الاصلاح

873 views

Published on

Published in: News & Politics
0 Comments
0 Likes
Statistics
Notes
  • Be the first to comment

  • Be the first to like this

No Downloads
Views
Total views
873
On SlideShare
0
From Embeds
0
Number of Embeds
1
Actions
Shares
0
Downloads
10
Comments
0
Likes
0
Embeds 0
No embeds

No notes for slide

الاصلاح

  1. 1. ‫اإلصالح‬ ‫﴿ إن أريد إ ّ اإلصالح ما استطعت‬ ‫ال‬ ‫وما توفيقي إ ّ باهلل﴾‬ ‫ال‬ ‫( قرآن كريم)‬ ‫العدد السابع واألربعون السنة الثانية 8 ربيع األول 5341 - - جانفي 4102‬ ‫العدد الثامن والعشرون السنة الثانية - 9مجادى الثانية 4341 0191 أفريل 3102‬ ‫بعد ثالث سنوات من الثورة..حقيق بنا أن نفصح..‬ ‫بقلم : محمد القوماني‬ ‫الثورة التونسية وصناعة الحياة‬ ‫بقلم : د. حسن الطرابلسي‬ ‫ما هكذا تبنى األوطان، ما هكذا تنهض األمم ...‬ ‫بقلم : شكري عسلوج‬ ‫في السؤال القديم المتجدد:‬ ‫الثورة العربية بين الممكن والمستحيل‬ ‫بقلم : د.محمد الحاج سالم‬
  2. 2. ‫األولى‬ ‫بسم هللا والصالة والسالم على رسول هللا‬ ‫ّ‬ ‫ما حدث قبل ثالث سنوات كان حدثا جلال ال ريب فيه شد إليه أنظار العالم كلّه وأخرجنا نحن العرب من سباتنا العميق ومن واقع طغى عليه‬ ‫االستبداد والظلم والقهر. لقد غيّرت األحداث التي اندلعت في تونس ثم انتشرت كانتشار النار في الهشيم في بقية الدول العربية موازين القوى‬ ‫وأسقطت عددا من رؤوس األنظمة االستبدادية الفاسدة ومارست الشعوب ألول مرّة في تاريخها حقّها االنتخابي بكل حرّية وشفافية وأتت بمن‬ ‫ّ‬ ‫كان في السجون إلى سدة الحكم. غير أن األمور لم تسر كما تمنّتها الشعوب العربيّة وتحوّل الربيع العربي إلى خريف تساقطت معه المكاسب كما‬ ‫تتساقط أوراق الشجر وتحوّل الحلم العربي إلى كابوس مخيف يعلم هللا وحده متى تستيقظ منه الشعوب.‬ ‫فبدال من حصول انتقال من االستبداد والقمع إلى الحرّية والديمقراطية ومن نظام الشخص الواحد إلى نظام ديمقراطي ومن حكم العائلة إلى‬ ‫حكم الشعب عبر إرساء دعائم نظام يقوم على المواطنة ، عاد النظام القديم في اليمن في جلباب جديد وانقلب العسكر على الرئيس الشرعي في‬ ‫مصر ودخلت ليبيا في دوامة حرب العصابات ونظام الالدولة وتحولت سوريا إلى حلبة قتال عنيف راح ضحيّته عشرات اآلالف من المدنيين‬ ‫ّ‬ ‫السوريين من أطفال ونساء وشيوخ. أما تونس فقد شهدت عودة االغتياالت السياسية وأصبحت البالد تودع أزمة لتستقبل أخرى أعنف منها فهل‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫هذا هو النتاج الطبيعي للفترة االنتقالية التي تعرفها كل الثورات ؟ وهل تدخل هذه االضطرابات والتجاذبات ضمن إرهاصات الثورة؟ أم أنها‬ ‫ّ‬ ‫االنتكاسة والعودة إلى نقطة الصفر؟ وهل ما يحدث اليوم سببه فشل النخبة السياسية التي تسلّمت زمام األمور في تحقيق الشعارات التي رفعتها‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الجموع الثائرة وفي استعادة أمن واستقرار البالد ؟، أم أن قوى الردة أو ما يصطلح على تسميته بقوى الثورة المضادة قد بدأت تأخذ بزمام األمور‬ ‫بعد أن فرضت وجودها في غياب قرارات ثورية لتحصين الثورة؟ أم أن األمر مرتبط أساسا بعوامل خارجيّة ضاغطة ومتحكمة في األحداث؟‬ ‫أسئلة عديدة تطرح نفسها ونحن نحتفل بالذكرى الثالثة الندالع الثورات العربية ، لعلّنا نفهم ما حدث وما يحدث وما سيحدث في المستقبل.‬ ‫يرى البعض أن القوى االستعمارية التي كانت تساند الطواغيت قد استفاقت بسرعة من صدمتها بعد أن فاجأها الزلزال العربي واستطاعت‬ ‫بحكم حنكتها ودهاء سياسييها من جهة وضعف خبرة القوى التي أتت بها الثورة وعدم توحّدها من جهة أخرى بأن تأخذ من جديد بزمام األمور‬ ‫وتتحكم في العملية السياسية بدول «ثورات الربيع العربي» وتوجهها نحو إجهاض عملية االنتقال الديمقراطي أو على األقل تشويهه بما يضمن‬ ‫مصالحها االستعمارية وتبعية األنظمة الجديدة لمنظومتها.‬ ‫ويرى البعض اآلخر بأن ما حدث خالل السنوات الثالث أمر طبيعي ذلك أن الثورة ليست عمال محدودا في الزمان والمكان وإنما هي عمل‬ ‫معقّد من حيث تداخل عناصره وارتباطه بالواقع الجيو- سياسي واالجتماعي وهو أيضا شاق ومضن يتطلب الكثير من التضحيات والصبر والعمل‬ ‫ٍ‬ ‫واليقظة فال يمكن حرق مراحل الثورة أو استعجال قطاف ثمارها. وما يحدث اليوم في تونس أو في مصر إنما هي تحوالت طبيعيّة ومتوقعة فقوى‬ ‫ّ‬ ‫الثورة المضادة والمعارضة للنظام الجديد تتوحّد وتسعى جاهدة إلفشال المسار الثوري لكنها ستفشل حتما بقرار سنن التاريخ حتّى وان اعترت‬ ‫هذا المسار هزّ‬ ‫ات ومطبّات ألن ما يحدث اليوم إنما هو استكمال متأخر لموجة الديمقراطية الثالثة على رأي المفكر األمريكي الراحل صموئيل‬ ‫هنتنغتون التي شملت دول من أوروبا الشرقية وأمريكا الالتينيّة وبعض الدول اإلفريقية أو هو بداية لموجة ديمقراطية رابعة انطلقت من تونس‬ ‫لتنخرط فيها بقية الدول العربية وغيرها التي مازال يحكمها االستبداد والقمع.‬ ‫ونحن نرى أن تفسير ما حدث خالل السنوات الثالث الماضية يحتمل شيئا من هذا وشيئا من ذاك . لقد قررت الشعوب العربية بانتفاضتها أن‬ ‫ّ‬ ‫تنخرط في عمليات التحرر من أنظمة االستبداد والتسلط والتماس طريقها نحو االنتقال الديمقراطي برغم أنف قوى الشد إلى الوراء ومن تساندها‬ ‫َ ِ ُ‬ ‫ْ‬ ‫من قوى استعمارية وقوى معادية لهذه األمةّ تخشى نهضتها وستتحقق إرادتها بعون هللا « ونُريد أَن نَّمن علَى الَّذينَ استُضْ عفُوا فِي الأَْرْ ض‬ ‫ُ َّ َ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫َ َ ِّ‬ ‫َ َ َ ُ َ َ ِ ْ َّ َ‬ ‫ونَجْ علَهُم أَئِمةً ونَجْ علَهُم الوارثِينَ (5) ونُمكنَ لَهُم فِي الأَْرْ ض ونُري فِرْ عَوْ نَ وهَامانَ وجنُودهُما منهُم ما كانُوا يَحْ ذرُونَ (6)» سورة القصص .‬ ‫ْ‬ ‫َ َ ْ َّ َ َ ُ ْ َ ِ‬ ‫ِ َ ِ‬ ‫غير أن النجاح في تحقيق هذه اإلرادة ال يمكن أن يحصل إال عبر العمل المشترك في المسارات الثالثة التالية: السياسية والثقافية واالقتصادية.‬ ‫فالمواطن العربي الذي ثار على االستبداد يرى أن أولوياته تكمن في تحسين األوضاع االقتصادية وتحقيق االستقـــرار واألمـــن وهذا ال يمكــن‬ ‫ّ‬ ‫أن يتحقق إالّ عبر إرساء نظام ديمقراطي حقيقي يرتكز على ثقافة المواطنة الغائبة إلى حد اآلن وهو ما يتطلب توحيد الجهود إلنجاز ثورة ثقافية‬ ‫تنسف ثقافة االستبداد واألنانية والفوضى وتكرّس بديال وطنيّا قائما على االحترام المتبادل بين الدولة والمواطن وبين المواطنين أنفسهم وهو عمل‬ ‫صعب وشاق ال نرى مكونات المجتمع المدني من جمعيات ومفكرين ومثقفين قد انطلقوا في انجازه بعد.‬ ‫سيبقى تحول الشعوب العربية من واقع االستبداد والتهميش إلى واقع السيادة والمواطنة أعرجا ما لم تصاحبه ثورة ثقافية شاملة وحركة‬ ‫اقتصادية تعمل في كل االتجاهات وتؤسس على حبّ العمل واالستثمار في الوطن ومن أجل الوطن وستبقى المرحلة القادمة مفتوحة على كل‬ ‫االحتماالت مادامت القوى السياسية والمجتمعية تفتقر إلى رؤية مستقبلية مشتركة، أو متقاربة بالحدود الدنيا المطلوبة.‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫فهل ستتواصل الهزات واالرتدادات واألزمات خالل هذا العام الجديد أم ستعرف مختلف القوى كيف تضع القطار على السكة الصحيحة‬ ‫لينطلق نحو الهدف المنشود؟ سؤال نختم به مصافحتنا وللحديث بقية.‬ ‫-------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------- المهندس فيصل العش‬ ‫2‬
  3. 3. ‫الفهرس‬ ‫بهدوء‬ ‫بعد ثالث سنوات من الثورة..حقيق بنا أن نُفصح..‬ ‫مجرّد رأي‬ ‫الدستور التونسي والمنزلة بين المنزلتين‬ ‫في الصميم‬ ‫األمة في حاجة إلى «رجال مبادئ»‬ ‫وليس إلى حوار «الطرش»‬ ‫حوار حول الثورة‬ ‫في السؤال القديم المتجدّد:‬ ‫الثورة العربيّة بين الممكن والمستحيل‬ ‫نقاط على الحروف‬ ‫ما هكذا تُبنى األوطان، ما هكذا تنهض األمم ...‬ ‫تمتمات‬ ‫وأخيرا نجحنا‬ ‫الكلمة الحرّة‬ ‫ّ‬ ‫اإلسالميّون والثورات العربيّة ... على سرير بروكوسْتْ‬ ‫همسات‬ ‫هل هي ثورة فعال ؟ هل هي انتفاضة ؟‬ ‫هل هي مسار ثوري ؟ أم ماذا ؟‬ ‫في العمق‬ ‫الثورة التونسية وصناعة الحياة‬ ‫وجهة نظر‬ ‫الثورة التونسية بين عفن الموروث و معلمة الكهنوت‬ ‫في التحليل السياسي‬ ‫الثورة التونسية : من إسقاط النظام إلى عودة األزالم.‬ ‫مدى النجاح أو الفشل !...‬ ‫من وحي الحدث‬ ‫صعوبات اإلنتقال الديمقراطي في دول الربيع العربي‬ ‫بال حدود‬ ‫في الثورة: يقولون « ثورة » في تونس مريضة، قلت‬ ‫أغاني الحياة‬ ‫راجع راجع لبالدي‬ ‫قبل الوداع‬ ‫بيت العنكبوت‬ ‫محمد القوماني‬ ‫4‬ ‫عادل السمعلي‬ ‫9‬ ‫د. مصباح الشيباني‬ ‫01‬ ‫د. محمد الحاج سالم‬ ‫21‬ ‫شكري عسلوج‬ ‫61‬ ‫رفيق الشاهد‬ ‫91‬ ‫عبداللطبف علوي‬ ‫02‬ ‫إسماعيل بوسروال‬ ‫32‬ ‫د. حسن الطرابلسي‬ ‫52‬ ‫طه مصدق كعنيش‬ ‫82‬ ‫علي الطرهوني‬ ‫03‬ ‫محمد الطرابلسي‬ ‫43‬ ‫نعمان العش‬ ‫63‬ ‫غناء شباب الثورة‬ ‫83‬ ‫لطفي الدهواثي‬ ‫93‬ ‫3‬
  4. 4. ‫بهدوء‬ ‫ُ‬ ‫بعد ثالث سنوات من الثورة..حقيق بنا أن نفصح..‬ ‫بقلم : محمد القوماني*‬ ‫ّ‬ ‫يحيـي التونسيــون الذكــرى الثالثــة لثــورة الكرامــة والحريـــة‬ ‫ّ‬ ‫71 ديسمبر/ 41 جانفي، مرة أخرى في ظل حالة من االنقسام السياسي‬ ‫الذي لم يسمح حتّى اآلن باالتفاق على تاريخ موحّد لذكرى الثورة‬ ‫ّ‬ ‫فضال عن أنشطة مشتركة لالحتفال بها، ووسط مخاوف متعددة‬ ‫وخاصة منها األمنية، لم تتح فرصة لمعنى االحتفال أصال منذ هروب‬ ‫الدكتاتور. وفي انتظار النتائج النهائية للحوار الوطني على جميع‬ ‫المسارات، الذي مازالت بعض اآلمال معلّقة عليه، رغم الصعوبات‬ ‫والخيبات، في تجاوز األزمة السياسية خاصة، وإحياء ذكرى الثورة‬ ‫يوم 41 جانفي 3102 في أجواء احتفالية وتضامنية، في انتظار ذلك،‬ ‫وبعد ثالث سنوات من الثورة المجيدة، وبعد أن ابتعدنا نسبيا عن أجواء‬ ‫الضغط بأنواعه وتراجعت العواطف لتفسح المجال للعقل بالمراجعة‬ ‫والتحليل، نرى من حقّنا ومن واجبنا في آن، أن نفصح عن بعض‬ ‫ّ‬ ‫المعطيات واالستنتاجات التي نقدر أن الوضوح فيها بات مطلوبا بل‬ ‫شرطا للنجاح في استكمال المسار الديمقراطي وتحقيق أهداف الثورة.‬ ‫1 ـ ثورة حقيقية‬ ‫بعيدا عن الجدال العقيم أحيانا حول مفاهيم الثورة واالنتفاضة‬ ‫واالحتجاج والغضب والتمرّد وغيرها من المصطلحات التي يختلف‬ ‫المحللون في أيّهـــا األنسب فــي توصيف مــا حصــل بتونس ما بين‬ ‫71 ديسمبر 0102 و41 جانفي 1102، يسلّم الجميع بأن أقل من‬ ‫شهر من التحركات الشعبيّة التي انطلقت من سيدي بوزيد وامتدت إلى‬ ‫القصرين بالوسط الغربي التونسي لتأخذ منعرجا حاسما، ولتعم مختلف‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الواليات بدرجات متفاوتة من االحتجاج، كانت كفيلة بوضع حد لنظام‬ ‫بوليسي كان يُنظر إليه على أنه من أعتى الدكتاتوريات في المنطقة.‬ ‫تساءلت شخصيّا في مقال نشرتة مطلع جانفي 1102 بعنوان: الغضب‬ ‫االجتماعي بالوسط التونسي: هل يكون البداية؟ (1) وجاء الجواب‬ ‫ّ‬ ‫سريعا. ولعلّه من المفيد أن أذكر ببعض المقتطفات من ذلك المقال‬ ‫ألهميتها في إضـــاءة جوانب مــن واقع الحــال، والتي ذكرت فيها أن‬ ‫« تحرّكات الغضب االجتماعي بوالية سيدي بوزيد بالوسط التونسي‬ ‫التي امتدت على مدى األسبوعين األخيرين من سنة 0102، وجّهت‬ ‫ضربة موجعة للخطاب السياسي الرسمي القائم على جُمل دعائية‬ ‫ُ‬ ‫مفادها : «نجحنا ..ورضي المواطنون.. وشهد لنا العالم ..وسنواصل».‬ ‫كما شكلت تلك التحركات بتلقائيتها وخلفياتها االجتماعية وما القته من‬ ‫تجاوب في بقية جهات البالد وما حظيت به من دعم سياسي وتغطية‬ ‫إعالمية واسعة، فرصة استثنائية للوقوف على قضايا وطنية في غاية‬ ‫األهمية». وأضفت أن «تحركات الغضب االجتماعي بوالية سيدي‬ ‫بوزيد خاصة، وما سبقها من أحداث بالحوض المنجمي وبجهات‬ ‫ّ‬ ‫أخرى تؤشر على أن االنجازات دون المطلوب، وأن ثمار التنمية‬ ‫تحتاج إلى عدل أكبر في التوزيع، وأن الرضا عن النفس مضرّ، وأن‬ ‫صبر المواطنين محدود، وأن استحسان األجانب ال يصمد أمام مظاهر‬ ‫الغضب الشعبي. وأن مراجعات جوهرية باتت متأكدة لمنوال التنمية‬ ‫في الثقافة التي يستند إليها وفي األهداف التي يضعها وفي قاعدته‬ ‫االقتصادية بالداخل والخارج وفي الخيارات التي ينتهجها والسياسات‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫التي يعتمدها». وشددت على أن «المعارضة بجميع أطيافها، بأحزابها‬ ‫وجمعياتها، وبنشطائها السياسيين والحقوقيين، لم تُوفّ‬ ‫ق في الصياغة‬ ‫المناسبة للتّالزم بين الحقوق المدنيّة والسياسيّة والحقوق االقتصاديّة‬ ‫واالجتماعيّة، وبين مطالب الحرّيات الفرديّة والعامة ومطالب تحسين‬ ‫ّ‬ ‫ظروف عيش المواطنين. ولذلك تُربك االحتجاجات االجتماعية في كل‬ ‫ُ‬ ‫مرة المعارضة في خطابها وأجندتها.» ولست أبالغ حين أقول اليوم‬ ‫أننا بعد ثالث سنوات من ثورة 71 ديسمبر لم نستخلص الدرس في‬ ‫ّ‬ ‫الممارسة سلطة ومعارضة، ولم نوف حقوق الشهداء رحمهم هللا تعالى‬ ‫والجرحى والمستضعفين الذين فجروا تلك الثورة العظيمة، وما زال‬ ‫الوضع تقريبا على حاله.‬ ‫هرب المخلوع وبعض أفراد عائلته مساء يوم 41 جانفي 1102،‬ ‫وانزاح عن تونس كابوس االستبداد والفساد. تحرّر التونسيون ودخلوا‬ ‫في أجواء ما تواضعوا على تسميته بالثورة، التي دخلوا في حركيتها بعد‬ ‫41 جانفي بأعداد أكبر بكثير مما حصل قبل ذلك. تسارعت األحداث‬ ‫وسط مخاوف أمنية جمة وتضامن شعبي الفت في حماية األحياء‬ ‫ّ‬ ‫والممتلكات العامة والخاصة وفي ظل غموض في تفسير ما يحدث.‬ ‫غادر نزالء السجون من السياسيين وأصحاب الرأي خاصّة مواقعهم‬ ‫وعاد المهجّرون قسريّا تباعا. نشطت األحزاب والجمعيات بعد إعالن‬ ‫العفو التشريعي العام وإطالق حرية التنظّم القانوني. تغيّرت مالمح‬ ‫اإلعالم الخشبي وارتفع منسوب حرية التعبير إلى درجات قياسية.‬ ‫قادت بعض التحركات التلقائية في اإلدارة والمؤسسات والمدن والقرى‬ ‫إلى إجبار مسؤولين في العهد البائد على التنحّي تحت شعار «ديقاج»‬ ‫واستبدالهم بآخرين، وشملت العملية حتى بعض أئمة المساجد. كثر‬ ‫الجدال واللغط في أغلب األحوال حول الماضي والحاضر والمستقبل‬ ‫وتوّجت المرحلة االنتقالية األولى التي اعتمدت على «التوافق»‬ ‫بانتخابات المجلس الوطني التأسيسي يوم 32 أكتوبر 1102 التى أشاد‬ ‫الجميع في الداخل والخارج بنزاهتها واعتبارها أول انتخابات حرّة‬ ‫«أننا بعد ثالث سنوات من ثورة 71 ديسمرب مل نستخلص الدرس يف املمارسة سلطة ومعارضة،‬ ‫ّ‬ ‫ومل نوف حقوق الشهداء رمحهم اهلل تعاىل واجلرحى واملستضعفني الذين فجروا تلك الثورة‬ ‫العظيمة، وما زال الوضع تقريبا على حاله . »‬ ‫4‬
  5. 5. ‫ُ‬ ‫بعد ثالث سنوات من الثورة..حقيق بنا أن نفصح..‬ ‫وتعددية وشفافة في تاريخ تونس.‬ ‫انتصب مجلس تأسيسي منتخب من المعارضين السابقين في‬ ‫أغلبيته الساحقة، وإن بدا كثير منهم من غير المعروفين، واختار‬ ‫أعضاء المجلس المعارض البارز مصطفى بن جعفر رئيسا له. تم تسليم‬ ‫ّ‬ ‫السلطة للفائزين في االنتخابات وسط أجواء الفتة وصفت بالمتحضّرة‬ ‫ُ‬ ‫والديمقراطيّة. دخل المنصف المرزوقي، المعارض الشرس لبن علي،‬ ‫قصر قرطاج رئيسا لتونس. ودخل حمادي الجبالي السجين السياسي‬ ‫من حركة النهضة المحظورة سابقا، قصر القصبة، رئيسا لحكومة كان‬ ‫كثير من أعضائها من المساجين السياسيين والمهجّرين والمعارضين‬ ‫البارزين. وكانت كل هذه التحوّالت التي حاولنا اختزالها في العناوين‬ ‫الكبرى أدلّة قاطعة على أن تغييرات كبرى قد حصلت في الحكم وفي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫المجتمع، يحق وصفها بالثورة دون تردد. ثورة شدت أنظار العالم‬ ‫وشاع خبرها، وسرعان ما انتقل فتيلها إلى ربوع عربيّة أخرى في‬ ‫مصر وليبيا واليمن والبحرين وسوريا، وكان انتصار الثورة في مصر‬ ‫وليبيا خاصة خير سند للثّورة التونسيّة.‬ ‫2 ـ ثورة مخصوصة‬ ‫خالل ثالث سنوات بعد الثورة تعاقبت علينا أربع حكومات‬ ‫ّ‬ ‫والخامسة في الطريق، لكن إلى حد اآلن ال توجد رواية رسميّة لما‬ ‫حدث في يوميّات الثورة وخاصة يوم 41 جانفي وما تاله. كما ال‬ ‫توجد روايات غير رسميّة موثوق بها ومتفق عليها. مازال التونسيون‬ ‫يتطلّعون إلى الحقيقة. من قتل الشهداء وأصاب الجرحى؟ ما حقيقة‬ ‫القنّاصة؟ ما الذي دفع بن علي إلى الهروب المفاجئ؟ ما تفاصيل‬ ‫ما جرى بقرطاج في الساعات األخيرة قبل الهروب وما تالها من‬ ‫قرارات؟ من كان يدير دفّة األمور ويقف وراء القرارات الحاسمة؟‬ ‫ما حجم التدخل الخارجي في األحداث والقرارات؟ من هي الجهات‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫المتدخلـــة؟ هل فر بن على أم أجبـــر علـــى المغــــادرة؟ ماذا حصل‬ ‫في صفوف قوات األمن والجيش؟ ما حقيقة محاوالت االنقالب‬ ‫ّ‬ ‫الفاشلــة أو المتضادة؟ ما جوهر الصّراع داخل النخبة الحاكمة وما هي‬ ‫ّ‬ ‫أطرافه؟ ما سر االعتقاالت في صفوف القيادات األمنية والسياسية؟‬ ‫هل حصلت صفقات سياسيّة من وراء ظهور عموم التونسيين؟...أسئلة‬ ‫عديدة لم تحسم أجوبتها ومعطيات كثيرة لم يتم الكشف عنها رغم‬ ‫أعمال اللجان العديدة التي تشكلت في الغرض ورغم مرور وقت ليس‬ ‫بالقليل. وهذا ما يزيد في صعوبة فهم ما حدث وفي تعقيدات الجدال‬ ‫النظري حول الثورة التونسية.‬ ‫رضي عموم التونسيين أن يتم التحول «الثوري» في إطار‬ ‫ّ‬ ‫«دستور» 9591 المنقّح مرارا على القياس، والذي طالما انتقدته‬ ‫المعارضة واعتبرته غطاء لالستبداد. وتم تنصيب رئيس «برلمان‬ ‫بن علي» السيد فؤاد المبزع رئيسا مؤقتا للجمهورية بعد الثورة.‬ ‫ودخلت وجوه بارزة من المعارضة في حكومة مع وزراء سابقين‬ ‫برئاسة السيد محمد الغنوشي الوزير األول في «حكومة بن علي»‬ ‫وبدا األمر أقرب إلى استمرار «حكم التجمع الدستوري» دون بن علي‬ ‫وعائلته. استمر غضب الشباب واحتجاجاتهم وتصاعد وهج الثورة في‬ ‫اعتصام القصبة1 واعتصام القصبة2 وتشكلت معارضة لهذا المسار‬ ‫في إطار «المجلس الوطني لحماية الثورة» الذي ضم أهم األحزاب‬ ‫ّ‬ ‫برعاية االتحاد العام التونسي للشغل والهيئة الوطنية للمحامين‬ ‫والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق اإلنسان، فكانت من نتائج تصاعد‬ ‫االحتجاجات والضغوط، استقالة حكومة السيد محمد الغنوشي وإعالن‬ ‫ّ‬ ‫الرئيس المؤقت إلغاء العمل بالدستور وحل الهيئات الدستوريّة القائمة‬ ‫وتحديد موعد النتخاب مجلس وطني تأسيسي. تشكّ‬ ‫لت في ظروف‬ ‫اعتراها كثير من الغموض حكومة جديدة برئاسة السيد الباجي قائد‬ ‫السبسي، الوزير األسبق في حكم الرئيس بورقيبة ورئيس برلمان‬ ‫أسبق في أوائل حكم بن علي، لتأمين االنتخابات واستكمال المرحلة‬ ‫االنتقالية التوافقية، وتواطأت مختلف األطراف السياسية واالجتماعية‬ ‫والمدنية في القبول بحكومة سي الباجي. وتم بعث «الهيئة العليا لتحقيق‬ ‫ّ‬ ‫أهداف الثورة واإلصالح السياسي واالنتقال الديمقراطي» برئاسة‬ ‫ّ‬ ‫السيد عياض ابن عاشور لتحل عمليّا مكان المجلس الوطني وتعمل‬ ‫ّ‬ ‫في إطار رسمي بالتعاون مع الحكومة، وبسقف أقل بكثير مما طرحه‬ ‫«المجلس الوطني لحماية الثورة» في التنقيحات التي اقترح إجراءها‬ ‫على المرسوم الرئاسي المحدث للهيئة العليا.‬ ‫هكذا بدت المرحلة االنتقالية األولى مزيجا من الخطابات والمطالب‬ ‫ّ‬ ‫والقرارات الثورية ومن القرارات واإلجراءات والممارسات المضادة‬ ‫للثورة. إذ تم من ناحية إقرار العفو التشريعي العام واعتقال بعض‬ ‫ّ‬ ‫رموز النظام السابق وحل التجمع الدستوري وإدخال تغييرات في‬ ‫وزارة الداخلية ومصادرة بعض األمالك المرتبطة بالرئيس السابق‬ ‫وعائلته وبشبكات الفساد المالي والتوجه إلى انتخاب مجلس وطني‬ ‫تأسيسي وتشكيل هيئة عليا مستقلة لالنتخابات...وتم من ناحية ثانية‬ ‫ّ‬ ‫وبالتّـــوازي، تالعب بجــزء مــن األرشيــف وتنقّــل مشبـــوه لألموال‬ ‫واستعادة بعض الوجوه والدوائر المرتبطة بالمنظومة القديمة لمواقع‬ ‫« خالل ثالث سنوات بعد الثورة تعاقبت علينا أربع حكومات واخلامسة يف الطريق، لكن إىل حد‬ ‫ّ‬ ‫اآلن ال توجد رواية رمسية ملا حدث يف يوميات الثورة وخاصة يوم 41 جانفي وما تاله. كما ال توجد‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫روايات غري رمسية موثوق بها ومتفق عليها. »‬ ‫ّ‬ ‫5‬
  6. 6. ‫ُ‬ ‫بعد ثالث سنوات من الثورة..حقيق بنا أن نفصح..‬ ‫النفوذ في اإلدارة واإلعالم واألمن والقضاء وتشكيل مجموعات من‬ ‫التجمع المنحل، الذي لم يتم تفكيكه، ألحزاب بعناوين جديدة، وغياب‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫أية رؤية أو توجّه جدي للمحاسبة والمصارحة والمصالحة وإلصالح‬ ‫المؤسسات والقطاعات وخاصة الداخلية والقضاء واإلعالم...‬ ‫تم التركيز قصدا، من بعض الجهات التي انتسبت إلى الثورة‬ ‫ّ‬ ‫مخاتلة، على أن الثورة التونسية تلقائية وسلمية، ال قيادة لها وال‬ ‫ُ‬ ‫دور لألحزاب السياسية فيها، وأنّ‬ ‫مطالبها اجتماعية وتنموية وليست‬ ‫سياسية، وذلك بغاية إفراغ الثورة من محتواها والمساواة بين المتسببين‬ ‫فيها بفسادهم وظلمهم من المنظومة القديمة والخاسرين لمواقعهم‬ ‫ومصالحهم بسببها، وبين المشاركين فيها من المكتوين بنار االستبداد‬ ‫ُ‬ ‫والفساد، من مختلف األجيال واالتجاهات الفكرية والسياسية، الذين‬ ‫راكموا أسبابها بنضاالتهم وتضحياتهم، والمستفيدين من هذه الثورة‬ ‫المباركة التي توّجت مسارا ولم تحصل فجأة كما يتم الترويج لذلك،‬ ‫بصرف النظر عن تعقيدات اليوميّات الحاسمة في الثورة والمتدخلين‬ ‫فيها والفاعلين في نتائجها.‬ ‫لهذه األسباب جميعا، ولتفاصيل أخرى يطول شرحها، يمكن‬ ‫القول أن ثورة الحرية والكرامة التونسية، ثورة حقيقية ال مصلحة‬ ‫في التشكيك فيها، للمنحازين إليها والمستفيدين من حصولها، لكنها‬ ‫ّ‬ ‫تبقى ثورة مخصوصة على غير مثال سابق، يتحدد مصيرها ومدى‬ ‫نجاحها في تحقيق أهدافها بمدى قدرة المدافعين عنها في مواجهة القوى‬ ‫المضادة للثورة وإحباط مخططاتهم إلفشال مسارها واالنقضاض على‬ ‫مكتسباتها. وأحسب أن االنتصار الحقيقي للثورة لن يكون بالمزايدة‬ ‫في االنتساب إليها والوصاية عليها بخطابات «ثورجية» تنفّر وال‬ ‫ّ‬ ‫تبشر، وتهدم وال تبني، وتفرّق وال تجمع، بل بخطاب إصالحي أصيل‬ ‫ّ‬ ‫وبدائل عملية تكشف قدرة على االقتراح، وتوازي بين الهدم والبناء‬ ‫وتقطع مع منظومة الفساد واالستبداد، دون أن تفرّط في المكاسب‬ ‫وتضم جهود المتأخرين لمن سبقهم في الخير واإلصالح.‬ ‫3 ـ مسار تأسيسي خاطئ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫تمر تونس بعد ثالث سنوات من الثورة بأزمة سياسيّة حادة، يحتدم‬ ‫فيها الصراع العاري حول الحكم ويضرب فيها اإلرهاب بقوة وتدخل‬ ‫أجهزة الدولة سرعة قصوى في مواجهته، وتتعاظم مخاطر االنهيار‬ ‫االقتصادي واالنفجار االجتماعي والفوضـــى وتتزايــــد التدخــــالت‬ ‫الخارجية في الشأن الداخلي ويُلقي الزلزال السياسي المصري بظالله‬ ‫على الساحة الوطنية. وتبدو األزمة الحالية وثيقة الصّلة بمسار ما بعد‬ ‫االنتخابات.‬ ‫لم يكن الخطأ في اختيار انتخاب مجلس وطني تأسيسي كما يرى‬ ‫البعض، فهذا االختيار يبدو أقرب إلى جوهر الثورة في النزوع إلى‬ ‫القطع مع منظومة الفساد واالستبداد، بل كان الخطأ في ضعف تمثّل‬ ‫مقتضيات التأسيس والتعاطي غير المناسب مع تلك المقتضيــــــــات.‬ ‫إذ تعكس األزمة الحالية في العمق، مأزق مسار تأسيسي خاطئ نبّهنا‬ ‫ّ‬ ‫إليه مبكرا حين قلنا بعد انتخابات 32 أكتوبر 1102 أن «استقطاب‬ ‫المشهد السياسي بين حكومة ومعارضة نراه غير صحّي في سياق‬ ‫ّ‬ ‫تأسيسي، يقتضي شراكة ال تطمس التعددية وحق االختالف.‬ ‫فاألطرف الحاكمة مهما كانت شرعيّتها، ال يمكن أن تستأثر بالمرحلة‬ ‫لوحدها. والشرعية االنتخابية غير كافية لممارسة السلطة. إذ ال يمكن‬ ‫الحكم بمنطق األغلبية في غياب دستور وعقد اجتماعي وسياسي‬ ‫واتفاق بين جميع األطراف على قواعد إدارة الحكم. كما أن األطراف‬ ‫ّ‬ ‫السياسية التي اختارت المعارضة مبكرا وصنعت حاجزا بينها وبين‬ ‫الحكومة، تتحمل المسؤولية في المشهد االستقطابي السلبي ومخاطره.‬ ‫فمن كان شريكا في الثورة، عليه أن يدافع عن حظوظه في المشاركة‬ ‫السياسية ويواصل إسهامه في إنجاح المرحلة وتحقيق أهداف الثورة.‬ ‫فالديمقراطية تكليف ومراقبة وليس تفويضا مطلقا ألي طرف.‬ ‫والتوازن ضروري للمجتمع في كل األحوال».(2)‬ ‫كانت فكرة الحكم من خالل ائتالف حزبي ثالثي اختيارا صائبا‬ ‫مقارنة بالتجربة المصرية على سبيل المثال، مع أن ذلك الثالثي لم‬ ‫يمنح الحكم الجديد السند السياسي الكافي لمواجهة تحديات كبرى بعد‬ ‫الثورة وإرث ثقيل لم يحسن الثالثي الحاكم تقديره. فالشرعية االنتخابية‬ ‫التي بالغت «الترويكا» في التذكير بها، لم تمنحها القوة السياسية‬ ‫المطلوبة للحكم وفرض التقيّد بالقانون. مما شجّع على االنفالت األمني‬ ‫واستفحال الجريمة بأنواعها وتهديد الممتلكات الخاصة والعامة وتهديد‬ ‫الحريات والعجز عن التحكم في االرتفاع المشط لألسعار واستمرار‬ ‫االحتجاجات االجتماعية وعدم نشاط االستثمار الداخلي والخارجي‬ ‫بالنسق المطلوب. ولذلك نادينا بعد مواجهات أحداث 90 افريل‬ ‫2102، أي أشهر قليلة بعد حكم «الترويكا»، إلى «مبادرة سياسية‬ ‫لخفض التشنج وبناء الشرعية»(3). وعملنا في هذا االتجاه ولم نجد‬ ‫التجاوب الكافي.‬ ‫أساءت «الترويكا» استخدام التفويض الشعبي، فبدت تشتغل‬ ‫ّ‬ ‫كوريث للحكم المنهار في حين تشدد في خطابها على التأسيس والقطع‬ ‫« تبقى الثورة التونسية ثورة خمصوصة على غري مثال سابق، يتحدد مصريها ومدى جناحها‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫يف حتقيق أهدافها مبدى قدرة املدافعني عنها يف مواجهة القوى املضادة للثورة وإحباط‬ ‫خمططاتهم إلفشال مسارها واالنقضاض على مكتسباتها»‬ ‫6‬
  7. 7. ‫ُ‬ ‫بعد ثالث سنوات من الثورة..حقيق بنا أن نفصح..‬ ‫مع الماضي. ودفعتها نشوة االنتصار في االنتخابات في المرحلة‬ ‫األولى من الحكم خاصة إلى إظهار استعالء ونزعة في الهيمنة زادتا‬ ‫في توتير الوضع السياسي. ولذلك اعتبرنا دائما أن تعبير «الصفر‬ ‫فاصل» في وصف المعارضة تعبير خاطئ ومضلّل وسلبي.‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫تعددت أخطاء الثالثي الحاكم بقيادة حركة النهضة، الذي لم يف‬ ‫بوعوده المعلنة في برامجه وحملته االنتخابية، وكشف عن سذاجة‬ ‫سياسية أو سوء تقدير، حين علّق آماال عريضة على انتصار الثورة‬ ‫الليبية وعلى وعود األشقاء واألصدقاء بالدعم المطلوب. وتآكلت‬ ‫مصداقيته مع مرور األشهر وتجديد وعوده بالنتائج المرجوّة في‬ ‫قادم األيام. عجزت الحكومة على تنفيذ مشاريعها المعلنة في الجهات‬ ‫المحتقنة خاصة. تفاقم التهريب بأنواعه واستشرى االحتكار والفساد‬ ‫وارتفعت األسعار وكثر التذمر الشعبي من صعوبات العيش وتراجع‬ ‫ّ‬ ‫الخدمات. تعطّل اإلنتاج في قطاعات حيوية وخاصة في الفسفاط‬ ‫وتضررت ميزانية الدولة، فازدادت المصاعب المالية وارتفعت‬ ‫المديونية وشحّت القروض. تأزمت العالقة بالنقابات وخاصة‬ ‫باالتحاد العام التونسي للشغل في مناسبات عديدة، وتنامى العنف‬ ‫اللفظي والمادي حتى بلغنا االغتيال السياسي. وتصاعدت المخاوف‬ ‫األمنية بعد االكتشافات المتكررة لمخابئ لألسلحة في مناطق مختلفة‬ ‫من البالد وتم استهداف عناصر من الجيش واألمن الوطنيين على‬ ‫يد إرهابيين. تراكمت التجاوزات في مجال انتهاك حقوق اإلنسان،‬ ‫فكان القمع البوليسي على طريقة النظام السابق في أكثر من مناسبة‬ ‫وتأزمت العالقة بالمعارضة الديمقراطية داخل المجلس التأسيسي‬ ‫خاصة، وكانت المواجهة مع المتشددين الدينيين على أكثر من صعيد،‬ ‫ودخل عنصر الدم مجددا على الخط بعد الثورة. وتواترت أخبار عن‬ ‫عودة التعذيب واستشهد مضربون عن الطعام بالسجون. كما تكرّرت‬ ‫اإلخفاقات في السياسة الخارجية ولم تظهر مؤشرات ايجابية نوعية في‬ ‫العالقة بالجيران. (4)‬ ‫تأخر مسار العدالة االنتقالية، الذي تتحمل فيه «الترويكا»‬ ‫المسؤولية الرئيسية، وتنامت أزمة الثقة بين الماسكين الجدد بالسلطة‬ ‫وبين خصومهم، من أصدقائهم في المعارضة باألمس أو من المستفيدين‬ ‫من الحكم السابق. يتبادل الفريقان تهم احتكار السلطة وعقلية الغنيمة‬ ‫ونزعة الهيمنة غير المشروعة على الدولة من جهة، أو عدم التسليم‬ ‫بنتائج االنتخابات الحرّة والتآمر على السلطة الشرعية وعرقلة عملها‬ ‫ومحاولة االنقالب عليها، من جهة أخرى.‬ ‫لعبت المعارضة أدوارا سلبية في عرقلة المسار التأسيسي وإرباك‬ ‫الحكم الجديد واتخذت بعض أطرافها منحى انقالبيا أصال، ولم تتحمل‬ ‫أطراف أخرى منها مسؤولياتها بالقدر الكافي في البناء، باعتبارها‬ ‫شريكة في السلطة اعتمادا على تمثيليتها في المجلس الوطني التأسيسي‬ ‫بصفته السلطة األصلية. لكن المعارضة في المحصّلة استطاعت أن‬ ‫تخلق حالة من التوازن في المشهد السياسي، الذي يبدو ضروريا‬ ‫للديمقراطية، وكان مفقودا في نتائج االنتخابات. كما نجحت المعارضة‬ ‫ّ‬ ‫في االستفادة من انحياز اإلعالم عموما ضد الحكم لتفرض عليه حالة‬ ‫من الضغط والمراقبة االيجابية، وتجبره على المراجعة والتعديل في‬ ‫مرّات عديدة وفي مواضيع مختلفة.‬ ‫وإضافة إلى ما سبق، زادت األخطاء المنهجية في تمشي المجلس‬ ‫الوطني التأسيسي الطين بلّة، وخاصة عدم تقيده بفترة زمنية، وضعف‬ ‫ّ‬ ‫أداء رئيسه وأعضائه، وحدة المناكفات السياسية داخله، وحصر مهمة‬ ‫التأسيس تقريبا في الدستور الجديد، الذي حاول البعض حصر مهمة‬ ‫ّ‬ ‫المجلس فيه، والحال أن التأسيس كان يقتضي في الحد األدنى وفي‬ ‫المقام األول تقييما عميقا لخيارات الحكم السابق وأخطائه الكبرى‬ ‫والتوافق على مالمح مشروع وطني جديد يوجه السياسة الداخلية‬ ‫والخارجية في مختلف المجاالت. كما يقتضي تسريع آلية وطنية متفق‬ ‫عليه للمحاسبة والمصارحة والمصالحة الوطنية.‬ ‫4 ـ مخاطر تتهدد المسار الثوري واالنتقال الديمقراطي‬ ‫نجح هذا الجيل في الثورة على رموز االستبداد وأبعدهم من‬ ‫رأس الدولة، وحقق ما عجزت عنه أجيال سابقة، وكسّر قاعدة‬ ‫ّ‬ ‫االستثناء العربي، لكنه فشل على ما يبدو إلى حد اآلن في إسقاط‬ ‫النظام القديم وبناء ديمقراطية فعلية. وقد كشف التجربة المصرية‬ ‫ّ‬ ‫أن عوامل خارجية، إضافة إلى األسباب الداخلية المعلومة، ساهمت‬ ‫في إجهاض الحلم العربي في الديمقراطية، باعتبارها شرط التنمية‬ ‫الشاملة والنهضة الحضارية، وأن عناصر قديمة مؤثرة في الوضع‬ ‫العربي، ما زالت تفعل فعلها بقوة. وليس الدور الخليجي المؤامراتي‬ ‫الذي تأكد في ما حصل من انتكاسة بمصر، والتواطؤ الدولي المريب،‬ ‫الذي تلكأ في إدانة االنقالب وما تاله من مجازر في حق المصريين‬ ‫ّ‬ ‫العزل، سوى برهانا على ذلك. لذلك يتعيّن على الثوريين المخلصين‬ ‫أن ينجحوا في كشف المخاطر والمؤامرات الداخلية والخارجية، وأن‬ ‫يعملوا بواقعية على تفكيك منظومة الفساد واالستبداد وحماية القرار‬ ‫الوطني المستقل وااللتحام بالجماهير التي تظل يقظتها ومشاركتها في‬ ‫« جنح هذا اجليل يف الثورة على رموز االستبداد وأبعدهم من رأس الدولة، وحقق ما عجزت عنه‬ ‫أجيال سابقة، وكسر قاعدة االستثناء العربي، لكنه فشل على ما يبدو إىل حد اآلن يف إسقاط‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫النظام القديم وبناء دميقراطية فعلية. »‬ ‫7‬
  8. 8. ‫ُ‬ ‫بعد ثالث سنوات من الثورة..حقيق بنا أن نفصح..‬ ‫ّ‬ ‫رفع التحديات أكبر تحصين للثورة ضد أعدائها. وأن يعمقوا النظر‬ ‫ّ‬ ‫أكثر في تعقيدات التغيير ومتطلباته، في ضوء المشهد العربي عموما‬ ‫والتونسي خصوصا، لنستفيد من تجارب الماضي ونعي حقائق األمور‬ ‫بعيدا عن العنتريات واألحالم الوردية والشعارات وتبسيط القضايا إلى‬ ‫حد اإلسفاف. (5)‬ ‫لن نكسب شيئا من تبادل التهم وتحميل المسؤولية لجهة واحدة‬ ‫في تعثّر مسار الديمقراطية وتحقيق أهداف الثورة. فالمسؤولية تظل‬ ‫جماعية وإن اختلفت الدرجات والمقادير. للحاكمين الجدد مسؤولية‬ ‫وللمعارضة ولمن هم خارج هذا التصنيف من سياسيين ونشطاء في‬ ‫ّ‬ ‫المجتمع المدني، وللقوى المضادة للثورة في الداخل والخارج تأثيرها.‬ ‫ولعامة قوى الشعب مسؤولية أيضا. أخطأنا في الحكم وفي المعارضة‬ ‫كما أسلفنا، ولكن لم نحسن عموما ترتيب األوليات ولم نظهر ما يكفي‬ ‫من التضحية والصبر والتضامن في ظروف انتقالية صعبة. تحرّكت‬ ‫المصالح الشخصية والفئوية والنعرات الجهوية والقبليّة. تراجع اإلقبال‬ ‫عن العمل وأداء الواجب. بلغ عدد اإلضرابات واالعتصامات رقما‬ ‫قياسيا. استجابت الحكومات المتعاقبة لبعض المطالب تحت الضغط‬ ‫فأثقلت كاهل الدولة. لم يستأنف االقتصاد دورته العادية وصارت‬ ‫ّ‬ ‫المؤشرات السلبية للنمو وحدة األزمة السياسية وغموض المسار‬ ‫عوامل مضاعفة لألزمة المالية ولمخاطر االنهيار االقتصادي. تراجع‬ ‫منسوب الرغبة في المشاركة في الحياة العامة واالنخراط في األحزاب‬ ‫والجمعيات وبتنا نسجل عزوفا متناميا لدى األغلبية من الشباب خاصة،‬ ‫بما يؤشر على استمرار أزمة التنمية السياسية وضعف ثقافة المواطنة‬ ‫والديمقراطية.‬ ‫لقد جربنا التغيير بالبداية من األعلى واستهداف رأس السلطة‬ ‫والتعويل على قوة الدولة أكثر من االهتمام بتطوير المجتمع، وكانت‬ ‫ّ‬ ‫النتائج مخيبة لآلمال على مدى عقود، فهل نعي الدرس ونعدل‬ ‫البوصلة ونجرّب مداخل ثبت نجاحها ولو في ربوع أخرى؟ هل حان‬ ‫الوقت لمراجعة عميقة لمناهج التغيير التي دأبنا عليها وروّجنا لها‬ ‫طويال، وللفكر السياسي الذي قادنا في السابق؟ وهل نوفّق في بناء‬ ‫الثقة ووضع معجم خاص باالنتقال بين الفاعلين السياسيين، وتطوير‬ ‫ُ‬ ‫الوفاقات عبر حوار وطني حقيقي، ووضع اآلليات الضامنة للتطبيق‬ ‫والحامية للمكتسبات. فنتوخي المرحلية في تغيير الواقع نوعيا، دون‬ ‫هزات ال يتطلبها وضعنا وال يتحملها. ونستحضر المشترك ونبني‬ ‫ّ‬ ‫عليه ونستبعد التنافي واإلقصاء واإلكراه ونحل التنافس السياسي‬ ‫بدل العداوة. ونعتمد اإلصالح الذي ينطلق من مرتكزات إيجابية في‬ ‫الواقع لمعالجة السلبيات، ويستبعد النقض واستئصال الخصم والبدائل‬ ‫الشمولية. ونتوخى التدرج والمرحلية والواقعية ونبحث في الممكن‬ ‫ونتفهّم تعقيدات الواقع وصعوباته، وال نقع تحت إغراءات الفرضيات‬ ‫الذهنية القصوى. ونعمل بجاذبية الديمقراطية ونتحرك بروح التجديد‬ ‫والتطوير ومراكمة االيجابيات واالستفادة من األخطاء والمراهنة‬ ‫ُ‬ ‫على المستقبل بتمكين الشباب وإعطائه األولوية في االهتمام والتكوين‬ ‫وتحمل المسؤولية في القيادة واتخاذ القرارات.(6)‬ ‫نتمنى أن تكون الذكرى الثالثة للثورة فرصة حقيقية للمراجعة‬ ‫وتصحيح المسار، وإذ نسجل بارتياح التقدم الحاصل في الحوار‬ ‫الوطني ونأمل أن تهيئ الوفاقات على مختلف المسارات إلنهاء ما تبقى‬ ‫من المرحلة االنتقالية في إطار من الوفاق الوطني المفضي إلى تنظيم‬ ‫انتخابات عاجلة في مناخ سياسي وأمني واجتماعي مناسب وبضمانات‬ ‫تجعل مختلف المتنافسين فيها يقبلون بنتائجها، فإننا ننبّه إلى أن البحث‬ ‫عن التوافق واالحتكام إلى شخصيات «مستقلة» ال يجب أن يكون على‬ ‫حساب التنافس الديمقراطي والصراع حول تحقيق أهداف الثورة، وال‬ ‫يؤدي إلى إضعاف األحزاب التي تضل قوام الحياة السياسية مهما‬ ‫بلغت أخطاء السياسيين.‬ ‫الهوامش‬ ‫(1) مقال منشور بجريدة «مواطنون» العدد041، تونس، جانفي‬ ‫1102 وبالتوازي في جريدة «القدس العربي».‬ ‫(2) راجع على سبيل المثال مقالنا بعنوان «على هامش التجاذبات‬ ‫حول أحداث 9 أفريل 2102: مبادرة سياسية لخفض التشنّج وبناء‬ ‫الشرعية» منشور بجريدة المغرب (اليومية التونسية) بتاريخ 31 أفريل‬ ‫2102. وكذلك مقالنا بعنوان «32 أكتوبر: شرعية ضرورية لكن‬ ‫ليست فوق النقد» منشور بالعدد 41 من مجلة «اإلصالح» االلكترونية‬ ‫بتاريخ 50 أكتوبر 2102. ومقالنا «بين حكم خائف ومعارضة يائسة:‬ ‫متى يأذن صبح العرب بالبلج؟» منشور بالعدد 92 من نفس المجلة‬ ‫بتاريخ 30 ماي 3102. (‪.)www.alislahmag.com‬‬ ‫(3) مقال منشور بجريدة المغرب بتاريخ 31 أفريل 2102.‬ ‫وبالتوازي في جريدة الضمير(اليومية التونسية).‬ ‫(4) مقال منشـــور بجريــــدة «الغـــرب»، عــدد 915، ص71،‬ ‫بتاريخ 8ماي 3102.‬ ‫(5) راجع مقالنا بعنوان « يوميّات الزلزال السياسي بمصر:‬ ‫ّ‬ ‫وال بد للثورة أن تنتصر» منشور بالعدد 43 من مجلة «اإلصالح»‬ ‫االلكترونية بتاريخ 21 جويلية 3102 ومنشور بالتوازي في جريدة‬ ‫الضمير.‬ ‫(6) راجع مقالنا بعنوان «بين حكم خائـف ومعارضة يائسة: متى‬ ‫يأذن صبح العرب بالبلج؟» منشور بالعدد 92 من مجلة «اإلصالح»‬ ‫االلكترونية بتاريخ 30 ماي 3102.‬ ‫-------‬ ‫* األمين العام لحزب اإلصالح والتنمية‬ ‫‪goumani.med@gmail.com‬‬ ‫« لقد جربنا التغيري بالبداية من األعلى واستهداف رأس السلطة والتعويل على قوة الدولة أكثر من‬ ‫االهتمام بتطوير اجملتمع، وكانت النتائج خميبة لآلمال على مدى عقود، فهل نعي الدرس ونعدل‬ ‫ّ‬ ‫البوصلة وجنرب مداخل ثبت جناحها ولو يف ربوع أخرى؟»‬ ‫ّ‬ ‫8‬
  9. 9. ‫مجرد رأي‬ ‫ّ‬ ‫الدستور التونسي والمنزلة بين المنزلتين‬ ‫بقلم : عادل السمعلي*‬ ‫لقد أثارت زيــادة فقرة في البند السادس للدستور التونسي الجديد‬ ‫يتم بموجبها تحجير التكفير ردود أفعال غاضبة و عنيفة ومثيرة للجدل‬ ‫من طرف أغلب مساندي احزاب الترويكا الحاكمة في حين استقبلت‬ ‫العائلة اليسارية والحداثية هذه الزيادة باالنشراح والترحاب واعتبرتها‬ ‫مكسبا من المكاسب التي يحق لهم االفتخار بها والتي حسب رأيهـــم‬ ‫من شأنها أن تحد من العنف السياسي وظواهر التكفير التي انتشرت‬ ‫بعد الثورة .‬ ‫إال أن المتأمل في البنود االولى من الدستور بما في ذلك البند‬ ‫السادس مثار الجدل سرعان ما يتفطن إلى أن المعركة بين االسالميين‬ ‫وبين العلمانيين في تونس ما هي إال معركة طواحين الهواء بامتياز‬ ‫فالدستور التونسي في نسخته هذه مؤكد أنه لن يرضي االسالميين‬ ‫ولكنه من الثابت أيضا أنه لن يشفي غليل العلمانيين باعتبار أنه‬ ‫دستور (هجين) يحاول أن يرضي كل األطراف المشاركة في صياغته‬ ‫حتى ولو كان ذلك على حساب منطقه الداخلي وانسجام رؤيته‬ ‫لمشروع مجتمعي تونسي مستقبلي فهو يضم النقيض ونقيضه ويجمع‬ ‫بين الرؤى واألفكار التي ال يمكن أن تجتمع في رؤية واحدة منسجمة‬ ‫ومتناغمة ويعيدنا الى مربع الصراع االسالمي العلماني وكل طرف‬ ‫يؤول مضامينه حسب خلفيته الفكرية و رؤيته االيديولوجية وأنه‬ ‫من المؤكد عند الدخول في تفاصيل هذا الدستور وتطبيقاته العملية‬ ‫ستتداخل التفسيرات والتأويالت وتتباين يمينا ويسارا ....‬ ‫إن شعار التوافق الذي رفع عند كتابة الدستور سينجر عنه دستور‬ ‫ينظر لرؤية مجتمعية مليئة بالتناقض باعتبار أن الرغبة الجامحــة‬ ‫في إرضاء كل العائالت الفكرية واإليديولوجية سيترتب عليها فصول‬ ‫قانونية أقرب منها إلى تبني المنزلة بين المنزلتين فال يمكن وصفه بأنه‬ ‫دستور اسالمي كما ال يمكن أي يوصف بأنه علماني مما يفتح المجال‬ ‫واسعا للتجاذب السياسي المرضي البعيد كل البعد عن استحقاقات ثورة‬ ‫الحرية والكرامة .‬ ‫إن تضمين (تحجير التكفير) وما صحبه من هرج ومرج سياسي‬ ‫وإعالمي يؤكد أن النخب التونسية مازالت تراوح مكانها ولم تتخلص‬ ‫بعد من عقدها االيديولوجية و «فانتازماتها» الفكرية ولم تصل بعد‬ ‫لدرجة الوعي التي تمكنها من فهم وإستيعاب أن الدستور ليس مطلوبا‬ ‫منه أن يكون دستورا إيديولوجيا يحقق انتصارا لهذا الطرف أو‬ ‫ذلك بقدر ما يجب أن يكون عقدا اجتماعيا وثيقا بين كل التونسيين‬ ‫مهما كانت إنتماءاتهم الفكرية والسياسية وأن التجاذب مجاله الخطط‬ ‫والبرامج السياسية واالقتصادية واالجتماعية وليس مجاله الدستور.‬ ‫إن لعبة االستقطاب الثنائي (إسالمي/علماني) كما كانت تسمى في‬ ‫ّ‬ ‫أواخر الثمانينات تطل برأسها من جديد في جلسات التأسيسي وفي‬ ‫مناقشة بنود الدستور ويبدو أن بعض من عايشها وأكتوى بنارها سابقا‬ ‫لم يستفد من عبر التاريخ ويكفي هنا أن أشير أنها نفس اللعبة التي لعبها‬ ‫بن علي ليستفرد بالسّلطة ويقضي على الجميع فتضرّر منها االسالمي‬ ‫أيّما ضرر ولم يستفد منها العلماني بتاتا إالّ ما ندر من االنتهازيين ..‬ ‫إن محاولة إحياء نفس االشكاليات النظريّة التي طرحت في نهاية‬ ‫ّ‬ ‫الثمانينات والدخول في جداالت بيزنطيّة ال تُسمن وال تُغني من جوع‬ ‫هدفها اإلشغال المنهجي وإلهاء الرأي العام بما ال يعول عليه وما ال‬ ‫فائدة تنجر عنه وهو تقريبا نفس الجدل النظري العقيم الذي انشغلت‬ ‫به النخب أواخر الثمانينات قبل أن يهرب الجمل بما حمل ويستفرد بن‬ ‫علي طويال بالسلطة ويبدو أن النخب لم تستفد من التجربة السابقة ولم‬ ‫تعدل بوصلتها مما يعرضها لخطر السقوط مرة أخرى في الفخ الذي‬ ‫نصب لها في أواخر الثمانينات وكلفها عشرين سنة من الديكتاتورية‬ ‫والظلم واالستبداد ...‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫إنني أرى أن هذا المنحى القديم والمتجدد الذي أدى إلى إدراج‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫(تحجير التكفير) في الدستور سيضر ويرجع بالوبال شعبيّا وإنتخابيّا‬ ‫لمن أعتقد أنّه انتصر على خصومه السياسييّن بفرض إدراجه في‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الدستور ألن التكفير بكل بساطة مبحث فقهي وعقائدي، ومجرد إيراد‬ ‫المصطلح في الدستور سيفتح باب البالء على (الكفّار المفترضيـن)‬ ‫و(التكفيريين المفترضين) على حد سواء .... ألن تفسير المصطلح في‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫حد ذاته وتحديد مفهومه سيمر حتما عبر مباحث دينيّة وفقهيّة وتاريخيّة‬ ‫بداية من الفتنة الكبرى إلى يومنا هذا وسيحتاج المشرّع لالستئناس بكل‬ ‫هذه المباحث في هذا الشأن وترجيح معنى يتعارف عليه للمفهوم أمام‬ ‫معاني أخرى... وفي هته الحالة سيمثّل ورطة حقيقية أمام من دفع‬ ‫إلضافة هذه الفقرة في البند السادس من الدستور.‬ ‫ّ‬ ‫إن الدستور الذي يحتاجه ويستحقّه التونسيون هو الدستور الذي‬ ‫يسطّر الطريق نحو تحقيق أهداف الثورة في كنف األمن واالستقرار‬ ‫ّ‬ ‫والنهوض االقتصادي واالجتماعي. وأن أي حديث أو نقاش وطني‬ ‫خارج مطالب المحاسبة وكشف ملفات الفساد وإصالح القضاء‬ ‫واإلعالم واألمن وإقصاء المنظومة القديمة، وإن أي جدال خارج‬ ‫تحقيق العدالة االنتقاليّة وضمان العدالة االجتماعيّة بين الجهات‬ ‫والتّقسيم العادل للثّروات وتكريس سيادة القرار الوطني هو حديث‬ ‫هراء وكالم دون محتوى لمحاولة تجريف استحقاقات الثّورة نحو‬ ‫معارك جانبيّة ال جدوى منها.‬ ‫--------------------‬‫* كاتب تونسي‬ ‫‪Samaaliadel@yahoo.fr‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫«إن الدستور الذي حيتاجه ويستحقه التونسيون هو الدستور الذي يسطر الطريق حنو حتقيق‬ ‫ّ‬ ‫أهداف الثورة يف كنف األمن واالستقرار والنهوض االقتصادي واالجتماعي »‬ ‫9‬
  10. 10. ‫في الصميم‬ ‫األمة في حاجة إلى «رجال مبادئ»‬ ‫وليس إلى حوار «الطرش»‬ ‫بقلم : د.مصباح الشيباني*‬ ‫ّ‬ ‫تمر أمتنــا العربية واإلسالميـــة بمرحلة تاريخية صعبــة، حيث‬ ‫يحاصرها أعداؤها من جميع االتجاهات والمواقع ، وأصبح لصراعها‬ ‫مع األعداء في الداخل والخارج أبعادا جديدة، ومضامين سياسية‬ ‫وأخالقية مضافة إلى مضامين القضايا والمشاكل األصلية من تخلف‬ ‫وتجزئة واستعمار..الخ. فتدنت معه المشاعر اإلنسانية والقيم الوطنية‬ ‫إلى درجة أن تحول معها من كانوا عقالء إلى مخبولين، ومن كانوا‬ ‫أمناء إلى لصوص وتجار في السياسة والدين. فباسم «الحرية» يتم‬ ‫تدمير كيان األمة، وباسم «حقوق اإلنسان» يتم تفكيك الدول وإبادة‬ ‫الشعوب، وباسم «الديمقراطية» يتم االستنجاد بالمحتل. لقد كان‬ ‫السبب المباشر لهذه الثورة هو واقع االستبداد والظَلم الذي هيمن على‬ ‫المشهد المجتمعي العربي. وكان الهدف األول من االحتجاجات هو‬ ‫بناء الديمقراطية واالعتراف بالمواطنة العربية وعودة سيادة الدولة‬ ‫وتحقيق التنمية االقتصادية واالجتماعية..الخ. ومازالت أهدافها الكبرى‬ ‫ّ‬ ‫هي استعادة روح األمة والدفاع عن هويتها العربية واإلسالمية وعن‬ ‫ّ‬ ‫قيمها الثقافية والدينية التي تعرّضت إلى التهديم المنظّ‬ ‫ّ‬ ‫م من قبل أعداء‬ ‫ّ‬ ‫األمة في الداخل والخارج معا.‬ ‫هناك مشاكل وتحديات أخالقية وثقافية وسياسية كبيرة لم نعشها في‬ ‫الماضي. والتحدي الجديد يتعلق أساسا بكيفية إنتاج مجتمعنا العربي‬ ‫نفسه بنفسه، وكيفية تغيير آليات الفعل السياسي في الدولة. فالمشهد‬ ‫السياسي التونسي والعربي عموما، يطرح علينا السّؤال المنهجي‬ ‫التالي: وفق أية معايير يجب أن نشكل تجربتنا السّياسية الجديدة؟ أي‬ ‫هل نحن نعيش مرحلة القطيعة مع ماضي استبدادي مازال قريبا منا أم‬ ‫أننا نعيد إنتاجه ولكن بلبوس ثوري ناعم؟‬ ‫فمن خالل فهمنا للثقافة السّياسية الخاصة بمجتمع ما ومن خالل‬ ‫إرثه المعرفي والقيمي نستطيع أن نعرف كيف تتشكل السّياسات في‬ ‫هذا المجتمع وكيف تنتقل من جيل إلى آخر. وكل أزمة حادة تشمل‬ ‫الحراك السياسي واالجتماعي والثقافي تبدو أوال وقبل كل شيء‬ ‫ّ‬ ‫أزمة حوار بين السّياسيين وأزمة في تأسيس ثقافة االختالف والتعدد‬ ‫والديمقراطية. إن االفتراء على هذه القيم والمبادئ اإلنسانية النبيلة،‬ ‫واستشراء ازدواجية المعايير في التعامل معها من قبل الفاعلين‬ ‫السياسيين (حكومات ومعارضات) في الوطن العربي أدى إلى مزيد‬ ‫تعميق هذه المشاكل واالبتعاد عن حل قضايانا االستراتيجية، وبات‬ ‫ّ‬ ‫األمر سافرا ومبتذال إلى درجة غير معقولة وغير مقبولة وتأكد لنا‬ ‫اليوم أن محنة األمة في محنة بعض نخبها الفكرية وسياسييها أي في‬ ‫ّ‬ ‫غياب «رجال المبادئ».‬ ‫ّ‬ ‫نعتقد أن جميع الفاعلين السّياسييـــن واإلعالمييــن والمثقفيـــن‬ ‫لم يتحملوا بعد مسؤولياتهم في إعادة تشكيل المشهد السياسي‬ ‫ّ‬ ‫التونسي وتخليصه من التشوّهات األخالقية والقيمية السّابقة والتي‬ ‫مازالت تطبع ممارساتهم ومواقفهم وخطاباتهم إلى اليــــوم. فهؤالء‬ ‫الفاعلون يمثلون قنوات الثقافة السياسية في المجتمع. والمناخ‬ ‫ّ‬ ‫السياسي الجديد «المتحرّر» الذي حرّكتــــه الثورة لم يخفف من حدة‬ ‫الصراعات السياسية واأليديولوجية والنزاعات االجتماعيــــة والعنف‬ ‫اإلعالمــــي في مجتمعنـــا التونســـي بـــل عمقهـــا أكثر من جديد‬ ‫في مجتمعنـــا . وهذه الحالـــــة من «الفتنـــة السياسيــــة» ليست إال‬ ‫إحدى تجليات ضعـــف األسس التي قام عليها «مجتمع النخبة» وتأكد‬ ‫ّ‬ ‫أن هذه النخبة هي سبب نكبة مجتمعنا العربي في مختلف الحقـــول‬ ‫ّ‬ ‫السياسية والثقافية واإلعالمية ألنها تفقد الحد األدنى من المبدئيـــة في‬ ‫ّ‬ ‫مقارباتها السياسية التي تدعي أنها تناضل من أجلها. والمجتمـــع الذي‬ ‫يفتقد فيه قادته السياسيــــون القدرة على إعمال العقـــل وتطويـــر‬ ‫طرق التعامــــل في ما بينهم في إطار الوحدة والمشاركة السياسية‬ ‫واالنخراط الفعلي وتحمل المسؤولية في إدارة الشأن العام، سوف يبقى‬ ‫ّ‬ ‫وضعه االجتماعي العام ميزته القصور الذّ‬ ‫اتي وغياب الوعي السّياسي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫والتفكك المؤسّساتــــي للدولـــة وللمجتمـــع وقد يعود في أية لحظة‬ ‫إلى الحالة البربرية .‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫إن التعدد واالختالف بين الناس ليس حقّا قانونيا فقط، بل هو سنّة‬ ‫ُ‬ ‫وثقافة تحتاج إلى دربة حتى تتحول إلى ممارسة يومية في المجتمع.‬ ‫وحتى تصبح نمطا من السّلـــــوك أو نموذجـــا يقتدي به جميع‬ ‫األفـــراد وفي مختلف المواقــــع. وهذه الثقافـــة ال يمكن أن تتأسّـــــس‬ ‫إال في مناخ سياسي وثقافي تعددي في طرق التفكير وفـــي الوعي.‬ ‫ّ‬ ‫أي أن ثقافة االختالف ال تمثل ظاهرة سياسية فقــــط، بل هي أيضا‬ ‫ّ‬ ‫ظاهرة اجتماعيـــة وثقافيـــة ورمزية. أي أن مستـــــوى مشاركــــة‬ ‫المواطنين في الحراك السّياســــي مثال، يتأثر بعــــدد من المتغيرات‬ ‫االجتماعية والثقافية الخاصة بالمجتمع الذي ينتمـــون إليـــه. لذلك،‬ ‫فهي مرتبطة بنسق التنشئة االجتماعية باعتبارها عملية يتدرب عليها‬ ‫الفرد طوال حياته وتمكنه من استبطان القيم واالنخراط في العمل‬ ‫الجماعي لخدمة الشأن العام. وهذه التنشئة تنطلق من المحيط العائلي‬ ‫ّ‬ ‫« نعتقد أن مجيع الفاعلني السياسيني واإلعالميني واملثقفني مل يتحملوا بعد مسؤولياتهم يف إعادة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫تشكيل املشهد السياسي التونسي وختليصه من التشوهات األخالقية والقيمية السابقة واليت‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫مازالت تطبع ممارساتهم ومواقفهم وخطاباتهم إىل اليوم . »‬ ‫01‬
  11. 11. ‫األمة في حاجة إلى «رجال مبادئ»‬ ‫وليس إلى حوار «الطرش»‬ ‫ثم التعليمي والمجتمعي. وبالتّالي، فالتنشئة السّياسية للفرد ليست‬ ‫عملية شكلية ومناسباتية، وإنّما هي عبارة عن قيم ومشاعر واتجاهات‬ ‫يستبطنها المواطن وتوجه سلوكه للمشاركة المسؤولة في إطار نظام‬ ‫ديمقراطي.‬ ‫ّ‬ ‫ومن الالّفت في تونس مثال، أن مختلف البرامج السّياسية‬ ‫والسّجاالت الفكرية التي تدور في رحاب الوسائط الثقافية واإلعالمية‬ ‫تكشف لنا كل يوم عن مستوى رهيب من التخلف من حيث اللّغة‬ ‫السوقية المستخدمة ورفض االستماع إلى اآلخر ومنعه من التعبير عن‬ ‫رأيه. إذ ال تساعد مختلف البرامج السّياسية في تكوين ثقافة سياسية‬ ‫متنورة بمقدار تساعد على تأجيج الصراعات وتعميق النّزاعات‬ ‫السياسية واأليديولوجية. وال يحتاج أي متابع مشغول أو مراقب مهتم‬ ‫بقضايا األمة إلى مقدمات من أي نوع حتى يقول أنّنا في حاجة إلى‬ ‫إنشاء خطاب ثقافي وسياسي مختلف حتى ال نتأخر أو نتوه في حركة‬ ‫التاريخ. وهذه الحالة من العطالة التي تخترق الواقع العربي هي تعبير‬ ‫عن أزمة بنيوية وحضارية شاملة وعميقة جدا ال يمكن أن تعالج في‬ ‫سنوات بل تحتاج إلى عقود من الزمن. فلم تكن منجزات ثالث سنوات‬ ‫ّ‬ ‫من «الحراك الثوري» سوى انتكاسة وردة حقيقية لما حققته األمة‬ ‫على مدى أكثر من أربعة عشرة قرنا، وبدال من أن توجّه «النخبة»‬ ‫بوصلتها نحو تغيير وضع الجماهير العربية واإلسالمية المنتفضة‬ ‫من المحيط إلى الخليج استخدمت من قبل أعداء الشعب إلعادة إنتاج‬ ‫مناخ عربي مضطرب ومنقسم داخليا، وضع عربي تابع للغرب‬ ‫االستعماري وللصهيونية.‬ ‫لقد كانت التجربة السياسية خالل الثالث سنوات الماضية صدمة‬ ‫أليمة للمواطن العربي، وقللت من رغبته في متابعة المسائل السياسية‬ ‫أو المشاركة في الحياة السياسية، سواء كان علنا أو ضمنا. فالخطاب‬ ‫السياسي المتداول منذ األيام األولى من قيام الحراك الثوري بدا وكأنه‬ ‫يتجه نحو إغراق المجتمع في «ثقافة اإلقصاء» من جديد. ومعرفة‬ ‫أزمة هذا الخطاب في بعده األنثربولوجي يؤدي بنا إلى فهم أفضل‬ ‫للسياسيين ونخبنا الفكرية. وطريقة معالجة الفاعلين السياسيين للمسائل‬ ‫وكيفية إدارة حواراتهم وتفاعالتهم السياسية تعبر كلها عن وجود أزمة‬ ‫في ثقافتنا السياسية وأزمة في «أسلوب حياتنا» نتيجة غلبة ذهنية‬ ‫اإلقصاء وهيمنة «حوار الطرش» على المشهد السّياسي التونسي‬ ‫والعربي عموما.‬ ‫لم تكن أهداف الصراعات السياسية بين ما تسمى بـالمعارضة‬ ‫والحكومات االنتقالية في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا، من‬ ‫أجل إعالء شأن دين أو إستقالل وطن، أو من أجل دفع المظالم عن‬ ‫الناس وتفكيك منظومة االستبداد، أو من أجل نصرة قضايا العرب‬ ‫والمسلمين، وإنما كانت جميعها ذات مقاصد وغايات التناحر‬ ‫والتقاتل طمعا في المال والملك، فسقط جميعهم في ثقافة التخريب‬ ‫والفتنة السياسية. وقد بلغت رداءة المشهد السياسي في هذه األقطار‬ ‫إلى حد دعوة بعضهم إلى التحالف مع األعداء التاريخيين لألمة من‬ ‫أجل االستفراد بـ «غنيمة الثورة» وأصبحت الفتنة بالمفرق والموت‬ ‫بالجملة، فحسبنا هللا ونعم الوكيل فيهم جميعا؟‬ ‫ّ‬ ‫نعتقد أن قراءة «التجربة الثورية» العربية الرّاهنة بشكل علمي‬ ‫وموضوعي يمثّ‬ ‫ل الخطوة األولى لمعرفة كيفية التعامل مع تحدياتها‬ ‫الداخلية وأخطارها الخارجية معا. ويتوقف نجاح هذا المشروع على‬ ‫مدى تجذير الوعي الثوري وطنيا وقوميا، وإدراك الشعب العربي‬ ‫ّ‬ ‫طبيعة أعدائه الحقيقيين ومواقعهم المختلفة، وفك االرتباط بالغرب‬ ‫ّ‬ ‫االستعماري حتى يعطي للجديد الثوري إمكانية النجاح، ألن الثورات‬ ‫ال تصنع ويستحيل أن تنجح بأسلوب االحتماء باآلخر اإلستعماري‬ ‫الذي ال يريد إال حماية مصالحه فقط.‬ ‫فغالبا ما نقرأ بعض الكتابات والقراءات التي تهمل جانبا مهما‬ ‫ّ‬ ‫من طبيعة الحراك «الثوري» الدائر اليوم في الوطن العربي وعالقته‬ ‫ّ‬ ‫بالصراعات اإلقليمية والدولية عموما. إن هدف هذه الثورات ليس‬ ‫اإلطاحة بالحكام العرب الطغاة والمستبدين فقط، مثلما يحاول البعض‬ ‫من العرب والغربيين إيهامنا به، ولن يكون ذلك منتهى المعركة طالما‬ ‫بقيت األسباب الحقيقية لالستبداد والتخلف والفقر واألمية قائمة. كما‬ ‫أنَ الدراسة الموضوعية والعلمية االستشرافية تقتضي أن ننظر إلي‬ ‫هذه الثورات باعتبارها حركات وانتفاضات جماهيرية ديناميكية ـ سلبا‬ ‫وإيجاباـ حتى ال نضعها في إطار مغلق وجامد قد يفقدها عالقاتها‬ ‫ّ‬ ‫التاريخية وتفاعالتها الداخلية والخارجية. فالمناخ العربي والدولي‬ ‫الرّاهن ال يساعد على نجاح هذه الثورة بقدر ما يساعد على وأدها‬ ‫وإفشالها.‬ ‫-------------------‬‫* أستاذ وباحث في علم االجتماع‬ ‫‪abounour05@yahoo.fr‬‬ ‫« بدال من أن توجه «النخبة» بوصلتها حنو تغيري وضع اجلماهري العربية واإلسالمية املنتفضة من احمليط‬ ‫ّ‬ ‫إىل اخلليج استخدمت من قبل أعداء الشعب إلعادة إنتاج مناخ عربي مضطرب ومنقسم داخليا،‬ ‫وضع عربي تابع للغرب االستعماري وللصهيونية. »‬ ‫11‬
  12. 12. ‫حوار حول الثورة‬ ‫ّ‬ ‫في السؤال القديم المتجدد:‬ ‫الثورة العربية بين الممكن والمستحيل‬ ‫ّ‬ ‫ّّ‬ ‫حوار مع: الدكتور األزهر الزناد، واألستاذ عماد محنان(*)‬ ‫تنسيق الحوار : د. محمد الحاج سالم*‬ ‫خطاب الثورة والعقالنيّة‬ ‫ّ‬ ‫محمد الحاج سالم: في ظل االلتباسات المهيمنة على الخطاب‬ ‫ّ‬ ‫«الثّوري» العربي المعاصر، هل يبدو لكم ذلك الخطاب عقالنيّا ً ؟‬ ‫وما هي مظاهر العقالنيّة فيه ؟‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ األزهر الزنّاد: للخطاب الثّوري ثالث مراحل - في ما‬‫أرى- تناسب درجةُ‬ ‫العقالنيّة فيه ترتيب المرحلة: ما قبل الثورة‬ ‫َ‬ ‫وزمن الثورة وما بعدها. فما قبلها خطاب إعداد للثورة يوصّف‬ ‫ّ‬ ‫الواقع المتردي وفيه نسبة كبيرة من العقالنيّة، وفي زمنها خطاب‬ ‫استنهاضي حماسي قد تتقلّ‬ ‫ص فيه العقالنيّة وأما خطاب ما بعد‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الثّورة فال مناص من أن يكون عقالنيّا ً بما يرسم من برامج مستقبليّة.‬ ‫وهذه المراحل في الثورات العربيّة متداخلة متزامنة بحكم تتابعها‬ ‫فتزامنها فاختالفها في المراحل المذكورة باالستتباع. فأسبقها‬ ‫الثورة التونسيّة، وفيها يلمس النّاظر زيادة في درجة العقالنيّة في‬ ‫الخطاب بحكم مقتضيات المرحلة: تنظيم االنتخابات، مهام المجلس‬ ‫ّ‬ ‫التّأسيسي، برامج األحزاب ومضامينها، التّحاليل الفكريّة السياسيّة‬ ‫ّ‬ ‫بما في الواحد منها من تصوّر(ات) للمستقبل، إلخ. وفي العموم،‬ ‫ّ‬ ‫أرى أن في الخطاب العربي صوتين على األقلّ: عقالنيّا ً وغير‬ ‫ّ‬ ‫عقالني، وكالهما يعد بمشروع اجتماعي وللواحد منهما أنصار‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ومعارضون على مستويين وطني وعالمي، وقد يخفت صوت‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ويرتفع آخر، وقد تتبلور عقالنيّة توافقيّة في نهاية المطاف.‬ ‫ عماد محنان: خالفيّا ً يكون جواب مسألة «عقالنيّة الخطاب‬‫الثّوري العربي الرّاهن» كخالفيّة مفهوم العقالنيّة وبقدرها. وهذا‬ ‫فضالً عن سياقيّة مفهوم الخطاب نفسه. ولكون المعاصرة حجابا،‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫فإن طرح المسألة راهنا ً ال يبدو مراعيا ً للمسافة الزمنيّة الضّروريّة‬ ‫ُ‬ ‫للرّؤية. لذا يكون بحث المسألة تقصّداً لثمار غير ناضجة، فيؤول‬ ‫الجني جناية بما هو هتك للبستان وفتك بعافية اإلنسان. من جهة‬ ‫ّ‬ ‫الفهم الفلسفي يتسنّى لنا الكالم على عقالنيّة «الخطاب الثّوري‬ ‫العربي» باتّخاذ مطيّة التّمييز بين تصوّريْن لمصدر المعرفة :‬ ‫العقل والتّجربة. وال يبدو في الطّابع المفاجيء لثورة تونس فاتحة‬ ‫ثورات ما يُعرف بالرّبيع العربي أنّه بوسع أيّة تمثّالت عقليّة‬ ‫ْ‬ ‫خالصة أن تستبق هذه الثّورة أو أن تستشرف مآالتها. بل لعلّه‬ ‫كان في قراءة الحراك المجتمعي استثماراً لمحصّلة معرفة تجريبيّة‬ ‫فيزيائيّة تجسّمت في شعارات مستقاة من السّياق المعرفي التّجريبي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الفيزيائي شأن مقولة «كل فعل يقابله رد فعل...» و مقولة «الكبت‬ ‫ّ‬ ‫يولّد االنفجار». ولئن لم يكن ما أسميناه بـ «الخطاب الثّوري‬ ‫ّ‬ ‫العربي» لراهنيّته شاهداً بمقوّماته فلعلّه يبدو واعداً بمقدماته.‬ ‫***‬ ‫ّ‬ ‫محمد الحاج سالم: هل تعني بذلك نفي أي دور للنّخب ؟‬ ‫ّ‬ ‫ عماد محنان: الثّورة بما هي أداة التّغيير التّ‬‫اريخي كانت أكبر‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫هموم الفلسفة المعاصرة. بل لقد أدى الشاغل التّغييري إلى قطيعة‬ ‫بين الفلسفة ومطلبها التّأملي العالق بها بما هي «نظر في الوجود».‬ ‫ّ‬ ‫وتُعبّر عن هذه القطيعة نشأة ما يصطلح عليه بفلسفة الممارسة‬ ‫أو «البراكسيس». ولما كانت النّخب العربيّة التي وجّهت الثّورة‬ ‫ّ‬ ‫وأطّرتها حاملة لرؤية هذه الفلسفة لإلنسان والتّ‬ ‫اريخ سواء بالمعرفة‬ ‫ّ‬ ‫أو بالتّبنّي فإن الجماهير نفسها انخرطت في هذه الرّؤية أمالً في‬ ‫خالص ممكن مما عكس تسليما ً للمثقّ‬ ‫ف والعالم بزمام التّأسيس‬ ‫ّ‬ ‫المجتمعي.‬ ‫ّ‬ ‫«من جهة الفهم الفلسفي يتسنى لنا الكالم على عقالنية «اخلطاب الثوري العربي» باتخّاذ‬ ‫ّ ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ ّ‬ ‫مطية التمييز بني تصورين ملصدر املعرفة : العقل والتجربة. »‬ ‫ّ ْ‬ ‫21‬
  13. 13. ‫ّ‬ ‫في السؤال القديم المتجدد:‬ ‫الثورة العربية بين الممكن والمستحيل‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫غير أن جدل العالقة بين المثقّف/السّياسي والجماهير ال يسمح‬ ‫ّ‬ ‫بوالدة خطاب ثوري عقالني أو غير عقالني إالّ في االعتباريْن‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫اإليديولوجي والقطاعي. فمن جهة اإليديولوجيا تلوح في األفق‬ ‫السّياسي العربي هيمنة النّزوع اإلحيائي الذي يصبو إلى استرجاع‬ ‫ّ‬ ‫الماضي. وهو ما فعّل سؤال الهويّة والجذور وغلّب حضور المكوّن‬ ‫ّ‬ ‫العقدي الوثوقي. وأما من جهة القطاعيّة فإن الخطاب الثّوري مأخوذ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫بضرورة التّبسيط إلى حد التّسطيح مراعاة لتردي مراتب قطاعات‬ ‫ّ‬ ‫واسعة من جماهير الشعب العربي في سلّم التّعليم والثّقافة.‬ ‫الثورة والتكنولوجيا الرقميّة‬ ‫محمد الحاج سالم: نعم، لكن بقطع النظر عن المسارات الممكنة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫للثورة، فإن الثابت أن التّكنولوجيا الرّقميّة لعبت دوراً أساسيّا ً في تحديد‬ ‫ّ‬ ‫المسار الثّوري العربي. هل ترون أن دورها كان في تثوير الطاقات‬ ‫الشعبيّة أم اقتصر فحسب على استنساخ الثورات؟‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ األزهر الزنّاد: لكل ثورة أدواتها حسب العصور، والمهم أن ال‬‫ّ‬ ‫قيام لثورة ما لم تتوفّ‬ ‫ر جملة من العوامل المتظافرة يعيشها جميع النّاس‬ ‫أو جلّهم، وهي في جوهرها فقر وشعور بالظّلم وإحباط وانعدام الثّقة في‬ ‫الحاكم فيكون البحث عن البديل. وقد ينشأ البديل نشوءاً جماعيّا ً عفويّا ً‬ ‫ّ‬ ‫ثم يتبلور في رؤية متكاملة يتوحّد فيها صنّاع الثّورة: أي أبناء الشعب‬ ‫ّ‬ ‫شيبهم وشبابهم. وإذ كانت التكنولوجيا الرّقميّة متاحة استخدموها. فهي‬ ‫أداة افتراضيّة ولكنّها ذات نتائج تتحقّق في الميدان تسهّل التّواصل‬ ‫فالتّنظيم وتنسيق الفعل وسرعته في الميدان رغم اتّساعه، فتضمن‬ ‫توحيد الطّاقات وتوجيهها توجيها ً ناجعا ً وهذا ما شهدناه، وهنا كانت‬ ‫مزيّة التّكنولوجيا الرّقميّة. وإذ كانت هذه التّكنولوجيا منتشرة بين‬ ‫شعوب متشابهة في ظروف مهيّئة لقيام الثورة اعتُمدت فيها جميعا ً‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫وبنفس األسلوب تقريبا. وهذا الشبه لم تفرضه أدوات التّواصل وإنّما‬ ‫فرضه شبه في واقع بائس خلقته أنظمة متشابهة انجرّ‬ ‫عنه شبه في‬ ‫ّ‬ ‫الحلول المنشودة وفي السّبيل إلى تحقيقها. ولعل للتّكنولوجيا الرّقميّة‬ ‫دوراً في البناء بعد قيام الثّورة. فهي، بهذا المعنى،لم تستكمل بعد.‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ عماد محنان: دشنت العشريّة األخيرة من القرن العشرين بحق‬‫ّ‬ ‫موت الجمركي وحارس الحدود. فلم تقف أوروبا الجديدة المتجددة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫عند عتبة رأب الصّدع األلماني وال عند فك أسر األقلّيات المسلمة في‬ ‫البلقان من تغوّل القوميّات المتغلّبة وعنجهيّتها، بل لقد أسّست كيانها‬ ‫األوروبي الموحّد بحدود مفتوحة. وقد خطا مشروع العولمة األمريكي‬ ‫خطوته العمالقة بإسدال نسيج شبكة العنكبوت التّواصليّة على مساحة‬ ‫العالم. وصارت المعلومة هي الملِكة في خليّة النّحل البشري العالمي.‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وكذبت نوايا اقتصاد السّوق المحمومة هواجس المتخوّفين من أن‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ّ‬ ‫الغرب يريد لنا أن نظل رهن الحبس الحضاري البارد وأن نبقى على‬ ‫حال تخلّفنا وجمودنا. وذلك أن اكتساح األسواق يفترض تأهيلها معرفيّا ً‬ ‫ّ‬ ‫وتقنيّا ً ألجل تسهيل التّواصل مع المصنّع والتّعامل مع المصنوع.‬ ‫ُ‬ ‫لذا كانت التّحفة المعلوماتيّة أولى منحوتات اليد األجنبيّة في بالدنا‬ ‫بالتّمويل «المشروط طبعا» والضّغط لنشر ثقافتها وتعميمها على‬ ‫مستويات التّعليم جنبا ً إلى جنب مع إشاعة اإلنقليزيّة «االستهالكيّة»‬ ‫في التّعليم الجامعي وما دونه.‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫لقد وجد الشباب العربي المأزوم في فضاء األنترنت المفتوح ــ‬ ‫وإن بتعبيرنا األثيل ـ مبكى لليتامى وداراً للنّدامى : نشطت عالقات‬ ‫ّ‬ ‫التّواصل مع األوساط الشبابيّة األوروبيّة واألمريكيّة في صلب‬ ‫مقايضة ـ بيْنمجتمعيّةـ مقنّعة تُ‬ ‫بادل بُعبع الفقر وحلم الهجرة في العالم‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫العربي بهاجس التّصحّر الشبابي وشبح التّهرّم السكاني ونقص اليد‬ ‫العاملة البخسة خارج أطر الضّمانات الحقوقيّة في المجتمعات الغربيّة.‬ ‫ووجدت الجماعات الحقوقيّة والمثقّفة طريقا ً سالكة إلى ضمير الرّأي‬ ‫ّ‬ ‫العام العالمي ومؤسّساته لفضح رياء الدكتاتوريّة وتعرية جرائمها.‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وتدعمت ثقافة التّواصل الرّقمي في ظل هذا الفضاء «الثّوري»‬ ‫ّ‬ ‫من جهة سرعة توصيل المعلومة ومدى انتشارها فتشكلت لغة برقيّة‬ ‫ّ‬ ‫قائمة على الرّموز والمختصرات واألرقام. وقد أدى هذا الفضاء ولغة‬ ‫ّ‬ ‫التّواصل فيه دوراً بالغ األهميّة في توسيع الهوّة بين فئة الشباب وباقي‬ ‫فئات المجتمع العربي. وولّد ذلك إحساسا ً بامتالك رؤية مغايرة للممكن‬ ‫المجتمعي ومؤهّالت تقنيّة وتواصليّة هي مفتاح األزمة وأداة التّغيير.‬ ‫هكذا كان للثّورة أن انطلقت في تونس ثم مصر من حناجر جيل شابّ‬ ‫ّ‬ ‫لطالما سّفهه أساتذته ومعلّموه وقنتوا منه، ولم يروا إالّ قطاعا ً‬ ‫منه‬ ‫ّ‬ ‫غرق في الكحوليّة واحترف الغياب أو تلهّى بمواقع الدردشة وقنوات‬ ‫اإلباحيّة.‬ ‫***‬ ‫ّ‬ ‫محمد الحاج سالم: تقصد أن الثورة كانت غير متوقّعة بما أنّها‬ ‫ّ‬ ‫كانت غير تقليديّة في أدواتها ؟‬ ‫ّ‬ ‫ عماد محنان: نعم، فقد تسلّح الشباب الثّائر بلغة التّواصل التي‬‫تخصّه دون سواه. إنّها لغة تتّسم بكل سمات الثّ‬ ‫ّ‬ ‫ورة. لغة مختصرة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫« لكل ثورة أدواتها حسب العصور، واملهم أن ال قيام لثورة ما مل تتوفر مجلة من العوامل املتظافرة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫يعيشها مجيع الناس أو جلهم، وهي يف جوهرها فقر وشعور بالظلم وإحباط وانعدام الثقة يف‬ ‫احلاكم فيكون البحث عن البديل. »‬ ‫31‬
  14. 14. ‫ّ‬ ‫في السؤال القديم المتجدد:‬ ‫الثورة العربية بين الممكن والمستحيل‬ ‫ّ‬ ‫برقيّة خاطفة يمتزج فيها الرّقم بالحرف بالصّورة. وينشب فيها الحوار‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫مخترقا ً حدود المكان والزمان والعرق والدين واإليديولوجيا وفي مقام‬ ‫ّ‬ ‫حر مفتوح قد ال نعلم عدد المتواصلين فيه. هي لغة الفضاء المفتوح‬ ‫وفّرتها األنترنت على مواقع التّواصل العنكبوتي وغذّ‬ ‫اها التّواصل‬ ‫بواسطة الجوّال وعاضدها اإلعالم الفضائي المحموم بالسّبق والرّوح‬ ‫ّ‬ ‫التّنافسيّة. ولكونه فضاء مفتوحا ً فقد بنى عقليّة االنفتاح. ولكونه فضاء‬ ‫ّ‬ ‫التّعدد وإلغاء الحدود قام على االختزال والسّرعة وانقشعت منه السّريّة‬ ‫والحيطة الثّوريّة والتّخطيط المسبق فليس له برنامج قصدي قائم في‬ ‫ُ‬ ‫أذهان المخطّطين وال مخطّط تنفيذي في أجندة القادة الميدانيّين.‬ ‫***‬ ‫محمد الحاج سالم: في هذه الحال، ما هي الفروق بين هذه الثورة‬ ‫ّ‬ ‫الجديدة وسابقاتها ؟‬ ‫ّ‬ ‫ أ.عماد محنان: أوّال، كان الثّوري القديم ملتزما ً منضبطا ً ال يبتسم‬‫إالّ بمقدار. وكانت الثّورة كالمحراب ال تقبل لغواً وال خروجا ً عن‬ ‫ّ‬ ‫الصّف. وثانياً، لم يكن في حسبان الحرس القديم في سلطة الدكتاتور‬ ‫ّ‬ ‫أن شيئا ً كهذا يوجد في المجتمع وهو يسوده التّرويع األمني إلى درجة‬ ‫ّ‬ ‫تذهل معها األم عما ولدت. وبحسب ظن الجميع ليس للثّورة إالّ‬ ‫ْ‬ ‫ّ‬ ‫ّ ّ‬ ‫ّ‬ ‫الشكل التّنظيمي المعروف والعنف المقاوم والتّ‬ ‫ضحيات الجسام. ومن‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ْ ّ‬ ‫تابع مظاهرات الشباب اللّيليّة في المدن التّونسيّة يشهد أن التّخطيط‬ ‫ُ‬ ‫كان إبداع اللّحظة. لم يكن الشباب التّونسي يقارع بوليسا ً واقعيّا ً‬ ‫ّ‬ ‫بل‬ ‫ّ‬ ‫افتراضيّا ً ارتسم في عقليّته من ثقافة األنترنت (واستعمالها في تونس‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫بنسبة مهولة تُقدر بـ 52 في المائة بمعنى أنّها مرتفعة جداً في فئة‬ ‫ّ‬ ‫الشباب). ولم يبحث في هذا البوليس العدواني عن أجساد يسحلها في‬ ‫ّ‬ ‫الطّ‬ ‫ّ‬ ‫ريق بل عن قيمة سالبة يتجاوزها ويتحداها بإبداعيّة مراوغة تنال‬ ‫من هيبتها وتذلّل من سطوتها في نفوس جماهير الشّ‬ ‫عب. وقد ساعد‬ ‫ّ‬ ‫هذا التّعامل الذي تغلب فيه الرّمزيّة على العنف الثّوري على إجراء‬ ‫المنهجيّة الثّوريّة الحديثة التي عرفها التّاريخ المعاصر مع الثّ‬ ‫ورة‬ ‫التّونسيّة. فغياب العنف الثّوري واالكتفاء بما يكفل البعد االحتجاجي‬ ‫ّ‬ ‫والمطلب التّغييري المجمع على شرعيّته حتّى من أركان النّظام القائم‬ ‫ُ‬ ‫جعل أهداف الثّورة خفيّة وأخّ‬ ‫ر خيار االستخدام المفرط للقوّة من جانب‬ ‫السّلطة.‬ ‫الثورة بين سؤال الهويّة والمطلبيّة االجتماعيّة‬ ‫محمد الحاج سالم: اختلطت المطلبيّة السياسيّة بالمطلبيّة االجتماعيّة‬ ‫ّ‬ ‫في الثورة العربيّة، وجاءت مسألة الهويّة ونموذج المجتمع المنشود‬ ‫ّ‬ ‫لتؤجّج مخاوف بعض األطراف بخصوص مصير الديمقراطيّة وحريّة‬ ‫التّعبير. برأيكم، هل يمكن للثّورة العربيّة الرّاهنة تجاوز سؤال الهويّة‬ ‫ّ‬ ‫(الجوع الرّوحي) والمطلبيّة االجتماعيّة (الجوع المادي) إلى مساءلة‬ ‫آفاق الفعل الحضاري الكوني؟ وما هي إرهاصات ذلك التجاوز ؟ وما‬ ‫هي حدوده الممكنة ؟‬ ‫ّ‬ ‫ األزهر الزنّاد: هذه أسئلة كثيرة في واحد. كل ثورة تقوم على‬‫مطالب سياسيّة و/أو اجتماعيّة. والمفقود، هنا، مطلوب منذ قرون،‬ ‫ولكن لم يحدث أن تحقّق ذانك المطلبان، فقد أخطأنا مواعيد مع تحقيقهما‬ ‫في تواريخ عديدة منها االستقالل في منتصف القرن الماضي، وأخطأنا‬ ‫ّ ّ‬ ‫تحقيقهما مع نظم عربيّة فشلت في توفير الشبع المادي (الرّفاه والتّنمية)‬ ‫ّ‬ ‫والشبع الرّوحي (الهويّة). ولنا اآلن في الثورات العربيّة مجال لذلك‬ ‫ّ‬ ‫ولكن المشكل يطرح في األولويّة وفي الطّريقة: أقول هما متكامالن‬ ‫َ‬ ‫يمكن تحقيقهما بالتوازي إذ ال سبيل إلى تحديد الهويّة وأنت جائع أو‬ ‫مكبّل اليدين واللّسان، والعكس صحيح. والمشكل عائد - في رأيي-‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫إلى أساس الوعي الثنائي بالزمن: الفردي والجمعي في آن، وعندما‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫يلتقيان بمعنى تشبع الحاجات بنوعيها (الماديّة والسّياسيّة، الفردية‬ ‫والجماعيّة) يكون التّوجّه طبيعيّا ً إلى آفاق الفعل الحضاريّ، شريطة‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫أن يكون توجّها ً مستقبليّا ً ال إحيائيّا ً غفالً، يحتاط لكل العراقيل بأنواعها‬ ‫داخليّة كانت أو خارجيّة. والثورات العربيّة بكل ما فيها إرهاص بذلك،‬ ‫ّ‬ ‫فأعمار الشعوب تقاس بالقرون ال بالسّنوات والعقود.‬ ‫ أ.عماد محنان: يكفي أن نتّخذ من فهم األوساط االجتماعيّة التي‬‫ّ‬ ‫انطلقت منها الثّورة التّونسيّة والشعارات التي رُفعت في تفاعالتها‬ ‫ّ‬ ‫األوّليّة لكي نتبيّن أن المطلبيّة الماديّة كانت قادحها الرّئيسي. ولكن ذلك‬ ‫ال ينفي دور النّخب في توجيه العمل االحتجاجي إلى المطلب السّياسي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وعنوانه ؀

×