Your SlideShare is downloading. ×
‫مكتبة مشكاة‬                      ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬                                                    ‫اللسلمية‬...
‫مكتبة مشكاة‬                      ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬                                                    ‫اللسلمية‬...
‫مكتبة مشكاة‬                      ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬                                                     ‫اللسلمية...
‫مكتبة مشكاة‬                       ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬                                                    ‫اللسلمية...
‫مكتبة مشكاة‬                      ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬                                                    ‫اللسلمية‬...
‫مكتبة مشكاة‬                        ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬                                                       ‫اللس...
‫مكتبة مشكاة‬                      ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬                                                   ‫اللسلمية‬‫...
‫مكتبة مشكاة‬                      ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬                                                   ‫اللسلمية‬‫...
‫مكتبة مشكاة‬                        ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬                                                     ‫اللسلم...
‫مكتبة مشكاة‬                      ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬                                                    ‫اللسلمية‬...
‫مكتبة مشكاة‬                       ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬                                                     ‫اللسلمي...
‫مكتبة مشكاة‬                       ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬                                                    ‫اللسلمية...
‫مكتبة مشكاة‬                      ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬                                                     ‫اللسلمية...
‫مكتبة مشكاة‬                        ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬                                                       ‫اللس...
‫مكتبة مشكاة‬                          ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬                                                          ...
‫مكتبة مشكاة‬                        ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬                                                       ‫اللس...
‫مكتبة مشكاة‬                          ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬                                                          ...
‫مكتبة مشكاة‬                        ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬                                                       ‫اللس...
‫مكتبة مشكاة‬                       ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬                                                      ‫اللسلم...
‫مكتبة مشكاة‬                       ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬                                                     ‫اللسلمي...
‫مكتبة مشكاة‬                      ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬                                                     ‫اللسلمية...
‫مكتبة مشكاة‬                       ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬                                                     ‫اللسلمي...
‫مكتبة مشكاة‬                       ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬                                                     ‫اللسلمي...
‫مكتبة مشكاة‬                      ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬                                                      ‫اللسلمي...
‫مكتبة مشكاة‬                      ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬                                                   ‫اللسلمية‬ ...
‫مكتبة مشكاة‬                       ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬                                                     ‫اللسلمي...
‫مكتبة مشكاة‬                       ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬                                                    ‫اللسلمية...
‫مكتبة مشكاة‬                        ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬                                                      ‫اللسل...
‫مكتبة مشكاة‬                       ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬                                                     ‫اللسلمي...
‫مكتبة مشكاة‬                      ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬                                                    ‫اللسلمية‬...
‫مكتبة مشكاة‬                        ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬                                                       ‫اللس...
‫مكتبة مشكاة‬                      ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬                                                    ‫اللسلمية‬...
‫مكتبة مشكاة‬                       ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬                                                     ‫اللسلمي...
‫مكتبة مشكاة‬                       ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬                                                     ‫اللسلمي...
‫مكتبة مشكاة‬                        ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬                                                      ‫اللسل...
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
كليلة ودمنة
Upcoming SlideShare
Loading in...5
×

كليلة ودمنة

992

Published on

0 Comments
0 Likes
Statistics
Notes
  • Be the first to comment

  • Be the first to like this

No Downloads
Views
Total Views
992
On Slideshare
0
From Embeds
0
Number of Embeds
0
Actions
Shares
0
Downloads
6
Comments
0
Likes
0
Embeds 0
No embeds

No notes for slide

Transcript of "كليلة ودمنة"

  1. 1. ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫كليلة ودمنة‬ ‫لنبن المقفع‬ ‫أهم وأشهر كتب انبن المقفع على اللطلق‬ ‫وهو مجموعة من الحكايات تدور على ألسنة الحيوانات يحكيها‬ ‫الفيلسوف نبيدنبا للملك دنبشليم، ويبث من خللها انبن المقفع آراءه‬ ‫السيالسية في المنهج القويم للحكم، والمشهور أن انبن المقفع ترجم‬ ‫كُ ،مْ‬ ‫هذه الحكايات عن الفارلسية، وأنها هندية اللصل، لكن أنبحاثا كثيرة‬ ‫اً‬‫حديثة تؤكد أن كليلة ودمنة من تأليف انبن المقفع وليست مجرد ترجمة،‬ ‫كما أن نبعض هذه النبحاث يعتقد أن الراء التي أوردها انبن المقفع‬ ‫في كليلة ودمنة كانت أحد اللسباب المباشرة لنهايته الليمة،‬ ‫نبسم ا الرحمن الرحيم‬ ‫نباب مقدمة الكتاب‬ ‫قدمها نبهنود نبن لسحوان ويعرف نبعلي نبن الشاه الفارلسي. ذكر فيها‬ ‫السبب الذي من أجله عمل نبيدنبا الفيلسوف الهندي رأس البراهمة‬ ‫لدنبشليم ملك الهند كتانبه الذي لسماه كليلة ودمنة؛ وجعله على ألسن‬ ‫البهائم والطير لصيانة لغرضه فيه من العوام، وضنا نبما ضمنه عن‬ ‫اً‬‫الطغام؛ وتنزيها للحكمة وفنونها، ومحالسنها وعيونها؛ إذ هي للفيلسوف‬ ‫مندوحة، ولخالطره مفتوحة؛ ولمحبيها تثقي، ولطالبيها تشريف. وذكر‬ ‫السبب الذي من أجله أنفذ كسرى أنوشروان نبن قباذ نبن فيروز ملك‬ ‫الفرص نبروزيه رأس اللطباء إلى نبلد الهند كتاب كليلة ودمنة؛ وما كان‬ ‫1‬
  2. 2. ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫من تلطف نبروزيه عند دخوله إلى الهند؛ حتى حضر إليه الرجل الذي‬ ‫الستنسخه له لسرا من خزانة الملك ليل، مع ما وجد من كتب علماء‬ ‫اً‬ ‫الهند. وقد ذكر الذي كان من نبعثه نبروزيه إلى مملكة الهند لجل نقل‬ ‫هذا الكتاب؛ وذكر فيها ما يلزم مطالعه من إتقان قراءته والقيام‬ ‫نبدرالسته والنظر إلى نبالطن كلمه؛ وأنه إن لم يكن كذلك لك يحصل‬‫على الغاية منه. وذكر فيها حضور نبروزيه قراءة الكتاب جهرا. وقد ذكر‬ ‫السبب الذي من اجله وضع نبزرجمهر نبانبا مفردا يسمى نباب نبروزيه‬ ‫التطبب، وذكر فيه شأن نبروزيه من أول أمره وآن مولده إلى أن نبلغ‬ ‫التأديب، وأحب الحكمة واعتبر في أقسامها. وجعله قبل نباب اللسد‬ ‫والثور الذي هو أول الكتاب.‬ ‫قال علي نبن الشاه الفارلسي: كان السبب الذي من أجله وضع نبيدنبا‬‫الفيلسوف لدنبشليم ملك الهند كتاب كليلة ودمنة، أن اللسكندر ذا القرنين‬ ‫الرومي لما فرغ من أمر الملوك الذين كانوا نبناحية المغرب، لسار يريد‬ ‫ملوك الشرق من الفرس وغيرهم؛ فلم يزل يحارب من نازعه ويواقع‬‫من واقعه، ويسالم من وادعه من ملوك الفرس، وهم الطبقة الولى،‬ ‫حتى ظهر عليهم وقهر من ناوأه وتغلب على من حارنبه؛ فتفرقوا‬ ‫لطرائق وتمزقوا حزائق ، فتوجه نبالجنود نحو نبلد الصين؛ فبدأ في‬‫لطريقه نبملك الهند ليدعوه إلى لطاعته والدخول في ملته ووليته. وكان‬ ‫على الهند في ذلك الزمان ملك ذو لسطوة ونبأس وقوة ومراس، يقال‬ ‫له فور. فلما نبلغه إقبال ذي القرنين نحوه تأهب لمحارنبته، والستعد‬ ‫.ٌ‬‫لمجاذنبته؛ وشم إليه ألطرافه، وجد في التألب عليه؛ وجمع له العدة في‬ ‫2‬
  3. 3. ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫ألسرع مدة من الفيلة المعدة للحروب، والسباع المضراة نبالوثوب؛ مع‬ ‫الخيول المسرجة والسيوف القوالطع، والحراب اللوامع. فلما قرب ذو‬ ‫القرنين من فور الهندي ونبلغه ما أعد له من الخيل التي كأنها قطع‬‫الليل مما لم يلقه نبمثله أحد من الملوك الذين كانوا في القاليم، تخوف‬‫ذو القرنين من تقصير يقع نبه إن عجل المبارزة. وكان ذو القرنين رجل اً‬ ‫ذا حيل ومكايد، مع حسن تدنبير وتجرنبة، فرأى إعمال الحيلة والتمهل،‬ ‫واحتفر خندقا على عسكره؛ وأقام نبمكانه للستنباط الحيلة والتدنبير‬‫لمره؛ وكيف ينبغي له أي يقدم على اليقاع نبه، فالستدعى نبالمنجمين،‬ ‫وأمرهم نبالختيار ليوم موافق تكون له فيه لسعادة لمحارنبة ملك الهند‬ ‫والنصرة عليه. فاشتغلوا نبذلك. وكان ذو القرنين ل يمر نبمدينة إل أخذ‬ ‫الصناع المشهورين من لصناعها نبالحذق من كل لصنف. فأنتجت له‬ ‫همته ودلته فطنته أن يتقدم إلى الصناع الذين معه في أن يصنعوا‬ ‫خيل اً من نحاس مجوفة، عليها تماثيل من الرجال، على نبكر تجري، إذا‬ ‫ ٍ‬ ‫دفعت مرت لسراعا. وأمر إذا فرغوا منها أن تحشى أجوافها نبالنفط‬ ‫والكبريت؛ وتلبس وتقدم أمام الصف في القلب. ووقت ما يلتقي‬ ‫الجمعان تضرم فيها النيران. فإن الفيلة إذا لفت خرالطيمها على‬ ‫الفرلسان وهي حامية، ولت هارنبة، وأوعز إلى الصناع نبالتشمير‬ ‫والنكماش والفراغ منها. فجدوا في ذلك وعجلوا. وقرب أيضا وقت‬ ‫اختيار المنجمين. فأعاد ذو القرنين رلسله إلى فور يدعوه إليه من‬ ‫لطاعته والذعان لدولته. فأجاب جواب مصر على مصر على مخالفته،‬ ‫ ٍ‬ ‫مقيم على محارنبته. فلما رأى ذو القرنين عزيمته لسار إليه نبأهبته؛‬ ‫ ٍ‬ ‫3‬
  4. 4. ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫وقدم فور الفيلة أمامه، ودفعت الرجال تلك الخيل وتماثيل الفرلسان؛‬ ‫فأقبلت الفيلة نحوها، ولفت خرالطيمها عليها. فلما أحست نبالحرارة‬ ‫ألقت من كان عليها، ودالستهم تحت أرجلها، ومضت مهزومة هارنبة، ل‬ ‫تلوي على شيء ول تمر نبأحد إل ولطئته. وتقطع فور وجمعه، وتبعهم‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫ألصحاب اللسكندر؛ وأثخنوا فيهم الجراح.‬ ‫ولصاح اللسكندر: يا ملك الهند أنبرز إلينا، وأنبق على عدتك وعيالك، ول‬‫تحملهم على الفناء. فإنه ليس من المروءة أي يرمي الملك نبعدته في‬ ‫المهالك المتلفة والمواضع المجحفة، نبل يقيهم نبماله ويدافع عنهم‬‫نبنفسه. فأنبرز إلى ودع الجند، فأينا قهر لصاحبه فهو اللسعد. فلما لسمع‬ ‫فور من ذي القرنين ذلك الكلم دعته نفسه لملقاته لطمعا فيه؛ وظن‬ ‫ذلك فرلصة. فبرز إليه اللسكندر فتجاول على ظهري فرلسيهما لساعات‬ ‫اً‬ ‫من النهار ليس يلقى أحدهما من لصاحبه فرلصة؛ ولم يزال يتعاركان.‬ ‫اً‬ ‫فلما أعيا اللسكندر أمره ولم يجد له فرلصة ول حيلة أوقع ذو القرنين‬ ‫اً‬ ‫.ٌ‬ ‫في عسكره لصيحة عظيمة ارتجت لها الرض والعساكر؛ فالتفت فور‬ ‫عندما لسمع الزعقة، وظنها مكيدة في عسكره؛ فعاجله ذو القرنين‬ ‫نبضرنبة أمالته عن لسرجه، وتبعه نبأخرى؛ فوقع على الرض. فلما رأت‬ ‫الهند ما نزل نبهم، وما لصار إليه ملكهم؛ حملوا على اللسكندر فقاتلوه‬ ‫قتال اً أحبوا معه الموت. فوعدهم من نفسه الحسان، ومنحه ا‬ ‫أكتافهم؛ فالستولى على نبلدهم، وملك عليه رجل اً من ثقاته. وأقام‬ ‫نبالهند حتى الستوثق مما أراد من أمرهم واتفاق كلمتهم؛ ثم انصرف‬‫عن الهند وخلف ذلك الرجل عليهم. مضى متوجها نحو ما قصد له. فلما‬ ‫4‬
  5. 5. ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫نبعد ذو القرنين عن الهند نبجيوشه، تغيرت الهند عما كانوا عليه من‬ ‫لطاعة الرجل الذي خلفه عليهم؛ وقالوا ليس يصلح للسيالسة ول ترضى‬ ‫الخالصة والعامة أن يملكوا عليهم رجل اً ليس هو منهم ول من أهل‬‫نبيوتهم. فإنه ل يزال يستذلهم ويستقلهم. واجتمعوا يملكون عليهم رجل اً‬ ‫من أولد ملوكهم؛ فملكوا عليهم ملكا يقال له دنبشليم؛ وخلعوا الرجل‬ ‫الذي كان خلفه عليهم اللسكندر. فلما الستولسق له المر، والستقر له‬ ‫الملك. وكان مع ذلك مؤيدا مظفرا منصورا. فهانبته الرعية. فلما رأى ما‬ ‫هو عليه من الملك والسطوة، عبث نبالرعية والستصغر أمرهم وألساء‬ ‫السيرة فيهم. وكان ل ترتقي حاله إل ازداد عتوا. فمكث على ذلك‬ ‫.ٌ‬ ‫نبرهة من دهره. وكان في زمانه رحل فيلسوف من البراهمة، فاضل‬ ‫حكيم، يعرف نبفضله، ويرجع في المور إلى قوله، يقال له نبيدنبا. فلما‬ ‫.ٌ‬ ‫رأى الملك وما هو عليه من الظلم للرعية، فكر في وجه الحيلة في‬ ‫لصرفه عما هو عليه، ورده إلى العدل والنصاف؛ فجمع لذلك تلميذه،‬‫وقال: أتعلمون ما أريد أن أشاوركم فيه? اعلموا إني ألطلت الفكرة في‬ ‫دنبشليم وما هو عليه من الخروج عن العدل ولزوم الشر ورداءة‬ ‫السيرة ولسوء العشرة مع الرعية؛ ونحن ما نروض أنفسنا لمثل هذه‬ ‫المور إذا ظهرت من الملوك، غل لنردهم إلى فعل الخير ولزوم‬ ‫العدل.‬ ‫ومتى أغفلنا ذلك وأهملناه لزم وقوع المكروه نبنا، ونبلوغ المحذورات‬ ‫إلينا؛ غذ كنا في أنفس الجهال أجهل منهم؛ وفي العيون عندهم أقل‬ ‫منهم. وليس الرأي عندي الجلء عن الولطن. ول يسعنا في حكمتنا‬ ‫5‬
  6. 6. ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫إنبقاؤه على ما هو عليه من لسوء السيرة وقبح الطريقة. ول يمكننا‬ ‫مجاهدته نبغير ألسنتنا. ولو ذهبنا إلى أن نستعين نبغيرنا لم تتهيأ لنا‬ ‫معاندته. وإن أحس منا نبمحالفته وإنكارنا لسوء لسيرته كان في ذلك‬‫نبوارنا. وقد تعلمون أن مجاورة السبع والكلب والحية والثور على لطيب‬‫الولطن ونضارة العيش لغدر نبالنفس. وإن الفيلسوف لحقيق أن تكون‬ ‫.ٌ‬ ‫ ٍ‬ ‫همته مصروفة إلى ما يحصن نبه نفسه من نوازل المكروه ولواحق‬ ‫المحذور؛ ويدفع المخوف للستجلب المحبوب. ولقد كنت ألسمع أن‬‫فيلسوفا كتب لتلميذه يقول: إن مجاور رجال السوء ومصاحبهم كراكب‬‫البحر: إن لسلم من الغرق لم يسلم من المخاوف. فإذا هو أورد نفسه‬ ‫موارد المهلكات ومصادر المخوفات، عد من الحمير التي ل نفس لها.‬‫لن الحيوان البهيمية قد خصت في لطبائعها نبمعرفة ما تكتسب نبه النفع‬ ‫وتتوقى المكروه: وذلك أننا لم نرها تورد أنفسها موردا فيه هلكتها.‬‫وأنها متى أشرفت على مورد مهلك لها، مالت نبطبائعها التي ركبت فيها -‬ ‫شحا نبأنفسها ولصيانة لها - إلى النفور والتباعد عنه، وقد جمعتكم لهذا‬ ‫اً‬ ‫المر: لنكم ألسرتي ومكان لسري وموضع معرفتي؛ ونبكم أعتضد،‬ ‫وعليكم أعتمد. فإن الوحيد في نفسه والمنفرد نبرأيه حيث كان فهو‬ ‫ضائع ول نالصر له. على أن العاقل قد يبلغ نبحيلته ما ل يبلغ نبالخيل‬ ‫والجنود. والمثل في ذلك أن قنبرة اتخذت أدخية ونباضت فيها على‬ ‫اً‬ ‫اً‬ ‫لطريق الفيل؛ وكان للفيل مشرب يتردد إليه. فمر ذات يوم على عادته‬ ‫ليرد مورده فولطئ عش القنبرة؛ وهشم نبيضها وقتل فراخها. فلما‬ ‫نظرت ما لساءها، علمت أن الذي نالها من الفيل ل من غيره. فطارت‬ ‫6‬
  7. 7. ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬‫فوقعت على رألسه نباكية؛ ثم قالت: أيها الملك لم هشمت نبيضي وقتلت‬ ‫اً‬ ‫فراخي، وأنا في جوارك? أفعلت هذا الستصغارا منك لمري واحتقارا‬‫لشأني. قال: هو الذي حملني على ذلك. فتركته وانصرفت إلى جماعة‬ ‫الطير؛ فشكت إليها ما نالها من الفيل. فقلن لها وما عسى أن نبلغ منه‬‫ونحن الطيور? فقالت للعقاعق والغرنبان: أحب منكن أن تصرن معي‬ ‫إليه فتفقأن عينيه؛ فإني أحتال له نبعد ذلك حيلة أخرى. فأجبنها إلى‬ ‫اً‬‫ذلك، وذهبن إلى الفيل، ولم يزلن ينقرن عينيه حتى ذهبن نبهما. ونبقي‬ ‫ل يهتدي إلى لطريق مطعمه ومشرنبه إل ما يلقمه من موضعه. فلما‬‫علمت ذلك منه، جاءت إلى غدير فيه ضفادع كثير، فشكت إليها ما نالها‬ ‫من الفيل.‬ ‫قالت الضفادع: ما حيلتنا نحن في عظم الفيل? وأين نبلغ منه. قالت:‬ ‫احب منكن أن تصرن معي إلى وهدة قريبة منه، فتنققن فيها،‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫وتضججن. فإنه إذا لسمع ألصواتكن لم يشك في الماء فيهوي فيها.‬ ‫فأجبنها إلى ذلك؛ واجتمعن في الهاوية، فسمع الفيل نقيق الضفادع،‬ ‫وقد اجهده العطش، فأقبل حتى وقع في الوهدة، فارتطم فيها.‬ ‫وجاءت القنبرة ترفرف على رألسه؛ وقالت: أيها الطاغي المغتر نبقوته‬‫المحتقر لمري، كيف رأيت عظم حيلتي مع لصغر جثتي عند عظم جثتك‬ ‫ولصغر همتك? فليشر كل واحد منكم نبما يسنح له من الرأي. قالوا‬ ‫نبأجمعهم: أيها الفيلسوف الفاضل، والحكيم العادل، أنت المقدم فينا،‬ ‫والفاضل علينا، وما عسى أن يكون مبلغ رأينا عند رأيك، وفهمنا عند‬ ‫فهمك? غير أننا نعلم أن السباحة في الماء مع التمالسيح تغرير؛‬ ‫.ٌ‬ ‫7‬
  8. 8. ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬‫والذنب فيه لمن دخل عليه في موضعه. والذي يستخرج السم من ناب‬ ‫الحية فيبتلعه ليجرنبه جان على نفسه، فليس الذنب للحية. ومن دخل‬ ‫ ٍ‬ ‫على اللسد في غانبته لم يأمن من وثبته. وهذا الملك لم تفزعه‬‫النوائب، ولم تؤدنبه التجارب. ولسنا نأمن عليك ول على أنفسنا لسطوته‬ ‫وإنا نخاف عليك من لسورته ومبادرته نبسوء إذا لقيته نبغير ما يحب.‬ ‫ ٍ‬‫فقال الحكيم نبيدنبا: لعمري لقد قلتم فأحسنتم، لكن ذا الرأي الحازم ل‬ ‫يدع أن يشاور من هو دونه أو فوقه في المنزلة. والرأي الفرد ل‬ ‫يكتفي نبه في الخالصة ول ينتفع نبه في العامة. وقد لصحت عزيمتي‬ ‫على لقاء دنبشليم. وقد لسمعت مقالتكم؛ وتبين لي نصيحتكم‬ ‫والشفاق علي وعليكم. غير أني قد رأيت رأيا وعزمت عزما؛‬‫ولستعرفون حديثي عند الملك ومجاونبتي إياه فإذا اتصل نبكم خروجي‬ ‫من عنده فاجتمعوا إلي. ولصرفهم يدعون له نبالسلمة.‬ ‫ثم إن نبيدنبا اختار يوما للدخول على الملك؛ حتى إذا كان ذلك الوقت‬‫ألقى عليه مسوحة وهي لباس البراهمة؛ وقصد نباب الملك، ولسأل عن‬‫لصاحب إذنه وأرشد إليه ولسلم عليه؛ وأعلمه قال لي: إني رجل قصدت‬ ‫الملك في نصيحة. فدخل الذن على الملك في وقته؛ وقال: نبالباب‬ ‫ ٍ‬ ‫رجل من البراهمة يقال له نبيدنبا، ذكر أن معه للملك نصيحة. فأذن له؛‬ ‫.ٌ‬ ‫فدخل ووقف نبين يديه وكفر ولسجد له والستوى قائما ولسكت.‬ ‫وفكر دنبشليم في لسكوته؛ وقال: إن هذا لم يقصدنا إل لمرين: إما‬ ‫للتماس شيء منا يصلح نبه حاله، وإما لمر لحقه فلم تكن له نبه‬ ‫ ٍ‬ ‫لطاقة. ثم قال: إن كان للملوك فضل في مملكتها فإن للحكماء فضل اً‬ ‫.ٌ‬ ‫.ٌ‬ ‫8‬
  9. 9. ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫في حكمتها أعظم: لن الحكماء أغنياء عن الملوك نبالعلم وليس‬ ‫الملوك أغنياء عن الحكماء نبالمال. وقد وجدت العلم والحيا إلفين‬‫متآلفين ل يفترقان: متى فقد أحدهما لم يوجد الخر؛ كالمتصافيين إن‬ ‫عدم منهما أحد لم يطب لصاحبه نفسا نبالبقاء تألسفا عليه. ومن لم‬‫يستحي من الحكماء ويكرمهم، ويعرف فضلهم على غيرهم، ويصنهم‬ ‫عن المواقف الواهنة، وينزههم عن الموالطن الرذلة كان ممن حرم‬‫عقله، وخسر دنياه، وظلم الحكماء حقوقهم، وعد من الجهال. ثم رفع‬ ‫رألسه إلى نبيدنبا؛ وقال له: نظرت إليك يا نبيدنبا لساكتا ل تعرض حاجتك،‬ ‫ول تذكر نبغيتك، فقلت: إن الذي ألسكته هيبة لساورته أو حيرة أدركته؛‬ ‫.ٌ‬ ‫.ٌ‬ ‫وتأملك عند ذلك من لطول وقوفك، وقلت: لك يكن لبيدنبا أن يطرقنا‬‫على غير عادة عن لسبب دخوله؛ فإن لم يكن من ضيم ناله، كنت أولى‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫من أخذ نبيده ولسارع في تشريفه، وتقدم في البلوغ إلى مراده‬ ‫وإعزازه؛ وإن كانت نبغيته غرضا من أغراض الدنيا أمرت نبإرضائه من‬ ‫ذلك فيما أحب؛ وإن يكن من أمر الملك، ومما ل ينبغي أن يبذلوه من‬ ‫أنفسهم ول ينقادوا إليه نظرت في قدر عقونبته؛ على أن مثله لم يكن‬ ‫ليجترئ على إدخال نفسه في نباب مسألة الملوك؛ وإن كان شيئا من‬ ‫أمور الرعية يقصد فيه أني ألصرف عنايتي إليهم، نظرت ما هو؛ فإن‬‫الحكماء ل يشيرون إل نبالخير، والجهال يشيرون نبضده. وأنا قد فسحت‬‫لك في الكلم. فلما لسمع نبيدنبا ذلك من الملك أفرخ روعه ؛ ولسرى عنه‬ ‫ما كان وقع في نفسه من خوفه وكفر له ولسجد؛ ثم قام نبين يديه‬ ‫وقال: أول ما أقول لك ألسأل ا تعالى نبقاء الملك على النبد، ودوام‬ ‫9‬
  10. 10. ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫ملكه على المد: لن الملك قد منحني في مقامي هذا محل اً جعله‬ ‫شرفا لي على جميع من نبعدي من العلماء؛ وذكرا نباقيا على الدهر‬‫عند الحكماء. ثم أقبل على الملك نبوجهه، مستبشرا نبه فرحا نبما نبدا له‬‫منه، وقال: قد عطف الملك علي نبكرمه وإحسانه. والمر الذي دعاني‬ ‫إلى الدخول على الملك، وحملني على المخالطرة لكلمه، والقدام‬‫عليه، نصيحة اختصصته نبها دون غيره. ولسيعلم من يتصل نبه ذلك أني‬ ‫.ٌ‬ ‫لم أقصر عن غاية فيما يجب للمولى على الحكماء. فإن فسح في‬ ‫ ٍ‬ ‫كلمي ووعاه عني، فهو حقيق نبذلك وما يراه؛ وإن هو ألقاه، فقد‬ ‫نبلغت ما يلزمني وخرجت من لوم يلحقني.‬ ‫قال الملك نبيدنبا تكلم كيف شئت: فإنني مصغ إليك، ومقبل عليك،‬ ‫ ٍ‬‫ولسامع منك، حتى ألستفرغ ما عندك إلى آخره، وأجازيك على ذلك نبما‬ ‫أنت أهله. قال نبيدنبا: إني وجدت المور التي اختص نبها النسان من‬ ‫نبين لسائر الحيوانات أرنبعة أشياء، وهي جماع ما في العالم، وهي‬ ‫01‬
  11. 11. ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬‫الحكمة والعفة والعقل والعدل. والعلم والدب والروية داخلة في نباب‬ ‫.ٌ‬‫الحكمة. والحلم والصبر والوقار داخلة في نباب العقل. والحياء والكرم‬ ‫.ٌ‬ ‫والصيانة والنفة داخلة في نباب العفة. والصدق والحسان والمراقبة‬ ‫.ٌ‬‫وحسن الخلق داخلة في نباب العدل. وهذه هي المحالسن، وأضدادها‬ ‫.ٌ‬ ‫هي المساوئ. فمتى كملت هذه في واحد ٍ لم تخرجه الزيادة في‬ ‫نعمة إلى لسوء الحظ من دنياه ول إلى نقص في عقباه، ولم يتألسف‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫على ما لم يعن التوفيق نببقائه، ولم يحزنه ما تجري نبه المقادير في‬ ‫ملكه، ولك يدهش عند مكروه. فالحكمة كنز ل يفنى على إنفاق،‬ ‫ ٍ‬ ‫.ٌ‬ ‫ ٍ‬ ‫وذخيرة ل يضرب لها نبالملق ، وحلة ل تخلق جدها، ولذة ل تنصرم‬ ‫.ٌ‬ ‫.ٌ‬ ‫مدتها. ولئن كنت عند مقامي نبين يدي الملك أمسكت عن انبتدائه‬ ‫نبالكلم، وإن ذلك لم يكن مني إل لهيبته والجلل له. ولعمري إن‬ ‫الملوك لهل أن يهانبوا؛ ل لسيما من هو في المنزلة التي جل فيها‬ ‫.ٌ‬ ‫الملك عن منازل الملوك قبله. وقد قالت العلماء: الزم السكوت؛ فإن‬‫اً‬ ‫فيه لسلمة؛ وتجنب الكلم الفارغ؛ فإن عاقبته الندامة. وحكي أن أرنبعة‬ ‫اً‬ ‫من العلماء ضمهم مجلس الملك، فقال لهم: ليتكلم كل نبكلم يكون‬ ‫.ٌ‬ ‫ألصل اً للدب. فقال أحدهم: أفضل خلة العلم السكوت. وقال الثاني:‬ ‫إن من انفع الشياء للنسان أن يعرف قدر منزلته من عقله. وقال‬ ‫الثالث: أنفع الشياء للنسان أل يتكلم نبما ل يعنيه. وقال الرانبع: أروح‬‫المور على النسان التسليم للمقادير. واجتمع في نبعض الزمان ملوك‬ ‫القاليم من الصين والهند وفارس والروم؛ وقالوا ينبغي أن يتكلم كل‬‫واحد منا نبكلمة تدون عنه على غانبر الدهر. فقال ملك الصين: أنا على‬ ‫ ٍ‬ ‫11‬
  12. 12. ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫ما لم أقل أقدر مني على رد ما قلت. وقال ملك الهند: عجبت لمن‬ ‫يتكلم نبالكلمة فإن كانت له لم تنفعه، وإن كانت عليه أونبقته . وقال‬ ‫ملك فارس: أنا إذا تكلمت نبالكلمة ملكتني، وإذا لم أتكلم نبها ملكتها.‬ ‫وقال ملك الروم: ما ندمت على ما لم أتكلم نبه قط، ولقد ندمت على‬ ‫ما تكلمت نبه كثيرا. والسكوت عند الملوك أحسن من الهذر الذي ل‬ ‫يرجع منه إلى نفع. وأفضل ما الستظل نبه النسان لسانه. غير أن‬ ‫الملك، ألطال ا مدته، لما فسح لي في الكلم وأولسع لي فيه؛ كان‬ ‫أولى ما أنبدأ نبه من المور التي هي غرضي أن يكون ثمرة ذلك له‬ ‫دوني؛ وأن اختصه نبالفائدة قبلي. على أن العقبى هي ما أقصد في‬ ‫كلمي له؛ وإنما نفعه وشرفه راجع إليه؛ وأكون أنا قد قضيت فرضا‬ ‫.ٌ‬ ‫وجب علي فأقول: أيها الملك إنك في منازل آنبائك وأجدادك من‬ ‫الجبانبرة الذين ألسسوا الملك قبلك، وشيدوه دونك، ونبنوا القلع‬‫والحصون، ومهدوا البلد، وقادوا الجيوش؛ والستجاشوا العدة ، ولطالت‬‫لم المدة؛ والستكثروا من السلح والكراع؛ وعاشوا الدهور، في الغبطة‬ ‫والسرور؛ فلم يمنعهم ذلك من اكتساب جميل الذكر، ول قطعهم عن‬ ‫اغتنام الشكر؛ ول الستعمال الحسان إلى من خولوه، والرفاق نبمن‬ ‫ولوه، وحسن السيرة فيما تقلدوه؛ مع عظم ما كانوا فيه من غرة‬ ‫الملك، ولسكرة القتدار. وإنك أيها الملك السعيد جدة، الطالع كوكب‬ ‫لسعده، قد ورثت أرضهم وديارهم وأموالهم ومنازلهم التي كانت‬‫عدتهم؛ فأقمت فيما خولت من الملك وورثت من الموال والجنود؛ فلم‬ ‫تقم في ذلك نبحق ما يجب عليك؛ نبل لطغيت ونبغيت وعتوت وعلوت‬ ‫21‬
  13. 13. ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬‫على الرعية، وألسأت السيرة، وعظمت منك البلية. وكان الولى والشبه‬ ‫نبك أن تسلك لسبيل ألسلفك، وتتبع آثار الملوك قبلك، وتقفو محالسن ما‬ ‫أنبقوه لك، وتقلع عما عاره لزم لك، وشينه واقع نبك؛ تحسن النظر‬‫نبرعيتك، وتسن لهم لسنن الخير الذي يبقى نبعدك ضره، ويعقبك الجميل‬ ‫فخره؛ ويكون ذلك أنبقى على السلمة وأدوم على اللستقامة. فإن‬ ‫الجاهل المغتر من الستعمل في أموره البطر والمنية، والحازم اللبيب‬‫من لساس الملك نبالمداراة والرفق؛ فانظر أيها الملك ما ألقيت إليك، ول‬‫يثقلن ذلك عليك: فلم أتكلم نبهذا انبتغاء عرض تجازيني نبه، ول التماس‬ ‫ ٍ‬ ‫معروف تكافئني نبه؛ ولكني أتيتك نالصحا مشفقا عليك.‬ ‫ ٍ‬ ‫فلما فرغ منه نبيدنبا من مقالته، وقضى منالصحته، أوغر لصدر الملك‬ ‫فأغلظ له في الجواب الستصغارا لمره؛ وقال: لقد تكلمت نبكلم ما‬ ‫ ٍ‬ ‫كنت أظن أحدا من أهل مملكتي يستقبلني نبمثله، ول يقدم على ما‬ ‫أقدمت عليه. فكيف أنت مع لصغر شأنك، وضعف منتك وعجز قوتك?‬ ‫ولقد أكثرت إعجانبي من إقدامك علي، وتسلطك نبلسانك فيما جاوزت‬ ‫فيه حدك. وما أجد شيئا في تأديب غيرك أنبلغ من التنكيل نبك. فذلك‬ ‫عبرة وموعظة لكن عساه أن يبلغ ويروم ما رمت أنت من الملوك إذا‬ ‫.ٌ‬ ‫.ٌ‬ ‫أولسعوا لهم في مجالسهم. ثم أمر نبه أن يقتل ويصلب. فلما مضوا نبه‬ ‫فيما أمر، فكر فيما أمر نبه فأحجم عنه، ثم أمر نبحبسه وتقييده. فلما‬ ‫حبس أنفذ في لطلب تلميذه ومن كان يجتمع إليه فهرنبوا في البلد‬ ‫واعتصموا نبجزائر البحار؛ فمكث نبيدنبا في محبسه أياما ل يسأل الملك‬ ‫.ٌ‬ ‫عنه، ول يلتفت إليه؛ ول يجسر أحد أن يذكره عنده؛ حتى إذا كان ليلة‬ ‫.ٌ‬ ‫31‬
  14. 14. ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫من الليالي لسهد الملك لسهدا شديدا ؛ فطال لسهده، ومد إلى الفلك‬ ‫نبصره؛ وتفكر في تفلك الفلك وحركات الكواكب، فأغرق الفكر فيه؛‬‫فسلك نبه إلى الستنباط شيء عرض له من أمور الفلك، والمسألة عنه.‬ ‫ ٍ‬ ‫فذكر عند ذلك نبيدنبا، وتفكر فيما كلمه نبه؛ فأرعوى لذلك. وقال في‬ ‫نفسه: لقد ألسأت فيما لصنعت نبهذا الفيلسوف، وضيعت واجب حقه؛‬ ‫وحملني على ذلك لسرعة الغضب. وقد قالت العلماء: أرنبعة ل ينبغي‬ ‫.ٌ‬ ‫أن تكون في الملوك: الغضب فإنه أجد الشياء مقتا؛ والبخل فإن‬‫لصاحبه ليس نبمعذور مع ذات يده؛ والكذب فإنه ليس لحد أن يجاوره؛‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬‫والعنف في المحاورة فإن السفه ليس من شأنها. وإني أتي إلى رجل‬‫نصح لي، ولم يكن مبلغا؛ فعاملته نبضد ما يستحق، وكافأته نبخلف ما‬ ‫يستوجب. وما كان هذا جزاءه مني؛ نبل كان الواجب أن ألسمع كلمه،‬‫وأنقاد لما يشير نبه. ثم أنفذ في لساعته من يأتيه نبه. فلما مثل نبين يديه‬ ‫قال له: يا نبيدنبا ألست الذي قصدت إلى تقصير همتي، وعجزت رأيي‬ ‫في لسيرتي نبما تكلمت نبه آنفا? قال له نبيدنبا: أيها الملك النالصح‬ ‫الشفيق، والصادق الرفيق، إنما نبأتك نبما فيه لصلح لك ولرعيتك،‬ ‫.ٌ‬ ‫ودوام ملكك لك، قال له الملك: يا نبيدنبا أعد علي كلمك كله، ول تدع‬‫منه حرفا إل جئت نبه. فجعل نبيدنبا ينثر كلمه، والملك مصغ إليه. وجعل‬ ‫ ٍ‬‫دنبشليم كلما لسمع منه شيئا ينكت على الرض نبشيء كان في يده. ثم‬ ‫ ٍ‬ ‫رفع لطرفه إلى نبيدنبا، وأمره نبالجلوس. وقال له: يا نبيدنبا، إني قد‬ ‫الستعذنبت كلمك وحسن موقعه من قلبي. وأنا ناظر في الذي أشرت‬ ‫نبه، وعامل نبما أمرت. ثم أمر نبقيوده فحلت. وألقى عليه من لبالسه،‬ ‫41‬
  15. 15. ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬‫اً‬ ‫وتلقاه نبالقبول. فقال نبيدنبا: يا أيها الملك، إن في دون ما كلمتك نبه نهية‬ ‫لمثلك. قال: لصدقت أيها الحكيم الفاضل. وقد وليتك من مجلسي هذا‬‫إلى جميع أقالصي مملكتي. فقال له: أيها الملك أعفني من هذا المر:‬‫فإني غير مضطلع نبتقويمه إل نبك. فأعفاه من ذلك. فلما انصرف، علم‬ ‫ ٍ‬ ‫أن الذي فعله ليس نبرأي، فبث فرده. وقال: إني فكرت في إعفائك‬ ‫مما عرضته عليك فوجدته ل يقوم إل نبك، ول ينهض نبه غيرك، ول‬ ‫يضطلع نبه لسواك. فل تخالفني فيه. فأجانبه نبيدنبا إلى ذلك.‬‫وكان عادة ملوك ذلك الزمان إذا الستوزروا وزيرا أن يعقدوا على رألسه‬‫تاجا، ويركب في أهل المملكة، ويطاف نبه في المدينة. فأمر الملك أن‬‫يفعل نببيدنبا ذلك. فوضع التاج على رألسه، وركب المدينة ورجع فجلس‬ ‫نبمجلس العدل والنصاف: يأخذ للدني من الشريف، ويساوي نبين‬‫القوي والضعيف؛ ورد المظالم، ووضع لسنن العدل، وأكثر من العطاء‬‫والبذل. واتصل الخبر نبتلميذه فجاءوه من كل مكان، فرحين نبما جدد‬ ‫ا له من جديد رأي الملك في نبيدنبا؛ وشكروا ا تعالى على توفيق‬ ‫نبيدنبا في إزالة دنبشليم عما كان عليه من لسوء السيرة، واتخذوا ذلك‬ ‫اليوم عيدا يعيدون فيه فهو إلى اليوم عيد.ٌ عندهم في نبلد الهند.‬ ‫فلما فرغ منه نبيدنبا من مقالته، وقضى منالصحته، أوغر لصدر الملك‬ ‫فأغلظ له في الجواب الستصغارا لمره؛ وقال: لقد تكلمت نبكلم ما‬ ‫ ٍ‬ ‫كنت أظن أحدا من أهل مملكتي يستقبلني نبمثله، ول يقدم على ما‬ ‫أقدمت عليه. فكيف أنت مع لصغر شأنك، وضعف منتك وعجز قوتك?‬ ‫ولقد أكثرت إعجانبي من إقدامك علي، وتسلطك نبلسانك فيما جاوزت‬ ‫51‬
  16. 16. ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫فيه حدك. وما أجد شيئا في تأديب غيرك أنبلغ من التنكيل نبك. فذلك‬ ‫عبرة وموعظة لكن عساه أن يبلغ ويروم ما رمت أنت من الملوك إذا‬ ‫.ٌ‬ ‫.ٌ‬‫أولسعوا لهم في مجالسهم. ثم أمر نبه أن يقتل ويصلب. فلما مضوا نبه‬ ‫فيما أمر، فكر فيما أمر نبه فأحجم عنه، ثم أمر نبحبسه وتقييده. فلما‬ ‫حبس أنفذ في لطلب تلميذه ومن كان يجتمع إليه فهرنبوا في البلد‬ ‫واعتصموا نبجزائر البحار؛ فمكث نبيدنبا في محبسه أياما ل يسأل الملك‬ ‫.ٌ‬ ‫عنه، ول يلتفت إليه؛ ول يجسر أحد أن يذكره عنده؛ حتى إذا كان ليلة‬ ‫.ٌ‬ ‫من الليالي لسهد الملك لسهدا شديدا ؛ فطال لسهده، ومد إلى الفلك‬ ‫نبصره؛ وتفكر في تفلك الفلك وحركات الكواكب، فأغرق الفكر فيه؛‬‫فسلك نبه إلى الستنباط شيء عرض له من أمور الفلك، والمسألة عنه.‬ ‫ ٍ‬ ‫فذكر عند ذلك نبيدنبا، وتفكر فيما كلمه نبه؛ فأرعوى لذلك. وقال في‬ ‫نفسه: لقد ألسأت فيما لصنعت نبهذا الفيلسوف، وضيعت واجب حقه؛‬ ‫وحملني على ذلك لسرعة الغضب. وقد قالت العلماء: أرنبعة ل ينبغي‬ ‫.ٌ‬ ‫أن تكون في الملوك: الغضب فإنه أجد الشياء مقتا؛ والبخل فإن‬‫لصاحبه ليس نبمعذور مع ذات يده؛ والكذب فإنه ليس لحد أن يجاوره؛‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬‫والعنف في المحاورة فإن السفه ليس من شأنها. وإني أتي إلى رجل‬‫نصح لي، ولم يكن مبلغا؛ فعاملته نبضد ما يستحق، وكافأته نبخلف ما‬‫يستوجب. وما كان هذا جزاءه مني؛ نبل كان الواجب أن ألسمع كلمه،‬‫وأنقاد لما يشير نبه. ثم أنفذ في لساعته من يأتيه نبه. فلما مثل نبين يديه‬ ‫قال له: يا نبيدنبا ألست الذي قصدت إلى تقصير همتي، وعجزت رأيي‬ ‫في لسيرتي نبما تكلمت نبه آنفا? قال له نبيدنبا: أيها الملك النالصح‬ ‫61‬
  17. 17. ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫الشفيق، والصادق الرفيق، إنما نبأتك نبما فيه لصلح لك ولرعيتك،‬ ‫.ٌ‬ ‫ودوام ملكك لك، قال له الملك: يا نبيدنبا أعد علي كلمك كله، ول تدع‬‫منه حرفا إل جئت نبه. فجعل نبيدنبا ينثر كلمه، والملك مصغ إليه. وجعل‬ ‫ ٍ‬‫دنبشليم كلما لسمع منه شيئا ينكت على الرض نبشيء كان في يده. ثم‬ ‫ ٍ‬ ‫رفع لطرفه إلى نبيدنبا، وأمره نبالجلوس. وقال له: يا نبيدنبا، إني قد‬ ‫الستعذنبت كلمك وحسن موقعه من قلبي. وأنا ناظر في الذي أشرت‬ ‫نبه، وعامل نبما أمرت. ثم أمر نبقيوده فحلت. وألقى عليه من لبالسه،‬‫اً‬ ‫وتلقاه نبالقبول. فقال نبيدنبا: يا أيها الملك، إن في دون ما كلمتك نبه نهية‬ ‫لمثلك. قال: لصدقت أيها الحكيم الفاضل. وقد وليتك من مجلسي هذا‬‫إلى جميع أقالصي مملكتي. فقال له: أيها الملك أعفني من هذا المر:‬‫فإني غير مضطلع نبتقويمه إل نبك. فأعفاه من ذلك. فلما انصرف، علم‬ ‫ ٍ‬ ‫أن الذي فعله ليس نبرأي، فبث فرده. وقال: إني فكرت في إعفائك‬ ‫مما عرضته عليك فوجدته ل يقوم إل نبك، ول ينهض نبه غيرك، ول‬ ‫يضطلع نبه لسواك. فل تخالفني فيه. فأجانبه نبيدنبا إلى ذلك.‬‫وكان عادة ملوك ذلك الزمان إذا الستوزروا وزيرا أن يعقدوا على رألسه‬‫تاجا، ويركب في أهل المملكة، ويطاف نبه في المدينة. فأمر الملك أن‬‫يفعل نببيدنبا ذلك. فوضع التاج على رألسه، وركب المدينة ورجع فجلس‬ ‫نبمجلس العدل والنصاف: يأخذ للدني من الشريف، ويساوي نبين‬‫القوي والضعيف؛ ورد المظالم، ووضع لسنن العدل، وأكثر من العطاء‬‫والبذل. واتصل الخبر نبتلميذه فجاءوه من كل مكان، فرحين نبما جدد‬ ‫ا له من جديد رأي الملك في نبيدنبا؛ وشكروا ا تعالى على توفيق‬ ‫71‬
  18. 18. ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫نبيدنبا في إزالة دنبشليم عما كان عليه من لسوء السيرة، واتخذوا ذلك‬ ‫اليوم عيدا يعيدون فيه فهو إلى اليوم عيد.ٌ عندهم في نبلد الهند.‬ ‫ثم أن نبيدنبا لما أخلى فكره من اشتغاله نبدنبشليم، تفرغ لوضع كتب‬‫السيالسة ونشط لها، فعمل كتبا كثيرة، فيها دقائق الحيل. ومضى الملك‬ ‫اً‬ ‫على ما رلسم له نبيدنبا من حسن السيرة والعدل في الرعية. فرغبت‬ ‫إليه الملوك الذين كانوا في نواحيه، وانقادت له المور على الستوائها.‬ ‫وفرحت نبه رعيته وأهل مملكته. ثم أن نبيدنبا جمع تلميذه فأحسن‬ ‫لصلتهم، ووعدهم وعدا جميل. وقال لهم: لست أشك أنه وقع في‬ ‫اً‬‫نفولسكم وقت دخولي على الملك أن قلتم: إن نبيدنبا قد ضاعت حكمته،‬ ‫ونبطلت فكرته: إذ عزم على الدخول على هذا الجبار الطاغي. فقد‬‫علمتم نتيجة رأيي ولصحة فكري. وإني لم آته جهل اً نبه: لني كنت ألسمع‬ ‫من الحكماء قبلي تقول: إن الملوك لها لسورة.ٌ كسورة الشراب:‬ ‫فالملوك ل تفيق من السورة إل نبمواعظ العلماء وأدب الحكماء.‬ ‫والواجب على الملوك أن يتعظوا نبمواعظ العلماء. والواجب على‬ ‫العلماء تقويم الملوك نبألسنتها، وتأديبها نبحكمتها، وإظهار الحجة البينة‬‫اللزمة لهم: ليرتدعوا عما هم عليه من العوجاج والخروج عن العدل.‬ ‫فوجدت ما قالت العلماء فرضا واجبا على الحكماء لملوكهم‬ ‫ليوقظوهم من رقدتهم؛ كالطبيب الذي يجب عليه في لصناعته حفظ‬ ‫الجساد على لصحتها أو ردها إلى الصحة. فكرهت أن يموت أو أموت‬‫وما يبقى على الرض غل من يقول: إنه كان نبيدنبا الفيلسوف في زمان‬ ‫دنبشليم الطاغي فلم يرده عما كان عليه. فإن قال قائل: إنه لم يمكنه‬ ‫81‬
  19. 19. ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫كلمه خوفا على نفسه، قالوا: كان الهرب منه ومن جواره أولى نبه؛‬ ‫والنزعاج عن الولطن شديد؛ فرأيت أن أجود نبحياتي؛ فأكون قد أتيت‬ ‫.ٌ‬‫فيما نبيني ونبين الحكماء نبعدي عذرا. فحملتها على التغرير أو الظفر نبما‬‫أريده. وكان من ذلك ما أنتم معاينوه: فإنه يقال في نبعض المثال: إن‬ ‫لم يبلغ أحد مرتبة إل نبإحدى ثلث: إما نبمشقة تناله في نفسه، وإما‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫نبوضعية في ماله أو وكس في دينه . ومن لم يركب الهوال لم ينل‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫الرغائب. وإن الملك دنبشليم قد نبسط لساني في أن أضع كتانبا فيه‬ ‫ضروب الحكمة. فليضع كل واحد منكم شيئا في أي فن شاء؛‬ ‫وليعرضه علي لنظر مقدار عقله، وأين نبلغ من الحكمة فهمه. قالوا:‬ ‫أيها الحكيم الفاضل، واللبيب العاقل، والذي وهب لك ما منحك من‬ ‫الحكمة والعقل والدب والفضيلة، ما خطر هذا نبقلونبنا لساعة قط.‬ ‫اً‬ ‫وأنت رئيسنا وفاضلنا، ونبك شرفنا، وعلى يدك انتعاشنا. ولكن لسنجهد‬ ‫أنفسنا فيما أمرت. ومكث الملك على ذلك من حسن السيرة زمانا‬ ‫يتولى ذلك له نبيدنبا ويقوم نبه.‬ ‫ثم إن الملك دنبشليم لما الستقر له الملك، ولسقط عنه النظر في أمور‬ ‫العداء نبما قد كفاه ذلك نبيدنبا، لصرف همته إلى النظر في الكتب التي‬ ‫وضعتها فللسفة الهند لنبائه وأجداده؛ فوقع في نفسه أن يكون له‬ ‫أيضا كتاب مشروح ينسب إليه وتذكر فيه أيامه كما ذكر آنباؤه وأجداده‬ ‫.ٌ‬ ‫.ٌ‬ ‫من قبله. فلما عزم على ذلك، علم أنه ل يقوم ذلك إل نببيدنبا: فدعاه‬ ‫وخل نبه؛ وقال له: يا نبيدنبا، إنك حكيم الهند وفيلسوفها. وإني فكرت‬ ‫ونظرت في خزائن الحكمة التي كانت للملوك قبلي؛ فلم أر فيهم أحدا‬ ‫91‬
  20. 20. ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫إل وضع كتانبا يذكر فيه أيامه ولسيرته، وينبئ عن أدنبه وأهل مملكته؛‬ ‫فمنه ما وضعته الملوك لنفسها، وذلك لفضل حكمة فيها؛ ومنها ما‬ ‫ ٍ‬ ‫وضعته حكماؤها. وأخاف أن يلحقني ما لحق أولئك مما ل حيلة لي‬‫فيه، ول يوجد في خزائني كتاب أذكر نبه من نبعدي، وأنسب إليه كما ذكر‬ ‫.ٌ‬ ‫من كان قبلي نبكتبهم. وقد أحببت أن تضع لي كتانبا نبليغا تستفرغ فيه‬ ‫عقلك يكون ظاهره لسيالسة العامة وتأديبها، ونبالطنه أخلق الملوك‬‫ولسيالستها للرعية على لطاعة الملك وخدمته؛ فيسقط نبذلك عني وعنهم‬ ‫كثير مما نحتاج إليه في معاناة الملك. وأريد أن يبقى لي هذا الكتاب‬ ‫.ٌ‬‫من نبعدي ذكرا على غانبر الدهور. فلما لسمع نبيدنبا كلمه خر له لساجدا،‬ ‫ورفع رألسه وقال: أيها الملك السعيد جده، عل نجمك، وغاب نحسك،‬ ‫ودامت أيامك؛ إن الذي قد لطبع عليه الملك من جودة القريحة ووفور‬ ‫العقل حركه لعالي المور؛ ولسمت نبه نفسه وهمته إلى أشرف‬ ‫المراتب منزلة، وأنبعدها غاية؛ وأدام ا لسعادة الملك وأعانه على ما‬ ‫اً‬ ‫اً‬ ‫عزم من ذلك، وأعانني على نبلوغ مراده. فليأمر الملك نبما شاء من‬ ‫ذلك: فإن لصائر إلى غرضه، مجتهدا فيه نبرأيي. قال له الملك: يا نبيدنبا‬ ‫.ٌ‬ ‫.ٌ‬ ‫لم تزل مولصوفا نبحسن الرأي ولطاعة الملوك في أمورهم. وقد‬ ‫اختبرت منك ذلك، واخترت أن تضع هذا الكتاب، وتعمل فيه فكرك،‬ ‫وتجهد فيه نفسك، نبغاية ما تجد إليه السبيل. وليكن مشتمل اً على الجد‬ ‫والهزل واللهو والحكمة والفلسفة. فكفر له نبيدنبا ولسجد، وقال: قد‬ ‫أجبت الملك أدام ا أيامه إلى ما أمرني نبه، وجعلت نبيني ونبينه أجل.‬ ‫اً‬‫ ٍ‬ ‫قال: وكم هو الجل? قال: لسنة. قال: قد أجلتك؛ وأمر له نبجائزة لسنية‬ ‫ ٍ‬ ‫.ٌ‬ ‫02‬
  21. 21. ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫تعينه على عمل الكتاب فبقى نبيدنبا مفكرا في الخذ فيه، وفي أي‬ ‫لصورة يبتدي نبها فيه وفي وضعه.‬ ‫ ٍ‬ ‫ثم إن نبيدنبا جمع تلميذه وقال لهم: إن الملك قد ندنبني لمر فيه‬ ‫فخري وفخركم وفخر نبلدكم، وقد جمعتكم لهذا المر. ثم ولصف لهم‬ ‫ما لسأل الملك من أمر الكتاب، والغرض الذي قصد فيه، فلم يقع لهم‬ ‫الفكر فيه فلما لم يجد عندهم ما يريده فكر نبفضل حكمته، وعلم أن‬‫ذلك أمر إنما يتم نبالستفراغ العقل وإعمال الفكر؛ وقال: أرى السفينة ل‬ ‫.ٌ‬ ‫تجري في البحر إل نبالملحين: لنهم يعدلونها؛ وإنما تسلك اللجة‬ ‫نبمدنبرها الذي تفرد نبإمرتها ؛ ومتى شحنت نبالركاب الكثيرين وكثر‬ ‫ملحوها لم يؤمن عليه من الغرق. ولم يزل يفكر فيما يعمله في نباب‬‫الكتاب حتى وضعه على النفراد نبنفسه، مع رجل من تلميذه كان يثق‬ ‫ ٍ‬ ‫نبه؛ فخل نبه منفردا معه، نبعد أن أعد الورق الذي كانت تكتب فيه الهند‬‫شيئا، ومن القوت ما يقوم نبه ونبتلميذه تلك المدة. وجلسا في مقصورة،‬ ‫ ٍ‬ ‫وردا عليهما الباب ثم نبدأ في نظم الكتاب وتصنيفه؛ ولم يزل هو يملي‬ ‫وتلميذه يكتب، ويرجع هو فيه؛ حتى الستقر الكتاب على غاية التقان‬ ‫والحكام. ورتب فيه أرنبعة عشر نبانبا؛ كل نباب منها قائم نبنفسه. وفي‬ ‫ ٍ‬ ‫كل نباب مسألة والجواب عنها؛ ليكون لمن نظر فيه حظ من الهداية.‬ ‫.ٌ‬ ‫.ٌ‬ ‫وضمن تلك النبواب كتانبا واحدا؛ ولسماه كتاب كليلة ودمنة. ثم جعل‬‫كلمه على ألسن البهائم والسباع والطير: ليكون ظاهره لهوا للخواص‬ ‫والعوام، ونبالطنه رياضة لعقول الخالصة. وضمنه أيضا ما يحتاج إليه‬ ‫اً‬ ‫النسان من لسيالسة نفسه وأهله وخالصته، وجميع ما يحتاج إليه من‬ ‫12‬
  22. 22. ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫أمير دينه ودنياه، وأخرته وأوله؛ ويحضه على حسن لطاعته للملوك‬ ‫ويجنبه ما تكون مجانبته خيرا له. ثم جعله نبالطنا وظاهرا كرلسم لسائر‬ ‫اً‬ ‫الكتب التي نبرلسم الحكمة: فصار الحيوان لهوا، وما ينطق نبه حكمة‬ ‫وأدنبا. فلما انبتدأ نبيدنبا نبذلك جعل أول الكتاب ولصف الصديق، وكيف‬ ‫يكون الصديقان، وكيف تقطع المودة الثانبتة نبينهما نبحيلة ذي النميمة.‬‫وأمر تلميذه أن يكتب على لسان نبيدنبا مثل ما كان الملك شرلطه في أن‬ ‫جعله لهوا وحكمة. فذكر نبيدنبا أن الحكمة متى دخلها كلم النقلة‬ ‫اً‬‫أفسدها وجهلت حكمتها. فلم يزل هو وتلميذه يعملن الفكر فيما لسأله‬ ‫الملك، حتى فتق لهما العقل أن يكون كلمهما على لسان نبهيمتين.‬ ‫فوقع لهما موضع اللهو والهزل نبكلم البهائم. وكانت الحكمة ما نطقا‬ ‫نبه. فألصغت الحكماء إلى حكمه وتركوا البهائم واللهو، وعلموا أنها‬ ‫السبب في الذي وضع لهم. ومالت إليه الجهال عجبا من محاورة‬ ‫نبهيمتين، ولم يشكوا في ذلك؛ واتخذوه لهوا، وتركوا معنى الكلم أن‬ ‫يفهموه، ولم يعلموا الغرض الذي وضع له؛ لن الفيلسوف إنما كان‬ ‫غرضه في الباب الول أن يخبر عن توالصل الخوان كيف تتأكد المودة‬ ‫نبينهم على التحفظ من أهل السعاية والتحرز ممن يوقع العداوة نبين‬ ‫المتحانبين: ليجر نبذلك نفعا إلى نفسه. فلم يزل نبيدنبا وتلميذه في‬ ‫المقصورة، حتى الستتما عمل الكتاب في مدة لسنة. فلما تم الحول‬ ‫ ٍ‬ ‫أنفذ إليه الملك أن قد جاء الوعد فماذا لصنعت? فأنفذ إليه نبيدنبا: إني‬ ‫على ما وعدت الملك. فليأمرني نبحمله، نبعد أن يجمع أهل المملكة‬ ‫لتكون قراءتي هذا الكتاب نبحضرتهم، فلما رجع الرلسول إلى الملك‬ ‫22‬
  23. 23. ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫لسر نبذلك، ووعده يوما يجمع فيه أهل المملكة. ثم نادى في أقالصي‬ ‫نبلد الهند ليحضروا قراءة الكتاب. فلما كان ذلك اليوم، أمر الملك أن‬ ‫ينصب لبيدنبا لسرير مثل لسريره، كرالسي لنبناء الملوك والعلماء. وأنفذ‬ ‫.ٌ‬‫فأحضره. فلما جاءه الرلسول قام فلبس الثياب التي كان يلبسا إذا دخل‬ ‫على الملوك وهي المسوح السود، وحمل الكتاب تلميذه. فلما دخل‬ ‫على الملك وثب الخلئق نبأجمعهم، وقام الملك شاكرا. فلما قرب من‬ ‫الملك كفر له ولسجد، ولم يرفع رألسه. فقال له الملك: يا نبيدنبا ارفع‬ ‫رألسك، فإن هذا يوم هناءة وفرح ولسرور، وأمره أن يجلس. فحين‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫جلس لقراءة الكتاب، لسأله عن معنى كل نباب من أنبوانبه، وإلى أي‬ ‫شيء ٍ قصد فيه. فأخبره نبغرضه فيه، وفي كل نباب. فازداد الملك منه‬‫تعجبا ولسرورا. فقال له: يا نبيدنبا ما عدوت الذي في نفسي؛ وهذا الذي‬ ‫كنت ألطلب؛ فالطلب ما شئت وتحكم. فدعا له نبيدنبا نبالسعادة ولطول‬ ‫الجد. وقال: أيها الملك أما المال فل حاجة لي فيه، وأما الكسوة فل‬‫أختار على لبالسي ذا شيئا؛ ولست أخلي الملك من حاجة. قال الملك: يا‬ ‫ ٍ‬‫نبيدنبا ما حاجتك? فكل حاجة لك قبلنا مقضية. قال: يأمر الملك أن يدون‬ ‫.ٌ‬ ‫ ٍ‬ ‫كتانبي هذا كما دون آنباؤه وأجداده كتبهم، ويأمر نبالمحافظة عليه: فإن‬ ‫أخاف أن يخرج من نبلد الهند، فيتناوله أهل فارس إذا علموا نبه؛‬ ‫فالملك يأمر أل يخرج من نبيت الحكمة. ثم دعا الملك نبتلميذه وأحسن‬ ‫لهم الجوائز. ثم إنه لما ملك كسرى أنوشروان وكان مستأثرا نبالكتب‬ ‫والعلم والدب والنظر في أخبار الوائل ويقع له خبر الكتاب؛ فلم يقر‬ ‫قراره حتى نبعث نبروزيه الطبيب وتلطف حتى أخرجه من نبلد الهند‬ ‫32‬
  24. 24. ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫فأقره في خزائن فارس.اف أن يخرج من نبلد الهند، فيتناوله أهل‬ ‫فارس إذا علموا نبه؛ فالملك يأمر أل يخرج من نبيت الحكمة. ثم دعا‬ ‫الملك نبتلميذه وأحسن لهم الجوائز. ثم إنه لما ملك كسرى أنوشروان‬ ‫وكان مستأثرا نبالكتب والعلم والدب والنظر في أخبار الوائل ويقع له‬ ‫خبر الكتاب؛ فلم يقر قراره حتى نبعث نبروزيه الطبيب وتلطف حتى‬ ‫أخرجه من نبلد الهند فأقره في خزائن فارس.‬ ‫نباب نبعثة نبرزويه إلى نبلد الهند‬ ‫وكذلك لطالب الخرة مجتهد في العمل المنجي نبه روحه ل يقدر على‬ ‫إتمام عمله وإكماله إل نبالعقل الذي هو لسبب كل خير ومفتاح كل‬ ‫لسعادة. فليس لحد غني عن العقل. والعقل مكتسب نبالتجارب‬ ‫ ٍ‬‫والدب. وله غريزة مكنونة في النسان كامنة كالنار في الحجر ل تظهر‬ ‫.ٌ‬ ‫.ٌ‬ ‫.ٌ‬ ‫ول يرى ضوءها حتى يقدحها قادح من الناس؛ فإذا قدحت ظهرت‬ ‫.ٌ‬ ‫لطبيعتها. وكذلك العقل كامن في النسان ل يظهر حتى يظهره الدب‬ ‫وتقويه التجارب. ومن رزق العقل ومن نبه عليه وأعين على لصدق‬ ‫قريحته نبالدب حرص على لطلب لسعد جده، وأدرك في الدنيا أمله،‬ ‫وحاز في الخرة ثواب الصالحين. وقد رزق ا الملك السعيد‬ ‫أنوشروان من العقل أفضله، ومن العلم أجزله؛ ومن المعرفة نبالمور‬ ‫ألصونبها، ومن الفعال ألسدها، ومن البحث عن اللصول والفرع أنفعه؛‬ ‫.ٌ‬ ‫ونبلغه من فنون اختلف العلم، ونبلوغ منزلة الفلسفة، ما لم يبلغه ملك‬‫قط من الملوك قبله؛ حتى كان فيما لطلب ونبحث عنه من العلم أن نبلغه‬ ‫42‬
  25. 25. ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫عن كتاب نبالهند، علم أنه ألصل كل أدب ورأس كل علم، والدليل على‬ ‫ ٍ‬ ‫منفعة، ومفتاح عمل الخرة وعلمها، ومرعبة النجاة من هولها؛ فأمر‬ ‫ ٍ‬ ‫الملك وزيره نبزرجمهر أن يبحث له عن رجل أديب عاقل من أهل‬ ‫ ٍ‬ ‫مملكته، نبصير نبلسان الفارلسية، ماهر في كلم الهند؛ ويكون نبليغا‬‫نباللسانين جميعا، حريصا على لطلب العلم مجتهدا في الستعمال الدب،‬ ‫مبادرا في لطلب العلم، والبحث عن كتب الفلسفة. فأتاه نبرجل أديب‬ ‫ ٍ‬ ‫كامل العقل والدب، معرف نبصناعة الطب، ماهر في الفارلسية‬ ‫ ٍ‬‫والهندي يقال له نبروزيه؛ فلما دخل عليه كفر ولسجد نبين يديه. فقال له‬ ‫الملك: يا نبروزيه: إن قد اخترتك لما نبلغني من فضلك وعلمك وعقلك،‬ ‫وحرلصك على لطلب العلم حيث كان. وقد نبلغني عن كتاب نبالهند‬ ‫مخزون في خزائنهم، وقص عليه ما نبلغه عنه. وقال له: تجهز فإني‬ ‫مرحلك إلى أرض الهند؛ فتلطف نبعقلك وحسن أدنبك وناقد رأيك،‬ ‫للستخراج هذا الكتاب من خزائنهم ومن قبل علمائهم؛ فتستفيد نبذلك‬‫.ٌ‬ ‫وتفيدنا. وما قدرت عليه من كتب الهند مما ليس في خزائننا منه شيء‬ ‫فأحمله معك؛ وخذ معك من المال ما تحتاج إليه، وعجل ذلك، ول‬ ‫تقصر في لطلب العلوم وإن أكثرت فيه النفقة، فإن جميع ما في‬‫خزائني مبذول لك في لطلب العلوم. وأمر نبإحضار المنجمين؛ فاختاروا‬ ‫له يوما يسير فيه، ولساعة لصالحة يخرج فيها. وحمل معه من المال‬ ‫اً‬ ‫عشرين جرانبا؛ كل جراب فيه عشرة آلف دينار. فلما قدم نبروزيه نبلد‬ ‫ ٍ‬ ‫الهند لطاف نبباب الملك ومجالس السوقة ، ولسأل عن خواص الملك‬ ‫والشراف والعلماء والفللسفة؛ فجعل يغشاهم في منازلهم،‬ ‫52‬
  26. 26. ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬‫ويتلقاهم نبالتحية، ويخبرهم نبأنه رجل غريب قدم نبلدهم لطلب العلوم‬‫والدب، وأنه محتاج إلى معاونتهم في ذلك. فلم يزل كذلك زمانا لطويل اً‬ ‫يتأدب عن علماء الهند يما هو عالم نبجميعه؛ وكأنه ل يعلم منه شيئا؛‬ ‫وهو فيما نبين ذلك يستر نبغيته وحاجته. واتخذ في تلك الحالة لطول‬ ‫مقامه ألصدقاء كثيرة من الشراف والعلماء والفللسفة والسوقة ومن‬ ‫.ٌ‬‫أهل كل لطبقة ولصناعة؛ وكان قد اتخذ من نبين ألصدقائه رجل اً واحدا قد‬ ‫ ٍ‬ ‫اتخذه لسره وما يحب مشاورته فيه؛ للذي ظهر له من فضله وأدنبه،‬ ‫والستبان له من لصحة إخائه؛ وكان يشاوره في المور، ويرتاح إليه في‬ ‫جميع ما أهمه.‬ ‫إل أنه كان يكتم منه المر الذي قدم من أجله لكي يبلوه ويخبره،‬‫وينظر هل هو أهل أن يطلعه على لسره. فقال له يوما وهما جالسان:‬ ‫ ٍ‬ ‫يا أخي ما أريد أن أكتمك من أمري فوق الذي كتمتك. فاعلم أنني لمر‬ ‫قدمت، وهو غير الذي يظهر مني؛ والعاقل يكتفي من الرجل‬ ‫نبالعلمات من نظره، حتى يعلم لسر نفسه وما يضمره قلبه. قال له‬ ‫الهندي: إني وإن لم أكن نبدأتك وأخبرتك نبما جئت له، وإياه تريد؛ وأنك‬ ‫تكتم أمرا تطلبه، وتظهر غيره؛ ما خفي على ذلك منك. ولكني لرغبتي‬ ‫في إخائك، كرهت أن أواجهك نبه. وإنه قد الستبان ما تخفيه مني. فأما‬ ‫إذ قد أظهرت ذلك، وأفصحت نبه ونبالكلم فيه، فإني مخبرك عن‬ ‫نفسك، ومظهر لك لسريرتك، ومعلمك نبحالك التي قدمت لها؛ فإنك‬ ‫قدمت نبلدنا لتسلبنا كنوزنا النفيسة، فتذهب نبها إلى نبلدك، وتسرنبها‬ ‫ملكك. وكان قدومك نبالمكر والخديعة. ولكني لما رأيت لصبرك،‬ ‫62‬
  27. 27. ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬‫ومواظبتك على لطلب حاجتك، والتحفظ من أن يسقط منك الكلم، مع‬ ‫لطول مكثك عندنا، نبشيء يستدل نبه على لسريرتك وأمورك، ازددت‬ ‫ ٍ‬‫رغبة في إخائك، وثقة نبعقلك، فأحببت مودتك. فإني لم أر في الرجال‬ ‫اً‬ ‫رجل اً هو أرلصن منك عقل، ول أحسن أدنبا، ول ألصبر على لطلب العلم‬ ‫اً‬ ‫ول أكتم لسره منك؛ ول لسيما في نبلد الغرنبة، ومملكة غير مملكتك،‬ ‫عند قوم ل تعرف لسنتهم. وإن عقل الرجل ليبين في ثماني خصال:‬ ‫ ٍ‬‫الولى الرفق، والثانية أن يعرف الرجل نفسه فيحفظها، والثالثة لطاعة‬ ‫الملوك، والتحري لما يرضيهم. والرانبعة معرفة الرجل موضع لسره،‬ ‫وكيف ينبغي أن يطلع عليه لصديقه، والخامسة أن يكون على أنبواب‬ ‫الملوك أديبا ملق اللسان . والسادلسة أن يكون لسره ولسر غيره‬ ‫حافظا. والسانبعة أن يكون على لسانه قادرا، فل يتكلم إل نبما يأمن‬ ‫تبعته. والثامنة إن كان نبالمحفل ل يتكلم إل نبما يسأل عنه. فمن‬ ‫اجتمعت فيه هذه الخصال كان هو الداعي الخير إلى نفسه. وهذه‬ ‫الخصال كلها قد اجتمعت فيك، ونبانت لي منك. فالله تعالى يحفظك،‬ ‫ويعينك على ما قدمت له؛ فمصادقتك إياي، وإن كانت لتسلبني كنزي‬ ‫وفخري وعلمي، تجعلك أهل اً لن تسعف نبحاجتك، وتشفع نبطلبتك ،‬ ‫وتعطي لسؤلك.‬ ‫فقال له نبروزيه: إني كنت هيأت كلما كثيرا، وشعبت له شعونبا؛‬ ‫وأنشأت له ألصول اً ولطرقا؛ فلما انتهيت إلى ما نبدأتني نبه من إلطلعك‬‫على أمري والذي قدمت له، وألقيته على من ذات نفسك، ورغبتك فيما‬‫ألقيت من القول، اكتفيت نباليسير من الخطاب معك، وعرفت الكبير من‬ ‫72‬
  28. 28. ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬‫أموري نبالصغير من الكلم، واقتصرت نبه معك على اليجاز. ورأيت من‬ ‫إلسعافك إياي نبحاجتي ما دلني على كرمك وحسن وفائك: فإن الكلم‬ ‫إذا ألقي إلى الفيلسوف، والسر إذا الستودع إلى اللبيب الحافظ، فقد‬ ‫حصن ونبلغ نبه نهاية أمل لصاحبه، كما يحصن الشيء النفيس في‬ ‫القلع الحصينة. قال له الهندي: ل شيء أفضل من المودة. ومن‬ ‫خلصت مودته كان أهل اً أن يخلطه الرجل نبنفسه، ول يدخر عنه شيئا،‬‫ول يكتمه لسرا: فإن حفظ السر رأس الدب. فإذا كان السر عند المين‬ ‫.ٌ‬ ‫الكتوم فقد احترز من التضييع؛ مع أنه خليق أل يتكلم نبه؛ ول يتم لسر‬ ‫ين اثنين قد علماه وتفاوضاه. فإذا تكلم نبالسر اثنان فل نبد من ثالث‬‫من جهة أحدهما؛ فإذا لصار إلى الثلثة فقد شاع وذاع، حتى ل يستطيع‬ ‫لصاحبه أن يجحده ويكانبر عنه؛ كالغيم إذا كان متقطعا في السماء‬‫فقال قائل: هذا غيم متقطع، ل يقدر أحد على تكذيبه. وأنا قد يداخلني‬ ‫.ٌ‬ ‫.ٌ‬ ‫.ٌ‬ ‫من مودتك وخلطتك لسرور ل يدله شيء. وهذا المر الذي تطلبه مني‬ ‫.ٌ‬ ‫.ٌ‬‫أعلم أنه من اللسرار التي ل تكتم؛ فل نبد أن يفشو ويظهر، حتى يتحدث‬ ‫نبه الناس. فإذا فشا فقد لسعيت في هلكي هلكا ل أقدر على الفداء‬ ‫منه نبالمال وإن كثر: لن ملكنا فظ غليظ، يعاقب على الذنب الصغير‬ ‫كُ‬ ‫.ٌ‬‫أشد العقاب؛ فكيف مثل هذا الذنب العظيم? وإذا حملتني المودة التي‬‫نبين ونبينك فألسعفتك نبحاجتك لم يرد عقانبه عني شيء. قال نبروزيه: إن‬ ‫.ٌ‬ ‫العلماء قد مدحت الصديق إذا كتم لسر لصديقه وأعانه على الفوز.‬ ‫وهذا المر الذي قدمت له، لمثلك ذخرته، ونبك أرجو نبلوغه؛ وأنا واثق‬ ‫.ٌ‬ ‫نبكرم لطباعك ووفور عقلك، وأعلم أنك ل تخشى مني ول تخاف أن‬ ‫82‬
  29. 29. ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫أنبديه؛ نبل تخشى أهل نبيتك الطائفين نبك ونبالملك أن يسعوا نبك إليه.‬ ‫وأنا أرجو أل يشيع شيء من هذا المر: لني أنا ظاعن وأنت مقيم،‬ ‫.ٌ‬ ‫.ٌ‬ ‫.ٌ‬‫وما أقمت قل ثالث نبيننا. فتعاهدا على هذا جميعا. وكان الهندي خازن‬ ‫الملك، ونبيده مفاتيح خزائنه. فأجانبه إلى ذلك الكتاب وغلى غيره من‬ ‫الكتب. فأكب على تفسيره ونقله من اللسان الهندي إلى اللسان‬ ‫.ٌ‬ ‫الفارلسي؛ وأتعب نفسه، وانسب نبدنه ليل اً ونهارا. وهو مع ذلك وجل‬ ‫وفزع من ملك الهند؛ خائف على نفسه من أن يذكر الملك الكتاب في‬ ‫.ٌ‬ ‫.ٌ‬ ‫وقت ل يصادفه في خزائنه.‬ ‫ ٍ‬ ‫فلما فرغ من انتساخ الكتاب وغيره مما أراد من لسائر الكتب. كتب إلى‬‫أنوشروان يعلمه نبذلك. فلما ولصل إليه الكتاب، لسر نبذلك لسرورا شديدا،‬ ‫ثم تخوف معاجلة المقادير أن تنغص عليه الفرحة؛ فكتب إلى نبروزيه‬ ‫يأمره نبتعجيل القدوم. فسار نبروزيه متوجها نحو كسرى. فلما رأى‬ ‫الملك ا قد مسه من الشحوب والتعب والنصب، قال له: أيها العبد‬ ‫النالصح الذي كان يأكل ثمرة ما قد غرس، أنبشر وقر عينا: فإني‬ ‫مشرفك ونبالغ نبك أفضل درجة. وأمره أن يريح نبدنه لسبعة أيام. فلما‬ ‫ ٍ‬ ‫.ٌ‬ ‫كان اليوم الثامن، أمر الملك أن يجتمع إليه المراء والعلماء. فلما‬ ‫اجتمعوا، آمر نبروزيه نبالحضور. فحضر ومعه الكتب؛ ففتحها وقرأها‬‫على من حضر من أهل المملكة. فلما لسمعوا ما فيها من العلم فرحوا‬ ‫فرحا شديدا؛ وشكروا لله على ما رزقهم، ومدحوا نبروزيه وأثنوا عليه؛‬ ‫وأمر الملك أن تفتح لبروزيه خزائن اللؤلؤ والزنبرجد والياقوت والذهب‬‫والفضة؛ وأمره أن يأخذ من الخزائن ما شاء من مال أو كسوة؛ وقال:‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫92‬
  30. 30. ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬‫يا نبروزيه إني قد أمرت أن تجلس على مثل لسريري هذا، وتلبس تاجا،‬‫وتترأس على جميع الشراف. فسجد نبروزيه للملك ودعا له ولطلب من‬ ‫ا وقال: أكرم ا تعالى الملك كرامة الدنيا والخرة، وأحسن عني‬‫ثوانبه وجزاءه؛ فإني نبحمد ا مستغن عن المال نبما رزقني ا على‬ ‫ ٍ‬ ‫نبد الملك السعيد الجد، العظم الملك؛ ول حاجة لي نبالمال؛ لكن لما‬‫كلفني الملك ذلك وعلمت أنه يسره، أنا أمضي إلى الخزائن فآخذ منها‬‫لطلبا لمرضاته وامتثال اً لمره. ثم قصد خزانة الثياب فأخذ منها تختا من‬ ‫لطرائف خرالسان من ملنبس الملوك. فلما قبض نبروزيه ما اختاره‬‫ورضيه من الثياب فال: أكرم ا تعالى الملك ومد في عمره أنبدا. لنبد‬ ‫أن النسان إذا أكرم وجب عليه الشكر؛ وإن كان قد الستوجبه تعبا‬ ‫ ٍ‬ ‫ومشقة فقد كان فيهما رضا الملك. وأما أنا فما لقيته من عناء وتعب‬ ‫ ٍ‬ ‫اً‬ ‫ومشقة، لما أعلم أن لكم فيه الشرف يأهل هذا البيت! فإن لم أزل‬ ‫ ٍ‬ ‫إلى هذا اليوم تانبعا رضاكم، أرى العسير فيه يسيرا. والشاق هينا،‬‫والنصب والذى لسرورا ولذة: لما أعلم أن لكم فيه رضا وقرنبة عندكم.‬ ‫اً‬ ‫ولكني ألسألك أيها الملك حاجة تسعفني نبها، وتعطيني فيها لسؤلي:‬ ‫فإن حاجتي يسيرة، وفي قضائها فائدة كثيرة. قال أنوشروان: قل‬ ‫.ٌ‬ ‫.ٌ‬ ‫.ٌ‬‫فكل حاجة لك من قبلنا مقضية، ولم نرد لطلبتك؛ فكيف ما لسوى ذلك?‬ ‫.ٌ‬ ‫ ٍ‬ ‫فقل وتحتشم؛ فإن المور كلها مبذولة لك. قال نبروزيه: أيها الملك ل‬ ‫تنظر إلى عنائي في رضاك وانكماشي في لطاعتك؛ فإنما أنا عبدك‬ ‫يلزمني نبذل مهجتي في رضاك؛ ولو لم تجزني لم يكن ذلك عندي‬ ‫عظيما ول واجبا على الملك؛ ولكن لكرمه وشرف منصبه عمد إلى‬ ‫03‬
  31. 31. ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬‫مجازاتي؛ وخصني وأهي نبيتي نبعلو المرتبة ورفع الدرجة؛ حتى لو قدر‬ ‫أن يجمع لنا نبين شرف الدنيا والخرة لفعل. فجزاه ا عنا أفضل‬ ‫الجزاء.‬ ‫قال أنوشروان: اذكر حاجتك، فعلى ما يسرك. فقال نبروزيه: حاجتي‬‫أن يأمر الملك، أعله ا تعالى، وزيره نبزرجمهر نبن البختكان؛ ويقسم‬ ‫عليه أن يعمل فكره، ويجمع رأيه، ويجهد لطاقته، ويفرغ قلبه في نظم‬‫تأليف كلم متقن محكم؛ ويجعله نبانبا يذكر فيه أمري ويصف حالي؛ ول‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫يدع من المبالغة في ذلك أقصى ما يقدر عليه. ويأمره إذا الستتمه أن‬‫يجعله أول النبواب التي تقرأ قبل نباب اللسد والثور: فإن الملك إذا فعل‬ ‫ذلك فقد نبلغ نبي ونبأهلي غاية الشرف وأعلى المراتب؛ وأنبقى لنا ما ل‬ ‫اً‬ ‫يزال ذكره نباقيا على النبد حيثما قرئ هذا الكتاب.‬‫فلما لسمع كسرى أنوشروان والعظماء مقالته وما لسمت إليه نفسه من‬ ‫اً‬ ‫محبة إنبقاء الذكر الستحسنوا لطلبته واختياره، وقال كسرى: حبا وكرامة‬ ‫لك يا نبروزيه، إنك لهل أن تسعف نبحاجتك؛ فما أقل ما قنعت نبه‬ ‫وأيسره عندنا! وإن كان خطره عندك عظيما. ثم أقبل أنوشروان على‬ ‫وزيره نبزرجمهر فقال له: قد عرفت منالصحة نبروزيه لنا، وتجشمه‬‫المخاوف والمهالك فيما يقرنبه منا، وإتعانبه نبدنه فيما يسرنا، وما أتى نبه‬ ‫إلينا من المعروف، وما أفادنا ا على يده من الحكمة والدب الباقي‬ ‫لنا فخره، وما عرضنا عليه من خزائننا لنجزيه نبذلك على ما كان منه،‬ ‫فلم تمل نفسه إلى شيء من ذلك؛ وكان نبغيته ولطلبته منا أمرا يسيرا‬ ‫ ٍ‬ ‫رآه هو الثواب منا له والكرامة الجليلة عنده؛ فإني أحب أن تتكلم في‬ ‫13‬
  32. 32. ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬‫ذلك وتسعفه نبحاجته ولطلبته. واعلم أن ذلك مما يسرني، ول تدع شيئا‬ ‫من الجتهاد والمبالغة إل نبلغته، وإن نالتك فيه مشقة. وهو أن تكتب‬ ‫نبانبا مضارعا لتلك النبواب التي في الكتاب؛ وتذكر فيه فضل نبروزيه،‬‫وكيف كان انبتداء أمره وشأنه، وتنسبه إليه وإلى حسبه ولصناعته، وتذكر‬ ‫فيه نبعثته إلى نبلد الهند في حاجتنا؛ وما أفدنا على يديه من هنالك؛‬‫وشرفنا نبه وفضلنا على غيرنا؛ وكيف كان حال نبروزيه وقدومه من نبلد‬ ‫الهند؛ فقل ما تقدر عليه من التقريظ واللطناب في مدحه، ونبالغ في‬ ‫ذلك أفضل المبالغة واجتهد في ذلك اجتهادا يسر نبروزيه وأهل‬ ‫المملكة.‬ ‫وإن نبروزيه أهل لذلك مني ومن جميع أهل المملكة ومنك أيضا:‬ ‫لمحبتك للعلوم. واجهد أن يكون غرض هذا الكتاب الذي ينسب إلى‬ ‫نبروزيه أفضل من أغراض تلك النبواب عند الخاص والعام، وأشد‬‫مشاكلة لحال هذا العلم: فإنك ألسعد الناس كلهم نبذلك: لنفرادك نبهذا‬ ‫اً‬ ‫الكتاب، واجعله أول النبواب. فإذا أنت عملته ووضعته في موضعه‬ ‫فأعلمني لجمع أهل المملكة وتقرأه عليهم، فيظهر فضلك واجتهادك‬‫في محبتنا؛ فيكون لك نبذلك فخر. فلما لسمع نبزرجمهر مقالة الملك خر‬ ‫له لساجدا، وقال: أدام ا لك أيها الملك البقاء، ونبلغك أفضل منازل‬‫الصالحين في الخرة والولى؛ لقد شرفتني نبذلك شرفا نباقيا إلى النبد.‬ ‫ثم خرج نبزرجمهر من عند الملك، فولصف نبروزيه من أول يوم دفعه‬ ‫أنبواه إلى المعلم، ومضيه إلى نبلد الهند في لطلب العقاقير والدوية؛‬ ‫وكيف تعلم خطولطهم ولغتهم؛ إلى أن نبعثه أنوشروان إلى الهند في‬ ‫23‬
  33. 33. ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫لطلب الكتاب. ولم يدع من فضائل نبروزيه وحكمته وخلئقه ومذهبه‬ ‫أمرا إل نسقه، وأتى نبه نبأجود ما يكون من الشرح. ثم أعلم الملك‬ ‫نبفراغه منه. فجمع أنوشروان أشراف قومه وأهل مملكته، وأدخلهم‬ ‫إليه؛ وأمر نبزرجمهر نبقراءة الكتاب، ونبروزيه قائم إلى جانب نبزرجمهر،‬ ‫وانبتدأ نبولصف نبروزيه حتى انتهى إلى آخره. ففرح الملك نبما أتى نبه‬ ‫نبزرجمهر من الحكمة والعلم. ثم أثنى الملك وجميع من حضره على‬ ‫ ٍ‬ ‫نبزرجمهر، وشكروه ومدحوه؛ وأمر الملك نبمال جزيل وكسوة وحلي‬ ‫ ٍ‬ ‫وأوان؛ فلم يقبل من ذلك شيئا غير كسوة كانت من ثياب الملوك. ثم‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬‫شكر له ذلك نبروزيه وقبل رألسه ويده؛ وأقبل نبروزيه على الملك وقال:‬ ‫أدام ا لك الملك والسعادة فقد نبلغت نبي ونبأهلي غاية الشرف نبما‬ ‫أمرت نبه نبزرجمهر من لصنعه الكتاب في أمري وإنبقاء ذكري.‬ ‫نباب عرض الكتاب ترجمة عبد ا نبن المقفع‬ ‫هذا كتاب كليلة ودمنة، وهو مما وضعه علماء الهند من المثال‬ ‫والحاديث التي ألهموا أن يدخلوا فيها أنبلغ ما وجدوا من القول في‬ ‫النحو الذي أرادوا. ولم تزل العلماء من أهل كل ملة يلتمسون أن‬ ‫يعقل عنهم، ويحتالون في ذلك نبصنوف الحيل؛ ويبتغون إخراج ما‬ ‫عندهم من العلل، حتى كان من تلك العلل وضع هذا الكتاب على‬‫أفواه البهائم والطير. فاجتمع لهم نبذلك خلل. أما هم فوجدوا متصرفا‬ ‫.ٌ‬ ‫في القول وشعانبا يأخذون منها. وأما الكتاب فجمع حكمة ولهوا:‬ ‫اً‬ ‫فاختاره الحكماء لحكمته. والسفهاء للهوه، والمتعلم من الحداث‬‫ناشط في حفظ ما لصار إليه من أمر يرنبط في لصدره ول يدري ما هو،‬ ‫.ٌ‬ ‫33‬
  34. 34. ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬‫نبل عرف أنه قد ظفر من ذلك نبمكتوي مرقوم. وكان كالرجل الذي لما‬ ‫ ٍ‬ ‫الستكمل الرجولية وجد أنبويه قد كنزا له كنوزا وعقدا له عقودا الستغنى‬ ‫نبها عن الكدح فيما يعمله من أمر معيشته؛ فأغناه ما أشرف عليه من‬ ‫الحكمة عن الحاجة إلى غيرها من وجوه الدب.‬ ‫وينبغي لمن قرأ هذا الكتاب أن يعرف الوجوه التي وضعت له؛ وإلى‬ ‫أي غاية جرى مؤلفه فيه عندما نسبه إلى البهائم وأضافه إلى غير‬ ‫ ٍ‬ ‫مفصح؛ وغير ذلك من الوضاع التي جعلها أمثال: فإن قارئه متى لم‬ ‫اً‬ ‫ ٍ‬ ‫يفعل ذلك لم يدر ما أريد نبتلك المعاني، ول أي ثمرة يجتني منها، ول‬ ‫اً‬ ‫أي نتيجة تحصل له من مقدمات ما تضمنه هذا الكتاب. وإنه وإن كان‬ ‫غيته الستتمام قراءته إلى آخره دون معرفة ما يقرأ منه لم يعد عليه‬ ‫شيء.ٌ يرجع إليه نفعه.‬ ‫ومن الستكثر من جمع العلوم وقراءة الكتب؛ من غير إعمال الروية‬ ‫فيما يقرؤه، كان خليقا أل يصيبه إل ما ألصاب الرجل الذي زعمت‬‫العلماء أنه اجتاز نببعض المفاوز، فظهر لو موضع آثار كنز؛ فجعل يحفر‬ ‫ويطلب، فوقع على شيء من عين وورق؛ فقال في نفسه: إن أنا‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫أخذت في نقل هذا المال قليل اً قليل اً لطال علي، وقطعني الشتغال‬‫نبنقله وإحرازه عن اللذة نبما ألصبت منه؛ ولكن لسألستأجر أقواما يحملونه‬ ‫إلى منزلي، وأكون أنا أخرهم، ول يكون نبقي ورائي شيء يشغل‬ ‫.ٌ‬ ‫فكري نبنقله؛ وأكون قد الستظهرت لنفسي في إراحة نبدني عن الكد‬‫ ٍ‬ ‫نبيسير الجرة أعطيهم إياها. ثم جاء نبالحمالين، فجعل يحمل كل واحد‬ ‫43‬
  35. 35. ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫منهم ما يطيق، فينطلق نبه إلى منزله: فلم يجد فيه من المال شيئا، ل‬ ‫قليل اً ول كثيرا. وإذا كل واحد من الحمالين قد فاز نبما حمله لنفسه.‬ ‫ ٍ‬ ‫ولك يكن له من ذلك إل العناء والتعب: لنه لم يفكر في آخر أمره.‬‫وكذلك من قرأ هذا الكتاب، ولم يفهم ما فيه، ولم يعلم غرضه ظاهرا‬ ‫ونبالطنا، لم ينتفع نبما نبدا له من خطه ونقشه؛ كما لو أن رجل اً قدم له‬ ‫جوز لصحيح لم ينتفع نبه إل أن يكسره؛ وكان أيضا كالرجل الذي لطلب‬ ‫.ٌ‬ ‫.ٌ‬ ‫علم الفصيح من كلم الناس؛ فأتى لصديقا له من العلماء، له علم‬ ‫.ٌ‬ ‫نبالفصاحة، فأعلمه حاجته إلى علم الفصيح؛ فرلسم له لصديقه في‬ ‫لصحيفة لصفراء فصيح الكلم وتصاريفه ووجوهه؛ فانصرف المتعلم‬ ‫إلى منزله؛ فجعل يكثر قراءتها ول يقف على معانيها. ثم إنه جلس‬ ‫ذات يوم في محفل من أهل العلم والدب، فأخذ في محاورتهم؛‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫فجرت له كلـ

×