Successfully reported this slideshow.
We use your LinkedIn profile and activity data to personalize ads and to show you more relevant ads. You can change your ad preferences anytime.

التغلب والشورى والأمة وشبهات المبطلين

دراسة: التغلّب والشورى والأمة وشبهات المبطلين

شريف محمد جابر

أقسام الدراسة:

تتألّف هذه الدراسة من ثلاثة أقسام:

أولا: بيان بطلان استدلال الغلاة بكلام العلماء عن "التغلّب" لشرعنة اغتصابهم لحقوق الأمة وبغيهم على المسلمين، وإظهار الفرق بين السياق الذي تحدث فيه العلماء عن التغلّب في حالة ضرورة وبين تشريع الغلاة للتغلّب والخروج على الأمة بالسيف ونسبة ذلك إلى الشرع والسنة.

ثانيا: بيان الأصل الشرعي في الحكم والإمامة، وهو الشورى واعتبار دور الأمة في اختيار من يحكمها، نقلا عن النصوص من الكتاب والسنة والإجماع وبيان سنّة الخلفاء الراشدين الأربعة في ذلك.

ثالثا: بالإضافة إلى تفنيد شبهة شائعة يتبجّح بها الغلاة لإبطال مفعول الشورى ودور الأمة.

http://ahlusunnah.org/node/298773

  • Be the first to comment

التغلب والشورى والأمة وشبهات المبطلين

  1. 1. التغلّب والشورى والأمة وشبهات المبطلين شريف محمد جابر
  2. 2. أقسام الدراسة تتألّف هذه الدراسة من ثلاثة أقسام: أولا: بيان بطلان استدلال الغلاة بكلام العلماء عن "التغلّب" لشرعنة اغتصابهم لحقوق الأمة وبغيهم على المسلمين، وإظهار الفرق بين السياق الذي تحدث فيه العلماء عن التغلّب في حالة ضرورة وبين تشريع الغلاة للتغلّب والخروج على الأمة بالسيف ونسبة ذلك إلى الشرع والسنة. ثانيا: بيان الأصل الشرعي في الحكم والإمامة، وهو الشورى واعتبار دور الأمة في اختيار من يحكمها، نقلا عن النصوص من الكتاب والسنة والإجماع وبيان سنّة الخلفاء الراشدين الأربعة في ذلك. ثالثا: بالإضافة إلى تفنيد شبهة شائعة يتبجّح بها الغلاة لإبطال مفعول الشورى ودور الأمة.
  3. 3. بطلان الاستدلال بكلام العلماء عن التغلّب المطّلع على كلام فقهاء الأمة في إقرار شرعية التغلّب سيجد التالي : أولا: أنّه كان خطابا فقهيا عن حكم تعامل الأمة مع المتغلّب بعد استقرار أمر الإمامة له، وهي "حالة ضرورة"، وليس تأصيلا لطريقة من طرق الوصول إلى الحكم ونسبتها إلى الشرع والسنة. كما أنّ تشريع احتساء القليل من الخمر خوف الموت عندما ينقطع الماء والطعام هو بيان لحكم التعامل في حالة ضرورة، وليس تشريعا لاحتساء الخمر كخيار شرعي. قال الجويني في "الغياثي": "إن الذي ينتهض لهذا الشأن لو بادره من غير بيعة وحاجة مستفزة أشعر ذلك باجترائه وغلوه في استيلائه وتشوفه إلى استعلائه وذلك يس م ه بابتغاء العلوّ في الأرض بالفساد". وقال ابن حجر الهيتمي في "الصواعق المحرقة: "المتغلب فاسق معاقب لا يستحق أن يبشر ولا يؤمر بالإحسان فيما تغلب عليه بل إنما يستحق الزجر والمقت والإعلام بقبيح أفعاله وفساد أحواله". فهذا هو وصفه الطبيعي كما أن وصف شارب الخمر الطبيعي هو أنّه فاسق يستحقّ الزجر، فما بالك بمن ينظّر ويؤصّل لاستحلاله ويجعله أحد طرق الشرع بل ويضفي عليه وصف السنة وينسبه للرسول عليه الصلاة والسلام 1 ؟ ! ثانيا: أنّ مناط حالة "الضرورة" التي تحدّثوا عنها هو: استيلاء أحد الأمراء على الملك الجامع للأمة )الإمامة( بالقوة واستقراره له، وليس على قطعة لا تتجاوز 1% منها. فكان كلامهم عن حالة فيها خلافة جامعة للأمة، سيطر عليها أحد الأمراء المتغلّبين واستقرّ الأمر له، وليس عن حالة ليس فيها إمامة فيقوم تنظيم بالخروج على الأمة بالسيف وإمعان القتل فيها، فهذا مناط آخر وهو الوارد في الحديث: 1 وهو ما يفعله الغلاة بإطلاق وصف "على منهاج النبوة" على اغتصابهم لحقوق الأمة واستبدادهم وتغلّبهم!
  4. 4. "ومَن خَرَجَ علَى أميتي بسييفيه يضر ب برَّهَا وفا ي جرَهَا لا يحَا ي شى مؤمنًا لإيمانييه ولا يَيفي ل ي ذي عهدٍ بعه ي دهي فليسَ يمن أميتي" )مسند أحمد(، وفي صحيح مسلم: "ومن خرج على أمّتي، يضر ب ب رَّها وفا ي جرها، ولا يتحاشَ من مؤيمنيها، ولا يَفي ليي ذي عهدٍ عهْده ، فليس مني ولس ت منه " )صحيح مسلم(. وقد دلّ على ذلك أنّ العلماء تحدّثوا في كلامهم عن "الإمامة" أو "الخلافة"، وتعريفها عند أهل الفقه أنّّا رياسة عامة للأمة كلّها؛ قال الإمام الجويني: "الإمامة رياسة تامة، وزعامة تتعلق بالخاصة والعامة في مهمات الدين والدنيا". وقال عنها الإمام النسفي: "نيابة عن الرسول عليه السلام في إقامة الدين بحيث يجب على كافة الأمم الاتباع". وقال صاحب المواقف: "هي خلافة الرسول صلى الله عليه وسلم في إقامة الدين - - بحيث يجب اتباعه على كافة الأمة". فهي ملك جامع للأمة كافّة، وهي التي ذكر العلماء حكم من استولى عليها بالغلبة واستقر له الأمر ورضيت به الأمة . وقد بيّن الإمام أحمد رحمه الله، في رواية عبدوس بن مالك العطار، أنّ الكلام في التغلّب هو عمّن تغلّبَ على "الخلافة" الجامعة و سُّي "أمير المؤمنين"، وليس عن أي أمير يعلن نفسه خليفة للأمة وهو لم يتولّ الخلافة الجامعة للأمة، قال الإمام أحمد: "ومَن غلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة، و سُّي أمير المؤمنين: فلا يحل لأحد يؤمن بالله أن يبيت ولا يراه إمامًا، برًّا كان أو فاجرًا". الشاهد: قوله "حتى صار خليفة، وسُّي أمير المؤمنين". ثالثًا: أنّ الملك الجامع قد استقرّ لهم، وتحصّل لهم التمكين ورضيت الأمة بالمتغلّب وأقرّت له بأنّه أصبح إماما. فقد سئل الإمام أحمد بن حنبل كما في أحكام أبي يعلى عن حديث "من مات - - وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية"؟ فقال للسائل: "أتدري من ذاك؟ هو الذي يج مع المسلمون عليه كلهم يقول هذا الإمام". وقال اللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة": "ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين وقد اجتمع عليه الناس فأق رّوا له بالخلافة بأي وجه كانت برضًا كانت أو بغلبة فهو شاق هذا الخارج عليه العصا وخالف الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم". ونقل القرطبي في تفسيره عن
  5. 5. ابن خويز منداد قوله: "ولو وثب على الأمر من يصلح له من غير مشورة ولا اختيار وبايع له الناس تمت له البيعة والله أعلم". فالواضح من كلامهم أنّ تغلّبه وحده لم يكن كافيا لمنع الخروج عليه وإضفاء صفة "الإمام" عليه، بل كان إقرار الأمة ومبايعتها له شرط أساسي؛ فصفته في رواية أحمد: "الذي يجمع المسلمون عليه كلهم يقول هذا الإمام"، وفي رواية اللالكائي: "وقد اجتمع عليه الناس فأقرّوا له بالخلافة"، وفي رواية القرطبي عن ابن خويز منداد: "وبايع له الناس". رابعًا: مراجعة السياق التاريخي لقبول العلماء لإمامة المتغلّبين في تلك الفترة ي ظهر أنّه كان بهدف حقن دماء المسلمين بعد أن رأوا كيف أدت الصراعات على الملك إلى سفك الكثير من الدماء وكذلك ثورات الأئمة التي أيّدها بعض أبرز العلماء، والتي كانت تهدف إلى أعادة الأمر شورى. فكان خطابهم بقبول المتغلّب بعد استقرار الأمر له متع لّقًا بذلك الظرف بهدف حقن دماء المسلمين؛ لأنّ خروج بعض الأمة على من تغلّب وتمكّن كإمام لجميع المسلمين سيجلب المزيد من القتال والدماء لأمة أنّكتها الفتن. ولم يكن الأمر عند أولئك العلماء تشريعًا لحالة يزداد فيها سفك الدماء والقتل والفوضى؛ كأنْ ي علن تنظيمٌ ما في ناحية من بلاد المسلمين بأنّه "خلافة" واجبة الطاعة، في واقع أمة دون كيان سياسي جامع ومع هيمنة أجنبية على مقدّراتها، ويبدأ بقتال جميع من يليه من الأمة، فيقع في القتال المحرّم ويسفك دماء المسلمين، ويشغلها عن واجب التحرر من القوى الطاغوتية التي تسيطر على بلاد المسلمين. والفرق بين الحالتين ظاهر كلّ الظهور لمن يملك ذرّة من عقل . فالتغلّب كما ظهر ليس طريقة شرعيّة للوصول إلى الحكم، بل هو إكراه واغتصاب لحقوق الأمة، ففعله محرّم، وتحليله والتشريع له بدعة كبيرة قد تصل إلى الكفر؛ فقد ثبت بالنصوص والإجماع حرمة
  6. 6. التغلّب وأنّ الأمر شورى، كما ثبت بالإجماع حرمة الخمر، وهناك فرق بين من يشرّع احتساء الخمر في حالة الضرورة القاتلة، وبين من يجعل احتساء الخمر إحدى الطرق لإرواء عطش المسلم، ويشرّع ذلك ويح لّه، بل ويضفي عليه صفة "السنّة" كمن يضفي على التغلّب صفة "على منهاج النبوّة"، فأقلّ ما يقال في مثل هذا أنه مبتدع خارج عن إجماع المسلمين . وفضلا عن ذلك، فإنّ الأصل فيمن يتصدّر للخطاب الشرعي أن تكون مرجعيّته ما أجمعت عليه الأمة من مصادر الاستدلال عند أهل السنة والجماعة، كالكتاب والسنة والإجماع وما جاء في أصول الفقه، ولا يصحّ أبدا أن يكون المرجع في ذلك كلام الفقهاء في مرحلة تاريخية 2 ، فضلا عن كونه في حالة "ضرورة" ولم يكن بيانا للأصل الشرعي، ولا يصحّ أن تكون تجارب "الملك العضوض" هي المرجع لمن يريد أو يزعم أنه يريد إقامة خلافة راشدة على منهاج النبوة! – – ولذلك فإنّنا سنبيّن في القسم الثاني من المقال الأصل الشرعي في الشورى والحكم والإمامة، نقلا عن النصوص من الكتاب والسنة والإجماع وبيان سنّة الخلفاء الراشدين الأربعة في ذلك. تنويه: كلامنا عن السياق التاريخي للتغلّب وقبول العلماء لحكم المتغلّبين )وليس لذات التغلّب( بعد استتباب الأمر لهم؛ لا ينفي إقرارنا بالآثار الكارثية لظاهرة التغلّب والتنازع على الملك كتفرق المسلمين وضعفهم وغلبة الأعداء والدخول في النفق المظلم. ويوضّح شيخنا الأستاذ عبد المجيد الشاذلي رحمه الله ذلك في كتابه "الحكومة الإسلامية: رؤية تطبيقية معاصرة"، في تحليل مختصر ومهمّ لما أصاب المسلمين بسبب الخروج عن أمر الشورى، يقول الشيخ رحمه الله: "وقد حدث انحراف تدريجي في المفاهيم تبعًا لانحراف الواقع: 2 الاستئناس بكلام الفقهاء وطلب العلم مما قدّموه للأمة لا ينكره إلا جاهل، ولكن القصد أنّه من الناحية الشرعية فإنّ كلام الفقهاء، وخصوصا المتأخّرين منهم، لا ينهض ليكون دليلا على شيء؛ فالفقهاء أنفسهم أجمعوا على أنّ كلامهم ليس دليلا بحدّ ذاته، والتفصيل في ذلك في كتب أصول الفقه.
  7. 7. 1 تم إهدار قاعدة الشورى. 2 إقرار شرعية التغلب. 3 إقرار شرعية التفرق. 4 اختزال الجماعة في السلطة. 5 الصبر في مقابل الكذب والفجور والنفاق والظلم والجور والفسق والاستبداد والطغيان واستحلال الدماء والأموال. 6 تحويل الخطاب الجماعي للأمة للقيام بدورها إلى خطاب فردي كلّا على حدة، وإسقاط الخطاب الجماعي للهيئة الاجتماعية للأمة. 7 تهميش دور الأمة. والمآل الطبيعي هو الوقوع في قبضة العدو، وتعثّر الفيء إلى ما كنّا عليه من الريادة والتمكين، وبطء الكرّ بعد الفرّ والعز بعد الانكسار. وبداية الإصلاح: العودة إلى قاعدة الشورى" 3 . انتهى. 3 من كتاب "الحكومة الإسلامية: رؤية تطبيقية معاصرة"، للشيخ عبد المجيد الشاذلي رحمه الله، نشر دار الكلمة.
  8. 8. الأصل في الشورى والبيعة ودور الأمة في دين الله والخلافة الراشدة قال تعالى: "وَالَّ ي ذينَ اسْتَجَاب وا ليرَهبهيمْ وَأَقَا موا الصَّلاةَ وَأَمْ ر همْ شورَى ب يَْ نَ همْ وَيمَِّا رَزَقْ نَا همْ ي نيف قونَ " )الشورى: 33 (. وفهمنا الإلزام بالشورى وعظم أمرها لوقوعها بين الأمر بالصلاة والأمر بالزكاة. ولننظر الآن إلى بيعة الخلفاء الراشدين الأربعة، كيف كانت؟ فما اجتمع فيهم وتوافقوا عليه كان فرضا على الأمة اتّباعه، فقد قال عليه الصلاة والسلام: "...فإنه مَن يَعيشْ منكم بَع ي دي، فسَيَرى اختلافًا كثيرًا؛ فعليكم بسنتي وسنية الخلفايء المهديينَ الراشدينَ، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواج ي ذ..." )رواه أبو داود، وهو صحيح(. بيعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه: جاء في رواية الشورى الطويلة من أحداث السقيفة على لسان عمر بن الخطاب: "فقال قائل من الأنصار: أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب، منا أمير، ومنكم أمير، يا معشر قريش. فكثر اللغط، وارتفعت الأصوات، حتى فرق ت من الاختلاف، ف قلْت: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته، وبايعه المهاجرون ثم بايعته الأنصار )صحيح البخاري من رواية عبد الله ابن عباس رضي الله عنه(. قل ت: وفيها ثابتٌ أنّ الأمر لم يتمّ إلا بعد اجتماع المهاجرين والأنصار للشورى، فتحقّقت الشورى، ثم ببيعتهم ورضاهم عن أبي بكر، فتحقّقت البيعة. ويؤكّد حصول الشورى والبيعة استدلال عمر بن الخطاب بذلك مِّا جاء على لسانه في آخر الرواية نفسها: "قال عمر: وإنا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا إنْ فارقنا القوم ولم تكن بيعة: أن يبايعوا رجلًا منهم بعدنا، فإما بايعناهم على ما
  9. 9. لا نرضى، وإما نخالفهم فيكون فساد، فمن بايع رجلًا على غير مشورة من المسلمين، فلا يتابع هو ولا الذي بايعه، تغرة أن يقتلا" )صحيح البخاري(. فقد بايعه أهل الحلّ والعقد من فضلاء الصحابة من المهاجرين والأنصار وكبارهم يوم السقيفة، وبايعه عامة الناس في المسجد بعدها. قال ابن إسحاق في السيرة: حدثني الزهري قال: حدثني أنس بن مالك قال: لما بويع أبو بكر في السقيفة وكان الغد جلس أبو بكر على المنبر فقام عمر فتكلم قبل أبي بكر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله قد جمع أمركم على خيركم صاحب رسول الله وثاني اثنين إذ هما في الغار فقوموا فبايعوه فبايع الناس أبا بكر بيعة العامة بعد بيعة السقيفة. وعن أبي سعيد الخدري قال "لما بويع أبو بكر قال: أين عليّ لا أراه؟ قالوا لم يحضر! قال أين الزبير؟ قالوا لم يحضر! قال: ما حسبت أنّ هذه البيعة إلا عن رضا جميع المسلمين! إنّ هذه البيعة ليست كبيع الثوب الخلق! إنّ هذه البيعة لا مردود لها. فجاء عليّ فمدّ يده فبايعه، وجاء الزبير فمدّ يده فبايعه" )رواه المحاملي ومن طريقه ابن عساكر، قال ابن كثير: بإسناد صحيح(. فائدة: قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: "إنما صار أبو بكر إماما بمبايعة جمهور الصحابة الذين هم أهل القدرة والشوكة، ولهذا لم يضرّ تخلّف سعد بن عبادة رضي الله عنه لأنّ ذلك لا يقدح بمقصود .)141/ الولاية، وذلك قد حصل بموافقة الجمهور على ذلك" )منهاج السنة، ابن تيمية، 1 بيعة عمر بن الخطاب رضي الله عنه: عمر رضي الله عنه هو القائل كما في رواية الشورى التي سبق الاستشهاد فيها : "إني إن شاء – - الله لقائم العشية في الناس، فمحذّرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم"، وقال في نفس الرواية:
  10. 10. "إنه بلغني قائل منكم يقول: والله لو قد مات عمر بايعت فلانا، فلا يغترنّ امرؤ أن يقول إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت، ألا وإنّا قد كانت كذلك، ولكن الله وقى شرها، وليس فيكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر: من بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي تابعه تغرّة أن يقتلا" )صحيح البخاري، ومن المفضّل مراجعة الرواية بسياقها الكامل، فهي مليئة بالعبر(. وفي رواية النسائي: "قال شعبة قلت لسعد ما تغرة أن يقتلا؟ قال: عقوبتهما أن لا يؤمّر واحد منهما" )رواه النسائي في السنن الكبرى بإسناد صحيح على شرط الشيخين(. في رواية أن أبا بكر رضي الله عنه استشار المهاجرين والأنصار، ثم خرج عثمان رضي الله عنه ومعه الكتاب بالعهد، وقال للناس: "أتبايعون لمن في هذا الكتاب ] يعني كتاب أبي بكر في العهد لعمر [ ؟ فقالوا: نعم. وقال بعضهم: قد علمنا به. فأق رّوا بذلك جميعا، ورضوا به، وبايعوا" )رواه ابن سعد في الطبقات من عدّة طرق، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق(. عن أبي السفر الهمداني أن أبا بكر رضي الله عنه قال للصحابة وهو على فراش الموت: "أترضون بمن أستخلفت عليكم، فوالله ما ألوت، ولا تلوت، ولا ألوت عن جهد الرأي، ولا و لّي ت ذا قرابة" )رواه ابن سعد بإسناد صحيح(. وفي رواية ابن جرير: "أترضون بمن أستخلف عليكم؟ فإني والله ما ألوت من جهد الرأي، ولا ولّيت ذا قرابة، وإني قد استخلفت عمر بن الخطاب، فاسُعوا له وأطيعوا". قالوا: سُعنا وأطعنا" )ابن جرير الطبري، بإسناد رجاله ثقات(. وفي رواية أنه أطّلع على أصحابه في مرضه فقال: "أليس ترضون بما أصنع؟ قالوا: بلى يا خليفة رسول الله" )رواه الحاكم في المستدرك وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي(. فائدة: قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: "وكذلك عمر لما عهد إليه أبو بكر إنما صار إماما لما بايعوه وأطاعوه ولو ق هدر أنّم لم ينفذوا عهد أبي بكر ولم يبايعوه لم يصر إماما، وأما عمر فقد ع هد إليه، وبايعه
  11. 11. المسلمون بعد موت أبي بكر، فصار إماما لما حصلت له القدرة والسلطان بمبايعتهم له" )منهاج السنة، .)141/ ابن تيمية، 1 ومِّا صحّ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: عن طاووس عن ابن عباس أن عمر قال له وهو على فراش الموت: "اعقل عني ثلاثا: الإمارة شورى.." )رواه عبد الرزّاق في مصنّفه وأبو عبيد في الأموال بإسناد صحيح(. وعن ابن عباس عن عمر في آخر خطبة له بمحضر الصحابة وإجماعهم قوله في آخرها: "إنه لا خلافة إلا عن مشورة" )رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح على شرط الشيخين(. وفي رواية لعمر: "لا بيعة إلا عن مشورة" )رواه ابن شبة بإسناد صحيح على شرط الشيخين(. بيعة عثمان بن عفان رضي الله عنه: قال عبد الرحمن بن عوف لعلي بن أبي طالب: "إني قد نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان فلا تجعلن على نفسك سبيلا" )رواه البخاري(. ويؤكّد ابن كثير هذا المعنى فيقول: "نّض عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يستشير الناس فيهما، ويجمع رأي المسلمين، برأي ر ؤوس الناس جميعا وأشتاتا، مثنى وفرادى، سرا وجهرًا، حتى خلص إلى النساء في خدورهن، وحتى سأل الولدان في المكاتب، وحتى سأل من يرد من الركبان والأعراب إلى المدينة، وفي مدة ثلاثة أيام بلياليهن". وبخصوص ترشيح الستّة من قبل عمر فهم مِّن رضيهم الناس، قال عمر فيهم: "إني قد نظرت لكم في أمر الناس فلم أجد عند الناس شقاقا فيكم إلا أن يكون فيكم شيء، فإن كان شقاق فهو منكم،
  12. 12. وإن الأمر إلى ستة إلى عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وعبد الرحمن ابن عوف والزبير بن العوام وطلحة وسعد" )سنن البيهقي الكبرى(. وروى عبد الرزاق في مصنّفه قال: "قال المسور فما رأيت مثل عبد الرحمن والله ما ترك أحدا من المهاجرين والأنصار ولا ذوي غيرهم من ذوي الرأي إلا استشارهم تلك الليلة". وفي الطبقات الكبرى لابن سعد: "فقال عمر أمهلوا فإن حدث بي حدث فليصل لكم صهيب ثلاث ليال ثم أجمعوا أمركم فمن تأمر منكم على غير مشورة من المسلمين فاضربوا عنقه. قال بن شهاب قال سالم: قلت لعبد لله: أبدأ بعبد الرحمن قبل علي؟ قال: نعم والله" )طبقات ابن سعد، بإسناد صحيح على شرط الشيخين(. فائدة: قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: "عثمان لم يصرْ إماما باختيار بعضهم بل بمبايعة الناس له، وجميع المسلمين بايعوا عثمان، لم يتخلّف عن بيعته أحد، قال الإمام أحمد: ما كان في القوم أوكد من .)532/ بيعة عثمان، كانت بإجماعهم" )منهاج السنة، ابن تيمية، 1 بيعة عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: عن محمد ابن الحنفية قال: كن ت مع أبي حين قتل عثمان رضي الله عنه فقام فدخل منزله، فأتاه أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقالوا: إنّ هذا الرجل ق تل ولا بدّ للناس من إمام، ولا نجد اليوم أحدًا أحقّ بهذا الأمر منك، فقال: لا تفعلوا فإنيّ أكون وزيرًا خير من أن أكون أميرًا. فقالوا: لا والله ما نحن بفاعلين حتى نبايعك. قال: "ففي المسجد فإنّ بيعتي لا تكون خفيّا ولا تكون إلا عن رضا
  13. 13. المسلمين". فلمّا دخل المسجد دخل المهاجرون والأنصار فبايعوه فبايعه الناس" )رواه ابن جرير الطبريّ بإسناد حسن(. وقال علي رضي الله عنه بعد أن جاءه المهاجرون والأنصار يريدون بيعته: "لا أفعل إلا عن ملأ .)267/ وشورى" )ثقات ابن حبان، 2 وقال بعد أن بايعه الناس: "هذه بيعة عامة، فمن ردّها رغب عن دين المسلمين واتبع غير سبيلهم" .)263/ )ثقات ابن حبان، 2 وقال علي رضي الله عنه: "إني كنت كارها لأمركم، فأبيتم إلا أن أكون عليكم، ألا وإنه ليس لي أمر دونكم، ألا وإن مفاتيح بيت مالكم معي، ألا وإنه ليس لي أن آخذ منه درهما دونكم، وإن هذا أمركم ليس لأحد فيه حق إلا من أمّرتم، وقد افترقنا بالأمس على أمر، فإن شئتم قعدت لكم، وإلا فلا أجد على أحد"، ثم رفع ص وته: "هل رضيتم"؟، قالوا: نعم! قال "اللهم اشهد عليهم" )رواه ابن جرير الطبري(. وفي بيان أنّ الأمر كان برضا المسلمين واختيارهم: جاء عن عبد الله بن عمر أنه قال حين حصر عثمان: "إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ق بض، فنظر المسلمون خيرهم فاستخلفوه، وهو أبو بكر، فلما ق بض أبو بكر، نظر المسلمون خيرهم فاستخلفوه وهو عمر، فلما ق بض عمر، نظر المسلمون خيرهم فاستخلفوه وهو عثمان، فإنْ قتلتموه فهاتوا خيرا منه" )رواه عبد الله بن أحمد في زياداته على فضائل الصحابة بإسناد حسن(. فائدة: روي عن الخليفة عمر ابن عبد العزيز أنّه قال: "أيها الناس، إني لست بقاض ولكني منفذ، ولست بمبتدع، ولكني متبع، وإنّ من حولكم من الأمصار والمدن إنْ أطاعوا كما أطعتم فأنا واليكم، وإنْ .)191/ 193 ، وابن كثير 9 / أبَوا فلس ت لكم بوالٍ" )تاريخ الذهبي 5
  14. 14. الخلاصة: يتّضح مِّا ورد أعلاه من روايات صحيحة وإجماع الصحابة ومنهم الخلفاء الراشدون أنّ أمر الإمامة أو الخلافة لا يتمّ إلا بشورى أهل الحلّ والعقد وبيعة المسلمين ورضاهم؛ فقد تحقّق ذلك في بيعة الخلفاء الراشدين الأربعة على اختلاف الوسائل والملابسات، ولذا يمكن القول إنّ البيعة الشرعية هي ما يتحقّق فيها مواصفات ثلاثة: 1( توفُّر شروط استحقاق الخلافة في الشخص المختار لها )ت راجع في كتب السياسة الشرعية(، وكذا كان الراشدون كلّهم. فلا يتحقّق الأمر لمجهول الحال من العلم والعدالة وغيرها. 2( موافقة أهل الحَ ه ل والعَقْد عليه بعد شوراهم )البيعة الخاصَّ ة(، وكانوا في ذلك العهد: المهاجرون والأنصار. فلا يتحقّق الأمر ببيعة خاصّة لتنظيم منعزل عن الأمة، وإنما تبذل الأمة جهدها لتحقيق أكبر قدر من وصف جماعة أهل الحلّ والعقد، وأعضاؤها يجب أن يتّصفوا: بالعدالة؛ إذ لا تصحّ للمجروحين أو مرتكبي الكبائر، والكفاءة؛ إذ لا تصحّ للجهّال ومن لا خبرة له بالشأن السياسي، وتمثيل الأمة؛ وقد كان العرفاء كما في الآثار الصحيحة يقومون بذلك )سيأتي بعد قليل فائدة في معنى العرفاء – – ووظائفهم الشرعية، مِا يفي بإيضاح هذا البند(. 3( موافقة عامَّة الأ مَّة )البيعة العامَّة(؛ وقد تكرّر في الروايات الكلام عن رضا المسلمين عن بيعة الخلفاء الراشدين.
  15. 15. عن معنى العرفاء والنقباء في الأمة ووظائفهم الشرعية جاء في صحيح البخاري في حديث وفد هوازن: "..فقال النا س : طَيَّبْنا ذلك. قال: إنَّا لا ندري مَن أَيذنَ من كم يمَِّن لم يأْذَنْ، فارْي جعوا حتى يرفعَ إلينا ع رَفا ؤ كم أمرَ كم. فرجعَ النا س، فكلَّمَ هم ع رَفا ؤ هم، ثم رجعوا إلى الن ه بي صلى الله عليه وسلم، فأخبروه: أنّم طيَّبوا وأذنوا". الشاهد: الناس يعبّرون عن إرادتهم التي تشملهم من خلال "عرفائهم" وهم من يمثّلونّم ويعرفون رأيهم من أسيادهم وشرفاء قومهم. وجاء في سنن أبي داود: "إنّ العرافة حق ولابدّ للناس من عريف ولكن العرفاء في النار". جاء في فتح الباري شرح صحيح البخاري عن حديث أبي داود هذا: "أخرجه أبو داود من طريق المقدام بن معد يكرب رفعه العرافة حق، ولا بد للناس من عريف، والعرفاء في النار ولأحمد وصححه ابن خزيمة من طريق عباد بن أبي علي عن أبي حازم عن أبي هريرة رفعه ويل للأمراء، ويل للعرفاء قال الطيبي: قوله: والعرفاء في النار. ظاهر أقيم مقام الضمير يشعر بأن العرافة على خطر، ومن باشرها غير آمن من الوقوع في المحذور المفضي إلى العذاب، فهو كقوله تعالى: "إنّ الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونّم نارا"، فينبغي للعاقل أن يكون على حذر منها لئلا يتورط فيما يؤديه إلى النار. قلت: ويؤيد هذا التأويل الحديث الآخر حيث توعد الأمراء بما توعد به العرفاء، فدلّ على أنّ المراد بذلك الإشارة إلى أنّ كل من يدخل في ذلك لا يسلم وأنّ الكل على خطر، والاستثناء مقدر في الجميع. وأما قوله: العرافة حق فالمراد به أصل نصبهم، فإنّ المصلحة تقتضيه لما يحتاج إليه الأمير من المعاونة على ما يتعاطاه بنفسه، ويكفي في الاستدلال لذلك وجودهم في العهد النبوي كما دلّ عليه حديث الباب" )فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب الأحكام، باب العرفاء للناس(.
  16. 16. وجاء في لسان العرب عن معنى العريف: "وعَيري ف القوم: سيّدهم. والعَري ف القيّم والسيد لمعرفته بسياسة القوم، وبه فسر بعضهم بيت طَيريف العَنْبري، وقد تقدَّم، وقد عَرَفَ عليهم ي عَْ رف ي عرافة. والعَري ف النَّيقيب وهو دون الرئيس، والجمع ع رَفاء، تقول منه: عَ رف فلان، بالضم، عَرافة مثل خَط ب خَطابة أَي صار عريفاً، وإذا أَردت أَنه عَ ي ملَ ذلك قلت: عَرف فلان علينا ي سنين يع رف ي عرافة مثال كتَب يكت ب كيتابة. وفي الحديث: العيرافة حَقٌّ والع رفاء في النار؛ قال ابن الأَثير: الع رفاء جمع عريف وهو القَيهم بأ مور القبيلة أَو الجماعة من الناس يَلي أ مورهم ويتعرَّف الأَمير منه أَحوالهَ م، فَعييل بمعنى فاعل، والعيرافة عَمل ه، وقوله العيرافة حقّ أَي فيها مَصلحة للناس ويرفْق في أ مورهم وأَحوالهم، وقوله العرفاء في النار تحذير من التعرُّض للهرياسة لما ذلك من الفتنة، فإنه إذا لم يقم بحقه أَثمَ واستحق العقوبة" )انتهى من لسان العرب لابن منظور(. وعن كعب بن مالك في حديث البيعة: "قَالَ رسو ل اللهي صلَّى الله عليه وسلَّمَ أَخْير جوا إيلَيَّ يمنْ كمْ اثْ نَيْ عَشَرَ نَيقيبًا يمنْ كمْ يَ كون ونَ على قَ وْيميهمْ فَأَخْرَ جوا يمنْ ه م اثْ نَيْ عَشَرَ نَيقيبًا يمنْ همْ تيسْعَةٌ من الخَزْرَي ج وثَلَاثَةٌ من الأَوْ ي س" )أخرجه الهيثمي ورجاله رجال الصحيح، وصحّحه الألباني في تخريج "فقه السيرة"(. الشاهد: النقباء كانوا مِثّلين عن قومهم لتكون إرادتهم في بيعة النبيّ عليه الصلاة والسلام هي تمثيل عن إرادة القوم أهل الشوكة والنصرة من سكّان المدينة، وتعريفٌ لهم بتفاصيل هذه البيعة حتى يكونوا على علم بشروطها وحقوقها. جاء في لسان العرب لابن منظور: "وفي حديث ع بادة بن الصامت: وكان من النُّقبايء؛ جمع نَيق يبٍ، وهو كالعَيريف على القوم، ال مقَدَّم عليهم، الذي ي تََ عَرَّف أَخْبَارَهم، وي نَ هق ب عن أَحوالهم أَي ي فَته ش. وكان النبي، صلى اللّه عليه وسلم، قد جَعلَ، ليلةَ العَقَبَية، كلَّ واحد من الجماعة الذين بايعوه بها نَقيباً على
  17. 17. قومه وجماعته، ليأْ خذوا عليهم ا ي لإسلامَ وي عَهرف وهم شَرائطَه، وكانوا اثني عشر نَقيباً كلهم من الأَنصار، وكان ع بادة بن الصامت منهم" )انتهى من لسان العرب لابن منظور(. الشاهد من ذلك كلّه: أنّ وجود النواب المم ثّلين عن الأمة في كلّ بلد وناحية؛ أمرٌ شرعيّ قام به النبيّ عليه الصلاة والسلام وصحابته الكرام، وهو مِّا ذكرناه من صفات أهل الحلّ والعقد، ينبغي مراعاتها في واقعنا المعاصر حين نسعى جاهدين لإقامة أمر يجمع هذه الأمة من جديد، وهنا تطرأ شبهة يتولّى كبرها الغلاة من المستنكفين عن قبول أمر الشرع بالتزام الشورى والرافضين لتحقيق دور الأمة الغائب، ا ولذي يحدّ حين ي فعّل من انحراف الحكم؛ فيأطر الحكّام على الحقّ أطرًا، ويقصرهم عليه قصرًا، – - كما جاء في الحديث 4 . 4 راجع مقال الكاتب "كيف الأمر إذا لم تكن جماعة؟"، وهو منشور في شبكة الألوكة، وفيه بيان دور الأمة من خلال الأحاديث الصحيحة.
  18. 18. شبهة للغلاة حول استحالة تطبيق الشورى وتفعيل دور الأمة في عصرنا الحاضر يقولون: كيف نطبّق هذه الشورى ونحقّق دور الأمة؟ وكيف نحقّق اجتماع أهل الحلّ والعقد كما كانوا في العهد الراشد والأم ر كما ترى من تفرّق وتشتّت؟ فإذا كان هذا متغذّرًا؛ فلا بدّ من ترك ذلك وعدم التفكير فيه فهو مستحيل بالنظر إلى الواقع! أقول وبالله التوفيق ردّا على هذه الشبهة ذات النّ فَس العلماني: إنّ الأزمة الفكرية التي يعيشها أعداء الشورى وتفعيل دور الأمة هي أنّم ينظرون إلى نصوص الشورى ومشاركة الأمة، ثم ينظرون إلى الواقع بتشابكاته ويرون "صعوبة" الخروج إلى وضع شوريّ راشد يتفق عليه الجميع، فيكون الحلّ عندهم هو نبذ الحكم الشرعي )الشورى( مطلقًا وكأنّه لم يكن ولم ي ؤمر به في الشرع، واللجوء إلى سنن التغلّب والاستبداد واغتصاب حقوق الأمة! وهو تعطيل لحكم الشرع وما أمر به الله عزّ وجلّ في كتابه وأجمع عليه الصحابة كما مرّ معنا، بل هو "تشريع" لهذا التعطيل، وهذا خطير جدّا. وهؤلاء مصابون بداء "الحدّيّة"؛ وهو يعني وضعهم لخيارين، أحدهما مستحيل، والآخر هو المعتمد بناء على استحالة الأول: فإما أن تكون آلية تنفيذ الشورى واضحة متفقا على كيفية تطبيقها بين الجميع دون أي خلاف - من أي أحد. وهي حالة مستحيلة في أيّ سياق بشري، والتفكير فيها تفكير مثالي سقيم، بلّ مرّ معنا كيف تعدّدت وسائل تطبيق الشورى وملابساتها في عهد الصفوة الراشدة من خير هذه الأمة، فما بالك بأوضاعنا المعاصرة؟!
  19. 19. والخيار الثاني الذي يعتمدونه بعد بيان استحالة الأول هو: أن ننبذ الشورى التي جاءت بها - نصوص الشرع وأجمع عليها الصحابة وطبّقها الراشدون بشكل كامل، ونلجأ إلى الاستبداد والقوة والتغلّب، ون شري عن ذلك كلّه بتعسّف النقول والاستشهادات في غير محلّها، فنكون قد وقعنا في مخالفة الشرع والبدعة الكبيرة التي قد تصل إلى الكفر؛ إذ إنكار وجوب حكم شرعي قطعي كفر مخرج من الملة )حتى الأمراء المتغلّبون عبر التاريخ الإسلامي، لم يجرؤ أحد منهم على الاستهزاء بحكم الشورى أو إنكار إمكانية تطبيقه، بل كانوا يتأوّلون أمرهم!(. وخيارهم الثاني هذا يذهب بهم إلى تعطيل الشرع، والزعم بأنّ الأمر بالشورى في كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام وسنّة الخلفاء الراشدين وما أجمع عليه صحابة رسول الله؛ لا معنى له، والأمر به وعدم الأمر به سواء؛ إذ في كلتا الحالتين سوف ننبذ الشورى ونحكّم التغلّب والاستبداد. وهو مسلك العلمانيّين المنابذين لشرع الله، في شبهتهم الشهيرة التي تقول: "بفهم مَ ن سنطبّق شرع الله؟ بفهم الجماعة الفلانية أم الشيخ الفلاني؟ فإذا كان الأمر على هذا الحال من اختلاف الدعاة؛ فلا مناص من نبذ دعوى تحكيم الشريعة والرجوع إلى العقل" 5 ! إنّ الحلّ هو إخلاص القصد إلى تطبيق الحكم الشرعي )الشورى( بجدّية، والتعاون مع جميع فصائل الأمة وقواها المخلصة، والسير نحو ذلك ببذل غاية الوسع. أما نبذ الشورى، وتفريق أمر أمة محمد عليه الصلاة والسلام، والخروج عليها بالسيف؛ يقتل برّها وفاجرها، وبزعم أحقية الخلافة وإبطال شرعية الآخرين واستحلال قتال المسلمين؛ فهو أبعد ما يكون عن تطبيق الشرع، وهو لا يعني نبذ الشورى فحسب، بل يعني الوقوع في عين البدعة وفي مناطات خطيرة كقتال المسلمين واستحلال دمائهم بهذه البدعة، وادّعاء حيازة جماعة المسلمين التي يأثم من يخرج عنها ويموت ميتة جاهلية! 5 ونحن نقول لهؤلاء العلمانيين: إلى عقل من نرجع؟ وإنّ في الشريعة محكمات يتفق عليها هؤلاء، وليس لديكم محكمات تتّفق عليها عقولكم فالأمر أوسع وأدعى للاختلاف، وإنّ دعوى عدم وجود متفق عليه في الشريعة بين الناس تقتضي الطعن بكتاب الله عزّ وجلّ وسنّة رسوله عليه الصلاة والسلام والزعم بأنّه قاب ل لكلّ فهم، فوجود الآيات وعدمها سواء، وهي شبهة متهافتة لا تصمد أمام حقائق الآيات والأحاديث!
  20. 20. الحلّ أن نمضي نحو ط ريق الشورى، ولو بخطوات بطيئة لوعورة الطريق، فالمهمّ أننا نسير في اتجاهها ولا نبتعد عنها، وإذا كان هناك هدف في قمة جبل )الشورى( فالحلّ الأمثل من أجل الوصول إليه وأنت على السفح هو بذل الجهد لمحاولة الصعود رغم كل العراقيل والصعاب، وليس التدحرج إلى الأسفل بقوة والسقوط إلى أسفل سافلين! إنّ المشكلة تكمن في هذه العقلية الحدّية التي تريد حسم الأحكام وفي آلية تنفيذها سَعة - واختلاف في قالب واحد لا يختلف عليه أحد، وإلا نَبذ ي ت الحكم كلّه واعتمدت سنن الكفار في - الاستبداد والتغلّب 6 ! ولتعلم بطلان هذه العقلية الحدّية انظر إلى فعل صحابة رسول الله صلّى الله عليه وسلم، حين قال لهم النبيّ عليه الصلاة والسلام يومَ الأحزا ي ب : "لا ي صلهيَنَّ أحدٌ العصرَ إلا في بَني ق رَيظَة ". فأدرك بعضَ هم العص ر في الطرييق، فقال بع ض هم: لا ن صلي حتى نَأتيَها، وقال بع ض هم: بل ن صلي، ثم ي رَدْ يمنَّا ذلك. ف ذكرَ ذلك للن ه بي صلَّى الله عليه وسلَّم فلم ي عَنهفْ واحدًا يمنهم )صحيح البخاري(. انظر إليهم لم يقولوا: "لا مجال لتطبيق هذا الأمر الشرعي؛ إذ لا نعرف آلية متفقا عليها في تنفيذه، ولذا ننبذه وكأنّه لم يكن"! بل اجتهدَ كلّ فريق منهم بما فهمه من الأمر الشرعي، وكانت غاية كلّ منهم الوصول إلى الفهم الصحيح لهذا الأمر، فبذلوا غاية الوسع في الانقياد للحكم، لمو يعنّفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. مع التأكيد على أنّ الأمر بالشورى وخصوصا في مجال الإمارة أوضح وأقل اختلافا في كيفية التنفيذ. - - إنّه لا مناص لهذه الأمة إلا بالسعي للاجتماع بكلّ الوسائل المتاحة، مهما كانت أشواك الطريق كثيفة، ومهما كانت العراقيل كثيرة. وإنّ انحراف الأمة إلى هذه الحالة من التفرّق والتشرذم لم يأت في يوم 6 غنيّ عن البيان أنّ أمم الكفر نفسها علمت خطورة التغلّب والاستبداد فاتّجهت في العصر الحديث إلى الطرق الديمقراطية، وهي على ما فيها من خلل وانحراف أفضل حالا من عهودهم المظلمة المليئة بالدماء والقتال على المُلك، فتأمّل!
  21. 21. وليلة، ولا يكون إصلاحه في يوم وليلة كذلك، بل هو بحاجة إلى إصلاح تدريجي يسير نحو الوحدة والاجتماع والائتلاف، كما أمر الله عزّ وجل في كتابه: "وَاعْتَ ي ص مواْ يبحَبْيل اللَّيه يَ جميعًا وَلاَ تَ فَرَّق واْ وَاذْ ك ر واْ نيعْمَةَ اللَّيه عَلَيْ كمْ إيذْ كنت مْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ ب يَْنَ ق ل وبي كمْ فَأَصْبَحْت م بينيعْمَتييه إيخْوَانًا وَ كنت مْ عَلَىَ شَفَا حفْرَةٍ همنَ .) النَّاير فَأَنقَذَ كم همنْ هَا كَذَليكَ ي بَ ه ين اللَّه لَ كمْ آيَاتييه لَعَلَّ كمْ تَ هْتَ دونَ" )آل عمران: 103 بل إنّ أحد أهمّ الأسباب التاريخية التي أدّت إلى تفرّق الأمة وضياع أمرها هو قتال أمرائها وتنازعهم على الملك والسلطة، وإنّاك قوى الأمة ومقدّراتها، مِّا أدى إلى فتح الثغرات للعدوّ المتربّص، وإلى استعانة المسلمين بالمشركين بل وإعانة المشركين على المسلمين كما حدث في الأندلس مع ملوك الطوائف المتغلّبين وصولا إلى الدخول طوعًا تحت ولاية المشركين كما في عصرنا الحاضر. وقد قال تعالى: "وَأَ ي طيع واْ اللَّهَ وَرَ سولَه وَلاَ تَ نَازَع واْ فَ تَ فْشَل واْ وَتَذْهَبَ يريح كمْ وَاصْيبر واْ إينَّ ال لَّهَ مَعَ الصَّابييرينَ" )الأنفال: 46 (. فمن السفه والخطل أن ي عتبر الخروج على أمّة محمّد بالسيف، والسعي في قتال قواها المنهكة بعد تضليلها وتبديعها؛ هو الطريق إلى الاجتماع والتمكين وحفظ بيضة المسلمين! والمسلم، بع د، ليس مطالبًا بتحقيق المطلوب منه شرعًا كيفما اتفق ولو اعتسفه اعتسافًا وأدّى به إلى سلوك مسلك البدع والمخالفات، بل هو مطالب باتباع الأمر على قدر الاستطاعة، قال تعالى: "لاَ ت كَلَّ ف ن فَْسٌ إيلاَّ وسْعَهَا" )البقرة: 233 (. وقال تعالى: "فَاتَّ قوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْت مْ وَاسَُْع وا وَأَ ي طيع وا وَأَنْيف قوا خَيْ رًا يلأَنْ ف ي س كمْ" )التغابن: 16 (. وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: "إذا - - نّيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم". فأمر بالاجتماع والوحدة، ويكون ذلك بحسب الاستطاعة؛ فلا ت برّر الوسيلة المحرّمة بقصد الغاية المشروعة. شريف محمد جابر فلسطين / ذو القعدة 1435 ه -

×