المرصد التونسي لاستقلال القضاء - وثيقة بنزرت حول دور القضاء في العدالة الانتقالية

2,782 views

Published on

وثيقة شاملة عن "دور القضاء في العدالة الانتقالية" على ضوء المساهمات العلمية والعملية المقدَمة في إطار الندوة العلمية المنظمة من المرصد التونسي لاستقلال القضاء ببنزرت في 9 و 10 جوان 2012 ومناقشات المشاركين فيها وهي تعكس توجهات المرصد وتعرض حلولا وتوصيات عمليَة تضمن المحافظة على دور القضاء الوطني والمبادئ الأصلية لاستقلال السلطة القضائية وتتلاءم مع الاليات القضائية ومتطلبات العدالة الانتقالية.

0 Comments
2 Likes
Statistics
Notes
  • Be the first to comment

No Downloads
Views
Total views
2,782
On SlideShare
0
From Embeds
0
Number of Embeds
1
Actions
Shares
0
Downloads
29
Comments
0
Likes
2
Embeds 0
No embeds

No notes for slide

المرصد التونسي لاستقلال القضاء - وثيقة بنزرت حول دور القضاء في العدالة الانتقالية

  1. 1. ‫الهاتف : 422.422.17‬ ‫الفاكس : 442.422.17‬ ‫العنوان : 19 شارع المنجي سليم باردو‬ ‫البريد االلكتروني : ‪marsed.kadha.tn@gmail.com‬‬ ‫وثيقة بنزرت‬ ‫عن "دور القضاء في العدالة االنتقالية"‬ ‫الندوة العلمية حول "العدالة االنتقالية أي دور للقضاء؟"‬‫انتظمت بمبادرة من المرصد التونسي الستقالل القضاء بتاريخ 9 و 10 جوان 2012‬‫وبمشاركة قضاة وجامعيين ومساعدي قضاء ونشطاء بالمجتمع المدني ندوة علمية بمدينة‬‫بنزرت تحت عنوان "العدالة االنتقالية أي دور للقضاء؟" تضمنت 10 مداخلة ساهم في‬ ‫َ‬‫تقديمها ذوو االختصاص والممارسة العملية وتعلقت بمحاور بارزة أهمها انتهاكات الماضي‬ ‫ومناهج االصالح وكشف الحقيقة وجبر الضرر.‬ ‫وقد حققت هذه الندوة األهداف األساسية التالية:‬‫استحضار الماضي وتدوين بعض الشهادات والتأمالت المتعلقة بالمحاكمات السياسية‬ ‫-‬ ‫السابقة.‬‫تعميق النظر في مناهج االصالح القضائي في سياق مقاربة شاملة تتعلق بالهياكل‬ ‫-‬ ‫واألشخاص ومختلف الفاعلين في المنظومة القضائية.‬‫إبراز دور القضاء بمختلف أصنافه العدلي واالداري والمالي باألساس في مسار‬ ‫-‬ ‫العدالة االنتقالية.‬‫تشخيص اآلليات والممارسات القضائية التي يمكن تطبيقها في سياق منظومة العدالة‬ ‫-‬ ‫االنتقالية.‬‫صياغة وثيقة شاملة عن "دور القضاء في العدالة االنتقالية" على ضوء المساهمات‬ ‫-‬‫العلمية والعملية المقدَ مة في إطار الندوة ومناقشات المشاركين فيها وهي تعكس‬‫توجهات المرصد التونسي الستقالل القضاء وتعرض حلوال وتوصيات عمل َية تضمن‬‫المحافظة على دور القضاء الوطني والمبادئ األصلية الستقالل السلطة القضائية‬ ‫وتتالءم مع االليات القضائية ومتطلبات العدالة االنتقالية.‬ ‫1‬
  2. 2. ‫مـــقــــــــدمـــــة‬‫قام التاريخ االستبدادي للنظام السياسي التونسي منذ االستقالل على توظيف القضاء‬‫واستخدامه في قمع الحريات وتدجين األحزاب والجمعيات واستهداف الناشطين والحقوقيين،‬‫ولم يتمكن القضاء التونسي كمؤسسة إال من تقديم صورة رديئة جدا لعدالة تابعة للسلطة‬‫التنفيذية مطوعة لخدمة الحاكم ومهيّأة لضرب خصومه، فلم تحم المؤسسة القضائية‬‫الحريات كما كان يفترض، ولم تحم المواطن في ماله وعرضه وشرفه كما كان يؤمل، ولم‬ ‫ّ‬‫تتصد للسلطة السياسية كما كان يجب، واكتفت في عمومها بتوفير الغطاء القانوني‬‫والقضائي لالنتهاكات والتعذيب....وفي أحسن الحاالت كانت تتغاضى عن الجرائم المقترفة‬‫والتعذيب الواقع من قبل سلطة االستبداد والمقربين منها. وال ينسحب كل ذلك بالضرورة‬‫على أشخاص القضاة الذين نأوا بأنفسهم عن االنخراط في منظومة الوالء والتبعية وال على‬‫بعض المحطات المضيئة التي تجسمت في نضال الجمعيات القضائية كجمعية القضاة‬ ‫الشبان وجمعية القضاة التونسيين.‬‫وقد كان القضاء التونسي طيلة الخمسين سنة الماضية األداة الرئيسية التي اعتمدت في‬‫تكريس الديكتاتورية واالستبداد واإلجهاز على كل نفس تحرري وانتقادي...وقد كانت جميع‬‫الصراعات القائمة بين السلطة الحاكمة ومعارضيها وبينها وبين منتقديها أو بينها وبين‬‫منافسيها السياسيين واالقتصاديين وحتى الثقافيين واإليديولوجيين تحسم بواسطة أحكام‬‫قضائية تضفي مشروعية على كل االنتصارات التي حققها الظالمون...وتكفي اإلشارة إلى‬‫محاكمات اليوسفيين في الستينات واليساريين في السبعينات واإلسالميين في الثمانينات‬‫والتسعينات ومحاكمات الحقوقيين ونشطاء الحوض المنجمي في السنوات األخيرة، ومالحقة‬‫النقابيين في كل األوقات. تلك االنتصارات هي التي شرعت للديكتاتورية وأدامت تغلغلها‬ ‫في الواقع والمؤسسات ثم أبّدت هيمنتها على المجتمع والناس...‬‫واليوم ولئن ث ار التونسيون على الظلم والجور بمختلف أشكاله فإنهم ثاروا باألساس على‬‫منظومة العدالة التابعة والفاسدة ولم يعد واردا إعادة انتاجها مهما كانت الصيغ...لذلك كان‬‫على الحكومات المنتصبة بعد الثورة أن تشرع في إعادة بناء المنظومة القضائية، وكان‬‫على القضاء المريض أن يثأر من تاريخه المظلم ويشرع ولو تلقائيا في تقديم صورة جديدة‬‫تتالءم مع استحقاقات الثورة وطموحات الناس...وقد الحظ التونسيون بكل انتباه إقدام‬‫القضاة التونسيين بواسطة جمعيتهم على االعتذار للشعب التونسي عما اقترفه زمالؤهم في‬‫حقه من انتهاكات واعتداءات....كما تابعوا بتفاعل ما أبدته جمعية القضاة من إصرار على‬‫تطهير القضاء من القضاة الفاسدين وما خاضته من أجل ذلك من تحركات واحتجاجات‬ ‫وصراعات لم تنته...‬ ‫2‬
  3. 3. ‫غير أن تلك الخطوات وإن شكلت مشهدا مضيئا وفريدا وغير مسبوق في واقع ما بعد‬‫الثورة إال أنها تعد غير كافية لنسيان الماضي األليم وتجاوز الحقبة االستبدادية، وغدا‬ ‫َ‬‫مطلوبا من القضاء اليوم أن يلعب دون تأجيل دورا رئيسيا في إعادة بناء الدولة من خالل‬‫تقديم عدالة نزيهة ومستقلة الستعادة ثقة الناس في المؤسسة القضائية ومؤسسات الدولة وأن‬‫يعمل أيضا وبصفة آنية وعاجلة على تصفية إرث االنتهاكات وكشف الحقائق ومحاسبة‬ ‫المتورطين والتعويض للمتضررين ورد االعتبار للمظلومين...‬‫إال أن القضاء اليوم ال يملك لنفسه هذه الصالحيات ووجب على السلطة السياسية القائمة‬‫توفير كامل موجبات تدخل السلطة القضائية في مسار العدالة االنتقالية وتدارك التهميش‬‫الذي طال دورها منذ 10 جانفي 0012 إلى اآلن خاصة بعد فشل تجارب اللجان االدارية‬ ‫المحدثة كلجان تقصي الحقائق والتشكيك الكبير في مصداقية أعمالها.‬‫ومن الضروري أن يلعب القضاء دورا رئيسيا في مسار العدالة االنتقالية ألن القضاء‬‫التونسي ولئن تورط بقوة في انتهاكات الماضي إال أنه لم يشهد حالة االنهيار وظل محافظا‬‫على العديد من مقوماته أشخاصا وآليات وتقاليد بما يجعله قادرا على تكوين صورة جديدة‬ ‫بعد القيام باإلصالحات الضرورية والعميقة عليه.‬‫والجدير بالمالحظة أن العدالة العادية التي تصدر عن المحاكم تتولى باألساس التصريح‬‫بالقانون والبت في النزاعات في حين تستند العدالة االنتقالية إلى آليات متعددة ال تستهدف‬‫تسليط العقاب وإن كانت في بعض وجوهها تبحث عن الحقيقة وتحدد المسؤوليات عن‬‫االنتهاكات السابقة. ومؤدى ذلك أن العدالة في زمن االنتقال يمكن أن تصدر بواسطة آليات‬‫قضائية وغير قضائية وهو ما يدعو إلى ربط العدالة العادية (وباألساس الوطنية) بالعدالة‬‫االنتقالية واعتبار هذه األخيرة مكملة لتلك وال تعوضها أو تحل محلها وهو ما اتجهت إليه‬ ‫عديد التجارب المقارنة.‬‫غير أن مالحظة مسار العدالة االنتقالية في تونس يبرز وجود عدد من الظواهر السلبية‬ ‫لعل أهمها:‬ ‫َ‬ ‫َ ّ‬‫- غياب التصور الشامل والمتكامل للعدالة االنتقالية الذي يمكن من رسم مبادئها‬‫وأهدافها وتطبيق آلياتها على مختلف المجاالت السياسية واالقتصادية واالجتماعية‬ ‫والمالية أو مختلف القطاعات كالقضاء واألمن واإلعالم.‬‫- التشتت الكبير في تنظيم العدالة االنتقالية سواء على مستوى النصوص(العفو العام،‬‫النصوص المحدثة للجان االدارية) والهياكل والمؤسسات (المجلس التأسيسي، رئاسة‬ ‫الجمهورية، الحكومة، الوزارات المعنية..).‬‫- االستبعاد الواضح للقضاء كمؤسسة وكتمثيلية واقتصار األمر على استدعاء قضاة‬‫لعضوية اللجان(لجنة تقصي الحقائق حول الرشوة والفساد ولجنة المصادرة...)‬ ‫بصفتهم الشخصية وطبق معايير غير معروفة ودون شفافية أو تشاور.‬ ‫3‬
  4. 4. ‫وقد أدى كل ذلك إلى غياب الثقة في مسار العدالة االنتقالية والتشكيك في جدية إرساء‬‫آلياتها والتوجس من طمس الحقائق حول انتهاكات الماضي بما يحول دون بناء المستقبل‬ ‫السياسي واالقتصادي واالجتماعي والثقافي على أسس صلبة.‬‫وفي مسعى لتدارك ذلك أكدت الحكومة في برنامج عملها لسنة 2012 اعتمادها في‬‫إرساء العدالة االنتقالية على رؤية تشاركية واعتزامها استصدار مشروع قانون أساسي‬‫للعدالة االنتقالية، دون أن تتضح اإلرادة في صياغة رؤية شاملة، ويتبين ذلك خصوصا من‬‫إدراجها للمسائل المرتبطة بمقاومة الفساد وتطهير القضاء والمجمع القضائي المتخصص‬ ‫ولجنة المصادرة ضمن سياق مختلف عن موضوع العدالة االنتقالية.‬‫وبصرف النظر عن جدية هذا التوجه التشاركي فإن نجاح تجربة العدالة االنتقالية يظل‬ ‫موقوفا على التوجهات العامة التالية:‬ ‫-القيام بجميع متطلبات إعادة الثقة في مسار العدالة االنتقالية.‬ ‫0‬‫-إطالق مشاورات واسعة وعميقة وجدية وغير شكلية مع مختلف مكونات المجتمع‬ ‫2‬ ‫بشأن التصورات المطروحة إلرساء العدالة االنتقالية.‬ ‫-إعادة صياغة منظومة العدالة االنتقالية برؤية شاملة لمختلف جوانب االنتهاكات.‬ ‫3‬‫-االعتراف الصريح بالدور الهام والضروري للقضاء في كامل مسار العدالة االنتقالية‬ ‫1‬ ‫مع التسليم بالصبغة المتفاوتة لذلك الدور.‬‫-اإلصرار على عدم تسييس موضوع العدالة االنتقالية وتجنيبه الصراعات السياسية‬ ‫1‬ ‫والفكرية خشية تشويهه.‬‫-استيفاء مختلف محاور العدالة االنتقالية من محاسبة وجبر ضرر ومصالحة دون‬ ‫6‬ ‫القفز على محور كشف الحقيقة أو مقايضته بالتعويض المالي.‬‫-وضع سياسة واضحة للعدالة االنتقالية يحدد موضوعها ومداها ومراحلها تكون بعد‬ ‫7‬ ‫إقرارها ملزمة لجميع االطراف المتداخلة.‬‫إن أكبر تحديات المسار االنتقالي هو االنتكاس وعودة االستبداد من أبواب أخرى، لذلك‬‫فمن الضروري دائما استحضار انتهاكات الماضي لتكون عبرة للمتورطين والضحايا‬‫والشعوب كي ال تتا ح الفرصة الضطهاد جديد، ومن هنا كانت مقاومة النسيان من أهداف‬‫العدالة االنتقالية فوجب حينئذ إيداع تاريخ االنتهاكات خصوصا بذاكرة مؤسسة مستقلة‬‫ومحايدة وقادرة على تصفية إرث الماضي بكشف الحقائق ومحاسبة المتورطين والتعويض‬ ‫للضحايا، وقد تكون المؤسسة القضائية وعاء مناسبا لهذا المسار(الجزء األول).‬‫غير أن هذه المؤسسة القضائية التي قد يوكل إليها اإلشراف على مسار العدالة االنتقالية‬‫تصفية إلرث الماضي هي ذاتها مدعوّ ة للمساهمة في بناء دولة القانون في المستقبل ولذلك‬ ‫َّ‬‫هي بحاجة إلى إصالح عميق باعتبار أن إصالح مؤسسات الدولة ومنها القضاء يعد أحد‬ ‫محاور العدالة االنتقالية(الجزء الثاني).‬ ‫4‬
  5. 5. ‫الجزء األول: القضاء لتصفية ماضي االنتهاكات:‬‫إن اضطالع القضاء بدور رئيسي في معالجة انتهاكات الماضي سوف يؤدي بصفة آلية‬‫إلى حفظ ذاكرة الماضي وتوثيق مسار العدالة االنتقالية وإضفاء المصداقية على جميع‬ ‫َ‬‫مراحله باعتبار أن القضاء يعد إطارا طبيعيا لكشف الحقيقة(الفرع األول) وسلطة مخولة‬ ‫إلحقاق للحقيقة (الفرع الثاني)‬ ‫الفرع األول: القضاء، اإلطار الطبيعي لكشف الحقيقة:‬‫تنبني مصداقية مسار العدالة االنتقالية على قدرة المجتمع على مواجهة ماضي االنتهاكات‬‫واستنطاقه ومعرفة خباياه، ويمكن إسناد هذا الدور إلى جهات مستقلة ومحايدة كلجان‬‫الحقيقة، ويبقى للقضاء الدور األساسي في كشف الحقيقة - سواء في إطاره التقليدي أو في‬ ‫إطار تركيبة مختلطة - وذلك لالعتبارات التالية:‬ ‫َ ّ‬‫الحياد السياسي للقضاء الذي يمكن من تقصي تاريخ االنتهاكات منذ االستقالل بما‬ ‫‪‬‬‫يحول دون توخي االنتقائية والقفز على حقبات تاريخية مهمة، أو استبعاد عائالت‬‫فكرية وسياسية متضررة من االستبداد، كما يحول دون تقديس أو إعطاء الحصانة‬ ‫لفترة سياسية معينة وهي احتماالت تبقى واردة بالنسبة إلى اللجان الخاصة.‬ ‫أن البحث والتحقيق من الوظائف التقليدية األساسية للقضاء.‬ ‫‪‬‬‫اإلمكانيات المادية الهامة للمحاكم والمؤسسات القضائية بالمقارنة مع اللجان‬ ‫‪‬‬ ‫المفترضة.‬‫تمتع القضاء بالخبرات الالزمة في التحقيق والبحث من خالل قضاة متخصصين‬ ‫‪‬‬‫كقضاة التحقيق بمحاكم الحق العام أو قضاة دائرة المحاسبات فضال عن الدور‬ ‫الموكول لعموم القضاة في مختلف االختصاصات بالبحث في الملفات ...‬‫تمتع القضاء بجميع فروعه بسلطات وأدوات هامة وناجعة للبحث عن الحقيقة من‬ ‫‪‬‬‫فرق أمنية مختصة وشرطة فنية ومخابر بحث وتحليل فضال عن إمكانية استعانته‬ ‫بمن شاء من الخبرات وخاصة المؤرخين وعلماء االجتماع.‬‫تمتع القضاء بنفوذ قوي على المؤسسات الراجعة له بالنظر وجميع المؤسسات المعنية‬ ‫‪‬‬‫بقراراته وهو ما يمكن من ضمان نجاعة عمله وقراراته على خالف ما واجهته لجان‬ ‫التقصي من عوائق.‬‫قدرة القضاء على النفاذ إلى المعلومات والسجالت والقيام بالزيارات للسجون ومراكز‬ ‫‪‬‬ ‫االعتقال.‬‫صرامة اإلجراءات القضائية ودقتها ورسوخ التقاليد في احترامها وشدة الجزاءات‬ ‫‪‬‬ ‫المترتبة عن اإلخالل بها بما يحول دون التهاون بها.‬ ‫5‬
  6. 6. ‫‪ ‬احتفاظ المؤسسة القضائية بفروعها الثالثة العدلي واإلداري والمالي بأرشيف القضايا‬‫من محاضر جلسات وأحكام واستنطاقات ومحاضر بحث وتقرير ووثائق ومؤيدات‬ ‫تساعد على كشف الحقائق ....‬ ‫الفرع الثاني: القضاء سلطة مخولة إلحقاق الحقيقة:‬ ‫من الضروري أن يلعب القضاء العادي دوره الرئيسي في اتجاهات ثالثة:‬ ‫1 -في محاسبة مرتكبي االنتهاكات‬ ‫2 -في جبر ضرر الضحايا‬ ‫3 -في إنجاح المصالحة‬ ‫1- القضاء لمحاسبة المتورطين:‬‫ال يمكن ألية تجربة انتقالية أن تنجح دون محاسبة المتورطين في انتهاكات الماضي،‬‫ويعتبر ذلك مؤشرا مفصليا على زوال النظام االستبدادي نهائيا ورادعا يحول دون إعادة‬‫التجربة الديكتاتورية ومسوغا إلنصاف الضحايا العديدين. لذلك وجب أن تتم المحاسبة‬‫بالمصداقية والجدية وال تشكل مجرد واجهة لمسار محدد سلفا، ولهذا الغرض وجب أن‬ ‫يكون للقضاء الجزائي دور رئيسي إن لم نقل حصري وذلك بالنظر لالعتبارات اآلتية:‬‫‪ ‬تضمن األحكام الجزائية الصادرة عن المحاكم لقوة ردع ال توفرها قرارات صادرة‬ ‫عن مؤسسات أخرى أو لجان إدارية مهما اجتهدت.‬‫‪ ‬توفير المنظومة القضائية العادية في عمومها لضمانات المحاكمة العادلة من حق‬ ‫الدفاع ومبدأ المواجهة وإمكانية الطعن في القرارات واألحكام.‬‫غير أن القضاء الجزائي بصيغته الحالية وبالمنظومة القانونية النافذة قد ال يكون كافيا‬‫لتتبع مختلف مرتكبي االنتهاكات لذلك وجب تجاوز العقبات القانونية واإلجرائية والهيكلية‬ ‫من ذلك خصوصا:‬‫‪ ‬ضرورة صدور نصوص قانونية تتجاوز المعوقات اإلجرائية والقيود الحائلة دون‬‫التتبع والمحاكمة وأهمها إقرار عدم سقوط بعض الجرائم واالنتهاكات بمرور الزمن،‬‫وعدم االحتجاج ضد المتورطين بسبق المحاكمة، كإقرار إجراءات قضائية تؤسس‬‫ل مقومات المحاكمة الواجبة خالل الفترة االنتقالية والتي يكون فيها الضحية محور‬ ‫الضمانات.‬‫‪ ‬ضرورة محاكمة مسؤولي النظام البائد من أجل الجرائم السياسية التي ارتكبوها وهي‬‫االستبداد واالضطهاد وإصدار النصوص القانونية التي تمكن من تجاوز قيود القانون‬ ‫الجزائي، وذلك تحقيقا لمبادئ الثورة وتجسيدا للقطيعة النهائية مع النظام السابق.‬ ‫6‬
  7. 7. ‫محاكمة رموز النظام السابق من أجل الجرائم الحقيقية والكف عن مالحقتهم من أجل‬ ‫‪‬‬ ‫تهم بسيطة ال تعكس فداحة ما اقترفوه تفاديا للمغالطات والتضليل.‬‫إيجاد الصيغ القانونية والقضائية لمنع مرتكبي االنتهاكات من ممارسة النشاط‬ ‫‪‬‬ ‫السياسي لمدة معينة تتالءم مع درجة ما اقترفوه وتطبيقا لمقتضيات العدالة االنتقالية.‬‫ضرورة تنويع صيغ الجزاء وذلك بإقرار إدانات رمزية دون عقاب مادي أو جسدي‬ ‫‪‬‬ ‫في حاالت معينة إضافة للعقوبات المالية والسالبة للحرية.‬‫وجوب تشريك قضاة في عضوية اللجان اإلدارية التي يمكن إحداثها تطبيقا‬ ‫‪‬‬‫لمقتضيات العدالة االنتقالية وذلك بقصد االستفادة من خبراتهم وتجاربهم في إدارة‬‫األبحاث والتحقيقات، على أن يتم اختيارهم بطريقة شفافة على أساس الكفاءة‬ ‫والنزاهة تفاديا لتجربة لجان التقصي المنشأة بعد 10 جانفي 0012.‬‫ضرورة التدخل التشريعي إلرجاع اختصاص القضاء العدلي بالنظر في قضايا‬ ‫‪‬‬‫شهداء وجرحى الثورة وغيرها وضمان عدم تخليه عن اختصاصه لفائدة القضاء‬‫العسكري الذي يفتقد لضمانات المحاكمة العادلة رغم اإلصالحات الجزئية المدخلة‬ ‫عليه.‬‫ضرورة استعادة المؤسسة القضائية العادية الختصاصها األصلي في مكافحة الفساد‬ ‫‪‬‬‫مع تدعيم إمكانياتها في هذا الغرض وتطوير صيغ عملها بإرساء المجمع القضائي‬‫المتخصص اعتبارا لتركيزه لخبرات قضائية وغير قضائية وكفاءات متنوعة للنظر‬‫في كبرى قضايا الفساد مع ضرورة تمتيعه بكافة الوسائل الموصلة إلى الحقيقة‬‫ومحاسبة المتورطين وبجميع مقومات االستقاللية واختيار أعضائه من القضاة‬ ‫وغيرهم طبق طرق شفافة استنادا إلى معايير الكفاءة والنزاهة.‬‫إ سناد صالحيات أوسع لدائرة المحاسبات في قضايا الرشوة والفساد في اتجاه تمكينها‬ ‫‪‬‬ ‫من آليات البحث والتحقيق بمناسبة قيام قضاتها بالمهام الرقابية.‬‫توسيع والية دائرة الزجر المالي لتشمل آمري الصرف الرئيسيين من وزراء ووالة‬ ‫‪‬‬ ‫ورؤساء بلديات وفتح حق رفع الدعاوى أمامها لذوي المصلحة.‬‫إرجاع اختصاص المصادرة للقضاء العادي مع إمكانية اختيار تركيبة مختلطة‬ ‫‪‬‬ ‫للدوائر القضائية تنضم إليها خبرات وكفاءات من غير القضاة.‬ ‫2- القضاء لجبر ضرر الضحايا:‬‫تتسع دائرة جبر األضرار إلى آليات عدة لتشمل رد االعتبار والتعويض الرمزي، غير‬‫أن القضاء يتدخل أساسا في التعويض المادي، ويعد القضاء العادي سواء كان عدليا أو‬‫إداريا المجال األمثل للجبر المادي لألضرار باعتبار ذلك من جوهر عمله اليومي وال يمكن‬‫االستعاضة عنه بأية هيئة من الهيئات غير أن المنظومة القانونية الحالية للتعويض ال‬‫تستجيب لطبيعة االنتهاكات الواقعة طيلة الحقبة االستبدادية، فوجب حينئذ صياغة النصوص‬‫وإيجاد اآلليات القانونية الكفيلة بإقرار تعويض عادل ومجز. وتتعلق االقتراحات األساسية‬ ‫في هذا الباب بنظام التعويض (أ) وقواعده (ب) وإجراءاته (ج)‬ ‫7‬
  8. 8. ‫أ - نظام التعويض: ويوصى في هذا الشأن بما يلي:‬‫‪ ‬تجنب استعمال مسألة التعويضات لشراء صمت الضحايا وكمدخل لإلفالت‬ ‫من العقاب.‬‫‪ ‬إيجاد نظام قانوني خاص بتعويض المتضررين من النظام االستبدادي يتميز‬‫عن نظام التعويض السائد بالبساطة والمرونة ويعطي للمحاكم دورا تحقيقيا‬ ‫واستقصائيا.‬‫‪ ‬إقرار نظام للتعويض الجماعي للجهات أو القطاعات أو الفئات المتضررة من‬‫االنتهاكات والمحاكمات الواسعة وذلك بالعمل على تخصيصها أولويا‬ ‫ّ‬ ‫بمقومات التنمية والعدالة من مرافق عامة وخدمات قضائية وغيرها.‬‫‪ ‬التوسيع في مفهوم الضحية ليشمل أسرة الشخص الذي تسلط عليه االنتهاك‬ ‫وقرابته.‬‫‪ ‬توسيع دائرة المستفيدين من العفو العام ليشمل كل ضحايا الحقبة االستبدادية‬ ‫منذ االستقالل.‬‫‪ ‬اعتبار شهداء وجرحى انتفاضة الحوض المنجمي شهداء وجرحى الثورة‬ ‫وتعويضهم على ذلك األساس.‬ ‫ب - قواعد التعويض: ويوصى في هذا الخصوص بما يلي:‬‫‪ ‬الحرص على أن يشمل التعويض جميع األضرار الالحقة بالضحايا ماديا‬‫ومعنويا واقتصاديا وصحيا، مع إمكانية شموله للفرص الضائعة والسنين‬‫المهدورة دون دراسة أو شغل...وفي جميع األحوال يجب أن يؤدي الى رد‬ ‫االعتبار للمتضررين واستعادتهم لحرياتهم وكرامتهم.‬‫‪ ‬العمل على ترضية المتضررين في جميع األحوال بإعمال معايير تمكنهم من‬‫الحصول على تعويضات كافية ومجزية لكن دون تمكينهم من تعويض‬ ‫مزدوج.‬‫‪ ‬وضع مقاييس تعويض موحدة ومضبوطة ودقيقة وتصنيفها طبق طبيعة‬ ‫االنتهاكات وفداحة األضرار الناتجة عنها.‬ ‫ت -إجراءات التعويض: ويوصى في هذا اإلطار بما يلي:‬‫‪ ‬إحالة االختصاص األصلي للنظر في التعويض إلى المحاكم، وفي صورة إسناده‬‫بصفة استثنائية إلى لجان إدارية وجب إخضاع قراراتها للرقابة القضائية عن طريق‬ ‫الطعن.‬‫‪ ‬تقريب قضاء التعويض سواء العدلي أو اإلداري من المتضررين من انتهاكات‬ ‫الماضي لحثهم على السعي الستعادة حقوقهم.‬ ‫8‬
  9. 9. ‫‪ ‬اعتبار سنوات االستبداد من موجبات تعليق آجال التقادم المسقط للحقوق بقصد تمكين‬ ‫المتضررين من تلك الفترة من التقاضي جبرا لألضرار الالحقة بهم.‬‫‪ ‬تمكين المتضررين من جبر ضررهم من مرتكبي االنتهاكات شخصيا وإحالل الدولة‬ ‫محلهم عند االقتضاء.‬ ‫3- القضاء إلنجاح المصالحة:‬‫إن العدالة االنتقالية وإن كانت تهدف باألساس إلى كشف الحقيقة ومحاسبة المتورطين‬‫وتعويض الضحايا إال أن تطور مسارها ونجاحه يؤدي إلى تحقيق المصالحة حفاظا على‬‫السلم االجتماعية، وعلى هذا االعتبار وجب أن تكون المصالحة حقيقية وذات مصداقية،‬‫ومن الالزم أن يكون للقضاء دور في ذلك كالتداخل في إجراءات المصالحة أو رئاسة‬‫القضاة للجان الخاصة بالمصالحة أو ضمان عضويتهم فيها على أن يتم اختيارهم من جهة‬‫مستقلة ومن بين القضاة المشهود لهم بالخبرة والكفاءة والنزاهة التي تمكنهم من إنجاح‬ ‫مصالحة الجاني مع الضحية.‬ ‫الجزء الثاني: القضاء جوهر إصالح المؤسسات:‬‫يقتضي إصالح القضاء في الفترة االنتقالية تطوير المؤسسة القضائية (الفرع األول)‬ ‫وتطهيرها من مظاهر الفساد (الفرع الثاني)‬ ‫الفرع األول: تطوير المؤسسة القضائية:‬ ‫يجب أن ينبني أي تصور إلصالح القضاء على األسس التالية:‬‫التعاطي مع المؤسسة القضائية بكامل فروعها باعتبارها سلطة وشريكا فعليا في كل‬ ‫‪‬‬ ‫عملية إلصالح للقضاء.‬‫اعتبار المؤسسة القضائية منظومة متكاملة يتعين إصالحها بجميع مكوناتها وبكافة‬ ‫‪‬‬ ‫الفاعلين فيها كالمحاماة وعدالة التنفيذ وعدالة اإلشهاد وكتابة المحاكم...‬‫ضرورة تشخيص أوضاع القضاء بمختلف أصنافه وتقييمها بصفة دقيقة وعلمية‬ ‫‪‬‬‫ومعمقة استنادا إلى مقياس رسالة القضاء واستبعاد نموذج الموظف العمومي. وفي‬‫هذا السياق يشار إلى ضرورة تشخيص وضعية القضاء اإلداري وقياس مدى‬‫استقالليته تهيئة لدوره الفاعل في فصل النزاعات االنتخابية والنظر في شرعية‬ ‫القرارات الصادرة عن السلطة اإلدارية والهيئات العمومية والمجالس العليا للقضاء.‬‫إطالق حوار حقيقي وفعلي حول إصالح القضاء تدعى إليه األطراف السياسية من‬ ‫‪‬‬‫حكومة ومعارضة وجمعيات حقوقية ومنظمات وطنية وهيئات مهنية بهدف المساهمة‬ ‫في صياغة مشروع وطني للنهوض بالقضاء.‬ ‫9‬
  10. 10. ‫‪ ‬إعطاء األ ولوية للوضع الدستوري للسلطة القضائية في اتجاه تكريس فعلي وواضح‬‫الستقاللها وإصدار التشريعات الضرورية إلصالح المنظومة القضائية على ذلك‬ ‫االساس.‬‫‪ ‬ضرورة تشخيص وضع القضاء العسكري وتضييق اختصاصه وحصره في الجرائم‬‫المتعلقة بالعسكريين أثناء أدائهم لوظيفتهم وذلك لصبغته االستثنائية وافتقاره لضمانات‬ ‫االستقاللية.‬ ‫وتجسيما للتوجه اإلصالحي يوصى بما يلي:‬ ‫االعتماد في تنظيم الهيئة الوقتية المشرفة على القضاء العدلي على المبادئ التالية:‬ ‫‪‬‬ ‫‪ ‬مبدأ االنتخاب: بحيث تكون مكونة من قضاة منتخبين.‬ ‫‪ ‬مبدأ الشفافية: الذي يقتضي إطالع العموم على أعمال الهيئة‬ ‫‪ ‬مبدأ الشرعية: الذي يقتضي إخضاع قرارات الهيئة للرقابة القضائية‬‫‪ ‬الصبغة التقريرية ألعمال الهيئة: وذلك باالعتراف لها بسلطة اتخاذ‬ ‫القرارات.‬ ‫تفعيل آليات الرقابة على القضاء تحسينا ألدائه ومنعا لالنتهاكات المحتملة.‬ ‫‪‬‬‫إعادة النظر في الخارطة القضائية في اتجاه تقريب القضاء وباألساس القضاء‬ ‫‪‬‬ ‫االداري من المواطن بالجهات المحرومة التي تشكو من تبعات التفاوت الجهوي.‬ ‫إعادة صياغة مناهج التدريس بالمعهد األعلى للقضاء والمعهد األعلى للمحاماة.‬ ‫‪‬‬ ‫تحسين األوضاع المعنوية والمادية للقضاة.‬ ‫‪‬‬ ‫تدعيم اإلمكانات المادية وظروف العمل بالمحاكم.‬ ‫‪‬‬ ‫تدارك النقص الفادح والمتزايد في اإلطار القضائي بانتدابات جديدة وبأعداد مناسبة.‬ ‫‪‬‬ ‫‪ ‬الفرع الثاني: تطهير المؤسسة القضائية:‬‫يعد تطهير القضاء من رموز الفساد أحد االستحقاقات الرئيسية للثورة التونسية ومطلبا‬‫شعبيا طرح بقوة على الحكومات المتعاقبة خالل هذه الفترة االنتقالية، غير أن جميعها لم‬‫تعمل على تحقيقه أو الشروع فيه أو حتى إعداد تصور لتنفيذه عدا ما صدر عن السلطة‬‫التنفيذية مؤخرا من اإلعالن عن إعفاء 22 قاضيا من مهامهم بعد أن سبق لها إعفاء 6‬‫قضاة في األيام األولى للثورة وما صاحب ذلك من جدل قانوني حول وجاهة اآللية‬ ‫ونجاعتها ومدى اعتبارها اآللية المثلى للتطهير القضائي في الفترة االنتقالية.‬ ‫ويطرح التطهير جملة من األسئلة تتعلق أساسا بما يلي:‬ ‫1 -مفهوم التطهير.‬ ‫2 -مداه المطلوب.‬ ‫3 -آليات تحقيقه.‬ ‫01‬
  11. 11. ‫1- ضرورة تحديد مفهوم التطهير:‬‫يقصد بتطهير القضاء النظام الهادف إلى استعادة المؤسسة القضائية لشرعيتها ولثقة‬‫المتقاضين فيها عبر إصالح االشخاص الفاعلين بها نتيجة تورطهم في الفساد القضائي‬‫أو قلة كفاءتهم، كما يرمي عموما إلى استبعاد القضاة الفاسدين والمتورطين مع النظام‬‫البائد والمسؤولين عن صدور أحكام وقرارات جائرة طيلة الفترة االستبدادية. غير أن‬‫هذا المفهوم وإن كان متعارفا ومتداوال فإنه ال يغني عن صدور تعريف قانوني يعتمد في‬‫استبعاد من لم تعد تتوفر فيه النزاهة الكافية لمباشرة القضاء. وفي هذا الصدد يتوقف‬‫تحديد مفهوم التطهير على تحديد عناصر الفساد نفسه والذي يحتاج بدوره إلى تعريف.‬‫غير أنه وفي انتظار تقنين المفاهيم واآلليات فإنه باإلمكان ضبط عناصر تعريف الفساد‬ ‫وذلك بالتأكيد على أن للفساد أبعادا عدة أهمها:‬‫البعد المالي: والمتمثل في تلقي الرشاوى عن القضايا المتعهد بها أو التوسط في‬ ‫‪‬‬‫قضايا تعهد بها الغير من القضاة، كما يمكن أن يتمثل في اكتساب االمتيازات المادية‬ ‫بطرق غير مشروعة أو باستغالل النفوذ.‬‫البعد األخالقي: والمتمثل في ارتكاب التجاوزات السلوكية واألخالقية المخلة بشرف‬ ‫‪‬‬ ‫القضاء خاصة إذا تم التجاهر بها أو ارتبطت بقضايا متعهد بها.‬‫البعد اإلداري: والمتمثل في دأب القاضي على الحكم في القضايا المتعهد بها ال طبق‬ ‫‪‬‬‫القانون بل طبق التعليمات الواردة له من رؤسائه انحيازا في ذلك ألحد الخصوم‬ ‫وانتهاكا للحقوق.‬‫البعد السياسي: يتمثل أساسا في خضوع القاضي للتوظيف السياسي إما خدمة للسلطة‬ ‫‪‬‬‫التنفيذية أو لألحزاب الحاكمة وانتهاز موقعه وعالقاته الكتساب امتيازات غير مبررة‬ ‫أو التمتع بنفوذ غير مشروع داخل الوسط القضائي وخارجه ...‬ ‫2- ضرورة ضبط نطاق التطهير:‬‫إن اإلقرار بفساد المنظومة القضائية وبحجم االنتهاكات المترتبة عنه يقتضي التسليم‬‫بأن مجرد استبعاد عدد من القضاة ال يمكن أن يؤدي بالضرورة إلى استعادة القضاء‬‫لمقومات النزاهة واالستقاللية، ولهذا كان من الالزم االعتماد في مواجهة ظواهر الفساد‬‫على منهج علمي وموضوعي يستهدف قياس تلك الظواهر ودرجة حضورها في مختلف‬‫مكونات المنظومة القضائية والوقوف على أسبابها وطرق معالجتها. لكن ذلك ال يمنع‬ ‫من التقدم باستنتاجات أولية في هذا الخصوص، من ذلك:‬‫‪ ‬أن درجة الفساد في المنظومة القضائية ترتبط بداهة بطبيعة النظام السياسي القائم،‬‫ومن الواضح أن سلطة االستبداد في تونس قد عملت على توظيف القضاء لخدمة‬‫أهدافها وتصفية خصومها اعتمادا على نظام قضائي تميز باالنغالق وعدم الشفافية‬‫واستغالل النفوذ، وهي من الظواهر التي طبعت الممارسة القضائية خصوصا في‬ ‫11‬
  12. 12. ‫القضايا السياسية. وقد نجحت السلطة في إمالء أحكامها في هذا الشأن على جميع‬ ‫أصناف القضاء دون استثناء وارتهان المؤسسة القضائية لصالحها.‬‫‪ ‬اعتبارا لما سبق، يتضح أن الفساد الذي عم جميع المؤسسات السياسية في البالد‬‫وعلى خالف ما هو شائع لم يطل منظومة القضاء العدلي فقط بل شمل أيضا جميع‬‫فروع القضاء كالقضاء اإلداري والمالي والعسكري مع التسليم بتفاوت حجم الفساد‬ ‫تبعا لدرجة استخدام كل صنف من أصناف القضاء من قبل السلطة التنفيذية.‬‫‪ ‬إن اعتبار الفساد متضمنا لمظاهر الفساد المالي واألفعال المرتبطة به كالمتاجرة‬‫بالنفوذ من جهة ومناحي االستغالل السياسي وتدخل السلطة التنفيذية في القضاء من‬‫جهة أخرى يوجب االعتماد في معالجة ذلك على استبعاد جميع األشخاص‬‫المتورطين ليشمل إضافة للمرتشين ومستغلي النفوذ كل من ثبت عدم استقاللهم‬‫وخضوعهم للتعليمات ووالؤهم للسلطة القائمة أو من خضعوا للتوظيف السياسي أو‬ ‫من تورطوا في المحاكمات السياسية.‬ ‫3- ضرورة إرساء آليات التطهير:‬‫تضمن برنامج الحكومة لسنة 2012 إشارة إلى اعتزامها تطهير القضاء دون الحديث‬‫عن آلياته، وقد يعكس ذلك غياب رؤية واضحة لآللية المنتظر اعتمادها في التطهير، وفي‬‫هذا الخصوص يمكن اقتراح توجيهات عامة تكون قاعدة إلرساء نظام متكامل للتطهير، من‬ ‫ذلك:‬ ‫أوال: بالنسبة إلطار التطهير: ويوصى خصوصا بما يلي:‬‫التعجيل بتطهير القضاء واعتباره أولوية في مسار العدالة االنتقالية عموما وإصالح‬ ‫‪‬‬‫المؤسسات خصوصا باعتبار أن كل تأخير قد يؤدي إلى صدور مزيد من األحكام‬‫الجائرة على أن يتم ذلك في إطار كشف الحقيقة والمحاسبة بشأن االنتهاكات‬ ‫المرتكبة.‬‫وضع إطار قانوني واضح وإجراءات خاصة بشأن تطهير القضاء وتجنب االستناد‬ ‫‪‬‬‫إلى النصوص القانونية الموروثة واآلليات المعتمدة في األوضاع العادية بمقتضى‬‫القوانين األساسية للقضاة على سبيل المثال كاإلعفاء... وذلك توفيرا للضمانات ومنعا‬ ‫لإلفالت من العقاب.‬‫توسيع التشاور بشأن آليات التطهير وإنضاج رؤية موحدة بين مختلف المتداخلين في‬ ‫‪‬‬ ‫الشأن القضائي.‬‫االستناد إلى إجراءات تستهدف تطهير المنظومة القضائية بمختلف مكوّ ناتها‬ ‫‪‬‬ ‫والفاعلين فيها من قضاة ومحامين ومساعدي قضاء.‬ ‫21‬
  13. 13. ‫ثانيا: بالنسبة لقواعد التطهير وإجراءاته: ويوصى أساسا بما يلي:‬‫ضرورة أن يتم التطهير بواسطة لجنة مستقلة تحدث بقانون وتتكون من قضاة‬ ‫‪‬‬‫وغيرهم من األشخاص المشهود لهم بالكفاءة والنزاهة واالستقاللية ويمكن أن توكل‬ ‫مهمة اختيارهم إلى المجلس الوطني التأسيسي.‬‫االعتماد في إجراءات التطهير على عمليات فحص تهدف إلى تحديد مدى أحقية‬ ‫‪‬‬ ‫األشخاص المعنيين في االستمرار في وظائفهم استنادا إلى معايير النزاهة والكفاءة.‬‫إجراء عمليات فحص شاملة تتعلق أوال بالذمة المالية للقاضي وذلك بمراجعة‬ ‫‪‬‬‫تصاريحه الجبائية وتتبع نمو ثروته، وثانيا بكفاءة القاضي ومساره المهني وذلك‬‫بمراجعة ملف انتدابه وتقييم األعمال المنجزة والبحث في الملفات التأديبية على أن‬‫يؤخذ في االعتبار كامل المسار المهني للقاضي وعدم االكتفاء بوقائع معينة أو أخطاء‬‫تأديبية معزولة، وثالثا بسلوك القاضي وذلك بمراجعة ملفه الشخصي والشكايات‬ ‫الموجهة ضده.‬‫ضرورة اتخاذ تدابير تهدف إلى حماية األرشيف القضائي من اإلتالف والتالعب‬ ‫‪‬‬ ‫ضمانا لفاعلية عمليات الفحص.‬‫ضرورة توفير ضمانات المحاسبة العادلة المتمثلة في حق الدفاع ومبدأ المواجهة‬ ‫‪‬‬ ‫والطعن في القرارات بما يضفي على عملية التطهير الشرعية الكافية.‬‫ضبط القرارات المترتبة عن عمليات الفحص كأن تشمل التثبيت في الوظيفة القضائية‬ ‫‪‬‬‫أو إعادة التعيين أو العزل أو الفصل عن الوظيف خارج االطار التأديبي أو التقاعد‬‫الوجوبي أو االستقالة...كما يمكن أن تتعلق أيضا بالتأهيل وإعادة التدريب فضال على‬ ‫إمكانية االلتجاء إلى أدوات القانون الجزائي في صورة ارتكاب جرائم.‬ ‫ثالثا: بالنسبة آلثار التطهير: ويوصى في ذلك بما يلي:‬‫‪ ‬ضرورة التنصيص على أن العزل أو الفصل من الوظيف بسبب الفساد المالي أو‬‫اإلداري أو السياسي ال يمكن أن يقبل بأي وجه العفو أو التراجع لمساس األخطاء‬ ‫الموجبة لذلك بشرف القضاء وكرامته.‬‫‪ ‬وضع برنامج لمكافحة الفساد في المنظومة القضائية واالعتماد في ذلك على تعميم‬ ‫األخالقيات القضائية ووضع نظام تقييم دوري ألداء القضاة.‬‫‪ ‬اتخاذ التدابير واإلجراءات الرامية إلى إصالح نظام االنتداب وإسناد الوظائف‬ ‫والترقية بما يحقق الضمانات الضرورية الستقالل القضاء.‬ ‫31‬
  14. 14. ‫لجنة التوصيات المكلَفة بإعداد مشروع الوثيقة:‬ ‫1) حمادي الرحماني، الكاتب العام للمرصد التونسي الستقالل القضاء(مقرر)‬ ‫2) عياض الشواشي، قاضي و عضو الهيئة المدي ة‬ ‫ر‬ ‫3) عمر الوسالتي، قاضي عضو بالمرصد‬ ‫4) بليغ العباسي، قاضي عضو بالمرصد‬ ‫باردو في 32 جوان 2112‬‫عن المرصد التونسي الستقالل القضاء‬ ‫رئيس المرصد أحمد الرحموني‬ ‫41‬

×