الكتاب المعتمد للتفسير عام 1

1,636 views

Published on

0 Comments
1 Like
Statistics
Notes
  • Be the first to comment

No Downloads
Views
Total views
1,636
On SlideShare
0
From Embeds
0
Number of Embeds
2
Actions
Shares
0
Downloads
8
Comments
0
Likes
1
Embeds 0
No embeds

No notes for slide

الكتاب المعتمد للتفسير عام 1

  1. 1. 4
  2. 2. 5
  3. 3. ‫المحتويات‬‫٧-١١١‬ ‫الدرس الول : مقدمة وتفسير سورة‬ ‫الفاتحة‬ ‫٣١١-‬ ‫الدرس الثاني : تفسير اليات ) ١- ٣١(‬ ‫٥٣٢‬ ‫من سورة البقرة‬ ‫٧٣٢-‬ ‫الدرس الثالث : تفسير اليات ) ٤١- ٥٢(‬ ‫٧٠٣‬ ‫٩٠٣-‬ ‫الدرس الرابع : تفسير اليات ) ٦٢- ٩٣(‬ ‫٤٢٤‬ ‫٥٢٤-‬ ‫: تفسير اليات ) ٠٤- ٢٥(‬ ‫الدرس‬ ‫٣٨٤‬ ‫الخامس‬ ‫٥٨٤-‬ ‫: تفسير اليات ) ٢٥- ١٦(‬ ‫الدرس‬ ‫٨٤٥‬ ‫السادس‬ ‫٩٤٥-‬ ‫: تفسير اليات ) ٢٦- ٤٧(‬ ‫الدرس‬ ‫٦٠٦‬ ‫السابع‬ ‫٧٠٦-‬ ‫: تفسير اليات ) ٥٧ –‬ ‫الدرس‬ ‫٣٠٨(‬ ‫٧٣٦‬ ‫الثامن‬ ‫٩٣٦-‬ ‫: تفسير اليات ) ٤٨ –‬ ‫الدرس‬ ‫٦٩(‬
  4. 4. ‫٥٠٧‬ ‫التاسع‬ ‫٧٠٧-‬ ‫: تفسير اليات ) ٧٩ –‬ ‫الدرس‬ ‫٥٠١(‬ ‫١٥٨‬ ‫العاشر‬ ‫٣٥٨-‬ ‫: تفسير اليات ) ٦٠١- ٨١١(‬ ‫الدرس‬ ‫٣١٩‬ ‫الحادي عشر‬ ‫٥١٩-‬ ‫الدرس الثاني : تفسير اليات ) ٩١١- ٥٣١(‬ ‫٩٠٠١‬ ‫عشر‬ ‫١١٠١-‬ ‫الدرس الثالث : تفسير اليات ) ٦٣١- ٥٤١(‬ ‫٨٦٠١‬ ‫عشر‬ ‫٩٦٠١-‬ ‫الدرس الرابع : تفسير اليات ) ٦٤١- ٧٥١(‬ ‫٤١١١‬ ‫عشر‬ ‫٥١١١-‬ ‫قائمة‬ ‫٨١١١‬ ‫المراجع‬ ‫العامة‬‫5‬ ‫5‬
  5. 5. ‫الدرس الول‬ ‫مقدمة، وتفسير سورة الفاتحة‬ ‫6‬‫6‬
  6. 6. ‫عناصر الدرس‬ ‫٩‬ ‫العنصر الول : ترجمة ابن كثير‬ ‫٥٣‬ ‫العنصر الثاني : تعريف التفسير وأهميته‬ ‫ونشأته وأنواعه‬ ‫١٦‬ ‫العنصر الثالث : تفسير سورة الفاتحة‬‫5‬ ‫7‬
  7. 7. ‫ترجمة ابن كثير‬ ‫نسب ه:‬ ‫هو الحافظ عماد الدّين أبو الفداء، إسماعيل بن عمر بن‬‫كثير بن ضوء بن كثير بن ضوء بن درع القرشي، القيسي،‬ ‫العبسي، البُصروي -نسبة إلى بصرى الشام- الدمشقي.‬ ‫مولده:‬ ‫ولد سنة )١٠٧( هـ بمجيدل القُرَية، من أعمال بُصرى.‬ ‫نشأته:‬‫نشأ في أسرة علْم وفضل؛ فقد كان أبوه الخطيب شهاب‬ ‫الدّين أبو حفص عمر بن كثير، من العلماء الفقهاء‬‫الخطباء، توفّي عنه، وهو ابن ثلث أو نحوها، فاتّجه إلى‬ ‫الطلب في وقت مبكّر مِن حياته، على يدي أخيه عبد‬‫الوهاب، وأكمل حفظ القرآن الكريم ولم يتجاوز العاشرة‬ ‫مِن عمره، على شيخه شمس الدّين البعلبكي، وقرأ‬ ‫بالقراءات، حتى عدّه الداودي من القرّاء، وترجم له في‬ ‫طبقاتهم.‬ ‫وسمع الحديث، من كثير من أئمّة الحفّاظ في عصره،‬ ‫وعني بالسماع والكثار منه، وقرأ على صهره الحافظ‬
  8. 8. ‫المزّي مؤلّفَه العظيم في الرجال: )تهذيب الكمال( وغيره،‬ ‫كما حفظ المتون المتنوّعة في العلوم الشرعية، وكان‬ ‫صحيح الذهن، كثير الستحضار، قليل النسيان.‬ ‫وهكذا، اشتغل بطلب العلْم، ودأب وحصّل وكتَب، حتى‬ ‫برع في علوم كثيرة، وصار يشار إليه بالبنان، ولما يزلْ‬ ‫شابّا؛ وهذا من فضل ا عليه، إذ هيّأ له أسباب تحصيل‬ ‫العلْم، ويسّر له سُبله.‬ ‫رحلت ه:‬ ‫سافر إلى عدّة بلد، الْتقى فيها بأهل العلم، فاستفاد‬ ‫وأفاد، ومن تلك البلد: القدس، ونابلس، وبعلبك،‬‫والقاهرة، وقد سافر إلى الحجاز؛ حيث أدّى فريضة الحج،‬ ‫في جمْع من علماء دمشق.‬ ‫زواجه وذ ر ّ ي ّته:‬ ‫صحب ابن كثير محدّث الديار الشامية في عصره: أبا‬ ‫الحجاج جمال الدّين يوسف بن عبد الرحمن المزّي، إمام‬ ‫الحفّاظ، ولزمه، وصاهره؛ فتزوج ابنته زينب، ورزقه ا‬ ‫منها عددًا من الولد، أكبرهم: الشيخ عز الدّين عمر بن‬ ‫إسماعيل بن عمر بن كثير، عني بالفقه، وكتب تصانيف‬‫01‬
  9. 9. ‫أبيه؛ وهو الذي نسخ لبيه نسخة )المُسند(، التي جعلها‬ ‫أصل في تأليف )جامع المسانيد(.‬ ‫ً‬ ‫شيوخه:‬ ‫وقد بدأ الشتغال على يدي أخيه: عبد الوهاب؛ فهو أول‬ ‫شيوخه، وصحِب جمال الدّين أبي الحجاج يوسف المزّي،‬ ‫ولزمه.‬ ‫وكان من أعظم تلميذ شيخ السلم ابن تيمية الحرّاني،‬ ‫ولزمه، وتخرّج على يديه، وكانت له به خصوصيّة ومناضلة‬ ‫عنه، واتّباع له في كثير من آرائه، وكان يفتي برأيه في‬ ‫مسألة الطلق، وامتحن بسبب ذلك وأُوذي.‬ ‫ولمّا مات شيخ السلم ~ بسجن القلعة، لم يُسمح لحد‬ ‫بالدخول أول المر، إل لخواصّ أصحابه؛ فكان ابن كثير‬ ‫ّ‬ ‫منهم.‬ ‫تلميذه:‬ ‫وتلمذته كثير، منهم:‬ ‫1.المام سعد الدّين بن يوسف بن إسماعيل بن يونس‬ ‫النواوي، قدم دمشق صغيرًا، وقرأ على ابن كثير كتابه‬ ‫في علوم الحديث، وأذِن له بالفتوى.‬‫11‬ ‫11‬
  10. 10. ‫2.المام ابن حجّي.‬ ‫3.المام الزّركشي.‬ ‫4.المام الحسيني، صاحب )ذيل تذكرة الحفّاظ(.‬ ‫5.المام ابن الجزري، وهو ممّن أذن له ابن كثير في‬ ‫الفتوى.‬ ‫أعماله ونشاطه العلم ي:‬ ‫تنوّعت أعمال الحافظ ابن كثير نظرًا لموسوعيّته وعلوّ‬ ‫منزلته العلْمية؛ وممّا قام به من جهود علْمية اشتهر بها:‬ ‫القراء:‬ ‫برز الحافظ ابن كثير في هذا الجانب العلْمي، وولي‬ ‫مشيخة القراء بمدرسة أمّ الصالح، كما ذكر النعيمي.‬‫وترجم له الداودي، في )طبقات القراء(، وقد ظهر أثر علْم‬ ‫ابن كثير بالقراءات في غضون تفسيره، وهو غالبًا ما‬ ‫يعتمد قراءة نافع ومَن وافقه.‬ ‫ال ت ّحديث والجازة:‬ ‫لقد كان حافظًا مِن حفّاظ هذه المّة لحديث رسول ا‬ ‫أخذ الحديث عن جماعة من أهل العلْم، سماعًا‬‫21‬
  11. 11. ‫وإجازة، وحدّث وأفاد، وأسمع الحديث، وأجاز؛ حتى إنه‬ ‫أجاز كلّ مَن أدرك حياته، كما ذكر الحافظ ابن حجر.‬ ‫ال ت ّدري س:‬ ‫قعد الحافظ ابن كثير للتّدريس إلى آخر عمره، وانتفع به‬ ‫خلق كثير، ودرّس علومًا عدّة، منها: التفسير، والفقه.‬ ‫وقد بدأ التدريس في المدرسة النجيبية، كما كان يدرّس‬ ‫التفسير في الجامع الموي.‬ ‫وقد تولّى الحافظ ابن كثير مشيخة عدّة مدارس، ومن‬ ‫ذلك:‬ ‫مشيخة مدرسة أمّ الصالح، ومشيخة دار الحديث، ومشيخة‬ ‫التنكزية، واسمها: دار القرآن والحديث.‬ ‫الفتاء:‬ ‫برز الحافظ ابن كثير في هذا الجانب، ول غرو، فهو إمام‬ ‫من أئمة الشافعية، غير أنه لم يكن متقيّدًا بالمذهب؛ وإنما‬ ‫كان يدور مع الدليل حيث دار، وقد وصفه شيخه الذهبي،‬ ‫بالفقيه المفتي، وكان يأذن لغيره بالفتاء، كإذنه للنواوي،‬ ‫والجزري.‬ ‫مؤ ل ّفاته:‬‫11‬ ‫31‬
  12. 12. ‫لقد تفرّغ الحافظ ابن كثير ~ للتأليف والتصنيف، إلى جانب‬ ‫ما كان يقوم به من العمال الكثيرة في خدمة الدّين‬‫والمّة السلمية؛ ولذلك خلّف كتبًا كثيرة في شتّى مجالت‬ ‫العلْم والمعرفة، وكان من أوائل ما صنّف في شبابه‬ ‫-ولعلّه أوّل كتاب ألّفه- )أحكام التنبيه(، ولمّا اطلع عليه‬ ‫شيخه البرهان الفزاري، أعجبه وأثنى عليه، وقد ذكر له‬ ‫بعض مَن ترجم له حوالي أربعين مؤلّفًا، أكثرها مفقود.‬ ‫ومِن أهمّ مؤلّفاته: )تفسير القرآن العظيم(، و )البداية‬ ‫والنهاية(، في التاريخ، و )جامع المسانيد والسّنن(، و‬ ‫)شمائل الرسول، ودلئل نبوته وفضائله وخصائصه(، و‬ ‫)فضائل القرآن، وتاريخ جمعه وكتابته ولغاته(؛ وهي‬ ‫مطبوعة.‬ ‫مم ي ّزات ه:‬ ‫1.القدرة على الحفْظ.‬ ‫2.كثرة الستحضار، وقلّة النّسيان.‬ ‫3.جودة الفهْم: حيث كان ~ صحيح الذّهن، قادرًا على‬ ‫الجتهاد والدقّة العلْمية؛ ومن هنا كانت له آراء‬ ‫ّ‬ ‫واجتهادات وترجيحات.‬‫41‬
  13. 13. ‫4.خفّة الروح، وقد جاءت هذه الصّفات على لسان‬ ‫المترجِمين له، إذ قالوا: كان ~ كثير الستحضار، قليل‬ ‫النسيان، جيّد الفهم، صحيح الذّهن، حسن المفاكهة.‬ ‫مكانته العلمية، وثناء العلماء علي ه:‬ ‫تبوّأ الحافظ ابن كثير ~ في حياته مكانة علميّة مرموقة،‬ ‫وحاز مِن ثناء العلماء مِن معاصريه فمَن بعدَهم، ما يدلّ‬ ‫على فضله وتقدّمه في العلْم والدب والعبادة.‬ ‫وتتج ل ّى مكانة ابن كثير ، ومنزلته الع ل ْمية من‬ ‫ناحيت ي ْن:‬ ‫الولى: من خلل ما ترَكَه من ثروة علْمية، وتآليف نافعة.‬ ‫الثانية: شهادة العلماء له، وخاصّة معاصروه، سواء‬ ‫أكانوا شيوخًا له، أو تلميذ:‬ ‫قال المام الذهبي )وهو في طبقة شيوخه(: وسمعت مع‬ ‫الفقيه المفتي المحدّث ذي الفضائل: عماد الدّين بن‬ ‫إسماعيل بن عمر البصروي الشافعي، وله عناية بالرجال‬ ‫والمتون والتفقّه، خرّج وألّف، وناظر وصنّف، وفسّر وتقدّم.‬ ‫وقال الحافظ ابن ناصر الدّين الدمشقي: المام العلمة‬ ‫الحافظ، عماد الدّين، ثِقة المُحدّثين، عمدة المؤرّخين،‬ ‫علَم المفسّرين، أبو الفداء.‬‫11‬ ‫51‬
  14. 14. ‫وقال الحافظ ابن حجر العسقلني: واشتغل بالحديث،‬ ‫مطالعة في متونه ورجاله، فجمع التّفسير، وكان كثير‬‫الستحضار، حسن المفاكهة، سارت تصانيفه في البلد في‬ ‫حياته، وانتفع بها الناس بعد وفاته.‬ ‫عقيدت ه:‬ ‫كان الحافظ ابن كثير ~ سلفيّ العقيدة، سائرًا على منهج‬ ‫أهل السّنّة والجماعة، ومما يدل على ذلك، أنّ له رسالة‬‫في العقائد، قرر فيها عقيدة السلف؛ ومما جاء فيها، قوله:‬ ‫فإذا نطق الكتاب العزيز، ووردت الخبار الصحيحة، بإثبات‬ ‫السمع، والبصر، والوجه، والعلْم، والقوة، والقدرة،‬ ‫والعظمة، والمشيئة، والرادة، والقول والكلم، والرضا‬‫والسخط، والحب والبغض، والفرح والضحك، وجَب اعتقاد‬ ‫حقيقته، مِن غير تشبيه ول تكييف له، ول تحريف، ول‬ ‫تبديل، ول تغيير، ول إزالة لفظ عما تعرفه العرب وتصرفه‬ ‫إليه، والمساك عما سوى ذلك.‬‫كما أنه في تفسيره المشهور، جرى على منهج السلف في‬ ‫تفسير آيات الصّفات، ومن المثلة على ذلك:‬ ‫قال الحافظ ابن كثير ~: "وأما قوله تعالى: }ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ{‬ ‫]الفرقان:95[، فللناس في هذا المقام مقالت كثيرة جدّا،‬ ‫ليس هذا موضع بسْطها؛ وإنما نسلك في هذا المقام‬‫61‬
  15. 15. ‫مذهب السلف الصالح: مالك، والوزاعي، والثوري،‬ ‫وغيرهم من أئمة المسلمين قديمًا وحديثًا؛ وهو: إمرارها‬ ‫كما جاءت من غير تكييف، ول تشبيه، ول تعطيل".‬ ‫مذهبه الفقهي ّ:‬ ‫ذكرت بعض المصادر في ترجمة الحافظ ابن كثير ~ أنه‬ ‫حفظ في صغره كتاب )التنبيه(، وهو أهم مختصَر في‬ ‫الفقه الشافعي، في ذلك العصر، كما أثبت كثير من‬ ‫المترجمين له نسبته إلى المذهب الشافعي؛ بل أثبت ابن‬ ‫كثير نفسه هذه النسبة للشافعي، في اسمه.‬ ‫منهج ابن كثير ، في كتابه :‬ ‫يُعتبر تفسير ابن كثير مِن خيْر كُتب التفسير، واحتلّ مكانة‬ ‫مرموقة في الكُتب السلميّة، وشهد له العلماء بذلك،‬ ‫وذاع صيت هذا الكتاب، وتداولتْه اليدي قديمًا وحديثًا،‬ ‫على مختلَف المستويات.‬ ‫يقول السيوطي: له التفسير الذي لم يؤلّف على نمطه‬ ‫مثلُه.‬ ‫ويقول الشوكاني: وله تصانيف مفيدة، منها: التفسير‬ ‫المشهور، وهو في مجلّدات، وقد جمع فيه فأوعى، ونقل‬‫11‬ ‫71‬
  16. 16. ‫المذاهب، والخبار، والثار، وتكلم بأحسن كلم وأنفسه؛‬ ‫وهو من أحسن التفاسير.‬ ‫ويقول الستاذ الشيخ أحمد محمد شاكر: فإنّ تفسير ابن‬ ‫كثير أحسن التفاسير التي رأينا، وأجودها وأدقّها، بعد‬ ‫تفسير إمام المفسّرين؛ أبي جعفر الطبري.‬ ‫مصادر ابن كثير في التفسي ر:‬ ‫أكثر الحافظ ابن كثير من نقله عن السلف الصالح من‬ ‫الصحابة، والتابعين، وتابعي التابعين.‬ ‫مصادره من الكتب:‬ ‫فقد رجع إلى التوراة والنجيل في مواضع من تفسيره.‬ ‫وأما في التفسير ، وعلوم القرآن: فلو ألقينا نظرة‬‫فاحصة على المصادر التفسيرية التي استقى ابن كثير منها‬ ‫تفسيره، لوجدنا أن الطابع العام الذي تتميّز به هذه‬ ‫المصادر التفسيرية، هو التفسير بالمأثور، مع وجود غيرها‬ ‫أيضًا، لكن ليس بنفس القدْر.‬ ‫أ م ّا أكثر التفاسير دورا ن ًا في تفسير ابن كثير ،‬‫فأربعة: )تفسير ابن جرير الطبري(، و )ابن أبي حاتم(، و‬ ‫)عبد الرزاق الصنعاني(، و )أبي بكر بن مردويه(، وأخصّ‬ ‫هذه الربعة: )تفسير ابن جرير الطبري(، و )ابن أبي‬ ‫حاتم(؛ فقد كاد يذكرهما في كلّ صفحة من صفحات‬‫81‬
  17. 17. ‫التفسير؛ ولعل السبب في هذا: أن هذه الكتب تحوي بين‬ ‫دفّتيها عددًا هائل من الحاديث، والروايات، والخبار‬ ‫ً‬ ‫الواردة عن السلف الصالح؛ وهذا يلئم منهج التفسير‬ ‫بالمأثور، الذي آثره ابن كثير لنفسه.‬ ‫وهناك من المصادر التفسيرية ما لم يذكره إل مرة، أو‬ ‫مرتيْن، كـ )تفسير الثعلبي(، صاحب )العرائس(، والمعروف‬ ‫بـسرد الخبار والروايات السرائيلية والقصص الخرافية.‬ ‫والحقيق ة: أنّ ابن كثير عالِم، حافظ، ناقد، مدقّق، وليس‬ ‫مجرد نقّال؛ فإنه إذا لم يتفق مع غيره من المفسرين في‬ ‫بعض الراء وجدناه يحشد عددًا هائل من الدلة؛ لدحض‬ ‫ً‬ ‫هذا الرأي وإثبات ما يراه حقّا.‬ ‫وأ م ّا كتب ال س ّ ن ّة ، وعلوم الحديث ، وشروحه:‬ ‫فيبدو لوّل وهلة، أنّ مصادر ابن كثير في الحديث كثيرة‬ ‫جدّا، وهي على وجه التحديد )واحد وسبعون ( مصدرًا،‬ ‫هذا خل التفاسير المسندة.‬ ‫كما أنّ له مصادره المتنوعة في الفقه وأصوله، وفي‬ ‫التاريخ والسّيَر والتراجم، وفي علوم اللغة، وغير ذلك من‬ ‫فنون العلْم. كما أنه نقل من مصادر مهمة لم يصرح‬ ‫بأسمائها، بالضافة إلى نُقولِه عن شيوخه، ومن أبهمهم‬ ‫من أهل العلْم، مما جعل كتابه مصدرًا حافل بعلوم‬ ‫ً‬ ‫غزيرة.‬‫11‬ ‫91‬
  18. 18. ‫انتقادات و ُ ج ّهت في كتاب ه:‬ ‫جاء )تفسير ابن كثير(، ذخيرة علْمية، لكنه لم يخلُ من‬ ‫بعض المآخذ التي لحظَها العلماء، ومن ذلك:‬ ‫1. الطالة: فقد حرص ابن كثير ~ على ذكر السانيد‬ ‫كاملة، كما حرص على إيراد الروايات المتكرّرة في‬ ‫الموضع الواحد، والستعانة بالشواهد اللغوية، مما‬ ‫يؤدّي إلى الملل والتعب والسآمة، من الطالة في‬ ‫عرض تفصيلت وجوانب متفرّعة ودقيقة، ل يستفيد‬ ‫منها إل فئة مخصوصة مِن العلماء والباحثين؛ وهذا‬ ‫ما دعا العلماء في هذا العصر لختصار هذا‬ ‫التفسير.‬ ‫2. السرائيليات: كان ابن كثير ~ متنبّهًا لمْر‬ ‫السرائيليات وخطرها، وتعرّض لها في مقدّمة‬ ‫كتابه؛ وهو المحدّث الحافظ، ومع ذلك فقد أوردها‬ ‫في كتابه؛ للستئناس بها، بحجة "الستشهاد ل‬ ‫العتضاد"، ونبّه في معظم الحيان عليها، ويذكر‬ ‫الرواية، ثم يصرّح بأنها إسرائيلية، وقد يبيّن بطلنها‬ ‫وفسادها، ولكن القارئ العادي سيقرؤها، وقد ل‬ ‫يتنبّه إلى معنى كوْنها إسرائيلية ؛ فكان ذكْرها‬ ‫بالتفسير مأخذًا، وإن الخطر والضرر في إثباتها، أكثر‬ ‫بكثير مِن حذْفها وإغفالها؛ ولذلك يتردّد على ألْسنة‬‫02‬
  19. 19. ‫العوامّ وأنصاف المتعلّمين: أنّ هذه القصّة‬ ‫)السرائيلية(، أو تلك وردت في تفسير ابن كثير.‬ ‫هكذا انتقده بعض المتأخّرين، ولكنّ هذا ل يسلّم لهم،‬ ‫وقد دأب السلف الصالح -الذين هم أعلم الناس بكتاب‬ ‫ا- على ذكر السرائيليات في تفسيرهم، وهم أورع‬ ‫الناس وأتقاهم، وأعلمهم بما يجوز على ا ورسله، وهم‬ ‫أحرص الناس على صفاء العقيدة؛ فليس مِن الصواب‬ ‫الضراب عن السرائيليات جملة وتفصيل؛ بل منهج ابن‬ ‫ً‬ ‫كثير هو الصواب - وا أعلم.‬ ‫أوهام الحافظ ابن كثير ، في تفسير ه:‬ ‫وقع الحافظ ابن كثير ~ كعادة البشَر، في بعض الوهام‬ ‫التي هي قطرة في بحر صوابه، وهي على سبيل‬ ‫الجمال تنحصر في نقاط أربع:‬ ‫أول: الخطأ في العزْو: كأن ل يكون الحديث في‬ ‫الصحيحيْن أو في أحدِهما، ومع هذا تراه يعزوه‬ ‫إليهما، أو إلى واحد منهما.‬ ‫ثان ي ًا: الخطأ الواقع في السانيد: كالوهْم في أسماء‬ ‫بعض الرواة.‬ ‫ثال ث ًا: التقصير في العزْو: كأنْ يكون الحديث في المسند‬ ‫مثل، ويعزوه لبن جرير.‬ ‫ً‬‫11‬ ‫12‬
  20. 20. ‫راب ع ً ا: السهو في بعض كلم الئمّة: كنقل بعض ألفاظ‬ ‫الترمذي، والحاكم بخلف الواقع.‬ ‫بعض ال ملحظات في منهجه ~ :‬ ‫فالذي يظهر: أنه كَتب الكتاب أول، ثم نظر فيه ثانية،‬ ‫ً‬ ‫فأضاف فيه نقول كثيرة، استقاها من تفسير الرازي،‬ ‫ً‬‫والزمخشري، ثم نظر فيه أخرى، فحذف بعضًا ممّا أضافه.‬ ‫كما أنّ بعض اليات لم يفسّرها إطلقًا؛ إمّا سهوًا، وإمّا‬ ‫عمدًا؛ هُروبًا من إشكالتها، وإمّا خوفًا مِن عدم وضْعها‬ ‫مواضعها الصحيحة.‬ ‫فممّا يدخل تحت السهو: متكرّر.‬‫وأمّا مِن الثاني، فمثاله: عند قوله تعالى: }ﮪ ﮫ ﮬ ﮭﮮ ﮯ ﮰ{‬ ‫]الشّرح: ٢، ٣[.‬ ‫ومن الثالث: عند قوله تعالى: }ﮭ ﮮ ﮯ{ ]النجم:91[.‬ ‫تعريف التفسير، وأهميته، ونشأته، وأنواعه‬ ‫التفسير لغ ة ً:‬ ‫اليضاح والتّبيين، مِن: "الفَسْر"، وهو: البانة، وكشف‬ ‫المُغطّى.‬‫22‬
  21. 21. ‫وقي ل: هو مقلوب: "السّفْر"، يقال: سفرت المرأة عن‬ ‫وجهها، إذا كشفت نقابها؛ ولهذا سُمّي السفر "سفرًا"؛ لنه‬ ‫يُسفر عن أخلق الرّجال.‬ ‫التفسير اصطل ح ًا:‬ ‫عرفه الزّركشي، بأنه: علْم يُفهم به كتابُ ا المنزل على‬ ‫نبيّه محمد ه وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحِكمه.‬ ‫أ. أه م ّ ي ّة ع ل ْم التفسير:‬ ‫أجمع العلماء، على أنّ التفسير مِن فروض الكفايات، وأنه‬ ‫أجلّ العلوم الشّرعيّة.‬ ‫قال الكافييجي: إنّ علم التّفسير محتاج إليه؛ لن الناس‬ ‫يحتاجون في الطّلع على الشرائع والحكام، إلى معرفة‬ ‫معاني القرآن، التي ل يطّلع عليها -على ما ينبغي- إل بهذا‬ ‫العلْم الشّريف.‬ ‫ب. نشأة التفسير ، ومدارسه:‬ ‫انطلقًا من قول ا تعالى: }ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ{ ]النحل:‬ ‫٤٤[ كانت نشأة التفسير، على يد مُعلّم البشرية محمد‬ ‫الذي ل ينطق عن الهوى، وقد انقسم التفسير المرويّ عنه‬ ‫إلى قسميْن:‬‫11‬ ‫32‬
  22. 22. ‫ال و ّ ل: تفسي ر ٌ لبعض المفردات، أو اللفاظ‬ ‫المجملة: وهذا قليل؛ لكون القرآن نزل بلسان‬ ‫عربيّ مُبين، في قوم سليقتهم العربيّة.‬ ‫الثاني: التفسير الجمالي ، والموضوعي ، لجميع‬ ‫مقاصد القرآن: وهذا في الحقيقة قد بيّنه النبي‬ ‫أيّما بيان.‬ ‫فالمتأمّل لكتاب ا، يجِد أنه تكلّم عن العقيدة في ا،‬ ‫والملئكة، والنبياء، والكُتب المنزلة، واليوم الخر، والقدَر،‬ ‫وهذه المباحث قد أخذت جانبًا عظيمًا من أحاديث النبي‬ ‫القوليّة والفعليّة، مفسّرة لمضمونها، وشارحة‬ ‫لمقصودها، كما تحدّثت آيات أخرى عن العبادات؛ من‬ ‫صلة، وزكاة، وصوم، وحجّ، ونذر وغير ذلك، وهذه جلّ‬ ‫الحاديث النبويّة تفسّرها، وتوضّح مجمَلها.‬ ‫وتحدّثت آيات القرآن، عن أحكام شرعيّة في المعاملت‬ ‫وغيرها؛ من نكاح وطلق، وبيع وشراء، وطعام وشراب،‬ ‫وقَصاص وحدود، وميراث، ونحو ذلك، وهذه أيضًا أخذت‬ ‫جانبًا كبيرًا من السّنّة النبوية التي لم تدعْها إل واضحة‬ ‫ّ‬ ‫جليّة.‬‫ولم يبْقَ إل آيات تتعلّق بسيرة النبي م ومغازيه، وعلقاته‬ ‫ّ‬‫بالمُشركين والكتابيّين، وهذه ل مفسّر لها إل ما أُثر عنه ن‬ ‫ّ‬ ‫من تلك الحوال، وآيات تتعلّق بقصص النبياء السابقين؛‬ ‫وهذه تلوتها تغني عن تفسيرها، وبعض ما احتيج فيه‬‫42‬
  23. 23. ‫ورخّص‬ ‫إلى تفسير بيّنه النبي ى وما كان فضل ترَكه‬ ‫ً‬ ‫في الحديث عن بني إسرائيل.‬ ‫وبناء على ما تق د ّ م:‬ ‫ومَن خالف ذلك،‬ ‫فجلّ القرآن الكريم، قد فسّره النبي‬ ‫فقد أُتي مِن قِبل نظرته للنوع الوّل مِن التفسير المرويّ‬ ‫عنه ه فقط، ولم يتنبّه للنوع الثاني، وا أعلم.‬ ‫وقد اعتمد الصحابة في تفاسيرهم على أربعة‬ ‫مصادر: القرآن الكريم، والنبي ي والجتهاد بما لديهم‬ ‫مِن لغة عربية، وفهم ثاقب، وأهل الكتاب؛ ولكلّ مجالُه.‬ ‫وعن طريق الصحابة { انتشر التفسير، وظهرت مدرسة‬ ‫التفسير بالمأثور؛ متمثّلَة أظهر ما تكون في حَبر المّة،‬ ‫وترجمان القرآن ابن عباس، ثم غيْره من مُفسّري‬ ‫الصّحابة، كابن مسعود، وأبيّ بن كعب، وعلي بن أبي‬ ‫طالب، وبقيّة الخلفاء الربعة، وعبد ا بن الزبير،‬ ‫وغيرهم.‬ ‫وتطوّرت هذه المدرسة، في عصر التابعين، فتولّد منها‬ ‫مدارس حسب انتشار الصحابة في البلدان؛ فأشهر مدارس‬ ‫التفسير بالمأثور:‬ ‫مدرسة التفسير بمكة؛ لنهم أصحاب ابن عباس، كمجاهد،‬ ‫وعطاء، وعكرمة، وطاوس، وسعيد بن جبير.‬‫11‬ ‫52‬
  24. 24. ‫ثم مدرسة التفسير بالمدينة، وقد أخذ أصحابها عن أبيّ بن‬‫كعب، واشتهر منهم: أبو العالية، ومحمد بن كعب القرظي.‬ ‫ومدرسة التفسير بالعراق، وقد أخذ أصحابها عن ابن‬ ‫مسعود، واشتهر منهم: علقمة بن قيس، ومسروق، ومرّة‬ ‫الهمداني، والشعبي، والحسن البصري، وقتادة.‬ ‫ثم ظهرت مدرسة التفسير بالرأي، والمراد به: تفسير‬ ‫القرآن بالجتهاد، بعد اكتمال الدوات للمفسّر التي يحتاج‬ ‫إليها في ذلك.‬ ‫ج. أنواع التفسي ر:‬ ‫-تفسير بالمأثور.‬ ‫-تفسير بالرأي المحمود.‬ ‫-تفسير بالرأي المذموم.‬ ‫وقد اشتهر تقسيمه إلى نوع ي ْن:‬‫وهما: ال و ّل والثاني، وزاد بعض أهل العلْم -بدل مِن‬ ‫ً‬ ‫الثالث-: التفسير الشاري؛ وهو في الحقيقة يندرج تحت‬ ‫التفسير بالرأي المذموم؛ وهو توجّه من توجّهات التفسير‬ ‫عند الصّوفية، وبعضهم أفرد الحديث عن التفسير الفقهيّ،‬ ‫والصّواب أنه ممّا يندرج تحت التفسير بالرأي المحمود.‬‫62‬
  25. 25. ‫أه م ّ كتب التفسي ر:‬ ‫وتنقسم كتب التفسير، إلى ثلثة أقسام:‬ ‫-قسم اقتصر على التفسير بالمأثور فقط.‬ ‫-قسم جمَع بين التفسير بالمأثور، وبين التفسير‬ ‫بالمعقول.‬ ‫-قسم اقتصر على التفسير بالرأي، إل أنّ بعضًا‬ ‫منه يتعرّض للمأثور، تعرضًا غير أساسي، وهو‬ ‫ناقل في الحقيقة عن غيْره.‬ ‫فأه م ّ كتب القسم ال و ّل: تفسير نافع بن أبي نعيم‬ ‫القاري، والتفسير المنسوب لمجاهد بن جبر، وتفسير عبد‬ ‫الرزاق الصنعاني، وتفسير ابن أبي حاتم الرازي، وتفسير‬ ‫النسائي، وغير ذلك.‬ ‫وهي مطبوعة، ما عدا تفسير ابن أبي حاتم؛ فالمطبوع‬ ‫المحقّق منه جزء فقط؛ حيث فُقِدَ الباقي.‬ ‫وممّا يدخل في هذا القسم: الكتاب الجامع الشامل،‬ ‫للمام السيوطي، المسمى: )الدر المنثور في التفسير‬ ‫بالمأثور(؛ وهو وإن لم يُسنِد الروايات، إل أنه خرّجها مِن‬ ‫كتب التفسير المُسندة وغيرها، ولم يخلط مع الروايات‬ ‫غيرَها، وبيّن في مقدمة كتابه: أنه اختصره من كتاب آخر،‬‫11‬ ‫72‬
  26. 26. ‫ذكر فيه من أسانيد الروايات، ومن الطريف أنه روى في‬ ‫كتابه هذا بعض الروايات بإسناده هو.‬ ‫وأه م ّ كتب القسم الثان ي: تفسير )جامع البيان(، لابن‬‫جرير الطبري، وتفسير )أحكام القرآن(، للجصاص، وتفسير‬ ‫)معالم التنزيل(، للبغوي، وهذه الكتب تسند رواياتها إلى‬‫أصحابها، وعلى الخصّ ابن جرير الطبري، وأما الجصاص،‬ ‫والبغوي، فعلّقا كثيرًا مِن الروايات دون إسناد، بجانب ما‬ ‫أسنداه.‬ ‫ويُلحق بهذا القسم: الكتب التي لم تسند رواياتها، وتكثر‬ ‫النقل مِن المأثور، ويتربّع قمّتَها: )تفسير القرآن العظيم(،‬‫للحافظ ابن كثير؛ وهو في الحقيقة: يكاد يكون أعدل كتب‬‫التفسير على الطلق منهجًا، مع اختصار غير مخلّ، وبغير‬ ‫تطويل مُملّ.‬ ‫التفسير بالرأي:‬ ‫مزالق التفسير بالرأي:‬ ‫فأظهر ما تكون في باب العقائد، ثم في الحكام الفقهية‬ ‫المستنبَطة من اليات، ثم في الوقائع التاريخية، واليات‬ ‫المتعلّقة بها وغير ذلك.‬‫82‬
  27. 27. ‫وم م ّا وقع فيه بعض المف س ّرين في كلمهم،‬ ‫وخرجوا فيه عن المنهج المعتد ل:‬ ‫قوله تعال ى: }ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ{ ]البقرة: ٠٩١[.‬ ‫استدل به المعتزلة على نفْي خلْق ا للعتداء؛ ول حجة‬ ‫لهم فيه؛ لن هناك فرقًا بين الرادة الكونية القدَرية،‬ ‫والرادة الشّرعية الدّينية؛ والذي دفعهم لذلك: اعتقادهم‬ ‫الشيء أول، ثم تنزيل كلم ا عليه.‬ ‫ً‬ ‫قوله تعالى: }ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ{ ]البقرة: ٤٩١[.‬ ‫قال الرازي: وهذا من أقوى الدلئل على أنه ليس بجسم‬ ‫ول في مكان، إذ لو كان جسمًا لكان في مكان معيّن،‬ ‫فكان إمّا أن يكون مع أحد منهم، ولم يكن مع الخر، أو‬ ‫يكون مع كلّ واحد من المؤمنين جزء مِن أجزائه، وبعض‬ ‫مِن أبعاضه - تعالى ا عن ذلك.‬ ‫وأمّا طامّات التفسير بالرأي المذموم، فهي كثيرة؛ وأهون‬ ‫ما جاء مِن ذلك: طامّات أهل التفسير الشاري، الذي قبِله‬ ‫بعض أهل العلْم.‬ ‫والصواب: ردّه كردّ غيره من التفسير المذموم.‬ ‫وم م ّا قيل في تمريره: أ ن ّ الف ر ْق بين تفسير‬ ‫الصوفية، المس م ّى بالتفسير الشاري، وبين‬ ‫تفسير الباطنية الملحدة:‬‫11‬ ‫92‬
  28. 28. ‫أنّ الصوفية، ل يمنعون إرادة الظّاهر؛ بل يحضّون عليه،‬ ‫ويقولون: ل بدّ منه أول، إذْ مَن ادّعى فهْم أسرار القرآن‬ ‫ً‬ ‫ولم يُحْكم الظاهر، كمَن ادّعى بلوغ سطْح البيت قبل أن‬ ‫يجاوز الباب.‬ ‫وأمّا الباطنيّة، فإنهم يقولون: إنّ الظاهر غيْرُ مراد أصل،‬ ‫ً‬ ‫وإنّما المُراد الباطن؛ وقصْدهم: نفْي الشريعة، وبعضهم‬ ‫استدلّ لذلك بحديث ل يَثبت؛ وهو ما رواه الحسن مرسل،‬ ‫ً‬ ‫: "لكلّ آية: ظَهْر وبَطْن، ولِكلّ حرْف‬ ‫عن رسول ا‬ ‫حَدّ، ولكِلّ حدّ مَطْلَع".‬ ‫قلت: أمّا الظّهر والبطن، فقد قال السيوطي: في معناه‬ ‫أوجه:‬ ‫أحده ا: أنك إذا بحثت عن باطنها وقِسْته على ظاهرها،‬ ‫وقفْت على معناها.‬ ‫الثاني: أنه ما مِن آية، إل علِمَ بها قوم، ولها قوم‬ ‫َ‬ ‫سيعلمون بها، كما قال ابن مسعود.‬ ‫الثالث: أنّ ظاهرها لفظها، وباطنها تأويلها.‬‫الرابع: قال أبو عبيدة، وهو أشبهها بالصواب: إن القصص‬ ‫التي قصّها ا تعالى عن المم الماضية، وما‬‫عاقبهم به، ظاهرها: الخبار بهلك الوّلين، وحديث‬ ‫حدّث به عن قوم، وباطنها: وعْظ الخرين‬‫03‬
  29. 29. ‫وتحذيرهم أن يفعلوا كفعلهم، فيحلّ بهم مثل ما‬ ‫حلّ بهم.‬ ‫شروط قبول التفسير الشار ي:‬ ‫1.أل يتنافى ما يظهر مِن معنى النّظم الكريم.‬ ‫2.أل يدّعى أنه المراد وحْده دون الظاهر.‬ ‫3.أل يكون تأويل بعيدًا سخيفًا، كتفسير بعضهم، لقوله‬ ‫ً‬ ‫تعالى: }ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ{ ]العنكبوت:96[، بجعل كلمة: }ﮨ{‬ ‫ماضيًا، وكلمة: }ﮩ{ مفعوله.‬ ‫4.أل يكون له معارض شرعيّ، أو عقليّ.‬ ‫5.أن يكون له شاهد شرعيّ يؤيّده.‬ ‫ونحن في غنًى عن هذه الشروط؛ لن أعرف الناس بكتاب‬ ‫ّ‬ ‫ا، وهو رسول ا ، وصحبه الكرام، وتلميذهم مِن‬ ‫التابعين، ومن تبعهم، وعلماء المّة الجهابذة، ل يُعرف‬ ‫عنهم هذا النوع مِن تفسير كتاب ا.‬ ‫نظرة خاطفة على بعض المثلة الدالة على‬ ‫فسا د ِه:‬ ‫ومن ذلك التفسير الشاري، لبن عربي، لقول ا تعالى:‬ ‫}ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ{ ]البقرة: ٧٦[ بقرة: هي النفس الحيوانية،‬ ‫وذبْحها: قمع هواها؛ الذي هو حياتها ومنبعها من الفعال‬ ‫الخاصة بها، بشفرة سكّين الرّياضة.‬‫11‬ ‫13‬
  30. 30. ‫وقال في تفسير: }ﯥ ﯦ ﯧ{ ]النبياء: 18[، إلى قوله: }ﭺ ﭻ{‬ ‫]النبياء:48[، }ﯥ ﯦ{، أي: سخّرنا لسليمان العقْل العملي،‬ ‫والمتمكّن على عرش النّفس في الصدر: ريح الهوى.‬ ‫}ﯧ{: في هبوبها، و }ﯨ{ ]النبياء:18[، بأمْره مطيعة له، و }ﮂ‬‫ﮃ{ ]النبياء:18[، أرض البدن المتدرّب بالطاعة والدب، و }ﮈ‬ ‫ﮉ ﮊ{ ]النبياء:18[، بتمييز الخلق، والملَكات الفاضلة،‬ ‫والعمال الصالحة، و }ﯰ ﯱ ﯲ{ ]النبياء:18[، من أسباب‬ ‫الكمال }ﯳ{ ]النبياء:18[.‬ ‫}ﭑ ﭒ{ ]النبياء: 28[: شياطين الوهم والتخييل، }ﭓ ﭔ ﭕ{‬‫]النبياء:28[، في بحر الهيولي الجثمانية، ويستخرجون درر‬ ‫المعاني الجزئية، }ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ{ ]النبياء:28[، مِن التركيب‬ ‫والتفصيل والمصنوعات، وتهييج الدّواعي المكسوبات،‬ ‫وأمثالها، }ﭛ ﭜ ﭝ{ ]النبياء:28[، عن الزيغ.‬ ‫يقول السيوطي: وأمّا كلم الصوفية في القرآن، فليس‬ ‫بتفسير.‬ ‫افتتح الحافظ ابن كثير كتابه بمقدّمة هامة في أصول‬ ‫التفسير، ثم عطف على ذلك بمبحث طويل، يتحدث فيه‬ ‫عن فضائل القرآن، ونزوله، وكتابته، وغير ذلك، وجعله‬ ‫قبل تفسيره، تشويقًا لقارئ التفسير وطالب القرآن، وكان‬ ‫في بداية تصنيفه للكتاب قد جعله في آخره، ثم بدا له أن‬‫23‬
  31. 31. ‫يجعله في البداية لهذا الغرض، كما صرّح بذلك في أواخر‬ ‫النّسخ المخطوطة للكتاب.‬ ‫ثم بدأ ~ بتفسير الفاتحة، وسوف نفتتح حديثنا في تفسير‬ ‫الفاتحة؛ بذكر فضائلها، دون تفسيرها، وبعض الحكام‬ ‫المتعلقة بها.‬ ‫تفسير سورة الفاتحة‬ ‫سورة الفاتح ة: م ك ّية ، أ م مدنية، و عدد آياته ا:‬ ‫هي مكّية على الصحيح، كما روي عن ابن عباس، وقتادة،‬ ‫وأبي العالية؛ بل إنها مِن السوَر المختلف في القول بأنها‬ ‫أوّل ما نزل.‬ ‫والتحقيق: أنها أوّل ما نزل من السوَر، بعد صدر )العلق(،‬ ‫وكان نزولها في صبيحة أن نزل الوحي، عندما أتى جبريل‬ ‫لرسول ا ل وعلّمه الوضوء والصلة.‬‫11‬ ‫33‬
  32. 32. ‫وقيل: مدنيّة، قاله أبو هريرة، ومجاهد، وعطاء بن يسار،‬ ‫والزهري، ويقال: نزلت مرتين: مرة بمكة، ومرة بالمدينة.‬ ‫قال ابن كثير: "والول أشبه، لقوله تعالى: }ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ{‬ ‫]الحِجر:78[؛ وهو كما قال، وهي: سبع آيات، بل خلف".‬ ‫أسماؤه ا:‬ ‫قال البخاري: سُمّيت )أمّ الكتاب(؛ لنه يُبدأ بكتابتها في‬ ‫المصاحف، ويُبدأ بقراءتها في الصلة.‬ ‫قال ابن جرير: والعرب تسمّي كل جامع أمر، أو مقدّم‬ ‫لمر -إذا كانت له توابع تتبعه هو لها إمام جامع- أُمّا.‬ ‫قال: وسُمّيت مكة، )أمّ القرى(؛ لتقدّمِها أمام جميعها،‬ ‫وجمْعها ما سواها.‬ ‫ويقال لها أيضًا: )الفاتحة(؛ لنها تُفتتح بها القراءة،‬ ‫وافتتحت الصحابة بها كتابة المصحف المام.‬ ‫وصحّ تسميتها بـ )السّبْع المثاني(، قالوا: لنها تُثنّى في‬ ‫الصلة، فتُقرأ في كل ركعة، وقد ثبت في الصحيح،‬ ‫تسميتها بـ )السّبْع المثاني(، وبـ )القرآن العظيم(.‬ ‫فضائلها:‬ ‫وفضائلها كثيرة، استوعبت ما صح منها في: )موسوعة‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬‫فضائل سوَر وآيات القرآن(، ومن ذلك: ما ثبت في الصحيح،‬ ‫ُ‬ ‫عن أبي سعيد بن المعلى < قال: ))كُنت أصلّي، فدعاني‬‫43‬
  33. 33. ‫رسول ا ل فلم أجبْه، حتى صليت وأتيتُه، فقال: ما مَنعك‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫أن تأتيَني؟، قال: قلت: يا رسول ا، إني كُنت أصلّي، قال:‬ ‫ْ‬ ‫ألم يقل ا ْ: }ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ{ ]النفال: 42[؟ ثم‬ ‫ْ َ ُ ِ‬ ‫قال: لُعلّمنّك أعظمَ سُورة في القرآن -أو مِن القرآن-‬ ‫قبْل أن تخرج من المسجد، قال: فأخذ بيدي، فلما أراد أن‬ ‫يخرج من المسجد، قلت: يا رسول ا، إنك قلت: لعلّمنّك‬ ‫أعظم سورة في القرآن. قال: نعم، }ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ{ هي: السّبْع‬ ‫المثاني، والقرآن العظيم الذي أُوتيتُه((.‬ ‫وقد رواه الترمذي، والنسائي، وغيرهما، عن أُبيّ بن كعب،‬ ‫ا: ))ما أنزل ا في‬ ‫مختصرًا بلفظ: قال رسول ا‬ ‫َ‬ ‫التوراة ول في النجيل مثل أم القرآن، وهي: السّبْع‬ ‫المثاني، وهي مقسومة بيني وبين عبدي، ولِعبدي ما‬ ‫سأل((.‬ ‫المعنى الجمالي للسور ة:‬ ‫اشتملت هذه السورة على حمْد ا وتمجيده، والثناء‬ ‫عليه، وعلى ذكْر المعاد -وهو يوم الدّين- وعلى إرشاد ا‬ ‫العباد إلى سؤاله، والتّضرّع إليه، والتبرّي مِن حوْلهم‬ ‫وقوّتهم، وإلى إخلص العبادة له، وتوحيده باللوهية‬ ‫-تبارك وتعالى- وإلى سؤالهم إيّاه الهداية إلى الطريق‬ ‫المستقيم -وهو الدّين القويم- وتثبيتهم عليه، حتى يفضي‬‫11‬ ‫53‬
  34. 34. ‫بهم ذلك إلى جنّات النعيم، في جوار النبيّين والصدّيقين‬ ‫والشهداء والصّالحين.‬ ‫واشتملت على الترغيب في العمال الصالحة؛ ليكونوا مع‬ ‫أهلها يوم القيامة، والتّحذير من مسالك الباطل؛ لئل‬ ‫يُحشروا مع سالكيها يوم القيامة؛ وأهمّهم المغضوب‬ ‫عليهم -اليهود- والضالون -النصارى.‬ ‫الكلم على تفسير ) ا ل ستعاذ ة( :‬ ‫قال تعالى: }ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ{‬ ‫]العراف:٩٩١، ٠٠٢[ في هذه الية يأمر ا بمصانعة‬ ‫العدوّ النسي، والحسان إليه؛ ليردّه )عنه( طبْعه الطّيّب‬ ‫الصل إلى الموادّة والمصافاة، ويأمر بالستعاذة به من‬ ‫العدو الشيطانيّ ل محالة، إذ ل يقبل مصانعة ول إحسانًا،‬ ‫ً‬‫ول يبتغي غير هلك ابن آدم؛ لشدّة العداوة بينه وبين أبيه‬ ‫آدم من قبل، كما قال تعالى: }ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ{‬ ‫]العراف:72[، وقال تعالى: }ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ‬ ‫ﭻ ﭼ{ ]فاطر:6[.‬ ‫والستعاذة هي: اللتجاء إلى ا تعالى، واللتصاق‬ ‫بجانبه، مِن شرّ كل ذي شرّ، والعياذة تكون لدفع الشر،‬ ‫واللّياذ لطلب جلب الخير، كما قال المتنبي:‬‫63‬
  35. 35. ‫مَـــن أعوذ بـــه ممّـــن‬ ‫*‬ ‫يــا مَــن ألوذ بــه فيمــا‬ ‫ول يهيضون عظمًـا أنـت‬ ‫*‬ ‫ل يَــجبر الناس ـُ عظمًــا‬ ‫ولفظ الستعاذة يأتي الحديث عنه في مسائل الية، ومن‬ ‫ذلك: أن تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.‬ ‫ومعنى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أي: أستجير‬ ‫بجناب ا، من الشيطان أن يضرّني في ديني أو دنياي، أو‬ ‫يصدّني عن فعْل ما أُمرت به، أو يحثّني على فعل ما نُهيت‬ ‫عنه؛ فإنّ الشيطان ل يكفّه عن النسان إل ا.‬ ‫و"الشيطان" في لغة العرب: مشتق مِن: "شطن"، إذا بعُد؛‬ ‫فهو بعيد بطبعه عن طباع البشر، وبعيد بفسقه عن كلّ‬ ‫خير. فالشيطان: مشتق مِن البعد على الصحيح؛ ولهذا‬ ‫يسمّون كل ما تمرّد مِن جنّيّ وإنسيّ وحيوان: شيطانًا،‬ ‫قال ا تعالى: }ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ{‬ ‫]النعام:211[.‬ ‫: ))يا أبا ذر، تعوّذْ‬ ‫عن أبي ذر، قال: قال رسول ا‬ ‫بالله من شياطين النس والجنّ، فقلت: أوَللنس‬ ‫شياطين؟ قال: نعم((، رواه أحمد، من حديث طويل.‬ ‫وفي صحيح مسلم، عن أبي ذر أيضًا، قال: قال رسول ا‬ ‫: ))يقطع الصلة: المرأةُ، والحمار، والكلب السود،‬‫11‬ ‫73‬
  36. 36. ‫فقلت: يا رسول ا، ما بال الكلب السود، مِن الحمر، مِن‬ ‫الصفر؟ فقال: الكلب السود شيطان((.‬‫والرجيـم: فعيـل، بمعنـى: مفعول، أي: أنـه مرجوم مطرود‬‫عــن الخيْــر كلّه، كمــا قال ا تعالى: }ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ{‬‫]المُلك:5[، إلى غيـر ذلك مـن اليات، وقيـل: رجيـم، بمعنـى:‬ ‫راجم؛ لنه يرجم الناس بالوساوس والربائث.‬ ‫والربائث: جمع ربيثة؛ وهي: الحاجات التي تحبسهم عن‬ ‫الخير.‬ ‫وممّا يذكر في فضل الستعاذة: ما رواه البخاري وغيره،‬ ‫عن سليمان بن صُرَد، قال: ))استبّ رجلن عند النبي )‬ ‫ونحن عنده جلوس؛ فأحدهما يسبّ صاحبه مغضبًا قد‬ ‫: إنّي لعلَم كلمة لو قالها‬ ‫احمرّ وجهه، فقال النبي‬ ‫لَذَهب عنه ما يجده؛ لو قال: أعوذ بالله من الشيطان‬ ‫؟‬ ‫الرجيم، فقالوا للرجل: أل تسمع ما يقول رسول ا‬ ‫قال: إني لست بمجنون!((.‬ ‫الكلم على البسملة:‬‫روى المام أحمد عن أبي تميمة، عن رديف النبي ى قال:‬ ‫))عثر بالنبي ) )حماره(، فقلت: تعِس الشيطان! فقال‬ ‫: ل تقُلْ: تعس الشيطان! فإنك إذا قلت: تعس‬ ‫النبي‬‫83‬
  37. 37. ‫الشيطان! تعاظم، وقال: بقوّتي صرعتُه، وإذا قلت: باسم‬ ‫ا، تصاغر حتى يصير مثل الذّباب((.‬ ‫قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، وصحّحه اللباني.‬ ‫وتع َ س: بكسْر العين وفتحها، أي: كُبّ لوجهه، أو هلك،‬ ‫ويبدو أنه كان مِن عادتهم إذا عثر أحدهم، دعا بذلك على‬ ‫مَن يكره، كما في حديث الفك: تعِس مسطح، فهذا من‬ ‫تأثير بركة "باسم ا"؛ ولهذا تُستحب في أوّل كلّ عمل‬ ‫وقول.‬ ‫}ﭛ ﭜ{ اسمان مشتقان مِن الرحمة، على وجه المبالغة.‬ ‫و"رحمَن"، أشد مبالغة مِن "رحيم".‬ ‫قال القرطبي: والدليل على أنه مشتقّ: ما أخرجه الترمذي‬ ‫وصححه، عن عبد الرحمن بن عوف: أنه سمع رسول ا‬ ‫يقول: ))قال ا تعالى: أنا ا، وأنا الرحمن، خلقتُ‬ ‫الرّحم، وشققت لها اسمًا من اسمي؛ فمَن وصلَها وصلتُه،‬ ‫ومَن قَطَعها قطعتُه((.‬ ‫قال ابن المبارك: الرحمن: إذا سئل أعطى، والرحيم: إذا‬ ‫لم يُسأل يغضب، واسمه تعالى "الرحمن": خاص به، لم‬ ‫يسمّ به غيره، كما قال تعالى: }ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ‬ ‫ﮕ ﮖ{ ]السراء:011[، وقد وجد في أشعار الجاهلية،‬‫11‬ ‫93‬
  38. 38. ‫تسمية ا تعالى بالرحمن، قال ابن جرير، وقد أنشد‬ ‫لبعض الجاهلية الجهال:‬ ‫أل قضَـب الرحمنـ ربـي‬ ‫ُ‬ ‫*‬ ‫أل ضربت ــــْ تلك الفتاةُ‬ ‫ـ‬ ‫الهجيننَـهنا: الزوج، وقضَب، أي: يمينَـــــــــــــــــــــــها‬ ‫قطع.‬ ‫هجي ـــــــــــــــــــــها‬ ‫وعن الحسن قال: الرحمن: اسم ل يستطيع الناس أن‬ ‫ينتحلوه، تَسمّى به تبارك وتعالى.‬ ‫تفسير قوله تعال ى: }ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ{ :‬ ‫قال أبو جعفر بن جرير: معنى }ﭖ ﭗ{ الشكر لله خالصًا،‬ ‫دون سائر ما يُعبد مِن دونه، ودون كل ما )برأ( من خلْقه،‬ ‫بما أنعم على عباده من النّعم، التي ل يحصيها العدد، ول‬ ‫يحيط بعددها غيره أحد، في تصحيح اللت في طاعته،‬ ‫وتمكين جوارح أجسام المكلّفين لداء فرائضه، مع ما‬ ‫بسط لهم في دنياهم من الرزق، وغذاهم به من نعيم‬ ‫العيش، من غير استحقاق منهم ذلك عليه، ومع ما نبّههم‬ ‫عليه ودعاهم إليه من السباب المؤدية إلى دوام الخلود،‬ ‫في دار المقام في النعيم المقيم؛ فلِربّنا الحمد على ذلك‬ ‫كلّه، أول وآخرًا.‬ ‫ً‬ ‫وقال ابن جرير: }ﭖ ﭗ{ ثناء أثنى به على نفسه، وفي‬ ‫ضِمنه أمر عباده أن يُثنوا عليه؛ فكأنه قال: قولوا: الحمد‬ ‫لله، قال: وقد قيل: إن قول القائل: "الحمد لله"، ثناء عليه‬‫04‬
  39. 39. ‫بأسمائه الحسنى، وصفاته العُلى، وقوله: "الشكر لله": ثناء‬ ‫عليه بنعمه وأياديه. ثم شرع في ردّ ذلك، بما حاصله: أنّ‬ ‫جميع أهل المعرفة بلسان العرب، يوقعون كل من الحمد،‬ ‫ً‬ ‫والشكر مكان الخر.‬ ‫وقد اشتهر عند كثير من العلماء مِن المتأخرين: أنّ الحمد،‬ ‫هو: الثناء بالقول على المحمود، بصِفاته اللزمة‬ ‫والمتعدّية، والشكر ل يكون إل على المتعدّية؛ ويكون‬ ‫بالجنان، واللسان، والركان.‬ ‫واللف واللم، في: }ﭖ{ لستغراق جميع أجناس الحمد‬ ‫وصنوفه، لله تعالى، كما جاء في الحديث: ))اللهم لك‬ ‫الحمد كلّه، ولك المُلْك كلّه، وبيدك الخير كلّه، وإليك يرجع‬ ‫المْر كلّه((.‬ ‫والرب: المالك المتصرف، ويُطلق لغة على السّيّد، وعلى‬ ‫المتصرّف للصلح، وكلّ ذلك صحيح في حقه تعالى، )ول‬ ‫يستعمل الرب لغير ا إل بالضافة، تقول: رب الدار، ورب‬ ‫(.‬ ‫كذا، وأما "الرب"، فل تقال إل لله‬ ‫والعالَم:‬ ‫و }ﯳ{ جمْع عالَم، وهو كل موجود سوى ا‬ ‫جمع، ل واحد له من لفظه، والعوالم: أصناف المخلوقات؛‬ ‫في السموات، والبر، والبحر، وكل قرن منها، وجيل يسمّى‬ ‫عالَمًا أيضًا.‬‫11‬ ‫14‬
  40. 40. ‫وفي رواية سعيد بن جبير وعكرمة، عن ابن عباس: ربّ‬ ‫الجن والنس؛ وكذلك قال غير واحد مِن السلف، واستدل‬ ‫القرطبي لهذا القول، بقوله تعالى: }ﯚ ﯛ ﯜ{ ]الفرقان:1[،‬ ‫وهم الجنّ والنس.‬ ‫وقال الفراء، وأبو عبيدة: العالَم عبارة عما يعقل، وهم:‬ ‫النس، والجن، والملئكة، والشياطين، ول يقال للبهائم:‬ ‫عالَم.‬ ‫تفسير قوله تعال ى: }ﭛ ﭜ{ :‬ ‫قال القرطبي: وإنما وصف نفسه بـ }ﭛ ﭜ{، بعد قوله: }ﯲ‬ ‫ﯳ{ ليكون من باب قرن الترغيب بعد الترهيب، كما قال:‬ ‫}ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ{ ]الحِجر:94، ٠٥[.‬ ‫تفسير قوله تعالى: }ﭞ ﭟ ﭠ{ :‬ ‫قرأ بعض القراء: }ﭞ{، وقرأ آخرون: "مَلِكِ"؛ وكلهما‬ ‫صحيح متواتر في السّبعة.‬ ‫وتخصيص الملْك بيوم الدين، ل ينفيه عما عداه؛ لنه قد‬ ‫تقدم الخبار بأنه رب العالمين، وذلك عام في الدنيا‬ ‫والخرة؛ وإنّما أضيف إلى يوم الدّين؛ لنه ل يدّعي أحد‬ ‫هنالك شيئًا، ول يتكلم أحد إل بإذنه، كما قال تعالى: }ﯔ ﯕ‬ ‫ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ{ ]هود:501[.‬‫24‬
  41. 41. ‫و }ﭠ{ الجزاء والحساب، كما قال: }ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ{ ]النور:52[،‬ ‫وقال: }ﭛ ﭜ{ ]الصافات:35[ أي: لمَجْزيّون، أي: محاسَبون.‬ ‫وفي الحديث الذي حسّنه الترمذي، وفيه ضعف: ))الكيّس‬ ‫مَن دان نفسه، وعمِل لما بعْد الموت((، أي: حاسب نفسه‬ ‫لنفسه، وكما قال عمر: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسَبوا،‬ ‫وزنوا أنفسَكم قبل أن توزَنوا، وتزيّنوا للعرْض الكبر، على‬ ‫مَن ل تخفى عليه أعمالكم }ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ{ ]الحاقة:81[".‬ ‫تفسير قوله تعال ى: }ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ{ :‬ ‫العبادة لغة: مِن الذّلّة، يقال: طريق معبّد، وبعير معبّد،‬ ‫أي: مذلّل.‬ ‫العبادة شر ع ًا: عبارة عما يجمع كمال المحبة،‬ ‫والخضوع، والخوف، وقدّم المفعول -وهو }ﭢ{- وكُرّر؛‬ ‫للهتمام والحصر، أي: ل نعبد إل إياك، ول نتوكل إل عليك؛‬ ‫وهذا هو كمال الطاعة، والدّين يرجع كلّه إلى هذيْن‬ ‫المعنييْن.‬ ‫وكما قال بعض السلف: "الفاتحة"، سرّ القرآن، وسرها‬ ‫هذه الكلمة: }ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ{، فالوّل: تبرّي مِن الشّرك، والثاني:‬ ‫تبرّي من الحوْل والقوة، والتفويض إلى ا ي.‬ ‫وتحوّل الكلم من الغيْبة إلى المواجهة بكاف الخطاب،‬ ‫وهو مناسبه، لنه لمّا أثنى على ا، فكأنه اقترب وحضر‬‫11‬ ‫34‬
  42. 42. ‫بين يدي ا تعالى؛ فلهذا قال: }ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ{، وفي هذا دليل‬ ‫على أنّ أول السورة خبَر من ا تعالى، بالثناء على‬‫نفسه الكريمة، بجميل صفاته الحسنى، وإرشاد لعباده بأن‬ ‫يُثنوا عليه بذلك.‬ ‫وإنما قدّم }ﭢ ﭣ{ على }ﭤ ﭥ{؛ لنّ العبادة له هي‬ ‫المقصودة، والستعانة وسيلة إليها، والهتمام والحزم،‬ ‫هو: أن يقدّم ما هو الهمّ فالهمّ، وا أعلم.‬‫والعبادة مقام عظيم، يشْرف به العبد؛ لنتسابه إلى جناب‬‫ا تعالى، وقد سمّى ا رسولها بـ "عبْده"، في أشرف‬ ‫مقاماته، فقال: }ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ{ ]الكهف:1[، و }ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ‬ ‫ﮅ{ ]الجن:91[، و }ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ{ ]السراء:1[؛ فسمّاه عبدًا عند‬ ‫إنزاله عليه، وعند قيامه في الدعوة، وإسرائه به.‬ ‫تفسير قوله تعال ى: }ﭧ ﭨ ﭩ{ :‬ ‫قراءة الجمهور بالصاد، وقرئ: "السّرَاطَ"، بالسّين، وقرئ‬ ‫بإشمام الصاد صوت الزّاي، كما ينطق العوام حرف‬ ‫الظاء.‬ ‫وطلب العبد هنا ذلك، أنه لمّا تقدم الثناء على المسئول‬ ‫-تبارك وتعالى- ناسب أن يعقب بالسؤال، كما قال:‬ ‫))فنِصْفها لي، ونصفها لعبدي؛ ولعبدي ما سأل((، وهذا‬ ‫أكمل أحوال السائل: أن يمدح مسئوله، ثم يسأل حاجته،‬‫44‬
  43. 43. ‫وحاجة إخوته المؤمنين، بقوله: }ﭧ ﭨ ﭩ{؛ لنه أنجح للحاجة،‬ ‫وأنجع للجابة؛ ولهذا أرشد ا تعالى إليه؛ لنه الكمل.‬ ‫والهداية ها هنا: الرشاد والتوفيق، وقد تعدى الهداية‬ ‫بنفسها كما هنا: }ﭧ ﭨ ﭩ{، فتضمّن معنى: ألهِمْنا، أو وفّقنا،‬ ‫أو ارزقنا، أو أعطنا.‬ ‫وأمّا }ﮧ ﮨ{، فقال المام أبو جعفر بن جرير: أجمعت المة‬ ‫من أهل التأويل جميعًا: على أن الصراط المستقيم، هو:‬ ‫الطريق الواضح الذي ل اعوجاج فيه.‬ ‫وذلك في لغة جميع العرب؛ فمِن ذلك: قول جرير بن‬ ‫عطية الخطفي:‬ ‫إذا اعوج الموارد‬ ‫*‬ ‫أميـــر المؤمنيـــن على‬ ‫قال: والشواهد على ذلك أكثر مِن أن تُحصر، قال: ثم‬ ‫تستعير العرب الصراط، فتستعمله في كلّ قول وعمل‬ ‫وُصف باستقامة أو اعوجاج؛ فتصِف المستقيم باستقامته،‬ ‫والمعوجّ باعوجاجه.‬ ‫ثم اختلفت عبارات المفسّرين -سلفًا وخلفًا- في تفسير‬ ‫)الصراط(، وإن كان يرجع حاصلها إلى شيء واحد، وهو:‬ ‫المتابعة لله وللرسول، فروي أنه: كتاب ا، كما في حديث‬ ‫الحارث العور عن علي؛ وهو ضعيف، كما روي في‬‫11‬ ‫54‬
  44. 44. ‫تفسير السّدّي، عن ابن عباس، وابن مسعود، وعن ناس‬ ‫: }ﭧ ﭨ ﭩ{ قالوا: هوالسلم.‬ ‫من أصحاب النبي‬‫وقال مجاهد: }ﭧ ﭨ ﭩ{ قال: الحق، وهذا أشمل، ول منافاة‬ ‫بينه وبين ما تقدّم.‬‫وصاحباه مِن‬ ‫وعن أبي العالية: }ﭧ ﭨ ﭩ{ قال: هو: النبي‬ ‫بَعْده، قال عاصم: فذكرنا ذلك للحسن، فقال: صدَق أبو‬ ‫العالية، ونصَح، إسناده حسن.‬ ‫قال ابن كثير: "وكل هذه القوال صحيحة، وهي متلزمة؛‬ ‫ّ‬ ‫ّ واقتدى باللّذَيْن مِن بَعْده -أبي بكر،‬ ‫فإن مَن اتبع النبي‬ ‫ّ‬ ‫وعمر- فقد اتّبع الحق، ومَن اتّبع الحق فقد اتّبع السلم،‬ ‫ومَن اتّبع السلم فقد اتّبع القرآن؛ وهو كتاب ا، وحبْله‬ ‫المتين، وصراطه المستقيم؛ فكلها صحيحة، يصدّق بعضها‬ ‫بعضًا، ولله الحمد".‬ ‫تفسير قوله تعال ى: }ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ{ :‬ ‫قوله: }ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ{ مفسّر للصّراط المستقيم؛ وهو: بدل‬ ‫منه عند النحاة.‬‫والذيــن أنعــم ا عليهــم: هــم المذكورون فــي ســورة:‬‫"النسـاء"؛ حيـث قال تعالى: }ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ‬ ‫ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ{ ]النساء:٩٦، ٠٧[.‬‫64‬
  45. 45. ‫وعن الربيع بن أنس: }ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ{ قال: هم النبيّون.‬ ‫وقال ابن جريج، عن ابن عباس: هم المؤمنون، وكذا قال‬ ‫مجاهد.‬ ‫وقال وكيع: هم المسلمون.‬ ‫وقوله تعالى: }ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ{ قرأ الجمهور }ﭯ{ بالجرّ على‬ ‫النعت.‬ ‫والمعنى: }ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ{ ممّن تقَدّم وصْفُهم‬ ‫ونعتُهم، وهم: أهل الهداية، والستقامة، والطاعة لله‬ ‫ورُسله، وامتثال أوامره، وترْك نواهيه وزواجره، غير‬ ‫صراط المغضوب عليهم، وهم الذين فسدت إراداتهم‬ ‫فعلموا الحق وعدلوا عنه، ول صراط الضالين، وهم الذين‬ ‫فقدوا العلْم، فهم هائمون في الضللة، ل يهتدون إلى‬ ‫الحق.‬ ‫وأكّد الكلم بـ "ل"، ليدلّ على أنّ ثَم مَسلكيْن فاسديْن؛‬ ‫وهما طريقتا اليهود، والنصارى.‬ ‫ومنهم من زعم أنّ "ل"، في قوله: }ﭲ ﭳ{ زائدة، وأنّ تقدير‬ ‫الكلم عنده: غير المغضوب عليهم والضالين، واستشهد‬ ‫ببيت العجاج:‬ ‫فــي بِــير ل حُور ســعى‬ ‫، والصحيح ما تقدّم.شعرْ‬ ‫أي: في بير حورومــــــــــــــــــــا‬ ‫ـ‬‫11‬ ‫74‬
  46. 46. ‫وفي )تفسير السّدّي(، عن ابن عباس، وابن مسعود، وعن‬‫أناس من أصحاب النبي : }ﭯ ﭰ ﭱ{ هم: اليهود، و }ﭲ ﭳ{‬ ‫هم: النصارى.‬ ‫قال ابن أبي حاتم: ول أعلم بيْن المفسّرين في هذا‬ ‫اختلفًا.‬ ‫الدرس الثاني‬ ‫تفسير اليات ) ١- ٣١ ( من سورة البقرة‬ ‫عناصر الدرس‬ ‫٥١١‬ ‫العنصر الول : مقدمة، وعرض مختصر‬ ‫لموضوعات السورة‬‫84‬
  47. 47. ‫٨٣١‬ ‫العنصر الثاني : إعراب اليات، وبيان‬ ‫معاني الكلمات، والمعنى‬ ‫الجمالي‬ ‫٦٩١‬ ‫العنصر الثالث : ذكر بعض أوصاف أهل‬ ‫اليمان، وأوصاف‬ ‫الكافرين والمنافقين‬‫11‬ ‫94‬
  48. 48. 50
  49. 49. ‫مقدمة، وعرض مختصر لموضوعات السورة‬ ‫أ و ّ ل: فضائل سورة " البقرة " :‬ ‫ً‬ ‫تنقسم فضائل سورة "البقرة"، إلى أقسام ثلثة:‬ ‫1.فضائل خاصّة تنفرد بها.‬ ‫2.فضائل مشتركة مع سورة "آل عمران".‬ ‫3.فضائل مشتركة مع السّبْع الطّوال الُوَل.‬ ‫١ . فضائل خا ص ّة تنفرد بها:‬ ‫أخرج مسلم، في )صحيحه(، عن أبي هريرة: أن رسول‬‫ا ا قال: ))ل تجعلوا بيوتكم قبورًا! فإنّ البيت الذي يُقرأ‬ ‫فيه سورة البقرة ل يدخله الشيطان((، قال الترمذي:حسن‬ ‫صحيح.‬‫وروى أبو عبيد القاسم بن سلم، عن أنس بن مالك، قال:‬ ‫قال رسول ا : ))إنّ الشيطان يخرج مِن البيت إذا‬ ‫سمع سورة البقرة تُقرأ فيه((، إسناده صحيح.‬ ‫وروى أبو عبيد أيضًا، عن عبد ا -يعني: ابن مسعود-‬ ‫قال: "إنّ الشيطان يفرّ مِن البيت يسمع فيه سورة‬ ‫ِ‬
  50. 50. ‫)البقرة("، روي هكذا موقوفًا، وروي مرفوعًا؛ والرجح فيه‬ ‫الوقف.‬ ‫: ))إنّ لكل‬ ‫وعن سهل بن سعد، قال: قال رسول ا‬‫شيء سنامًا، وإنّ سَنام القرآن: البقرة؛ مَن قرأها في بيته‬ ‫ليلة، لمْ يدخله شيطان ثلث ليال، ومَن قرأها في بيته‬ ‫نهارًا، لم يَدخله شيطان ثلثة أيام((، رواه الطبراني، وابن‬ ‫حبّان، وإسناده حسن لشواهده؛ وتحديد اليام الثلثة ل‬ ‫شاهد له، وقد صحّحه ابن حبّان.‬ ‫وقد روى الترمذي، عن أبي هريرة، قال: قال رسول ا‬ ‫: ))لكلّ شيء سنام، وإنّ سنام القرآن: البقرة. وفيها‬ ‫آية هي سيدة آي القرآن: آية الكرسي((.‬ ‫قلت: رواه أيضًا الحاكم، وقال: صحيح السناد، ولم‬ ‫يخرجاه، لتشيّع حكيم بن جبير، وسكت الذهبي؛ وهو‬ ‫حديث صحيح، له شواهد.‬‫٢ . فضائل تشترك فيها سورة " البقرة" ، مع سورة‬ ‫" آل عمران " :‬ ‫روى مسلم، عن أبي أمامة، قال: سمعت رسول ا ى‬ ‫يقول: ))اقرءوا القرآن! فإنه شافع لصحابه يوم القيامة،‬ ‫اقرءوا الزهراويْن: "البقرة"، و"آل عمران"؛ فإنهما يأتيان‬ ‫يوم القيامة كأنهما غمامتان -أو كأنهما غيايتان- أو كأنهما‬ ‫88‬‫25‬
  51. 51. ‫فِرقان مِن طير صوافّ، يُحاجّان عن أهلهما، ثم قال:‬ ‫اقرءوا البقرة؛ فإن أخْذها بركة، وترْكها حسْرة، ول‬ ‫تستطيعها البطَلة((.‬ ‫الزهراوا ن: المنيرتان.‬ ‫والغ ي اية: ما أظلّك مِن فوقك.‬ ‫وال ف ِ ر ْق: القطعة من الشيء.‬ ‫وال ص ّوا ف ّ: المصطفّة المتضامّة.‬ ‫وال ب َ ط َلة: السّحَرة.‬ ‫ومعنى ))ل تستطيعها(( أي: ل يُمكنهم حفظها.‬ ‫و م ِن ذلك: حديث النواس بن سمعان، قال: سمعت‬ ‫رسول ا ل يقول: ))يُؤتَى بالقرآن يوم القيامة، وأهله‬ ‫الذين كانوا يعملون به، تقدمهم سورة "البقرة"، و"آل‬ ‫ثلثة أمثال ما نسيتهنّ‬ ‫عمران"، وضرب لهما رسول ا‬ ‫بَعْد، قال: كأنهما غمامتان، أو ظلّتان سوداوان بينهما‬ ‫شَرَق، أو كأنهما فِرقان مِن طير صوافّ، يُحاجّان عن‬ ‫صاحبهما((.‬ ‫٣ . فضائل تشترك فيها سورة " البقرة "، مع‬ ‫ال س ّ ب ْع ال ط ّول، منها:‬‫78‬ ‫35‬
  52. 52. ‫عن واثلة بن السقع، عن النبي ن قال: ))أُعطيتُ السّبع‬ ‫الطّول مكان التوراة، وأعطيتُ المِئين مكان النجيل،‬ ‫وأعطيتُ المثاني مكان الزبور، وفضّلتُ بالمفصّل((،‬ ‫ُ‬ ‫أخرجه أحمد وغيره، بإسناد حسن، وقد صحّحه اللباني.‬ ‫وعن عائشة، عن النبي ن قال: ))مَن أخذ السّبع الوَل‬ ‫مِن القرآن فهو حَبْر((، أخرجه أحمد، والحاكم، وقال:‬‫صحيح السناد، ولم يخرجاه، وسكت الذهبي؛ وهو حديث‬ ‫حسن.‬ ‫والحَبر -بكسر الحاء المهملة، وفتحها، وسكون الباء‬ ‫الموحّدة-: العالِم، ذميًا كان أو مسلمًا.‬‫ثان ي ً ا: عدد آيات سورة البقرة، ووجه مناسبتها لما‬ ‫قبلها، وفضلها، وتوجيه قراءاته ا:‬ ‫1 . الية ) ١ (: قال تعالى: }ﭑ{ :‬ ‫ع د ّ الية:‬‫أخرج وكيع، وعبد بن حميد، عن أبي عبد الرحمن السلمي:‬ ‫أنه كان يعدّ }ﭑ{ آية، و}ﭤ{ آية.‬ ‫وهي معدودة آية عند الكوفيّين، قال الناظم:‬ ‫ل الوتر مع طاسين مع‬ ‫*‬ ‫مـا بدؤه حرف التّهجـي‬ ‫مناسبة الية لما قبلها:‬ ‫88‬‫45‬
  53. 53. ‫قيل في مناسبتها: أنّ هذه الحروف مِن المتشابه، وهو‬ ‫مِن الغيب الواجب اليمان به؛ فناسب أن يكون الفتتاح به؛‬ ‫ليكون العبْد أتمّ انقيادًا لِما دونه.‬ ‫وذكر البقاعي بعض الروابط بين ذلك وبين ما سبقه من‬ ‫)الفاتحة(، كما هو مناسب لما بعده مِن ذكْر صفة‬ ‫المؤمنين وإيمانهم بالغيب.‬ ‫فضائل الي ة:‬ ‫أخرج البخاري، في تاريخه، والترمذي وصحّحه، والحاكم،‬ ‫وصحّحه، وابن مردويه، والبيهقي، في )شُعب اليمان(،‬ ‫: ))من قرأ حرفًا‬ ‫عن ابن مسعود، قال: قال رسول ا‬ ‫مِن كتاب ا، فله به حسَنة، والحسَنة بعشرة أمثالها، ل‬ ‫تقول: }ﭑ{ حرف، ولكن ألِفٌ حرف، ولمٌ حرْف، وميمٌ‬ ‫حرْف((.‬ ‫وأخرج محمد بن نصر، وأبو جعفر النحاس، في كتاب:‬ ‫)الوقف والبتداء(، والخطيب في تاريخه، عن ابن مسعود،‬ ‫: ))اقرءوا القرآن! فإنكم تُؤجَرون‬ ‫قال: قال رسول ا‬ ‫عليه، أمَا إني ل أقول: }ﭑ{ حرف، ولكن "ألِف"، عشْر،‬ ‫و"لمٌ"، عشْر، و"ميمٌ"، عشر؛ فتلك ثلثون((.‬ ‫قراءات الية ، وتوجيهها:‬‫78‬ ‫55‬
  54. 54. ‫قرأ }ﭑ{ بالسكْت على كلّ حرف من حروفها الثلثة: أبو‬ ‫جعفر مِن العشَرة؛ ووجْه ذلك: أنها ليست حروف‬ ‫المعاني؛ بل هي مفصولة وإنِ اتّصلت رسمًا، وكلّ حرف‬‫منها كناية عن اسم لله تعالى، كما يأتي في تفسيرها؛ فهو‬ ‫يجري مجرى كلم مستقلّ، وحذف واو العطف؛ لشدّة‬ ‫الرتباط والعلْم به.‬ ‫قال تعالى: }ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ{، هذه الية: هي أوّل‬ ‫آيات وصْف المؤمنين، كما روى غير واحد بإسناد صحيح،‬ ‫عن مجاهد، قال: مِن أوّل "البقرة"، أربع آيات في نعْت‬‫المؤمنين، وآيتان في نعْت الكافرين، وثلث عشرة آية في‬ ‫نعْت المنافقين، ومِن أربعين آية، إلى عشرين ومائة في‬ ‫بني إسرائيل.‬ ‫وأخرج سعيد بن منصور، والدارمي، والبيهقي في )شُعب‬ ‫اليمان(، عن المغيرة بن سميع -وكان من أصحاب عبد‬ ‫ا- قال: "مَن قرأ عشر آيات من "البقرة"، عند منامه، لم‬ ‫ينسَ القرآن: أربع آيات من أوّلها، وآية الكرسي، وآيتان‬ ‫بعدها، وثلث من آخِرها"؛ وهو ضعيف.‬ ‫٢ . الية ) ٢ (: قال تعالى: }ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ{ :‬ ‫قراءات الية ، وتوجيهها:‬ ‫88‬‫65‬
  55. 55. ‫قرأ عبد ا: }ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ {، وقرأ أبو الشعثاء، وزيد‬ ‫بن علي: "ل رَيْبٌ فِيهِ" بالتنوين مرفوعًا والمراد: استغراق‬ ‫النّفي أيضًا، كما في قراءة الجمهور، وذلك من جهة دللة‬ ‫المعنى، ل مِن جهة اللفظ؛ لن اللفظ يحتمل العموم،‬ ‫ويحتمل نفْي الوحدة.‬ ‫وقرأ الحسن: "ل رَيْبًا فِيهِ"، على تقدير فعْل، أي: ل أجِد‬ ‫ريبًا.‬ ‫وجاء مدّ التبرئة، في قوله: }ﭕ ﭖ{ عن حمزة، بالتّوسّط في‬ ‫المدّ، ل الشباع.‬ ‫وأدغم أبو عمرو الهاء، من قوله: }ﭗ{ في هاء }ﭚ{.‬ ‫ووصل ابن كثير، هاء }ﭗ{ بياء لفظيّة.‬ ‫والوقف على }ﭗ{ هو المشهور، وعن نافع وعاصم أنهما‬ ‫وقفا على }ﭕ ﭖ{، ول بدّ للواقف من أنْ ينوي خبرًا، ونظيره‬ ‫قوله تعالى: }ﮭ ﮮ ﮯ{ ]الشعراء:05[، وقول العرب: ل‬ ‫بأس؛ وهي كثيرة في لسان أهل الحجاز، والتقدير: ل ريب‬ ‫فيه.‬ ‫ومِن القرّاء مَن يقف على قوله تعالى: }ﭕ ﭖ ﭗ{، ويبتدئ‬ ‫بقوله تعالى: }ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ{، والوقف على قوله تعالى: }ﭕ ﭖ ﭗ‬ ‫ﭘ ﭙ{ أوْلى؛ لنه يصير قوله تعالى: }ﭚ{ صِفة للقرآن، وذلك‬ ‫أبلغ من كون فيه هدًى.‬ ‫مناسبة الية لما قبله ا:‬‫78‬ ‫75‬
  56. 56. ‫أمّا مناسبة هذه الية، باعتبارها مِن صدر سورة "البقرة"،‬ ‫لِمَا سبقها من سورة "الفاتحة"، فقد ذكر أبو جعفر بن‬‫الزبير: أنّ قوله: }ﭓ{ إشارة إلى الصراط الذي في قوله: }ﭨ‬ ‫ﭩ{ كأنهم لمّا سألوا الهداية إليه، كأنه قيل لهم: ذلك الصراط‬ ‫الذي سألتم الهداية إليه، هو: الكتاب.‬ ‫وقال أبو حيّان: هو أولى، يعني: في معنى الشارة، في‬ ‫قوله: }ﭓ{.‬ ‫قلت: ل يستقيم هذا؛ لن سورة "البقرة"، لم تنزل بعد‬ ‫"الفاتحة"، مباشرة، وإنما بعدها بسنوات طوال، ولكنه‬ ‫يبقى وجهًا للربط بين السورتيْن في الترتيب.‬ ‫وأما وجْه ارتباطها بالية قبْلها، فقال الزمخشري: فإن‬ ‫قلت: لِمَ صحّت الشارة بـ }ﭓ{ إلى ما ليس ببعيد؟ قلت:‬ ‫وقعت الشارة إلى }ﭑ{، بعد ما سبق التّكلّم به وتقضى،‬ ‫والمقضِي في حُكم المتباعد، وهذا في كل كلم يحدث‬ ‫الرجل بحديث، ثم يقول: وذلك ما ل شك فيه، ويحسب‬ ‫الحاسب، ثم يقول: فذلك كذا وكذا.‬ ‫٣. الية ) ٣ (: قال تعالى: }ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ{ :‬ ‫الية الثانية، في وصْف المؤمنين، كما جاء في رواية‬ ‫مجاهد وغيره.‬ ‫ف ض ْلها:‬ ‫88‬‫85‬
  57. 57. ‫ما روي في فضْلها، هو ما روي في فضْل اليات الربع،‬ ‫حسب ما سبق الحديث عنه.‬ ‫القراءات وتوجيهه ا:‬ ‫فيها أوجه أدائية: ومِن ذلك: إبدال الهمزة في }ﭞ{ واوًا:‬ ‫لورش عن نافع، ولحمزة عند الوقف، وتفخيم لم }ﭡ{:‬ ‫لِورش، ووصل ميم الجمع في: }ﭣ{: لبن كثير، ولِقالون‬ ‫عن نافع بخلف عنه.‬ ‫مناسبتها:‬ ‫أما مناسبة هذه الية؛ فهي في بيان أوصاف المؤمنين.‬ ‫٤. اليتان ) ٤ ، ٥ (: قال تعالى: }ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ‬ ‫ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ{ :‬ ‫اليتان هما بقيّة ما جاء في وصْف المؤمنين، كما جاء في‬ ‫رواية مجاهد وغيره.‬ ‫ف ض ْلها:‬ ‫هو نفسه ما روي في فضْل اليات الربع.‬ ‫القراءات وتوجيهها:‬‫78‬ ‫95‬

×