ�ص�صوا جهدهم ووق َتهم لدرا�سة ظواهر املقاومة،‬
      ‫َ‬
‫وواكبوا �أحدا َثها، و�ص ّنفوا مراحلها، ودر�سوا �سلبيا ِتها، وو�صفوا احللول لها..‬
                            ‫ّ‬                ‫َ‬
‫بحيث ي�ستفيدون من جتارب �أبنائها، وي�ضعون الأفكار واملبادئ واملناهج التي‬
                                                                      ‫تنا�سبها...‬
‫552‬

‫هكذا كانت الثورات العاملية؛ هكذا كان (ماوت�س تونغ) يف ال�صني،‬
‫و(كا�سرتو) و(ت�شي جيفارا) يف كوبا، و(هو�شي من) يف فيتنام... نعم، لدينا‬
‫من هو �أعظم منهم ت�ضحية وتفانيا وجهاداً، لدينا من قدم ما َله وولده ونف�سه،‬
   ‫َ‬     ‫َ‬           ‫َّ‬                    ‫ً‬       ‫ً‬
‫ومن �أعطى عمره لق�ضيته، ولكن ذلك ال ينفي حاجتنا �إىل �أمثال �أولئك املفكرين‬
                                                       ‫ّ‬
                                                                           ‫�أبداً.‬

‫وقد روى يل �أحد جماهدينا �أع�ضاء اخلاليا �أنّ �أحد حمقّقي ال�شّ اباك قال له:‬
                                                             ‫ُ‬
         ‫ّ ً‬
‫«�أنتم الفل�سطينيون تتقنون العمل الع�سكري، لكنكم فا�شلون �أمنيـا، وهذا ما‬
                                                        ‫ّ‬
                                                  ‫ً‬
                           ‫يوقعكم ب�أيدينا». وفعال، لقد �صدقه هذا الكذوب!‬
                                         ‫َ‬



                                    ‫***‬
256
‫752‬




        ‫َ ِ َ‬
      ‫الـخـاتـمـة‬
258
‫952‬




                                 ‫اخلامتة‬


‫ٍ‬        ‫ُّ ٍ‬
‫هي حرب دائمة بني االحتالل وال�شعب املقهور، مكانها كل �أر�ض مغت�صبة‬
                                                      ‫ٌ‬     ‫ٌ‬
                                               ‫ً‬
‫وحق م�سلوب، تنتهي دائما �إىل انت�صار احلق وعودة احلقوق �إىل �أ�صحابها،‬
                                                                   ‫ٍّ‬
                                  ‫وطرد املحتل عن �أر�ض �سلبها دون م�رشوعية.‬
                                    ‫ّ‬             ‫َ‬     ‫ٍ‬

‫حرب قد تطول ع�رشات ال�سنوات، لكنها قد تنتهي بعدة �سنوات، وهذا‬
              ‫ّ‬                                           ‫ٌ‬
‫عائد �إىل ظروف مو�ضوعية وعوامل و�أ�سباب، �أهمها قدرة ال�شعب وقواه‬
                        ‫ّ‬                     ‫ٍّ‬         ‫ٍ‬            ‫ٌ‬
‫املقاومة على �إدارة مقاومته وتنظيم �صفوفه، وتقومي �أدائه، ومعاجلة �أخطائه،‬
                                                                    ‫ِ‬
                                         ‫ومداومة االرتقاء وال�سري نحو النجاح.‬

‫ِّ ُ‬                   ‫ً‬                                            ‫ً‬
‫�إن ثورة ال تُقيم جتار َبها ال ميكنها �أن تعي�ش طويال، و�إنّ مقاومة ال توثـق‬
         ‫ً‬                                                     ‫ِّ‬
‫�أعما َلها وبطوالت �أبنا ِئها بانت�صارا ِتها و�إخفاقا ِتها ال ميكن �أن ت�ستفيد من‬
     ‫َ‬                                                            ‫ِ‬
                                                                        ‫تاريخها.‬

‫هي دعوة لكلِّ جماهدٍ ومقاوِ م وثائر، �أن يبحث عن جتارب غريه فيتّعظ بها،‬
                               ‫َ‬                                     ‫ٌ‬
               ‫َ‬                       ‫َ‬
     ‫وينتفع بنتاجها... وقد قيل: ال�سعيد من اتّعظ بغريه، وال�شقي من اتّعظ بنف�سِ ه.‬
                        ‫َّ ُّ‬                   ‫َّ ُ‬
                        ‫و�آخر دعوانا �أن احلمد هلل رب العاملني.‬
260
‫162‬




      ‫املراجع وامل�صادر‬

                               ‫1ـ خمت�رص �صحيح م�سلم.‬
                      ‫2ـ الرحيق املختوم/ املباركفوري.‬
      ‫3ـ املنهج احلركي لل�سرية النبوية/ �أ. منري الغ�ضبان.‬
                               ‫4ـ ف�ضائل ال�شّ ام/ الربعي.‬
                                   ‫ّ‬
                                ‫5ـ نور اليقني/ اخل�رضي.‬
                    ‫6ـ ر�سائل الإمام ال�شهيد ح�سن الب ّنا.‬
      ‫7ـ �صفحات من التاريخ الإ�سالمي/ ناجي �صبحة.‬
                     ‫8ـ �صحيح اجلامع ال�صغري/ الألباين.‬
‫262‬




                                           ‫الفهر�س‬

‫�إهداء ............................................................................................. 5‬
‫من قب�س النبوة ................................................................................. 7‬
‫تقدمي د.�أحمد نوفل ........................................................................... 9‬
‫مقدمة ........................................................................................... 51‬
                                                                                                 ‫ّ‬
‫متهيد ............................................................................................ 91‬
‫ما هي حرب الع�صابات؟ ............................................................... 12‬
‫ملحة تاريخية ................................................................................. 42‬
‫مدار�س حرب الع�صابات ................................................................ 72‬
                                                                             ‫ً‬
‫�أوال: مدار�س الع�صابات يف ع�رص ال ّنبوة ...................................... 92‬
                                                                                    ‫ً‬
‫ثانيا: املدر�سة ال�صينية (املاويّة) ...................................................43‬
                                                                      ‫ّ‬
                                                                                     ‫ً‬
‫ثالثا: املدر�سة الكوبية ............................................................... 73‬
                                                                                     ‫ً‬
‫رابعا: املدر�سة الفيتنامية ............................................................ 93‬
                                                                 ‫ّ‬
                                                                           ‫ً‬
‫خام�سا: حرب التحرير اجلزائر ّية .............................................. 14‬
                                                                               ‫ً‬
‫�ساد�سا: التجربة الفل�سطينية .......................................................44‬
                                                           ‫ّ‬
‫مقارنة ...........................................................................................84‬
‫�أهداف حرب الع�صابات ................................................................. 55‬
‫من قواعد حرب الع�صابات .............................................................. 96‬
‫العمل الفل�سطيني املقاوم ................................................................. 19‬
‫362‬


‫�أ�شكال هجمات املقاومة ................................................................. 59‬
                                                                                     ‫ً‬
‫�أوال: املقاومة ال�شعبية .............................................................. 59‬
                                                                       ‫َ‬
                                                                                 ‫ً‬
‫ثانيا: عمليات �إطالق النار ........................................................ 69‬
                                                                                ‫ً‬
‫ثالثا: عمليات التفجري ........................................................... 101‬
                                                                           ‫ً‬
‫رابعا: عمليات االختطاف ..................................................... 501‬
                                                                               ‫ً‬
‫خام�سا:االغتياالت ............................................................... 701‬
                                                                             ‫ً‬
‫�ساد�سا: حرب االنفاق ........................................................... 901‬
                                                                             ‫ً َ‬
‫�سابعا: ال�صواريخ .................................................................. 111‬
‫مناذج وتطبيقات ق�سامية ............................................................... 511‬
                                                                         ‫َ‬
‫و�سائل حتقيق الأهداف ................................................................. 361‬
                                                                                       ‫ً‬
‫�أوال: التنظيم ......................................................................... 661‬
                                                                                       ‫ً‬
‫ثانيا: الت�سليح ........................................................................ 471‬
                                                                                  ‫ً‬
‫ثالثا: اال�ستخبارات ............................................................... 181‬
                                                                                     ‫ً‬
‫رابعا: الإعالم ....................................................................... 091‬
                                                                                ‫ً‬
‫خام�سا: التخفَي وال َتمويه ....................................................... 591‬
                                                                             ‫ً‬
‫�ساد�سا: و�سائل االت�صال الآمنة ................................................ 202‬
                                                                                     ‫ً‬
‫�سابعا: الإميان ....................................................................... 212‬
‫�صفات رجل الع�صابات الناجح ...................................................... 712‬
‫من عوامل النجاح ........................................................................ 722‬
‫املعوقات ..................................................................................... 732‬
                                                                                             ‫َ‬
‫اخلامتة ........................................................................................ 752‬
‫املراجع ...................................................................................... 162‬

حرب العصابات | إعداد الأسير محمد صبحة

  • 1.
    ‫1‬ ‫حرب الع�صابات‬ ‫َ ُ ِ‬ ‫ّ‬ ‫بني النظرية العلميـة‬ ‫ّ‬ ‫والتطبيق الفل�سطيني‬
  • 2.
    ‫2‬ ‫حرب الع�صابات‬ ‫بني ال ّنظرية العلميـة والتطبيق الفل�سطيني‬ ‫ّ‬ ‫�إعداد الأ�سري حممد ناجي �صبحة‬ ‫____________‬ ‫الطبعة الأوىل – 2341هـ / 1102م‬ ‫توزيع: م�ؤ�س�سة فل�سطني للثقافة‬ ‫________________________________________________________‬ ‫�سورية – دم�شق – �ص.ب: 92031‬ ‫هاتف: 20847361136900‬ ‫فاك�س: 15547361136900‬ ‫الربيد االلكرتوين: ‪thaqafa@thaqafa.org‬‬ ‫املوقع االلكرتوين: ‪www.thaqafa.org‬‬
  • 3.
    ‫3‬ ‫حرب الع�صابات‬ ‫بني ال ّنظرية العلميـة والتطبيق الفل�سطيني‬ ‫ّ‬ ‫�إعداد الأ�سري حممد ناجي �صبحة‬
  • 4.
  • 5.
    ‫5‬ ‫�إهـــــداء‬ ‫�إىل �أ�سود كتائب ال�شهيد عز الدين الق�سام..‬ ‫�إىل ال�شهداء العظام..‬ ‫و�إىل املرابطني املجاهدين..‬ ‫ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠﭡ ﭢ ﭣ ﭤ‬ ‫و�إىل ال�صابرين الثابتني؛ جرحى و�أ�رسى..‬ ‫�أُهدي كتابي هذا..‬ ‫راجياً من اهلل القَبول..‬
  • 6.
  • 7.
    ‫7‬ ‫َ ِ ُّ ّ‬ ‫مـن قـبـ�س النـبـوة‬ ‫«لن تربح هذه الأمة من�صورين �أينما توجهوا، ال ي�رضهم من خذلهم من‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫النا�س، حتى ي�أتي �أمر اهلل وهم بال�شّ ام».‬ ‫َ ُ‬ ‫ّ‬ ‫ٌ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫َ ُ‬ ‫«�إذا فَ�سد �أهل ال�شّ ام فال خري فيكم. ال تزال طائفة من �أمتي من�صورين، ال‬ ‫ي�رضهم من خذ َلهم، حتى تقوم ال�ساعة».‬ ‫َ ّ‬ ‫ُّ َ‬ ‫«عقر دارِ امل�ؤمنني ال�شّ ام».‬ ‫ُ‬ ‫«�إنيّ ر�أيت املالئكة يف املنام �أخذوا عمود الكتاب فعمدوا به �إىل ال�شّ ام، ف�إذا‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ِ َ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫وقعت الفنت ف�إنّ الإميانَ بال�شّ ام».‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫«عن عبد اهلل بن حوالة �أ ّنه قال: يا ر�سول اهلل، اكتب يل بلداً �أكون فيه،‬ ‫َ‬ ‫فلو �أعلم �أ ّنك تبقى مل �أخرت �إال قر َبك. فقال عليه ال�سالم: «عليك بال�شّ ام،‬ ‫ُ‬ ‫عليك بال�شّ ام، عليك بال�شّ ام». فلما ر�أى ر�سول اهلل كراهي َته لل�شام، قال:‬ ‫«هل تدرون ما يقول اهلل عز وجل؟ يقول: �أنت �صفْوتي من بالدي، �أُدخل‬ ‫ِ ُ‬ ‫ِ َ َ‬ ‫فيك خريتي من عبادي»‬ ‫ِ ِ‬ ‫«ور�أيت ليلة ُ�أ�سرِْي بي عموداً �أبي�ضا ك�أنه ل�ؤل�ؤ، حتمله املالئكة، فقلت: ما‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫ُ َ‬ ‫حتملون؟ قالوا: عمود الإ�سالم �أُمرنا �أنْ ن�ضعه بال�شّ ام»‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬
  • 8.
    ‫8‬ ‫ِ ّ ِ ُ‬ ‫َ‬ ‫«عليك بال�شّ ام ف�إنها خرية اهلل من �أر�ضه، جتبي �إليها خريته من عباده»‬ ‫«�ستجدون �أجناداً: جنداً بال�شام، وجنداً بالعراق، وجنداً باليمن. قال عبد‬ ‫َ‬ ‫اهلل: فقمت فقلت: اخرت يل يا ر�سول اهلل. فقال: عليكم بال�شّ ام، فمن �أبى‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫َّ‬ ‫َ َّ‬ ‫فليلحق مبنه، ولي�ستعذ من غدره، ف�إنّ اهلل عز وجل قد تكفّل يل بال�شّ ام‬ ‫و�أه ِله»(1).‬ ‫***‬ ‫1جميع ما تقدم م�أخوذ من كتاب (ف�ضائل ال�شام/ للربيعي)، حتقيق ال�شيخ الألباين، وجميع الأحاديث �إما �صحيحة‬ ‫�أو ح�سنة.‬
  • 9.
    ‫9‬ ‫تقدمي‬ ‫الدكتور �أحمد نوفل‬ ‫�أ�ستاذ ال�رشيعة الإ�سالمية يف اجلامعة الأردنية‬ ‫ال�صاع هو قانون احلياة، و�س ّنة ال ّتدافع �سنة كونية اجتماعية، و�ضعها اهلل‬ ‫ٌّ‬ ‫ٌ‬ ‫رِّ‬ ‫يف ُبنية الكون واملجتمعات، بل جعلها �صمـام �أمان، و�ضمانَ �سالمة وعدم‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫ّ َ‬ ‫ف�سادٍ للأر�ض، و�أمن �أماكن العبادة، وقد كررها القر�آن الكرمي يف مو�ضعنيِ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫من �سورتَنيِ كرمي َتني، هما �سورة البقرة و�سورة احلج، فقال: }ﮰ ﮱ‬ ‫ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ{ [البقرة: ١٥٢]، وقال:‬ ‫}ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ‬ ‫ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ{ [احلج: ٠٤].‬ ‫واخلالف بني بني الب�رش �س ّنـة �أخرى، و�سيالزمهم ذلك ما الزم ْتهم احلياة:‬ ‫ٌ‬ ‫ِ‬ ‫}ﭙ ﭚ ﭛ{ [هود:٨١١]. وكثرياً ما يح�سم الب�رش خالفاتهم بالقوة‬ ‫واحلروب.‬ ‫وحتى �إن مل يكن ثمة خالفات، ف�إن نظرية (فائ�ض القوة) �ستجد نف�سها‬ ‫َ‬ ‫ّ ِ‬ ‫متحقّقة يف الواقع؛ اعتداء على ال�ضعيف، ومتدداً يف �أر�ضه، ومت ّتعا برثوته. �إن‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫َّ ْ ِ‬ ‫ّ‬ ‫ال�ضعف ال ُيغري الأقوياء �إال باالعتداء على الطرف ال�ضعيف، ورائحة ال�ضعف‬ ‫َ‬ ‫َّ َ‬ ‫َ ِ‬ ‫جتذب الأقوياء كما جتذب رائحة الدم �أ�سماك القر�ش يف البحار واملحيطات‬ ‫ُ ِّ‬ ‫َ‬ ‫نحو الفرائ�س.‬
  • 10.
    ‫01‬ ‫هذه هي طبيعةاحلياة، وهذه طبيعة الأ�شياء. وما ال�سالم �إال �أماين عذاب‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫و�أحالم، يحلم بها ال�ضعفاء ويتعللونَ بها، كما هو حال العامل العربي الر�سمي‬ ‫ّ‬ ‫اليوم.‬ ‫ما دام الأمر كذلك، و�أن الأقوياء ال يرحمون ال�ضعفاء، بل �إن �ضعفهم‬ ‫َ‬ ‫ُيغري الأقوياء باالعتداء، ويهدد ال�ضعفاء بالإنهاء والإفناء، �أفال ترى �إىل‬ ‫ُّ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫م�صري الهنود احلمر؟ و�أال ترى �إىل م�صري �إفريقيا كيف تُف َتعل فيها احلروب‬ ‫وتُوزع الأ�سلحة «ليتفانى» النا�س يف حرب قذرة ال م�صلحة لهم فيها؟ ولكن‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫َّ‬ ‫الأقوياء يت�صارعون من خالل ال�ضعفاء، ففرن�سا و�أمريكا تتناطحان من خالل‬ ‫ُّ‬ ‫َ‬ ‫الأفارقة... وهكذا..‬ ‫فهل بعد هذا الت�صوير ال�سوداوي للواقع من �أمل لل�ضعفاء؟! �أم �أن النهاية‬ ‫َ‬ ‫ٍ ُّ‬ ‫ِّ‬ ‫َّ‬ ‫احلتمية با�ستئ�صالهم هي لهم باملر�صاد؟‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫اجلواب نعم! �إنّ لهم ف�سحة وفر�صة للبقاء واالنت�صار، �رشط �أن يتغلبوا على‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫�ضعفهم، ويقهروا �سلبي َتهم وخوفَهم و�شعور الإحباط والي�أ�س والتمزق والتفرق،‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ويجتمعوا على املقاومة و�شن «حرب الع�صابات».‬ ‫ّ‬ ‫لقد غيرّت حرب الع�صابات وجه التاريخ! و�إن لنا فيها نحن امل�سلمني جتربة‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫عتيقة قدمية منذ فجر الإ�سالم، حني اتّخذ �أبو جندل و�أبو ب�صري من مواقعهما‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫َ‬ ‫على طريق القوافل نقاط هجوم وانق�ضا�ض على م�صالح قري�ش، فقامت قري�ش‬ ‫َ‬ ‫ترجو النبي [ �أن يقبلهم يف املدينة، بعك�س االتفاقية املوقَّعة بني ال ّنبي [‬ ‫ّ‬ ‫وقري�ش، وقد كان.‬ ‫على �أنّ حرب الع�صابات، �أو حرب ال�شعب، �أو املقاومة، �أو العمل الفدائي،‬
  • 11.
    ‫11‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ِ ً‬ ‫قد �أ�صبحت علما وممار�سةً، و�صار لل�شعوب، خا�صة الـم�س َتعمرة منها، �صار لها‬ ‫جتارب، تتبادلها الأمم والأقوام، وتتكامل اخلربات بني امل�ست�ضعفني.‬ ‫ُّ‬ ‫فكل عاملنا الإ�سالمي خا�ض حرب حترير �ضد امل�ستعمر، حتى حقّق لبالده‬ ‫َّ‬ ‫ً‬ ‫اال�ستقالل، واحدة فواحدة.. ولعل من �أجمل �صفحات الن�ضال واجلهاد‬ ‫ِّ‬ ‫ً‬ ‫ٍ ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫والقتال؛ ما �سطره ال�شعب اجلزائري يف مقاومة �شعبية قدمت فيها اجلزائر مليونا‬ ‫ً‬ ‫ون�صفا من ال�شهداء.‬ ‫وجتربة عبد الكرمي اخلطابي يف حرب الريف باملغرب العربي غنيـة قيمـة‬ ‫ّ ّ ٌ ّ ٌ‬ ‫ِّ‬ ‫كذلك. وجتربة عمر املختار معلم م�رشِّف. واملقاومة امل�رص ّية يف قناة ال�سوي�س‬ ‫ُّ‬ ‫َ ٌ ُ‬ ‫ِّ‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫عمل �شجاع متقدم. على �أن من �أعظم جتارب حروب الع�صابات جتربة ال�شّ عب‬ ‫ٍّ ٍ‬ ‫ٍ ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ُ ُّ‬ ‫َ‬ ‫الفيتنامي؛ فقد انخرط ال�شعب كله يف مقاومة رائعة �ضد طغيانٍ �أمريكي عات‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫َ َّ‬ ‫مدجج ال يرحم، وا�ستخدم كل الأ�سلحة املحظورة واملحرمة، وحرق الغابات‬ ‫َّ‬ ‫َّ ٍ‬ ‫والب�رش، وارتكب من املجازر ما ت�شيب له الولدان. ومن قبله فرن�سا �صنعت‬ ‫ال�صنيع نف�سه يف ذات البلد، ومع ذات ال�شعب، وخرج ال�شعب الفيتنامي منت�رصاً‬ ‫ُّ‬ ‫َّ َ َ‬ ‫ً ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ ِ‬ ‫على القوتَنيِ اال�ستعمار ّي َتنيِ امل�ستكربتَنيِ الطاغ َيتني، ولق َنهما در�سا تعلمت منه‬ ‫ّ‬ ‫كل �شعوب الأر�ض.‬ ‫ُّ‬ ‫وثورة غيفارا وحربه الفدائية مدر�سة يف حرب الع�صابات، حتى غدا رمزاً‬ ‫ٌ‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫للمقاومة. وخا�ض ال�شّ عب اللبناين مقاومة عنيدة با�سلةً، و�سطر مالحم من العرب‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫والبطولة والت�ضحية. وكذا ال�شّ عب ال�سوري يف مقارعة اال�ستعمار الفرن�سي،‬ ‫ُ ُّ ُّ‬ ‫َّ َ‬ ‫�سطر بطوالت وت�ضحيات.‬ ‫ٍ‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫ُّ َ َ ً‬ ‫على �أنّ ب�سالة ونبالة املقاومة يف فل�سطني، تظل معلما متميزا بني كل‬ ‫َ‬ ‫َ‬
  • 12.
    ‫21‬ ‫ال ّتجارب، وخا�صةجتربة (حما�س).. ومن قبلها جتربة املقاومة الفل�سطينية‬ ‫ٍ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫قبل �أن تنحرف القيادات وتنجرف باجتاه ت�سويات غري �سو ّية، �إمنا تنخرط يف‬ ‫م�رشوع مقاومة املقاومة.‬ ‫ِ‬ ‫لقد ابتد�أت املقاومة الفل�سطينية من اال�ستعمار الربيطاين يف �أوا�سط العقد‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫الثاين من القرن الع�رشين، �أي منذ قرابة قرن من الآن.. �إال قليال.‬ ‫ّ‬ ‫ثم تطورت مبقاومة م�رشوع اليهود ال�صهاينة، بالهجرة �إىل فل�سطني والتوطن‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ ّ‬ ‫ّ‬ ‫ٌ ٌّ‬ ‫فيها. وظهرت قيادات فذة لهذه الأعمال البطولية، من �أبرزها عز الدين الق�سام،‬ ‫َّ‬ ‫ُ‬ ‫وفرحان ال�سعدي، وعبد القادر احل�سيني، وغريهم... رحمهم اهلل وتقبل‬ ‫َّ‬ ‫جهادهم.‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ولقد �سطرت (فتح) بطوالت ال تُنكر، �إنْ يف حرب الكرامة �أو بعدها..‬ ‫ٍ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ َ‬ ‫قبل �أن يت�سلط عليها جمموعة من التجار وال�سما�رسة ا ّلذين باعوا دماء ال�شُّ هداء،‬ ‫ٌ‬ ‫وا�شتغلوا متعهدين مقاولني عن الأعداء.‬ ‫ِ َ‬ ‫ِّ َ‬ ‫ثم منذ نيف وع�رشين �سنة، ظهرت حركة (حما�س)، مقاومة فل�سطينية‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫ّ ٍ‬ ‫منطلقة من الإ�سالم العظيم ومبادئه يف احل�ضِّ على اجلهاد واملقاومة ومقارعة‬ ‫ٌ‬ ‫املحتل: }ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ{[البقرة: ١٩١]، وقد غدت يف زمن‬ ‫ٍ‬ ‫ْ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ي�سري واحدة من رموز املقاومة على مدى العامل والتاريخ الإن�ساين، وقدمت‬ ‫ٍ‬ ‫ِّ‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫قوافل من ال�شهداء، يف مقدمتهم قادتُها العظام وامل�ؤ�س�سون، ومل تفرت عزميتها‬ ‫ْ‬ ‫وما النت. ثم خا�ضت حروب مواجهة مع �أعتى قوة ع�سكرية يف العامل، مع �أنه‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫لي�س مطلوبا من حركات املقاومة �أن تواجه جيو�شا يف حروب نظامية، ومع هذا‬ ‫ٍّ ّ‬ ‫َ ّ‬ ‫ً‬ ‫�أثبتت موجود ّية وخرجت منت�رصة مرفوعة الر�أ�س وبهمة علية.‬ ‫ً‬ ‫ْ‬
  • 13.
    ‫31‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ُ َّ‬ ‫كانت حرب غزة منعطفا تاريخيا �أوقف فيه العدو من طرف واحدٍ �إطالق‬ ‫ٍ‬ ‫ُّ‬ ‫َ‬ ‫َ َ‬ ‫ُ ُّ‬ ‫النار، واعرتف العامل كله �أنّ العدو خ�رس يف هذه احلرب، و�إن كان �آمل بع�ض‬ ‫َّ‬ ‫العرب هذا الواقع اجلديد وال ّن�رص العتيد؛ فهم يعتربون �أنف�سهم و�إ�رسائيل يف‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫خندق واحد، ي�ؤذيهم ما ي�ؤذيها، ويقاتلون من تقاتله.‬ ‫ٍ‬ ‫ً‬ ‫ّ ُ‬ ‫يف هذا ال�سياق، اطلعت، �رسيعا، على كتاب «حرب الع�صابات، بني‬ ‫ِّ‬ ‫ال ّنظر ّية العلمية وال ّتطبيق الفل�سطيني». وكاتبه ممن خا�ض الغَمرات، ولبث‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ِ ّ‬ ‫َّ َ‬ ‫يف ال�سجن �سنوات، و�سجل من ال ّتجارب وامل�شاهدات واملعاي�شات هذه‬ ‫ّ‬ ‫ال�صفحات. ونحن نرحب بالكتاب لين�ضم �إىل مئات الكتب عن حرب‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الع�صابات، و�إىل ع�رشات الكتب من ال ّتجربة العربية الإ�سالمية يف حرب‬ ‫ّ‬ ‫الع�صابات.‬ ‫ِّ‬ ‫�أ�س�أل اهلل لهذا الكتاب وكاتبه القبول، و�أ�س�أل اهلل لأمتنا �أن ت�ستفيد من كل‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫َ ْ‬ ‫ً َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ِّ‬ ‫جتربة، ومن كل كلمة مقاومة، و�أن جتعل املقاومة لها نهجا وخياراً، فما ج َنـيـنا‬ ‫من خدعة ال�سالم �إال العلقم واملوت الز�ؤام. وخيار املقاومة �أربح اخليارات‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ُّ‬ ‫ّ‬ ‫واحللول، وخيار م�ساملة العدو �أ�سو�أُ و�أرد�أُ اخليارات.. والأحمق من ال تعلمه‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫اخلربة والتجربة.‬ ‫يجب �أن ت�صبح املقاومة ثقافة �شعبية عامة، و�أن يكونَ ال�صرب على الن�ضال‬ ‫ّ ُ‬ ‫ًّ ّ‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ّ ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫وحتمل تبعا ِته وتكاليفه بكل �شجاعة و�أريحية وروح م�ضحية فدائية. هذا هو‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫طريق ال�شرَّف وال ّن�رص والعزة والتحرير.‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫وفعال وحقا، �أنّ ما �أُخذ بالقوة؛ ال ميكن �أن ي�سرتد �إال بالقوة، وما جاء‬ ‫َّ‬ ‫ِ َ‬ ‫ًّ‬ ‫ً‬
  • 14.
    ‫41‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ُّ‬ ‫باملفاو�ضات تبدده �أقل التحديات. والأق�صى �أكرم على اهلل و�أعز من �أن يتحرر‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫�إال بالدماء وال�شهداء، فهذا م�رسى �أعظم الأنبياء، ومهره �أكرم ما ُيقدم الأحياء؛‬ ‫ِّ‬ ‫َ ُ‬ ‫الدماء.. وال نامت �أعني اجلبناء..‬ ‫ّ‬ ‫د.�أحمد نوفل‬ ‫ ‬ ‫ �أ�ستاذ ال�رشيعة الإ�سالمية‬ ‫يف اجلامعة الأردنية‬ ‫ ‬ ‫عمان ـ الأردن‬ ‫ ‬
  • 15.
    ‫51‬ ‫ِّ‬ ‫مـقـدمــة‬ ‫�إنَّ الناظر �إىل حال العمل الثوري واجلهادي يف فل�سطني على مدار العقود‬ ‫َ‬ ‫ال�سابقة، يجده قائما على التطور الع�شوائي، معتمداً على الكثري من اجلهود‬ ‫ً‬ ‫الفردية واملبادرات الذاتية، ما يجعله مفتقراً �إىل النظرات التحليلية والتقييمية‬ ‫ً‬ ‫غالبا، فالتجارب الثورية ـ رغم غزارتها ـ متر مرور الكرام من غري توثيق �أو‬ ‫حتليل، فرتى مئات بل �آالف العمليات الع�سكرية تُنفذ ومتر ب�إجنازاتها و�أخطائها‬ ‫دون �أن جتد من يتوقف عندها فيدر�سها وي�ستخل�ص النتائج منها، ثم ي�ضعها بني‬ ‫َ‬ ‫�أيدي العاملني لال�ستفادة منها.‬ ‫لذا، ف�إن كثرياً من ال�سلبيات ا ّلتي واجهت العمل الوطني الفل�سطيني ال زالت‬ ‫ً‬ ‫متكررة، وما زال ال�سقوط عند «الع�صافري» ي�شكل ن�سبة كبرية من االعرتافات،‬ ‫ّ‬ ‫وال زالت االغتياالت تُنفَّذ بحق املقاومني بنف�س الطريقة، ودومنا يقظة �أو‬ ‫مراجعة حقيقية مت�أ ّنية.‬ ‫كذلك ال زال اال�ستهتار الأمني، والف�شل املرتتّب على ا�ستخدام االت�صاالت‬ ‫الإلكرتونية، والقافلة ت�سري، وال زال.. وال زال.. وال من معترب. و�إن كنا قد‬ ‫بد�أنا ن�شهد يف املدة الأخرية تطوراً ملحوظا على العمل الع�سكري يف قطاع‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫غزة، وا�ستفادة طيبة من التجارب ال�سابقة، ونقال لتجارب وخربات ال�شعوب‬ ‫الأخرى، التي عا�شت احلياة الثورية ومار�ست حرب الع�صابات �ضد عدوها.‬
  • 16.
    ‫61‬ ‫َ‬ ‫�إنَّ اخللل الذي تعي�شه املقاومة الفل�سطينية هو خلل يف �إدارة العمل املقاوم‬ ‫ُ‬ ‫وتوجيهه واال�ستفادة منه، وتوجيه العاملني �إىل الوجهة ال�صحيحة. �أما �إدارة‬ ‫ال�سيا�سة، فهي خا�ضعة �إىل ِفكر احلركة التي تدير هذا العمل، فعندما �أدارت‬ ‫ً‬ ‫حركة فتح واملنظمة العمل املقاوم كانت توجهه ليقطف حلوال �سلمية تو�صلها‬ ‫�إىل ثمار (واهية) حددتها هي لنف�سها، وعندما �أدارت حركة حما�س عملها‬ ‫املقاوم ف�إنها وجهته �إىل وجهة �أخرى ونح�سبها قد �أح�سنت يف �إدارته �إن �شاء‬ ‫َّ‬ ‫اهلل.‬ ‫�إنَّ الثورة الفل�سطينية حتتاج �إىل مفكرين ميتازون بعقول نرية، لهم جتارب‬ ‫عملية ثرية يدعمونها بدرا�سات متعمقة لثورات العامل امل�شابهة، الأمر الذي‬ ‫ي�ؤهلهم �إىل درا�سة الكم الهائل من التجربة والتاريخ الثوري يف فل�سطني، و�إنني‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫�أ�ؤكد �أنّ وجود مثل ه�ؤالء املفكرين، ي�ضمن جتاوزاً للكثري من ال�سلبيات التي‬ ‫تكرر الوقوع فيها، وي�سمح بالتخطيط امل�ستقبلي البديل عن االندفاع الع�شوائي‬ ‫َّ َ‬ ‫الذي ن�شهده كثرياً للأ�سف.‬ ‫لن جنلد ذاتنا، فاملقاومة حقّقت من الإجنازات ما نفخر به، �إال �أنّ الأمل‬ ‫معقود عليها لتكون �أكرث قوة و�أبلغ �أثراً، و�أدق تخطيطا، و�أكرث ا�ستفادة‬ ‫ً‬ ‫وا�ستثماراً للخربات.‬ ‫ّ‬ ‫هذه الدرا�سة جهد املقل، �أ�سعى من خاللها �إىل ت�سليط ال�ضوء على �أبرز‬ ‫جتارب (حرب الع�صابات) احلديثة، و�إجراء مقارنة �رسيعة بني النظرية العملية‬ ‫لهذه احلروب والتطبيق الفل�سطيني لقواعدها، و�أخ�صِّ�ص درا�ستي للتجربة‬ ‫ُ‬ ‫الق�سامية التي ع�شناها و�سمعناها و�شاهدناها.‬
  • 17.
    ‫71‬ ‫لقد ا�ستمعت يف�سجني �إىل مئات التجارب اجلهادية الق�سامية، فخبرِت‬ ‫َ ُ‬ ‫الكثري من الأخطاء التي تقع فيها، وللأ�سف ف�أغلبها متكررة وم�ستمرة، وقد‬ ‫ّ‬ ‫ا�ستفدت من بع�ضها يف هذه الدرا�سة، وا�ست�شهدت بها مبا يتوافق مع الأبواب‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫التي �سنطرقها.‬ ‫�أ�س�أل اهلل العظيم �أن يكتب لهذا العمل القبول، ويجعل فيه اخلري والنفع‬ ‫والفائدة، و�أن يكتبه يف ميزان ح�سناتنا يوم نلقاه، �إنه �سميع جميب.‬
  • 18.
  • 19.
    ‫91‬ ‫متهيد‬
  • 20.
  • 21.
    ‫12‬ ‫متهيد‬ ‫ما هي حرب الع�صابات؟‬ ‫ٌ ُّ‬ ‫حرب الع�صابات هي حرب �أقل من حمدودة، وغري نظامية، بني طرفني غري‬ ‫ُ‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫ِّ ُ‬ ‫متكافئني. وهي قد تكون حربا وحدها، �أو ت�شكل جزءاً من تكتيكات حرب‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫تقليدية، دوافعها حتررية، �أو للتخل�ص من دكتاتورية، �أو انف�صامية عرقية، وهي‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ً‬ ‫غالبا ما ت�ستند �إىل حركة �سيا�سية تتولىّ �إدارتَها.‬ ‫�إذن فهي حرب غري نظامية، لأنها ال تعتمد �أ�سلوب احلرب ال ّنظامية القائمة على‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ٌ‬ ‫املواجهة املبا�رشة، فحرب الع�صابات تقوم على العمل ال�رسِّي، وا�ستخدام �أ�سلوب‬ ‫املجموعات ال�صغرية املنف�صلة، وانتهاج �أ�سلوب الكر والفر واخلديعة والكمائن‬ ‫وعدم الظهور، واالكتفاء با�ستخدام ال�سالح اخلفيف لتحقيق هذا الغر�ض.‬ ‫بينما احلروب النظامية (الكال�سيكية)، ف�إنها تقوم على تقابل جي�شنيِ‬ ‫َ‬ ‫نظامينيِ �أو �أكرث، تدور بينهم معارك ع�سكرية كبرية ذات طابع معلوم، وتعتمد‬ ‫َّ‬ ‫هذه احلرب على نظام اجليو�ش يف التعبئة والتنظيم والقتال، وا�ستخدام ال�سالح‬ ‫ٌ‬ ‫الثقيل من املدفعية والدبابات والطائرات وال�سفن احلربية. فهي �شكل خمتلف‬ ‫ٌ‬ ‫من التكتيكات واخلطط والآليات، تختلف يف �أهدافها وو�سائلها و�أ�ساليبها‬ ‫وميزاتها ومبادئها التي ت�ستند �إليها.‬
  • 22.
    ‫22‬ ‫وحرب الع�صابات ت�ستند�إىل حركة �سيا�سية تقود العمل املقاوم وتوجهه‬ ‫ّ‬ ‫الوجهة التي ر�سمتها لنف�سها، تقيم �أداءه، وتقطف ثماره. هذه احلركة تقوم‬ ‫ّ‬ ‫مبوازاة العمل املقاوم بخلق وعي �سيا�سي يرقى بوعي ال�شعب ليكون قادراً‬ ‫ِ‬ ‫ٍّ‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫على حمل �أعباء وتبعات الثورة. فحرب الع�صابات هي ذراع ع�سكري حلركة‬ ‫�سيا�سية، وهذا ما �أثبته (ماو) يف مبادئ ثورته حني قال: «�إنّ ال�شيوعية هي‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫القائدة حلرب الع�صابات ال�صينية»(1).‬ ‫ّ‬ ‫�أما دوافع حرب الع�صابات فمتعددة: منها ما كان دافعه حترريا طارداً‬ ‫ّ ً‬ ‫ّ‬ ‫لالحتالل؛ كما الثورة الفل�سطينية والثورة اجلزائرية، ومنها ما كان هدفه‬ ‫التخل�ص من الدكتاتورية؛ كالثورة ال�صينية والكوبية، ومنها ما كان لدوافع‬ ‫انف�صالية؛ كثورة الأكراد على احلدود الرتكية العراقية الإيرانية، والثورة البا�سكية‬ ‫ّ‬ ‫املم َّثلة بحركة (�إينا) االنف�صالية.‬ ‫وحرب الع�صابات كما ذكرنا تكون بني طرفني غري متكافئني، الأول جي�ش‬ ‫ٌ‬ ‫ً َ ً‬ ‫نظامي يتبع لدولة ذات كيانٍ و�سيادة، ميلك عتاداً ثقيال و ِفرقا وت�شكيالت‬ ‫ٍ ِ‬ ‫ٌّ‬ ‫مقاتلة، �أما الطرف الآخر فمجموعات مقاتلة مكونة من �أفراد ال ميلكون �إال‬ ‫ٌ َّ ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫�سالحا خفيفا مدعوما بالإميان والإخال�ص يف االنتماء.‬ ‫ً‬ ‫فحرب الع�صابات �أ�سلوب ي�ستخدمه الطرف ال�ضعيف ع�سكريا، لي ّتقي‬ ‫ٌ‬ ‫التفوق ا ّلذي يتمتع به خ�صمه، ويتجنب الفارق العددي والتكنولوجي،‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ّ َ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫في�ستخدم �أ�ساليب بدائية ن�سبيا، و�أ�شكاال يف املواجهة ال تنفع معها كرثة عدد‬ ‫جيو�ش اخل�صم وثقل عدته، مما ي�ضطر اخل�صم �إىل مالحقته ومواجهته بالطريقة‬ ‫َ‬ ‫1 احلرب واال�سرتاتيجية /يهو�شيفت هركيف.‬
  • 23.
    ‫32‬ ‫ّ‬ ‫التي يفر�ضها الطرف ال�ضعيف، وبالتايل يتخلى هذا اخل�صم عن تفوقه الهائل،‬ ‫وال ي�ستطيع اال�ستفادة منه كثرياً.‬ ‫ويالحظ �أنّ حرب الع�صابات قد تكون (ا�سرتاتيجية)، فتكون هي طريقة‬ ‫َ‬ ‫القتال الأ�سا�سية الوحيدة، كما هو احلال يف التجارب الفيتنامية وال�صينية‬ ‫ً‬ ‫والكوبية والفل�سطينية، والتي هي مو�ضوع بحثنا هنا، وحينها تكون حربا‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫مفتوحة زمانيا، �أهدافها �أكرث �شمولية وعمقا وحيوية.‬ ‫ً‬ ‫وقد تكون حرب الع�صابات تكتيكا، فتكون �إحدى طرق القتال امل�ساندة‬ ‫للقتال التقليدي الدائر بني جيو�ش نظامية، فت�ستخدم هذه اجليو�ش �أ�ساليب‬ ‫قتالية حمددة تخو�ضها وحدات خا�صة مدربة على هذا اللون من القتال، تقوم‬ ‫ب�أغرا�ض حمددة؛ كوحدات من الكوماندوز. ويف ذات الإطار، قد تعمد بع�ض‬ ‫الدول املتحاربة �إىل خلق ع�صابات غري نظامية كي تخدم �أغرا�ضها.‬ ‫َ‬ ‫لقد �أُطلق على حرب الع�صابات عامليا ا�سم (جاريال)، وهي كلمة التينية‬ ‫ً‬ ‫تعني (احلرب ال�صغرية)، ولأنه م�صطلح عاملي يعرب عن م�صطلحات اجلهاد‬ ‫والثورة واملقاومة والن�ضال واالنتفا�ضة، ف�سن�ستخدمه نحن يف درا�ستنا.‬ ‫وقد تكون الع�صابة كلمة غري حمببة �إىل النف�س الرتباطها ببع�ض املعاين ال�سلبية‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫يف الأذهان، �إال �أنها لي�ست بالكلمة ال�سلبية يف حقيق ِتها وجوهرها، فقد وردت‬ ‫ّ‬ ‫يف حديث لر�سول اهلل [ يف �صحيح م�سلم: «اللهم �إنْ تهلك هذه الع�صابة من‬ ‫َّ‬ ‫ٍ‬ ‫�أهل الإ�سالم؛ ال تُعبد يف الأر�ض».‬
  • 24.
    ‫42‬ ‫ملحة تاريخية:‬ ‫تُعد حرب الع�صابات �صورة قدمية من �صور ال�رصاع، �سبقت احلرب النظامية‬ ‫ُّ‬ ‫يف وجودها، ذلك �أن النزاعات وال�رصاعات بد�أت بني قوات غري نظامية،‬ ‫ثم �أخذت هذه القوات تُـعـد نف�سها، وتزيد من قدرتها وترفع من كفاءتها،‬ ‫ِ ُّ‬ ‫وت�ضاعف من قواتها ملواجهة الهجمات امل�ضادة والرد عليها ب�رسعة وقوة،‬ ‫وت�شن هجمات ا�ستباقية خاطفة، فبد�أت ت�شكل القوات �شبه النظامية، ومن ثم‬ ‫النظامية، لتتحول ال�رصاعات �إىل حرة نظامية ت�شبه واقع احلال هذه الأيام.‬ ‫ولقد بد�أت حرب الع�صابات على �شكل غارات خاطفة ومتكررة بني مقاتلي‬ ‫القبائل املختلفة يف م�ساع لل�سيطرة على الكلأ واملاء، ول�ضم �أرا�ض جديدة �إىل‬ ‫ٍ‬ ‫ِّ‬ ‫ممتلكات القبيلة وزعيمها، وا�س َتخدمت هذه الغارات بع�ض الأ�ساليب البدائية‬ ‫َ‬ ‫اّ‬ ‫حلرب الع�صابات؛ كالكر والفر، والتمويه واملباغتة، �إل �أن عنا�رصها بقيت‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫غري مكتملة، فال تنطبق عليها مبادئ حرب الع�صابات املعا�رصة ب�شكل فعلي.‬ ‫ومن �أ�شهر حروب الع�صابات القدمية يف تاريخنا العربي: (حرب الب�سو�س)، و‬ ‫(داح�س والغرباء). ثم جاءت جتارب حروب الع�صابات يف ع�رص النبوة، ومن‬ ‫�أبرزها جتربة ال�صحابي اجلليل (�أبو ب�صري).‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫وتطورت حرب الع�صابات الأخرية (احلديثة) �شيئا ف�شيئا مع التجارب‬ ‫الثورية الناجحة التي خا�ضتها ال�شعوب �ضد امل�ستعمر وامل�ستبد، ومع كل جتربة‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫جديدة كانت (اجلاريال) ت�أخذ �شكال �أكرث و�ضوحا، وتثبت لها قواعد ومبادئ‬ ‫ّ‬ ‫و�سمات جديدة، حتى ت�شكلت مدار�س ثورية متثل الأ�شكال املختلفة حلرب‬ ‫الع�صابات املدنية والريفية.‬
  • 25.
    ‫52‬ ‫ولقد ا�ستطاعت حربالع�صابات عرب تاريخها حتقيق جناحات وانت�صارات‬ ‫و�إجنازات؛ زادت من �أهميتها، وقناعة املجتمع بها.. فقد متكنت من طرد‬ ‫امل�ستعمر مهما عظمت قوته، وحترير البالد املحتلة مهما طال احتاللها، وحتقيق‬ ‫الأهداف املرجوة واملر�سومة، وحتقيق التقدم والتفوق، على الرغم من الفرق‬ ‫ال�شا�سع يف ميزان القوى ل�صالح عدوها.‬ ‫ومن الأمثلة املعا�رصة التي انت�رصت فيها حرب الع�صابات على عدوها:‬ ‫الثورة ال�صينية يف مواجهة الدكتاتورية الداخلية واال�ستعمار الياباين، والثورة‬ ‫الفيتنامية يف مواجهة الواليات املتحدة الأمريكية، والثورة اجلزائرية يف وجه‬ ‫ً‬ ‫اال�ستعمار الفرن�سي، والثورة الكوبية يف وجه الدكتاتور ّية املدعومة خارجيا،‬ ‫ّ‬ ‫والثورة الأفغانية يف وجه ال�سوفييت.‬ ‫***‬
  • 26.
  • 27.
    ‫72‬ ‫مدار�س‬ ‫ُ‬ ‫حرب الع�صابات‬ ‫ِ‬ ‫َ‬
  • 28.
  • 29.
    ‫92‬ ‫مدار�س حرب الع�صابات‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫و�سعيا لالنتفاع من جتارب الآخرين، ونقال خلرباتهم، ف�إننا �سنعر�ض‬ ‫ب�إن�صاف مناذج من حروب الع�صابات احلديثة التي �شكلت مدار�س يحتذى‬ ‫بها وجتارب تُدر�س، و�أبرزها (ال�صينية، الكوبية، الفيتنامية).. ونعر�ض معها‬ ‫َّ‬ ‫ً‬ ‫(التجربة اجلزائرية)، وقبلها جميعا نعر�ض خري جتربة عرفتها الإن�سانية، �أال وهي‬ ‫التجربة النبويّة املحمد ّية.. نعر�ض منها وم�ضات خاطفة تبارك لنا م�رشوعنا،‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫ونغرتف من معانيها يف ا�ستنتاجاتنا �إن �شاء اهلل.‬ ‫�أوالً: حرب الع�صابات يف ع�رص النُّبوة:‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ا�ستخدم الر�سول [ و�صحاب ُته الأطهار مبادئ حرب الع�صابات ب�شكل‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫كبري، بل ويف مرحلة مبكرة من الدعوة واجلهاد.. ولعل ممار�ساتهم �أ�صلت‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫وابتكرت بع�ضا من تلك املبادئ، حتى �أ�صبحت مدر�سة متكاملة اقتدى بها‬ ‫ُ‬ ‫قادة الفتح الإ�سالمي وجند الإ�سالم على مر الع�صور.‬ ‫و�سنتحدث هنا عن هذه املدر�سة باخت�صار، حيث �سنطرق بع�ض العناوين‬ ‫ّ‬ ‫واملواقف التي برزت فيها فنون حرب الع�صابات ومباد�ؤها.‬
  • 30.
    ‫03‬ ‫جمموعات �أبي ب�صري:‬ ‫ُ‬ ‫كما نعلم، فقد عقد ر�سول اهلل [ مع م�رشكي مكة �صلح احلديبية، وقد‬ ‫َ‬ ‫ت�ضمن هذا ال�صلح بنـداً اعتربه كبار ال�صحابة جمحفا بحق امل�سلمني، بل رف�ضوه؛‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫لوال طاعتهم لر�سول اهلل [.‬ ‫ً‬ ‫وهذا الن�ص هو: (من جاء �إىل املدينة من �أهل مكة م�س ِلما فعلى امل�سلمني‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫رده �إىل �أهله، �أما من جاء �إىل مكة من �أهل املدينة م�رشكا فلي�س على �أهل مكة‬ ‫ّ‬ ‫رده)..‬ ‫ولقد ا�ستطاع ال�صحابي املجاهد عتبة بن �أ�سيد (�أبو ب�صري) �أن يفر من قيده‬ ‫َّ‬ ‫الذي كبله به خا ُله، الأخن�س بن �رشيف، وفر �إىل مدينة ر�سول اهلل [، و�أقام فيها‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫�أياما بني �إخوانه م�رسوراً بدينه �سعيداً ب�إميانه، وملا علمت قري�ش بذلك �أر�سلت من‬ ‫ً‬ ‫امل�رشكني من يرده �إليهم، وحدثوا ر�سول اهلل بذلك، فما كان من ر�سول اهلل [‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫َ ٍ‬ ‫وفاء للعهد �إال �أنْ رده �إليهم على كره من ال�صحابة.‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ويف طريق العودة، احتال �أبو ب�صري على حرا�سه، فقتل �أحدهما، بينما‬ ‫ُ ّ‬ ‫ّ‬ ‫متكن الثاين من الفرار �إىل املدينة، فتبعه �أبو ب�صري.. وهناك مل يجر�ؤ امل�رشك‬ ‫على ا�صطحاب �أبي ب�صري معه ثانيةً، بعد ما ر�أى ما ح�صل ب�صاحبه، وعندها‬ ‫�أوم�أ ر�سول اهلل �صلى اهلل عليه و�سلم ب�إميائة خفية التقطها �أبو ب�صري و�سارع �إىل‬ ‫ً‬ ‫تنفيذها، فقال عليه ال�سالم «ويح �أمه! ُي�سعر حربا لو كان معه رجال».. فانطلق‬ ‫َّ‬ ‫َّ ٍّ‬ ‫َ‬ ‫�أبو ب�صري �إىل �أر�ض حمايدة يجمع الرجال وكل فار بدينه من �أر�ض الكفر، حتى‬ ‫جتمع لديه جمموعات مقاتلة، واتخذت لنف�سها قاعدة ع�سكرية قريبة من �ساحل‬ ‫ّ‬ ‫البحر.‬
  • 31.
    ‫13‬ ‫ثم بد أ�بالإغارة على قوافل امل�رشكني و�سلبها، حتى ت�رضرت جميع قوافلهم،‬ ‫وفقدوا الأمان حتى على �أنف�سهم، فما كان من م�رشكي مكة �إال �أن بعثوا بوفدٍ‬ ‫�إىل ر�سول اهلل [ يف املدينة يطلبون منه �أن يتنازل عن ال�رشط الذي و�ضعوه هم،‬ ‫ً‬ ‫وهو ال�رشط الذي ذكرناه �آنفا. وبذاك حقّق �أبو ب�صري هدفه، وعاد جند الإ�سالم‬ ‫َ‬ ‫�إىل مع�سكرهم و�إىل مدينة ر�سول اهلل [ والن�رص ي�سري بركبهم(1).‬ ‫االغتياالت:‬ ‫ولقد ا�ستخدم ر�سول اهلل [ مبد أ� االغتياالت يف العديد من املرات التي ر�أى‬ ‫فيها �أنه احلل الأمثل، فيحقن بذلك دماء امل�سلمني ويفت من ع�ضد امل�رشكني‬ ‫ّ‬ ‫ََ‬ ‫َ‬ ‫ويفرق �شملهم ويدب الهلع يف قلوبهم، وقد حققت عمليات االغتيال يف‬ ‫ُّ‬ ‫ّ‬ ‫جمملها �أهدافَها بنجاح، ومن �أمثلة االغتياالت يف عهد النبوة؛ اغتيال (كعب‬ ‫بن الأ�رشف)، و (�سالم بن �أبي حقيق)، و (�أبو عقل)، و (�أبو رافع)، و (ابن‬ ‫�سنينة).. وجميعهم يهود. و (�سفيان بن خالد الهنديل) و (ع�صماء بنت‬ ‫مروان).. وغريهم.‬ ‫ونقف مع �أحد هذه الأمثلة، وهي عملية اغتيال ر�أ�س الكفر اليهودي: (�سالم‬ ‫بن �أبي حقيق).. فقد جمع عدو اهلل (ابن �أبي حقيق) اليهود من حوله، و�أخذ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫يحر�ض على امل�سلمني، ومتادى يف التعري�ض بهم وب�أعرا�ضهم، ويف �إيذائهم‬ ‫ّ‬ ‫بكل و�سيلة ممكنة.. ولذا كان قرار قتله.‬ ‫1الرحيق املختوم، املباركفوري.‬
  • 32.
    ‫23‬ ‫اختار ر�سول اهلل[ �أمري املجموعة مبوا�صفات خا�صة جتعله قادراً على �إنفاذ‬ ‫املهمة بنجاح، فهو (عبد اهلل بن عتيك)، جماهد �صادق خمل�ص يف دينه، �شجاع‬ ‫ومقدام، ال ي�ساوره الرتدد يف �أ�صعب املواقف، ويتقن اللغة العربية ـ لغة اليهود،‬ ‫وبالتايل ميكنه التعامل معهم والفهم عليهم و�إفهامهم �إن لزم الأمر. ثم �إن �أمه‬ ‫بالر�ضاعة يهودية، مما يوفر له مربراً كافيا لدخول ح�صن اليهود، ويوفر له ملج�أ‬ ‫ً‬ ‫يف حال اقت�ضت احلاجة. وترك ر�سول اهلل [ لعبد اهلل �أن يختار جمموعته،‬ ‫وذلك كي يختارهم �ضمن موا�صفاته، فيطمئن �إليهم و�إىل قدراتهم، ويكونوا‬ ‫على توافق كامل ي�سهل عليهم �إجناح مهمتهم.‬ ‫انطلق عبد اهلل و�إخوانه الثالثة �صوب ح�صن خيرب، حيث يقيم (�سالم)،‬ ‫بعد �أن جمعوا ما توفر من معلومات عن عدوهم. وكان همهم الأول دخول‬ ‫احل�صن، و�إيجاد ملج�أ �آمن بداخله ي�سمح لهم بر�صد الهدف عن قرب والقيام‬ ‫بعمليتهم على ب�صرية كاملة، فكان ات�صال عبد اهلل ب�أمه التي �سمحت لهم بالإقامة‬ ‫ّ‬ ‫يف بيتها، وبالتايل ا�ستطاعوا دخول احل�صن ب�صحبتها، ومن ثم �إيجاد ملج�أ ق�ضوا‬ ‫َ‬ ‫فيه مدة اال�ستعداد والر�صد ثم االنطالق. وملا جتمعت لديهم املعلومات الالزمة‬ ‫والكافية لتنفيذ املهمة، واملتوفرة عرب الر�صد واملراقبة، و�ضع املجاهدون خطتهم،‬ ‫وانطلقوا للعمل متوكلني على اهلل، م�ستفيدين من قدرات �أمريهم، وحتديداً يف‬ ‫احلديث باللغة العربية، حيث كانت مفتاحهم للو�صول �إىل داخل ق�رص عدو اهلل‬ ‫(�سالم بن �أبي حقيق)، وهناك ا�ستطاعوا قتله واالن�سحاب ب�أمان، دون �أن يمُ�س‬ ‫َّ‬ ‫�أحدهم ب�سوء(1).‬ ‫ُ‬ ‫1 نور اليقني.‬
  • 33.
    ‫33‬ ‫ال�ســرايا والبعـــوث :‬ ‫ُ‬ ‫بعث ر�سول اهلل [ ع�رشات ال�رسايا والبعوث املجاهدة لتحقيق �أهداف‬ ‫َ‬ ‫ع�سكرية مدرو�سة، �سواء كانت دفاعية ل�صد خطر قادم، �أو هجومية لتحقيق‬ ‫�إجناز وتقدم.‬ ‫هذه ال�رسايا عملت على طريقة حرب الع�صابات يف معظمها؛ فقد اعتمدت‬ ‫ب�شكل �أ�سا�سي على مبد أ� املباغتة وال�سية. ولذا كان الأمر النبوي لقادتها ب�أن‬ ‫رِّ‬ ‫ً‬ ‫ي�سريوا ليال ويكمنوا نهاراً، و�أن ال يحدثوا عن وجهتهم. بل �إنه ا�ستخدم �أول‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ر�سالة مغلقة ال يعلم بنودها وفحواها حاملها، فقد �أر�سل (عبد اهلل بن جح�ش)‬ ‫َ‬ ‫على ر�أ�س �رسية، ومل يخربه عن وجهته، بل �أعطاه ر�سالة مغلقة، وطلب منه �أن‬ ‫ال يفتحها �إال بعد م�سري يومني، و�أن يقوم بقراءتها على جنده، ومن ثم يخيرّه‬ ‫يف اال�ستمرار �أو االن�سحاب، وبذلك تكون وجهة ال�سرّ ّية جمهولة حتى على‬ ‫ِ‬ ‫جندها.‬ ‫ناهيك عن �أن عدداً من امل�سلمني مل يكونوا يعلمون بو�صول قوات امل�سلمني‬ ‫ِ ُ‬ ‫�إال يف اللحظات الأخرية، فها هم ع�رشة �آالف مقاتل َي�صلون مكة لفتحها، وال‬ ‫يعلم �أهلها بذلك �إال وامل�سلمون على �أبوابها. ويكفي يف هذا املجال الإ�شارة �إىل‬ ‫�أن ر�سول اهلل [ مل يعلن عن وجهة �رسية �أو غزوة طوال حياته �إال غزوة تبوك،‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫وذلك لبعد املكان وق�سوة الطريق وحمنة القحط واجلوع التي كانت؛ في�ستعد‬ ‫ُ‬ ‫امل�سلمون لها.‬ ‫***‬
  • 34.
    ‫43‬ ‫ثانياً: املدر�سة ال�صينيّة (املاويّـة):‬ ‫ِّ‬ ‫هي جاريال ريفية كبرية، رافقَها �أن�شطة متعددة الأ�شكال، موجهة خللق‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫ٌ‬ ‫وعي �سيا�سي لدى �أفراد ال�شعب، قادها احلزب ال�شيوعي ال�صيني، وكان هدفها‬ ‫ٍّ‬ ‫ٍ‬ ‫ال�سيطرة على احلكم.. فحاربت العدو اخلارجي، واال�ستبداد الداخلي.‬ ‫بد�أت الثورة ال�صينية باالحتجاجات ال�شعبية التي قادها احلزب ال�شيوعي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ال�صيني يف العقد الثاين من القرن الع�رشين، ثم بد�أت هذه االحتجاجات تتنظم‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫�شيئا ف�شيئا، �إذ �أن�ش�أ احلزب 02 نقابة عمالية من عمال املناجم وعمال �سكك‬ ‫ّ‬ ‫احلديد، ثم دخلت هذه النقابات يف �إ�رضاب قوي عام 2291م، قاده الزعيم‬ ‫ال�صيني (ماوت�سي تونغ)، الذي �أ�صبح الأب الروحي للثورة ال�صينية.‬ ‫�أطلق (ماو) �رشارة الثورة يف الأرياف، بعك�س تعاليم املارك�سية، فقد حترك‬ ‫من (هوتان) حني تر�أّ�س قاعدة �أول نواة ثورية، وحرك االحتادات الفلاّحية‬ ‫ّ َ‬ ‫لتحقيق هدفه، و�أطلق عليها ا�سم: (احلرب الأهلية الثورية الأوىل).‬ ‫بادر (ماو) يف �سنة (7291م) �إىل بناء جي�ش ثوري، بهدف حترير مناطق‬ ‫ي�صعب مهاجمتها، وذلك لإقامة قاعدة انطالق على �أر�ضها، معتمداً يف ذلك‬ ‫على عمال املناجم والفالحني، �إ�ضافة �إىل بع�ض اجلنود الثائرين الفارين من قيادة‬ ‫ّ‬ ‫( الكومنتانغ).‬ ‫بد�أ (ماو) بتنظيم (انتفا�ضة ح�صاد اخلريف) من خالل فرقته الأوىل، �إال �أنّ‬ ‫حماولته تلك مـ ِنـيـت بالف�شل، وتكبدت قواته خ�سائر فادحة، و�أُلقي القب�ض‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ُ َ‬ ‫عليه، غري �أنه متكن من الفرار.‬ ‫جل� (ماو) �إىل اجلبال، حيث �أن�ش� قواعد �سوثياتية، ومناطق حكم تدير كل‬ ‫أ‬ ‫أ‬
  • 35.
    ‫53‬ ‫الأمور احلياتية والع�سكرية،ثم عمد �إىل �إن�شاء (قواعد حمراء) �أخرى، فات�سعت‬ ‫رقعة �سيطرته.. مما �أثار ردة فعل عنيفة لدى (ت�شيانغ كاي ت�سك) الذي حاولت‬ ‫ّ ٍ‬ ‫قواته تطويق قوات (ماو ) وجي�شه، �إال �أن (ماو) بادر باالن�سحاب بقواته �إىل‬ ‫ال�شمال الغربي، وذلك ما بات يعرف با�سم (امل�سرية الكربى) التي ا�ستغرقت‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫عاما كامال، عرب فيها 01 �آالف كيلو مرت، وكانت قواته قد بد�أت بـ (001)‬ ‫ّ‬ ‫�ألف ثائر، وانتهت بـ (02) �ألف ثائر فقط، حتى و�صل �إقليم (�شان �سي ).‬ ‫ً‬ ‫ويف العام (7391م) كانت اليابان قد �شنت هجوما على ال�صني، فتحالف‬ ‫(ماو) مع (ت�شيانغ كاي) يف �صد العدوان الياباين، وا�ستمر احلال على ذلك حتى‬ ‫ِّ‬ ‫العام 5491م، حتى و�ضعت احلرب �أوزارها با�ست�سالم اليابان. وعندئذ جتدد‬ ‫َّ‬ ‫القتال بني الطرفني؛ ال�شيوعي بقيادة (ماو)، واليميني بقيادة (ت�شيانغ )، وا�ستمر‬ ‫القتال دائراً بني الطرفني حتى العام 9491م، حيث ا�ستطاع ال�شيوعيون‬ ‫االنت�صار، والتج� (ت�شيانغ ) �إىل جزيرة تايوان و�أقام حكومة ال�صني الوطنية.‬ ‫أ‬ ‫هذا وقد اع ُتـبِـر (ماوت�سي تونغ)، مفكر الثورة ال�صينية، ووا�ضع �أُ�س�سها،‬ ‫َ ِ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫حتى �سميت منظومة �أفكار الثورة ال�صينية بـ (املاوية) ن�سبة له، ومن الكتب التي‬ ‫ً‬ ‫ُ ِّ‬ ‫و�ضعها يف هذا املجال: «امل�شكالت اال�سرتاتيجية للحروب الثورية يف ال�صني»‬ ‫و «يف احلرب طويلة الأمد»، و «امل�شكالت اال�سرتاتيجية حلرب الأن�صار �ضد‬ ‫اليابان». �إ�ضافة �إىل عدد �آخر من امل�ؤ َّلفات التي �أ�صبحت مدر�سة �أ�سا�سية من‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫مدار�س حرب الع�صابات احلديثة(1).‬ ‫1 املو�سوعة ال�سيا�سية، د. عبد الوهاب الكيايل.‬
  • 36.
    ‫63‬ ‫من ر�ؤى (ماو) يف حرب الع�صابات:‬ ‫- يرى ماو �أن حرب الع�صابات تت�ألف من ثالث مراحل:‬ ‫1- االن�سحاب اال�سرتاتيجي: يكون العدو فيه هو الأقوى، والثورة ت�شاغله‬ ‫وت�رضبه رغم �ضعفها.‬ ‫2- الت�ساوي اال�سرتاتيجي: ي�ضعف العدو و ُي�ستنزف، وتقوى الثورة وتبد�أ‬ ‫بالتحول �إىل قوات نظامية.‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫3- ال�رضبة اال�سرتاجتية: تتغري الثورة لت�صبح جي�شا نظاميا وتُنزل بالعدو �رضبة‬ ‫قوية لتحقِّق الن�رص.‬ ‫ولهذه املراحل �أثران:‬ ‫�أ- ع�سكريا ومنهجيا: العمليات التكتيكية ت�أخذ بعداً ا�سرتاتيجيا، واملراحل‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫تعطي اجلاريال القدرة على زيادة خلق املبادرة والزيادة التدريجية يف‬ ‫حجم العمليات.‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ب- نف�سيا و�أيدولوجيا: اجلاريال تبث روح الأمل يف نفو�س ال�شعب‬ ‫واملقاتلني، فترُِيهم ال�ضوء يف نهاية النفق، فيفهمون �أن الأمل واملعاناة‬ ‫والت�ضحية �سيكون لها ثمار ونتائج(1).‬ ‫ويرى (ماو) �أن حرب الع�صابات تتنا�سب مع الدول الوا�سعة كال�صني، التي‬ ‫حررت مقاطعة (ينالدا) ف�أ�صبحت مركزاً لها.‬ ‫1احلرب واال�سرتاتيجية، يهو�شيفت هركيف.‬
  • 37.
    ‫73‬ ‫كما يرى �رضورةاالعتماد على الذات من الناحية اللوج�ستية، بحيث يكون‬ ‫�سالح الثورة غنيمة من عدوها، حيث يقول: «مع�سكر دعمنا يف وا�شنطن،‬ ‫ً‬ ‫و�ضابط التوريد الذي ينقله لنا هو ت�شانغ كاي �شك».‬ ‫و�أخرياً، ف�إن من املبادئ التي �أكد عليها (ماو) كذلك، هو �أنه ال جناح للثورة‬ ‫�إال باالعتماد على الفالحني.‬ ‫***‬ ‫ثالثاً: املدر�سة الكوبيّـة:‬ ‫ميكننا اعتبار الثورة الكوبية (جاريال) ريفية �صغرية، ارتبطت ب�شخ�ص‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫قائدها (فيدل كا�سرتو)، والذي ال زال على ر�أ�سها. فقد قام هذا املحامي ال�شاب‬ ‫ِ‬ ‫بجمع (021) ثائراً من الناقمني على حكم (بات�ستا)، وهاجموا ثكنة (فونكادا)‬ ‫ّ‬ ‫الع�سكرية، يف (62/7/3591م)، �إال �أن هذا الهجوم عد انتحاراً من ِق َبله..‬ ‫ُ َّ‬ ‫ً‬ ‫حيث كان عدد جنود الثكنة �ضخما، يزيد على (0001) جندي، فباء الهجوم‬ ‫ٍ‬ ‫َّ ُ‬ ‫ُ َ‬ ‫بالف�شل الذريع، وق ِتل معظم املنا�ضلني، ومت �أ�سرْ جمموعة منهم، على ر�أ�سهم‬ ‫كا�سرتو نف�سه، وحكم عليه بال�سجن (51) عاما، �إال �أنه �أُفرج عنه بعد عامني.‬ ‫ً‬ ‫وفور خروج كا�سرتو من ال�سجن، توجه �إىل املك�سيك، وهناك جمع بع�ض‬ ‫�أن�صاره، و�أ�س�س معهم حركة (62 متوز)، ثم �أعد عدته، ودرب �أتباعه، وعاد‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ّ َ‬ ‫ً‬ ‫بهم على ظهر �سفينة (غرانا)، ي�صحبه (18) منا�ضال، �أبرزهم املنا�ضل املعروف‬ ‫ُ‬ ‫(ت�شي جيفارا).‬ ‫َ‬ ‫وقد �أطلق ال ُّثوار ال�رشارة الأوىل لثورتهم من جبال (�سريا ماي�سرتا)، حتت �شعار‬
  • 38.
    ‫83‬ ‫(�سنعي�ش هذه ال�سنة�أحراراً �أو منوت �شهداء). ويف نهاية العام كان الفالحون قد‬ ‫ا�ستجابوا للثورة، ثم ا�ستجابت جبهات �أخرى يف جبال (دوليكامرياي) ويف‬ ‫ُ‬ ‫�شمال (�سانتياغو)... وهكذا ا�شتعلت البالد، وهبت الثورة يف كامل القطاعات‬ ‫ّ‬ ‫واملناطق.‬ ‫بد�أت الثورة يف �أيامها القا�سية بالزحف �إىل اجلبال �صوب املدن، و�رشعت‬ ‫يف دخول املدن وفتحها دومنا عناد كبري، بدءاً من مدينة (�سانتاكالرا) التي فتحها‬ ‫(ت�شي جيفارا)، وانتهاء بالعا�صمة (هافانا) التي فُتحت على يد( فيدل كا�سرتو)‬ ‫ً‬ ‫يف مطلع عام (9591م).‬ ‫ُيذكر �أن ت�شي جيفارا حاول نقل التجربة �إىل (بوليفيا)، فانتقل �إليها ب�صحبة‬ ‫جمموعة من الثوار، �إال �أنه ف�شل يف ذلك لعدم قدرته على جمع ال�سكان حوله،‬ ‫فانتهت ثورته بعد (11) �شهراً مبقتله يف �أكتوبر عام 7691(1).‬ ‫من �سمات الثورة الكوبية:‬ ‫- اعتمدت على ال�شخ�صانية �أكرث من العقالنية، فقد طرح كا�سرتو ورفاقه الثورة‬ ‫ّ‬ ‫والعمل امل�سلح دون �أن يطرحوا �أو يناق�شوا م�س�ألة طبيعة ال�سلطة القادمة‬ ‫والأيدولوجية التي تتب ّناها، بل �إنها مل تتنب املارك�سية �إال بعد عامني من‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫انطالقها.‬ ‫- اعتمدت الثورة على اجلبال والأرياف مقراً لها، واعتربتها الرتبة اخل�صبة‬ ‫واملكان الأمثل لها، ولي�س املدينة والتجمعات ال�سكنية ال�ضخمة، وهناك‬ ‫1 املو�سوعة ال�سيا�سية، د. عبد الوهاب الكيايل.‬
  • 39.
    ‫93‬ ‫كونت القواعد املتحركةالتي تعمل على ن�رش الأفكار وتوجيه املقاتلني الذين‬ ‫ّ‬ ‫ينت�رشون بني ال�سكان.‬ ‫- اعتمدت الثورة على تنفيذ عمليات ت�شكل الدعاية امل�سلحة التي تُعر�ض‬ ‫ً‬ ‫�أمام العامة ك�أداة تَ�سيِي�س تخلق �أجواء وظروفا �سيا�سية و�إعالمية، وحت�شد‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫الأن�صار والثوار، فكان الفالحون الب�سطاء �أكرث ت�أثراً بالبطوالت والأعمال‬ ‫ُ‬ ‫من الأفكار والأقوال.‬ ‫- مل تعتمد على وجود مراحل حمددة ووا�ضحة النت�صارها.‬ ‫ًّ‬ ‫ً‬ ‫- يعترب البع�ض �أنها ال تقيم وزنا حقيقيا مل�شقّات الثورة، فهي �رضب من املغامرة‬ ‫ٌ‬ ‫غري املح�سوبة، والتي تقود �أ�صحابها �إىل النهاية امل�أ�ساوية، كما حدث مع‬ ‫جتربة 62 متوز.‬ ‫- نادى (كا�سرتو) ب�إمكانية بدء الثورة يف كل زمان ومكان مبجرد وجود ثور ّيني‬ ‫م�ستعدين للقتال، �سماهم هو با�سم (ب�ؤرة الثورة)، ودون احلاجة النتظار‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ظروف ثور ّية مواتية.‬ ‫رابعاً: الثورة الفيتنامية (املدر�سة الفيتنامية):‬ ‫بد�أت الثورة الفيتنامية كثورة �شعبية يف العام (6591م)، وبد�أت الثورة‬ ‫تت�صاعد حتى بلغت ذروتها يف العام (0691م) بت�أ�سي�س (جبهة التحرير الوطنية‬ ‫ـ فيت كنغ) وزعيمها (هو�شي من).‬ ‫يف العام (3691م) عملت �أمريكا على �إ�سقاط نظام (نغودين يام)،‬ ‫وو�ضعت قوتها يف امليزان، ثم تبع ذلك �سل�سلة انقالبات ع�سكرية زعزعت‬
  • 40.
    ‫04‬ ‫ً‬ ‫كيان الدولة، فوجدت �أمريكا نف�سها م�ضطرة لدخول حرب حقيقية، تدفع فيها‬ ‫َ‬ ‫قواتها وترمي بثقلها، نظراً للدعم الكبري الذي قدمته جمهورية فيتنام الدميقراطية‬ ‫ال�شمالية لثوار (�ألفيت كنغ).‬ ‫وامتد م�رسح العمليات لي�شمل كامل (الهند ال�صينية)، وكانت الأ�سلحة‬ ‫وامل�ؤن والعتاد واجلنود وخمتلف �أ�شكال الدعم اللوجي�ستي تدخل فيتنام عرب‬ ‫طريق (الالوح�س). كما كانت تتواجد يف كمبوديا مبوافقة �أمريها يف خميمات‬ ‫ومع�سكرات وم�ست�شفيات ومدار�س ثورية تابعة لـ (�ألفيت كنغ)، ويف العام‬ ‫(8691م) قامت اجلبهة بهجمات �شاملة، �سميت (هجوم التيت)، �أذهلت‬ ‫ُ ّ‬ ‫العامل ب�أ�رسه.. وعـد هذا العام عام املنعطف التاريخي يف حرب فيتنام، حيث‬ ‫َ‬ ‫ُ َّ‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫وافقت �أمريكا التي متلك قوة ت�صل �إىل ن�صف مليون جندي بعدتهم وعتادهم‬ ‫على �إجراء مفاو�ضات �سالم يف باري�س، �إال �أن احلرب َبقيت م�شتعلة طوال مدة‬ ‫ً‬ ‫َ ِ‬ ‫ً‬ ‫املفاو�ضات التي ا�ستمرت طويال حتت وط�أة الهجمات التي مل تهد�أ.‬ ‫ويف العام 0791م �أعلن الرئي�س الأمريكي (نك�سون) عن ان�سحاب �شكلي‬ ‫من �إدارة احلرب يف فيتنام، مع �سحب جزء من القوات الع�سكرية املتواجدة‬ ‫هناك، �إال �أنّ ذلك مل ُيوقف اال�ستعمار، وبقيت احلرب يف ا�شتعالها. حتى كان‬ ‫العام 2791م، حيث حدث هجوم الربيع الكبري، والذي �ساهم يف ترجيح‬ ‫الكفة ل�صالح (�ألفيت كنغ).. ويف مطلع عام 3791م، وبعد مفاو�ضات �شاقة،‬ ‫وقِّعت معاهدة باري�س بني �أطرافها: الواليات املتحدة الأمريكية، وجمهورية‬ ‫ُ‬ ‫فيتنام الدميقراطية، وجمهورية فيتنام (�سايفون)، واحلكومة الثورية امل�ؤقتة‬ ‫جلمهورية فيتنام اجلنوبية.‬ ‫ولكن ب�سبب ال�صعوبات وتباط�ؤ �أمريكا يف �سحب م�ست�شاريها، قامت‬
  • 41.
    ‫14‬ ‫احلكومة الثورية امل�ؤقتةبهجوم ع�سكري كبري ووا�سع النطاق على طول احلدود‬ ‫الكمبودية الفيتنامية يف نهاية عام 4791م، ومل ي�أت �شهر ني�سان من العام‬ ‫(5791م) حتى وقعت املدن الرئي�سية يف فيتنام بيد الثوار، وكان احلدث الأهم‬ ‫�سقوط العا�صمة �سايغون بيد الثوار، فغيرّوا ا�سمها �إىل (هو�شي من)(1).‬ ‫***‬ ‫خام�ساً: حرب التحرير اجلزائرية (ثورة املليون �شهيد):‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫كانت ثورة عظيمة يف وجه اال�ستعمار الفرن�سي اال�ستيطاين، قام بها ال�شعب‬ ‫اجلزائري بقيادة جبهة التحرير الوطني، وا�ستطاعت انتزاع ا�ستقالل اجلزائر بعد‬ ‫ُّ‬ ‫ً‬ ‫ا�ستعمار دام (031) عاما.‬ ‫انطلقت �رشارة الثورة يف 03/11/4591م، والذي ي�صادف عيد القوميني‬ ‫ِّ‬ ‫القدي�سني عند الأوروبيني، حيث بد�أت مبجموعات م�سلحة �صغرية، متلك بع�ض‬ ‫ِّ‬ ‫الأ�سلحة البدائية، ثم �أعلنت عرب بيانٍ لل�شعب اجلزائري عن هدفها، ودعت �أبناء‬ ‫ال�شعب لالن�ضمام �إليها.‬ ‫وقد دخلت الثورة اجلزائرية �أربع مراحل حتى و�صلت �إىل التحرير:‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫املرحلة الأوىل: وكانت عرب البداية التي قدمنا لها، تخللها عقد امل�ؤمتر‬ ‫ّ‬ ‫ُ َ‬ ‫الأول جلبهة التحرير الوطني يف منت�صف عام 6591م، الذي عرف با�سم‬ ‫(م�ؤمتر ال�صومام)، والذي عقد يف �إحدى وديان اجلزائر النائية، و�أ�سفر عن‬ ‫ُِ َ‬ ‫�إقرار امليثاق التاريخي للجبهة، و�إن�شاء املجل�س الوطني للثورة اجلزائرية، وجلنة‬ ‫1 املو�سوعة ال�سيا�سية، د. عبد الوهاب الكيايل.‬
  • 42.
    ‫24‬ ‫التن�سيق والتنفيذ املكونةمن خم�سة �أع�ضاء ميار�سون ال�سلطة التنفيذية للثورة.‬ ‫وفيه مت تق�سيم اجلزائر �إىل خم�س مناطق ع�سكرية، تولىّ كل منطقة منها عقيد‬ ‫َّ‬ ‫يف اجلبهة، وقرر امل�ؤمتر ت�صعيد الكفاح امل�سلح. وقد �أ�صبح (02 �آب) بعد‬ ‫اال�ستقالل: (اليوم الوطني للمجاهد).‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫املرحلة الثانية (6591 ـ 8591م): �شهدت هذه املرحلة ارتفاعا يف حدة‬ ‫ً ِ ّ‬ ‫الهجوم الفرن�سي امل�ضاد للثورة يف حماولة للق�ضاء عليها، �إال �أن الثورة ازدادت‬ ‫ً‬ ‫ا�شتعاال خالل هذه املدة، وبد�أت معركة اجلزائر العا�صمة، وا�ستمرت قرابة عام،‬ ‫�أعلنت خاللها اجلبهة الإ�رضاب العام يف كافة �أنحاء اجلزائر ثمانية �أيام، كما ح�صل‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫خالل هذه الفرتة �أطول �إ�رضاب طالبي دعا �إليه االحتاد العام للطلبة امل�سلمني‬ ‫ُ‬ ‫اجلزائريِّني، وا�ستمر حتى اال�ستقالل. كما بنت احلكومة الفرن�سية خاللها خط‬ ‫(مور�س) املكهرب بني اجلزائر وتون�س، وخط (�شال) بني اجلزائر واملغرب.‬ ‫املرحلة الثالثة (8591 ـ 0691م): وهي من �أ�صعب املراحل التي مرت‬ ‫َ‬ ‫بها الثورة، �إذ نفَّذ اجلي�ش الفرن�سي عمليات ع�سكرية هجومية �رش�سة، مثل‬ ‫(كودرن)، (�إيتان�سيل)، (الأحجار الكرمية)، كما �أُقيمت العديد من مع�سكرات‬ ‫االعتقال يف اجلزائر.‬ ‫ويف املقابل، اعتمد جي�ش التحرير فتح جبهات متعددة، وحاول قطع‬ ‫َ‬ ‫خطوط �إمداد اجلي�ش الفرن�سي، وقد �أعلن الثوار يف هذه املرحلة عن حكومة‬ ‫م�ؤقتة برئا�سة (فرحات عبا�س).‬ ‫كما �أعلن (ديغول) خالل ذلك عن اعرتاف فرن�سا بحق اجلزائر يف تقرير‬ ‫م�صريها، وكان التفاو�ض وقتها يتم بني احلكومة الفرن�سية واحلكومة اجلزائرية‬ ‫ُّ‬ ‫امل�ؤقتة.‬
  • 43.
    ‫34‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫املرحلة الرابعة (0691 ـ 2691م): وهي التي �شكلت املرحلة احلا�سمة‬ ‫يف حرب التحرير وتقرير امل�صري، حيث حاولت فرن�سا خاللها ح�سم الأمور‬ ‫ً َ‬ ‫باحلل الع�سكري، �إال �أنها ف�شلت مرة تلو مرة، �إىل �أن و�صلت �إىل قناعة تامة‬ ‫ب�أن التفاو�ض هو احلل الوحيد والكفيل ب�إنهاء ال�رصاع، ما �أجربها على الدخول‬ ‫ً‬ ‫يف مرحلة تفاو�ضية �ساخنة مع احلكومة امل�ؤقتة، طرحت خاللها حلوال م�ؤقتة‬ ‫ً‬ ‫وجزئية؛ حاولت من خاللها اقتطاع �أجزاء من اجلزائر، �أو �أن ت�أخذ حقوقا‬ ‫وامتيازات ما، �إال �أن اجلبهة رف�ضت ذلك ب�شكل قاطع.‬ ‫ّ‬ ‫ويف تلك الأثناء، ت�شكلت �أول هيئة �أركان للجي�ش اجلزائري الذي بد�أ ي�أخذ‬ ‫ال�شكل النظامي، و�أ�صبح العقيد (هواري بومدين) �أول رئي�س �أركان للجي�ش.‬ ‫ً‬ ‫وفعال، توقّف القتال يف 91/3/2691م. وكان الأول من متوز يوم ا�ستفتاء‬ ‫َ‬ ‫�شعبي، ف�صوت ال�شعب اجلزائري ل�صالح اال�ستقالل، وكان ان�سحاب اجلي�ش‬ ‫ُّ‬ ‫ُ‬ ‫ّ َ‬ ‫الفرن�سي يف 5/11/2691م، وهو ذات التاريخ الذي دخلت فيه فرن�سا اجلزائر‬ ‫ً‬ ‫قبل (031) عاما.‬ ‫نعم! لقد خرج اجلي�ش الفرن�سي بعد �أنْ قدم ال�شعب اجلزائري قرابة 5.1‬ ‫َّ َ‬ ‫َّ َ‬ ‫مليون �شهيد، وبعد �أن نظم ثورات عديدة �سبقت ثورة اال�ستقالل، وتعر�ض‬ ‫ّ‬ ‫ملجازر ب�شعة دموية، �أكرثها ب�شاعة وفظاعة كانت يف (8/5/5491م) �أثناء‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫م�سرية �شعبية راف�ضة لال�ستعمار، قُتل فيها على يد اجلي�ش الفرن�سي �أكرث من 54‬ ‫�ألف �شهيد يف يوم واحد، �إ�ضافة �إىل مئة جندي فرن�سي(1).‬ ‫***‬ ‫1 املو�سوعة ال�سيا�سية، د. عبد الوهاب الكيايل.‬
  • 44.
    ‫44‬ ‫�ساد�ساً: التجربة الفل�سطينية:‬ ‫عقب انتهاء احلرب العاملية الأوىل وانت�صار احللفاء على دول املحور، مت‬ ‫َّ‬ ‫تق�سيم البالد العربية ح�سب اتفاق (�سايك�س بيكو)، فكانت فل�سطني من ن�صيب‬ ‫بريطانيا، ودخلت حالة ا�ستعمار حتت م�سمى االنتداب.‬ ‫�أح�س ال�شعب الفل�سطيني �أن املهاجرين اليهود بد�ؤوا م�رشوع ا�ستيالء على‬ ‫َّ‬ ‫ً‬ ‫الأر�ض، خ�صو�صا بعد �صدور (وعد بلفور) امل�ش�ؤوم، الذي قدمت فيه بريطانيا‬ ‫ّ‬ ‫تعهداً ب�إقامة (وطن قومي) لليهود يف فل�سطني، فبد أ� ال�شعب عمليات احتجاج‬ ‫ورف�ض للهجرة والوجود اليهودي يف فل�سطني، ومت تقدمي �شكوى للباب العايل‬ ‫َّ‬ ‫ثم �إىل املندوب ال�سامي، �إال �أن ذلك مل ي�ضع حداً للهجرة اليهودية �أو املمار�سات‬ ‫اال�ستعمارية املتمثلة باغت�صاب الأر�ض وبناء امل�ستوطنات والإف�ساد والتحر�ش‬ ‫بال�سكان.. لتبد�أ بعدها الهبات ال�شعبية العفوية، كثورة (النبي مو�سى)، و(ثورة‬ ‫ّ‬ ‫يافا) و(ثورة الرباق)، والتي جاءت بغالبها كردات فعل غري من�سقة على‬ ‫ّ‬ ‫املمار�سات الربيطانية واليهودية.‬ ‫ّ‬ ‫وقد تخلل ذلك ت�شكيل جمعيات �إ�سالمية وم�سيحية وطنية تهدف‬ ‫�إىل اال�ستقالل، وطرد اال�ستعمار الربيطاين، ومواجهة الزحف اليهودي‬ ‫(الكولونيايل).. وعقد خالل ذلك �سبعة م�ؤمترات وطنية و�إ�سالمية، دعت‬ ‫ُ‬ ‫ال�شعب �إىل عدم بيع �أي قطعة �أر�ض لليهود، ورف�ض (وعد بلفور)، كما دعت‬ ‫َ‬ ‫ال�شعب �إىل مواجهة االحتالل بكل ال�سبل، وت�شكلت �أحزاب فل�سطينية كحزب‬ ‫(اال�ستقالل)، و(الدفاع الوطني)، و(م�ؤمتر ال�شباب)، و(حزب الإ�صالح)،‬ ‫و(احلزب ال�شيوعي الفل�سطيني)، و(الإخوان امل�سلمون)، وغريهم...‬
  • 45.
    ‫54‬ ‫ويف العام (6391م)دخلت البالد حالة �إ�رضاب وع�صيان ا�ستمر �ستة �أ�شهر،‬ ‫كان له �أثر كبري يف حتريك ال�شارع وحت�شيده، و ُبعيد انتهائه دخلت اجلماهري ثورة‬ ‫َ‬ ‫(6391) ال�شهرية، والتي ا�ستمرت ثالث �سنوات، خا�ضت خاللها املقاومة‬ ‫الفل�سطينية حرب ع�صابات �رش�سة، وقدمت الت�ضحيات واجلراحات، و�أثخنت‬ ‫يف عدوها، �إال �أن اخليانة العربية حالت دون جناحها(1).‬ ‫ً‬ ‫دخلت فل�سطني احلرب عام (8491م)، وتقدمت اجليو�ش العربية ـ �شكليا‬ ‫ـ نحو فل�سطني، وا�شتبكت مع القوات ال�صهيونية يف عدة مواقع، وتقدمت‬ ‫كتائب املتطوعني من الإخوان امل�سلمني وغريهم، فقاتلوا بب�سالة و�رضاوة، و�أبلوا‬ ‫ً‬ ‫بالء ح�سنا، وا�ستخدموا فنون حرب الع�صابات بنجاح، �إال �أن اخليانة العربية‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫�أطلت من جديد؛ حيث ان�سحبت اجليو�ش العربية من �أر�ض املعركة، واعتقلت‬ ‫املتطوعني، وزجت بهم يف ال�سجون(2)، ف�سقط (87%) من الأرا�ضي الفل�سطينية‬ ‫ّ‬ ‫بيد االحتالل الإ�رسائيلي، والذي �أعلن قيام دولته يف 51/5/8491م.‬ ‫عا�ش ال�شعب الفل�سطيني بعدها حالة من ال�ضياع والت�رشيد، ومل يجد من‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫الدول العربية االهتمام الكايف بق�ضيته، وفكر العرب بت�شكيل ج�سم ميثل ال�شعب‬ ‫الفل�سطيني فيلقون على كاهله م�س�ؤولية الق�ضية، فكان ت�شكيل منظمة التحرير‬ ‫الفل�سطينية عام (4691) برئا�سة (�أحمد ال�شقريي)، وت�شكلت حركة فتح التي‬ ‫قادت املقاومة يف ذلك احلني، تبعها ت�أ�سي�س اجلبهتني ال�شعبية والدميقراطية،‬ ‫ّ‬ ‫و�أحزاب �أخرى، �شكلت مبجموعها منظومة املقاومة الفل�سطينية امل�سلحة يف‬ ‫ذلك احلني، ونفذت مئات العمليات الع�سكرية من داخل الأرا�ضي املحتلة،‬ ‫1 تاريخ الق�ضية الفل�سطينية.‬ ‫2 احلقيقة الغائبة.‬
  • 46.
    ‫64‬ ‫ً‬ ‫ومن الأردن ولبنان وم�رص، خ�صو�صا بعد العام (7691م)، حيث �أ�صبحت‬ ‫ُ ً ُّ‬ ‫فل�سطني حمتلة كلها.‬ ‫وقد ا�ستمرت العمليات الع�سكرية منذ منت�صف ال�ستينات وطوال عقد‬ ‫ال�سبعينات ومطلع الثمانينات من القرن املا�ضي، حيث بد�أ التيار الإ�سالمي‬ ‫باالنخراط يف العمل الع�سكري واجلهادي، بدءاً من مع�سكرات ال�شيوخ يف‬ ‫الأردن.. وظهرت جمموعات نفذت العديد من العمليات، تخلل ذلك ثورات‬ ‫�شعبية �صغرية، كثورة امل�ساجد، ثم تُـوِّجت هذه احلركات ال�شعبية وحالة الغليان‬ ‫العام باالنتفا�ضة الكربى يف (8/21/7891م)، والتي بد�أت بثورة �شعبية‬ ‫جماهريية، وتطورت �إىل عدة مراحل، بدءاً بثورة ال�سكاكني، مروراً بالعمل‬ ‫ً‬ ‫الع�سكري الناري، و�صوال �إىل العمل التفجريي.‬ ‫بعد ذلك، دخلت املنظمة مرحلة (�أو�سلو) التفاو�ضية، والتي خا�ضت حركة‬ ‫فتح من خاللها عملية تفاو�ضية طويلة، متخ�ضت عن اتفاق هزيل، ا�سرتجعت‬ ‫فيه جزئيات من الأر�ض، واعرتفت بحق (�إ�رسائيل) بباقي الأرا�ضي الفل�سطينية،‬ ‫وبذلك تنازل من ال ميلك، ملن ال ي�ستحق.‬ ‫لكن املقاومة بقيت م�ستمرة بوترية معتدلة، قادتْها حركة حما�س، التي‬ ‫ّ‬ ‫�أ�صبحت كربى احلركات الوطنية املقاومة، �إىل �أن اندلعت انتفا�ضة الأق�صى يف‬ ‫ِ‬ ‫العام (0002م)، والتي تُعد �أعنف الثورات الفل�سطينية، و�أكرثها ع�سكريةً،‬ ‫ُّ‬ ‫وا�ستمرت ل�سنوات قدم خاللها ال�شعب الفل�سطيني �آالف ال�شهداء، �إ�ضافة �إىل‬ ‫ٍ ّ‬ ‫ع�رشات الآالف من اجلرحى والأ�رسى والبيوت املهدمة، و�أ�صابت من العدو‬ ‫َّ‬ ‫�أكرث من �ألف قتيل، عدا عن عدد كبري من الإ�صابات والأ�رضار التي تكبدها‬ ‫ّ‬ ‫العدو، ما دفع االحتالل ال�صهيوين لالن�سحاب من قطاع غزة.‬
  • 47.
    ‫74‬ ‫ولقد ا�ستطاعت املقاومةتطوير �أدائها، ورفع كفاءة مقاوميها، فبالإ�ضافة �إىل‬ ‫عمليات �إطالق النار وعمليات التفجري التقليدية التي متيزت بقوتها و�رشا�ستها؛‬ ‫ا�ستطاعت املقاومة �إنتاج �سالح �صاروخي فل�سطيني، عرف با�سم (�صاروخ‬ ‫ُ‬ ‫الق�سام)، والذي دب الرعب يف قلب الكيان ال�صهيوين بكافة قطاعاته.‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫كذلك فقد ابتكرت املقاومة ما عرف با�سم (حرب الأنفاق)، التي امتاز بها‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫قطاع غزة، وغري ذلك من الأ�ساليب التي �أظهرتها بقوة غري معهودة �سابقا، وقد‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫�شكل (قطاع غزة) بعد االن�سحاب ال�صهيوين منه قاعدة ثورية �أنتجت قوة ثورية‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫َّ‬ ‫منظمة، ا�ستطاعت ت�صنيع ال�سالح، و�إعداد الرجال، وتوجيه ال�رضبات امل�ؤملة �إىل‬ ‫ً‬ ‫عدوها، فكانت قفزة نوعية يف العمل الفل�سطيني املقاوم.‬ ‫ً‬
  • 48.
    ‫84‬ ‫مقارنة:‬ ‫وال�ستفادة �أعمق من جتارب ومدار�س العامل يف حروب الع�صابات؛ جنري‬ ‫ٍ‬ ‫هذه املقارنة بينها وبني احلالة الفل�سطينية:‬ ‫َ‬ ‫الثورة الفيتنامية‬ ‫الثورة الكوبية‬ ‫الثورة ال�صينية‬ ‫وجه املقارنة‬ ‫ـ قاعدة االنطالق‬ ‫ـ امل�ساحة �صغرية،‬ ‫ـ امل�ساحة �شا�سعة،‬ ‫ـ م�ساحة الأر�ض‬ ‫من دولة جماورة هي‬ ‫والعمل من الأرياف‬ ‫وقاعدة االنطالق من‬ ‫وقاعدة االنطالق:‬ ‫فيتنام ال�شمالية.‬ ‫والأحرا�ش دون وجود‬ ‫مقاطعة داخل الأر�ض.‬ ‫مكان حمدد.‬ ‫ـ لي�س لها مراحل.‬ ‫ـ لي�ست لها مراحل‬ ‫ـ لها مراحل حمددة.‬ ‫ـ تعدد املراحل:‬ ‫ّ‬ ‫(ع�شوائية)‬ ‫ـ (نظام خمتلط):‬ ‫ـ اعتمدت على مقاتلي‬ ‫ـ اعتمدت على مقاتلي‬ ‫ـ رجالها:‬ ‫تعتمد على املقاتلني‬ ‫ال�شعب.‬ ‫ال�شعب.‬ ‫وجي�ش الدولة.‬ ‫ـ االعتماد على‬ ‫ـ االعتماد على الذات‬ ‫ـ االعتماد على الذات‬ ‫ـ الت�سليح:‬ ‫اخلارج يف الت�سليح.‬ ‫يف الت�سليح.‬ ‫يف الت�سليح.‬ ‫ـ �صعبة وقا�سية.‬ ‫ـ خاطفة و�رسيعة‬ ‫ـ احتاجت �إىل نف�س‬ ‫ـ طبيعتها:‬ ‫و�سهلة.‬ ‫طويل.‬ ‫ـ احلزب هو املوجه.‬ ‫ـ الب�ؤرة الثورية هي‬ ‫ـ احلزب هو املوجه‬ ‫ِّ‬ ‫ـ موجه الثورة:‬ ‫ِّ‬ ‫املوجه دون وجود‬ ‫«�صانع الثورة».‬ ‫حزب.‬
  • 49.
    ‫94‬ ‫وبالنظر �إىل ما�أ�سلفنا من جتارب حلروب الع�صابات العاملية، وحتديداً‬ ‫املدار�س الثالثة الأبرز: (ال�صينية، والكوبية، والفيتنامية)، ميكننا القول ب�أن‬ ‫النموذج الفل�سطيني حلرب الع�صابات يختلف ب�شكل كبري عنها، مع وجود‬ ‫بع�ض �أوجه الت�شابه املحدودة. فهو منوذج خليط بني هذه النماذج، كما �أنه‬ ‫يتميز بوجود ظروف خا�صة غري موجودة وال متكررة يف �أي منوذج عاملي‬ ‫�آخر:‬ ‫- فالتجربة ال�صينية اعتمدت ب�شكل �أ�سا�س على �سعة الرقعة اجلغرافية التي‬ ‫ّ‬ ‫متتاز بها ال�صني، مما مكن الثورة هناك من االبتعاد عن مركز قوة النظام، و�إقامة‬ ‫مع�سكرات تدريب و�إعداد، وت�شكيل جبهة خلفية داعمة ل�صفوف املقاومة‬ ‫املتقدمة، وكان ذلك يف مقاطعة (نيان).. بل �إن الثورة بقيادة (ماو) عندما‬ ‫تعر�ضت لهزمية نكراء يف بادئ الأمر؛ فر (ماو) ومعه جي�ش قوامه ع�رشات‬ ‫َّ‬ ‫الألوف من املقاومني، وقاموا باالن�سحاب الذي عرف با�سم (الهروب‬ ‫ُ‬ ‫الكبري)، م�سافة ت�صل �إىل ع�رشة �آالف كيلو مرت مبتعداً عن خ�صمه.‬ ‫ً‬ ‫وهذا ال يطابق التجربة الفل�سطينية بحال، والتي ال ت�شكل الأر�ض فيها‬ ‫م�ساحة جزئية من مقاطعة (نيان)، فنحن واالحتالل نعي�ش ب�أر�ض متال�صقة ال‬ ‫يكاد يف�صل بينها فا�صل.‬ ‫ً‬ ‫وبالتايل فالأر�ض كلها حتت عني االحتالل ويده، خ�صو�صا مع التقدم‬ ‫العلمي الذي مل يكن يف ذلك احلني، وحتى قطاع غزة الذي حترر من االحتالل،‬ ‫غري �أنه بقي يف مرمى النريان الإ�رسائيلية، وحتت �سمع وب�رص �أجهزته الإلكرتونية‬ ‫وطائراته اال�ستطالعية التي ال تفارق �سماءه.‬
  • 50.
    ‫05‬ ‫- والتجربة الكوبيةواجهت عدواً �ضعيفا (بات�ستا) وحكومته اله�شة،‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫فانطلق (فيديل كا�سرتو) ومعه (18) منا�ضال من رفاقه، بد�ؤوا الثورة و�أ�شعلوا‬ ‫�أوارها، ثم قادوها وانت�رصوا بها يف مدة ال تتجاوز العامني، مل يحتاجوا خاللها‬ ‫َ‬ ‫�إىل عمل الكثري من داخل املدن، بل اكتفوا بالتحرك يف اجلبال والعمل من‬ ‫خاللها، وتوجيه بع�ض املقاومني هنا وهناك.. ومل ي�شرتك يف كربى املعارك‬ ‫ً‬ ‫احلا�سمة �إال (022) مقاتال، بل �إن احلكومة الأمريكية التي كانت مبثابة الداعم‬ ‫ّ‬ ‫وامل�ساند حلكومة (بات�ستا) مل تقدم املعونة الالزمة وتخلت عنه مع �أول حمنة‬ ‫تعر�ض لها.‬ ‫ّ‬ ‫وهذا ما ال ي�شبه عدونا بحال، فنحن نواجه �أعتى قوى ال�رش على وجه‬ ‫َّ‬ ‫الأر�ض، دولة قائمة، يرتتّب م�صريها ووجودها على نتيجة هذه احلرب، ولي�س‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ٌ‬ ‫لها �أر�ض بديلة تعود �إليها، وما من خيار �أمامها �إال القتال حتى �آخر رمق، هذه‬ ‫ٌ‬ ‫القوة املتمثلة باالحتالل الإ�رسائيلي، واجهتها املقاومة الفل�سطينية منذ �س ّتني‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫عاما، �إال �أنها مل تكل ومل متل، ومل تتورع خاللها عن ارتكاب املجازر بحق‬ ‫ال�شعب الفل�سطيني ال�صابر، بل �إن مواجهة ال�شعب الفل�سطيني مل تقت�رص على‬ ‫االحتالل الإ�رسائيلي وحده، بل �إن �شعبنا يواجه ـ و�إن ب�صورة غري مبا�رشة ـ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ر�أ�س الكفر والإف�ساد يف الأر�ض (�أمريكا)، التي تقف مع االحتالل قلبا وقالبا،‬ ‫وتدعمه باملال وال�سالح، وتنا�رصه باملوقف ال�سيا�سي والإعالمي، وتغطي عليه‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫َّ‬ ‫جرائمه وممار�ساته، فهي مل تتخل عنه يوما، ومل تتوانَ عن �إخراجه من م�أزقه املرة‬ ‫تلو الأخرى.‬ ‫- وعملت الثورة الفيتنامية من خالل دولة جماورة، هي (فيتنام ال�شمالية)،‬ ‫فانطلقت من �أر�ضها، بل �إن اجلي�ش الفيتنامي ال�شمايل نف�سه �شارك بقواته يف‬
  • 51.
    ‫15‬ ‫احلرب �إىل جانبقوات الثورة (�ألفيت كونغ). فكانت احلرب يف الكثري‬ ‫ً‬ ‫من الأحيان حربا نظامية، تدعمها حرب ع�صابات من الداخل، ا�س ُتخدمت‬ ‫فيها الأ�سلحة الثقيلة واملواجهات ال�رش�سة الوا�سعة، بالإ�ضافة �إىل (القر�صات)‬ ‫ال�صغرية هنا وهناك.. وقد ذكرنا �أن هجوم (تت) ال�شهري �سقط فيه من الثوار‬ ‫واجلي�ش الفيتنامي ال�شمايل حوايل (32�ألف) مقاتل، ومن اجلي�ش الأمريكي‬ ‫والفيتنامي اجلنوبي ثالثة �آالف جندي، فكم �سيكون حجم القوات امل�شاركة‬ ‫يف ذلك الهجوم؟ وما هي الأ�سلحة امل�ستخدمة فيه من كال الطرفني؟!‬ ‫ثم �أين �شعبنا الفل�سطيني من ذلك، ففي الوقت الذي حاول فيه ال�شعب‬ ‫الفل�سطيني العمل من خارج �أر�ضه تعر�ض للم�ؤامرات، فقد �أنهى النظام الأردين‬ ‫الوجود الفل�سطيني امل�سلح من الأر�ض الأردنية التي ت�شكل االمتداد الطبيعي‬ ‫ً‬ ‫لفل�سطني و�صاحبة �أطول حدود معها، متذرعا بالأخطاء التي وقعت فيها ف�صائل‬ ‫املقاومة الفل�سطينية، ومت طردها بعد حرب دامية قُتل فيها الآالف من الطرفني،‬ ‫هي حرب (�أيلول).‬ ‫ثم انتهى الوجود الفل�سطيني يف لبنان بعد ح�صار بريوت عام (2891م)،‬ ‫ومل يقف �أي جي�ش عربي مع املقاومة الفل�سطينية ليقاتل معها �أو يحت�ضنها‬ ‫لت�شكل �أر�ضه نقطة انطالق لها، ومل تلق املقاومة من هذه اجليو�ش �سوى‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫امل�ؤامرات واخلذالن.‬ ‫�إ�ضافة �إىل ما �سبق ف�إن املقاومة الفل�سطينية اختلفت عن باقي الثورات‬ ‫واملقاومات ب�ضعف الإمكانات الع�سكرية، وقلة ال�سالح امل�ستخدم، ففي الوقت‬ ‫الذي مل تتمكن فيه املقاومة الفل�سطينية من توفري �أكرث من ال�سالح ال�شخ�صي‬ ‫اخلفيف كامل�سد�س والعبوة والر�شا�ش، كانت الثورات الأخرى تتمتع برت�سانة‬
  • 52.
    ‫25‬ ‫ً‬ ‫�ضخمة من ال�سالح والعتاد والذخرية، وبنوعيات متطورة ن�سبيا؛ كالثورة‬ ‫ّ‬ ‫ال�صينية والفيتنامية والأفغانية.‬ ‫- كذلك �شكل التطور العلمي والتقني والتكنولوجي الذي تواجهه املقاومة‬ ‫الفل�سطينية وتتمتع به الدولة العربية ُيعد عقبة ك�أداء يف وجه جناح العمل املقاوم،‬ ‫ُّ‬ ‫ً‬ ‫وخ�صو�صا �أجهزة الر�صد واال�ستطالع واملراقبة التي جعلت املقاومة غري قادرة‬ ‫على اتخاذ مواقع متركز خمفية عن عيون عدوها، وكذا تطور ال�سالح الهجومي‬ ‫ً‬ ‫الذي ميتلكه االحتالل؛ حيث �أ�صبح �أكرث فتكا باملقاومة ومقاتليها، وقد عبرَّ‬ ‫(�إجنلز)، �أحد مفكري حرب الع�صابات، عن هذه الفكرة بقوله: «ب�سبب‬ ‫التطور العلمي والتكنولوجي؛ ت�ضاءلت فر�ص جناح املقاومة ب�صورة فيالق»، �أي‬ ‫ِ‬ ‫�أن ظهور قوات منظمة مقاتلة يعني الإجهاز عليها و�إبادتها.‬ ‫َ ً‬ ‫- مالحظة �أخرى ذكرناها عر�ضا بني ال�سطور، وهي الفرق يف (امليزان‬ ‫احليوي) بني التجربة الفل�سطينية والثورات الأخرى، والتي ترجح ل�صالح‬ ‫تلك الثورات ب�شكل كبري. وامليزان احليوي يعني الدافعية �إىل القتال وال�صمود‬ ‫ومقارنته بني املقاومة وعدوها، فعلى الرغم من �أن امليزان احليوي مييل ل�صالح‬ ‫املقاومة الفل�سطينية يف وجه االحتالل الإ�رسائيلي، �إال �أن هذا االحتالل مبا ميثله‬ ‫من كولونيالية �إحاللية ميلك الرغبة واحلر�ص واحلاجة لأن يحافظ على كيانه،‬ ‫ً‬ ‫لأنه ال ميلك خطوطا خلفية ين�سحب �إليها كما ان�سحبت �أمريكا �إىل والياتها من‬ ‫فيتنام، وكما تراجعت رو�سيا من �أفغان�ستان �إىل اتحّادها، وكذلك تركت فرن�سا‬ ‫�أر�ض اجلزائر وعادت �إىل بلدها...‬ ‫لقد ان�سحب اجلي�ش الإ�رسائيلي من �أر�ض �سيناء ومن جنوب لبنان �إىل الأر�ض‬ ‫ً‬ ‫التي يدعي �أنها �أر�ضه، ثم ان�سحب جزئيا من ال�ضفة الغربية وقطاع غزة �إىل‬
  • 53.
    ‫35‬ ‫مربعه الأخري، ومليعد ميلك الكثري من اخليارات، ولذا ف�إن �رصاعه الآن �رصاع‬ ‫وجود، ونحن على ثقة ب�أنه �سيزول ب�إذن اهلل.‬ ‫هذه الفروق وغريها ت�شكل االختالف بني التجربة الفل�سطينية وغريها‬ ‫ّ‬ ‫من التجارب والثورات، ولكن بال �شك ف�إن هناك �سمات وميزات كثرية متثل‬ ‫قوا�سم م�شرتكة بني جميع الثورات وبني الثورة الفل�سطينية.‬ ‫***‬
  • 54.
  • 55.
    ‫55‬ ‫ُ‬ ‫�أهداف‬ ‫حرب الع�صابات‬ ‫ِ‬
  • 56.
  • 57.
    ‫75‬ ‫�أهداف حرب الع�صابات (اجلاريال)‬ ‫تَ�رشع ال�شعوب يف حرب الع�صابات عندما تُ�سلب حقوقها، وتُنتهك‬ ‫�أر�ضها، وتنعدم ال�سبل ال�سلمية يف ا�سرتجاعها، فتنتقل من العمل ال�سلمي‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫وال�سيا�سي البحت، �إىل ا�ستخدام القوة املتوفّرة(1). وتكون قوة ال�شعب غري‬ ‫ّ‬ ‫متكافئة مع عدوها؛ فتبحث عن و�سيلة تتجاوز فيها البون ال�شا�سع بني القوتني،‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫فتلج�أ �إىل (اجلاريال)، التي تقود ال�شعوب املقهورة �إىل تفوق تكتيكي يف وجه‬ ‫ّ‬ ‫تفوق اخل�صم اال�سرتاتيجي.‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫واملتتبع للتاريخ يجد �أن ال�شعوب التي جل�أت �إىل هذا الأ�سلوب، عادة ما‬ ‫ّ‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫ِ‬ ‫ً ً ُ‬ ‫تكون �شعوبا حمتلة �سلبت �أر�ضها، �أو عرقيات م�ضطهدة مه�ضوم حقُّها، �أو �أقاليم‬ ‫�صغرية تبحث عن اال�ستقالل �أو االنف�صال... و�إنّ هذه ال�شعوب مم َّثلة مبقاومتها‬ ‫وقادتها ت�سعى �إىل �أهداف عامة حتققها عرب �أعمالها الع�سكرية التي تنفذها �ضد‬ ‫عدوها، وجنمل هذه الأهداف بالآتي:‬ ‫ا�ستنزاف العدو اقت�صادياً و�إرهاقه مادياً، �سواء كان ذلك ب�رضب من�ش�آته‬ ‫االقت�صادية، �أو زعزعة موارده ال�سياحية، �أو تكبيده اخل�سائر املادية، �أو جعله‬ ‫م�ضطراً لإنفاق مبالغ طائلة يف م�ساعيه حلفظ �أمنه والق�ضاء على املقاومة.‬ ‫ً‬ ‫لقد كان االقت�صاد ال�صهيوين مرهونا بارتفاع وانخفا�ض وترية العمل املقاوم،‬ ‫َّ‬ ‫1 يقول كالوفيرت: «�إن حرب الع�صابات ا�ستمرار لل�سيا�سة بوا�سطة �رصاع م�سلح». من كتاب (حرب امل�ست�ضعفني)،‬ ‫ٌ ّ‬ ‫روبرت تابر.‬
  • 58.
    ‫85‬ ‫َ‬ ‫ُّ‬ ‫ُّ‬ ‫وقد اعرتف املحتل الإ�رسائيلي ب�أن اقت�صاده و�صل �إىل �أدنى م�ستوى له منذ عقدٍ ،‬ ‫وذلك يف العام(2002 ـ 3002م)، وذلك عندما كانت املقاومة تنال منه ومن‬ ‫مدنه ومغت�صباته ومن�ش�آته، فقد بلغت ن�سبة منو اقت�صاده يف العام (9991م)، �أي‬ ‫ً‬ ‫قبل انتفا�ضة الأق�صى بعام، ن�سبة (8%)، وهي من �أكرث الن�سب ارتفاعا يف العامل،‬ ‫�أما يف العام (3002م)، فقد بلغت ن�سبة الت�ضخم (5.7%)، �أي برتاجع مقداره‬ ‫ّ‬ ‫(5.51%) عن �سنواته ال�سابقة(1).‬ ‫وقد ت�أثر االقت�صاد الإ�رسائيلي على حماور عدة:‬ ‫ّ‬ ‫- فقد كلفته الأن�شطة الع�سكرية جلي�شه موازنات �ضخمة، و�صلت �إىل ب�ضعة‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ماليني من ال�شواكل يوميا، وخ�صو�صا بعد ا�ستدعاء �آالف اجلنود االحتياطيني،‬ ‫ّ‬ ‫�إ�ضافة �إىل ما يلزمه من �سالح وعتاد وم�صاريف.‬ ‫- الأ�رضار املادية ال�ضخمة التي تكبدها االحتالل جراء الهجمات الع�سكرية‬ ‫اال�ست�شهادية والتفجريية والنارية وال�صاروخية التي نظمتها املقاومة �ضد مـدن‬ ‫ُ ُ‬ ‫االحتالل وقطعان م�ستوطنيه، �إ�ضافة �إىل عمليات اال�ستنزاف االقت�صادي‬ ‫املختلفة.‬ ‫فقد �أعلنت قناة �إ�رسائيل الثانية بتاريخ 22/2/5002م �أن �سيارة تُ�رسق‬ ‫ً‬ ‫كل (71) دقيقة، �أي مبعدل (03) �ألف �سيارة �سنويا(2)، وميكننا �أن نتخيل كم‬ ‫�سيكون جمموع خ�سائره �إذا ما قي�س مبثل هذا البند.‬ ‫1�صحيفة (يديعوت �أحرنوت)، العدد ال�صادر يف 32/2/7002م: «حت�صل �إ�رسائيل على م�ساعدات �سنوية من‬ ‫�أمريكا بقيمة (4.2) مليار دوالر، لكنها قبل �أربع �سنوات ب�سبب االنتفا�ضة وموجة الأعمال الإرهابية طلبت من‬ ‫ً‬ ‫�أمريكا قر�ضا بقيمة (9) مليار دوالر، �إ�ضافة �إىل مليار واحد غري م�سرتد».‬ ‫2 قناة �إ�رسائيل الثانية، يف 22/2/5002م.‬
  • 59.
    ‫95‬ ‫ً‬ ‫- اخل�سائر يف قطاع ال�سياحة، ويف هجرة اال�ستثمارات، ف�ضال عن �إحجام‬ ‫العديد من رجال الأعمال الذين كانوا ي�ستثمرون �أموالهم يف الأرا�ضي‬ ‫املحتلة يف م�شاريع اقت�صادية عن ذلك، وتلك الأموال كانت ت�صب يف النهاية‬ ‫يف جيب االحتالل.‬ ‫لقد كانت وزارة ال�سياحة ال�صهيونية تدر على خزينة الدولة مبالغ طائلة،‬ ‫ّ‬ ‫ومع ا�شتداد حدة االنتفا�ضة حتول الفائ�ض �إىل عجز حاد، حتى باتت تتلقّى‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫دعما �سنويا بلغ مئة مليون دوالر. وقد �أخربين الإخوة منفّذو عملية «�سبارو»‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫يف القد�س؛ �أنهم زرعوا عبوة �صغرية على �شكل «علبة برية» يف �سوبر ماركت‬ ‫يهودي يف القد�س، وبعد �أنفجارها الذي مل ي�صب �أحداً، �أعلن تلفاز العدو �أن‬ ‫ّ‬ ‫الت�سوق يف القد�س انخف�ض يف الأيام الأوىل التي تلت العملية �إىل الن�صف، قبل‬ ‫ّ‬ ‫�أن يتعافى من جديد.‬ ‫�إ�ضافة �إىل ذلك، فهناك �أ�شكال عديدة �أخرى من اال�ستنزاف االقت�صادي‬ ‫ً‬ ‫الذي ت�سببت به املقاومة الفل�سطينية، ويف التجربة العراقية مثال �آخر غاية يف‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الو�ضوح، فقد تكلف اجلي�ش الأمريكي يف مالحقته للمقاومة التي �أثخنت فيه‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫�أمواال طائلة جعلت كلفة االحتالل فوق الطاقة.‬ ‫ً‬ ‫ا�ستنزاف العدو �سيا�سياً، وك�شف الوجه احلقيقي لال�ستعمار وتعريته �أمام العامل:‬ ‫ففي الوقت الذي يقوم فيه الثوار ب�رضب العدو والإثخان به، ف�إنه �سريد على ذلك‬ ‫ّ‬ ‫بوح�شية وهمجية؛ فريتكب املجازر، وينتهك احلقوق، ويقرتف املحرمات،‬ ‫وبهذا ي�ضع نف�سه يف املكان احلقيقي الذي يقفه، ويك�شف القناع املز ّيف الذي‬ ‫ً‬ ‫يلب�سه مدعيا الدميقراطية والعدالة.‬
  • 60.
    ‫06‬ ‫ولقد ا�ستطاعت املقاومةالعراقية �أن متار�س مع اجلي�ش الأمريكي هذا الدور،‬ ‫فكلما جنحت املقاومة يف �رضب خطوط اجلي�ش ووحداته، كانت طائراته‬ ‫وقواته ترد بقوة �ضد املدنيني الآمنني، فتقتل الن�ساء والأطفال، وتفتح ال�سجون‬ ‫لتزج بع�رشات الألوف من الأبرياء بها، ثم تبد أ� ف�ضائحها بالظهور على و�سائل‬ ‫الإعالم، كف�ضيحة �سجن (�أبو غريب) و(غوانتانامو) وغريهما...‬ ‫َ ً‬ ‫وما �أحدثته الثورة الفل�سطينية ومقاومتها ال يقل عن ذلك، و�إن حدثا مثل بناء‬ ‫جدار العزل ال�صهيوين، والذي جاء رداً على عمليات املقاومة اجلريئة التي هزت‬ ‫ّ‬ ‫قلب االحتالل، جعلت العامل يتنادى يف حمكمة (الهاي) ليخرج بقرار تاريخي‬ ‫يرف�ض هذا ال�سور، ويحرك ع�رشات املظاهرات يف العامل الغربي املناه�ضة للدولة‬ ‫ِ‬ ‫العربية، والداعية �إىل املقاطعة، رغم �أن هذا القرار بقي بعيداً عن التنفيذ، �إال �أنه‬ ‫ُيـعـد جولة �سيا�سية و�إعالمية رابحة للق�ضية الفل�سطينية.‬ ‫َ ّ‬ ‫�سلب العدو �أمنه، وجعله يعي�ش حالة من التوتر والقلق واال�ضطراب‬ ‫والّالا�ستقرار الدائم، وهذا ما يفقده �صوابه، ويحد من تقدمه وازدهاره، ويجعله‬ ‫ّ‬ ‫م�شغول التفكري بكيفية حماية نف�سه، واتقاء ال�رضبات املوجهة �إليه. كما �أن ذلك‬ ‫ُي�شعر كل عن�رص يف كيان العدو ب�أنه م�ستهدف ومعر�ض للقتل، ومهدد باملالحقة،‬ ‫َّ‬ ‫مما يجعله يفكر بالبحث عن �أمنه خارج الأر�ض املحتلة؛ وهذا ما خلق ظاهرة‬ ‫الهجرة العك�سية من �أر�ض فل�سطني، وقد تنا�سب الر�سم البياين لهجرة اليهود‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫�إىل فل�سطني تنا�سبا عك�سيا مع ارتفاع وترية الأحداث واملواجهات، كما تنا�سب‬ ‫ً‬ ‫الر�سم البياين لهجرتهم املعاك�سة (�إىل خارج �أر�ض فل�سطني) طرديا مع حدة‬ ‫ِ ّ‬ ‫الأحداث(1). بل �إن الهجرة الداخلية ظهرت لأول مرة يف الكيان ال�صهيوين مع‬ ‫1 «02 �ألف يهودي يرتكون البالد �سنوياً، وهو �أكرث من الهجرة �إىل البالد يف هذا العام بـ (0005) �شخ�ص».‬ ‫يديعوت �أحرنوت، العدد ال�صادر يف 02/4/7002م.‬
  • 61.
    ‫16‬ ‫تعر�ض ال�شمال الفل�سطينيل�صواريخ الكتيو�شا اللبنانية، ثم مع تعر�ض اجلنوب‬ ‫ّ‬ ‫ل�صواريخ الق�سام الفل�سطينية.‬ ‫وقد �أورد الرئي�س ال�سابق جلهاز ال�شاباك الإ�رسائيلي (يعقوب بريي) يف كتابه‬ ‫(مهنتي كرجل خمابرات) ق�صة تاجر الذهب الإ�رسائيلي الذي مت خطفه من مدينة‬ ‫(طولكرم) على يد مقاومني من حركة (فتح)، وكيف �أنه فور �إطالق �رساحه‬ ‫ا�صطحب عائلته و�أقاربه وهاجر بهم �إىل م�سقط ر�أ�سه من حيث �أتى(1).‬ ‫ولقد دب الرعب يف �أو�صال الكيان ال�صهيوين جراء قنابل اال�ست�شهاديِّني‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫التي مل تفت�أ تنفجر بهم فتثخن فيهم، حتى مل يعودوا يجدون و�سيلة ملنعها، وقد‬ ‫عبـر عن حالة الي�أ�س هذه رئي�س وزرائهم الأ�سبق (�إ�سحاق رابني) بقوله: «ماذا‬ ‫ّ َ‬ ‫�أ�ستطيع �أن �أفعل لرجل يريد �أن ميوت؟!».‬ ‫وبهذا �أ�صبح ال�صهاينة ال ي�أمنون على �أنف�سهم ركوب احلافالت �أو ال�سري‬ ‫يف ال�شوارع العامة والأ�سواق املكتظة، ما دفع �رشكة احلافالت الرئي�سية (�إيغد)‬ ‫َ‬ ‫�إىل تنظيم حفالت غنائية داخل احلافالت، لت�شجيع النا�س على ركوبها، وذلك‬ ‫�إثر عمليات الث�أر التي قامت بها كتائب الق�سام رداً على اغتيال املهند�س القائد‬ ‫ّ‬ ‫(يحيى عيا�ش). ولقد �رصحت �أجهزة �إعالم االحتالل �أكرث من مرة بحقيقة ما‬ ‫ّ‬ ‫يعاين منه املجتمع ال�صهيوين نتيجة الفعل املقاوم، ومن ذلك �أن الإقبال على‬ ‫العيادات النف�سية ت�ضاعف مع �أحداث التفجري، و�أنه كلما كان انفجار �صاروخ‬ ‫�أو هجوم يقع م�صابون يف نفو�سهم �أكرث مما يقع م�صابون يف �أج�سادهم.‬ ‫خلق ظرف مت�أزم ال خمرج منه، وتر�سيخ قناعة لدى قادة االحتالل و�سا�سته‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫�أن حال ع�سكريا للق�ضية لن يكون، و�أن ال�شعب واملقاومة لن تنك�رس مهما‬ ‫1 (مهنتي كرجل خمابرات)، يعقوب بري؛ رئي�س جهاز ال�شّ اباك الإ�رسائيلي ال�سابق.‬ ‫ّ‬
  • 62.
    ‫26‬ ‫ً‬ ‫ا�شتدت ال�رضبات، و�أنه على الرغم من �إمكانية �إ�ضعاف (اجلاريال) حينا، �إال �أنها‬ ‫لن تلبث �أن تنه�ض من جديد؛ لأنها مت ّثل ال�شعب ب�أ�رسه، وال ميكن الق�ضاء عليها‬ ‫�إال بالق�ضاء على ال�شعب ب�أكمله، وبالتايل �إيجاد قناعة لدى العدو ب�أن خمرجه‬ ‫الوحيد من �أزمته هو اللجوء �إىل التفاو�ض الذي يف�ضي �إىل االن�سحاب والرحيل.‬ ‫وكذلك حتى يعلم العدو ب�أن تكلفة مت�سكه باالحتالل �أو بكر�سي احلكم باهظة‬ ‫الثمن، تفوق ما ميكن �أن يحققه ا�ستمرار اال�ستعمار من مكا�سب.‬ ‫هذا ما ا�ستطاعت الثورات التي انت�رصت �أن حتقّقه، وهذا ما �أقنعت به الثورة‬ ‫اجلزائرية فرن�سا، وهو ما و�صل �إليه الأمريكيون يف فيتنام دون �أن تُهزم جيو�شهم‬ ‫يف �أر�ض املعركة، وكذا احلال مع اجلي�ش ال�سوفييتي يف �أفغان�ستان.‬ ‫�إن الهجوم ال�شهري (‪ )TET‬يف (فيتنام)، والذي قُتل فيه �أكرث من 23 �ألف‬ ‫مقاتل فيتنامي �شمايل وثائر من قوات الثورة (فيتكونغ)، مقابل (�ألف) جندي‬ ‫�أمريكي و(�ألفي) مقاتل فيتنامي جنوبي موايل، وعلى الرغم من خ�سارة الثورة‬ ‫الكبرية للأرواح، �إال �أنه ترك انطباعا كبرياً و�أثراً عميقا لدى ال�شارع الأمريكي،‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫وذلك لب�سالة ال�شعب الفيتنامي وا�ستعداد ثواره للت�ضحية مبثل هذا العدد الكبري‬ ‫من الأرواح، فخرج ال�شعب الأمريكي يف مظاهرات كبرية تدعو حكومتها‬ ‫�إىل االن�سحاب من فيتنام، بل �إن الرئي�س الأمريكي (ليندون جون�سن) �أعلن‬ ‫عن قراره بعدم تر�شيح نف�سه، فكان هذا الهجوم نقطة انعطاف وحتول ل�صالح‬ ‫ال�شعب الفيتنامي الثائر.‬ ‫ويالحظ �أنه يف اللحظة التي ي�صل فيها االحتالل �إىل هذه القناعة، ف�إن املقاومة‬ ‫ً‬ ‫تكون قد حقّقت هدفا �آخر، هو وقف تو�سع االحتالل على الأر�ض، و�إيقافه عند‬ ‫ّ‬ ‫احلدود التي و�صلها، ثم حماولة ا�ستخال�ص �أي �أر�ض �أو موقع من بني يديه.‬
  • 63.
    ‫36‬ ‫فها هو االحتاللالإ�رسائيلي، كان يحلم ب�أر�ض (�إ�رسائيل الكربى) من‬ ‫النيل �إىل الفرات، وكان ينق�ش خارطتها على عملته املعدنية، و�رشع مبمار�سة‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ذلك عمليا، فاحتل �سيناء امل�رصية، وجنوب لبنان، واجلوالن ال�سوري، وبع�ضا‬ ‫ّ‬ ‫من الأر�ض الأردنية، �إال �أن املقاومة الع�سكرية حطمت حلمه، فردته حرب‬ ‫ّ‬ ‫(رم�ضان) عن �أر�ض �سيناء، ودحرته املقاومة الإ�سالمية عن �أر�ض لبنان، ثم‬ ‫جاءت املقاومة الفل�سطينية لرتغمه على التخلي عن قطاع غزة ال�صامد وبع�ض‬ ‫من �أرا�ضي ال�ضفة الغربية، وال زلنا على ذات الطريق حتى الن�رص ب�إذن اهلل.‬ ‫�إبراز عدالة الق�ضية عاملياً: �إن التزام �أ�صحاب احلق باملطالبة بحقهم،‬ ‫وا�ستماتتهم يف �سبيل حت�صيله، وت�ضحيتهم الّالحمدودة يف �سبيله؛ يجعل الأنظار‬ ‫تتوجه �إليهم، والعقول ت�ؤمن بعدالة مطلبهم. وكذا ف�إن وجود �رصاع يف �أي‬ ‫ّ‬ ‫بقعة يف العامل يلفت النظر �إليها، ويثري االهتمام بق�ضيتها، ويجرب الإعالم على‬ ‫متابعتها، فتكون الفر�صة مهي�أة ل�رشح �أبعاد الق�ضية واملظلمة الواقعة عليها،‬ ‫وعدالة مطلبها...‬ ‫لقد عملت جميع حركات املقاومة وجتارب (اجلاريال) على ب�سط ق�ضيتها‬ ‫عرب املقاومة، وكذا كانت الق�ضية الفل�سطينية عندما وقف الأخ (يا�رس عرفات)‬ ‫ً‬ ‫لأول مرة يف العام (4991م) على منرب الأمم املتحدة عار�ضا ق�ضيته.‬ ‫وقد قامت االنتفا�ضة الفل�سطينية بالدور خري قيام، ودخل الإعالم بقوة‬ ‫يف دعم هذا الهدف وتعظيمه و�إجناحه، و�إنّ �صورة واحدة من �صور املقاومة‬ ‫ال�شعبية لأطفال فل�سطني بحجارتهم �أغنت عن �ألف بيان و�إعالن، ومثلها‬ ‫من الكتب وامل�ؤلفات، ف�صورة الطفل ال�شهيد (فار�س عودة) م ّثلت ال�شعب‬ ‫َ‬ ‫الفل�سطيني ال�شجاع املقاوم، و�صورة الطفل ال�شهيد (حممد الدرة) م ّثلت ال�شعب‬ ‫َ‬
  • 64.
    ‫46‬ ‫الفل�سطيني املقهور واملظلوم،و�أمثالها كثري من ال�صور التي عبرّت عن حال‬ ‫ال�شعب الفل�سطيني للعامل كله، وا�ستدرت عطفه من جهة �أخرى، وا�ستحوذت‬ ‫ّ‬ ‫على اهتمامه.‬ ‫�إ�ضافة ملا �سبق، ف�إن (اجلاريال) حتقّق جملة من الأهداف الآنية التي تخدم‬ ‫ً‬ ‫الهدف الأ�سمى:‬ ‫- ك�أن حتقِّـق نه�ضة عامة لدى ال�شعب و�صحوة يف نفو�س �أبنائه؛ فتوقظهم من‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫ال�سبات، وت�رصفهم عن �سفا�سف الأمور، وت�ؤدي بهم �إىل رف�ض اال�ستعمار‬ ‫ّ‬ ‫ومقاومته، وامل�سارعة �إىل االن�ضمام وااللتحاق ب�صفوف الثورة مقاتلني �أو‬ ‫َ‬ ‫داعمني �أو م�ؤ ّيدين.‬ ‫َ‬ ‫- ولعل الثورة حتقق يقظة �أ�شمل يف �إطار قطرها، فت�ساهم يف �إحياء الأمة‬ ‫وتوجيه طاقاتها و�شبابها نحو وجهة �أكرث جدية وعملية، وتب�صرّها بامل�صائب‬ ‫الواقعة فيها، والأخطار املحدقة حولها، كما فعلت املقاومة الفل�سطينية يف‬ ‫نفو�س ع�رشات �آالف ال�شباب العربي والإ�سالمي.‬ ‫- كما ت�سعى (اجلاريال) �إىل اال�ستيالء على ال�سالح من عدوها وا�ستخدامه‬ ‫ً‬ ‫يف �رضبه وحماربته، فمن املعلوم �أن �سالح الثورة عادة ما يكون خفيفا‬ ‫ً‬ ‫وقليال وم�صادره �شحيحة، ولذا ف�إن غنيمة �أي �سالح من العدو هو انت�صار‬ ‫مزدوج، فهو �إرهاق للعدو وا�ستنزاف له، وهو دعم للمقاومة ومتويل لها،‬ ‫ورفع ملعنويات املقاتلني يقابله �رضب ملعنويات العدو.‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫ومن الثورات التي اعتمدت على �سالح عدوها: الثورة ال�صينية، حيث‬ ‫ي�صف زعيمها (ماو) اال�ستيالء على ال�سالح القادم من �أمريكا �إىل احلكومة‬
  • 65.
    ‫56‬ ‫املتعاونة عرب رئي�سها(ت�شانغ كاي ت�شك) فيقول: «مع�سكر دعمنا موجود‬ ‫ٌ‬ ‫ُ ِ‬ ‫يف وا�شنطن، و�ضابط التوريد الذي ينقله لنا هو ت�شانغ كاي ت�شك!». �أما يف‬ ‫املقاومة الفل�سطينية، فهناك الع�رشات من العمليات الق�سامية التي نفّذها �أبطا ُلها‬ ‫ب�سالح عدوهم الذي غنموه من �أر�ض املعركة، ومنها عمليات خلية القد�س،‬ ‫ّ‬ ‫وعمليات خاليا ال�شهيد (عماد عقل)(1)، وكذا فعلت ف�صائل املقاومة الأخرى‬ ‫يف عدد من عملياتها.‬ ‫- كذلك ف�إن املقاومة حتقِّـق خ�سائر ب�رشية وقتلى يف �صفوف العدو(2)، الأمر‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫الذي ي�ضعفه ويفت من عـ�ضده، على الرغم من �أن القتل لي�س هدفا بذاته،‬ ‫َ ُ ِ‬ ‫ّ‬ ‫�إال �أنه �أق�رص الطرق �إىل �إقناع العدو بالعدول عن مواقفه، واالن�سحاب من‬ ‫ّ‬ ‫الأرا�ضي التي يحتلها.‬ ‫- وحتقِّق (اجلاريال) مبقاومتها خلق حالة من توازن الردع والرعب، الذي مينع‬ ‫ٍ‬ ‫َ‬ ‫املحتل من االجرتاء على ال�شعب، وتو�سيع قتله للنا�س، واال�ستهانة بقدراتهم‬ ‫وقدرات املقاومة، فهو يعلم �أن كل جمزرة يرتكبها �ستعر�ضه ل�رضبة قوية‬ ‫ّ‬ ‫وجريئة وم�ؤملة، ومع كل �إقدام على اغتيال كادر من كوادر الثورة �سيدفع‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ثمنا مماثال، وهكذا ف�إنه يعلم �أن كل جرمية ميار�سها قد تعود عليه بالوبال.‬ ‫1 متكنت خلية القد�س من قتل اجلندي (ن�سيم طوليدانو) وا�ستخدام �سالحه يف علمياتهم التالية. وا�ستطاع القائد‬ ‫ّ‬ ‫(عماد عقل) و�إخوانه غنيمة �سالح اجلنود يف اجليب الع�سكري بعد قتلهم يف عملية (م�صعب بن عمري)، ثم‬ ‫ا�ستخدموا ال�سالح يف جهادهم. ونفّذ املجاهد (�إبراهيم �سالمة) عملية (غاين تال) يف هجوم (دير بلوط) بر�شّ ا�ش‬ ‫غَ نمه املجاهدون من عملية (عمارة العنبتاوي).‬ ‫2 لأول مرة يف تاريخ املقاومة الفل�سطيني ت�صل ن�سبة القتلى ثالثة �شهداء مقابل قتيل �صهيوين واحد، وذلك يف‬ ‫انتفا�ضة الأق�صى.‬
  • 66.
    ‫66‬ ‫ويبقى الهدف الأ�سمىللجاريال الثائرة هو حترير الأر�ض املغت�صبة وا�ستعادة‬ ‫احلقوق امل�سلوبة. هذا الهدف الأ�سمى ميكن حتقيقه ب�إحدى الطرق التالية:‬ ‫1ـ الو�صول �إىل املرحلة احلا�سمة بحيث ت�صبح (اجلاريال) مع الزمن جي�شا قويا‬ ‫ً ً‬ ‫ً‬ ‫منظما، فينق�ض على عدوه ويجهز عليه بال�رضبة القا�ضية بعد �أن يكون قد �أنهكه،‬ ‫ّ‬ ‫وهذا عني ما ح�صل يف الثورة ال�صينية والثورة الكوبية، وهي املرحلة الثالثة التي‬ ‫حددها (ماوت�سي تونغ) يف ا�سرتاتيجيته الثورية ذات املراحل الثالثة.‬ ‫ّ‬ ‫وميكن �أن ُي�ضاف �إىل هذه الطريقة طريقة �أخرى، ي�صفُها البع�ض ب�أنها �أ�سلوب‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫منف�صل، وهي طريقة (حرب ال�شعلة)، وذلك ب�أن تعمد (اجلاريال) �إىل �رضب‬ ‫العدو ب�شكل متالحق، حتى ي�ضطر �إىل الرد ب�رضبات ع�شوائية انتقامية تطال‬ ‫ً‬ ‫دوال �أخرى يتواجد فيها عنا�رص (اجلاريال)، فتدخل هذه الدول حلبة ال�رصاع،‬ ‫فيتو�سع القتال، وتكون نهاية العدو على يد هذه الدول بالتعاون مع (اجلاريال)،‬ ‫ّ‬ ‫وهذا ما حاولته الثورة الفل�سطينية لكنها مل تنجح يف الو�صول �إليه.‬ ‫ً‬ ‫واحل�سم بهذه الطريقة يكون ع�سكريّا، بجي�ش (اجلاريال) ودعم غريها،‬ ‫فيكون الق�ضاء على قوة العدو و�إ�سقاط حكمه وطرده من الأر�ض.‬ ‫2ـ فر�ض و�ضع ال خمرج منه، ي�صل �إليه االحتالل بعد �أن ميار�س مع رجال‬ ‫(اجلاريال) وال�شعب كل ما ميلكه من �أ�ساليب وو�سائل م�رشوعة وغري م�رشوعة،‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫فيثخن بهم قتال وت�رشيداً وتنكيال لكن دون جدوى.‬ ‫َ‬ ‫يف املقابل، تُظهر (اجلاريال) جلداً و�صرباً و�إ�رصاراً، فتقاوم التنكيل، وتثبت‬ ‫يف وجه العا�صفة، وحتاول �أن ترد ال�صاع �إىل عدوها عرب قر�صات متفرقة،‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫و�رضبات هنا وهناك.‬ ‫ٍ‬
  • 67.
    ‫76‬ ‫هذه املرحلة حتتاج�إىل نف�س طويل وت�ضحيات كبرية، لكنها احلل الأمثل يف‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫مواجهة قوى اال�ستكبار العظمى التي ال ميكن هزمها بال�رضبة القا�ضية احلا�سمة،‬ ‫�أو ا�ستئ�صال جيو�شها و�إبادتها.‬ ‫ولقد قدمت الثورة اجلزائرية يف م�سرية التحرير الطويلة مليون ون�صف‬ ‫املليون �شهيد؛ �سعيا لإي�صال فرن�سا �إىل هذه القناعة، وكانت كلما قدمت مزيداً‬ ‫ً‬ ‫من الت�ضحيات حاول االحتالل الفرن�سي �أن يتم�سك وي�ضغط حتى الرمق‬ ‫الأخري، حتى �أن الأ�شهر الأخرية من الثورات كانت الأكرث �رضاوة وق�سوة بني‬ ‫ال ُّثوار وجلاّديهم، �إذ حاول اجلي�ش الغا�ضب �أن يلعب ب�أوراقه الأخرية، وي�رضب‬ ‫ً ّ‬ ‫ال�رضبات الأ�شد فتكا، علها تكون احلا�سمة، لكن دون جدوى، فكان ع�ض‬ ‫ُّ‬ ‫الأ�صابع الذي �صمد فيه ال�شعب، وانت�رص على املحتل، وا�ضطرت فرن�سا �إىل‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫االعرتاف والتفاو�ض، ومن ثم االن�سحاب. وقدم ال�شعب الفيتنامي مئات �آالف‬ ‫ّ‬ ‫القتلى حتى ا�ستطاع �أن ي�صل بال�شعب واحلكومة الأمريكية �إىل ذات القناعة.‬ ‫�إن العامل الأ�سا�سي الذي يفر�ض هذا احلل، هو معادلة (امليزان احليوي)،‬ ‫التي متيل ل�صالح املقاومة، فرتجح على ميزان القُوى املختل، والراجح ل�صالح‬ ‫ّ ِ ْ ُ‬ ‫املحتل، فحر�ص ال�شعب اجلزائري على نيل حريته وطرد امل�ستعمر يفوق حاجة‬ ‫ِ‬ ‫الفرن�سيني �إىل �إيجاد م�ستعمرات �إ�ضافية والبقاء يف اجلزائر كاحتالل، ورغبة‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ال�شعب الفيتنامي بالتخل�ص من اال�ستبداد واالنعتاق من الدكتاتوريّة يفوق‬ ‫حر�ص الأمريكيني على دعم نظام ا�ستبدادي ال يقدم لهم الكثري.‬ ‫ّ‬ ‫ٍّ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫***‬
  • 68.
  • 69.
    ‫96‬ ‫من قواعد‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫حرب الع�صابات‬ ‫ِ ِ‬
  • 70.
  • 71.
    ‫17‬ ‫من قواعد حرب الع�صابات‬ ‫ُ‬ ‫ُ ِ َ ُ‬ ‫هي مبادئ عامة، وقواعد ثابتة، انتهجـ ْتها اجلماعات الثائرة والفـرق املقاتلة‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫َ ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫يف �ش ّتى الأ�صقاع والأزمان، ف�شكلت مبجموعها �سمات وقوالب ميزت حرب‬ ‫الع�صابات، بع�ضها ت�شرتك به اجلاريال مع احلروب الكال�سيكية، وبع�ضها تخت�ص‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫به دون غريها.‬ ‫َ ُّ‬ ‫الـكـر والـفَـر:‬ ‫ّ‬ ‫وهي من �سيا�سات حرب الع�صابات على مدار تاريخها، فاحلركة الثورية‬ ‫ً‬ ‫املقاتلة ال تتخذ �شكال واحداً من الهجوم والكر واالختفاء والفر، �أي �أنها‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ال تهجم هجوما �شامال متوا�صال بحيث ت�ضع نف�سها �أمام مواقف حا�سمة‬ ‫وم�صرييّة، وكذلك ال تختفي عن ال�ساحة ب�شكل كامل ال حمدود فتكون‬ ‫بال ح�ضور وال ت�أثري، بل هي دائمة احلركة مبا تقت�ضيه احلاجة وال�رضورة،‬ ‫تهاجم يف اللحظة املنا�سبة، وتن�سحب دون حرج عندما يكون االن�سحاب‬ ‫ً‬ ‫�رضوريا.‬ ‫ً‬ ‫وهي بذلك كله حتقِّق مبد�أ املباغتة واملفاج�أة، وبذلك حتقّق �أهدافا مرحلية‬ ‫�ضمن ما يعرف ب ِـ (القر�صات املو�ضوعية)، يقول (ماو): «دفاع من �أجل‬ ‫ٌ‬
  • 72.
    ‫27‬ ‫الهجوم، وان�سحاب من�أجل التقدم، وانحناء من �أجل مواجهة و�سيطرة، م�شي‬ ‫ٌ‬ ‫ٍ‬ ‫ٌ‬ ‫ّ‬ ‫ٌ‬ ‫متعرج لأجل الذهاب امل�ستقيم»(1).‬ ‫ِّ ٌ‬ ‫�إذاً فالكر والفر وظيفة لتح�صيل الهدف الأ�سا�سي وهو االنت�صار، وبالتايل‬ ‫ٌ‬ ‫ُّ‬ ‫ُّ‬ ‫فهو اختيار للأ�سلوب الأمثل الذي يتنا�سب واحلالة الراهنة للجاريال. يقول‬ ‫ٌ‬ ‫لوران�س: «على املقاتلني �أن يختفوا كالبخار»، ويقول كلوزي�ست: «على‬ ‫املقاتل �أن يختفي كالغيم». �إذن هو �إجماع لدى مدار�س حرب الع�صابات على‬ ‫ٌ‬ ‫تب ّني العمل بهذا املبد�أ.‬ ‫وبالعودة �إىل عمليات املقاومة الفل�سطينية، ف�إننا نالحظ �أنها بجملها تخ�ضع‬ ‫لهذا املبد�أ، با�ستثناء العمليات اال�ست�شهاد ّية ب�أ�شكالها، �أما الأ�ساليب الأخرى‬ ‫من املقاومة، فقد اعتمدت الكر على �أهداف حمددة، وال�رضب بقوة و�رسعة، ثم‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫ً‬ ‫االن�سحاب ب�أقل وقت ممكن؛ قبل �أن يجد العدو وقتا ال�ستدعاء فرق م�ساعدة‬ ‫َ‬ ‫ودعم. وحني مل ي�ستطع املقاومون االن�سحاب ب�رسعة من موقع الهجوم، كان‬ ‫م�صريهم اال�ست�شهاد �أو االعتقال �أو الوقوع يف م�آزق �صعبة، كما ح�صل مع‬ ‫جماهدي اخللية الأردنية على احلدود الفل�سطينية يف �إحدى عمليات الدوريات،‬ ‫وقد �أوردناها يف هذا البحث.‬ ‫اعتماد اخلديعة يف احلرب:‬ ‫يقول عليه ال�صالة وال�سالم: «احلرب خدعة»(2)، و ُي�رشع للقوى املقاتلة‬ ‫ا�ستخدام اخلديعة واملكر والدهاء يف �رضب العدو، �أو يف �أثناء �رضباته، مما يج ّنب‬ ‫1 احلرب واال�سرتاتيجية)، يهو�شيفت هركيف.‬ ‫2 م َّتفق عليه.‬
  • 73.
    ‫37‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫ال ُّثوار �شيئا من التفوق يف القوة التي يتم ّتع بها عدوهم.. وقد �أكرث مقاتلو حرب‬ ‫ّ‬ ‫الع�صابات من ا�ستخدام �أ�ساليب خداعية يف �رضب اخل�صوم، ومن �أ�شهر ما‬ ‫تناقل ْته كتب التاريخ يف هذا الباب؛ ق�صة (ح�صان طروادة) ال�شهرية، والذي‬ ‫ُ‬ ‫ا�ستخدمه اجلي�ش الروماين يف احتالل مدينة طروادة، فقد ا�ستع�صت املدينة‬ ‫عليهم �شهوراً طويلة، و�صمدت يف وجه قواتهم ملناعة �أ�سوارها و�صمود �أهلها‬ ‫ّ‬ ‫ًّ‬ ‫ّ ً‬ ‫وا�ستب�سال مقاتليها، فعمد الرومان �إىل اخلديعة، �إذ �أعدوا جم�سما خ�شبيا حل�صانٍ‬ ‫ّ‬ ‫َ ّ‬ ‫كبري، وهم يعلمون �أن �أهل طروادة يع�شقون اخليل لدرجة التقدي�س، وقد �أعدوا‬ ‫ّ‬ ‫هذا املج�سم ب�شكل �أجوف، حيث كمن بداخله بع�ض اجلنود، ثم تظاهر اجلي�ش‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫باالن�سحاب ليال من حميط املدينة، حتى طلع ال�صباح ولي�س �أمام �أ�سوار املدينة �إال‬ ‫َ‬ ‫ّ َ‬ ‫َ‬ ‫جم�سم احل�صان، ف�أدخل ال�سكانُ املج�سم داخل املدينة، واحتفلوا بالن�رص، وعند‬ ‫َّ‬ ‫امل�ساء خرج اجلنود من مكمنهم داخل احل�صان، وتوجهوا �إىل احلرا�س فقتلوهم،‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ويف ذات الوقت كان اجلي�ش الروماين قد عاد �أدراجه، فوجد الأ�سوار قد‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ف ِتحت، و�سقطت املدينة يف �أيديهم باخلداع واحليلة، ال بالقوة و�شدة الب�أ�س!‬ ‫والناظر يف �سرية (عمرو بن العا�ص) ر�ضي اهلل عنه، يجد ع�رشات الق�ص�ص‬ ‫َ ِ َ‬ ‫ّ‬ ‫اخلداعية التي مكنته من اخلروج من امل�آزق واالنت�صار يف املعارك، وهذا حال‬ ‫ّ‬ ‫قادة احلروب املميزين، فكلما كانت القيادة للعمل املقاوم متتلك عقلية خلاّقة‬ ‫ً‬ ‫ًّ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ً ِ‬ ‫مبتكرة فَطنة، وتبتدع الأ�ساليب تبعا للمواقف والأحداث ومقت�ضياتها، كان‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫العمل الثوري �أكرث جناحا وقدرة على اال�ستمرار والإجناز والإثخان بالعدو.‬ ‫�أما يف جتربتنا الفل�سطينية، فقد ا�ستخدم املقاتلون �أ�ساليب (املخادعة) ب�صورٍ‬ ‫ُ َ‬ ‫ً‬ ‫متعددة، فتارة يظهر مقاتل الق�سام على طريق (رام اهلل) بلبا�س (قمباز) �أو لبا�س‬ ‫امر�أة، فال َي�أبه امل�ستوطنون املارون يف املوقع به، ويف اللحظة املنا�سبة ينق�ض عليهم‬ ‫ُّ‬ ‫ّ‬
  • 74.
    ‫47‬ ‫ً‬ ‫ب�سالحه املخب�أ حتت ثيابه. وتارة يزرع املقاومون عبوة �صغرية يف �أحد املواقع‬ ‫ّ‬ ‫تهدف �إىل حمل ال�صهاينة على الفرار �إىل االجتاه املعاك�س، وهناك تكون العبوة‬ ‫ً ّ‬ ‫الكبرية بانتظارهم. وتارة يفجر اال�ست�شهادي نف�سه داخل مقهى �صهيوين، بينما‬ ‫َ‬ ‫ينتظر �صاحبه اال�ست�شهادي الآخر يف اخلارج، ومع تدافع النا�س يتظاهر ب�أنه‬ ‫من رجال الأمن، فيبد�أ بجمع النا�س من حوله متظاهراً �أنه �سينقذهم، حتى �إذا‬ ‫جتمعوا حوله فجر نف�سه بهم، (كما فعل اال�ست�شهاد ّيان: بحر وحلبية). ورابعة‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وخام�سة و�ساد�سة، وكلما �أتقن املقاومون ح َيلهم، كان النجاح حليفهم(1).‬ ‫ِ‬ ‫ً‬ ‫املباغتة واملفاج�أة :‬ ‫وذاك خري �سالح ميلكه رجل الع�صابات. واملباغتة تقت�ضي �أن ال يعرف العدو‬ ‫�أو يتوقع مكان وزمان و�آلية تنفيذ املقاتلني لهجمتهم القادمة، مما يعني عدم قدرته‬ ‫على التهي�ؤ واال�ستعداد لها، �أو �إحباطها �أو اتّقاء نتائجها.‬ ‫ّ‬ ‫ٌ‬ ‫�إن عن�رص املباغتة كفيل بردم الهوة ال�سحيقة بني �إمكانات الثوار ال�ضعيفة‬ ‫ّ ّ‬ ‫املهاجمة، وبني قوة العدو الكبرية املتمركزة، فتكون املباغتة مقابل الكرثة،‬ ‫ِ‬ ‫ً‬ ‫فتخلق بع�ضا من التوازن. ولتحقيق هذا املبد�أ، فقد اعتمدت (اجلاريال) يف قتالها‬ ‫على ال�رضب بطريقة (الكمائن)، وبطريقة (اال�ستدراج)، ملا حتقّقه من مفاج�أة‬ ‫َ‬ ‫لقوات العدو، ولذات ال�سبب حفرت الأنفاق لكي تخرج �إليه من حيث ال‬ ‫ّ‬ ‫يحت�سب.‬ ‫1 التفا�صيل يف كتاب (�صفحات من جهاد �أبناء الق�سام)، مل�ؤلِّفه: �أبو م�ؤمن.‬
  • 75.
    ‫57‬ ‫لقد متكن ر�سولاهلل [ وقادة الفتح الإ�سالمي من بعده من ا�ستخدام عن�رص‬ ‫ّ‬ ‫املباغتة على �أكمل وجه، وتوظيفه بالقدر الذي مكنهم من ج ْني االنت�صارات التي‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫تخطت احل�سابات املادية واملنطقية، فقد متكن عليه ال�سالم من مباغتة م�رشكي‬ ‫مكة بجي�ش قوامه ع�رشة �آالف مقاتل يقف على ر�ؤو�س اجلبال املحيطة بهم،‬ ‫وكذا تكرر احلال ع�رشات املرات يف ال�سرَّايا والبعوث واملعارك والغزوات على‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫مدار تاريخنا. وهو ما فعله ر�سول اهلل [ �أي�ضا مع يهود (خبري) عندما خرج‬ ‫بجي�شه نحو (غطفان)، ف�أوهمهم �أنه يق�صدهم فا�ستعدوا له، بينما اطم�أ ّنت‬ ‫خبري، ومل تقم ب�أي ا�ستعداد، فانعطف عليه ال�صالة وال�سالم باجلي�ش عليهم،‬ ‫ِّ‬ ‫ففاج�أهم وهو يقف على �أعتاب ح�صونهم.‬ ‫ومن الق�ص�ص اجلميلة التي تُروى عن القائد اجلليل (خالد بن الوليد) ر�ضي‬ ‫َ ِ َ‬ ‫اهلل عنه، ما قام به من حركة �أُحاد ّية جريئة مفاجئة، زعزع بها �صفوف جي�ش‬ ‫َ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫عدوه الذي يفوقُه عدداً وعتاداً، فبعد �أن ا�صطف اجلي�شان للمواجهة؛ امل�سلمون‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫بقيادة خالد، والفُر�س ومن واالهم من العرب بقيادة عقّة، ويف غفلة من‬ ‫اجلي�شينْ، انطلق خالد على فَر�سه �صوب عدوه، واجلميع يف ذهول، ومل ي�صحوا‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫من ذهولهم �إال بعد �أن و�صل خالد �إىل قائد جي�شهم (عقّة)، وانتزعه وهو على‬ ‫ُ‬ ‫فر�سه، وعاد به �أ�سرياً، فدب اال�ضطراب يف �صفوف الكفَرة، وهجم اجلي�ش‬ ‫َّ‬ ‫ً‬ ‫الإ�سالمي يقتل منهم وي�أ�رس، فلم يجدوا �إال الفرار �سبيال، وحقّق امل�سلمون ن�رصاً‬ ‫َ‬ ‫م�ؤزراً بغري خ�سائر(1).‬ ‫ّ‬ ‫ُّ ُ‬ ‫ومن مناذج املباغتة يف الع�رص احلديث، متكن اجلي�ش ال�صهيوين من مباغتة‬ ‫اجلي�ش امل�رصي الذي كان قادتُه يف غفلتهم ولهوهم، فدمـر �سالح الطريان‬ ‫َّ َ‬ ‫1 (فر�سان ال ّنهار من ال�صحابة الأخيار)، د. �سيد ح�سني العفاين.‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬
  • 76.
    ‫67‬ ‫ً‬ ‫ِّ َ‬ ‫امل�رصي وهو على �أر�ضه دون �أن يحرك �ساكنا، فانتهت احلرب يف �ست �ساعات‬ ‫فقط!‬ ‫�أما يف جتربتنا الفل�سطينية، فقد حقّق املجاهدون املباغتة يف مئات ال�رضبات،‬ ‫َ‬ ‫ّ َ‬ ‫ومنها عملية (احلرم الإبراهيمي)، عندما متكن املجاهدان: عماد عقل، وهارون‬ ‫نا�رص الدين، من قتل حار�س املنطقة و�إ�صابة زميله رغم ح�صانة املوقع. فقد‬ ‫ت�رصف الأخوان ب�صورة غري متوقّعة، وعلى الرغم من �أن امل�سافة املك�شوفة‬ ‫ٍ‬ ‫َ‬ ‫ّ َ‬ ‫ّ‬ ‫�أمامهم للو�صول �إىل النقطة طويلة، �إال �أنهما متكنا من مفاج�أة اجلنود بالعدو‬ ‫َِْ‬ ‫نحوهم ب�رسعة وقوة، بينما عقدت ال�صدمة على تفكري اجلنود، فلم ميلكوا �إال‬ ‫ُ‬ ‫ٍ‬ ‫النظر �إىل املجاهدين الّلذين �أفرغا �سالحيهما نحوهم، ثم ان�سحبا ب�سالم.‬ ‫َ ِ َ ِ‬ ‫ولتحقيق املباغتة، البد من ا�ستخدام القدر الأكرب من (ال�سـرية) يف الزمان‬ ‫ِّ ّ‬ ‫واملكان والكيفية، وكلما كانت عوامل (املكان والزمان والكيفية) بغري ما يتوقع‬ ‫ّ‬ ‫العدو؛ كان النجاح حليف املقاومة ب�إذن اهلل.‬ ‫تو�سيع دائرة ال�رضب:‬ ‫ويكون ذلك بزيادة عدد املواقع امل�ستهدفة، وعدم الرتكيز على منطقة دون‬ ‫غريها، مما يعر�ضها لل�ضغط والرتكيز، �أو ُيـخ�ضعها للمراقبة واملتابعة. وقد ذكرنا‬ ‫ّ‬ ‫�أن املباغتة حتتاج �إىل �رضب مواقع ال يتوقّعها العدو، وهذا ال يت�أتّى �إال بتو�سيع‬ ‫ً‬ ‫رقعة العمل املقاوم، وزيادة كم ونوع �أهدافه، خ�صو�صا يف واقعنا الفل�سطيني‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫الذي يعاين �أ�صال من �ضيق البقعة اجلغرافية التي نعي�ش فيها، والتي تُـعـد �ساحة‬ ‫َ ّ‬ ‫املواجهة.‬
  • 77.
    ‫77‬ ‫ويالحظ �أن حتييد�أي بقعة جغرافية، وا�ستثناءها من �ساحة املواجهة دون‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫مربر، يعطي العدو �أمانا فيها، ويجعله يركز اهتمامه باجتاه البقع ال�ساخنة، وينقل‬ ‫قواته وا�ستخباراته �إليها، فتقل حاجته ال�ستخدام كامل قواته، وتزداد قوته يف‬ ‫ّ‬ ‫�رضب املقاومة.‬ ‫وبنظرة �إىل واقع االحتالل، ف�إننا جند �أن املواقع امل�ستهدفة تنق�سم مكانياً �إىل‬ ‫ق�سمني:‬ ‫الأول: يتمثل بال�ضفة الغربية وحميط قطاع غزة، وي�شمل كذلك امل�ستوطنات‬ ‫ّ‬ ‫واملع�سكرات واحلواجز والطرق االلتفافية والآليات الع�سكرية واال�ستيطانية،‬ ‫كما ي�شمل الدفاع عن املدن �أثناء االجتياحات. والثاين: هو الأرا�ضي املحتلة‬ ‫عام (8491م)، وي�شمل جميع املواقع الع�سكرية، واملواقع امل�سماة (مدنية‬ ‫ّ‬ ‫واقت�صادية)، واملوا�صالت، مع جت ّنب املواقع ذات اخل�صو�صية، كدور العبادة‬ ‫ُ‬ ‫واملراكز الطبية وحتى التعليمية، وما من مرة �ضرُبت فيه هذه املواقع �إال ملربر،‬ ‫ِّ‬ ‫ك�إقدام االحتالل على ارتكاب جمازر كبرية، �أو اغتيال قادة، �أو �رضب مواقع‬ ‫فل�سطينية م�شابهة، فكانت حماولة لتحقيق (توازن الردع)، كما ح�صل يف‬ ‫ً‬ ‫عملية اجلامعة العربية يف القد�س، والتي نفّذها جماهدو خلية �سلوان؛ رداً على‬ ‫ّ‬ ‫جمزرة (حي الدرج) يف غزة، والتي ا�س ُت�شهد فيها القائد العام لكتائب الق�سام‬ ‫َّ‬ ‫ً‬ ‫ال�شيخ �صالح �شحادة، و�سبعة ع�رش فل�سطينيا �آخر، وذلك ب�إلقاء قنبلة عليهم‬ ‫ً‬ ‫تَـزنُ (ط ّنـا).‬ ‫ِ‬
  • 78.
    ‫87‬ ‫جتنُّب املواجهات الوا�سعة:‬ ‫حيث �أنه كلما كانت املواجهة �أقرب �إىل مبد أ� (الكر والفر) والهجمات‬ ‫اخلاطفة التي ال ت�صل بحال �إىل املواجهة املبا�رشة، والتي ال يطول زمنها �أو يت�سع‬ ‫ً‬ ‫مكانها، كان العمل �أكرث جناحا.. وذلك من �أ�سا�سيات حرب الع�صابات.‬ ‫يقول قائد الثورة ال�صينية (ماو): «يجب االمتناع عن املعارك احلا�سمة‬ ‫ْ‬ ‫وب�شكل قاطع»، ويقول �أي�ضا: «قا ِتل فقط عندما تكون قادراً على الن�رص،‬ ‫ً‬ ‫ٌّ‬ ‫وان�رصف عندما ال تكون قادراً»، و�سبب ذلك �أن ميزان القوى خمتل لدرجة ال‬ ‫ٍ‬ ‫يجوز معها املقارنة، فالعدو ميتلك ال�سالح والعتاد والإمكانات باحلجم الذي‬ ‫ٌ‬ ‫ال ميكن �أنْ تواجهه جمموعة �صغرية متلك بع�ض الأ�سلحة اخلفيفة. ف�إذا كانت‬ ‫ٌ‬ ‫َ‬ ‫املواجهة طويلة ف�إن ذلك ُيفقد املقاومة �أهم امتيازاتها، وهو عن�رص املباغتة والكر‬ ‫والفر واملناورة واالختفاء، وعندئذ ترجح كفة الأقوى، �إذ �أن كل عنا�رص القوة‬ ‫معه.‬ ‫ون�شري �إىل �أن املجاهد قد ي�ضطر �إىل املواجهة وال�صمود حتى النهاية، لكن‬ ‫ّ َ‬ ‫ذلك يف حاالت خا�صة جداً، وحتديداً �إذا متكن العدو من حما�رصة خلية �أو‬ ‫ٍ‬ ‫مطاردٍ يف موقع ما، بحيث ال ميكن االن�سحاب منه، فاملواجهة هي الأ�صل هنا،‬ ‫َ‬ ‫مع الإدراك �شبه اليقيني �أن ال�شهادة هي نهاية هذه املواجهة.‬ ‫�إن من عوامل جناح (اجلاريال) �أن تفر�ض هي �شكل املواجهة، وعندما ي�ستطيع‬ ‫العدو فر�ض �شكل املواجهة ف�إنه يكون �أقرب لالنت�صار، وجت ُّنب املواجهات‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫الوا�سعة �شكال وزمانا يعطي املقاومة فر�صة �أكرب للنجاح.‬ ‫ً‬
  • 79.
    ‫97‬ ‫البعد عن النمطية :‬ ‫اخلروج عن امل�ألوف، وجت ُّنب الروتني والتكرار؛ مما يحقّق املفاج�أة، وجت ُّنب‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫النمطية، يعني �أال تعتمد (اجلاريال) �شكال معينا يف الأداء واملقاومة واحلركة زمانا‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ومكانا و�أ�سلوبا، حتى ال ي�سهل على االحتالل درا�سة حركة املقاومة وتتبع‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫خطواتها، ومن ثم التنب�ؤ بحركتها القادمة، وما يمُكن �أن تُقدم عليه م�ستقبال،‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ومن ثم ي�أخذ حذره، ويت�سلم زمام املبادرة، ويفاجئ املقاومة بدال من �أن‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫تفاجئه، وقد قيل: «خري عادة، �أن ال يكون لك عادة».‬ ‫ً‬ ‫نعم! �إن البعد عن الروتني يجعل الزمان مفتوحا للعمل بليله ونهاره، �صيفه‬ ‫و�شتائه، هدوئه وا�شتعاله، ويجعل املكان كله �ساحة مقاومة، ال ت�ستثنى منه‬ ‫بقعة، وال يحده ميدان؛ �سهله وجبله، َبـره و ما�ؤه، مدنه و�أريافه، جوه وباطن‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ُّ‬ ‫ُّ‬ ‫ً‬ ‫�أر�ضه... و�إن من �ش�أن ذلك �أي�ضا، �أن يجعل من الو�سائل املتاحة م�ستخدمة على‬ ‫ً‬ ‫الدوام بح�سب احلاجة والإمكان، �إطالق نار �أو تفجري �أو �صواريخ �أو اغتيال‬ ‫ً‬ ‫وقن�ص، ويجعل من الو�سائل املتوفرة �أر�ضية جيدة للتطوير، فال يكون التوقف‬ ‫ًّ‬ ‫عند و�سيلة ا�س ُتخدمت، بل ي�ستخدم ال�سابق، ويطور احلايل، ويبتكر اجلديد،‬ ‫ّ‬ ‫وي�ستجلب ما ا�ستخدمه الغري....‬ ‫ّ‬ ‫كل ذلك يجعل االحتالل يف حرية من �أمره، ويحجزه عن توقّع القادم،‬ ‫و ُيف�شله يف مقاومته، و ُيعدم قدرته على مواكبة ما ت�ستحدثه املقاومة من �أ�ساليب،‬ ‫بينما ذلك ي�ضع املقاومة يف موقع املبادرة و�صناعة احلدث.‬
  • 80.
    ‫08‬ ‫التطوير الدائم لأ�ساليب العمل، وعدم االكتفاء مبا �سبق:‬ ‫فهي حرب طويلة ال ينفع معها اال�ستمرار بروتني معني من املواجهة، �أو‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫ا�ستخدام �سالح واحد فيها، �أو العمل بو�سائل وطرق تقليدية حمددة، ذلك �أن العدو‬ ‫�سيفهم �أ�سلوب القُوى املقاومة يف عملها، و�سيجد العالج الناجع الذي يحد من‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫فاعليتها، وتوقّي �رضباتها، بل من املحتوم �أنه �سيعمد �إىل االبتكار و�إبداع الو�سائل‬ ‫ّ‬ ‫والطرق والأدوات اجلديدة يف حربه و�رضبه للثورات، وعندئذ �ستجد (اجلاريال)‬ ‫ّ‬ ‫نف�سها قد تخلفت وتقدم عدوها. ففي الوقت الذي كان فيه مقاتلو (�ألفيت كونغ)‬ ‫ّ َ ُّ‬ ‫يف (فيتنام) يحتمون بالغابات وخ�رضائها لالختفاء من الطريان الأمريكي، قامت‬ ‫(1)‬ ‫�أمريكا بتطوير �سالح جديد يتنا�سب وهذه املع�ضلة، فاخرتعوا (القنابل امل�سمارية)‬ ‫التي حتوي �آالف امل�سامري القاتلة التي تنت�رش حال �إطالقها على م�ساحات �شا�سعة،‬ ‫فت�ؤدي �إىل قتل الثوار دون �أن يحتاجوا لر�ؤيتهم، فلم يكن �أمام املقاتلني �إال �إيجاد‬ ‫ّ‬ ‫احللول املنا�سبة التي ت�سمح لهم بالتمرت�س خلف حاجز يقيهم من امل�سامري، ومن ثم‬ ‫كان حفر املزيد من اخلنادق والأنفاق التي ت�سمح لهم باالختفاء واالحتماء.‬ ‫وقد كان النموذج الفل�سطيني متميزاً يف تطوره وتنوع �أ�ساليبه ودخوله يف‬ ‫مراحل �إبداعية متعاقبة، خرجت به من دائرة العمل ال�شعبي الأعزل، �إىل دائرة‬ ‫الإبداع واالبتكار يف �إيجاد الأ�سلحة املنا�سبة لطريقته يف مقاومة عدوه، فبعد �أن‬ ‫ّ‬ ‫بد�أَ العمل الفل�سطيني باملقاومة ال�سلمية االحتجاجية واال�ستنكار ّية، ثم االنتفا�ضة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫َّ‬ ‫ال�شعبية امل�سلحة باحلجر والزجاجة احلارقة؛ تطور العمل ليدخل مرحلة (ثورة‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫ال�سكاكني) التي ا�س َتخدمت �أب�سط �أنواع ال�سالح الأبي�ض املتوفّر يف املنازل،‬ ‫ّ‬ ‫1 القنابل امل�سماريّة تُطلق على �شكل دفعات، كل دفعة حتوي عدة قنابل، كل قنبلة حتوي �آالف امل�سامري الفوالذ ّية‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫بطول (01) �سنتيمرتاً، تنطلق بقوة فتنت�رش م�سامري كل قنبلة على م�ساحة طولها (003) مرت، وعر�ضها (09)‬ ‫مرتاً تقريباً.‬
  • 81.
    ‫18‬ ‫ّ‬ ‫ثم كانت مرحلة العمل امل�سلح با�ستخدام الكم القليل من ال�سالح الناري الذي‬ ‫ّ‬ ‫يتوفر بيد املقاومني مما غنموه من �أيدي االحتالل الإ�رسائيلي، �أو مما مت تهريبه من‬ ‫َّ‬ ‫اخلارج، �أو مما ورثوه من الأجيال...‬ ‫ثم كانت مرحلة التفجري التي ا�ستخدم فيها املجاهدون املواد املتفجرة‬ ‫َّ‬ ‫املوجودة يف الألغام القدمية وكحل البارود وغريه، وعندما عجزوا عن توفري‬ ‫املواد الكافية بد�ؤوا بالبحث عن مواد �أولية ُي�صنعون من خاللها متفجراتهم،‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫فا�ستخدموا الأ�سمدة النباتية، واملواد الطبية، ومواد التنظيف الكيماوية، فكانت‬ ‫مادة (�أم العبد) املتفجرة التي �أثبتت جناع َتها يف عمليات التفجري، ثم تطور‬ ‫هذا ال�سالح حتى دخلت فيه ق�ضية التكنولوجيا يف التوجيه، فكان التفجري‬ ‫عن ُبعد وغريه من الو�سائل... ويف هذه املرحلة، دخلت املقاومة الفل�سطينية‬ ‫حرب اال�ست�شهاد ّيني، الذين �أ�صبحوا �سالح املقاومة الأقوى. ثم كانت حرب‬ ‫ُ‬ ‫الأنفاق، التي ا�ستطاعت فيها املقاومة جتاوز احلدود الـمـ�صطنعة املح�صنة بالألغام‬ ‫َّ‬ ‫ُ‬ ‫والأ�سالك ال�شائكة والأبراج و�أجهزة الر�صد الإلكرتونية.‬ ‫و�أخرياً، كانت القفزة االبتكارية، والتي مت ّثلت ب�إنتاج ال�صاروخ الفل�سطيني‬ ‫(ق�سام)، وما َتبِـعـه من �صواريخ م ّثلت مبجملها �أف�ضل ما تو�صل �إليه املقاتل‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫الفل�سطيني من ابتكارات تزيد من كفاءة ال�سالح الذي متلكه املقاومة...‬ ‫وهكذا، ف�إنه ال ا�ستمرار للمقاومة، وال بقاء ملقاتليها، وال �إجناز �أو حتقيق‬ ‫لأهدافها دون �أن تتمكن من تطوير �أدائها، وم�ضاعفة دفاعاتها ومناعتها،‬ ‫و�إيجاد احللول للمع�ضالت التي تعرت�ضها(1).‬ ‫1 يروي املجاهدون املتطوِّعون من الإخوان امل�سلمني يف حرب عام (8491م) �أنهم غنموا كمية من قذائف‬ ‫ّ ً‬ ‫املورتر، ومل يكونوا ميلكون قاذفات لها، فلم ي�ستطيعوا اال�ستفادة منها، �إال �أنهم فوجئوا يف اليوم التايل باملجاهد‬ ‫ً َ َ‬ ‫ً ّ ً‬ ‫(يو�سف طلعت) قد ابتكر قاذفا بدائيـا يدويّـا �سهِ ر على �إعداده طوال الليل، وهكذا ا�ستفادوا مما غنموه. ومن‬ ‫الـقـ�ص�ص التاريخـيـة على جتاوز العقبات؛ ما كان من (القعقاع بن عمرو) ر�ضي اهلل عنه يف معركة القاد�سية،‬ ‫َ ِ َ‬ ‫ّ‬ ‫عندما وجدَ اخليل تنفر من الفِ َيلة، ف�صنع فيال (متثاال) ودرب فر�سه عليه حتى �أَ ِلفَه و�أ�صبح ال يخ�شى الفِ َيلة،‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ّ َ‬ ‫ً‬ ‫َ ً‬ ‫َ‬ ‫وا�ستطاع �أن يهاجم به الفِ َيلة احلقيقية يف اليوم التايل، و�أن ُيثخن فيها.‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬
  • 82.
    ‫28‬ ‫املركزية والالمركزية:‬ ‫حتتاج احلركات الثورية �إىل ا�ستخدام املركزية يف بع�ض جوانب العمل املقاوم‬ ‫حفاظا على امل�سار وجناح العمل، وحتديداً يف القرارات اال�سرتاتيجية وال�سيا�سية،‬ ‫ً‬ ‫فلي�س من احلكمة ترك قرارات وقف �أو �إنهاء ال�رصاع، �أو تغيري �أ�س�س ومبادئ‬ ‫العمل، �أو قطع �أو و�صل عالقات خارجية، �أو دخول مواجهات داخلية �أهلية،‬ ‫ّ‬ ‫بقرارات ال مركزية، تتحكم بها اخلاليا العاملة هنا وهناك.‬ ‫بينما من ال�صواب ترك حرية العمل واالجتهاد لهذه اخلاليا يف الق�ضايا امليدانية‬ ‫واليومية والروتينية، والتي تقع �ضمن ال�سيا�سة العامة والإطار العري�ض الذي‬ ‫حددته القيادة، ف�إنْ كان القرار ال�سيا�سي بدخول ثورة م�سلحة، ُيـرتك للخاليا‬ ‫ّ‬ ‫العاملة �أنْ حتدد املكان والزمان والكيفية التي تنفذ من خاللها هجماتها.‬ ‫ّ‬ ‫بل �إن على القيادة �أنْ ت�شجع املبادرات الذاتية والفردية امل�ضبوطة، والتي تنمي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫العمل وترتقي به وتزيد من فاعليته و�إجنازاته وجناحاته.. ومن هنا، ف�إننا نالحظ‬ ‫ّ‬ ‫�أنّ كمـا كبرياً من العمل الفل�سطيني املقاوم يقع �ضمن دائرة اجلهود الفردية التي‬ ‫ّ ً‬ ‫نفّذها �أبطا ُلها مبفردهم، �أو تلك التي نفّذها �أو ابتد�أها الأفراد، ثم كان االت�صال‬ ‫بالتنظيم الذي �ساعد ووفّـر وقدم، ومن ثم كان االنخراط الع�سكري يف الإطار‬ ‫َ َّ‬ ‫احلركي.‬ ‫�إن الالمركزية يف الأعمال اليومية ُيعطي العمل حيو ّية وحترراً من القيود‬ ‫ُّ‬ ‫ً‬ ‫البريوقراطية املعقّدة التي تُعيقه عن التقدم والإجناز. ويف ذات الوقت، ف�إن هذه‬ ‫ّ‬ ‫ا ّلالمركزية ال تعني بحال �أن ُيرتك للأطراف واخلاليا املتناثرة واملنت�رشة �أنْ حتدد‬ ‫َّ‬ ‫م�سار العمل الثوري و�آلية �إنفاذه.. وكلما كانت تلك الالمركز ّية متوافقة مع‬ ‫ً‬
  • 83.
    ‫38‬ ‫ً‬ ‫قياداتها، متناغمة معما ي�صدر عن القيادة من قرارات، ف�إن ذلك ي�ساهم قطعا‬ ‫ً‬ ‫يف �رسعة الإجناز، وجت ّنب الوقوع يف الأخطاء والأخطار.‬ ‫�إذاً، فاملقاومة حتتاج �إىل املركزية على امل�ستوى اال�سرتاتيجي ال�سيا�سي، و�إىل‬ ‫الالمركزية على امل�ستوى التكتيكي والإجرائي، وهذا ما امتازت به (حركة‬ ‫حما�س) وذراعها الع�سكري (كتائب الق�سام)، ففي الوقت الذي كانت تعلن‬ ‫فيه احلركة عن قبول هدنة م�رشوطة مع العدو، كان عنا�رصها ومقاتلوها هم‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫الأكرث ان�ضباطا والتزاما، ف�إذا انتهت الهدنة انطلقوا �إىل ميادين البطولة، وقد‬ ‫�شهد لهم االحتالل ذاته على ذلك.‬ ‫�رضب العدو يف نقاط �ضعفه:‬ ‫فال بد من �رضب العدو يف نقاط �ضعفه، والرتكيز على �أطرافه ووحداته‬ ‫ِّ‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫املنف�صلة، ومراكزه النائية، وخطوط �إمداده وات�صاله، واالبتعاد عن جتمعاته‬ ‫ّ‬ ‫الكبرية، ومواقعه احل�صينة، ومراكزه التي ي�صعب الو�صول �إليه فيها، �إال يف‬ ‫عمليات تندرج حتت �إطار العمل اال�ست�شهادي، �أو يف حالة امتالك �أدوات توفِّـر‬ ‫ُ‬ ‫ٍ‬ ‫للمقاومة النجاح يف ذلك.‬ ‫ويف التجارب املعا�رصة، كان الف�شل الأول للثورة الكوبية يف (62 متوز)،‬ ‫ملحاولتها �رضب مع�سكر �ضخم يحوي بداخله �أكرث من �ألف جندي بعتادهم،‬ ‫�إ�ضافة �إىل ما ميتلكه املع�سكر من د�شم ومتاري�س و�سالح ثقيل، بينما ال متلك‬ ‫ُ َ ٍ‬ ‫الثورة (القوة الثائرة املهاجمة) �سوى ع�رشات الرجال الذين ال ميلكون من‬ ‫ِ‬ ‫ال�سالح �إال �أخفّه و�أ�ضعفه، فانتهت الثورة عند ذلك الهجوم، واع ُتقل قائدها،‬
  • 84.
    ‫48‬ ‫ُ َ‬ ‫وق ِتـل العديد من رجالها. يقول (ماو): «ا�رضب ال�ضعيف دون خجل، واهرب‬ ‫من القوي دون خجل!».‬ ‫ً‬ ‫ويف ثورتنا الفل�سطينية، كانت هذه القاعدة دافعا الختيار الأهداف املتحركة،‬ ‫ِّ‬ ‫واملتمثلة بالدور ّيات والآليات والراجلة، والأهداف الثابتة املتم ّثلة باحلواجز‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫الع�سكرية النائية، وبقيت عمليات اقتحام املع�سكرات ال�ضخمة احل�صينة مقت�رصة‬ ‫على نطاق �ضيق، وحتديداً يف قطاع غزة، لندرة الأهداف الأخرى هناك. �أما‬ ‫ّ‬ ‫ال�ضفة الغربية فهي حمكومة بظروف خا�صة، مع ال�سعي الدائم الختيار املوقع‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫الأقل حت�صينا والأ�ضعف �أمنا بال �شك.‬ ‫ً‬ ‫وليعلم �أنّ العدو يحافظ على تفوقه يف حرب الع�صابات، ما دام حمافظا على‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ُ َ‬ ‫مبد�أ (تركيز القُوى)، ف�إذا توزعت قواته بد�أت ت�ضعف وتفقد تفوقها، ولذا ف�إن‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫َ ُ َ‬ ‫من �أهداف (اجلاريال) �أن جتعل العدو ينت�رش، فتتفرق قواته، لي�سهل على رجال‬ ‫ّ ّ‬ ‫ّ‬ ‫الع�صابات ا�ستهداف تلك القوات وا�صطيادها دون �أن تتمكن من الدفاع عن‬ ‫نف�سها.‬ ‫ويف �أر�ضنا الفل�سطينية، ا�ضطر جي�ش االحتالل ورغم �صغَر م�ساحة الأر�ض‬ ‫ِ ِ‬ ‫�إىل االنت�شار على م�ساحات وا�سعة، يف حماولة منه حلماية م�ستوطنيه وطرقه‬ ‫االلتفافية، وملالحقة مطاردي وجماهدي املقاومة، فبالعودة �إىل �إح�صائية يف‬ ‫ّ‬ ‫(حزيران 7002م)، ف�إن �أرا�ضي ال�ضفة الغربية وحدها حتوي: (712) ب�ؤرة‬ ‫ا�ستيطانية، و(012) قاعدة ع�سكرية، و(675) حاجزاً ع�سكريا، و(008) كم‬ ‫ً‬ ‫من الطرق االلتفافية(1). الأمر الذي ي�شري �إىل توفر عدد كبري جداً من الأهداف‬ ‫ُ‬ ‫1 �صحيفة القد�س، �إح�صائية معهد الأبحاث التطبيقية ـ �أرع، العدد ال�صادر يف 5/6/7002م.‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬
  • 85.
    ‫58‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫التي ميكن �رضبها، وخ�صو�صا �أن الكثري من هذه الأهداف �ضعيف �أمنيا وي�سهل‬ ‫الو�صول �إليه، وهذا ما جعل عدداً من ال�ضباط الع�سكريِّني يف اجلي�ش ال�صهيوين‬ ‫يقدم احتجاجاته على �سيا�سة احلواجز، فقد ن�رش اجلي�ش ع�رشات احلواجز يف‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫مواقع (�ساقطة �أمنيا)، ف�أ�صبحت �صيداً �سهال لرجال املقاومة الذين ا�ستهدفوها‬ ‫ًّ‬ ‫ع�رشات املرات.‬ ‫االهتمام بالقاعدة ال�شعبية:‬ ‫حيث ُيعد من �أبرز عوامل النجاح يف احلركات الثورية على اختالف منطلقاتها‬ ‫ّ‬ ‫وتوجهاتها، قدرتُها على تكوين قاعدة �شعبية عري�ضة داعمة، تتب ّنى موقفها، وت�أمتر‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ب�أمرها، وت�ساند م�سريتَها، وتوفّر لها ما يلزمها من خدمات وم�ساهمات.‬ ‫فالقاعدة ال�شعبية هي م�صدر الإمداد الب�رشي، وذلك �أكرث ما ُيهِ م الثورة‬ ‫ّ‬ ‫ويلزمها، فكلما كانت القاعدة امل�ؤمنة بالثورة ومنهجيتها �أعر�ض و�أو�سع؛ زاد‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫عدد املتطوعني يف العمل الثوري واملن�ضوين حتت لوائه والعاملني يف �صفوفه.‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫والقاعدة ال�شعبية هي ال�ستار الذي ت ّتقي به احلركات الثورية يف اللحظات‬ ‫َِ‬ ‫احلرجة، وحتتمي به يف حاالت الرتاجع.. ففي (اجلاريال)، كان رجال الثورة يف‬ ‫النهار فلاّحني، ويف الليل مقاتلني، ويف (اجلاريال املدنية) يختفون يف �صفوف‬ ‫ال�شعب في�صعب �ضبطهم.‬ ‫والقاعدة ال�شعبية هي قاعدة الإمداد اللوج�ستي الذي حتتاجه جميع القوى‬ ‫ِّ‬ ‫ِ‬ ‫املقاتلة، من �إيوا ٍء للمطاردين، ومتويل لهم بالطعام واالحتياجات، وتزويدهم‬ ‫ٍ‬ ‫باملعلومات والتقارير...‬
  • 86.
    ‫68‬ ‫ولذا، ف�إن اعتماداجلاريال على القاعدة ال�شعبية مينحها فر�صة �أطول لل�صمود‬ ‫ً‬ ‫يف وجه الت�ضييق والقمع والتنكيل. ففي الوقت الذي يكون فيه ال�شعب على‬ ‫قناعة بحركات املقاومة ودورها و�أدائها و�أ�شخا�صها، ف�إنه يحتمل يف �سبيلها‬ ‫الكثري، وهذا ما جعل ال�شعب يف قطاع غزة ي�صرب مع حركة (حما�س)، رغم‬ ‫احل�صار والتجويع وانقطاع الرواتب وقلة ذات اليد.‬ ‫وعليه، ف�إن واجب املقاومة جتاه ال�شعب �أنْ تحُ�سن �إليه ال �أن جترتئ عليه،‬ ‫َ‬ ‫ِ َ‬ ‫ّ‬ ‫عليها �أن ت�شعر ب�شعوره، و�أن ت�سعى حلل �إ�شكاالته، و�أن توفر له احتياجاته، و�أن‬ ‫تنقذه من �أزماته، و�أن ال تتعر�ض له بالأذى والرتهيب والتنكيل والإ�ساءة، فينظر‬ ‫ّ َ‬ ‫�إليها بكراهية ونفور.‬ ‫َ‬ ‫ُ ّ َ‬ ‫ِّ َ‬ ‫�إن من قواعد العمل الثوري �أن ت�شكل القُوى الثائرة الداعم واملموِّل‬ ‫لل�شعب، ال �أن تعتمد عليه بالتمويل املادي، فاملطلوب منها �أن توفّر له املال‬ ‫َ‬ ‫الذي يعو�ضه عن اخل�سائر التي يتكبدها يف الدفاع عن املقاومة؛ من قتل وهدم‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫للمنازل وال�سجن وم�صادرة الأرا�ضي والأموال والت�ضييق يف �أبواب الرزق،‬ ‫و�إال ف�إن ال�شعب ال ميكنه ال�صمود..‬ ‫لقد �أقدم االحتالل الإ�رسائيلي يف ال�سنوات ال�ست الأوىل من انتفا�ضة‬ ‫ّ‬ ‫الأق�صى على قتل �أكرث من خم�سة �آالف فل�سطيني، وهدم (0064) منزل،‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫واقتالع (مليون ون�صف مليون) �شجرة، وم�صادرة (006) �ألف دومن، �إ�ضافة‬ ‫�إىل �صنوف �أخرى من االعتداءات... فكيف �سي�صمد �أمامها ال�شعب بدون‬ ‫(1)‬ ‫وجود داعم خلفه يعينه على ال�صمود؟‬ ‫1 نف�س امل�صدر ال�سابق.‬
  • 87.
    ‫78‬ ‫ٍّ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ً‬ ‫نعم، �إن علينا �أن ندرك �أن هناك فرقا بني جماعة �أو تنظيم �شعبي قد يعي�ش‬ ‫ٍ‬ ‫ِ ٍ َّ ٍ‬ ‫على اال�شرتاكات، وبني عمل مقاوم م�سلح يحتاج �إىل م�رصوفات وله َتبِعات.‬ ‫ٍ‬ ‫كذلك، ف�إن من واجب اجلاريال جتاه ال�شعب �أن ت�سعى �إىل تثقيفه و�إعداده‬ ‫وت�أهيله وتوريثه الفكرة ال ّثور ّية والقناعة بها، لكي يبدي اال�ستعداد للت�ضحية‬ ‫َّ‬ ‫بها، وبدون هذا التثقيف ف�إن اجلماعات املقاتلة ال تلبث �أنْ ت�ضمحل وتتال�شى،‬ ‫فال جتد املنابع الّتي تغذيها بالرجال الذين ي�ضمنون لها احلياة.‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫�إن من �أهم الأمور التي يجب على قُوى املقاومة �أن تغر�سها يف نفو�س‬ ‫َ‬ ‫ال�شعب؛ هو كراهية االحتالل، والقناعة ب�رضورة �إزالته، فهي �أهم �أ�سباب‬ ‫ٍ ً‬ ‫النجاح.. ولقد انتف�ض ال�شعب الفل�سطيني بهبات متالحقة تبعا لهذه القناعة،‬ ‫ّ ٍ‬ ‫َ‬ ‫َ ّ‬ ‫فلم تكن هذه القناعة �شديدة الر�سوخ يف مطلع عقد الثمانينات، وعندما قرر‬ ‫َّ‬ ‫املجاهدون غر�سها يف نفو�س ال�شعب، بد�أت معاين اجلهاد والوطنية وحب‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫الأوطان تتجذر يف نفو�س املواطنني، وتدعمت هذه املعاين بع�رشات املجازر‬ ‫ّ‬ ‫ال�صهيونية واجلرائم املتنوعة من قتل و�إبعادٍ واعتقالٍ وم�صادرة، فانتف�ض ال�شعب‬ ‫َ‬ ‫ٍ‬ ‫على جلاّده، ووقف الكف الفل�سطيني الطاهر يف وجه خمرز العدو ال ّنج�س،‬ ‫ّ‬ ‫ُّ‬ ‫ُّ‬ ‫َ‬ ‫وا�ستمرت االنتفا�ضة �سنوات طويلة رغم ما مر به �شعبنا من ظروف غاية يف‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الق�سوة وال�شدة والأمل.‬ ‫ومن الأمثلة العاملية على جناح الثورات بف�ضل االلتفاف اجلماهريي حولها:‬ ‫(الثورة الإ�سالمية يف �إيران)، فقد انتظم ال�شعب يف م�سريات ومظاهرات‬ ‫ُ‬ ‫حا�شدة ومتوا�صلة، بطلب من قائد الثورة (اخلميني) من منفاه يف بريطانيا، عرب‬ ‫ٍ‬ ‫كا�سيتات م�سجلة ب�صوته، حتى عرفت الثورة الإيرانية ب ِـ(ثورة الكا�سيت)..‬ ‫ُ‬ ‫ُ َّ‬ ‫ولقد بلغت هذه الطاعة واالن�ضباط حداً عجيبا، وكانت �سببا رئي�سا يف الن�رص.‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ّ‬
  • 88.
    ‫88‬ ‫ِ َ‬ ‫ويف املقابل، فَ�شل املنا�ضل البولويف (ت�شي جيفارا) يف نقل الثورة من (كوبا)‬ ‫�إىل (بوليفيا)، فقد انتقل مع بع�ض رفاقه �إىل جبال (بوليفيا)، وبد َ�أ العمل الثوري،‬ ‫�إال �أنه مل ي�ستطع ك�سب ثقة وت�أييد ال�شعب، فا�ستطاعت القوات احلكومية النيل‬ ‫منه وقتله بعد �أقل من عام على �إعالن الثورة التي انتهت مبقتله.‬ ‫الف�شل ال يعني الي�أ�س:‬ ‫البد للثائر من الإميان املطلق ب�أن حرب الع�صابات هي حرب ال ّنـفَ�س الطويل‬ ‫َ‬ ‫والع�ض على الأ�صابع، ينجح فيها الطرف الذي ُيبدي �صرباً و�صموداً وجلداً‬ ‫ّ‬ ‫�أكرب. وعلى الثائر �أن ي�ؤمن ب�أن هذا الهدف ال�سامي الذي يبغي بلوغَ ه ال ميكن‬ ‫�أن يتحقّق بلمح الب�رص، �أو ب�رضبة واحدة، بل هو نتاج �أعمالٍ تراكمية حتقّق‬ ‫ُ‬ ‫ٍّ‬ ‫ٍ‬ ‫َ‬ ‫الهدف املن�شود، ف�إذا تعر�ضت القوى الثائرة لنك�سة �أو �رضبة، ف�إن ذلك ال يعني‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫النهاية، وال يعني الي�أ�س والقنوط �أو ال�شعور بالعجز وعدم القدرة على الفعل،‬ ‫بل يجب �أن تعني جتديد الهمة، واالنطالق بخربة جديدة م�ستقاة من ع�صارة‬ ‫تلك التجربة، والعمل بحر�ص �شديد، وهذا ناجم عن وعي �إ�ضايف، يهدف �إىل‬ ‫ٍ‬ ‫ٌ‬ ‫عدم ال�سقوط فيما �سبق.‬ ‫و�إذا �سمحت القوى الثائرة لنف�سها �أو لعنا�رصها ب�أن تدخل مرحلة �إحباط �أو‬ ‫ٍ‬ ‫َ‬ ‫ي�أ�س �أو �ضغط ناجت عن هزمية مو�ضعية �أو ف�شل جزئي �أو تقهقر يف ميدانٍ �أو تقدم‬ ‫ُّ ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍّ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍّ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫للعدو، فتلك �إذاً هي بداية النهاية.. �أما �إذا انطلقت الثورة بعزمية متقدمة و�إ�رصارٍ‬ ‫ٍ ّ ٍ‬ ‫وت�صميم؛ ف�إنها تثبت املبد�أ القائل: «ال�رضبة التي ال تمُي ُتنا تزيدنا قوة».‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫هذا املبد أ� ينطبق على كل مهمة وعمل، حتى �إن العا ِلـم امل�شهور (توما�س‬
  • 89.
    ‫98‬ ‫ً‬ ‫�أدي�سون) �أجرى �ألفجتربة لإنتاج م�صباحه الكهربائي، وكانت نتيجتها جميعا‬ ‫َّ َ‬ ‫الف�شل، حتى ا�ستطاع يف النهاية �إنتاج هذا االخرتاع الرائع الذي خلد ا�سمه يف‬ ‫التاريخ.‬ ‫ِ َ‬ ‫�أما يف الثورات العاملية؛ ففي املدر�سة الكوبية، فَ�شل القائد (فيدل كا�سرتو)‬ ‫يف هجوم (22متوز)، ل�سوء تقدير ح�صل، واع ُتقل هو وعدد من رفاقه، وقُتل‬ ‫َ‬ ‫�آخرون، وانتهت الثورة.. �إال �أن القائد (كا�سرتو) مل يي�أ�س، بل �سارع فور‬ ‫خروجه من ال�سجن �إىل جمع فلوله وم�ؤ ّيدي ِفكره ليعود فاحتا بلده، طارداً‬ ‫ً َ‬ ‫َ‬ ‫احلكومة العميلة من �أر�ضه.‬ ‫هذه القاعدة متثل �إجابة وجت�سيداً ملبد�أ �أ�سا�سي تخ�ضع له جميع �أ�شكال حروب‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫الع�صابات، وهو مبد�أ (ا�سرتاتيجية اال�ستنزاف)، والت�أثري الرتاكمي للهجمات‬ ‫الناجحة املحدودة، فال ميكن للجاريال �أن تهزم عدوها ب�رضبة واحدة، �أو حتى‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ب�سل�سلة �رضبات ومعارك حمدودة، بل �إنّ زمنا طويال من العمل الد�ؤوب،‬ ‫َّ‬ ‫وال�رضبات املتوالية، واجلهود املركزة، وال�صرب دون ي�أ�س، وجتاوز العقبات، هذا‬ ‫هو الكفيل بالن�رص على االحتالل، وح�سم احلرب ل�صالح املقاومة.‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫ويف امليدان، مار�س املجاهدون املثابرة وعدم الي�أ�س كثرياً، فخرج �أبطال‬ ‫َّ َ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫خلية (�صوريف) ع�رشات الطلعات اجلهادية بحثا، حتى متكنوا من خطف‬ ‫اجلندي (�شارون �أدري)، و�ص ّنع مهند�سو كتائب الق�سام ع�رشات النماذج من‬ ‫َ‬ ‫ال�صواريخ، و�أجروا عليها ع�رشات التجارب، حتى خرج ال�صاروخ �إىل حيز‬ ‫الوجود.‬
  • 90.
    ‫09‬ ‫التفريق بني اال�سرتاتيجية والتكتيك:‬ ‫ال بد من �أن متيـز (اجلاريال) بني الأهداف اال�سرتاتيجية العامة، والتكتيكية‬ ‫ّ َ‬ ‫ّ‬ ‫امل َّتبعة، هذا التفريق يتيح لها التم�سك بحقوقها واالرتباط بثوابتها، ويف ذات‬ ‫الوقت، ف�إنه يعطيها القدرة على التفاعل مع الأحداث والتجارب، والت�أقلم‬ ‫مع املتغريات، وال�سري يف حقل الأ�شواك الذي يعرت�ضها، ويج ّنبها الكثري من‬ ‫الإ�شكاالت، ويجيب على الت�سا�ؤالت، وي�سمح لها با�ستخدام كل ما هو‬ ‫ممكن.‬ ‫ففي مقاومتنا الفل�سطينية، متيـز حركة (حما�س) بني ا�سرتاتيجية حترير‬ ‫ّ‬ ‫ِّ ُ‬ ‫ّ‬ ‫فل�سطني كلها من بحرها �إىل نهرها، وبني مرحلية التحرير واجلاهز ّية لت�سلم‬ ‫ّ‬ ‫�أي �شرب يخرج منه االحتالل، كما يف (غزة).. وفرقت حما�س بني ا�سرتاتيجية‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫احلق يف املقاومة بكل �أ�شكالها، وم�رشوعية العمل لطرد االحتالل، وبني تكتيك‬ ‫ّ‬ ‫اختيار الأ�سلوب الأمثل للمقاومة الذي تواجه به االحتالل، والذي يتنا�سب مع‬ ‫املرحلة وظروفها.‬ ‫وب�صيغة �أخرى، هو تفريق وتوفيق بني الثابت واملتغري؛ ثابت املقاومة ومتغري‬ ‫ٍ‬ ‫الأ�سلوب، ثابت ال�سعي يف التحرير ومتغري القبول بالهدنة امل�ؤقّتة ذات الأهداف‬ ‫املحددة.‬ ‫َّ‬ ‫***‬
  • 91.
    ‫19‬ ‫العمل‬ ‫الفل�سطيني‬ ‫ّ‬ ‫املقـاوم‬
  • 92.
  • 93.
    ‫39‬ ‫العمل الفل�سطيني املقاوم‬ ‫تعتمد القوى الثائرة يف عملها على �أ�ساليب تُـجنـب مقاتليها املواجهة‬ ‫ِّ ُ‬ ‫املبا�رشة والوا�سعة، مما يحقّق لها مبد�أ املباغتة الذي حتتاجه..‬ ‫فهي تعتمد خيار الكمائن، والتي تُعدها حماطة بكل ال�رسية، لتنق�ض من‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ِ ُّ‬ ‫خاللها على عدوها ب�صورة تُفقده القدرة على رد الفعل، فتمتلك هي حينها‬ ‫زمام املبادرة، وتُثخن فيه، ثم تن�سحب �إىل م�أمنها. وال�شكل الذي يتنا�سب مع‬ ‫الكمائن، هو ال�رضب من موقع ثابت نحو هدف متحرك.‬ ‫وهي تعتمد الهجوم املباغت، ف ُتعـد مقاتليها مبا يلزم، ومبا ينا�سب املهمة من‬ ‫ِ ُّ‬ ‫ًَ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫�سالح وعتاد، لينفّذوا هجوما مباغتا على الهدف الذي �سبق �أن مت ر�صده؛ ثابتا‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫كان �أم متحركا. و ُي�شرتط يف مثل هذا الهجوم ال�رسعة و ِق�صرَ مدة التنفيذ، و�أن‬ ‫ّ‬ ‫تكون طريقة االن�سحاب مر�سومة، فتنجز اخللية مهمتها، ثم تعود �أدراجها �إىل‬ ‫ّ‬ ‫مكمنها.‬ ‫وهي تعتمد اال�ستدراج، والذي يخدم طريقة الكمائن. �سواء كان اال�ستدراج‬ ‫مبا�رشاً؛ عرب �إي�صال معلومات ا�ستخبار ّية مغلوطة �إىل العدو يتحرك بناء عليها‬ ‫ّ‬ ‫�إىل نقطة حتددها املقاومة، فيكون الكمني جاهزاً لالنق�ضا�ض على الهدف. �أو‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ا�ستدراجا غري مبا�رش، وذلك بتوجيه �رضبات تكتيكية تهدف �إىل �إغرائه بتتبع �أثر‬ ‫ّ‬
  • 94.
    ‫49‬ ‫املجاهدين، وحماولة الّلحاق بهم، وعندئذ يكون املقاتلون باملر�صاد.‬ ‫َ‬ ‫وقد مار�س ال�شعب الفل�سطيني جميع �أ�شكال املقاومة التي ملك �أدواتها،‬ ‫وتوفرت �إمكاناتها، بدءاً من املقاومة ال�سلبية وتعري�ض �صدره العاري لنريان‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫عدوه، و�صوال �إىل حتويل ج�سمه �إىل قنبلة ا�ست�شهادية، تنفجر بعدوها فتقتله.‬ ‫�أما �سالح هذا ال�شعب، فهو كل ما وقعت عليه يده؛ من �سالح �أبي�ض �أو ناري‬ ‫�أو �صاروخي �أو متفجر، وكل ما تف ّتـق عنه ذهن املقاومة من عمل ا�ستخباري �أو‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ا�ست�شهادي، وكل جهد وجهاد؛ �سواء كان من حتت الأر�ض بالأنفاق، �أو فوق‬ ‫ّ‬ ‫الأر�ض بالهجمات، �أو يف اجلو باملقذوفات، حتى غطى العمل املقاوم م�ساحة‬ ‫ً‬ ‫وا�سعة من �أ�ساليب حرب الع�صابات احلديثة.‬ ‫ً‬ ‫***‬
  • 95.
    ‫59‬ ‫�أ�شكال هجمات املقاومة‬ ‫�أوالً: املقاومة ال�شعبية:‬ ‫فقد انطلقت اجلماهري الفل�سطينية وقواها املقاومة يف ثورة �شعبية عارمة‬ ‫ً‬ ‫نهاية عام (7891م)، كان هذا االنفجار قويا لدرجة �أن كافة قطاعات ال�شعب‬ ‫�شاركت فيه، فلم ميلك االحتالل �أن ينهيه �أو يح�سمه على الرغم من اجلهود التي‬ ‫بذلها جي�شه يف قمع ال�شعب واالنتفا�ضة.‬ ‫لقد انطلق ال�شعب مبا ميلكه من �إمكانات بدائية ب�سيطة؛ بدءاً باحلجر الذي‬ ‫م ّثل رمز ال�شعب واملرحلة، وما رافقه من م�سريات ومظاهرات واعت�صامات‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫و�إ�رضابات وم�ؤمترات ومهرجانات... ثم ا�ضطرته احلاجة �إىل �إيالم عدوه �إىل‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫�أن يبحث عن �أدوات �أكرب �أ َثراً، فدخل مرحلة حرب ال�سكاكني التي �أعلنت‬ ‫َ‬ ‫عنها حركة حما�س يف (51/01/5991م)، وكان �أول املنت�سبني �إليها املجاهد‬ ‫(عامر �أبو �رسحان)، وتبعته القافلة ترتى.‬ ‫ثم وا�صل ال�شعب الفل�سطيني عطاءه وم�سريته؛ فا�ستخدم الزجاجات‬ ‫ّ‬ ‫احلارقة، وا�ستخدم �أ�سلوب حوادث ال�سيارات، كما فعل املنا�ضل (عبد الهادي‬ ‫غنيم)، واملجاهد (راتب زيدان)، واملجاهد (خليل �أبو علبة)، وغريهم(1).‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫1 املنا�ضل (عبد الهادي غنيم) من حركة فتح، قام بعمل حادث يف حافلة يقودها وي�ستقلها عدد من اليهود، فقتل‬ ‫ٌ‬ ‫منهم (51) �صهيونياً. واملجاهد (راتب زيدان) من حركة حما�س قام بده�س عدد من ال�صهاينة املتوقّفني على‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫حافّة الطريق ب�سيارته فقتل منهم ثالثة. واملجاهد (خليل �أبو علبة) قام بده�س جنود �صهاينة على جانب الطريق،‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫فقتل منهم ثمانية، وهو من حركة اجلهاد الإ�سالمي.‬
  • 96.
    ‫69‬ ‫َّ‬ ‫كذلك فقد ا�ستخدم ال�شعب الفل�سطيني �أ�سلوب (التخريب املنظم)، وذلك‬ ‫ب�رسقة ال�سيارات، و�إحراق و�إتالف بع�ض املزروعات واملمتلكات، واملثل الذي‬ ‫�سبق ذكره و�أ�شار �إىل اعرتاف االحتالل ب�أن 03 �ألف �سيارة �إ�رسائيلية تُ�رسق‬ ‫َ‬ ‫ً ّ‬ ‫�سنويا، ي�ؤكد على انتهاج هذا الأ�سلوب على نطاق وا�سع(1).‬ ‫ُّ‬ ‫ولقد �أحدثت هذه الأ�شكال املقاومة وغريها حالة من الذعر واال�ضطراب‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫ِ ُ‬ ‫يف �صفوف االحتالل وقطعان م�ستوطنيه، فقد �أفقدتْه �أم َنه وقطعت خطوط‬ ‫َ‬ ‫م�ستوطناته، و�أنزلت به خ�سائر مادية كبرية، �إ�ضافة �إىل بع�ض اخل�سائر الب�رش ّية‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫املحدودة.‬ ‫ثانياً: عمليات �إطالق النار:‬ ‫ّ‬ ‫وهي �أول �أ�شكال املقاومة امل�سلحة التي انتهجها جماهدو فل�سطني منذ انطلق‬ ‫العمل الفل�سطيني املقاوم، مع دخول الأفواج الأوىل لال�ستعمار الإجنليزي مطلع‬ ‫القرن الع�رشين، ثم مع ا�ستفحال ال�رسطان اال�ستيطاين اليهودي.‬ ‫توا�صل هذه النموذج وتطور مع تطور ال�سالح وتوفره ب�أيدي املجاهدين،‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫فكان النموذج الأكرث ا�ستخداما و�شيوعا، وخ�صو�صا يف املراحل التي �شح‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫فيها ال�سالح التفجريي نظراً لقلة الإمكانات املادية، وانعدام اخلربات الب�رشية،‬ ‫و�ضعف التقنيات الإعدادية.‬ ‫وبقيت عمليات �إطالق النار مرت ّبعة على �صدارة عمليات املقاومة من حيث‬ ‫َ َ‬ ‫ً‬ ‫العدد حتى يومنا هذا، على الرغم من وجود كافة �أنواع و�أ�شكال العمليات‬ ‫1 قناة (�إ�رسائيل الثّانية)، يف بثّها يوم 22/2/5002م.‬
  • 97.
    ‫79‬ ‫الأخرى. وقد �أوردتقناة (�إ�رسائيل الأوىل) بتاريخ (8/2/5002م) تقريراً‬ ‫ً‬ ‫�إح�صائيا لعدد عمليات املقاومة يف ال�سنوات الأوىل النتفا�ضة الأق�صى، فكان‬ ‫عدد عمليات �إطالق النار (03731) عملية، مقابل (831) عملية ا�ست�شهادية‬ ‫تفجريية، �أي بن�سبة (1) �إىل (99)(1).‬ ‫ومع �أحداث االنتفا�ضة الأوىل، برزت عمليات �إطالق النار بكثافة،‬ ‫ً‬ ‫خ�صو�صا مع انبثاق جنم حما�س، ثم بروز جناحها الع�سكري كتائب ال�شهيد‬ ‫عز الدين الق�سام يف عام (1991م)، فكان �أ�سود املقاومة ال�شهداء (يا�رس‬ ‫النمروطي، ويا�رس احل�سنات، وطارق دخان، و�إخوانهم...)، ثم ملع جنم ال�شهيد‬ ‫القائد (عماد عقل) يف عام (2991ـ3991م) بعد �أن �أبدع وابتكر و�أجنز على‬ ‫هذا ال�صعيد، لي�صبح �أحد �أعالم املرحلة وعناوينها البارزة، وا�ستحق لقب (�أ�سد‬ ‫فل�سطني املل َّثم).‬ ‫ثم برز املجاهدون ال�شهداء؛ (حممد عزيز ر�شدي)، و(جميل وادي)،‬ ‫و(عو�ض �سلمي)، وع�رشات الق�ساميني الذين �صوبوا بنادقهم �إىل �صدور عدوهم‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ف�أثخنوا فيه، و�شفوا �صدور قوم م�ؤمنني.‬ ‫ٍ‬ ‫ولقد ا�ستطاعت عمليات �إطالق النار �أن توقع يف �صفوف االحتالل‬ ‫�إ�صابات مبا�رشة وخ�سائر ب�رشية، بعد �أن كانت خ�سائره يف املقاومة ال�شعبية‬ ‫حمدودة جداً، وبد�أت و�سائل الإعالم تتحدث عن جنودٍ تتهاوى، ومع�سكرات‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫َّ َ‬ ‫ُ‬ ‫تُهاجم، ومركبات تُ�رضب، وهجمات تتواىل وتكرث بعددٍ �أرق االحتالل وتركه‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫يف حرية من �أمره، فقُطعت الكثري من خطوط امل�ستوطنات والطرق االلتفافية،‬ ‫ٍ‬ ‫مما ا�ضطر االحتالل �إىل ن�رش مئات احلواجز الع�سكرية ونقاط املراقبة، الأمر الذي‬ ‫َّ‬ ‫1 قناة (�إ�رسائيل الأوىل)، يف بثّها يوم 8/2/5002م.‬
  • 98.
    ‫89‬ ‫ّ َ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫�أوجد �أهدافا جديدة �سهلة اال�صطياد، ومكن املقاومة من ا�ستهدافها و�رضبها!‬ ‫َ‬ ‫ومن االمتيازات التي يراها البع�ض لعمليات �إطالق النار، �أنها تُخرج املقاومة‬ ‫من احلرج الذي قد تَت�سبب به العمليات اال�ست�شهادية، التي قد تَظهر بنظر العامل‬ ‫َّ ُ‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫�أنها عمليات �إرهابية، وت�أخذ �صدى �إعالميا وا�سعا.‬ ‫ً‬ ‫كما �أن ردة فعل االحتالل على العمليات اال�ست�شهادية عادة ما تفوق مثيلتها‬ ‫ّ‬ ‫من عمليات �إطالق النار، �إذ قد ي�صل الأمر �إىل �إ�صدار قرارات االغتيال بحق‬ ‫القادة ال�سيا�سيني كرد على العمليات اال�ست�شهادية يف العمق ال�صهيوين، كما‬ ‫ٍّ‬ ‫ّ‬ ‫حدث مع القادة ال�شهداء؛ ال�شيخ �أحمد يا�سني، والدكتور عبد العزيز الرنتي�سي،‬ ‫واملهند�س �إ�سماعيل �أبو �شنب، والدكتور فتحي ال�شقاقي...‬ ‫ً‬ ‫�أما �صور و�أ�شكال عمليات �إطالق النار فقد تنوعت وتعددت تبعا لطبيعة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الهدف، واملوقع، ونوعية ال�سالح، واملهمة املطلوبة. وميكن �أن تتلخ�ص بالآتي:‬ ‫�أ ـ ال�رضب من موقع ثابت نحو هدف متحرك:‬ ‫ّ‬ ‫وذلك ب�أنْ يتمركز املجاهدون ب�أ�سلحتهم النارية يف نقطة ثابتة؛ انتظاراً‬ ‫لهدف متحرك �سبق ر�صده، ك�سيارة جيب ع�سكري، �أو م�ستوطن �صهيوين،‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫�أو حافلة ركاب �إ�رسائيلية، ثم االنق�ضا�ض عليها بقوة و�رسعة، وال َّنيل منها، ثم‬ ‫االن�سحاب من املكان قبل و�صول تعزيزات العدو، والعودة �إىل نقطة الأمان.‬ ‫ب ـ ال�رضب من موقع ثابت نحو هدف ثابت:‬ ‫ويقوم ذلك على االنق�ضا�ض على مع�سكر �صهيوين، �أو حاجز ع�سكري،‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫�أو جتمع ا�ستيطاين، �أو �أي هدف ثابت، ومباغتته وهو يف غفلة من �أمره، فيكون‬ ‫ِّ‬ ‫ّ ٍ‬
  • 99.
    ‫99‬ ‫االنق�ضا�ض من نقطةارتكاز �آمنة توفِّـر للمجاهدين اال�ستتار الذي يحافظ على‬ ‫ُ‬ ‫عن�رص املباغتة واالحتماء من ردة فعل العدو، ثم ي�سارع املجاهدون بعد تنفيذ‬ ‫ّ‬ ‫املهمة �إىل االن�سحاب.‬ ‫ج ـ ال�رضب من موقع متحرك نحو هدف متحرك:‬ ‫ِّ‬ ‫ِّ‬ ‫ً‬ ‫وهي العمليات التي تعارف عليها املجاهدون ا�صطالحا بـ (عمليات‬ ‫ّ َ‬ ‫التجاوز)، وخري من ا�ش ُتهر بها ال�شهيد (عماد عقل)، حيث كان �أول من‬ ‫بد�أَها. وتقوم عمليات التجاوز على �أنْ ت�ستقل اخللية �سيارة مدنية، ثم تعمد �إىل‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫َّ‬ ‫مالحقة �إحدى �سيارات االحتالل الع�سكرية �أو املدنية دون �أنْ ت�شعر، وعندما‬ ‫حتني الفر�صة املنا�سبة، ينطلق �سائق �سيارة املجاهدين بال�رسعة الق�صوى ليتجاوز‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ِ ُّ‬ ‫الهدف، ويف اللحظة التي ت�صبح فيها ال�سيارتان متوازي َتني؛ ُيطل املجاهدون‬ ‫ّ‬ ‫ب�سالحهم من نوافذ �سيارتهم، فيفرغون ما معهم من ر�صا�ص يف ال�سيارة‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫امل�ستهدفة وركابها، ثم يوا�صلون �سريهم يف طريق االن�سحاب. مع مالحظة‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫�إمكانية �أنْ يكون التنفيذ وجها لوجه، ولي�س بالتجاوز.‬ ‫د ـ ال�رضب من موقع متحرك نحو هدف ثابت:‬ ‫ِّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫وقد يكون هذا ال�شكل �أقل �أ�شكال الهجمات امل�سلحة ا�ستخداما و�شيوعا،‬ ‫وعادة ما يكون الهدف يف هذه احلالة حاجزاً ع�سكريا، �أو دورية راجلة، �أو‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫�صهاينة يتواجدون على حمطة ركاب، فيهاجمهم املجاهدون من داخل �سياراتهم‬ ‫ّ‬ ‫فيجهزون عليهم، ثم ين�سحبون نحو نقطة الأمان.‬ ‫ُ‬
  • 100.
    ‫001‬ ‫هـ ـ القن�ص:‬ ‫وهو من �أ�ساليب املقاومة قليلة اال�ستخدام، وذلك لأنه يحتاج �إىل مهارة‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫خا�صة ال ميلكها �إال من اجتهد بالتدرب عليها، وقبل ذلك ملك موهبة‬ ‫ّ‬ ‫ملمار�ستها. وميتاز هذا الأ�سلوب ب�أنه ال يحتاج �إىل الكثري من الرجال وال�سالح،‬ ‫كما �أنه ال يحوي ن�سبة خماطرة عالية تُعيق الق ّنا�ص.‬ ‫ٍ‬ ‫وقد ا�ستخدمته املقاومة العراقية ب�شكل وا�سع، فا�شتهر (ق ّنا�ص بغداد) الذي‬ ‫�أردى مئات اجلنود الأمريكيني وحلفاءهم، وقام بت�صوير عمليا ِته وب ّثها عرب‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫الإعالم، ف�شكلت �إهانة و�صفعة للجي�ش الأمريكي وجنوده. بينما مل ت�ستخدمه‬ ‫املقاومة الفل�سطينية على نطاق وا�سع، و�أبرز و�أجنح عمليات املقاومة الفل�سطينية‬ ‫بهذا الأ�سلوب هي عملية (عيون احلرامية) البطولية، وكان بطلها وفار�سها (ثائر‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫حماد) من حركة فتح، وقد �أثمرت عمليته تلك عن �أحد ع�رش قتيال �صهيونيا،‬ ‫ً‬ ‫دون خ�سائر يف املقابل، فكانت من �أكرث العمليات جر�أة وقوة.‬ ‫وقد جنحت كتائب الق�سام يف قن�ص عددٍ من جنود االحتالل ب�شكل متفرق،‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫خ�صو�صا يف حميط قطاع غزة، ومنها ما ب ّثته عرب �رشيط تلفزيوين م�صور، يف �شهر‬ ‫َّ‬ ‫�أيّار من العام 7002م، حيث ا�ستطاعت قتل �أحد جنود االحتالل املتمركزين‬ ‫على ظهر د ّبابة �صهيونية تقف على حدود قطاع غزة.‬ ‫ونلفت �إىل �أن ال�سالح الناري ا�ستخدم يف معظم �أ�شكال املقاومة الأخرى،‬ ‫�سواء يف االغتياالت �أو عمليات اخلطف �أو يف حرب الأنفاق، بل �إنّ بع�ض‬ ‫املجاهدين الذين كانوا يتوجهون لتنفيذ عملية ا�ست�شهادية تفجريية، كانوا‬ ‫ّ‬ ‫ي�صطحبون معهم �سالحا نار ّيا �صغرياً ال�ستخدامه وقت احلاجة.‬ ‫ً ً‬
  • 101.
    ‫101‬ ‫ثالثاً: عمليات التفجري:‬ ‫�شكلت عمليات التفجري، �سيما العمليات اال�ست�شهادية، التطور الأبرز‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫والقفزة ال ّنوعية يف تاريخ العمل الفل�سطيني املقاوم، فقد �أ�صبحت عمليات‬ ‫التفجري ب�أ�شكالها عنوانَ املقاومة، والزخم احلقيقي لها، و�صاحبة احل�صيلة‬ ‫َ‬ ‫ّ َ‬ ‫الكربى يف �إيقاع اخل�سائر والأ�رضار الب�رشية واملادية، والت�أثري الأكرب على العدو‬ ‫ال�صهيوين، فقد �رضبت عمليات التفجري جميع �أ�صناف الأهداف الإ�رسائيلية.‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫وقد دخلت عمليات التفجري مراحل عدة �صاحبت خمتلف مراحل املقاومة‬ ‫ّ‬ ‫امل�سلحة، ويف كل مرحلة كان يظهر على �ساحة املقاومة �أبطال ورموز �صبغوها‬ ‫بطابع خا�ص ومميز، ومن �أبرز ه�ؤالء؛ ال�شهيد القائد واملهند�س الأول (يحيى‬ ‫عيا�ش)، الذي �أ�صبح عنوان املرحلة ورمز عمليات التفجري.‬ ‫َّ‬ ‫وقد تطورت علميات التفجري ب�شكل مطرد على كافة ال�صعد، ف�ضاعفت‬ ‫ُّ‬ ‫املقاومة �أحجام العبوات، وا�ستخدمت مواد �أكرث قوة وقدرة على التدمري،‬ ‫وطورت �أ�شكال العبوات و�أ�ضافت �إليها الكثري من ال ّتح�سينات، وتقدمت‬‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫ب�صورة كبرية يف كيفية التحكم بالتفجري، بدءاً بالتفجري البدائي (ال�سلكي)،‬ ‫ِّ‬ ‫مروراً بنظام الألغام، و�صوال �إىل التوقيت، وانتهاء بالتفجري ا ّلال�سلكي عرب جهاز‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫(الرميوت) �أو اخللوي (البلفون).‬ ‫َ‬ ‫ولتو�ضيح ذلك، نعر�ض فيما يلي ل�شكلني من �أ�شكال املقاومة امل�ستخدمة يف‬ ‫هذا املجال، وهما: العبوات، والعمليات اال�ست�شهادية:‬
  • 102.
    ‫201‬ ‫1 ـ العبوات:‬ ‫وهو التفجري بدون وجود ا�ست�شهادي، ويكون بو�ضع عبوة نا�سفة يف طريق‬ ‫الهدف، �أو يف موقع اكتظاظ، ثم القيام بتفجريها يف اللحظة املنا�سبة �إنْ كان التفجري‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫َّ ً‬ ‫موجها، �أو تركها تنفجر وحدها �إنْ كانت تعمل بالتوقيت �أو بنظام الألغام.‬ ‫وتُـعـد من �أبرز ميزات هذا الأ�سلوب، عدم احلاجة �إىل ا�ست�شهادي لت�شغيله،‬ ‫ُ‬ ‫ِّ‬ ‫َ ُّ‬ ‫مبعنى عدم وجود خ�سائر ب�رشية يف �صفوف املقاومة، وبالتايل عدم ترك �آثار‬ ‫ّ‬ ‫مادية ت�شكل بداية اخليط الذي قد ُير�شد �أجهزة الأمن ال�صهيونية �إىل ك�شف‬ ‫ّ‬ ‫اخللية التي تقف وراء العمل.‬ ‫ومن و�سائل العبوات امل�ستخدمة:‬ ‫�أ ـ الُّلغم: وهو العبوة التي ال حتتاج �إىل من يفجرها، حيث ينفجر اللغم‬ ‫ّ‬ ‫ّ ً‬ ‫تلقائيـا حال مرور الهدف بقربه �أو مالم�سته له. ومن الألغام ما حت�صل عليه‬ ‫املقاومة جاهزاً؛ وهو اللغم الع�سكري من خملفات احلروب، �أو من حقول‬ ‫الألغام املنت�رشة يف الوطن، ومنه ما ُيعده املجاهدون بطريقتهم البدائية اليدوية.‬ ‫ِ ُّ‬ ‫وقد ا�س ُتخدم بكرثة يف قطاع غزة. وبطبيعة احلال، ف�إن اللغم ال ميكن ا�ستخدامه‬ ‫ل�رضب �أهداف ثابتة.‬ ‫ب ـ التّوقيت: وهو نظام قدمي، تكون فيه العبوة مو�صولة ب�ساعة حتدد وقت‬ ‫ٍ ِّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫االنفجار ح�سبما ي�ضبطها املقاومون، فتنفجر وحدها يف ذلك الوقت. وعادة‬ ‫ّ‬ ‫ما تُ�ستخدم يف الأماكن املكتظة والأهداف الثابتة، بعك�س الألغام، وال ميكن‬ ‫ا�ستخدامها لأهداف متحركة.‬
  • 103.
    ‫301‬ ‫ّ‬ ‫ُّ ِّ‬ ‫ج ـ التحكم ال�سلكي: حيث تُو�صل العبوة ب�سلك طويل، ينتهي �إىل بطارية‬ ‫َ‬ ‫َّ‬ ‫كهربائية يحملها املقاوم املكلف بت�شغيل العبوة، و ُيو�صل قطبيها بالأ�سالك‬ ‫ِ‬ ‫حلظة التفجري. وامل�شكلة يف هذا ال�شكل، �أن املجاهد م�ضطر �إىل االقرتاب منها‬ ‫ٌّ‬ ‫لتفجريها ب�شكل قد يعر�ضه للخطر عند االن�سحاب، �إال �أنها ت�صلح للأهداف‬ ‫ِّ‬ ‫ً‬ ‫الثابتة واملتحركة، وهي دقيقة يف وقت االنفجار، مما مينحها قدرة �أعلى على‬ ‫ٌ‬ ‫ّ‬ ‫�إ�صابة الهدف، كما �أنها �سهلة التحكم، وال حتتاج �إىل خربة كبرية يف الإعداد.‬ ‫وقد ا�ستخدم املجاهدون هذا ال�شكل يف طرق امل�ستوطنات، وعلى ال�شّ وارع‬ ‫االلتفافية، و�أثناء االجتياحات يف �صد �آليات العدو.‬ ‫ِّ ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫د ـ التحكم الّال�سلكي: ويكون با�ستخدام (الرميوت)، �أو (اخللوي)، وهو‬ ‫�آخر ما ا�ستخدمته املقاومة يف العبوات املتفجرة. ومتتاز هذه الطريقة بدقّتها‬ ‫يف الإ�صابة، والأهم من ذلك، �أنها توفّر مل�ستخدمها قدراً عاليا من الأمن،‬ ‫ً‬ ‫بحيث ميكن ت�شغيل العبوة يف �أي نقطة مهما بعدت عن موقع التفجري. وميكن‬ ‫ا�ستخدامها للأهداف الثابتة واملتحركة على حد �سواء. �إال �أن م�شكلتها الأبرز‬ ‫ٍّ‬ ‫تكمن يف �إمكانية الت�شوي�ش عليها، بحيث ال ت�ستقبل املوجات املوجهة �إليها،‬ ‫َّ‬ ‫مما يعني �إمكانية تعطيلها.‬ ‫و�إ�ضافة �إىل ما �سبق، فقد ا�ستخدمت املقاومة بع�ض الطرق غري املنت�رشة؛‬ ‫كالتفجري عرب الظل، وال�صوت، وغريه... �إال �أنها بقيت يف نطاق �ضيق،‬ ‫وجتارب حمدودة مل تتكرر.‬ ‫ّ‬ ‫وقد ا�ستخدمت املقاومة �أكرث من نظام ت�شغيل يف �آنٍ واحد، وذلك �إما بتزويد‬ ‫ً‬ ‫العبوة ب�أكرث من �أداة ت�شغيل، �أو باال�ستعانة ب�أ�سلو َبنيِ معا لتجاوزِ �إِ�شكال معني.‬ ‫ومثال ذلك؛ ما �أعده �أبطال خلية (�سلوان)، عندما �أرادوا و�ضع عبوة يف موقع‬ ‫ٍ‬ ‫َّ‬
  • 104.
    ‫401‬ ‫ُ‬ ‫ال ت�صل �إليه خدمة ا�ستقبال (الرميوت)، ويف ذات الوقت، يكون بعيداً عن نقطة‬ ‫الأمان م�سافة تزيد عن مائتي مرت، فقاموا بو�صل العبوة ب�سلك طوله مائتي مرت،‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫ثم �شبكوا يف نهايته جهاز ا�ستقبال، وابتعدوا عن املكان، ثم قاموا بت�شغيل العبوة‬ ‫وتفجريها عرب (الرميوت)، وبهذا جتاوزوا م�شكلة الأمان وم�شكلة امل�سافة.‬ ‫2 ـ العمليات اال�ست�شهادية:‬ ‫وهي �سيدة �أ�شكال املقاومة، و�صاحبة الباع الأطول يف �إيالم العدو و�رضبه‬ ‫يف عقر داره، و�إيقاع القدر الأكرب من اخل�سائر املادية والب�رشية يف �صفوفه، وهي‬ ‫متثل الت�ضحية والفداء واال�ستعداد الكامل وال�صادق لتقدمي الروح رخي�صة يف‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫�سبيل اهلل، ون�رصة لهذا الوطن امل�سلوب.‬ ‫ولقد انطلقت �رشارة العمليات اال�ست�شهادية التفجريية على يد املجاهد ال�شهيد‬ ‫(�ساهر تـمام)، الذي افتتح عهداً جديداً يف البطولة والت�ضحيات، ثم تبعه ال�شيخ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫(�سليمان زيدان)، فاملجاهد (�سالمة الأحمد)... وتتابعت قافلة ال�شرَّف مو�صولة،‬ ‫جنومها مقاتلو حما�س، ثم اجلهاد الإ�سالمي ورداً من الزمان، �إىل �أنْ دخلت احلركات‬ ‫ِ‬ ‫الفل�سطينية الأخرى نادي اال�ست�شهاديِّني، ف�أ�صبحت العمليات اال�ست�شهادية �ساحة‬ ‫ً‬ ‫َّ‬ ‫ِ‬ ‫ً‬ ‫لل ّتناف�س وميدانا للبذل والعطاء، وال زالت �أ�شواق اال�ست�شهاديِّني العظام تُ�سجل‬ ‫بنورِ الدماء الزكية املنبعثة من �أج�سادهم و�أ�شالئهم الطاهرة.‬ ‫ّ ّ‬ ‫ِّ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫نعم! لقد �شكلت العمليات اال�ست�شهادية احللقة الأقوى يف فر�ض مبد�أ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫(توازن الردع) الذي فر�ضته املقاومة على عدوها ال�صهيوين، وكلما زرع‬ ‫ِّ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫االحتالل اخلراب والدمار والقتل واخلوف يف �صفوف ال�شعب الفل�سطيني‬ ‫ّ َ‬ ‫َ‬
  • 105.
    ‫501‬ ‫ُّ‬ ‫الأعزل، كانت العمليات اال�ست�شهاد ّية تزرع وتكر�س حالة اخلوف والذعر يف‬ ‫َ‬ ‫ِّ‬ ‫ُ‬ ‫قلب الكيان ال�صهيوين، مما �أحال نهارهم �إىل ليل دام�س، و�أمـ َنهم �إىل خوف‬ ‫ٍ‬ ‫ْ‬ ‫ٍ‬ ‫َ‬ ‫ّ ُ‬ ‫قاتل، وا�ستقرارهم �إىل جزع وا�ضطراب. و�أول ما حتققت تلك املعادلة يف‬ ‫ٍ‬ ‫َ‬ ‫عمليات ال ّث�أر ملجزرة احلرم الإبراهيمي، عام (4991م): عمليات (العفّولة)‬ ‫ّ‬ ‫و(اخل�ضرية) و(دزنغوف).‬ ‫ً َ‬ ‫وا�ستمرت العمليات اال�ست�شهادية حتى يومنا هذا وحقّقت جناحا ِتلو جناح،‬ ‫ُّ‬ ‫و�إجنازاً عقب �إجناز، تزرع الذعر والقلق يف قلب املحتل، وال ترتك له مدينة �إال‬ ‫ً‬ ‫ّ ً‬ ‫هزتْها، وال جتمعا �إال �رضب ْته.‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫وقبل �أن نختم احلديث عن �سالح التفجري، نذكر �أنه ا�س ُتخدم بالت�شارك مع‬ ‫الأ�سلحة الأخرى يف الكثري من العمليات اجلهاد ّية، كال�سالح الناري، وحرب‬ ‫الأنفاق، والكمائن اجلهادية... ومن الأمثلة على ذلك، عملية (عمنوئيل) البطولية،‬ ‫التي ا�س ُتخدم فيها �سالح التفجري و�سالح �إطالق النار، وعملية (الوهم املتبدد)،‬ ‫ِّ‬ ‫التي ا�س ُتخدم فيها ال�سالح الناري وال�صاروخي يف التفجري، و�أدارها العن�رص‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫اال�ست�شهادي، وحقّقت اجلرح والقتل واخلطف، ثم كان االن�سحاب الآمن.‬ ‫رابعاً: عمليات االختطاف:‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫وتلك �أكرث �أ�ساليب املقاومة �إيالما للعدو، و�أكرثها كلفة عليه، و�أ�شدها‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫جر�أة، و�أعالها �صدى �إعالميا.. ويلج�أ �إليها املقاومون عموما يف حماولة‬ ‫ٍ‬ ‫ً‬ ‫مل�ساومة االحتالل على �إطالق �رساح الأ�رسى الأبطال يف �سجون االحتالل،‬ ‫مقابل �إطالق �رساح الأ�سري ال�صهيوين الذي اختطفته املقاومة يف عمليتها.‬ ‫ّ‬
  • 106.
    ‫601‬ ‫ً‬ ‫�إال �أنّ املقاومة حتقِّق من خالل عمليات اخلطف �أهدافا �أخرى، منها احل�صول‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫على معلومات �أمنية من خالل التحقيق مع الأ�سري (الع�سكري خ�صو�صا)، كما‬ ‫ٍ ٍّ‬ ‫َ ِ‬ ‫ح�صل مع خطفة رجل املخابرات ال�صهيوين (�سا�سون)، ومنها �رضب معنو ّيات‬ ‫العدو وال ّت�أثري على جنوده، ورفع معنويات املقاتلني والأ�رسى وال�شعب.‬ ‫ومن �أبرز عمليات تبادل الأ�رسى التي �شهدتها فل�سطني؛ �صفقة التبادل‬ ‫التي نفّذتها (القيادة العامة)، املعروفة ب�صفقة (�أحمد جربيل)، والتي جرت‬ ‫عام (5891م)، و ُ�أطلق مبوجبها �رساح (0511) �أ�سرياً فل�سطينيا من �سجون‬ ‫ً‬ ‫االحتالل، ومنهم ال�شيخ (�أحمد يا�سني)، مقابل الإفراج عن ثالثة جنود �صهاينة‬ ‫كانوا قد وقعوا �أ�رسى يف يد اجلبهة �أثناء غزو لبنان. ثم تكررت املحاوالت‬ ‫ّ‬ ‫ً ُ ً‬ ‫مراراً، منها ما جنح جناحا جمزوءاً، ومنها ما ف�شل ف�شال مطلقا.‬ ‫ً‬ ‫وقد عملت حركة حما�س طوال االنتفا�ضة الأوىل، ويف عهد �أو�سلو،‬ ‫ويف انتفا�ضة الأق�صى، على اختطاف عدد من جنود االحتالل، فنجحت يف‬ ‫�أ�رس ب�ضعة ع�رش جنديا، بدءاً من اجلندي ال�صهيوين (�آيف �سب�سورتا�س)، الذي‬ ‫ً‬ ‫مت اختطافه يف العام (9891م)، و(�إيالن �سعدون)، و(ن�سيم طوليدانو)...‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫و�صوال �إىل رجل املخابرات (�سا�سون)، الذي اخ ُتطف يف العام (5002م)..‬ ‫ً‬ ‫�إال �أن �أيا من هذه العمليات مل ي�ؤد �إىل عقد �صفقة تبادل �أ�رسى مع االحتالل،‬ ‫ِّ‬ ‫فكان م�صريهم القتل دون مقابل.‬ ‫و�أخرياً كان �أ�رس اجلندي ال�صهيوين (جلعاد �شاليط)، يف عملية غاية يف‬ ‫ٍ‬ ‫الروعة والإتقان، �أطلقت عليها الكتائب ا�سم (عملية الوهم املتبدد)، وال زالت‬ ‫ِّ‬ ‫احلركة ترت ّبع على �صدارة هذا اللون من العمليات منذ االنتفا�ضة الأوىل ب�صورة‬ ‫�شبه مطلقة ال يجاريها فيها �أحد.‬
  • 107.
    ‫701‬ ‫خام�ساً: االغتياالت:‬ ‫وهو �أ�سلوب ناجح من �أ�ساليب حرب الع�صابات التي ا�ستخدمها املقاتلون‬ ‫ّ‬ ‫ّ َ‬ ‫عرب التاريخ، كان هدفه الأ�سا�س التخل�ص من قادة اخل�صم ورموزِ ه ومفكريه،‬ ‫ِ‬ ‫ُّ‬ ‫و�إ�صابته بالذعر و�رضب معنوياته، والظهور مبظهر القادر على �إجناز �أي مهمة،‬ ‫والو�صول �إىل �أي هدف تختاره (اجلاريال)، وحتقيق انت�صار �إعالمي و�سيا�سي..‬ ‫ثم تثبيت مبد أ� توازن الردع، والرد على اعتداءات العدو واغتياالته لقادة‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫(اجلاريال).‬ ‫وقد ا�ستخدم ر�سول اهلل [ هذا الأ�سلوب مرات عديدة، كان �أكرثها يف‬ ‫ٍ‬ ‫حق اليهود، وذلك ملكرهم وحقدهم على الإ�سالم، و�سعيهم الدائم �إىل ح�شد‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫�أعداء الإ�سالم يف مواجهته، حماولني ال َّنيل من هذا الدين و�أبنائه. ومن �أبرز تلك‬ ‫االغتياالت التي تزخر بالعبرَ؛ حادثتي اغتيال ر�أ�س الكفر اليهود َّيني: (كعب بن‬ ‫ُ ِ‬ ‫الأ�رشف)، و(�سالم بن حقيق).‬ ‫وقد ا�ستطاع [ من خالل هذه االغتياالت �أن يحمي امل�سلمني من ِف َتـن‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫عا�صفة ومعارك هوجاء، و�أن يفرق جماعات كانت تخطط ل�رضب الإ�سالم يف‬ ‫ِّ‬ ‫عقر داره، ف�أراح اهلل امل�سلمني من �رشورهم، ومن الدخول يف حروب ال يعلم‬ ‫ثمنها �إال اهلل.‬ ‫وا�س َتخدمت الدول واجلماعات يف الع�رص احلديث �أ�سلوب عمليات االغتيال‬ ‫يف حاالت كثرية، بحق وبغري حق، ولعل �أكرث من ا�ستخدم هذا الأ�سلوب،‬ ‫ٍّ‬ ‫ٍ‬ ‫وبحق ال�شعب الفل�سطيني املرابط حتديداً، هو االحتالل ال�صهيوين، فانتهجه‬ ‫ِّ‬ ‫ِّ َّ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫�أ�سلوبا يتخل�ص من خالله من �أي جماهد �أو منا�ضل �أو مفكر �أرقَه. ومن �أبرز‬
  • 108.
    ‫801‬ ‫�ضحايا االغتيال؛ ال�شهداء(�أحمد يا�سني، عبد العزيز الرنتي�سي، خليل الوزير‬ ‫«�أبو جهاد»، �صالح خلف «�أبو �إياد»، فتحي ال�شقاقي، �أبو علي م�صطفى،‬ ‫غ�سان كنفاين، �إ�سماعيل �أبو �شنب، �إبراهيم املقادمة، كمال عدوان، كمال‬ ‫نا�رص، �سعد �صايل، �صالح �شحادة، يحيى عيا�ش، وغريهم الكثري الكثري...).‬ ‫كما حاول االحتالل اغتيال (خالد م�شعل)، رئي�س املكتب ال�سيا�سي حلركة‬ ‫َ‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫حما�س، �إال �أنّ حماولته باءت بالف�شل، ورد اهلل كيدهم �إىل نحورِ هم.‬ ‫لذا، كان من املنا�سب �أن يكون الرد على جرائم االحتالل باملثل، حتى نحقّق‬ ‫َ‬ ‫ُّ‬ ‫النكاية والردع، ولكن �إحقاقا للحق، ف�إن جتربتنا الفل�سطينية متوا�ضعة جداً يف‬ ‫ً‬ ‫ْ‬ ‫ِّ َ‬ ‫هذا املجال، �إذ مل تنجح يف �إحداث ثغرات بارزة يف هذا اجلدار (جدار �أمن‬ ‫ٍّ‬ ‫ّ‬ ‫ال�شخ�صيات الإ�رسائيلية)، ومل تتمكن من الو�صول �إىل �أي من قادتهم ورموزهم‬ ‫ّ‬ ‫البارزين، رغم تكرار املحاوالت.‬ ‫وقد �أجاد رفاق (اجلبهة ال�شعبية) يف عملية اغتيال الوزير ال�صهيوين احلاقد‬ ‫ّ‬ ‫(رحبعام زئيفي)، �صاحب فكرة (الرتان�سفري)، والذي متكن مقاتلو اجلبهة من‬ ‫الو�صول �إليه يف الفندق الذي يقيم فيه، فقتلوه رداً على اغتيال الأمني العام‬ ‫ّ‬ ‫للجبهة ال�شعبية (�أبو علي م�صطفى).‬ ‫لقد جرت حماوالت عديدة للو�صول �إىل ر�ؤو�س االحتالل، �إال �أنها بقيت‬ ‫ً‬ ‫حماوالت حمدودة مل يرافقها الكثري من الإعداد، ولذا مل يحالفها النجاح، ومنها‬ ‫ٍ‬ ‫حماولة جماهدي �إحدى خاليا (القد�س) اغتيال الإرهابي �أوملرت، وحماولة اغتيال‬ ‫(�شارون)، �إال �أنها مل تُوفَّق ومل يكتب لها النجاح، بل �إن �أكرثها مل يخرج عن‬ ‫ٍ‬ ‫ُ‬ ‫دائرة الر�سم والتخطيط. بينما خطا الإخوة خطوات �أو�سع ملالحقة بع�ض الرموز‬ ‫َ‬
  • 109.
    ‫901‬ ‫امليدانية للعدو و�رضبهم،فكثرياً ما حدد املجاهدون هدفهم (زعيم م�ستوطنة)،‬ ‫َّ‬ ‫�أو (حاخام منطقة) �أو (خمتار بلدة)، فو�صلوا �إليه وقتلوه، ث�أراً لدماء �شعبهم، كما‬ ‫فعل املجاهد (�أحمد الفليت).‬ ‫ومن املحاوالت املتقدمة التي يجدر ذكرها، على الرغم من �أنها مل ُيكتب‬ ‫ّ‬ ‫ّ َ‬ ‫لها النجاح الكامل؛ عملية خلية (�سلوان)، والتي متكن املجاهدون فيها من زرع‬ ‫عبوة نا�سفة �أ�سفل �سيارة �ضابط �صهيوين كبري يف اجلي�ش االحتاليل كانوا قد‬ ‫ر�صدوه، �إال �أنَّ العبوة مل تنفجر، فتم اكت�شافُها، ومن ثم تفكيكها.‬ ‫َّ‬ ‫�ساد�ساً: حرب الأنفاق:‬ ‫ب�سبب احل�صار اخلانق الذي فر�ضته قوات االحتالل يف قطاع غزة، والعزلة‬ ‫ُ‬ ‫التامة التي و�ضعوه فيها عرب اجلدار الإلكرتوين ال�سلكي الذي يحيط به من كل‬ ‫ِّ‬ ‫َ‬ ‫�أطرافه، ا�ضطرت املقاومة الفل�سطينية �إىل البحث عن طرق جديدة وم�سالك‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ُ‬ ‫ِّ‬ ‫ُ‬ ‫ملتوية ت�صل عربها �إىل قلب عدوها فت�صيبه يف مقتل، فقامت مبحاوالت‬ ‫ٍ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫عديدة متنوعة مكانا وزمانا و�شكال الخرتاق الأ�سوار واقتحام امل�ستوطنات‬ ‫ّ‬ ‫واملع�سكرات، فنجحت و�أخفقت، لكن االحتالل �ضاعف من احتياطاته‬ ‫َ‬ ‫الأمنية والع�سكرية املحيطة به وبكل موقع، حتى �أ�صبح كل جتمع ا�ستيطاين �أو‬ ‫ّ‬ ‫ع�سكري �أ�شبه ما يكون باحلزام الأمني.‬ ‫َّ‬ ‫بحث املجاهدون عن �أ�سلوب يتجاوزون فيه كل هذه التح�صينات، فقدحت‬ ‫َ‬ ‫يف �أذهانهم فكرة �رسعان ما �أ�صبحت قراراً، ثم كان التنفيذ: �أ�سلوب جديد‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫غاية يف الروعة قامت فكرته على جت ُّنب املرور عرب حزام الأمان الذي يحيط‬
  • 110.
    ‫011‬ ‫باملع�سكرات، والو�صول �إىلالهدف دون ا�ستخدام �سطح الأر�ض املك�شوف‬ ‫ً‬ ‫للرقابة، فكان الو�صول عرب باطن الأر�ض باحلفر على عمق ب�ضعة �أمتار عمود ّيا،‬ ‫ثم احلفر الأفقي مل�سافة ت�صل �إىل مئات الأمتار، ومن ثم مفاج�أة العدو يف عقر‬ ‫ً‬ ‫م�أمنه، واالنق�ضا�ض عليه من �أ�سفل بقوة التفجري، و�إطالق النار، مدعوما‬ ‫ً‬ ‫ب�سالح اال�ست�شهاديِّني الذين اختاروا لقاء ربهم عو�ضا عن العودة �إىل الأهل‬ ‫والأحباب.‬ ‫وقد حقّقت عمليات الأنفاق جناحا رائعا فاج�َأ ال�صديق و�أذهل العدو،‬ ‫َ‬ ‫َّ َ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫َّ‬ ‫ف�شكلت له �أرقا وذعراً جعله ُيعيد ح�ساباته، ويهرع �إىل حماولة �إيجاد احللول التي‬ ‫َ ً ُ‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫مل تُغن عنه �شيئا، ف�أدخل ما ميلك من علم وتكنولوجيا وخربات، وا�ستعان ب�أذنابه‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫َّ‬ ‫وعمالئه، ثم بال�سلطة الفل�سطينية و�أجهزتها الأمنية، �إال �أنّ كل ذلك مل يف‬ ‫ّ‬ ‫بالغر�ض، ومل مينع الأبطال من موا�صلة احلفر والو�صول �إىل �أهدافهم، وتكرار‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫حماوالتهم م�صحوبة بتطوير الأ�سلوب، حتى باتت (حرب الأنفاق) عامال مهما‬ ‫ً‬ ‫من العوامل التي �رسعت يف قرار االحتالل باالن�سحاب من قطاع غزة.‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫لقد �شكلت عمليات الأنفاق قفزة نوعية يف العمل الفل�سطيني املقاوم،‬ ‫ًّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫وم ّثلت تطبيقا مثاليا للحكمة القائلة: (احلاجة �أم االخرتاع)، فكانت كتائب‬ ‫الق�سام و ُلوداً لالخرتاعات التي جعلت التفوق الع�سكري وال ّتقني ال�صهيوين‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫ال يقف حائال دون ا�ستمرار املقاومة وتوا�صل جناحاتها يف �رضب عدوها،‬ ‫ِّ‬ ‫وال زالت عمليات الأنفاق منذ ذلك احلني ح�رصاً على �أبناء كتائب الق�سام‬ ‫و�أبطالها.‬
  • 111.
    ‫111‬ ‫�سابعاً: ال�صواريخ:‬ ‫ّ‬ ‫وهو �آخر ما تف ّتقت عنه عقلية البحث والتطوير الفل�سطينية املحلية. وكان‬ ‫ّ‬ ‫�إنتاج �أول �سالح �صاروخي فل�سطيني بتاريخ (03/01/1002م)، �إذ �أعلنت‬ ‫ٍّ‬ ‫كتائب ال�شهيد عز الدين الق�سام عن �إنتاج �صاروخ (ق�سام 1)، الذي �أ�صبح‬ ‫ِّ‬ ‫ا�سمه عالمة م�سجلة ُيقـر بها العدو وال�صديق، وتُطلق على كل ال ّنماذج املماثلة‬ ‫َّ ِ ُّ‬ ‫ً‬ ‫لهذا ال�صاروخ.‬ ‫و�أول ما �صنع �صاروخ (ق�سام 1)، كان مبدى �إطالق ال يتجاوز (61كم)،‬ ‫ُ‬ ‫وطول (51مرتاً)، ووزن يقل عن (03كغم)، ليفتح بابا وا�سعا من الإنتاج‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫والتطوير ال�صاروخي بعده، فكان �صاروخ (ق�سام 2)، و �صاروخ (القد�س)،‬ ‫ُّ‬ ‫و�صاروخ (الأق�صى)، و�صاروخ (نا�رص)، و�صاروخ (اليا�رس)، كلها على خطى‬ ‫�صاروخ الق�سام الأول، وبذات �أ�سلوبه ومبدئه ال ّت�شغيلي، فقد نقلت كتائب الق�سام‬ ‫ً‬ ‫املعلومات واخلربة والتجربة �إىل �سائر ف�صائل املقاومة الفل�سطينية، �سعيا منها لتعميم‬ ‫التجربة وتو�سيع العمل وتطوير القدرات يف �رضب العدو ال�صهيوين.‬ ‫ً‬ ‫ثم قفز الإنتاج ال�صاروخي احلم�ساوي قفزة �أخرى بت�صنيع �صواريخ م�ضادة‬ ‫ٍّ‬ ‫للدروع، حتت م�سميات: (�صاروخ البنا، �صاروخ اليا�سني، �صاروخ الب ّتار)،‬ ‫َّ‬ ‫ُّ‬ ‫والذي �أثبت جناعة يف الت�صدي لآليات العدو املدرعة �أثناء حماوالتها اجتياح‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫مدن وخميمات قطاع غزة.‬ ‫وقد �رصح �أحد مقاتلي كتائب الق�سام، وحدة �سالح ال ّت�صنيع، يف برنامج‬ ‫ّ َ‬ ‫(يف �ضيافة البندقية)، الذي ب ّثته قناة اجلزيرة يف حزيران من العام (6002م)(1)،‬ ‫1 برنامج (يف �ضيافة البندقية) ـ قناة اجلزيرة الف�ضائية، حزيران/6002م.‬ ‫ّ‬
  • 112.
    ‫211‬ ‫ّ‬ ‫�أنّ قاذف (‪ )RBJ‬كان يكلف خزينة الكتائب �أكرث من �أحد ع�رش �ألف دوالر‬ ‫�أمريكي لل�سالح الواحد، بينما يتم ت�صنيعه اليوم ب�أيدي �أبطال الكتائب حتت‬ ‫ُّ‬ ‫م�سمى (اليا�سني)، بتكلفة ال تتجاوز مئتي دوالر �أمريكي.‬ ‫ٍ‬ ‫َّ‬ ‫ولقد ا�ستطاعت �صواريخ الق�سام �إيقاع خ�سائر ب�رشية ومادية يف �صفوف‬ ‫ّ‬ ‫االحتالل، �إال �أنّ الأثر ال ّنف�سي واملعنوي ا ّلذي خلفه ال�صاروخ يف م�ستوطني‬ ‫ِ ْ‬ ‫ّ‬ ‫املغت�صبات املحيطة بقطاع غزة ومدن االحتالل القريبة، بل ويف قادة حكومة‬ ‫َ‬ ‫االحتالل و�أركان جي�شه و�أجهزته الأمنية، فاق الأثر املادي والب�رشي، حتى‬ ‫ً‬ ‫�أ�صبح كابو�سا يزرع فيهم الرعب واال�ضطراب، بل و�أوجد (الهجرة الداخلية‬ ‫ّ‬ ‫ال�صهيونية)(1)؛ فكان م�ستوطنو املناطق امل�ستهدفة يفرون من حمم ال�صواريخ‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫نحو مناطق ومدن �أخرى توفّر لهم مزيداً من الأمن، كما ح�صل على �سبيل‬ ‫املثال يف مدينة (ا�سديروت) يف �شهر �أيار من العام (7002م)، عندما �أخلى‬ ‫ً‬ ‫�أكرث من ن�صف امل�ستوط ِنني بيوتَهم نحو ال�شمال، هربا من كثافة ال�صواريخ‬ ‫ّ‬ ‫الق�سامية.‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫َّ َ‬ ‫وقد �شكـل �صاروخ الق�سام عامال �أ�سا�سيا يف تثبيت مبد�أ (توازن الردع)‬ ‫َّ‬ ‫الذي ابتد أ�تْه العمليات اال�ست�شهادية، وكثرياً ما �أبدى االحتالل ا�ستعداده لوقف‬ ‫َ‬ ‫اعتداءاته �ضد ال�شعب الفل�سطيني والدخول معه يف هدنة، مقابل وقف �إطالق‬ ‫ال�صواريخ على جتمعاته.‬ ‫ّ‬ ‫ً َ‬ ‫ً‬ ‫وكان �صاروخ الق�سام عامال �إ�ضافيا دفع العدو �إىل ت�رسيع ان�سحابه من قطاع‬ ‫َّ‬ ‫غزة، كما �أوجد و�سيلة �أخرى للو�صول �إىل العمق ال�صهيوين دون احلاجة �إىل‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫1 «ا�ضطرت �سلطة ال�ضرّائب �إىل التخفي�ض على ال�سكان يف مدينة ا�سديروت بـ (31%)، جراء تعر�ضها الدائم‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ل�صواريخ الق�سام، التي �أدى �سقوطها �إىل هجرة ال�سكان منها». �صحيفة (يديعوت �أحرنوت)، يف عددها ال�صادر‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫يف 42/11/6002م.‬
  • 113.
    ‫311‬ ‫ُ ُ‬ ‫اخرتاق ال ّتح�صينات الأمنية امل�شددة واجلـدر الإلكرتونية والإ�سمنتية التي كانت‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫تف�صل املجاهدين عن هدفهم.‬ ‫وكان �أول من حاز �رشف �إنتاج �أول �صاروخ (ق�سام)، ال�شهيد البطل (ن�ضال‬ ‫ّ‬ ‫فرحات)، بينما ُين�سب �إىل ال�شهيد (عدنان الغول) الف�ضل يف تطوير وت�صنيع‬ ‫�صواريخ الق�سام وتقدمي امل�ساعدة املبا�رشة والعون ال ّنظري والعملي واملادي‬ ‫للأجهزة الع�سكرية التابعة لف�صائل املقاومة على �ساحة (غزة) ل�صنع �صواريخ‬ ‫مماثلة.‬ ‫***‬
  • 114.
  • 115.
    ‫511‬ ‫مناذجُ‬ ‫ٌ‬ ‫وتطبيقات‬ ‫ق�ساميـة‬ ‫ّ ّ‬
  • 116.
  • 117.
    ‫711‬ ‫مناذج وتطبيقات ق�سامية‬ ‫ّ‬ ‫يف ال�صفحات القادمة، �سنعر�ض مناذج من عمليات املقاومة الفل�سطينية‬ ‫الق�سامية، ك�أمثلة على الو�سائل والأ�ساليب التي تعر�ضنا لها يف ال�صفحات‬ ‫ّ ْ‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫ال�سابقة.‬ ‫وقد ذكرنا �أنّ املقاومة ا�ستخدمت يف عملياتها �أ�ساليب قتالية منفردة،‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫وا�ستخدمت يف عمليات �أخرى �أ�ساليب قتالية م�شترَكة؛ فدجمت بني الإطالق‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫والتفجري، و�أ�رشكت العمل اال�ست�شهادي باجلهد اال�ستخباري، ووظفت الأنفاق‬ ‫يف خدمة الهجمات ال ّنارية وال ّتفجري ّية وعمليات اخلطف وهكذا...‬ ‫ومن الأمثلة الكبرية التي ت�ستحق اال�ستدالل بها، عملية (ال�سهم ال ّثاقب)،‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫التي ا�ستخدم فيها املقاومون الأ�سلوب اال�ستخباري (العميل املزدوج)،‬ ‫وحرب الأنفاق، وال�سالح ال ّناري مع ال�سالح املتفجر، �إ�ضافة �إىل �سالح‬ ‫ً‬ ‫ِّ‬ ‫اال�ست�شهاديِّني.‬ ‫ف�إىل هذه النماذج..‬
  • 118.
    ‫811‬ ‫املقاومة ال�شعبية:‬ ‫�أ ـ حرب ال�سكاكني:‬ ‫ّ‬ ‫عملية يافا‬ ‫الزمـان: 41/2/5991م.‬ ‫ّ‬ ‫املـكـان: مدينة يافا.‬ ‫املنفِّذون: مروان الزايغ ـ غزة (�شهيد)، و�أ�رشف البعلوجي ـ غزة (م�ؤ َّبد).‬ ‫النتيجة: ثالثة قتلى.‬ ‫حلت الذكرى الثالثة النطالقة حركة املقاومة الإ�سالمية حما�س، فقرر‬ ‫َّ َ‬ ‫َّ ْ‬ ‫َ‬ ‫بطالنا: مروان و�أ�رشف، االحتفال باملنا�سبة على طريق ِتهما اخلا�صة، وتقدمي‬ ‫هدية االنطالقة �إىل ال�شعب و�شهدائه.‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫كان الأخوانِ يعمالن يف مدينة يافا املحتلة، فخبرِاها وعرفا تفا�صيلها‬ ‫َ‬ ‫ب�شوارعها وبناياتها، ف�أعدا نف�سيهما �إعداد من َيقدم �إىل لقاء ربه. ومع فجر‬ ‫ِّ‬ ‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫ّ‬ ‫ِ ّ‬ ‫ذلك اليوم، حزما طعامهما، و�أخفَيا به �سكي َننيِ لتنفيذ املهمة، وانطلقا �صوب‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ِّ‬ ‫هدفَيهما متوكلني على اهلل عز وجل، �سائلي َنه التوفيق والنجاح.‬ ‫َّ‬ ‫و�صال امل�صنع الإ�رسائيلي الذي يعمالن فيه ويعرفانه حق املعرفة، كان الوقت‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫مبكراً، ومل يفتح امل�صنع �أبوا َبه بعد، فانتظرا حتى ح�رض العامل امل�س�ؤول عن فتح‬ ‫َ‬ ‫ً ْ‬ ‫ّ‬ ‫امل�صنع، فتبِعاه �إىل الداخل، وب�شكل مباغت انهاال عليه بال�سكني طعنا، ف�أردياه‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ً‬ ‫قتيال على الفور، ثم قاما ب�إخفاء اجلثة و�إزالة �آثار الدماء انتظاراً لقادم جديد، فلم‬ ‫تنته مهمـ ُتهما بعد.‬ ‫ِ ّ‬ ‫جاء العامل الثاين بعده بقليل، ففعال به ما فعاله مع زميله الأول، و�أحلقاه به،‬
  • 119.
    ‫911‬ ‫ثم جل�سا انتظاراًللتايل، وكانت جم ّندة �صهيونية يف جي�ش االحتالل، فانق�ضا‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً َّ ً‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫عليها طعنا بال�سكني، حتى وقعت �رصيعة ملطخة بدمائها.‬ ‫�أثناء ذلك، ُ�أ�صيب املجاهد (�أ�رشف) بجراح عميقة يف يده، جراء �رضبة‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫خاطئة بال�سكني، نزف على �إثرها دماء غزيرة بد�أت تُفقده توازنَه وقدرته على‬ ‫ً‬ ‫ٍ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫اال�ستمرار، عندئذ قررا تعديل اخلطة، واالن�سحاب من املوقع، واالكتفاء مبا‬ ‫ّ‬ ‫�أجنزاه، مع �أنّ عزمهما ونيتهما كانت اال�ستمرار...‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫وقبل االن�سحاب، ك َتبا بالدهان على جدران امل�صنع �شعارات حم�ساو ّية،‬ ‫ٍ‬ ‫ِّ‬ ‫ً‬ ‫تعلن م�س�ؤولية احلركة عن التنفيذ، و�أنهما جاءا احتفاال بذكرى االنطالقة،‬ ‫ّ‬ ‫ثم بدءا باالن�سحاب. توجه الأخ مروان �إىل قطاع غزة، بينما �آثر الأخ �أ�رشف‬ ‫َّ‬ ‫االن�سحاب �إىل مدينة رام اهلل، خ�شية انك�شاف �أمره على حاجز �إيرز، ب�سبب‬ ‫ِ ِ‬ ‫َ‬ ‫الإ�صابة يف يده.‬ ‫َ‬ ‫ً ًّ‬ ‫جن جنون االحتالل، وبد�أ ي�رضب مينة وي�رسة عله ي�صل �إىل املجاهدين، وقام‬ ‫ُ ً‬ ‫ُ َّ‬ ‫بحملة اعتقاالت �رش�سة هي الأو�سع يف ذلك احلني بحق قيادات وعنا�رص و�أن�صار‬ ‫ِّ‬ ‫احلركة يف ال�ضفة الغربية وغزة، حتى زاد عدد املعتقلني فيها عن (0041)‬ ‫جماهد.‬
  • 120.
    ‫021‬ ‫ب ـ ا�ستخدام ال�سيارات يف املقاومة ال�شعبية:‬ ‫الزمان: 11/01/5991م.‬ ‫املكان: تل الربيع (تل �أبيب).‬ ‫املنفِّذ: راتب زيدان ـ ِقبية/رام اهلل، (م�ؤ َّبد).‬ ‫النتيجة: مقتل ثالثة جنود، وجرح �آخرين.‬ ‫يف ذكرى جمزرة ( ِقبية)، كان (راتب) على موعد مع الث�أر، فقد انتظر حلول‬ ‫ً‬ ‫َ ُ ِّ‬ ‫الذكرى لينفّذ هجومه فيعلم املحتل �أن جمزرته الب�شعة �ستبقى حمفورة يف ذاكرة‬ ‫ً‬ ‫ّ َ ُ ً‬ ‫�أبناء القرية و�أبناء فل�سطني، لت�شكل ملهِ ما ودافعا ملوا�صلة اجلهاد واملقاومة، و�أنه‬ ‫�سيدفع ثمن جرميته مرات ومرات.‬ ‫ٍ‬ ‫ّ َ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫َّ‬ ‫ا�ستيقظ جماهدنا فجراً، تو�ض�أ و�ضوءه لل�صالة، ودع زوجته وقبـل �أوالده،‬ ‫ُ‬ ‫وم�ضى �إىل م�سجد القرية لأداء �صالة الفجر. ثم انطلق ب�سيارته وعيونُه تنظر �إىل‬ ‫َ ِّ‬ ‫حواري وبيوت و�أرا�ضي القرية نظرة مودع، وولىّ وجهه �شطر (تل الربيع)،‬ ‫َ‬ ‫لتكون م�رسح بطول ِته.‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ِّ ً‬ ‫طاف (راتب) كالن�رس حملقا فوق �أر�ضه، عيناه حتدقان ذهابا و�إيابا تبحثان‬ ‫ّ‬ ‫عن فري�سة ينق�ض عليها، حتى وجد �ضا ّلته، حمطة انتظارٍ تعج بجنود االحتالل،‬ ‫ُّ‬ ‫ُّ‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫ف�أطلق ل�سيارته العنان لتدو�س ر�ؤو�س املحتلني، فتجعلهم كع�صف م�أكول بني‬ ‫ّ‬ ‫قتيل وجريح.‬ ‫ٍ‬ ‫ومن الأمثلة الأخرى على عمليات املقاومة ال�شعبية وحرب ال�سكاكني؛ ما‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ٌّ‬ ‫نفّذه كل من املجاهدين: عامر �أبو �رسحان، عماد زيدان، �إياد البطاط، وهيب‬ ‫ِ‬ ‫�أبو الرب، زيد الكيالين، ماهر �أبو �رسور، �أحمد الفليت، من�صور ريان، هيثم‬
  • 121.
    ‫121‬ ‫جملة، ف�ؤاد �أبوالعمرين، هاين جابر، وجمموعة عملية م�صنع كارين، ووحدة‬ ‫بدر، وخلية البلدة القدمية يف اخلليل، و�أمثلة كثرية �أخرى...‬ ‫ومثلها �أمثلة على عمليات املقاومة ال�شعبية الأخرى: ال�سيارات، واحلجارة،‬ ‫ٌ‬ ‫والزجاجات احلارقة. ومنهم املجاهد ال�شخ�شري، و�ساهر التمام، وجمموعة‬ ‫امل�ساكن ال�شعبية ـ نابل�س...‬ ‫ّ‬ ‫عمليات �إطالق النار:‬ ‫�أ ـ �إطالق النار من موقع متحرك نحو هدف متحرك:‬ ‫ِّ‬ ‫ِّ‬ ‫عملية ال�شجاعية‬ ‫الزمان: 7/21/2991م.‬ ‫املكان : حي ال�شجاعية ـ مدينة غزة.‬ ‫املنفِّذون: عماد عقل ـ غزة، وكان م�س�ؤول اخللية، (�شهيد).‬ ‫جميل وادي ـ غزة، وهو �سائق املجموعة، (�شهيد).‬ ‫حمدي ان�صيو ـ غزة.‬ ‫النتيجة: مقتل ثالث جنود.‬ ‫وهي من �أوائل عمليات التجاوز التي �أبدع فيها القائد عماد. حيث انطلق‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ٌّ‬ ‫الأبطال ب�سيارتهم وقد اتّخذ كل موقعه، وتوجهوا �صوب ال�شارع الذي حددوه‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫م�سبقا، ثم �سارت ال�سيارة على مهل انتظاراً ملرور الهدف، وبعد قليل الح جيب‬ ‫َ‬ ‫ٍ‬ ‫ً‬ ‫ع�سكري من بعيد ي ّتجه �صوبهم، ف�أعطى القائد عماد �أوامره ب�أنْ تبقى ال�سيارة‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫على �سريها الطبيعي؛ لأنهم ال يريدون مهاجمة وجه لوجه، بل االنق�ضا�ض على‬ ‫اجليب من نقطة �ضعفه من اخللف.‬
  • 122.
    ‫221‬ ‫ّ‬ ‫وهكذا تخطاهم اجليب، بينما بقوا يف م�سارهم، وما �أن اختفى عن‬ ‫�أنظارهم حتى ا�ستدارت ال�سيارة ب�رسعة، وانطلقت تلحق بفري�س ِتها، وت�أهب‬ ‫ّ َ‬ ‫البطالن للمهمة: عماد يتكفّل باجلندي اجلال�س يف املقعد اخللفي، بينما يقوم‬ ‫�أحمد مبهاجمة اجلند َّينيِ اجلال�سنيِ يف املقدمة.‬ ‫ِّ‬ ‫َ‬ ‫تقدم جميل مبهارة حتى �أ�صبحت ال�سيارة مبحاذاة اجليب، وتالقت املر�آتان،‬ ‫ٍ‬ ‫َّ‬ ‫ويف تلك اللحظة �ضغطت الأ�صابع على الزناد، وانطلقت احلناجر بال ّتكبري،‬ ‫ِّ‬ ‫َّ‬ ‫واندفعت الر�صا�صات لت�ستقر يف �أج�ساد اجلنود الثالثة الذين متلك ْتهم احلرية،‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫َّ‬ ‫فلم ي�ستيقظوا منها �إال وقد تخطفهم املوت. وعندئذ �ضغط جميل على دوا�سة‬ ‫ّ‬ ‫البنزين ليغادروا املوقع �آمنني.‬ ‫ومثلها كانت جمموعة من عمليات ال�شهيد عماد عقل و�إخوانه: عملية‬ ‫ٌ‬ ‫اخلليل يف 22/01/2991م، وعملية احلاووز يف 21/21/2991م، وعملية‬ ‫تقّوع يف 8/7/3991م، وعملية (كريات �أربع) يف �آذار من العام 3991م،‬ ‫وعملية (قرن ثور) يف ني�سان من العام 3991م. وعمليات خلية �صوريف:‬ ‫يف 7/1/6991م، ويف 72/7/6991م، وعملية مفرق بني نعيم يف‬ ‫8/21/0002م، وعملية الفح�ص يف كانون الأول عام 5002م.‬
  • 123.
    ‫321‬ ‫ب ـ �إطالق النار من موقع متحرك نحو هدف ثابت:‬ ‫ِّ‬ ‫عملية ع�صيون‬ ‫الزمان: 71/01/5002م.‬ ‫املكان: موقف حافالت (ع�صيون) ـ اخلليل.‬ ‫املنفِّذون: حممد اجلوالين ـ اخلليل، وهو �سائق املجموعة.‬ ‫�شكيب العويري ـ اخلليل.‬ ‫مو�سى وزوز ـ اخلليل.‬ ‫النتيجة: ثالثة قتلى، و�أربعة جرحى.‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫ٌّ‬ ‫َ ٌ‬ ‫(ع�صيون)، م�ستوطنة �صهيونية قريبة من مدينة اخلليل، ح�صينة يف موقعها،‬ ‫حتيطها م�ستوطنات وحواجز ومع�سكرات و�أبراج مراقبة، وكانت الطريق‬ ‫ُ‬ ‫ٌ‬ ‫ُ‬ ‫ٌ‬ ‫ّ ّ‬ ‫َ ِ ً‬ ‫امل�ؤدية �إليها خطرة لكرثة املركبات الإ�رسائيلية املارة فيها، ولكرثة احلواجز ال ّثابتة‬ ‫ِّ‬ ‫والطيارة املوجودة ب�صورة �شبه دائمة عليها، مما جعلها ذات ح�صانة ومنعة.‬ ‫ّ‬ ‫قرر املجاهدون اخرتاق ح�صانتها، و�رضب الغا�صبِني على �أبوابها، وتقدمي‬ ‫ّ‬ ‫�رضبتهم هديّة ث�أرٍ يف الذكرى الهجرية ملجزرة احلرم الإبراهيمي يف 51رم�ضان.‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫عر�ض حممد الفكرة على �إخوانه، فلم تلق بادئ الأمر قبوال، وذلك خلطورتها‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫وارتفاع ن�سبة املراهنة واملجازفة فيها، �إال �أنّ اجلميع تدار�سها بعد �أن قُدمت‬ ‫ِّ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫التفا�صيل الكاملة للخطة املقرتحة، فاتّفقوا على ال�شرُّوع يف الإعداد لها..‬ ‫وعلى مدخل امل�ستوطنة، يوجد موقف للحافالت ال�صهيونية، يقف عليه‬ ‫ٌ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫�سكان امل�ستوطنة انتظاراً حلافالت ومركبات تُقلهم يف طريقهم �إىل م�ستوطنة‬ ‫(كريات �أربع) وغريها من امل�ستوطنات واملع�سكرات ال�صهيونية املحيطة، فاتّفق‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫الإخوة على �أن يكون هذا املوقف مق�صدهم، ولعلمهم بخطورة املوقع، قرروا‬ ‫ّ‬
  • 124.
    ‫421‬ ‫االعتماد على مبد�أال�سرّعة واملباغتة؛ بحيث ال ي�ستغرق الهجوم واالن�سحاب‬ ‫�أكرث من ب�ضع دقائق، ي�صلوا بعدها �إىل منطقة الأمان.‬ ‫وفَّـر الإخوة ر�شا�ش (كارلو غو�ستاف)، �إ�ضافة �إىل ر�شا�ش املجموعة‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫(الكال�شنكوف)، وذلك لزيادة قوتهم ال�ضاربة، مما يوفّر لهم نتائج �أف�ضل،‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫و�رسعة يف الأداء، وقدرة على مواجهة �أي طارئ.‬ ‫ً‬ ‫َ�أعد املجاهدون �أنف�سهم كما اقت�ضت اخلطة، وانطلقوا للعمل.. حتى‬ ‫َ‬ ‫َّ‬ ‫ً‬ ‫ُّ‬ ‫و�صلوا املوقع قُبيل املغرب بقليل، فوجدوا فيه ما ال يقل عن اثني ع�رش م�ستوطنا‬ ‫ً‬ ‫يهوديا يقفون يف املحطة، وال تقف معهم �أي حرا�سة، ففرحوا بذلك وا�ستب�رشوا‬ ‫ُّ‬ ‫بنجاح املهمة، ثم وا�صلوا ال�سري يف ال�شارع لتفح�صه، ففوجئوا بوجود حاجز‬ ‫ّ‬ ‫ّ َ‬ ‫ً‬ ‫ع�سكري يرب�ض قريبا من مدخل خميم (العروب)، و�شعروا ب�أن هذا احلاجز‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫�سيف�شل مهمتهم. وبعد درا�سة للمعطيات اجلديدة، ومراجعة للخطة، وت�شاورٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫فيما بينهم، قرر الإخوة اعتبار مهم ِتهم ا�ست�شهاديةً، و�أنْ ُيقدموا على تنفيذها‬ ‫ِ‬ ‫َ ّ‬ ‫َّ َ‬ ‫ّ َ‬ ‫مهما كلف الأمر، فوجود هذا العدد الكبري من امل�ستوطنني يغري بالتنفيذ،‬ ‫ً‬ ‫وا�ستعداداتهم ال�سابقة والطويلة تعطي فر�صة جيدة للنجاح.‬ ‫ً‬ ‫َّ‬ ‫ُ‬ ‫عاد الإخوة �إىل موقع التنفيذ، وقبالة املحطة ومن فيها من امل�ستوط ِنني، �أطل‬ ‫املجاهدان �شكيب ومو�سى من النافذة ب�أ�سلح ِتهم، و�شرَعا ب�إطالق النار، حيث‬ ‫َ‬ ‫ّ َ‬ ‫ً‬ ‫�أطلق �شكيب كمية كبرية من الر�صا�ص من �سالحه (الكال�شنكوف)، فيما تعطـل‬ ‫ً‬ ‫�سالح مو�سى (الكارلو)، ومل ُيطلق �أي ر�صا�صة.‬ ‫َ‬ ‫ثم �سارعوا باالن�سحاب، وقاد حممد ال�سيارة بال�رسعة الق�صوى باجتاه‬ ‫َ‬ ‫احلاجز، و�أخذ �شكيب ومو�سى ُيعدان ال�سالح من جديد؛ ا�ستعداداً لال�شتباك‬ ‫ِ ّ‬
  • 125.
    ‫521‬ ‫مع اجلنود املتواجدينعلى احلاجز �إنْ َلزم الأمر. فعال، و�صل الإخوة �إىل احلاجز‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫َِ‬ ‫الذي يبعد عن موقع التنفيذ �أقل من كيلو مرت واحد، وتوقّعوا �أنْ يكونَ اجلنود‬ ‫بانتظارهم، فوجدوا �أنّ الأخبار مل ت�صل �إليهم بعد، و�أ�صوات الر�صا�ص مل تتناه‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫�إىل م�سامعهم، فمر جماهدونا ب�سالم، وانطلقوا يف طريق العودة فَرحني مبا وفّقهم‬ ‫ِ َ‬ ‫َّ‬ ‫ِ‬ ‫اهلل �إليه.‬ ‫ومن العمليات التي نُـفِّذت بذات الأ�سلوب:‬ ‫عملية حاجز (دورا القرع)، يف 2/11/1002م، وعملية (كريات �أربع)،‬ ‫وعملية (حجاي) يف حزيران 5002م.‬ ‫ج ـ �إطالق النار من موقع ثابت نحو هدف متحرك:‬ ‫ِّ‬ ‫عملية (غان تال)‬ ‫املكان: م�ستوطنة (غان تال) ـ غزة.‬ ‫اخللية: �إبراهيم �سالمة ـ خانيون�س/غزة، (�شهيد).‬ ‫براء الأغا ـ غزة.‬ ‫جمال مو�سى ـ غزة، وهو �سائق املجموعة.‬ ‫النتيجة: قتل جند َّيني و�إ�صابة ثالث، وغنيمة �سالح ر�شا�ش.‬ ‫جاءت �أعني الر�صد ب�صيدٍ ثمني؛ جيب ع�سكري يتجول منفرداً يف ال�شارع‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫الأمني مل�ستوطنة (غان تال)، فكان قرار الإخوة وعلى ر�أ�سهم جرنال الكتائب‬ ‫(جميل وادي) �رض َبه واال�ستيالء على �سالح اجلنود فيه، فا�ستدعى املجموعة،‬ ‫َ‬ ‫ّ َ‬ ‫وو�ضعهم بال�صورة، وتدار�سوا التفا�صيل، و�أعدوا خطـة الهجوم.‬ ‫ّ‬
  • 126.
    ‫621‬ ‫انطلق الأبطال: �إبراهيم،وبراء، وجمال، مع �ساعات الفجر الأوىل �صوب‬ ‫َّ‬ ‫َّ َ‬ ‫امل�ستوطنة، وعند نقطة حمددة، ترجل املجاهدان؛ �إبراهيم وبراء، وتقدما من‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫ال�سلك ال�شّ ائك املحيط بامل�ستوطنة، وبدءا باحلفر �أ�سفله بهمة و�رسعة، ذلك‬ ‫ٍ‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫�أنّ اخلطة التي ر�سموها تقت�ضي ب�أنْ يت�سلال من حتت ال�سلك، لكنهما ا�صطدما‬ ‫ب�سورٍ �أ�سمنتي مدفونٍ يف الرمال منعهما من التقدم..‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ٍّ‬ ‫�أُ�صيب الأخوان ب�صدمة وحرية، ولكن ملعرفة براء باملنطقة، �أ�شار �إىل موقع‬ ‫ٍ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫قريب يحوي مدخال بديال، فانطلقا �إليه دون تردد، ووجدا مدخال منا�سبا نَـفذا‬ ‫َ‬ ‫ُّ‬ ‫منه �إىل الداخل.‬ ‫ً‬ ‫مل يكن موقع التنفيذ مثاليا، فاالحتالل �أحكم حرا�سته للم�ستوطنة، ومل‬ ‫يرتك يف املحيط �أ�شجاراً �أو �سواتر طبيعية ت�سمح للمهاجم �أن يحتمي بها �أو‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ً ًّ ًّ‬ ‫ي�سترت خلفها. كما وجد املجاهدان �شارعا ترابيا �أمنيا يحيط بامل�ستوطنة ليزيدها‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫ح�صانة وم َنعة، �إال �أن الأبطال تخيرَّا �شجريات �صغرية �أ�شبه باحل�شائ�ش املرتفعة‬ ‫ٍ‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫تنمو على حافّة الطريق فاحتميا بها، وكادا �أن يدفنا نف�سيهما بالرمال حتى ال‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫يظهر منهما �شيء. بل وزيادة على ذلك، و�إح�سانا لعن�رص املباغتة، ف�إنهما كمنا‬ ‫َ‬ ‫يف اجلهة الداخلية لل�شارع الأمني، �أي بعك�س ما يتوقّعه جنود الدورية، وبعك�س‬ ‫ّ‬ ‫ما �ستتوجه �إليه �أنظارهم واهتمامهم.‬ ‫ّ‬ ‫كمن الأبطال انتظاراً لهدفهم بقلوب كال�صخر، وعيونٍ كال�صقر، و�أل�سن‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ِّ‬ ‫تلهج بالدعاء والذكر، و�أيدٍ تقب�ض على بندقية (كارلو غو�ستاف)، مكتوب على‬ ‫حزامها (كتائب الق�سام ـ خانيون�س)، وبندقية (61‪ )M‬غَ ِنمها املجاهدون من‬ ‫َ‬ ‫اجلندي ال�صهيوين (�ألون كورثاين) بعد اختطافه.‬
  • 127.
    ‫721‬ ‫ُ‬ ‫ِّ‬ ‫مرت الدورية فانق�ض عليها �إبراهيم بكل ما حواه �سالحه من ر�صا�ص،‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫ً َّ ً‬ ‫وبراء يحمل �سالحا معطال، والأخوان ال يعلمان ما ح�صل مع ركاب اجليب.‬ ‫َ‬ ‫وبعد حلظات، خرج اجلندي الثالث اجلال�س يف املقعد اخللفي، وقد ظن �أنّ‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫املجاهدين ان�سحبا، وبد َ�أ مبحاكاة زمالئه، وملا وجدهم �رصعى بد أ� بال�رصاخ،‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫وتوجه نحو ال�سلك ال�شائك، و�أخذ ُيطلق الر�صا�ص باجتاه اخلارج حتى �أفرغ‬ ‫ّ‬ ‫خمزن الر�صا�ص، ثم انطلق يعدو مبتعداً عن املكان، وعندئذ �سارع �إبراهيم �إىل‬ ‫تبديل خمزن الر�صا�ص، ثم انطلق خلفه يطلق الر�صا�ص عليه حتى �أ�صابه.‬ ‫َ‬ ‫عاد الأخوان �إىل اجليب، و�أخرجا قطعة ال�سالح الأوىل، وحاوال �إخراج‬ ‫َ‬ ‫الثانية، لكنها كانت عالقة حتت اجلندي القتيل، فرتكاها و�سارعا باالن�سحاب‬ ‫ً‬ ‫بعيداً عن املكان.‬ ‫عمليات �أخرى بذات الأ�سلوب:‬ ‫عملية م�سجد م�صعب بن عمري ر�ضي اهلل عنه، يف 41/9/3991م،‬ ‫وعملية ليلة القدر يف 02/3/3991م، وعملية (عمنوئيل) الأوىل يف‬ ‫21/21/1002م، و(عمنوئيل) الثانية يف 71/7/2002.‬
  • 128.
    ‫821‬ ‫د ـ �إطالق النار من موقع ثابت نحو هدف ثابت:‬ ‫عملية التلة الفرن�سية ـ القد�س.‬ ‫الزمان: 9/2991م.‬ ‫ّ‬ ‫املكان: التلة الفرن�سية ـ مدينة القد�س.‬ ‫ّ‬ ‫املنفِّذون: حممد عارف ب�شارات ـ طمون/جنني، (م�ؤ َّبد).‬ ‫طالل ن�صار ـ غزة.‬ ‫ب�شري حماد ـ غزة.‬ ‫النتيجة: مقتل جندي �صهيوين.‬ ‫التقى املجاهد (حممد) بالأخوين: ب�شري وطالل، القادمني من قطاع غزة‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫لإحياء العمل اجلهادي الع�سكري يف ال�ضفة، وتناق�شوا جميعا بتفا�صيل العملية‬ ‫الـمعدة، واتّفقوا على خطة التنفيذ، ووفّروا لوازمها، ثم انطلقوا للتنفيذ.‬ ‫َُّ‬ ‫ارتدى حممد بدلة ع�سكرية جلي�ش االحتالل، وحمل بندقيته (61‪ )M‬حتى‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫بدا كجندي �صهيوين، وتوجه به الأبطال ب�سيارتهم نحو الهدف، حيث حمطة‬ ‫ّ‬ ‫ّ َ‬ ‫ّ‬ ‫ٍّ‬ ‫حافالت يتوقّف عندها جنود �إ�رسائيليون. ت�صافح الأبطال، وودعوا �أخاهم‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ٌ‬ ‫ٍ‬ ‫وداع مفارق، وطلبوا منه ال�شفاعة يف اجلنة، ثم انطلقوا وقد تركوه يف �أر�ض‬ ‫َ ُ‬ ‫املعركة.‬ ‫توجه حممد �صوب املحطة، ولكنه تفاج�أَ �أنها تخلو من اجلنود �إال واحداً،‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫ً َّ‬ ‫فقرر االنتظار قليال عل جنوداً �آخرين يح�رضون �إىل املوقع، فتزداد ح�صيلة‬ ‫َّ‬ ‫الهجوم، وعلى غري ما توقَّع حممد، تقدم منه اجلندي، وحاد َثه باللغة العربية التي‬ ‫ِ‬ ‫َّ‬ ‫ال يعرفها، وهنا، خ�شي جماهدنا من افت�ضاح �أمره، فقرر �أخذ زمام املبادرة، رفع‬ ‫ُ‬ ‫َ ِ َ‬ ‫�سالحه �صوب اجلندي ال�صهيوين، و�أفرغ ر�صا�صه يف ج�سد اجلندي الذي وقع‬
  • 129.
    ‫921‬ ‫ً‬ ‫�رصيعا على الفور.‬ ‫ويف تلك اللحظة، كانت �سيارة (‪� )GMC‬صهيونية مليئة باجلنود ت�صل �إىل‬ ‫ّ‬ ‫املحطة، ف�شاهدوا احلادث، وظ ّنوا �أنّ �شجاراً دار بني جند َّيني، ف�سارعوا �إىل‬ ‫ٌّ ُ‬ ‫الإم�ساك مبحمد، ظانني �أنه جندي مثلهم، بينما مل ي�ستطع هو فعل �شيء لأنّ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫�سالحه �أ�صبح خاليا من الر�صا�ص.‬ ‫ّ‬ ‫عمليات مثلها:‬ ‫عملية احلرم الإبراهيمي يف 52/01/2991م، وعملية اخلار�سينة يف‬ ‫6/21/3991م، وعملية ح�سبة اخل�ضار ـ غزة يف 7/5/2991م، وعملية‬ ‫مع�سكر ال�شيخ ر�ضوان يف ت�رشين الثاين 2991م.‬
  • 130.
    ‫031‬ ‫عمليات االغتيال:‬ ‫عملية اغتيال (�شمعون بريان)، خمتار م�ستوطنة (كفار داروم).‬ ‫الزمان : 72/5/2991م.‬ ‫املكان: م�ستوطنة (كفار داروم) ـ غزة.‬ ‫املنفِّذ: �أحمد الفليت ـ دير البلح/غزة، (م�ؤ َّبد).‬ ‫النتيجة: قتل خمتار امل�ستوطنة (�شمعون بريان).‬ ‫َّ‬ ‫ّ َ‬ ‫تلك عملية بطولية ناجحة، مبجهودٍ فردي كامل، خطط و�أعد لها املجاهد‬ ‫ٍّ‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫�أحمد، ونفَّذها بكفاءة واقتدار.‬ ‫ٍ‬ ‫ُ‬ ‫كان �أحمد يتوق �إىل العمل اجلهادي، ويبحث عن ال�شهادة، بينما مل يكن‬ ‫ِّ‬ ‫ُّ‬ ‫ّ ً‬ ‫ميلك من �أدواتها املادية �إال �سكينا يجتز بها الرقاب، �أما الأدوات املعنو ّية‬ ‫ّ‬ ‫والروحية، فحدث وال حرج!‬ ‫َ َ‬ ‫ِّ‬ ‫ُّ ّ‬ ‫َّ‬ ‫َ ّ‬ ‫نظر �أحمد حوله، فوجد االحتالل ال�صهيوين يغت�صب �أر�ضه يف قطاع غزة،‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ووجد م�ستوطنة (كفار داروم) جتثم وع�رشات امل�ستوطنات على �أر�ض فل�سطني،‬ ‫َ‬ ‫َّ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ُ َ‬ ‫فتطرد �أهلها، وتنهب خريا ِتها، وت�سلبها من �أ�صحابها.. ولذا، فقد قرر �أن تكون‬ ‫ِّ‬ ‫وجهته نحو كبري هذه امل�ستوطنة وخمتارها، واملعروف بحقده وكراهيته لكل‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫فل�سطيني وعربي وم�سلم، ملا مي ّثله قتله من �أ َثر معنوي على �سكان امل�ستوطنة‬ ‫ٍ‬ ‫ُ‬ ‫ٍّ‬ ‫ٍّ‬ ‫ومغت�صبيها، و�أ َثر معنوي م�ضاد، واملتم ّثل بالفرحة الكبرية ل�سكان قطاع غزة‬ ‫ّ‬ ‫ٍّ‬ ‫ٍ‬ ‫الذين ذاقوا الويالت على يد هذا احلاقد.‬ ‫بد�أ �أحمد مرحلة ر�صدٍ طويلة للم�ستوطنة وخمتارِ ها (�شمعون بريان)، وا�ستمر‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ير�صد ويتابع طوال �شهرين، حدد �أحمد خاللهما من �أين ُت�ؤكل الكتف.‬ ‫َّ‬
  • 131.
    ‫131‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ثم اندفع بطلنا �إىل مغت�صبة (كفار داروم) يحمل �سكينه، وتوجه تلقاء املوقع‬ ‫َّ‬ ‫الذي اعتاد �أنْ يرى فيه هدفه، ومل يح َتج �إىل وقت طويل من االنتظار، فقد كان‬ ‫ْ‬ ‫ال�صهيوين امل�ستهدف يف مكانه على عادته.‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫انق�ض �أحمد عليه انق�ضا�ضا عنيفا قاتال، و�أعمل �سكينه يف ج�سده ف�أرداه‬ ‫َّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫�رصيعا على الفور، وانطلق حماوال االبتعاد عن املكان، بينما اندفع خلفه ح�شد من‬ ‫ٌ‬ ‫َ‬ ‫جنود االحتالل وقطعان امل�ستوط ِنني يالحقونه و ُيطلقون عليه النار، حتى �أ�صاب ْته‬ ‫ً‬ ‫ر�صا�صة يف كتفه طرح ْته �أر�ضا بجراح بالغة اخلطورة، و�شاءت �إرادة اهلل �أن‬ ‫ٌ‬ ‫يعي�ش، على الرغم من �أنه مل يكن بينه وبني ال�شهادة التي مت ّناها �إال حلظات...‬ ‫ّ‬ ‫***‬
  • 132.
    ‫231‬ ‫عمليات اخلطف:‬ ‫�أ ـ اخلطف الفردي:‬ ‫عملية خطف اجلندي (�شارون �إدري).‬ ‫الزمان: 9/9/6991م.‬ ‫املكان: �رصفند ـ تل الربيع (تل �أبيب).‬ ‫اخللية: جمال الهور ـ �صوريف/اخلليل.‬ ‫مو�سى غنيمات ـ �صوريف/اخلليل، (�شهيد).‬ ‫رائد �أبو حمدية ـ �صوريف/اخلليل، (�شهيد).‬ ‫عبد الرحمن غنيمات ـ �صوريف/اخلليل.‬ ‫النتيجة: خطف اجلندي وقتله.‬ ‫د�أب جماهدو خلية �صوريف على اخلروج يف جولة ليلية مبعدل مرتني‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫�أ�سبوعيا؛ بحثا عن جندي �إ�رسائيلي ي�أ�رسوه، وا�ستمروا على هذا احلال زمنا‬ ‫ٍّ‬ ‫ٍّ‬ ‫ً ّ‬ ‫طويال، جتولوا خالله ب�سيارتهم يف طول البالد وعر�ضها، و�ساروا على �أقدامهم‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫طويال وهم يلب�سون زِ ي ال�رشطة ال�رسية ال�صهيونية بحثا عن ُبغيتهم، حتى كان‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫التا�سع من �أيلول من العام 6991م.‬ ‫توجه املجاهدون (جمال) و(مو�سى) و(رائد) ب�سيارتهم بعد �أن �أح�سنوا‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫اال�ستعداد، فغطوا زجاج ال�سيارة بال�سواد حتى ال يظهر ما بداخلها للخارج،‬ ‫ّ‬ ‫وجهزوا �أبوابها بالأقفال حتى تُفتح من اخلارج وال تُفتح من الداخل، وذلك‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫حتى ال يتمكن الأ�سري من الفرار، وو�ضعوا يف امل�سجل �رشيطا غنائيا باللغة العربية،‬ ‫ّ‬ ‫و�ألقوا بع�ض ال�صحف العربية يف ال�سيارة، ثم انطلقوا متوكلني على اهلل.‬
  • 133.
    ‫331‬ ‫اّ‬ ‫كانت وجهتهم نحو م�ست�شفى (�رصفند)، ذلك �أنّ عزمهم كان �أل ي�أ�رسوا‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ً‬ ‫�إال جنديا، وجتولوا ب�سيارتهم كاملعتاد، �أ�شار اجلندي (�شارون �إدري) لل�سيارة‬ ‫ّ‬ ‫فتوقّفت، وحتدث معه (مو�سى) باللغة العربية بطالقة، فركب اجلندي يف املقعد‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫اخللفي بجانب املجاهد (رائد)، وانطلقت به ال�سيارة تعرب به الطريق مبتعدة‬ ‫نحو نهايته.‬ ‫كانت اخلطة تق�ضي ب�أن يجل�س (جمال) يف الكر�سي الأمامي، وي�ضع‬ ‫م�سد�سه حتت فخذه، وحزام الأمان على و�سطه، بينما يجل�س (رائد) بجانب‬ ‫ّ‬ ‫اجلندي يف الكر�سي اخللفي، وقد تظاهر ب�أنه نائم، بينما يداه تلتفّان �إىل �صدره،‬ ‫وم�سد�سه يف يده خمبوء حتت �إبطه، والر�صا�صة يف بيت النار، حتى �إذا اقت�ضى‬ ‫ّ‬ ‫الأمر �رسعة اال�ستخدام، ويف اللحظة التي يبد�أ فيها (جمال) بنزع حزام الأمان،‬ ‫يقوم (رائد) ب�رضب اجلندي على وجهه بكعب امل�سد�س بينما يلتفت (جمال)‬ ‫ّ‬ ‫وي�ضع م�سد�سه يف ر�أ�سه حتى ي�سلم باالختطاف.‬ ‫�سارت اخلطة كما هو مر�سوم، ولكن بعد �أنْ �سارت ال�سيارة م�سافة لي�ست‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫طويلة �ساور اجلندي �شيئ من الريبة، و�أخذ يلتفت مينة وي�رسة، عندئذ وبغري‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ٌ‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫ما اقت�ضت اخلطة �صوب (رائد) م�سد�سه �إىل �صدر اجلندي، و�أطلق ثالث‬ ‫ّ‬ ‫ّ َ‬ ‫ر�صا�صات، ف�أ�صاب اجلندي باثنتني، بينما انحرفت الر�صا�صة الثالثة لت�صيب‬ ‫ج�سم ال�سيارة، ف�رصخ اجلندي: (�أمي.. �أمي)، ثم �سكت �إىل الأبد.‬ ‫َ‬ ‫بعد حلظات كان املجاهدون يقفون ا�ضطراراً �أمام �إ�شارة �ضوئية يتواجد‬ ‫َ‬ ‫عندها بع�ض املارة، ف�سارعوا �إىل و�ضع اجلثة يف �أر�ضيـة ال�سيارة وتغطيتها‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫بقمي�ص �أحدهم.‬
  • 134.
    ‫431‬ ‫ويف تلك اللحظةوب�شكل غريب ومفاجئ، خرجت من اجلندي رائحة‬ ‫ٌ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫كريهة، ومل مي�ض على موته �سوى ب�ضع دقائق، حتى كاد الإخوة يخرجون من‬ ‫ِ‬ ‫ال�سيارة ل�شدة الرائحة، بل و�صفوها لنا ب�أنها الرائحة الأ�سو� التي متر عليهم‬ ‫أ‬ ‫ّ‬ ‫طوال حياتهم! وقد حاولوا فيما بعد �إزالة الرائحة من ال�سيارة بالغ�سل والتنظيف‬ ‫ور�ش العطور، ولكن دون جدوى، فا�ضطروا �إىل ا�ستبدال فر�ش ال�سيارة ب�آخر‬ ‫ّ‬ ‫جديد..‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫بد�أ العمل مبا�رشة وفق اخلطة املعدة م�سبقا، فقد �سبق �أنْ �أعد املجاهدون‬ ‫ّ‬ ‫ً ً‬ ‫مكانا �آمنا لإخفاء اجلندي وهو على قيد احلياة للمقاي�ضة عليه، لكنهم مل يعدوا‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫مكانا جل ّثة!‬ ‫وفور و�صولهم حميط (�صوريف)، بد�ؤوا بحفر قرب للجندي امليت، وا�ستغرق‬ ‫العمل طوال الليلة حتى ا�ستطاعوا �إجنازه، تعر�ضوا خاللها �إىل مواقف �صعبة، فقد‬ ‫ّ‬ ‫َ ِ ً‬ ‫كان الو�ضع الأمني حرجا، وطائرات االحتالل جتوب اجلو وتر�صد املنطقة.‬ ‫ّ‬ ‫�أخذ الإخوة �أوراق اجلندي ال ّثبوتية، ودفنوه يف احلفرة التي �أعدوها على‬ ‫ّ‬ ‫عجل، و�أبقوه فيها �شهرين، ثم قام الأخوان (عبد الرحمن) و (جمال) بعد ذلك‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫بتغيري موقع اجل ّثة احتياطا؛ حتى ال يكون باقي �أفراد اخللية على علم مبوقع اجل ّثة.‬ ‫وبقيت اجلثة يف موقعها مدفونة ت�سعة �أ�شهر، مل يكن خاللها لدى حكومة‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫ٌ‬ ‫االحتالل �أي علم ب�أن اجلندي خمطوف لدى الفل�سطينيني، �إىل �أن اع ُتقلت‬ ‫َّ‬ ‫ٍ‬ ‫ُّ‬ ‫ُ‬ ‫اخللية، وك�شف مكان اجلثة، وحينئذ خرج رئي�س وزراء العدو (بنيامني نتيياهو)‬ ‫�إىل الإعالم، ليعلن بنف�سه �أن (�شارون �إدري) كان خمطوفا، و�أنهم عرثوا �أخرياً‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫على ج ّثته.‬
  • 135.
    ‫531‬ ‫ويالحظ �أن جميععمليات اخلطف التي قامت بها الكتائب كانت فرديةً، �إال واحدة،‬ ‫ومنها:‬ ‫�آيف �س�سبورتا�س، يف 62/2/9891م، و�إيالن �سعدون، يف 3/5/9891م،‬ ‫و�ألون كورثاين، يف 11/8/2991م، ون�سيم طوليدانو 31/21/2991م،‬ ‫ويرون 5/8/3991م، ونح�شون فاك�سمان، و�سا�سون، وجلعاد �شاليط...‬ ‫ب ـ اخلطف اجلماعي:‬ ‫عملية خطف احلافلة ـ القد�س.‬ ‫الزمان: 1/7/3991م.‬ ‫املكان: التلة الفرن�سية/القد�س.‬ ‫اخللية: ماهر �أبو �رسور ـ خميم عايدة/بيت حلم، وهو م�س�ؤول اخللية، (�شهيد).‬ ‫حممد عزيز ر�شدي ـ خميم العروب/اخلليل، وهو القائد العام، (�شهيد).‬ ‫حممد الهندي ـ بيت حلم، (�شهيد).‬ ‫�صالح عثمان ـ خميم جباليا/غزة.‬ ‫النتيجة: مقتل اثنني من ال�صهاينة وجرح �آخرين.‬ ‫هي عملية االختطاف اجلماعية الوحيدة التي نفّذتها كتائب الق�سام منذ‬ ‫ّ‬ ‫انطالق حركة املقاومة الإ�سالمية (حما�س)، مبعنى �أنها العملية الوحيدة التي‬ ‫ا�ستهدفت اختطاف عدد من اجلنود ولي�س جنديا واحداً. حيث بد�أ القائد‬ ‫ً‬ ‫ال�شهيد (حممد عزيز) و�إخوانه بالإعداد لعملية تهدف �إىل �أ�رس عدد كبري من‬ ‫ٍ‬ ‫ال�صهاينة، وذلك ملقاي�ضتهم بجميع الأ�رسى يف �سجون االحتالل.‬
  • 136.
    ‫631‬ ‫ً‬ ‫�أعد املجاهدون اخلطة، وتدار�سوها معا، وو�ضعوا جميع االحتماالت‬ ‫َّ‬ ‫املمكنة، وا�شرتك يف ذلك املجاهدون الثالثة �أع�ضاء اخللية مع قيادتهم، ثم‬ ‫َّ َ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ت�سلموا العتاد املكونَ من بندقية (61‪ ،)M‬وم�سد�سني، وحقيب َتنيِ نا�سف َتنيِ‬ ‫لتنفيذ املهمة.‬ ‫انطلق الأبطال بهمة عالية يحملون عتادهم، ويحلمون بلقاء ربهم، و�صلوا‬ ‫ّ‬ ‫�إىل مدينة القد�س، وهناك بحثوا عن حافلة ي�ستهدفونها، فوقع اختيارهم على‬ ‫ٍ‬ ‫حافلة مزدوجة (قاطرة ومقطورة)، العتقادهم �أنها حتمل عدداً كبرياً من‬ ‫الرهائن. �إال �أنّ ذلك �أوقعهم يف خط� قاتل، حيث خالفوا اخلطة الـمعدة وامل َّتفق‬ ‫ُ َّ‬ ‫أ‬ ‫ّ‬ ‫عليها، �إذ �أن عدتهم وعددهم مل تكن تكفي لل�سيطرة على حافلة مزدوجة مليئة‬ ‫ٍ‬ ‫ُ ّ‬ ‫ّ‬ ‫بالركاب.‬ ‫ركب (حممد) و (ماهر) يف القاطرة الأوىل معهما حقيبة متفجرة، وبندقية‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫(61‪ )M‬وم�سد�س، فيما ا�ستقل (حممد) القاطرة الثانية ومعه حقيبة متفجرة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وم�سد�س، ثم وقف (ماهر) يف مقدمة احلافلة، و�أعلن للركاب �أنّ احلافلة مخُتطفة،‬ ‫ِّ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫و�أن عليهم التزام الهدوء وال�صمت، و�إال ف�إن املجاهدين �سيفجرون احلافلة بهم،‬ ‫ّ‬ ‫�أما (�صالح) فقد تظاهر ب�أنه �أحد املخطوفني..‬ ‫ٌ‬ ‫وبينما الأمر حتت ال�سيطرة، قامت امر�أة يهودية مبحاولة خطف �سالح‬ ‫(ماهر)، ف�أطلق عليها الر�صا�ص و�أ�صابها بجراح خطرة، فد ّبت الفو�ضى‬ ‫ٍ َ ِ‬ ‫والإرباك يف احلافلة، ثم انطلقت بع�ض الطلقات �أ�صابت �إحداها ر�أ�س (�صالح)،‬ ‫ً‬ ‫ف�سقط على الأر�ض م�صابا بجراح خطرة، وحاول ال�سائق ا�ستغالل الفو�ضى‬ ‫َ ِ‬ ‫ً‬ ‫وخطف ال�سالح من يد (ماهر)، �إال �أنّ (ماهر) عاجله بر�صا�صة �أردتْه قتيال.‬
  • 137.
    ‫731‬ ‫�سارت احلافلة بدون�سائق م�سافة ق�صرية، ثم ما لبثت �أن ا�صطدمت بعمود‬ ‫ً‬ ‫كهرباء، فقفز املجاهدان (ماهر) و (حممد) من احلافلة حماولني االن�سحاب من‬ ‫َ‬ ‫املوقع، و�سارعا �إىل �إيقاف �سيارة �إ�رسائيلية تقودها �سيدة يهودية، وركبا معها‬ ‫حتت تهديد ال�سالح، وانطلقا �صوب مدينة (بيت حلم).‬ ‫بد�أت عملية مطاردة �رش�سة، وانطلقت ع�رشات املركبات الع�سكرية‬ ‫ال�صهيونية تالحق املجاهدين، تقودهم وتوجههم طائرة مروحية.‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ويف هذه الأثناء، حاولت اليهودية التي تقود ال�سيارة �أن تتباط�أ، ومل تتجاوب‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫مع توجيهات املجاهدين، فف�ضلوا ق ْتـلها ورميـها من ال�سيارة، ف�أ�صابوها �إ�صابة‬ ‫ّ‬ ‫غري مبا�رشة، فانحرفت ال�سيارة عن م�سارها لت�ستقر على حافة الطريق، وقد‬ ‫ّ‬ ‫�أُ�صيب كل من فيها، فقام االحتالل باعتقالهم، ثم ق َتـلهم وحرق جثامينهم.‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬
  • 138.
    ‫831‬ ‫عمليات التفجري:‬ ‫�أ ـ العمليات اال�ست�شهادية:‬ ‫1ـ با�ستخدام ال�سيارات املفخخة:‬ ‫عملية (دير �رشف).‬ ‫الزمان: 92/4/1002م.‬ ‫املكان: مدينة نابل�س.‬ ‫املنفّذ: اال�ست�شهادي جمال نا�رص ـ نابل�س.‬ ‫كان (جمال) من ن�شطاء الكتلة الإ�سالمية يف جامعة النجاح الوطنية، وكان‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫�أحد م�س�ؤويل اللجنة الدعوية فيها. بحث بطلنا عن ال�شهادة طويال، حتى‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫وجدها قريبة منه، ووجد الأبواب تُفتح له م�رشعةً، فاندفع �إليها م�رسعا ال يهاب‬ ‫ً‬ ‫املوت..‬ ‫�أعد (�أبو خالد) نف�سه للقاء ربه، فاغت�سل ولب�س �أجمل الثياب وتطيب، ثم‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫خرج مبت�سما فرحا بقرب املوعد الذي مت ّناه.‬ ‫ركب (جمال) �سيارته املفخخة، واملح�شوة بع�رشات الكيلوغرامات من‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫املواد املتفجرة وال�شّ ظايا، �إ�ضافة �إىل ا�سطوانات الغاز وقذائف الهاون، وتوجه‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫�إىل الهدف املحدد. وكان الهدف يومها حافلة �صهيونية تخرج من م�ستوطنة‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫(�شايف �شمرون) يف بلدة (دير�رشف) املحاذية ملدينة نابل�س، ولقد كانت حافلة‬ ‫ً‬ ‫مليئة بالركاب، تخرج من امل�ستوطنة ب�شكل منتظم، فتوقّف (جمال) بال�سيارة‬ ‫ً‬ ‫يف نقطة قريبة من مدخل امل�ستوطنة انتظاراً ملرور هدفه... ويف اللحظة التي‬ ‫خرجت فيها احلافلة من امل�ستوطنة و�سارت على ال�شارع، اندفع (جمال)‬
  • 139.
    ‫931‬ ‫ب�سيارته نحوها بال�رسعةالق�صوى، وعند نقطة ال�صفر �ضغط على مفتاح ال�شهادة‬ ‫فانفجرت ال�سيارة باحلافلة وتطايرت النريان منها، �إال �أنّ احلافلة كانت م�صفّحة،‬ ‫ّ‬ ‫الأمر الذي قلل من خ�سائر االحتالل و�إ�صاباته.‬ ‫ً‬ ‫ويف امل�ساء، ظهر �شهيدنا على �شا�شات التلفاز يف �رشيط م�صور مبت�سما‬ ‫َّ‬ ‫ً‬ ‫ً َ‬ ‫ّ ً‬ ‫متو�شحا بالأخ�رض ومتزينا بالع�صبة، وخاطب العامل قائال: «يا �أبناء فل�سطني، يا‬ ‫�أبناء جامعة النجاح احلبيبة، التفّوا حول خيار املقاومة، و�أع ِلنوا راية اجلهاد».‬ ‫ومن الأمثلة الأخرى على ا�ستخدام �أ�سلوب ال�سيارة املفخخة التي يقودها‬ ‫ّ‬ ‫ا�ست�شهادي:‬ ‫- عملية (ميحوال)، يف 61/4/3991م، وبطلها اال�ست�شهادي (�ساهر التمام).‬ ‫- عملية (بيت �إيل)، يف 3/01/3991م، وبطلها اال�ست�شهادي (�سليمان زيدان).‬ ‫- عملية (نتانيا)، يف 1/1/1002م، وبطلها اال�ست�شهادي (حامد �أبو حجلة).‬ ‫- عملية غزة، يف 22/6/1002م، وبطلها اال�ست�شهادي (�إ�سماعيل املع�صوابي).‬ ‫- عملية (�سنجل)، وبطلها اال�ست�شهادي (�سالمة الأحمد).‬
  • 140.
    ‫041‬ ‫2 ـ بوا�سطة عمليات التفجري:‬ ‫عملية (البحر)‬ ‫الزمان: 7/21/0002م.‬ ‫املكان: �شواطئ غزة.‬ ‫املنفّذ: اال�ست�شهادي حمدي ن�صيو ـ غزة.‬ ‫وهي �أوىل العمليات اال�ست�شهادية البحر ّية يف تاريخ العمل الفل�سطيني‬ ‫املقاوم، و�أوىل عمليات كتائب الق�سام اال�ست�شهادية يف انتفا�ضة الأق�صى،‬ ‫ولقد كانت عملية نوعية جريئة �أدت �إىل تدمري زورق حربي �صهيوين من نوع‬ ‫ً ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫(د ّبور)، �إال �أنها القت تعتيما �إعالميا كامال من ِقبل املحتل.‬ ‫فقد قررت الكتائب �إ�شعال البحر حتت االحتالل كما �أ�شعلت البـر، ليكون‬ ‫َ ّ‬ ‫ً‬ ‫ما�ؤه قرباً لبني �صهيون، ف�أعدت زورق �صيدٍ مثقال باملواد املتفجرة ليكون‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫االنفجار �شديداً، و�أعدت للمهمة فار�سا مميزاً، اال�ست�شهادي البطل (حمدي)،‬ ‫ً‬ ‫الذي كان على جاهزية دائمة للفداء.‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫انطلق حمدي بعبوته املتحركة (الزورق) يجوب بحر غزة طوال وعر�ضا،‬ ‫وتوغّ ل يف عر�ض البحر، لي�صل �إىل الزوارق احلربية الإ�رسائيلية ال�رسيعة التي تقوم‬ ‫ً‬ ‫بحرا�سة املياه منعا من تهريب ال�سالح والرجال.‬ ‫والح له �صيده، فانطلق نحوه بخربة ال�صياد، ومل ي�ستطع زورق العدو‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ٍّ‬ ‫ّ‬ ‫�أن يوقفه، ومل يح�سوا به �إال وقد انغر�س يف ج�سم زورقهم، ثم انفجر ب�شدة‬ ‫ّ‬ ‫حولت الزورقَنيِ �إىل كتلة من الّلهب ر ِئيت من �شواطئ البحر، �إال �أن عدم وجود‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ال�صحافة يف عر�ض البحر، حال دون الك�شف عن حقيقة خ�سائر االحتالل‬ ‫الذي مل يعلن عن وقوع العملية.‬
  • 141.
    ‫141‬ ‫3 ـ احلزام النا�سف:‬ ‫عملية (بارك).‬ ‫الزمان: 72/3/2002م.‬ ‫املكان: فندق بارك ـ نتانيا (�أم خالد).‬ ‫املنفّذ: اال�ست�شهادي عبد البا�سط عودة ـ طولكرم.‬ ‫اخلليـة: عبا�س ال�سيد ـ طولكرم، وكان م�س�ؤول اخللية، (53 م�ؤ َّبداً).‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫فتحي اخل�صيب ـ ِقفّني/طولكرم، وهو �سائق العملية، (92م�ؤبداً).‬ ‫�أحمد اجليو�سي ـ طولكرم، (92 م�ؤبداً).‬ ‫مهند �رشمي ـ طولكرم، (92 م�ؤبداً).‬ ‫معمر �شحرور ـ طولكرم، (92 م�ؤبداً).‬ ‫ن�رص يتامية ـ طولكرم، (92 م�ؤبداً).‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫نتيجة العملية: 13 قتيال و061 جريحا.‬ ‫امتازت عملية (بارك) البطولية ب�أنها الأكرب من حيث عدد القتلى ال�صهاينة‬ ‫خالل العقود الثالثة الأخرية من العمل الفل�سطيني املقاوم، �إ�ضافة �إىل �أنّ حزامها‬ ‫ً‬ ‫النا�سف كان من �أف�ضل ما �صنعه �أبطال الق�سام من حيث القوة، فلم يكن يحوي‬ ‫�أكرث من (4-5) كيلوغرام من املواد املتفجرة، �إ�ضافة �إىل كمية من ال�شظايا، �إال‬ ‫�أنه �أثمر عن هذا الكم الهائل من الإ�صابات يف الأرواح والدمار يف املوقع..‬ ‫وقد كان �صاحب الإبداع واالمتياز يف �إعداده ال�شهيد القائد (مهند الطاهر)،‬ ‫�صاحب �أعلى ح�صيلة قتلى يف العمل الفل�سطيني املقاوم، ومعه ال�شهيد البطل‬ ‫ِ‬ ‫(�إياد حمادنة)، تلميذ ال�شهيد القائد حممود �أبو ه ّنود رحمه اهلل.‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫فقد �أعد جماهدو (نابل�س) بداية حزاما عاديا لإخوانهم يف طولكرم، ثم‬ ‫ً‬ ‫َّ‬
  • 142.
    ‫241‬ ‫ً‬ ‫�أر�سلوا �إليهم �أن يرت ّيثوا قليال لأنهم يعملون على �إعداد حزام جديد ب�أ�سلوب‬ ‫�أكرث فاعلية و�أو�سع �أثراً و�أخف وزنا، ف�أعدوا لهم احلزام املذكور، بعد �أن و�ضعوا‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫فيه خال�صة جهدهم وخربتهم ومهارتهم، مدعومة ب�إخال�صهم ودعائهم.‬ ‫ً‬ ‫كانت القمة العربية قد انعقدت يف (بريوت)، وتُـوِّجت بتقدمي املبادرة ال�سعودية‬ ‫ال�شهرية، التي �أ�صبحت تُعرف بعد ذلك با�سم (املبادرة العربية لل�سالم)، فكان قرار‬ ‫قيادة اجلهاز الع�سكري للحركة �أن توجه ر�سالة �شديدة اللهجة �إىل امل�ؤمترين، ر�سالة‬ ‫ّ‬ ‫ٌ‬ ‫متفجرة يو�صلها بطل ا�ست�شهادي، �صيغتها: «ال تنازل عن احلقوق»، لتم ّثل رداً‬ ‫ً‬ ‫بليغا على ما حتويه املبادرة من تنازل، فكان الإعداد للعملية.‬ ‫َ‬ ‫كان قرار الإخوة ب�أن تكون العملية مزدوجة، بطالها: ال�شهيد (عبد البا�سط‬ ‫عودة)، واملجاهد (ن�ضال تلق)، �إال �أن وعكة �صحية �ألـمت بالأخ (ن�ضال) حالت‬ ‫َّ ْ‬ ‫ً‬ ‫دون م�شاركته يف الهجوم، وبقي ال�شهيد (عبد البا�سط) وحده فار�س امليدان.‬ ‫ّ‬ ‫ت�سلم املجاهدون احلزام املتفجر، و�أعدوا ال�شهيد للمهمة، و�أول الإعداد:‬ ‫ّ‬ ‫التهيئة الروحية، فكان �شهيدنا على �أمت اجلهوزية.‬ ‫ّ‬ ‫ُّ‬ ‫ثم الت�صوير التلفزيوين؛ ليظهر �شهيدنا �أمام الإعالم بع�صبته و�سالحه‬ ‫َ‬ ‫ورجولته، وليو�صل للعامل ر�سائل عدة، ف�أدى البطل دوره على �أكمل وجه، كما‬ ‫�أداه يف امليدان، ووجه ر�سائل عدة؛ �أولها كانت لل�صهيوين احلاقد (�شارون)،‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫و�آخرها جلامعة الدول العربية وللم�ؤمترين يف بريوت.‬ ‫ثم كان الإعداد النهائي، ليخرج (عبد البا�سط) بال�صورة التي �سينفذ بها‬ ‫ّ‬ ‫ُ ِ‬ ‫هجومه، ولأن �شهيدنا �شاب و�سيم جميل اخللقة، كان اخليار ب�أن يتنكر على‬ ‫ٌ‬ ‫ٌّ‬ ‫َ‬ ‫هيئة فتاة �إ�رسائيلية ت�ستطيع الدخول حيث ت�شاء، ف�أح�سن الإخوة يف �إعداده،‬ ‫حتى ظهر على غري الهيئة التي عرفوه بها!‬ ‫َ‬
  • 143.
    ‫341‬ ‫انطلق املجاهد (فتحي)يحمل �شهيدنا برفقته يف ال�سيارة، ويروي فتحي‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫عن حال ال�شهيد �أثناء الطريق فيقول: «كان (عبد البا�سط) �صائما، و�أثناء �سرينا‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫�أكرث من الدعاء، و�ألح يف القول: «اللهم مكـ ّني منهم، وال تردين خائبا»، وكان‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫مطمئنا فرحا، وك�أنه يف الطريق �إىل حفل زفافه!».‬ ‫ويف الطريق، واجه ْتهم دبابة احتاللية تَن�صب حاجزاً على ال�شارع الذي‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ي�سلكونه، وتُو ِقف ال�سيارات املارة وتُخ�ضعها للتفتي�ش، فتوقّف الأخوان على‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫جانب الطريق، وطلب (عبدالبا�سط) من (فتحي) �أن ُي�سمع له جزءاً من �سورة‬ ‫ِّ‬ ‫ً‬ ‫البقرة غيبا، وبعد �أن انتهى من ال ّت�سميع توجه �إىل اهلل بالدعاء، ثم قال للمجاهد‬ ‫ّ‬ ‫(فتحي): «�سـر على بركة اهلل!».. فقال له (فتحي): «ولكن �أخ�شى �أن يوقفونا»،‬ ‫ِ ْ‬ ‫فقال عبد البا�سط: «لقد �سمعت حديثا معناه �أنّ من قر�أَ �أول مئة �آية من �سورة‬ ‫ّ َ ٍ‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫ً َ ّ‬ ‫البقرة ثم دعا اهلل؛ ا�س ُتجيب له». فانطلق (فتحي) مطمئ ّنـا، ومـرا على احلاجز‬ ‫دون �أن ُيلتفت �إليهما بف�ضل اهلل.‬ ‫ويف داخل الأر�ض املحتلة عام 8491م، جابت ال�سيارة طول البالد‬ ‫وعر�ضها دون جدوى، فقد كان يوم عيد، واملحالت واملطاعم والنوادي وكل‬ ‫املرافق مغلقة الأبواب، لكنهما ا�ستمرا بالبحث، حتى و�صال �إىل مدينة (نتانيا)،‬ ‫ّ‬ ‫وبعد طول عناء و�صال �إىل فندق (بارك)، وبتوفيقٍ من اهلل، وجداه دون غريه يعج‬ ‫ّ‬ ‫بالنزالء، وعلى بابه حار�س يف ّت�ش كل من ي�شتبه به. فتوقّفت ال�سيارة، وترجل‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫(عبد البا�سط)، وطلب من (فتحي) املغادرة بعد �أن وعده بال�شفاعة.‬ ‫َ‬ ‫كانت هيئة فتاة جميلة، ويف �أثوابها قلب �أ�سدٍ ه�صورٍ عامر بالإميان!!‬ ‫ٍ‬ ‫ُ‬ ‫َ ٍ‬ ‫انطلق بخطى ثابتة نحو هدفه، ودخل الفندق دون �أن يعرت�ض احلار�س‬ ‫ٍ‬ ‫ً‬
  • 144.
    ‫441‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫طريقه، ومل مت�ض �إال دقائق معدودة، حتى كان الفندق خرابا، و�إذا من بداخله‬ ‫ِ‬ ‫كع�صف م�أكول..!‬ ‫ٍ‬ ‫ويف امل�ساء، كانت �صور الإعالم تُظهر مكانا مدمراً ال ي�صدق العقل �أنّ عبوة‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ً َّ‬ ‫َّ‬ ‫تَزنُ ب�ضعة كيلو غرامات من املواد املتفجرة املعدة بطريقة مثالية تفعل كل ذلك،‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ولكننا نقول كما قال تعاىل: } ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ{.‬ ‫�أُ�صيب االحتالل بذهول �شديد، فعبرّ عن ذلك بعملية اجتياح �رش�سة، كانت‬ ‫هي الأو�سع منذ ترك جي�شه املدنَ منت�صف ال ّت�سعينات، ف�شملت معظم مدن‬ ‫ُ‬ ‫ال�ضفة الغربية، و�أحدثت جمازر ب�شعة يف خميم (جنني) ومدينة (نابل�س). ثم ظهر‬ ‫ذات احلقد على املجاهدين �أبطال اخللية بعد اعتقالهم، �سواء يف مدة التحقيق‬ ‫التي امتدت قرابة �أربعة �أ�شهر، �أو يف املحاكم ال�صورية، التي اقرتحت خاللها‬ ‫ُّ َ‬ ‫ّ‬ ‫�إحدى القا�ضيات ال�صهيونيات �أن يمُنع �أفراد اخللية من ر�ؤية ال�شم�س طوال‬ ‫حياتهم، بينما طالب القا�ضي الثالث ب�إعدامهم.‬ ‫والعمليات اال�ست�شهادية بالأحزمة النا�سفة تُعد باملئات، ومنها:‬ ‫ّ‬ ‫- عملية (اللمبي)، يف 91/9/2002م، وبطلها اال�ست�شهادي (�إياد رداد).‬ ‫- عملية (نتانيا)، يف 81/5/1002م، وبطلها اال�ست�شهادي (حممود مرم�ش).‬ ‫- عملية (حيفا)، يف 11/21/1002م، وبطلها اال�ست�شهادي (ماهر حبي�شة).‬ ‫- عملية (�سبارو)، يف 1002م، وبطلها اال�ست�شهادي (عز الدين امل�رصي).‬ ‫- عملية (مومنت)، يف 9/3/2002م، وبطلها اال�ست�شهادي (ف�ؤاد حوراين).‬ ‫- عملية (كفي هلل)، يف 9/9/3002م، وبطلها اال�ست�شهادي (رامز �أبو �سليم).‬ ‫- عملية (�رصفند)، يف 9/9/3002م، وبطلها اال�ست�شهادي (�إيهاب �أبو �سليم).‬
  • 145.
    ‫541‬ ‫ب ـ العبوات:‬ ‫عملية اجلامعة العربية‬ ‫الزمان: 13/7/2002م.‬ ‫املكان: اجلامعة العربية ـ القد�س.‬ ‫اخللية: حممد عرمان ـ خربثا/رام اهلل، وهو م�س�ؤول اخللية، (53 م�ؤ َّبد).‬ ‫حممد عودة ـ �سلوان/القد�س.‬ ‫وائل قا�سم ـ �سلوان/القد�س.‬ ‫ً‬ ‫النتيجة: �سبعة قتلى، و 59 جريحا منهم 11 حالة خطرة.‬ ‫َ ِ‬ ‫�أقدم االحتالل الإ�رسائيلي بتاريخ 32/7/2002م على جرمية ب�شعة بحق‬ ‫ّ‬ ‫�أهلنا يف مدينة غزة، حيث �أقدم على ق�صف (حي الدرج) ب�صواريخ حربية ثقيلة،‬ ‫ّ‬ ‫َّ َ‬ ‫زِ نَتها (1) طن؛ وذلك الغتيال القائد العام لكتائب الق�سام، ال�شيخ (�صالح‬ ‫ً‬ ‫�شحادة).. مما �أدى �إىل ا�ست�شهاده و�سبعة ع�رش مواطنا من الرجال والن�ساء‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫والأطفال وال�شبان، لت�شكل جمزرة ب�شعة ال �أخالقية كباقي جمازره، فكان قرار‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫الإخوة ب�رضورة الإعداد ل�رضبة ق�سامية نوعية، ت�أخذ بالث�أر، وال تراعي حرمة‬ ‫ُ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫املكان، كما مل يراع االحتالل حرمة املكان وحرمة البيوت الآمنة.‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫بد�أ الإعداد، ومل يكن لدى املجاهدين �أكرث من ب�ضعة كيلو غرامات من املواد‬ ‫املتفجرة، ف�أعدوها على �شكل حقيبة درا�سية، مطعمة (ب�ألف) �شظية معدنية،‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ ُ َّ‬ ‫ّ‬ ‫تتنا�سب يف �شكلها واملكان الذي �س ُتزرع فيه والدور والوظيفة التي �ست�ؤديها،‬ ‫ّ‬ ‫بحيث يتم ت�شغيل العبوة عرب الهاتف النقّال (البلفون)..‬ ‫ّ‬ ‫واختار الإخوة لث�أرهم موقعا جديداً، مل ي�سبق �أن ا�س ُتهدف يف عملية من‬ ‫ً‬ ‫قبل، وهو كفترييا اجلامعة العربية يف مدينة ( القد�س)، حيث يكرث الطلبة يف‬
  • 146.
    ‫641‬ ‫وقت الت�سجيل، ومع اقرتاب موعد بدء العام الدرا�سي اجلديد.‬ ‫ّ‬ ‫ُ ّ َ‬ ‫�أعد الأخ (عرمان) العبوة النا�سفة، وو�ضع اجلميع اخلطـة وناق�شوها، وتوجه‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الأخوان: (عودة) و(وائل) بالعبوة نحو حرم اجلامعة، وبتاريخ 82/7 ت�سلقا‬ ‫َ‬ ‫�سورها �إىل الداخل، وو�ضعا احلقيبة يف �صالة الكفترييا، ثم ان�سحبا بهدوء فلم‬ ‫يرهما �أحد. ومن خارج اجلامعة، قاما باالت�صال لتفجري العبوة، �إال �أن املفاج�أة‬ ‫َ‬ ‫كانت �أنها مل تنفجر! كررا املحاولة لكن دون جدوى.‬ ‫ّ‬ ‫عاد الأخ (عودة) �أدراجه و�أخذ العبوة من مكانها، وتوجها �إىل الأخ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫(عرمان)، الذي �أعاد فح�صها فتبيـن له �أنّ هناك خلال �أ�صابها يف تو�صيل‬ ‫ّ َ‬ ‫َ‬ ‫الأ�سالك، وذلك حينما قام الإخوة ب�إلقائها من �سور اجلامعة لإدخالها �إليها،‬ ‫بل �إن لطف اهلل ورحمته حالت دون تفجريها، ف�أعاد الأخ (عرمان) تو�صيل‬ ‫ً‬ ‫الأ�سالك، و�أ�صبحت العبوة جاهزة للتفجري من جديد.‬ ‫ً‬ ‫وبعد ثالثة �أيام، توجه الأخ (حممد عودة) �إىل اجلامعة ليال، و�أخفى العبوة يف‬ ‫ّ‬ ‫�أحد �أحوا�ض الورد، ثم عاد �إىل منزله، ويف �صبيحة اليوم التايل دخل اجلامعة من‬ ‫ً‬ ‫بابها، وتوجه �إىل العبوة، وزرعها يف املوقع املحدد، ثم ان�سحب خارجا، ومن‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫مكان بعيد �أجرى ات�صاله الذي فجر العبوة.‬ ‫ّ َ‬ ‫َّ‬ ‫ُ‬ ‫كان ذلك وقت الظهرية، والرواد كـثرُ، وكان االنفجار �شديداً هز املكان‬ ‫ُّ‬ ‫َ‬ ‫و�أحاله دماراً، وهز قلوب الأعداء ف�أ�سكنها رعبا، و�ألهب م�شاعر ال�شعب‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫الفل�سطيني ابتهاجا، و�شفى غليل من كان ينتظر من كتائب الق�سام رداً على‬ ‫ً‬ ‫جمزرة (حي الدرج)، و�أربك الأمن ال�صهيوين الذي �أثبت ه�شا�شته.‬ ‫ّ‬
  • 147.
    ‫741‬ ‫ومن عمليات العبوات املتفجرة الأخرى:‬ ‫عملية ال�ساحل، يف 32/6/0991م، وعملية بئر ال�سبع، يف‬ ‫01/5/2002م، وعملية املغري، يف 6/01/3002م، وعملية (تل �أبيب)، يف‬ ‫9/1/7991م.‬ ‫اقتحام املع�سكرات:‬ ‫اقتحام م�ستوطنة �أدورة.‬ ‫الزمان: 72/4/2002م.‬ ‫املكان: م�ستوطنة �أدورة ـ اخلليل.‬ ‫اخللية: منري مرعي ـ بيتا/نابل�س، وهو م�س�ؤول اخللية، (5 م�ؤبدات).‬ ‫طارق دوف�ش ـ اخلليل، (�شهيد).‬ ‫فادي دويك ـ اخلليل، (5 م�ؤبدات).‬ ‫ً‬ ‫النتيجة: 5 قتلى، و 81 جريحا.‬ ‫ً‬ ‫وهي عملية بطولية من �أكرث عمليات اقتحام امل�ستوطنات جناحا، فقد جمعت‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫بني النتائج اجليدة يف عدد القتلى واجلرحى، وبني النجاح يف االن�سحاب‬ ‫من موقع التنفيذ بعد �إجناز املهمة، رغم �أن مثل هذه العمليات تُعد عمليات‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫ا�ست�شهادية.‬ ‫بد�أ �إعداد اخللية قبل تنفيذ العملية مبدة طويلة، فقد قام ال�شهيد (�أحمد بدر)‬ ‫ّ‬ ‫بتنظيم ال�شهيد (طارق) يف �صفوف كتائب الق�سام، ثم قام (طارق) بتنظيم‬ ‫املجاهد (فادي). وقام (�أحمد) بعد ذلك بتدريبهما للقيام بعملية جهادية‬
  • 148.
    ‫841‬ ‫يف منطقة احلرمالإبراهيمي يف املدينة، ثم للقيام بعملية ا�ست�شهادية يف مدينة‬ ‫(ال�سبع).. �إال �أن عدداً من العوامل والظروف حالت دون �أي تنفيذ.‬ ‫وبينما كان الأخوان (طارق) و(فادي) يف انتظار حتقّق �أُمنيتهما، جاءهما‬ ‫َ‬ ‫الفرج من طرف جديد، وهو املجاهد (منري)، امل�س�ؤول عنهما يف جامعة‬ ‫َ‬ ‫البولتكنك، حيث عر�ض عليهما تنفيذ عملية جهادية يف �إحدى امل�ستوطنات‬ ‫َ‬ ‫القريبة من مدينة اخلليل، فلم يرتددا يف القبول. و�رشعا بالتدريب واال�ستعداد‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫حتت �إ�رشاف (منري)، حتى �أمت �إعدادهما يف مدة ال تتجاوز ثالثة �أيام.‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫وقبل العملية بيوم، ا�صطحبهما (منري) �إىل �سكنه، وهناك قام بت�صويرهما‬ ‫ًّ‬ ‫فوتوغرافيا وعلى �رشيط فيديو، وك�شف لهما عن ا�سم امل�ستوطنة الهدف، وكان‬ ‫ً‬ ‫قد ر�صده ب�شكل دقيق وطويل، ثم توجهوا جميعا �إىل حميط امل�ستوطنة، ودر�سوا‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫املوقع عن كثب، وتدار�سوا اخلطة املعدة للهجوم، واتفقوا على �آلية التنفيذ‬ ‫ّ‬ ‫ووقته.‬ ‫ّ‬ ‫ا�ستيقظ املجاهدون قبيل الفجر، �صلوا وت�رضعوا �إىل ربهم، طالبني التوفيق‬ ‫ّ‬ ‫وال�شهادة، وتوجهوا �إىل موقع اللقاء، وهناك َلبِ�س الأخوان (طارق) و(فادي) زِ ّيا‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ع�سكريا �صهيونيا حتى يظهرا كجنود االحتالل، وامت�شقا �سالحنيِ ر�شا�شني، مع‬ ‫ّ َ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫كمية كبرية من الذخرية، وودعا (منري) الذي عاد �أدراجه كما اقت�ضت اخلطة.‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ثم انطلقا �صوب امل�ستوطنة م�رسعني، ويف الطريق �صليا الفجر، ووا�صال‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫ال�سري حتى و�صال قرب �سور امل�ستوطنة ال�شّ ائك، وهناك كمنا قليال، ثم تعانقا‬ ‫َ‬ ‫عناق مودع، و َبدءا مرحلة العبور، فتجاوزا ال�سلك ال�شائك الأول، ثم الثاين‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫بعد قطعه مبق�ص كانا يحمالنه، وكمنا من جديد قرب البيوت ال�سكنية، وبعد‬ ‫ّ‬ ‫ٍّ‬
  • 149.
    ‫941‬ ‫قليل جاء �أحداجلنود، ودخل البيت الذي كانا يختبئان عنده، فتبعه (فادي)‬ ‫ٍ‬ ‫ودخل البيت خلفه، ف ّت�ش الطابق الأول فلم يجد فيه �إال ولداً نائما، فرتكه و�صعد‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫�إىل الطابق الثاين، وانتظر عند باب غرفة النوم، حتى ي�سمع �صوت �إطالق النار‬ ‫من (طارق) ح�سب االتفاق، وما �إن �سمع �صوت الر�صا�ص، حتى قام بك�سرْ‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫الباب؛ فوجد اجلندي مع زوجته، ف�أطلق عليهما النار وقتلهما، ثم توجه م�رسعا‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫�إىل الطابق الأول حيث ينام الولد، فقام بقتله، ثم خرج من البيت.‬ ‫يف تلك الأثناء كان ال�شهيد (طارق) قد توجه �إىل بيت قريب، وقرع اجلر�س،‬ ‫ٍ‬ ‫َّ‬ ‫ٌ‬ ‫ف�أطلق عليه رجل من الطابق العلوي النار، لك ّنه مل ي�صبه، ثم �أطلق (طارق) النار‬ ‫َ‬ ‫�صوب باب املنزل ليفتحه، �إال �أنه كان م�صفَّحا فلم يت�أ ّثر بالر�صا�ص، والتقى‬ ‫ً‬ ‫َّ ٌّ ّ‬ ‫الأخوان جمدداً، ثم تفرقا كل ملهمته: (طارق) يقتحم البيوت، و(فادي) ي�سري يف‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫ال�شارع الرئي�س، مي�شّ طان املنطقة و ُيطلقان النار على كل حي.‬ ‫تقدم الأخوان يف �سريهما حتى التقيا من جديد، وف َتحا ا�شتباكا مريراً مع‬ ‫ً‬ ‫َّ َ‬ ‫ح�شدٍ من امل�ستوطنني والع�سكر ّيني، و�أكثرَا من �إطالق الر�صا�ص حتى فقد‬ ‫َ‬ ‫(طارق) ال�سمع ب�إحدى ُ�أذنيه، و�أثناء ذلك �أطلت عليه �إحدى الن�ساء اليهود ّيات‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫من نافذة املنزل ظا ّنـة �أنه جندي �صهيوين، ف�أطلق عليها النار و�أ�صابها.‬ ‫ٌّ‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ُ َ‬ ‫وبعد �أن �شارفت ذخرية الأخوين على النفاد، قررا االن�سحاب، فخرجا من‬ ‫َ‬ ‫حيث دخال، بعد �أن مكثا يف امل�ستوطنة قرابة ال�ساعة، وبد�أت رحلة العودة،‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫لكن من طريق غري الذي �سلـكاه �صباحا، ولأنهما ال يعرفان الطريق اجلديد‬ ‫جيداً، �ضلاّ الطريق، فطال وقت االن�سحاب حتى ح�رضت �أثناء ذلك �أربع‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫طائرات مروحية �صهيونية، وبد�أت بتم�شيط املكان بحثا عنهما، فكمنا �أ�سفل‬ ‫ّ‬ ‫�إحدى �أ�شجار الزيتون، وبعد �أربع �ساعات من االنتظار �شاهدا عمليات �إنزال‬
  • 150.
    ‫051‬ ‫جلنود االحتالل، ف�أدركا�أنهما مك�شوفان، فهما باالن�سحاب من املوقع، وعندها‬ ‫َّ‬ ‫بد�أت مئات الر�صا�صات تنطلق نحوهما.‬ ‫ّ‬ ‫ّ َ‬ ‫وبعد كثري من امل�صاعب، متكن فادي من االن�سحاب والنجاة ب�أعجوبة، بينما‬ ‫�أراد اهلل (طارق) �شهيداً بعد �أن �أ�صابته عدة ر�صا�صات من جنود االحتالل.‬ ‫ّ‬ ‫ومن عمليات اقتحام امل�ستوطنات واملع�سكرات الأخرى:‬ ‫- عملية (عت�صمونة)، يف 7/3/2002م، وبطلها اال�ست�شهادي (حممد فرحات).‬ ‫- عملية (�ألون موريه)، يف 82/3/2002م، وبطلها اال�ست�شهادي (�أحمد عبد اجلواد).‬ ‫- عملية احلمرا، يف 13/1/2002م، وبطلها ال�شهيد (حممد اخلليلي).‬ ‫- عملية بقعوت، يف 31/5/2002م، وبطلها ال�شهيد (�أجمد القطب).‬
  • 151.
    ‫151‬ ‫عمليات الدوريات:‬ ‫عملية نهر الأردن.‬ ‫الزمان: 11/0991م.‬ ‫املكان: احلدود الأردنية الفل�سطينية.‬ ‫اخللية: خالد �أبو غليون ـ خميم حطني/الأردن، (م�ؤبد).‬ ‫�سامل �أبو غليون ـ خميم حطني/الأردن، (م�ؤبد).‬ ‫فايق كعابنة ـ خميم حطني/الأردن، (م�ؤبد).‬ ‫�أمني ال�صانع ـ عمان/الأردن، (م�ؤبد).‬ ‫ً‬ ‫�إبراهيم غامن ـ خميم البقعة/الأردن، (52عاما).‬ ‫النتيجة: مقتل �ضابط، وجرح �أربعة جنود.‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ٌ‬ ‫ال�شهادة، فكرة طاملا داعبت �أفكارهم وخميلتهم وا�ستقرت يف نفو�سهم،‬ ‫ف�شغلتهم حتى بد�ؤوا بالبحث عنها لينالوها، فكان االنطالق �إىل فل�سطني..‬ ‫مل ي�ستغرق االنطالق يف العملية البطولية نحو فل�سطني �أكرث من جل�سة‬ ‫ّ‬ ‫واحدة، تخللها طرح فكرة، �أعقبها �س�ؤال: هل �أنتم على ا�ستعداد؟ فجاءت‬ ‫الإجابة الواثقة من اجلميع: «نعم».. ثم انطلقوا على بركة اهلل الجتياز نهر‬ ‫الأردن، هدفهم مع�سكر �صهيوين، وو�سيلتهم �أ�سلحة نارية خفيفة، و�أ�سلوبهم‬ ‫عملية ا�ست�شهادية تهدف �إىل �إحراق املع�سكر وقتل �أكرب عدد ممكن من اجلنود‬ ‫ال�صهاينة.‬ ‫تكفّل (�إبراهيم) بتوفري ال�سالح، بينما انطلق باقي الإخوة نحو نقطة العبور‬ ‫التي حددوها لأنف�سهم، واتّفقوا على اللقاء على احلافة ال�رشقية للنهر. وهناك‬ ‫ّ‬
  • 152.
    ‫251‬ ‫تفاج�أ الإخوة �أن(�إبراهيم) ح�رض �إىل املوقع ولي�س معه �أي قطعة �سالح، ومل‬ ‫ّ‬ ‫يكونوا يحملون �إال امل�سد�سات ال�شخ�صية، فهل يعودون؟!‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫وهنا كان اجلواب منهم قاطعا، �أن ال عودة وال ت�أجيل، فقد ح�سبوا �أنف�سهم‬ ‫يف طريقهم �إىل لقاء اهلل، فكيف مبن ع�شق ال�شهادة وحان �أجلها ف�أ�صبحت‬ ‫�أمام ناظريه �أن َيعدل عنها ويختار الرجوع؟! ثم انطلقوا مب�سد�ساتهم و�إميانهم،‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫ً‬ ‫واخرتقوا الأ�سالك ال�شائكة و�صوال �إىل هدفهم.‬ ‫َ‬ ‫وهناك �أ�شعلوا مع عدوهم جبهة �أداروها مب�سد�سات ال حتوي �إال القليل من‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫الر�صا�ص، و�أدارها جنود االحتالل بكل ما ميلكون من �أ�سلحة خفيفة وثقيلة،‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫لكن املجاهدين ا�ستطاعوا �أن يقتلوا �ضابطا �صهيونيا، هو م�س�ؤول الوحدة‬ ‫ُ‬ ‫ال�صهيونية، وجرحوا غريه، وما لبثت �أن ح�رضت ال ّتعزيزات، فلم َيطل اال�شتباك‬ ‫ً‬ ‫طويال، �إذ نفدت ذخرية املجاهدين، وا�ست�شهد نايف، ووقع باقي الإخوة يف‬ ‫الأ�رس.‬ ‫ومن عمليات (الدوريّات) الأخرى:‬ ‫َّ‬ ‫- العملية التي قام بها الأ�سري املحرر �سلطان العجلوين ـ الأردن.‬ ‫َّ‬
  • 153.
    ‫351‬ ‫حرب الأنفاق:‬ ‫عملية ال�سهم الثاقب‬ ‫الزمان: 8/21/4002م.‬ ‫املكان: كارين ـ غزة.‬ ‫النتيجة: مقتل جندي، وجرح �أربعة �آخرين.‬ ‫عملية بطولية جريئة من عمليات (حرب الأنفاق)، تلك التي �ش ّنها �أبطال العز‬ ‫ّ‬ ‫ٌ‬ ‫ٌّ‬ ‫ٌ‬ ‫على عدوهم، ليحيلوا الأر�ض ناراً حتت �أقدامهم. وهي من العمليات التي امتازت‬ ‫ّ‬ ‫با�ستخدام �أنواع عدة من ال�سالح املقاوم؛ فقد ا�ستخدم املجاهدون فيها ال�سالح‬ ‫ّ‬ ‫الناري، و�سالح التفجري، كما ا�ستخدموا �أ�سلوب الهجوم واملباغتة، والعمل‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫اال�ستخباري، و�أ�سلوب الأنفاق، وفوق ذلك كله �سالح اال�ست�شهاد ّيني.‬ ‫بد�أ املجاهدون عملية حفر طويلة م�ضنية يف باطن الأر�ض، بد�أت من‬ ‫ٍ ُ ْ ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫الطرف الغزي لل�شّ يك الفا�صل بني القطاع والأرا�ضي الفل�سطينية املحتلة عام‬ ‫ّ‬ ‫(8491)، وم ّتجهة نحو مع�سكر ح�صنيٍ للجي�ش ال�صهيوين يقع داخل اخلط‬ ‫ٍ‬ ‫ً‬ ‫الأخ�رض، وحتيط به جدران وموانع، جتعل من ال�صعوبة مبكان الو�صول �إليه.‬ ‫من باطن الأر�ض، اجتاز املقاومون ال�شِّيك الأول، ثم اجتازوا الطريق الأمني‬ ‫الذي اتّخذه العدو حلماية حدوده امل�صطنعة، ثم اجتازوا ال�شِّيك املحيط باملع�سكر،‬ ‫ً‬ ‫وهكذا و�صل الأبطال نقطة داخل املوقع حددوها م�سبقا، وعند هذه النقطة قاموا‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫بزرع عبوة نا�سفة �ضخمة تزن مئات الكيلو غرامات يتم التحكم بها عن ُبعد.‬ ‫�أما اجلزء الأروع يف العملية، فهو �إدخال البعد اال�ستخباري، فقد ن�سقت‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫الكتائب عملية ا�ستخبارية معقّدة عرب عميل مزدوج، زرعه �أبطال الق�سام يف‬ ‫ً‬ ‫ً‬
  • 154.
    ‫451‬ ‫�صفوف العدو، هذااجلزء الهام من العملية �ساهم ب�صورة كبرية يف �إجناح املهمة‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫و�إرباك العدو وجعله يفقد �صوابه.‬ ‫كان دور العميل املزدوج هو �إي�صال املعلومة املغلوطة التي طلبت قيادة‬ ‫الكتائب منه �إي�صالها �إىل �أجهزة الأمن ال�صهيونية، واملعلومة تُفيد ب�أن مطارداً‬ ‫من قادة كتائب الق�سام �سيتواجد يف ذات النقطة التي زرعت فيها العبوة لتنفيذ‬ ‫ُ‬ ‫مهمة جهادية، فتوجهت قوات االحتالل �إىل املوقع على �شكل جمموعات راجلة‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫�سعيا منهم ال�صطياد املجاهد.‬ ‫و�صلت املجموعة الأوىل من جنود االحتالل على �شكل دور ّية راجلة‬ ‫يتقدمها كلب بولي�سي مدرب وما �إن و�صلت املجموعة �إىل النقطة املحددة‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫ٌّ‬ ‫ٌ‬ ‫ّ‬ ‫حتى قام ُ�أ�سد الق�سام بت�شغيل العبوة �أ�سفلهم، فقتلت قائد املجموعة وكلبهم‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫البولي�سي، وجرحت �أربعة جنود �آخرين بجروح �صعبة.‬ ‫ّ‬ ‫ومل يكتف املجاهدون بذلك، بل خرج من النفق مقاتالن من الق�سام نحو‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫القوة ال�صهيونية التي تتابعت للم�ساندة، وا�شتبكا معها، وتبادلوا �إطالقا كثيفا‬ ‫للر�صا�ص، �أُ�صيب �أثناءه عدد من اجلنود، وا�ستمر اال�شتباك مدة طويلة كان دوي‬ ‫ُّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ر�صا�صه وفرقعات قناب ِله تُ�سمع من بعيد، حتى حانت �ساعة ال�شهادة، واختار‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫اهلل الأ�سدين �إىل جواره.‬ ‫َ ِ‬ ‫ومن عمليات حرب الأنفاق الأخرى:‬ ‫- عملية بوابة �صالح الدين، يف 01/1002م، وعملية (غو�ش قطيف)،‬ ‫وعملية معرب رفح.‬
  • 155.
    ‫551‬ ‫حرب ال�صواريخ:‬ ‫�أ ـ ال�صواريخ امل�ضادة للدروع (البتّار):‬ ‫عملية حي الزيتون.‬ ‫الزمان: 11/5/4002م.‬ ‫املكان: حي الزيتون ـ مدينة غزة.‬ ‫النتيجة: مقتل �ستة جنود، بعد تدمري د ّبابتهم.‬ ‫بعد �أن توغلت د ّبابات وناقالت جند �صهيونية يف قطاع غزة، وو�صلت‬ ‫ً‬ ‫حي الزيتون الذي ُيعد معقال من معاقل حركة حما�س يف القطاع، وذلك‬ ‫ّ‬ ‫بهدف تدمري م�ستودعات وم�شاغل وخمارط حديد حتت ذريعة �أنها ور�ش ت�صنيع‬ ‫ُ‬ ‫ع�سكري لإنتاج �صواريخ الق�سام.‬ ‫ً‬ ‫نفّذت تلك القوة ال�صهيونية مهمتها، ثم عادت �أدراجها، �إال �أن وحدة‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫مقاتلة من كتائب الق�سام كانت لها باملر�صاد، �إذ �أعدت لها كمينا �صاروخيا‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫قُبيل الفجر، وا�ستهدفت هذه الوحدة الق�سامية �إحدى املدرعات ال�صهيونية‬ ‫ّ‬ ‫ب�صاروخ م�ضاد للدروع حملي ال�صنع من نوع (ب ّتار)، و�شاءت �إرادة اهلل �أن حتوي‬ ‫َ‬ ‫املركبة امل�ستهدفة بداخلها مواد �شديدة االنفجار، ا�ستجلبتها القوة ال�صهيونية‬ ‫َّ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫معها لتدمري ور�ش العمل، ف�أدى انفجار ال�صاروخ الق�سامي �إىل تفجري هذه‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫املواد، فا�ستحالت املدرعة �إىل عبوة هائلة انفجرت ب�شدة وتبعرثت �إىل �أ�شال ٍء‬ ‫َّ‬ ‫ممزقة توزعت يف م�ساحة تزيد عن ن�صف كيلو مرت مربع، وتناثرت معها �أ�شالء‬ ‫ٍ‬ ‫َّ ٍ ّ‬ ‫اجلنود ال�س ّتة الذين كانوا بداخلها..‬ ‫ّ‬ ‫وقد و�صف �أحد اجلنود ال�صهاينة الذين كانوا ي�ستقلون مركبة �أخرى ت�سري‬ ‫ً‬
  • 156.
    ‫651‬ ‫ً‬ ‫خلف الآلية امل�ستهدفة ذلك االنفجار فقال: «كنا ن�سري معا، و�إذا باملدرعة تختفي‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫فج�أة ومل يبق منها �شيئ، ف�صدمت ومل �أعلم ما الذي حدث!».‬ ‫ٌ‬ ‫ّ‬ ‫هذا وقد متكنت وحدة من (�رسايا القد�س) التابعة حلركة اجلهاد الإ�سالمي‬ ‫من احل�صول على �أ�شال ِء �أحد اجلنود، وحاولت املقاي�ضة عليها، �إال �أنها ا�ضطرت‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫�إىل ت�سليمها �إىل االحتالل بعد �أزمة �ضغوطات �شديدة مور�ست عليها من جميع‬ ‫ٍ ُ‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫الأطراف، مبا فيها ال�سلطة الفل�سطينية واحلكومة امل�رصية.‬ ‫جن جنون االحتالل �إثر العملية، و�أجرى العديد من ال ّتحليالت وال ّتقييمات‬ ‫ُ َّ‬ ‫والدرا�سات، خل�ص منها �إىل �إ�صدار قرار مبنع �أ ّيـة مركبة ع�سكرية من حمل‬ ‫ّ‬ ‫كمية من املتفجرات �إال بقرار من القائد الأعلى للجي�ش.‬ ‫ومن الأمثلة الأخرى ال�ستخدام ال�صواريخ امل�ضادة للدروع:‬ ‫- عملية رفح، يف 3/01/4002م، وعملية بيت حانون،‬ ‫يف 22/11/6002م، وعملية بيت حانون، يف 32/11/6002م.‬
  • 157.
    ‫751‬ ‫ب ـ �صواريخ الق�سام(1):‬ ‫هذه �إح�صائية نوردها لبع�ض تواريخ ونتائج �إطالق �صواريخ الق�سام من‬ ‫�أرا�ضي غزة نحو التجمعات ال�صهيونية:‬ ‫ّ‬ ‫النتائج‬ ‫املوقع امل�ستهدف‬ ‫التاريخ‬ ‫اثنان جرحى‬ ‫ا�سديروت‬ ‫5/3/2002م‬ ‫�إ�صابة خطرة‬ ‫ا�سديروت‬ ‫91/3/3002م‬ ‫اثنان قتلى‬ ‫ا�سديروت‬ ‫82/6/4002م‬ ‫ثالث �إ�صابات‬ ‫�شاعر هينجف‬ ‫92/6/4002م‬ ‫قتيلة واحدة‬ ‫غو�ش قطيف‬ ‫42/9/4002م‬ ‫قتيل واحد و 6جرحى‬ ‫موراغ‬ ‫82/01/4002م‬ ‫�ست �إ�صابات‬ ‫نفي دجاليم‬ ‫01/21/4002م‬ ‫ً‬ ‫جرح11 جنديا‬ ‫عت�صمونة‬ ‫61/21/4002م‬ ‫ً‬ ‫�إ�صابة 21 جنديا، منهم اثنان‬ ‫موقع ع�سكري‬ ‫5/1/5002م‬ ‫خطرة‬ ‫عدة �إ�صابات، �إحداها برت يد‬ ‫نت�سارمي‬ ‫51/1/5002م‬ ‫قتل جم ّندة‬ ‫ا�سديروت‬ ‫41/7/5002م‬ ‫قتيل، و�إ�صابات خطرة، وحرق‬ ‫ا�سديروت‬ ‫12/11/6002م‬ ‫م�صنع‬ ‫قتيلة، و�إ�صابات خطرة، وتفجري‬ ‫ا�سديروت‬ ‫12/5/7002م‬ ‫�سيارة‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫1 يقول املفكر الإ�سالمي (عبد الوهاب امل�سريي): «�إنّ الق�سام الّذي اختفى �شيخا عاد �صاروخاً؛ لي�ؤكدَ �أن‬ ‫املخل�صني لق�ضاياهم ال ينتهون».‬ ‫َ‬
  • 158.
    ‫851‬ ‫وال زالت ال�صواريخالق�سامية تنطلق من �أر�ض غزة نحو التجمعات‬ ‫ّ‬ ‫ال�صهيونية �إىل اليوم، بينما مل ينتقل هذا الأ�سلوب �إىل ال�ضفة الغربية، مع وجود‬ ‫العديد من املحاوالت يف هذا املجال، �إال �أنها انتهت �إما بالف�شل، �أو ا�ستطاع‬ ‫االحتالل اعتقال العاملني عليها و�إيقاف تطويرها.‬
  • 159.
    ‫951‬ ‫العمل اال�ستخباري:‬ ‫عملية قتل ال�ضابط (نوعام كوهن).‬ ‫الزمان: 31/4/4991م.‬ ‫املكان: بيتونيا/رام اهلل.‬ ‫اخللية: عبد املنعم �أبو حميد ـ خميم الأمعري/رام اهلل، (�شهيد).‬ ‫علي العامودي ـ غزة، (م�ؤبد).‬ ‫النتيجة: قتل �ضابط املخابرات و�إ�صابة حار�سيه.‬ ‫كان �شهيدنا (عبد املنعم) من املجاهدين الذين ال تلني لهم قناة، وال تهد�أ‬ ‫لهم حركة، فاعتقله االحتالل غري مرة، و�ساومه على وطنيته وانتمائه، و�ألح عليه‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫بالعمل معهم كعميل، مقابل الإفراج عنه، و�إعطائه امتيازات عديدة.‬ ‫ويف تلك الأثناء، قفزت �إىل ذهن َبط ِلنا فكرة (العميل املزدوج)، �أي �أن‬ ‫ِ‬ ‫يتظاهر بقبول العمل مع املخابرات ال�صهيونية، حتى �إذا �سنحت له الفر�صة،‬ ‫�رض َبها من الداخل.‬ ‫ومن هنا، كان قراره القبول، ف�أ�سعد ذلك رجال املخابرات، حيث ظ ّنوا‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫�أنهم وجدوا عينا لهم على املقاومة من داخلها، وبذا �سيجدون و�سيلة ل�رضبها.‬ ‫ً‬ ‫بد�أت املخابرات ب�إعداده مبا يلزمه للقيام باملهمة املوكلة �إليه، حتى �أ�صبح‬ ‫بنظرهم جاهزاً الخرتاق �صفوف كتائب الق�سام، واتفقوا معه على �آليات‬ ‫ّ‬ ‫التوا�صل واللقاء.. ثم �أطلقوا �رساحه بحجة عدم اعرتافه بال ُّتهم املن�سوبة �إليه.‬ ‫ّ‬ ‫وكان �أول ما قام به جماهدنا بعد الإفراج عنه، �أنه توجه �إىل �إخوانه يف احلركة،‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬
  • 160.
    ‫061‬ ‫و�أطلعهم على ماح�صل معه، وو�ضع نف�سه بني �أيديهم التخاذ القرار املنا�سب.‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ومل يكن �إخوانه �أقل مبادرةً، فقد وجدوها فر�صة �سانحة لالنتقام من االحتالل،‬ ‫وهنا بد أ� التخطيط، ومن ثم الإعداد والتنفيذ.‬ ‫لقد كانت فر�صة �سنحت للمجاهدين لالنتقام من �ضابط املخابرات امل�س�ؤول‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫عن الإ�سقاط واالت�صال مع اخلونة يف تلك املنطقة، فو�ضعت خطة ت�صفي ِته زمانا‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫ومكانا وكيفيةً.‬ ‫ّ‬ ‫كانت اخلطة تقوم على �أن يتفق (عبد املنعم) مع ال�ضابط (كوهن) على لقاء‬ ‫يف موعد حمدد، ويف ذات املوقع تكمن �أُ�سد الكتائب باالنتظار؛ لتنق�ض عليه‬ ‫َّ‬ ‫ْ‬ ‫هو ومن معه.‬ ‫كان املوعد يف 31/4، واملكان: �أحد �شوارع (بيتونيا) يف رام اهلل، والكيفية:‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫تقوم على �أ�سا�س �أنْ يح�رض ال�ضابط مع مرافقيه ب�سيارة مر�سيد�س عربية، ويجد‬ ‫(عبد املنعم) يف املوقع امل َّتفق عليه، ويلب�س لبا�سا مميزاً حتى يعرفوه من خالله،‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫في�صعد معهم يف ال�سيارة؛ لي�أخذوه �إىل موقع جمهولٍ للقاء.‬ ‫ٍ‬ ‫و�ضع (عبد املنعم) التفا�صيل بني يدي �إخوانه الذين توجهوا مبكراً �إىل املوقع،‬ ‫ّ‬ ‫واتخذوا و�ضعية اال�ستعداد... ويف املوعد املحدد وفق اخلطة امل َّتفق عليها، جاء‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫�ضابط املخابرات ومعه اثنان من مرافقيه، ظا ّنا �أن رجال خائنا ل�شعبه يبحث عن‬ ‫الفتات من عدوه ينتظره، لكنه فوجئ بر�صا�ص الق�سام يرتقّبه فيخرتق ج�سده‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ومن معه، فيرُديه قتيال، ويوقعهم جرحى، بينما ان�سحب املجاهدون ومعهم‬ ‫َ ّ‬ ‫(عبد املنعم) فرحني مهللني.‬
  • 161.
    ‫161‬ ‫ومن �أمثلة العمليات اال�ستخبارية الأخرى:‬ ‫عملية قتل ال�ضابط (نحماين)، يف 3/1/3991م، وعملية (ثقب القلب)،‬ ‫يف 81/1/0002م، وعملية (ال�سهم ال ّثاقب)، يف 8/21/4002م.‬ ‫تلك مناذج من بطوالت ق�سامية كثرية، و�سطور من �صفحات م�ضيئة،‬ ‫ٍ‬ ‫ٌ‬ ‫ٍ ّ ٍ‬ ‫ُ‬ ‫حاو ْلنا جمعها يف كتابنا (�صفحات من جهاد �أبناء الق�سام)، فلمن �أراد اال�ستزادة‬ ‫الرجوع �إليه؛ ففيه اخلري وال ّنفع �إن �شاء اهلل.‬ ‫***‬
  • 162.
  • 163.
    ‫361‬ ‫و�سائل حتقيق الأهداف‬
  • 164.
  • 165.
    ‫561‬ ‫و�سائل حتقيق الأهداف‬ ‫حتتاج الع�صابات يف م�سريتها نحو حتقيق �أهدافها �إىل و�سائل و�أدوات تُعينها‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫وت�سهل عليها مهمـ َتها ومتكنها من بلوغ مرادها، وتقويها يف مواجهة ال�صِّعاب،‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫وبها جتابه عدوها وو�سائله التي يعتمد عليها يف حربه.‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫�إنّ هذه الأدوات ت�شكل حلقة يف �سل�سلة احللقات التي تعمل على ك�رس‬ ‫ً‬ ‫الهوة ال�سحيقة بني قوة العدو املادية، وقوة (اجلاريال) والثورات ال�شعبية، وهي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫تقلل من كفاءة قوة العدو وفاعليتها يف �رضب احلركات الثورية.‬ ‫ّ‬ ‫ويف هذا الف�صل، نناق�ش �أبرز هذه الو�سائل والأدوات، وهي:‬ ‫�أوالً: التنظيم.‬ ‫ثانياً: الت�سليح.‬ ‫ثالثاً: اال�ستخبارات.‬ ‫رابعاً: الإعالم.‬ ‫خام�ساً: التخفّي والتّمويْـه.‬ ‫�ساد�ساً: و�سائل االت�صال الآمنة: ال�شيفرة، احلرب ال�رسّي، النّقاط امليتة.‬ ‫ِّ‬ ‫�سابعاً: الإميان.‬
  • 166.
    ‫661‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫�إنّ هذه الو�سائل ت�شكل الأ�سلحة احلقيقية واملتكاملة يف مواجهة العدو،‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫و�إن فقدان �أي منها ي�شكل نقطة �ضعف، ومدخال ميكن �أن ي�ؤدي �إىل �رضب‬ ‫ٍّ‬ ‫(اجلاريال)، وبالتايل �إف�شالها، وعدم بلوغها �أهدافها.‬ ‫�أوالً: التنظيم‬ ‫ال ميكن حلرب ع�صابات �أن حتقّق �أهدافها �أو تنت�رص يف حربها؛ �إال �إذا‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫خ�ضعت لتخطيط دقيقٍ وتنظيم رتيب وتقييم متوا�صل، وفوق ذلك كله قيادة‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫حكيمة قادرة على قراءة الواقع وتقدير و�إ�صدار القرار احلكيم الذي ينا�سبها.‬ ‫وبغري ذلك ت�صبح الثورة �أقرب �إىل الهبة ال�شعبية التي تنفجر، ثم �رسعان ما تخبو‬ ‫ّ‬ ‫وينطفئ �أوارها دون �أن تحُدث تغيرياً جوهريا على الأر�ض.‬ ‫ً‬ ‫فال يفهم ال�سامع �إذن �أن (حرب الع�صابات) هي �رضب من الع�شوائية‬ ‫ٌ‬ ‫والّالتنظيم، بل �إن جوهرها هو التنظيم، و�أ�سا�سها االن�ضباط والتناغم يف الأداء.‬ ‫نعم! �إنّ وجود تنظيمات عاملة على �ساحة املقاومة، تقوم بدورها يف �إدارة‬ ‫َ‬ ‫دفّة القيادة وتوجيه مركب الثورة لري�سو على بر الأمان، هو �ضمانُ النجاح.‬ ‫وما من ثورة معا�رصة من الثورات الناجحة التي �أ�سلفنا ذكرها، �إال و�أدارتْها‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ّ ٌ‬ ‫ّ‬ ‫حركات وتنظيمات ير�أ�سها مفكرون وثوار ورجال جتديدٍ ميلكون من ال�صفات‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫القياد ّية ما ي�ؤهلهم ليكونوا على ر�أ�س الهرم ويف موقع القيادة وال ّتوجيه. ولقد‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ُ ً‬ ‫ّ‬ ‫و�ضع ه�ؤالء املفكرون لثوراتهم خططا �شاملة تت�ضمن عدة مراحل، ال بد للثورة‬ ‫ّ‬ ‫�أن متر بها، وحددوا الأ�ساليب التي تتنا�سب وكل مرحلة، والو�سائل التي يلزم‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫ا�ستخدامها يف كل دور.‬
  • 167.
    ‫761‬ ‫كما واكب ه�ؤالءالقادة تطور الثورة وحروبها، و�شاركوا يف �صناعتها‬ ‫ّ‬ ‫وتطويرها، وطوروا ِفكرهم معها، وابتدعوا الفكر الذي ُي�سيها و َي�سري بها.‬ ‫رِّ‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫�أ�شكال التنظيم:‬ ‫�إذاً فقد علمنا �أنّ حتديد الأهداف، التكتيكية واال�سرتاتيجية، ومعرفة‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫الأ�ساليب التي حتقّقها، وو�ضع اخلطط ومتابعة تنفيذها؛ يحتاج �إىل تنظيم دقيق،‬ ‫تقوده نخبة متميزة، ت�سري به �إىل النجاح..‬ ‫هذا التنظيم الذي يحوي عدداً كبرياً من الأفراد املقاتلني، واملجموعات‬ ‫الثائرة، والعنا�رص الداعمة، والت�شكيالت العامة، وقدراً كبرياً من ال ّتبعات‬ ‫وامل�س�ؤوليات؛ ال بد له من �أن يخ�ضع لأحد �أ�شكال التنظيم الرئي�سية، هذه‬ ‫ّ‬ ‫ٌّ‬ ‫الأ�شكال التي ي�صلح كل منها حلالة خا�صة من العمل دون غريها، فطبيعة‬ ‫الأر�ض، والعمل املحيط، والعنا�رص، واملهمات، والعدو... كلها عوامل تفر�ض‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫�شكال حمدداً وتقدمه على غريه، وتُرجح �أ�سلوبا وترف�ض �آخر.‬ ‫�أما هذه الأ�شكال التنظيمية فهي:‬ ‫�أوالً: التنظيم الهرمي:‬ ‫َ‬ ‫ن�سبة �إىل �شكل الهرم الذي مي ّثل ر�أ�سه املد َّبب ر�أ�س التنظيم وقيادتَه، وقاعدتُه‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫العري�ضة هي قاعدة التنظيم وعنا�رصه، وتت�صل فيه القيادة بالقاعدة كما هو‬ ‫الهرم، فالقيادة ت ّت�صل بامل�ستوى الذي دونها ب�صورة مبا�رشة، ويت�صل امل�ستوى‬ ‫الثاين بقاعدة �أو�سع، والتي تت�صل بدورها بامل�ستوى الذي يليها، وهكذا يكون‬
  • 168.
    ‫861‬ ‫االت�صال من ر�أ�س الهرم وحتى �أدنى القواعد.. (انظر الر�سم 1).‬ ‫ميتاز هذا الأ�سلوب من التنظيم ب�سهولة االت�صال و�رسعته بني حلقات التنظيم،‬ ‫ّ‬ ‫وعدم وجود (بريوقراطية) مملة ب�سبب االنفتاح يف العالقة واالت�صال، وعدم‬ ‫وجود خطوط مقطوعة �أو غري معلومة. �إال �أن ال�سلبية الأبرز فيه، تكمن يف‬ ‫ّ‬ ‫�سهولة اكت�شاف جميع حلقات التنظيم، و�إمكانية توجيه �رضبة قا�سية �إىل جميع‬ ‫حلقاته من ر�أ�س الهرم �إىل قاعدته، فبحدوث خط�أ �أمني �أو اخرتاق داخلي، �أو‬ ‫عرب التحقيق االعتقايل؛ ف�إن االنهيار ال يتوقف �إال ب�صمود �أو ا�ست�شهاد م�ستوى‬ ‫من حلقات الو�صل التي تقطع الطريق �أمام املخابرات املعادية، ومتنعها من‬ ‫اال�ستمرار يف فرط عقد التنظيم وك�شف م�ؤ�س�ساته وعنا�رصه.. وعليه، ف�إن هذا‬ ‫الأ�سلوب ال ي�صلح �إال للأعمال ال�سيا�سية �أو ال ّنقابية �أو االجتماعية �أو املهنية‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الهادئة، وغري املعر�ضة للمالحقة ال�شديدة.. بينما ال ي�صلح للعمل الع�سكري‬ ‫ّ‬ ‫والأمني واخلاليا الثائرة املنت�رشة يف ميدان املعركة.‬ ‫ر�سم (1)‬ ‫القيادة‬ ‫امل�ستوى الثاين‬ ‫امل�ستوى الثالث‬ ‫امل�ستوى الرابع‬
  • 169.
    ‫961‬ ‫ثانياً: التنظيم الر�أ�سي:‬ ‫هو تنظيم �شبيه بالتنظيم الهرمي، �إال �أنه ميتاز بعدم تو�سيع قاعدة االت�صال،‬ ‫َ‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫ّ‬ ‫فيكون التوا�صل على حلقاته عن طريق �شخ�ص واحد ي�شكل حلقة الو�صل‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫بني م�ستوى و�آخر، في�ضمن عدم اطالع �أكرث من �شخ�ص على هذا امل�ستوى،‬ ‫وي�ضمن عدم اطالع امل�ستوى �إال على �شخ�ص واحد. و�إذا مت ا�ستخدام االت�صال‬ ‫ّ‬ ‫بني احللقات عرب و�سيلة �آمنة (غري مبا�رشة) كالنقاط امليتة �أو ن�صف امليتة؛ ف�إنه يزيد‬ ‫من �أمنه و�سالمته. (انظر الر�سم 2).‬ ‫ً‬ ‫وميكن اعتماد هذا الأ�سلوب يف العمل الع�سكري والأمني عموما، فهو �أكرث‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫�أمنا من �سابقه، لأن �صمود �شخ�ص واحد ميكن �أن يكون كفيال بوقف ال ّنزيف‬ ‫و�إبطال م�سل�سل االنهيار وك�شف العاملني، كما �أن ا�ستخدام و�سائل االت�صال‬ ‫ً‬ ‫َّ‬ ‫الآمنة فيه ي�ضمن قطع اخلطوط، �إال �أن علته الأبرز هي كونه �أكرث بطئا وحاجة‬ ‫ً‬ ‫للوقت واجلهد.‬ ‫ر�سم (2)‬ ‫القيادة‬ ‫ ‬ ‫امل�ستوى الثاين‬ ‫امل�ستوى الثالث‬
  • 170.
    ‫071‬ ‫ثالثاً: التنظيم العنقودي:‬ ‫�شبيه بعنقود العنب يف �شكله، ولذا ُين�سب �إليه، فهو يتم ّثل يف قيادة مركزية،‬ ‫ٍ‬ ‫ٌ‬ ‫ٌّ‬ ‫ت ّت�صل بها جمموعة من القيادات الفرعية، وكل منها تقود خاليا فرعية منفردة،‬ ‫ٌ‬ ‫ّ‬ ‫والعالقة بينها تكون مرتبطة بقيادة اخلاليا فقط، بحيث ت�شكل يف جمموعها‬ ‫حبات عنقود العنب.. (انظر الر�سم3).‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ُّ ّ ٍ‬ ‫�إذن فكل حبـة مت ّثل خلية منفردة، وهذه اخللية لي�س لها �أي ارتباط مع اخلاليا‬ ‫ٍّ‬ ‫الأخرى العاملة، ولي�س لديها �أي معلومة تف�صيلية عنها، وقائد كل منها ال يعرف‬ ‫ّ‬ ‫املجموعة الأخرى، ولي�س له ارتباط �إال مع قائده الأعلى، وكذلك القادة ال‬ ‫يعرفون �إال مر�ؤو�سيهم (قادة اخلاليا)، دون �أن يعرفوا التفا�صيل الأخرى، فهي‬ ‫ً‬ ‫�أكرث الأ�ساليب �أمنا، و�أف�ضلها �أداء يف العمل الأمني والع�سكري.‬ ‫ً‬ ‫ر�سم (3)‬
  • 171.
    ‫171‬ ‫رابعاً: التنظيم الع�شوائي:‬ ‫ٌ‬ ‫(العمل االرجتايل)؛ هو عمل قائم على املبادرات الفردية واجلهود الذاتية‬ ‫النابعة من قناعة الفرد بدوره الذي يتوجب عليه القيام به، وانتمائه جتاه دينه‬ ‫ّ‬ ‫ووطنه و�أمته، فيبادر �إىل االت�صال بعدد من �أقرانه، و ُين�شئ معهم جمموعة مقاتلة‬ ‫�أو �أكرث، ال يوجد بينها وبني غريها من اخلاليا �أو التنظيمات روابط ر�سمية �أو‬ ‫خطوط ات�صال تنظيمية.‬ ‫ّ‬ ‫و ُيعد هذا النوع من العمل معتمداً بكرثة يف جتربتنا الفل�سطينية، خ�صو�صا‬ ‫ً‬ ‫ُّ‬ ‫مع اخلاليا املجاهدة التي ال جتد لنف�سها خطوط ات�صال، �أو التي متلك �أفراداً‬ ‫تواقني للجهاد، وهم غري منت�سبِني �إىل جهاز ع�سكري، فيبادرون بجهودهم‬ ‫ّ‬ ‫الفردية لإن�شاء اخللية و�إعدادها وحت�صيل ال�سالح والعتاد، ف�إذا �سنحت الفر�صة‬ ‫لهم لإيجاد روابط ب�إحدى الأجنحة الع�سكرية املقاتلة، ف�إنها تعقد هذا االت�صال،‬ ‫فتدخل �ضمن هيكليته التنظيمية.‬ ‫ولقد �أثمر هذا ال�شكل من العمل يف فل�سطني عن نتائج طيبة، فقد عملت‬ ‫ً ِْ‬ ‫هذه اخلاليا مطمئنة لعلمها �أنها متلك مفاتيحها بيدها، وال ميكن جلهة �أن تكون‬ ‫ً‬ ‫�سببا ل ُت�ؤتى من خلفها، و�إن �أي اعتقاالت �أو حمالت قد تطال تنظيمات ثائرة‬ ‫لن ت�صل يف النهاية �إىل ك�شف �أمر اخللية، فال ارتباط بينهما ي�ؤدي �إىل ك�شفها،‬ ‫ً‬ ‫وال ميلك �أحد علما ب�أمر هذه اخللية وما ا�ستطاعت �إجنازه من مهمات.‬ ‫ٌ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫�إال �أن هذا اللون من العمل ال ي�شكل تنظيما متكامال، وال ي�صلح لإدارة‬ ‫�ش�أن عام �أو حتريك ثورة مكتملة، �أو �أن يوجه (جاريال) ثائرة وي�صل بها �إىل‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫الن�رص، كما �أن خالياه عادة ما تعاين من ال�ضعف املادي، �سواء بقلة ال�سالح، �أو‬ ‫ّ‬
  • 172.
    ‫271‬ ‫ًّ‬ ‫بعدم القدرة على تغطية احتياجات العمل ماليا، ملا للعمل الع�سكري من تكلفة‬ ‫وتبعات قد تثقل كاهل الأفراد بينما حتتمله التنظيمات.‬ ‫ً‬ ‫خام�سا: التنظيم اخليطي (ال�سل�سلة):‬ ‫ِّ‬ ‫ً‬ ‫يكون االت�صال فيه من القيادة للقاعدة وبالعك�س ويف جميع املراحل فرديا،‬ ‫وبذا؛ ال يتعرف العن�رص �إال على عن�رص �أعلى منه، و�آخر �أدنى منه، وفقط. (انظر‬ ‫ّ‬ ‫الر�سم5).‬ ‫(4)‬ ‫(3)‬ ‫(2)‬ ‫القيادة (1)‬ ‫ٌ‬ ‫فال يكون هناك ات�صال �إذن بني (2) و(4)، وبني (1) و(4)، وبني (1)‬ ‫و(3).‬ ‫ّ ً‬ ‫وميكن �أن يكون ال ّتوا�صل بني احللقات �أمنيـا (نقطة ميتة)، وبالتايل ال يتعرف‬ ‫ّ‬ ‫ٍّ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫�أحد على �أحدٍ بتاتا، وال يكون معه خلية يعرفها. ف�إذا كان اعتقال �أي من عنا�رص‬ ‫ٌ‬ ‫ِّ‬ ‫ً‬ ‫ال�سل�سلة ف�إنه يكون �أكرث �أمنا من �أي �شكل من الأ�شكال ال�سابقة، و�أبعد من‬ ‫ّ‬ ‫االعرتاف، منه �أو عليه. �إال �أنه يبقى النموذج الأبط�أ، والأقل �رسعة يف الإجناز،‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫والأ�ضعف قدرة على تفعيل املجموعات، لأنه للأفراد.‬ ‫َ‬ ‫وي�صلح هذا ال�شكل لبع�ض املهمات الع�سكرية واجلهادية جلودته الأمنية، �إال‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫�أنه ال ي�صلح بتاتا للعمل اجلماهريي، لل�سبب الذي ذكرناه.‬ ‫ويف جمموع �أ�ساليب العمل التّنظيمي، نلحظ �أن الأمن يتنا�سب عك�سيا مع‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫معرفة قادة و�أفراد اخلاليا بع�ضهم بع�ضا.. فكلما ك�شفت اخلاليا على بع�ضها،‬
  • 173.
    ‫371‬ ‫وكلما تعرف العاملونعلى بع�ضهم، وكلما زاد عدد وحجم اخلطوط املو�صولة؛‬ ‫ّ‬ ‫ّ ْ‬ ‫قلت ن�سبة الأمان، وزادت املخاطر و�إمكانية ال�سقوط واحتمالية ك�شف اخليوط‬ ‫واخلطوط..‬ ‫وكلما ا�س ُتخدم مبد أ� قطع اخليوط عرب النقاط امليتة، وقلة املتعارفني، وكلما‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ا�س ُتخدمت الأ�ساليب الأقل ات�صاال واحتكاكا؛ زادت ن�سبة الأمان، وقلت‬ ‫احتمالية الوقوع واالنهيار.‬ ‫لذا، ف�إن الأ�سلوب العنقودي يف ت�شكيل ج�سم التنظيم الع�سكري، وقطع‬ ‫خيوط التوا�صل وخطوط العمل عرب و�سائل الأمان، هو ال�ضمان الأف�ضل‬ ‫ال�ستمرار اخلاليا العاملة يف مهامها ع�صية على الك�شف وال�سقوط. ولقد �شهد‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫العدو ال�صهيوين بنف�سه؛ �أنّ الطريقة التي عملت من خاللها اخلاليا الق�سامية‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫املجاهدة املنت�رشة يف ال�ساحة الفل�سطينية �شكلت حائال دون �سقوطها ال�رسيع‬ ‫وانهيارها ال�سهل.‬ ‫وعلى الرغم من ذلك، ف�إن ق�صوراً ال يزال يعرتي العمل الفل�سطيني املقاوم‬ ‫يف ت�شكيل هياكل تنظيمية �آمنة، و�إن ال�سقوط املتوا�صل وال�رسيع لعدد من‬ ‫ّ‬ ‫خاليا املجاهدين دليل على ذلك. فانعدام اخلربة، و�ضعف الكفاءة يف �إعداد‬ ‫الت�شكيالت التنظيمية، واال�ستهتار الذي وقع به العديد من العاملني، وعدم‬ ‫ّ َ‬ ‫ُّ‬ ‫ا�ستخدام الأ�ساليب الآمنة يف التوا�صل، كل ذلك �شكل بجملته ثغرات كانت‬ ‫ٍ‬ ‫ت�سهم يف ت�صدع وانهيار �أركان العمل الع�سكري... ويف درا�ستنا (�أمن املطارد/‬ ‫ّ‬ ‫ٌ‬ ‫باب �أمن املجموعات) تف�صيل مفيد، نن�صح بالرجوع �إليه.‬
  • 174.
    ‫471‬ ‫ثانياً: التّ�سليح‬ ‫ال بد للمقاتل من �سالح ي�ستخدمه يف حربه �ضد عدوه، هذا ال�سالح يتنا�سب‬ ‫ّ‬ ‫وطبيعة احلرب التي يخو�ضها رجل الع�صابات. ومن املعروف بداهة �أن هناك‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫فرقا كبرياً بني �سالح املقاتل الثائر، وبني �سالح الدولة املحتلة التي تقاتله؛ ففي‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ًّ‬ ‫ً‬ ‫حني ميتلك االحتالل جي�شا نظاميا و�أ�سلحة ثقيلة من الطريان والآليات الثقيلة‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫والقطع احلربية �أو البحرية والعتاد القتايل الهائل، ف�إن الثائر ال ميلك �إال �سالحا‬ ‫خفيفا ي�ستطيع القتال به منفرداً، هذا ال�سالح اخلفيف ي�ساعده يف اتّباع قواعد‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫حرب الع�صابات من كـر وفـر ومباغتة وكمائن.. ولو ملك رجل الع�صابات‬ ‫ٍ‬ ‫ٍّ ٍّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫�سالحا ثقيال ملا ا�ستطاع �إخفاءه �أو االن�سحاب به، وعندها �سيتعر�ض للتدمري‬ ‫ّ‬ ‫والفناء، �إال �إن كانت (اجلاريال) يف دولة �صديقة.‬ ‫كما �أن �إمكانات (اجلاريال) الب�سيطة، وال ّت�ضييق الذي يفر�ضه عليها املحتل،‬ ‫وغريها من الأ�سباب؛ ال ت�ساعد يف امتالك ال�سالح الثقيل بكافّة �أ�شكاله، ولو‬ ‫ً‬ ‫ا�ستطاعت توفريه �ستبقى النقطة الأوىل حائال دون قدرة الثوار على ا�ستخدامه..‬ ‫ومع التقدم يف ت�صنيع ال�سالح، �أ�صبح ب�إمكان الثائر �أن يح�صل على �سالح‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫فردي لكنه ذو فاعلية وكفاءة، وميكنه من مواجهة ال�سالح الثقيل، كما فعل‬ ‫املجاهدون يف �أفغان�ستان بح�صولهم على �صواريخ (�ستبحح) الأمريكية‬ ‫ً‬ ‫املحمولة على الكتف، والتي ت�ستطيع �إ�سقاط الطائرات، فكانت �سهما �أ�صاب‬ ‫الرو�س يف مقتل، و�آمل طريانهم املتفوق.‬ ‫ّ‬ ‫ولقد ا�ستخدمت املقاومة الفل�سطينية عرب م�سريتها ما ا�ستطاعت توفريه من‬ ‫�سالح، وهو �ضمن الأ�شكال التالية:‬
  • 175.
    ‫571‬ ‫�أوالً: ال�سالح الأبي�ض:‬ ‫ِّ ّ‬ ‫ّ‬ ‫هو �أب�سط �أنواع ال�سالح املادي الذي ميكن ملقاومة �أن تت�سلح به: ال�سـكني،‬ ‫ٍ‬ ‫ذلك ال�سالح الذي ي�ستخدمه من ال ميلك غريه، ف�إذا تعر�ض للقهر واال�ضطهاد،‬ ‫ّ‬ ‫�أو ر�أى �شعبه ُيقتل و ُيذبح و ُي�رشد، ور�أى عدوه يعيث يف الأر�ض ف�ساداً وال يجد‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫من يرده، تتحرك يف املجاهد نوازع الوطنية واحلمية والث�أر ورف�ض الظلم، ثم‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ال يجد �أمامه �سالحا يحقق ث�أره، فيعمد �إىل �سالح ال�سكني، ل�سهولة احل�صول‬ ‫عليه، فيجعل منها �أداة ث�أره، وو�سيلته التي يعبرّ بها عما ي�ضطـرم يف �صدره.‬ ‫ْ ّ‬ ‫ولقد ا�س ُتخدم ال�سالح الأبي�ض يف بع�ض �أ�شكال املقاومة اخلا�صة التي ال‬ ‫ي�صلح لها �إال ال�سالح الأبي�ض، وال ي�صلح غريه، مثل بع�ض عمليات االغتيال؛‬ ‫كقتل �ضابط املخابرات (نحماين)، وكقتل بع�ض اجلنود املختطفني، كرجل‬ ‫املخابرات (�سا�سون)... و�سبب ا�ستخدامه هو عدم �إ�صدار �صوت كما يفعل‬ ‫ال�سالح الناري، وبالتايل ال ُيلفت النظر، وال يك�شف املنفّذين.‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫ويقع �ضمن �إطار ال�سالح الأبي�ض، �إ�ضافة �إىل ال�سكني، ما ي�شابه عمله: كالف�أ�س‬ ‫ً‬ ‫وال�سيف واحلجارة والزجاجات الفارغة وكل ما هو دون ال�سالح الناري.‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ ّ‬ ‫ّ ِ‬ ‫ثانياً: ال�سالح النّاري:‬ ‫�سالح خفيف عموما، �شخ�صي غالبا، بدءاً بامل�سد�سات، مروراً بالبنادق‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ٌّ‬ ‫ً‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫البدائية والأوتوماتيكية، و�صوال �إىل املدافع الر�شا�شة.‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫وال�سالح الناري هو �أكرث الأ�سلحة ا�ستخداما يف حروب الع�صابات على‬
  • 176.
    ‫671‬ ‫اختالف مدار�سها، وقدكان ا�ستخدامه يف فل�سطني يف �أول �أ�شكال املقاومة‬ ‫امل�سلحة، فقد ا�ستخدمه ال ّثوار يف �أ�سلوب الكمائن املفاجئة التي كانوا ي�رضبون بها‬ ‫مركبات العدو و�آلياته وقوافل �إمداده وخطوط متوينه وات�صاله، كما ا�ستخدموه‬ ‫ً‬ ‫يف اال�شتباكات املبا�رشة وغري املبا�رشة، ف�أثبت يف ذلك جناعة وجناحا.‬ ‫ّ‬ ‫كما ا�ستخدمه املقاومون يف احلرا�سات ال�شخ�صية وحماية الذات والقيادات،‬ ‫ِ‬ ‫فما من مطاردٍ �إال ويلزمه �سالح ناري يحمله دفاعا عن نف�سه، ورداً لعدوه، ودفعا‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ٌّ‬ ‫ٌ‬ ‫للمخاطر عنه، فبدونه يكون عاجزاً ال ميلك رد فعل، وال يجد �إال الت�سليم.‬ ‫ّ‬ ‫ولقد بد�أ املجاهدون يف فل�سطني مقاومتهم ب�أعداد حمدودة جداً من ال�سالح‬ ‫ال ّناري، وبفقدانٍ �شبه كامل لأنواع ال�سالح الأخرى، وقد ذكرنا ما عر�ضه‬ ‫َ‬ ‫ال�شيخ ال�شهيد (�أحمد يا�سني) يف هذا الباب، حني قال �أنّ قطعة ال�سالح الواحدة‬ ‫كانت تعمل بها جمموعات الق�سام يف غزة، ثم تنتقل �إىل جمموعات ال�ضفة...‬ ‫وهكذا!‬ ‫�أما هذا ال�شح يف ال�سالح؛ فهو عائد �إىل احل�صار ال�شديد الذي فر�ضه االحتالل‬ ‫ٌ‬ ‫ّ‬ ‫على احلدود الفل�سطينية من جهاتها الأربع، بحيث ي�صعب تهريب �أي قطعة من‬ ‫ال�سالح والذخرية، والت�ضييق ال�شديد داخل فل�سطني باملالحقة واملتابعة بق�سوة‬ ‫ّ‬ ‫لكل من يفكر باقتناء ال�سالح �أو املتاجرة به، ولذا ف�إنه يف اللحظة التي ا�ستطاعت‬ ‫املقاومة فيها حفر �أنفاق �رسية بني قطاع غزة والأرا�ضي امل�رصية، �أ�صبح ال�سالح‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫يتدفّق بكرثة، حتى �أ�صبح لكل جماهد قطعة �سالح، بل �أ�صبح احلديث دائراً‬ ‫حول مفهوم (فو�ضى ال�سالح) لكرثته و�سعة انت�شاره دون �ضوابط.‬ ‫كذلك ف�إن من الأ�سباب التي زادت من توفّر ال�سالح وانت�شاره؛ دخول‬
  • 177.
    ‫771‬ ‫ال�سلطة الفل�سطينية ب�أجهزتهاالأمنية و�أ�سلحتها النارية �إىل عدد املناطق‬ ‫الفل�سطينية.‬ ‫�أما عن كيفية احل�صول على ال�سالح وا�ستخدامه واحلفاظ عليه، ففي باب‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫(�أمن ال�سالح) من درا�ستنا (�أمن املطارد) تف�صيل وب�سط ميكن الرجوع �إليه.‬ ‫ثالثاً: ال�سالح املتفجر:‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫وهو �أحد �أ�سلحة اجلاريال الأ�شد فتكا.. ا�ستخدم ْته الثورة الفل�سطينية قدميا،‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫ثم خبا جنمه زمنا، ليعود من جديد مع مطلع ال ّت�سعينات وبقوة مت�صاعدة و�أ�شكال‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫متنوعة، خ�صو�صا مع انطالق العمليات ال ّتفجري ّية اال�ست�شهاد ّية التي �صبغت بها‬ ‫ُ‬ ‫املقاومة الفل�سطينية.‬ ‫و ُيالحظ �أنّ ل�سالح التفجري �صوراً عديدة ا�ستخدمتها املقاومة ب�شكل‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫مت�صاعد �أحيانا، ومتزامن �أحيانا �أخرى، �أولها العبوات التي تُزرع يف طريق‬ ‫ّ‬ ‫�أهداف العدو املتحركة، وثانيها القنابل اليدو ّية التي تُرمى على التجمعات‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وال ّنقاط الثابتة والأهداف املتحركة، وثالثها و�أرقاها و�أبلغها: العمليات‬ ‫ّ‬ ‫اال�ست�شهادية ب�أ�شكالها؛ �سواء بالأحزمة �أو احلقائب �أو ال�سيارات املفخخة...‬ ‫ّ‬ ‫وما مييز هذا ال�سالح، �أنه ذو ت�أثري كبري يفوق مثيله من الأ�سلحة ال ّنارية �أو‬ ‫ّ‬ ‫البدائية، حيث �أنّ �أذاه �أكرب، وال�رضر املرتتّب عليه �أبلغ، بالإ�ضافة �إىل التدمري‬ ‫الذي ي�صاحبه، واخل�سائر املادية اجل�سيمة التي ُيحدثها، والإ�صابات الأكرب،‬ ‫ّ‬ ‫والأكرث عدداً يف الأرواح، كما �أنه يرتك �أثراً نف�سيا بالغا يف املحيط، قد يفوق‬ ‫ً ً‬ ‫ً‬ ‫ًّ‬ ‫َ ً‬ ‫يف عمقه الإ�صابات املبا�رشة، كما يحدث دو ّيا �إعالميا �صارخا يف املجتمع..‬
  • 178.
    ‫871‬ ‫و�أكرثها �أثراً هيالعمليات التي حيرّت العدو ال�صهيوين، فوقف �أمامها �صامتا،‬ ‫ً‬ ‫ومل يجد عليها �إجابة.‬ ‫لقد اعتمدت املقاومة الفل�سطينية يف عمليات التفجري على مبد�أ ال ّت�صنيع‬ ‫ّ‬ ‫الذاتي والتطوير الدائم، وا�ستخدام �أب�سط املواد الأولية للو�صول �إىل املركبات‬ ‫ّ‬ ‫املتفجرة، فبعد �أن ا�س َتخدمت مادة (‪ )TNT‬اجلاهزة التي ا�ستخرجتها من‬ ‫ّ‬ ‫الألغام الأر�ضية وقذائف الهاون، ومادة كحل البارود امل�ستخرجة من الر�صا�ص،‬ ‫ومادة الكربيت امل�أخوذة من كربيت البيوت، انطلقت لت�صنيع املواد املتفجرة من‬ ‫الأ�سمدة ومواد التنظيف واملواد الأولية، حتى و�صلت �إىل عدة مواد متفجرة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫كانت �أداتها يف �رضب عدوها، مما دفع االحتالل �إىل منع هذه املواد، وفر�ض‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ح�صاراً عليها وطلب متابعة م�شرتيها، الأمر الذي دفع املقاومة �إىل �إدامة البحث‬ ‫ً‬ ‫عن مواد جديدة �أكرث �شيوعا ُينتجون منها متفجراتهم.‬ ‫ّ‬ ‫وقد �أدخلت املقاومة التطور التكنولوجي يف خدمة �سالح التفجري، يف حماولة‬ ‫ٍ‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫جلعله �أعمق �أثراً، و�أقل تكلفة ب�رشيةً، و�أقل خطراً على املنفّذ، فانتقل التفجري‬ ‫ً‬ ‫من ا�ستخدام ال�سلك املو�صول بالعبوة، واملنتهي �إىل بطارية مي�سكها املجاهد‬ ‫لت�شغيلها، م�ضطراً �إىل البقاء قريبا منها، انتقل �إىل ا�ستخدام �أجهزة التحكم عن‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ُبعد، والرميوت الذي ال يحتاج �إىل �سلك �أو بطارية، والهاتف النقّال الذي ميكن‬ ‫املجاهد من تفجري العبوة من �أي موقع كان.‬ ‫ٍ‬ ‫ِّ‬ ‫وهكذا �أ�صبح �سالح التفجري يف مقدمة الأ�سلحة امل�ستخدمة يف املقاومة‬ ‫الفل�سطينية �ضد عدوها، �سواء يف الدفاع عن املدن يف عمليات االجتياح‬ ‫ّ‬ ‫املتكررة التي ميار�سها اجلي�ش ال�صهيوين، �أو ن�صب الكمائن لقواته و�آلياته، �أو‬ ‫ْ‬ ‫ّ‬ ‫ملهاجمته يف عقر داره وجتمعاته التي كان يح�سبها �آمنة.‬ ‫ّ‬
  • 179.
    ‫971‬ ‫رابعاً: ال�سالح ال�صاروخي:‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ونق�صد به ال�سالح ال�صاروخي اخلفيف، كال�صواريخ املحمولة على الكتف؛‬ ‫ّ‬ ‫مثل �صاروخ (‪ )RBJ‬امل�ضاد للدروع، وهو �أول �سالح �صاروخي ا�ستخدم ْته‬ ‫املقاومة الفل�سطينية خارج فل�سطني، ثم �أ�صبح يف نهاية ال ّت�سعينات بيد املقاومة‬ ‫ّ‬ ‫ّ ً‬ ‫نت كتائب الق�سام من �إنتاجه حمليا حتت م�سمى (اليا�سني).‬ ‫َّ‬ ‫يف (غزة)، �إىل �أن متكّ‬ ‫ٌ‬ ‫ومثله �صاروخ (الو)، وهو قليل يف فل�سطني.‬ ‫ومنها �صواريخ ذات قاعدة �أر�ضية؛ بدءاً باملقذوفات (الهاون)، وي�سمى‬ ‫َّ‬ ‫ً‬ ‫ّ ً‬ ‫(املورتر)، والتي كانت ت�أتي جاهزة، ثم امل�ص َّنعة حمليا، و�صوال �إىل ال�صواريخ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ّ ّ‬ ‫الأر�ضية حملية ال�صنع (الق�سام)، والتي �أ�صبحت مفخرة �صناعة ال�سالح املحلية،‬ ‫ِ ّ‬ ‫ّ‬ ‫ُّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫وقد تطور هذا ال�صاروخ �شيئا ف�شيئا، ليزداد وزنه وحجمه ومداه وقوة تفجريه،‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫وال يزال العمل على تطويره جاريا، الأمر الذي ُي�شعر االحتالل برعب كبري.‬ ‫ٍ‬ ‫ولقد ا�ستطاعت املقاومة الفل�سطينية، وحتديداً كتائب الق�سام، ت�صنيع �أنواع‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫عديدة من ال�صواريخ امل�ضادة للدروع، و�صواريخ (�أر�ض ـ �أر�ض)، واملقذوفات،‬ ‫ّ ّ‬ ‫ٍ‬ ‫و�أ�صبحت جميع القوى املقاومة تت�سابق يف هذا امليدان، وال زال ال�سبق من‬ ‫َّ‬ ‫ِ‬ ‫ن�صيب الق�سام.‬ ‫لقد �أثبتت هذه ال�صواريخ جناع َتها وقدرتَها على �رضب �أهدافها والإثخان‬ ‫ّ‬ ‫ٌ‬ ‫بعدوها، وقد كان (لغباءها وع�شوائيتها) ف�ضل يف عدم قدرة العدو على �إيجاد‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫م�ضاد لها، على الرغم من تقدمه العلمي، وا�ستعانته بخرباء اجلي�ش الأمريكي‬ ‫ّ‬ ‫واجلي�ش الربيطاين وغريها من اخلربات، وعلى الرغم من �إنتاجه عدة �أنواع من‬ ‫ّ‬ ‫ال�سالح امل�ضاد، وتطويره �أ�سلحة �أخرى، وا�ستعانته ب�أ�سلحة جاهزة... �إال �أنها‬ ‫ُّ‬ ‫ف�شلت كلها يف �إ�سقاط �صاروخ الق�سام �أو الت�صدي له.‬ ‫ّ‬
  • 180.
    ‫081‬ ‫لذا، فقد خلقتهذه ال�صواريخ حالة من (توازن الردع)، و�أثارت الرعب،‬ ‫ُّ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫و�أذهلت العدو و�أجهزته الأمنية والع�سكرية وعموم جمتمعه، فلم ُيـجـد معه‬ ‫ْ ِ‬ ‫�سور واق، �أو حزام �أمني، �أو ح�صار ع�سكري، �أو �إجراءات م�شددة، �أو رقابة‬ ‫ّ‬ ‫ٌ ٍ‬ ‫دائمة... كما مل يعد املقاوم بحاجة �إىل االنطالق بنف�سه ومبتفجراته �إىل هدفه،‬ ‫ّ‬ ‫ِ ُ‬ ‫فال�صاروخ يقوم باملهمة عنه.‬ ‫ومن �أ�شكال الرعب التي ظهرت على الكيان ال�صهيوين م�ؤخراً؛ حماول ُته‬ ‫َّ‬ ‫�إيجاد دروع معنو ّية ثقيلة على جميع املباين يف مدينة (ا�سديروت)، باعتبارها‬ ‫الأكرث تعر�ضا ل�صواريخ الق�سام وت�رضراً منها، �إال �أنهم عدلوا عن الفكرة لعدم‬ ‫َ َ‬ ‫ّ‬ ‫ّ ً‬ ‫ُ‬ ‫جدواها، والرتفاع كلفتها، ولأن الكتائب و�سعت نطاق ال�صواريخ و�أ�صبحت‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫قادرة على �رضب مراكز �أخرى.‬ ‫�إ�ضافة �إىل ما �سبق، ف�إن بع�ض املجموعات املجاهدة حاولت ا�ستخدام‬ ‫ً‬ ‫ال�سالح (الكيماوي) غري مرة، وذلك ب�إ�ضافة مواد كيماوية �سامة وقاتلة �إىل‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫َ ّ‬ ‫بع�ض �أ�سلحة التفجري، وقد ك�شفت ال ّتحقيقات هذه املحاوالت، �إال �أنّ الأمر ال‬ ‫يزال قيد التجربة واملحاولة والتفكري، ومل يدخل حيز التنفيذ احلقيقي، وذلك‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫لأ�سباب عديدة، وقد يكون ال�سبب عدم رغبة املقاومة ب�إدخال ال�صرّاع يف‬ ‫مرحلة جديدة قد تكون �آثارها وخيمة، وقد ت�ؤدي �إىل ردة فعل قا�سية وفوق‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الطاقة.‬ ‫ّ‬ ‫هذه هي الأ�سلحة اخلفيفة التي ت�سلحت بها املقاومة الفل�سطينية داخل الوطن،‬ ‫�أما خارجه؛ فقد ا�ستطاعت املقاومة �أثناء تواجدها يف لبنان احل�صول على بع�ض‬ ‫�أنواع الأ�سلحة الثقيلة، كالدبابات الرو�سية (55‪ ،)T‬وبع�ض ال�صواريخ امل�ضادة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫للطريان، واملدافع الثقيلة، وراجمات ال�صواريخ، و�أنواع �أخرى من ال�سالح، �إال‬
  • 181.
    ‫181‬ ‫�أنها ا�س ُتخدمتبغالبها يف ال�رصاع الداخلي واحلرب الأهلية، وانتهى مع خروج‬ ‫قوات الثورة نحو اجلزائر.‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫�إن التنوع يف �سالح املقاومة الذي متلكه، يعطيها قوة ومرونة وقدرة على‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ا�ستخدام ال�سالح الأن�سب يف الوقت الأن�سب، وي�ساعد يف توجيه �رضبات �أكرث‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫�إيالما لالحتالل، ويجعله �أ�شد حرية و�أبعد قدرة على توقّع القادم، فيزيد من‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫حجم املفاج�أة و�أثرها فيه. كما �أنه يجعل بدائل املقاومة متعددة، وميكنها من‬ ‫ّ‬ ‫املناورة، فتتخيرّ ال�سالح الأن�سب من بينها، وتلوح ب�أ�شكالها املختلفة.‬ ‫ثالثاً: اال�ستخبارات‬ ‫ّ‬ ‫ٍ َّ ٍ‬ ‫ّ ِّ‬ ‫ال بد لكل ثورة م�سلحة وجماعة منا�ضلة من الت�سلح بال�سالح اال�ستخباري‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫الأمني؛ فهو ي�ضمن لها ا�ستقراريّتها، و َيقيها من مكائد عدوها، و ُيعينها على‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫تنفيذ مهامها... ومل َيـخل منوذج من مناذج حرب الع�صابات احلديثة من‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫جهازٍ ا�ستخباري ي�ؤدي هذا الغر�ض، بل �إنّ معلمنا ر�سول اهلل [ اعتمد مبد�أ‬ ‫ٍّ ّ‬ ‫اال�ستطالع واال�ستخبار باعتماد الفرق اال�ستطالعية التي تعمل على ك�شف‬ ‫ّ‬ ‫َِ‬ ‫نوايا �أعداء امل�سلمني، وتتح�س�س �أخبارهم، وت�ستطلع حتركاتهم، وتعمل على‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫�إي�صال معلومات مغلوطة �إليهم. كما حر�ص [ يف ذات الوقت على �أن يقتدي‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ْ‬ ‫�أ�صحابه به ويحذوا حذوه، يقول عنه الكاتب (منري الغ�ضبان) حتت عنوان؛ (قوة‬ ‫املخابرات ال ّنبو ّية): «لو وقفنا على ال�سرّايا والبعوث والغزوات يف هذه املرحلة،‬ ‫ً‬ ‫َ ّ‬ ‫لأذهلنا قوة املخابرات النبو ّية ب�صورة يكاد ال ي�شهد لها التاريخ مثيال»(1).‬ ‫ٍ‬ ‫1 (املنهج احلركي لل�سرية النبويّة)، �أ. منري الغ�ضبان.‬ ‫ِّ‬ ‫َ‬
  • 182.
    ‫281‬ ‫ثم تبعه �صحابتهالأخيار من بعده(1)، فاقتفوا �أ َثره، فهذا عمر بن اخلطاب‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ر�ضي اهلل عنه، ي�ضع بع�ضا من قواعد الر�صد واال�ستطالع يف و�صيته ل�سعد بن‬ ‫َ ِ َ‬ ‫�أبي وقّا�ص ر�ضي اهلل عنه، قائد جي�ش امل�سلمني يف معركة القاد�سية، فيقول له:‬ ‫َ ِ َ‬ ‫«�إذا وطئت الأر�ض ف�أر�سل العيون، وال تخف عليك �أمرهم، وليكن عندك من‬ ‫ْ َ‬ ‫العرب �أو �أهل الأر�ض من تطمئن من ن�صحه و�صدقه، ف�إن الكذوب ال ينفعك‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫َ َ ُ‬ ‫خربه و�إن �صدقك بع�ضه، والغا�ش عني عليك ولي�س عينا لك».‬ ‫ٌ‬ ‫ّ‬ ‫�إن �أهمية العمل اال�ستخباري تكمن �أ�سا�ساً يف �أمرين اثنَني، ينبثق عنهما فروع‬ ‫ٌ‬ ‫َ ِ‬ ‫عديدة:‬ ‫�أولهما: �إعطاء رجل الع�صابات واملجموعات املقاتلة الطم�أنينة واال�ستقرار‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫وال�شّ عور بالأمان، مما يدفعه �إىل التفرغ الكامل للعمل والإعداد والتخطيط‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ل�رضب عدوه وال َّنيل منه، فهو يثق بوجود عيون �ساهرة وجنود جمهولني يقومون‬ ‫ّ‬ ‫َْ‬ ‫على حمايته واحلفاظ عليه من �أن ُي�ؤتى من م�أمـ ِنه، �أو �أن ُيطعن على حني غرة.‬ ‫ّ‬ ‫ثانياً: توفري املعلومات ا ّلالزمة وال ّتف�صيلية عن العدو، و�أماكن متركزه،‬ ‫ّ‬ ‫وخطوط �إمداده، وكيفية حتركه، ونقاط �ضعفه وقوته، وغريها من املعلومات‬ ‫ّ‬ ‫ّ ّ‬ ‫التي حتتاجها اخلاليا يف عملية �رضب العدو والإثخان فيه، و�إن هذه املعلومات‬ ‫ً‬ ‫توفّر للمقاتل �صورة جليـة عن هدفه، وجتعله �صيداً �سهال له، في�ضع اخلطة التي‬ ‫ً ّ ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫تتنا�سب وطبيعة الهدف زمانا ومكانا وهيئةً.‬ ‫�إن العمل اال�ستخباري ُيعـينْ (اجلاريال) على معرفة الواقع من حولها،‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫واالطالع على ما يدور يف حميطها والتخطيط له، فت�ستعد لذلك، وال تكون‬ ‫ّ‬ ‫1الرحيق املختوم)، املباركفوري.‬ ‫َّ‬
  • 183.
    ‫381‬ ‫يف غفلة، والتُفاج� بال ّنازلة وهي يف �سبات عميق، وبالتايل ي�ساعدها يف اتّخاذ‬ ‫ٍ‬ ‫أ‬ ‫ِّ َ ْ‬ ‫االحتياطات الالزمة ملواجهة كل خطب.‬ ‫واملتابع للعمل اال�ستخباري، يالحظ �أنه ينق�سم من حيث مهامـه �إىل ق�سمني:‬ ‫ِّ‬ ‫�أوالً: الأمن الداخلي:‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ويقوم على متابعة الأو�ضاع الداخلية للتنظيم وخالياه العاملة، حفظا وترتيبا‬ ‫و�إعداداً، فهو ي�شمل:‬ ‫�أ ـ �أمن الأفراد: ويعني احلفاظ على �سالمتهم وحمايتهم مما يتهددهم، و�صون‬ ‫ّ‬ ‫دمائهم و�أرواحهم، وعدم تعري�ضهم ملا فيه هالكهم �أو �أذيتهم، ففي الوقت الذي‬ ‫يتح�صل فيه التنظيم على معلومات ا�ستخباريّة حية و�ساخنة تبينّ حركة العدو‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫وقواته، فتك�شف �شيئا من نواياه، ف�إنها ت�ضع املعلومات بني يدي القيادة التي‬ ‫ّ‬ ‫توجه الأفراد ملا فيه �سالمتهم، فتحفظهم من الوقوع يف قب�ضة عدوهم.‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫ومن باب �آخر، ف�إن (�أمن الأفراد) يح�صن جنود املقاومة من الوقوع يف‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫ً‬ ‫�شرِك احلرب ال ّنف�سية التي عادة ما ي�ش ّنها العدو عرب �إعالمه امل�ضلل، حيث ين�رش‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ُّ‬ ‫معلومات كاذبة تثري الذعر يف �أو�ساط رجال املقاومة، وت�ضعهم يف �صورة مغلوطة‬ ‫ً‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫ت�شككهم يف قيادتهم وقدراتها، ويف �إمكانية ا�ستمرارهم وانت�صارهم، ف�إذا ما‬ ‫وفّرت �أجهزة اال�ستخبارات يف قوى املقاومة املعلومات ال�صحيحة عن واقع‬ ‫االحتالل وحاله، وعن جمريات الأمور، وو�ضعتها �أمام املقاتلني، ف�إنها فتكفل‬ ‫لهم االطالع على حقيقة احلال، وما يتكبده االحتالل من معاناة وخ�سائر، وما‬ ‫ّ‬ ‫يتعر�ض له من �أ�رضار مادية ونف�سية جراء املقاومة، وما تتم ّتع به املقاومة من‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫رباطة ج�أ�ش، وقدرة على العمل، وتقدم يف الأداء، و�إجنازٍ على الأر�ض، وحتقيقٍ‬ ‫ٍّ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬
  • 184.
    ‫481‬ ‫للأهداف... وما يحيطهامن تعاطف �أُممي، وت�أييدٍ عاملي، والتفاف جماهريي،‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ِ َ‬ ‫َّ‬ ‫ف�إن ذلك كله يرفع همم املقاتلني، ويزيد من حما�سهم واندفاعهم، ويرفع �سقف‬ ‫ا�ستعدادهم وقناع َتهم بعدالة ق�ضيتهم، ويحفظهم من اال�ضطراب.‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫ب ـ �أمن املعلومات والأ�رسار: فلكل ثورة �أو جماعة �أ�رسارها ومعلوماتُها‬ ‫التي ت�سعى �إىل حفظها، وتعمل على �صونها من الوقوع يف �أيدي عدوها، ولها‬ ‫ِّ‬ ‫َ ْ‬ ‫�أر�شيفها الذي جتتهد يف االحتفاظ به بعيداً عن الأعني �إىل حني حاجة، مبا يحويه‬ ‫هذا الأر�شيف من �أوراق ووثائق وم�ستندات وخمطوطات، وهي تعلم �أنّ وقوع‬ ‫هذه املعلومات يف �أيدي عدوها ُيعد �رضبة قا�سية قد تُ�صيبها يف مقتل، وحتديداً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫َّ‬ ‫ِّ‬ ‫�إن حتد ْثنا عن جماعة ع�سكرية جماهدة، فهي �أ�شد حر�صا على �صونها وحفظها‬ ‫ً‬ ‫ُّ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫ب�أ�سلم الطرق.‬ ‫هذه الأ�رسار على اختالف م�سمياتها و�أ�شكالها حتتاج �إىل من يقوم بحفظها،‬ ‫َّ‬ ‫ُ َ‬ ‫بحيث يخت�ص بهذه املهمة، وتكون �شغله ال�شاغل، وهـمـه الذي ميلأ ر�أ�سه،‬ ‫ّ‬ ‫ومهن َته التي ُيبدع فيها، فيبحث عن �أجنع الطرق والو�سائل التي حتقق له الهدف،‬ ‫وي�ضع �أعتى العراقيل التي حتول دون ت�رسيبها �أو الو�صول �إليها، وي�رشف ب�شكل‬ ‫دائم على �سالمتها، و ُيعنى ب�إ�ضافة كل جديد �إليها، ويقوم على ا�سرتجاع ا ّلالزم‬ ‫ِّ‬ ‫منها.‬ ‫ومع التقدم العلمي، ووجود الكمبيوتر والإنرتنت، �أ�صبح من الواجب على‬ ‫ّ‬ ‫�أهل اال�ستخبارات والأمن يف املقاومة �أن َيعمدوا �إىل التبحر يف فنون هذا الباب،‬ ‫ّ‬ ‫وا�ستخدام ما ميكن منه يف �سبيل حتقيق �أعلى قدر من الأمان لأ�رسار ومعلومات‬ ‫ْ‬ ‫املقاومة.‬
  • 185.
    ‫581‬ ‫ومن العلوم التيوجب على �أهل االخت�صا�ص االهتمام بها؛ ملا لها من دورٍ‬ ‫يف �أر�شفة وحفظ املعلومات، (علم ال ّت�شفري) و(علم الكتابة ال�سـرية)، ولنا معها‬ ‫ِّ ّ‬ ‫وقفة فيما هو �آت.‬ ‫َّ‬ ‫ج ـ �أمن احلفظ من االخرتاق: لعل من �أبرز ما يقوم به جهاز الأمن، هو حفظ‬ ‫تنظيمه وثورته �سليمة من االخرتاق الذي ي�سعى العدو �إىل �إحداثه يف ج�سم‬ ‫ِّ‬ ‫ً‬ ‫الثورة وقواها املنا�ضلة والعاملني فيها.‬ ‫ٍ‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫فالعدو يفهم يقينا، كما نفهمه نحن، �أنّ خري و�سيلة ل�رضب املقاومة والإجهاز‬ ‫عليها؛ هي �رض ُبها من الداخل عرب زرع عمالئه ومند�سيه يف �صفوف الثورة،‬ ‫ُ ّ‬ ‫ّ‬ ‫وال�سعي �إىل البلوغ بهم �إىل مراكز متقدمة، ليكونوا قادرين على ت�رسيب املعلومات‬ ‫ِّ‬ ‫ا ّلالزمة �إىل العدو، والتي تك�شف هيكلية التنظيم وتُعريه بو�ضوح، في�سهل‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫�رضبه وا�ستئ�صال العاملني فيه، والإبالغ عن املعلومات التي تخ�ص العمليات‬ ‫ّ‬ ‫اجلهادية قبل حدوثها، في�ستعد العدو لها ويحبطها، كما يقومون بت�شويه �صورة‬ ‫ّ‬ ‫الثورة واملقاومة من خالل ف�ضح بع�ض العمالء العاملني يف �صفوفها، و�إظهارها‬ ‫كمجموعة من الـخونة والعمالء، وبالتايل تنتزع الثقة منها.‬ ‫َ‬ ‫كما يهدف العدو من خالل ه�ؤالء العمالء �إىل حرف الثورة عن م�سارها،‬ ‫و�إخراجها من م�سلكها، وخ�صو�صا �إن كانوا ممن تبو�أَ منا�صب قياد ّية ومواقع‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫َ ِ‬ ‫متقدمة. ويحقّق العدو من خالل عمالئه تثبيط همم �أبناء املقاومة وال�شعب،‬ ‫ُّ‬ ‫َ‬ ‫و�إحباط جهودهم، وال ّتخذيل عنهم ومن حولهم، وبذا ف�إن مثل ه�ؤالء العمالء‬ ‫متعددي الأغرا�ض؛ هم من �أخطر ما يتعر�ض له مقاتلو الع�صابات وجماهدو‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫املقاومة.‬
  • 186.
    ‫681‬ ‫ولقد جنح عدوالثورة يف جميع التجارب املعا�رصة يف زرع بع�ض عمالئه يف‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫�صفوف الثوار، فحقّق جزءاً من �أهدافه، لكنه �أخفق يف حماوالت �أخرى، وف�شل‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫يف حت�صيله �أهدافا �أخرى.‬ ‫كذلك فقد جنح ال ّثوار مراراً يف ك�شف العمالء واخلونة، و�إنزال العقاب‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫العادل بحقّهم، ومنع �آخرين من بلوغ هدفهم، وبذا متكنوا من در ِء �أخطار،‬ ‫َْ‬ ‫وتقليل خ�سائر، و�إجناح عمل.‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫د ـ �أمن التّعبئة والتوجيه: فكما �أنّ حلركات املقاومة �أجهزتها الأمنية املخت�صة،‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ف�إن لعدوها �أجهزة تفوقها عدداً وعدة وتنظيما وتخ�ص�صا، وهي ت�صل الليل بالنهار‬ ‫ّ ً‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫ً‬ ‫بحثا وتخطيطا وعمال وتنفيذاً ل�رضب املقاومة و�أذرعتها، وهي بعملها حتاول‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫التطوير واالبتكار، ف�ضال عن ا�ستخدام الأ�ساليب التقليد ّية امل َّتبعة، فال بد للمقاومة‬ ‫َّ‬ ‫من متابعة �أ�ساليب هذه الأجهزة وو�سائ ِلها يف �رضب املقاومة ور�صدها وحماولة‬ ‫ِ‬ ‫َ ْ ِ‬ ‫ِ‬ ‫الوقوف عليها، و�إيجاد العالجات واحللول الأمثل التي تَـحد من خطرها.‬ ‫ُّ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫وكذا ف�إن من �أ�سا�سيات حماية املقاومة؛ �إيجاد ثقافة �أمنية تُف�صل �صورة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫عدوها، فتك�شف ال ّثغرات، وتُعري و�سائل هذا العدو اخلبيثة �أمام املجتمع،‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫وتعلمهم كيفية النجاة منها واتقاء �آثارها، كدرا�سة ظاهرة (الع�صافري)، و�رشح‬ ‫ّ‬ ‫�أ�ساليب التحقيق وكيفية ال�صمود، وبيان و�سائل الإ�سقاط والإيقاع يف وحل‬ ‫ّ‬ ‫اخليانة، والإر�شاد �إىل طرق الوقاية من ذلك كله.‬ ‫هذا وغريه ُيعد من العناوين الهامة التي حتتاج �إىل اال�ستفا�ضة يف البحث،‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫وتوعية املجتمع عموما، والقوى املقاومة واجلنود املجاهدة خ�صو�صا باملعلومات‬ ‫التي توفّر لهم احلماية والأمان.‬
  • 187.
    ‫781‬ ‫ثانياً: الأمن اخلارجي:‬ ‫ويهتم بالعدو اخلارجي، ومعرفة �أكرب كم من املعلومات عن مراكز جتمعه،‬ ‫ّ‬ ‫ٍّ‬ ‫ِّ‬ ‫وخطوط �إمداده، وكيفية حتركه، و�آلية عمله، وماهية نظامه الأمني الذي يحمي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫به نف�سه، وطرق ات�صاله، ومكامن قوته، ونقاط �ضعفه، وهو مق�سوم �إىل:‬ ‫ٌ‬ ‫�أ ـ الر�صد واال�ستطالع: ويقوم على معرفة املعلومات الدقيقة عن العدو،‬ ‫ّ‬ ‫َّ ْ‬ ‫ّ‬ ‫وحتديد الطرق الأمثل ل�رضبه والإيقاع به والتعامل معه، كما يحاول االطالع‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫والتعرف على خمططات العدو ونواياه املبيتة، ومن ثم التعامل مع هذه املعلومات‬ ‫ّ‬ ‫واملخططات، وال�سعي �إىل �إبطالها، واتخاذ التدابري الأمنية ا ّلالزمة التي حتبطها‬ ‫َّ‬ ‫وت ّتقي �رشورها.‬ ‫�إنّ من قواعد العمل الع�سكري، �أنَّ (الر�صد ن�صف العمل الع�سكري)، وقد‬ ‫قيل: «با�ستطاعتك �أن تخو�ض �أي معركة دون خ�سارة؛ �إذا عرفت نف�سك،‬ ‫َ‬ ‫ٍ‬ ‫َّ‬ ‫وعرفت عدوك»، وبالتايل ال بد من جمع املعلومات الدقيقة، والتي تُعرف‬ ‫ِّ‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫مقاتلي الثورة بحقيقة عدوهم، وثغراته التي ميكن �أن ي�أتوه من ِق َبلها... فال ميكن‬ ‫ِّ‬ ‫للمجموعات املقاتلة �أنْ تقوم على مهمة قتالية غري حم�سوبة بدقّة، �أو بدون �أن‬ ‫ّ ٍ ٍّ‬ ‫َ‬ ‫تخرب هدفها بو�ضوح، وتعرف كيفية الو�صول �إليه و�آلية �رضبه، وطريقة العودة‬ ‫ّ‬ ‫�إىل امل�أمن، وما الذي حتتاجه املهمة من رجالٍ وعتادٍ و�إمكانات؟ وكم يلزمها‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫من الوقت حتى تنجز؟ وما هي املخاطر التي حتفّها؟ والطوارئ التي ميكن �أن‬ ‫ٌ‬ ‫ت�ستجد خاللها؟ وكيفية التعامل ال�سليم مع هذه امل�ستجدات؟ وحماور كثرية‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ٌ‬ ‫و�أ�سئلة عديدة ال ت�أتي الإجابة عليها �إال عرب معرفة دقيقة و�شاملة بحالة العدو.‬ ‫ٌ‬ ‫َ ً‬ ‫لقد �أوجدت كتائب الق�سام ِفرقا متخ�صِّ�صة لغر�ض الر�صد واال�ستطالع،‬ ‫ً‬
  • 188.
    ‫881‬ ‫�أطلقت عليها (كتائباملرابطني)، وهي ِفـرقٌ كثرية العدد من املجاهدين، موزعة‬ ‫ّ ٌ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫على طول حدود قطاع غزة، هدفها التعرف على حركة اجلي�ش وجتمعاته،‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫َِ ُ‬ ‫ِّ‬ ‫ور�صد ن�شاطاته، وو�ضع ذلك كله بيد القيادة، وقد قامت هذه الفرق ب�أدوارٍ‬ ‫طيبة يف مواجهة حماوالت االغتيال املتكررة، وذلك بر�صد حركة الطائرات‬ ‫ّ‬ ‫ّ ٍ‬ ‫امل ّتجهة �إىل القطاع، والإبالغ عنها قبل و�صولها لأخذ احليطة واحلذر.‬ ‫ِ‬ ‫ومع التقدم العلمي وال ّتقني، ف�إنه ميكن لفرق الر�صد واال�ستطالع �أن‬ ‫ِ َ ِ َّ‬ ‫ّ‬ ‫ت�ستخدم و�سائل تقنية متطوِّرة، بدءاً ب�أجهزة الر�صد الّليلي، مروراً ب�أدوات‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ال ّت�صوير املتقدمة، و�صوال �إىل الإنرتنت وما يحويه من خرائط ميكن توفريها‬ ‫ِّ‬ ‫على خدمة (‪ ،)Google earth‬وكل ما من �ش�أنه خدمة هذا الهدف.‬ ‫والناظر �إىل جتربتنا الفل�سطينية، يجد �أنّ الغالبية العظمى من عمليات املقاومة،‬ ‫ّ‬ ‫ٌ‬ ‫�سبقَها ن�شاط ا�ستطالعي ر�صدي، يهدف �إىل معرفة �أكرب قدر من املعلومات عن‬ ‫ْ‬ ‫الهدف، حتى ي�ستطيع املقاومون حتديد تفا�صيل املهمة.‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫ب ـ االخرتاق امل�ضاد (اجلا�سو�سيّة): �إنّ قمة ال ّنجاح اال�ستخباري يف احلرب‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫الدائرة بني (اجلاريال) ال ّثائرة وعدوها املحتل؛ هو �أنْ ت�ستطيع اخرتاقه بزرع‬ ‫ِّ‬ ‫عيون لها (جوا�سي�س) يف ج�سمه، ليقوموا ب�أدوار عديدة تخدم املقاومة وت�رضب‬ ‫املحتل، و�إن جناح املقاومة يف �إدخال عن�رص لها يف ج�سم العدو عرب ما ي�سمى‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫بالعميل املزدوج، ُيعطي مدلوال رائعا لقدرة املقاومة وتقدمها يف �أدائها،‬ ‫ّ‬ ‫كما ي�شري �إىل ه�شا�شة العدو و�ضعف دفاعاته، على الرغم مما يبذله من جهود‬ ‫و�إمكانات لتقويتها.‬
  • 189.
    ‫981‬ ‫ولذا، ف�إن �أي(عميل) يتم ك�شفه يف �أجهزة العدو، ف�إنه ي�ستوقف اجلميع،‬ ‫ّ‬ ‫ً َّ‬ ‫وتُثار عليه �ضجة كبرية، و ُيعطى اهتماما مركزاً.‬ ‫ّ ٌ‬ ‫لقد اعتمدت الدول العظمى �أ�سلوب االخرتاق يف حروبها؛ كما فعلت‬ ‫ُّ‬ ‫الواليات امل ّتحدة الأمريكية واالحتاد ال�سوفيتي يف (احلرب الباردة) التي دارت‬ ‫ّ‬ ‫بينهما لعقود، وخ�ص�صت يف ذلك جهوداً و�إمكانات ومقدرات وموازنات،‬ ‫ُ ّ‬ ‫ّ‬ ‫وقد كانت القوة اال�ستخبار ّية لأي طرف تُقا�س مبقدار ما يحقّقه من اخرتاق يف‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫�صفوف خ�صمه.‬ ‫وكذا اعتمدت الثورات هذا الأ�سلوب يف مواجها ِتها املفتوحة مع عدوها،‬ ‫ِّ‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫فقد متكنت املقاومة الفل�سطينية من رد اعتبارها مراراً عرب عدة اخرتاقات �أحدث ْتها‬ ‫ٍ‬ ‫يف جدار الأمن ال�صهيوين.‬ ‫ُّ‬ ‫وقد ا�ستطاعت املقاومة من خالل اخرتاقاتِها حتقيق عدة �أغرا�ض:‬ ‫َ ّ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ٍ َ‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫- فقد متكنت من ت�ضليل العدو، وذلك ب�إي�صال معلومات خاطئة عرب عمالء‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫مزدوجني �رصفوا النظر حينا عن بع�ض املجاهدين، و�سلموا معلومات جتعل‬ ‫ٍ‬ ‫بحث �أجهزة الأمن ال�صهيونية ي�سري يف االجتاه اخلاطئ.‬ ‫ّ‬ ‫- احل�صول على معلومات ا�ستخبارية عن االحتالل و�أذنابه، �سواء باالطالع‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫على �أ�سماء عمالئه وك�شفهم، �أو مبعرفة معلومات عن حتركات جي�شه،‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫�أو بالطريقة التي ا�ستطاع فيها ال�شهيد (ماهر �أبو �رسور) احل�صول على‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫املعلومات، وذلك عندما قتل �ضابط املخابرات ال�صهيوين امل�س�ؤول عن‬ ‫ّ‬ ‫ٍّ ّ‬ ‫جتنيد العمالء بعد �أن كان على اتفاق معه للقائه يف �شقة �أعدها االحتالل‬ ‫لغر�ض االت�صال بالعمالء، ثم ا�ستوىل �شهيدنا على حقيبة �أوراقه وما حتويه‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫من وثائق ومعلومات.‬
  • 190.
    ‫091‬ ‫- توجيه �رضباتقا�سية لالحتالل و�أجهزته الأمنية، وقتل �ضباط ورجال‬ ‫خمابراته، و�أمثلة ذلك كثرية، من �أبرزها عملية ال�شهيد (عبد املنعم �أبو‬ ‫حميد)، الذي تواعد مع م�س�ؤولٍ كبري يف املخابرات على اللقاء يف مكانٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫كان �أبطال الكتائب قد �أعدوا فيه كمينا، فتمكنوا من قت ِله هو ومرافقه،‬ ‫ّ‬ ‫وكذلك عملية ال�شهيد (ماهر �أبو �رسور)، وعمليتا (ثقب القلب ) و(ال�سهم‬ ‫ّ‬ ‫ال ّثاقب) يف قطاع غزة، وغريها...‬ ‫ً ّ‬ ‫ً ًّ‬ ‫- لقد كانت حر ُبنا مع االحتالل حربا �أمنية ا�ستخبارية بالدرجة الأوىل وال‬ ‫َ‬ ‫زالت، وهذا ما عبـر عنه قادة الأجهزة الأمنية ال�صهيونية، عندما قالوا‬ ‫ّ َ‬ ‫َ‬ ‫لرئي�س وزراء العدو (�إ�سحاق رابني): «�إنّ معرك َتك مع (حما�س) معركة‬ ‫ٌ‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫�أمنية، ونحن نكفيك �إ ّياها»، وقد رد اهلل كيدهم �إىل نحورهم. ولذا ال بد‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫لنا من �أنْ ن�ضع الأمر يف ِن�صابه من حيث االهتمام والأولو ّية.‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫رابعاً: الإعــالم‬ ‫ِّ‬ ‫ُيعـد الإعالم من الأ�سلحة ال�سلمية التي متلك ت�أثرياً كبرياً على النا�س يف كل‬ ‫ِّ ّ‬ ‫ُّ‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫ِ ً‬ ‫الظروف �سلما �أو حربا، وقد ا�صطلح على ت�سمية الإعالم ب ِـ (ال�سلطة الرابعة)؛‬ ‫ملا ميلكه من ت�أثري كبري يوازي ال�سلطات الثالث: ال ّتنفيذ ّيـة وال ّت�رشيعيـة والق�ضائيـة.‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ُّ‬ ‫و�سلطة الإعالم نابعة من كونه �صاحب ت�أثري على اجلمهور حيثما كان، �إىل‬ ‫َ‬ ‫ٌ‬ ‫ُ‬ ‫حد �أنه يبني ِفكرهم، ويحدد توجها ِتهم، ويح�سم قرارا ِتهم، حتى بدا وك�أنه‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ِّ‬ ‫ً‬ ‫ميلك عليهم �سلطة لكنها بالإقناع، و�إن كان الإعالم قدميا ميلك هذه ال�سلطة،‬ ‫ً‬ ‫ف�إنه ميلك اليوم �أ�ضعافها.‬
  • 191.
    ‫191‬ ‫ويف حرب الع�صابات،يربز الإعالم ك�سالح مقاوم و�أداة قتالية، و�أ�سلوب‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ ّ‬ ‫ٍِ‬ ‫ٍ‬ ‫ٌ‬ ‫ٍّ‬ ‫ن�ضايل موازٍ حلمل ال�سالح و�رضب العدو، فهو �سالح ا�سرتاتيجي ال متلك ثورة‬ ‫ٌّ‬ ‫ٌ‬ ‫�أو مقاومة �أن ت�ستغني عنه، �أو �أن تق�صِّـر فيه، ف�إنْ علمنا دوره؛ عرفْنا ال�سبب‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ٌ‬ ‫ً ًّ‬ ‫ًّ‬ ‫ً‬ ‫الذي جعله �سالحا ا�سرتاتيجيا ولي�س تكتيكا قتاليا.‬ ‫دور الإعالم املقاوم:‬ ‫�إذا امت�شق املقاوم �سالحه و�صوبه �إىل �صدر عدوه؛ ف�إنه يهدف �إىل �إيقاع‬ ‫ِ‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫الأذى به وحـمـ ِله على االن�سحاب من �أر�ضه، ف�إن كان العمل املقاوم مقت�رصاً‬ ‫ْ‬ ‫على هذا الأ�سلوب، ف�إن ت�أثريه يبقى حمدوداً مقت�رصاً على من تلقّى ال�رضبة املبا�رشة،‬ ‫�أما �إذا رافق العمل املقاوم �إعالم موازٍ له؛ ف�إنه ي�ضاعف مفعوله، ويعمم �أ َثره،‬ ‫ّ‬ ‫ٌ‬ ‫ِ َ‬ ‫َ‬ ‫ويقطف ثماره، وهذا ما عبرّ عنه العقيد الإ�رسائيلي (�شموئيل نري) بعد احلرب‬ ‫مع (حزب اهلل) يف جنوب لبنان، فقال: «لقد كنّا نحارب حزب اهلل بطائراتِنا‬ ‫َ‬ ‫ودبّاباتِنا يف لبنان، بينما كان يهزمنا يف بيوتِنا من خالل التلفزيون». فقد كان ت�أثري‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ُّ‬ ‫الإعالم اللبناين �أقوى من ت�أثري ال�صواريخ، وكان كل مقاتل يتحرك لتنفيذ عملية؛‬ ‫ٍ‬ ‫ُّ ٍّ‬ ‫يتحرك خلفه م�صوِّر لتوثيق ما يقوم به، وكل �أم يهود ّية كانت ترى االنفجار على‬ ‫ٌ‬ ‫ّ‬ ‫التلفاز؛ تت�صور �أنّ اب َنها هو ال�ضحية.‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫ولذا، ف�إن �أ َثر الإعالم يتعدى �أثر ال�سالح يف م�ساحته، كما يتعداه يف‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫اجتاهاته، وكما �أن له �أثراً يف عدوه، ف�إن له �أ َثراً داخليا يف نفو�س �أبناء ال�شعب‬ ‫ًّ‬ ‫ِّ‬ ‫املجاهد. و�إن من �أدوار الإعالم يف حرب الع�صابات ما يلي:‬ ‫ّ‬ ‫- رفع معنويات ال�شعب و�شحذ همته، وتنمية �صموده، وزيادة �إ�رصاره على‬
  • 192.
    ‫291‬ ‫جمالدة عدوه وحت�صيلحقوقه، و�إقناع هذا ال�شعب بقدرته على دحر عدوه‬ ‫ِّ‬ ‫ً‬ ‫حتى لو ظهر ميزان القوى راجحا لكفّة االحتالل. فهو يربز مواطن القوة‬ ‫ّ‬ ‫لدى املقاومة، ويعر�ض �إجنازاتها، وي�رضب الأمثلة العاملية على جناح �أ�صحاب‬ ‫ّ‬ ‫احلق يف انتزاع حقوقهم من مغت�صبيها، وهو ُيربز �ضعف االحتالل وه�شا�شة‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫كيانه، وزيف قوته، و ُيظهر بع�ض مناحي ال�ضعف التي بدت عليه جراء‬ ‫ّ َ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫�رضبات املقاومة.‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫- تثقيف ال�شعب ب�ش ّتى �ألوانِ الثقافة ال َّثور ّية والأخالقية التي يجب �أن يتحلى‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫بها، وتعليمه كيف تكون املقاومة وال�صمود، والآليات املثلى يف املواجهة.‬ ‫فهو يب�صرّه بد�سائ�س االحتالل ومكائده وم�صائده، وكيفية الوقاية منها،‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫والعالج من �آثارها، وجت ّنب الوقوع فيها، بل ويعلمه كيف يرد كيد‬ ‫ّ َ‬ ‫االحتالل �إىل نحره، فريتد على �أعقابه دون �أن ينال ُبـغي َته.‬ ‫ّ‬ ‫ًّ‬ ‫- وهو كذلك ين�رش ثقافة م�ضادة للثقافة اال�ستعمارية التي يحاول االحتالل‬ ‫ً‬ ‫�أن يغر�سها يف �أذهان ال�شعب املقهور. فما من قو ِة احتاللٍ ع�سكرية �إال‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ًّ‬ ‫ً‬ ‫ٍ‬ ‫َ ُّ‬ ‫�صاحبها قوة �إعالم ين�رش ثقافة ت�ضليلية تهدف �إىل �رصف �أنظار ال�شعب‬ ‫عن ق�ضيته، و�إ�شغالهم بتوافه الأمور عن عظائمها، ون�رش الرذيلة والف�ساد‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫الذي ُي�شغلهم عن املقاومة واجلهاد، وال بد لهذا الإعالم من �إعالم‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫م�ضاد.‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫ً‬ ‫- ن�رش �أفكار (اجلاريال) وعدالة ق�ضيتها عامليا، والدفاع والذود عن املقاومة،‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫ورف�ض االحتالل، وتعريف الأمم بها ومب�صداقيتها، والرد على كل ما يدور‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫حولها من �شبهات واتّهامات وت�ضليل، وخماطبة العامل و�شعوبه من منرب‬ ‫ٍ‬ ‫ُين�صف الق�ضيـة وينت�رص لها، وي�ضعها يف ِن�صابها ال�صحيح، و�إال ف�إنّ العامل‬ ‫ّ َ‬
  • 193.
    ‫391‬ ‫ب�أُممه و�شعوبِه الي�سمع عنها �إال من فم مغر�ض، ومنرب م�شوه، و�إعالم م�ضلل،‬ ‫ٍ ّ‬ ‫ٍ َّ‬ ‫ٍ ُ‬ ‫وتفقد الق�ضية ت�أييداً ودعما هي بحاجة �إليه.‬ ‫ً‬ ‫- والإعالم ذو ت�أثري كبري على العدو كما �أ�سلفنا، فالعمل املقاوم من غري‬ ‫�إعالم �سيفقد كثرياً من �أ َثره، وهذا ما يدفع االحتالل �إىل عدم االعرتاف‬ ‫ِ ُ ً‬ ‫بخ�سائره خمافة �أن يتزعزع ا�ستقرار جمتمعه. ف�إذا كان الإعالم املقاوم قو ّيا،‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫بحيث ي�ستطيع �أن يك�شف احلقائق ويو ّثقها وي�صل بها �إىل كل بيت من‬ ‫ِّ ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ِّ‬ ‫بيوت عدوه، ف�إنه ينجح يف �إنتاج �أ�صداء كبرية لكل عمل �صغري، ويحقّق‬ ‫ِّ‬ ‫�أثراً معنو ّيا يفوق الأثر املادي، فيثبط معنو ّيات عدوه، ويفت من ع�ضده،‬ ‫َ ُ ِ‬ ‫ُّ‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫و ُيو�صله �إىل القناعة ب�أنه �ضعيف �أمام املجاهدين، و�أنّ املقاومة تقوى يوما‬ ‫اّ‬ ‫ً‬ ‫بعد يوم، و�أنه �سيدفع ال ّثمن يوميا من نف�سه و�أوالده واقت�صاده و�أمنه، و�أل‬ ‫مفر من االن�سحاب.‬ ‫َّ‬ ‫وهذا ما جنح به ُثوار فيتنام (الفيت كونغ)، ف�أو�صلوه �إىل ال�شعب الأمريكي‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫الذي خرج مبظاهرات �شعبية �أرغمت احلكومة الأمريكية على �سحب‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ً‬ ‫جي�شها من �أر�ض فيتنام. وهذا ما حتقّقه املقاومة العراقية يوما بعد يوم مع‬ ‫ٍ‬ ‫ٍّ‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ِّ‬ ‫كل ت�صوير تب ُّثه لعبوة تنفجر، �أو مركبة تتحطم، �أو جندي يتهاوى، �أو نع�ش‬ ‫ٍ‬ ‫ُيحمل، �أو مقاومة تنت�رص.‬ ‫ٍ‬ ‫- والإعالم املقاوم يبث ق�ص�ص الأبطال، ويجعلها ثقافة ال�شعب و�أغنية‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ُّ‬ ‫�صغاره، و َيعر�ض �إجنازات املقاومة وعملياتها وبطوالتها، فيفتح الباب‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫ُّ ُّ‬ ‫لالقتداء، و ُيرهب عدوه و ُيرعبه ويدب الذعر يف �صفوف جنوده و�شعبه‬ ‫ُ‬ ‫َّ‬ ‫ِ‬ ‫فيفقده الأمان، ويف�ضح �أمام العامل جرائمه وجمازره واعتداءاته، فيعريه‬ ‫ِّ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ويك�شف زيفه وي�سلبه الدعم والت�أثري.‬ ‫ُ َّ‬ ‫ُ َ‬
  • 194.
    ‫491‬ ‫- والإعالم املقاوميقوم بدور ال ّتحري�ض الذي ال ت�ستمر (اجلاريال) �إال به؛‬ ‫التحري�ض مبفهومه ال�صادق الذي �أمر به رب العزة بقوله:}ﭿ ﮀ‬ ‫ّ‬ ‫ُّ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ{ [�سورة الأنفال:56]، فتلقَّف نبي اهلل [‬ ‫َ ُّ‬ ‫�أمر ربه فقال: «من مات ومل َيغـز، ومل يحدث نف�سه بالغزو، مات على‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ِّ ْ َ‬ ‫ْ ُ‬ ‫َ‬ ‫َ ِّ‬ ‫�شعبة من النفاق»(1).‬ ‫ِّ‬ ‫ُ ٍ‬ ‫ِّ ً‬ ‫ً‬ ‫- كما �أن الإعالم املقاوم �إنْ كان �صادقا وموثقا يف عر�ضه لإجنازات وعمليات‬ ‫املقاومة، ف�إنه يدفع املحتل �إىل االعرتاف بخ�سائره، فيزيد من انهيار جمتمعه،‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ويحطم معنو ّيات جنده، و ُيلهِ ب يف الوقت ذاته حما�س مقاتلي املقاومة‬ ‫ِّ ُ‬ ‫وال�شعب. كما �أنه بذلك يوثـق ملقاومته، ويثبت بطوالته، في�ضعها بني يدي‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫امل�شاهد يتعلم منها در�سا فيقتدي، �أو يهتدي بال ّتكرارِ تارةً، وباالعتبارِ تارة‬ ‫ِ‬ ‫�أخرى.‬ ‫- وهو كذلك يروج للف�صيل �أو اجلماعة ب�إيجاد منابر �إعالمية خا�صة بها،‬ ‫ّ‬ ‫ِّ ُ‬ ‫َِ َ ْ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫�أو باال�ستفادة من املنابر الإعالمية الأخرى املحلية والعاملية. فقد عمدت‬ ‫ٍّ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ِّ‬ ‫قوى ال ّثورة يف كل قُطر عملت فيه �إىل �إيجاد منابر �إعالمية خا�صة بها،‬ ‫ّ ٍ‬ ‫حتاول من خاللها ن�رش ِفكرها وتو�ضيح �صورتها، من خالل ال�صحف‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫واملن�شورات والإ�صدارات واملطبوعات وامل�ؤ َّلفات واملحطات ال ّتلفزيونية‬ ‫ّ‬ ‫�أو �إذاعة الراديو.‬ ‫ّ‬ ‫فما من (جاريال) �إال ودعمها جهاز �إعالمي على ر�أ�سه �إذاعة، لأنها كانت‬ ‫ٌّ‬ ‫ٌ‬ ‫َ َ‬ ‫�أقوى و�سائل الإعالم، ومنها ال ّتجربة ال�صينية والفيتنامية والكرد ّية والفل�سطينية،‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ ّ‬ ‫ٍ َّ ٍ‬ ‫ُّ‬ ‫واليوم �أ�صبحت كل مقاومة �أو حركة �أو جماعة م�سلحة متلك منرباً جديداً هو‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫1 رواه م�سلم و�أبو داوود.‬
  • 195.
    ‫591‬ ‫(الإنرتنت)، ت�ؤدي عربهذات الدور، وذلك ل�سعة انت�شاره و�سهولته ومتيزه‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫بالأمان، �إ�ضافة �إىل امتالك بع�ضها قنوات تلفزيونية، كما هو احلال مع حركة‬ ‫ٍ‬ ‫ً‬ ‫حما�س وف�ضائيتها (تلفزيون الأق�صى).‬ ‫ّ‬ ‫ومن ناحية �أخرى، فقد �أ�صبح الإعالم العاملي �أكرث انت�شاراً وحريةً، و�أ�صبحت‬ ‫ّ‬ ‫قوى املقاومة �أكرث قدرة على الو�صول �إىل هذه املنابر لب�سط ق�ضيتها، فقناة‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ُّ‬ ‫ً‬ ‫(اجلزيرة) مثال، وهي القناة الأكرث انت�شاراً يف عاملنا العربي، ي�ستطيع �أي ف�صيل‬ ‫�أنْ َيظهر عليها ِل ُتجري معه مقابلة �أو حواراً، فيعر�ض فكرته ويب�سط ق�ضيته،‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫ٌّ‬ ‫ٌ‬ ‫َّ‬ ‫ويدافع عن مواقفه ويو�ضح حقيقته.. وتلك ال �شك نقلة نوعية ا�ستفادت منها‬ ‫ّ‬ ‫املقاومة.‬ ‫خام�ساً: الـتّـخــفّـي‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫التخفّي لغة هو الكتمان والتورية، وا�صطالحا: هو جمموعة العمليات‬ ‫ً‬ ‫واملمار�سات التي ي ّتبعها املجاهد ال ّثائر لإخفاء حقيقته عن عدوه، واحلفاظ على‬ ‫ِّ‬ ‫نف�سه من االنك�شاف، وعلى مهمته من الف�شل، في�ستخدم يف �سبيل ذلك �أ�ساليب‬ ‫ّ‬ ‫احليلة واخلداع الّلفظي وال�شّ كلي والعملي.‬ ‫ّ‬ ‫وقد امتلأت كتب التاريخ بق�ص�ص و�أحداث التخفّي والتنكر الناجحة التي‬ ‫ا�ستخدمها املقاتلون بهدف خداع عدوهم للهروب منه، �أو لت�سهيل �رضبه يف‬ ‫ِّ‬ ‫ِ‬ ‫عمقه.‬
  • 196.
    ‫691‬ ‫�أهداف التخفّي:‬ ‫ّ‬ ‫ا�س ُتخدم التخفّي لل ّت�سلل يف ق�صة (ح�صان طروادة) ال�شهرية، فا�ستطاع‬ ‫ّ‬ ‫املقاتلون من خالله فتح ح�صن املدينة عرب حيلة (احل�صان اخل�شبي) بعد �أن �صمد‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫احل�صن يف وجه اجلي�ش الغازي ل�شهورٍ طويلة. وا�ستطاع حذيفة بن اليمان، كامت‬ ‫ُ ُ َ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫َّ َ‬ ‫�رسِّ ر�سول اهلل [، �أنْ يت�سلـل �إىل مع�سكر امل�رشكني يف غزوة الأحزاب، ويعود‬ ‫ِ‬ ‫َّ ً‬ ‫�إىل ر�سول اهلل [ حممال بالأخبار.‬ ‫وا�س ُتخدم التخفّي لالخرتاق يف ق�ص�ص وحوادث ال ح�رص لها، ومن‬ ‫َ‬ ‫�أ�شهرها يف الع�رص احلديث؛ ق�صة العميل امل�رصي (ر�أفت الهجان)، الّذي زرع ْته‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ ُ‬ ‫ِ‬ ‫املخابرات امل�رص ّية يف الكيان ال�صهيوين، فعمل بنجاح على نقل معلومات مهمة‬ ‫ٍّ‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫ُ‬ ‫وخطرية، واخرتاق العديد من امل�ؤ�س�سات ال�صهيونية، �إىل �أن توفِّـي يف فل�سطني‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫دون انك�شاف �أمره. ومثله العميل امل�رصي (جمعة ال�شوال)، والعميل ال�صهيوين‬ ‫ِ‬ ‫(�إيلي كوهن)، الذي غر�سه االحتالل الإ�رسائيلي يف ال ّنظام ال�سوري، فارتقى يف‬ ‫ُّ ّ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫�سلم امل�س�ؤولية بحزب البعث احلاكم، �إىل �أن �أ�صبح يف مقدمة ال�صفوف، ثم مت‬ ‫ُ ِ‬ ‫اكت�شاف �أمره، فقامت �سورية ب�إعدامه.‬ ‫وا�س ُتخدم التخفّي يف �أعمال املطاردة، كما فعلت املقاومة ومقاتلوها يف‬ ‫فل�سطني، ومنهم املهند�س (يحيى عيا�ش)، والقادة (عماد عقل) و(عادل عو�ض‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫اهلل) و(حممود �أبو ه ّنود)، ونفَّـذ املجاهد اال�ست�شهادي (عبد البا�سط عودة)‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫عمليـ َته متنكراً بزي فتاة، وكذا فعل (معاوية جرارعة) يف عملية (حمنى يهودا).‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫وهو �أي�ضا ما فعله قائد ع�صابات (الأرجون) ال�صهيونية؛ (مناحم بيغن)،‬ ‫الذي تقم�ص العديد من ال�شخ�صيات، ومنها �شخ�صية طبيب، ورجل دين،‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ َ‬
  • 197.
    ‫791‬ ‫و�شاب بريطاين.. وا�ستطاعالإفالت من قب�ضة ورقابة اجلي�ش الربيطاين مراراً،‬ ‫ّ‬ ‫وتنفيذ العديد من العمليات الإرهابية بحق ال�شّ عب الفل�سطيني الأعزل، و�ضد‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫اجلي�ش الربيطاين.‬ ‫وهو �أ�سلوب ا�ستخدمه �أبرز قادة العمل الن�ضايل بل والإرهابي على م�ستوى‬ ‫ٌ‬ ‫العامل ليختفوا عن الأنظار، ومنهم (كارلو�س)، و(�أبو ن�ضال)، و(�أوجالن).‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫وا�س ُتخدم التخفّي ل�رضب العدو كما فعل جماهدو الق�سام يف عمليات‬ ‫ِ َ‬ ‫ّ‬ ‫االختطاف املتكررة التي متكنوا عربها من �أ�سرْ �أكرث من ع�رشة جنود، يف حماولة‬ ‫ٍ‬ ‫ِّ‬ ‫للمقاي�ضة عليهم لإطالق �رساح الأ�رسى، ومنهم (�آيل �سبورتا�س) و(�إيالن �سعدون)‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫و(نح�شون فاك�سمان)، وا�ستخدمه مقاتلوا خلية (�سلواد) مراراً لتنفيذ هجمات‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫نار ّية ناجحة نحو املركبات ال�صهيونية، فكانوا يلب�سون (القمباز) والثوب ال ّن�شاطي‬ ‫ٍ‬ ‫ً‬ ‫ُ ُ ِ ً‬ ‫القَروي، بينما ُيخفونَ ال�سالح حتته، فيكون هجومهم مباغتا وعنيفا.‬ ‫َ‬ ‫�إذاً فالتخفِّي ا�س ُتخدم يف و�سائل قتالية حتقِّق هدفَني: �أولهما؛ اخرتاق العدو‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وجلب املعلومات الدقيقة عنه، ل�رضبه يف عقْر داره، وتنفيذ العلميات �ضده،‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وثانيهما؛ االختفاء عن �أعني العدو، واحلفاظ على الذات، والتنقّل ب�أمانٍ �أكرب.‬ ‫�أ�ساليب التَّخفِّي:‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫ّ‬ ‫ال ّتخفِّي وال ّتنكر علم وا�سع فيه درا�سات و�أبحاث، وله متخ�صِّ�صون وخرباء،‬ ‫ازدادت �إمكاناته ب�شكل كبري مع التقدم العلمي، وانت�شار �صناعة ال�سينما على‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫وجه اخل�صو�ص.‬
  • 198.
    ‫891‬ ‫وال يخرج الّتخفّي الفردي يف �إطاره العام عن �أحد �أ�سلو َبني؛ ف�إما �أن يكون‬ ‫التغيري يف ال�شكل واملظهر اخلارجي، �أو �أن يكون يف اال�سم مع �إخفاء حقيقة‬ ‫ً‬ ‫املق�صد، وميكن اجلمع بني الأ�سلو َبني زيادة يف االختفاء.‬ ‫ً‬ ‫�أ ـ انتحال ا�سم جديد بدال عن اال�سم الأ�صلي، وتزوير �أوراق ثبوتية،‬ ‫وا�ستخدامها كبديل عن الأوراق الأ�صلية؛ كالهو ّية، وجواز ال�سفَر، ورخ�صة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ال�سياقة، و�شهادة امليالد.‬ ‫ِّ‬ ‫وقد اعتاد املتخفّون �أن ينتحلوا �أ�سماء �أ�شخا�ص ميتني، �أو �أ�صحاب هو ّيات‬ ‫ِّ‬ ‫َ‬ ‫مفقودة، �أو باالتفاق مع �أ�شخا�ص على انتحال �أ�سمائهم، �أو ح ّتى �أ�سماء وهمية،‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫على �أنّ جميع هذه احلاالت حتتاج �إىل االنتباه �إىل �أنْ ال تكونَ الأ�سماء املن َتحلة‬ ‫َ ُ‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ِّ‬ ‫َ ُ‬ ‫تعود لأ�شخا�ص ميلكون �سوابق جتعلهم معر�ضني لل�شك �أو املالحقة.‬ ‫َ‬ ‫َّ َ‬ ‫ولقد ا�ستطاع (�إيلي كوهن) اخرتاق ال ّنظام ال�سوري بهذا الأ�سلوب، حتت‬ ‫ُّ ِّ‬ ‫ا�سم (كمال �أمني)، وهو الأ�سلوب الذي ا�ستخدمه (ر�أفت الهجان) حتت م�سمى‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫(ديفد �شارى �سمحون)، وهو الأ�سلوب الذي ا�ستخدمه املطارد يف فل�سطني‬ ‫مراراً.‬ ‫ب ـ تغيري املظهر، وهو الأ�سلوب الأكرث ا�ستخداماً، و ُي�ستخدم معه الأ�سلوب‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫الأول دائما، �إذ ال ُيعقل تغيري املظهر اخلارجي دون تغيري اال�سم والأوراق ال ُّثبوتية‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫املحمولة.‬ ‫هذا الأ�سلوب تطور ب�شكل م�ضطرد، بدءاً مبحاولة تغيري للمعامل العامة‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫َّ َ‬ ‫ُ‬ ‫للوجه، كحلق الّلحية وال�شّ وارب وال�شّ عر، �أو تركيب �شعر م�ستعار، مروراً‬ ‫ِ َ ٍ ُ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫بتغيري طبيعة الِّلبا�س ا ّلذي اعتاد �أن يرتديه املطارد، كارتداء زي عجوز �أو امر�أة،‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬
  • 199.
    ‫991‬ ‫ِ‬ ‫ِّ ُ‬ ‫ً‬ ‫�أو ارتداء زي العدو، و�صوال �إىل ا�ستخدام علم ال ّتجميل الذي ُيغيـر لونَ الب�رشة‬ ‫ِّ‬ ‫َ‬ ‫ومعامل الوجه ولونَ العي َننيِ وال�شَّ عر. بل وجتاوز الأمر �إىل ا�ستخدام هذا العلم‬ ‫يف �إحداث تغيري جذري يف املظهر يزيل عالمات فارقة، وي�ضع غريها، ك�شكل‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍّ‬ ‫ٍ‬ ‫الأنف وال�شِّفاه �أو ال�شّ امة.‬ ‫ِ‬ ‫ِّ‬ ‫ُ‬ ‫ولقد ا�ستخدم رجال املقاومة هذا الأ�سلوب يف كل مكان، وبوا�سطته ا�ستطاع‬ ‫ِ َ‬ ‫املطاردون يف فل�سطني احلفاظ على �أنف�سهم، وتوجيه ال�ضرّبات لعدوهم. وقد‬ ‫ِّ‬ ‫ً‬ ‫ذكرت ق�صة املجاهد (حممد ب�شارات) تف�صيال يف هذا الكتاب.‬ ‫ُ ّ َ‬ ‫ُ‬ ‫ويف ذات الوقت، فقد ا�ستخدم االحتالل الإ�رسائيلي هذا الأ�سلوب يف‬ ‫ُّ‬ ‫مواجهة املقاومة الفل�سطينية، ف�أن�ش�أَ وحدات مقاتلة حتت م�سمى (الدفدوفان‬ ‫ُ َّ‬ ‫ً‬ ‫ٍ‬ ‫ـ وحدات الـمـ�ستعربِني)، فكانوا يرتدون الزي العربي، ويتواجدون يف‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫التجمعات الفل�سطينية ال�شعبية، واملواقع التي يتوقّعون لها �أن ت�شهد �أحداثا‬ ‫َ‬ ‫ّ َّ ّ‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫ِّ‬ ‫ثور ّية، ثم يبادرون �إىل القب�ض على كل من يحاول تنظيم عمل مقاوم.‬ ‫ِ‬ ‫�آليّات العدو يف ك�شف الـمـتخفِّني:‬ ‫ْ ِ ُ‬ ‫ّ‬ ‫يبذل العدو جهوداً كبرية ل�رضب رجل الع�صابات املتخفّي، لعلمهم بخطورته‬ ‫ِ‬ ‫ً‬ ‫ُّ‬ ‫وقدرته على حتقيق ما يعجز عنه غريه، وي�ستخدم املحتل يف ذلك ما ميلكه من‬ ‫و�سائل علمية وعملية وعقلية، ومن ذلك:‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫- الر�صد، وذلك بتجنيد العمالء واخلونة يف �صفوف ال�شعب لهذه املهمة:‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫ُ ً‬ ‫ُّ‬ ‫َ‬ ‫فلقد بذل العدو جهوداً م�ضنية يف �سبيل �إ�سقاط �أبناء هذا ال�شعب وجماهديه‬ ‫وجتنيدهم يف �صفوف (ال�شِّني بيت) ال�صهيوين، وت�سخريهم يف �رضب املقاومة‬ ‫ِ‬
  • 200.
    ‫002‬ ‫الفل�سطينية. بل �إنّدور العمالء يف احلرب املوجهة �إىل �صدور هذا ال�شعب ال‬ ‫َّ ِ‬ ‫َ َ‬ ‫ُ ِ‬ ‫ّ َ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ُّ‬ ‫يقل عن دورِ االحتالل نف�سه، وقد �رصح �أحد قادة �أجهزة الأمن ال�صهيونية؛‬ ‫ِ‬ ‫�أنه مهما بلغَ ال ّتقدم ال ّتكنولوجي لهذه الأجهزة، ف�إنها لن تتجاوز (02%) من‬ ‫ُّ‬ ‫ُّ‬ ‫عملها، ويبقى الدور الأكرب للعمالء.‬ ‫َّ‬ ‫ِ‬ ‫ْ ِ‬ ‫ُ‬ ‫َ ّ ُ‬ ‫لقد عمل الطابور اخلام�س على ر�صد حركات ن�شطا ِء املقاومة ورفْعها �إىل‬ ‫ِ‬ ‫�أ�سيادهم، والبحث الدائم عن املتخفني واملطاردين، وحماولة ك�شف �أماكنهم‬ ‫ِ ْ ِ‬ ‫ّ َ‬ ‫ِ ّ‬ ‫ومواقعهم، ومعرفة �أن�شط ِتهم وفعاليا ِتهم، وتوجيه اجلي�ش ال�صهيوين ل�رضبهم.‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫ون�ستطيع اجلزم �أنه ما من عملية ا�ستخبار ّية �أمنية نفّذها جي�ش االحتالل بحق‬ ‫ِّ‬ ‫ٍ ٍّ‬ ‫ٍّ‬ ‫َْ‬ ‫املطلوبني املتخفّني الفل�سطينيني، �إال وللعمالء فيها يد وم�ساهمة.‬ ‫ٌ‬ ‫ّ‬ ‫ٌ‬ ‫- اخرتاق املتخفّني، وزرع املت�ساقطني يف �صفوفهم: وهي ا�ستكمال للبند‬ ‫ٍّ‬ ‫ِ ٍّ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ال�سابق، فكثرياً ما ن�رش االحتالل عمالءه هنا وهناك يف حماولة لإيجاد خط تنظيمي‬ ‫ٍ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫يو�صلهم �إىل املطاردين حتت �أي مربر، ومن ثم ال ّتظاهر ب�أنهم من املقاومني �أو‬ ‫ِ َ‬ ‫ِّ ِّ‬ ‫املطلوبِني، واالنخراط يف �صفوف املقاومة، وك�شف الهياكل العامة، و�أماكن‬ ‫تواجدها و�آليات عملها، ورفعها �إىل �أجهزة الأمن االحتاللية لتوجيه ال�رضبة يف‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫الوقت املنا�سب، وقد ك�شفت ال ّتحقيقات ا�ستخداما وا�سعا لهذا الأ�سلوب.‬ ‫- اال�ستفادة من اعرتافات املعتقلني: فاالعرتافات تك�شف �أ�ساليب تخفِّي‬ ‫املطاردين والعاملني، واملخابئ التي ي�ستخدمونها، و�آليات التخفّي التي يتعاملون‬ ‫بها.‬ ‫و�إنّ ا�ستخدام االحتالل لهذه االعرتافات يف الو�صول �إىل املطاردين‬ ‫واملتخفِّني، ثم عمل الدرا�سات والبحوث، كان له الأ َثر الكبري يف تراكم خربات‬ ‫ِ‬ ‫َ ُ ّ‬
  • 201.
    ‫102‬ ‫ً‬ ‫العدو ومعرفته ل�سلوكاملطارد، وحتديد �أ�ساليب التخفّي التي يعتمدها، خ�صو�صا‬ ‫ِّ‬ ‫ُ ُّ‬ ‫�أن الغالبية العظمى من هذه الأ�ساليب متكررة وي�ستخدمها جـل املطاردين.‬ ‫ِّ‬ ‫ّ ُ‬ ‫ُّ‬ ‫- التَّـنكر ب�أزياء املطاردين وعلى هيئتهم: وقد �سبق احلديث عن وحدات‬ ‫َ‬ ‫(امل�ستعربني) ال�صهيونية التي ن�شطت يف االنتفا�ضة الأوىل، وا�ستطاعت �رضب‬ ‫ْ َ‬ ‫َّ‬ ‫املقاومة مراراً، ولعل القارئ يف كتاب (مهنتي كرجل خمابرات) لكاتبه رئي�س‬ ‫ُ‬ ‫جهاز ال�شّ اباك الإ�رسائيلي ال�سابق (يعقوب بري)، يدرك كم كان االحتالل‬ ‫ّ‬ ‫َ ً‬ ‫يطلق ِفرقا من جنوده يف اجلبال واملناطق التي يتوقّع �أن يكون فيها مقاومون‬ ‫ّ‬ ‫مطاردون، بحيث تنت�رش هذه الفرق بلبا�س رجال املنظمات، وحتمل �أ�سلحة‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫�شبيهة ب�أ�سلحتهم (كال�شنكوف)، ويحاولون ا ّللقاء واالتّ�صال باخلاليا ال ّنا�شطة‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫والعاملة بتلك املنطقة، ومن ثم اعتقالها �أو اغتيالها �أو و�ضعها حتت عد�سات‬ ‫الرقابة لتحقيق �أهداف �أخرى، وقد جنحوا يف حماوالت عديدة.‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫- اال�ستدراج: ويكون بافتعال �أحداث جللب املتخفني و�إخراجهم من‬ ‫ِ‬ ‫ِّ َ‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫مكانهم وظهورهم على حقيق ِتهم، فقد اعتمدت �أجهزة الأمن ال�صهيونية مبد�أَ‬ ‫ٍ‬ ‫ِْ‬ ‫ُّ ْ‬ ‫(الطعم) يف العديد من احلاالت، كرمي �سالح يف �أحد املواقع ومراقب ِته بعد‬ ‫ٍ‬ ‫َ‬ ‫�إي�صال معلومة ملن ُيعتقد �أنّ له عالقة باملطارد كي ُيو�صلها �إليه، �أو افتعال م�شكلة‬ ‫ِ‬ ‫ً‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫ُّ‬ ‫معينة �أو حدث يدعو �صاحب ال�شّ �أنِ �إىل الظهور، ومن ثم االنق�ضا�ض عليه.‬ ‫َ‬ ‫َ ٍ‬ ‫ّ ٍ‬ ‫- ا�ستخدام التّكنولوجيا وا�ستثمار التقدم العلمي والتّقني امل�ضطرد: كالت�ص ّنت‬ ‫ّ‬ ‫على �أجهزة االتّ�صال ال�سلكية والال�سلكية، والتعرف من خاللها على ب�صمة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ال�صوت وموقع �صاحبه، ومعرفة �شبكة العالقات املحيطة باملطارد، والتعرف‬ ‫ّ‬ ‫على خمبئه وحتركاته ونواياه، �أو بزرع �أجهزة ت�ص ّنت وجت�س�س يف بع�ض املواقع‬ ‫ُّ ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫ً‬ ‫َ ِ ّ‬ ‫والبيوت و ِقطع ال�سالح التي تعود للمطارد. �إ�ضافة �إىل ا�ستخدام طائرات‬
  • 202.
    ‫202‬ ‫ال ّتج�س�س والأقمارال�صِّناعية وغريها من الأجهزة املتطوِّرة التي تك�شف خفايا‬ ‫ّ‬ ‫ُّ ِ‬ ‫الأمور، وتو�صل العدو �إىل هدفه.‬ ‫َّ‬ ‫ُ‬ ‫- الـمـ�صادفـة: فكثرياً ما ت�صل �أجهزة الأمن ال�صهيونية �إىل املطارد عن طريق‬ ‫ُ َ‬ ‫امل�صادفة وبدون �سابق تخطيط؛ بعملية اقتحام ع�شوائية، �أو بوقوعه بيدهم خط�أً،‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ِّ‬ ‫�أو �أنْ ُيعر�ض املتخفِّي نف�سه لرهانٍ غري حم�سوب، ك�أن مير عن حاجز ع�سكري‬ ‫ٍّ‬ ‫ٍ‬ ‫َّ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ِّ َ‬ ‫على �أمل �أنْ ال ُيف ّت�شوه �أو ي�س�ألوه عن هو ّيته، فيدخل يف االحتماالت التي تقبل‬ ‫ِ‬ ‫اخلط�أ.‬ ‫***‬ ‫�ساد�ساً: و�سائل االتّ�صال الآمنة‬ ‫ِ‬ ‫يف حرب الع�صابات، يبحث العدو عن ال ّثغرات التي تحَدث مع الثائر �أثناء‬ ‫ً‬ ‫عمله ومقاومته، حماوال اقتنا�صها و�رضب املقاومة عربها. ويف املقابل، يبحث‬ ‫َ‬ ‫الثائر عن هذه ال ّثغرات لي�سدها ويتج ّنب الوقوع فيها واالنزالق يف خماطرها،‬ ‫َّ‬ ‫ويبحث عن العالج الأن�سب، وطرق الوقاية الأف�ضل، حتى ت�صبح مقاومته �أكرث‬ ‫ً‬ ‫�أمنا.‬ ‫ومن �أبرز الزوايا التي تزخر بال ّثغرات: (و�سائل االت�صال)، �سواء بني‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫املجاهدين �أنف�سهم، �أو مع الآخر؛ يف خطوط التوا�صل بني القائد واجلندي،‬ ‫و بني املجموعة والأخرى، وبني �أفراد املجموعة ذا ِتها، وبني قطاعات املقاومة‬
  • 203.
    ‫302‬ ‫ً‬ ‫املختلفة، وبني املقاومة والإعالم، وب�شكل عام، بني املقاومة والآخر �أيّـا كان...‬ ‫ٍ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫�إذ ي�ضطر الثائر دوما �إىل التوا�صل مع غريه �سعيا �إىل تن�سيق املوقف، واحل�صول‬ ‫على ال�سالح والعتاد، وتبادل املعلومات الالزمة، وتنفيذ الهجمات اجلهاد ّية..‬ ‫ِّ‬ ‫ولذا، فقد حاول خرباء ومفكرو حرب الع�صابات والعاملون يف هذا املجال‬ ‫ِ‬ ‫ِّ‬ ‫ابتكار الو�سائل التي تقلل خماطر االت�صال، وتعالج ثغراته، فكان اخرتاع احلرب‬ ‫َ‬ ‫ال�سرِّّي وتطويره، وكان العمل بال�شِّيفرة والترّميز وال ّنقاط امليتة، واالجتهاد يف‬ ‫ابتكار الأ�ساليب الفاعلة يف قطع اخليوط وحمو الآثار، وعدم ترك �أو �إحداث ما‬ ‫يقود �إىل الوقوع.‬ ‫�أوالً: التَّ�شفري:‬ ‫هو �أ�سلوب وعلم ال ّتخاطب بني طرفَني �أو �أكرث بطريقة يفهمونها، بحيث‬ ‫حتمل الر�سالة جمموعة من الرموز؛ ت�شري يف معناها احلقيقي �إىل معنى خمتلف‬ ‫ٍ‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫عن معناها الظاهري، وهي تلك ا ّللغة اخلا�صة البديلة امل�ستخدمة بال ّتوافق بني‬ ‫َ‬ ‫الأطراف، بحيث ال ي�ستطيع �أحد غريهم فهمها �أو الوقوف على معانيها.‬ ‫َ‬ ‫ٌ ُ‬ ‫يرجع العمل ب�أنظمة ال ّت�شفري �إىل عدة �آالف من ال�سنني، �أي مع بدء الأعمال‬ ‫ِّ‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫احلربية بني القبائل والتجمعات والقوميات، فقد مت اكت�شاف خمطوطات‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫فرعونية ت�شري �إىل ذلك، ثم مار�س ال�صِّينيون هذا العلم وتقدموا به، و�أ�صبحوا‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ي�ستخدمون (الكب�سوالت) ال�شّ معية التي يتم �إخفا�ؤها؛ �إما بالبلع، �أو ب�إدخالها‬ ‫ّ َ‬ ‫ُّ‬ ‫ّ‬ ‫يف الأح�شاء (من الدبر).‬ ‫ُّ‬ ‫وبعد ذلك، كان ا�ستخدام �أ�سلوب احلفر على اخل�شب، ثم �سكب ال�شّ مع‬
  • 204.
    ‫402‬ ‫َ َّ َ‬ ‫ّ‬ ‫الـمذاب فيه وطالئه لل ّتمويِه، ف�إذا جاء الطرف الآخر، �أذاب ال�شمع وقر�أ‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫املكتوب، ثم كانت الهند التي �ألزمت �سفراءها بتعلم الكتابة بلغة �رسية، و�أجادت‬ ‫ٍ ّ‬ ‫ّ َ‬ ‫يف ذلك حتى و�ضعت �أول كتاب يف هذا العلم...‬ ‫َ‬ ‫ثم تو�سعت رقعة ا�ستخدامه، لي�صل �إىل اليونان التي �أ�ضافت �إليه �إ�ضافات‬ ‫ّ‬ ‫هامة، ثم ح�ضارة ما بني ال َّنهرين، من بابليني و�آ�شوريِّني ثم فُـر�س ورومان، �إىل‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ِّ َ‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫�أن جاء امل�سلمون الذين جعلوه علما م�ستقال قائما بذاته كباقي العلوم. فدونوه‬ ‫ّ‬ ‫ّ ً‬ ‫خطيا يف العام 142هـ، حني كتب العامل اجلليل (�أبو بكر وح�شية) كتابه:‬ ‫َ‬ ‫(�شوق امل�ستهام يف معرفة رموز الأقالم)، ثم كانت مو�سوعة (�صبح الأع�شى)‬ ‫َ َّ‬ ‫للقلق�شندي، الذي �أفرد جملداً بعنوان (�إخفاء املعلومات ال�رسِّية يف الر�سائل)،‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫وق�سمه �إىل ق�سمني؛ الأول يبحث يف الرموز واال�صطالحات، والثاين يف فك‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫الرموز واحلرب ال�رسِّي.‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫وبعد اخرتاع االتّ�صاالت احلديثة ال�سلكية وا ّلال�سلكية العابرة للقارات، �أخذ‬ ‫ّ‬ ‫ِّ ّ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ال ّت�شفري منحى �آخر، ودخل مرحلة جديدة، و�شكل فيها �أحد �أعمدة احلروب‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫الع�رص ّية احلديثة، وعامال من عوامل الن�رص، وقد �شهدت احلرب العاملية الثانية‬ ‫ّ‬ ‫ِْ‬ ‫�أبرز تلك احلروب اال�ستخباريّة التي كان عمادها علم ال ّت�شفري.‬ ‫ِ‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫ومع انت�شار الإنرتنت، و�صل ال ّت�شفري مو�صال مل يكن يت�صوره عقل، ف�أ�صبح‬ ‫ّ‬ ‫غاية يف ال ّتعقيد، وا�ستخدم ْته جميع القوى الثور ّية والتحرر ّية املقاومة، ومن‬ ‫ِ‬ ‫ُّ‬ ‫ً‬ ‫�أبرزها تنظيم القاعدة، الذي اعتمد على الإنرتنت يف ربط �شبكة عالقا ِته وتبادل‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫�أفكارِ ه ومعلوما ِته، وعـر�ض �أهدا ِفه وخمططا ِته و�إعداد عمليا ِته.‬ ‫َ ْ ِ‬ ‫ومل تكن املقاومة الفل�سطينية بِدعا وال ن�شازاً، بل ا�ستخدمت ال ّت�شفري البدائي‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫ً‬
  • 205.
    ‫502‬ ‫مع انطالق �أعمالهاالفدائية، ثم تطورت عرب ا�ستخدام الإذاعات (الراديو)‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫اخلا�صة بالثوار، �إىل �أن دخلت عامل الإنرتنت وا�ستخدم ْته يف �أعمالها.. وقد‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ك�شفت ال ّتحقيقات ال�صهيونية مع املقاومني عن كثري من ذلك، �إال �أنّ ال ّتجربة‬ ‫ِ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫الفل�سطينية ال زالت خجولة ن�سبة �إىل غريها، فلم تُعط هذا العلم اهتماما م�ستقال،‬ ‫ِ‬ ‫ً ً‬ ‫َّ ِ‬ ‫ً‬ ‫ّ ً‬ ‫ومل تنجز فيه تقدما ملحوظا. ولعل �ضيق البقعة اجلغرافية كان �أحد الأ�سباب التي‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫�ساهمت يف ذلك، �إذ �أنّ االت�صال املبا�رش بني �أطراف العمل كان ال�سمة الأبرز،‬ ‫ِّ َ‬ ‫وا�ستخدام الأ�ساليب البدائية كان ذا جدوى و�أمان �أكرث من غريه.‬ ‫ّ‬ ‫ولتحقيق قدرٍ �أعلى من الأمن يف ا�ستخدام ال�شِّيفرة؛ نرى �رضورة الوقوف‬ ‫ِ ْ‬ ‫ُّ ّ ً‬ ‫على جمموعة مالحظات ال تقل �أهمية عن ال�شِّيفرة ذاتها، وتعطيها مزيداً من‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫القوة والأمان، وهي:‬ ‫عدم ا�ستخدام �شيفرة جاهزة، كال�شِّيفرات امل�ستخدمة يف �أجهزة الكمبيوتر،‬ ‫ّ َ‬ ‫�إذ �أنّ االحتالل �إذا متكن من احل�صول على ر�سالة م�شفّرة، ف�إنه يبد�أ بعر�ضها على‬ ‫ٍ‬ ‫الربامج اجلاهزة، وعلى ال�شِّيفرات املعدة م�سبقا، ف�إن مل يجد �ضالّته انطلق يف‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫َّ ُ ً‬ ‫البحث باالتجّاهات الأخرى.‬ ‫عدم ا�ستخدام م�صطلحات معروفة وعبارات وا�ضحة وكلمات متوقَّعة‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫الداللة، خ�صو�صا يف ال�شيفرة بالكلمات، ك�أن ت�ستخدم (رمانة) مبعنى قنبلة‬ ‫ّ‬ ‫َ َ‬ ‫ّ‬ ‫يدو ّية، �أو (بطيخة) مبعنى (عبوة)، �أو (عرو�س) مبعنى ا�ست�شهادي، فقد كـ ُثـر‬ ‫ا�ستخدام مثل هذه امل�صطلحات، حتى �أ�صبح من ال�سهولة الو�صول �إليها.‬ ‫ُّ‬ ‫َ‬ ‫- �أن تظهر الر�سالة (امل�شفَّرة بالكلمات) كن�ص طبيعي وا�ضح الدالالت،‬ ‫ِ ّ‬ ‫ٍّ‬ ‫ٍّ‬ ‫اّ‬ ‫ً‬ ‫ولي�س جتميعا، مبعنى: �أنّ �أحدهم �إذا قر أ� الر�سالة، يجب �أل يدرك �أنها ر�سالة‬ ‫ٌ‬ ‫َ‬
  • 206.
    ‫602‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫م�شفَّرة، بل يجدها ر�سالة عاطفية مثال، �أو ر�سالة عمل، �أو ر�سالة اجتماعية، و�أن‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫َّ ً‬ ‫يجدها مرتابطة متنا�سقة، لي�ست مفككة �أو ال تُعطي مدلوال، لأنه عندئذٍ �سيعلم‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫�أنّ وراء الر�سالة ما رواءها، ويبد�أ بالبحث عن مفتاحها، فت�سهل عليه ك�شف‬ ‫َ‬ ‫الر�سالة، فالواجب �أن يكون الت�شفري بطريقة ال تثري ارتياب �أحد.‬ ‫ٍ‬ ‫- �أن تكون الر�سالة منا�سبة لل�شخ�ص الـمـر�سلـة �إليه، ف�إذا كانت موجهة‬ ‫ّ ً‬ ‫ُ َ‬ ‫ِ ً‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ّ َ‬ ‫ً‬ ‫�إىل طالب مثال، فالأ�صل �أن يتحدث ظاهرها عن الدرا�سة وال ّتعليم وال ّت�سجيل‬ ‫ٍ‬ ‫ُ َ ً‬ ‫واالمتحانات، و�إذا كانت مر�سلـة �إىل مهند�س، فاحلديث عن امل�شاريع‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫واملخططات الهند�سية واخلرائط، وهكذا... حتى ال تثري الريبة.‬ ‫- ال�سعي �إىل البحث وال ّتطوير واالبتكار يف �أ�ساليب �إر�سال الر�سالة امل�شفَّرة،‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وعدم االكتفاء مبا �سبق من و�سائل وما مت اكت�شافه من �أ�ساليب، وكلما ا�ستطاع‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫املقاوم �إيجاد و�سائل غري م�سبوقة، يكون قد و�ضع عراقيل جديدة يف طريق من‬ ‫َ‬ ‫ِ ُ‬ ‫يحاول ك�شف ال�شِّيفرة.‬ ‫- عدم ا�ستخدام لغة ال ّت�شفري ذاتها ب�شكل دائم، بحيث ال يبقى اال�ستخدام‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫ملدة طويلة، ف�إذا ا�ستطاع االحتالل فك رموز ال�شِّيفرة، ف�إنه ال يهن� بذلك، لأنها‬ ‫أ‬ ‫ال تلبث �أن تتغيرّ، حتى لو مل يعلم املجاهدون �أن عدوهم ك�شفَها.‬ ‫َّ‬ ‫ثم �إن وقوع �أكرث من ر�سالة م�شفَّرة بني يدي العدو حتمل ال�شِّيفرة ذاتها،‬ ‫ِّ‬ ‫ِّ‬ ‫يق�ص امل�سافة عليه يف حلها وفك رموزِ ها، بينما �إذا وقعت هذه الر�سائل بني يديه‬ ‫َ‬ ‫رِّ‬ ‫ّ‬ ‫وهي مكتوبة ب�أكرث من �شيفرة، ف�إن ذلك ي�ضعه يف متاهة، وي�ضلله يف م�ساره،‬ ‫َّ ّ‬ ‫َّ‬ ‫ناهيك عن �أنّ املدة الزمنية كلما طالت؛ زادت من احتمالية وقوع املجاهدين يف‬ ‫ّ‬ ‫خط�أ ي�ؤدي �إىل ك�شف �شيفرتهم.‬ ‫ّ‬
  • 207.
    ‫702‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫- عدم و�ضع املعلومات يف �سلة واحدة، حذراً من وقوعها بيد االحتالل،‬ ‫فتكون الكارثة. بل ُيف�ضل جتزئتها �إىل �أجزاء، بحيث ال ي�ؤدي وقوع �أحد‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫هذه الأجزاء بيد العدو �إىل خ�سارة، وبالتايل ال يفهم العدو مغزى الر�سالة وال‬ ‫ّ‬ ‫معناها.‬ ‫ً‬ ‫ٌ‬ ‫وحتت هذا املو�ضوع حديث طويل، وتف�صيل كثري، ومنه مثال �أن تق�سم‬ ‫َّ‬ ‫ٌ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ُّ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ِّ ّ‬ ‫الر�سالة بكلـيـ ِتها �إىل عدة �أق�سام، �أو �أن ُير�سل ن�ص الر�سالة دفعة واحدة خالية من‬ ‫ً‬ ‫ٍ‬ ‫ً‬ ‫�أي رقم �أو ا�سم، وتُر�سل الأرقام والأ�سماء وال ّتواريخ م�شفَّرة يف ر�سالة �أخرى.‬ ‫ِّ‬ ‫وكذا �أن ُير�سل مفتاح ال�شِّيفرة جمزءاً، فالأحرف والكلمات يف ر�سالة، ورموزها‬ ‫ّ‬ ‫ومعانيها يف ر�سالة �أخرى. وميكن �أن يكون التق�سيم �أكرث من ذلك و�أعقد،‬ ‫وكلما ازداد تعقيده ازداد �أمانه.‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ْ‬ ‫- عدم �إطالع جميع العاملني على الرموز وال ّتفا�صيل و�آليات التوا�صل،‬ ‫وت�ضييق دائرة العارفني بها �إىل �أ�ضيق نطاق، والإبقاء على �أعلى درجات ال�رسِّية‬ ‫يف التعامل بها، فال يعلم بها �إال �صاحب احلاجة املبا�رشة؛ كم�س�ؤويل اخلاليا‬ ‫امل ّت�صلة ولي�س �أفرادها، �أو �ضباط االت�صال... ويف ذلك فوائد جمة، منها جت ُّنب‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫اخلط�أ، �أو االعرتاف يف ال ّتحقيق، �أو الثرَّثرة، �أو حتى االخرتاق، ويف حالة ال�شك‬ ‫يف انك�شاف �أمرها، ال بد من اجلد يف امل�سارعة �إىل ا�ستبدا ِلها ب�شيفرة جديدة.‬ ‫ٍ‬ ‫ِّ‬ ‫َّ‬ ‫ِ‬ ‫- عدم ك�شف ال�شِّيفرة ومفاتيحها بعد االنتهاء منها، والإبقاء عليها �ضمن‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫املعلومات ال�رسِّية، فكلما ك�شف العدو �أ�سلوبا جديداً يف ال ّت�شفري، ف�إنه يحاول‬ ‫من خالله فهم ذهنية املقاومني وطرق تفكريهم، وي�سعى �إىل تقدير الآلية التي‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫يعملون بها �أو �سيعملون.‬
  • 208.
    ‫802‬ ‫- عدم �إ�رشاك�أكرث من خلية يف ذات ال�شِّيفرة، مما يعني �أنه �إذا انك�شفت‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫ال�شيفرة ف�إنها ت�ؤدي �إىل �رضب �أكرث من خط ات�صال، وك�شف كم �أكرب من‬ ‫ّ‬ ‫ِّ ّ ٍ‬ ‫املعلومات. فيجب �أن يكون لكل خلية �شيفرتها اخلا�صة، و�إن كانت بطريقة‬ ‫خا�صة فهو �أف�ضل.‬ ‫ثانياً؛ احلِرب ال�سرِّّي:‬ ‫يزيد احلرب ال�رسِّي يف املرا�سالت ال ّتنظيمية من �رسية االت�صال وحفظ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫ً‬ ‫املعلومات، فيجعل اخلطوط �أكرث �أمنا. وعلى الرغم من املخاطر التي ت�صاحبه،‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ف�إنه �إذا �أح�سن املجاهد ا�ستخدامه م�صحوبا بعوامل متويهية وت�ضليلية تزيد من‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫�رسِّ ّيته، ف�إنه �سيح�صل على خطوط اتّ�صال �آمنة ي�صعب ك�شفُها واخرتاقُها.‬ ‫ِ ٍ‬ ‫والكتابة باحلرب ال�رسِّي، تعني ا�ستخدام حماليل كيميائية يف كتابة ن�صو�ص‬ ‫ّ‬ ‫ُ ِ‬ ‫ً‬ ‫مخَفية، فال تظهر �إال با�ستخدام حماليل كيمائية �أخرى كا�شفة، كبخار اليود مثال،‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫�أو بعملية ت�سخني للرقعة التي كتبت عليها الر�سالة.‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ومن هذه املحاليل �أو الأحبار ال�رسية ا ّلتي ا�س ُتخدمت يف كتابة الر�سائل؛‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫كربيتات ال ّنحا�س، وحملول البرياميدون، وبع�ض ال�سوائل الع�ضو ّية، كاخلل‬ ‫ّ‬ ‫والليمون واحلليب، وغريها من ال�سوائل التي تختفي فور كتابتها.‬ ‫ّ‬ ‫َّ ً‬ ‫كذلك مما يزيد من قوة هذا الأ�سلوب؛ ا�ستخدامه مدعما ب�أ�سلوب (الت�شفري)‬ ‫ّ‬ ‫الذي �سبق ذكره، ك�أن تُكتب الر�سالة بالرموز امل�شفَّرة، وباحلرب ال�رسي، ومبوقع‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫َ ِ‬ ‫غري متوقَّع (بني �سطور ر�سالة عادية �أو على ظهر رقعة غري متوقَّعة �أو يف مكان‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫�آمن)، وبهذا ف�إنه �إذا �سقط احلاجز الأول وك�شفت الرقعة، و�سقط احلاجز الثاين‬
  • 209.
    ‫902‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫وك�شف احلرب ال�رسِّي امل�ستخدم فظهرت الر�سالة، كانت الرموز ال�رسِّية (ال�شيفرة)‬ ‫ُ‬ ‫املعقَّدة باملر�صاد، وم َّثلت حاجزاً ثالثا يحول دون الو�صول �إىل حقيقة الر�سالة،‬ ‫ً‬ ‫ْ‬ ‫وكذلك ميكن �أن يكونَ تق�سيم الر�سالة �إىل �أجزاء عديدة حاجزاً رابعا.‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫هذان الأ�سلوبان؛ (ال�شِّيفرة) و(احلرب ال�رسِّي)، ي�شكالن جمتمعنيِ �ضمانا‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫لرفع درجة الأمان يف االتّ�صال، �إال �أنهما يبقيانِ قابلنيِ للوقوع يف �أيدي �أجهزة‬ ‫الأمن املعادية، ومن ثم ك�شف الر�سالة، وتبقى نقطة احل�سم التي جتعل منهما‬ ‫�أ�ساليب ناجحة و�آمنةً، هو مقدار ال ّتعقيد والغمو�ض الذي ي�صاحب لغة التوا�صل‬ ‫َ ّ‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫وما ت ّت�سم به من حنكة وتدبري.‬ ‫ِ‬ ‫و�إنِ ا�ستخدمنا ال ّت�شفري عرب الأثري، فيجب �أال نن�سى �أنّ املوجات ال�صوتية‬ ‫ِ ّ َ‬ ‫َ َ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ُّ‬ ‫ٌ‬ ‫ال�سابحة يف اجلو ملك للجميع، والكل ي�ستطيع الو�صول �إليها، و�إذا ا�ستخدمنا‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫احلرب ال�رسِّي ب�أنواعه، فعلينا �أن ندرك �أن جميع خمابرات الدول ا�ستخدم ْته منذ‬ ‫ِ ُّ‬ ‫َّ‬ ‫ِ َ‬ ‫ِّ‬ ‫ْ ّ َ ِ ّ ْ ّ‬ ‫زمن بعيد، و�إذا ا�ستخدمنا الرموز الكتابية، فلنتذكر �أنّ لدى عدونا و�أجهزته‬ ‫ٍ‬ ‫ِّ‬ ‫الأمنية م�ؤ�س�سات خا�صة متخ�صِّ�صة ومتفرغة لدرا�سة وحتليل كل �أنواع الكالم‬ ‫ِّ ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫ّ ٌ‬ ‫ّ ٌ‬ ‫ّ‬ ‫ْ‬ ‫ً‬ ‫الذي ي�صلها �سعيا �إىل تفكيكه والو�صول �إىل فحواه.. فلنحذر!‬ ‫ثالثاً؛ النّقاط امليتة:‬ ‫يهدف ا�ستخدام النقاط امليتة يف االت�صال �إىل قطع اخليوط الوا�صلة بني‬ ‫ّ‬ ‫الأطراف، و�إيجاد فراغات وتقطيعات معلوماتية جتعل مهمة االحتالل يف تتبع‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫املعلومة والو�صول �إليها ثم الو�صول من خاللها �إىل �أطراف العمل �أمراً يف غاية‬ ‫ال�صعوبة وال ّتعقيد.‬ ‫ّ‬
  • 210.
    ‫012‬ ‫ً‬ ‫فهو �أ�سلوب يحد من حجم املعلومات املك�شوفة واملتداولة داخليا، بحيث ال‬ ‫ُّ‬ ‫ٌ‬ ‫ً‬ ‫يطلع العاملون على بع�ضهم البع�ض ب�صورة مك�شوفة، وال يتعاملون معا ب�شكل‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫مبا�رش، الأمر ا ّلذي يجعلهم غري قادرين على تقدمي هذه املعلومات �إىل العدو عرب‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫التحقيق �أو بطريقة اخلط�أ �أو امل�صادفة.‬ ‫ّ‬ ‫و�سواء �أكانت ال ّنقاط (ميتةً) عرب نقطة لقاء جامدة، �أو (ن�صف ميتة) عرب‬ ‫�شخ�ص ملثم �أو غري معروف.. و�سواء �أكانت (طبيعيةً) ال حتتاج �إىل �إعداد، �أو‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫َ ُّ‬ ‫ُ َ‬ ‫(م�صطنعةً) تُـعـد من الثوار لأغرا�ض وا�ستخدامات خا�صة، ف�إنها ت�ؤدي الغر�ض‬ ‫الذي �أ�سلفناه ذاتَه.‬ ‫ولتحقيق قدرٍ �أعلى من الهدف ا ّلذي ا�س ُتخدمت لأجله ال ّنقاط امليتة، ف�إنه ال‬ ‫ْ‬ ‫بد من اتّباع جمموعة مالحظات، منها:‬ ‫ِ‬ ‫َّ‬ ‫- ال بد من اتّباع قدرٍ كبري من ال�رسِّية والك ْتمان يف ال ّتعامل مع ال ّنقاط امليتة؛‬ ‫ٍ‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫�سواء مبكانها، �أو �شكلها، �أو توقيت العمل بها، وكل ما من �ش�أنه �أن يك�شف‬ ‫َ‬ ‫�أمرها.‬ ‫َ‬ ‫- االلتزام مبواعيد العمل يف ال ّنقاط امليتة (ال�شّ حن وال ّتفريغ واللقاء)، لأن‬ ‫ّ َ‬ ‫َ ّ‬ ‫احل�ضور املبكر �أو املت�أخر قد يك�شف الطرف الآخر يف العمل، وبالتايل ال حتقّق‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ُ َ‬ ‫ال ّنقطة امليتة عملها وغاي ّتها، وعدم الرتدد على املوقع بغري حاجة، فكرثة الرتدد‬ ‫عليها ُي�رسِّع يف ك�شفها.‬ ‫ُ‬ ‫َّ ً‬ ‫ّ‬ ‫- االتفاق مع الطرف الآخر على نقطة بديلة تكون معدة للعمل بها يف حال‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫انك�شاف �أمر ال ّنقطة العاملة، لأن عدم االتفاق على نقطة بديلة قد ي�ؤدي �إىل‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ِ ِ‬ ‫قطع االت�صال �إذا ما انك�شفت ال ّنقطة الأوىل.‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬
  • 211.
    ‫112‬ ‫- �إذا كانتالنقطة (ن�صف ميتة)، فال بد من مراعاة كون ال�شّ خ�ص املل َّثم ال‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫ُّ‬ ‫يحمل عالمات فارقة �أو �سمات مميزة؛ كالعرج �أو الطول ال�شّ ديد، �أو ال�صوت‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫اّ‬ ‫املميز، و�أل يكون من نف�س منطقة الطرف الآخر �أو يعرفه بحكم العمل �أو‬ ‫َّ‬ ‫العالقة.‬ ‫ً‬ ‫- االهتمام ب�ضمان �سالمة حميط النقطة امليتة، بحيث تكون �آمنة بعيدة عن‬ ‫ً‬ ‫�أعني العدو وعمالئه.‬ ‫كلما كانت النقطة �آمنة ومموهة و�صعبة االنك�شاف وميكن لها �أن حتمي ما‬ ‫ً َّ ً‬ ‫بداخلها من ر�سائل �أو مواد ملدة زمنية �أطول، ف�إنها تكون مثالية وناجحة.‬ ‫ًّ‬ ‫ٍ ٍّ‬ ‫�أخرياً، ميكنني �أن �أقول: �إن �أ�سلوب (ال ّنقاط امليتة)، �إذا �أ�ضفْناه �إىل الأ�سلو َبنيِ‬ ‫ال�سابقَني؛ (ال ّت�شفري) و(احلرب ال�رسِّي)، ف�إننا ن�صل �إىل قدرٍ م�ضاعف من الأمن‬ ‫ٍ‬ ‫ْ‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫واملحافظة على املعلومة بعيدة عن �آذان و�أعني العدو.‬ ‫ولتحقيق ا�ستخدام �أ�سلم لل ّنقاط امليتة، نن�صح بالرجوع �إىل درا�سا ِتنا (�أمن‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫ٌ‬ ‫املطارد)، ففيه تف�صيل �شاف �إن �شاء اهلل.‬ ‫َ‬ ‫***‬
  • 212.
    ‫212‬ ‫�سابعاً: الإيـْـمـان‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫الإميان، من الأ�سلحة اال�سرتاتيجية التي ال ميكن للمقاتل ال ّثائر �أن يتخلى‬ ‫ّ‬ ‫عنها، ونق�صد بالإميان؛ القناعة الرا�سخة واليقني املطلق ب�صدقية وعدالة الق�ضية،‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وما يرتتّب على ذلك من بذلٍ وت�ضحية وعطاء، وما ينتج عن ذلك من اندفاع‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫وا�ستعدادٍ وجهوز ّية دائمة.‬ ‫ٍ‬ ‫ُ‬ ‫و�سواء كانت خلفية ال ّثائر �إ�سالمية �أو ي�سار ّية �أو قومية �أو غري ذلك، ف�إنّ‬ ‫ًّ‬ ‫ً‬ ‫ًّ‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫ِ َ‬ ‫ّ اّ‬ ‫َ‬ ‫الإميانَ بفكرته يولد القوة والتميز، �إل �أنّ الفكر املرتبط باهلل عز وجل ميتاز عن‬ ‫�أي ِفكر، والدافعية ا ّلتي يولدها تفوق �أي دافعية، والنتاج ا ّلذي ُيثمره يختلف‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫ّ ّ‬ ‫ِّ‬ ‫عن �أي ِنتاج.‬ ‫ِّ‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫وهنا �س ُنبحر قليال مع املنحة الإلهية التي َيـهبها اهلل لعباده املخل�صني �إنْ دخلوا‬ ‫ميادين اجلهاد وال ّت�ضحية يف �سبيل ر ِّبهم ون�رصة لدينهم وق�ضيتهم، �إنها منحة �إلغاء‬ ‫ُ ِ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫املنطق الريا�ضي واحل�سابات املادية يف املواجهة بني �أهل الإ�سالم وعدوهم.‬ ‫ِّ‬ ‫ِ‬ ‫ِ ّ ِ‬ ‫ِ ِّ ِّ‬ ‫َّ‬ ‫ً‬ ‫ففي اللحظة التي ي�ضع فيها امل�سلم قدمه يف �أر�ض املعركة م�ستعينا باهلل عز‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫وجل، ف�إن جميع احل�سابات املادية تُلغى، وت�صبح القوة ال تعني الكرثة، والغلبة‬ ‫ّ‬ ‫لي�ست بال�رضورة ملن ميلك العدة والعتاد، ويف التاريخ �شواهد و�أدلّة... فال يوجد‬ ‫َ‬ ‫ُّ‬ ‫منطق ع�سكري �أو ريا�ضي يقبل تف�سري انت�صار امل�سلمني الأوائل يف حروبهم‬ ‫َ‬ ‫ٌّ‬ ‫ٌّ‬ ‫ٌ‬ ‫املتوا�صلة، على الرغم من �ضعفهم الع�سكري الدائم، وتفوق عدوهم الهائل‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ ّ‬ ‫َ ِ‬ ‫عدداً وعدة.‬ ‫ّ‬
  • 213.
    ‫312‬ ‫مناذج خالدة:‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫َّ‬ ‫مل يتخل امل�سلمون يوما عن بذل اجلهد والأخذ بالأ�سباب املادية، ثم التوكل‬ ‫ّ‬ ‫على اهلل بفهمه احلقيقي: �إِميانٌ و�إِعداد. ويف جميع املواجهات واملعارك التي‬ ‫توفّـر فيها هذان العن�رصان، كان ال ّن�رص حليف الإ�سالم و�أهله، دون ال ّنظر �إىل ما‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ميلكون من العتاد وال ّتعداد.‬ ‫َ‬ ‫ففي معركة الريموك، كان عدد جند الروم 042 �ألف جندي مدججني‬ ‫َّ َ‬ ‫ب�أحدث �سالح يف ذاك الع�رص، قائدهم �إمرباطور الروم (هرقل)، وعدد جند‬ ‫ُّ‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫الإ�سالم 04 �ألف جماهد، قائدهم �سيف اهلل (خالد بن الوليد) ر�ضي اهلل عنه،‬ ‫َ ِ َ‬ ‫َّ‬ ‫َ ُّ‬ ‫حتى قال �أحد امل�سلمني: «ما �أكرث الروم و�أقل امل�سلمني!»، ف�أجابه (خالد بن‬ ‫ُ ُ‬ ‫ُ‬ ‫الوليد) ر�ضي اهلل عنه �إجابة امل�ؤمن باهلل، الواثق بن�رصه، العارف باملعنى احلقيقي‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫َ ِ َ‬ ‫ِ ُّ‬ ‫ُ‬ ‫َّ ُّ‬ ‫للقوة، فقال: «بل ما �أقل الروم و�أكرث امل�سلمني! �إمنا تَكرث اجلنود بال ّن�رص، وتَقل‬ ‫ُ‬ ‫باخلذالن، ال بعدد الرجال»، ودارت معركة طاحنة انتهت �إىل هزمية منكرة‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫َ ِ ّ‬ ‫َ‬ ‫ُ َ‬ ‫جلي�ش الكرثة، فق ِتل منهم �أكرث من 021 �ألف جندي، بينما قُتل من امل�سلمني‬ ‫بِ�ضعة �آالف(1).‬ ‫ُ‬ ‫ويف معركة (�ألي�س)، دارت حرب طاحنة بني جي�ش الفُر�س وحلفائهم من‬ ‫ْ‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫ن�صارى العرب، فكان قوامهم �أكرث من 051 �ألف مقاتل، وبني جي�ش امل�سلمني‬ ‫وقوامه ثمانية ع�رش �ألف جماهد، وكان مقاتلو الفُر�س �شديدي الب�أ�س، حتى قال‬ ‫ْ‬ ‫ِ‬ ‫ْ‬ ‫ٍ‬ ‫ً‬ ‫(خالد) فيهم: «ما لقيت قوما كقوم لقي ُتهم من �أهل الفُر�س، وما لقيت من �أهل‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫فار�س قوما ك�أهل (�ألي�س)». لكن املعركة انك�شفت عن هزمية نكراء لأعداء اهلل،‬ ‫َ‬ ‫حتى قُتل منهم فيها �سبعون �ألف كافر(2).‬ ‫ّ‬ ‫1 ابن الأثري والطربي.‬ ‫2 (فر�سان ال ّنهار من ال�صحابة الأخيار)، د.�سيد ح�سني العفاين.‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬
  • 214.
    ‫412‬ ‫ّ‬ ‫َ ُ ْ‬ ‫ويف معركة اليمامة من حروب الردة، تقابل (م�سيلمة الكذاب) ومعه �أربعون‬ ‫ِّ ّ‬ ‫�ألف مقاتل، وخالد ر�ضي اهلل عنه بجي�ش فيه ثالثة ع�رش �ألف م�ؤمن، وانك�شفت‬ ‫َ ِ َ‬ ‫املعركة عن �أربعة ع�رش �ألف قتيل مرتَد، و�ألف ومائتي �شهيدٍ م�ؤمن.‬ ‫ٍ ُ ّ‬ ‫وهكذا توالت املواجهات واملعارك، وكان ال ّن�رص حليف امل�سلمني مادام‬ ‫َ‬ ‫الإميان �سائراً يف ركبهم، ويف اللحظة التي �ضعف فيها �إميانُهم، وعاد اتّكالهم على‬ ‫َ ُ َ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫قوتهم، عاقبهم اهلل فوكلهم �إىل معيار العدة والعدد، ففي ح َنني، ر�أى امل�سلمون‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫�أنّ جي�شهم ميلك من العدد ما يكفي لهزمية �أي عدو، واغرتّوا بقوتهم، فابتالهم‬ ‫ّ‬ ‫ِ ِّ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ّ َ‬ ‫اهلل بالهزمية �أول الأمر، حتى َثبت ر�سول اهلل [ يف موقعه، فعاد امل�سلمون حوله‬ ‫َ‬ ‫ّ َ َ ُ‬ ‫وحتول �سري املعركة، قال تعاىل:}ﮥ ﮦﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ‬ ‫ﮬ ﮭ ﮮ{ [التوبة:٥٢].‬ ‫ِّ‬ ‫َ‬ ‫نعم! لقد تكفّل اهلل ب�أمر الكرثة، ب�رشط حتل ْينا بالإميان وال�صرب، ومنطق الريا�ضيات‬ ‫ِّ ّ‬ ‫واحل�سابات الـر ّبـانية و�ضحه لنا رب العزة يف كتابه العزيز فقال:} ﮆ ﮇﮈ‬ ‫ُّ ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ﮉ ﮊ ﮋ ﮌﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ‬ ‫ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣﮤ‬ ‫ﮥﮦﮧﮨ ﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓ ﯔ‬ ‫ﯕﯖﯗﯘﯙ{ [الأنفال:٥٦ـ٦٦].‬ ‫ًّ‬ ‫ًّ‬ ‫ولقد فهم امل�سلمون ذلك جليا، فجعلوا من الإميان عدة دائمة مل�سري ِتهم،‬ ‫ً‬ ‫ولقد طلب (�أبو بكر) ر�ضي اهلل عنه من قائد جيو�شه (خالد بن الوليد) �أن‬ ‫َ ِ َ‬ ‫اّ‬ ‫يتوجه بجي�شه بعد االنتهاء من قتال املرتدين �إىل العراق، وا�شرتط عليه �أل‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ي�أخذ معه �أي �أحدٍ من املرتدين ا ّلذين تابوا، �أو ممّن �ساعدهم ونا�رصهم، على‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫ِّ‬ ‫الرغم من حاجة امل�سلمني يف ذلك الوقت لكل جندي، لأنه �أدرك �أنّ نقاء‬ ‫َ‬ ‫ّ‬
  • 215.
    ‫512‬ ‫اجلي�ش و�سالمة �صفّهوامتيازه ب�صدق الإميان؛ خري لهم من كرثة العدد املليء‬ ‫ٌ‬ ‫َ‬ ‫بال�شّ وائب.‬ ‫وهكذا فهم (�صالح الدين الأ ّيوبي) ر�ضي اهلل عنه �سبب ال ّن�رص، فكان يقوم‬ ‫َ‬ ‫َ ِ َ‬ ‫ِّ‬ ‫بجولة ليلية يف مع�سكره يتفقّد جنده، ف�إذا مر بخيمة فيها جند يقومون الليل‬ ‫ٌ‬ ‫ٍ‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫ٍ ٍّ‬ ‫ويتلون القر�آن ويلهجون بالدعاء، �سعد بهم وقال: «من هنا ي�أتي ال ّن�رص!»، و�إذا‬ ‫َِ َ‬ ‫ر�أى خيمة فيها جنـد نيام، ت� ّلـم حلالهم وقال: «من هنا ت�أتي الهزمية!». وقبل‬ ‫أ َ‬ ‫ُ ٌ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ّ َ‬ ‫َ‬ ‫ِ ّ‬ ‫�أن تندلع معركة حطني ب�ساعات، قام ليله ومرغ وجهه بالترّاب داعيا ر َّبه باكيا‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫يقول: «اللهم انقطعت �أ�سبابي الأر�ضية من نُ�رصة دينك، ومل يبق �إال الإِخالد‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫�إليك، واالعت�صام بحبلك».‬ ‫َ‬ ‫فالعربة �إذن لي�ست بالكرثة وال بالعدة، بل بالإميان ال�صادق، يقول [:‬ ‫ّ‬ ‫« ُيو�شك الأُمم �أنْ تداعى عليكم كما تداعى الأكلة �إىل قَ�صع ِتها». فقال قائل: ومن‬ ‫ِ‬ ‫ْ‬ ‫َ ُ‬ ‫ِقلة نحن يومئذٍ ؟ قال: «بل �أنتم يومئذٍ كثري، ولك ّنكم غُ ثاء كغُثا ِء ال�سيل، و َلينزعن‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫ٍّ‬ ‫اهلل من �صدور عدوكم املهابة منكم، وليقذفن يف قلوبكم الوهن»، فقال قائل:‬ ‫َ‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫ِّ‬ ‫ُ‬ ‫ُّ‬ ‫َ‬ ‫وما الوهن يا ر�سول اهلل؟ قال: «حب الدنيا، وكراهية املوت»(1).‬ ‫ففي الوقت الذي بد�أ فيه الوهن ميلأ قلوب امل�سلمني، بد�أت الهزائم تتواىل‬ ‫ُ‬ ‫وت�صبح من ن�صيبهم، وبد�ؤوا يفقدون الدعم الر ّباين ا ّلذي يج�رس هوة احل�سابات‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫ّ َ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ُ ِّ‬ ‫املادية، يقول الأ�ستاذ الرا�شد: «وكما تبد�أ تَراجعات كل ح�ضارة بال َّنخر ِل ُتخلي‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫مكانَها �إىل ح�ضارة مناف�سة، ف�إنّ الفتنَ هي املقدمة ا ّلتي جتعل كل دعوة تُغزى‬ ‫ٍ‬ ‫ُ َّ‬ ‫ّ ُ‬ ‫ِ َ‬ ‫ٍ‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫َِ ُ ُ ّ َ‬ ‫يف عقر دارِ ها، فيكل اهلل الدعاة �إىل �أنف�سهم، فيعود منطق الريا�ضيات انتهاء؛‬ ‫ِ‬ ‫ُ ِ‬ ‫اّ‬ ‫َ‬ ‫لي�س ثمة عونٌ رباين ين�رص القليل على الكثري، بل الواحد ال ي�ساوي �إل الواحد،‬ ‫ّ ٌّ‬ ‫َّ َ‬ ‫1 رواه �أحمد و�أبو داوود، (�صحيح اجلامع ال�صغري).‬
  • 216.
    ‫612‬ ‫وت�ضبط ال�صرّاع الإح�صاءاتومعادالت احل�ساب؛ لي�س ثمة جهد ت�ضاعفه‬ ‫َّ ُ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫الربكة، وال خطوة ُيطوى لها الزمن»(1).‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫بهذه املعادلة ميكننا �أن نفهم وندرك كيف جرت معارك الإ�سالم، وما‬ ‫َ‬ ‫�أثمرت عنه من انت�صارات، كما يقول الأ�ستاذ (ناجي �صبحة): «هذا املنطق‬ ‫نعلم �أنه ركن هام من �أركان ال ّتف�سري الإ�سالمي كما ذكره القر�آنُ الكرمي»(2).‬ ‫َ‬ ‫ِّ‬ ‫ٌ ٌّ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫َ ّ‬ ‫َ‬ ‫�إذاً؛ عندما �أ�سقط امل�سلمون يف جهادهم املكا�سب املادية، وقدموا �أرواحهم‬ ‫رخي�صة يف �سبيل ربهم، و�ضحوا ب�أموالهم وممتلكاتهم دون �أن ينتظروا املقابل،‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫ُّ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫�أ�سقط اهلل احل�سابات املادية من �أر�ض املعركة، فذ َّلـل لهم ال�صعوبات، و�أزال‬ ‫ِ‬ ‫ِّ‬ ‫من �أمامهم العقَبات، فكان ال ّن�رص حليفَهم، على الرغم من قلة عددهم و�ضعف‬ ‫ُ‬ ‫�إمكاناتهم.‬ ‫***‬ ‫1 (�صناعة احلياة)، �أ.حممد �أحمد الرا�شد.‬ ‫ّ‬ ‫2 (�صفحات من ال ّتاريخ الإ�سالمي)، �أ.ناجي �صبحة.‬
  • 217.
    ‫712‬ ‫ُ‬ ‫�صفات‬ ‫رجل الع�صابات الناجح‬ ‫ِ‬
  • 218.
  • 219.
    ‫912‬ ‫�صفات رجل الع�صابات الناجح‬ ‫ِ‬ ‫ُّ ّ ُّ‬ ‫ُ‬ ‫ُيـعـد العمل اجلهادي والثوري من الأعمال ال�شاقّة على ال ّنف�س، املرهقة للج�سد،‬ ‫ِ‬ ‫َ ُّ‬ ‫َِ َ‬ ‫اخلطرة على كل �صعيد، ولذا قال عنه رب العزة يف كتابه الكرمي: }ﭑﭒ‬ ‫ُّ ّ‬ ‫ﭓﭔ ﭕ ﭖ{ [البقرة:٦١٢].‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫وهذه اخلطورة وامل�شقّة ت�ستدعي نف�سا م�ضحيةً، وقلبا حديد ّيا، و�إن�سانا‬ ‫ِّ‬ ‫َّ ً‬ ‫يحمل من ال�صفات ما يجعله م�ؤهال للقيام بهذا العمل، قادراً على النجاح‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ٍ‬ ‫َ ٍ‬ ‫و�إجناز مهامه دون كلل �أو تقاع�س �أو خور.‬ ‫ِّ‬ ‫ويف هذا الباب، ن�ستعر�ض بع�ضاً من تلك ال�صفات التي يحتاجها املجاهد نف�سه:‬ ‫ُ‬ ‫- م�ؤمن بربِّه، خمل�ص يف عمله، يحمل بني جوانحه �إميانا عميقا، وروحانية‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫مرهفة، والتزاما ب�رشع اهلل، وبعداً عن املعا�صي. لأنه �إنِ التزم كان بعيداً عن‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫ُ َ‬ ‫ِّ ً‬ ‫ال�سلبية يف املمار�سات، متجنبا للتباهي والتفاخر الذي ي�صيب ال ّثائر يف مقتل،‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫متفانيا يف �إجناز عمله، باذال اجلهد يف �إتقانه.‬ ‫- م�ؤمن بعدالة ق�ضيّته، و�رضورة الدفاع عن �أر�ضه وعر�ضه وم�سلوباته، يبذل‬ ‫ِ‬ ‫ِّ‬ ‫ً‬ ‫َّ‬ ‫كل ّيته يف �سبيل ربه ودفاعا عن ق�ضيته، فيعطي وق َته لها. وهذا الإميان يجعل‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫املجاهد يقاوم بغري ح�ساب، وي�ضحي دون انتظارٍ للنتائج والأرباح، يعطي دون‬ ‫ِّ‬ ‫َ‬
  • 220.
    ‫022‬ ‫طلب، وال يبايلبفداحة ال َّثمن الذي يدفعه جراء عمله هذا(1)، كما �أنّ هذا اليقني‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫يوفّر له القناعة املطلقة ب�صدقية و�أخالقية هدفه، و�سمو وكرامة مهمته؛ فال يقبل‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الت�شكيك، وال يت�أثر مبحاوالت ال ّت�أثري امل�ضاد، �أو الإ�سقاط يف �رشك اخليانة.‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫- يتحلى بالأخالق الكرمية الفا�ضلة، ويعامل النا�س باحرتام، ويرتك يف‬ ‫نفو�سهم �أ َثراً طيبا يدفعهم �إىل التم�سك بفكرته، والدفاع عنه، والوقوف معه،‬ ‫ّ‬ ‫ّ ً‬ ‫والت�سابق خلدمته دون التذمر من تبعات ذلك. فالأخالق الفا�ضلة هي مفتاح‬ ‫ّ‬ ‫النجاح مع النا�س، و(اجلاريال) كما �أ�سلفْنا تعتمد على ال�شعب يف وجودها،‬ ‫وعليها �أن تك�سبه ل�صفِّها ليكونَ ن�صريها واحلامي لها.‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫- ال�رسِّية والكِ تمان، فذلك ما يحفظ احلركة من االنهيار، والثورة من‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫االنك�سار، واملعلومة من االنت�شار والوقوع بيد العدو. وقد روي عنه [ �أنه‬ ‫ُِ َ‬ ‫َ‬ ‫قال: «ا�ستعينوا على ق�ضاء حوائجكم بالكتمان»(2). ف�إن من �أ�سا�سيات العمل‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ ً‬ ‫ً‬ ‫الأمني والع�سكري عموما؛ �ضمان �أعلى قدر من ال�رسِّية، وال نعتقد �أنّ �سمة‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫يحتاجها املجاهد بعد تقوى اهلل والتوكل عليه �أكرث من هذه، وال نن�سى �أن ال ّتفريط‬ ‫ً‬ ‫َ ً‬ ‫ِّ‬ ‫باملعلومة و�إف�شاء املخفي منها، يكلف العام ِلني ثمنا باهظا قد يكون �أرواحهم،‬ ‫َ‬ ‫ِّ‬ ‫َ‬ ‫�أو على الأقل �سنوات طويلة من الأَ�سرْ، فما من عملية اغتيالٍ �أو اعتقالٍ �أو ف�شل‬ ‫ِ‬ ‫ِّ‬ ‫مهمة جهاد ّية �إال و�سبقَتها معلومة فرطت املقاومة بها.‬ ‫ُ‬ ‫ٌ ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍّ‬ ‫- متابعة ما ي�ستجد على ال�صعيد الأمني، والتعرف على �أ�ساليب العدو يف‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫املتابعة واالعتقال واالغتيال والإ�سقاط وال ّتحقيق، واالطالع على درا�سات‬ ‫ِ َ‬ ‫ُ‬ ‫1 يقول الإمام الب ّنا يف جمموعة ر�سائله: «�إمنا تنجح الفكرة �إذا قَوي الإميانُ بها، وتوفّر الإخال�ص يف �سبيلها،‬ ‫ُ‬ ‫وازدادت احلما�سة لها، ووجد اال�ستعداد ا ّلذي يحمل على الت�ضحية والعمل لتحقيقها».‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫2 روي من عدة طرق �أكرثها �ضعيف، غري �أنه �صحيح من حيث التجربة. و ُينظر يف تخريجه: (املقا�صد احل�سنة)‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫لل�سخاوي.‬
  • 221.
    ‫122‬ ‫ّ ُ‬ ‫ِّ‬ ‫متخ�صِّ�صة يف كل عنوان. فاالطالع على �أ�ساليب العدو يف االغتيال واالعتقال؛‬ ‫يقي املطارد من ال�سقوط فيها، واملعرفة ب�أ�ساليب ال ّتحقيق وكيفية انتزاع‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫املعلومات من �صدور الرجال؛ ي�ساعد الأ�سري على االحتفاظ مبعلومته التي‬ ‫ّ‬ ‫ت�رضه وت�رض حرك َته و�إخوانَه. ونقول: �إنه ال يكفي جمرد االطالع على مثل هذه‬ ‫ّ‬ ‫ُّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الدرا�سات، بل اال�ستفا�ضة يف درا�ستها والبحث فيها واالطالع على ما ي�ستجد‬ ‫ّ‬ ‫حولها با�ستمرار.‬ ‫ٌّ‬ ‫َ ُ‬ ‫- الإعداد البَـدين، فرجل الع�صابات مهتم ب�إعداد ج�سمه، وبنائه البناء‬ ‫َ ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ال�سليم، فيتج ّنب ما ي�ؤذيه �أو يجعله �ضعيفا خامال، كالتدخني مثال، ويعمل‬ ‫بتوا�صل على تقوية ج�سمه ومترينه ليكون مرنَ احلركة، قادراً على حتمل الأعباء‬ ‫ّ‬ ‫َِ‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ُّ‬ ‫ٌ‬ ‫ُّ‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫وامل�شاق، ويف ذلك يقول [: «امل�ؤمن القوي خري و�أحب �إىل اهلل من امل�ؤمن‬ ‫ّ‬ ‫ُ ً‬ ‫ّ‬ ‫ٍّ‬ ‫ال�ضعيف، ويف كل خري»(1). فكلما كان اجل�سد قو ّيا، كان قادراً على �إجناز مهامه‬ ‫ّ‬ ‫وحتمل �أعباء املقاومة، وكلما كانت ُبنيته خالية من الإعاقات والأمرا�ض، ف�إنه‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫يكون قادراً على حتمل �أمل التحقيق الذي قد يتعر�ض له �أثناء �أ�رسه، وبالتايل يحفظ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫�رسه و�رس حركته.‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫ّ ّ َ‬ ‫وكذلك ف�إنه كلما متلك املجاهد ُبنية قويّة وهمـة عليـة، ف�إنه يكون قادراً على‬ ‫ُ ً ً ّ ً َ َّ‬ ‫اخلروج من م�آزق يقع فيها، وخماطر يتعر�ض لها، فكم من حدث كان املجاهد‬ ‫َ ٍ‬ ‫ّ‬ ‫فيه على �شفا ال�شّ هادة �أو االعتقال، �أخرج ْته منه خ�شون ُته وهمته وقوة ُبني ِته بعد‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ُلطف اهلل، فكم مرة كان اجلنود على ُبعد �أمتار من القائد (ن�رص الدين ع�صيدة)‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫َّ ّ‬ ‫َ ِ‬ ‫يحا�رصونه، لكن طول نفَ�سه وقوة حتمله مكن ْته من اخلروج �ساملا(2)، وتكرر‬ ‫ّ‬ ‫1 رواه م�سلم.‬ ‫أ‬ ‫ّ ٌ‬ ‫َّ‬ ‫ّ َ‬ ‫2 متكن املجاهد (ن�رص الدين) من الإفالت من بني يدي جي�ش االحتالل بعد �أن طوقته قوات كبرية، فاختب� �أ�سفل‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫َ َ‬ ‫حزمة حطب، وا�ستمر على و�ضعيته يوما كامال حتى ابتعد اجلي�ش عن املنطقة، فا�ستطاع االن�سحاب بف�ضل اهلل.‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وجنا ثانية باختفائه داخل برميل �صغري، وثالثة باختبائه يف حاووز ماء.‬ ‫ً‬ ‫ً‬
  • 222.
    ‫222‬ ‫ذلك مع املجاهدال�شهيد (�إبراهيم �سالمة) و(علي عا�صي)، �إ�ضافة �إىل ع�رشات‬ ‫ً‬ ‫الق�ص�ص مع جماهدين �آخرين.‬ ‫ِّ‬ ‫َ ُ‬ ‫َّ‬ ‫ويالحظ �أنّ قوة اجل�سم و�سالمة البنية تكون �أكمل باختيار الأخ ال�سوي‬ ‫ً‬ ‫�أوال، ثم العمل على �إعداد هذا اجل�سم وتدريبه مبا يلزم من دورات و�ألعاب‬ ‫ّ‬ ‫قوى، ثم �إخ�ضاعه �إىل امتحانات وجتارب عملية ت�ضعه على املحك احلقيقي،‬ ‫ّ‬ ‫وت�سرب غَ وره وقدراته وجاهز ّيته ملا تدرب عليه.‬ ‫َّ َ‬ ‫- يتقن ا�ستخدام �أنواع عديدة من ال�سالح، ب�إتقان الرمي بها وتفكيكها‬ ‫ّ‬ ‫وتنظيفها، والطريقة الأمثل يف ا�ستخدامها وتخزينها، ومع معرفته العامة، ال بد‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫له من تخ�ص�ص بنوع من ال�سالح، يواظب التدرب عليه حتى يبلغَ مرحلة اخلربة‬ ‫َ ِ‬ ‫ّ َ‬ ‫ٍ‬ ‫ُّ ٍ‬ ‫التي ال يكاد يخالطها خط�أ.‬ ‫�إنّ �إتقان التعامل مع ال�سالح؛ يجعل املقاوم ي�شعر بدرجة �أعلى من االطمئنان،‬ ‫ٍ‬ ‫ِّ‬ ‫ٍ‬ ‫ِّ‬ ‫َّ ً‬ ‫ويجعله مهيئا ل�رسعة اال�ستجابة لأي طارئ جديد، واخلروج من �أي م�أزق قد‬ ‫يقع فيه(1).‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫- يتقن العديد من املهارات، وهو �أمر ذو �أهمية خا�صة، فكلما �أتقن املقاتل‬ ‫ّ ٍ ّ‬ ‫ٌ‬ ‫ّ‬ ‫مهارات �إ�ضافيةً؛ كان �أقرب �إىل حتقيق درجة املقاتل املثايل، وبالإ�ضافة �إىل مهارة‬ ‫َ‬ ‫ٍ‬ ‫�إتقان التعامل مع ال�سالح، هناك مهارات �أخرى يحتاجها املجاهد، منها:‬ ‫ال�سياقة مبهارة و�سرُعة، وعلى عدة �أنواع من املركبات.‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫الإ�سعاف الأويل، ومعاجلة اجلرحى، وكيفية �إخالئهم من �أر�ض املعركة،‬ ‫ّ‬ ‫1 وقع املجاهد (�سلطان العجلوين) يف الأ�سرْ لعدم معرفته كيفية ا�ستخدام ال�سالح الر�شّ ا�ش، فبعد �أن �أطلق ال ّنار من‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫م�سد�سه نحو اجلندي ال�صهيوين و�أرداه قتيال، �أخذ بندقية (61‪ )M‬وحاول ا�ستخدامها، لكنه مل يتمكن من ذلك،‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ َ‬ ‫فهجم عليه اجلنود واعتقلوه دون �أن يتمكن من �إحداث ردة فعل.‬ ‫َ‬
  • 223.
    ‫322‬ ‫َِ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫وا�ستخدام احلـقَن والتنفّ�س اال�صطناعي، ومعاجلة الذات �إنْ َلزم الأمر، فقد‬ ‫ا�ستطاع املجاهدون مراراً ال ّنجاة واالن�سحاب من �أر�ض املعركة ملعرف ِتهم بهذا‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫العلم، ومن ذلك ما كان يف عملية اختطاف اجلندي (يورن)(1).‬ ‫ّ‬ ‫- بع�ض املهارات البَـدنيّـة؛ مثل اقتحام املواقع، واخرتاق احلدود، وت�سلق‬ ‫َ‬ ‫اجلدران، وق�ص الأ�سالك ال�شّ ائكة، وجتاوز حقول الألغام، وال�سهر املتوا�صل،‬ ‫ّ َ‬ ‫ّ‬ ‫والدقّة يف املراقبة النهار ّية والليلية، والقدرة على الر�صد والترّكيز ملدة طويلة.‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫- القدرة على ا�ستخدام بع�ض امل�ساعدات؛ كالبو�صلة، ومهارات ا�ستخدام‬ ‫(احلبل)، واملناظري الّليلية والنهار ّية، و�أجهزة االت�صال الدقيقة، والكمبيوتر‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫والإنرتنت، وكل ما من �ش�أنه م�ساعدة املقاتل يف �إنفاذ مهامه والقيام بواجباته.‬ ‫ّ‬ ‫- املعرفة ببع�ض املهارات اخلا�صة بالعمل ال�رسِّي وحرب الع�صابات، مثل و�سائل‬ ‫ّ‬ ‫االت�صاالت (الت�شفري واحلرب ال�رسِّي، واملرا�سالت اخلفية). ويالحظ �أن هذه‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫ًّ‬ ‫ًّ‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫املهارات وغريها حتتاج بالإ�ضافة �إىل التدريب ال ّنظري، تدريبا عمليا ميدانيا،‬ ‫و�إجراء مترينات �شبه حقيقية، ت�صل باملجاهد �إىل درجة عالية من الإتقان.‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫- لديه من الوعي ال�سيا�سي ما يجعله قادراً على اختيار املكان والزمان والآلـيّـة‬ ‫ِ ّ ِّ‬ ‫املنا�سبة عند �إنفاذ �أي مهمة قتاليّة، فمن غري الّالئق �أن يعمل ال ّثائر بغري ح�ساب،‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ِّ ّ ٍ‬ ‫ً‬ ‫فيتعار�ض عمله مع امل�صلحة العامة، �أو يتناق�ض مع ما تطرحه حركته، وخ�صو�صا‬ ‫ً‬ ‫�أن التوا�صل بني �أطراف العمل الثوري يكون �صعبا يف خ�ضم العمل الع�سكري،‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫وخطوط االرتباط بالقيادة قد تكون متقطعة، فالعاملون كثرياً ما يكونون‬ ‫َ‬ ‫مطاردين، وبالتايل فاملجموعات قد تُعزل عن قيادتها ال�سيا�سية، فال جتد �ضابط‬ ‫ّ‬ ‫1 �أُ�صيب املجاهد (تي�سري �سليمان) �أثناء عملية خطف اجلندي (يرون) بر�صا�صة يف فَخذه، فا�ستخدم ما تعلمه من‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫ٍّ‬ ‫�إ�سعاف �أويل يف عالج نف�سه، ثم تابع مع �إخوانه عملية اخلطف بنجاح.‬ ‫ٍ‬
  • 224.
    ‫422‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫اتّ�صال، عندئذٍ نحتاج �إىل االجتهاد، ومن ميلك وعيا �سيا�سيا ي�ستطيع تقدير‬ ‫�صوابية العمل �أو خطئه.‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫- احلالة النف�سيّة العالية، والتي يجب على املقاتل �أن يتحلى بها كلَّ حني، فالعامل‬ ‫ال ّنف�سي هو �أحد �أهم و�سائل احل�سم يف (اجلاريال)، وكلما ارتفعت معنويات‬ ‫ّ‬ ‫ُّ‬ ‫املقاتل؛ ازداد اندفاعا وعطاء و�إ�رصاراً على موا�صلة الطريق مهما ارتفع الثمن.‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫ّ ّ‬ ‫ٍّ ٍ‬ ‫ّ‬ ‫نعم! �إنّ على املقاتل �أن يتحلى بنف�سية قو ّية ال تهتز بال�صدمات، وال جتنب‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫مع املخاطر، وال ي�صيبها اخلور مع ال�صعوبات، فهي نف�س مليئة بالإميان واليقني‬ ‫ٌ‬ ‫ِّ‬ ‫ٌ َ ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫ٌّ‬ ‫ِّ‬ ‫الذي يحميها من كل ذلك، وهي نف�سية ثائرة مقاتلة �شرَِ�سة على عدوها، جريئة‬ ‫َِ‬ ‫ٌّ‬ ‫يف جهادها، م�ستعدة لل�صمود حتى القطرة الأخرية من دمها، وهي متلك من‬ ‫ِ‬ ‫الرحمة جتاه �أبناء �شعبها ما يجعلها حتنو عليهم، ومتتنع عن �إيذائهم، تتم ّتع برباطة‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫اجل�أ�ش التي متكنها من الت�رصف بحكمة يف �أحلك الظروف، فال ت�ضطرب �أو‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫تهلع، حتب املغامرة دون تهور، فتتقدم �إىل حيث يوجد هدفها الذي ميكن �رضبه،‬ ‫ُّ‬ ‫وتحُجم حني ترى �أن التقدم �رضب من االنتحار.‬ ‫ٌ‬ ‫َّ‬ ‫ُّ َّ‬ ‫أّ‬ ‫وهي نف�س ال تت�ثر باحلرب النف�سية التي ي�ش ّنها العدو �ضدها، وال تبايل مبا‬ ‫ٌ‬ ‫يب ّثه �إِعالمه امل�سموم و�أل�سنته الكاذبة، فهي دائمة الثقة بربها، واالطمئنانِ لقادتها‬ ‫ُ ِّ ِ ِّ‬ ‫التي ت�سي �أمورها، فتلتزم الطاعة الـمب�صرِة، وهل من جندي بغري طاعة؟!‬ ‫ٍّ‬ ‫َ ُ‬ ‫َ‬ ‫رِّ‬ ‫- ميتلك عقليّة خلاّقة مبتكرة، وذهنيّة متيقّظة متَّقدة، في�ضع احللول‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً ُ‬ ‫ً‬ ‫للمع�ضالت، ويبتعد عن التبعية وال ّتقليد، يح�سب خطواته جيداً، ويدر�س ويقيم‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫ِّ َ‬ ‫ما �سبق من �أحداث ليوظف نتائجها فيما هو �آت.‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫لديه قدرة على ا�ستيعاب اجلديد، وتطوير ما ميلك من �أ�ساليب، فيفكر بعقلية‬ ‫ّ‬
  • 225.
    ‫522‬ ‫َ‬ ‫اخل�صم، وي�ضع نف�سه مكان عدوه، ويح�سب ما ميكن �أن يفعله، وهذا يحتاج �إىل‬ ‫ِّ‬ ‫�سعة ُ�أفق و�إبحار يف اخليال، �إ�ضافة �إىل اطالع على ثقافة اخل�صم. هذا الأ�سلوب‬ ‫ّ ٍ‬ ‫ً‬ ‫ِ َِ‬ ‫هو الذي يجعل رجل الع�صابات قادراً على التنب�ؤِ مبا �سيقدم عليه عدوه، وما هي‬ ‫ُّ‬ ‫ُ ِ‬ ‫ُّ‬ ‫َ‬ ‫ال ّثغرات التي يحاول ال َّنفاذ عربها؟ وبالتايل َي�سد هذه الثغرات، ويغلق �أبواب‬ ‫ُ ّ‬ ‫اخلط� املحتمل الذي تُبنى عليه �أ�سو�أ االحتماالت(1).‬ ‫أ‬ ‫- املعرفة الكاملة بت�ضاري�س املنطقة التي ت�شمل حدود عمله، و�أماكن اختفائه‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫وكره وفره، ومعرفة طبيعة �أر�ض املعركة التي يخو�ضها، وكلما كانت معرفته‬ ‫ِّ‬ ‫ِّ‬ ‫�أكمل، كانت نتيجتها �أف�ضل، و�إن هذه املعرفة حتميه من الوقوع بيد عدوه،‬ ‫ِّ‬ ‫وتُعينه يف �إنفاذ عملياته ومهامه بنجاح، وتتيح له الت�رصف ب�شكل �سليم حال‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫حدوث �أي طارئ.‬ ‫ِّ‬ ‫�إ�ضافة �إىل ذلك، فهو مطا َلب مبعرفة ن�سبية بعموم بالده ومناطقها، وما حتويه‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ٌ‬ ‫ً‬ ‫من �سهولٍ وجبالٍ ووديانٍ ومدنٍ وقُرى، ومع�سكرات العدو وم�ستوطنا ِته،‬ ‫ِّ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ومناطق اخلطر التي يتواجد فيها، و�أماكن وفرة املياه �أو انعدامها، وكل ما‬ ‫من �ش�أنه �إر�شاده �إىل اختيار املوقع الأمثل لإقامته، والهدف الأمثل ملهاجمته،‬ ‫والطريق الأمثل ل�سلوكه، وامللج�أ الأح�صن لاللتجاء �إليه.‬ ‫- �إتقان لغة العدو، حيث روي: «من تعلم لغة قوم �أَمن مكرهم»(2)،‬ ‫َّ َ َ ٍ ِ َ َ َ‬ ‫َ‬ ‫ُِ َ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ّ ِ ِ‬ ‫فمعرفة املجاهد للغة العربية يخدمه يف عدة جماالت، فهو يفتح عليه بابا وا�سعا‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫لفهم طبيعة عدوه وعاداته وممار�ساته، ويك�شف له الكثري من حتركا ِته واملعلومات‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫ِّ‬ ‫ِّ َ‬ ‫ِّ‬ ‫1 يقول املفكر (بيرت دركر): «نحن بحاجة �إىل مدبرين وجمازِ فني؛ فاملدبرونَ يتولّون ال ّتحليل املايل و�ش�ؤون العاملني التي‬ ‫حتتاج �إىل درا�سة وحتليل، �أما املجازِ فني فهم �أ�صحاب اخليال اجلامح ا ّلذين ال تقيدهم احلقائق، وينظرون �إىل امل�ستقبل‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫نظرة �إبداعية».‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ٌ‬ ‫2 قول �صحيح و�إن مل يثبت حديثا نبوياً.‬
  • 226.
    ‫622‬ ‫املفيدة عنه عرب�إعالمه، ويعينه يف التخفّي �إن كان مطارداً، وال ّتمويه على نف�سه‬ ‫واخلروج من امل�آزق، وي�ساعده يف تنفيذ بع�ض �أعماله، وعلى ر�أ�سها عمليات‬ ‫ّ‬ ‫اخلطف وبع�ض العمليات اال�ست�شهاد ّية.‬ ‫ّ‬ ‫ٍّ‬ ‫ٍ ُ َ‬ ‫فكم من عملية جهادية ك ِتب لها النجاح بف�ضل هذه ال�سمة، وكم من عملية‬ ‫ٍ‬ ‫ف�شلت ومل حتقِّق �أهدافَها املر�سومة �أو جزءاً منها لعدم توفّرها، فقد كان املجاهد‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫(حممد ب�شارات) ُيعد نف�سه لعملية كبرية، �إال �أنّ عدم معرف ِته باللغة العربية �أوقعه‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ٍّ‬ ‫ِ ُّ َ‬ ‫يف م�أزق خطري، ا�ضطره �إىل الك�شف عن حقيقة نف�سه، وق ْتل اجلندي الذي‬ ‫ِّ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫حاول حمادث َته، فلم يحقّق كامل هدفه. وكذا ال�شهيد البطل (ف�ؤاد القوا�سمة)،‬ ‫ْ‬ ‫ِّ ٌ ِّ‬ ‫ِّ ً‬ ‫كان متوجها لتفجري نف�سه داخل مغت�صبة �صهيونية وهو متنكر بزي متديِّن‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫يهودي، فا�ضطر لتفجري نف�سه على حاجز ع�سكري، لأنه مل يتمكن من الإجابة‬ ‫ٍ‬ ‫َّ‬ ‫على اجلنود الذين حتدثوا معه بالعربية.‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫�أخـــرياً، ف�إنّ رجل الع�صابات املجاهد جندي يف جي�ش الإ�سالم، وكلما‬ ‫ٌّ‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫َ‬ ‫ملك �صفات �أكمل، كان �أقرب �إىل النجاح يف مهمته، وال ّتنكيل بعدوه.‬ ‫ًّ‬ ‫ِّ‬ ‫و�إنّ من الوا�ضح لكل ناظر؛ �أن املقاتل الفل�سطيني ال ي�أخذ حظا وافراً من‬ ‫ّ‬ ‫َ ِّ ِّ ِّ‬ ‫الإعداد البدين والذهني قبل انخراطه يف العمل الن�ضايل، الأمر الذي يقلل من‬ ‫ِّ‬ ‫كفاءته، ويحد من جناحاته، ولهذا اخللل �أ�سباب عديدة، منها ما هو خارج عن‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫ُّ‬ ‫�إرادة املقاومة، ومنها ما ميكن �أن ن�ص ّنفه يف دائرة الق�صور، وجتربة قطاع غزة‬ ‫ت�شري �إىل �أن املقاومة لو ملكت الفر�صة والإمكانات لقدمت الكثري.‬ ‫ّ‬
  • 227.
    ‫722‬ ‫من عوامل النجاح‬ ‫ِ‬
  • 228.
  • 229.
    ‫922‬ ‫من عوامل النجاح‬ ‫لكي حتقِّق اخللية املجاهدة واملجموعة املقاومة قدراً �أكرب من النجاح،‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ال بد لها من اتّباع �سل�سلة �إجراءات والأخذ بجملة اعتبارات ومالحظات،‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫َّ‬ ‫تعالج ما �سبق احلديث عنه من معوِّقات، وتُعني على جت ُّنب ما ذكرناه من �أخطاء‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫و�سقطات، وت�ستثمر ما فات من جتارب وخربات، فتوظفها توظيفا �سليما،‬ ‫وجتني �أطيب الثمار.‬ ‫ّ‬ ‫و�إنّ الأخذ بهذه املالحظات، �إ�ضافة �إىل القواعد العامة حلرب الع�صابات،‬ ‫ً‬ ‫هو ما ي�ؤدي �إىل حتقيق قدر �أعلى من الإجناز والنجاح ب�إذن اهلل، ومن هذه‬ ‫ّ‬ ‫املالحظات:‬ ‫ّ‬ ‫1ـ التوكل على اهلل قبل الإعداد و�أثناءه وبعده: والت�رضع �إليه، واالبتهال‬ ‫ّ‬ ‫وااللتجاء بالدعاء، و�س�ؤاله التوفيق وال�سداد والن�رص، فهو املي�س وامل�سهل، وهو‬ ‫ِّ‬ ‫رِّ‬ ‫َّ‬ ‫َ َ ْ َ َّ ْ‬ ‫ِّ‬ ‫املقدر للأمور كلها، خريِها و�رشِّها، فمن كان مع اهلل كان اهلل معه، } ومن َي َتوكل‬ ‫ِّ‬ ‫َ َ َهّ ِ ُ َ َ ْ ُ‬ ‫على الل فَهو ح�س ُبه{ [الطالق:٣].‬ ‫ّ‬ ‫لكن، ال بد من الف�صل وال ّتمييز بني التوكل على اهلل، وبني ال ّتواكل املذموم،‬ ‫َّ‬ ‫ٌ‬ ‫فالتوكل �شعور القلب واطمئنان النف�س، وا�ستقرار العقل، ي�صاحبه �أخذ‬ ‫ٌ ِّ‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫بالأ�سباب وعمل باجلوارح وبذل للجهد، وا�ستعداد لكل االحتماالت، و�سعي‬ ‫ٌ‬
  • 230.
    ‫032‬ ‫د�ؤوب يف �سبيلتوفري �أ�سباب النجاح وجت ُّنب عوامل الف�شل، وهو عني ما �أمر به‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ٌ‬ ‫دي ُننا احلنيف، و�سار عليه ر�سولنا الكرمي [.‬ ‫لقد �أخذ ر�سول اهلل [ بتجميع �أ�سباب الن�رص، ومار�س مبادئ احلرب،‬ ‫ٌّ ُ ٌ ّ‬ ‫واجتهد يف احليطة واحلذر واال�ستعداد، رغم �أنه نبي مر�سل يتنزل عليه الوحي‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫حفظا وتوجيها وب�شارة، وهذا البذل كان �سببا يف ن�رصه على �أعدائه، ودر�سا‬ ‫للعاملني من بعده. هكذا كان حاله [ يف هجرته، وهو د�أبه يف جميع غزواته‬ ‫وحروبه، وو�صيته لقادة جنده وجماهدي كتائبه و�رساياه التي جابت اجلزيرة‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫العربية طوال وعر�ضا.‬ ‫2ـ التخطيط املتوا�صل، واالهتمام بال ّتحديد اال�سرتاتيجي وال ّتكتيكي،‬ ‫ٍّ‬ ‫و�أدوات كل منها، وعدم ترك العمل ي�سري بع�شوائية تقود �إىل املجهول.‬ ‫ٍّ‬ ‫والتخطيط ي�شمل املدى الق�صري؛ بر�سم اجلزئيات واملهمات الآنية، كما‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ٌ‬ ‫ي�شمل املدى البعيد، وما يجب �أن يكون عليه احلال، فهو نظرة �إىل امل�ستقبل،‬ ‫واهتمام بلحظة مبا�رشة العمل.‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫�إن االطمئنان �إىل دقّة التخطيط مدعاة �إىل اال�ستقرار الذي يبعث على‬ ‫الإبداع، كما �أن العمل على ب�صرية يزيد من احتمالية النجاح واال�ستمرار، ف�إذا‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫كان التخطيط غري مكتمل؛ فالأَوىل ت�أجيل العمل حتى يكون املوقف كامل‬ ‫الو�ضوح، واخلطط مكتملة الإعداد.‬ ‫3ـ التّقييم الدائم لكلِّ مراحل العمل، الأمر الذي ي�ضمن اال�ستفادة مما �سبق،‬ ‫والوقوف عند مواطن اخللل لتج ّنبها، والتعرف على مكامن القوة للأخذ بها،‬ ‫ّ‬ ‫والو�صول �إىل نتائج وخال�صات حتمي اخللية وحتفظها، واكت�ساب خربات‬ ‫ّ‬ ‫ومهارات تزيد من جناحها.‬
  • 231.
    ‫132‬ ‫ً‬ ‫َّ‬ ‫وهذا التقييم ي�شمل كل عامل يف موقعه، ف�إن كان الأخ م�س�ؤوال �أمام غريه،‬ ‫ٍ‬ ‫مكلفا ب�إدارة خاليا وجمموعات؛ فهو َ�أوىل النا�س بانتهاج ال ّتقييم والتزامه،‬ ‫ْ‬ ‫َّ ً‬ ‫ُ‬ ‫لأن تقييمه ذو نتائج و�آثار تَفوق الفرد العادي. و�إن كان الأخ ع�ضو خلية �أو‬ ‫ُّ‬ ‫ّ‬ ‫َّ ٌ‬ ‫م�س�ؤولها، ف�إنه مكلف بدرا�سة وتقييم حال خليته، وحماولة التنب�ؤ مبا �سيكون عليه‬ ‫احلال، وما ي�ستوجب فعله، و�أن يرفع ما ي�ستخل�صه من نتائج وقراءة م�ستقبلية �إىل‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫امل�ستويات العليا، علهم يوظفونها يف خدمة املجموع.‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫ًّ‬ ‫لقد برز الق�صور جليا يف املقاومة الفل�سطينية عموما بف�صائلها وقواها يف‬ ‫�إجراء تقييم دوري لواقعها، والقيام بتحليل دائم للم�ستجدات والأحداث من‬ ‫ّ‬ ‫ٍ ٍ‬ ‫ٍّ‬ ‫ٍ‬ ‫ً‬ ‫حولها، وربطها بالتاريخ، متوازيا مع فهم احلال ومعرفة الطرف الآخر، حتى‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫يكون حتليال واقعيا يبعد عن اخليال، و�إن هذه اجلهود تقت�ضي �إنتاج درا�سات‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫و�إ�صدارات ت�شكل �أ�سا�سا لنهو�ض العمل املقاوم من كبوته، وتقدمه يف عمله،‬ ‫ّ‬ ‫و�أداء مهامه و�إجنازها.‬ ‫ّ‬ ‫ٌ‬ ‫4ـ التوا�صل الدائم مع املحيط، وهو ا�ستكمال للبند ال�سابق، فاالبتعاد عن‬ ‫الو�سط الذي حتياه املقاومة، واتّخاذ القرارات من ُبرج عاج؛ ي�ؤدي �إىل اتّخاذ‬ ‫ّ‬ ‫ٍ ٍ‬ ‫قرارات ومواقف خاطئة، و ُي�ضعف العالقة بني املقاومة وحميطها.‬ ‫َ‬ ‫ٍ‬ ‫ال بد لقيادة العمل املقاوم من �أن تكون على توا�صل مع كافّة جنودها، ت�سمع‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫َّ‬ ‫منهم وحتاورهم، توفُّر احتياجاتهم وتلبي رغباتهم، وجتيب على ت�سا�ؤالتهم،‬ ‫ّ‬ ‫ثم على املقاومة �أن تكون على متا�س مع ال�شارع جت�س نب�ضه، وت�سمع �صوتَه،‬ ‫ُّ َ‬ ‫ٍّ‬ ‫وتدعم �صموده، وتعي�ش معه، في�شعر �أنه جزء منها و�أنها جزء منه، فيحميها‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫َ‬ ‫وين�رصها.‬
  • 232.
    ‫232‬ ‫5ـ ا�ستخدام مهاراتوعلوم ت�ساهم يف جناح العمل، كا ّلتي ا�ستخدم ْتها‬ ‫ً ً‬ ‫حروب الع�صابات ال�سابقة، كعلم ال ّت�شفري الذي ي�ضمن توا�صال �آمنا بني �أطراف‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫العمل، وفن التنكر والتخفّي الذي يوفّر للمجاهد قدرة على االختفاء بعيداً عن‬ ‫ّ‬ ‫�أعني العدو ملدة �أطول، وفنون االت�صال واملرا�سالت، وا�ستخدام احلرب ال�رسي‬ ‫والنقاط امليتة.‬ ‫وكلما مت ّتع �أع�ضاء اخللية مبهارات �إ�ضافية تخدم هدفهم؛ ازدادت كفاءتُهم‬ ‫يف �أداء مهامهم، وقدرتُهم على جتاوز العقبات التي تعرت�ضهم، ومعاجلة الأزمات‬ ‫ّ‬ ‫التي يقعون فيها.‬ ‫6ـ «الر�صد نِ�صف العمل الع�سكري»: قاعدة ع�سكر ّية �شهرية، وهي �أ�سا�س يف‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫َّ ْ‬ ‫ّ َ‬ ‫جناح العمل اجلهادي املقاوم، �أكـد على �صحتها �أبطالنا وجماهدونا بتجاربهم،‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫فكلما كان الر�صد �أكرث دقّـةً، وتفا�صيل الهدف امل ْنوي �رضبه معلومةً؛ زادت‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫احتمالية النجاح، وقلت �إمكانية وقوع املفاج�آت. فاملطلوب من املجاهدين‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫حت�صيل �أكرب كم من املعلومات املوثوقة عن الهدف، �شكال وكيفا وحركة وتوقيتا،‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫وحجم القوة التي ميتلكها، ومواطن ال�ضعف التي تتوافر فيه، ومكامن القوة لديه،‬ ‫ّ‬ ‫والأ�سلوب الأمثل لل ّتعامل معه، وال�سالح الأف�ضل ملواجهته والإجهاز عليه، وعدد‬ ‫ّ‬ ‫املقاومني القادرين على �أداء املهمة دون زيادة مفرطة �أو نق�صانٍ خمل...‬ ‫ٍ ُ ٍ‬ ‫ُّ‬ ‫كل ذلك ي�ضع العمل يف ن�صابه ال�صحيح، و ُيريح اخللية من خطر الوقوع‬ ‫َّ‬ ‫فيما ال تحُمد عقباه(1)، �أو الدخول يف مغامرة غري حم�سوبة الأبعاد والنتائج،‬ ‫ويجعل املهمة �أقرب للنجاح وحت�صيل النتائج املرجوة.‬ ‫1 يف عملية (غاين تال)، كاد املجاهدون �أن يقعوا يف مقتل؛ ب�سبب معلومات ناق�صة جاء بها الرا�صد، ت�شري �إىل وجود‬ ‫ّ‬ ‫جند َّينيِ يف اجليب امل�ستهدف، بينما كان يحوي ثالثة جنود!‬ ‫ّ‬
  • 233.
    ‫332‬ ‫7ـ �رسِّيّـة العمل:فحرب الع�صابات تواجه عدواً �شرَِ�سا يبذل جهده وي�سخر‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫�إمكاناته وخرباته يف �سبيل �رضبها والإجهاز عليها، �سعيه الأكرب وهمه الأول‬ ‫ّ‬ ‫هو جمع املعلومات عن املقاومة وقادتها وجنودها، وقواعد انطالقها و�أماكن‬ ‫ّ‬ ‫تواجدها وت�سليحها، ونقاط قوتها و�ضعفها، و�أ�سلوب تفكريها وخمططاتها،‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وكل كبرية و�صغرية متعلقة بها.. وكلما ا�ستطاع حت�صيل كم �أكرب من املعلومات؛‬ ‫ٍّ َ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫كانت قدرته على �رضب املقاومة �أعلى، و�سهامه نحوها �أكرث �إيالما و�إثخانا.‬ ‫يقابل ذلك كله، حر�ص (اجلاريال) على �إخفاء معلوماتها، وجعل العدو‬ ‫ً‬ ‫جاهال بحقيقتها وباملعلومات التي يبحث عنها، فت�صبح حربه و�رضباته املوجهة‬ ‫َّ‬ ‫�إىل املقاومة �رضبا من الع�شوائية والتخبط على غري هدى، فال تثمر �أذى كبرياً‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫للمقاومني. ومن هنا، د�أَب االحتالل على تقوية �أجهزة ا�ستخباراته، و�إمدادها‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫بالكادر الب�رشي، والإمكانات املادية، وو�سائل التطور العلمي والتقني؛ حتى‬ ‫ّ‬ ‫ت�ؤدي دورها على �أكمل وجه.‬ ‫ّ‬ ‫�إن من �أوىل �أولويات العمل املقاوم: احلفاظ على �رسِّية املعلومة، ولذا، ف�إن‬ ‫عملها مبجمله يدور حول الكتمان والأمن وال�رسِّية، وما ال ّت�شفري واحلرب ال�رسِّي‬ ‫ِ‬ ‫ُّ‬ ‫والتخفّي وال ّتمويه والتنكر وال ّنقاط امليتة واملالجئ �إال �أدوات لتحقيق �أعلى قدر‬ ‫ِ‬ ‫من ال�رسِّية والأمن.‬ ‫لقد �أن�ش�أت الواليات امل ّتحدة الأمريكية وكالة ا�ستخبارات (‪ )CIA‬يف‬ ‫َ‬ ‫�أعقاب ال�رضبة الع�سكرية املفاجئة التي وجهتها اليابان للأ�سطول الأمريكي يف‬ ‫ّ‬ ‫البا�سفيك، مطلع الأربعينات، ف�أدت �إىل تدمريه بالكامل، فكان قرار �إن�شاء جهاز‬ ‫ّ‬ ‫يحارب العدو باملعلومات، ويحفظ دولته و�شعبه بحفظ املعلومات(1).‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫1 �أبجد ّيات ال ّت�صور احلركي للعمل الإ�سالمي)، �أ.فتحي يكن، نقال عن كتاب (اجلا�سو�سية الأمريكية)، �أندروتويل.‬ ‫ّ‬ ‫َ‬
  • 234.
    ‫432‬ ‫8ـ اال�ستعداد الدائم،والبقاء على جاهزية، واليقظة لكل جديد، والتعامل‬ ‫معه مبا يلزم، يقول تعاىل: } ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ‬ ‫ٌ‬ ‫ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ { [الأنفال:٠٦]. فالإعداد �أ�صل ال‬ ‫ميكن التنازل عنه بحال.‬ ‫ً ِّ‬ ‫واال�ستعداد يعني �أن تبقى املقاومة متيقّظة لكل ما يدور حولها من م�ؤامرات‬ ‫وهجمات وممار�سات تنفّذها قوات االحتالل، وتهدف من خاللها �إىل �رضب‬ ‫ّ‬ ‫املقاومة، وال َّنيل من وجودها.‬ ‫واال�ستعداد يعني �أال يرتك رجل الع�صابات �سالحه، و�أال يتخلى عن حر�صه‬ ‫َ‬ ‫ويقظته وحذره، وعدم الت�رصف دون �أخذ املخاطر التي حتيط به من كل جانب‬ ‫ّ‬ ‫بعني االعتبار.‬ ‫واال�ستعداد يعني ا�ستقراء الواقع، وتقدير ما ميكن �أن يقوم به العدو، و�إعداد‬ ‫اخلطة الكفيلة ب�إف�شاله ورد كيده �إىل نحره.‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫فلي�ست الع�صابات جي�شا نظاميا يخو�ض معارك حمدودة، حمدد زمانُها‬ ‫َّ ٌ‬ ‫ومكانُها، في�ستعد لها يف حينه، بل هي جبهة مفتوحة للقتال، وميدانٌ يحتمل‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫ُّ‬ ‫ِّ‬ ‫العمل يف كل حني، ميكن �أن تُفر�ض فيه املعركة واملواجهة على ال ّثائر دون �أن‬ ‫ً‬ ‫ّ َ‬ ‫يخطط لها، فماذا �ستكون ردة فعله �إن كان م�سرتخيا؟‬ ‫ّ‬ ‫ّ َ‬ ‫9ـ على قيادة العمل الثّوري �أن تركـز على احلالة النف�سيّة ملقاتليها، وتطمئن‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫دائما �إىل �سالمتها وجاهزيتها، وتركز على بنائها ب�شكل �سليم يو�صلها �إىل‬ ‫ٍ‬ ‫ً‬ ‫هدفها، و�إن عليها �أن تغر�س فيهم جملة مفاهيم و�أفكار، تزيد من قوة نف�سيتهم‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫وا�ستعدادهم، من ذلك:‬
  • 235.
    ‫532‬ ‫- الرتكيز علىقد�سية الهدف ونقائه وم�رشوعيته، وهو حترير الإن�سان‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫َّ‬ ‫والأر�ض، والذود عن الكرامة والعر�ض، و�صون احلقوق واملمتلكات، وال ّت�أكيد‬ ‫على الأحقّية الدينية والقانونية والإن�سانية والتاريخية لهذا العمل، و�أننا �إمنا نثور‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ ّ‬ ‫لتح�صيل احلق.‬ ‫ّ‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫- اال�ستعداد الدائم للت�ضحية، وهو حت�صيل حا�صل للبند ال�سابق، ففي الوقت‬ ‫الذي ي�صل فيه املقاتل �إىل القناعة املطلقة ب�أحقّيته ملا ينا�ضل من �أجله، وبقد�سية‬ ‫ّ‬ ‫هدفه، ف�إنه يندفع بدون تردد، وي�صبح على ا�ستعداد لتقدمي �أغلى ما ميلك يف‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ُ َ‬ ‫ّ ُ‬ ‫�سبيل الو�صول �إىل هدفه. ففي حرب الع�صابات ت�شكل ال ّت�ضحية ر�أ�س هرم يف‬ ‫ثقافة املنا�ضل، فال غنى له عنها، وال انت�صار له بدونها(1).‬ ‫ِ‬ ‫- �إيجاد ال�شعور الدائم بالثقة بالن�رص لدى املقاتلني، ف�ش ّتانَ بني مقاتل يائ�س‬ ‫ٍ ٍ‬ ‫محُ َبط، مقتنع بعدم قدرته على حت�صيل هدفه، فهو خائر الهمة، فاقد اجلاهز ّية،‬ ‫ُ‬ ‫ُ ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍّ‬ ‫ٍّ‬ ‫ّ‬ ‫ٌ‬ ‫منخف�ض الإمكانية، فا�شل يف �أداء مهامه اجلهاد ّية، وبني جندي مطمئن �إىل‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫قُدرته وقدرة ثورته على حتقيق االنت�صار والو�صول �إىل الهدف، وا�سرتجاع‬ ‫ٌ‬ ‫ُ‬ ‫احلقوق امل�سلوبة، فهو م َّتقد الهِ مة، كامل اجلاهز ّية، مليء باحليو ّية، ناجح يف‬ ‫ُ ّ‬ ‫�أداء املهام املوكلة �إليه.‬ ‫َ‬ ‫ِّ َ‬ ‫ّ َ‬ ‫ومن بداهة القول، �أنّ الإميانَ باهلل والتوكل عليه، والثقة به وااللتجاء �إليه،‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َ ّ‬ ‫َِ‬ ‫ودوام ال�صِّلة به، وذكره وال�شّ عور مبعيته، خري ما ميكن �أن ي�شحذ الهِ مم، ويقوي‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫النفو�س، ويقاوم الي�أ�س والقنوط، ويدفع �إىل االنطالق، وهذا ما مييز جنود‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫املقاومة الإ�سالمية يف كل مكان.‬ ‫1 يقول ال�شيخ عز الدين الق�سام: «لي�س املهم �أن ننت�رص، �إمنا نريد �إحياء اجلهاد، وتربية جيل يرى ال�شّ هادة يف �سبيل اهلل‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫غاي َته!». من كتاب: (عز الدين الق�سام)، �أ.حممد ح�سن �رشاب.‬
  • 236.
    ‫632‬ ‫01ـ االحتفاظ ب�سالحا�سرتاتيجي �أو عمليات نوعيّة ال�ستخدامها وقت احلاجة،‬ ‫ْ ً‬ ‫بحيث ت�شكل ردعا للعدو من الإقدام على �أعمال جنونية وقا�سية؛ كالإقدام على‬ ‫ارتكاب املجازر �أو اغتيال القيادات ال�سيا�سية �أو ا�ستخدام �أ�ساليب غري �إن�سانية‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫يف �رضب املقاومة، عندئذٍ ت�ستخدم املقاومة �سالحها، وتلقي بع�ض �أوراقها،‬ ‫َ‬ ‫فتنفّذ العملية النوعية، �أو ت�ستخدم �سالحها اال�سرتاتيجي يف الوقت املنا�سب،‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫فيكون مربراً �أمام العامل، رافعا لهمة ال�شعب، رادعا لالحتالل من تكرار فعلته،‬ ‫ً‬ ‫ً ّ‬ ‫َّ‬ ‫ِّ‬ ‫مظهراً جاهز ّية املقاومة وا�ستعدادها للتفاعل مع كل جديد.‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ًّ‬ ‫وقد ظهر اخللل جليا بعدم وجود هذا ال�سالح لدى حركة املقاومة الإ�سالمية‬ ‫حني �أقدم االحتالل على جرمي َتي اغتيال ال�شيخ امل�ؤ�س�س (�أحمد يا�سني)،‬ ‫ِّ‬ ‫والدكتور القائد (عبد العزيز الرنتي�سي)، بينما مل ت�ستطع احلركة �أن تقدم رداً‬ ‫َّ ّ‬ ‫ً‬ ‫منا�سبا حلجم احلدث، يف حني كان االحتالل يتوقّع ردة فعل �أكرب من تلك التي‬ ‫ّ ٍ‬ ‫قدمتها احلركة.‬ ‫ّ‬ ‫***‬
  • 237.
    ‫732‬ ‫املعوقات‬ ‫ِّ‬
  • 238.
  • 239.
    ‫932‬ ‫املعوقات‬ ‫ِّ‬ ‫واجهت املقاومة الفل�سطينية �سل�سلة معوِّقات داخلية وخارجية �أعاقت‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ٍ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫تقدمها، وقللت من جناحاتها، و�أ�ضعفت �إجنازاتها، وزادت من خ�سائرها،‬‫ّ‬ ‫و�أبط�أت �أداءها، وق�صرّت عمر خالياها والعاملني يف �صفوفها. وهذه املعوقات‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫منها ما يقع �ضمن �أخطاء داخلية وعوامل متعلقة باملقاومة ذاتها و�أدائها وتنظيمها‬ ‫ّ‬ ‫وكفاءة �أفرادها، ومنها ما هو خارجي مرتبط باالحتالل وما ميار�سه من حرب‬ ‫و�ضغوطات موجهة �إىل ال�شعب ومقاومته ومقدراته..‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫خارجياً:‬ ‫وذلك ما يتم ّثل يف حرب االحتالل على املقاومة، فالعالقة بني االحتالل‬ ‫ٌ‬ ‫واملقاومة تقوم على ال ّتناق�ض والرف�ض واملواجهة، ولهذه املواجهة �أ�شكال‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ِ ٍ‬ ‫َّ‬ ‫عديدة، فاالحتالل ي�ستخدم كل ما ميلك من �أ�ساليب قَذرة وو�سائل متنوعة‬ ‫لإنهاء املقاومة، و�إخ�ضاع ال�شعب ل�سلطته، وتدجينه وقمع �أي متردٍ �أو خروج‬ ‫ٍ‬ ‫ِّ ّ‬ ‫ُ‬ ‫عن �إرادته، و�أ�ساليبه يف ذلك ال تنتهي، ومنها :‬ ‫1ـ ال�ضرّبات اليومية، من اغتياالت واعتقاالت ومالحقات و�إبعاد وت�رشيد،‬ ‫ِّ‬ ‫وهي �سيا�سة دائمة اتّبعها االحتالل مع كل من يقف يف وجهه، حتى زاد عدد‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬
  • 240.
    ‫042‬ ‫�شهداء فل�سطني عنع�رشات الألوف منذ بدء االحتالل، وبلغ عدد الأ�رسى منذ‬ ‫عام (7691م) ما يقارب (007) �ألف حالة اعتقال(1)، �إ�ضافة �إىل �أعدادٍ هائلة‬ ‫ٍ‬ ‫ً‬ ‫من اجلرحى والإعاقات واملبعدين وامل�رشدين.‬ ‫َّ‬ ‫هذه احلمالت �أفقدت املقاومة �أبرز قاد ِتها، و�أملع جنومها، و�أخل�ص �أبنا ِئها‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫َ َ‬ ‫بني �شهيدٍ و�أ�سري وجريح وطريد، وبنظرة نُلقيها على ف�صائل املقاومة و�أجنحتها‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫الع�سكرية، جند �أنهم تعر�ضوا بال ا�ستثناء لهذه الأ�شكال من ال�ضرّبات...‬ ‫ّ‬ ‫فحركة حما�س قدمت ال�شهداء ال�شيخ امل�ؤ�س�س �أحمد يا�سني، والدكتور‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫عبد العزيز الرنتي�سي، و�إبراهيم املقادمة، و�إ�سماعيل �أبو �شنب، وجمال من�صور،‬ ‫ّ‬ ‫وجمال �سليم، ويو�سف ال�رسكجي، و�صالح دروزة، و�صالح �شحادة، ويحيى‬ ‫عيا�ش، وحميي الدين ال�رشيف، وعادل عو�ض اهلل، و حممود �أبو هنود...‬ ‫وحركة فتح قدمت ال�شهداء يا�رس عرفات، وخليل الوزير، و�صالح خلف،‬ ‫ّ‬ ‫و�سعد �صايل، و�أبو الهول، وكمال عدوان، و�أبو يو�سف النجار...‬ ‫وقدمت حركة اجلهاد الإ�سالمي امل�ؤ�س�س فتحي ال�شقاقي، وهاين عابد...‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وقدمت اجلبهتان ال�شعبية والدميقراطية �أبو علي م�صطفى، وعمر قا�سم،‬ ‫ّ‬ ‫وغ�سان كنفاين...‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫وقدم ال�شّ عب الفل�سطيني �أ�ضعاف ه�ؤالء...‬ ‫ُّ‬ ‫ُ‬ ‫َّ‬ ‫ه�ؤالء وغريهم غُ ـيبوا بالقتل، و�أ�ضعافُهم غُ ـيب بالأَ�سرْ، ناهيك عن ح�شدٍ عظيم‬ ‫ٍ‬ ‫ِّ َ‬ ‫ِّ‬ ‫ُ‬ ‫من اجلنود والفر�سان و�أبطال امليدان، ا ّلذين خا�ضوا املواجهات، وقدموا �أرواحهم‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ودماءهم و�أعمارهم يف �سبيل ربهم ولتحقيق هد ِفهم وحترير �أوطا ِنهم.‬ ‫ِّ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫1 ن�رشة احل�صاد ـ قناة اجلزيرة، يوم 52/6/7002م.‬
  • 241.
    ‫142‬ ‫واملتتبع للحرب ال�رش�سةالتي ي�ش ّنها جي�ش االحتالل؛ يدرك حجم الإمكانات‬ ‫ّ‬ ‫الهائلة التي ير�صدها لهذا الهدف، والأ�ساليب القذرة التي ي�ستخدمها لتحقيقه،‬ ‫والوح�شية والهمجية التي ينتهجها �إىل درجة ي�صعب و�صفُها عرب �سطور.‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ِّ ُ َ‬ ‫لقد ا�ستخدم االحتالل القتل بكل �صوره، فقَتـل �أثناء املواجهات، وقَتل يف‬ ‫َ‬ ‫َ ٍ‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫العمليات الع�سكر ّية، وقتل يف �أقبية التحقيق، وقتل اغتياال، وقتل بدم بارد، وقتل‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ ِّ‬ ‫َ‬ ‫املقاتلني، وقتل ال�شيوخ، وقتل الن�ساء والأطفال، قتل ب�سبب وبغري �سبب، قتل‬ ‫ٍ‬ ‫َ َ‬ ‫ً‬ ‫اّ َ‬ ‫ً‬ ‫بِيـد عمالئه، فلم يدع بابا للقتل �إل طرقَه، وال �سبيال للإجرام �إال �سلـكه..‬ ‫َ ِ‬ ‫ٍ َّ ً‬ ‫ا�ستخدم �سيا�سة تك�سري العظام وال ّتنكيل باملقاومني، و�أجرى حمالت منظمة‬ ‫ِ ِ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫و�أخرى ع�شوائيـة من االعتقاالت، وزج بع�رشات الآالف يف ال�سجون، و�أبعد‬ ‫َ‬ ‫َّ‬ ‫ّ ً‬ ‫عن الأر�ض بغري ح�ساب... والزالت جتربة �إبعاد املجاهدين �إىل مرج الزهور‬ ‫ماثلة يف الأذهان.‬ ‫ً‬ ‫ّ َ‬ ‫ِّ‬ ‫وهكذا كانت ممار�ساته بحق ال�شعب ومقاومته يف كل حني، وهو ما �شكل‬ ‫ِّ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫العقبة الأوىل واملعوِّق الأبرز �أمام املقاومة، واحلائل الأ�سا�س دون ا�ستقرارها‬ ‫واحلفاظ على قوتها ودميومة تقدمها وحتقيق �أهدافها و�آمالها.‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫2ـ االخرتاق والإ�سقاط، وحماولة تدمري ال�شعب واملقاومة بالإف�ساد ون�رش‬ ‫الرذيلة و�إ�شاعة االنحالل، ومن ثم ربط �أكرب عدد من �أفراد املجتمع باالحتالل،‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫وجعلهم خائ ِنني لدينهم و�أمتهم، متعاو ِنني مع عدوهم، متورطني ب�إراقة دماء‬ ‫ِّ ِ‬ ‫ِّ‬ ‫َ‬ ‫�شعبهم، كارهني للمقاومة وحمار ِبني لرجالها.‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫ِّ‬ ‫َ‬ ‫ِّ ٍ‬ ‫وذلك �أ�سلوب مار�سه اال�ستعمار يف كل �أر�ض دخلها، ومع �أي م�ستعمرة‬ ‫ٌ‬ ‫�أن�ش�أَها، ويف كل حرب خا�ضها منذ فجر التاريخ وحتى يومنا هذا، وقد منت‬ ‫ٍ‬ ‫ِّ‬
  • 242.
    ‫242‬ ‫وبرزت هذه الظاهرةيف ع�رصنا احلديث مع اندالع احلروب العاملية، ثم احلرب‬ ‫الباردة بني �أمريكا واالحتاد ال�سوفيتي.‬ ‫ُّ‬ ‫ِّ‬ ‫ً ّ َ‬ ‫ّ‬ ‫ولقد �شكلت ظاهرة اخليانة مر�ضا �أرق الثورات يف كل مكان، ومنها ال َّثورة‬ ‫الفل�سطينية، ف�سعت �إىل مواجهتها ومقاومتها وزيادة ممانعة ال�شعب يف وجهها،‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫حارب ْتها بالفكر تارةً، وبالقوة تارة �أخرى، لكنها بقيت ظاهرة موجودة مل‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫تتمكن جتربة من الق�ضاء عليها، وقد �شكلت ال ّتجربة اجلزائر ّية مثاال قا�سيا على‬ ‫ٌ‬ ‫هذه احلرب، حتى تواترت الروايات التي ت�شري �إىل �أنّ ال ّثورة �أعدمت �أكرث‬ ‫ِّ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫من (007) �ألف �شخ�ص بتهمة العمالة، وهو رقم لي�س ببعيدٍ عما قتله اجلي�ش‬ ‫ٌ‬ ‫الفرن�سي من ال ّثوار.‬ ‫ُّ‬ ‫ِّ‬ ‫لقد �سعى االحتالل �إىل �إ�سقاط ال�شعب كله بكافة قطاعاته وفئاته ل�سببنيِ‬ ‫َ‬ ‫رئي�سني:‬ ‫َ‬ ‫الأول؛ هو االخرتاق وجمع املعلومات التي تخدمه يف حربه لل�شعب وقواه‬ ‫املقاومة، و�رضب �أي حماولة للثورة عليه �أو مواجهته، وتب�صرّه بواقع املجتمع‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫ِّ‬ ‫الفل�سطيني، وما ينا�سبه من �أ�ساليب تهدف �إىل تركيعه وجعله يتنازل عن‬ ‫حقوقه.‬ ‫والثاين؛ هو جتنيد �أكرب قدر من �أبناء ال�شعب وجعله يف �صف االحتالل، حتى‬ ‫ِّ‬ ‫�إذا ما دخل ال�شعب يف انتفا�ضة �أو �رشع يف مقاومة، وجد الكثريون �أنف�سهم غري‬ ‫معنيني بهذه املقاومة، وغري م�ستعدين للم�شاركة فيها، بل وح�سم بع�ضهم نف�سه‬ ‫َ‬ ‫َ َ ُ‬ ‫ِّ َ‬ ‫ِّ َ‬ ‫يف ال�صف الآخر منحازاً �إليه.‬ ‫ِّ‬ ‫وا�ستخدم االحتالل يف �سبيل هذين الهدفَنيِ ما ميلك من و�سائل، كالرتغيب‬
  • 243.
    ‫342‬ ‫ً‬ ‫ّ َ‬ ‫والرتهيب، واجلن�س واملال، وا�ستغالل احلاجات، حتى �شكل جي�شا من اخلونة‬ ‫يخدمونه، وي�ساهمون مع قواته يف قمع املقاومة و�رضب رجالها.‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ّ َ‬ ‫لقد �شكل العمالء �أداة خطرية يف �رضب املقاومة، واحلد من جناحاتها، و�إف�شال‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫خمططاتها، وقد �أبدع العدو يف توظيف هذه الثلة القذرة لتحقيق هذا الغر�ض.‬ ‫ُّ‬ ‫َّ‬ ‫ُ‬ ‫ومن الأ�شكال الوظيفية التي �سخر االحتالل �أذنا َبه لها؛ ما ي�سمى بالتنظيم‬ ‫ّ َ‬ ‫ّ‬ ‫الوهمي، فبعد �أن قام العمالء بدورِ هم يف جمع املعلومات عن املجاهدين، ور�صد‬ ‫ِّ‬ ‫�أعمال املقاومة، ومعرفة امل�س�ؤولني عنها، وتقدمي ذلك كله هدية لأ�سيادهم،‬ ‫ً‬ ‫ٍ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫بد أ� االحتالل يبحث عن �أي �شخ�ص قد ي�شكل م�رشوع مقاومة �أو �شهادة يف‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ِّ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ِّ‬ ‫امل�ستقبل، و�سعى للو�صول �إىل كل من ميلك اجلاهزيّة واال�ستعداد لالنخراط يف‬ ‫العمل اجلهادي ولو بعد حني، ف�أدخل �أ�سلوب (ال ّتنظيم الوهمي).‬ ‫ِّ‬ ‫ويقوم هذا التنظيم على بث العمالء هنا وهناك، ويقوم ه�ؤالء العمالء بعر�ض‬ ‫ِّ‬ ‫ُّ‬ ‫ُ ّ‬ ‫ُّ‬ ‫العمل الع�سكري على عددٍ من ال�شباب الذين ت�شك املخابرات ال�صهيونية ب�أنهم‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫على ا�ستعدادٍ للعمل، ف�إذا وافق ال�شاب على العمل ظا ّنـا �أنّ العميل الذي يعر�ض‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫عليه اال�شرتاك يف املقاومة من املجاهدين؛ بد�أ العميل با�ستدراجه وتوريطه، �إىل‬ ‫�أن يكون قرار املخابرات باغتياله �أو اعتقاله وتغييبه يف ال�سجون لـمددٍ طويلة‬ ‫ٍ‬ ‫ُ َ‬ ‫تُبعده عن ميدان العمل خمافة االنخراط فيه، وهذا ما عبرّ عنه �أحد قادة �أجهزة‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫الأمن ال�صهيونية حني قال: «�إننا نحاول اعتقال (االنتحاري) من �رسيره قبل �أن‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ّ َ‬ ‫يفكر يف مهمته، حتى ننجح يف منعه من اال�شرتاك يف الأعمال الإرهابية».‬ ‫3ـ احلرب االقت�صادية، وال ّت�ضييق على النا�س يف �أرزاقهم، وجتويع ال�شعب‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫لي�شعر بتكلفة املقاومة فيتخلى عنها، فكان احل�صار وال ّت�ضييق ومنع العمل وفر�ض‬ ‫ُ‬
  • 244.
    ‫442‬ ‫منع التجول، وكانالتخريب والتدمري والإف�ساد، وكانت امل�صادرات للأرا�ضي‬ ‫ّ‬ ‫واملمتلكات و�رسقة احلقوق ونهب اخلريات، وكانت ال�ضرّائب والغرامات،‬ ‫ُ ِ‬ ‫و ِبلـغَـة الأرقام، ف�إن خ�سائر ال�شعب الفل�سطيني يف انتفا�ضة الأق�صى وحدها‬ ‫َ‬ ‫فاقت املليارات، منها؛ هـدم (0054) منزل، واقتالع (مليون ون�صف) �شجرة‬ ‫َ ُْ‬ ‫مثمرة، وم�صادرة (006) �ألف دومن زراعي(1)، فما بالك بع�رشات ال�سنني التي‬ ‫ّ‬ ‫اح ُتلت فيها الأر�ض واغ ُت�صبت احلقوق و�سرُقت املمتلكات؟!‬ ‫ُ‬ ‫ُّ‬ ‫ُ‬ ‫ّ َ‬ ‫لقد �شكل احل�صار االقت�صادي اخلانق املفرو�ض على ال�شعب الفل�سطيني‬ ‫ُ‬ ‫ُّ ِ‬ ‫عقب فوزِ حما�س يف االنتخابات الت�رشيعية عام (6002م) وت�سلمها قيادة‬ ‫احلكومة �أحد �صورِ هذه احلرب الّتي مار�سها االحتالل ومن وراءه بحق ال�شعب‬ ‫ِّ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ ُ َ‬ ‫ومقاومته، ثم كان احل�صار على قطاع غزة دون ال�ضفة عقب �أحداث تطهري‬ ‫ِّ َ‬ ‫ّ َ‬ ‫املقرات الأمنية يف (حزيران/7002م)، ثم دفْع رواتب املوظفني احلكوميني من‬ ‫ِ‬ ‫َ ُ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ً َ‬ ‫غري املنت�سبني �أو امل�ؤيِّدين حلركة حما�س �شكال �آخر لالبتزاز وامل�ساومة على الرزق‬ ‫ِ َ‬ ‫ِ َ‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫مقابل التخلي عن املقاومة و�أن�صارها، و�أثناء ذلك كان تدمري وحرق وتخريب‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫امل�ؤ�س�سات واملمتلكات التابعة للحركة و�أبنائها كامتدادٍ لذات احلرب.‬ ‫ّ‬ ‫لقد ا�ستخدم االحتالل احلرب االقت�صادية حلرمان املقاومة من �سالح املال،‬ ‫كما ا�ستخدمها حلمل النا�س على االنف�ضا�ض من حول القوى املقاومة على‬ ‫ّ َ َ ُْ‬ ‫اختالفها، فعلى �سبيل املثال، �شكل هدم املنازل ملن ي�شارك يف �أعمال املقاومة‬ ‫ّ َ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫�ضاغطا على املقاوم وذويه ومعا ِقبا لهم، ورادعا لغريه �أن يفكر بال�سري على‬ ‫ِِ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍّ‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫نهجه، وكان العقاب اجلماعي للأهايل وال�سكان عقب كل عملية جهاد ّية بحظر‬ ‫ُ‬ ‫ُّ‬ ‫التجول والهجوم على املنازل واملمتلكات وتخريبها، يف حماولة لك�شف الغطا ِء‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫1 () �صحيفة القد�س، العدد ال�صادر يف 5/6/7002م.‬
  • 245.
    ‫542‬ ‫عن املقاومني وتنفريالنا�س من حولهم، ودفع املجتمع �إىل ال�ضجر وال�سخط من‬ ‫َّ َ ِ ّ ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ َ‬ ‫�أعمال املقاومة، ومن ثم رف�ضها والوقوف يف وجهها.‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫َّ‬ ‫4ـ احلرب الإعالمية: فقد �أبدى االحتالل �أينما حل اهتماما خا�صا بالإعالم،‬ ‫وحاول ا�ستخدام هذا ال�سالح ـ الذي ميلك منه �أ�ضعاف ما متلكه املقاومة ـ‬ ‫بطريقة تخدم �أهدافَه وتُبي�ض �صورتَه، وتربر �أفعا َله الإجرامية بحق ال�شعب، ويف‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫ِّ ُ‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ذات الوقت، ت�شهر باملقاومة وت�شوِّه �صورتَها وتثري حولها ال�شكوك.‬ ‫ِّ ُ‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫لقد �شهدت و�سائل الإعالم حربا �شرَِ�سة ومعارك �ضارية بني املقاومة‬ ‫ً‬ ‫َ ً‬ ‫ٍ‬ ‫َ‬ ‫ٍ‬ ‫ُّ‬ ‫وعدوها، حاول كل طرف �أن يك�سب فيها جوالت �إعالمية ل�صاحله، و�أن‬ ‫ًّ‬ ‫ِّ‬ ‫َ‬ ‫ي�ستقطب العامل نحوه، لينحاز �إىل موقفه، ويغلق املنافذ يف وجه خ�صمه،‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ًّ‬ ‫ُ َّ ً‬ ‫و�شهدت العقود ال�سابقة تفوقا �إعالميا ل�صالح االحتالل، ب�سبب �سيطرته على‬ ‫ُ‬ ‫اّ‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ًّ‬ ‫و�سائل الإعالم الرئي�سية عامليا ب�شكل مبا�رش �أو غري مبا�رش، �إل �أنّ الإعالم �شهد‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ًّ‬ ‫ّ ً‬ ‫نه�ضة �إعالمية وح�ضوراً حمليا و�إقليميا ودوليا، �ساعده يف ذلك الثورة الإعالمية‬ ‫ًّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ًّ ًّ‬ ‫واملعلوماتية وال ّتكنولوجية التي وفّرت منابر �إعالمية حرة حاولت املقاومة‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫توظيفَها يف خدمة �أهدافها، �إ�ضافة �إىل امتالك هذه القوى منابر خا�صة بها،‬ ‫ً‬ ‫تن�رش ِفكرها، وحتمل ر�سال َتها �إىل النا�س، كما فعلت منظمة التحرير ب�إذاعتها‬ ‫(�صوت العا�صفة)، واجلبهة ال�شعبية ـ القيادة العامة ب�إذاعتها (�إذاعة ال�شَّ عب)، ثم‬ ‫ّ‬ ‫�أطلقت حركة حما�س (�شبكة الأق�صى الإعالمية) والتي مت ّثلت يف �إذاعة راديو،‬ ‫ّ‬ ‫ّ ّ‬ ‫وحمطة حملية، وحمطة ف�ضائية، و�صفحة �إنرتنت.‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ومبقابل ذلك، ا�ستخدم االحتالل يف حربه الإعالمية �ضد املقاومة‬ ‫َ‬ ‫و�سائل عديدة، فهو ميلك و�سائل الإعالم املعروفة (راديو وتلفزيون و�صحف‬ ‫و�إنرتنت)، ولديه (لوبي) �صهيوين يف �ش ّتى �أ�صقاع الأر�ض ذو ت�أثري ال يخفى‬ ‫ٍ‬
  • 246.
    ‫642‬ ‫على �أحد، وبيدهالكثري من املنابر العاملية الأبرز. و�إ�ضافة �إىل ذلك، ا�ستخدم‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫االحتالل الو�سائل التقليد ّية املعروفة، فكان ي�صحب عمليا ِته وتوغّ ال ِته وحرو َبه‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫بدعاية �إعالمية عرب مئات �ألوف املنا�شري التي يمُطر بها النا�س، يحاول ت�ضليلهم‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ُ‬ ‫من خاللها، كما فعل يف جنوب لبنان، ويف غزة، ومل ي�أل جهداً يف توظيف ما‬ ‫ميلك من طاقات و�إمكانات وعقول يف هذا املجال.‬ ‫داخلياً:‬ ‫ّ‬ ‫وهو ما يتعلق باملقاومة و�أدائها، وبع�ض الق�صور الذي اعرتاها يف بع�ض‬ ‫مراحلها، وهو ما يجب الرتكيز عليه لتج ّنبه ومعاجلته، ثم االنطالق نحو الأمام.‬ ‫ومن هذه العوائق:‬ ‫ُ َ‬ ‫1ـ قلة الإمكانات و�ضعف التّمويل: فكثرياً ما تبد�أ اخلاليا املجاهدة عملها‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫َ‬ ‫ٍ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫دون �أن متلك قطعة �سالح واحدة، �أو م�صدر متويل ثابت يغطي احتياجاتها،‬ ‫ويتكفّل بتكاليف �أن�شط ِتها، مما ي�ؤخر عملها، ويدفع بع�ضها نحو ممار�سات‬ ‫ٍ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫خاطئة ت�ؤدي �إىل نهايتها؛ ك�أن تبد�أ بالبحث عن م�صادر �سالح ع�شوائية غري‬ ‫ّ‬ ‫ٍ ّ‬ ‫�آمنة، �أو ت�ستخدم ال�سالح الأبي�ض يف �سبيل احل�صول على ال�سالح ال ّناري،‬ ‫ِّ‬ ‫َ‬ ‫في�ؤدي �إىل اعتقال �أفراد اخللية �أو ا�ست�شهادهم، �أو يبد�ؤون عملهم ب�إمكانات‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ب�سيطة متوا�ضعة، ويبقون على ذلك مدة طويلة ال تُعطي النتائج املرجوة، مع ما‬ ‫ي�صاحب ذلك من خطر كبري.‬ ‫ٍ‬ ‫ً‬ ‫وعادة ما تكون هذه احلاالت يف مرحلة ما قبل االتّ�صال بال ّتنظيم، ويكون‬ ‫ِ َ‬ ‫ٍ‬ ‫َ ْ‬ ‫ّ‬ ‫فيها االعتماد على الذات، وقد �شهِ دنا جمموعات من املجاهدين الأفا�ضل،‬
  • 247.
    ‫742‬ ‫بد�أت العمل ببيعحلي زوجاتهم، �أو عقارات لهم �أو لأهلهم، �أو اقرتا�ض مبالغ‬ ‫ِّ‬ ‫ِ‬ ‫ً‬ ‫ت�سد �شيئا من حاجاتهم، وتوفّر لهم ما يبد�ؤون به جهادهم(1). ومن املعلوم‬ ‫ُّ‬ ‫ٍ‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫�أنّ العمل الع�سكري يحتاج �إىل الدعم املايل ب�شكل كبري، نظراً للتكلفة املرتفعة‬ ‫ملهامه، والتي ال يقدر عليها الفرد العادي.‬ ‫ّ‬ ‫2ـ �ضعف اخلربة الأمنيّة: فكما �أنّ الكثري من املجموعات بد�أت عملها‬ ‫َ‬ ‫ب�إمكانات مادية ب�سيطة، ف�إن هناك عدداً �أكرب من املجموعات بد�أت عملها‬ ‫ّ‬ ‫بخربات �أمنية متوا�ضعة، �إذ �أنّ �أفرادها حديثو عهدٍ بالعمل اجلهادي، ولي�ست‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ٍ ّ‬ ‫َّ‬ ‫ٌ‬ ‫لديهم جتربة اعتقالية �أو خربة باملطاردة واحتياجاتها، �أو مل يطلعوا على جتارب‬ ‫ٌّ‬ ‫ٌ‬ ‫ّ‬ ‫�سابقة ناجحة، ومل يطلعوا على الدرا�سات �أو يتلقّوا ال ّتوجيهات التي تر�شدهم‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫�إىل كيفية العمل الأمني ال�سليم الذي ي�ضمن لهم عمال جهاديا خاليا من الأخطاء‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫وال ّثغرات، وقدرة على ال ّتمويِه على العدو لال�ستمرار ملدة �أطول.‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫ّ َ‬ ‫ُ‬ ‫فاخلربة الأمنية ت�ضمن االطالع على و�سائل التخفّي والتنكر وال ّتمويه‬ ‫ُّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وال ّت�ضليل، وكل ما من �ش�أنه �أن يخدم يف التمل�ص من حمالت االحتالل‬ ‫َ‬ ‫ومالحقاته.‬ ‫واخلربة الأمنية ت�ضمن للمجاهد �صموداً يف �أقبية التحقيق �إن كان م�صريه‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ً َ َ َ ُ َ‬ ‫الوقوع يف �أيدي قوات االحتالل، فعدونا ال يرتك �أ�سلوبا ـ �صـغُـر �أم كـبـر ـ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫�إال ا�ستخدمه �سعيا النتزاع االعرتافات من �صدور الأحرار، �سواء �أكان ج�سد ّيا‬ ‫�أو نف�سيا، ترغيبا �أو ترهيبا، مبا�رشاً �أو غري مبا�رش، ومل يقف �أداء عدونا يف هذا‬ ‫ْ ُ ِّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ُّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫املجال عند حدود، بل اجتهد دور ّيا يف تطويره تبعا للحاجة. كل ذلك يجعل من‬ ‫االطالع على تلك الأ�ساليب ودرا�ستها والوقوف عندها ح�صانة حتفظ املجاهد‬ ‫ً‬ ‫1 هكذا بد�أَ جماهدو خلية �صوريف، و�أبطال خلية القد�س، وهو ما فعله جماهدو خلية �سلواد.‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬
  • 248.
    ‫842‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫و�إخوانه، وما ميلكون من معلومات، ومتنع م�سل�سل ك�شفها الذي ي�ؤدي �إىل‬ ‫�رضب كافّة �صفوف العاملني، وك�شف �أطراف العمل.‬ ‫3ـ قلة التّدريب و�ضعف القدرات: فكيف يتدرب كفاي َته من ال ميلك‬ ‫ّ‬ ‫ال�سالح؟ وكيف �سيتميز بقدرته على الرمي والإبداع يف الأداء من ال ميلك املال‬ ‫ِ‬ ‫ّ ِ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الذي ي�شرتي به الذخرية؟‬ ‫ٍ‬ ‫ّ ُ‬ ‫ً‬ ‫لقد �شهِ دنا جمموعات عديدة كان �أول تدريب لعنا�رصها يف �أر�ض املعركة،‬ ‫ٍ‬ ‫َ ْ‬ ‫حتى �أنهم مل يطلقوا قبل ذلك طلقة واحدة! كما ح�صل مع املجاهد (حممد‬ ‫ً‬ ‫دخان)، واملجاهد (�أ�رشف الوادي) يف عمليتهما.‬ ‫ّ‬ ‫وال نن�سى كذلك ما �سببه اجلهل بكيفية ا�ستخدام ال�سالح واالحتفاظ به‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وتنظيفه من ف�شل يف املهمات، ووقوع يف املطبات، وفقدانٍ للأرواح والرجال،‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫َ َّ‬ ‫و�ضياع للفُر�ص، ولك �أن ت�س�أل �أي جمموعة عاملة جماهدة؛ كم مرة �أف�شل فيها‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ َ‬ ‫ال�سالح عملي َتهم؟ �أو �أوقعهم يف �أزمات كادت تودي بهم؟!‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫ّ ُ‬ ‫هذا يف ال�سالح الناري، �أما بخ�صو�ص �صناعة املتفجرات، فالأمر �أكرث‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫تعقيداً، فكم من جماهدٍ فقد روحه �أو �أطرافَه �أو جزءاً من ج�سده لعدم �إح�سا ِنه‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ال ّتعامل مع هذه املواد، و�ضعف معرف ِته ب�أُ�س�س ال ّت�صنيع، و�صفات املادة التي‬ ‫ُ ِ‬ ‫ي�ستخدمها، والآلية ال�سليمة لل ّتعامل معها... والأمثلة على ذلك كثرية، نذكر‬ ‫ّ‬ ‫و(جهاد دوف�ش)، ا ّللذين‬ ‫َ ِ‬ ‫منها حادث ا�ست�شهاد الأخوين (حامت القوا�سمة)‬ ‫تفجر بهما م�ستودع متفجرات يحوي مواد معدة لل ّت�صنيع، يفوق ثم ُنها ع�رشات‬ ‫ّ ُ َّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫�آالف الدوالرات، ناهيك عن نُدر ِتها، انفجرت بهما فدمرت املكان، وارتقيا‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫�إىل اهلل �شهداء.‬
  • 249.
    ‫942‬ ‫ويدخل يف ذاتالباب �ضعف الإمكانات التي توفّـر ال�سالمة والأمانَ‬ ‫ُ ّ َ‬ ‫ُ‬ ‫للمجاهد العامل يف ت�صنيع املواد املتفجرة، حتى �أنّ بع�ضهم ال ميلك الكمامات‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫التي تقي من الأبخرة ال�سامة التي تَنتج عن ال ّتفاعالت، وقد حد َثنا ال�شّ هيدان‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫(ن�سيم �أبو الرو�س) و(جا�رس �سمارو) �أنهما كان يعمالن يف ت�صنيع مئات الكيلو‬ ‫ُّ‬ ‫َّ ُ‬ ‫غرامات دون �أن ي�ضعا على وجوههما �أي قناع، �أو يلب�سا �أي قفّاز، وذات‬ ‫َّ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ًّ‬ ‫يوم ونتيجة ال�ستن�شاق كمية كبرية من الأبخرة ال�سامة؛ وقَعا مغ�شيا عليهما يف‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ّ ٍ‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫خمتربهما اخلايل من ف ْتحات ال ّتهوية، وكادا �أن يفقدا حياتَيهما لوال عناية اهلل،‬ ‫َ‬ ‫وذلك ب�أن ح�رض من �أنقذهما.‬ ‫َ‬ ‫4ـ عدم وجود تخ�ص�ص يف العمل: فالإخوة العاملون يف اخلاليا م�ضطرونَ‬ ‫ّ‬ ‫ُّ‬ ‫�إىل �إجناز كل جزئيات العمل من َ�أ ِلفها �إىل يائها، املبا�شرِة وغري املبا�شرِة، الداعمة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫وال ّتنفيذية... فعليهم اختيار املوقع، ثم ر�صده، فالإعداد التام للمهمة، ثم‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫تنفيذها، و�إيجاد الدعم وال ّتمويل وما يلزم للتجهيز...‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ِّ‬ ‫ويف التنفيذ هم مطالبون ب�إتقان كل �أ�شكال الهجمات، من �إطالق وتفجري‬ ‫واختطاف، ومطالبون ب�إتقان �إعداد املتفجرات، وال ّتعامل مع �ش ّتى �أنواع‬ ‫ّ‬ ‫ال�سالح...‬ ‫�إن هذا ال ّت�شتيت يف اجلهد، وعدم التخ�ص�ص يف الأداء؛ ي�ؤ ّثران �سلبا على‬ ‫ً‬ ‫ُّ‬ ‫َ‬ ‫جودة و�إتقان �أداء �أفراد اخللية، ويبعرثان جهودهم يف التدريب على جميع �أنواع‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ال�سالح، مما يعني توزيع اجلهود دون الترّكيز على �أي نوع، في�ضيع الإبداع.‬ ‫ِّ‬ ‫ُّ ِ‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫ُّ‬ ‫وكلنا يعلم �أن من �أ�سا�سيات العمل الإداري الناجح؛ التخ�ص�ص ّية، التي جتعل من‬ ‫ّ ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫�صاحبها مبدعا يف تخ�ص�صه، متقنا له، حمرتفا يف �أدائه، ملمـا يف تف�صيالته.‬ ‫ّ‬
  • 250.
    ‫052‬ ‫5ـ عدم وجودتفرغ يف العمل: يعاين �شعبنا الفل�سطيني �أو�ضاعا اقت�صاد ّية‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ُّ‬ ‫�صعبة فر�ضها االحتالل الإ�رسائيلي جراء املقاومة التي تع�صف به، واملجاهدون‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫واملقاومون جزء من هذا ال�شعب، بل هم قطاع ال�شباب الذي �أُلقي على كاهله‬ ‫ِ َ‬ ‫ٌ‬ ‫ً‬ ‫َ ِ َ ً‬ ‫َ‬ ‫�إعالة �أه ِله وذويه، فانخرط يف ميدان العمل، وامتهن حرفا و�أ�شغاال ملكت‬ ‫ُ‬ ‫ًّ ّ‬ ‫ّ ً‬ ‫ُ َّ‬ ‫جل وقته واهتمامه وتفكريه، وجعل ْته �أ�سرياً لها كليا �أو جزئيا، فقلت جاهز ّيته‬ ‫ّ‬ ‫وا�ستعداده يف �أدائه للمهام اجلهاديّة والقتالية، وجعلته ال ميلك من وقته ما ميكنه‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫من �أداء مهامه ويف وقتها ال�سليم.‬ ‫ّ‬ ‫ٌ‬ ‫فهو ملتزم مبهنته طوال نهاره، مرهق يف ليله م�شغول ب�أهله، فمتى يكون‬ ‫ُ َ ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫العمل؟ ف�إن كانت مهمته تقت�ضي ال ّتنفيذ يف النهار، ا�ضطر �إىل تعطيل عمله‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫َ ِ ُ‬ ‫يف ذلك اليوم، فيفقد الرزق و ُيلفت ال ّنظر، وقد وجدنا خاليا عديدة تعطلت‬ ‫عملياتها مراراً، وت�أجلت ب�شكل متوا�صل، لعدم قدرتهم على �إيجاد الوقت‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫املنا�سب لعملهم، بل وا�ضطر بع�ضهم �إىل تعطيل عمله، وقد اختارت خلية‬ ‫ّ‬ ‫َّ ُ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫(�سلواد) العمل اجلهادي يوم اجلمعة مرات عديدة، لأنه اليوم الذي يعطلون‬ ‫ّ ٍ‬ ‫َّ َ‬ ‫فيه مه َنهم.‬ ‫ِ َ‬ ‫وال نعني بكالمنا هذا �أن يقعد املجاهد عن عمله ب�شكل دائم، فالعمل �إ�ضافة‬ ‫ً‬ ‫ٍ‬ ‫َ‬ ‫�إىل كونه م�صدر رزق، فهو يوفّر الغطاء الأمني للمجاهد، لكن املطلوب �أن‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َّ‬ ‫ُ ً‬ ‫ال يكون العمل معيقا للعمل اجلهادي، و�أن توفِّـر احلركة للمجاهد املبلغَ املايل‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ٌ َّ ٌ‬ ‫ّ َ‬ ‫البديل يف حال ا�ضطر �إىل تعطيل عمله. �إ�ضافة �إىل �رضورة �أن يتفرغ عدد حمدد‬ ‫ِ‬ ‫ً‬ ‫ُّ‬ ‫من الإخوة للعمل اجلهادي، ويكون م�صدر رزقهم من خالل احلركة مبعا�ش‬ ‫ٍ‬ ‫ُ‬ ‫ّ ُ‬ ‫�شهري منتظم، ه�ؤالء مطلوب منهم الإبداع والتفرغ واملثابرة ليكونوا دعامة‬ ‫ُ‬ ‫ٌ‬ ‫ٍّ‬ ‫العمل.‬
  • 251.
    ‫152‬ ‫6ـ �أخـطـاء: معكل ما �سبق من عوامل �أعاقت العمل املقاوم، ف�إنّ الأخطاء‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫الذاتية للمقاومني وللحركات الثور ّية املقاومة؛ �شكلت عامال �آخر �ساهم يف‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ت�صدع الكثري من البنى والهيئات املقاومة، و�سببا يف ف�شل عدد ال ُيح�صى من‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫املحاوالت اجلهادية، بل هو ال�سبب الأ�سا�س يف وقوع اخلاليا املجاهدة وعدم‬ ‫اّ‬ ‫جناحها يف تنفيذ ما عقد العزم على �إجنازه من مهام، وما العمليات الناجحة �إل‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ُِ َ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫مزيج من التوفيق الإلهي �أوال و�أخرياً، ثم القدرة على جتاوز املعوقات وعالجها،‬ ‫ٌ‬ ‫وعدم الوقوع يف الأخطاء.‬ ‫َّ‬ ‫ومن الأخطاء التي نريد �أن ن�سلط ال�ضوء عليها:‬ ‫- عدم االلتزام بالقواعد الأمنيّة التي ت�ضمن �سالمة العاملني: حيث تتهاون‬ ‫العديد من اخلاليا املجاهدة ب�إجراءاتها الأمنية الواجب اتّباعها لتحقيق �أعلى قدر‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫من ال�سالمة، و�ضمان املحافظة على الذات، وعدم الوقوع يف قب�ضة �أجهزة‬ ‫االحتالل الأمنية والع�سكر ّية. و�إنّ الإجراءات الأمنية التي ت�ضمن للمجاهد حالة‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ُ ُ َ‬ ‫من ال�رسِّية تطيل عمر جهاده متعددة، تبد�أ من ت�شكيل اخللية، ثم يف احل�صول‬ ‫ِّ‬ ‫على �أدواتها وم�ستلزماتها وم�صادر متويلها، فالإعداد للمهمات اجلهادية، ثم‬ ‫�أثناء التنفيذ والعودة من املهمة.. و�إنّ �أي خط�أ قد يقع فيه املجاهد وجماعته يف‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫�أي مرحلة من هذه املراحل، �سي�شكل ثغرة ي�ستغلها االحتالل للإيقاع باخللية‬ ‫ِّ‬ ‫ورجالها.‬ ‫- العمل بردات الفعل: من ال�سمات الأبرز التي الزمت املقاومة الفل�سطينية‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬ ‫على مدار تاريخها: االنفعالية، والعمل بردات الفعل غري املح�سوبة، واملتولِّدة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ٌ‬ ‫جراء حدث يهز م�شاعر املجتمع، فتعقبه هبة �أو ثورة �شعبية ما تلبث �أن تفرت‬ ‫ٌّ‬ ‫ٌّ‬ ‫َ‬ ‫ّ َ َ ٍ ُّ‬ ‫ويخبو �أُوراها، كثورة ال ّنبي مو�سى وثورة الرباق قدميا، وثورة �أحداث النفق عام‬ ‫ً‬ ‫َ ُ‬
  • 252.
    ‫252‬ ‫ً‬ ‫7991م، وهو ذاتُهعني ما يح�صل يف العمليات اجلهاديّة التي ا�ستمرت حينا‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫ً‬ ‫من الدهر مقت�رصة على حماولة الرد على عمليات االغتيال، �أو الأحداث الكبرية‬ ‫واملجازر الب�شعة التي يرتكبها االحتالل.‬ ‫وحتى ال يقع القارئ يف �سوء فهم، ف�إننا ال نعني �أن ال تكون هناك ردات‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫فعل، وال ن ّتهمها بال�سلبية املطلقة، بل هي �أحيانا من ال�ضرّورات مبا ت�شكله من‬ ‫ّ‬ ‫رادع لالحتالل، و�صاعقٍ ُيلهب قلوب ال�شعب فينتف�ض على جلاّده، ومعب‬ ‫ُ رِّ ٍ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ٍ‬ ‫�صادق عن عاطفة جيا�شة وانفعالٍ وطني و�رشعي مع الأحداث... لكن‬ ‫ٍّ‬ ‫ٍّ‬ ‫ٍ ّ ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫الـم�شكل فيه �أن يكون العمل املقاوم مقت�رصاً على ردات الفعل، فال يعمد �إىل‬ ‫ّ‬ ‫ُ ِ‬ ‫املبادرة، وال ي�ضبط النف�س وقت احلاجة، وال يحدد هو الزمانَ واملكانَ والكيفية‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫ِّ ُ‬ ‫املنا�سبة ليختار فيها رده و�رضبته.‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫لقد ا�ضطرت املقاومة �إىل الرد ب�رضبات جهاديّة مل تكن يف متام اجلاهزيّة‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫لها، فجاءت ردات �ضعيفة قا�رصة، فا�ستنزفت طاق َتها ب�إرادتها، وهي كذلك‬ ‫ّ‬ ‫انحرفت عن �أهدافها التي ر�سم ْتها لنف�سها، فكثري من اخلاليا التي �أُن�شئت بهدف‬ ‫ِ‬ ‫ٌ‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫تنفيذ عمليات اخلطف مثال، فا�ضطرت مع ر�ؤية جمزرة �إىل ترك مهم ِتها التي‬ ‫ٍ‬ ‫�سعت �إليها وتدربت على �أ�سلوبها، ثم انطلقت لتنفيذ عملية �إطالق نار �سقطت‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫فيها ب�شرِك �أو خط�أ كان فيه نهاي ُتها.‬ ‫ٍ‬ ‫ومن الأمثلة على ذلك خلية (�صوريف)، التي تخ�ص�صت بلونٍ من العمل،‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫حتى جاءت الأوامر ب�رضورة الدخول يف �سلك ال ّتفجري كردة فعل على ممار�سات‬ ‫ّ ٍ‬ ‫االحتالل، فكانت عمليـ ُتها ال ّتفجرييّة الأوىل نهاية �صفحا ِتها الطويلة امل�رشقة.‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫- الع�شوائية، و�ضعف التخطيط التّكتيكي: فالقاعدة التي عملت بها املقاومة‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫الفل�سطينية عموما ويف غالب مراحلها، هي (ا�رضب متى كان ذلك ممكنا)، ويف‬
  • 253.
    ‫352‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ِّ‬ ‫كل حلظة ت�سنح فيها الفر�صة، دون النظر �إىل الزمان، �أو املكان، �أو الكيفية، �أو‬ ‫حتى النتائج املرتتّبة على ذلك.‬ ‫فكلما مت �إعداد عبوة؛ يبد أ� العمل على زراعتها وتفجريها، وكلما جتهز‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫ّ َّ َ ُ‬ ‫ا�ست�شهادي؛ ُي�صار �إىل �إر�ساله �صوب هدفه الأقرب، وكلما مت ر�صد هدف‬ ‫ٍ‬ ‫�صهيوين؛ ُيبا�شرَ �إىل �رضبه بدون ح�ساب.‬ ‫ً‬ ‫قد يتنا�سب ذلك مع مرحلة دون غريها، لكنه قطعا ال يتنا�سب مع جميع‬ ‫ٍ‬ ‫املراحل، و�إن العديد من الر�سائل القو ّية والوا�ضحة وال�صرّيحة ميكن �إر�سا ُلها �إىل‬ ‫ّ‬ ‫العدو والعامل �أجمع عرب اختيار الزمان واملكان وطبيعة الهدف وكيفية التنفيذ،‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫وغري ذلك من ال ّتف�صيالت.. وميكن مل ْثل هذه ال�ضرّبات �أن حتقّق �أهدافا تفوق ما‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫حتقّقه ال�رضبات الع�شوائية بكثري، ف�إذا �أردنا توجيه ر�سالة �إىل م�رشوع اال�ستيطان،‬ ‫ٍ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ف�إننا نحتاج �إىل توجيه عدد من ال�رضبات �إىل قُطعان امل�ستوطنني، و�إذا �أردنا‬ ‫ْ‬ ‫�رضب ال�سياحة، فاملنتجعات وال�سواحل هي املكان املنا�سب لتوجيه ال�رضبات،‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫َ ِّ‬ ‫و�إذا حر�صنا على تثبيت مبد أ� (توازن الرعب)، فال بد من االحتفاظ بعملية نوعية‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫ُّ‬ ‫جاهزة للتنفيذ عقب حادثة اغتيال لأحد القادة، �أو �إقدام العدو على ارتكاب‬ ‫جمزرة، و�إذا �أردنا �أن نلفت الأنظار �صوب الأ�رسى وق�ضيتهم، وال�ضغط على‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫امل�ستوى ال�سيا�سي والعاملي للإفراج عنهم، فعمليات اخلطف هي الأمثل لتحقيق‬ ‫ّ‬ ‫هذا الهدف، وهكذا...‬ ‫ّ‬ ‫لقد قدر الكثري من العارفني؛ �أنّ انتفا�ضة الأق�صى لو ركزت يف عملها على‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َّ َ‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫اال�ستيطان وامل�ستوطنات، و�ضرَب خطوط موا�صالتها و�سكانها وحرا�ساتها‬ ‫ِ‬ ‫ومركبا ِتها، ال�ستطاعت �أن تحُدث تغيرياً جذريا يف و�ضعها ووجودها، فقد‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫ُ‬ ‫ر�أينا الكثري من امل�ستوطنات هجرها �أهلها مبجرد �أن تعر�ضوا للر�شق باحلجارة‬ ‫َّ ِ‬ ‫َ‬
  • 254.
    ‫452‬ ‫ِّ‬ ‫َّ‬ ‫لأيام طويلة، فكيف لو مت ت�سليط اخلاليا امل�سلحة عليهم وعلى كل و�سيلة ات�صالٍ‬ ‫ِ‬ ‫َّ‬ ‫بينهم وبني حميطهم؟ وهكذا ميكن ر�سم �أهداف مرحلية �آمنة، وتوجيه العمل‬ ‫لتحقيقها؛ عندها يكون الإجناز كبرياً حقا.‬ ‫ًّ‬ ‫- الوقوع يف ذات الأخطاء التي تكرر الوقوع بها: فالناظر �إىل املجموعات‬ ‫َّ َ‬ ‫الع�سكرية واجلهادية العاملة على ال�ساحة، والباحث عن �أ�سباب �سقوطها بيد‬ ‫عدوها وف�ش ِلها يف �إجناز الكثري من �أهدا ِفها، �سيجد جتارب عديدة مت�شابهة‬ ‫ِّ‬ ‫ً‬ ‫متكررة، و�أخطاء يتجدد الوقوع بها تكون �سببا النتهاء عمر املجموعات، فكم‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫من املجموعات كان �سبب �سقوطها هو ا�ستخدام الهاتف املحمول، وكم من‬ ‫َ‬ ‫املجاهدين قتلهم ل�سانُهم، وكم من املطاردين ا�ست�شهدوا ب�سبب عاطف ِتهم وعدم‬ ‫ِ‬ ‫قدر ِتهم على �ضبطها...‬ ‫َ‬ ‫هذا يف ميدان العمل، �أما يف ميدان االعتقال، فما الذي يجعل �أكرث من‬ ‫ن�صف الأ�رسى الذين يعرتفون، يكون اعرتافُهم عند الع�صافري، على الرغم من �أنه‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫�أ�صبح �أ�سلوبا مك�شوفا؟ �أال يوجد من ُيح�سن درا�س َته ويتكفّل بن�رش ثقافته؟ �أال‬ ‫ِ ُ‬ ‫يوجد من يتعهد النا�س لفهمه وا�ستيعابه واالطمئنان �إىل عدم الوقوع به، �أم �أن‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الإ�شكال ال يتعلق بالدرا�سة؟!!‬ ‫هذه النقطة تقودنا �إىل القول ب�أن ال�سمات ال�سلبية للثورة الفل�سطينية تفتقر‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫ُ َ‬ ‫َّ‬ ‫ِّ َ‬ ‫�إىل املفكرين املبدعني ا ّلذين خ�ص�صوا جهدهم ووق َتهم لدرا�سة ظواهر املقاومة،‬ ‫َ‬ ‫وواكبوا �أحدا َثها، و�ص ّنفوا مراحلها، ودر�سوا �سلبيا ِتها، وو�صفوا احللول لها..‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫بحيث ي�ستفيدون من جتارب �أبنائها، وي�ضعون الأفكار واملبادئ واملناهج التي‬ ‫تنا�سبها...‬
  • 255.
    ‫552‬ ‫هكذا كانت الثوراتالعاملية؛ هكذا كان (ماوت�س تونغ) يف ال�صني،‬ ‫و(كا�سرتو) و(ت�شي جيفارا) يف كوبا، و(هو�شي من) يف فيتنام... نعم، لدينا‬ ‫من هو �أعظم منهم ت�ضحية وتفانيا وجهاداً، لدينا من قدم ما َله وولده ونف�سه،‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ومن �أعطى عمره لق�ضيته، ولكن ذلك ال ينفي حاجتنا �إىل �أمثال �أولئك املفكرين‬ ‫ّ‬ ‫�أبداً.‬ ‫وقد روى يل �أحد جماهدينا �أع�ضاء اخلاليا �أنّ �أحد حمقّقي ال�شّ اباك قال له:‬ ‫ُ‬ ‫ّ ً‬ ‫«�أنتم الفل�سطينيون تتقنون العمل الع�سكري، لكنكم فا�شلون �أمنيـا، وهذا ما‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫يوقعكم ب�أيدينا». وفعال، لقد �صدقه هذا الكذوب!‬ ‫َ‬ ‫***‬
  • 256.
  • 257.
    ‫752‬ ‫َ ِ َ‬ ‫الـخـاتـمـة‬
  • 258.
  • 259.
    ‫952‬ ‫اخلامتة‬ ‫ٍ‬ ‫ُّ ٍ‬ ‫هي حرب دائمة بني االحتالل وال�شعب املقهور، مكانها كل �أر�ض مغت�صبة‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫ً‬ ‫وحق م�سلوب، تنتهي دائما �إىل انت�صار احلق وعودة احلقوق �إىل �أ�صحابها،‬ ‫ٍّ‬ ‫وطرد املحتل عن �أر�ض �سلبها دون م�رشوعية.‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ٍ‬ ‫حرب قد تطول ع�رشات ال�سنوات، لكنها قد تنتهي بعدة �سنوات، وهذا‬ ‫ّ‬ ‫ٌ‬ ‫عائد �إىل ظروف مو�ضوعية وعوامل و�أ�سباب، �أهمها قدرة ال�شعب وقواه‬ ‫ّ‬ ‫ٍّ‬ ‫ٍ‬ ‫ٌ‬ ‫املقاومة على �إدارة مقاومته وتنظيم �صفوفه، وتقومي �أدائه، ومعاجلة �أخطائه،‬ ‫ِ‬ ‫ومداومة االرتقاء وال�سري نحو النجاح.‬ ‫ِّ ُ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫�إن ثورة ال تُقيم جتار َبها ال ميكنها �أن تعي�ش طويال، و�إنّ مقاومة ال توثـق‬ ‫ً‬ ‫ِّ‬ ‫�أعما َلها وبطوالت �أبنا ِئها بانت�صارا ِتها و�إخفاقا ِتها ال ميكن �أن ت�ستفيد من‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫تاريخها.‬ ‫هي دعوة لكلِّ جماهدٍ ومقاوِ م وثائر، �أن يبحث عن جتارب غريه فيتّعظ بها،‬ ‫َ‬ ‫ٌ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫وينتفع بنتاجها... وقد قيل: ال�سعيد من اتّعظ بغريه، وال�شقي من اتّعظ بنف�سِ ه.‬ ‫َّ ُّ‬ ‫َّ ُ‬ ‫و�آخر دعوانا �أن احلمد هلل رب العاملني.‬
  • 260.
  • 261.
    ‫162‬ ‫املراجع وامل�صادر‬ ‫1ـ خمت�رص �صحيح م�سلم.‬ ‫2ـ الرحيق املختوم/ املباركفوري.‬ ‫3ـ املنهج احلركي لل�سرية النبوية/ �أ. منري الغ�ضبان.‬ ‫4ـ ف�ضائل ال�شّ ام/ الربعي.‬ ‫ّ‬ ‫5ـ نور اليقني/ اخل�رضي.‬ ‫6ـ ر�سائل الإمام ال�شهيد ح�سن الب ّنا.‬ ‫7ـ �صفحات من التاريخ الإ�سالمي/ ناجي �صبحة.‬ ‫8ـ �صحيح اجلامع ال�صغري/ الألباين.‬
  • 262.
    ‫262‬ ‫الفهر�س‬ ‫�إهداء ............................................................................................. 5‬ ‫من قب�س النبوة ................................................................................. 7‬ ‫تقدمي د.�أحمد نوفل ........................................................................... 9‬ ‫مقدمة ........................................................................................... 51‬ ‫ّ‬ ‫متهيد ............................................................................................ 91‬ ‫ما هي حرب الع�صابات؟ ............................................................... 12‬ ‫ملحة تاريخية ................................................................................. 42‬ ‫مدار�س حرب الع�صابات ................................................................ 72‬ ‫ً‬ ‫�أوال: مدار�س الع�صابات يف ع�رص ال ّنبوة ...................................... 92‬ ‫ً‬ ‫ثانيا: املدر�سة ال�صينية (املاويّة) ...................................................43‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ثالثا: املدر�سة الكوبية ............................................................... 73‬ ‫ً‬ ‫رابعا: املدر�سة الفيتنامية ............................................................ 93‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫خام�سا: حرب التحرير اجلزائر ّية .............................................. 14‬ ‫ً‬ ‫�ساد�سا: التجربة الفل�سطينية .......................................................44‬ ‫ّ‬ ‫مقارنة ...........................................................................................84‬ ‫�أهداف حرب الع�صابات ................................................................. 55‬ ‫من قواعد حرب الع�صابات .............................................................. 96‬ ‫العمل الفل�سطيني املقاوم ................................................................. 19‬
  • 263.
    ‫362‬ ‫�أ�شكال هجمات املقاومة................................................................. 59‬ ‫ً‬ ‫�أوال: املقاومة ال�شعبية .............................................................. 59‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫ثانيا: عمليات �إطالق النار ........................................................ 69‬ ‫ً‬ ‫ثالثا: عمليات التفجري ........................................................... 101‬ ‫ً‬ ‫رابعا: عمليات االختطاف ..................................................... 501‬ ‫ً‬ ‫خام�سا:االغتياالت ............................................................... 701‬ ‫ً‬ ‫�ساد�سا: حرب االنفاق ........................................................... 901‬ ‫ً َ‬ ‫�سابعا: ال�صواريخ .................................................................. 111‬ ‫مناذج وتطبيقات ق�سامية ............................................................... 511‬ ‫َ‬ ‫و�سائل حتقيق الأهداف ................................................................. 361‬ ‫ً‬ ‫�أوال: التنظيم ......................................................................... 661‬ ‫ً‬ ‫ثانيا: الت�سليح ........................................................................ 471‬ ‫ً‬ ‫ثالثا: اال�ستخبارات ............................................................... 181‬ ‫ً‬ ‫رابعا: الإعالم ....................................................................... 091‬ ‫ً‬ ‫خام�سا: التخفَي وال َتمويه ....................................................... 591‬ ‫ً‬ ‫�ساد�سا: و�سائل االت�صال الآمنة ................................................ 202‬ ‫ً‬ ‫�سابعا: الإميان ....................................................................... 212‬ ‫�صفات رجل الع�صابات الناجح ...................................................... 712‬ ‫من عوامل النجاح ........................................................................ 722‬ ‫املعوقات ..................................................................................... 732‬ ‫َ‬ ‫اخلامتة ........................................................................................ 752‬ ‫املراجع ...................................................................................... 162‬