كليلة ودمنة
Upcoming SlideShare
Loading in...5
×
 

كليلة ودمنة

on

  • 1,228 views

 

Statistics

Views

Total Views
1,228
Views on SlideShare
1,228
Embed Views
0

Actions

Likes
0
Downloads
1
Comments
0

0 Embeds 0

No embeds

Accessibility

Categories

Upload Details

Uploaded via as Microsoft Word

Usage Rights

© All Rights Reserved

Report content

Flagged as inappropriate Flag as inappropriate
Flag as inappropriate

Select your reason for flagging this presentation as inappropriate.

Cancel
  • Full Name Full Name Comment goes here.
    Are you sure you want to
    Your message goes here
    Processing…
Post Comment
Edit your comment

كليلة ودمنة كليلة ودمنة Document Transcript

  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫كليلة ودمنة‬ ‫لنبن المقفع‬ ‫أهم وأشهر كتب انبن المقفع على اللطلق‬ ‫وهو مجموعة من الحكايات تدور على ألسنة الحيوانات يحكيها‬ ‫الفيلسوف نبيدنبا للملك دنبشليم، ويبث من خللها انبن المقفع آراءه‬ ‫السيالسية في المنهج القويم للحكم، والمشهور أن انبن المقفع ترجم‬ ‫كُ ،مْ‬ ‫هذه الحكايات عن الفارلسية، وأنها هندية اللصل، لكن أنبحاثا كثيرة‬ ‫اً‬‫حديثة تؤكد أن كليلة ودمنة من تأليف انبن المقفع وليست مجرد ترجمة،‬ ‫كما أن نبعض هذه النبحاث يعتقد أن الراء التي أوردها انبن المقفع‬ ‫في كليلة ودمنة كانت أحد اللسباب المباشرة لنهايته الليمة،‬ ‫نبسم ا الرحمن الرحيم‬ ‫نباب مقدمة الكتاب‬ ‫قدمها نبهنود نبن لسحوان ويعرف نبعلي نبن الشاه الفارلسي. ذكر فيها‬ ‫السبب الذي من أجله عمل نبيدنبا الفيلسوف الهندي رأس البراهمة‬ ‫لدنبشليم ملك الهند كتانبه الذي لسماه كليلة ودمنة؛ وجعله على ألسن‬ ‫البهائم والطير لصيانة لغرضه فيه من العوام، وضنا نبما ضمنه عن‬ ‫اً‬‫الطغام؛ وتنزيها للحكمة وفنونها، ومحالسنها وعيونها؛ إذ هي للفيلسوف‬ ‫مندوحة، ولخالطره مفتوحة؛ ولمحبيها تثقي، ولطالبيها تشريف. وذكر‬ ‫السبب الذي من أجله أنفذ كسرى أنوشروان نبن قباذ نبن فيروز ملك‬ ‫الفرص نبروزيه رأس اللطباء إلى نبلد الهند كتاب كليلة ودمنة؛ وما كان‬ ‫1‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫من تلطف نبروزيه عند دخوله إلى الهند؛ حتى حضر إليه الرجل الذي‬ ‫الستنسخه له لسرا من خزانة الملك ليل، مع ما وجد من كتب علماء‬ ‫اً‬ ‫الهند. وقد ذكر الذي كان من نبعثه نبروزيه إلى مملكة الهند لجل نقل‬ ‫هذا الكتاب؛ وذكر فيها ما يلزم مطالعه من إتقان قراءته والقيام‬ ‫نبدرالسته والنظر إلى نبالطن كلمه؛ وأنه إن لم يكن كذلك لك يحصل‬‫على الغاية منه. وذكر فيها حضور نبروزيه قراءة الكتاب جهرا. وقد ذكر‬ ‫السبب الذي من اجله وضع نبزرجمهر نبانبا مفردا يسمى نباب نبروزيه‬ ‫التطبب، وذكر فيه شأن نبروزيه من أول أمره وآن مولده إلى أن نبلغ‬ ‫التأديب، وأحب الحكمة واعتبر في أقسامها. وجعله قبل نباب اللسد‬ ‫والثور الذي هو أول الكتاب.‬ ‫قال علي نبن الشاه الفارلسي: كان السبب الذي من أجله وضع نبيدنبا‬‫الفيلسوف لدنبشليم ملك الهند كتاب كليلة ودمنة، أن اللسكندر ذا القرنين‬ ‫الرومي لما فرغ من أمر الملوك الذين كانوا نبناحية المغرب، لسار يريد‬ ‫ملوك الشرق من الفرس وغيرهم؛ فلم يزل يحارب من نازعه ويواقع‬‫من واقعه، ويسالم من وادعه من ملوك الفرس، وهم الطبقة الولى،‬ ‫حتى ظهر عليهم وقهر من ناوأه وتغلب على من حارنبه؛ فتفرقوا‬ ‫لطرائق وتمزقوا حزائق ، فتوجه نبالجنود نحو نبلد الصين؛ فبدأ في‬‫لطريقه نبملك الهند ليدعوه إلى لطاعته والدخول في ملته ووليته. وكان‬ ‫على الهند في ذلك الزمان ملك ذو لسطوة ونبأس وقوة ومراس، يقال‬ ‫له فور. فلما نبلغه إقبال ذي القرنين نحوه تأهب لمحارنبته، والستعد‬ ‫.ٌ‬‫لمجاذنبته؛ وشم إليه ألطرافه، وجد في التألب عليه؛ وجمع له العدة في‬ ‫2‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫ألسرع مدة من الفيلة المعدة للحروب، والسباع المضراة نبالوثوب؛ مع‬ ‫الخيول المسرجة والسيوف القوالطع، والحراب اللوامع. فلما قرب ذو‬ ‫القرنين من فور الهندي ونبلغه ما أعد له من الخيل التي كأنها قطع‬‫الليل مما لم يلقه نبمثله أحد من الملوك الذين كانوا في القاليم، تخوف‬‫ذو القرنين من تقصير يقع نبه إن عجل المبارزة. وكان ذو القرنين رجل اً‬ ‫ذا حيل ومكايد، مع حسن تدنبير وتجرنبة، فرأى إعمال الحيلة والتمهل،‬ ‫واحتفر خندقا على عسكره؛ وأقام نبمكانه للستنباط الحيلة والتدنبير‬‫لمره؛ وكيف ينبغي له أي يقدم على اليقاع نبه، فالستدعى نبالمنجمين،‬ ‫وأمرهم نبالختيار ليوم موافق تكون له فيه لسعادة لمحارنبة ملك الهند‬ ‫والنصرة عليه. فاشتغلوا نبذلك. وكان ذو القرنين ل يمر نبمدينة إل أخذ‬ ‫الصناع المشهورين من لصناعها نبالحذق من كل لصنف. فأنتجت له‬ ‫همته ودلته فطنته أن يتقدم إلى الصناع الذين معه في أن يصنعوا‬ ‫خيل اً من نحاس مجوفة، عليها تماثيل من الرجال، على نبكر تجري، إذا‬ ‫ ٍ‬ ‫دفعت مرت لسراعا. وأمر إذا فرغوا منها أن تحشى أجوافها نبالنفط‬ ‫والكبريت؛ وتلبس وتقدم أمام الصف في القلب. ووقت ما يلتقي‬ ‫الجمعان تضرم فيها النيران. فإن الفيلة إذا لفت خرالطيمها على‬ ‫الفرلسان وهي حامية، ولت هارنبة، وأوعز إلى الصناع نبالتشمير‬ ‫والنكماش والفراغ منها. فجدوا في ذلك وعجلوا. وقرب أيضا وقت‬ ‫اختيار المنجمين. فأعاد ذو القرنين رلسله إلى فور يدعوه إليه من‬ ‫لطاعته والذعان لدولته. فأجاب جواب مصر على مصر على مخالفته،‬ ‫ ٍ‬ ‫مقيم على محارنبته. فلما رأى ذو القرنين عزيمته لسار إليه نبأهبته؛‬ ‫ ٍ‬ ‫3‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫وقدم فور الفيلة أمامه، ودفعت الرجال تلك الخيل وتماثيل الفرلسان؛‬ ‫فأقبلت الفيلة نحوها، ولفت خرالطيمها عليها. فلما أحست نبالحرارة‬ ‫ألقت من كان عليها، ودالستهم تحت أرجلها، ومضت مهزومة هارنبة، ل‬ ‫تلوي على شيء ول تمر نبأحد إل ولطئته. وتقطع فور وجمعه، وتبعهم‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫ألصحاب اللسكندر؛ وأثخنوا فيهم الجراح.‬ ‫ولصاح اللسكندر: يا ملك الهند أنبرز إلينا، وأنبق على عدتك وعيالك، ول‬‫تحملهم على الفناء. فإنه ليس من المروءة أي يرمي الملك نبعدته في‬ ‫المهالك المتلفة والمواضع المجحفة، نبل يقيهم نبماله ويدافع عنهم‬‫نبنفسه. فأنبرز إلى ودع الجند، فأينا قهر لصاحبه فهو اللسعد. فلما لسمع‬ ‫فور من ذي القرنين ذلك الكلم دعته نفسه لملقاته لطمعا فيه؛ وظن‬ ‫ذلك فرلصة. فبرز إليه اللسكندر فتجاول على ظهري فرلسيهما لساعات‬ ‫اً‬ ‫من النهار ليس يلقى أحدهما من لصاحبه فرلصة؛ ولم يزال يتعاركان.‬ ‫اً‬ ‫فلما أعيا اللسكندر أمره ولم يجد له فرلصة ول حيلة أوقع ذو القرنين‬ ‫اً‬ ‫.ٌ‬ ‫في عسكره لصيحة عظيمة ارتجت لها الرض والعساكر؛ فالتفت فور‬ ‫عندما لسمع الزعقة، وظنها مكيدة في عسكره؛ فعاجله ذو القرنين‬ ‫نبضرنبة أمالته عن لسرجه، وتبعه نبأخرى؛ فوقع على الرض. فلما رأت‬ ‫الهند ما نزل نبهم، وما لصار إليه ملكهم؛ حملوا على اللسكندر فقاتلوه‬ ‫قتال اً أحبوا معه الموت. فوعدهم من نفسه الحسان، ومنحه ا‬ ‫أكتافهم؛ فالستولى على نبلدهم، وملك عليه رجل اً من ثقاته. وأقام‬ ‫نبالهند حتى الستوثق مما أراد من أمرهم واتفاق كلمتهم؛ ثم انصرف‬‫عن الهند وخلف ذلك الرجل عليهم. مضى متوجها نحو ما قصد له. فلما‬ ‫4‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫نبعد ذو القرنين عن الهند نبجيوشه، تغيرت الهند عما كانوا عليه من‬ ‫لطاعة الرجل الذي خلفه عليهم؛ وقالوا ليس يصلح للسيالسة ول ترضى‬ ‫الخالصة والعامة أن يملكوا عليهم رجل اً ليس هو منهم ول من أهل‬‫نبيوتهم. فإنه ل يزال يستذلهم ويستقلهم. واجتمعوا يملكون عليهم رجل اً‬ ‫من أولد ملوكهم؛ فملكوا عليهم ملكا يقال له دنبشليم؛ وخلعوا الرجل‬ ‫الذي كان خلفه عليهم اللسكندر. فلما الستولسق له المر، والستقر له‬ ‫الملك. وكان مع ذلك مؤيدا مظفرا منصورا. فهانبته الرعية. فلما رأى ما‬ ‫هو عليه من الملك والسطوة، عبث نبالرعية والستصغر أمرهم وألساء‬ ‫السيرة فيهم. وكان ل ترتقي حاله إل ازداد عتوا. فمكث على ذلك‬ ‫.ٌ‬ ‫نبرهة من دهره. وكان في زمانه رحل فيلسوف من البراهمة، فاضل‬ ‫حكيم، يعرف نبفضله، ويرجع في المور إلى قوله، يقال له نبيدنبا. فلما‬ ‫.ٌ‬ ‫رأى الملك وما هو عليه من الظلم للرعية، فكر في وجه الحيلة في‬ ‫لصرفه عما هو عليه، ورده إلى العدل والنصاف؛ فجمع لذلك تلميذه،‬‫وقال: أتعلمون ما أريد أن أشاوركم فيه? اعلموا إني ألطلت الفكرة في‬ ‫دنبشليم وما هو عليه من الخروج عن العدل ولزوم الشر ورداءة‬ ‫السيرة ولسوء العشرة مع الرعية؛ ونحن ما نروض أنفسنا لمثل هذه‬ ‫المور إذا ظهرت من الملوك، غل لنردهم إلى فعل الخير ولزوم‬ ‫العدل.‬ ‫ومتى أغفلنا ذلك وأهملناه لزم وقوع المكروه نبنا، ونبلوغ المحذورات‬ ‫إلينا؛ غذ كنا في أنفس الجهال أجهل منهم؛ وفي العيون عندهم أقل‬ ‫منهم. وليس الرأي عندي الجلء عن الولطن. ول يسعنا في حكمتنا‬ ‫5‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫إنبقاؤه على ما هو عليه من لسوء السيرة وقبح الطريقة. ول يمكننا‬ ‫مجاهدته نبغير ألسنتنا. ولو ذهبنا إلى أن نستعين نبغيرنا لم تتهيأ لنا‬ ‫معاندته. وإن أحس منا نبمحالفته وإنكارنا لسوء لسيرته كان في ذلك‬‫نبوارنا. وقد تعلمون أن مجاورة السبع والكلب والحية والثور على لطيب‬‫الولطن ونضارة العيش لغدر نبالنفس. وإن الفيلسوف لحقيق أن تكون‬ ‫.ٌ‬ ‫ ٍ‬ ‫همته مصروفة إلى ما يحصن نبه نفسه من نوازل المكروه ولواحق‬ ‫المحذور؛ ويدفع المخوف للستجلب المحبوب. ولقد كنت ألسمع أن‬‫فيلسوفا كتب لتلميذه يقول: إن مجاور رجال السوء ومصاحبهم كراكب‬‫البحر: إن لسلم من الغرق لم يسلم من المخاوف. فإذا هو أورد نفسه‬ ‫موارد المهلكات ومصادر المخوفات، عد من الحمير التي ل نفس لها.‬‫لن الحيوان البهيمية قد خصت في لطبائعها نبمعرفة ما تكتسب نبه النفع‬ ‫وتتوقى المكروه: وذلك أننا لم نرها تورد أنفسها موردا فيه هلكتها.‬‫وأنها متى أشرفت على مورد مهلك لها، مالت نبطبائعها التي ركبت فيها -‬ ‫شحا نبأنفسها ولصيانة لها - إلى النفور والتباعد عنه، وقد جمعتكم لهذا‬ ‫اً‬ ‫المر: لنكم ألسرتي ومكان لسري وموضع معرفتي؛ ونبكم أعتضد،‬ ‫وعليكم أعتمد. فإن الوحيد في نفسه والمنفرد نبرأيه حيث كان فهو‬ ‫ضائع ول نالصر له. على أن العاقل قد يبلغ نبحيلته ما ل يبلغ نبالخيل‬ ‫والجنود. والمثل في ذلك أن قنبرة اتخذت أدخية ونباضت فيها على‬ ‫اً‬ ‫اً‬ ‫لطريق الفيل؛ وكان للفيل مشرب يتردد إليه. فمر ذات يوم على عادته‬ ‫ليرد مورده فولطئ عش القنبرة؛ وهشم نبيضها وقتل فراخها. فلما‬ ‫نظرت ما لساءها، علمت أن الذي نالها من الفيل ل من غيره. فطارت‬ ‫6‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬‫فوقعت على رألسه نباكية؛ ثم قالت: أيها الملك لم هشمت نبيضي وقتلت‬ ‫اً‬ ‫فراخي، وأنا في جوارك? أفعلت هذا الستصغارا منك لمري واحتقارا‬‫لشأني. قال: هو الذي حملني على ذلك. فتركته وانصرفت إلى جماعة‬ ‫الطير؛ فشكت إليها ما نالها من الفيل. فقلن لها وما عسى أن نبلغ منه‬‫ونحن الطيور? فقالت للعقاعق والغرنبان: أحب منكن أن تصرن معي‬ ‫إليه فتفقأن عينيه؛ فإني أحتال له نبعد ذلك حيلة أخرى. فأجبنها إلى‬ ‫اً‬‫ذلك، وذهبن إلى الفيل، ولم يزلن ينقرن عينيه حتى ذهبن نبهما. ونبقي‬ ‫ل يهتدي إلى لطريق مطعمه ومشرنبه إل ما يلقمه من موضعه. فلما‬‫علمت ذلك منه، جاءت إلى غدير فيه ضفادع كثير، فشكت إليها ما نالها‬ ‫من الفيل.‬ ‫قالت الضفادع: ما حيلتنا نحن في عظم الفيل? وأين نبلغ منه. قالت:‬ ‫احب منكن أن تصرن معي إلى وهدة قريبة منه، فتنققن فيها،‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫وتضججن. فإنه إذا لسمع ألصواتكن لم يشك في الماء فيهوي فيها.‬ ‫فأجبنها إلى ذلك؛ واجتمعن في الهاوية، فسمع الفيل نقيق الضفادع،‬ ‫وقد اجهده العطش، فأقبل حتى وقع في الوهدة، فارتطم فيها.‬ ‫وجاءت القنبرة ترفرف على رألسه؛ وقالت: أيها الطاغي المغتر نبقوته‬‫المحتقر لمري، كيف رأيت عظم حيلتي مع لصغر جثتي عند عظم جثتك‬ ‫ولصغر همتك? فليشر كل واحد منكم نبما يسنح له من الرأي. قالوا‬ ‫نبأجمعهم: أيها الفيلسوف الفاضل، والحكيم العادل، أنت المقدم فينا،‬ ‫والفاضل علينا، وما عسى أن يكون مبلغ رأينا عند رأيك، وفهمنا عند‬ ‫فهمك? غير أننا نعلم أن السباحة في الماء مع التمالسيح تغرير؛‬ ‫.ٌ‬ ‫7‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬‫والذنب فيه لمن دخل عليه في موضعه. والذي يستخرج السم من ناب‬ ‫الحية فيبتلعه ليجرنبه جان على نفسه، فليس الذنب للحية. ومن دخل‬ ‫ ٍ‬ ‫على اللسد في غانبته لم يأمن من وثبته. وهذا الملك لم تفزعه‬‫النوائب، ولم تؤدنبه التجارب. ولسنا نأمن عليك ول على أنفسنا لسطوته‬ ‫وإنا نخاف عليك من لسورته ومبادرته نبسوء إذا لقيته نبغير ما يحب.‬ ‫ ٍ‬‫فقال الحكيم نبيدنبا: لعمري لقد قلتم فأحسنتم، لكن ذا الرأي الحازم ل‬ ‫يدع أن يشاور من هو دونه أو فوقه في المنزلة. والرأي الفرد ل‬ ‫يكتفي نبه في الخالصة ول ينتفع نبه في العامة. وقد لصحت عزيمتي‬ ‫على لقاء دنبشليم. وقد لسمعت مقالتكم؛ وتبين لي نصيحتكم‬ ‫والشفاق علي وعليكم. غير أني قد رأيت رأيا وعزمت عزما؛‬‫ولستعرفون حديثي عند الملك ومجاونبتي إياه فإذا اتصل نبكم خروجي‬ ‫من عنده فاجتمعوا إلي. ولصرفهم يدعون له نبالسلمة.‬ ‫ثم إن نبيدنبا اختار يوما للدخول على الملك؛ حتى إذا كان ذلك الوقت‬‫ألقى عليه مسوحة وهي لباس البراهمة؛ وقصد نباب الملك، ولسأل عن‬‫لصاحب إذنه وأرشد إليه ولسلم عليه؛ وأعلمه قال لي: إني رجل قصدت‬ ‫الملك في نصيحة. فدخل الذن على الملك في وقته؛ وقال: نبالباب‬ ‫ ٍ‬ ‫رجل من البراهمة يقال له نبيدنبا، ذكر أن معه للملك نصيحة. فأذن له؛‬ ‫.ٌ‬ ‫فدخل ووقف نبين يديه وكفر ولسجد له والستوى قائما ولسكت.‬ ‫وفكر دنبشليم في لسكوته؛ وقال: إن هذا لم يقصدنا إل لمرين: إما‬ ‫للتماس شيء منا يصلح نبه حاله، وإما لمر لحقه فلم تكن له نبه‬ ‫ ٍ‬ ‫لطاقة. ثم قال: إن كان للملوك فضل في مملكتها فإن للحكماء فضل اً‬ ‫.ٌ‬ ‫.ٌ‬ ‫8‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫في حكمتها أعظم: لن الحكماء أغنياء عن الملوك نبالعلم وليس‬ ‫الملوك أغنياء عن الحكماء نبالمال. وقد وجدت العلم والحيا إلفين‬‫متآلفين ل يفترقان: متى فقد أحدهما لم يوجد الخر؛ كالمتصافيين إن‬ ‫عدم منهما أحد لم يطب لصاحبه نفسا نبالبقاء تألسفا عليه. ومن لم‬‫يستحي من الحكماء ويكرمهم، ويعرف فضلهم على غيرهم، ويصنهم‬ ‫عن المواقف الواهنة، وينزههم عن الموالطن الرذلة كان ممن حرم‬‫عقله، وخسر دنياه، وظلم الحكماء حقوقهم، وعد من الجهال. ثم رفع‬ ‫رألسه إلى نبيدنبا؛ وقال له: نظرت إليك يا نبيدنبا لساكتا ل تعرض حاجتك،‬ ‫ول تذكر نبغيتك، فقلت: إن الذي ألسكته هيبة لساورته أو حيرة أدركته؛‬ ‫.ٌ‬ ‫.ٌ‬ ‫وتأملك عند ذلك من لطول وقوفك، وقلت: لك يكن لبيدنبا أن يطرقنا‬‫على غير عادة عن لسبب دخوله؛ فإن لم يكن من ضيم ناله، كنت أولى‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫من أخذ نبيده ولسارع في تشريفه، وتقدم في البلوغ إلى مراده‬ ‫وإعزازه؛ وإن كانت نبغيته غرضا من أغراض الدنيا أمرت نبإرضائه من‬ ‫ذلك فيما أحب؛ وإن يكن من أمر الملك، ومما ل ينبغي أن يبذلوه من‬ ‫أنفسهم ول ينقادوا إليه نظرت في قدر عقونبته؛ على أن مثله لم يكن‬ ‫ليجترئ على إدخال نفسه في نباب مسألة الملوك؛ وإن كان شيئا من‬ ‫أمور الرعية يقصد فيه أني ألصرف عنايتي إليهم، نظرت ما هو؛ فإن‬‫الحكماء ل يشيرون إل نبالخير، والجهال يشيرون نبضده. وأنا قد فسحت‬‫لك في الكلم. فلما لسمع نبيدنبا ذلك من الملك أفرخ روعه ؛ ولسرى عنه‬ ‫ما كان وقع في نفسه من خوفه وكفر له ولسجد؛ ثم قام نبين يديه‬ ‫وقال: أول ما أقول لك ألسأل ا تعالى نبقاء الملك على النبد، ودوام‬ ‫9‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫ملكه على المد: لن الملك قد منحني في مقامي هذا محل اً جعله‬ ‫شرفا لي على جميع من نبعدي من العلماء؛ وذكرا نباقيا على الدهر‬‫عند الحكماء. ثم أقبل على الملك نبوجهه، مستبشرا نبه فرحا نبما نبدا له‬‫منه، وقال: قد عطف الملك علي نبكرمه وإحسانه. والمر الذي دعاني‬ ‫إلى الدخول على الملك، وحملني على المخالطرة لكلمه، والقدام‬‫عليه، نصيحة اختصصته نبها دون غيره. ولسيعلم من يتصل نبه ذلك أني‬ ‫.ٌ‬ ‫لم أقصر عن غاية فيما يجب للمولى على الحكماء. فإن فسح في‬ ‫ ٍ‬ ‫كلمي ووعاه عني، فهو حقيق نبذلك وما يراه؛ وإن هو ألقاه، فقد‬ ‫نبلغت ما يلزمني وخرجت من لوم يلحقني.‬ ‫قال الملك نبيدنبا تكلم كيف شئت: فإنني مصغ إليك، ومقبل عليك،‬ ‫ ٍ‬‫ولسامع منك، حتى ألستفرغ ما عندك إلى آخره، وأجازيك على ذلك نبما‬ ‫أنت أهله. قال نبيدنبا: إني وجدت المور التي اختص نبها النسان من‬ ‫نبين لسائر الحيوانات أرنبعة أشياء، وهي جماع ما في العالم، وهي‬ ‫01‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬‫الحكمة والعفة والعقل والعدل. والعلم والدب والروية داخلة في نباب‬ ‫.ٌ‬‫الحكمة. والحلم والصبر والوقار داخلة في نباب العقل. والحياء والكرم‬ ‫.ٌ‬ ‫والصيانة والنفة داخلة في نباب العفة. والصدق والحسان والمراقبة‬ ‫.ٌ‬‫وحسن الخلق داخلة في نباب العدل. وهذه هي المحالسن، وأضدادها‬ ‫.ٌ‬ ‫هي المساوئ. فمتى كملت هذه في واحد ٍ لم تخرجه الزيادة في‬ ‫نعمة إلى لسوء الحظ من دنياه ول إلى نقص في عقباه، ولم يتألسف‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫على ما لم يعن التوفيق نببقائه، ولم يحزنه ما تجري نبه المقادير في‬ ‫ملكه، ولك يدهش عند مكروه. فالحكمة كنز ل يفنى على إنفاق،‬ ‫ ٍ‬ ‫.ٌ‬ ‫ ٍ‬ ‫وذخيرة ل يضرب لها نبالملق ، وحلة ل تخلق جدها، ولذة ل تنصرم‬ ‫.ٌ‬ ‫.ٌ‬ ‫مدتها. ولئن كنت عند مقامي نبين يدي الملك أمسكت عن انبتدائه‬ ‫نبالكلم، وإن ذلك لم يكن مني إل لهيبته والجلل له. ولعمري إن‬ ‫الملوك لهل أن يهانبوا؛ ل لسيما من هو في المنزلة التي جل فيها‬ ‫.ٌ‬ ‫الملك عن منازل الملوك قبله. وقد قالت العلماء: الزم السكوت؛ فإن‬‫اً‬ ‫فيه لسلمة؛ وتجنب الكلم الفارغ؛ فإن عاقبته الندامة. وحكي أن أرنبعة‬ ‫اً‬ ‫من العلماء ضمهم مجلس الملك، فقال لهم: ليتكلم كل نبكلم يكون‬ ‫.ٌ‬ ‫ألصل اً للدب. فقال أحدهم: أفضل خلة العلم السكوت. وقال الثاني:‬ ‫إن من انفع الشياء للنسان أن يعرف قدر منزلته من عقله. وقال‬ ‫الثالث: أنفع الشياء للنسان أل يتكلم نبما ل يعنيه. وقال الرانبع: أروح‬‫المور على النسان التسليم للمقادير. واجتمع في نبعض الزمان ملوك‬ ‫القاليم من الصين والهند وفارس والروم؛ وقالوا ينبغي أن يتكلم كل‬‫واحد منا نبكلمة تدون عنه على غانبر الدهر. فقال ملك الصين: أنا على‬ ‫ ٍ‬ ‫11‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫ما لم أقل أقدر مني على رد ما قلت. وقال ملك الهند: عجبت لمن‬ ‫يتكلم نبالكلمة فإن كانت له لم تنفعه، وإن كانت عليه أونبقته . وقال‬ ‫ملك فارس: أنا إذا تكلمت نبالكلمة ملكتني، وإذا لم أتكلم نبها ملكتها.‬ ‫وقال ملك الروم: ما ندمت على ما لم أتكلم نبه قط، ولقد ندمت على‬ ‫ما تكلمت نبه كثيرا. والسكوت عند الملوك أحسن من الهذر الذي ل‬ ‫يرجع منه إلى نفع. وأفضل ما الستظل نبه النسان لسانه. غير أن‬ ‫الملك، ألطال ا مدته، لما فسح لي في الكلم وأولسع لي فيه؛ كان‬ ‫أولى ما أنبدأ نبه من المور التي هي غرضي أن يكون ثمرة ذلك له‬ ‫دوني؛ وأن اختصه نبالفائدة قبلي. على أن العقبى هي ما أقصد في‬ ‫كلمي له؛ وإنما نفعه وشرفه راجع إليه؛ وأكون أنا قد قضيت فرضا‬ ‫.ٌ‬ ‫وجب علي فأقول: أيها الملك إنك في منازل آنبائك وأجدادك من‬ ‫الجبانبرة الذين ألسسوا الملك قبلك، وشيدوه دونك، ونبنوا القلع‬‫والحصون، ومهدوا البلد، وقادوا الجيوش؛ والستجاشوا العدة ، ولطالت‬‫لم المدة؛ والستكثروا من السلح والكراع؛ وعاشوا الدهور، في الغبطة‬ ‫والسرور؛ فلم يمنعهم ذلك من اكتساب جميل الذكر، ول قطعهم عن‬ ‫اغتنام الشكر؛ ول الستعمال الحسان إلى من خولوه، والرفاق نبمن‬ ‫ولوه، وحسن السيرة فيما تقلدوه؛ مع عظم ما كانوا فيه من غرة‬ ‫الملك، ولسكرة القتدار. وإنك أيها الملك السعيد جدة، الطالع كوكب‬ ‫لسعده، قد ورثت أرضهم وديارهم وأموالهم ومنازلهم التي كانت‬‫عدتهم؛ فأقمت فيما خولت من الملك وورثت من الموال والجنود؛ فلم‬ ‫تقم في ذلك نبحق ما يجب عليك؛ نبل لطغيت ونبغيت وعتوت وعلوت‬ ‫21‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬‫على الرعية، وألسأت السيرة، وعظمت منك البلية. وكان الولى والشبه‬ ‫نبك أن تسلك لسبيل ألسلفك، وتتبع آثار الملوك قبلك، وتقفو محالسن ما‬ ‫أنبقوه لك، وتقلع عما عاره لزم لك، وشينه واقع نبك؛ تحسن النظر‬‫نبرعيتك، وتسن لهم لسنن الخير الذي يبقى نبعدك ضره، ويعقبك الجميل‬ ‫فخره؛ ويكون ذلك أنبقى على السلمة وأدوم على اللستقامة. فإن‬ ‫الجاهل المغتر من الستعمل في أموره البطر والمنية، والحازم اللبيب‬‫من لساس الملك نبالمداراة والرفق؛ فانظر أيها الملك ما ألقيت إليك، ول‬‫يثقلن ذلك عليك: فلم أتكلم نبهذا انبتغاء عرض تجازيني نبه، ول التماس‬ ‫ ٍ‬ ‫معروف تكافئني نبه؛ ولكني أتيتك نالصحا مشفقا عليك.‬ ‫ ٍ‬ ‫فلما فرغ منه نبيدنبا من مقالته، وقضى منالصحته، أوغر لصدر الملك‬ ‫فأغلظ له في الجواب الستصغارا لمره؛ وقال: لقد تكلمت نبكلم ما‬ ‫ ٍ‬ ‫كنت أظن أحدا من أهل مملكتي يستقبلني نبمثله، ول يقدم على ما‬ ‫أقدمت عليه. فكيف أنت مع لصغر شأنك، وضعف منتك وعجز قوتك?‬ ‫ولقد أكثرت إعجانبي من إقدامك علي، وتسلطك نبلسانك فيما جاوزت‬ ‫فيه حدك. وما أجد شيئا في تأديب غيرك أنبلغ من التنكيل نبك. فذلك‬ ‫عبرة وموعظة لكن عساه أن يبلغ ويروم ما رمت أنت من الملوك إذا‬ ‫.ٌ‬ ‫.ٌ‬ ‫أولسعوا لهم في مجالسهم. ثم أمر نبه أن يقتل ويصلب. فلما مضوا نبه‬ ‫فيما أمر، فكر فيما أمر نبه فأحجم عنه، ثم أمر نبحبسه وتقييده. فلما‬ ‫حبس أنفذ في لطلب تلميذه ومن كان يجتمع إليه فهرنبوا في البلد‬ ‫واعتصموا نبجزائر البحار؛ فمكث نبيدنبا في محبسه أياما ل يسأل الملك‬ ‫.ٌ‬ ‫عنه، ول يلتفت إليه؛ ول يجسر أحد أن يذكره عنده؛ حتى إذا كان ليلة‬ ‫.ٌ‬ ‫31‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫من الليالي لسهد الملك لسهدا شديدا ؛ فطال لسهده، ومد إلى الفلك‬ ‫نبصره؛ وتفكر في تفلك الفلك وحركات الكواكب، فأغرق الفكر فيه؛‬‫فسلك نبه إلى الستنباط شيء عرض له من أمور الفلك، والمسألة عنه.‬ ‫ ٍ‬ ‫فذكر عند ذلك نبيدنبا، وتفكر فيما كلمه نبه؛ فأرعوى لذلك. وقال في‬ ‫نفسه: لقد ألسأت فيما لصنعت نبهذا الفيلسوف، وضيعت واجب حقه؛‬ ‫وحملني على ذلك لسرعة الغضب. وقد قالت العلماء: أرنبعة ل ينبغي‬ ‫.ٌ‬ ‫أن تكون في الملوك: الغضب فإنه أجد الشياء مقتا؛ والبخل فإن‬‫لصاحبه ليس نبمعذور مع ذات يده؛ والكذب فإنه ليس لحد أن يجاوره؛‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬‫والعنف في المحاورة فإن السفه ليس من شأنها. وإني أتي إلى رجل‬‫نصح لي، ولم يكن مبلغا؛ فعاملته نبضد ما يستحق، وكافأته نبخلف ما‬ ‫يستوجب. وما كان هذا جزاءه مني؛ نبل كان الواجب أن ألسمع كلمه،‬‫وأنقاد لما يشير نبه. ثم أنفذ في لساعته من يأتيه نبه. فلما مثل نبين يديه‬ ‫قال له: يا نبيدنبا ألست الذي قصدت إلى تقصير همتي، وعجزت رأيي‬ ‫في لسيرتي نبما تكلمت نبه آنفا? قال له نبيدنبا: أيها الملك النالصح‬ ‫الشفيق، والصادق الرفيق، إنما نبأتك نبما فيه لصلح لك ولرعيتك،‬ ‫.ٌ‬ ‫ودوام ملكك لك، قال له الملك: يا نبيدنبا أعد علي كلمك كله، ول تدع‬‫منه حرفا إل جئت نبه. فجعل نبيدنبا ينثر كلمه، والملك مصغ إليه. وجعل‬ ‫ ٍ‬‫دنبشليم كلما لسمع منه شيئا ينكت على الرض نبشيء كان في يده. ثم‬ ‫ ٍ‬ ‫رفع لطرفه إلى نبيدنبا، وأمره نبالجلوس. وقال له: يا نبيدنبا، إني قد‬ ‫الستعذنبت كلمك وحسن موقعه من قلبي. وأنا ناظر في الذي أشرت‬ ‫نبه، وعامل نبما أمرت. ثم أمر نبقيوده فحلت. وألقى عليه من لبالسه،‬ ‫41‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬‫اً‬ ‫وتلقاه نبالقبول. فقال نبيدنبا: يا أيها الملك، إن في دون ما كلمتك نبه نهية‬ ‫لمثلك. قال: لصدقت أيها الحكيم الفاضل. وقد وليتك من مجلسي هذا‬‫إلى جميع أقالصي مملكتي. فقال له: أيها الملك أعفني من هذا المر:‬‫فإني غير مضطلع نبتقويمه إل نبك. فأعفاه من ذلك. فلما انصرف، علم‬ ‫ ٍ‬ ‫أن الذي فعله ليس نبرأي، فبث فرده. وقال: إني فكرت في إعفائك‬ ‫مما عرضته عليك فوجدته ل يقوم إل نبك، ول ينهض نبه غيرك، ول‬ ‫يضطلع نبه لسواك. فل تخالفني فيه. فأجانبه نبيدنبا إلى ذلك.‬‫وكان عادة ملوك ذلك الزمان إذا الستوزروا وزيرا أن يعقدوا على رألسه‬‫تاجا، ويركب في أهل المملكة، ويطاف نبه في المدينة. فأمر الملك أن‬‫يفعل نببيدنبا ذلك. فوضع التاج على رألسه، وركب المدينة ورجع فجلس‬ ‫نبمجلس العدل والنصاف: يأخذ للدني من الشريف، ويساوي نبين‬‫القوي والضعيف؛ ورد المظالم، ووضع لسنن العدل، وأكثر من العطاء‬‫والبذل. واتصل الخبر نبتلميذه فجاءوه من كل مكان، فرحين نبما جدد‬ ‫ا له من جديد رأي الملك في نبيدنبا؛ وشكروا ا تعالى على توفيق‬ ‫نبيدنبا في إزالة دنبشليم عما كان عليه من لسوء السيرة، واتخذوا ذلك‬ ‫اليوم عيدا يعيدون فيه فهو إلى اليوم عيد.ٌ عندهم في نبلد الهند.‬ ‫فلما فرغ منه نبيدنبا من مقالته، وقضى منالصحته، أوغر لصدر الملك‬ ‫فأغلظ له في الجواب الستصغارا لمره؛ وقال: لقد تكلمت نبكلم ما‬ ‫ ٍ‬ ‫كنت أظن أحدا من أهل مملكتي يستقبلني نبمثله، ول يقدم على ما‬ ‫أقدمت عليه. فكيف أنت مع لصغر شأنك، وضعف منتك وعجز قوتك?‬ ‫ولقد أكثرت إعجانبي من إقدامك علي، وتسلطك نبلسانك فيما جاوزت‬ ‫51‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫فيه حدك. وما أجد شيئا في تأديب غيرك أنبلغ من التنكيل نبك. فذلك‬ ‫عبرة وموعظة لكن عساه أن يبلغ ويروم ما رمت أنت من الملوك إذا‬ ‫.ٌ‬ ‫.ٌ‬‫أولسعوا لهم في مجالسهم. ثم أمر نبه أن يقتل ويصلب. فلما مضوا نبه‬ ‫فيما أمر، فكر فيما أمر نبه فأحجم عنه، ثم أمر نبحبسه وتقييده. فلما‬ ‫حبس أنفذ في لطلب تلميذه ومن كان يجتمع إليه فهرنبوا في البلد‬ ‫واعتصموا نبجزائر البحار؛ فمكث نبيدنبا في محبسه أياما ل يسأل الملك‬ ‫.ٌ‬ ‫عنه، ول يلتفت إليه؛ ول يجسر أحد أن يذكره عنده؛ حتى إذا كان ليلة‬ ‫.ٌ‬ ‫من الليالي لسهد الملك لسهدا شديدا ؛ فطال لسهده، ومد إلى الفلك‬ ‫نبصره؛ وتفكر في تفلك الفلك وحركات الكواكب، فأغرق الفكر فيه؛‬‫فسلك نبه إلى الستنباط شيء عرض له من أمور الفلك، والمسألة عنه.‬ ‫ ٍ‬ ‫فذكر عند ذلك نبيدنبا، وتفكر فيما كلمه نبه؛ فأرعوى لذلك. وقال في‬ ‫نفسه: لقد ألسأت فيما لصنعت نبهذا الفيلسوف، وضيعت واجب حقه؛‬ ‫وحملني على ذلك لسرعة الغضب. وقد قالت العلماء: أرنبعة ل ينبغي‬ ‫.ٌ‬ ‫أن تكون في الملوك: الغضب فإنه أجد الشياء مقتا؛ والبخل فإن‬‫لصاحبه ليس نبمعذور مع ذات يده؛ والكذب فإنه ليس لحد أن يجاوره؛‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬‫والعنف في المحاورة فإن السفه ليس من شأنها. وإني أتي إلى رجل‬‫نصح لي، ولم يكن مبلغا؛ فعاملته نبضد ما يستحق، وكافأته نبخلف ما‬‫يستوجب. وما كان هذا جزاءه مني؛ نبل كان الواجب أن ألسمع كلمه،‬‫وأنقاد لما يشير نبه. ثم أنفذ في لساعته من يأتيه نبه. فلما مثل نبين يديه‬ ‫قال له: يا نبيدنبا ألست الذي قصدت إلى تقصير همتي، وعجزت رأيي‬ ‫في لسيرتي نبما تكلمت نبه آنفا? قال له نبيدنبا: أيها الملك النالصح‬ ‫61‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫الشفيق، والصادق الرفيق، إنما نبأتك نبما فيه لصلح لك ولرعيتك،‬ ‫.ٌ‬ ‫ودوام ملكك لك، قال له الملك: يا نبيدنبا أعد علي كلمك كله، ول تدع‬‫منه حرفا إل جئت نبه. فجعل نبيدنبا ينثر كلمه، والملك مصغ إليه. وجعل‬ ‫ ٍ‬‫دنبشليم كلما لسمع منه شيئا ينكت على الرض نبشيء كان في يده. ثم‬ ‫ ٍ‬ ‫رفع لطرفه إلى نبيدنبا، وأمره نبالجلوس. وقال له: يا نبيدنبا، إني قد‬ ‫الستعذنبت كلمك وحسن موقعه من قلبي. وأنا ناظر في الذي أشرت‬ ‫نبه، وعامل نبما أمرت. ثم أمر نبقيوده فحلت. وألقى عليه من لبالسه،‬‫اً‬ ‫وتلقاه نبالقبول. فقال نبيدنبا: يا أيها الملك، إن في دون ما كلمتك نبه نهية‬ ‫لمثلك. قال: لصدقت أيها الحكيم الفاضل. وقد وليتك من مجلسي هذا‬‫إلى جميع أقالصي مملكتي. فقال له: أيها الملك أعفني من هذا المر:‬‫فإني غير مضطلع نبتقويمه إل نبك. فأعفاه من ذلك. فلما انصرف، علم‬ ‫ ٍ‬ ‫أن الذي فعله ليس نبرأي، فبث فرده. وقال: إني فكرت في إعفائك‬ ‫مما عرضته عليك فوجدته ل يقوم إل نبك، ول ينهض نبه غيرك، ول‬ ‫يضطلع نبه لسواك. فل تخالفني فيه. فأجانبه نبيدنبا إلى ذلك.‬‫وكان عادة ملوك ذلك الزمان إذا الستوزروا وزيرا أن يعقدوا على رألسه‬‫تاجا، ويركب في أهل المملكة، ويطاف نبه في المدينة. فأمر الملك أن‬‫يفعل نببيدنبا ذلك. فوضع التاج على رألسه، وركب المدينة ورجع فجلس‬ ‫نبمجلس العدل والنصاف: يأخذ للدني من الشريف، ويساوي نبين‬‫القوي والضعيف؛ ورد المظالم، ووضع لسنن العدل، وأكثر من العطاء‬‫والبذل. واتصل الخبر نبتلميذه فجاءوه من كل مكان، فرحين نبما جدد‬ ‫ا له من جديد رأي الملك في نبيدنبا؛ وشكروا ا تعالى على توفيق‬ ‫71‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫نبيدنبا في إزالة دنبشليم عما كان عليه من لسوء السيرة، واتخذوا ذلك‬ ‫اليوم عيدا يعيدون فيه فهو إلى اليوم عيد.ٌ عندهم في نبلد الهند.‬ ‫ثم أن نبيدنبا لما أخلى فكره من اشتغاله نبدنبشليم، تفرغ لوضع كتب‬‫السيالسة ونشط لها، فعمل كتبا كثيرة، فيها دقائق الحيل. ومضى الملك‬ ‫اً‬ ‫على ما رلسم له نبيدنبا من حسن السيرة والعدل في الرعية. فرغبت‬ ‫إليه الملوك الذين كانوا في نواحيه، وانقادت له المور على الستوائها.‬ ‫وفرحت نبه رعيته وأهل مملكته. ثم أن نبيدنبا جمع تلميذه فأحسن‬ ‫لصلتهم، ووعدهم وعدا جميل. وقال لهم: لست أشك أنه وقع في‬ ‫اً‬‫نفولسكم وقت دخولي على الملك أن قلتم: إن نبيدنبا قد ضاعت حكمته،‬ ‫ونبطلت فكرته: إذ عزم على الدخول على هذا الجبار الطاغي. فقد‬‫علمتم نتيجة رأيي ولصحة فكري. وإني لم آته جهل اً نبه: لني كنت ألسمع‬ ‫من الحكماء قبلي تقول: إن الملوك لها لسورة.ٌ كسورة الشراب:‬ ‫فالملوك ل تفيق من السورة إل نبمواعظ العلماء وأدب الحكماء.‬ ‫والواجب على الملوك أن يتعظوا نبمواعظ العلماء. والواجب على‬ ‫العلماء تقويم الملوك نبألسنتها، وتأديبها نبحكمتها، وإظهار الحجة البينة‬‫اللزمة لهم: ليرتدعوا عما هم عليه من العوجاج والخروج عن العدل.‬ ‫فوجدت ما قالت العلماء فرضا واجبا على الحكماء لملوكهم‬ ‫ليوقظوهم من رقدتهم؛ كالطبيب الذي يجب عليه في لصناعته حفظ‬ ‫الجساد على لصحتها أو ردها إلى الصحة. فكرهت أن يموت أو أموت‬‫وما يبقى على الرض غل من يقول: إنه كان نبيدنبا الفيلسوف في زمان‬ ‫دنبشليم الطاغي فلم يرده عما كان عليه. فإن قال قائل: إنه لم يمكنه‬ ‫81‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫كلمه خوفا على نفسه، قالوا: كان الهرب منه ومن جواره أولى نبه؛‬ ‫والنزعاج عن الولطن شديد؛ فرأيت أن أجود نبحياتي؛ فأكون قد أتيت‬ ‫.ٌ‬‫فيما نبيني ونبين الحكماء نبعدي عذرا. فحملتها على التغرير أو الظفر نبما‬‫أريده. وكان من ذلك ما أنتم معاينوه: فإنه يقال في نبعض المثال: إن‬ ‫لم يبلغ أحد مرتبة إل نبإحدى ثلث: إما نبمشقة تناله في نفسه، وإما‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫نبوضعية في ماله أو وكس في دينه . ومن لم يركب الهوال لم ينل‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫الرغائب. وإن الملك دنبشليم قد نبسط لساني في أن أضع كتانبا فيه‬ ‫ضروب الحكمة. فليضع كل واحد منكم شيئا في أي فن شاء؛‬ ‫وليعرضه علي لنظر مقدار عقله، وأين نبلغ من الحكمة فهمه. قالوا:‬ ‫أيها الحكيم الفاضل، واللبيب العاقل، والذي وهب لك ما منحك من‬ ‫الحكمة والعقل والدب والفضيلة، ما خطر هذا نبقلونبنا لساعة قط.‬ ‫اً‬ ‫وأنت رئيسنا وفاضلنا، ونبك شرفنا، وعلى يدك انتعاشنا. ولكن لسنجهد‬ ‫أنفسنا فيما أمرت. ومكث الملك على ذلك من حسن السيرة زمانا‬ ‫يتولى ذلك له نبيدنبا ويقوم نبه.‬ ‫ثم إن الملك دنبشليم لما الستقر له الملك، ولسقط عنه النظر في أمور‬ ‫العداء نبما قد كفاه ذلك نبيدنبا، لصرف همته إلى النظر في الكتب التي‬ ‫وضعتها فللسفة الهند لنبائه وأجداده؛ فوقع في نفسه أن يكون له‬ ‫أيضا كتاب مشروح ينسب إليه وتذكر فيه أيامه كما ذكر آنباؤه وأجداده‬ ‫.ٌ‬ ‫.ٌ‬ ‫من قبله. فلما عزم على ذلك، علم أنه ل يقوم ذلك إل نببيدنبا: فدعاه‬ ‫وخل نبه؛ وقال له: يا نبيدنبا، إنك حكيم الهند وفيلسوفها. وإني فكرت‬ ‫ونظرت في خزائن الحكمة التي كانت للملوك قبلي؛ فلم أر فيهم أحدا‬ ‫91‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫إل وضع كتانبا يذكر فيه أيامه ولسيرته، وينبئ عن أدنبه وأهل مملكته؛‬ ‫فمنه ما وضعته الملوك لنفسها، وذلك لفضل حكمة فيها؛ ومنها ما‬ ‫ ٍ‬ ‫وضعته حكماؤها. وأخاف أن يلحقني ما لحق أولئك مما ل حيلة لي‬‫فيه، ول يوجد في خزائني كتاب أذكر نبه من نبعدي، وأنسب إليه كما ذكر‬ ‫.ٌ‬ ‫من كان قبلي نبكتبهم. وقد أحببت أن تضع لي كتانبا نبليغا تستفرغ فيه‬ ‫عقلك يكون ظاهره لسيالسة العامة وتأديبها، ونبالطنه أخلق الملوك‬‫ولسيالستها للرعية على لطاعة الملك وخدمته؛ فيسقط نبذلك عني وعنهم‬ ‫كثير مما نحتاج إليه في معاناة الملك. وأريد أن يبقى لي هذا الكتاب‬ ‫.ٌ‬‫من نبعدي ذكرا على غانبر الدهور. فلما لسمع نبيدنبا كلمه خر له لساجدا،‬ ‫ورفع رألسه وقال: أيها الملك السعيد جده، عل نجمك، وغاب نحسك،‬ ‫ودامت أيامك؛ إن الذي قد لطبع عليه الملك من جودة القريحة ووفور‬ ‫العقل حركه لعالي المور؛ ولسمت نبه نفسه وهمته إلى أشرف‬ ‫المراتب منزلة، وأنبعدها غاية؛ وأدام ا لسعادة الملك وأعانه على ما‬ ‫اً‬ ‫اً‬ ‫عزم من ذلك، وأعانني على نبلوغ مراده. فليأمر الملك نبما شاء من‬ ‫ذلك: فإن لصائر إلى غرضه، مجتهدا فيه نبرأيي. قال له الملك: يا نبيدنبا‬ ‫.ٌ‬ ‫.ٌ‬ ‫لم تزل مولصوفا نبحسن الرأي ولطاعة الملوك في أمورهم. وقد‬ ‫اختبرت منك ذلك، واخترت أن تضع هذا الكتاب، وتعمل فيه فكرك،‬ ‫وتجهد فيه نفسك، نبغاية ما تجد إليه السبيل. وليكن مشتمل اً على الجد‬ ‫والهزل واللهو والحكمة والفلسفة. فكفر له نبيدنبا ولسجد، وقال: قد‬ ‫أجبت الملك أدام ا أيامه إلى ما أمرني نبه، وجعلت نبيني ونبينه أجل.‬ ‫اً‬‫ ٍ‬ ‫قال: وكم هو الجل? قال: لسنة. قال: قد أجلتك؛ وأمر له نبجائزة لسنية‬ ‫ ٍ‬ ‫.ٌ‬ ‫02‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫تعينه على عمل الكتاب فبقى نبيدنبا مفكرا في الخذ فيه، وفي أي‬ ‫لصورة يبتدي نبها فيه وفي وضعه.‬ ‫ ٍ‬ ‫ثم إن نبيدنبا جمع تلميذه وقال لهم: إن الملك قد ندنبني لمر فيه‬ ‫فخري وفخركم وفخر نبلدكم، وقد جمعتكم لهذا المر. ثم ولصف لهم‬ ‫ما لسأل الملك من أمر الكتاب، والغرض الذي قصد فيه، فلم يقع لهم‬ ‫الفكر فيه فلما لم يجد عندهم ما يريده فكر نبفضل حكمته، وعلم أن‬‫ذلك أمر إنما يتم نبالستفراغ العقل وإعمال الفكر؛ وقال: أرى السفينة ل‬ ‫.ٌ‬ ‫تجري في البحر إل نبالملحين: لنهم يعدلونها؛ وإنما تسلك اللجة‬ ‫نبمدنبرها الذي تفرد نبإمرتها ؛ ومتى شحنت نبالركاب الكثيرين وكثر‬ ‫ملحوها لم يؤمن عليه من الغرق. ولم يزل يفكر فيما يعمله في نباب‬‫الكتاب حتى وضعه على النفراد نبنفسه، مع رجل من تلميذه كان يثق‬ ‫ ٍ‬ ‫نبه؛ فخل نبه منفردا معه، نبعد أن أعد الورق الذي كانت تكتب فيه الهند‬‫شيئا، ومن القوت ما يقوم نبه ونبتلميذه تلك المدة. وجلسا في مقصورة،‬ ‫ ٍ‬ ‫وردا عليهما الباب ثم نبدأ في نظم الكتاب وتصنيفه؛ ولم يزل هو يملي‬ ‫وتلميذه يكتب، ويرجع هو فيه؛ حتى الستقر الكتاب على غاية التقان‬ ‫والحكام. ورتب فيه أرنبعة عشر نبانبا؛ كل نباب منها قائم نبنفسه. وفي‬ ‫ ٍ‬ ‫كل نباب مسألة والجواب عنها؛ ليكون لمن نظر فيه حظ من الهداية.‬ ‫.ٌ‬ ‫.ٌ‬ ‫وضمن تلك النبواب كتانبا واحدا؛ ولسماه كتاب كليلة ودمنة. ثم جعل‬‫كلمه على ألسن البهائم والسباع والطير: ليكون ظاهره لهوا للخواص‬ ‫والعوام، ونبالطنه رياضة لعقول الخالصة. وضمنه أيضا ما يحتاج إليه‬ ‫اً‬ ‫النسان من لسيالسة نفسه وأهله وخالصته، وجميع ما يحتاج إليه من‬ ‫12‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫أمير دينه ودنياه، وأخرته وأوله؛ ويحضه على حسن لطاعته للملوك‬ ‫ويجنبه ما تكون مجانبته خيرا له. ثم جعله نبالطنا وظاهرا كرلسم لسائر‬ ‫اً‬ ‫الكتب التي نبرلسم الحكمة: فصار الحيوان لهوا، وما ينطق نبه حكمة‬ ‫وأدنبا. فلما انبتدأ نبيدنبا نبذلك جعل أول الكتاب ولصف الصديق، وكيف‬ ‫يكون الصديقان، وكيف تقطع المودة الثانبتة نبينهما نبحيلة ذي النميمة.‬‫وأمر تلميذه أن يكتب على لسان نبيدنبا مثل ما كان الملك شرلطه في أن‬ ‫جعله لهوا وحكمة. فذكر نبيدنبا أن الحكمة متى دخلها كلم النقلة‬ ‫اً‬‫أفسدها وجهلت حكمتها. فلم يزل هو وتلميذه يعملن الفكر فيما لسأله‬ ‫الملك، حتى فتق لهما العقل أن يكون كلمهما على لسان نبهيمتين.‬ ‫فوقع لهما موضع اللهو والهزل نبكلم البهائم. وكانت الحكمة ما نطقا‬ ‫نبه. فألصغت الحكماء إلى حكمه وتركوا البهائم واللهو، وعلموا أنها‬ ‫السبب في الذي وضع لهم. ومالت إليه الجهال عجبا من محاورة‬ ‫نبهيمتين، ولم يشكوا في ذلك؛ واتخذوه لهوا، وتركوا معنى الكلم أن‬ ‫يفهموه، ولم يعلموا الغرض الذي وضع له؛ لن الفيلسوف إنما كان‬ ‫غرضه في الباب الول أن يخبر عن توالصل الخوان كيف تتأكد المودة‬ ‫نبينهم على التحفظ من أهل السعاية والتحرز ممن يوقع العداوة نبين‬ ‫المتحانبين: ليجر نبذلك نفعا إلى نفسه. فلم يزل نبيدنبا وتلميذه في‬ ‫المقصورة، حتى الستتما عمل الكتاب في مدة لسنة. فلما تم الحول‬ ‫ ٍ‬ ‫أنفذ إليه الملك أن قد جاء الوعد فماذا لصنعت? فأنفذ إليه نبيدنبا: إني‬ ‫على ما وعدت الملك. فليأمرني نبحمله، نبعد أن يجمع أهل المملكة‬ ‫لتكون قراءتي هذا الكتاب نبحضرتهم، فلما رجع الرلسول إلى الملك‬ ‫22‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫لسر نبذلك، ووعده يوما يجمع فيه أهل المملكة. ثم نادى في أقالصي‬ ‫نبلد الهند ليحضروا قراءة الكتاب. فلما كان ذلك اليوم، أمر الملك أن‬ ‫ينصب لبيدنبا لسرير مثل لسريره، كرالسي لنبناء الملوك والعلماء. وأنفذ‬ ‫.ٌ‬‫فأحضره. فلما جاءه الرلسول قام فلبس الثياب التي كان يلبسا إذا دخل‬ ‫على الملوك وهي المسوح السود، وحمل الكتاب تلميذه. فلما دخل‬ ‫على الملك وثب الخلئق نبأجمعهم، وقام الملك شاكرا. فلما قرب من‬ ‫الملك كفر له ولسجد، ولم يرفع رألسه. فقال له الملك: يا نبيدنبا ارفع‬ ‫رألسك، فإن هذا يوم هناءة وفرح ولسرور، وأمره أن يجلس. فحين‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫جلس لقراءة الكتاب، لسأله عن معنى كل نباب من أنبوانبه، وإلى أي‬ ‫شيء ٍ قصد فيه. فأخبره نبغرضه فيه، وفي كل نباب. فازداد الملك منه‬‫تعجبا ولسرورا. فقال له: يا نبيدنبا ما عدوت الذي في نفسي؛ وهذا الذي‬ ‫كنت ألطلب؛ فالطلب ما شئت وتحكم. فدعا له نبيدنبا نبالسعادة ولطول‬ ‫الجد. وقال: أيها الملك أما المال فل حاجة لي فيه، وأما الكسوة فل‬‫أختار على لبالسي ذا شيئا؛ ولست أخلي الملك من حاجة. قال الملك: يا‬ ‫ ٍ‬‫نبيدنبا ما حاجتك? فكل حاجة لك قبلنا مقضية. قال: يأمر الملك أن يدون‬ ‫.ٌ‬ ‫ ٍ‬ ‫كتانبي هذا كما دون آنباؤه وأجداده كتبهم، ويأمر نبالمحافظة عليه: فإن‬ ‫أخاف أن يخرج من نبلد الهند، فيتناوله أهل فارس إذا علموا نبه؛‬ ‫فالملك يأمر أل يخرج من نبيت الحكمة. ثم دعا الملك نبتلميذه وأحسن‬ ‫لهم الجوائز. ثم إنه لما ملك كسرى أنوشروان وكان مستأثرا نبالكتب‬ ‫والعلم والدب والنظر في أخبار الوائل ويقع له خبر الكتاب؛ فلم يقر‬ ‫قراره حتى نبعث نبروزيه الطبيب وتلطف حتى أخرجه من نبلد الهند‬ ‫32‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫فأقره في خزائن فارس.اف أن يخرج من نبلد الهند، فيتناوله أهل‬ ‫فارس إذا علموا نبه؛ فالملك يأمر أل يخرج من نبيت الحكمة. ثم دعا‬ ‫الملك نبتلميذه وأحسن لهم الجوائز. ثم إنه لما ملك كسرى أنوشروان‬ ‫وكان مستأثرا نبالكتب والعلم والدب والنظر في أخبار الوائل ويقع له‬ ‫خبر الكتاب؛ فلم يقر قراره حتى نبعث نبروزيه الطبيب وتلطف حتى‬ ‫أخرجه من نبلد الهند فأقره في خزائن فارس.‬ ‫نباب نبعثة نبرزويه إلى نبلد الهند‬ ‫وكذلك لطالب الخرة مجتهد في العمل المنجي نبه روحه ل يقدر على‬ ‫إتمام عمله وإكماله إل نبالعقل الذي هو لسبب كل خير ومفتاح كل‬ ‫لسعادة. فليس لحد غني عن العقل. والعقل مكتسب نبالتجارب‬ ‫ ٍ‬‫والدب. وله غريزة مكنونة في النسان كامنة كالنار في الحجر ل تظهر‬ ‫.ٌ‬ ‫.ٌ‬ ‫.ٌ‬ ‫ول يرى ضوءها حتى يقدحها قادح من الناس؛ فإذا قدحت ظهرت‬ ‫.ٌ‬ ‫لطبيعتها. وكذلك العقل كامن في النسان ل يظهر حتى يظهره الدب‬ ‫وتقويه التجارب. ومن رزق العقل ومن نبه عليه وأعين على لصدق‬ ‫قريحته نبالدب حرص على لطلب لسعد جده، وأدرك في الدنيا أمله،‬ ‫وحاز في الخرة ثواب الصالحين. وقد رزق ا الملك السعيد‬ ‫أنوشروان من العقل أفضله، ومن العلم أجزله؛ ومن المعرفة نبالمور‬ ‫ألصونبها، ومن الفعال ألسدها، ومن البحث عن اللصول والفرع أنفعه؛‬ ‫.ٌ‬ ‫ونبلغه من فنون اختلف العلم، ونبلوغ منزلة الفلسفة، ما لم يبلغه ملك‬‫قط من الملوك قبله؛ حتى كان فيما لطلب ونبحث عنه من العلم أن نبلغه‬ ‫42‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫عن كتاب نبالهند، علم أنه ألصل كل أدب ورأس كل علم، والدليل على‬ ‫ ٍ‬ ‫منفعة، ومفتاح عمل الخرة وعلمها، ومرعبة النجاة من هولها؛ فأمر‬ ‫ ٍ‬ ‫الملك وزيره نبزرجمهر أن يبحث له عن رجل أديب عاقل من أهل‬ ‫ ٍ‬ ‫مملكته، نبصير نبلسان الفارلسية، ماهر في كلم الهند؛ ويكون نبليغا‬‫نباللسانين جميعا، حريصا على لطلب العلم مجتهدا في الستعمال الدب،‬ ‫مبادرا في لطلب العلم، والبحث عن كتب الفلسفة. فأتاه نبرجل أديب‬ ‫ ٍ‬ ‫كامل العقل والدب، معرف نبصناعة الطب، ماهر في الفارلسية‬ ‫ ٍ‬‫والهندي يقال له نبروزيه؛ فلما دخل عليه كفر ولسجد نبين يديه. فقال له‬ ‫الملك: يا نبروزيه: إن قد اخترتك لما نبلغني من فضلك وعلمك وعقلك،‬ ‫وحرلصك على لطلب العلم حيث كان. وقد نبلغني عن كتاب نبالهند‬ ‫مخزون في خزائنهم، وقص عليه ما نبلغه عنه. وقال له: تجهز فإني‬ ‫مرحلك إلى أرض الهند؛ فتلطف نبعقلك وحسن أدنبك وناقد رأيك،‬ ‫للستخراج هذا الكتاب من خزائنهم ومن قبل علمائهم؛ فتستفيد نبذلك‬‫.ٌ‬ ‫وتفيدنا. وما قدرت عليه من كتب الهند مما ليس في خزائننا منه شيء‬ ‫فأحمله معك؛ وخذ معك من المال ما تحتاج إليه، وعجل ذلك، ول‬ ‫تقصر في لطلب العلوم وإن أكثرت فيه النفقة، فإن جميع ما في‬‫خزائني مبذول لك في لطلب العلوم. وأمر نبإحضار المنجمين؛ فاختاروا‬ ‫له يوما يسير فيه، ولساعة لصالحة يخرج فيها. وحمل معه من المال‬ ‫اً‬ ‫عشرين جرانبا؛ كل جراب فيه عشرة آلف دينار. فلما قدم نبروزيه نبلد‬ ‫ ٍ‬ ‫الهند لطاف نبباب الملك ومجالس السوقة ، ولسأل عن خواص الملك‬ ‫والشراف والعلماء والفللسفة؛ فجعل يغشاهم في منازلهم،‬ ‫52‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬‫ويتلقاهم نبالتحية، ويخبرهم نبأنه رجل غريب قدم نبلدهم لطلب العلوم‬‫والدب، وأنه محتاج إلى معاونتهم في ذلك. فلم يزل كذلك زمانا لطويل اً‬ ‫يتأدب عن علماء الهند يما هو عالم نبجميعه؛ وكأنه ل يعلم منه شيئا؛‬ ‫وهو فيما نبين ذلك يستر نبغيته وحاجته. واتخذ في تلك الحالة لطول‬ ‫مقامه ألصدقاء كثيرة من الشراف والعلماء والفللسفة والسوقة ومن‬ ‫.ٌ‬‫أهل كل لطبقة ولصناعة؛ وكان قد اتخذ من نبين ألصدقائه رجل اً واحدا قد‬ ‫ ٍ‬ ‫اتخذه لسره وما يحب مشاورته فيه؛ للذي ظهر له من فضله وأدنبه،‬ ‫والستبان له من لصحة إخائه؛ وكان يشاوره في المور، ويرتاح إليه في‬ ‫جميع ما أهمه.‬ ‫إل أنه كان يكتم منه المر الذي قدم من أجله لكي يبلوه ويخبره،‬‫وينظر هل هو أهل أن يطلعه على لسره. فقال له يوما وهما جالسان:‬ ‫ ٍ‬ ‫يا أخي ما أريد أن أكتمك من أمري فوق الذي كتمتك. فاعلم أنني لمر‬ ‫قدمت، وهو غير الذي يظهر مني؛ والعاقل يكتفي من الرجل‬ ‫نبالعلمات من نظره، حتى يعلم لسر نفسه وما يضمره قلبه. قال له‬ ‫الهندي: إني وإن لم أكن نبدأتك وأخبرتك نبما جئت له، وإياه تريد؛ وأنك‬ ‫تكتم أمرا تطلبه، وتظهر غيره؛ ما خفي على ذلك منك. ولكني لرغبتي‬ ‫في إخائك، كرهت أن أواجهك نبه. وإنه قد الستبان ما تخفيه مني. فأما‬ ‫إذ قد أظهرت ذلك، وأفصحت نبه ونبالكلم فيه، فإني مخبرك عن‬ ‫نفسك، ومظهر لك لسريرتك، ومعلمك نبحالك التي قدمت لها؛ فإنك‬ ‫قدمت نبلدنا لتسلبنا كنوزنا النفيسة، فتذهب نبها إلى نبلدك، وتسرنبها‬ ‫ملكك. وكان قدومك نبالمكر والخديعة. ولكني لما رأيت لصبرك،‬ ‫62‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬‫ومواظبتك على لطلب حاجتك، والتحفظ من أن يسقط منك الكلم، مع‬ ‫لطول مكثك عندنا، نبشيء يستدل نبه على لسريرتك وأمورك، ازددت‬ ‫ ٍ‬‫رغبة في إخائك، وثقة نبعقلك، فأحببت مودتك. فإني لم أر في الرجال‬ ‫اً‬ ‫رجل اً هو أرلصن منك عقل، ول أحسن أدنبا، ول ألصبر على لطلب العلم‬ ‫اً‬ ‫ول أكتم لسره منك؛ ول لسيما في نبلد الغرنبة، ومملكة غير مملكتك،‬ ‫عند قوم ل تعرف لسنتهم. وإن عقل الرجل ليبين في ثماني خصال:‬ ‫ ٍ‬‫الولى الرفق، والثانية أن يعرف الرجل نفسه فيحفظها، والثالثة لطاعة‬ ‫الملوك، والتحري لما يرضيهم. والرانبعة معرفة الرجل موضع لسره،‬ ‫وكيف ينبغي أن يطلع عليه لصديقه، والخامسة أن يكون على أنبواب‬ ‫الملوك أديبا ملق اللسان . والسادلسة أن يكون لسره ولسر غيره‬ ‫حافظا. والسانبعة أن يكون على لسانه قادرا، فل يتكلم إل نبما يأمن‬ ‫تبعته. والثامنة إن كان نبالمحفل ل يتكلم إل نبما يسأل عنه. فمن‬ ‫اجتمعت فيه هذه الخصال كان هو الداعي الخير إلى نفسه. وهذه‬ ‫الخصال كلها قد اجتمعت فيك، ونبانت لي منك. فالله تعالى يحفظك،‬ ‫ويعينك على ما قدمت له؛ فمصادقتك إياي، وإن كانت لتسلبني كنزي‬ ‫وفخري وعلمي، تجعلك أهل اً لن تسعف نبحاجتك، وتشفع نبطلبتك ،‬ ‫وتعطي لسؤلك.‬ ‫فقال له نبروزيه: إني كنت هيأت كلما كثيرا، وشعبت له شعونبا؛‬ ‫وأنشأت له ألصول اً ولطرقا؛ فلما انتهيت إلى ما نبدأتني نبه من إلطلعك‬‫على أمري والذي قدمت له، وألقيته على من ذات نفسك، ورغبتك فيما‬‫ألقيت من القول، اكتفيت نباليسير من الخطاب معك، وعرفت الكبير من‬ ‫72‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬‫أموري نبالصغير من الكلم، واقتصرت نبه معك على اليجاز. ورأيت من‬ ‫إلسعافك إياي نبحاجتي ما دلني على كرمك وحسن وفائك: فإن الكلم‬ ‫إذا ألقي إلى الفيلسوف، والسر إذا الستودع إلى اللبيب الحافظ، فقد‬ ‫حصن ونبلغ نبه نهاية أمل لصاحبه، كما يحصن الشيء النفيس في‬ ‫القلع الحصينة. قال له الهندي: ل شيء أفضل من المودة. ومن‬ ‫خلصت مودته كان أهل اً أن يخلطه الرجل نبنفسه، ول يدخر عنه شيئا،‬‫ول يكتمه لسرا: فإن حفظ السر رأس الدب. فإذا كان السر عند المين‬ ‫.ٌ‬ ‫الكتوم فقد احترز من التضييع؛ مع أنه خليق أل يتكلم نبه؛ ول يتم لسر‬ ‫ين اثنين قد علماه وتفاوضاه. فإذا تكلم نبالسر اثنان فل نبد من ثالث‬‫من جهة أحدهما؛ فإذا لصار إلى الثلثة فقد شاع وذاع، حتى ل يستطيع‬ ‫لصاحبه أن يجحده ويكانبر عنه؛ كالغيم إذا كان متقطعا في السماء‬‫فقال قائل: هذا غيم متقطع، ل يقدر أحد على تكذيبه. وأنا قد يداخلني‬ ‫.ٌ‬ ‫.ٌ‬ ‫.ٌ‬ ‫من مودتك وخلطتك لسرور ل يدله شيء. وهذا المر الذي تطلبه مني‬ ‫.ٌ‬ ‫.ٌ‬‫أعلم أنه من اللسرار التي ل تكتم؛ فل نبد أن يفشو ويظهر، حتى يتحدث‬ ‫نبه الناس. فإذا فشا فقد لسعيت في هلكي هلكا ل أقدر على الفداء‬ ‫منه نبالمال وإن كثر: لن ملكنا فظ غليظ، يعاقب على الذنب الصغير‬ ‫كُ‬ ‫.ٌ‬‫أشد العقاب؛ فكيف مثل هذا الذنب العظيم? وإذا حملتني المودة التي‬‫نبين ونبينك فألسعفتك نبحاجتك لم يرد عقانبه عني شيء. قال نبروزيه: إن‬ ‫.ٌ‬ ‫العلماء قد مدحت الصديق إذا كتم لسر لصديقه وأعانه على الفوز.‬ ‫وهذا المر الذي قدمت له، لمثلك ذخرته، ونبك أرجو نبلوغه؛ وأنا واثق‬ ‫.ٌ‬ ‫نبكرم لطباعك ووفور عقلك، وأعلم أنك ل تخشى مني ول تخاف أن‬ ‫82‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫أنبديه؛ نبل تخشى أهل نبيتك الطائفين نبك ونبالملك أن يسعوا نبك إليه.‬ ‫وأنا أرجو أل يشيع شيء من هذا المر: لني أنا ظاعن وأنت مقيم،‬ ‫.ٌ‬ ‫.ٌ‬ ‫.ٌ‬‫وما أقمت قل ثالث نبيننا. فتعاهدا على هذا جميعا. وكان الهندي خازن‬ ‫الملك، ونبيده مفاتيح خزائنه. فأجانبه إلى ذلك الكتاب وغلى غيره من‬ ‫الكتب. فأكب على تفسيره ونقله من اللسان الهندي إلى اللسان‬ ‫.ٌ‬ ‫الفارلسي؛ وأتعب نفسه، وانسب نبدنه ليل اً ونهارا. وهو مع ذلك وجل‬ ‫وفزع من ملك الهند؛ خائف على نفسه من أن يذكر الملك الكتاب في‬ ‫.ٌ‬ ‫.ٌ‬ ‫وقت ل يصادفه في خزائنه.‬ ‫ ٍ‬ ‫فلما فرغ من انتساخ الكتاب وغيره مما أراد من لسائر الكتب. كتب إلى‬‫أنوشروان يعلمه نبذلك. فلما ولصل إليه الكتاب، لسر نبذلك لسرورا شديدا،‬ ‫ثم تخوف معاجلة المقادير أن تنغص عليه الفرحة؛ فكتب إلى نبروزيه‬ ‫يأمره نبتعجيل القدوم. فسار نبروزيه متوجها نحو كسرى. فلما رأى‬ ‫الملك ا قد مسه من الشحوب والتعب والنصب، قال له: أيها العبد‬ ‫النالصح الذي كان يأكل ثمرة ما قد غرس، أنبشر وقر عينا: فإني‬ ‫مشرفك ونبالغ نبك أفضل درجة. وأمره أن يريح نبدنه لسبعة أيام. فلما‬ ‫ ٍ‬ ‫.ٌ‬ ‫كان اليوم الثامن، أمر الملك أن يجتمع إليه المراء والعلماء. فلما‬ ‫اجتمعوا، آمر نبروزيه نبالحضور. فحضر ومعه الكتب؛ ففتحها وقرأها‬‫على من حضر من أهل المملكة. فلما لسمعوا ما فيها من العلم فرحوا‬ ‫فرحا شديدا؛ وشكروا لله على ما رزقهم، ومدحوا نبروزيه وأثنوا عليه؛‬ ‫وأمر الملك أن تفتح لبروزيه خزائن اللؤلؤ والزنبرجد والياقوت والذهب‬‫والفضة؛ وأمره أن يأخذ من الخزائن ما شاء من مال أو كسوة؛ وقال:‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫92‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬‫يا نبروزيه إني قد أمرت أن تجلس على مثل لسريري هذا، وتلبس تاجا،‬‫وتترأس على جميع الشراف. فسجد نبروزيه للملك ودعا له ولطلب من‬ ‫ا وقال: أكرم ا تعالى الملك كرامة الدنيا والخرة، وأحسن عني‬‫ثوانبه وجزاءه؛ فإني نبحمد ا مستغن عن المال نبما رزقني ا على‬ ‫ ٍ‬ ‫نبد الملك السعيد الجد، العظم الملك؛ ول حاجة لي نبالمال؛ لكن لما‬‫كلفني الملك ذلك وعلمت أنه يسره، أنا أمضي إلى الخزائن فآخذ منها‬‫لطلبا لمرضاته وامتثال اً لمره. ثم قصد خزانة الثياب فأخذ منها تختا من‬ ‫لطرائف خرالسان من ملنبس الملوك. فلما قبض نبروزيه ما اختاره‬‫ورضيه من الثياب فال: أكرم ا تعالى الملك ومد في عمره أنبدا. لنبد‬ ‫أن النسان إذا أكرم وجب عليه الشكر؛ وإن كان قد الستوجبه تعبا‬ ‫ ٍ‬ ‫ومشقة فقد كان فيهما رضا الملك. وأما أنا فما لقيته من عناء وتعب‬ ‫ ٍ‬ ‫اً‬ ‫ومشقة، لما أعلم أن لكم فيه الشرف يأهل هذا البيت! فإن لم أزل‬ ‫ ٍ‬ ‫إلى هذا اليوم تانبعا رضاكم، أرى العسير فيه يسيرا. والشاق هينا،‬‫والنصب والذى لسرورا ولذة: لما أعلم أن لكم فيه رضا وقرنبة عندكم.‬ ‫اً‬ ‫ولكني ألسألك أيها الملك حاجة تسعفني نبها، وتعطيني فيها لسؤلي:‬ ‫فإن حاجتي يسيرة، وفي قضائها فائدة كثيرة. قال أنوشروان: قل‬ ‫.ٌ‬ ‫.ٌ‬ ‫.ٌ‬‫فكل حاجة لك من قبلنا مقضية، ولم نرد لطلبتك؛ فكيف ما لسوى ذلك?‬ ‫.ٌ‬ ‫ ٍ‬ ‫فقل وتحتشم؛ فإن المور كلها مبذولة لك. قال نبروزيه: أيها الملك ل‬ ‫تنظر إلى عنائي في رضاك وانكماشي في لطاعتك؛ فإنما أنا عبدك‬ ‫يلزمني نبذل مهجتي في رضاك؛ ولو لم تجزني لم يكن ذلك عندي‬ ‫عظيما ول واجبا على الملك؛ ولكن لكرمه وشرف منصبه عمد إلى‬ ‫03‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬‫مجازاتي؛ وخصني وأهي نبيتي نبعلو المرتبة ورفع الدرجة؛ حتى لو قدر‬ ‫أن يجمع لنا نبين شرف الدنيا والخرة لفعل. فجزاه ا عنا أفضل‬ ‫الجزاء.‬ ‫قال أنوشروان: اذكر حاجتك، فعلى ما يسرك. فقال نبروزيه: حاجتي‬‫أن يأمر الملك، أعله ا تعالى، وزيره نبزرجمهر نبن البختكان؛ ويقسم‬ ‫عليه أن يعمل فكره، ويجمع رأيه، ويجهد لطاقته، ويفرغ قلبه في نظم‬‫تأليف كلم متقن محكم؛ ويجعله نبانبا يذكر فيه أمري ويصف حالي؛ ول‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫يدع من المبالغة في ذلك أقصى ما يقدر عليه. ويأمره إذا الستتمه أن‬‫يجعله أول النبواب التي تقرأ قبل نباب اللسد والثور: فإن الملك إذا فعل‬ ‫ذلك فقد نبلغ نبي ونبأهلي غاية الشرف وأعلى المراتب؛ وأنبقى لنا ما ل‬ ‫اً‬ ‫يزال ذكره نباقيا على النبد حيثما قرئ هذا الكتاب.‬‫فلما لسمع كسرى أنوشروان والعظماء مقالته وما لسمت إليه نفسه من‬ ‫اً‬ ‫محبة إنبقاء الذكر الستحسنوا لطلبته واختياره، وقال كسرى: حبا وكرامة‬ ‫لك يا نبروزيه، إنك لهل أن تسعف نبحاجتك؛ فما أقل ما قنعت نبه‬ ‫وأيسره عندنا! وإن كان خطره عندك عظيما. ثم أقبل أنوشروان على‬ ‫وزيره نبزرجمهر فقال له: قد عرفت منالصحة نبروزيه لنا، وتجشمه‬‫المخاوف والمهالك فيما يقرنبه منا، وإتعانبه نبدنه فيما يسرنا، وما أتى نبه‬ ‫إلينا من المعروف، وما أفادنا ا على يده من الحكمة والدب الباقي‬ ‫لنا فخره، وما عرضنا عليه من خزائننا لنجزيه نبذلك على ما كان منه،‬ ‫فلم تمل نفسه إلى شيء من ذلك؛ وكان نبغيته ولطلبته منا أمرا يسيرا‬ ‫ ٍ‬ ‫رآه هو الثواب منا له والكرامة الجليلة عنده؛ فإني أحب أن تتكلم في‬ ‫13‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬‫ذلك وتسعفه نبحاجته ولطلبته. واعلم أن ذلك مما يسرني، ول تدع شيئا‬ ‫من الجتهاد والمبالغة إل نبلغته، وإن نالتك فيه مشقة. وهو أن تكتب‬ ‫نبانبا مضارعا لتلك النبواب التي في الكتاب؛ وتذكر فيه فضل نبروزيه،‬‫وكيف كان انبتداء أمره وشأنه، وتنسبه إليه وإلى حسبه ولصناعته، وتذكر‬ ‫فيه نبعثته إلى نبلد الهند في حاجتنا؛ وما أفدنا على يديه من هنالك؛‬‫وشرفنا نبه وفضلنا على غيرنا؛ وكيف كان حال نبروزيه وقدومه من نبلد‬ ‫الهند؛ فقل ما تقدر عليه من التقريظ واللطناب في مدحه، ونبالغ في‬ ‫ذلك أفضل المبالغة واجتهد في ذلك اجتهادا يسر نبروزيه وأهل‬ ‫المملكة.‬ ‫وإن نبروزيه أهل لذلك مني ومن جميع أهل المملكة ومنك أيضا:‬ ‫لمحبتك للعلوم. واجهد أن يكون غرض هذا الكتاب الذي ينسب إلى‬ ‫نبروزيه أفضل من أغراض تلك النبواب عند الخاص والعام، وأشد‬‫مشاكلة لحال هذا العلم: فإنك ألسعد الناس كلهم نبذلك: لنفرادك نبهذا‬ ‫اً‬ ‫الكتاب، واجعله أول النبواب. فإذا أنت عملته ووضعته في موضعه‬ ‫فأعلمني لجمع أهل المملكة وتقرأه عليهم، فيظهر فضلك واجتهادك‬‫في محبتنا؛ فيكون لك نبذلك فخر. فلما لسمع نبزرجمهر مقالة الملك خر‬ ‫له لساجدا، وقال: أدام ا لك أيها الملك البقاء، ونبلغك أفضل منازل‬‫الصالحين في الخرة والولى؛ لقد شرفتني نبذلك شرفا نباقيا إلى النبد.‬ ‫ثم خرج نبزرجمهر من عند الملك، فولصف نبروزيه من أول يوم دفعه‬ ‫أنبواه إلى المعلم، ومضيه إلى نبلد الهند في لطلب العقاقير والدوية؛‬ ‫وكيف تعلم خطولطهم ولغتهم؛ إلى أن نبعثه أنوشروان إلى الهند في‬ ‫23‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫لطلب الكتاب. ولم يدع من فضائل نبروزيه وحكمته وخلئقه ومذهبه‬ ‫أمرا إل نسقه، وأتى نبه نبأجود ما يكون من الشرح. ثم أعلم الملك‬ ‫نبفراغه منه. فجمع أنوشروان أشراف قومه وأهل مملكته، وأدخلهم‬ ‫إليه؛ وأمر نبزرجمهر نبقراءة الكتاب، ونبروزيه قائم إلى جانب نبزرجمهر،‬ ‫وانبتدأ نبولصف نبروزيه حتى انتهى إلى آخره. ففرح الملك نبما أتى نبه‬ ‫نبزرجمهر من الحكمة والعلم. ثم أثنى الملك وجميع من حضره على‬ ‫ ٍ‬ ‫نبزرجمهر، وشكروه ومدحوه؛ وأمر الملك نبمال جزيل وكسوة وحلي‬ ‫ ٍ‬ ‫وأوان؛ فلم يقبل من ذلك شيئا غير كسوة كانت من ثياب الملوك. ثم‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬‫شكر له ذلك نبروزيه وقبل رألسه ويده؛ وأقبل نبروزيه على الملك وقال:‬ ‫أدام ا لك الملك والسعادة فقد نبلغت نبي ونبأهلي غاية الشرف نبما‬ ‫أمرت نبه نبزرجمهر من لصنعه الكتاب في أمري وإنبقاء ذكري.‬ ‫نباب عرض الكتاب ترجمة عبد ا نبن المقفع‬ ‫هذا كتاب كليلة ودمنة، وهو مما وضعه علماء الهند من المثال‬ ‫والحاديث التي ألهموا أن يدخلوا فيها أنبلغ ما وجدوا من القول في‬ ‫النحو الذي أرادوا. ولم تزل العلماء من أهل كل ملة يلتمسون أن‬ ‫يعقل عنهم، ويحتالون في ذلك نبصنوف الحيل؛ ويبتغون إخراج ما‬ ‫عندهم من العلل، حتى كان من تلك العلل وضع هذا الكتاب على‬‫أفواه البهائم والطير. فاجتمع لهم نبذلك خلل. أما هم فوجدوا متصرفا‬ ‫.ٌ‬ ‫في القول وشعانبا يأخذون منها. وأما الكتاب فجمع حكمة ولهوا:‬ ‫اً‬ ‫فاختاره الحكماء لحكمته. والسفهاء للهوه، والمتعلم من الحداث‬‫ناشط في حفظ ما لصار إليه من أمر يرنبط في لصدره ول يدري ما هو،‬ ‫.ٌ‬ ‫33‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬‫نبل عرف أنه قد ظفر من ذلك نبمكتوي مرقوم. وكان كالرجل الذي لما‬ ‫ ٍ‬ ‫الستكمل الرجولية وجد أنبويه قد كنزا له كنوزا وعقدا له عقودا الستغنى‬ ‫نبها عن الكدح فيما يعمله من أمر معيشته؛ فأغناه ما أشرف عليه من‬ ‫الحكمة عن الحاجة إلى غيرها من وجوه الدب.‬ ‫وينبغي لمن قرأ هذا الكتاب أن يعرف الوجوه التي وضعت له؛ وإلى‬ ‫أي غاية جرى مؤلفه فيه عندما نسبه إلى البهائم وأضافه إلى غير‬ ‫ ٍ‬ ‫مفصح؛ وغير ذلك من الوضاع التي جعلها أمثال: فإن قارئه متى لم‬ ‫اً‬ ‫ ٍ‬ ‫يفعل ذلك لم يدر ما أريد نبتلك المعاني، ول أي ثمرة يجتني منها، ول‬ ‫اً‬ ‫أي نتيجة تحصل له من مقدمات ما تضمنه هذا الكتاب. وإنه وإن كان‬ ‫غيته الستتمام قراءته إلى آخره دون معرفة ما يقرأ منه لم يعد عليه‬ ‫شيء.ٌ يرجع إليه نفعه.‬ ‫ومن الستكثر من جمع العلوم وقراءة الكتب؛ من غير إعمال الروية‬ ‫فيما يقرؤه، كان خليقا أل يصيبه إل ما ألصاب الرجل الذي زعمت‬‫العلماء أنه اجتاز نببعض المفاوز، فظهر لو موضع آثار كنز؛ فجعل يحفر‬ ‫ويطلب، فوقع على شيء من عين وورق؛ فقال في نفسه: إن أنا‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫أخذت في نقل هذا المال قليل اً قليل اً لطال علي، وقطعني الشتغال‬‫نبنقله وإحرازه عن اللذة نبما ألصبت منه؛ ولكن لسألستأجر أقواما يحملونه‬ ‫إلى منزلي، وأكون أنا أخرهم، ول يكون نبقي ورائي شيء يشغل‬ ‫.ٌ‬ ‫فكري نبنقله؛ وأكون قد الستظهرت لنفسي في إراحة نبدني عن الكد‬‫ ٍ‬ ‫نبيسير الجرة أعطيهم إياها. ثم جاء نبالحمالين، فجعل يحمل كل واحد‬ ‫43‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫منهم ما يطيق، فينطلق نبه إلى منزله: فلم يجد فيه من المال شيئا، ل‬ ‫قليل اً ول كثيرا. وإذا كل واحد من الحمالين قد فاز نبما حمله لنفسه.‬ ‫ ٍ‬ ‫ولك يكن له من ذلك إل العناء والتعب: لنه لم يفكر في آخر أمره.‬‫وكذلك من قرأ هذا الكتاب، ولم يفهم ما فيه، ولم يعلم غرضه ظاهرا‬ ‫ونبالطنا، لم ينتفع نبما نبدا له من خطه ونقشه؛ كما لو أن رجل اً قدم له‬ ‫جوز لصحيح لم ينتفع نبه إل أن يكسره؛ وكان أيضا كالرجل الذي لطلب‬ ‫.ٌ‬ ‫.ٌ‬ ‫علم الفصيح من كلم الناس؛ فأتى لصديقا له من العلماء، له علم‬ ‫.ٌ‬ ‫نبالفصاحة، فأعلمه حاجته إلى علم الفصيح؛ فرلسم له لصديقه في‬ ‫لصحيفة لصفراء فصيح الكلم وتصاريفه ووجوهه؛ فانصرف المتعلم‬ ‫إلى منزله؛ فجعل يكثر قراءتها ول يقف على معانيها. ثم إنه جلس‬ ‫ذات يوم في محفل من أهل العلم والدب، فأخذ في محاورتهم؛‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫فجرت له كلمة أخطأ فيها؛ فقال له نبعض الجماعة: إنك قد أخطأت؛‬ ‫.ٌ‬ ‫والوجه غير ما تكلمت نبه، فقال وكيف أخطئ وقد قرأت الصحيفة‬ ‫الصفراء؛ وهي في منزلي? فكانت مقالته لهم أوجب للحجة عليه‬ ‫وزاده ذلك قرنبا من الجهل ونبعدا من الدب.‬ ‫.ٌ‬ ‫ثم إن العاقل إذا فهم هذا الكتاب ونبلغ نهاية علمه فيه، ينبغي له أن‬ ‫يعمل نبنا علم منه لينتفع نبه؛ ويجعله مثال اً ل يحيد عنه. فإذا لم يفعل‬‫ذلك، كان مثله كالرجل الذي زعموا أن لسارقا تسور عليه وهو نائم في‬ ‫منزله، فعلم نبه فقال: وا للسكتن حتى أنظر ماذا يصنع، ول أذعره؛‬ ‫ول أعلمه أني قد علمت نبه. فإذا نبلغ مراده قمت إليه، فنغصت ذلك‬‫عليه. ثم إنه أمسك عنه. وجعل السارق يتردد، ولطال تردده في جمعه‬ ‫53‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫ما يجده؛ فغلب الرجل النعاس فنام، وفرغ اللص مما أراد، وأمكنه‬ ‫الذهاب. والستيقظ الرجل، فوجد اللص قد أخذ المتاع وفاز نبه. فأقبل‬ ‫على نفسه يلومها، وعرف أن لم ينتفع نبعلمه نباللص: إذ لم يستعمل‬‫في أمره ما يجب. فالعلم ل يتم إل نبالعمل، وهو كالشجرة والعمل نبه‬ ‫كالثمرة. وإنما لصاحب العلم يقوم نبالعمل لينتفع نبه؛ وإن لم يستعمل‬ ‫ما يعلم ل يسمى عالما. ولو أن رجل اً كان عالما نبطريق مخوف، ثم‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫لسلكه على علم نبه، لسمي جاهل؛ ولعله إن حالسب نفسه وجدها قد‬ ‫اً‬ ‫ ٍ‬ ‫ركبت أهواء هجمت نبها فيما هو أعرف نبضررها فيه وأذاها من ذلك‬ ‫اً‬ ‫السالك في الطريق المخوف الذي قد جهله. ومن ركب هواه ورفض‬ ‫ما ينبغي أن يعمل نبما جرنبه هو أو أعلمه نبه غيره، كان كالمريض‬ ‫العالم نبرديء الطعام والشراب وجيده وخفيفه وثقيله، ثم يحمله‬ ‫الشره على أكل رديئه وترك ما هو أقرب إلى النجاة والتخلص من‬‫علته. وأقل الناس عذرا في اجتناب محمود الفعال وارتكاب مذمومها‬ ‫من أنبصر ذلك وميزه وعرف فضل نبعضه على نبعض كما أنه لو أن‬ ‫رجلين أحدهما نبصير والخر أعمى لساقهما الجل إلى حفرة فوقعا‬ ‫فيها، كانا إذا لصارا في قاعها نبمنزلة واحدة؛ غير أن البصير أقل عذرا‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬‫عند الناس من الضرير: إذ كانت له عينان يبصر نبهما، وذاك نبما لصار إليه‬ ‫جاهل غير عارف.‬ ‫وعلى العالم أن يبدأ نبنفسه ويؤدنبها نبعلمه، ول تكون غايته اقتناؤه‬ ‫العلم لمعاونة غيره، ويكون كالعين التي يشرب منها الناس ماءها‬‫وليس لها في ذلك شيء من المنفعة، وكدودة القز التي تحكم لصنعته‬ ‫.ٌ‬ ‫63‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬‫ول تنتفع نبه. فينبغي لمن يطلب العلم أن يبدأ نبعظة نفسه، ثم عليه نبعد‬ ‫ذلك أن يقبسه ؛ فإن خلل اً ينبغي لصاحب الدنيا أن يقتنيها ويقبسها:‬ ‫منها العلم والمال. ومنها اتخاذ المعروف. وليس للعالم أن يعيب أمرا‬‫نبشيء ٍ فيه مثله، ويكون كالعمى الذي يعير العمى نبعماه. وينبغي لم‬ ‫لطلب أمرا أن يكون له فيه غاية ونهاية، ويعمل نبها، ويقف عندها؛ ول‬ ‫كُ‬ ‫.ٌ‬‫يتمادى في الطلب؛ فإنه يقال: من لسار إلى غير غاية يوشك أن تنقطع‬‫نبه مطيته؛ وأنه كان حقيقا أل يعني نفسه في لطلب ما ل حد له، وما لم‬ ‫ينله أحد قبله، ول يتألسف عليه؛ ول يكون لدنياه مؤثرا على أخرته: فإن‬ ‫من لم يعلق قلبه نبالغايات قلت حسرته عند مفارقتها. وقد يقال في‬‫أمرين إنهما يجملن نبكل أحد: أحدهما النسك والخر المال الحلل ول‬ ‫ ٍ‬ ‫يليق نبالعاقل أن يؤنب نفسه على ما فاته وليس في مقدوره؛ فرنبما‬ ‫أتاح ا ما يهنأ نبه ولم يكن في حسبانه. ومن أمثال هذا أن رجل اً كان‬ ‫نبه فاقة وجوع وعري، فألجأه ذلك إلى أن لسأل أقارنبه ألصدقاءه، فلم‬ ‫.ٌ‬ ‫.ٌ‬ ‫.ٌ‬‫يكن عند أحد منهم فضل يعود نبه عليه. فبينما هو ذات ليلة في منزله إذ‬ ‫ ٍ‬‫أنبصر نبسارق فيه؛ فقال: وا ما في منزلي شيء أخاف عليه: فليجهد‬ ‫.ٌ‬ ‫ ٍ‬ ‫السارق جهده. فبينما السارق يجول إذ وقعت يده على خانبية فيها‬ ‫حنطة، فقال السارق: وا ما أحب أن يكون عنائي الليلة نبالطل.‬ ‫اً‬ ‫.ٌ‬ ‫ولعلي ل ألصل إلى موضع آخر، ولكن لسأحمل هذه الحنطة. ثم نبسط‬ ‫قميصه ليصب عليه الحنطة. فقال الرجل: أيذهب هذا نبالحنطة وليس‬ ‫ورائي لسواها? فيجتمع علي مع العري ذهاب ما كنت أقتات نبه. وما‬ ‫تجتمع وا هاتان الخلتان على أحد إل أهلكاه. ثم لصاح نبالسارق،‬ ‫ ٍ‬ ‫73‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫وأخذ هراوة كانت عند رألسه؛ فلم يكن للسارق حلية إل الهرب منه،‬ ‫.ٌ‬ ‫اً‬ ‫وترك قميصه ونجا نبنفسه؛ وغدا الرجل نبه كالسيا. وليس ينبغي أن‬‫يركن إلى مثل هذا ويدع ما يجب عليه من الحذر والعمل في مثل هذا‬ ‫لصلح معاشه؛ ول ينظر إلى من تواتيه المقادير وتساعده على غير‬ ‫التماس منه: لن أولئك في الناس قليل؛ والجمهور منهم من أتعب‬ ‫.ٌ‬ ‫نفسه في الكد والسعي فيما يصلح أمره وينال نبه ما أراد. وينبغي أن‬ ‫يكون حرلصه على ما لطاب كسبه وحسن نفعه؛ ول يتعرض لما يجلب‬ ‫عليه العناء والشقاء؛ فيكون كالحمامة التي تفرخ الفراخ وتذنبح، ثم ل‬ ‫يمنعها ذلك أن تعود فتفرخ موضعها، وتقيم نبمكانها فتؤخذ الثانية من‬‫فراخها فتذنبح. وقد يقال: إن ا تعالى قد جعل لكل شيء حدا يوقف‬ ‫ ٍ‬ ‫عليه. ومن تجاوز في أشياء حدها أوشك أن يلحقه التقصير عن‬ ‫نبلوغها. ويقال: من كان لسعيه لخرته ودنياه فحياته له وعليه. ويقال‬‫في ثلثة أشياء يجب على لصاحب الدنيا إلصلحها ونبذل جهده فيها: منها‬ ‫أمر معيشته؛ ومنها ما نبينه ونبين الناس؛ ومنها ما يكسبه الذكر الجميل‬ ‫نبعد. وقد قيل في أمور من كن فيها لم يستقم له عمل. من التواني؛‬ ‫.ٌ‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫ومنها تضييع الفرص؛ ومنها التصديق لكل مخبر. فرب مخبر نبشيء‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫عقله ول يعرف الستقامته فيصدقه.‬ ‫وينبغي للعاقل أن يكون لهواه متهما؛ ول يقبل من كل أحد حديثا؛ ول‬ ‫ ٍ‬ ‫يتمادى في الخطأ إذا ظهر له خطؤه ول يقدم على أمر حتى يتبين له‬ ‫ ٍ‬‫الصواب، وتتضح له الحقيقة؛ ول يكون كالرجل الذي يحيد عن الطريق،‬ ‫فيستمر على الضلل، فل يزداد في السير إل جهدا، وعن القصد إل‬ ‫83‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫نبعدا؛ وكالرجل الذي تقذى عينه فل يزال يحكها، ورنبما كان ذلك الحك‬ ‫لسببا لذهانبها. ويجب على العاقل أن يصدق نبالقضاء والقدر، ويأخذ‬ ‫نبالحزم، ويحب الناس ما يحب لنفسه، ول يلتمس لصلح نفسه نبفساد‬ ‫غيره، فإنه من فعل ذلك كان خليقا أن يصيبه ما ألصاب التاجر من‬ ‫رفيقه.‬‫فإنه يقال إنه كان رجل تاجر، وكان له شريك، فالستأجرا حانوتا، وجعل‬ ‫.ٌ‬ ‫.ٌ‬ ‫.ٌ‬ ‫متاعهما فيه. وكان أحدهما قريب المنزل من الحانوت؛ فأضمر في‬ ‫نفسه أن يسرق عدل اً من أعدال رفيقه؛ ومكر الحيلة في ذلك، وقال:‬‫إن أتيت ليل اً لم آمن من أن أحمل عدل اً من أعدالي أو رزمة من رزمي‬ ‫ول أعرفها؛ فيذهب عنائي وتعبي نبالطل. فأخذ رداءه، وألقاه على‬ ‫اً‬ ‫العدل الذي أضمر أخذه. ثم انصرف إلى منزله. وجاء رفيقه نبعد ذلك‬‫ليصلح أعداله، فوجد رداء شريكه على نبعض أعداله، فقال: وا هذا‬‫رداء لصاحبي؛ ول أحسبه إل قد نسيه. وما الرأي أن أدعه هاهنا؛ ولكن‬ ‫اجعله على رزمه؛ فلعله يسبقني إلى الحانوت فيجده حيث يحب. ثم‬ ‫أخذ الرداء فألقاه على عدل من أعدال رفيقه ومعه رجل قد والطأه‬ ‫.ٌ‬ ‫ ٍ‬ ‫على ما عزم عليه، وضمن له جعل اً على حمله؛ فصار إلى الحانوت؛‬ ‫فالتمس الزار في الظلمة فوجده على العدل؛ فاحتمل ذلك العدل؛‬ ‫وأخرجه هو والرجل، وجعل يتراوحان على حمله؛ حتى أتى منزله،‬‫ورمى نفسه تعبا. فلما ألصبح افتقده فإذا هو نبعض أعداله؛ فندم أشد‬ ‫الندامة. ثم انطلق نحو الحانوت، فوجد شريكه قد لسبقه إليه ففتح‬ ‫الحانوت ووجد العدل مفقودا: فاغتم لذلك غما شديدا؛ وقال:‬ ‫93‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫والسوءتاه من رفيق لصالح قد ائتمنني على ماله وخلفني فيه! ماذا‬ ‫ ٍ‬ ‫يكون حالي عنده? ولست أشك في تهمته إياي. ولكن قد ولطنت‬ ‫نفسي على غرامته. ثم أتى لصاحبه فوجده مغتما، فسأله عن حاله؛‬ ‫فقال إني قد افتقدت العدال، وفقدت عدل اً من أعدالك، ول أعلم‬ ‫نبسببه؛ وإني ل أشك في تهمتك إياي؛ وإني قد ولطنت نفسي على‬ ‫غرامته. فقال له: يا أخي ل تغتم: فإن الخيانة شر ما عمله النسان،‬ ‫والمكر والخديعة ل يؤديان إلى خير؛ ولصاحبهما مغرور أنبدا، وما عاد‬ ‫ ٍ‬ ‫ونبال البغي إل على لصاحبه: وكيف كان ذلك? فأخبره نبخبره، وقص‬ ‫عليه قصته. فقال له رفيقه: ما مثلك إل مثل اللص والتاجر. فقال له:‬ ‫وكيف كان ذلك? قال: زعموا أن تاجرا كان له في منزله خانبيتان‬ ‫إحداهما مملوءة حنطة، والخرى مملوءة ذهبا. فترقبه نبعض‬ ‫اللصوص زمانا، حتى إذا كان نبعض اليام تشاغل التاجر عن المنزل؛‬‫فتغفله اللص، ودخل المنزل، وكمن في نبعض نواحيه. فلما هي نبأخذ‬ ‫الخانبية التي فيها الدنانير أخذ التي فيها الحنطة، وظنها التي فيها‬‫الذهب؛ ولم يزل في كد وتعب حتى أتى نبها منزله فلما فتحها وعلم ما‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫فيها ندم. قال له الخائن: ما أنبعدت المثل، ول تجاوزت القياس؛ وقد‬‫اعترفت نبذنبي وخطئي عليك، وعزيز علي أن يكون هذا كهذا. غير أن‬ ‫النفس الرديئة تأمر نبالفحشاء. فقبل الرجل معذرته، وأضرب عن‬ ‫تونبيخه وعن الثقة نبه؛ وندم هو عندما عاين من لسوء فعله وتقديم‬ ‫جهله.‬ ‫04‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫وقد ينبغي للناظر في كتانبنا هذا أل تكون غايته التصفح لتزاويقه. نبل‬‫ ٍ‬ ‫يشرف على ما يتضمن من المثال، حتى ينتهي منه؛ ويقف عند كل مثل‬‫وكلمة، ويعمل فيها رؤيته؛ ويكون مثل ألصغر الخوة الثلثة الذين خلف‬ ‫ ٍ‬ ‫لهم أنبوهم المال الكثير، قتنازعوه نبينهم؛ فأما الكبيران فإنهما ألسرعا‬‫في إتلفه وإنفاقه في غير وجهه؛ وأما الصغير فإنه عندما نظر ما لصار‬‫إليه أخواه من إلسرافهما وتخليهما من المال، اقبل على نفسه يشاورها‬ ‫وقال: يا نفسي إنما المال يطلبه لصاحبه، ويجمعه من كل وجه: لبقاء‬ ‫ ٍ‬ ‫حاله، ولصلح معاشه ودنياه، وشرف منزلته في أعين الناس،‬ ‫والستغنائه عما في أيديهم، ولصرفه في وجهه: من لصلة الرحم،‬ ‫والنفاق على الولد، والفضال على الخوان. فمن كان له مال ول‬ ‫.ٌ‬ ‫ينفقه في حقوقه، كان كالذي يعد فقيرا وإن كان مولسرا. وإن هو‬ ‫أحسن إمساكه والقيام عليه، لم يعدم المرين جميعا من دنيا تبقى‬ ‫عليه، وحمد ٍ يضاف إليه؛ ومتى قصد إنفاقه على غير الوجوه التي‬ ‫علمت، لم يلبث أن يتلفه ويبقى على حسرة وندامة. ولكن الرأي أن‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫أمسك هذا المال، فإني أرجو أن ينفعني ا نبه: ويغني أخوي على‬ ‫يدي: فإنما هو مال أنبي ومال أنبيهما. وإن أولى النفاق على لصلة‬‫الرحم وإن نبعدت، فكيف نبأخوي? فأنفذ فأحضرهما وشالطرهما ماله،‬ ‫وكذلك يجب على قارئ هذا الكتاب أن يديم النظر فيه من غير ضجر،‬ ‫ ٍ‬‫ويلتمس جواهر معانية، ول يظن أن نتيجة الخبار عن حيلة نبهيمتين أو‬ ‫محاورة لسبع لثور: فينصرف نبذلك عن الغرض المقصود. ويكون مثله‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫مثل الصياد الذي كان في نبعض الخلجان يصيد فيه السمك في زورق‬ ‫14‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫فرأى ذات يوم في أرض الماء لصدفة تتلل حسنا، فتوهمها جوهرا له‬ ‫اً‬‫قيمة وكان قد ألقى شبكته في البحر، فاشتملت على لسمكة كانت قوت‬ ‫ ٍ‬ ‫يومه، فخلها وقذف نفسه في الماء ليأخذ الصدفة، فلما أخرجها‬ ‫وجدها فارغة ل شيء فيها مم ظن. فندم على ترك ما في يده‬ ‫للطمع، وتألسف على ما فاته، فلما كان اليوم الثاني تنحى عن ذلك‬ ‫المكان، وألقى شبكته، فألصاب حوتا لصغيرا، ورأى أيضا لصدفة لسنية،‬ ‫اً‬ ‫فلم يلتفت إليها، ولساء ظنه نبها، فتركها. فاجتاز نبها نبعض الصيادين‬ ‫فأخذها، فوجد فيها درة تساوي أموال. وكذلك الجهال إذا أغفلوا أمر‬ ‫اً‬ ‫اً‬ ‫التفكير في هذا الكتاب، وتركوا الوقوف على ألسرار معاني، وأخذوا‬ ‫نبظاهره. ومن لصرف همته إلى النظر في أنبواب الهزل، كان كرجل ٍ‬ ‫ألصاب أرضا لطيبة حرة وحبا لصحيحا، فزرعها ولسقاها، حتى إذا قرب‬ ‫اً‬ ‫ح َاً‬ ‫خيرها وأينعت، تشاغل عنها نبجمع ما فيها من الزهر وقطع الشوط؛‬ ‫فأهلك نبتشاغله ما كان أحسن فائدة وأجمل عائدة.‬ ‫اً‬ ‫اً‬ ‫وينبغي للناظر في هذا الكتاب أن يعلم أنه ينقسم إلى أرنبعة أغراض:‬ ‫ ٍ‬ ‫أحدها ما قصد فيه إلى وضعه على ألسنة البهائم غير النالطقة ليسارع‬ ‫إلى قراءته أهل الهزل من الشبان، فتستمال نبه قلونبهم: لنه الغرض‬ ‫نبالنوادر من حيل الحيوان.‬ ‫والثاني إظهار خيالت الحيوان نبصنوف اللصباغ واللوان: ليكون أنسا‬ ‫لقلوب الملوك، ويكون حرلصهم عليه أشد للنزهة في تلك الصور.‬ ‫والثالث أن يكون على هذه الصفة: فيتخذه الملوك والسوقة، فيكثر‬‫نبذلك انتساخه، ول يبطل فيخلق على مرور اليام؛ ولينتفع نبذلك المصور‬ ‫24‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫والنالسخ أنبدا. والغرض الرانبع، وهو القصى، وذلك مخصوص‬ ‫نبالفيلسوف خالصة.‬ ‫اً‬ ‫نباب نبروزيه ترجمة نبزرجمهر نبن البختكان‬ ‫قال نبروزيه رأس ألطباء فارس، وهو الذي تولى انتساخ هذا الكتاب،‬ ‫وترجمه من كتب الهند - وقد مضى ذكر ذلك من قبل - : أنبي كان من‬ ‫المقاتلة، وكانت أمي من عظماء نبيوت الزمازمة . وكان منشئي في‬ ‫نعمة كاملة، وكنت أكرم ولد أنبوي عليهما؛ وكانا نبي أشد احتفاظا من‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫دون إخوتي، حتى إذا نبلغت السبع لسنين، ألسلماني إلى المؤدب؛ فلما‬ ‫حذقت الكتانبة، شكرت أنبوي؛ ونظرت في العلم، فكان أول ما انبتدأت‬ ‫نبه وحرلصت عليه، علم الطب: لني كنت عرفت فضله. وكلما ازددت‬ ‫منع علما ازددت فيه حرلصا ، وله اتباعا. فلما همت نفسي نبمداواة‬ ‫المرضى، وعزمت على ذلك آمرتها ثم خيرتها نبين المور الرنبعة التي‬ ‫يطلبها الناس، وفيها يرغبون، ولها يسعون. فقلت: أي هذه الخلل‬ ‫أنبتغي في علمي? وأيها أحرى نبي فأدرك منه حاجتي? المال، أم‬ ‫الذكر، أم اللذات أم الخرة? وكنت وجدت في كتب الطب أن أفضل‬ ‫اللطباء من واظب على لطبه، ل يبتغي إل الخرة. فرأيت أن ألطلب‬‫اً‬ ‫الشتغال نبالطب انبتغاء الخرة: لئل أكون كالتاجر الذي نباع ياقوتة ثمينة‬ ‫اً‬ ‫نبخرزة ٍ ل تساوي شيئا؛ مع أني قد وجدت في كتب الولين أن الطبيب‬ ‫الذي يبتغي نبطبه أجر الخرة ل ينقصه ذلك حظه في الدنيا. وإن مثله‬ ‫مثل الزارع الذي يعمر أرضه انبتغاء الزرع ل انبتغاء العشب. ثم هي ل‬ ‫محالة نانبت فيها ألوان العشب مع يانع الزرع. فأقبلت على مداواة‬ ‫34‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫المرضى انبتغاء أجر الخرة، فلم أدع مريضا أرجو له البرء، وآخر ل‬‫أرجو له ذلك، إل أني ألطمع أن يخف عنه نبعض المرض، إل نبالغت في‬ ‫مداواته ما أمكنني القيام عليه نبنفسي؛ ومن لم أقدر على القيام عليه‬ ‫ولصفت له ما يصلح، وأعطيته من الدواء ما يعالج نبه. ولم أرد ممن‬ ‫فعلت معه ذلك جزاء ول مكافأة؛ ولم أغبط أحدا من نظرائي الذين‬ ‫اً‬ ‫اً‬ ‫هم دوني في العلم وفوقي في الجاه والمال وغيرهما مما ل يعود‬ ‫نبصلح ول حسن لسيرة قول اً ول عمل. لما تاقت نفسي إلى غشيانهم‬ ‫اً‬ ‫ ٍ‬ ‫وتمنت منازلهم أثبت لها الخصومة ؛ فقلت لها: يا نفس، أما تعرفين‬‫نفعك من ضرك? أل تنتهين عن تمني ما ل يناله أحد إل قل انتفاعه نبه،‬ ‫ ّ‬ ‫وكثر عناؤه فيه، واشتدت المئونة عليه وعظمت المشقة لديه نبعد‬ ‫فراقه? يا نفسي، أما تذكرين ما نبعد هذه الدار: فينسيك ما تشرهين‬ ‫إليه منها? أل تستحبين من مشاركة الفجار في حب هذه العاجلة‬ ‫الفانية التي من كان في يده شيء منها فليس له، وليس نبباق عليه؛‬ ‫ ٍ‬ ‫.ٌ‬ ‫فل يألفها إل المغترون الجاهلون? يا نفس انظري في أمرك،‬ ‫وانصرفي عن هذا السفه، وأقبلي نبقوتك ولسعيك على تقديم الخير،‬‫وإياك والشر، واذكري أن هذا الجسد موجود لفات، وأنه مملوء أخللطا‬ ‫.ٌ‬ ‫ ٍ‬ ‫.ٌ‬ ‫فالسدةاً قذرة، تعقدها الحياة، والحياة إلى نفاد؛ كالصنم المفصلة‬ ‫ ٍ‬ ‫اً‬ ‫أعضاؤه إذا ركبت ووضعت، يجمعها مسمار واحد، ويضم يعضها إلى‬ ‫.ٌ‬ ‫.ٌ‬ ‫نبعض، فإذا أخذ ذلك المسمار تساقطت الولصال. يا نفس، ل تغتري‬ ‫ ٍ‬ ‫نبصحبة أحبائك وألصحانبك، ول تحرلصي على ذلك كل الحرص: فإن‬ ‫لصحبتهم - على ما فيها من السرور - كثيرة المئونة، وعاقبة ذلك‬ ‫44‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫الفراق. ومثلها مثل المغرفة التي تستعمل في جدتها لسخونة المرق،‬ ‫فإذا انكسرت لصارت وقودا. يا نفس، ل يحملنك أهلك وأقارنبك على‬‫جمع ما تهلكين فيه، إرادة لصلتهم؛ فإذا أنت كالدخنة الرجة التي تحترق‬ ‫ويذهب آخرون نبريحها. يا نفس، ل يبعد الكثير نباليسير؛ كالتاجر الذي‬ ‫كان له ملء نبيت من الصندل، فقال: إن نبعته وزنا لطال علي، فباعه‬ ‫ ٍ‬ ‫جزافا نبأنبخس الثمن. وقد وجدت آراء الناس مختلفة وأهواءهم‬‫متباينة؛ وكل على كل راد، وله عدو ومغتاب، ولقوله مخالف. فلما رأيت‬ ‫.ٌ‬ ‫.ٌ‬ ‫.ٌ‬ ‫ ٍ .ٌ‬ ‫.ٌ‬ ‫ذلك لم أجد إلى متانبعة أحد ٍ منهم لسبيل؛ وعرفت أني إن لصدقت أحدا‬ ‫اً‬ ‫منهم ل علم لي نبحاله، كنت في ذلك كالمصدق المخدوع الذي زعموا‬‫.ٌ‬ ‫في شأنه أن لسارقا عل ظهر نبيت رجل من الغنياء، وكان معه جماعة‬ ‫ ٍ‬ ‫من ألصحانبه، فالستيقظ لصاحب المنزل من حركة أقدامهم، فعرف‬ ‫امرأته ذلك؛ فقال لها: رويدا إني لحسب اللصوص علوا البيت،‬ ‫فأيقظيني نبصوت يسمعه اللصوص وقولي أل تخبرني أيها الرجل عن‬ ‫أموالك هذه الكثيرة وكنوزك العظيمة? فإذا نهيتك عن هذا السؤال‬ ‫فألحي علي نبالسؤال. ففعلت المرأة ذلك ولسألته كما أمرها؛ وأنصتت‬ ‫اللصوص إلى لسماع قولهما. فقال لها الرجل: أيتها المرأة، قد لساقك‬ ‫القدر إلى رزق والسع كثير: فكلي والسكتي، ول تسألي عن أمر إن‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫أخبرتك نبه لم آمن من أن يسمعه أحد، فيكون في ذلك ما أكره‬ ‫.ٌ‬ ‫.ٌ‬ ‫وتكرهين. فقالت المرأة: أخبرني أيها الرجل، فلعمري ما نبقرنبنا أحد‬‫يسمع كلمنا. فقال لها: فإني أخبرك أني لم أجمع هذه الموال إل من‬ ‫السرقة. قال: وكيف كان ذلك? وما كنت تصنع? قال: ذلك لعلم ألصبته‬ ‫ ٍ‬ ‫54‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫في السرقة، وكان المر علي يسيرا، وأنا آمن من أن يتهمني أحد أو‬ ‫.ٌ‬ ‫يرتاب في.ين. فقالت المرأة: أخبرني أيها الرجل، فلعمري ما نبقرنبنا‬‫أحد يسمع كلمنا. فقال لها: فإني أخبرك أني لم أجمع هذه الموال إل‬ ‫.ٌ‬ ‫ ٍ‬ ‫من السرقة. قال: وكيف كان ذلك? وما كنت تصنع? قال: ذلك لعلم‬‫.ٌ‬ ‫ألصبته في السرقة، وكان المر علي يسيرا، وأنا آمن من أن يتهمني أحد‬ ‫أو يرتاب في.‬ ‫قالت: فاذكر لي ذلك، قال: كنت أذهب في الليلة المقمرة، أنا‬ ‫وألصحانبي، حتى أعلو داء نبعض الغنياء مثلنا؛ فأنتهي إلى الكوة التي‬ ‫يدخل منها الضوء فأرقي نبهذه الرقية وهي شولم شولم لسبع مرات،‬ ‫وأعتنق الضوء؛ فل يحس نبوقوعي أحد، فل أدع مال اً ول متاعا إل‬ ‫.ٌ‬ ‫أخذته. ثم أرقي نبتلك الرقية لسبع مرات. وأعتنق الضوء فيجذنبني؛‬ ‫ ٍ‬ ‫فألصعد إلى ألصحانبي، فنمضي لسالمين آمنين. فلما لسمع اللصوص‬ ‫ذلك قالوا: قد ظفرنا الليلة نبما نريد من المال؛ ثم إنهم ألطالوا المكث‬ ‫حتى ظنوا أن لصاحب الداء وزوجته قد هجعا؛ فقام قائدهم إلى‬ ‫مدخل الضوء؛ وقال: شولم شولم لسبع مرات؛ ثم اعتنق الضوء لينزل‬ ‫ ٍ‬ ‫إلى أرض المنزل، فوقع على أم رألسه منكسا. فوثب إليه الرجل‬ ‫نبهراوته، وقال له: من أنت? قال: أنا المصدق المخدوع المغتر يما ل‬ ‫يكون أنبدا؛ وهذه ثمرة رقيتك. فلما تحرزت من تصديق ما ل يكون،‬ ‫ولم آمن إن لصدقته أن يوقعني في مهلكة عدت إلى لطلب الديان‬ ‫ ٍ‬ ‫والتماس العدل منها؛ فلم أجد عند أحد ٍ ممن كلمته جوانبا فيما لسألته‬‫عنه فيها، ولم أر فيما كلموني نبه شيئا يحق لي في عقلي أن ألصدق نبه‬ ‫64‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫ول أن أتبعه. فقلم لما لم أجد ثقة آخذ منه، الرأي أن ألزم دين آنبائي‬ ‫اً‬ ‫وأجدادي الذي وجدتهم عليه. فلما ذهبت التمس العذر لنفسي في‬ ‫لزوم دين النباء والجداد، لم أجد لها على الثبوت على دين النباء‬ ‫لطاقة؛ نبل وجدتها تريد أن تتفرغ للبحث عن الديان والمسألة عنها،‬ ‫اً‬ ‫وللنظر فيها؛ فهجس في قلبي وخطر على نبالي قرب الجل ولسرعة‬ ‫انقطاع الدنيا واعتباط أهلها وتحزم الدهر حياتهم. ففكرت في ذلك.‬ ‫فلما خفت من التردد والتحول، رأيت أل أتعرض لما أتخوف منه‬ ‫المكروه؛ وأن أقتصر على عمل تشهد النفس أنه يوافق كل الديان.‬ ‫ ٍ‬ ‫فكففت يدي عن القتل والضرب، ولطرحت نفسي عن المكروه‬ ‫والغضب والسرقة والخيانة والكذب والبهتان والغيبة، وأضمرت في‬ ‫نفسي أل أنبغي على أحد، ول أكذب نبالبعث ول القيامة ول الثواب ول‬ ‫ ٍ‬ ‫العقاب؛ وزايلت الشرار نبقلبي، وحاولت الجلوس مع الخيار نبجهدي،‬ ‫ورأيت الصلح ليس كمثله لصاحب ول قرين، ووجدت مكسبه إذا وفق‬ ‫.ٌ‬ ‫اً‬ ‫ا وأعان يسيرا؛ ووجدته ل ينقص على النفاق منه؛ نبل يزداد جدة‬ ‫وحسنا؛ ووجدته ل خوف عليه من السلطان أن يغصبه، ول من الماء‬‫أن يغرقه، ول من النار أن تحرقه، ول من اللصوص أن تسرقه، ول من‬‫السباع وجوارح الطير أن تمزقه؛ووجدت الرجل الساهي اللهي المؤثر‬‫اليسير يناله في يومه ويعدمه في غده على الكثير الباقي نعيمه، يصيبه‬ ‫ما ألصاب التاجر الذي زعموا أنه كان له جوهر نفيس، فالستأجر لثقبه‬ ‫.ٌ‬ ‫.ٌ‬ ‫رجل، اليوم نبمائة دينار؛ وانطلق نبه إلى المنزل ليعمل؛ وإذا في ناحية‬ ‫اً‬‫البين لصنج موضوع. فقال التاجر للصانع: هل تحسن أن تلعب نبالصنج?‬ ‫.ٌ‬ ‫.ٌ‬ ‫74‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫قال نعم. وكان نبلعبه ماهرا. فقال التاجر: دونك الصنج فألسمعنا‬‫ضرنبك نبه. فأخذ الرجل الصنج، ولم يزل يسمع التاجر الضرب الصحيح،‬ ‫والصوت الرفيع، والتاجر يشير نبيده ورألسه لطرنبا، حتى أمسى. فلما‬ ‫حان وقت الغروب قال الرجل للتاجر: مر لي نبالجرة. فقال له التاجر:‬ ‫وهل عملت شيئا تستحق نبه الجرة? فقال له: عملت ما أمرتني نبه،‬ ‫وأنا أجيرك، وما الستعملتني عملت؛ ولم يزل نبه حتى الستوفى منه مائة‬‫دينار. ونبقي جوهره غير مثقوب. فم أزدد في الدنيا وشهواتها نظرا، إل‬ ‫ازددت فيها زهادة ومنها هرنبا. ووجدت النسك هو الذي يمهد للمعاد‬ ‫اً‬ ‫كما يمهد الوالد لولده؛ ووجدته هو الباب المفتوح إلى النعيم المقيم؛‬ ‫ووجدت النالسك قد تدنبر فعلته نبالسكينة فشكر؛ وتواضع وقنع‬ ‫فالستغنى، ورضي ولم يهتم، وخلع الدنيا فنجا من الشرور، ورفض‬ ‫الشهوات فصار لطاهرا، والطرح الحسد فوجبت له المحبة، ولسخت‬ ‫نفسه نبك شيء؛ والستعمل العقل وأنبصر العاقبة فأمن الندامة، ولم‬ ‫ ٍ‬‫يخف الناس ولم يدب إليهم فسلم منهم. فلم أزدد في أمر النسك نظرا،‬ ‫إل ازددت فيه رغبة، حتى هممت أن أكون من أهله. ثم تخوفت أل‬ ‫اً‬ ‫ألصبر على عيش النالسك، ولم آمن إن تركت الدنيا وأخذت في النسك،‬ ‫أن أضعف عن ذلك؛ ورفضت إعمال اً كنت أرجو عائدتها؛ وقد كنت‬ ‫أعملها فأنتفع نبها في الدنيا، فيكون مثلي في ذلك مثل الكلب الذي مر‬ ‫نبنهر وفي فيه ضلع، فرأى ظلها في الماء، فهوى ليأخذها، فأتلف ما‬ ‫.ٌ‬ ‫ ٍ‬ ‫كان معه؛ ولم يجد في الماء شيئا. فهبت النسك مهانبة شديدة، وخفت‬ ‫اً‬ ‫اً‬ ‫من الضجر وقلة الصبر، وأردت الثبوت على حالتي التي كنت عليها. ثم‬ ‫84‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫نبدا لي أن ألسبر ما أخاف أل ألصبر عليه من الذى والضيق والخشونة‬ ‫في النسك؛ وما يصيب لصاحب الدنيا من البلء؛ وكان عندي أنه ليس‬ ‫.ٌ‬ ‫شيء.ٌ من شهوات الدنيا ولذاتها إل وهو متحول إلى الذى ومولد‬‫للحزن. فالدنيا كالماء الملح الذي يصيبه الكلب فيجد فيه ريح اللحم؛ فل‬ ‫يزال يطلب ذلك حتى يدمي فاه. وكالحدأة التي تظفر نبقطعة من‬‫اللحم، فيجتمع عليها الطير، فل تزال تدور وتدأب حتى تعيا وتتعب؛ فإذا‬ ‫تعبت ألقت ما معها. وكالكوز من العسل الذي في ألسفله السم الذي‬ ‫يذاق منه حلوة عاجلة وآخره موت ذعاف ، وكأحلم النائم التي يفرح‬ ‫.ٌ‬ ‫.ٌ‬ ‫.ٌ‬ ‫.ٌ‬ ‫نبها النسان في نومه، فإذا الستيقظ ذهب الفرح. فلما فكرت في هذه‬ ‫المور، رجعت إلى لطلب النسك، وهزني الشتياق إليه؛ ثم خالصمت‬ ‫نفسي إذ هي في شرورها لسارحة، وقد ل تثبت على أمر تعزم عليه:‬ ‫ ٍ‬ ‫.ٌ‬ ‫كقاض ٍ لسمع من خصم واحد فحكم له، فلما خضر الخصم الثاني عاد‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫إلى الول وقضى عليه. ثم نظرت في الذي أكانبده من احتمال النسك‬ ‫وضيقه؛ فقلت: ما ألصغر هذه المشقة في جانب روح النبد وراحته. ثم‬ ‫نظرت فيما تشره إليه النفس من لذة الدنيا، فقلت: ما أمر هذا‬ ‫وأوجعه، وهو يدفع إلى عذاب النبد وأهواله! وكيف ل يستحلي الرجل‬‫مرارةاً قليلة تعقبها حلوة لطويلة? وكيف ل تمر عليه حلوة قليلة تعقبها‬ ‫.ٌ‬ ‫.ٌ‬ ‫.ٌ‬ ‫.ٌ‬ ‫اً‬ ‫مرارة.ٌ دائمة? وقلت: لو أن رجل اً عرض عليه أن يعيش مائة لسنة، ل‬ ‫ ٍ‬ ‫.ٌ‬‫يأتي عليه يوم واحد.ٌ إل نبضع منه نبضعة ؛ ثم أعيد عليه من الغد؛ غير أنه‬ ‫.ٌ‬ ‫.ٌ‬ ‫يشرط له، أنه إذا الستوفى السنين المائة، نجا من كل ألم وأذى، ولصار‬ ‫إلى المن والسرور، كان حقيقا أل يرى تلك السنين شيئا. ألسبر ما‬ ‫94‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫أخاف أل أصبر عليه من الىذى والضيق والخشونة في النسك؛ وما‬‫يصيب صاحب الدنيا من البل؛ء؛ وكان عندي أنه ليس شي؛ء من شهوات‬ ‫ ٌ‬ ‫الدنيا ولذاتها إل وهو متحول إلى الىذى ومولد للحزن. فالدنيا كالما؛ء‬ ‫ ٌ‬‫الملح الذي يصيبه الكلب فيجد فيه ريح اللحم؛ فل يزال يطلب ىذلك حتى‬ ‫يدمي فاه. وكالحدأة التي تظفر نبقطعة من اللحم، فيجتمع عليها‬‫الطير، فل تزال تدور وتدأب حتى تعيا وتتعب؛ فإىذا تعبت ألقت ما معها.‬ ‫ ٌ‬ ‫وكالكوز من العسل الذي في ألسفله السم الذي يذاق منه حلوة‬ ‫عاجلة وآخره موت ىذعاف ، وكأحل م النائم التي يفرح نبها النسان في‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬ ‫نومه، فإىذا الستيقظ ىذهب الفرح. فلما فكرت في هذه المور، رجعت‬‫إلى طلب النسك، وهزني الشتياق إليه؛ ثم خاصمت نفسي إىذ هي في‬ ‫شرورها لسارحة، وقد ل تثبت على أمر تعز م عليه: كقاض لسمع من‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٌ‬‫خصم واحد فحكم له، فلما خضر الخصم الثاني عاد إلى الول وقضى‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫عليه. ثم نظرت في الذي أكانبده من احتمال النسك وضيقه؛ فقلت: ما‬ ‫أصغر هذه المشقة في جانب روح النبد وراحته. ثم نظرت فيما تشره‬ ‫إليه النفس من لذة الدنيا، فقلت: ما أمر هذا وأوجعه، وهو يدفع إلى‬‫ ٌ‬ ‫عذاب النبد وأهواله! وكيف ل يستحلي الرجل مرارة قليلة تعقبها حلوة‬ ‫ ً‬ ‫ ً‬ ‫طويلة ? وكيف ل تمر عليه حلوة قليلة تعقبها مرارة دائمة ? وقلت: لو‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬ ‫أن رجل ً عرض عليه أن يعيش مائة لسنة، ل يأتي عليه يو م واحد إل‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٍ‬ ‫نبضع منه نبضعة ؛ ثم أعيد عليه من الغد؛ غير أنه يشرط له، أنه إىذا‬ ‫ ٌ‬ ‫الستوفى السنين المائة، نجا من كل ألم وأىذى، وصار إلى المن‬ ‫والسرور، كان حقيقا أل يرى تلك السنين شيئا.‬ ‫05‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫وكيف يأنبى الصبر على أيا م قلئل يعيشها في النسك، وأىذى تلك اليا م‬ ‫قليل يعقب خيرا كثيرا ? فلنعلم أن الدنيا كلها نبل؛ء وعذاب. أوليس‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬ ‫النسان إنما يتقلب في عذاب الدنيا من حين يكون جنينا إلى أن‬ ‫يستوفي أيا م حياته ? فإىذا كان طفل ً ىذاق من العذاب ألوانا: إن جاع‬ ‫فليس نبه الستطعا م، أو عطش فليس نبه الستسقا؛ء، أو وجع فليس نبه‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬ ‫الستغاثة؛ مع ما يلقى من الوضع والحمل واللف والدهن والمسح؛ إن‬ ‫ ٌ‬ ‫أنيم على ظهره لم يستطع تقلبا؛ ثم يلقى أصناف العذاب مادا م‬ ‫رضيعا، فإىذا أفلت من هذا الرضاع، أخذ في عذاب الدب، فأىذيق من‬ ‫ألوانا: من عنف المعلم، وضجر الدرس، ولسآمة الكتانبة؛ ثم له من‬ ‫الدوا؛ء والحمية واللسقا م والوجاع أوفى حظ. فإىذا أدرك كانت همته‬ ‫ ٍ‬‫في جمع المال وترنبية الولد ومخاطرة الطلب والسعي والكد والتعب.‬ ‫وهو مع ىذلك يتقلب مع أعدائه الباطنية اللزمة له: وهي الصفرا؛ء‬ ‫والسودا؛ء والريح والبلغم والد م والسم المميت والحية اللىذعة؛ مع‬‫الخوف من السباع والهوا م؛ مع صرف الحر والبرد والمطر والرياح؛ ثم‬‫أنواع عذاب الهر م لمن يبلغه. فلو لم يخف من هذه المور شيئا، وكان‬ ‫قد أمن ووثق نبالسلمة منها فلم يفكر فيها، لوجب عليه أن يعتبر‬‫نبالساعة التي يحضره فيها الموت، فيفارق الدنيا؛ ويتذكر ما هو نازل نبه‬ ‫في تلك الساعة: من فراق الحبة والهل والقارب وكل منون نبه من‬ ‫ ٍ‬ ‫الدنيا، والشراف على الهول العظيم نبعد الموت. فلو لم يفعل ىذلك،‬ ‫لكان حقيقا أن يعد عاجزا مفرطا محبا للدنا؛ءة مستحقا للو م؛ فمن ىذا‬ ‫الذي يعلم ول يحتال لغد جهده في الحيلة، ويرفض ما يشغله ويلهيه‬ ‫15‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬‫من شهوات الدنيا وغرورها ? و للسيما في هذا الزمان الشبيه نبالصافي‬ ‫وهو كدر فإنه وإن كان الملك حازما عظيم المقدرة، رفيع الهمة نبليغ‬ ‫ ٌ‬ ‫الفحص، عدل ً مرجوا صدوقا شكورا، رحب الذراع مفتقدا مواظبا‬‫مستمرا عالما نبالناس والمور، محبا للعلم والخير والخيار، شديدا على‬ ‫الظلمة، غير جبان و خفيف القياد، رفيقا نبالتولسع على الرعية فيما‬ ‫ ٍ‬ ‫يحبون، والدفع لما يكرهون؛ فإنا قد نرى الزمان مدنبرا نبكل مكان،‬ ‫ ٍ‬ ‫فكأن أمور الصدق قد نزعت من الناس، فأصبح ما كان عزيزا فقده‬‫مفقودا، وموجودا ما كان ضائرا وجوده. وكأن الخير أصبح ىذانبل ً والشر‬‫أصبح ناضرا. وكأن الفهم أصبح قد زالت لسبله. وكأن الحق ولى كسيرا‬ ‫وأقبل الباطل تانبعه. وكأن اتباع الهوى وإضاعة الحكم أصبح نبالحكا م‬ ‫موكل؛ وأصبح المظلو م نبالحيف مقرا والظالم لنفسه مستطيل. وكأن‬ ‫ ً‬ ‫ ً‬ ‫الحرص أصبح فاغرا فاه من كل وجهة يتلقف ما قرب منه وما نبعد.‬ ‫ ٍ‬ ‫وكأن الرضا أصبح مجهول. وكأن الشرار يقصدون السما؛ء صعودا.‬ ‫ ً‬ ‫وكأن الخيار يريدون نبطن الرض؛ وأصبحت الدنا؛ءة مكرمة ممكنة؛‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬‫وأصبح السلطان منتقل ً عن أهل الفضل إلى أهل النقص. وكأن الدنيا‬ ‫جذلة مسرورة تقول: قد غيبت الخيرات وأظهرت السيئات. فلما فكرت‬ ‫ ٌ‬ ‫في الدنيا وأمورها؛ وأن النسان هو أشرف الخلق فيها وأفضله؛ ثم‬ ‫ ٍ‬ ‫هو ل يتقلب إل في الشرور والهمو م، عرفت أنه ليس إنسان ىذو عقل‬ ‫ ٌ‬ ‫يعلم ىذلك ثم ل يحتال لنفسه في النجاة؛ فعجبت من ىذلك كل العجب.‬ ‫ثم نظرت فإىذا النسان ل يمنعه عن الحتيال لنفسه إل لذة صغيرة‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬ ‫حقيرة ٌ غير كبيرة من الشم والذوق والنظر والسمع واللمس: فعله‬ ‫ ٍ‬ ‫25‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫يصيب منها الطفيف أو يقتني منها اليسير؛ فإىذا ىذلك يشغله ويذهب نبه‬ ‫عن الهتما م لنفسه وطلب النجاة لها.‬ ‫ ٍ‬ ‫فالتمست للنسان مثل، فإىذا مثله مثل رجل نجا من خوف فيل هائج‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫ ً‬ ‫إلى نبئر، فتدلى فيها، وتعلق نبغصنين كانا على لسمائها، فوقعت رجله‬ ‫ ٍ‬ ‫على شي؛ء في طي البئر. فإىذا حيات أرنبع قد أخرجن ر؛ءولسهن من‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٍ‬ ‫أحجارهن، ثم نظر فإىذا في قاع البئر تنين فاتح فاه منتظر له ليقع‬ ‫فيأخذه؛ فرفع نبصره إلى الغصنين فإىذا في أصلهما جرىذان ألسود‬ ‫وأنبيض، وهما يقرضان الغصنين دائبين ل يفتران، فبينما هو في النظر‬ ‫لمره والهتما م لنفسه، إىذا أنبصر قريبا منه كوارة فيها عسل نحل؛‬ ‫ ٍ‬ ‫ ً‬ ‫فذاق العسل، فشغلته حلوته وألهته لذته عن الفكرة في شي؛ء من‬ ‫ ٍ‬‫ ٍ‬ ‫أمره، وأن يلتمس الخلص لنفسه؛ ولم يذكر أن رجليه على حيات ٍ أرنبع‬ ‫ل يدري متى يقع عليهن؛ ولم يذكر أن الجرىذين دائبان في قطع‬‫الغصنين؛ ومتى انقطعا وقع على التنين. فلم يزل لهيا غافل ً مشغول ً‬ ‫نبتلك الحلوة حتى لسقط في فم التنين فهلك. فشبهت نبالبئر الدنيا‬ ‫المملو؛ءة آفات وشرورا، ومخافات وعاهات؛ وشبهت نبالحيات الرنبع‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫الخلط الرنبعة التي في البدن: فإنها متى هاجت أو أحدها كانت‬‫كحمة الفاعي والسم المميت؛ وشبهت نبالجرىذين اللسود والنبيض الليل‬‫والنهار اللذين هما دائبان في إفنا؛ء الجل؛ وشبهت نبالتنين المصير الذي‬ ‫ل نبد منه؛ وشبهت نبالعسل هذه الحلوة القليلة التي ينال منها النسان‬ ‫فيطعم ويسمع ويشم ويلمس، ويتشاغل عن نفسه، ويلهو عن شأنه،‬‫ويصد عن لسبيل قصده. فحينئذ صار أمري إلى الرضا نبحالي وإصلح ما‬ ‫ ٍ‬ ‫35‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫الستطعت إصلحه من عملي: لعلي أصادف نباقي أيامي زمانا أصيب‬ ‫فيه دليل ً على هداي، ولسلطانا على نفسي، وقواما لمري، فأقمت‬ ‫على هذه الحال وانتسخت كتبا كثيرة؛ وانصرفت من نبلد الهند، وقد‬ ‫ ً‬ ‫نسخت هذا الكتاب.‬ ‫نباب اللسد والثور وهو أول الكتاب‬ ‫قال دنبشليم الملك لبيدنبا الفيلسوف، وهو رأس البراهمة: اضرب لنا‬ ‫مثل ً لمتحانبين يقطع نبينهما الكذوب المحتال، حتى يحملهما على‬ ‫العداوة والبغضا؛ء. قال نبيدنبا: إىذا انبتلي المتحانبان نبأن يدخل نبينهما‬ ‫الكذوب المحتال، لم يلبثا أن يتقاطعا ويتدانبرا. ومن أمثال ىذلك أنه كان‬ ‫نبأرض دلستاوند رجل شيخ وكان له ثلثة نبنين. فلما نبلغوا أشدهم‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬‫ألسرفوا في مال أنبيهم؛ ولم يكونوا احترفوا حرفة يكسبون لنفسهم نبها‬ ‫ ً‬‫خيرا. فلمهم أنبوهم؛ ووعظهم على لسو؛ء فعلهم؛ وكان من قوله لهم:‬‫يا نبني إن صاحب الدنيا يطلب ثلثة أمور لن يدركها إل نبأرنبعة أشيا؛ء: أما‬ ‫الثلثة التي يطلب، فالسعة في الرزق والمنزلة في الناس والزاد‬ ‫للخرة؛ وأما الرنبعة التي يحتاج إليها في درك هذه الثلثة، فاكتساب‬ ‫المال من أحسن وجه يكون، ثم حسن القيا م على ما اكتسب منه، ثم‬ ‫الستثماره، ثم إنفاقه فيما يصلح المعيشة ويرضي الهل والخوان،‬ ‫فيعود عليه نفعه في الخرة. فمن ضيع شيئا من هذه الحوال لم‬ ‫يدرك ما أراد من حاجته: لنه إن لم يكتسب، لم يكن مال يعيش نبه؛‬ ‫ ٌ‬ ‫وإن هو كان ىذا مال واكتساب ثم لم يحسن القيا م عليه، أوشك المال‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫أن يفنى ويبقى معدما؛ وإن هو وضعه ولم يستثمره، لم تنعه قلة‬ ‫45‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬‫النفاق من لسرعة الذهاب: كالكحل الذي ل يؤخذ منه إل غبار الميل ثم‬ ‫هو مع ىذلك لسريع فناؤه. وإن أنفقه في غير وجهه، ووضعه في غير‬ ‫ ٌ‬‫موضعه، وأخطأ في مواضع الستحقاقه، صار نبمنزلة الفقير الذي ل مال‬ ‫له؛ ثم ل يمنع ىذلك ماله من التلف نبالحوادث والعلل التي تجري عليه؛‬ ‫ ٌ‬ ‫كمحبس الما؛ء الذي ل تزال المياه تنصب فيه، فإن لم يكن له مخرج‬ ‫ومفيض ومتنفس يخرج الما؛ء منه نبقدر ما ينبغي، خرب ولسال ونز من‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬ ‫نواح كثيرة، ورنبما انبثق البثق العظيم فذهب الما؛ء ضياعا. ثم أنبني‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬‫الشيخ اتعظوا نبقول أنبيهم وأخذوا نبه وعلموا أن فيه الخير وعولوا عليه؛‬‫ ٍ‬ ‫فانطلق أكبرهم نحو أرض يقال لها ميون؛ فأتى في طريقه على مكان‬ ‫ ٍ‬ ‫فيه وحل كثير؛ وكان معه عجلة يجرها ثوران يقال لحدهما شترنبة‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬ ‫وللخر نبندنبة، فوحل شترنبة في ىذلك المكان، فعالجه الرجل وأصحانبه‬ ‫حتى نبلغ منهم الجهد، فلم يقدروا على إخراجه؛ فذهب الرجل وخلف‬ ‫عنده رجل ً يشارفه: لعل الوحل ينشف فيتبعه نبالثور. فلما نبات الرجل‬‫نبذلك المكان، تبر م نبه والستوحش؛ فترك الثور والتحق نبصاحبه، فأخبره‬ ‫أن الثور قد مات؛ وقال له: إن النسان إىذا انقضت مدته وحانت منيته‬ ‫فهو وإن اجتهد في التوقي من المور التي يخاف فيها على نفسه‬ ‫الهلك لم يغن ىذلك عنه شيئا؛ ورنبما عاد اجتهاده في توقيه وحذره‬ ‫ونبال ً عليه .‬ ‫كالذي قيل: إن رجل ً لسلك مفازة فيها خوف من السباع؛ وكان الرجل‬ ‫ ٌ‬ ‫ ً‬ ‫ ٌ‬ ‫خبيرا نبوعث تلك الرض وخوفها؛ فلما لسار غير نبعيد اعترض له ىذئب‬ ‫من أحد الذئاب وأضراها؛ فلما رأى الرجل أن الذئب قاصد نحوه خاف‬ ‫55‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫منه، ونظر يمينا وشمال ً ليجد موضعا يتحرز فيه من الذئب فلم ير إل‬ ‫قرية خلف واد؛ ورأى الذئب قد أدركه، فألقى نفسه في الما؛ء، وهو ل‬ ‫ ً‬ ‫يحسن السباحة، وكاد يغرق، لول أن نبصر نبه قو م من أهل القرية؛‬ ‫ ٌ‬ ‫فتواقعوا لخراجه فأخرجوه، وقد أشرف على الهلك؛ فلما حصل‬ ‫الرجل عندهم وأمن على نفسه من غائلة الذئب رأى على عدوة‬‫الوادي نبيتا مفردا؛ فقال: أدخل هذا البيت فألستريح فيه. فلما دخله وجد‬ ‫جماعة من اللصوص قد قطعوا الطريق على رجل من التجار. وهم‬ ‫ ٍ‬ ‫ ً‬ ‫يقتسمون ماله؛ ويريدون قتله؛ فلما رأى الرجل ىذلك خاف على نفسه‬ ‫ومضى نحو القرية؛ فألسند ظهره إلى حائط من حيطانها ليستريح مما‬ ‫حل نبه من الهول والعيا؛ء، إىذ لسقط الحائط عليه فمات. قال التاجر:‬ ‫صدقت؛ قد نبلغني هذا الحديث. وأما الثور فإنه خلص من مكانه‬ ‫وانبعث. فلم يزل في مرج مخصب كثير الما؛ء والكل؛ فلما لسمن وأمن‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٌ‬ ‫جعل يخور ويرفع صوته نبالخوار. وكان قريبا منه أجمة فيها ألسد‬ ‫ ٌ‬ ‫عظيم؛ وهو ملك تلك الناحية، ومعه لسباع كثيرة وىذئاب ونبنات آوى‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٍ‬ ‫وثعالب وفود ونمور؛ وكان هذا اللسد منفردا نبرأيه دون أخذ نبرأي أحد‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬ ‫من أصحانبه. فلما لسمع خوار الثور، ولم يكن رأى ثورا قط، ول لسمع‬ ‫ ُ‬‫ ٍ‬ ‫خواره؛ لنه كان مقيما مكانه ل يبرح ول ينشط؛ نبل يؤتى نبرزقه كل يو م‬‫على يد جنده. وكان فيمن معه من السباع انبنا آوى يقال لحدهما كليلة‬ ‫وللخر دمنة؛ وكانا ىذوي دها؛ء وعلم وأدب. فقال دمنة لخيه كليلة: يا‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫أخي ما شأن اللسد مقيما مكانه ل يبرح ول ينشط ? قال له كليلة: ما‬ ‫شأنك أنت والمسألة عن هذا ? نحن على نباب ملكنا آخذين نبما أحب‬ ‫65‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫وتاركين لما يكره؛ ولسنا من أهل المرتبة التي يتناول أهلها كل م‬‫الملوك والنظر في أمورهم. فأمسك عن هذا، واعلم أنه من تكلف من‬‫القول والفعل ما ليس من شأنه أصانبه ما أصاب القرد من النجار. قال‬ ‫دمنة: وكيف كان ىذلك ? قال كليلة: زعموا أن قردا رأى نجارا يشق‬ ‫خشبة نبين وتدين، وهو راكب عليها؛ فأعجبه ىذلك. ثم إن النجار ىذهب‬ ‫لبعض شأنه. فقا م القرد؛ وتكلف ما ليس من شغله، فركب الخشبة،‬ ‫وجعل ظهره قبل الوتد، ووجهه قبل الخشبة؛ فتدلى ىذنبه في الشق،‬‫ونزع الوتد فلز م الشق عليه فخر مغشيا عليه. فكان ما لقي من النجار‬ ‫من الضرب أشد مما أصانبه من الخشبة. قال دمنة: قد لسمعت ما‬ ‫ىذكرت، ولكن اعلم أن كل من يدنو من الملوك ليس يدنو منهم لبطنه،‬ ‫وإنما يدنو منهم ليسر الصديق ويكبت العدو. وإن من الناس من ل‬‫مرو؛ءة له؛ وهم الذين يفرحون نبالقليل ويرضون نبالدون؛ كالكلب الذي‬ ‫يصيب عظما يانبسا فيفرح نبه. وأما أهل الفضل والمرو؛ءة فل يقنعهم‬‫القليل، ول يرضون نبه، دون أن تسموا نبه نفولسهم إلى ما هم أهل ٌ له،‬‫وهو أيضا لهم أهل؛ كاللسد الذي يفترس الرنب، فإىذا رأى البعير تركها‬ ‫ ٌ‬ ‫وطلب البعير، أل ترى أن الكلب يبصبص نبذنبه. حتى ترمى له الكسرة،‬ ‫وأن الفيل المعترف نبفضله وقوته إىذا قد م إليه علفه ل يعتلفه حتى‬‫يمسح ويتملق له. قمن عاش ىذا مال وكان ىذا فضل وإفضال على أهله‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٌ‬ ‫وإخوانه فهو وإن قل عمره طويل العمر. ومن كان في عيشه ضيق‬ ‫وقلة وإمساك على نفسه وىذويه فالمقبور أحيا منه. ومن عمل لبطنه‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬ ‫وقنع وترك ما لسوى ىذلك عد من البهائم.‬ ‫75‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬‫ ً‬ ‫قال كليلة: قد فهمت ما قلت؛ فراجع عقلك، واعلم أن لكل إنسان منزلة‬ ‫ ٍ‬‫وقدرا. فإن كان في منزلته التي هو فيها متمالسكا، كان حقيقا أن يقنع.‬ ‫وليس لنا من المنزلة ما يحط حالنا التي نحن عليها. قال دمنة: إن‬‫المنازل متنازعة مشتركة على قدر المرو؛ءة؛ فالمر؛ء ترفعه مرو؛ءته من‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬‫المنزلة الوضيعة إلى المنزلة الرفيعة؛ ومن ل مرو؛ءة له يحط نفسه من‬ ‫المنزلة الرفيعة إلى المنزلة الوضيعة. إن الرتفاع إلى المنزلة الشريفة‬ ‫شديد، والنحطاط منه مهين؛ كالحجر الثقيل: رفعه من الرض إلى‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬ ‫العاتق عسر، ووضعه إلى الرض هين. فنحن أحق أن نرو م ما فوقنا‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬‫من المنازل، وأن نلتمس ىذلك نبمرو؛ءتنا. ثم كيف نقنع نبها ونحن نستطيع‬ ‫التحول عنها ? قال كليلة: فما الذي اجتمع عليه رأيك ? قال دمنة: أريد‬ ‫أن أتعرض للسد عند هذه الفرصة: فإن اللسد ضعيف الرأي. ولعلي‬ ‫على هذه الحال أدنو منه فأصيب عنده منزلة ومكانة. قال كليلة: وما‬ ‫ ً‬ ‫ ً‬ ‫يدريك أن اللسد قد التبس عليه أمره ? قال دمنة: نبالحس والرأي أعلم‬ ‫ىذلك منه: فإن الرجل ىذا الرأي يعرف حال صاحبه ونباطن أمره نبما‬ ‫يظهر له من دله وشكله. قال كليلة: فكيف ترجو المنزلة عند اللسد‬ ‫ولست نبصاحب السلطان، ول لك علم نبخدمة السلطين ? قال دمنة:‬ ‫ ٌ‬ ‫الرجل الشديد القوي ل يعجزه الحمل الثقيل، وإن لم تكن عادته‬ ‫الحمل؛ والرجل الضعيف ل يستقل نبه وإن كان ىذلك من صناعته. قال‬ ‫كليلة: فإن السلطان ل يتوخى نبكرامته فضل؛ء من نبحضرته؛ ولكنه يؤثر‬ ‫الدنى ومن قرب منه. ويقال: إن مثل السلطان في ىذلك مثل شجر‬ ‫الكر م الذي ل يعلق إل نبأقرب الشجر. وكيف ترجو المنزلة عند اللسد‬ ‫85‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫ولست تدنو منه ? قال دمنة: قد فهمت كلمك جميعه وما ىذكرت، وأنت‬ ‫صادق. لكن اعلم أن الذي هو قريب من السلطان ول ىذلك في‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬ ‫موضعه ول تلك منزلته، ليس كمن دنا منه نبعد البعد وله حق وحرمة؛‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬ ‫وأنا ملتمس نبلوغ مكانتهم نبجهدي. وقد قيل: ل يواظب على نباب‬ ‫السلطان إل من يطرح النفة ويحمل الىذى ويكظم الغيظ ويرفق‬ ‫نبالناس ويكتم السر؛ فإىذا وصل إلى ىذلك فقد نبلغ مراده. قال كليلة:‬‫هبك وصلت إلى اللسد، فما توفيقك عنده الذي ترجو أن تنال نبه المنزلة‬ ‫والحظوة لديه ? قال دمنة: لو دنوت منه وعرفت أخلقه، لرفقت في‬ ‫متانبعته وقلة الخلف له. وإىذا أراد أمرا هو في نفسه صواب، زينته له‬ ‫وصبرته عليه، وعرفته نبما فيه من النفع والخير؛ وشجعته عليه وعلى‬ ‫الوصول إليه، حتى يزداد نبه لسرورا. وإىذا أراد أمرا نبما فيه الضر‬ ‫والشين، وأوقفته على ما في تركه من النفع والزين، نبحسب ما أجد‬ ‫إليه السبيل. وأنا أرجو أن أزداد نبذلك عند اللسد مكانة ويرى مني ما ل‬ ‫ ً‬ ‫يراه من غيري: فإن الرجل الديب الرفيق لو شا؛ء أن يبطل حقا أو‬ ‫يحق نباطل ً لفعل: كالمصور الماهر الذي يصور في الحيطان صورا‬ ‫كأنها خارجة وليست نبخارجة، وأخرى كأنها داخلة وليست نبداخلة. قال‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٌ‬ ‫كليلة: أما إن قلت هذا أو قلت هذا فإن أخاف عليك من السلطان فإن‬ ‫صحبته خطرة. وقد قالت العلما؛ء: إن أمورا ثلثة ل يجترئ عليهن إل‬ ‫ ٌ‬‫أهوج، ول يسلم منهن إل قليل، وهي: صحبة السلطان، وائتمان النسا؛ء‬ ‫ ٌ‬ ‫على اللسرار، وشرب السم للتجرنبة. وإنما شبه العلما؛ء السلطان‬ ‫نبالجبل الصعب المرتقى الذي فيه الثمار الطيبة والجواهر النفيسة‬ ‫95‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬‫ ٍ‬ ‫والدوية النافعة. وهو مع ىذلك معدن السباع والنمور والذئاب وكل ضار‬‫مخوف. فالرتقا؛ء إليه شديد، والمقا م فيه أشد. قال دمنة: صدقت فيما‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٍ‬ ‫ىذكرت؛ غير أنه من لم يركب الهوال، لم ينل الرغائب؛ ومن ترك المر‬‫ ٍ‬ ‫الذي لعله يبلغ فيه حاجته هيبة ومخافة لما لعله أن يتوقاه، فليس نببالغ‬ ‫ ً‬ ‫ ً‬‫جسيما. وقد قيل: إن خصال ً ثلثا لن يستطيعها أحد إل يمعونة من علو‬ ‫همة وعظيم خطر: منها عمل السلطان وتجارة البحر ومناجزة العدو.‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫وقد قالت العلما؛ء في الرجل الفاضل الرشيد: إن ل يرى إل في‬ ‫مكانين، ول يليق نبه غيرهما: إما مع الملوك مكرما، وإما مع النساك‬‫متعبدا، كالفيل إنما جماله ونبهاؤه في مكانتين: إما أن تراه وحشيا وإما‬ ‫مركبا للملوك. قال كليلة: خار ا لك فيما عزمت عليه.‬ ‫ثم إن دمنة انطلق حتى دخل اللسد فسلم عيه. فقال اللسد لبعض‬ ‫جلسائه: من هذا ? فقال فلن نبن فلن. قال: قد كنت أعرف أنباه. ثم‬ ‫ ٌ‬ ‫لسأله أين تكون ? قال: لم أزل ملزما نباب الملك، رجا؛ء أن يحضر أمر‬ ‫فأعين الملك نبه نبنفسي ورأيي: فإن أنبواب الملك تكثر فيها المور التي‬ ‫رنبما تحتاج فيها إلى الذي ل يؤنبه له؛ وليس أحد يصغر أمره إل وقد‬ ‫ ٌ‬ ‫يكون عنده نبعض الغنا؛ء والمنافع على قدره؛ حتى العود الملقى في‬ ‫الرض رنبما نفع، فيأخذه الرجل فيكون عدته عند الحاجة إليه. فلما‬‫لسمع اللسد قول دمنة أعجبه، وظن أن عنده نصيحة ورأيا. فأقبل على‬ ‫ ً‬ ‫من حضر فقال: إن الرجل ىذا العلم والمرو؛ءة يكون خامل الذكر‬ ‫خافض المنزلة، فتأنبى منزلته إل أن تشب وترتفع؛ كالشعلة من النار‬ ‫يضرنبها صاحبها وتأنبى إل ارتفاعا. فلما عرف دمنة أن اللسد قد عجب‬ ‫06‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫منه قال: إن رعية الملك تحضر نباب الملك، رجا؛ء أن يعرف ما عندها‬ ‫من علم وافر. وقد يقال: إن الفضل في أمرين: فضل المقاتل على‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬‫المقاتل والعالم على العالم. وإن كثرة العوان إىذا لم يكونوا مختبرين‬ ‫رنبما تكون مضرة على العمل: فإن العمل ليس رجاؤه نبكثرة العوان‬ ‫ ً‬ ‫ولكن نبصالحي العوان. ومثل ىذلك مثل الرجل الذي يحمل الحجر‬ ‫الثقيل، فيقل نبه نفسه، ول يجد له ثمنا. والرجل الذي يحتاج إلى‬‫الجذوع ل يجزئه القصب وإن كثر. فأنت الن أيها الملك حقيق أل تحقر‬ ‫ ٌ‬ ‫مرو؛ءة ٌ أنت تجدها عند رجل صغير المنزلة: فإن الصغير رنبما عظم،‬ ‫كالعصب يؤخذ من الميتة فإىذا عمل منه القوس أكر م، فتقبض عليه‬ ‫الملوك وتحتاج إليه في البأس واللهو.‬ ‫وأحب دمنة أن يري القو م أن ما ناله من كرامة الملك غنما هو لرأيه‬‫ومرو؛ءته وعقله: لنهم عرفوا قبل ىذلك أن ىذلك لمعرفته أنباه، فقال: إن‬ ‫السلطان ل يقرب الرجال لقرب آنبائهم، ول يبعدهم لبعدهم، ولكن‬ ‫ينبغي أن ينظر إلى كل رجل نبما عنده: لنه ل شي؛ء أقرب إلى الرجل‬ ‫ ٍ‬ ‫من جسده ومن جسده ما يدوى حتى يؤىذيه ول يدفع ىذلك عنه إل‬ ‫نبالدوا؛ء الذي يأتيه من نبعد.‬‫فلما فرغ دمنة من مقالته هذه أعجب الملك نبه إعجانبا شديدا، وأحسن‬ ‫الرد عليه، وزاد في كرامته. ثم قال لجلسائه: ينبغي للسلطان أل يلج‬ ‫في تضييع حق ىذوي الحقوق. والناس في ىذلك رجلن: رجل طبعه‬ ‫ ٌ‬ ‫الشرالسة، فهو كالحية إن وطئها الواطئ فلم تلدغه، لم يكن جديرا أن‬ ‫يغره ىذلك منها، فيعود إلى وطئها ثانية فتلدغه؛ ورجل أصل طباعه‬ ‫ ٌ‬ ‫16‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬‫السهولة، فهو كالصندل البارد الذي إىذا أفرط في حكه صار حارا مؤىذيا.‬ ‫ثم إن دمنة الستأنس نباللسد وخل نبه. فقال يوما: أرى الملك قد أقا م‬ ‫في مكان واحد ل يبرح منه، فما لسبب ىذلك ? فبينما هما في هذا‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬‫الحديث إىذ خار شترنبة خوارا شديدا: فهيج اللسد وكره أن يخبر دمنة نبما‬ ‫ناله؛ وعلم دمنة أن ىذلك الصوت قد أدخل على اللسد ريبة وهيبة.‬ ‫ ً‬ ‫ ً‬‫فسأله: هل راب الملك لسماع هذا الصوت ? قال لم يرنبني شي؛ء لسوى‬ ‫ ٌ‬ ‫ىذلك. قال دمنة: ليس الملك نبحقيق أن يدع مكانه لجل صوت. فقد‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫قالت العلما؛ء: إن ليس من كل الصوات تجب الهيبة. قال اللسد: وما‬ ‫مثل ىذلك ?‬ ‫قال دمنة: زعموا أن ثعلبا أتى أجمة فيها طبل معلق على شجرة،‬ ‫ ٍ‬ ‫ ً‬ ‫وكلما هبت الريح على قضبان تلك الشجرية حركتها، فضرنبت الطبل‬ ‫فسمع له صوت عظيم؛ فتوجه الثعلب نحوه لجل ما لسمع من عظم‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬‫صوته؛ فلما أتاه وجده ضخما، فأيقن في نفسه نبكثرة الشحم واللحم.‬ ‫فعالجه حتى شقه. فلما رآه أجوف ل شي؛ء فيه، قال: ل أدري لعل‬‫أفشل الشيا؛ء أجهرها صوتا وأعظمها جثة. وإنما ضرنبت لك هذا المثل‬ ‫ ً‬‫لتعلم أن هذا الصوت الذي راعنا، لو وصلنا إليه، لوجدناه ايسر مما في‬ ‫أنفسنا. فإن شا؛ء الملك نبعثني وأقا م نبمكانه حتى آتيه نببيان هذا‬ ‫الصوت. فوافق اللسد قوله، فأىذن له نبالذهاب نحو الصوت. فانطلق‬‫دمنة إلى المكان الذي فيه شترنبة. فلما فصل دمنة من عند اللسد، فكر‬ ‫اللسد في أمره، وند م على إرلسال دمنة حيث أرلسله، وقال في نفسه:‬‫وأصبت في ائتماني دمنة، وقد كان نببانبي مطروحا، فإن الرجل إىذا كان‬ ‫26‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫يحضر نباب الملك، وقد أنبطلت حقوقه من غير جر م كان منه، أو كان‬ ‫ ٍ‬‫مبغيا عليه عند لسلطانه؛ أو كان عنده معروفا نبالشره والحرص، أو كان‬ ‫قد أصانبه ضر وضيق فلم ينعشه، أو كان قد اجتر م جرما فهو يخاف‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬ ‫العقونبة منه، أو كان يرجو شيئا يضر الملك وله منه نفع؛ أو يخاف في‬ ‫شي؛ء ٍ مما ينفعه ضرا، أو كان لعدو الملك مسالما، ولمسالمه محارنبا،‬‫فليس السلطان نبحقيق أن يعجل نباللسترلسال إليه، والثقة نبه، والئتمان‬ ‫ ٍ‬ ‫له: فإن دمنة داهية أريب. وقد كان نببانبي مطروحا مجفوا. ولعله قد‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬ ‫احتمل علي نبذلك ضغنا، ولعل ىذلك يحمله على خيانتي وإعانة عدوي‬ ‫ونقيصتي عنده؛ ولعله صادف صاحب الصوت أقوى لسلطانا مني‬ ‫فيرغب نبه عني ويميل مع علي. ثم قا م من مكانه فمشى غير نبعيد،‬ ‫ ٍ‬ ‫.ّ‬ ‫فبصر نبدمنة مقبل ً نحوه فطانبت نفسه نبذلك، ورجع إلى مكانه، ودخل‬ ‫دمنة على اللسد فقال له: ماىذا صنعت ? وماىذا رأيت ? قال: رأيت ثورا‬ ‫هو صاحب الخوار والصوت الذي لسمعته. قال: فما قوته ? قال: ل‬ ‫شوكة له. وقد دنوت منه وحاورته محاورة الكفا؛ء ول يصغرن عندك‬‫أمره: فإن الريح الشديدة ل تعبأ نبضعيف الحشيش، لكنها تحطم طوال‬ ‫النخل وعظيم الشجر. قال دمنة: ل تهانبن أيها الملك منه شيئا؛ ول‬ ‫يكبرن عليك أمره: فأنا آتيك نبه ليكون لك عبدا لسامعا مطيعا. قال‬ ‫اللسد: دونك وما نبدا لك.‬ ‫فانطلق دمنة إلى الثور، فقال له غير هائب ول مكترث: إن اللسد‬ ‫أرلسلني إليك لتيه نبك. وأمرني، إن أنت عجلت إليه طائعا، أو أؤمنك‬ ‫على ما لسلف من ىذنبك في التأخر عنه وتركك لقا؛ءه؛ وإن أنت تأخرت‬ ‫36‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫عنه وأحجمت، أن أعجل الجرعة إليه فأخبره. قال له شترنبة: ومن هو‬‫هذا اللسد الذي أرلسلك إلي ? وأين هو ? وما حاله ? قال دمنة: هو ملك‬ ‫السباع، وهو نبمكان كذا، ومعه جند كثير من جنسه فرعب شترنبة من‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬‫ىذكر اللسد والسباع. وقال: إن أنت جعلت لي المان على نفسي أقبلت‬ ‫معك إليه. فأعطاه دمنة من المان ما وثق نبه. ثم أقبل والثور معه،‬ ‫حتى دخل على اللسد فأحسن اللسد إلى الثور وقرنبه؛ وقال له: متى‬ ‫.ّ‬ ‫قدمت هذه البلد ? وما أقدمكها ? فقص شترنبة عليه قصته. فقال له‬ ‫اللسد اصحبني والزمني: فإني مكرمك. فدعا الثور وأثنى عليه.‬‫ثم إن اللسد قرب شترنبة وأكرمه وأنس نبه وأتمنه على ألسراره وشاوره‬‫في أمره، ولم تزده اليا م إل عجبا نبه ورغبة فيه وتقريبا منه؛ حتى صار‬ ‫ ً‬ ‫أخص أصحانبه عنده منزلة. فلما رأى دمنة أن الثور قد اختص نباللسد‬ ‫ ً‬ ‫دونه ودون أصحانبه، وأنه قد صاد صاحب رأيه وخلواته ولهوه، حسده‬ ‫حسدا عظيما، ونبلغ منه غيظه كل مبلغ: فشكا ىذلك إلى أخيه كليلة،‬ ‫وقال له: أل تعجب يا أخي من عجز رأيي، وصنعي نبنفسي ? ونظري‬‫فيما ينفع اللسد، وأغفلت نفع نفسي حتى جلبت إلى اللسد ثورا غلبني‬ ‫على منزلتي.‬ ‫قال كليلة: أخبرني عن رأيك وما تريد أن تعر م عليه في ىذلك. قال‬ ‫دمنة: أما أنا فلست اليو م أرجو أن تزداد منزلتي عند اللسد فوق ما‬ ‫ ً‬ ‫كانت عليه؛ ولكن ألتمس أن أعود إلى ما كنت عليه: فإن أمورا ثلثة‬ ‫العاقل جدير نبالنظر فيها، والحتيال لها نبجهده: منها النظر فيما مضى‬ ‫من الضر والنفع، فيحترس من الضر الذي أصانبه فيما لسلف لئل يعود‬ ‫46‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫إلى ىذلك الضر، ويلتمس النفع الذي مضى ويحتال لمعاودته؛ ومنها‬ ‫النظر فيما هو مقيم فيه من المنافع والمضا؛ء، واللستيثاق نبما ينفع‬‫والهرب مما يضر؛ ومنها النظر في مستقبل ما يرجو من قبل النفع، وما‬ ‫يخاف من قبل الضر، فيستتم ما يرجو ويتوقى ما يخاف نبجهده. وإني‬‫لما نظرت في المر الذي نبه أرجو أن تعود منزلتي، وما غلبت عليه مما‬ ‫كنت فيه، لم أجد حيلة ول وجها إل الحتيال لكل العشب هذا، حتى‬ ‫ ً‬ ‫أفرق نبينه ونبين الحياة: فإنه إن فارق اللسد عادت لي منزلتي. ولعل‬ ‫ىذلك يكون خيرا لللسد: فإن إفراطه في تقريب الثور خليق أن يشينه‬ ‫ ٌ‬ ‫ويضره في أمره. قال كليلة: ما أرى على اللسد في رأيه في الثور‬ ‫ومكانه منه ومنزلته عنده شينا ول شرا. قال دمنة: إنما يؤتى السلطان‬ ‫ويفسد أمره من قبل لستة أشيا؛ء: الحرمان والفتنة والهوى والفظاظة‬ ‫والزمان والخرق.‬ ‫فأما الحرمان فأن يحر م صالح العوان والنصحا؛ء والسالسة من أهل‬ ‫الرأي والنجدة والمانة، وترك التفقد لمن هو كذلك. وأما الفتنة فهي‬ ‫تحارب الناس ووقوع الحرب نبينهم. وأما الهوى فالغرا م نبالحدث واللهو‬‫والشراب والصيد وما أشبه ىذلك. وأما الفظاظة فهي إفراط الشدة حتى‬ ‫يجمح اللسان نبالشتم واليد نبالبطش في غير موضعهما. وأما الزمان‬ ‫فهو ما يصيب الناس من السنين والموت ونقص الثمرات والغزوات‬ ‫وأشباه ىذلك. وأما الخرق فإعمال الشدة في موضع اللين، واللين في‬‫موضع الشدة. وإن اللسد قد أغر م نبالثور إغراما شديدا هو الذي ىذكرت‬‫لك أنه خليق لن يشينه ويضره في أمره. قال كليلة: وكيف تطيق الثور‬ ‫56‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫وهو أشد منك وأكر م على اللسد وأكثر أعوانا ? قال دمنة: ل تنظر إلى‬ ‫صغري وضعفي: فإن المور ليست نبالضعف ول القوة ول الصغر ول‬‫الكبر في الجثة: فرب صغير ضعيف قد نبلغ حيلته ودهائه ورأيه ما يعجز‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫عنه كثير من القويا؛ء. أولم يبلغك أن غرانبا ضعيفا احتال للسود حتى‬ ‫قتله ? قال كليلة: وكيف كان ىذلك ? قال دمنة: زعموا أن غرانبا كان له‬ ‫وكر في شجرة على جبل؛ وكان قريبا منه حجر ثعبان ألسود، فكان‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٌ‬ ‫الغراب إىذا فرخ عمد اللسود إلى فراخه فأكله؛ فبلغ ىذاك من الغراب‬ ‫وأحزنه، فشكا ىذلك إلى صديق له من نبنات آوى؛ وقال له: أريد‬ ‫مشاورتك في أمر قد عزمت عليه؛ قال: وما هو ? قال الغراب: قد‬ ‫ ٍ‬ ‫عزمت أن أىذهب اليو م إلى اللسود إىذا نا م، فأنقر عينيه، فأفقأهما،‬‫لعلي ألستريح منه. قال انبن آوى: نبئس الحيلة التي احتلت؛ فالتمس أمرا‬ ‫تصيب فيه نبغيتك من اللسود، من غير أن تغرر نبنفسك وتخاطر نبها.‬ ‫وإياك أن يكون مثلك مثل العلجو م الذي أراد قتل السرطان فقتل‬ ‫نفسه. قال الغراب: وكيف كان ىذلك ?‬ ‫قال انبن آوى: زعموا أن علجوما عشش في أجمة كبيرة السمك؛‬ ‫ ٍ‬ ‫.ّ‬ ‫ ٌ‬ ‫فعاش نبها ما عاش؛ ثم هر م فلم يستطع صيدا؛ فأصانبه جوع وجهد‬ ‫ ٌ‬ ‫شديد؛ فجلس حزينا يلتمس الحيلة في أمره؛ فمر نبه لسرطان، فرأى‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬ ‫حالته وما هو عليه من الكآنبة والحزن؛ فدنا منه وقال: مالي أراك أيها‬‫الطائر هكذا حزينا كئيبا ? قال العلجو م: وكيف ل أحزن وقد كنت أعيش‬ ‫من صيد ما ها هنا من السمك ? وإني قد رأيت اليو م صيادين قد مرا‬‫نبهذا المكان؛ فقال أحدهما لصاحبه: إن ها هنا لسمكا كثيرا أفل نصيده‬ ‫66‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫أول ? فقال الخر: إني قد رأيت في مكان كذا لسمكا أكثر من هذا‬ ‫ ً‬‫السمك، فلنبدأ نبذلك، فإىذا فرغنا منه جئنا إلى هذا فأفنيناه. وقد علمت‬‫أنهما إىذا فرغا مما هناك، انتهيا إلى هذه الجمة فاصطادا ما فيها؛ فإىذا‬ ‫كان ىذلك فهو هلكي ونفاىذ مدتي. فانطلق السرطان من لساعته إلى‬‫جماعة السمك فأخبرهن نبذلك؛ فأقبلن إلى العلجو م فالستشرنه؛ وقلن‬ ‫له: إنا أتينا لك لتشير علينا: فإن ىذا العقل ل يدع مشاورة عدوه. قال‬ ‫العلجو م: أما مكانبرة الصيادين فل طاقة لي نبها؛ ول أعلم حيلة إل‬ ‫ ً‬ ‫المصير إلى غدير قريب من ها هنا، فيه لسمك ومياه عظيمة وقصب،‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬‫فإن الستطعن النتقال إليه، كان فيه صلحكن وخصبكن. فقلن له: ما‬ ‫يمن علينا نبذلك غيرك. فجعل العلجو م يحمل في كل يو م لسمكتين‬‫حتى ينتهي نبهما إلى نبعض التلل فيأكلهما؛ حتى إىذا كان ىذات يو م جا؛ء‬‫لخذ السمكتين؛ فجا؛ءه السرطان؛ فقال له: إني أيضا قد أشفقت من‬ ‫مكاني هذا والستوحشت منه فاىذهب نبي إلى ىذلك الغدير؛ فاحتمله‬ ‫وطار نبه، حتى إىذا دنا من التل الذي كان يأكل السمك فيه نظر‬ ‫السرطان فرأى عظا م السمك مجموعة هناك؛ فعلم أن العلجو م هو‬ ‫ ً‬‫صاحبها؛ وأنه يريد نبه مثل ىذلك. فقال في نفسه: إىذا لقي الرجل عدوه‬ ‫في المواطن التي يعلم أنه فيها هالك. لسوا؛ء قاتل أ م لم يقاتل؛ كان‬ ‫ ٌ‬ ‫حقيقا أن يقاتل عن نفسه كرما وحفاظا ، ثم أهوى نبكلبتيه على عنق‬ ‫العلجو م، فعصره فمات؛ وتخلص السرطان إلى جماعة السمك‬ ‫فأخبرهن نبذلك. وإنما ضرنبت لك هذا المثل لتعلم أن نبعض الحيلة‬ ‫مهلكة للمحتال ولكني أدلك على أمر، إن أنت قدرت عليه، كان فيه‬ ‫ ٍ‬ ‫76‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫هلك اللسود من غير أن تهلك نبه نفسك، وتكون فيه لسلمتك. قال‬ ‫الغراب وما ىذاك ? قال انبن آوى: تنطلق فتبصر في طيرانك: لعلك أن‬ ‫تظفر نبشي؛ء من حلي النسا؛ء فتخطفه؛ ول تزال طائرا واقعا، نبحيث ل‬ ‫ ٍ‬ ‫تفوت العيون، حتى تأتي حجر اللسود فترمي نبالحلي عنده. فإىذا رأى‬ ‫الناس ىذلك أخذوا حليهم وأراحوك من اللسود. فانطلق الغراب محلقا‬ ‫في السما؛ء؛ فوجد امرأة من نبنات العظما؛ء فوق لسطح تغتسل؛ وقد‬ ‫ ً‬‫وضعت ثيانبها وحليها ناحية؛ فانقض واختطف من حليها عقدا، وطار نبه،‬ ‫ ً‬ ‫فتبعه الناس؛ ولم يزل طائرا واقعا، نبحيث يراه كل أحد؛ حتى انتهى‬ ‫ ٍ‬ ‫المر إلى جحر اللسود؛ فألقى العقد عليه، والناس ينظرون إليه. فلما‬ ‫أتوه أخذوا العقد وقتلوا اللسود. وإنما ضرنبت لك هذا المثل لتعلم أن‬ ‫الحيلة تجرئ مال تجزئ القوة. قال كليلة: إن الثور لو لم يجتمع مع‬ ‫شدته رأيه لكان كما تقول. ولكن له مع شدته وقوته حسن الرأي‬ ‫والعقل. فماىذا تستطيع له ? قال دمنة: إن الثور لكما ىذكرت في قوته‬‫ورأيه، ولكنه مقر لي نبالفضل؛ وأنا خليق أن اصرعه كما صرعت الرنب‬ ‫ ٌ‬ ‫اللسد. قال كليلة: وكيف كان ىذلك ?‬ ‫قال دمنة: زعموا أن ألسدا كان في أرض كثيرة المياه والعشب؛ وكان‬ ‫ ٍ‬‫في تلك الرض من الوحوش في لسعة المياه والمرعى شي؛ء كثير؛ إل‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬ ‫أنه لم يكن ينفعها ىذلك لخوفها من اللسد؛ فاجتمعت وأتت إلى اللسد،‬ ‫فقالت له: إنك لتصيب منا الدانبة نبعد الجهد والتعب؛ وقد رأينا لك رأيا‬‫ ٍ‬ ‫فيه صلح لك وأمن لنا. فإن أنت امنتنا ولم تخفنا، فلك علينا في كل يو م‬ ‫ ٌ‬ ‫دانبة نرلسل نبها إليك في وقت غدائك: فرضي اللسد نبذلك، وصالح‬ ‫ ٌ‬ ‫86‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬‫الوحوش عليه، ووفين له نبه. ثم إن أرنبا أصانبتها القرعة، وصارت غدا؛ء‬ ‫اللسد؛ فقالت للوحوش: إن أنتن رفقتن نبي فيما ل يضركن؛ رجوت أن‬ ‫أريحكن من اللسد. فقالت الوحوش: وما الذي تكلفيننا من المور ?‬ ‫قالت: تأمرن الذي ينطلق نبي إلى اللسد أن يمهلني ريثما أنبطئ عليه‬ ‫نبعض النبطا؛ء. فقلن لها ىذلك لك. فانطلقت الرنب متباطئة؛ حتى‬ ‫ ً‬ ‫جاوزت الوقت الذي كان يتغدى فيه اللسد. ثم تقدمت إليه وحدها‬ ‫رويدا، وقد جاع؛ فغضب وقا م من مكانه نحوها؛ فقال لها: من أين‬‫أقبلت ? قالت: أنا رلسول الوحوش إليك: نبعثني ومعي أرنب لك، فتبعني‬ ‫ ٌ‬‫ألسد في نبعض تلك الطريق، فأخذها مني، وقال: أنا أولى نبهذه الرض‬ ‫ ٌ‬ ‫وما فيها من الوحش. فقلت: إن هذا غدا؛ء الملك أرلسلني نبه الوحوش‬‫إليه. فل تغصبنه، فسبك وشتمك. فأقبلت مسرعة لخبرك. فقال اللسد:‬ ‫ ً‬‫انطلقي معي فأريني موضع هذا اللسد. فانطلقت الرنب إلى جب فيه‬ ‫ما؛ء غامر صاف؛ فاطلعت فيه، وقالت: هذا المكان. فاطلع اللسد،‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬ ‫فرأى ظله وظل الرنب في الما؛ء؛ فلم يشك في قولها؛ ووثب إليه‬ ‫ليقاتله، فغرق في الجب. فانقلبت الرنب إلى الوحوش فأعلمتهن‬ ‫صنيعها نباللسد. قال كليلة: إن قدرت على هلك الثور نبشي؛ء ليس فيه‬ ‫ ٍ‬ ‫مضرة لللسد فشأنك: فإن الثور قد أضر نبي ونبك ونبغيرنا من الجند؛‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬ ‫وإن أنت لم تقدر على ىذلك إل نبهلك اللسد، فل تقد م عليه؛ فإنه غدر‬ ‫مني ومنك. ثم إن دمنة ترك الدخول على اللسد أياما كثيرة؛ ثم أتاه‬ ‫ ً‬ ‫على خلوة منه؛ فقال له اللسد: ما حبسك عني ? منذ زمان لم أرك. أل‬ ‫ ٍ‬ ‫لخير كان انقطاعك ? قال دمنة: فليكن خيرا أيها الملك. قال اللسد:‬ ‫ ٍ‬ ‫96‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫وهل حدث أمر ? قال دمنة: حدث ما لم يكن الملك يريده ول أحد من‬ ‫ ٌ‬‫جنده. قال: وما ىذاك ? قال: كل م فظيع. قال: أخبرني نبه. قال دمنة إنه‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬‫كل م يكرهه لسامعه، ول يشجع عليه قائله. وإنك أيها الملك لذو فضيلة،‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٌ‬ ‫ورأيك يدلك على أن يوجعني أن أقول ما تكره؛ وأثق نبك أن تعرف‬ ‫نصحي وإيثاري إياك على نفسي. وإنه ليعرض لي أنك غير مصدقي‬ ‫فيما أخبرك نبه؛ ولكني إىذا تذكرت وتفكرت أن نفولسنا، معاشر‬‫الوحوش، متعلقة نبك لم أجد نبدا من أدا؛ء الحق الذي يلزمني وإن أنت‬ ‫ ٌ‬ ‫لم تسألني وخفت أل تقبل مني فإنه يقال: من كتم السلطان نصيحته‬ ‫والخوان رأيه فقد خان نفسه. قال اللسد: فما ىذاك ? قال دمنة:‬‫حدثني المين الصدوق عندي أن شترنبة خل نبر؛ءوس جندك، وقال: قد‬‫خبرت اللسد ونبلوت رأيه ومكيدته وقوته: فالستبان لي أن ىذلك يئول منه‬‫إلى ضعف وعجز، ولسيكون لي وله شأن من الشئون. فلما نبلغني ىذلك‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫علمت أن شترنبة خوان غدار؛ وأنك أكرمته الكرامة كلها، وجعلته نظير‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬ ‫نفسك، وهو يظن أنه مثلك. وأنك متى زلت عن مكانك صار له ملكك؛‬ ‫ول يدع جهدا إل نبلغه فيك. وقد كان يقال: إىذا عرف الملك من الرجل‬ ‫أنه قد لساواه في المنزلة والحال، فليصرعه؛ فإن لم يفعل نبه ىذلك،‬‫كان هو المصروع. وشترنبة أعلم نبالمور وأنبلغ فيها؛ والعاقل هو الذي‬ ‫يحتال للمر قبل تمامه ووقوعه: فإنك ل تأمن أن يكون ول تستدركه.‬‫فإنه يقال: الرجال ثلثة: حاز م وأحز م منه وعاجز؛ فأحد الحازمين من‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬ ‫إىذا نزل نبه المر لم يدهش له، ولم يذهب قلبه شعاعا ، ولم تعي نبه‬ ‫حيلته ومكيدته التي يرجو نبها المخرج منه؛ وأحز م من هذا المتقد م ىذو‬ ‫07‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫العدة الذي يعرف النبتل؛ء قبل وقوعه، فيعظمه إعظاما، ويحتال له‬ ‫حتى كأنه قد لزمه: فيحسم الدا؛ء قبل أن يبتلي نبه، ويدفع المر قبل‬ ‫وقوعه. وأما العاجز فهو في تردد وتمن وتوان حتى يهلك. ومن أمثال‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫ىذلك مثل السمكات الثلث. قال اللسد: وكيف كان ىذلك ?‬ ‫قال دمنة: زعموا أن غديرا كان فيه ثلث لسمكات: كيسة وأكيس منها‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٍ‬‫وعاجزة؛ وكان ىذلك الغدير نبنجوة من الرض ل يكاد يقرنبه أحد ونبقرنبه‬ ‫ ٌ‬ ‫ ً‬ ‫ ٌ‬ ‫نهر جار. فاتفق أنه اجتاز نبذلك النهر صيادان؛ فأنبصرا الغدير، فتواعدا‬ ‫ ٍ‬ ‫أن يرجعا إليه نبشباكهما فيصيدا ما فيه من السمك. فسمع السمكات‬ ‫قولهما: فأما أكيسهن لما لسمعت قولهما، وارتانبت نبهما، وتخوفت‬ ‫منهما؛ فلم تعرج على شي؛ء حتى خرجت من المكان الذي يدخل فيه‬ ‫ ٍ‬ ‫الما؛ء من النهر إلى الغدير. وأما الكيسة فإنها مكثت مكانها حتى جا؛ء‬‫الصيادان؛ فلما رأتهما، وعرفت ما يريدان، ىذهبت لتخرج من حيث يدخل‬‫الما؛ء؛ فإىذا نبهما قد لسدا ىذلك المكان فحينئذ ٍ قالت: فرطت، وهذه عاقبة‬ ‫التفريط؛ فكيف الحيلة على هذه الحال. وقلما تنجع حيلة العجلة‬ ‫والرهاق ، غير أن العاقل ل يقنط من منافع الرأي، ول ييئس على‬ ‫حال، ول يدع الرأي والجهد. ثم إنها تماوتت فطفت على وجه الما؛ء‬ ‫ ٍ‬ ‫منقلبة على ظهرها تارة، وتارة على نبطنها؛ فأخذها الصيادان‬ ‫ ً‬ ‫ ً‬ ‫فوضعاها على الرض نبين النهر والغدير؛ فوثبت إلى النهر فنجت. وأما‬ ‫العاجزة فما تزل في إقبال وإدنبار حتى صيدت.‬ ‫ ْ‬ ‫قال اللسد: قد فهمت ىذلك؛ ول أظن الثور يغشني ويرجو لي الغوائل .‬ ‫وكيف يفعل ولم ير مني لسو؛ءا قط ? ولم أدع خيرا إل فعلته معه ? ول‬ ‫ُّ‬ ‫17‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫أمنية إل نبلغته إياها ?. قال دمنة: إن اللئيم ل يزال نافعا ناصحا حتى‬ ‫ ً‬ ‫يرفع إلى المنزلة التي ليس لها نبأهل؛ فإىذا نبلغها التمس ما فوقها؛ ول‬ ‫لسيما أهل الخيانة والفجور: فإن اللئيم الفاجر ل يخد م السلطان ول‬ ‫ينصح له إل من فرق . فإىذا الستغنى وىذهبت الهيبة عاد إلى جوهره؛‬ ‫ ٍ‬‫كذنب الكلب الذي يرنبط ليستقيم فل يزال مستويا ما دا م مرنبوطا؛ فإىذا‬ ‫حل انحنى واعوج كما كان. واعلم أيها الملك أنه من لم يقبل من‬ ‫نصائحه ما يثقل عليه مما ينصحون له نبه، لم يحمد رأيه؛ كالمريض‬ ‫ ُ حِ‬‫الذي يدع ما يبعث له الطبيب؛ ويعمد إلى ما يشتهيه. وحق على موازر‬ ‫ ً‬ ‫السلطان أن يبالغ في التحضيض له على ما يزيد من لسلطانه قوة‬ ‫ويزينه؛ والكف عما يضره ويشينه؛ وخير الخوان والعوان أقلهم‬ ‫مداهنة في النصيحة؛ وخير الثنا؛ء ما كان على أفواه الخيار؛ وأشرف‬ ‫الملوك من لم يخالطه نبطر؛ وخير الخلق أعونها على الورع. وقد‬ ‫ ٌ‬ ‫قيل: لو أن أمرا تولسد النار وافترش الحيات، كان أحق أل يهنئه النو م.‬‫والرجل إىذا أحس من صاحبه نبعداوة يريده نبها؛ ل يطمئن إليه؛ وأعجز‬ ‫ ٍ‬ ‫الملوك آخذهم نبالهوينى، وأقلهم نظرا في مستقبل المور. وأشبههم‬ ‫نبالفيل الهائج الذي ل يلتفت إلى شي؛ء: فإن حز نبه أمر تهاون نبه، وإن‬ ‫ ٍ‬ ‫أضاع المور حمل ىذلك على قرنائه. قال له اللسد: لقد أغلظت في‬‫القول؛ وقول الناصح مقبول محمول. وإن كان شترنبة معاديا لي، كما‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬ ‫تقول، فإنه ل يستطيع لي ضرا؛ وكيف يقدر على ىذلك وهو آكل عشب‬ ‫وأنا آكل لحم ? وإنما هو لي طعا م، وليس علي منه مخافة. ثم ليس‬ ‫ ٌ‬‫إلى الغدر نبه لسبيل نبعد المان الذي جعلته له، ونبعد إكرامي له، وثنائي‬ ‫27‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫عليه. وإن غيرت ما كان مني ونبدلته. لسفهت رأيي وجهلت نفسي‬ ‫وغدرت نبذمتي. قال دمنة: ل يغرنك قولك: هو لي طعا م وليس علي‬ ‫منه مخافة: فإن شترنبة إن لم يستطعك نبنفسه احتال لك من قبل‬ ‫ ٌ‬ ‫غيره. ويقال: إن الستضافك ضيف لساعة من نهار، وأنت ل تعرف‬ ‫ ٍ‬ ‫ ً‬ ‫ ٌ‬‫أخلقه فل تأمنه على نفسك؛ ول تأمن أن يصلك منه أو نبسببه ما أصاب‬ ‫القملة من البرغوث. قال اللسد: وكيف كان ىذلك ?‬‫قال دمنة: زعموا أن قملة لزمت فراش رجل من الغنيا؛ء دهرا فكانت‬ ‫ ٍ‬ ‫تصيب من دمه وهو نائم ل يشعر، وتدب دنبيبا رفيقا؛ فمكث كذلك حينا‬ ‫ ٌ‬ ‫حتى الستضافها ليلة من الليالي نبرغوث؛ فقالت له: نبت الليلة عندنا في‬ ‫ ٌ‬ ‫ ً‬ ‫د م طيب وفراش لين؛ فأقا م البرغوث عندها حتى إىذا أوى الرجل إلى‬ ‫ ٍ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫فراشه وثب عليه البرغوث فلدغه لدغة أيقظته؛ وأطارت النو م عنه؛‬ ‫ ً‬ ‫فقا م الرجل وأمر أن يفتش فراشه؛ فنظر فلم ير إل القملة؛ فأخذت‬ ‫فقصعت وفر البرغوث. وإنما ضرنبت لك هذا المثل لتعلم أن صاحب‬‫الشر نبسببه. وإن كنت ل تخاف من شترنبة، فخف غيره من جندك الذين‬ ‫قد حملهم عليك وعلى عداوتك. فوقع في نفس اللسد كل م دمنة.‬‫فقال: فما الذي ترى إىذا ? ونبماىذا تشير ? قال دمنة: إن الضرس ل يزال‬ ‫متآكل، ول يزال صاحبه منه في ألم وأىذى حتى يفارقه. والطعا م الذي‬ ‫ ٍ ً‬ ‫ ً‬ ‫قد عفن في البطن، الراحة في قذفه. والعدو المخوف، دواؤه قتله.‬ ‫قال اللسد: لقد تركتني أكره مجاورة شترنبة إياي؛ وأنا مرلسل إليه،‬ ‫ ٌ‬ ‫وىذاكرا له ما وقع في نفسي منه؛ ثم آمره نباللحاق حيث أحب. فكره‬ ‫دمنة ىذلك، وعلم أن اللسد متى كلم شترنبة في ىذلك ولسمع منه جوانبا‬ ‫37‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬‫عرف نباطل ما أتى نبه، واطلع على غدره وكذنبه؛ ولم يخف عليه أمره.‬‫فقال لللسد: أما إرلسالك إلى شترنبة فل أراه لك رأيا ول حزما؛ فلينظر‬ ‫الملك في ىذلك: فإن شترنبة متى شعر نبهذا المر، خفت أن يعاجل‬ ‫الملك نبالمكانبرة. وهو إن قاتلك قاتلك مستعدا؛ وإن فارقك، فارقك‬ ‫فراقا يليك منه النقص، ويلزمك منه العار. مع أن ىذوي الرأي من‬ ‫الملوك ل يعلنون عقونبة من لم يعلن ىذنبه؛ ولكن لكل ىذنب عندهم‬‫عقونبة: فلذنب العلنية عقونبة العلنية، ولذنب السر عقونبة السر. قال‬ ‫ ٌ‬ ‫اللسد: إن الملك إىذا عاقب أحدا عن ظنة ظنها من غير تيقن نبجرمه،‬ ‫ ٍ‬ ‫فنفسه عاقب وإياها ظلم. قال دمنة: أما إىذا كان هذا رأي الملك، فل‬ ‫يدخلن عليك شترنبة إل وأنت مستعد له؛ وإياك أن تصيبك منه غرة أو‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬ ‫غفلة: فإني ل أحسب الملك حين يدخل عليه إل لسيعرف أنه قد هم‬ ‫ ٌ‬ ‫نبعظيمة. ومن علمات ىذلك أنك ترى لونه متغيرا؛ وترى أوصاله ترعد؛‬ ‫ ٍ‬ ‫وتراه ملتفتا يمينا وشمال؛ وتراه يهز قرنيه فعل الذي هم نبالنطاح‬ ‫ ً‬‫والقتال. قال اللسد: لسأكون منه على حذر؛ وإن رأيت منه ما يدل على‬ ‫ ٍ‬ ‫ما ىذكرت علمت أن ما في أمره شك.‬ ‫ ٌ‬ ‫فلما فرغ دمنة من حمل اللسد على الثور، وعرف أنه قد وقع في‬‫نفسه ما كان يلتمس، وأن اللسد لسيتحذر الثور، ويتهيأ له، أراد أن يأتي‬ ‫الثور ليغريه نباللسد؛ وأحب أن يكون إتيانه من قبل اللسد مخافة أن‬‫يبلغه ىذلك فيتأىذى نبه. فقال: أيها الملك أل آتي نبشترنبة فانظر إلى حاله‬‫وأمره؛ وألسمع كلمه: لعلي اطلع على لسره، فأطلع الملك على ىذلك،‬‫وعلى ما يظهر لي منه ? فأىذن له اللسد في ىذلك. فانطلق فدخل على‬ ‫47‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫شترنبة كالكئيب الحزين. فلما رآه الثور رحب نبه، وقال: كان لسبب‬ ‫انقطاعك عني ? فإني لم أرك منذ أيا م؛ ولعلك في لسلمة! قال دمنة:‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫ومتى كان أهل السلمة من ل يملك نفسه، وأمره نبيد غيره ممن ل‬ ‫يوثق نبه، ول ينفك على خطر وخوف. حتى ما من لساعة تمر ويأمن‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫فيها على نفسه. قال شترنبة: وما الذي حدث ? قال دمنة: حدث ما قدر‬ ‫وهو كائن. ومن ىذا الذي غالب القدر ? ومن ىذا الذي نبلغ من الدنيا‬ ‫ ٌ‬‫جسيما من المور فلم يبطر ? ومن ىذا الذي نبلغ منياه فلم يغتر ? ومن ىذا‬ ‫الذي تبع هواه فلم يخسر ? ومن ىذا الذي طلب من اللئا م فلم يحر م ?‬‫ومن ىذا الذي خالط الشرار فسلم ? ومن ىذا الذي صحب السلطان فذا م‬ ‫له منه المن والحسان ? قال شترنبة: إني ألسمع منك كلما يدل على‬‫أنه قد رانبك من اللسد ريب، وهالك منه أمر. قال دمنة: أجل، لقد رانبني‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬‫منه ىذلك، وليس هو في أمر نفسي، قال شترنبة: ففي نفس من رانبك ?‬ ‫قال دمنة: قد تعلم ما نبيني ونبينك، وتعلم حقك علي، وما كنت جعلت‬ ‫لك من العهد والميثاق أيا م أرلسلني اللسد إليك، فلم أجد لك نبدا من‬ ‫حفظك وإطلعك على ما أطلعت عليه مما أخاف عليك منه. قال‬‫شترنبة: وما الذي نبلغك ? قال دمنة: حدثني الخبير الصدوق الذي ل مرية‬ ‫في قوله أن اللسد قال لبعض أصحانبه وجلسائه: قد أعجبني لسمن‬‫الثور؛ وليس لي إلى حياته حاجة، فأنا آكله ومطعم أصحانبي من لحمه.‬ ‫ ٌ‬ ‫فلما نبلغني هذا القول، وعرفت غدره ونقض عهده؛ أقبلت إليك‬ ‫لقضي حقك؛ وتحتال أنت لمرك. فلما لسمع شترنبة كل م دمنة، وتذكر‬‫ما كان من دمنة جعل له من العهد والميثاق، وفكر في أمر اللسد، ظن‬ ‫57‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬‫أن دمنة قد صدقه ونصح له؛ ورأى أن المر شبيه نبما قال دمنة. فأهمه‬ ‫ ٌ‬ ‫ُهَ ُهَ ُهَ ُ‬ ‫ىذلك؛ وقال: ما كان لللسد أن يغدر نبي ولم آت إليه ىذنبا، ول إلى أحد‬ ‫من جنده، منذ صحبته؛ ول أظن اللسد إل قد حمل علي نبالكذب وشبه‬‫عليه أمري: فإن اللسد قد صحبه قو م لسو؛ء؛ وجرب منهم الكذب وأمورا‬ ‫َّ‬ ‫ ٍ‬ ‫هي تصدق عنده ما نبلغه من غيرهم: فإن صحبة الشرار رنبما أورثت‬ ‫صاحبها لسو؛ء الظن نبالخيار؛ وحملته تجرنبته على الخطأ كخطأ البطة‬‫التي زعموا أنها رأت في الما؛ء ضو؛ء كوكب، فظنته لسمكة، فحاولت أن‬ ‫ ً‬ ‫ ٍ‬ ‫تصيدها، فلما جرنبت ىذلك مرارا، علمت أنه ليس نبشي؛ء يصاد فتركته.‬ ‫ ٍ‬ ‫ثم رأت من غد ىذلك اليو م لسمكة، فظنت أنها مثل الذي رأته نبالمس،‬ ‫ ً‬‫فتركتها ولم تطلب صيدها. فإن كان اللسد نبلغه عني كذب ٌ فصدقه علي‬ ‫ولسمعه في، فما جرى على غيري يجري علي. وإن كان لم يبلغه‬‫شي؛ء، وأراد السو؛ء نبي من غير علة، فإن ىذلك لمن أعجب المور. وقد‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٌ‬ ‫كان يقال: إن من العجب أن يطلب الرجل رضا صاحبه ول يرضى.‬ ‫وأعجب من ىذلك أن يلتمس رضاه فيسخط. فإىذا كانت الموجدة عن‬‫علة، كان الرضا موجودا والعفو مأمول. وإىذا كانت عن غير علة، انقطع‬ ‫ ٍ‬ ‫ ً‬ ‫ ٍ‬ ‫الرجا؛ء: لن العلة إىذا كانت المودة في ورودها، كان الرضا مأمول ً في‬ ‫صدورها.‬ ‫قد نظرت: فل أعلم نبيني ونبين اللسد جرما، ول صغير ىذنب، ول كبيره.‬‫ ٍ‬ ‫ولعمري ما يستطيع أحد أطال صحبة صاحب أن يحترس في كل شي؛ء‬ ‫من أمره، ول أن يتحفظ من أن يكون منه صغيرة أو كبيرة يكرهها‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬ ‫صاحبه؛ ولكن الرجل ىذا العقل وىذا الوفا؛ء إىذا لسقط عنده صاحبه‬ ‫67‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫لسقطة ً نظر فيها، وعرف قدر مبلغ خطئه عمدا كان أو خطأ. ثم ينظر‬ ‫ ً‬‫ ٍ‬ ‫هل في الصفح عنه أمر يخاف ضره وشينه ? فل يؤاخذ صاحبه نبشي؛ء‬ ‫ ٌ‬ ‫يد فيه إلى الصفح عنه لسبيل. فإن كان اللسد قد اعتقد على ىذنبا؛‬ ‫ ً‬ ‫فلست أعلمه؛ إل أني خالفته في نبعض رأيه نصيحة له؛ فعساه أن‬ ‫ ً‬‫يكون قد أنزل أمري على الجرا؛ءة عليه والمخالفة له؛ ول أجد لي في‬ ‫هذا المحضر إثما ما: لني لم أخالفه في شي؛ء إل ما قد ندر من‬ ‫ ٍ‬ ‫خالفة الرشد والمنفعة والدين، ولم أجاهر نبشي؛ء من ىذلك على‬ ‫ ٍ‬ ‫ِّ‬ ‫.ّ‬ ‫ر؛ءوس جنده وعند أصحانبه؛ ولكني كنت أخلو نبه وأكلمه لسرا كل م‬ ‫الهائب الموقر وعلمت أنه من التمس الرخص من الخوان عند‬‫المشاورة، ومن الطبا؛ء عند المرض، ومن الفقها؛ء عند الشبهة، أخطأ‬‫منافع الرأي؛ وازداد فيما وقع فيه من ىذلك تورطا ، وحمل الوزر. وإن‬‫لم يكن هذا، فعسى أن يكون ىذلك من نبعض لسكرات السلطان: فإن‬ ‫مصاحبة السلطان خطرة، وإن صوحب نبالسلمة والثقة والمودة‬ ‫ ٌ‬ ‫وحسن الصحبة. وإن لم يكن هذا، فبعض ما أوتيت من الفضل قد‬ ‫جعل لي فيه الهلك. وإن لم يكن هذا ول هذا، فهو إىذا من مواقع‬ ‫القضا؛ء والقدر الذي ل يدفع عنه؛ وهو الذي يحمل الرجل الضعيف‬ ‫على ظهر الفيل الهائج؛ وهو الذي يسلط على الحية ىذات الحمة من‬‫ينزع حمتها ويلعب نبها؛ وهو الذي يجعل العاجز حازما، ويثبط الشهم،‬ ‫ويولسع على المقتر ، ويشجع الجبان، ويجبن الشجاع عندما تعتريه‬ ‫المقادير من العلل التي وضعت عليه القدار.‬ ‫قال دمنة: إن إرادة اللسد نبك ليست من تحميل الشرار ول لسكرة‬ ‫77‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫السلطان ول غير ىذلك، ولكنها الغدر والفجور منه: فإن فاجر خوان ٌ‬ ‫ ٌ‬ ‫غدار: لطعامه حلوة وآخره لسم مميت. قال شترنبة: فأراني قد‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬ ‫الستلذىذت الحلوة إىذ ىذقتها: وقد انتهيت إلى آخرها الذي هو الموت؛‬ ‫ ٍ‬ ‫ولول الحين ما كان مقامي عند اللسد، وهو آكل لحم وأنا آكل عشب‬ ‫ ٍ‬ ‫فأنا في هذه الورطة كالنحلة التي تجلس على نور النيلوفر إىذ تستلذ‬‫ريحه وطعمه، فتحبسها تلك اللذة؛ فإىذا جا؛ء الليل ينضم عليها، فترتبك‬ ‫فيه وتموت. ومن لم يرض من الدنيا نبالكفاف الذي يغنيه وطمحت‬‫عينه إلى ما لسوى ىذلك، ولم يتخوف من عاقبتها، كان كالذنباب الذي ل‬ ‫يرضى نبالشجرة والرياحين، ول يقنعه ىذلك، حتى يطلب الما؛ء الذي‬ ‫يسيل من أىذن الفيل، فيضرنبه الفيل نبآىذانه فيهلكه. ومن يبذل وده‬ ‫ونصيحته لمن ل يشكره، فهو كمن يبذر في السباخ. ومن يشر على‬ ‫المعجب، فهو كمن يشاور الميت أو يسار الصم. قال دمنة: دع عنك‬ ‫هذا الكل م واحتل لنفسك. قال شترنبة: نبأي شي؛ء أحتال لنفسي، إىذا‬ ‫ ٍ‬ ‫أراد اللسد أكلي، مع ما عرفتني نبه من رأي اللسد ولسو؛ء أخلقه ?‬ ‫وأعلم أنه لم يرد نبي إل خيرا، ثم أراد أصحانبه نبمكرهم وفجورهم‬ ‫هلكي لقدروا على ىذلك فإنه إىذا اجتمع المكرة الظلمة على البري؛ء‬ ‫الصحيح، كانوا خلقا؛ء أن يهلكوه، وإن كانوا ضعفا؛ء وهو قوي؛ كما‬ ‫أهلك الذئب والغراب وانبن آوى الجمل، حين اجتمعوا عليه نبالمكر‬ ‫والخديعة والخيانة. قال دمنة: وكيف كان ىذلك ?‬‫قال شترنبة: زعموا أن ألسدا كان في أجمة مجاورة لطريق من طرق‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬‫الناس؛ وكان له أصحاب ثلثة: ىذئب وغراب وانبن آوى؛ وأن رعاة مروا‬ ‫ ً‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬ ‫87‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫نبذلك الطريق، ومعهم جمال، فتخلف منها جمل، فدخل تلك الجمة‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬‫حتى انتهى إلى اللسد؛ فقال له اللسد: من أين أقبلت ? قال: من موضع‬‫كذا. قال: فما حاجتك ? قال: ما يأمرني نبه الملك. قال: تقيم عندنا في‬ ‫السعة والمن والخصب. فأقا م اللسد والجمل معه زمنا طويل. ثم إن‬ ‫ ً‬ ‫اللسد مضى في نبعض اليا م لطلب الصيد، فلقي فيل ً عظيما، فقاتله‬ ‫قتال ً شديدا؛ وأفلت منه مثقل ً مثخنا نبالجراح، يسيل منه الد م، وقد‬ ‫خدشه الفيل نبأنيانبه. فلما وصل إلى مكانه، وقع ل يستطيع حراكا، ول‬ ‫يقدر على طلب الصيد؛ فلبث الذئب والغراب وانبن آوى أياما ل يجدون‬ ‫طعاما: لنهم كانوا يأكلون من فضلت اللسد وطعامه؛ فأصانبهم جوع ٌ‬‫شديد وهزال، وعرف اللسد ىذلك منهم؛ فقال: لقد جهدتم واحتجتم إلى‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬ ‫ما تأكلون. فقالوا ل تهمنا أنفسنا: لكنا نرى الملك على ما نراه. فليتنا‬ ‫نجد ما يأكله ويصلحه. قال اللسد: ما أشك في نصيحتكم، ولكن‬ ‫انتشروا لعلكم تصيبون صيدا تأتونني نبه؛ فيصيبني ويصيبكم منه رزق.‬ ‫ ٌ‬‫فخرج الذئب والغراب وانبن آوى من عند اللسد؛ فتنحوا ناحية، وتشاوروا‬ ‫ ً‬‫فيما نبينهم، وقالوا: مالنا ولهذا الكل العشب الذي ليس شأنه من شأننا،‬ ‫ول رأيه من رأينا ? أل نزين لللسد فيأكله ويطعمنا من لحمه ? قال انبن‬ ‫آوى: هذا مما ل نستطيع ىذكره لللسد: لنه قد أمن الجمل، وجعل له‬ ‫من ىذمته عهدا. قال الغراب: أنا أكفيكم أمر اللسد. ثم انطلق فدخل‬ ‫على اللسد؛ فقال له اللسد: هل أصبت شيئا ? قال الغراب: إنما يصيب‬ ‫من يسعى ويبصر. وأما نحن فل لسعي لنا ول نبصر: لما نبنا من الجوع؛‬‫ولكن قد وفقنا لرأي واجتمعنا عليه؛ إن وافقنا الملك فنحن له مجيبون.‬ ‫97‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫قال اللسد: وما ىذاك ? قال الغراب: هذا الجمل آكل العشب المتمرغ‬ ‫.ّ‬‫نبيننا من غير منفعة لنا منه، ول رد عائدة، ول عمل يعقب مصلحة. فلما‬ ‫ ً‬ ‫ ٍ‬‫لسمع اللسد ىذلك غضب وقال: ما أخطأ رأيك، وما اعجز مقالك، وأنبعدك‬ ‫من الوفا؛ء والرحمة ? وما كنت حقيقا أن تجتري علي نبهذه المقالة،‬ ‫وتستقبلني نبهذا الخطاب؛ مع ما علمت من أني قد أمنت الجمل،‬ ‫وجعلت له من ىذمتي. أو لم يبلغك أنه لم يتصدق متصدق نبصدقة هي‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٌ‬‫أعظم أجرا ممن أمن نفسا خائفة، وحقن دما مهدرا ? وقد أمنته ولست‬ ‫ ً‬ ‫نبغادر نبه. قال الغراب: إني لعرف ما يقول الملك؛ ولكن النفس‬ ‫الواحدة يفتدى نبها أهل البيت؛ وأهل البيت تفتدى نبهم القبيلة؛ والقبيلة‬ ‫يفتدى نبها أهل المصر؛ وأهل المصر فدا؛ء الملك. وقد نزلت نبالملك‬ ‫الحاجة؛ وأنا أجعل له من ىذمته مخرجا، على أل يتكلف الملك ىذلك، ول‬ ‫ ٌ‬ ‫يليه نبنفسه، ول يأمر نبه أحدا؛ ولكنا نحتال نبحيلة لنا وله فيها إصلح‬ ‫ ٍ‬ ‫وظفر. فسكت اللسد عن جواب الغراب عن هذا الخطاب. فلما عرف‬ ‫ ٌ‬ ‫الغراب إقرار اللسد أتى أصحانبه، فقال لهم: قد كلمت اللسد في أكله‬ ‫الجمل؛ على أن نجتمع نحن والجمل عند اللسد، فنذكر ما أصانبه،‬ ‫ ٍ‬ ‫ونتوجع له اهتماما منا نبأمره، وحرصا على صلحه؛ ويعرض كل واحد‬ ‫منا نفسه عليه تجمل ً ليأكله، فيرد الخران عليه، ويسفها رأيه، ويبينان‬ ‫الضرر في أكله. فإىذا فعلنا ىذلك، لسلمنا كلنا ورضي اللسد عنا. ففعلوا‬ ‫ىذلك، وتقدموا إلى اللسد؛ فقال الغراب: قد احتجت أيها الملك إلى ما‬ ‫يقويك؛ ونحن أحق أن نهب أنفسنا لك: فإنا نبك نعيش؛ فإىذا هلكت‬ ‫فليس لحد ٍ منا نبقا؛ء عندك، ول لنا في الحياة من خيرة؛ فليأكلني‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٌ‬ ‫08‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫الملك: فقد طبت نبذلك نفسا. فأجانبه الذئب وانبن آوى أن السكت؛ فل‬ ‫خير للملك في أكلك؛ وليس فيك شبع. قال انبن آوى لكن أنا أشبع‬ ‫ ٌ‬ ‫الملك، فليأكلني: فقد رضيت نبذلك، وطبت عنه نفسا. فرد عليه الذئب‬‫والغراب نبقولهما: إنك لمنتن قذر. قال الذئب: إني لست كذلك، فليأكلني‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬‫الملك، فقد لسمحت نبذلك، وطبن عنه نفسا؛ فاعترضه الغراب وانبن آوى‬ ‫وقال: قد قالت الطبا؛ء: من أراد قتل نفسه فليأكل لحم ىذئب. فظن‬ ‫ ٍ‬ ‫الجمل أنه إىذا عرض نفسه على الكل، التمسوا له عذرا كما التمس‬ ‫نبعضهم لبعض العذار، فيسلم ويرضى اللسد عنه نبذلك، وينجو من‬ ‫ ٍ‬ ‫المهالك. فقال: لكن أنا في للملك شبع وري؛ ولحمي طيب هني،‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬ ‫ونبطني نظيف، فليأكلني الملك، ويطعم أصحانبه وخدمه: فقد رضيت‬ ‫ ٌ‬ ‫نبذلك، وطانبت نفسي عنه، ولسمحت نبه. فقال الذئب والغراب وانبن‬ ‫آوى: لقد صدق الجمل وكر م؛ وقال ما عرف.‬ ‫ثم إنهم وثبوا عليه فمزقوه. م إنهم وثبوا عليه فمزقوه.‬‫وإنما ضرنبت لك هذا المثل لتعلم أنه إن كان أصحاب اللسد قد اجتمعوا‬‫على هلكي فإني لست أقدر أن أمتنع منهم، ول أحترس؛ وإن كان رأي‬ ‫اللسد لي على غير ما هم من الرأي في، فل ينفعني ىذلك، ول يغني‬ ‫عني شيئا. وقد يقال: خير السلطين من عدل في الناس. ولو أن‬ ‫اللسد لم يكن في نفسه لي إل الخير والرحمة، لغيرته كثرة القاويل:‬ ‫فإنها إىذا كثرت لم تلبث دون أن تذهب الرقة والرأفة. أل ترى الما؛ء‬ ‫ليس كالقول؛ وأن الحجر لم يلبث حتى يثقبه ويؤثر فيه. وكذلك القول‬ ‫في النسان. قال دمنة: فماىذا تريد أن تصنع الن ? قال شترنبة: ما أرى‬ ‫18‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫إل الجتهاد والمجاهدة نبالقتال: فإنه ليس للمصلي في صلته، ول‬ ‫للمتصدق في صدقته، ول للورع في ورعه من الجر ما للمجاهد عن‬ ‫نفسه، إىذا كانت مجاهدته على الحق. قال دمنة: ل ينبغي لحد أن‬‫يخاطر نبنفسه، وهو يستطيع غير ىذلك، ولكن ىذا الرأي جاعل القتال آخر‬ ‫الحيل؛ ونبادئ قبل ىذلك نبما الستطاع من رفق وتمحل. وقد قيل: ل‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫تحقرن العدو الضعيف المهين، ول لسيما إىذا كان ىذا حيلة ويقدر على‬ ‫ ٍ‬ ‫العوان؛ فكيف نباللسد على جرا؛ءته وشدته ? فإن من حقر عدوه‬ ‫لضعفه أصانبه ما أصاب وكيل البحر من الطيطوى قال شترنبة: وكيف‬ ‫كان ىذلك ? قال دمنة: زعموا أن طائرا من طيور البحر يقال له‬‫الطيطوى كان وطنه على لساحل البحر، ومعه زوجة له، فلما جا؛ء أوان‬ ‫ ٌ‬ ‫تفريخها قالت النثى للذكر: لو التمسنا مكانا حريزا نفرخ فيه: فإني‬ ‫أخشى من وكيل البحر إىذا مد الما؛ء أن يذهب نبفراخنا. فقال لها:‬ ‫أفرخي مكانك: فإنه موافق لنا؛ والما؛ء والزهر منا قريب. قالت له: يا‬ ‫ ٌ‬ ‫غافل ليحسن نظرك: فإن أخاف وكيل البحر أن يذهب نبفراخنا. فقال‬ ‫لها أفرخي مكانك: فإنه ل يفعل ىذلك فقالت له: ما أشد تعنتك ! أما‬‫تذكر وعيده وتهديده إياك ? أل تعرف نفسك وقدرك ? فأنبى أن يطيعها.‬ ‫فلما أكثرت عليه ولم يسمع قولها، قالت له: إن من لم يسمع قول‬ ‫الناصح يصيبه ما أصاب السلحفاة حين لم تسمع قول البطتين. قال‬‫الذكر: وكيف كان ىذلك ? قالت النثى: زعموا أن غديرا كان عنده عشب،‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬ ‫وكان فيه نبطتان وكان في الغدير لسلحفاة، نبينها ونبين البطتين مودة‬ ‫ ٌ‬ ‫وصداقة. فاتفق أن غيض ىذلك الما؛ء؛ فجا؛ءت البطتان لوداع‬ ‫ ٌ‬ ‫28‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫السلحفاة، وقالتا: السل م عليك فإننا ىذاهبتان عن هذا المكان لجل‬ ‫نقصان الما؛ء عنه. فقالت: إنما يبين نقصان الما؛ء على مثلي: فإني‬ ‫كالسفينة ل أقدر على العيش إل نبالما؛ء. فأما أنتما فتقدران على‬ ‫العيش حيث كنتما. فاىذهبا نبي معكما . قالتا لها: نعم. قالت: كيف‬‫السبيل إلى حملي ? قالتا: نأخذ نبطرفي عود، وتتعلقين نبولسطه؛ ونطير‬ ‫ ٍ‬ ‫نبك في الجو. وإياك، إىذا لسمعت الناس يتكلمون، أن تنطقي. ثم‬‫أخذتاها فطارتا نبها في الجو. فقال الناس: عجب: لسلحفاة نبين نبطتين،‬ ‫ ٌ‬ ‫قد حملتاها. فلما لسمعت ىذلك قالت: فقأ ا أعينكم أيها الناس، فلما‬‫فتحت فاها نبالنطق وقعت على الرض فماتت. قال الذكر: قد لسمعت‬ ‫مقالتك؛ فل تخافي وكيل البحر. فلما مد الما؛ء ىذهب نبفراخها. فقالت‬ ‫النثى: قد عرفت في نبد؛ء المر أن هذا كائن. قال الذكر: لسوف أنتقم‬ ‫ ٌ‬ ‫منه. ثم مضى إلى جماعة الطير فقال لهن: إنكن أخواتي وثقاتي:‬ ‫فأعنني. قلن: ما تريد أن نفعل ? قال: تجتمعن وتذهبن معي إلى‬ ‫لسائر الطير، فنشكو إليهن ما لقيت من وكيل البحر؛ ونقول لهن: إنكن‬ ‫طير مثلنا: فأعننا. فقالت له جماعة الطير: إن العنقا؛ء هي لسيدتنا‬ ‫ ٌ‬‫وملكتنا: فاىذهب نبنا إليها حتى نصيح نبها، فنظهر لنا؛ فنشكو إليها ما نالك‬ ‫من وكيل البحر؛ ونسألها أن تنتقم لنا نبقوة ملكها. ثم إنهن ىذهبن إليها‬ ‫من الطيطوى، فستغثنها؛ وصحن نبها؛ فترا؛ءت لهن فأخبرنها نبقصتهن؛‬ ‫ولسألنها أن تسير معهن إلى محارنبة وكيل البحر، فأجانبتهن إلى ىذلك.‬‫فلما علم وكيل البحر أن العنقا؛ء قد قصدته في جماعة الطير خاف من‬ ‫38‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫محارنبة ملك ل طاقة له نبه. فرد فراخ الطيطوى؛ وصالحه فرجعت‬ ‫ ٍ‬ ‫العنقا؛ء عنه.‬‫وإنما حدثتك نبهذا الحديث لتعلم أن القتال مع اللسد ل أراه لك رأيا. قال‬ ‫شترنبة: فما أنا نبمقاتل اللسد، ول ناصب له العداوة لسرا ول علنية ل‬ ‫ ً‬ ‫متغير له عما كنت عليه، حتى يبدو لي منه ما أتخوف فأغالبه. فكره‬ ‫ ٍ‬‫دمنة قوله، وعلم أن اللسد إن لم ير من الصور العلمات التي ىذكرها له‬ ‫اتهمه وألسا؛ء نبه الظن. فقال دمنة لشترنبة: اىذهب إلى اللسد فستعرف‬‫حين ينظر إليك ما يريد منك. قال شترنبة: وكيف أعرف ىذلك ? قال دمنة:‬ ‫لسترى اللسد حين تدخل عليه مقعيا على ىذنبه، رافعا صدره إليك، مادا‬ ‫نبصره نحوك، قد صر أىذنيه وفغر فاه، والستوى للوثبة. قال شترنبة: إن‬ ‫رأيت هذه العلمات من اللسد عرفت صدقك في قولك. ثم إن دمنة‬ ‫لما فرغ من حمل اللسد على الصور، والثور على اللسد توجه إلى‬ ‫كليلة. فلما التقيا، قال كليلة: إل م انتهى عملك الذي كنت فيه ? قال‬ ‫دمنة: قريب من الفراغ على ما أحب وتحب. ثم إن كليلة ودمنة انطلقا‬ ‫ ٌ‬ ‫جميعا ليحضرا قتال اللسد والثور، وينظرا ما يجري نبينهما، ويعاينا ما‬ ‫يئول إليه أمرهما. وجا؛ء شترنبة، فدخل على اللسد، فرآه مقعيا كما‬ ‫وصفه له دمنة، فقال: ما صاحب السلطان إل كصاحب الحية التي في‬ ‫مبيته ومقيله، فل يدري متى تهيج نبه. ثم إن اللسد نظر إلى الثور فرأى‬ ‫الدللت التي ىذكرها له دمنة: فلم يشك أنه جا؛ء لقتاله. فواثبه، ونشأ‬ ‫نبينهما الحرب، واشتد قتال الثور واللسد، وطال، ولسالت نبينهما الدما؛ء.‬ ‫فلما رأى كليلة أن اللسد قد نبلغ منه ما قد نبلغ. قال لدمنة: أيها الفسل‬ ‫48‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫ما أنكر جهلتك وألسوأ عاقبتك في تدنبيرك! قال دمنة: وما ىذاك ? قال‬‫كليلة: جرح اللسد وهلك الثور. وإن أخرق الخرق من حمل صاحبه على‬ ‫لسو؛ء الخلق والمبارزة والقتال، وهو يجد إلى غير ىذلك لسبيل. وإن‬ ‫ ً‬ ‫العاقل يدنبر الشيا؛ء ويقيسها قبل مباشرتها: فما رجا أن يتم له منها‬ ‫أقد م عليه، وما خاف أن يتعذر عليه منها انحرف عنه، ولم يلتفت إليه.‬ ‫وإني لخاف عليك عاقبة نبغيك هذا: فإنك قد أحسنت القول ولم‬‫تحسن العمل. أين معاهدتك إياي أنك ل تضر نباللسد في تدنبيرك ? وقد‬ ‫قيل: ل خير في القول إل مع العمل، ول في الفقه إل مع الورع، ول‬‫في الصدقة إل مع النية، ول في المال إل مع الجود، ول في الصدق إل‬ ‫مع الوفا؛ء، ول في الحياة إل مع الصحة، ول في المن إل مع السرور.‬ ‫واعلم أن الدب يذهب عن العاقل الطيش، ويزيد الحمق طيشا؛ كما‬ ‫أن النهار يزيد كل ىذي نبصر نظرا، ويزيد الخفاش لسو؛ء النظر.‬ ‫وقد أىذكرني أمرك شيئا لسمعته، فإن يقال: إن السلطان إىذا كان‬ ‫صالحا، ووزراؤه وزرا؛ء لسو؛ء، منعوا خيره، فل يقدر أحد أن يدنو منه.‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٍ‬ ‫ومثله في ىذلك مثل الما؛ء الطيب الذي فيه التمالسيح: ل يقدر أحد أن‬ ‫ ٌ‬ ‫يتناوله، وإن كان إلى الما؛ء محتاجا. وأنت يا دمنة أردت أل يدنو من‬ ‫اللسد أحد لسواك. وهذا أمر ل يصح ول يتم أنبدا. وىذلك للمثل‬ ‫ ٌ‬ ‫المضروب: إن البحر نبأمواجه، والسلطان نبأصحانبه. ومن الحمق‬ ‫الحرص على التماس الخوان نبغير الوفا؛ء لهم، وطلب الخرة نبالريا؛ء،‬ ‫ونفع النفس نبغير الضر. وما عظتي وتأديبي إياك إل كما قال الرجل‬ ‫للطائر: ل تلتمس تقويم ما ل يستقيم، ول تعالج تأديب من ل يتأدب.‬ ‫58‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫قال دمنة: وكيف كان ىذلك ? قال كليلة: زعموا أن جماعة من القردة‬ ‫ ً‬ ‫كانوا لسكانا في جبل، فالتمسوا في ليلة نباردة ٍ ىذات رياح وأمطار نادرا،‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫فلم يجدوا، فرأوا يراعة تطير كأنها شرارة نار، فظنوها نارا، وجمعوا‬ ‫ ٍ‬ ‫ ً‬ ‫حطبا كثيرا فألقوه عليها، وجعلوا ينفخون طمعا أن يوقدوا نارا‬‫يصطلون نبها من البرد. وكان قريبا منهم طائر على شجرة، ينظرون إليه‬ ‫ ٍ‬ ‫وينظر إليهم، وقد رأى ما صنعوا، فجعل يناديهم ويقول: ل تتعبوا فإن‬ ‫الذي رأيتموه ليس نبنار. فلما طال ىذلك عليه عز م على القرب منهم‬ ‫ ٍ‬ ‫لنهاهم عما هم فيه، فمر نبه رجل فعرف ما عز م عليه. فقال له: ل‬ ‫ ٌ‬‫تلتمس تقومي ما ل يستقيم: فإن الحجر المانع الذي ل ينقطع ل تجرب‬ ‫عليه السيوف، والعود الذي ل نحني ل يعمل منه القوس: فل تتعب.‬ ‫فأنبى الطائر أن يطيعه، وتقد م إلى القردة ليعرفهم أن البراعة ليسن‬ ‫نبنا؛ء. فتناوله نبعض القردة فضرب نبه الرض فمات. فهذا مثلي معك‬ ‫ ٍ‬‫في ىذلك. ثم قد غلب عليك الخب والفجور ، وهما خلتا لسو؛ء، والخصب‬ ‫ ٍ‬ ‫.ّ‬ ‫شرهما عاقبة. ولهذا مثل. قال دمنة: وما ىذلك المثل ?‬ ‫ ً‬‫قال كليلة: زعموا أن خبا ومغفل ً اشتركا في تجارة ولسافرا، فبينما هما‬ ‫ ٍ‬ ‫في الطريق، إىذ تخلف المغفل لبعض حاجته، فوجد كيسا فيه ألف‬ ‫دينار، فأخذه؛ فأحس نبه الخب، فرجعا إلى نبلدهما؛ حتى إىذا دنوا من‬‫المدينة قعدا لقتسا م المال. فقال المغفل: خذ نصفه وأعطني نصفه؛‬ ‫وكان الخب قد قرر في نفسه أن يذهب نباللف جميعه. فقال له: ل‬ ‫نقتسم، فإن الشركة والمفاوضة أقرب إلى الصفا؛ء والمخالطة؛ ولكن‬ ‫آخذ نفقة، وتأخذ مثلها؛ وندفن الباقي في أصل هذه الشجرة: فهو‬ ‫ ً‬ ‫68‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫مكان حريز. فإىذا احتجنا جئنا أنا وأنت فنأخذ حاجتنا منه؛ ول يعلم‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬ ‫نبموضعنا أحد. فأخذا منه يسيرا، ودفنا الباقي في أصل دوحة، ودخل‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٌ‬ ‫البلد. ثم إن الخب خالف المغفل إلى الدنانير فأخذها، ولسوى الرض‬ ‫كما كانت. وجا؛ء المغفل نبعد ىذلك نبأشهر فقال للخب: قد احتجت إلى‬ ‫نفقة فانطلق نبنا نأخذ حاجتنا؛ فقا م الخب معه وىذهبا إلى المكان‬ ‫ ٍ‬ ‫فحفرا، فلم يجدا شيئا. فأقبل الخب على وجهه يلطمه يقول: ل تغتر‬ ‫نبصحبة صاحب: خالفتني إلى الدنانير فأخذتها. فجعل المغفل يحلف‬ ‫ويلعن آخذها ول يزداد الحب إل شدة في اللطم. وقال: ما أخذها‬ ‫غيرك. وهل شعر نبها أحد ٌ لسواك ? ثم طال ىذلك نبينهما، فترافعا إلى‬ ‫القاضي، فاقتص القاضي قصتهما، فادعى الخب أن المغفل أخذها،‬‫وجحد المغفل. فقال للخب: ألك على دعواك نبينة ? قال: نعم الشجرة‬ ‫التي كانت الدنانير عندها تشهد لي أن المغفل أخذها. وكان الخب قد‬ ‫أمر أنباه أن يذهب فيتوارى في الشجرة نبحيث إىذا لسئلت أجاب. فذهب‬‫أنبو الخب فدخل جوف الشجرة. م إن القاضي لما لسمع ىذلك من الخب‬ ‫أكبره، وانطلق هو وأصحانبه والخصب والمغفل معه؛ حتى وافى‬ ‫الشجرة؛ فسألها عن الخبر. فقال الشيخ من جوفها: نعم المغفل‬ ‫أخذها. فلما لسمع القاضي ىذلك اشتد تعجبه. فدعا نبحطب وأمر أن‬ ‫تحرق الشجرة. فأضرمت حولها النيران فالستغاث أنبو الخب عند ىذلك.‬ ‫فأخرج وقد أشرف على الهلك. فسأله القاضي عن القصة فأخبره‬‫نبالخبر؛ فأوقع نبالخب ضرنبا، ونبأنبيه صفعا، وأركبه مشهورا ، وغر م الخب‬ ‫.ّ‬ ‫الدنانير فأخذها وأعطاها المغفل.‬ ‫78‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬‫وإنما ضرنبت لك هذا المثل لتعمل أن الحب والخديعة رنبما كان صاحبها‬ ‫هو المغبون. وإنك يا دمنة جامع للخب والخديعة والفجور. وإني‬ ‫ ٌ‬ ‫أخشى عليك ثمرة عملك، مع أنك لست نبناج من العقونبة: لنك ىذو‬ ‫ ٍ‬ ‫لونين ولسانين. وإنما عذونبة ما؛ء النهار ما لم تبلغ إلى البحار. وصلح‬ ‫أهل البيت ما لم يكن فيهم المفسد. وإنه ل شي؛ء أشبه نبك من الحية‬ ‫ىذات اللسانين التي فيها السم: فإن قد يجري من لسانك كسمها. وإني‬ ‫لم أزل لذلك السم من لسانك خائفا، ولما يحل نبك متوقعا، والمفسد‬ ‫نبين الخوان والصحاب كالحية يرنبيها الرجل ويطعمها ويمسحها‬ ‫ويكرمها، ثم ل يكون له منها غير اللدغ. وقد يقال: الز م ىذا العقل وىذا‬ ‫الكر م، والسترلسل إليهما، وإياك ومفارقتهما؛ واصحب الصاحب إىذا كان‬ ‫عاقل ً كريما أو عاقل ً غير كريم: فالعاقل الكريم كامل، والعاقل غير‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٍ‬ ‫الكريم أصحبه، وإن كان غير محمود الخليقة، وأحذر من لسو؛ء أخلقه‬‫وانتفع نبعقله، والكريم غير العاقل، الزمه ول تدع مواصلته، وإن كنت ل‬‫تحمد عقله، وانتفع نبكرمه، وانفعه نبعقلك؛ والقرار كل القرار من اللئيم‬‫الحمق. وإني نبالفرار منك لجدير. وكيف يرجو إخوانك عندك كرما وودا‬ ‫ ٌ‬ ‫وقد صنعت نبملكك الذي أكرمك وشرفك ما صنعت ? وإن مثلك مثل‬‫التاجر الذي قال: إن أرضا تأكل جرىذانها مائة من حديدا، ليس نبمستنكر‬ ‫ًّ‬ ‫على نبزاتها أن تختطف الفيال. قال دمنة: وكيف كان ىذلك ?‬ ‫قال كليلة: زعموا أنه كان نبأرض كذا تاجر، فأراد الخروج إلى نبعض‬ ‫ ٌ‬ ‫الوجوه لنبتغا؛ء الرزق؛ وكان عنده مائة من حديدا؛ فأودعها رجل ً من‬ ‫إخوانه، وىذهب في وجهه. ثم قد م نبعد ىذلك نبمدة؛ فجا؛ء والتمس‬ ‫ ٍ‬ ‫88‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫الحديد، فقال له: إنه قد أكلته الجرىذان. فقال: قد لسمعت أنه لشي؛ء‬‫أقطع من أنيانبها للحديد. ففرح الرجل نبتصديقه على ما قال وادعى. ثم‬‫إن التاجر خرج، فلقي انبنا للرجل؛ فأخذه وىذهب نبه إلى منزله؛ ثم رجع‬ ‫إليه الرجل من الغد فقال له: هل عندك علم نبانبني: فقال له التاجر:‬ ‫إني لما خرجت من عندك نبالمس، رأيت نبازيا قد اختطف صبيا، ولعله‬ ‫انبنك. فلطم الرجل على رألسه وقال: يا قو م هل لسمعتم أو رأيتم أن‬ ‫ ً‬ ‫البزاة تخطف الصبيان ? فقال: نعم. وإن أرضا تأكل جرىذانها مائة من‬‫من حديدا ليس نبعجب أن تختطف نبزاتها الفيلة. قال له الرجل: أنا أكلت‬ ‫حديدك وهذا ثمنه. فاردد على انبني. وإنما ضرنبت لك هذا المثل لتعلم‬ ‫أنك إىذا غدرت نبصاحبك فل شك أنك نبمن لسواه أغدر؛ وأنه إىذا صاحب‬ ‫أحد صاحبا وغدر نبمن لسواه فقد علم صاحبه أنه ليس عنده للمودة‬ ‫موضع: فل شي؛ء أضيع من مودة تمنح من ل وفا؛ء له، وحبا؛ء يصطنع‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٌ‬ ‫عند من ل شكر له، وأدب يحمل إلى من ل يتأدب نبه ول يسمعه، ولسر‬ ‫ ٍ‬‫يستودع من ل يحفظه؛ فإن صحبة الخيار تورث الخير، وصحبة الشرار‬ ‫تورث الشر: كالريح إىذا مرت نبالطيب حملت طيبا، وإىذا مرت نبالنتن‬ ‫حملت نتنا، وقد طال وثقل كلمي عليك.‬ ‫فانتهى كليلة من كلمه إلى هذا المكان وقد فرغ اللسد من الثور، ثم‬ ‫فكر في قتله نبعد أن قتله وىذهب عنه الغضب. وقال: لقد فجعني‬ ‫شترنبة نبنفسه؛ وقد كان ىذا عقل ورأي وخلق كريم، ول أدري لعله كان‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫نبريئا أو مكذونبا عليه؛ فحزن وند م على ما كان منه، وتبين ىذلك في‬ ‫وجهه؛ ونبصر نبه دمنة، فترك محاورة كليلة، وتقد م إلى اللسد فقال له:‬ ‫98‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫ليهنئك الظفر إىذ أهلك ا أعدا؛ءك. فماىذا يحزنك أيها الملك ? قال: أنا‬ ‫حزين ٌ على عقل شترنبة ورأيه وأدنبه ? قال له دمنة: ل ترحمه أيها‬‫الملك: فإن العاقل ل يرحم من يخافه. وإن الرجل الحاز م رنبما أنبغض‬ ‫الرجل وكرهه، ثم قرنبه وأدناه: لما يعلم عنده من الغنا؛ء والكفاية،‬ ‫فعل الرجل المتكاره على الدوا؛ء الشنيع رجا؛ء منفعته. ورنبما أحب‬ ‫الرجل، وعز عليه، فأقصاه وأهلكه، مخافة ضرره؛ كالذي تلدغه الحية‬‫في إصبعه فيقطعها، ويتبرأ منها مخافة أن يسر لسمها إلى نبدنه. فرضي‬ ‫اللسد نبقول دمنة. ثم علم نبعد ىذلك نبكذنبه وغدره وفجوره فقتله شر‬ ‫قتلة.‬ ‫ ٍ‬ ‫نباب الفحص عن أمر دمنة‬ ‫قال دنبشليم الملك لبيدنبا الفيلسوف: قد حدثتني عن الواشي الماهر‬ ‫المحتال، كيف يفسد نبالنميمة المودة الثانبتة نبين المتحانبين. فحدثني‬‫حينئذ نبما كان من حالة دمنة وما آل أمره إليه نبعد قتل شترنبة، وما كان‬ ‫ ٍ‬ ‫من معاىذيره عند اللسد وأصحانبه حين راجع اللسد رأيه في الثور،‬ ‫وتحقق النميمة من دمنة، وما كانت حجته التي احتج نبها؛ قال‬ ‫الفيلسوف: أنا وجدت في حديث دمنة أن اللسد حين قتل شترنبة ند م‬ ‫على قتله، وىذكر قديم صحبته وجسيم خدمته، وأنه كان أكر م أصحانبه‬ ‫عليه. وأخصهم منزلة لديه، وأقرنبهم وأدناهم إليه؛ وكان يواصل له‬ ‫ ً‬ ‫المشورة دون خواصه. وكان من أخص أصحانبه عنده نبعد الثور النمر.‬‫فاتفق أنه أمسى لنمر ىذات ليلة عند اللسد؛ فخرج من عنده جوف الليل‬ ‫ ٍ‬‫يردي منزله، فاجتاز على منزل كليلة ودمنة. فلما انتهى إلى الباب لسمع‬ ‫09‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫كليلة يعاتب دمنة على ما كان منه، ويلومه على النميمة والستعمالها؛‬ ‫خصوصا مع الكذب والبهتان في حق الخاصة. وعرف النمر عصيان‬ ‫دمنة وترك القبول له. فوقف يستمع ما يجري نبينهما فكان فيما قال‬‫كليلة لدمنة: لقد ارتكبت مركبا صعبا، ودخلت مدخل ً ضيقا، وجنيت على‬ ‫نفسك جناية مونبقة، وعاقبتها وخيمة؛ ولسوف يكون مصرعك شديدا،‬ ‫ ٌ‬ ‫ ً‬ ‫ ً‬‫إىذا انكشف لللسد أمرك، واطلع عليه، وعرف غدرك ومحالك ، ونبقيت ل‬ ‫ناصر لك؛ فيجتمع عليك الهوان والقتل، مخافة شرك، وحذرا من‬ ‫غوائلك؛ فلست نبمتخذك نبعد اليو م خليل، ول مفش إليك لسرا؛ لن‬ ‫ ٍ‬ ‫ ً‬ ‫العلما؛ء قد قالوا: تباعد عمن ل رغبة فيه. وأنا جدير نبمباعدتك،‬ ‫والتماس الخلص لي مما وقع في نفس اللسد من هذا المر.‬ ‫فلما لسمع النمر هذا من كلمهما قفل راجعا، فدخل على أ م اللسد؛‬ ‫فأخذ عليها العهود ومواثيق أن ل تفشي ما يسر إليها، فعاهدته على‬ ‫ىذلك فأخبرها نبما لسمع من كل م كليلة ودمنة. فلما أصبحت دخلت على‬‫اللسد، فوجدته كئيبا حزينا مهموما: لما ورد عليه من قتل شترنبة. فقالت‬ ‫له: ما هذا الهم الذي قد أخذ منك، وغلب عليك ? قال: يحزنني قتل‬ ‫شترنبة؛ إىذ تذكرت صحبته ومواظبته على خدمتي، وما كنت ألسمع من‬ ‫مناصحته. قالت أ م اللسد: إن أشد ما شهد امرؤ نبل علم ول يقين ?‬ ‫ ٌ‬ ‫ولول ما قالت العلما؛ء في إىذاعة اللسرار وما فيها من الثم والشنار ،‬‫ ٌ‬ ‫لذكرت لك ولخبرتك نبما علمت. قال اللسد: إن أقوال العلما؛ء لها وجوه‬ ‫كثيرة، ومعان مختلفة. وإني لعلم صواب ما تقولين: وإن كان عندك‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٌ‬ ‫رأي فل تطويه عني؛ وإن كان قد ألسر إليك أحد لسرا فأخبريني نبه،‬ ‫ ٌ‬ ‫19‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫وأطلعيني عليه، وعلى جملة المر. فأخبرته نبجميع ما ألقاه إليها النمر‬‫من غير أن تخبره نبالسمه. وقال: إني لم أجهل قول العلما؛ء في تعظيم‬ ‫العقونبة وتشديدها، وما يدخل على الرجل من العار في إىذاعة‬ ‫اللسرار؛ ولكني أحببت أن أخبرك نبما فيه المصلحة لك؛ وإن وصل‬ ‫خطؤه وضرره إلى العامة فإصرارهم على خيانة الملك مما ل يدفع‬ ‫الشر عنهم، ونبه يحتج السفها؛ء، ويستحسنون ما يكون من أعمالهم‬ ‫القبيحة. وأشد معارهم إقدامهم على ىذي الحز م. فلما قضت أ م اللسد‬ ‫هذا الكل م، الستدعى أصحانبه وجنده فأدخلوا عليه. ثم أمر أن يؤتى‬‫نبدمنة. فلما وقف نبين يدي اللسد، ورأى ما هو عليه من الحزن والكآنبة،‬ ‫التفت إلى نبعض الحاضرين فقال: مالذي حدث ? وما الذي أحزن‬‫الملك ? فالتفتت أ م اللسد إليه وقالت: قد أحزن الملك نبقاؤك ولو طرفة‬ ‫عين؛ ولن يدعك نبعد اليو م حيا! قال دمنة: ما ترك الول للخر شيئا:‬ ‫لنه يقال: أشد الناس في توقي الشر، يصيبه الشر قبل المستسلم له.‬‫فل يكونن الملك وخاصته وجنوده المثل السو؛ء؛ وقد علمت أنه قد قيل:‬ ‫من صحب الشرار، وهو يعلم حالهم، كان أىذاه من نفسه: ولذلك‬‫انقطعت النساك نبأنفسها عن الخلق، واختارت الوحدة على المخالطة،‬ ‫وحب العمل لله على حب الدنيا وأهلها. ومن يجزي نبالخير خيرا‬ ‫ونبالحسان إحسانا إل ا ? ومن طلب الجزا؛ء على الخير من الناس.‬ ‫وإن أحق ما رغبت فيه رعية الملك هو محالسن الخلق ومواقع‬ ‫الصواب وجميل السير؛ وقد قالت العلما؛ء: من صدق ما ينبغي أن‬ ‫يكذب، وكذب ما ينبغي أن يصدق، خرج من مصاف العقل؛ء، وكان‬ ‫29‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬‫جديرا نبالزدرا؛ء. فينبغي أل يعجل الملك في أمري نبشبهة. ولست أقول‬ ‫ ٍ‬‫هذا كراهة للموت: فإنه وإن كان كريها، ل منجى منه. وكل حي هالك.‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬ ‫ ً‬ ‫ولو كانت لي مائة نفس وأعلم أن هوى الملك في إتلفهن، لطبت له‬ ‫ ٍ‬ ‫نبذلك نفسا.‬ ‫فقال نبعض الجند: لم ينطق نبهذا لحبه نبالملك، ولكن لخلص نفسه،‬‫والتماس العذر لها. فقال لها دمنة: ويلك! وهل علي في التماس العذر‬‫لنفسي عيب ? وهل أحد أقرب إلى النسان من نفسه ? وإىذا لم يلتمس‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬ ‫لها العذر، فمن يلتمسه ? لقد ظهر منك ما لم تكن تملك كتمانه من‬ ‫ ٍ‬ ‫الحسد والبغضا؛ء؛ ولقد عرف من لسمع منك ىذلك أنك ل تحب لحد‬‫خيرا؛ وأنك عدو نفسك، فمن لسواها نبالولى. فمثلك ل يصلح أن يكون‬ ‫مع البهائم، فضل ً عن أن يكون مع الملك، وأن يكون نببانبه. فلما أجانبه‬ ‫دمنة نبذلك، خرج مكتئبا حزينا مستحيا. فقالت أ م اللسد لدمنة: لقد‬ ‫عجبن منك، أيها المحتال، في قلة حيائك، وكثرة وقاحتك، ولسرعة‬ ‫جوانبك لمن كلمك. قال دمنة: لنك تنظرين إلى نبعين واحدة،‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫وتسمعين مني نبأىذن واحدة، مع أن شقاوة جدي قد زوت عني كل‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫شي؛ء، حتى لقد لسعوا إلى الملك نبالنميمة علي، ولقد صار من نبباب‬ ‫الملك للستخفافهم نبه، وطول كرامته إياهم، وما هم فيه من العيش‬‫والنعمة، ل يدرون في أي وقت ينبغي لهم الكل م، ول متى يجب عليهم‬ ‫السكوت. قالت: أل تنظرون إلى هذا الشقي، مع عظم ىذنبه، كيف‬ ‫يجعل نفسه نبريئا كمن ل ىذنب له ? قال دمنة: إن الذين يعملون غير‬ ‫أعمالهم ليسوا على شي؛ء؛ كالذي يضع الرماد موضعا ينبغي أن يضع‬ ‫39‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬‫فيه الرمل؛ ويستعمل فيه السرجين ، والرجل الذي يلبس لباس المرأة،‬ ‫والمرأة التي تلبس لباس الرجل، والضيف الذي يقول: أنا رب البيت،‬‫والذي ينطق نبين الجماعة نبما ل يسأل عنه. وإنما الشقي من ل يعرف‬‫المور ول أحوال الناس ل يقدر على دفع الشر عن نفسه، ول يستطيع‬ ‫ىذلك. قالت أ م اللسد: أتظن أيها الغادر المحتال نبقولك هذا أنك تخدع‬ ‫الملك، ول يسجنك ? قال دمنة: الغادر الذي ل يأمن عدوه مكره، وإىذا‬ ‫الستمكن من عدوه قتله على غير ىذنب. قالت أ م اللسد: أيها الغادر‬ ‫الكذوب، أتظن أنك ناج من عاقبة كذنبك ? وأن محالك هذا ينفعك مع‬ ‫ ٍ‬ ‫عظم جرمك ? قال دمنة: الكذوب إلي يقول ما لم يكن، ويأتي نبما لم‬ ‫يقل ولم يفعل، وكلمي واضح مبين. قالت أ م اللسد: العلما؛ء منكم‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬ ‫هم الذين يوضحون أمره نبفضل الخطاب. ثم نهضت فخرجت. فدفع‬ ‫اللسد دمنة إلى القاضي، فأمر نبحبسه، فألقي في عنقه حبل، وانطلق‬ ‫ ٌ‬‫نبه إلى السجن. فلما انتصف الليل أخبر كليلة أن دمنة في الحبس. فأتاه‬‫مستخفيا؛ فلما رآه وما هو عليه من ضيق القيود، وخرج المكان، نبكى،‬ ‫وقال له: ما وصلت إلى ما وصلت إليه إل للستعمالك الخديعة والمكر،‬ ‫وإضرانبك عن العظة؛ ولكن لم يكن لدي نبد فيما مضى من إنذارك‬ ‫ ٌ‬‫ ٍ‬ ‫والنصيحة لك والمسارعة إليك في خلوص الرغبة فيك: فإنه لكل مقا م‬ ‫مقال؛ ولكل موضع مجال.‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٌ‬ ‫ولو كنت قصرت في عظتك حين كنت في عافية، لكنت اليو م شريكك‬ ‫ ٍ‬ ‫في ىذنبك؛ غير أن العجب دخل منك مدخل ً قهر رأيك، وغلب على‬ ‫عقلك؛ وكنت أضرب لك المثال كثيرا، وأىذكرك قول العلما؛ء. وقد قالت‬ ‫49‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫العلما؛ء: إن المحتال يموت قبل أجله. قال دمنة: قد عرفت صدق‬ ‫مقالتك. وقد قالت العلما؛ء: ل تجزع من العذاب إىذا وقفت منك على‬ ‫خطيئة؛ ولن تعذب في الدنيا نبجرمك، خير من أن تعذب في الخرة‬ ‫ ٌ‬ ‫نبجهنم مع الثم. قال كليلة: قد فهمت كلمك؛ ولكن ىذنبك عظيم،‬ ‫ ٌ‬‫وعقاب اللسد شديد أليم. وكان نبقرنبهما في السجن فهد معتقل يسمع‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬ ‫ ٌ‬‫كلمهما، ول يريانه؛ فعرف معاتبة كليلة لدمنة على لسو؛ء فعله، وما كان‬ ‫منه؛ وأن دمنة مقر نبسو؛ء عمله، وعظيم ىذنبه؛ فحفظ المحاورة نبينهما،‬ ‫ ٌ‬‫وكتمها ليشهد نبها إن لسئل عنها. ثم إن كليلة انصرف إلى منزله، ودخلت‬ ‫أ م اللسد حين أصبحت على اللسد؛ وقالت له: يا لسيد الوحوش،‬ ‫حوشيت أن تنسى ما قلت نبالمس؛ وأنك أمرت نبه لوقته؛ وأرضيت نبه‬ ‫رب العباد. وقد قالت العلما؛ء: ل ينبغي للنسان أن يتوانى في الجد‬ ‫للتقوى؛ نبل ل ينبغي أن يدافع عن ىذنب الثيم. فلما لسمع اللسد كل م‬ ‫أمه، أمر أن يحضر النمر، وهو صاحب القضا؛ء. فلما حضر قال له‬‫وللجواس العادل: اجلسا في موضع الحكم، وناديا في الجند صغيرهم‬ ‫.ّ‬ ‫وكبيرهم أن يحضروا وينظروا في حال دمنة، ويبحثوا في شأنه،‬ ‫ويفحصوا عن ىذنبه، ويثبتوا قوله وعذره في كتب القضا؛ء؛ وارفعا إلى‬ ‫ىذلك يوما فيوما. فلما لسمع ىذلك النمر والجواس العادل وكان هذا‬ ‫الجواس عم اللسد، قال: لسمعا وطاعة لما أمر الملك. وخرجا من‬ ‫ ً‬ ‫عنده؛ فعمل نبمقتضى ما أمرهما نبه؛ حتى إىذا مضى من اليو م الذي‬‫جلسوا فيه ثلث لساعات، أمر القاضي أن يؤتى نبدمنة؛ فأتي نبه، فأوقف‬ ‫نبين يديه، والجماعة حضور. فلما الستقرنبه المكان نادى لسيد الجمع‬ ‫59‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫نبأعلى صوته: أيها الجمع. إنكم قد علمتم أن لسيد السباع لم يزل منذ‬‫قتل شترنبة خائر النفس، كثير الهم والحزن، يرى أنه قد قتل شترنبة نبغير‬ ‫ىذنب؛ وأنه أخذه نبكذب دمنة ونميمته. وهذا القاضي قد أمر أن يجلس‬ ‫مجلس القضا؛ء، ويبحث عن شأن دمنة. فمن علم منكم شيئا في أمر‬ ‫دمنة من خير أو شر، فليقل ىذلك، وليتكلم نبه على ر؛ءوس الجمع‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫والشهاد، ليكون القضا؛ء في أمره أولى، والعجلة من الهوى، ومتانبعة‬ ‫الصحاب على الباطل ىذل. فعندها قال القاضي: أيها الجمع السمعوا‬ ‫قول لسيدكم، ول تكتموا ما عرفتم من أمره؛ واحذروا في الستر عليه‬ ‫ثلث خصال: إحداهن، وهي أفضلهن، أل تزدروا فعله، ول تعدوه‬ ‫ ٍ‬ ‫يسيرا: فمن أعظم الخطايا قتل البري؛ء الذي ل ىذنب له نبالكذب‬ ‫والنميمة؛ ومن علم من أمر هذا الكتاب الذي اتهم البري؛ء نبكذنبه‬ ‫ونميمته شيئا، فستر عليه فهو شريكه في الثم والعقونبة. والثانية إىذا‬ ‫اعترف المذنب نبذنبه، كان ألسلم له، وأحرى نبالملك وجنده أن يعفوا‬ ‫عنه ويصفحوا. والثالثة ترك مراعاة أهل الذ م والفجور، وقطع ألسباب‬ ‫مواصلتهم ومودتهم عن الخاصة والعامة؛ فمن علم من أمر هذا‬‫المحتال شيئا، فليتكلم نبه على ر؛ءوس الشهاد ممن حضر، ليكون ىذلك‬ ‫حجة عليه؛ وقد قيل: إنه من كتم شهادة ميت، ألجم نبلجا م من نار يو م‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫ ٍ‬ ‫ ً‬ ‫القيامة؛ فليقل كل واحد منكم ما علم. فلما لسمع ىذلك الجمع كلمه،‬ ‫أمسكوا عن القول. فقال دمنة: ما يسكتكم ? تكلموا نبما علمتم؛‬ ‫واعلموا أن لكل كلمة جوانبا. وقد قالت العلما؛ء: من يشهد نبما ل ي،‬ ‫69‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬‫ويقول ما ل يعلم، أصانبه ما أصاب الطبيب الذي قال لما ل يعلمه: إني‬ ‫أعلمه. قالت الجماعة: وكيف كان ىذلك ?‬‫قال دمنة: زعموا أنه كان في نبعض المدن طبيب له رفق وعلم، وكان‬ ‫ىذا فطنة فيما يجري على يديه من المعالجات، فكبر ىذلك الطبيب‬ ‫وضعف نبصره. وكان لملك تلك المدينة انبنة قد زوجها لنبن أخ له،‬‫فعرض لها ما يعرض للحوامل من الوجاع. فجي؛ء نبهذا الطبيب، فلما‬ ‫حضر، لسأل الجارية عن وجعها وما تجد، فأخبرته، فعرف دائها‬ ‫ودوا؛ءها، وقال: لو كنت أنبصر، لجمعت الخلط على معرفتي‬‫نبأجنالسها، ول أثق في ىذلك نبأحد غيري. وكان في المدينة رجل لسفيه،‬ ‫فبلغه الخبر، فأتاهم وادعى علم الطب، وأعلمهم انه خبير نبمعرفة‬ ‫أخلط الدوية والعقاقير، عارف نبطبائع الدوية المركبة والمفردة،‬ ‫فأمره الملك أن يدخل خزانة الدوية فيأخذ من أخلط الدوا؛ء حاجته،‬‫فلما دخل السفيه الخزانة، وعرضت عليه الدوية، ول يدري ما هي، ول‬ ‫له نبها معرفة، أخذ في جملة ما أخذ منها صرة فيها لسم قاتل لوقته،‬ ‫.ّ‬ ‫وخلطه في الدوية، ول علم له نبه، ول معرفة عنده نبجنسه. فما تمت‬ ‫أخلط الدوية، لسقى الجارية منه، فماتت لوقتها. فلما عرف الملك‬ ‫ىذلك، دعا نبالسفيه، فسقاه من ىذلك الدوا؛ء، فمات من لساعته. وإنما‬‫ضرنبت لكم هذا المثل لتعلموا ما يدخل على القائل والعامل من الزلة‬ ‫نبالشبه في الخروج عن الحد، فمن خرج منكم عن حده أصانبه ما‬ ‫أصاب ىذلك الجاهل، ونفسه الملومة.‬ ‫وقد قالت العلما؛ء: رنبما جزى المتكلم نبقوله. والكل م نبين أيديكم:‬ ‫79‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫فانظروا لنفسكم. فتكلم لسيد الخنازير، لدلله وتيهه نبمنزلته عند‬ ‫اللسد، فقال: يا أهل الشرف من العلما؛ء، السمعوا مقالتي، وعوا‬ ‫نبأحلمكم كلمي، فالعلما؛ء قالوا في شأن الصالحين: إنهم يعرفون‬ ‫نبسيماههم، وأنتم معاشر ىذوي القتدار، نبحسن صنع ا لكم، وتما م‬ ‫نعمته لديكم، تعرفون الصالحين نبسيماهم وصورهم، وتخبرون‬ ‫نبالشي؛ء الصغير، وهاهنا أشيا؛ء كثيرة تدل على هذا الشقي دمنة،‬‫وتخبر عن شره، فاطلبوها على ظاهر جسمه: لتستيقنوا وتسكنوا إلى‬ ‫ىذلك. قال القاضي لسيد الخنازير: قد علمت، وعلم الجماعة‬‫الحاضرون، أنك عارف نبما في الصور من علمات السو؛ء، ففسر لنا ما‬‫تقول، وأطلعنا على ما ترى في صورة هذا الشقي. فأخذ لسيد الخنازير‬ ‫يذ م دمنة، وقال: إن العلما؛ء قد كتبوا وأخبروا: أنه من كانت عينه‬ ‫اليسرى أصغر من عينه اليمنى وهي ل تزال تختلج، وكان أنفه مائل ً‬ ‫إلى جنبه اليمن، فهو شقي خبيث. قال له دمنة: شأنك عجب، أيها‬ ‫القذر، ىذو العلمات الفاضحة القبيحة، ثم العجب من جرائتك على‬ ‫طعا م الملك، وقيامك نبين يديه، مع ما نبجسمك من القذر والقبح، ومع‬ ‫ما تعرفه أنت ويعرفه غيرك من عيوب نفسك، أفتتكلم في النقي‬ ‫الجسم الذي ل عيب فيه ? ولست أنا وحدي أطلع على عيبك، لكن‬ ‫جميع من حضر قد عرف ىذلك. وقد كان يحجزني عن إظهاره ما نبيني‬ ‫ونبينك من الصداقة. فأما إىذا قد كذنبت علي ونبهتني في وجهي، وقمت‬ ‫.ّ‬ ‫نبعداوتي، فقلت ما قلت في نبغير علم على رؤوس الحاضرين، فأني‬ ‫.ّ‬ ‫أقتصر على إظهار ما أعرف من عيونبك، وتعرف الجماعة، وحق على‬ ‫89‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫من عرفك حق معرفتك أن يمنع الملك من الستعماله إياك على‬ ‫طعامه، فلو كلفت أن تعمل الزراعة لكنت جديرا نبالخذلن فيها،‬ ‫فّ‬ ‫فالحرى نبك أل فّ تدنو إلى عمل من العمال، وأل فّ تكون دنباغا ول‬‫حجاما لعامي فضل ع ً عن خاص خدمة الملك. قال لسيد الخنازير: أتقول‬ ‫ِّ‬ ‫ِّ ف ٍّ‬ ‫لي هذه المقالة، وتلقاني نبهذا الملقى? قال دمنة، نعم، وحقا قلت‬ ‫فيك، وإياك أعني، أيها العرج المكسور الفدع الرجل، المنفوخ البطن،‬ ‫ِّ ،ِ‬‫الفلح الشفتين، السيء المنظر والمخبر. فلما قال ذلك دمنة، تغير وجه‬ ‫،ِ‬‫لسيد الخنازير والستعبر والستحى، وتلجلج لسانه، والستكان وفتر نشاطه.‬ ‫فقال دمنة، حين رأى انكساره ونبكاءه: إنما ينبغي أن يطول نبكاؤك،‬ ‫إذا اطلع الملك على قذرك وعيونبك فعزلك عن طعامه، وحال نبينك‬ ‫ونبين خدمته، وأنبعدك عن حضرته. ثم إن شغبرا قد جرنبه فوجد فيه‬ ‫أمانة وصدقا، فرتبه في خدمته، وأمره أن يحفظ ما يجري نبينهم ،‬‫ويطلعه على ذلك. فقام الشغبر فدخل على اللسد فحدثه نبالحديث كله‬ ‫على جليته. فأمر اللسد نبعزل لسيد الخنازير عن عمله، وأمر أل يدخل‬‫عليه، ول يرى وجهه، وأمر نبدمنة أن يسجن، وقد مضى من النهار أكثره،‬ ‫ورجع كل واحد منهم إلى منزله.‬ ‫ثم إن شغبرا يقال له روزنبة، كان نبينه ونبين كليلة إخاء ومودة، وكان‬ ‫عند اللسد وجيها، وعليه كريما، واتفق أن كليلة أخذه الوجد إشفاقا‬ ‫وحذرا على نفسه وأخيه، فمرض ومات، فانطلق هذا الشغبر إلى‬ ‫دمنة، فأخبره نبموت كليلة فبكى وحزن، وقال: ما أصنع نبالدنيا نبعد‬‫مفارقة الخ الصفى?????! ولكن أحمد ا تعالى حيث لم يمت كليلة‬ ‫99‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫حتى أنبقى لي من ذوي قرانبتي أخا مثلك: فإني قد وثقت نبنعمة ا‬ ‫تعالى وإحسانه إلي فيما رأيت من اهتمامك نبي ومراعاتك لي، وقد‬ ‫فّ‬‫علمت أنك رجائي وركني فيما أنا فيه، فأريد من إنعامك أن تنطلق إلى‬ ‫مكان كذا، فتنظر إلى ما جمعته أنا وأخي نبحيلتنا ولسعينا ومشيئة ا‬‫تعالى، فتأتيني نبه، ففعل الشغبر ما أمره نبه دمنة. فلما وضع المال نبين‬ ‫يديه أعطاه شطره، وقال له: إنك على الدخول والخروج على اللسد‬‫أقدر من غيرك، فتفرغ لشأني، واصرف اهتمامك إلي، والسمع ما أذكر‬ ‫نبه عند اللسد، إذا رفع إليه ما يجري نبيني ونبين الخصوم، وما يبدو من‬‫أم اللسد في حقي، وما ترى من متانبعة اللسد لها، ومخالفته إياها في‬ ‫أمري، وأحفظ ذلك كله. فأخذ الشغبر ما أعطاه دمنة وانصرف عنه‬‫على هذا العهد. فانطلق إلى منزله فوضع المال فيه. ثم إن اللسد نبكر‬ ‫فّ‬ ‫من الغد فجلس، حتى إذا مضى من النهار لساعتان، الستأذن عليه‬ ‫أصحانبه فأذن لهم، فدخلوا عليه، ووضعوا الكتاب نبين يديه. فلما عرف‬‫قولهم وقول دمنة دعا أمه فقرأ عليها ذلك. فلما لسمعت ما في الكتاب‬ ‫نادت نبأعلى صوتها: إن أنا أغلظت في القول فل تلومني: فإنك لست‬ ‫تعرف ضرك من نفعك. أليس هذا مما كنت أنهاك عن لسماعه: لنه‬‫كلم هذا المجرم المسيء إلينا، الغادر نبذمتنا? ثم إنها خرجت مغضبة،‬‫وذلك نبعين الشغبر الذي أخاه دمنة ونبسمعه. فخرج في أثرها مسرعا،‬ ‫حتى أتى دمنة، فحدثه نبالحديث. فبينما هو عنده إذ جاء رلسول انطلق‬‫نبدمنة إلى الجمع عند القاضي. فلما مثل نبين يدي القاضي الستفتح لسيد‬ ‫المجلس فقال: يا دمنة قد أنبأني نبخبرك المين الصادق وليس ينبغي‬ ‫001‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬‫لنا أن نفحص عن شأنك أكثر من هذا: لن العلماء قالوا: إن ا تعالى‬ ‫جعل الدنيا لسببا ومصداقا للخرة: لنها دار الرلسل والنبياء الدالين‬ ‫على الخير الهادين إلى الجنة الداعين إلى معرفة ا تعالى. وقد ثبت‬‫شأنك عندنا وأخبرنا عنك من وثقنا نبقوله إل أن لسيدنا أمرنا نبالعودة في‬ ‫أمرك والفحص عن شأنك وإن كان عندنا ظاهرا نبينا. قال دمنة: أراك‬ ‫أيها القاضي لم تتعود العدل في القضاء وليس في عدل الملك دفع‬ ‫المظلومين ومن ل ذنب له إلى قاض غير عادل نبل المخاصمة عنهم‬ ‫والذود. فكيف ترى أن أقتل ولم أخاصم? وتعجل ذلك موافقة لهواك‬ ‫ولم تمض نبعد ذلك ثلثة أيام. ولكن صدق الذي قال: إن الذي تعود‬ ‫عمل البر هين عليه عمله وإن أضرنبه. قال القاضي: إن نجد في كتب‬ ‫الولين: أن القاضي ينبغي له أن يعرف عمل المحسن والمسيء‬‫ليجازى المحسن نبإحسانه والمسيء نبإلساءته فإذا ذهب إلى هذا ازداد‬‫المحسنون حرصا على الحسان والمسيؤون إجتنانبا للذنوب. والرأي لك‬‫يا دمنة أن تنظر الذي وقعت فيه وتعترف نبذنبك وتقر نبه وتتوب. فأجانبه‬ ‫دمنة: إن صالحي القضاة ل يقطعون نبالظن ول يعملون نبه ل في‬‫الخاصة ول في العامة: لعلمهم أن الظن ل يغني من الحق شيئا. وأنتم‬ ‫إن ظننتم أني مجرم فيما فعلت فإني أعلم نبنفسي منكم وعلمي‬‫نبنفسي يقين لشك فيه وعلمكم نبي غاية الشك وإنما قبح أمري عندكم‬ ‫أني لسعيت نبغيري فما عذري عندكم إذا لسعيت نبنفسي كاذنبا عليها‬‫فألسلمتها للقتل والعطب على معرفة مني نببراءتي ولسلمي مما قرفت‬ ‫نبه? ونفسي لعظم النفس على حرمة وأوجبها حقا. فلو فعلت هذا‬ ‫101‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫نبأقصاكم وأدناكم، لما ولسعني في ديني، ول حسن نبي في مروءتي،‬ ‫ول حق لي أن أفعله فكيف أفعله نبنفسي? فأكفف أيها القاضي عن‬ ‫هذه المقالة: فإنها إن كانت منك نصيحة فقد أخطأت موضعها وإن‬ ‫كانت خديعة فإن أقبح الخداع ما نظرته وعرفت أنه من غير أهله مع‬ ‫أن الخداع والمكر ليسا من أعمال صالحي القضاة ول تقاة الولة‬ ‫واعلم أن قولك مما يتخذه الجهال والشرار لسنة يقتدون نبها: لن أمور‬ ‫القضاة يأخذ نبصوانبها أهل الصواب ونبخطئها أهل الخطأ والباطل‬ ‫والقليلو الورع وأنا خائف عليك أيها القاضي من مقالتك هذه أعظم‬ ‫الرزايا والبليا وليس من البلء و المصيبة أنك لم تزل في نفس الملك‬‫والجند والخاصة والعامة فاضل ع ً في رأيك مقنعا في عدلك مرضيا في‬ ‫حكمك وعفافك وفضلك وإنما البلء كيف أنسيت ذلك في أمري. فلما‬ ‫لسمع القاضي ذلك من لفظ دمنة نهض فرفعه إلى اللسد على وجهه‬ ‫فنظر في اللسد ثم دعا أمه فعرضه عليها. فقالت حين تدنبرت كلم‬ ‫دمنة لللسد: لقد صار اهتمامي نبما أتخوف من احتيال دمنة لك نبمكره‬ ‫ودهائه حتى يقتلك أو يفسد عليك أمرك أعظم من اهتمامي نبما لسلف‬‫من ذنبه إليك في الغش والسعاية حتى قتلت صديقك. نبغير ذنب. فوقع‬ ‫قولها في نفسه. فقال لها: أخبريني عن الذي أخبرك عن دمنة نبما‬‫أخبرك فيكون حجة لي في قتل دمنة. فقالت: إني لكره أن أفشي لسر‬‫الستكتمنيه، فل يهنئني لسروري نبقتل دمنة إذا تذكرت أني الستظهرت عليه‬ ‫نبركوب ما نهت عنه العلماء من كشف السر ولكني أطالب الذي‬ ‫الستودعنيه أن يجعلني في حل من ذكره لك ويقوم هو نبعلمه وما‬ ‫201‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫لسمع منه. ثم انصرفت وأرلسلت إلى النمر وذكرت له ما يحق عليه من‬ ‫حسن معاونته اللسد على الحق وإخراج نفسه من الشهادة التي ل‬ ‫يكتمها مثله مع ما يحق عليه من نصر المظلومين وتثبيت حجة الحق‬ ‫في الحياة والممات: فإنه قد قالت العلماء: من كتم حجة ميت أخطأ‬‫حجته يوم القيامة. فلم تزل نبه حتى قام فدخل على اللسد فشهد عنده‬ ‫نبما لسمع من إقرار دمنة. فلما شهد النمر نبذلك أرلسل الفهد المحبوس‬ ‫الذي لسمع إقرار دمنة وحفظه إلى اللسد فقال: إن عندي شهادة.‬ ‫فأخرجوه. فشهد على دمنة نبما لسمع من إقراره. فقال لهما اللسد: ما‬ ‫منعكما أن تقوما نبشهادتكما وقد علمتما أمرنا واهتمامنا نبالفحص عن‬ ‫أمر دمنة فقال كل واحد منهما: قد علمنا أن شهادة الواحد ل توجب‬ ‫حكما فكرهنا التعرض لغير ما يمضي نبه الحكم حتى إذا شهد أحدنا‬‫قام الخر نبشهادته فقبل الشد قولهما. وأمر نبدمنة أن يقتل في حبسه:‬ ‫فقتل أشنع قتلة. فمن نظر في هذا فليعلم أن من أراد منفعة نفسه‬ ‫نبضر غيره نبالخلنبة والمكر فإنه لسيجري على خلنبته ومكره.يا في‬ ‫حكمك وعفافك وفضلك وإنما البلء كيف أنسيت ذلك في أمري. فلما‬ ‫لسمع القاضي ذلك من لفظ دمنة نهض فرفعه إلى اللسد على وجهه‬ ‫فنظر في اللسد ثم دعا أمه فعرضه عليها. فقالت حين تدنبرت كلم‬ ‫دمنة لللسد: لقد صار اهتمامي نبما أتخوف من احتيال دمنة لك نبمكره‬‫ودهائه حتى يقتلك أو يفسد عليك أمرك أعظم من اهتمامي نبما لسلف‬‫من ذنبه إليك في الغش والسعاية حتى قتلت صديقك. نبغير ذنب. فوقع‬ ‫قولها في نفسه. فقال لها: أخبريني عن الذي أخبرك عن دمنة نبما‬ ‫301‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬‫أخبرك فيكون حجة لي في قتل دمنة. فقالت: إني لكره أن أفشي لسر‬‫الستكتمنيه، فل يهنئني لسروري نبقتل دمنة إذا تذكرت أني الستظهرت عليه‬ ‫نبركوب ما نهت عنه العلماء من كشف السر ولكني أطالب الذي‬ ‫الستودعنيه أن يجعلني في حل من ذكره لك ويقوم هو نبعلمه وما‬ ‫لسمع منه. ثم انصرفت وأرلسلت إلى النمر وذكرت له ما يحق عليه من‬ ‫حسن معاونته اللسد على الحق وإخراج نفسه من الشهادة التي ل‬ ‫يكتمها مثله مع ما يحق عليه من نصر المظلومين وتثبيت حجة الحق‬ ‫في الحياة والممات: فإنه قد قالت العلماء: من كتم حجة ميت أخطأ‬‫حجته يوم القيامة. فلم تزل نبه حتى قام فدخل على اللسد فشهد عنده‬ ‫نبما لسمع من إقرار دمنة. فلما شهد النمر نبذلك أرلسل الفهد المحبوس‬ ‫الذي لسمع إقرار دمنة وحفظه إلى اللسد فقال: إن عندي شهادة.‬ ‫فأخرجوه. فشهد على دمنة نبما لسمع من إقراره. فقال لهما اللسد: ما‬ ‫منعكما أن تقوما نبشهادتكما وقد علمتما أمرنا واهتمامنا نبالفحص عن‬ ‫أمر دمنة فقال كل واحد منهما: قد علمنا أن شهادة الواحد ل توجب‬ ‫حكما فكرهنا التعرض لغير ما يمضي نبه الحكم حتى إذا شهد أحدنا‬‫قام الخر نبشهادته فقبل الشد قولهما. وأمر نبدمنة أن يقتل في حبسه:‬ ‫فقتل أشنع قتلة. فمن نظر في هذا فليعلم أن من أراد منفعة نفسه‬ ‫نبضر غيره نبالخلنبة والمكر فإنه لسيجري على خلنبته ومكره.‬ ‫نباب الحمامة المطوقة‬ ‫قال دنبشليم الملك لبيدنبا الفيلسوف: قد لسمعت مثل المتحانبين كيف‬ ‫قطع نبينهما الكذب وإلى ماذا صار عاقبة أمره من نبعد ذلك. فحدثني،‬ ‫401‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫إن رأيت؛ عن إخوان الصفاء كيف يبتدأ تواصلهم ويستمع نبعضهم‬ ‫نببعض? قال الفيلسوف: إن العاقل ل يعدل نبالخوان شيئا فالخوان‬ ‫هم العوان على الخير كله، والمؤالسون عند ما ينوب من المكروه.‬ ‫ومن أمثال ذلك مثل الحمامة المطوقة والجرذ والظبي والغراب. قال‬‫الملك: وكيف كان ذلك? قال نبيدنبا: زعموا أنه كان نبأرض لسكاوندجين،‬ ‫عند مدينة داهر، مكان كثير الصيد، ينتانبه الصيادون؛ وكان في ذلك‬ ‫المكان شجرة كثيرة الغصان ملتفة الورق فيها وكر غراب فبينما هو‬ ‫ذات يوم لساقط في وكره إذ نبصر نبصياد قبيح المنظر، لسيئ الخلق،‬ ‫على عاتقه شبكة، وفي يده عصا مقبل ع ً نحو الشجرة، فذعر منه‬ ‫الغراب؛ وقال: لقد لساق هذا الرجل إلى هذا المكان: إما حيني وإما‬ ‫حين غيري. فلثبتن مكاني حتى أنظر ماذا يصنع. ثم إن الصياد نصب‬‫شبكته، ونثر عليها الحب، وكمن قريبا منها، فلم يلبث إل قليل، حتى مرت‬ ‫نبه حمامة يقال لها المطوقة، وكانت لسيدة الحمام ومعها حمام كثير؛‬‫فعميت هي وصواحبها عن الشرك، فوقعن على الحب يلتقطنه فعلقن‬ ‫ِّ‬ ‫في الشبكة كلهن؛ وأقبل الصياد فرحا مسرورا. فجعلت كل حمامة‬ ‫تضطرب في حبائلها وتلتمس الخلص لنفسها. قالت المطوقة: ل‬ ‫تخاذلنا في المعالجة ول تكن نفس إحداكن أهم إليها م نفس‬ ‫صاحبتها؛ ولكن نتعاون جميعا فنقلع الشبكة فينجو نبعضنا نببعض؛‬‫فقلعن الشبكة جميعهن نبتعاونهن، وعلون في الجو؛ ولم يقطع الصياد‬ ‫رجاءه منهن وظن أنهن ل يجاوزن إل قريبا ويقعن. فقال الغراب:‬‫لتبعهن وأنظرو ما يكون منهن. فالتفتت المطوقة فرأت الصياد يتبعهن.‬ ‫501‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫فقالت للحمام: هذا الصياد مجد في طلبكن، فإن نحن أخذنا في‬ ‫الفضاء لم يخف عليه أمرنا ولم يزل يتبعنا وإن نحن توجهنا إلى‬ ‫العمران خفي عليه أمرنا، وانصرف. ونبمكان كذا جرذ هو لي أخ؛ فلو‬ ‫ ٌ‬ ‫انتهينا إليه قطع عنا هذا الشرك. ففعلن ذلك. وأيس الصياد منهن‬ ‫وانصرف. وتبعهن الغراب. فلما انتهت الحمامة المطوقة إلى الجرذ،‬ ‫أمرت الحمام أن يسقطن، فوقعن؛ وكان للجرذ مائة حجر للمخاوف‬ ‫فنادته المطوقة نبالسمه، وكان السمه زيرك، فأجانبها الجرذ من حجره:‬ ‫من أنت? قالت: أنا خليلتك المطوقة. فأقبل إليها الجرذ يسعى، فقال‬‫لها: ما أوقعك في هذه الورطة? قالت له: ألم تعلم أنه ليس من الخير‬‫والشر شيء إل هو مقدر على من تصيبه المقادير، وهي التي أوقعتني‬ ‫ ٌ‬ ‫في هذه الورطة؛ فقد ل يمتنع من القدر من هو أقوى مني وأعظم‬ ‫أمرا؛ وقد تنكسف الشمس والقمر إذا قضي ذلك عليهما. ثم إن الجرذ‬ ‫أخذ في قرض العقد الذي فيه المطوقة. فقالت له المطوقة: انبدأ‬‫نبقطع عقد لسائر الحمام، ونبع ذلك أقبل على عقدي؛ وأعادت ذلك عليه‬ ‫مرارا، وهو ل يلتفت إلى قولها، فلما أكثرت عليه القول وكررت، قال‬ ‫لها: لقد كررت القول علي كأنك ليس لك في نفسك حاجة، ول لك‬ ‫فّ‬ ‫عليها شفقة، ول ترعين لها حقا. قالت: إني أخاف، إن أنت نبدأت نبقطع‬ ‫عقدي أن تمل وتكسل عن قطع ما نبقي؛ وعرفت أنك إن نبدأت نبهن‬ ‫قبلي، وكنت أنا الخيرة لم ترض وإن أدركك الفتور أن أنبقى في‬ ‫ َ‬‫الشرك قال الجرذ: هذا مما يزيد الرغبة والمودة فيك. ثم إن الجرذ أخذ‬ ‫في قرض الشبكة حتى فرغ منها، فانطلقت المطوقة وحمامها معها.‬ ‫601‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬‫فلما رأى الغراب صنع الجرذ، رغب في مصادقته، فجاء وناداه نبالسمه،‬ ‫فأخرج الجرذ رألسه، فقال له: ما حاجتك? قال: إني أريد مصادقتك.‬‫قال الجرذ: ليس نبيني ونبينك تواصل، وإنما العاقل ينبغي له أن يلتمس‬ ‫ما يجد إليه لسبيل، ويترك التماس ما ليس إليه لسبيل، فإنما أنت الكل،‬ ‫ ٌ‬ ‫ع ً‬‫وأنا طعام لك. قال الغراب: إن أكلي إياك، وإن كنت لي طعاما، مما ل‬ ‫يغني عني شيئا؛ وإن مودتك آنس لي مما ذكرت ولست نبحقيق، إذا‬ ‫جئت أطلب مودتك، أن تردني خائبا. فإنه قد ظهر لي منك من حسن‬ ‫الخلق ما رغبني فيك، وإن لم تكن تلتمس إظهار ذلك: فإن العاقل ل‬‫يخفي فضله، وإن هو أخفاه؛ كالمسك الذي يكتم ثم ل يمنعه ذلك من‬ ‫النشر الطيب والرج الفائح. قال الجرذ. إن أشد العداوة عداوة‬ ‫الجوهر: وهي عداوتان: منها ما هو متكافئ كعداوة الفيل واللسد.‬ ‫فإنه رنبما قتل اللسد الفيل أو الفيل اللسد، ومنها ما قوته من أحد‬ ‫َّ‬ ‫الجانبين على الخر كعداوة ما نبيني ونبين السنور ونبيني ونبينك: فإن‬‫العداوة التي نبيننا ليست تضرك، وإنما ضررها عائد علي: فإن الماء لو‬ ‫َّ‬ ‫أطيل إلسخانه لم يمنعه ذلك من إطفائه النار إذا صب عليها، وإنما‬ ‫مصاحب العدو ومصالحه كصاحب الحية يحملها في كمه، والعاقل ل‬ ‫فّ‬ ‫يستأنس إلى العدو الريب.‬ ‫قال الغراب: قد فهمت ما تقول، وأنت خليق أن تأخذ نبفضل خليقتك،‬‫وتعرف صدق مقالتي ول تصعب علي المر نبقولك: ليس إلى التواصل‬ ‫فّ‬‫نبيننا لسبيل: فإن العقلء الكرام ل يبتغون على معروف جزاء، والمودة‬ ‫نبين الصالحين لسريع اتصالها نبطيء انقطاعها. ومثل ذلك مثل الكوز‬ ‫ ٌ‬ ‫701‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫من الذهب: نبطيء النكسار، لسريع العادة، هين الصل،ح، إن أصانبه‬ ‫فّ‬ ‫ثلم أو كسر، والمودة نبين الشرار لسريع انقطاعها، نبطيء اتصالها.‬ ‫ ٌ‬ ‫ومثل ذلك مثل الكوز من الفخار لسريع النكسار ينكسر من أدنى عيب‬‫ول وصل له أنبدا. والكريم يود الكريم واللئيم ل يود أحدا إل عن رغبة أو‬ ‫فّ‬ ‫فّ‬ ‫رهبة. وأنا إلى ودك ومعروفك محتاج: لنك كريم وأنا ملزم لبانبك غير‬ ‫فّ‬‫ذائق طعاما حتى تؤاخيني. قال الجرذ: قد قبلت إخاءك: فإني لم أردد‬ ‫أحدا عن حاجة قط، وإنما نبدأت نبما نبدأتك نبه إرادة التوثق لنفسي فإن‬ ‫ُّ‬ ‫أنت غدرت نبي لم تقل: إني وجدت الجرذ لسريع النخداع. ثم خرج من‬ ‫حجره، فوقف عند الباب. فقال له الغراب: ما يمنعك من الخروج إلي،‬ ‫فّ‬ ‫واللستئناس نبي? فهل في نفسك نبعد ذلك مني ريبة? قال الجرذ: إن‬ ‫أهل الدنيا يتعاطون فيما نبينهم أمرين ويتواصلون عليهما وهما ذات‬ ‫النفس، وذات اليد. فالمتباذلون ذات النفس هم الصفياء، وأما‬ ‫المتباذلون ذات اليد فهم المتعاونون الذين يلتمس نبعضهم النتفاع‬ ‫نببعض. ومن كان يصنع المعروف لبعض منافع الدنيا فإنما مثله فيما‬ ‫يبذل ويعطى كمثل الصياد وإلقائه الحب للطير، ل يريد نبذلك نفع الطير‬ ‫وإنما يريد نفع نفسه. فتعاطى ذات النفس أفضل من تعاطي ذات‬‫اليد. وإني وثقت منك نبذات نفسك، ومنحتك من نفسي مثل ذلك. وليس‬‫يمنعني من الخروج إليك لسوء ظن نبك، ولكن قد عرفت أن لك أصحانبا‬ ‫ف ٍّ‬ ‫جوهرهم كجوهرك، وليس رأيهم في رأيك.‬ ‫َّ‬ ‫قال الغراب: إن من علمة الصديق أن يكون لصديق صديقه صديقا،‬ ‫ولعدو صديقه عدوا؛ وليس لي نبصاحب ول صديق من ل يكون لك‬ ‫801‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫محبا؛ وإنه يهون عن قطيعة من كان كذلك من جوهري. ثم إن الجرذ‬ ‫خرج إلى الغراب فتصافحا وتصافيا، وأنس كل واحد منهما نبصاحبه؛‬ ‫حتى إذا مضت لهما أيام قال الغراب للجرذ: إن جحرك قريب من‬ ‫طريق الناس، وأخاف أن يرميك نبعض الصبيان نبحجر؛ ولي مكان في‬ ‫؛ٍ‬ ‫عزلة، ولي فيه صديق من السلحف وهو مخصب من السمك ونحن‬ ‫ ٌ‬ ‫واجدون هناك ما نأكل فأريد أن أنطلق نبك إلى هناك لنعيش آمنين.‬ ‫قال الجرذ: إن لي أخبار وقصصا لسأقصها عليك إذا انتهينا حيث تريد‬ ‫فافعل ما تشاء. فأخذ الغراب نبذنب الجرذ وطار نبه حتى نبلغ نبه حيث‬ ‫أراد. فلما دنى من العين التي فيها السلحفاة نبصرت السلحفاة نبغراب‬ ‫ومعه جرذ فذعرت منه ولم تعلم أنه صاحبها، فناداه فخرجت إليه‬ ‫ولسألته من أين أقبلت? فأخبرها نبقصته حين تبع الحمام وما كان من‬ ‫أمره وأمر الجرذ حتى انتهى إليها. فلما لسمعت السلحفاة شأن الجرذ‬ ‫عجبت من عقله ووفاءه ورحبت نبه وقالت له: ما لساقك إلى هذه‬ ‫الرض? قال الغراب للجرذ: اقصص علي الخبار التي زعمت أنك‬ ‫فّ‬ ‫تحدثني نبها فأخبرني نبها مع جواب ما لسألت السلحفاة: فإنها عندك‬ ‫نبمنزلتي، فبدأ الجرذ وقال: كان منزلي أول أمري نبمدينة ماروت في‬‫نبيت رجل نالسك وكان خاليا من الهل والعيال، وكان يؤتى في كل يوم‬ ‫نبسلة من الطعام فيأكل منها حاجته ويعلق الباقي، وكنت أرصد‬ ‫النالسك، حتى يخرج وأثب إلى السلة، فل أدع فيها طعاما إل أكلته،‬ ‫وأرمي نبه إلى الجرذان. فجهد النالسك مرارا أن يعلق السلة مكانا ل‬ ‫أناله فلم يقدر على ذلك، حتى نزل نبه ذات ليلة ضيف فأكل جميعا، ثم‬ ‫901‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬‫أخذا في الحديث فقال النالسك للضيف: من أي أرض أقبلت? وأين تريد‬ ‫الن? وكان الرجل قد جاب الفاق ورأى عجائب فأنشأ يحدث النالسك‬ ‫عما وطئ من البلد، ورأى من العجائب، وجعل النالسك خلل ذلك‬ ‫فّ‬‫يصفق نبيديه لينفرني عن السلة، فغضب الضيف وقال: أنا أحدثك وأنت‬ ‫فّ‬ ‫تهزأ نبحديثي! فما حملك على أن لسألتني? فاعتذر إليه النالسك، وقال:‬‫إنما أصفق نبيدي لنفر جرذا قد تحيرت في أمره، ولست أضع في البيت‬ ‫فّ‬ ‫شيئا إل أكله، فقال الضيف: جرذ واحد يفعل ذلك أم جرذان كثيرة?‬ ‫ ٌ‬ ‫فقال النالسك: فما ألستطيع له حيلة. قال الضيف: لقد ذكرتني قول‬ ‫الذي قال: لمر ما نباعت هذه المرأة لسمسما مقشورا نبغير مقشور!‬ ‫قال النالسك: وكيف كان ذلك?‬ ‫قال الضيف: نزلت مرة على رجل نبمكان كذا، فتعشينا، ثم فرش لي.‬ ‫وانقلب الرجل على فراشه، فسمعته يقول في آخر الليل لمرأته: إني‬ ‫أريد أن أدعو غدا رهطا ليأكلوا عندنا، فاصنعي لهم طعاما. فقالت‬ ‫المرأة: كيف تدعو الناس إلى طعامك، وليس في نبيتك فضل عن‬‫عيالك? وأنت رجل ل تبقي شيئا ول تدخره. قال الرجل: ل تندمي على‬‫شيء؛ٍ أطعمناه وأنفقناه: فإن الجمع والدخار رنبما كانت عاقبته كعاقبة‬ ‫الذئب. قالت المرأة وكيف كان ذلك? قال الرجل: زعموا أنه خرج ذات‬ ‫يوم رجل قانص، ومعه قوصه ونشانبه فلم يجاوز غير نبعيد، حتى رمى‬ ‫ ٌ‬ ‫؛ٍ‬ ‫ظبيا، فحمله ورجع طالبا منزله، فاعترضه خنزير نبري فرماه نبنشانبة‬ ‫ٌّ‬‫نفذت فيه، فأدركه الخنزير وضرنبه نبأنيانبه ضرنبة أطارت من يده القوس،‬ ‫ووقعا ميتين، فأتى عليهم ذئب فقال: هذا الرجل والظبي والخنزير‬ ‫011‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫يكفيني أكلهم مدة، ولكن أنبدأ نبهذا الوتر فآكله، فيكون قوت يومي،‬ ‫ع ً‬‫فعالج الوتر حتى قطعه فلما انقطع طارت لسية القوس فضرنبت حلقه‬ ‫فمات. وإنما ضرنبت لك هذا المثل لتعلمي أن الجمع والدخار وخيم‬ ‫العاقبة. فقالت المرأة: نعم ما قلت! وعندنا من الرز والسمسم ما‬ ‫يكفي لستة نفر أو لسبعة، فأنا غادية على اصطناع الطعام، فادع من‬ ‫ ٌ‬ ‫أحببت. وأخذت المرأة حين أصبحت لسمسما فقشرته، ونبسطته في‬ ‫الشمس ليجف، وقالت لغلم لهم: اطرد عنه الطير والكلب وتفرغت‬ ‫ِّ‬ ‫المرأة لصنعها؛ وتغافل الغلم عن السمسم؛ فجاء كلب، فعاث فيه؛‬ ‫ ٌ‬ ‫فالستقذرته المرأة، وكرهت أن تصنع منه طعاما ما؛ فذهبت نبه إلى‬‫ ٌ‬ ‫السوق، فأخذت نبه مقايضة لسمسما غير مقشور: مثل ع ً نبمثل، وأنا واقف‬ ‫؛ٍ‬ ‫في السوق؛ فقال رجل: لمر ما نباعت هذه المرأة لسمسما مقشورا‬ ‫؛ٍ‬ ‫ ٌ‬‫؛ٍ‬ ‫نبغير مقشور. وكذلك قولي في هذا الجرذ الذي ذكرت أنه على غير علة‬ ‫؛ٍ‬ ‫ما يقدر على ما شكوت منه. فالتمس لي فألسا لعلي أحتقره جحره‬ ‫فأطلع على نبعض شأنه. فالستعار النالسك من نبعض جيرانه فألسا،‬ ‫فأتى نبها الضيف، وأنا حينئذ في غير جحري ألسمع كلمهما، وفي‬ ‫؛ٍ‬ ‫جحري كيس فيه مائة دينار، ل أدري من وضعها، فاحتفر الضيف حتى‬‫انتهى إلى الدنانير فأخذها وقال النالسك: ما كان هذا الجرذ يقوى على‬ ‫الوثوب حيث كان يثب إل نبهذه الدنانير: فإن المال جعل له قوة وزيادة‬‫في الرأي والتمكن. ولسترى نبعد هذا أنه ل يقدر على الوثوب حيث كان‬ ‫يثب. فلما كان من الغد اجتمع الجرذان التي كانت معي فقالت: قد‬ ‫أصانبنا الجوع، وأنت رجائنا فانطلقت ومعي الجرذان إلى المكان الذي‬ ‫111‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫كنت أثب منه إلى السلة فحاولت ذلك مرارا: فلم أقدر عليه فالستبان‬‫للجرذان نقص حالي فسمعتهن يقلن: انصرفن عنه، ول تطمعن فيما‬ ‫عنده: فإنا نرى له حال ع ً ل نحسبه إل قد احتاج معها إلى من يعوله.‬ ‫فتركني، ولحقن نبأعدائي وجفونني، وأخذن في غيبتي عند من‬ ‫يعاديني ويحسدني. فقلت في نفسي: ما الخوان ول العوان ول‬ ‫الصدقاء إل نبالمال ووجدت من ل مال له، إذا أراد أمرا قعد نبه العدم‬ ‫عما يريده: كالماء الذي يبقى في الودية من مطر الشتاء: ل يمر إلى‬ ‫فّ‬ ‫نهر ول يجري إلى مكان، فتشرنبه أرضه. ووجدت من ل إخوان له ل‬‫أهل له، ومن ل ولد له ل ذكر له: ومن ل مال له ل عقل له، ول دنيا ول‬ ‫آخرة له: لن الرجل إذا افتقر قطعه أقارنبه وإخوانه: فإن الشجرة‬‫النانبتة في السباخ، المأكولة من كل جانب، كحال الفقير المحتاج إلى ما‬ ‫في أيدي الناس.‬ ‫ووجدت الفقر رأس كل نبلء، وجالبا إلى صاحبه كل مقت، ومعدن‬ ‫النميمة. ووجدت الرجل إذا افتقر اتهمه من كان له مؤتمنا، وألساء نبه‬‫الظن من كان يظن فيه حسنا: فإن أذنب غيره كان هو للتهمة موضعا.‬ ‫وليس من خلة هي للغني مد،ح إل وهي للفقير ذم، فإن كان شجاعا‬ ‫ ٌ‬‫قيل: أهوج، وإن كان جوادا لسمي مبذرا، وإن كان حليما لسمي ضعيفا،‬ ‫فّ‬ ‫وإن كان وقورا لسمي نبليدا. فالموت أهون من الحاجة التي تحوج‬‫صاحبها إلى المسألة، ول لسيما مسألة الشحاء واللئام: فإن الكريم لو‬ ‫كلف أن يدخل يده في فم الفعى، فيخرج منه لسما فيبتلعه كان ذلك‬ ‫أهون عليه وأحب إليه من مسألة البخيل اللئم. وقد كنت رأيت الضيف‬ ‫فّ‬ ‫211‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫حين أخذ الدنانير فقالسمها الناس، فجعل النالسك نصيبه في خريطة‬ ‫عند رألسه ولما جن الليل، فطمعت أن أصيب منها شيئا فأرده إلى‬ ‫فّ‬ ‫جحري، ورجوت أن يزيد ذلك في قوتي، ويراجعني نبسببه نبعض‬ ‫أصدقائي. فانطلقت إلى النالسك وهو نائم، حتى انتهيت عند رألسه،‬ ‫ووجدت الضيف يقظان، ونبيده قضيب، فضرنبني على رألسي ضرنبة‬ ‫موجعة، فسعيت إلى جحري. فلما لسكن عني اللم، هيجني الحرص‬ ‫والشره، فخرجت طمعا كطمعي الول، وإذا الضيف يرصدني،‬ ‫فضرنبني ضرنبة ألسالت مني الدم، فتقلبت ظهرا لبطن إلى جحري،‬ ‫فخررت مغشيا علي، فأصانبني من الوجع ما نبغض إلى المال رعدة‬ ‫فّ‬ ‫وهيبة. ثم تذكرت فوجدت البلء في الدنيا إنما يسوقه الحرص‬‫والشره، ول يزال صاحب الدنيا في نبلية وتعب ونصب، ووجدت تجشم‬‫َّ ِّ‬ ‫اللسفار البعيدة في طلب الدنيا أهون علي من نبسط اليد إلى السخى‬ ‫فّ‬ ‫نبالمال، ولم أر كالرضا شيئا، فصار أمري إلى أن رضيت وقنعت،‬ ‫وانتقلت من نبيت النالسك إلى البرية، وكان لي صديق من الحمام،‬ ‫فسيقت إلي نبصداقته صداقة. ثم ذكر لي الغراب ما نبينك ونبينه من‬ ‫المودة، وأخبرني أنه يريد إتيانك، فأحببت أن آتيك معه، فكرهت‬ ‫الوحدة، فإنه ل شيء من لسرور الدنيا يعدل صحبة الخوان، ول غم‬‫فيها يعدل البعد عنهم. وجرنبت: فعلمت أنه ل ينبغي للعاقل أن يلتمس‬‫من الدنيا غير الكفاف الذي يدفع نبه الذى عن نفسه: وهو اليسير من‬ ‫المطعم والمشرب، إذا اشتمل على صحة البدن ورفاهة البال.‬ ‫311‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫ولو أن رجل ع ً وهبت له الدنيا نبما فيهان لم يك ينتفع من ذلك إل نبالقليل‬ ‫الذي يدفع نبه عن نفسه الحاجة: فأقبلت مع الغراب إليك على هذا‬ ‫الرأي، وأنا لك أخ، فلتكن منزلتي عندك كذلك. فلما فرغ الجرذ من‬ ‫كلمه أجانبته السلحفاة نبكلم رقيق عذب، وقالت: قد لسمعت كلمك،‬ ‫؛ٍ‬ ‫؛ٍ‬ ‫؛ٍ‬‫وما أحسن ما تحدثت نبه! إل أني رأيتك تذكر نبقايا أمور هي في نفسك.‬ ‫؛ٍ‬‫واعلم أن حسن الكلم ل يتم إل نبحسن العمل، وأن المريض الذي قد‬ ‫علم دواء مرضه إن يتداو نبه، لم يغن نبه شيئا، ولم يجد لدائه راحة ول‬‫خفة. فالستعمل رأيك، ول تحزن لقلة المال: فإن الرجل ذا المروءة قد‬ ‫ع ً‬ ‫يكرم على غير مال: كاللسد الذي يهاب، وإن كان رانبضا، والغني الذي‬ ‫ل مروءة له يهان وإن كان كثير المال: كالكلب ل يحفل نبه، وإن طوق‬ ‫وخلخل نبالذهب. فل تكبرن عليك غرنبتك: فإن العاقل ل غرنبة له:‬ ‫فّ‬ ‫كاللسد الذي ل ينقلب إل ومعه قوته. فلتحسن تعاهدك لنفسك: فإنك‬‫ُ َ‬ ‫إذا فعلت ذلك جاءك الخير يطلبك كما يطلب الماء انحداره. وإنما جعل‬ ‫الفضل للحازم البصير نبالمور، وأما الكسلن المتردد فإن الفضل ل‬ ‫يصحبه. وقد قيل في أشياء ليس لها ثبات ول نبقاء: ظل الغمامة في‬ ‫ ٌ‬‫الصيف، وخلة الشرار، والبناء على غير ألساس، والمال الكثير: فالعاقل‬ ‫ل يحزن لقلته، وإنما مال العاقل عقله، وما قدم من صالح، فهو واثق‬ ‫فّ‬ ‫نبأنه ل يسلب ما عمل ول يوآخذ نبشيء لم يعمله، وهو خليق أل يغفل‬ ‫؛ٍ‬ ‫عن أمر أخرته: فإن الموت ل يأتي إل نبغتة، ليس له وقت معين. وأنت‬ ‫ع ً‬ ‫عن موعظتي غني نبما عندك من العلم. ولكن رأيت أن أقضي مالك‬ ‫من حق قبلنا: لنك أخونا وما عندنا من النصح مبذول لك. فلما لسمع‬ ‫411‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫الغراب كلم السلحفاة للجرذ وردها عليه وملطفتها إياه فر،ح نبذلك‬ ‫وقال: لقد لسررتني وأنعمت علي، وأنت جديرة أن تسري نفسك نبمثل‬ ‫فّ‬ ‫فّ‬ ‫ما لسررتني نبه. وإن أولى أهل الدنيا نبشدة السرور من ل يزال عنده‬ ‫فّ‬ ‫منهم جماعة يسرهم ويسرونه، ويكون من وراء أمورهم وحاجاتهم‬ ‫نبالمرصاد: فإن الكريم إذا عثر ل يأخذ نبيده إل الكرام: كالفيل إذا وحل‬ ‫ل تخرجه إل الفيلة. فبينما الغراب في كلمه، إذ أقبل نحوهم ظبي‬ ‫يسعى، فذعرت منه السلحفاة، فغاصت في الماء، وخرج الجرذ إلى‬ ‫جحره، وطار الغراب فوقع على شجرة.‬‫ثم إن الغراب حلق في السماء لينظر هل للظبي طالب? فنظر فلم ير‬ ‫فّ‬ ‫شيئا؛ فنادى الجرذ والسلحفاة، وخرجا، فقالت السلحفاة للظبي، حين‬‫رأته ينظر إلى الماء: اشرب إن كان نبك عطش، ول تخف: فإنه ل خوف‬ ‫عليك. فدنا الظبي فرحبت نبه السلحفاة وحيته وقالت له: من أين‬ ‫فّ‬‫أقبلت? قال: كنت ألسنح نبهذه الصحارى فلم تزل اللساورة تطردني من‬ ‫مكان إلى مكان حتى رأيت اليوم شبحا. فخفت أن يكون قانصا قالت:‬ ‫ل تخف: فإنا لم نرى هاهنا قانصا قط، ونحن نبذل لك ودنا ومكاننا‬ ‫فّ‬‫والماء والمرعى كثيران عندنا فارغب في صحبتنا. فأقام الظبي معهم‬ ‫وكان لهم عريش يجتمعون فيه ويتذاكرون الحاديث والخبار. فبينما‬‫الغراب والجرذ والسلحفاة ذات يوم في العريش غاب الظبي فتوقعوه‬ ‫لساعة فلم يأت. فلما أنبطأ أشفقوا أن يكون قد أصانبه عنت، فقال‬ ‫ ٌ‬‫الجرذ والسلحفاة للغراب: انظر هل ترى مما يلينا شيئا? فحلق الغراب‬ ‫في السماء فنظر: فإذا الظبي في الحبائل مقتنصا فانقض مسرعا‬ ‫511‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬‫فأخبرهما نبذلك فقالت السلحفاة والغراب للجرذ: هذا أمر ل يرجى فيه‬‫غيرك، فأغث أخاك، فسعى الجرذ مسرعا، فأتى الظبي، فقال له: كيف‬ ‫وقعت في هذه الورطة وأنت من الكياس? قال الظبي: هل يغني‬ ‫الكيس مع المقادير شيئا، فبينما هما في الحديث إذ وافتهما السلحفاة‬‫فقال لها الظبي. ما أصبت نبمجيئك إلينا: فإن القانص لو انتهى إلينا وقد‬ ‫قطع الجرذ الحبائل الستبقه عدوا، وللجرذ أحجار كثيرة، والغراب يطير‬ ‫ ٌ‬ ‫وأنت ثقيلة: ل لسعى لك ول حركة وأخاف عليك القانص. فقالت: ل‬ ‫عيش مع فراق الحبة وإذا فارق الليف أليفه فقد لسلب فؤاده، وحرم‬‫لسروره، وغشى نبصره، فلم ينتهي كلمهما حتى وافى القانص، ووافق‬ ‫ذلك فراغ الجرذ من قطع الشرك، فنجا الظبي نبنفسه، وطار الغراب‬‫محلقا ودخل الجرذ نبعض الحجار ولم يبق غير السلحفاة، ودنا الصياد‬‫فوجد حبالته مقطعة، فنظر يمينا وشمال ع ً فلم يجد غير السلحفاة تدب،‬ ‫فّ‬‫فأخذها ورنبطها، فلم يلبث الغراب والجرذ والظبي أن اجتمعوا فنظروا‬ ‫القانص قد رنبط السلحفاة فاشتد حزنهم، وقال الجرذ: ما أرانا نجاوز‬ ‫عقبة من البلء إل صرنا في أشد منها. ولقد صدق الذي قال: ل يزال‬‫النسان مستمرا في إقباله ما لم يعثر، فإذا عثر لج نبه العثار وإن مشى‬ ‫َّ‬ ‫في جدد الرض. وحذري على السلحفاة خير الصدقاء التي خلتها‬ ‫ليست للمجازاة ول للتماس مكافأة، ولكنها خلة الكرم والشرف، خلة‬ ‫هي أفضل من خلة الوالد لولده، خلة ل يزيلها إل الموت. ويح لهذا‬ ‫ ٌ‬ ‫الجسد الموكل نبه البلء الذي ل يزال في تصرف وتقلب، ول يدوم له‬ ‫شيء، ول يلبث معه أمر: كما ل يدوم للطالع من النجوم طلوع، ول‬ ‫611‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫للفل منها أفول، لكن ل يزال للطالع منها آفل، والفل طالعا، وكما‬ ‫ع ً‬ ‫ ٌ‬ ‫تكون آلم الكلوم وانتقاض الجراحات، كذلك من قرحت كلومه نبفقد‬ ‫إخوانه نبعد اجتماعه نبهم.‬‫فقال الظبي والغراب للجرذ: إن حذرنا وحذرك وكلمك، وإن كان نبليغا،‬ ‫فّ‬ ‫كل منها ل يغني عن السلحفاة شيئا، وإنه كما يقال: إنما يختر الناس‬ ‫ ٌ‬ ‫عند البلء، وذو المانة عند الخذ والعطاء، والهل والولد عند الفاقة،‬‫كذلك يختبر الخوان عند النوائب. قال الجرذ: أرى من الحيلة أن تذهب‬ ‫أيها الظبي فتقع نبمنظر من القانص: كأنك جريح، ويقع الغراب عليك‬ ‫كأنه يأكل منك، وألسعى أنا فأكون قريبا من القانص، مراقبا له، فعله‬ ‫فّ‬ ‫أن يرمي ما معه من اللة، ويضع السلحفاة، ويقصدك طامعا فيك،‬ ‫راجيا تحصيلك. فإذا دنا منك ففر عنه رويدا: نبحيث ل ينقطع طمعه‬ ‫منك، ومكنه من أخذك مرة نبعد مرة، حتى يبعد عنا، وانح منه هذا‬ ‫حْ ُ‬ ‫النحو ما الستطعت: فإني أرجو أل ينصرف إل وقد قطعت الحبائل عن‬ ‫السلحفاة، وأنجو نبها. ففعل الغراب والظبي ما أمرهما نبه الجرذ،‬ ‫وتبعهما القانص، فالستجره الظبي، حتى أنبعده عن الجرذ والسلحفاة،‬ ‫والجرذ مقبل على قطع الحبائل، حتى قطعها، ونجا نبالسلحفاة، وعاد‬ ‫ ٌ‬‫القانص مجهودا لغبا فوجد حبالته مقطعة. ففكر في أمره مع الظبي‬ ‫ُ‬ ‫المتظالع، فظن أنه خولط في عقله وفكر في أمر الظبي والغراب‬ ‫الذي كأنه يأكل منه وقرض حبالته فالستوحش من الرض وقال: هذه‬‫أرض جن أو لسحرة. فرجع موليا ل يلتكس شيئا ول يلتفت إليه. واجتمع‬ ‫ف ٍّ‬ ‫الغراب والظبي والجرذ والسلحفاة إلى عريشهم لسالمين آمنيين‬ ‫711‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬‫كأحسن ما كانوا عليه. فإذا كان هذا الخلق مع صغره وضعفه قد قدر‬ ‫على التخلص م مرانبط الهلكة مرة نبعد أخرى نبمودته وخلوصها وثبات‬ ‫قلبه عليها والستمتاعه مع أصحانبه نبعضهم نببعض فالنسان الذي قد‬‫أعطي العقل والفهم. وألهم الخير ول شر ومنح التميز والمعرفة، أولى‬ ‫وأحرى نبالتواصل والتعاضد. فهذا مثل إخوان الصفاء وأتلفهم في‬ ‫الصحبة.‬ ‫نباب البوم والغرنبان‬ ‫قال دنبشليم الملك لبيدنبا الفيلسوف: قد لسمعت مثل إخوان الصفاء‬‫وتعاونهم، فاضرب لي مثل العدو الذي ل ينبغي أن يغتر نبه، وإن أظهر‬ ‫فّ‬ ‫تضرعا وملقا، قال الفيلسوف: من اغتر نبالعدو الذي لم يزل عدوا،‬ ‫أصانبه ما أصاب البوم من الغرنبان. قال الملك وكيف كان ذلك?‬‫قال نبيدنبا: زعموا أنه كان في جبل في الجبال شجرة من شجر الدو،ح،‬‫فيها وكر ألف غراب، وعليهن وال من أنفسهن، وكان عند هذه الشجرة‬ ‫؛ٍ‬‫كهف فيه ألف نبوم، وعليهن وال منهن. فخرج ملك البوم لبعض غدواته‬ ‫؛ٍ‬ ‫وروحاته، وفي نفسه العداوة لملك الغرنبان، وفي نفس الغرنبان‬‫وملكها مثل ذلك للبوم، فأغار ملك البوم في أصحانبه على الغرنبان في‬ ‫أوكارها، فقتل ولسبى منها خلقا كثيرا، وكانت الغارة ليل، فلما أصبحت‬ ‫ع ً‬ ‫ُ‬ ‫الغرنبان اجتمعت إلى ملكها فقلن له: قد علمت ما لقينا الليلة من ملك‬ ‫البوم، وما منا لل أصبح قتيل ع ً أو جريحا أو مكسور الجنا،ح أو منتوف‬ ‫فّ‬ ‫الريش أو مقطوف الذنب وأشد مما أصانبنا ضرا علينا جراءتهن علينا،‬‫وعلمهن نبمكاننا، وهن عائدات إلينا غير منقطعات عنا: لعلمهن نبمكاننا:‬ ‫فّ‬ ‫فّ‬ ‫فّ‬ ‫811‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫فإنما نحن لك، ولك الرأي، أيها الملك، فانظر لنا ولنفسك، وكان في‬ ‫الغرنبان خمسة معترف لهن نبحسن الرأي، يسند إليهن في المور،‬ ‫فّ‬‫ويلقى عليهن أزمة الحوال. وكان الملك كثيرا ما يشاورهن في المور،‬‫ويأخذ آراءهن في الحوادث والنوازل. فقال الملك للول من الخمسة:‬ ‫ما رأيك في هذا المر? قال: رأي قد لسبقتنا إليه العلماء، وذلك أنهم‬ ‫قالوا: ليس للعدو الحنق إل الهرب منه. قال الملك للثاني: ما رأيك في‬ ‫هذا المر? قال: رأي ما رأى هذا من الهرب. قال الملك: ل أرى لكما‬‫ذلك رأيا، أن نرحل عن أوطاننا ونخليها لعدونا من أول نكبة أصانبتنا منه‬ ‫ول ينبغي لنا ذلك ولكن نجمع أمرنا ونستعد لعدونا ونذكي نار الحرب‬‫فيما نبيننا ونبين عدونا ونحترس من الغرة إذا أقبل إلينا فنلقاه مستعدين‬ ‫ونقاتله قتال ع ً غير مراجعين فيه، ول مقصرين عنه وتلقى أطرافنا‬ ‫أطراف العدو ونتحرز نبحصوننا وندافع عدونا: نبالناة مرة ونبالجلد‬ ‫فّ‬ ‫أخرى حيث نصيب فرصتنا ونبغيتنا، وقد ثنينا عدونا عنا. ثم قال الملك‬ ‫فّ‬ ‫للثالث: ما رأيك أنت? قال: ما أرى ما قال رأيا. ولكن نبث العيون‬‫ونبعث الجوالسيس ونرلسل الطلئع نبيننا ونبين عدونا فنعلم أيريد صلحنا‬ ‫أم يريد حرنبنا أم يريد الفدية? فإن رأينا أمره أمر طامع في مال، لم‬ ‫نكره الصلح على خراج نؤديه إليه كل لسنة، ندفع نبه عن أنفسنا‬ ‫؛ٍ‬‫ونطمئن في أوطاننا: فغن من أراء الملوك إذا أشتدت شوكة عدوهم،‬ ‫فخافوه على أنفسهم ونبلدهم، أن يجعلوا الموال جنة البلد والملك‬ ‫والرعية. قال الملك للرانبع: فما رأيك في هذا الصلح? قال ل أراه رأيا‬ ‫نبل أن نفارق أوطاننا ونصبر على الغرنبة وشدة المعيشة خير من أن‬ ‫ ٌ‬ ‫911‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫نضيع أحسانبنا ونخضع للعدو الذي نحن أشرف منه مع أن البوم لو‬‫عرضنا ذلك عليهن لما رضين منا إل نبالشطط. ويقال في المثال: قارب‬ ‫َّ‬ ‫فّ‬ ‫عدوك نبعض المقارنبة: لتنال حاجتك.‬ ‫ول تقارنبه كل المقارنبة: فيتجرىء عليك ويضعف جندك وتذل نفسك.‬ ‫َّ‬ ‫ومثل ذلك مثل الخشبة المنصونبة في الشمس: إذا أملتها قليل ع ً زاد‬‫ظلها، وإذا جاوزت نبها الحد في إمالتها نقص الظل. وليس عدونا راضيا‬ ‫ُّ‬‫منا نبالدون في المقارنبة، فالرأي لنا ولك المحارنبة. قال الملك للخامس:‬ ‫فّ‬ ‫ما تقول أنت? وماذا ترى: القتال أم الصلح أم الجلء عن الوطن?‬ ‫قال: أما القتال فل لسبيل للمرء إلى قتال من ل يقوى عليه وقد يقال:‬ ‫إنه من ل يعرف نفسه وعدوه وقاتل من ل يقوى عليه، حمل نفسه‬ ‫على حتفها مع أن العاقل ل يستصغر عدوا: فإن من الستصغر عدوه‬ ‫اغتر نبه ومن اغتر نبعدوه لم يسلم منه. وأنا للبوم شديد الهيبة وإن‬ ‫أضرنبن عن قتالنا وقد كنت أهانبها قبل ذلك، فإن الحازم ل يأمن عدوه‬‫على كل حال فإن كان نبعيدا لم يأمن لسطوته، وإن كان مكثبا لم يأمن‬‫من وثبته، وإن كان وحيدا لم يأمن من مكره. وأحزم القوام وأكسيهم‬ ‫من كره القتال لجل النفقة فيه: فإن ما دون القتال النفقة فيه من‬ ‫الموال والقول والعمل، والقتال النفقة فيه من النفس والنبدان. فل‬ ‫يكونن القتال للبوم من رأيك، أيها الملك: فإن من قاتل من ل يقوى‬ ‫عليه فقد غرر نبنفسه. فإذا كان الملك محصنا لللسرار، متخيرا للوزراء،‬ ‫مهيبا في أعين الناس، نبعيدا من أن يقدر عليه، كان خليقا أل يسلب‬‫صحيح ما أوتى من الخير. وأنت، أيها الملك، كذلك. وقد الستشرتني في‬ ‫021‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫أمر جوانبك مني عنه، في نبعضه علنية، وفي نبعضه لسر ولللسرار‬ ‫ ٌ‬ ‫فّ‬‫منازل: منها ما يدخل فيه الرهط، ومنها ما يستعان فيه نبالقوم، ومنها ما‬ ‫يدخل فيه الرجلن. ولست أرى لهذا السر على قدر منزلته أن يشارك‬ ‫فيه إل أرنبع آذان ولسانان. فنهض الملك من لساعته، وخل نبه،‬ ‫؛ٍ‬ ‫فالستشاره، فكان أول ما لسأله عنه الملك أنه قال: هل يعلم انبتداء‬‫عداوة ما نبيننا ونبين البوم? قال: نعم: كلمة تكلم نبها غراب. قال الملك:‬ ‫وكيف كان ذلك? قال الغراب: زعموا أن جماعة من الكراكي لم يكن‬ ‫لها ملك، فأجمعت أمرها على أن يملكن عليهن ملك البوم فبينما هي‬ ‫في مجمعها إذ وقع لها غراب، فقالت: لو جاءنا هذا الغراب.‬ ‫للستشرناه؛ فلم يلبثن دون أن جاءهن الغراب. فالستشرنه، فقال: لو‬‫أن الطير نبادت من القاليم، وفقد الطاوس والبط والنعام والحمار من‬‫العالم لما اضطررتن إلى أن تملكن عليكن البوم التي هي أقبح الطير‬ ‫فّ‬ ‫فّ‬ ‫منظرا، وألسوؤها خلقا، وأقلها عقل، وأشدها غضبا وأنبعدها من كل‬ ‫ع ً‬ ‫رحمة، مع عماها وما نبها من العشا نبالنهار، وأشد من ذلك وأقبح‬‫أمورها لسفهها ولسوء أخلقها، إل أن ترين أن تملكنها وتكن أنتن تدنبرن‬‫المور دونها نبرأيكن وعقولكن، كما فعلت الرنب التي زعمت أن القمر‬ ‫ملكها، ثم عملت نبرأيها، قال الطير: وكيف كان ذلك?‬ ‫قال الغراب: زعموا أن أرضا من أراضي الفيلة تتانبعت عليها السنون،‬ ‫وأجدنبت، وقل ماؤها، وغارت عيونها، وذوى نبتها، ويبس شجرها،‬ ‫فأصاب الفيلة عطش شديد: فشكون ذلك إلى ملكهن، فأرلسل الملك‬ ‫رلسوله ورواده في طلب الماء، في كل ناحية. فرجع إليه نبعض‬ ‫121‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫الرلسل، فأخبره إني قد وجدت نبمكان كذا عينا يقال لها عين القمر،‬‫كثيرة الماء. فتوجه ملك الفيلة نبأصحانبه إلى تلك العين ليشرب منها هو‬‫وفيلته. وكانت العين في أرض للرانب، فوطئن الرانب في أجحارهن،‬‫فأهلكن منهن كثيرا، فاجتمعت الرانب إلى ملكها فقلن له: قد علمت ما‬‫ ٌ‬ ‫أصانبنا من الفيلة فقال: ليحضرن منكن كل ذي رأي رأيه. فتقدمت أرنب‬ ‫من الرانب يقال لها فيروز. وكان الملك يعرفها نبحسن الرأي والدب،‬ ‫فقالت: إن رأى الملك أن يبعثني إلى الفيلة ويرلسل معي أمينا، ليرى‬ ‫ويسمع ما أقول، ويرفعه إلى الملك، فقال لها الملك: أنت أمينة،‬ ‫ونرضى نبقولك، فانطلقي إلى الفيلة، ونبلغي عني ما تريدين. واعلمي‬ ‫أن الرلسول نبرأيه وعقله، ولينه وفضله، يخبر عن عقل المرلسل. فعليك‬ ‫نباللين والرفق والحلم والتأني: فإن الرلسول هو الذي يلين الصدور إذا‬‫رفق، ويخشن الصدور إذا خرق. ثم إن الرنب انطلقت في ليلة قمراء،‬ ‫حتى انتهت إلى الفيلة، وكرهت أن تدنو منهن: مخافة أن يطأنها‬ ‫نبأرجلهن، فيقتلنها، وإن كن غير متعمدات. ثم أشرفت على الجبل‬ ‫فّ‬‫ونادت ملك الفيلة وقالت له: إن القمر أرلسلني إليك، والرلسول غير ملوم‬ ‫فيما يبلغ، وإن أغلظ في القول. قال ملك الفيلة: فما الرلسالة? قالت:‬ ‫يقول لك: إن من عرف فضل قوته على الضعفاء، فاغتر نبذلك في‬ ‫شأن القوياء، قيالسا لهم على الضعفاء، كانت قوته ونبال ع ً عليه. وأنت‬ ‫قد عرفت فضل قوتك على الدواب، فغرك ذلك، فعمدت إلى العين‬ ‫فّ‬ ‫التي تسمى نبالسمي، فشرنبت منها، وكدرتها. فأرلسلني إليك: فأنذرك أل‬ ‫فّ‬ ‫ُ‬ ‫تعود إلى مثل ذلك. وإنك إن فعلت أغش نبصرك، وأتلف نفسك. وإن‬ ‫ِّ‬ ‫221‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫كنت في شك من رلسالتي، فهلم إلى العين من لساعتك: فإني موافيك‬ ‫ف ٍّ‬ ‫نبها. فعجب ملك الفيلة من قول الرنب، فانطلق إلى العين مع فيروز‬ ‫الرلسول. فلما نظر إليها، رأى ضوء القمر فيها. فقالت له فيروز‬ ‫الرلسول: خذ نبخرطومك من الماء فاغسل نبه وجهك، والسجد للقمر.‬‫فأدخل الفيل خرطومه في الماء، فتحرك فخيل للفيل أن القمر ارتعد.‬ ‫فقال: ما شأن القمر ارتعد? أتراه غضب من إدخالي الخرطوم في‬ ‫الماء? قالت فيروز الرنب: نعم. فسجد الفيل للقمر مرة أخرى، وتاب‬‫إليه مما صنع، وشرط أل يعود إلى مثل ذلك هو ول أحد من فيلته. قال‬ ‫الغراب: ومع ما ذكرت من أمر البوم إن فيها الخب والمكر والخديعة،‬ ‫َّ‬ ‫وشر الملوك الخادع، ومن انبتلى نبسلن مخادع، وخدمه، أصاب ما‬ ‫أصاب الرنب والفرد حين احتكما إلى السنور. قالت الكراكي: وكيف‬ ‫كان ذلك? قال الغراب: كان لي جارا من االصفاردة في أصل شجرة‬ ‫قريبة من وكرى وكان يكثر مواصلتي ثم فقدته فلم أعلم أين غاب‬ ‫وطالت غيبته عني. فجاءت أرنب إلى مكان الصفرد فسكنته فكرهت‬ ‫أن أخاصم الرنب فلبثت فيه زمانا. ثم إن الصفرد غاد نبعد زمان فأتى‬ ‫منزله فوجد فيه الرنب. فقال لها : هذا المكان لي ، فانتقلي عنه.‬‫قالت الرنب: المسكن لي، وتحت يدي؛ وأنت مدع له. فإن كان لك حق‬‫ ٌ‬ ‫فّ‬ ‫فالستعد نبإثباته علي. قال الصفرد: القاضي منا قريب: فهلمي نبنا إليه.‬ ‫فّ‬ ‫قالت الرنب: ومن القاضي? قال الصفرد: إن نبساحل البحر لسنورا‬ ‫متعبدا، يصوم النهار، ويقوم الليل كله؛ ول يؤذي دانبة، ول يهرق دما،‬ ‫؛ٍ‬ ‫عيشه من الحشيش ومما يقذفه إليه البحر. فإن أحببت تحاكمنا إليه،‬ ‫321‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫ورضينا نبه. قالت الرنب: المسكن لي، وتحت يدي، وأنت مدع له. فإن‬ ‫كان لك حق فالستعد نبإثباته علي.‬ ‫فّ‬‫قال الصفرد: القاضي? منا قريب: إن نبساحل البحر لسنورامعبدا، يصوم‬ ‫النهار، ويقوم الليل كله، وليؤذى دانبة، ول يهريق دما، عيشه من‬ ‫الحشيش ومما يقذفه إليه البحر. فإن أحببت تحاكما إليه، ورضينا نبه.‬ ‫قالت الرنب: ما أرضاني نبه إذا كان كما وصفت. فانطلقا إليه فتبعهما‬ ‫لنظر إلى حكومة الصوام القوام ثم إنهما ذهبا إليه فلما نبصر النور‬ ‫نبالرنب والصفرد مقبيلين نحوه، انتصب قائما يصلي، وأظهر الخشوع‬ ‫والتنسك. فعجبا لما رأيا من حاله ودنوا منه هائبين له، ولسلما عليه‬ ‫ولسأله أن يقضي نبينهما. فأمر هما أن يقصا عليه القصة ففعل. فقال‬ ‫لهما: قد نبلغني الكبر وثقلت أذناي: فادنوا مني فالسمعانى ما تقولن.‬ ‫فدنوا منه، وأعادا عليه القصة ولسأله الحكم فقال قد فهمت ما قلتما،‬ ‫وأنا مبتدئكما نبالنصيحة قبل الحكومة نبينكما: فأنا آمركما نبتقوى ا‬ ‫وألتطلبا إل الحق هو الذي يفلح، وأن قضى عليه وطالب الحق هو‬ ‫الذي يفلح وإن قضى عليه وطالب الباطل مخصوم وإن قضى له.‬ ‫وليس لصاحب الدنيا من دنياه شئ ل مال ول صديق لسوى العمل‬ ‫الصالح يقدمه فذو العقل حقيق أن يكون لسعيه في طلب ما يبقى‬‫وعود نفعه عليه غدا، وأن يمقت نبسعيه فيما لسوى ذلك من أمور الدنيا:‬ ‫فإن منزلة المال عند العاقل نبمنزلة المدر، ومنزلة الناس عنده فيما‬ ‫يحب أهم من الخير ويكره من الشر نبمنزلة نفسه. ثم إن السنور لم‬ ‫فّ فّ‬‫يزل يقص عليهما من جنس هذا وأشباهه، حتى أنسا إليه، وأقبل عليه،‬ ‫فّ‬ ‫421‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫ودنوا منه، ثم وثب عليهما فقتلهما. قال الغراب: ثم إن البوم تجمع مع‬ ‫ما وصفت لكن من الشؤم لسائر العيوب: فل يكونن تمليك البوم من رأ‬ ‫يكن. فلما لسمع الكراكى ذلك من كلم الغراب أضرنبن عن تمليك‬ ‫البوم. زكان هناك نبوم حاضر قد لسمع ما قالوا، فقال الغراب: لقد‬ ‫وترتني أعظم الترة، ول أعلم أنه لسلف مني إليك لسوء أوجب هذا.‬ ‫ ٌ‬‫ونبعد فاعلم أن الفأس يقطع نبه الشجر فيعود ينبت السيف يقطع اللحم‬ ‫ثم يعود فيندمل واللسان ل يندمل جرحه ول تؤلسى مقاطعه. والنصل‬ ‫من السهم يغيب في اللحم ثم ينزع فيخرج، وأشباه النصل من الكلم‬‫إذا وصلت إلى القلب لم تنزع ولم تستخرج. ولكل حريق مطفئ: فللنار‬ ‫ ٌ‬ ‫الماء، وللسم الدواء وللحزن الصبر ونلر الحقد ل تخبو أنبدا. وقد‬ ‫غرلستم معاشر الغرنبان نبيننا ونبينكم شجر الحقد والعداوة والبغضاء.‬ ‫فلما قضى البوم مقالته، ولى مغضبا، فأخبر ملك البوم نبما جرى ونبكل‬ ‫فّ‬ ‫ما كان منقول الغراب، ثم إن الغراب ندم على ما فرط منه، وقال:‬ ‫وا لقد خرقت في قولي الذي جلبت نبه العداوة والبغضاء على‬ ‫نفسي وقومي! وليتني لم أخبر الكراكي نبهذه الحال! ول أعلمتها نبهذا‬‫المر! ولعل أكثر الطير قد رأى أكثر مما رأيت، وعلم أضعاف ما علمت،‬ ‫فمنعها من الكلم نبمثل ما اتقاء ما لم أتق، والنظر فيما لم أنظر فيه‬ ‫من حذار العواقب، ل لسيما إذا كان الكلم أفظع كلم، يلقى منه‬ ‫لسامعه وقائله المكروه مما يورث الحقد والضغينة، فل ينبغي لشباه‬ ‫هذا الكلم، أن تسمى كلما، ولكن لسهاما. والعاقل، وإن كان واثقا‬ ‫نبقوته وفضله، ل ينبغي أن يحمل ذلك على أن يجلب العداوة على‬ ‫521‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫نفسه اتكال ع ً على ما عنده من الرأي والقوة، كما أنه وإن كان عنده‬ ‫الترياق ل ينبغي له أن يشرب السم اتكال ع ً على ما عنده. وصاحب‬ ‫حسن العمل، وإن قصر نبه القول في مستقبل المر، كان فضله نبينا‬ ‫فّ‬‫واضحا في العاقبة والختار، وصاحب حسن القول، وإن أعجب الناس‬ ‫منه حسن صفته للمور لم تحمد عاقبة أمره. وأنا صاحب القول الذي‬ ‫ل عاقبة له محمودة. أليس من لسفهي اجترائي على التكلم في المر‬ ‫الجسيم ل ألستشير فيه أحدا، ولم أعمل فيه رأيا? ومن لم يستشر‬ ‫النصاء الولياء، وعمل نبرأيه من غير تكرار النظر والروية، لم يغتبط‬ ‫نبمواقع رأيه. فما كان أغناني عما كسبت يومي هذا، وما وقعت فيه‬ ‫من الهم! وعاتب الغراب نفسه نبهذا الكلم وأشباهه وذهب. فهذا ما‬ ‫لسألتني عنه من انبتداء العداوة نبيننا ونبين البوم.‬ ‫وأما القتال فقد علمت رأيي فيه، وكراهتي له، ولكن عندي من الرأي‬ ‫والحيلة غير القتال ما يكون فيه الفرج إن شاء ا تعالى: فإنه ربَّ‬ ‫قوم قد احتالوا نبآرائهم حتى ظفروا نبما أرادوا. ومن ذلك حديث‬‫الجماعة الذين ظفروا نبالنالسك، وأخذوا عريضه قال الملك: وكيف كان‬ ‫ذلك?‬ ‫قال الغراب: زعموا ان نالسكا اشتى عريضا ضخما ليجعله قرنبانا،‬ ‫فانطلق نبه يقوده فبصر نبه قوم من المكرة، فأتمروا نبينهم أن يأخذوه‬ ‫من النالسك. فعرض له أحدهم فقال له: أيها النالسك، ما هذا الكلب‬ ‫الذي معك? ثم عرض له الخر فقال لصاحبه: ما هذا النالسك، لن‬‫النالسك ل يقود كلبا. فلم يزالو مع النالسك على هذا ومثله حتى لم يشك‬ ‫621‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫أن الذي يقوده كلب، وأن الذي نباعه إياه لسحر عينه، فأطلقه من يده،‬ ‫ ٌ‬ ‫َّ‬ ‫فأخذه الجماعة المحتالون ومضوا نبه. وإنما ضرنبت لك هذا المثل لما‬ ‫أرجو أن نصيب من حاجتنا نبالرفق والحيلة. وإني أريد من الملك أن‬ ‫ينقرني على رؤوس الشهاد، وينتف ريشي وذنبي، ثم يطرحني في‬ ‫أصل هذه الشجرة، ويرتحل الملك هو وجنوده إلى مكان كذا. فأرجو‬‫أني أصبر وأطلع على أحوالهم، ومواضع تحصينهم وأنبوانبهم، فأخادعهم‬ ‫فّ‬ ‫وآتي إليكم لنهجم عليهم، وننا منهم غرضنا إن شاء ا تعالى.‬ ‫قال الملك: أتطيب نفسك لذلك? قال: نعم، وكيف ل تطيب نفسي‬ ‫لذلك وفيه أعظم الراحات للملك وجنوده? ففعل الملك نبالغراب ما‬ ‫ذكر، ثم ارتحل عنه فجعل الغراب يئن ويهمس حتى رأته البوم‬ ‫ولسمعته يئن، فأخبرن ملكهن نبذلك، فقصد نحوه ليسأله عن الغرنبان‬ ‫فلما دنا منه أمر نبوما أن يسأله فقال له: من أنت? وأين الغرنبان?‬ ‫فقال: أما السمي ففلن، وأما ما لسألتني عنه فإني أحسبك ترى أن‬ ‫حالي حال من ل يعلم اللسرار فقيل لملك البوم: هذا وزير ملك‬‫الغرنبان وصاحب رأيه، فنسأله نبأي ذنب صنع نبه ما صنع? فسئل الغراب‬ ‫؛ٍ‬ ‫عن أمره فقال: إن ملكنا الستشار جماعتنا فيكن: وكنت يومئذ نبمحضر‬ ‫؛ٍ‬ ‫َّ‬ ‫من المر، فقال: أيها الغرنبان، ما ترون في ذلك? فقلت: أيها الملك ل‬ ‫طاقة لنا نبقتال البوم: لنهن أشد نبطشا، وأحد قلبا منا ولكن أرى أن‬ ‫َّ‬ ‫نلتمس الصلح، ثم نبذل الفدية في ذلك، فإن قبلت البوم ذلك منا، وإل‬ ‫فّ‬‫هرنبنا في البلد وإذا كان القتال نبيننا ونبين البوم كان خيرا لهن وشرا لنا،‬ ‫فّ‬ ‫فالصلح أفضل من الخصومة وأمرتهن نبالرجوع عن الحرب، وضرنبت‬ ‫َّ‬ ‫721‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬‫لهن المثال في ذلك، وقلت لهن: إن العدو الشديد ل يرد نبألسه وغضبه‬ ‫فّ‬ ‫مثل الخضوع له: أل ترين إلى الحشيش كيف يسلم من عاصف الريح‬ ‫للينه وميله معها حيث مالت فعصينني في ذلك وزعمن أنهن يردن‬ ‫ َ‬ ‫القتال وأتهمنني في ما قلت، وقلنا إنك قد مالت البوم علينا ورددن‬ ‫قولي ونصيحتي وعذنبنني نبهذا العذاب وتركني الملك وجنوده وأرتحل‬ ‫ول علم لي نبهن نبعد ذلك: فلما لسمع ملك البوم مقالة الغراب قال‬ ‫لبعض وزرائه: ما تقول في الغراب? وما ترى فيه? قال: ما أرى إل‬ ‫المعاجلة له نبالقتل: فإن هذا أفضل عد َد الغرنبان، وفي قتله لنا راحة‬ ‫ُ ،ِ‬ ‫من مكره وفقده على الغرنبان شديد ويقال: من ظفر نبالساعة التي‬‫فيها ينجح العمل ثم ل يعاجله نبالذي ينبغي له فليس نبحكيم ومن طلب‬ ‫المر الجسيم فأمكنه ذلك فأغفله فاته المر وهو خليق أل تعود له‬ ‫الفرصة ثانية ومن وجد عدوه ضعيفا ولم ينجز قتله ندم إذا الستقوى‬ ‫ولم يقدر عليه قال الملك لوزير آخر: ما ترى أنت في هذا الغراب?‬‫قال: أرى أل تقتله: فإن العدو الذليل الذي ل ناصر له أهل لن يستبقى‬ ‫ ٌ‬ ‫ويرحم ويصفح عنه ول لسيما المستجير الخائف: فإنه أهل لن يؤمن.‬ ‫ ٌ‬ ‫قال ملك البوم لوزير آخر من وزائه: ما تقول في الغراب? قال: أرى‬ ‫أن تستبقيه وتحسن إليه: فإنه خليق أن ينصحك والعاقل يرى معادات‬ ‫نبعض أعدائه نبعضا ظفرا حسنا ويرى أشتغال نبعض أعدائه نببعض‬ ‫خلصا لنفسه منهم ونجاة كنجاة النالسك من اللص والشيطان حين‬ ‫اختلفا عليه قال الملك له: وكيف كان ذلك?‬ ‫821‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫قال الوزير: زعموا أن نالسكا أصاب من رجل نبقرة حلونبا فانطلق نبها‬ ‫يقودها إلى منزله، فعرض له لص أراد لسرقتها واتبعه شيطان يريد‬ ‫اختطافه. فقال الشيطان للص: من أنت? قال أنا اللص، أريد أن‬ ‫ألسرق البقرة من النالسك إذا نام. فمن أنت? قال: أنا الشيطان أريد‬ ‫أختطافه إذا نام وأذهب نبه فاتهيا على هذا إلى المنزل فدخل النالسك‬ ‫منزله ودخل خلفه وأدخل البقرة فرنبطها في زاوية المنزل وتعشى‬‫ونام. فأقبل اللص والشيطان يأتمران فيه واختلفا على من يبدأ نبشغله‬ ‫أول ع ً فقال الشيطان للص: إن أنت نبدأت نبأخذ البقرة فرنبما الستيقظ‬ ‫وصا،ح، واجتمع الناس: فل أقدر على أخذه فأنظرني ريثما آخذه،‬ ‫وشأنك وما تريد. فأشفق اللص إن نبدأ الشيطان نباختطافه فرنبما‬‫الستيقظ فل يقدر على أخذ البقرة، فقال: ل، نبل انظرني أنت حتى آخذ‬‫البقرة وشأنك زما تريد فلم يزال في المجادلة هكذا حتى نادى اللص:‬ ‫أيها النالسك انتبه: فهذا الشيطان يريد اختطافك، ونادى الشيطان: أيها‬ ‫النالسك انتبه: فهذا اللص يريد أن يسرق نبقرتك فانتبه النالسك وجيرانه‬‫نبأصواتهما، وهرب الخبيثان. قال الوزير الول الذي أشار نبقتل الغراب:‬ ‫فّ‬ ‫أظن أن الغراب قد خدعكن ووقع كلمه في نفس الغبي منكن‬ ‫َّ‬‫موقعه، فتردن أن تضعن الرأي في غير موضعه فمهل ع ً مهل ع ً أيها الملك‬ ‫فّ‬ ‫عن هذا الرأي. فلم يلتفت الملك إلى قوله وأمر الغراب أن يحمل إلى‬ ‫منازل البوم، ويكرم ويستوصى نبه خيرا.‬ ‫ثم إن الغراب قال للملك يوما وعنده جماعة من البوم وفيهن الوزير‬‫الذي أشار نبقتله: أيها الملك قد علمت ما جرى علي من الغرنبان وأنه ل‬ ‫فّ‬ ‫921‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫يستريح قلبي إل نبأخذي نبثأري منهن، وإني قد نظرت في ذلك فإذا نبي‬‫ل أقدر على ما رمت: لني غراب وقد روى عن العلماء أنهم قالوا: من‬ ‫طانبت نفسه نبأن يحرقها فقد قرب لله أعظم القرنبان ل يدعو عند ذلك‬‫نبدعوة إل الستجيب له فإن رأى الملك أن يأمرني فأحرق نفسي وأدعو‬‫رنبي أن يحولني نبوما فأكون أشد عداوة وأقوى نبألسا عل الغرنبان لعلي‬ ‫أنتقم منهن! قال الوزير الذي أشار نبقتله: ما أشبهك في خير ما تظهر‬ ‫وشر ما تخفي إل نبالخمرة الطيبة الطعم والريح المنقع فيها السم‬ ‫أرأيت لو أحرقنا جسمك نبالنار كان جوهرك وطباعك متغيرة! أليست‬ ‫أخلقك تدور معك حيثما درت، وتصير نبعد ذلك إلى أصلك وطويتك?‬ ‫كالفأرة التي خيرت في الزواج نبين الشمس والريح والسحاب والجبل‬ ‫فلم يقع اختيارها إل على الجرذ وقيل له: وكيف كان ذلك?‬‫قال: زعموا أنه كان نالسكا مستجاب الدعوة فبينما هو ذات يوم جالسا‬‫على لساحل البحر إذ مرت نبه حدأة في رجلها درص فأرة فوقعت منها‬ ‫عند النالسك، وأدركته لها رحمة، فأخذها ولفها في ورقة، وذهب نبها‬ ‫إلى منزله، ثم خاف أن تشق على أهله ترنبيتها فدعا رنبه أن يحولها‬ ‫جارية: فتحولت جارية حسناء فانطلق نبها إلى امرأته، فقال لها هذه‬ ‫انبنتي فاصنعي معها صنيعك نبولدي. فلما كبرت قال لها النالسك: يا نبنية‬ ‫أختاري من أحببت حتى أزوجك نبه. فقالت، أما إذا خيرتني فإني أختار‬ ‫زوجا يكون أقوى الشياء. فقال النالسك لعلك تريدين الشمس! ثم‬‫انطلق إلى الشمس فقال: أيها الخلق العظيم إن لي جارية وقد طلبت‬‫زوجا يكون أقوى الشياء، فهل أنت متزوجها? فقالت الشمس أنا أدلك‬ ‫031‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫على من هو أقوى مني: السحاب الذي يغطيني، ويرد حر شعاعي‬ ‫ويكسف أشعة أنواري. فذهب النالسك إلى السحاب فقال له ما قال‬ ‫للشمس، فقال السحاب: وأنا أدلك على من هو أقوى مني: فاذهب‬ ‫إلى الريح التي تقبل نبي وتدنبر وتذهب نبي شرقا وغرنبا فجاء النالسك‬ ‫إلى الريح فقال لها كقوله للسحاب فقالت: وأنا أدلك على من هو‬ ‫أقوى مني وهو الجبل الذي ل أقدر على تحريكه فمضى إلى الجبل‬ ‫وقال له القول المذكور فأجانبه الجبل وقال له: أنا أدلك على من هو‬ ‫أقوى مني: الجرذ الذي ل ألستطيع المتناع منه إذا ثقبني واتخذني‬ ‫مسكنا. فانطلق النالسك إلى الجرذ فقال له: هل أنت متزوج هذه‬ ‫الجارية? فقال وكيف أتزوجها وجحري ضيق? إنما يتزوج الجرذ الفأرة‬ ‫فدعا النالسك رنبه أن يحولها فأرة كما كانت وذلك نبرضى الجارية،‬ ‫فأعادها ا إلى عنصرها الول فانطلقت مع الجرذ فهذا مثلك أيها‬‫المخادع فلم يلتفت ملك البوم إلى ذلك القول، ورفق نبالغراب ولم يزدد‬ ‫له إل إكراما حتى إذا طاب عيشه ونبت ريشه واطلع على ما أراد أن‬ ‫يطلع عليه راغ روغة. فأتى أصحانبه نبما رأى ولسمع فقال للملك: إني‬ ‫قد فرغت مما كنت أريد ولم يبقى إل أن تسمع وتطيع، فقال له: أنا‬ ‫والجند تحت أمرك، فاحتكم كيف شئت.‬ ‫قال الغراب: إن البوم نبمكان كذا في جبل كثير الحطب وفي ذلك‬ ‫الموضع قطيع من الغنم مع رجل راع، ونحن مصيبون هناك نارا،‬ ‫ونلقيها في أنقاب البوم ونقذف عليها من يانبس الحطب ونتراو،ح عليها‬ ‫ضرنبا نبأجنحتنا حتى تضرم النار في الحطب: فمن خرج منهن احترق‬ ‫131‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫فّ‬ ‫ومن لم يخرج مات نبالدخان موضعه ففعل الغرنبان ذلك: فأهلكن‬ ‫البوم قاطبة ورجعن إلى منازلهن لسالمات آمنات.‬ ‫ع ً‬ ‫ثم إن ملك الغرنبان قال لذلك الغراب: كيف صبرت على صحبة البوم‬ ‫ول صبر للخيار على صحبة الشرار? فقال الغراب: إنما ما قلته أيها‬‫الملك لكذلك لكن العاقل إذا أتاه المر الفظيع العظيم الذي يخاف من‬‫عدم تحمله الجائحة على نفسه وقومه لم يجزع من شدة الصبر عليه،‬ ‫لما يرجو من أن يعقبه صبره حسن العاقبة زكثير الخير فلم يجد لذلك‬ ‫ألما، ولم تكره نفسه الخضوع لمن هو دونه حتى يبلغ حاجته فيغتبط‬ ‫نبخاتمة أمره وعاقبة صبره. فقال الملك: أخبرني عن عقول البوم:‬ ‫فقال الغراب: لم أجد فيهن عاقل ع ً إل الذي كان يحثهن على قتلي،‬‫وكان حرضهن على ذلك مرارا فكن أضعف شيء رأيا! فلم ينظرن في‬ ‫رأيه ويذكرن أني قد كنت ذا منزلة في الغرنبان، وأني أعد من ذوي‬ ‫الرأي ولم يتخوفن مكري وحيلتي ول قبلن من الناصح الشفيق ول‬ ‫فّ‬ ‫أخفين دوني ألسرارهن وقد قال العلماء: ينبغي للملك أن يحصن‬ ‫أموره من أهل النميمة ول يطلع أحدا منهم على مواضع لسره فقال‬ ‫الملك: ما أهلك البوم في نفسي إل الغي، وضعف رأي الملك‬‫وموافقته وزراء السوء فقال الغراب: صدقت أيها الملك، إنه قلما ظفر‬‫أحد نبغنى ولم يطع، وقل من أكثر من الطعام إل مرض. وقل من وثق‬ ‫فّ‬ ‫فّ‬ ‫ع ً‬‫نبوزراء السوء ولسلم من أن يقع في المهالك وكان يقال: ل يطمعن ذو‬ ‫فّ‬ ‫الكبر في حسن الثناء، ول الخب في كثرة الصديق، ول السي الدب‬ ‫فّ فّ‬ ‫ُّ‬ ‫في الشرف، ول الشحيح في البر، ول الحريص في قلة الذنوب ول‬ ‫فّ‬ ‫231‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫الملك المحتال، المتهاون نبالمور، الضعيف الوزراء في ثبات ملكه،‬‫وصل،ح رعيته قال الملك: لقد احتملت مشقة شديدة في تصنعك للبوم،‬ ‫فّ‬ ‫فّ‬ ‫وتضرعك لهن قال الغراب: إنه من احتمل مشقة يرجو نفعها، ونحى‬ ‫فّ‬ ‫عن نفسه النفة والحمية، ووطنها على الصبر حمد غب رأيه، كما صبر‬ ‫اللسود على حمل ملك الضفادع على ظهره، وشبع نبذلك وعاش قال‬ ‫الملك: وكيف كان ذلك? قال الغراب: زعموا أن ألسود من الحيات كبر،‬ ‫وضعف نبصره وذهبت قوته: فلم يستطع صيدا ولم يقدر على طعام‬ ‫وأنه انساب يتلمس شيئا يعيش نبه، حتى انتهى إلى عين كثيرة‬ ‫الضفادع، قد كان يأتيها قبل ذلك، فيصيب من ضفاضعها رزقه فرمى‬ ‫نفسه قريبا منهن مظهرا للكآنبة والحزن فقال له ضفدع: ما لي أراك‬ ‫فّ‬‫أيها اللسود كئيبا حزينا? قال: ومن أحرى نبطول الحزن مني! وإنما كان‬ ‫أكثر معيشتي مما كنت أصيب من الضفادع فانبتليت نببلء وحرمت على‬ ‫الضفادع من أجله، حتى إني إذا التقيت نببعضها ل أقدر على إمساكه.‬‫فانطلق الضفدع إلى ملك الضفادع، فبشره نبما لسمع من اللسود فقال‬ ‫له: كيف كان أمرك? قال لسعيت منذ أيام في طلب ضفدع وذلك عند‬ ‫المساء فاضطررته إلى نبيت نالسك، ودخلت في أثره في ظلمة وفي‬ ‫البيت انبن النالسك، فأصبت إصبعه، فظننت أنها الضفدع، فلدغته فمات‬‫فخرجت هارنبا، فتبعني النالسك في أثري، ودعا علي ولعنني وقال: كما‬ ‫فّ‬ ‫قتلت انبني البريء ظلما وتعديا، أدعو عليك أن تذل وتصير مركبا لملك‬ ‫الضفادع، فل تستطيع أخذها، ول أكل شيء منها، إل ما يتصدق نبه‬ ‫عليك ملكها فأتيت إليك لتركبني مقرا نبذلك راضيا نبه فرغب ملك‬ ‫331‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬‫الضفادع نبركوب اللسود، وظن أن ذلك فخرا له وشرف ورفعة فركب و‬ ‫الستطاب له ذلك.‬ ‫فقال له اللسود: قد علمت أيها الملك أني محروم فاجعل لي رزقا‬ ‫أعيش نبه فقال ملك الضفادع: لعمري لنبد من رزق يقوم نبك، إذا كنت‬ ‫مركبي فأمر له نبضفدعين يؤخذان في كل يوم ويدفعان إليه فعاش‬ ‫نبذلك، ولم يضره خضوعه للعدو الذليل، نبل انتفع نبذلك وصار له رزقا‬ ‫ومعيشة وكذلك كان صبري على ما صبرت عليه، التمالسا لهذا النفع‬ ‫العظيم الذي اجتمع لنا فيه المن الظفر، وهلك العدو والراحة منه‬ ‫ووجدت صرعة اللين والرفق ألسرع وأشد الستئصال ع ً للعدو من صرعة‬ ‫المكانبرة: فإن النار ل تزيد نبحدتها وحرها إذا أصانبت الشجرة على أن‬‫تحرق ما فوق الرض منها والماء نببرده ولينه يستأصل ما تحت الرض‬‫منها ويقال أرنبعة أشياء ل يستقل قليلها: النار والمرض والعدو والدين.‬ ‫قال الغراب: وكل ذلك من رأى الملك وأدنبه ولسعادة جده وإنه كان‬ ‫فّ‬ ‫يقال: إذا طلب اثنان أمرا ظفر نبه منها أفضلهما مروءة فإن اعتدل في‬‫المروءة فأشدهما عزما. فإن الستويا في العزم فألسعدهما جدا وكان‬ ‫يقال: من حارب الملك الحازم الريب المتضرع الذي ل تبطره السراء‬ ‫ول تدهشه الضراء كان هو داعي الحتف إلى نفسه، ول لسيما إذا كان‬ ‫مثلك أيها الملك العالم نبفروض العمال، ومواضع الشدة واللين،‬ ‫والغضب والرضا والمعاجلة والناة الناظر في أمر يومه وغده،‬ ‫وعواقب أعماله قال الملك للغراب: نبل نبرأيك وعقلك ونصيحتك ويمن‬ ‫طالعك كان ذلك، فإن رأى الرجل الواحد، العاقل الحازم أنبلغ في‬ ‫431‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫هلك العدو من الجنود الكثيرة، من ذوي البأس والنجدة، والعدد‬ ‫والعدة. وإن من عجيب أمرك عندي طول لبثك نبين ظهراني البوم‬ ‫تسمع الكلم الغليظ، ثم لم تسقط نبينهن نبكلمة! قال الغراب: لم أزل‬ ‫متمسكا نبأدنبك أيها الملك: أصحب البعيد والقريب، نبالرفق واللين،‬ ‫والمبالغة والمواتاة. قال الملك: أصبحت وقد وجدتك صاحب العمل،‬‫ووجدت غيرك من الوزراء أصحاب أقاويل: ليس لها عاقبة حميدة فقد‬ ‫من ا علينا نبك منة عظيمة لم نكن قبلها نجد لذة الطعام والشراب،‬ ‫فّ‬ ‫فّ‬ ‫ول النوم ول القرار وكان يقال: ل يجد المريض لذة الطعام والنوم‬ ‫حتى يبرأ، ول الرجل الشره الذي قد أطعمه لسلطانه في مال وعمل‬ ‫في يده، حتى ينجزه له، ول الرجل الذي قد ألح عليه عدوه، وهو‬ ‫يخافه صباحا ومساء حتى يستريح منه قلبه ومن وضع الحمل الثقيل‬ ‫ع ً‬ ‫عن يديه أرا،ح نفسه ومن أمن عدوه ثلج صدره.‬ ‫قال الغراب: ألسأل ا الذي أهلك عدوك أن يمتعك نبسلطانك، وأن‬ ‫يجعل في ذلك صل،ح رعيتك، ويشركهم في قرة العين نبملكك! فإن‬ ‫الملك إذا لم يكن في ملكه قرة عيون رعيته، فمثله مثل زنمة العنز‬ ‫التي يمصها، وهو يحسبها حلمة الضرع، فل يصادف فيها خيرا. قال‬ ‫الملك: أيها الوزير الصالح، كيف كانت لسيرة البوم وملكها في حرونبها،‬ ‫وفيما كانت فيه من أمورها? قال الغراب: كانت لسيرته لسيرة نبطر،‬‫وأشر وخيلء وعجز وفخر مع ما فيه من الصفات الذميمة وكل أصحانبه‬‫ووزرائه شيبه نبه، إل الوزير الذي كان يشير عليه نبقتلي: فإنه كان حكيما‬ ‫أريبا، فيلسوفا حازما عالما، قلما يرى مثله في علو الهمة، وكمال‬ ‫531‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫العقل، وجودة الرأي قال الملك: وأي خصلة رأيت منه كانت أدل على‬ ‫عقله? قال خلتان: إحداهما رأيه في قتلي والخرى أنه لم يكتم‬ ‫صاحبه نصيحته وإن الستقلها ولم يكن كلمه كلم عنف وقسوة ولكنه‬ ‫كلم رفق ولين حتى إنه رنبما أخبره نببعض عيونبه ول يصر،ح نبحقيقة‬ ‫الحال نبل يضرب له المثال ويدثه نبعيب غيره فيعرف عيبه فل يجد‬ ‫ملكه إلى الغضب عليه لسبيل ع ً وكان مما لسمعته يقول لملكه: إنه ل‬ ‫ينبغي للملك أن يغفل عن أمره فإنه أمر جسيم ل يظفر نبه من الناس‬ ‫إل قليل ول يدرك إل نبالحزم فإن الملك عزيز فمن ظفر نبه فليحسن‬‫حفظه وتحصينه، فإنه قد قيل إنه في قلة نبقاءه نبمنزلة قلة نبقاء الظل‬ ‫عن ورق النيلوفر وهو في خفة زواله، ولسرعة إقباله وإدنباره كالريح‬ ‫وفي قلة ثباته كاللبيب مع اللئام، وفي لسرعة اضمحلله كحباب الماء‬ ‫من وقع المطر. فهذا مثل أهل العداوة الذين ل ينبغي أن يغتر نبهم،‬ ‫وإن هم أظهروا توددا وتضرعا.‬ ‫نباب القرد والغيلم‬‫قال دنبشليم الملك لبيدنبا الفيلسوف: قد لسمعت هذا المثل ، اضرب لي‬‫مثل الرجل الذي يطلب الحاجة فإذا ظفر نبها أضعها قال الفيلسوف: إن‬ ‫طلب الحاجة أهون من الحتفاظ نبها ومن ظفر نبحاجة ثم لم يحسن‬ ‫القيام نبها أصانبه ما أصاب الغيلم. قال الملك: وكيف ذلك? قال نبيدنبا:‬ ‫زعموا أن قردا يقال له ماهر كان ملك القردة وكان قد كبر وهرم‬ ‫فوثب عليه قرد شاب من نبيت المملكة فتغلب عليه، وأخذ مكانه فخرج‬‫هارنبا على وجهه حتى انتهى إلى الساحل فوجد شجرة من شجر التين‬ ‫631‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬‫فارتقى إليها وجعلها مقامه فبينما هو ذات يوم يأكل من ذلك التين، إذا‬ ‫لسقطت من يده تينة في الماء فسمع لها صوتا وإيقاعا فجعل يأكل‬ ‫ويرمي في الماء، فأطرنبه ذلك: فأكثر من طر،ح التين في الماء وثم‬ ‫غيلم كلما وقعت تينة أكلها. فما كثر ذلك ظن أن القرد إنما يفعل ذلك‬ ‫لجله فرغب في مصادقته، وأنس إليه وكلمه، وألف كل واحد منهما‬‫صاحبه. وطالت غيبة الغيلم عن زوجته: فجزعت عليه وشكت ذلك إلى‬‫جارة لها وقالت: قد خفت أن يكون قد عرض له عارض لسوء فاغتاله.‬ ‫فقالت لها: إن زوجك نبالساحل قد ألف قرد وألفه القرد : فهو مؤاكله‬‫ومشارنبه، وهو الذي قطعه عنك، ول يقدر أن يقيم عندك حتى تحتالي‬ ‫لهلك القرد. قالت وكيف أصنع? قالت لها جارتها: إذا وصل إليك‬ ‫فتمارضي، فإذا لسألك عن حالك فقولي: إن الحكماء وصفوا لي قلب‬ ‫قرد.‬ ‫ثم إن الغيلم انطلق نبعد مدة إلى منزله فوجد زوجته لسيئة الحال‬ ‫مهمومة فقال لها الغيلم: مالي أراك هكذا، فأجبته جارتها، وقالت: إن‬ ‫ع ً‬ ‫زوجتك مريضة مسكنة. وقد وصف لها الطباء قلب قرد، وليس لها‬‫دواء لسواه قال الغيلم: هذا أمر عسير من أين لنا قلب قرد، ونحن في‬ ‫الماء? لكن لسأحتال لصديقي ثم انطلق إلى لساحل البحر: فقال له‬ ‫القرد يا أخي، ما حبسك عني? قال الغيلم: ما حبسني إل حيائي: فلم‬ ‫أعرف كيف أجازيك على إحسانك إلي? وأريد أن تتم إحسانك إلي‬‫نبزيارتك أي في منزلي فإن لساكن في جزيرة طيبة الفاكهة. فركب ظهر‬ ‫الغيلم، فسبح نبه حتى إذا لسبح نبه عرض له قبح ما أضمر في نفسه‬ ‫731‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫من الغدر، فنكس رألسه، فقال له القرد: مالي أراك مهتما? قال‬‫الغيلم: إنما همي لني ذكرت أن زوجتي شديدة المرض وذلك نبمنعي‬ ‫من كثير مما أريد أن أنبلغه من حرصك على كرامتك وملطفتك. قال‬‫القرد: إن الذي أعرف من حرصك على كرامتي يكفيك مؤونة التكليف.‬ ‫قال الغيلم: أجل ومضى نبالقرد لساعة، ثم توقف نبه ثانية: فساء ظن‬ ‫ع ً‬ ‫القرد وقال في نفسه: ما احتباس الغيلم وإنبطاؤه إل لمر ولست آمنا‬ ‫أن يكون قلبه قد تغير لي وحال عن مودتي، فأراد نبي لسوءا: فإنه ل‬ ‫شيء أخف وألسرع تقلبا من القلب وقد يقال: ينبغي للعاقل أل يغفل‬ ‫عن التماس ما نفس أهله وولده وإخوانه وصديقه عند كل أمر، وفي‬ ‫كل لحظة وكلمة وعند القيام والقعود، وعلى كل حال فإن ذلك كله‬‫يشهد على ما في القلوب وقد قالت العلماء إذا دخل قلب الصديق من‬ ‫صديقه ريبة فليأخذ نبالحزم في الحفظ منه وليتفقد ذلك في لحظاته‬ ‫وحالته فإن كان ما يظن حقا ظفر نبالسلمة، وإن كان نباطل ع ً ظفر‬ ‫نبالحزم، ولم يضره ذلك ثم قال للغيلم: ما الذي يحبسك? ومالي أراك‬‫مهتما، كأنك تحدث نفسك مرة أخرى? قال: يهمني أنك تأتي منزلي فل‬‫تجد أمري كما أحب: لن زوجتي مريضة قال القرد: ل تهتم فإن الهم ل‬ ‫يغني عنك شيئا ولكن التمس ما يصلح زوجتك من الدوية والغذية:‬ ‫فإنه يقال ليبذل ذو المال ماله في أرنبعة مواضع: في الصدقة وفي‬ ‫الحاجة وعلى البنين وعلى الزواج. قال الغيلم: صدقت. وقد قال‬ ‫الطباء إنه ل دواء لها إل قلب قرد فقال القرد واألسفاه لقد أدركني‬‫الحرص والشر على كبر لسني: حتى وقعت في شر ورطة ولقد صدق‬ ‫831‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬‫الذي قال: يعيش القانع الراضي مستريحا مطمئنا وذو الحرص والشره‬ ‫يعيش ما عاش في تعب ونصب.‬ ‫وأني قد احتجت الن إلى عقلي في التماس المخرج مما وقعت فيه.‬‫ثم قال الغيلم: وما منعك أن تعلمني عند منزلي حتى كنت أحمل قلبي‬ ‫معي? فهذه لسنة فينا معاشر القردة إذا خرج أحد لزيارة صديق خلف‬ ‫فّ‬ ‫قلبه عند أهله أوفي موضعه، للنظر إذا نظرنا إلى حرم المزور وليس‬ ‫قلونبنا معنا قال الغيلم: وأين قلبك الن? قال: خلفته في الشجرة فإن‬ ‫فّ‬ ‫شئت فارجع نبي إلى الشجرة حتى آتيك نبه ففر،ح الغيلم نبذلك وقال:‬ ‫لقد وافقني صاحبي نبدون أن أغدر نبه. ثم رجع نبالقرد إلى مكانه فلما‬‫أنبطأ على الغيلم، ناداه: يا خليلي احمل قلبك وانزل فقد حبستني فقال‬ ‫القرد: هيهات أتظن أني كالحمار الذي زعم انبن آوى أنه لم يكن له‬ ‫فّ‬‫قلب ول أذنان قال الغيلم: وكيف ذلك? قال القرد: زعموا أنه كان ألسد‬‫في أجمة، وكان معه انبن آوى يأكل من فواضل طعامه، فأصاب اللسد‬ ‫ع ً‬ ‫جرب، وضعف شديد فلم يستطيع الصيد فقال له انبن آوى: ما نبالك يا‬ ‫لسيد السباع قد تغيرت أحوالك? قال: هذا الجرب الذي قد أجهدني‬ ‫وليس له دواء إل قلب حمار وأذناه قال انبن آوى: ما أيسر هذا وقد‬ ‫عرفت نبمكان كذا حمارا مع قصار يحمل عليه ثيانبه، وأنا آتيك نبه ثم‬‫دلف إلى الحمار فأتاه ولسلم عليه فقال له: مالي أراك مهزول? قال ما‬ ‫ع ً‬ ‫يطعمني صاحبي شيئا فقال له: وكيف ترضى المقام معه على هذا?‬‫قال: فما لي حيلة في الهرب منه، لست أتوجه إلى جهة إل جهة أضرنبي‬ ‫إنسان فكدني وأجاعني قال انبن آوى: فأنا أدلك على مكان معزول‬ ‫931‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫عن الناس، ل يمر نبه إنسان، خصيب المرعى فيه قطيع من الحمر لم‬‫تر عين مثلها حسنا ولسمنا قال الحمار: وما يحبسنا ولسمنا وقال الحمار:‬ ‫وما يحبسنا عنها? فانطلق نبنا إليها، فانطلق نبه انبن آوى نحو اللسد،‬ ‫وتقدم انبن آوى ودخل الغانبة على اللسد، فأخبره نبمكان الحمار فخرج‬ ‫إليه وأراد أن يثبت عليه، فلم يستطيع لضعفه، وتخلص الحمار منه‬ ‫فأفلت هلعا على وجهه فلما رأى انبن آوى أن اللسد لم يقدر على‬ ‫الحمار، قال له: أعجزت يا لسيد السباع إلى هذه الغاية? فقال له: إن‬ ‫جئتني نبه مرة أخرى، فلن ينجو مني أنبدا فمضى انبن آوى إلى الحمار‬ ‫فقال له: ما الذي جرى عليك? إن أحد الحمر رآك غريبا، فخرج يتلقاك‬ ‫مرحبا نبك، ولو ثبت له لنسك، ومضى نبك إلى أصحانبه فلما لسمع‬‫الحمار كلم انبن آوى، ولم يكن رأى ألسدا قط، صدقه وأخذ طريقه إلى‬ ‫اللسد وأعلمه نبمكانه وقال له: الستعد له فقد خدعته لك: فل يدركنك‬ ‫َّ‬ ‫الضعف في هذه النونبة إن أفلت فلن يعود معي أنبدا فجأش جأش‬ ‫اللسد لتحريض انبن آوى له، وخرج إلى موضع الحمار فلما نبصر نبه‬ ‫عاجله نبونبثة افترلسه نبها. ثم قال: قد ذكرت الطباء أنه ليؤكل إل نبعد‬ ‫الغسل والطهور: فاحتفظ نبه حتى أعود فآكل قلبه وأذنيه، وأترك ما‬‫لسوى ذلك قوتا لك فلما ذهب اللسد ليغتسل، عمد انبن آوى إلى الحمار‬ ‫فأكل قلبه وأذنيه، رجاء أن يتطير اللسد منه، فل يأكل منه شيئا، فقال‬ ‫لنبن آوى: أين قلب الحمار وآذناه? قال انبن آوى: ألم تعلم أنه لو كان‬ ‫له قلب يفقه نبه، وأذنان يسمع نبهما، لم يرجع إليك نبعد ما أفلت ونجا‬ ‫من الهلكة: وانما ضرنبت لك هذا المثل لتعلم أني لست كذلك الحمار‬ ‫َّ‬ ‫041‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫َّ‬ ‫الذي زعم انبن آوى أنه لم يكن له قلب وأذنان، ولكنك احتلت علي‬ ‫وخدعتني فخدعتك نبمثل خديعتك، والستدركت فارط أمري. وقد قيل:‬ ‫إن الذي يفسده الحلم ل يصلحه إل العلم. قال الغيلم: صدقت، إل أن‬ ‫الرجل الصالح يعترف نبزلته، وإذا أذنب ذنبا لم يستحي أن يؤدب:‬ ‫َّ‬‫لصدقه في قوله وفعله، وإن وقع في ورطة أمكنه التخلص منها نبحيلته‬ ‫وعقله: كالرجل الذي يعثر على الرض، ثم ينهض عليها معتمدا فهذا‬ ‫مثل الرجل الذي يطلب الحاجة فإذا ظفر نبها أضاعها.‬ ‫النالسك وانبن عرس‬‫قال دنبشليم الملك لبيدنبا الفيلسوف: قد لسمعت هذا المثل. فاضرب لي‬ ‫مثل الرجل العجلن في أمره من غير روية ول نظر في العواقب قال‬ ‫الفيلسوف: إنه من لم يكن في أمره متثبتا لم يزل نادما ويصير أمره‬ ‫إلى ما صار إليه النالسك من قتل انبن عرس وقد كان له ودودا. قال‬ ‫الملك: وكيف كان ذلك? قال الفيلسوف: زعموا أن نالسكا من النساك‬ ‫نبأرض جرجان وكانت له امرأة جميلة، فمكثا زمنا لم يرزقا ولدا ثم‬ ‫حملت منه نبعد الياس فسرت المرأة ولسر النالسك نبذلك فحمد ا‬ ‫تعالى ولسأله أن يكون الحمل ذكرا وقال لزوجته: أنبشري فإني أرجو‬ ‫أن يكون غلما لنا فيه منافع، وقرة عين، أختار له أحسن اللسماء‬ ‫وأحضر له لسائر الدنباء. فقالت المرأة: ما يحملك أيها الرجل على أن‬‫تتكلم نبما ل تدري أيكون أم ل? ومن فعل ذلك أصانبه ما أصاب النالسك‬ ‫الذي أراق على رألسه السمن والعسل. قال لها: وكيف ذلك? قالت:‬‫زعموا أن نالسكا كان يجري عليه من نبيت رجل تاجر، في كل يوم رزق‬ ‫141‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫من السمن والعسل وكان يأكل منه قوته وحاجته ويرفع الباقي‬ ‫ويجعله في جرة، فيعلقها في وتد في ناحية البيت حتى أمتلت فبينما‬ ‫النالسك ذات يوم مستلق على ظهره والعكاز في يده والجرة معلقة‬ ‫على رألسه، تفكر في غلء السمن والعسل، فقال: لسأنبيع ما في هذه‬ ‫فّ‬ ‫الجرة نبدينار وأشتري نبه عشرة أعنز، فيحبلن ويلدن في كل خمسة‬ ‫أشهر نبطنا، ول تلبث قليل ع ً حتى تصير غنما كثيرة إذا ولت أولدها، ثم‬‫حرر على هذا النحو نبسنين فوجد ذلك أكثر من أرنبعمائة عنز، فقال: أنا‬ ‫أشتري نبها مائة من البقر، وأشترى أرضا ونبذرا، وألستأجر أكرة وأزرع‬‫على الثيران، وأنتفع نبألبان الناث ونتاجها فل يأتي على خمس لسنين أل‬ ‫وقد أصبت من الزرع مال ع ً كثيرا، فأنبني نبيتا فاخرا وأشتري إماء وعبيد،‬ ‫وأتزوج امرأة جميلة ذات حسن، ثم تأتي نبغلم لسري نجيب، فأختار له‬ ‫أحسن اللسماء، فإذا ترعرع أدنبته وأحسنت تأديبه وأشدد عليه في‬ ‫ذلك، فإن يقبل مني، وإل ضرنبته نبهذه العكازة وأشار إلى الجرة‬ ‫فكسرها، فسال ما كان فيها على وجهه وإنما ضرنبت لك هذا المثل‬ ‫لكي ل تعجل نبذكر ما ل ينبغي ذكره، وما ل تدري أيصح أم ل يصح‬‫فاتعظ النالسك نبما حكت زوجته. ثم إن المرأة ولدت غلما جميل ع ً ففر،ح‬ ‫نبه أنبوه ونبعد أيام حان لها أن تتطهر فقالت المرأة للنالسك: اقعد عند‬ ‫انبنك حتى أذهب إلى الحمام فأغتسل وأعود ثم إنها انطلقت إلى‬ ‫الحمام، وخلفت زوجها والغلم فلم يلبث أن جاءه رلسول الملك‬ ‫يستدعيه ولم يجد من يخلفه عندانبنه غير انبن عرس داجن عنده كان‬ ‫قد رنباه صغيرا فهو عنده عديل ولده فتركه النالسك عند الصبي وأغلق‬ ‫241‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫عليهما البيت وذهب مع الرلسول. فخرج من نبعض أحجار البيت حية‬ ‫لسوداء فدنت من الغلم فضرنبها انبن عرس ثم وثب عليها فقتلها ثم‬ ‫قطعها وا متلفمه من دمها ثم جاء النالسك وفتح الباب فالتقاه انبن‬ ‫عرس كالمبشر له نبما صنع من قتل الحية. فلما رآه ملوثا نبالدم وهو‬ ‫مذعور طار عقله وظن أنه قد خنق ولده ولم يتثبت في أمره ولم يتو‬‫فيه حتى يعلم حقيقة الحال ويعمل نبغير ما يظن من ذلك ولكن عجل‬ ‫أنبن عرس وضرنبه نبعكازه كانت في يده على أم رألسه فما. ودخل‬ ‫النالسك فرأى الغلم لسليما حيا وعنده ألسود مقطع. فلما عرف القصة‬‫وتبين له لسوء فعله في العجلة لطم على رألسه. وقال: ليني لم أرزق‬ ‫هذا الولد ولم أغدر هذا الغدر ودخلت امرأته فوجدته على تلك الحال‬ ‫فقالت له: ماشأنك فأخبرها نبالخبر من حسن فعل انبن عرس ولسوء‬ ‫مكافأته له فقالت: هذه ثمرة العجلة فهذا مثل من ل يتثبت في أمره‬ ‫نبل يفعل أغراضه نبالسرعة والعجلة.‬ ‫نباب الجرذ والسنور‬‫قال دنبشليم الملك لبيدنبا الفيلسوف: قد لسمعت هذا المثل فاضرب لي‬ ‫مثل رجل كثر اعدؤه وأحدقوا نبه من كل جانب فأشرف معهم على‬ ‫الهلك فالتمس النجاة وا لمخرج نبموالة نبعض أعدائه ومصالحته‬ ‫فسلم من الخوف وأمن ثم وفي لمن صالحه منهم. قال الفيلسوف:‬ ‫إن المودة والعداوة لتثبتان على حالة واحدة أنبدا. ونبما حالت المودة‬ ‫إلى العداوة وصارت العداوة ولية و صداقة. ولهذا حوادث وعلل‬ ‫وتجارب وذو الرأي يحدث لكل ما يحدث من ذلك رأيا جديدا: أما من‬ ‫341‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫قبل العدو فبا لبأس وأما من قبل الصديق فبا للستئناس ول تمنع ذا‬ ‫العقل عداوة كانت في نفسه لعدوه من مقارنبته واللستنجاد نبه على‬ ‫دفع مخوف أو جر مرغوب. ومن عمل في ذلك نبالحزم ظفر نبحاجته.‬ ‫ومثل ذلك مثل الجرذ والسنور حين وقعا في الورطة فنجوا‬ ‫نباصطلحهما جميعا من الورطة والشدة قال الملك: وكيف كان ذلك‬‫قال نبيديا: زعموا أن شجرة عظيمة كان في أصلها جحر لسنور يقال له‬‫رومي وكان قريبا منه جحر جرذ يقال له فريدون وكان الصيادون كثيرا‬‫يتداولون ذلك المكان يصيدون فيه الوحش والطير فنزل ذات يوم صياد‬ ‫فنصب حبالته قريبا من موضع رومي فلم يلبث أن وقع فيها. فخرج‬ ‫الجرذ يدب، ويطلب ما يأكل، وهو حذر من رومي فبينما هو يسعى إذ‬ ‫نبصر نبه في الشرك، فسر والستبشر، ثم التفت فرأى خلفه انبن عرس،‬ ‫فّ‬ ‫يريد أخذه، وفي الشجرة نبوما، يريد اختطافه، فتحير في أمره، وخاف‬ ‫فّ‬ ‫إن رجع وراءه أخذه انبن عرس، وإن ذهب يمينا أو شمال ع ً اختطفه‬ ‫البوم، وإن تقدم أمامه افترلسه السنور. فقال في نفسه: هذا نبلء قد‬ ‫اكتفني، وشرور تظاهرت علي، ومحن قد أحاطت نبي. ونبعد ذلك‬ ‫ ٌ‬ ‫فّ‬ ‫فمعي عقلي، فل يفزعني أمري، ول يهولني شأني، ول يلحقني‬ ‫الدهش، ول يذهب قلبي شعاعا: فالعاقل ل يفرق عند لسداد رأيه ول‬ ‫يعزب عنه ذهنه على حال. وإنما العقل شبيه نبالبحر الذي ل يدرك‬ ‫ ٌ‬ ‫غوره ول يبلغ البلء من ذي الرأي مجهوده فيهلكه، وتحقق الرجاء ل‬‫ينبغي أن يبلغ منه مبلغا يبطره ويسكره: فيعمى عليه أمره ولست أرى‬‫لي من هذا البلء مخلصا إل مصالحة السنور: فإنه قد نزل نبه من البلء‬ ‫فّ‬ ‫441‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫مثل ما قد نزل نبي أو نبعضه ولعل إن لسمع كلمي الذي أكلمه نبه،‬ ‫فّ‬ ‫ووعى عني فصيح خطانبي، ومحض صدقي الذي ل خلف فيه، ول‬ ‫ َ ،ِ َ‬ ‫فّ‬ ‫خداع معه ففهمه، وطمع في معونتي إياه، نخلص جميعا.‬ ‫ َ ُ حْ‬‫ثم إن الجرذ دنا من السنور فقال له: كيف حالك? قال له السنور: كما‬ ‫فّ‬‫تحب: في ضنك وضيق قال: وأنا اليوم شريكك في البلء، ولست أرجو‬ ‫لنفسي خلصا إل نبالذي أرجو لك فيه الخلص وكلمي هذا ليس فيه‬‫كذب ول خديعة وانبن عرس ها هو كامن لي، والبوم يرصدني وكلهما‬ ‫ ٌ‬‫لي ولك عدو فإن جعلت لي المان، قطعت حبائلك، وخلصتك من هذه‬ ‫فّ‬ ‫ٌّ‬ ‫الورطة فإذا كان ذلك تخلص كل واحد منا نبسبب صاحبه: كالسفينة‬ ‫فّ‬ ‫فّ‬ ‫والركاب في البحر: فبالسفينة ينجون ونبهم تنجو السفينة. فلما لسمع‬ ‫السنور كلم الجرذ وعرف أنه صادق قال له: إن قولك هذا لشبيه‬ ‫نبالحق وأنا أيضا راغب فيما أرجو لك ولنفسي نبه الخلص. ثم إنك إن‬ ‫فعلت ذلك فسأشكر لك ما نبقيت قال الجرذ: فإني لسأدنو منك فأقطع‬ ‫الحبائل كلها إل حبل ع ً واحدا أنبقيه للستوثق لنفسي منك ثم أخذ في‬ ‫قرض حبائله ثم إن البوم وانبن عرس لما رأيا دنو الجرذ من السنور‬‫أيسا منه وانصرفا ثم إن الجرذ أنبطأ على رومي قطع الحبائل فقال له:‬‫مالي ل أراك مجدا في قطع حبائلي فإن كنت قد كنت ظفرت نبحاجتك:‬ ‫فتغيرت عما كنت عليه وتوانيت في حاجتي فما ذلك من فعل‬ ‫الصالحين: فإن الكريم ل يتوانى في حق صاحبه. وقد كان لك في‬ ‫لسانبق مودتي من الفائدة والنفع ما قد رأيت. وأنت حقيق أن تكافئني‬ ‫نبذلك ول تذكر العداوة التي نبيني ونبينك: فالذي حدث نبيني ونبينك من‬ ‫541‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫الصلح حقيق أن ينسيك ذلك مع ما في الوفاء من الفضل والجر وما‬ ‫في الغدر من لسوء العاقبة: فإن الكريم ل يكون إل شكورا غير حقود‬ ‫تنسيه الخلة الوحدة من الحسان الخلل الكثيرة من اللساءة وقد‬ ‫يقال: إن أعجل العقونبة عقونبة الغدر ومن إذا تضرع إليه ولسئل العفو‬ ‫فلم يرحم ولم يعف فقد غدر قال الجرذ: إن الصديق صديقان: طائع‬‫ومضطر وكلهما يلتمسان المنفعة ويحترلسان من المضرة فأما الطائع‬ ‫فيسترلسل إليه ويؤمن في جميع الحوال وأما المضطر ففي نبعض‬ ‫الحوال يسترلسل إليه وفي نبعضها يتحذر منه. ول يزال العاقل يرتهن‬ ‫منه نبعض حاجاته لبعض ما يتقي ويخاف وليس عاقبة التواصل من‬ ‫المتواصل إل طلب عاجل النفع ونبلوغ مأموله وأنا واف لك نبما جعلت‬ ‫لك ومحترس منك مع ذلك من حيث أخافك تخوفا أن يصيبني منك ما‬ ‫ألجأني خوفه إلى مصالحتك وألجأك إلى قبول ذلك مني: فإن لكل‬ ‫عمل حينا. فما لم يكن منه في حينه فل حسن لعاقبته. وأنا قاطع‬ ‫حبائلك كلها غير أني تارك عقدة واحدة أرتهنك نبها ول أقطعها إل في‬ ‫الساعة التي أعلم أنك فيها عني مشغول: وذلك عند معاينتي الصياد.‬ ‫ثم إن الجرذ أخذ في قطع حبائل السنور. فبينما هو كذلك إذ وافى‬ ‫الصياد فقال له السنور: الن جاء الجد في قطع حبائلي. فأجهد الجرذ‬ ‫نفسه في القرض حتى إذا فرغ وثب السنور إلى الشجرة على دهش‬ ‫من الصياد ودخل الجرذ نبعض الحجار وجاء الصياد فأخذ حبائله‬ ‫مقطعة، ثم انصرف خائبا.‬ ‫ع ً‬ ‫641‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫ثم إن الجرذ خرج نبعد ذلك، وكره أن يدنو من السنور، فناداه السنور:‬ ‫فّ‬ ‫فّ‬ ‫أيها الصديق الناصح، ذو البلء الحسن عندي، ما منعك من الدنو إلي،‬ ‫فّ‬ ‫ِّ‬ ‫لجازيك نبأحسن ما ألسديت إلي، هلم، إلي ول تقطع إخائي: فإنه من‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫فّ‬ ‫اتخذ صديقا، وقطع إخاءه، وأضاع صداقته، حرم ثمرة إخائه، وأيس‬ ‫ُ ،ِ َ‬‫من نفعه الخوان والصدقاء. وإن يدك عندي ل تنسى، وأنت حقيق أن‬ ‫ ٌ‬ ‫تلتمس مكافأة ذلك مني ومن إخواني وأصدقائي. ول تخافن مني‬ ‫فّ‬ ‫شيئا. واعلم أن ما قبلي لك مبذول. ثم حلف واجتهد على صدقه فيما‬ ‫ ٌ‬ ‫،ِ‬‫قال. فناداه الجرذ: رب صداقة ظاهرة نباطنها عداوة كامنة. وهي أشد‬ ‫َّ‬ ‫من العداوة الظاهرة. ومن لم يحترس منها، وقع موقع الرجل الذي‬ ‫يركب ناب الفيل المغتلم ثم يغلبه النعاس فيستيقظ تحت فرالسن‬ ‫الفيل، فيدولسه ويقتله. وإنما لسمي الصديق صديقا: لما يرجى من‬ ‫نفعه، ولسمي العدو عدوا: لما يخاف من ضرره. والعاقل إذا رجا نفع‬ ‫العدو أظهر له الصداقة، وإذا خاف ضر الصديق أظهر له العداوة. أل‬ ‫فّ‬ ‫ترى? تتبع البهائم أمهاتها رجاء ألبانها، فإذا انقطع ذلك انصرفت عنها.‬ ‫فّ‬ ‫ورنبما قطع الصديق عن صديقه نبعض ما كان يصله، فلم يخف شره:‬ ‫فّ‬ ‫لن أصل أمره لم يكن عداوة. فأما من كان أصل أمره عداوة‬ ‫جوهرية، ثم أحدث صداقة لحاجة حملته على ذلك، فإنه إذا زالت‬‫الحاجة التي حملته على ذلك، زالت صداقته، فتحولت عداوة وصار إلى‬ ‫أصل أمره: كالماء الذي يسخن نبالنار، فإذا رفع عنها عاد نباردا. وليس‬‫من أعدائي عدو أضر لي منك. وقد اضطرني وإياك وإلى ما أحدثنا من‬ ‫ٌّ‬‫المصالحة. وقد ذهب المر الذي احتجت إلي واحتجت إليك فيه، وأخاف‬ ‫فّ‬ ‫741‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫أن يكون مع ذهانبه عود العداوة. ول خير للضعيف في قرب العدو‬ ‫القوي، ول للذليل في قرب العدو العزيز. ول أعلم لك قبلي حاجة،‬‫وليس عندي نبك ثقة: فإني قد علمت أن الضعيف المحترس من العدو‬‫القوي أقرب إلى السلمة من القوي إذا اغتر نبالضعيف والسترلسل إليه.‬ ‫والعاقل يصالح عدوه إذا اضطر إليه، ويصانعه، ويظهر له وده، ويريه‬ ‫هّ‬‫من نفسه اللسترلسال إليه إذا لم يجد من ذلك نبدا، ثم يعجل النصراف‬ ‫هّ‬ ‫هّ‬ ‫عنه، حين يجد إلى ذلك لسبيل. واعلم أن لسريع اللسترلسال ل تقال‬ ‫عثرته. والعاقل يفي لمن صالحه من أعدائه نبما جعل له من نفسه،‬ ‫ول يثق نبه كل الثقة، ول يأمنه على نفسه مع القرب منه. وينبغي أن‬ ‫يبعد عنه ما الستطاع. وأنا أودك من نبعيد، وأحب لك من البقاء‬ ‫والسلمة، ما لم أكن أحبه لك من قبل. ول عليك أن تجازيني على‬ ‫صنيعي إل نبمثل ذلك: إذ ل لسبيل إلى اجتماعنا والسل.م.‬ ‫نباب انبن الملك والطائر فنزة‬‫قال دنبشليم الملك لبيدنبا الفيلسوف: قد لسمعت هذا المثل، فاضرب لي‬‫مثل أهل الترات الذين ل نبد لبعضهم من اتقاء نبعض. قال نبيدنبا: زعموا‬ ‫ِّ‬ ‫أن ملكا من ملوك الهند كان يقال له نبريدون، وكان له فرخ وكان هذا‬ ‫الطائر وفرخه ينطقان نبأحسن منطق، وكان الملك نبهما معجبا، فأمر‬‫نبهما أن يجعل عند امرأته، وأمرها نبالمحافظة، عليهما. واتفق أن امرأة‬‫الملك ولدت غلما، فألف الفرخ الغل.م. وكلهما طفلن يلعبان جميعا،‬ ‫وكان فنزة يذهب إلى الجبل كل يو.م فيأتي نبفاكهة ل تعرف فيطعم‬ ‫انبن الملك شطرها. ويطعم فرخه شطرها. فألسرع ذلك في نشأتهما‬ ‫841‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫وزاد في شبانبهما ونبان عليهما أثره عند الملك: فازداد لفنزة إكراما‬ ‫وتعظيما ومحبة حتى إذا كان يو.م من اليا.م وفنزة غائب في اجتناء‬ ‫الثمرة وفرخه في حجر الغل.م ذرق في حجره فغضب الغل.م وأخذ‬ ‫الفرخ فضرب نبه الرض فمات. ثم إن فنزة أقبل فوجد فرخه مقتول ف ً‬ ‫فصاح وحزن وقال: قبحا للملوك الذين ل عهد لهم ول وفاء ويل لمن‬ ‫انبتلى نبصحبة الملوك الذين ل حمي لهم ول حرمة ول يحبون أحد ول‬ ‫يكر.م عليهم إل إذا طمعوا فيما عنده من غناه واحتاجوا إلى ما عنده‬ ‫من علم: فيكرمونه لذلك فإذا ظفروا نبحاجتهم منه فل ود ول إخاء ول‬ ‫إحسان ول غفران ذنب ول معرفة حق هم الذين أمرهم مبني على‬ ‫الرياء والفجور. وهم يستصغرون ما يرتكبونه من عظيم الذنوب‬‫ويستعظمون اليسير إذا خولفت فيه أهواؤهم. ومنهم هذا الكفور الذي‬ ‫ل رحمة له الغادر نبأليفه وأخيه. ثم وثب في شدة حنقه على وجه‬ ‫الغل.م ففقأ عينه، وطار فوقع على شرفة المنزل. ثم إنه نبلغ الملك‬ ‫ذلك، فجزع أشد الفزع، ثم طمع أن يحتال له فوقف قريبا منه وناداه‬ ‫وقال له: إنك آمن فنزل يا فنزة. فقال له: أيها الملك إن الغادر مأخوذ‬ ‫نبغدره وإنه إن أخطأه عاجل العقونبة لم يخطئه الجل حتى إنه يدرك‬ ‫العقاب وأعقاب العقاب وإن انبنك غدر نبانبني، فعجلت له العقونبة.‬‫قال الملك: لعمري قد غدرنا نبانبنك، فانتقمت منا: فليس لك قبلنا ول لنا‬ ‫قبلك وتر مطلوب. فارجع إلينا آمنا. قال فنزة: لست نبراجع إليك أنبدا‬ ‫فإن ذوي الرأي قد نهوا عن قرب الموتور فإنه ل يزيدك لطف الحقود‬ ‫ولينه وتكرمه إياك إل وحشة منه، ولسوء ظن نبه: فإنك ل تجد للحقود‬ ‫941‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫الموتور أمانا هو أوثق لك من الذعر منه ول أجود من البعد عنه‬ ‫ولحترس منه أولى. وقد كان يقال: إن العاقل يعد أنبويه أصدقاء‬ ‫والخوة رفقاء والزواج ألفاء والبنين ذكرا، والبنات خصماء والقارب‬ ‫غرماء ويعد نفسه فريدا. وأنا الفريد الوحيد الغريب الطريد قد تزودت‬ ‫من عنكم من الحزن عبئا ثقيل ف ً ل يحمله معي أحد. وأنا ذاهب. فعليك‬ ‫مني السل.م.‬‫قال الملك: إنك لو لم تكن اجتزيت منا فيما صنعناه نبك، نبل كان صنيعك‬ ‫نبنا من غير انبتداء منا نبالغدر كان المر كما ذكرت. وأما إذا كنا نحن‬ ‫نبدأناك، فما ذنبك? وما الذي يمنعك من الثقة نبنا? هلم فارجع: فإنك‬‫آمن. قال فنزة: اعلم أن الحقاد لها في القلوب مواقع ممكنة موجعة.‬ ‫فاللسن ل تصدق في خبرها عن القلوب، والقلب أعدل شهادة من‬ ‫اللسان على القلب. وقد علمت أن قلبي ل يشهد للسانك، ول قلبك‬ ‫للساني. قال الملك: ألم تعلم أن الضغائن ولحقاد تكون نبين كثير من‬ ‫الناس: فمن كان ذا عقل كان على إماتة الحقد أحرص منه على‬‫ترنبيته. قال فنزة: إن ذلك لكما ذكرت، ولكن ليس ينبغي لذي الرأي مع‬ ‫ذلك أن يظن أن الموتور الحقود ناس ما وتر نبه، مصروف عنه فكره‬ ‫فيه. وذو الرأي يتخوف المكر والخديعة والحيل ويعلم أن كثيرا من‬ ‫العدو ل يستطاع نبالشدة والمكانبرة، حتى يصاد نبالرفق والملينة، كما‬ ‫يصاد الفيل الوحشي نبالفيل الداجن. قال الملك: إن العاقل الكريم ل‬ ‫يترك إلفه، ول يقطع إخوانه ول يضيع الحفاظ، وإن هو خاف على‬ ‫نفسه، حتى إن هذا الخلق يكون قي أوضع الدواب منزلة: فقد علمت‬ ‫051‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫أن اللعانبين يلعبون نبالكلب، ثم يذنبحونها ويأكلونها. ويرى الكلب الذي‬ ‫قد ألفهم ذلك، فل يدعوه إلى مفارقتهم، ول يمنعه من إلفته إياهم.‬ ‫قال فنزة: إن الحقاد مخوفة حيثما كانت. فأخوفها وأشدها ما كان‬‫في أنفس الملوك: فإن الملوك يدينون نبالنتقا.م، ويرون الدرك والطلب‬‫نبالوتر مكرمة وفخرا. وإن العاقل ل يغتر نبسكون الحقد إذا لسكن فإنما‬ ‫مثل الحقد في القلب، إذا لم يجد محركا، مثل الجمر المكنون، ما لم‬ ‫لسجد حطبا، فليس ينفك القد متطلعا إلى العلل، كما تبتغي النار‬‫الحطب فإذا وج علة الستعر الستعار النار، فل يطفئه حسن كل.م، ول لين‬ ‫ول رفق ول خضوع ول تضرع ول مصانعة، ول شيء دون تلف‬ ‫النفس. مع أنه رب واتر يطمع في مراجعة الموتور نبما يرجو أن يقدر‬ ‫عليه من النفع له، والدفع عنه. ولكني أنا أضعف عن أن أقدر على‬ ‫شيء يذهب نبه ما في نفسك. ولو كانت نفسك منطوية لي على ما‬‫تقول ما كان ذلك عني مغنيا ول أزل في خوف ووحشة ولسوء ظن، ما‬ ‫اصطحبنا. فليس الرأي نبيني ونبينك إل الفراق. وأنا أقرأ عليك السل.م.‬ ‫قال الملك: لقد علمت أنه ل يستطيع أحد لحد ضرا ول نفعا، وأنه ل‬ ‫شيء من الشياء صغيرا ول كبيرا يصيب أحد أل نبقضاء وقدر معلو.م.‬ ‫وكما أن خلق ما يخلق، وولدة ما يولد، ونبقاء ما يبقى ليس إلى‬ ‫الخلئق منه شئ، كذلك فناء ما يفنى وهلك ما يهلك. وليس لك في‬ ‫الذي صنعت نبانبني ذنب، ول ل نبني فيما صنع نبانبنك ذنب.‬ ‫إنما كان ذلك كله قدرا مقدورا، وكلنا له علة: فل نوأخذ نبما نبه القدر.‬ ‫قال فنزة: إن القدر لكما ذكرت، لكن ل يمنع ذلك الحاز.م من توقى‬ ‫151‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫المخاوف، والحتراس من المكاره. ولمنه يجمع تصديقا نبالقدر وأخذا‬ ‫نبالحز.م والقوة. وأنا أعلم أنك تكلمني نبغير ما في نفسك. والمر نبيني‬ ‫ونبينك غير صغير: لن انبنك قتل انبني، وأنا فقأت عين انبنك، وأنت تريد‬ ‫أن تشتفي نبقتلي، وتخلني عن نفسي، والنفس تأنبى الموت. وقد كان‬ ‫يقال: الفاقة نبلء والحزن نبلء وقرب العدو نبلء وفراق الحبة نبلء‬ ‫والسقم نبلء والهر.م نبلء، ورأس البليا كلها الموت. وليس أحد نبأعلم‬‫نبما في نفس الموجع الحزين ممن ذاق مثل ما نبه. فأنا نبما في نفسي‬ ‫عالم نبما نفسك: للمثل الذي عندي من ذلك. ول خير لي في صحبتك:‬‫فإنك لن تتذكر صنيعي نبانبنك، ولن أتذكر صنيع انبنك نبانبني، إل أحدث ذلك‬ ‫لقلونبنا تغييرا.‬ ‫قال الملك: ل خير فيمن ل يستطيع العراض عما في نفسه، وينساه‬‫ويهمله، حتى ل نبذكر منه شيئا، ول يكون له في نفسه موقع. قال فنزة:‬‫إن الرجل الذي في نباطن قدمه قرحة، إن هو حرص على المشي فل‬ ‫نبد أنه ل يزال يشتكي قرحته، والرجل الرمد العين إذا الستقبل نبها‬ ‫الريح، تعرض لن تزداد رمدا. وكذلك الواتر إذا دنا من الموتور، فقد‬ ‫عرض نقسه للهلك. ول ينبغي لصاحب الدنيا إل توقي المهالك‬ ‫والمتالف، وتقدير المور وقلة التكال على الحول والقوة، وقلة‬ ‫الغترار نبمن ل يأمن: فإنه من اتكل على قوته، فحمله ذلك على أن‬ ‫يسك الطريق المخوف، فقد لسعى في حتف نفسه. ومن ل يقدر‬ ‫لطاقته طعامه وشرانبه وحمل نفسه ما ل تطيق ول تحمل فقد قتل‬ ‫نفسه. ومن ل يقدر لقمته، وعظمها فوق ما يسع فوه، فرنبما غص نبها‬ ‫251‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫فمات. ومن اغتر نبكل.م عدوه، وانخدع له وضيع الحز.م، فهو أعدى‬ ‫الحز.م لنفسه من عدوه. وليس لحد النظر في القدر الذي ل يدري ما‬ ‫يأتيه منه ول ما يصرف عنه، ولكن عليه العمل نبالحز.م والخذ نبالقوة‬ ‫ومحالسبة نفسه في ذلك. والعاقل ل يثق نبأحد ما الستطاع، ول يقيم‬ ‫على خوف وهو يجد عنه مذهبا. وأنا كثير المذاهب وأرجو أل أذهب‬ ‫وجها أل أصبت فيه مت يغنيني: فإن خلل ف ً خمسا من تزودهن كفينه‬ ‫في كل وجه، وآنسنه في غرنبة، وقرنبن له البعيد، وأكسبنه المعاش‬ ‫الخوان: أولهن كف الذى والثانية حسن الدب، والثالثة مجانبة الريب‬ ‫والرانبعة كر.م الخلق، والخامسة النبل في العمل. وإذا خاف النسان‬ ‫على نفسه شيئا طانبت نفسه عن المال والهل والولد والوطن: فإنه‬ ‫يرجو الخلف من ذلك كله ول يرجو عن النفس خلفا. وشر المال ما ل‬‫إنفاق منه وشر الزواج التي ل تواتي نبعلها، وشر الولد العاصي العاق‬‫لوالديه وشر الخوان الخاذل لخيه عند النكبات والشدائد، وشر الملوك‬ ‫الذي يخافه البريء، ول يواظب على حفظ أهل مملكته، وشر البلد‬ ‫نبلد نبل خصب فيها ول أمن، وإنه ل أمن لي عندك أيها الملك ول‬ ‫طمأنينة لي في جوارك. وثم ودع الملك وطار. فهذا مثل ذوي الوتار‬ ‫الذين ل ينبغي لبعضهم أن يثق نببعض.‬ ‫????????نباب اللسد والشغبر النالسك وهو انبن آوى‬‫قال دنبشليم الملك لبيدنبا الفيلسوف: قد لسمعت هذا المثل فاضرب لي‬ ‫مثل الملك الذي يراجع من أصانبته منه عقونبة من غير جر.م أو جفوة‬ ‫من غير ذنب. قال الفيلسوف: إن الملك لو لم يراجع من أصانبته منه‬ ‫351‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫جفوة عن ذنب أو عن غير ذنب، ظلم أولم يظلم لضر ذلك ويخبر ما‬ ‫عنده من المنافع فإن كان ممن يوثق نبه في رأيه وأمانته، فإن الملك‬ ‫حقيق نبالحرص على مراجعته: فإن الملك ل يستطاع ضبطه إل مع‬ ‫ذوي الرأي وهم الوزراء والعوان إل نبالمودة والنصيحة، ول مودة ول‬‫نصيحة إل لذوي الرأي والعفاف. وأعمال السلطان كثيرة، والذين يحتاج‬ ‫إليهم من العمال والعوان كثيرون. ومن يجمع منهم ما ذكرت من‬ ‫النصيحة والعفاف قليل. والمثل في ذلك مثل اللسد وانبن آوى. قال‬ ‫الملك: وكيف كان ذلك?‬ ‫قال الفيلسوف: زعموا أن انبن آوى كان يسكن في نبعض الدحال‬ ‫وكان متزهدا متعففا، مع نبنات آوى وذئاب وثعالب. ولم يكن يصنع ما‬‫يصنعن، ول يغير كما يغرن، ول يهريق دما ول يأكل لحما. فخاصمه تلك‬ ‫السباع، وقلن ل نرضى نبسيرتك و ل رأيك الذي أنت عليه من تزهدك:‬‫مع أن تزهدك ل يغني عنك شيئا. وأنت ل تستطيع أن تكون إل كأحدنا:‬‫تسعى معنا، وتفعل فعلنا فما الذي كفك عن الدماء وعن أكل اللحم?‬ ‫قال انبن آوى: إن صحبتي إياكن ل تؤثمني إذا لم أؤثم نفسي: لن‬ ‫الثا.م ليست من قبل الماكن والصحاب، ولكنها من قبل القلوب‬ ‫والعمال. ولو كان صاحب المكان الصالح يكون عمله فيه صالحا،‬ ‫وصاحب المكان السيء يكون عمله فيه لسيئا، كان حينئذ من قتل‬‫النالسك في محرانبه لم يأثم، ومن الستحياه في معركة القتال أثم. وإني‬‫إنما صحبتكن نبنفسي، ولم أصحبكن نبقلبي وأعمالي: لني أعرف ثمرة‬ ‫العمال: فلزمت حالي: وثبت انبن آوى على حاله تلك واشتهر نبالنسك‬ ‫451‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫والتزهد حتى نبلغ ذلك ألسدا كان ملك تلك الناحية فرغب فيه: لما نبلغه‬ ‫عنه من العفاف والنزاهة والزهد والمانة فأرلسل إليه يستدعيه. فلما‬ ‫حضر كلمه وآنسه فوجده في جميع المور وفق غرضه. ثم دعاه نبعد‬ ‫أيا.م إلى صحبته وقال له: تعلم أن عمالي كثير وأعواني جم غفير وأنا‬‫مع ذلك إلى العوان محتاج. وقد نبلغني عنك عفاف وأدب وعقل ودين‬ ‫فازددت فيك رغبة. وأنا موليك من عملي جسيما ورافعك إلى منزلة‬ ‫شريفة وجاعلك من خاصتي. قال انبن آوى: إن الملوك أحقاء نباختيار‬‫العوان فيما يهتمون نبه من أعمالهم وأمورهم. وهم أحرى أل يكرهوا‬‫على ذلك أحدا: فإن المكره ل يستطيع البالغة في العمل. وإني لعمل‬ ‫السلطان كاره. وليس لي نبه تجرنبة ول نبالسلطان رفق. وأنت ملك‬ ‫السباع وعندك من أجناس الوحوش عدد كثير فيهم أهل نبل وقوة‬‫ولهم على العمل حرص وعندهم نبه ونبالسلطان رفق: فإن الستعملتهم‬‫أغنوا عنك واغتبطوا لنفسهم نبما أصانبهم من ذلك. قال اللسد: دع عنك‬ ‫هذا: فإني غير معفيك من العمل. قال انبن آوى: إنما يستطيع خدمة‬ ‫السلطان رجلن لست نبواحد منهما: إما فاجر مصانع ينال حاجته‬‫نبفجوره ويسلم نبمصانعته وإما مغفل ل يحسده أحد. فن أراد أن يخد.م‬ ‫السلطان نبالصدق والعفاف فل يخلط ذلك نبمصانعته وحينئذ قل أن‬ ‫يسلم على ذلك: لنه يجتمع عليه عدو السلطان وصديقه نبالعداوة‬ ‫والحسد. أما الصديق فينافسه في منزلته ويبغى عليه فيها ويعاديه‬ ‫لجلها وأما عدو السلطان فيضطغن عليه لنصيحته لسلطانه وإغنائه‬‫عنه. فإذا اجتمع عليه هذان الصنفان فقد تعرض للهلك. قال اللسد: ل‬ ‫551‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫يكونن نبغي أصحانبي عليك وحسدهم إياك مما يعرض في نفسك:‬ ‫فأنت معي وأنا أكفيك ذلك وأنبلغ نبك من درجات الكرامة والحسان‬ ‫على قدر همتك. قال انبن آوى: إن كان الملك يريد الحسان إلي‬‫فليدعني في هذه البرية أعيش آمنا قليل الهم راضيا نبعيشي من الذى‬ ‫والخوف في لساعة واحدة ما ل يصل إلى غيره في طول عمره وإن‬‫قليل ف ً من العيش في آمن وطمأنينة خير من كثير من العيش في خوف‬‫ونصب. قال اللسد: قد لسمعت مقالتك، فل تخف شيئا مما أراك تخاف‬ ‫منه. ولست أجد نبدا من اللستعانة نبك في أمري. قال انبن آوى : أنا إذا‬ ‫أنبى الملك إل ذلك فليعجل لي عهدا إن نبغى على أحد من أصحانبه‬‫عنده، ممن هو فوقي: مخافة على منزلته، أو ممن هو دون: لينازعني‬ ‫في منزلتي فذكر عند الملك منهم ذاكر نبلسانه، أو على لسان غيره ما‬ ‫يريد نبه تحميل الملك على أل يعجل في أمر وأن يتثبت فيما يرفع إليه‬ ‫ويذكر عنده من ذلك ويفحص عنه ثم ليصنع ما نبدا له. فإذا وثقت منه‬ ‫نبذلك أعنته نبنفسي فيما يحب وعملت له فيما أولني نبنصيحة واجتهاد‬‫وحرصت على أل أجعل له على نفسي لسبيل. قال اللسد: لك ذلك على‬ ‫ف ً‬‫وزيادة. ثم وله خزائنه واختص نبه دون أصحانبه وزاد في كرامته. فلما‬ ‫رأى أصحاب اللسد ذلك غاظهم ولساءهم? فأجمعوا كيدهم، واتفقوا‬ ‫كلهم على أن يحملوا عليه اللسد وكلن اللسد قد الستطاب لحما فعزل‬‫منه مقدرا، وأمره نبالحتفاظ نبه، وأن يرفعه في أحصن موضع طعامه‬ ‫وحملوه إلى نبيت انبن آوى، فخبئوه فيه، ول علم له نبه، ثم حضروا‬‫يكذنبونه إن جرت في ذلك حال. فلما كان من الغد ودعا اللسد نبغدائه،‬ ‫651‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫فقد ذلك اللحم، فالتمسه ولم يجده، وانبن آوى لم يشعر نبما صنع في‬‫حقه من المكيدة. فحضر الذين عملوا المكيدة، وقعدوا في المجلس.‬ ‫ثم إن الملك لسأل عن اللحم، وشدد فيه، وقي المسألة عنه، فنظر‬‫نبعضهم إلى نبعض، فقال أحدهم قول المخبر الناصح: إنه ل نبد لنا من‬ ‫أن نخبر الملك نبما يضره وينفعه، وإن شق ذلك على من يشق عليه.‬‫وإنه نبلغني أن انبن آوى هو الذي ذهب نباللحم إلى منزله. قال الخر: ل‬ ‫أراه يفعل هذا، ولكن انظروا وفحصوا فإن معرفة الخلئق شديدة.‬ ‫فقال الخر: لعمري ما تكاد السرائر تعرف، وأظنكم إن فحصتم عن‬ ‫هذا وجدتم اللحم نببيت انبن آوى، وكل شيء يذكر من عيونبه وخيانته‬ ‫نحن أحق أن نصدقه. قال الخر: لئن وجدنا هذا حقا فليست نبالخيانة‬ ‫فقط، ولكن مع الخيانة كفر النعمة، والجراءة على الملك. قال الخر:‬ ‫أنتم أهل العدل والفضل، ل ألستطيع أن أكذنبكم، ولكن لسيبين هذا لو‬ ‫أرلسل إلى الملك من يفتشه. قال الخر: إن كان الملك مفتشا منزله‬ ‫فليعجل: فإن عيونه وجوالسيسه مبثوثة نبكل مكان. ولم يزالوا في‬ ‫الكل.م و أشباهه، حتى وقع في نفس اللسد ذلك، فأمر نبانبن آوى‬‫فحضر فقال له: أين اللحم الذي أمرتك نبالحتفاظ نبه، قال: دفعته إلى‬ ‫صاحب الطعا.م ليقرنبه إلى الملك. فدعا اللسد نبصاحب الطعا.م، وكان‬ ‫ممن ونبايع مع القو.م على انبن آوى. فقال: ما دفع إلى شيئا. فأرلسل‬ ‫اللسد أمينا إلى نبيت انبن آوى ليفتشه، فوجد فيه ذلك اللحم، فأتى نبه‬ ‫اللسد. فدنا من اللسد ذئب لم يكن تكلم في شيء من ذلك. وكان‬‫يظهر أنه من العدول الذين ل يتكلمون فيما ل يعلمون، حتى يتبين لهم‬ ‫751‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫الحق. فقال: نبعد أن اطلع الملك على خيانة انبن آوى فل يعفون عنه:‬ ‫َّ‬ ‫فإنه إن عفا عنه لم يطلع الملك نبعدها على خيانة خائن، ول ذنب‬‫مذنب. فأمر اللسد نبانبن آوى أن يخرج، ويحتفظ نبه. فقال نبعض جلساء‬ ‫الملك: إني لعجب من رأي الملك ومعرفته نبالمور كيف يخفى عليه‬ ‫أمر هذا، ولم يعرف خبثه ومخادعته? وأعجب من هذا أني أراه‬ ‫لسيصفح عنه، نبعد الذي ظهر منه. فأرلسل اللسد نبعضهم رلسول ف ً إلى‬ ‫انبن آوى يلتمس منه العذر، فرجع إليه الرلسول نبرلسالة كاذنبة اخترعها‬‫فغضب اللسد من ذلك وأمر نبانبن آوى أن يقتل. فعلمت أ.م اللسد أنه قد‬ ‫عجل في أمره، فأرلسلت إلى الذين أمروا نبقتله أن يؤخروه، ودخلت‬ ‫هّ‬ ‫على انبنها، فقالت: يا نبني نبأي ذنب أمرت نبقتل انبن آوى? فأخبرها‬ ‫نبالمر. فقالت: يا نبني عجلت. وإنما يسلم العاقل من الندامة نبترك‬ ‫َّ هّ‬ ‫العجلة ونبالتثبت. والعجلة ل يزال صاحبها يجتني ثمرة الندامة، نبسبب‬ ‫ضعف الرأي. وليس أحد أحوج إلى التؤدة والتثبت من الملوك: فإن‬ ‫ُّ‬ ‫المرأة نبزوجها، والولد نبوالديه، والمتعلم نبالمعلم والجند نبالقائد،‬ ‫والنالسك نبالدين، والعامة نبالملوك، والملوك نبالتقوى، والتقوى نبالعمل،‬‫والعقل نبالتثبت والناة، ورأس الكل الحز.م، ورأس الحز.م للملك معرفة‬ ‫أصحانبه، وإنزالهم منازلهم على طبقاتهم، واتهامه نبعضهم على نبعض.‬ ‫فإنه لو وجد نبعضهم إلى هلك نبعض لسبيل ف ً لفعل. وقد جرنبت انبن‬ ‫آوى، ونبلوت رأيه وأمانته ومروءته، ثم لم تزل مادحا له راضيا عنه.‬‫وليس ينبغي للملك أن يخونه نبعد ارتضائه إياه وائتمانه له، ومنذ مجيئه‬ ‫هّ‬‫إلى الن لم يطلع له على خيانة إل على العفة والنصيحة. وما كان رأي‬ ‫851‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬‫الملك أن يعجل عليه لجل طانبق لحم. وأنت أيها الملك حقيق أن تنظر‬ ‫في حال انبن آوى: لتعلم أنه لم يكن ليتعرض للحم الستودعته إياه.‬ ‫هّ‬ ‫ولعل الملك إن فحص عن ذلك ظهر له أن انبن آوى له خصماء هم‬ ‫الذين أتمروا نبهذا المر. وهم الذين ذهبوا نباللحم إلى نبيته فوضعوه‬ ‫فيه: فإن الحدأة إذا كان في رجلها قطعة لحم اجتمع عليها لسائر‬ ‫الطير، والكلب إذا كان معه عظم اجتمع عليه الكلب. وانبن آوى منذ‬ ‫كان إلى اليو.م نافع، وكان محتمل ف ً لكل ضرر في جنب منفعة تصل‬ ‫إليك، ولكل عناء يكون لك فيه راحة، ولم يطوى دونك لسرا.‬ ‫فبينما أ.م اللسد تقص عليه هذه المقالة، إذ دخل على اللسد نبعض‬ ‫ثقاته، فأخبره نببراءة انبن آوى. فقالت أ.م اللسد، نبعد أن اطلع الملك‬ ‫على نبراءة انبن آوى: إن الملك حقيق أل يرخص لمن لسعى نبه لئل‬ ‫هّ‬‫يتجرءوا إلى ما هو أعظم من ذلك نبل يعاقبهم عليه لكي ل يعودوا إلى‬‫مثله: فأنه ل ينبغي للعاقل أن يراجع في أمر الكفور للحسنى، الجريء‬ ‫على الغدر، الزاهد في الخير الذي ل يوقن نبالخرة. وينبغي أن يجزى‬ ‫نبعمله، وقد عرفت لسرعة الغضب وفرط الهفوة، ومن لسخط نباليسير‬ ‫لم يبلغ رضاه نبالكثير. والولى لك أن تراجع انبن آوى، وتعطف عليه،‬ ‫ول يوئسنك من مناصحته ما فرط منك إليه من اللساءة: فإن من‬ ‫الناس من ل ينبغي تركه على حال من الحوال، وهو من عرف‬ ‫نبالصلح والكر.م وحسن العهد والشكر والوفاء والمحبة للناس‬ ‫والسلمة من الحسد والبعد من الذى والحتمال للخوان والصحاب‬ ‫وإن ثقلت عليه منه المئونة. وأما من ينبغي تركه فهو من عرف‬ ‫951‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫نبالشرالسة ولؤ.م العهد وقلة الشكر والوفاء والبعد من الرحمة والورع،‬ ‫واتصف نبالجحود لثواب الخرة وعقانبها. وقد عرفت انبن آوى وجرنبته‬‫وأنت حقيق نبمواصلته. فدعى اللسد نبانبن آوى وأعتذر إليه مما كان منه‬‫ووعده خيرا، وقال: إني معتذر إليك ورادك إلى منزلتك. فقال انبن آوى:‬ ‫هّ‬ ‫إن شر الخلء من التمس منعة نفسه نبضر أخيه، ومن كان غير ناظر‬ ‫له كنظره لنفسه، أو كان يريد أن يرضيه نبغير الحق لجل إتباع هواه.‬ ‫وكثيرا ما يقع ذلك نبين الخلء. وقد كان من الملك إلى ما علم فل‬ ‫يغلظن على نفسه ما اخبره نبه إني نبه غير واثق، وإنه ل ينبغي لي أن‬ ‫أصحبه: فإن الملوك ل ينبغي أن يصحبوا من عاقبوه أشد العقاب، ول‬ ‫ينبغي لهم أن يرفضوه أصل: فإن ذا السلطان إذا عزل كان مستحقا‬ ‫ف ً‬ ‫للكرامة في حالة إنبعاده والقصاء له. فلم يلتفت اللسد إلى كلمه. ثم‬ ‫قال له: إني قد نبلوت طباعك وأخلقك، وجرنبت أمانتك ووفاءك‬ ‫وصدقك، وعرفت كذب من تمحل الحيلة لتحملي عليك. وإني منزلك‬ ‫هّ‬ ‫من نفسي منزلة الخيار الكرماء، والكريم تنسيه الخلة الواحدة من‬ ‫الحسان، الخلل الكثيرة من اللساءة. وقد عدنا إلى الثقة نبك، فعد‬‫إلى الثقة نبنا: فإن لنا ولك نبذلك غطة ولسرورا. فعاد انبن آوى إلى ولية‬ ‫ما كان يلي، وضاعف له الملك الكرامة، ولم تزده اليا.م إل تقرنبا من‬ ‫السلطان.‬ ‫نباب إيلذ ونبلذ وايراخت‬‫قال دنبشليم الملك لبيدنبا الفيلسوف: قد لسمعت هذا المثل، فاضرب لي‬‫مثل ف ً في الشياء التي يجب على الملك أن يلز.م نبها نفسه، ويحفظ ملكه‬ ‫061‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬‫ويثبت لسلطانه، ويكون ذلك رأس أمره وملكه: أنبالحلم أ.م نبالمروءة أ.م‬ ‫نبالشجاعة أ.م نبالجود? قال نبيدنبا: إن أحق ما يحفظ نبه الملك ملكه‬ ‫الحلم، ونبه تثبت السلطنة، والحلم رأس المور وملكها، وأجود ما كان‬ ‫في الملوك: كالذي زعموا من أنه كان ملك يدعى نبلذ، وكان له وزير‬ ‫يدعى إيلذ. وكان متعبدا نالسكا. فنا.م الملك ذات ليلة، فرأى في منامه‬ ‫ثمانية أحل.م أفزعته، فالستيقظ مرعونبا. فدعا البراهمة، وهم النساك‬ ‫هّ‬ ‫ليعبروا رؤياه. فلما حضروا نبين يديه قص عليهم ما رأى. فقالوا‬ ‫نبأجمعهم: لقد رأى الملك عجبا فإن أمهلتنا لسبعة أيا.م جئناه نبتأويله.‬ ‫قال الملك: قد أمهلتكم فخرجوا من عنده ثم اجتمعوا في منزل‬‫أحدهم وأتمروا نبينهم. وقالوا: قد وجدتم علما والسعا تدركون نبه ثأركم‬ ‫و تنقمون نبه من عدوكم، وقد علمتم أنه قتل منا نبالمس اثنى عشر‬‫ألفا. وها هو قد أطلعنا على لسره ولسألناه تفسير رؤياه: فهلم نغلظ له‬ ‫القول ونخوفه حتى يحمله الفرق والجزع على أن يفعل الذي نريد‬‫ونأمر. فنقول: ادفع إلينا أحباءك ومن يكر.م عليك حتى نقتلهم: فإن قد‬ ‫نظرنا في كتانبنا فلم نر أن يدفع عنك ما رأيت لنفسك وما وقعت فيه‬ ‫من هذا للشر إل نبقتل من نسمي لك فإن قال الملك: وما تريدون أن‬‫تقتلوا? لسموهم لي. قلنا نريد الملكة ايراخت أ.م جوير المحمودة أكر.م‬ ‫نسائك عليك. ونريد جوير أحب نبنيك إليك وأفضلهم عندك. ونريد انبن‬ ‫أخيك الكريم، وإيلذ خليلك وصاحب أمرك. ونريد كال الكاتب صاحب‬ ‫لسرك ولسيفك الذي ل يوجد مثله والفيل النبيض الذي ل تلحقه الخيل‬‫والفرس الذي هو مركبك في القتال. ونريد الفيلين الخرين العظيمين‬ ‫161‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫الذين يكونان مع الفيل الذكر. ونريد البختي السريع القوي. ونريد‬ ‫كباريون الحكيم الفاضل العالم نبالمور لننتقم منه نبما فعل نبنا. ثم‬‫نقول: إنما ينبغي لك أيها الملك أن تقتل هؤلء الذين لسميناهم لك، ثم‬ ‫تجعل دماءهم في حوض تملؤه، ثم تقعد فيه. فإذا خرجت من‬‫الحوض اجتمعنا نحن معاشر البراهمة من الفاق الرنبعة نجول حولك‬‫فنرقيك ونتفل عليك ونمسح عنك الد.م ونغسلك نبالماء والدهن الطيب.‬ ‫ثم تقو.م إلى منزلك البهي فيدفع ا نبذلك البلء الذي نتخوفه عليك.‬ ‫هّ‬ ‫فإن صبرت، أيها الملك، وطانبت نفسك عن أحبائك الذين ذكرنا لك،‬ ‫وجعلتهم فداءك، تخلصت من البلء، والستقا.م لك ملكك ولسلطانك،‬ ‫والستخلفت من نبعدهم من أحببت. وإن أنت لم تفعل تخوفنا عليك أن‬ ‫هّ‬ ‫يغضب ملكك أو تهلك. فإن هو أطاعنا فيما نأمره قتلناه أي قتلة شئنا.‬‫فلما أجمعوا على ما أتمروا نبه رجعوا إليه في اليو.م السانبع. وقالوا له:‬ ‫أيها الملك، إنا نظرنا في كتبنا في تفسير ما رأيت، وفحصنا عن الرأي‬ ‫هّ‬‫فيما نبيننا. فلتكن لك أيها الملك الطاهر الصالح الكرامة. ولسنا نقدر أن‬ ‫نعلمك نبما رأينا إل أن تخلو نبنا. فأخرج الملك من كان عنده وخل نبهم.‬ ‫فحدثوا نبالذي ائتمروا نبه. فقال لهم: الموت خير لي من الحياة إن أنا‬ ‫قتلت هؤلء الذين هم عديل نفسي. وأنا ميت ل محالة، والحياة‬‫قصيرة، ولست كل الدهر ملكا، وإن الموت عندي وفراق الحباء لسواء.‬ ‫قال له البراهمة: إن أنت لم تغضب أخبرناك. فأذن لهم.‬ ‫فقالوا: أيها الملك إنك لم تقل صوانبا حين تجعل نفس غيرك أعز‬ ‫عندك من نفسك. فاحتفظ نبنفسك وملكك. واعمل هذا الذي لك فيه‬ ‫261‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫الرجاء العظيم على ثقة ويقين. وقر عينا نبملكك في وجوه أهل‬ ‫هّ‬ ‫مملكتك الذين شرفت وكرمت نبهم. ول تدع المر العظيم وتأخذ‬ ‫نبالضعيف فتهلك نفسك إيثارا لمن تحب. واعلم أيها الملك أن النسان‬ ‫إنما يحب الحياة محبة لنفسه. وأنه ل يحب من أحب من الحباء إل‬ ‫ليتمتع نبهم في حياته. وإنما قوا.م نفسك نبعد ا تعالى نبملكك. وإنك‬ ‫لم تنل ملكك إل نبالمشقة والعناء الكثير في الشهور والسنين. وليس‬ ‫ينبغي أن ترفضه ويهون عليك. فالستمع كلمنا. فانظر لنفسك مناها،‬ ‫ودع ما لسواها: فإنه ل خطر له. فلما رأى الملك أن البراهمة قد‬‫أغلظوا له في القول واجترءوا عليه في الكل.م اشتد غمه وحزنه. وقا.م‬ ‫هّ‬‫من نبين ظهرانيهم ودخل إلى حجرته فخر على وجهه يبكي ويتقلب كما‬ ‫هّ‬ ‫تتقلب السمكة إذا خرجت من الماء، وجعل يقول في نفسه: ما أدري‬ ‫أي المرين أعظم في نفسي? المملكة أ.م قتل أحبائي? ولن أنال‬ ‫الفرح ما عشت. وليس ملكي نبباق علي إلى النبد. ولست نبالمصيب‬ ‫هّ‬ ‫لسؤلي في ملكي. وإني لزاهد في الحياة إذا لم أرى إيراخت. وكيف‬ ‫أقدر على القيا.م نبملكي إذا هلك وزيري إيلذ? وكيف أضبط أمري إذا‬ ‫هلك فيلي النبيض وفرلسي الجواد? وكيف أدعى ملكا وقد قتلت من‬ ‫أشار البراهمة نبقتله? وما أصنع نبالدنيا نبعدهم? ثم إن الحديث فشا‬ ‫في الرض نبحزن الملك وهمه. فلما رأى إيلذ ما نال الملك من الهم‬ ‫هّ‬ ‫والحزن فكر نبحكمته ونظر وقال: ما ينبغي لي أن ألستقبل الملك‬ ‫هّ‬‫فألسأله عن هذا المر الذي قد ناله من غير أن يدعوني. ثم انطلق إلى‬ ‫إيراخت فقال: إني منذ خدمت الملك إلى الن لم يعمل عمل ف ً إل‬ ‫361‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫نبمشورتي ورأيي. وأراه يكتم عني أمرا ل أعلم ما هو. ول أراه يظهر‬ ‫منه شيئا. وإني رأيته خاليا مع الجماعة البرهميين منذ ليال. وقد‬ ‫احتجب عنا فيها. وأنا خائف أن يكون قد أطلعهم على شيء من‬ ‫هّ‬ ‫ألسراره. فلست آمنهم أن يشيروا عليه نبما يضره ويدخل عليه منه‬ ‫السوء. فقومي وادخلي عليه فالسأليه عن أمره وشأنه. واخبريني نبما‬ ‫هّ‬ ‫هو عليه وأعلميني: فإني لست أقدر على الدخول عليه. فلعل‬ ‫البرهميين قد زينوا له أمرا أو حملوه على خطة قبيحة. وقد علمت أن‬ ‫من خلق الملك أنه إذا غضب ل يسأل أحدا. ولسواء عنده صغير المور‬ ‫ِقُ ِقُ ا ِ‬‫وكبيرها. فقالت إيراخت: إنه كان نبيني ونبين الملك نبعض العتاب فلست‬ ‫نبداخلة عليه نبهذه الحال. فقال لها إيلذ: ل تحملي عليه الحقد في مثل‬ ‫هذا. ول يخطرن ذلك على نبالك فليس يقدر على الدخول عليه أحد‬ ‫هّ‬ ‫لسواك.‬ ‫وقد لسمعته كثيرا يقول: ما أشتد غمي ودخلت علي إيراخت إل لسرى‬ ‫ِّ‬ ‫هّ‬ ‫هّ‬‫عني، فقومي إليه واصفحي عنه. وكلميه نبما تعلمين أنه تطيب نبه نفسه‬‫ويذهب الذي يجده. وأعلميني نبما يكون جوانبه: فإنه لنا ولهل المملكة‬ ‫أعظم الراحة. فانطلقت إيراخت فدخلت على الملك فجلست عند‬ ‫رألسه. فقالت: ما الذي نبك أيها الملك المحمود? وما الذي لسمعت من‬‫البراهمة? فإني أراك محزونا. فأعلمني ما نبك، فقد ينبغي لنا أن نحزن‬‫معك ونوالسيك نبأنفسنا. فقال الملك: أيتها السيدة ل تسأليني عن أمري‬ ‫فتزيديني غما وحزنا: فإنه أمر ل ينبغي أن تسأليني عنه. قالت: أو قد‬ ‫هّ‬ ‫نزلت عندك منزلة من يستحق هذا? إنما أحمد الناس عقل ف ً من إذا‬ ‫461‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫نزلت نبه النازلة كان لنفسه أشد ضبطا، وأكثرهم الستماعا من أهل‬ ‫النصح حتى ينجو من تلك النازلة نبالحيلة والعقل والبحث والمشاورة.‬ ‫فعظيم الذنب ل يقنط من الرحمة. ول تدخلن عليك شيئا من الهم‬ ‫هّ‬‫والحزن. فإنهما ل يردان شيئا مقضيا. إل أنهما ينحلن الجسم ويشفيان‬ ‫العدو. قال لها الملك: ل يسأليني عن شيء فقد شققت علي. والذي‬ ‫هّ‬ ‫تسألينني عنه ل خير فيه: لن عاقبته هلكي وهلكك وهلك كثير من‬‫أهل مملكتي ومن هو عديل نفسي. وذاك أن البراهمة زعموا أنه ل نبد‬‫من قتلك وقتل كثير من أهل مودتي. ول خير في العيش نبعدكم. وهل‬ ‫أحد يسمع نبهذا إل اعتراه الحزن?.‬ ‫فلما لسمعت ذلك إيراخت جزعت. ومنعها عقلها أن تظهر للملك جزعا.‬‫فقالت: أيها الملك ل تجزع فنحن لك الفداء. ولك في لسواي ومثلي من‬ ‫الجواري ما تقر نبه عينك. ولكني أطلب منك، أيها الملك، حاجة يحملني‬ ‫على طلبها حبي لك وإيثاري إياك. وهي نصيحتي لك. قال الملك: وما‬ ‫هي? قالت: أطلب منك أن ل تثق نبعدها نبأحد من البراهمة. ول‬ ‫تشاورهم في أمر حتى تتثبت في أمرك. ثم تشاور فيه ثقاتك مرارا:‬ ‫فإن القتل أمر عظيم، ولست تقدر على أن تحيي من قتلت. وقد قيل‬ ‫في الحديث: إذا لقيت جوهرا ل خير فيه فل تلقيه من يدك حتى تريه‬ ‫من يعرفه. وأنت أيها الملك ل تعرف أعداءك. واعلم أن البراهمة ل‬ ‫يحبونك.‬ ‫وقد قتلت منهم نبالمس اثني عشر ألفا. ول تظن أن هؤلء ليسو من‬ ‫أولئك. ولعمري ما كنت جديرا أن تخبرهم نبرؤياك، ول أن تطلعهم‬ ‫561‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫عليها. وإنما قالوا لك ما قالوا لجل الحقد الذي نبينك ونبينهم: لعلهم‬ ‫يهلكونك ويهلكون أحباءك ووزيرك: فيبلغوا قصدهم منك. فأظنك لو‬ ‫قبلت منهم فقتلت من أشاروا نبقتله ظفروا نبك وغلبوك على ملكك،‬ ‫فيعود الملك إليهم كما كان. فانطلق إلى كباريون الحكيم، فهو عالم‬ ‫فطن فاخبره عما رأيت في رؤياك والسأله عن وجهها وتأويلها. فلما‬ ‫هّ‬ ‫لسمع الملك ذلك لسرى عنه وما كان يجده من الغم. فأمر نبفرلسه‬ ‫هّ‬‫فألسرج فركبه ثم انطلق إلى كباريون الحكيم. فلما انتهى إليه نزل عن‬ ‫فرلسه ولسجد له، وقا.م مطأطئا الرأس نبين يديه. فقال له الحكيم: ما‬ ‫نبالك أيها الملك? وما لي أراك متغير اللون? فقال له الملك إني رأيت‬ ‫في المنا.م ثمانية أحل.م فقصصتها على البراهمة. وأنا خائف أن‬‫يصيبني من ذلك عظيم أمر مما لسمعت من تعبيرهم لرؤياي. وأخشى‬ ‫أن يغصب مني ملكي أو أن أغلب عليه. فقال له الحكيم: إن شئت‬‫فاقصص رؤياك علي. فلما قص عليه الملك رؤياه. قال: ل يحزنك أيها‬ ‫هّ‬ ‫الملك هذا المر ول تخف منه: أما السمكتان الحمراوان اللتان رأيتهما‬ ‫قائمتين على أذنانبهما فإنه يأتيك رلسول من ملك نهاوند نبعلبة فيها‬‫ ٍ‬ ‫عقدان من الدر والياقوت الحمر، قيمتهما أرنبعة آلف رطل من ذهب‬ ‫فيقو.م نبين يديك. وأما الوزتان اللتان رأيتهما طارتا من وراء ظهرك‬ ‫فوقعتا نبين يديك: فإنه يأتيك من ملك نبلخ فرلسان ليس على الرض‬ ‫مثلهما فيقومان نبين يديك. وأما الحية التي رأيتها تدب على رجلك‬‫اليسرى: فإنه يأتيك من ملك صنجين من يقو.م نبين يديك نبسيف خالص‬‫الحديد ل يوجد مثله. وأما الد.م الذي رأيت كأنه خضب نبه جسدك: فإنه‬ ‫661‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫يأتيك من ملك كازرون من يقو.م نبين يديك نبلباس معجب يسمى حلة‬ ‫هّ‬ ‫أرجوان يضيء في الظلمة. وأما ما رأيت من غسلك جسمك نبالماء:‬ ‫فإنه يأتيك من ملك رهزين من يقو.م نبين يديك نبثياب كتان من لباس‬‫الملوك. وأما ما رأيت من أنك على جبل أنبيض: ل تلحقه الخيل. وأما ما‬ ‫رأيت على رألسك شبيها نبالنار: فإنه يأتيك من ملك أرزن من يقو.م نبين‬ ‫يديك نبإكليل من ذهب مكلل نبالدر والياقوت. وأما الطير الذي رأيته‬ ‫ ٍ‬ ‫ضرب رألسك نبمنقاره: فلست مفسرا ذلك اليو.م. وليس نبضارك، فل‬ ‫توجلن منه. ولكن فيه نبعض السخط والعراض عمن تحبه: فهذا‬ ‫هّ‬ ‫تفسيره رؤياك أيها الملك، وأما هذه الرلسل والبرد فإنهم يأتونك نبعد‬ ‫لسبعة أيا.م جميعا فيقومون نبين يديك. فلما لسمع الملك ذلك لسجد‬ ‫ ٍ‬ ‫لكباريون ورجع إلى منزله.‬ ‫فلما كان نبعد لسبعة أيا.م جاءت البشائر نبقدو.م الرلسل فخرج الملك‬‫فجلس على التخت، وأذن للشراف، وجاءته الهدايا كما اخبره كباريون‬ ‫الحكيم. فلما رأى الملك ذلك اشتد عجبه وفرحه من علم كباريون.‬ ‫وقال: ما وفقت حين قصصت رؤياي على البراهمة فأمروني نبما‬ ‫أمروني نبه. ولول أن ا تعالى تداركني نبرحمته لكنت قد هلكت‬ ‫وأهلكت؛ وكذلك ل ينبغي لكل أحد أن يسمع إل من الخلء ذوي‬ ‫العقول. وإن إيراخت أشارت نبالخير فقلبته. ورأيت نبه النجاح. فضعوا‬ ‫الهدية نبين يديها لتأخذ منها ما اختارت. ثم قال ليلذ: خذ الكليل‬ ‫واحملها واتبعني نبها إلى مجلس النساء. ثم إن الملك دعا إيراخت‬‫وحورقناه أكر.م نسائه نبين يديه. فقال ليلذ: ضع الكسوة والكليل نبين‬ ‫761‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫يدي إيراخت لتأخذ أيها شاءت. فوضعت الهدايا نبين يدي إيراخت.‬‫فأخذت منها الكليل، وأخذت حورقناه كسوة من أفخر الثياب وأحسنها.‬ ‫وكان من عادة الملك أن يكون ليلة عند إيراخت وليلة عند حورقناه.‬ ‫وكان من لسنة الملك أن تهيء له المرأة التي يكون عندها في ليلتها‬ ‫أرزا نبحلوة فتطعمه إياه. فأتى الملك إيراخت في نونبتها. وقد صنعت‬ ‫له أرزا. فدخلت عليه نبالصحفة والكليل على رألسها. فعلمت حورقناه‬ ‫هّ‬ ‫نبذلك فغارت من إيراخت. فلبست تلك الكسوة. ومرت نبين يدي الملك‬‫وتلك الثياب تضيء عليها مع نور وجهها كما تضيء الشمس. فلما رآها‬ ‫الملك أعجبته. ثم التفت إلى إيراخت فقال: إنك جاهلة حين أخذت‬ ‫الكليل وتركت الكسوة إلي ليس في خزائننا مثلها. فلما لسمعت‬ ‫إيراخت مدح الملك لحورقناه وثناءه عليها وتجهيلها هي وذ.م رأيها‬ ‫هّ‬ ‫أخذها من ذلك الغيرة والغيظ. فضرنبت نبالصحفة رأس الملك. فسال‬‫الرز على وجهه. فقا.م الملك من مكانه ودعا نبإيلذ. فقال له: أل ترى،‬ ‫وأنا ملك العالم، كيف حقرتني هذه الجاهلة، وفعلت نبي ما ترى?‬ ‫فانطلق نبها فاقتلها ول ترحمها. فخرج إيلذ من عند الملك وقال: ل‬ ‫أقتاها حتى يسكن عنه الغضب. فالمرأة عاقلة لسديدة الرأي من‬‫الملكات إلي ليس لها عديل في النساء. وليس الملك نبصانبر عنها. وقد‬‫خلصته من الموت، وعملت أعمال ف ً صالحة. ورجاؤنا فيها عظيم. ولست‬ ‫آمنة أن يقول: لم لم تؤخر قتلها حتى تراجعني? فلست قاتلها حتى‬ ‫ َ ْ‬‫أنظر رأي الملك فيها ثانية: فإن رأيته نادما حزينا على ما صنع جئت نبها‬ ‫حية. وكنت قد عملت عمل ف ً عظيما. وأنجيت إيراخت من القتل.‬ ‫861‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫وحفظت قلب الملك. واتخذت عند عامة الناس نبذلك يدا. وإن رأيته‬ ‫فرحا مستريحا مصونبا رأيه في الذي فعله وأمر نبه فقتلها ل يفوت. ثم‬ ‫هّ‬ ‫انطلق نبها إلى منزله، ووكل نبها خادما من أمنائه، وأمره نبخدمتها‬‫وحرالستها، حتى ينظر ما يكون من أمرها وأمر الملك. ثم خضب لسيفه‬ ‫نبالد.م ودخل على الملك كالكئيب الحزين. فقال أيها الملك: إني قد‬‫أمضيت أمرك في إيراخت. فلم يلبث الملك أن لسكن عنه الغضب، وذكر‬ ‫جمال إيراخت وحسنها. واشتد ألسفه عليها. وجعل يعزي نفسه عنها.‬ ‫ويتجلد وهو مع ذلك يستحي أن يسأل إيلذ: أحقا أمضى أمره فيها أ.م‬ ‫ل? ورجا لما عرف من عقل إيلذ أل يكون قد فعل ذلك. ونظر إليه‬‫إيلذ نبفضل عقله فعلم الذي نبه، فقال له: ل تهتم ول تحزن أيها الملك:‬‫فإنه ليس في الهم والحزن منفعة. ولكنهما ينحلن الجسم ويفسدانه.‬ ‫فاصبر أيها الملك على ما لست نبقادر عليه أنبدا. وإن أحب الملك حدثته‬ ‫نبحديث يسليه. قال: حدثني.‬ ‫قال إيلذ: زعموا أن حمامتين ذكرا وأنثى مل عشهما من الحنطة‬ ‫والشعير. فقال الذكر للنثى: إنا إذا وجدنا في الصحارى ما نعيش نبه‬ ‫فلسنا نأكل مما هاهنا شيئا. فإذا جاء الشتاء ولم يكن في الصحارى‬‫شيء رجعنا إلى ما في عشنا فأكلناه. فرضيت النثى نبذلك. وقالت له:‬ ‫نعم ما رأيت. وكان ذلك الحب نديا حين وضعاه في عشهما. فانطلق‬ ‫الذكر فغاب. فلما جاء الصيف يبس الحب وانضمر. فلما رجع الذكر‬ ‫رأى الحب ناقصا. فقال لها: أليس كنا أجمعنا رأينا على أل نأكل منه‬ ‫شيئا? فلم أكلته? فجعلت تحلف أنها ما أكلت منه شيئا. وجعلت تعتذر‬ ‫961‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫إليه. فلم يصدقها. وجعل ينقرها حتى ماتت. فلما جاءت المطار‬ ‫ودخل الشتاء تندى الحب وامتل العش كما كان. فلما رأى الذكر ذلك‬ ‫ند.م. ثم اضطجع إلى جانب حمامته وقال: ما ينفعني الحب والعيش‬ ‫نبعدك إذا طلبتك فلم أجدك، ولم أقدر عليك، وإذا فكرت في أمرك‬ ‫وعلمت أني قد ظلمتك، ول أقدر على تدارك ما فات. ثم الستمر على‬ ‫حزنه فلم يطعم طعاما ول شرانبا حتى مات إلى جانبها. والعاقل ل‬ ‫يعجل في العذاب والعقونبة، ول لسيما من يخاف الندامة، كما ند.م‬‫الحما.م الذكر. وقد لسمعت أيضا أن رجل ف ً دخل الجبل وعلى رألسه كارة‬ ‫من العدس فوضع الكارة عن ظهره ليستريح. فنزل قرد من شجرة‬‫فأخذ ملء كفه من العدس وصعد إلى الشجرة. فسقطت من يده حبة‬ ‫فنزل في طلبها فلم يجدها. وانتثر ما كان في يده من العدس أجمع.‬ ‫وأنت أيضا أيها الملك عندك لستة عشر ألف امرأة تدع أن تلهو نبهن‬ ‫وتطلب التي ل تجد??! فلما لسمع الملك ذلك خشي أن تكون إيراخت‬‫قد هلكت. فقال ليلذ: لم ل تأنيت وتثبت? نبل ألسرعت عند لسماع كلمة‬ ‫واحدة فتعلقت نبها، وفعلت ما أمرتك نبه من لساعتك? قال إيلذ: إن‬ ‫الذي قوله واحد ل يختلف هو ا الذي ل تبديل لكلماته ول اختلف‬‫لقوله. قال الملك: لقد أفسدت أمري وشددت حزني نبقتل إيراخت. قال‬ ‫إيلذ: إثنان ينبغي لهما أن يحزنا: الذي يعمل الثم في كل يو.م، والذي‬‫لم يعمل خيرا قط: لن فرحهما في الدنيا ونعيمهما قليل. وندامتهما إذ‬ ‫يعاينان الجزاء طويلة ل يستطاع إحصاؤها. قال الملك: لئن رأيت‬‫إيراخت حية ل أحزن على شيء أنبدا. قال إيلذ: اثنان ل ينبغي لهما أن‬ ‫ ٍ‬ ‫ف ً‬ ‫071‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫يحزنا: المجتهد في البر كل يو.م، والذي لم يأثم قط. قال الملك: ما أنا‬ ‫نبناظر إلى إيراخت أكثر مما نظرت قال إيلذ: اثنان ل ينظران: العمى‬ ‫ ٍ‬‫والذي ل عقل له. وكما أن العمى ل ينظر السماء ونجومها وأرضها ول‬ ‫ينظر القرب والبعد، كذلك الذي ل عقل له ل يعرف الحسن من القبيح‬ ‫ول المحسن من المسيء. قال الملك: لو رأيت إيراخت لشتد فرحي.‬ ‫قال إيلذ: اثنان هما الفرحان: البصير والعالم. فكما أن البصير يبصر‬‫أمور العالم وما فيه من زيادة ونقصان والقريب والبعيد، فكذلك العالم‬ ‫يبصر البر والثم، ويعرف عمل الخرة، ويتبين له نجاته، ويهتدي إلى‬ ‫صراط المستقيم. قال الملك: ينبغي لنا أن نتباعد منك يإيلذ ونأخذ‬ ‫الحذر ونلز.م التقاء. قال إيلذ: اثنان يجب أن نتباعد منهما: الذي يقول‬ ‫ل نبر ول إثم ول عقاب ول ثواب ول شيء على مما أنا فيه، والذي ل‬ ‫يكاد فيه يصرف نبصره عما ليس له نبمحر.م ول أذنه عن الستماع‬ ‫السوء، ول قلبه عما تهم نبه نفسه من الثم والحرص. قال الملك:‬‫صارت يدي من إيراخت صفرا. قال إيلذ: ثلثة أشياء أصفار: النهر الذي‬ ‫ليس فيه ماء، والرض التي ليس فيها ملك، والمرأة التي ليس لها‬ ‫نبعل، قال الملك: إنك يا إيلذ لتلقي الجواب. قال إيلذ: ثلثة يلقون‬ ‫نبالجواب: الملك الذي يعطي ويقسم من خزائنه، والمرأة المهداة التي‬ ‫تهوى من ذوي الحسب، والرجل العالم الموفق للخير.‬ ‫ثم إن إيلذ لما رأى الملك أشتد نبه المر، قال: أيها الملك إن إيراخت‬‫نبالحياة. فلما لسمع الملك ذلك اشتد فرحه. وقال يإيلذ: إنما منعني من‬ ‫الغضب ما أعرف من نصيحتك وصدق حديثك. وكنت أرجو لمعرفتي‬ ‫171‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬‫نبعلمك أل تكون قد قتلت إيراخت. فإنها وإن كانت أتت عظيما وأغلظت‬ ‫في القول فلم تأته عداوة ول طلب مضرة، ولكنها فعلت ذلك للغيرة.‬ ‫وقد كان ينبغي لي أن أعرض عن ذلك وأتحمله، ولكنك يا إيلذ أردت‬ ‫أن تختبرني وتتركني في شك من أمرها. وقد أخذت عندي أفضل‬ ‫اليدي. وأنا لك شاكر. فانطلق فأتني نبها. فخرج من عند الملك فأتي‬ ‫إيراخت وأمرها أن تتزين ففعلت ذلك. وانطلق نبها إلى الملك. فلما‬‫دخلت لسجدت له. ثم قامت نبين يديه. وقالت: أحمد ا تعالى ثم أحمد‬ ‫الملك الذي أحسن إلي: قد أذنبت الذنب العظيم الذي لم أكن للبقاء‬ ‫أهل ف ً نبعده، فولسعه حلمه وكر.م طبعه ورأفته، ثم أحمد إيلذ الذي آخر‬ ‫أمري، وأنجاني من الهلكة، لعلمه نبرأفة الملك ولسعة حلمه وجوده‬ ‫وكر.م جوهره ووفاء عهده. وقال الملك ليلذ: ما أعظم يدك عندي‬‫وعند إيراخت وعند العامة: إذ قد أحييتها نبعد ما أمرت نبقتلها: فأنت الذي‬ ‫وهبتها لي اليو.م: فإني لم أزل واثقا نبنصيحتك وتدنبيرك. وقد ازددت‬‫اليو.م عندي كرامة وتعظيما. وأنت محكم في ملكي تفعل فيه نبما ترى،‬ ‫هّ ف ٌ‬‫وتحكم عليه نبما تريد. فقد جعلت ذلك إليك ووثقت نبك. قال إيلذ: أدا.م‬ ‫ا لك أيها الملك الملك والسرور. فلست نبمحمود على ذلك. فإنما أنا‬ ‫ِقُ َ‬ ‫عبدك. لكن حاجتي أل هّ يعجل الملك في المر الجسيم الذي يند.م على‬ ‫فعله، وتكون عاقبته الغم والحزن. ول لسيما في مثل هذه الملكة‬ ‫الناصحة المشفقة التي ل يوجد في الرض مثلها: فقال الملك نبحق‬ ‫قلت يا إيلذ، وقد قبلت قولك، ولست عامل ف ً نبعدها عمل ف ً صغيرا ول‬ ‫كبيرا، فضل ف ً عن مثل هذا المر العظيم الذي ما لسلمت منه، إل نبعد‬ ‫271‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫المؤامرة والنظر والتردد إلى ذوي العقول ومشاورة أهل المودة‬‫والرأي. ثم أحسن الملك جائزة ليلذ، ومكنه من أولئك البراهمة الذين‬ ‫هّ‬ ‫أشاروا نبقتل أحبائه فأطلق فيهم السيف، وقرت عين الملك وعيون‬ ‫عظماء أهل مملكته، وحمدوا ا وأثنوا على كباريون نبسعة علمه‬ ‫وفضل حكمته: لنه نبعلمه خلص الملك ووزيره الصالح وامرأته‬ ‫هّ‬ ‫الصالحة.‬ ‫نباب اللبوة واللسوار والشغبر‬‫قال دنبشليم الملك لبيدنبا الفيلسوف: قد لسمعت هذا المثل. فاضرب لي‬ ‫مثل ف ً في شأن من يدع ضر غيره إذا قدر عليه لما يصيبه من الضر،‬ ‫هّ‬ ‫هّ‬ ‫ويكون له فيما ينزل نبه واعظ وزاجر عن ارتكاب الظلم والعداوة‬ ‫لغيره. قال الفيلسوف: إنه ل يقد.م على طلب ما يضر الناس وما‬ ‫يسوءهم إل أهل الجهالة والسفه ولسوء النظر في العواقب من أمور‬‫الدنيا والخرة، وقلة العلم نبما يدخل عليهم في ذلك من حلول النقمة،‬ ‫ونبما يلزمهم من تبعة ما اكتسبوا مما ل تحيط نبه العقول. وإن لسلم‬‫نبعضهم من ضرر نبعض نبمنية عرضت له قبل أن ينزل نبه ونبال ما صنع:‬‫فإن من لم يفكر في العواقب لم يأمن المصائب، وحقيق أل يسلم من‬ ‫المعاطب. ورنبما اتعظ الجاهل واعتبر نبما يصيبه من المضرة من‬ ‫غيره، فارتدع عن أن يغشى أحدا نبمثل ذلك من الظلم والعدوان،‬ ‫وحصل له نفع ما كف عنه من ضرر لغيره في العاقبة، فنظير ذلك‬ ‫َّ‬ ‫حديث اللبوة واللسوار والشغبر. قال الملك: وكيف كان ذلك?‬ ‫371‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫قال الفيلسوف: زعموا أن لبؤة كانت في غيضة، ولهما شبلن، وأنها‬ ‫خرجت قي طلب الصيد وخلفتهما في كهفهما، فمر نبهما إلسوار فحمل‬ ‫هّ‬‫عليهما ورماهما فقتلهما، ولسلخ جلديهما فاحتقبهما، وانصرف نبهما إلى‬‫منزله، ثم إنها رجعت. فلما رأت ما حل نبهما من المر الفظيع اضطرنبت‬ ‫هّ‬ ‫ظهرا لبطن وصاحت وضجت. وكان إلى جانبها شغبر. فلما لسمع ذلك‬ ‫هّ‬‫من صياحها قال لها: ما هذا الذي تصنعين? وما نزل نبك? فأخبريني نبه.‬ ‫قالت اللبؤة شبلي مر نبهما إلسوار فقتلهما، ولسلخ جلديهما فاحتقبهما،‬ ‫هّ‬ ‫ونبذهما نبالعراء. قال لها شغبر: ل تضجي وأنصفي من نفسك،‬ ‫ِّ‬ ‫واعلمي أن هذا اللسوار لم يأت إليك شيئا إل وقد كنت تفعلين نبغيرك‬ ‫مثله، وتأتين إلى غير واحد مثل ذلك، ممن كان يجد نبحميمه ومن يعز‬ ‫عليه مثل ما تجدين نبشبليك. فاصبري على فعل غيرك كما صبر غيرك‬ ‫على فعلك: فإنه قد قيل: كما تدين تدان. ولكل عمل ثمرة من الثواب‬‫والعقاب. وهما على قدره في الكثرة والقلة. كالزرع إذا حضر الحصاد‬ ‫أعطى على حسب نبذره. قالت اللبؤة: نبين لي ما تقول، وأفصح لي‬ ‫عن إشارته. قال الشغبر: كم أتى لك من العمر? قالت اللبؤة: مائة‬ ‫لسنة. قال الشغبر: ما كان قوتك? قالت اللبؤة: لحم الوحش. قال‬ ‫الشغبر: من كان يطعمك إياه? قالت اللبؤة: كنت أصيد الوحش وآكله.‬‫قال الشغبر: أرأيت الوحش التي كنت تأكلين، أما كان لها آنباء وأمهات?‬‫قالت: نبلى. قال الشغبر: فما نبالي ل أرى ول ألسمع لتلك النباء والمهات‬ ‫من الجزع والضجيج ما أرى وألسمع لك? أما أنه لم ينزل نبك ما نزل إل‬ ‫لسوء نظرك في العواقب وقلة تفكيرك فيها، وجهالتك نبما يرجع عليك‬ ‫471‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫من ضرها. فلما لسمعت اللبؤة ذلك من كل.م الشغبر عرفت أن ذلك‬ ‫مما جنت على نفسها، وأن عملها كان جورا وظلما، فتركت الصيد،‬ ‫وانصرفت عن أكل اللحم إلى الثمار والمسك والعبادة. فلما رأى ذلك‬ ‫ورشان الذي كان صاحب تلك الغيضة وكان عيشه من الثمار. قال لها:‬‫قد كنت أظن أن الشجرة عامنا هذا لم تحمل: لقلة الماء، فلما أنبصرتك‬ ‫تأكلينها، وأنت آكلة اللحم، فتركت رزقك وطعامك وما قسم ا لك،‬ ‫وتحولت إلى رزق غيرك فانتقصته، ودخلت عليه فيه؛ علمت أن الشجر‬ ‫العا.م أثمرت كما كانت تثمر قبل اليو.م، وإنما أتت قلة الثمر من جهتك.‬ ‫فويل للشجر وويل للثمار وويل لمن عيشه منها! ما ألسرع هلكهم إذا‬‫دخل عليهم في أرزاقهم، وغلبهم عليها من ليس له فيها حظ ولم يكن‬ ‫معتادا لكلها! فلما لسمعت اللبؤة ذلك من كل.م الورشان تركت أكل‬‫الثمار وأقبلت على أكل الحشيش والعبادة. وإنما ضرنبت لك هذا المثل‬‫لتعلم أن الجاهل رنبما انصرف نبضر يصيبه عن ضر الناس، كاللبؤة التي‬ ‫ِّ‬ ‫ ٍ‬ ‫انصرفت لما لقيت في شبليها عن أكل اللحم ثم عن أكل الثمار نبقول‬‫الورشان، وأقبلت على النسك والعبادة. والناس أحق نبحسن النظر في‬ ‫هّ‬ ‫ذلك: فإنه قد قيل: ما ل ترضاه لنفسك ل تصنعه لغيرك: فإن في ذلك‬ ‫العدل: وفي العدل رضا ا تعالى ورضا الناس.‬ ‫نباب النالسك والضيف‬‫قال دنبشليم الملك لبيدنبا الفيلسوف: قد لسمعت هذا المثل. فاضرب لي‬ ‫مثل الذي يدع صنعه الذي يليق نبه ويشاكله، ويطلب غيره فل يدركه:‬ ‫فيبقى حيران مترددا. قال الفيلسوف: زعموا أنه كان نبأرض الكرخ‬ ‫571‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫نالسك عانبد مجتهد. فنزل نبه ضيف ذات يو.م، فدعا النالسك لضيفه نبتمر:‬ ‫ ٍ‬ ‫ف ٌ‬ ‫ف ٌ‬ ‫ف ٌ‬ ‫ليطرفه نبه. فأكل منه جميعا. ثم قال الضيف: ما أحلى هذا التمر‬‫وأطيبه! فليس هو في نبلدي التي ألسكنها، وليته كان فيها! ثم قال: أرى‬ ‫أن تساعدني على أن آخذ منه ما أغرلسه في أرضنا: فإني لست عارفا‬ ‫نبثمار أرضكم، هذه ول نبمواضعها. فقال له النالسك: ليس لك في ذلك‬‫راحة: فإن ذلك يثقل عليك. ولعل ذلك ل يوافق أرضكم، مع أن نبلدكم‬ ‫كثيرة الثمار فما حاجتها مع كثرة ثمارها إلى التمر مع وخامته وقلة‬ ‫ َ َ‬ ‫موافقته للجسد? ثم قال له النالسك: إنه ل يعد حكيما من طلب ما ل‬ ‫يجد. وإنك لسعيد الجد إذا قنعت نبالذي تجد، وزهدت فيها ل تجد. وكان‬ ‫ِّ‬‫هذا النالسك يتكلم نبالعبرانية. فالستحسن الضيف كلمه وأعجبه، فتكلف‬‫أن يتعلمه؛ وعالج في ذلك نفسه أياما. فقال النالسك لضيفه: ما أخلقك‬ ‫أن تقع مما تركت من كلمك، وتكلفت من كل.م العبرانية، في مثل ما‬ ‫وقع فيه الغراب! قال الضيف: وكيف كان ذلك?‬ ‫قال النالسك: زعموا أن غرانبا رأى حجلة تدرج وتمشي، فأعجبته‬ ‫مشيتها، وطمع أن يتعلمها. فراض على ذلك نفسه، فلم يقدر على‬ ‫إحكامها، وأيس منها، وأراد أن يعود إلى مشيته التي كان عليها: فإذا‬ ‫هو قد اختلط وتخلع في مشيته، وصار أقبح الطير مشيا. وإنما ضرنبت‬‫لك هذا المثل لما رأيت من أنك تركت لسانك الذي طبعت عليه، وأقبلت‬‫على لسان العبرانية، وهو ل يشاكلك، وأخاف أل تدركه، وتنسى لسانك،‬ ‫وترجع إلى أهلك وأنت شرهم لسانا: فإنه قد قيل: إنه يعد جاهل ف ً من‬ ‫هّ‬ ‫671‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫تكلف من المور ما ل يشاكله، وليس من عمله ولم يؤدنبه عليه آنباؤه‬ ‫وأجداده من قبل.‬ ‫نباب السائح والصائغ‬‫قال دنبشليم الملك لبيدنبا الفيلسوف: قد لسمعت هذا المثل. فاضرب لي‬ ‫مثل ف ً في شأن الذي يضع المعروف في غير موضعه، ويرجو الشكر‬ ‫عليه. قال الفيلسوف: أيها الملك إن طبائع الخلق مختلفة. وليس مما‬ ‫خلقه ا في الدنيا مما يمشي على أرنبع أو على رجلين أو يطير‬‫نبجناحين شيء هو أفضل من النسان، ولكن من الناس البر والفاجر.‬ ‫وقد يكون في نبعض البهائم والسباع والطير ما هو أوفى منه ذمة،‬ ‫وأشد محاماة على حرمه، وأشكر للمعروف، وأقو.م نبه، وحينئذ يجب‬ ‫ ٍ‬ ‫على ذوي العقل من الملوك وغيرهم أن يضعوا معروفهم مواضعه‬ ‫ول يضعوه عند من ل يحتمله. ول يقو.م نبشكره، ول يصطنع أحدا إل‬ ‫نبعد الخبرة نبطرائقه، والمعرفة نبوفائه ومودته وشكره. ول ينبغي أن‬‫يختصوا نبذلك قريبا لقرانبته، إذا كان غير محتمل ٍ للصنيعة، ول أن يمنعوا‬ ‫معروفهم ورفدهم للبعيد، إذا كان يقيهم نبنفسه وما يقدر عليه: لنه‬ ‫يكون حينئذ عارفا نبحق ما اصطنع إليه مؤديا لشكر ما أنعم عليه،‬ ‫ ٍ‬ ‫محمودا نبالنصح معروفا نبالخير، صدوقا عارفا، مؤثرا لحميد الفعال‬ ‫والقول. وكذلك كل من عرف نبالخصال المحمودة ووثق منه نبها، كان‬ ‫للمعروف موضعا، ولتقريبه واصطناعه أهل: فإن الطيب الرفيق‬ ‫ف ً‬ ‫العاقل ل يقدر إلى مداواة المريض إل نبعد النظر إليه والجس لعروقه‬ ‫ومعرفة طبيعته ولسبب علته، فإذا عرف ذلك كله حق معرفته أقد.م‬ ‫771‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫على مداواته. فكذلك العاقل: ل ينبغي له أن يصطفي أحدا، ول‬ ‫يستخلصه إل نبعد الخبرة: فإن من أقد.م على مشهور العدالة من غير‬‫اختبار كان مخاطرا في ذلك ومشرفا منه على هلك وفساد. ومع ذلك‬ ‫رنبما صنع النسان المعروف مع الضعيف الذي لم يجرب شكره، ولم‬ ‫يعرف حاله في طبائعه فيقو.م نبشكر ذلك ويكافئ عليه أحسن‬ ‫المكافأة. ورنبما حذر العاقل الناس ولم يأمن على نفسه أحدا منهم.‬‫وقد يأخذ انبن عرس فيدخله في كمه ويخرجه من الخر، كالذي يحمل‬ ‫الطائر على يده، فإذا صاد شيئا انتفع نبه، ومطعمه منه. وقد قيل: ل‬‫ينبغي لذي العقل أن يحتقر صغيرا ول كبيرا من الناس ول من البهائم،‬‫ولكنه جدير نبأن يبلوهم، ويكون ما يصنع إليهم على قدر ما يرى منهم.‬ ‫وقد مضى في ذلك مثل ضرنبه نبعض الحكماء. قال الملك: وكيف كان‬‫ذلك? قال الفيلسوف: زعموا أن جماعة احتفروا ركية فوقع فيها رجل‬‫صائغ وحية وقرد ونببر، ومر نبهم رجل لسائح فأشرف على الركية، فبصر‬ ‫نبالرجل والحية والببر والقرد ففكر في نفسه، وقال: لست أعمل‬‫لخرتي عمل ف ً أفضل من أن أخلص هذا الرجل من نبين هؤلء العداء.‬‫فأخذ حبل ف ً وأدله إلى البئر فتعلق نبه القرد لخفته فخرج. ثم دله ثانية،‬ ‫فالتفت نبه الحية فخرجت. ثم دله ثالثا فتعلق نبه الببر فأخرجه.‬‫فشكرن له صنيعه. وقلن له: ل تخرج هذا الرجل من الركية: فإنه ليس‬‫شيء أقل شكرا من الناس ثم هذا الرجل خاصة. ثم قال له القرد: إن‬ ‫ف ً‬ ‫منزلي في جبل قريب من مدينة يقال لها: نوادرخت. فقال له الببر: أنا‬ ‫أيضا في أجمة إلى جانب تلك المدينة. قالت الحية: أنا أيضا في لسور‬ ‫871‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫تلك المدينة. فإن أنت مررت نبنا يوما من الدهر، واحتجت إلينا فصوت‬ ‫هّ‬ ‫علينا حتى نأتيك فنجزيك نبما ألسديت إلينا من معروف. فلم يلتفت‬ ‫السائح إلى ما ذكروا له من قلة شكر النسان، وأدلى الحبل، فأخرج‬ ‫الصائغ، فسجد له، وقال له: لقد أوليتني معروفا. فإن أتيت يوما من‬ ‫ِقُ‬ ‫الدهر لمدينة نوادرخت فالسأل عن منزلي: فأنا رجل صائغ لعلي‬ ‫أكافئك نبما صنعت إلي من معروف. فانطلق إلى مدينته وانطلق‬ ‫السائح إلى جانبه. فعرض نبعد ذلك أن السائح اتفقت له الحاجة إلى‬ ‫تلك المدينة، فانطلق، فالستقبله القرد، فسجد له وقبل رجليه. واعتذر‬ ‫هّ‬ ‫إليه، وقال: إن القرود ل يملكون شيئا، ولكن اقعد حتى آتيك. وانطلق‬ ‫القرد، وآتاه نبفاكهة طيبة، فوضعها نبين يديه، فأكل منها حاجته. ثم إن‬ ‫السائح انطلق حتى دنا من نباب المدينة فالستقبله الببر، فخر له لساجدا‬ ‫هّ‬ ‫وقال له: إنك قد أوليتني معروفا. فاطمئن لساعة حتى آتيك. فانطلق‬ ‫الببر فدخل في نبعض الحيطان إلى نبنت الملك فقتلها، وأخذ حليها،‬‫فأتاه نبها، من غير أن يعلم السائح من أين هو. فقال في نفسه: هذه‬ ‫البهائم قد أولتني هذا الجزاء، فكيف لو قد أتيت إلى الصائغ فأنه إن‬‫كان معسرا ل يملك شيئا فسيبيع هذا الحلي فيستوفي ثمنه. فيعطيني‬ ‫نبعضه، ويأخذ نبعضه، وهو أعرف نبثمنه. فانطلق السائح فأتى إلى‬ ‫الصائغ. فلما رآه رحب نبه وأدخله إلى نبيته. فلما نبصر نبالحلي معه،‬ ‫عرفه وكان هو الذي صاغه لنبنة الملك.‬‫فقال للسائح: اطمئن حتى آتيك نبطعا.م فلست أرضى لك ما في البيت.‬‫ثم خرج وهو يقول: قد أصبت فرصتي: أريد أن أنطلق إلى الملك وأدله‬ ‫971‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬‫على ذلك، فتحسن منزلتي عنده. فانطلق إلى نباب الملك، فأرلسل إليه:‬‫إن الذي قتل انبنتك وأخذ حليها عندي. فأرلسل الملك وأتى نبالسائح فلما‬ ‫نظر الحلي معه لم يمهله، وأمر نبه أن يعذب ويطاف نبه في المدينة،‬‫ويصلب. فلما فعلوا نبه ذلك جعل السائح يبكي ويقول نبأعلى صوته: لو‬ ‫أني أطعت القرد والحية والببر فيما أمرنني نبه وأخبرنني من قلة شكر‬ ‫النسان لم يصر أمري إلى هذا البلء، وجعل يكرر هذا القول.‬ ‫فسمعت مقالته تلك الحية فخرجت من جحرها فعرفته، فاشتد عليه‬ ‫أمره، فجعلت تحتال في خلصه. فانطلقت حتى لدغت انبن الملك،‬‫فدعى الملك أهل العلم فرقوه ليشفوه فلم يغنوا عنه شيئا. ثم مضت‬ ‫الحية إلى أخت لها من الجن، فأخبرتها نبما صنع السائح إليها من‬ ‫المعروف، وما وقع فيه. فرقت له، وانطلقت إلى انبن الملك، وتخايلت‬ ‫له. وقالت له: إنك ل تبرأ حتى يرقيك هذا الرجل الذي قد عاقبتموه‬‫ظلما. وانطلقت الحية إلى السائح فدخلت عليه السجن، وقالت له: هذا‬ ‫الذي كنت نهيتك عنه من اصطناع المعروف إلى هذا النسان: ولم‬ ‫تطعني. وأتته نبورق ينفع من لسمها. وقالت له: إذا جاءوا نبك لترقي‬ ‫ِّ‬‫انبن الملك فالسقه من ماء هذا الورق: فإنه يبرأ. وإذا لسألك الملك عن‬ ‫حالك فاصدقه: فإنك تنجوا إن شاء ا تعالى. وإن انبن الملك أخبر‬ ‫الملك أنه لسمع قائل ف ً يقول: إنك لن تبرأ حتى يرقيك هذا السائح الذي‬ ‫حبس ظلما. فدعا الملك السائح، وأمره أن يرقي ولده. فقال: ل‬ ‫أحسن الرقي، ولكن السقه من ماء هذه الشجرة فيبرأ نبإذن ا‬ ‫تعالى. فسقاه فبرئ الغل.م. ففرح الملك نبذلك: ولسأله عن قصته،‬ ‫081‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬‫فأخبره. فشكره الملك، وأعطاه عطية حسنة، وأمر نبالصائغ أن يصلب.‬ ‫فصلبوه لكذنبه وانحرافه عن الشكر ومجازاته الفعل الجميل نبالقبيح.‬ ‫ثم قال الفيلسوف للملك: ففي صنيع الصائغ نبالسائح، وكفره له نبعد‬‫الستنقاذه إياه، وشكر البهائم له، وتخليص نبعضها إياه، عبرة لمن اعتبر،‬ ‫وفكرة لمن تفكر، وأدب في وضع المعروف والحسان عند أهل‬ ‫الوفاء والكر.م، قرنبوا أو نبعدوا لما في ذلك من صواب الرأي وجلب‬ ‫الخير وصرف المكروه.‬ ‫نباب انبن الملك وأصحانبه‬ ‫قال دنبشليم الملك لبيدنبا الفيلسوف: قد لسمعت هذا المثل. فإن كان‬ ‫الرجل ل يصيب الخير إل نبعقله ورأيه وتثبته في المور كما يزعمون،‬ ‫فما نبال الرجل الجاهل يصيب البلء والضر?. قال نبيدنبا: كما أن‬ ‫النسان ل يبصر إل نبعينيه ول يسمع إل نبأذنيه، كذلك العمل، إنما هو‬‫نبالحلم والعقل والتثبت، غير أن القضاء والقدر يغلبان على ذلك. ومثل‬ ‫ذلك مثل انبن الملك وأصحانبه. قال الملك: وكيف كان ذلك? قال‬ ‫الفيلسوف: زعموا أن أرنبعة نفر اصطحبوا في طريق واحدة، أحدهم‬ ‫انبن الملك والثاني انبن تاجر والثالث انبن شريف ذو جمال والرانبع انبن‬‫أكار. وكانوا جميعا محتاجين، وقد أصانبهم ضرر وجهد شديد في موضع‬ ‫غرنبة ل يملكون إل ما عليهم من الثياب. فبينما هم يمشون إذ فكروا‬ ‫في أمرهم وكان كل إنسان منهم راجعا إلى طباعه وما كان يأتيه منه‬ ‫الخير: قال انبن الملك: إنما أمر الدنيا كله نبالقضاء والقدر، والذي قدر‬ ‫على النسان يأتيه على كل حال، والصبر للقضاء والقدر وانتظارهما‬ ‫181‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫أفضل المور وقال انبن التاجر: العقل أفضل من كل شيء وقال انبن‬ ‫الشريف: الجمال أفضل مما ذكرتم.‬ ‫ثم قال انبن الكار: ليس في الدنيا أفضل من الجتهاد في العمل فلما‬ ‫قرنبوا من مدينة يقال لها مطرون، جلسوا في ناحية منها يتشاورون:‬ ‫فقالوا لنبن الكار: انطلق فاكتسب لنا نباجتهادك طعاما ليومنا هذا.‬ ‫فانطلق انبن الكار، ولسأل عن عمل إذا عمله النسان يكتسب فيه‬ ‫طعا.م أرنبعة نفر فعرفوه أنه ليس في تلك المدينة شيء أعز من‬ ‫هّ‬ ‫الحطب، وكان الحطب منها على فرلسخ. فانطلق انبن الكار فاحتطب‬ ‫طنا من الحطب، وأتى نبه المدينة فباعه نبدرهم واشترى نبه طعاما‬‫وكتب على نباب المدينة: عمل يو.م واحد إذا أجهد فيه الرجل نبدنه قيمته‬ ‫درهم. ثم انطلق إلى أصحانبه نبالطعا.م فأكلوا. فلما كان من الغد:‬ ‫قالوا ينبغي للذي قال إنه ليس شيء أعز من الجمال أن تكون نونبته.‬ ‫فانطلق انبن الشريف ليأتي المدينة، ففكر في نفسه وقال: أنا لست‬ ‫أحسن عمل ف ً فما يدخلني المدينة? ثم الستحيا أن يرجع إلى أصحانبه‬ ‫نبغير طعا.م، وهم نبمفارقتهم. فانطلق حتى ألسند ظهره إلى شجرة‬ ‫هّ‬ ‫عظيمة، فغلبه النو.م فنا.م. فمر نبه رجل من عظماء المدينة فراقه‬ ‫جماله وتولسم فيه شرف النجار فرق له ومنحه خمسمائة درهم.‬ ‫َّ‬ ‫ِّ َّ‬ ‫فكتب على نباب المدينة: جمال يو.م واحد يساوي خمسمائة درهم.‬ ‫وأتى نبالدراهم إلى أصحانبه. فلما أصبحوا في اليو.م الثالث، قالوا لنبن‬‫التاجر: انطلق أنت فاطلب لنا نبعقلك وتجارتك ليومنا هذا شيئا. فانطلق‬ ‫انبن التاجر فلم يزل حتى نبصر نبسفينة من لسفن البحر كثيرة المتاع قد‬ ‫281‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫قدمت إلى الساحل، فخرج إليها جماعة من التجار يريدون أن يبتاعوا‬ ‫هّ‬ ‫مما فيها من المتاع. فجلسوا يتشاورون في ناحية من المركب، وقال‬ ‫نبعضهم لبعض: ارجعوا يومنا هذا ل نشتري منهم شيئا حتى يكسد‬‫المتاع عليهم فيرخصوا علينا، مع أننا محتاجون إليه، ولسيرخص. فخالف‬‫الطريق وجاء إلى أصحاب المركب، فانبتاع منهم ما فيه نبمائة ألف دينار‬‫نسيئة وأظهر أنه يريد أن ينقل متاعه إلى مدينة أخرى. فلما لسمع التجار‬ ‫ذلك خافوا أن يذهب ذلك المتاع من أيديهم، فأرنبحوه على ما اشتراه‬ ‫مائة ألف درهم، وأحال عليهم أصحاب المركب نبالباقي، وحمل رنبحه‬ ‫إلى أصحانبه وكتب على نباب المدينة: عقل يو.م واحد ثمنه مائة ألف‬ ‫درهم. فلما كان اليو.م الرانبع قالوا لنبن الملك: انطلق أنت واكتسب لنا‬ ‫نبقضائك وقدرك.‬‫فانطلق انبن الملك حتى أتى إلى نباب لمدينة فجلس على متكأ في نباب‬ ‫المدينة، واتفق أن ملك تلك الناحية مات ولم يخلف ولدا ول أحدا ذا‬ ‫قرانبة. فمروا عليه نبجنازة الملك ولم يحزنه وكلهم يحزنون. فأنكروا‬ ‫هّ‬ ‫حاله وشتمه البواب، وقال له: من أنت يا هذا? وما يجلسك على نباب‬ ‫المدينة ول نراك تحزن لموت الملك? وطرده البواب عن الباب فلما‬ ‫ذهبوا عاد الغل.م فجلس مكانه. فلما دفنوا الملك ورجعوا نبصر نبه‬ ‫البواب فغضب وقال له: ألم أنهك عن الجلوس في هذا الموضع?‬‫وأخذه وحبسه. فلما كان الغد اجتمع أهل تلك المدينة يتشاورون فيمن‬‫يملكونه عليهم، وكل منهم يتطاول ينظر صاحبه، ويختلفون نبينهم. فقال‬ ‫ٌّ‬ ‫لهم البواب: إني رأيت أمس غلما جالسا على الباب، ولم أره يحزن‬ ‫381‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫لحزننا، فكلمته فلم يجبني، فطردته عن الباب. فلما عدت رأيته جالسا‬‫فأدخلته السجن مخافة أن يكون عينا. فبعثت أشراف أهل المدينة إلى‬‫الغل.م فجاءوا نبه، ولسألوه عن حاله، وما أقدمه إلى مدينتهم. فقال: أنا‬ ‫انبن ملك فويران، وإنه لما مات والدي غلبني أخي على الملك، فهرنبت‬ ‫ِقُ ْ‬‫من يده حذرا على نفسي حتى انتهيت إلى هذه الغاية. فلما ذكر الغل.م‬ ‫ما ذكره من أمره عرفه من كان يغشى أرض أنبيه منهم، وأثنوا على‬ ‫أنبيه خيرا. ثم إن الشراف اختاروا الغل.م أن يملكوه عليهم ورضوا نبه.‬ ‫وكان لهل تلك المدينة لسنة إذا ملكوا عليهم ملكا حملوه على فيل‬ ‫أنبيض، وطافوا نبه حوالي المدينة. فلما فعلوا نبه ذلك مر نبباب المدينة‬ ‫هّ‬ ‫فرأى الكتانبة على الباب فأمر أن يكتب: إن الجتهاد والجمال والعقل‬ ‫وما أصاب الرجل في الدنيا من خير أو شر إنما هو نبقضاء وقدر من‬‫ا عزهّ وجل. وقد ازددت في ذلك اعتبارا نبما لساق ا إلي من الكرامة‬ ‫والخير. ثم انطلق إلى مجلسه فجلس على لسرير ملكه وأرلسل إلى‬ ‫أصحانبه الذين كان معهم فأحضرهم فأشرك صاحب العقل مع‬ ‫الوزراء، وضم صاحب الجتهاد إلى أصحاب الزرع، وأمر لصاحب‬ ‫هّ‬‫الجمال نبمال كثير ثم نفاه كي ل يفتتن نبه. ثم جمع علماء أرضه وذوي‬ ‫ ٍ‬ ‫الرأي منهم وقال لهم: أما أصحانبي فقد تيقنوا أن الذي رزقهم ا‬ ‫لسبحانه وتعالى من الخير إنما هو نبقضاء ا وقدره، وإنما أحب أن‬ ‫تعلموا ذلك وتستيقنوه، فإن الذي منحني ا وهيأه لي إنما كان نبقدر،‬‫ولم يكن نبجمال ول عقل ول اجتهاد. وما كنت أرجو إذ طردني أخي أن‬ ‫يصيبني ما يعيشني من القوت فضل ف ً عن أن أصيب هذه المنزلة، وما‬ ‫481‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫كنت أؤمل أن أكون نبها: لني قد رأيت في هذه الرض من هو أفضل‬ ‫مني حسنا وجمال، وأشد اجتهادا وألسد رأيا، فساقني القضاء إلى أن‬ ‫ف ً‬ ‫أعتززت نبقدر من ا، وكان في ذلك الجمع شيخ فنهض حتى الستوى‬ ‫قائما، وقال: إنك قد تكلمت نبكل.م كامل عقل وحكمة، وإن الذي نبلغ‬ ‫نبك ذلك وفوز عقلك وحسن ظنك، وقد حققت ظننا فيك ورجاءنا لك.‬ ‫هّ‬ ‫وقد عرفنا ما ذكرت، وصدقناك فيما وصفت. والذي لساق ا إليك من‬ ‫الملك والكرامة كنت أهل ف ً له، لما قسم ا تعالى لك من العقل‬ ‫ِقُ ا ِ‬‫والرأي. وإني ألسعد الناس في الدنيا والخرة من رزقه ا رأيا وعقل.‬ ‫ف ً‬‫وقد أحسن ا إلينا إذ وفق لنا عند موت ملكنا وكرمنا نبك. ثم قا.م شيخ‬ ‫هّ‬ ‫آخر لسائح فحمد ا عز وجل وأثنى عليه وقال: إني كنت أخد.م وأنا‬ ‫هّ‬‫غل.م قبل أن أكون لسائحا، رجل ف ً من أشراف الناس. فلما نبدا لي رفض‬‫الدنيا فارقت ذلك الرجل، وقد كان أعطاني من أجرتي دينارين، فأردت‬‫أن أتصدق نبأحدهما، وألستبقي الخر، فأتيت السوق، فوجدت مع رجل‬ ‫من الصيادين زوج هدهد، فساومت فيهما فأنبى الصياد أن يبيعهما إل‬ ‫نبدينارين، فاجتهدت أن يبيعنيهما نبدينار واحد فأنبى. فقلت في نفسي:‬‫أشتري أحدهما وأترك الخر. ثم فكرت وقلت لعلهما يكونا زوجين ذكرا‬ ‫وأنثى فأفرق نبينهما، فأدركني لهما رحمة فتوكلت على ا وانبتعتهما‬ ‫نبدينارين وأشفقت إن أرلسلتهما في أرض عامرة أن يصادا، ول‬‫يستطيعا أن يطيرا مما لقيا من الجوع والهزال، ولم آمن عليهما الفات.‬ ‫فانطلقت نبهما إلى مكان كثير المرعى والشجار نبعيد عن الناس‬‫والعمران، فأرلسلتهما، فطارا ووقعا على شجرة مثمرة. فلما صارا في‬ ‫581‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫أعلها شكرا لي، ولسمعت أحدهما يقول للخر: لقد خلصنا هذا‬ ‫السائح من البلء الذي كنا فيه، والستنقذنا ونجانا من الهلكة. وإنا‬ ‫هّ‬ ‫لخليقان أن نكافئه نبفعله. وإن في أصل هذه الشجرة جرة مملوءة‬ ‫هّ‬ ‫دنانير. أفل ندله عليها فيأخذها? فقلت لهما: كيف تدلنني على كنز لم‬ ‫تره العيون وأنتما لم تبصرا الشبكة? فقال: إن القضاء إذا نزل صرف‬ ‫العيون عن موضع الشيء وغشى البصر وإنما صرف القضاء اعيننا‬ ‫هّ‬ ‫عن الشرك ولم يصرفها عن هذا الكنز. فاحتفرت والستخرجت البرنية‬‫وهي مملوءة دنانير، فدعوت لهما نبالعافية، وقلت لهما: الحمد لله الذي‬ ‫علمكما ما لم تعلما، وأنتما تطيران في السماء، وأخبرتما ما تحت‬ ‫هّ‬ ‫الرض. قال لي: أيها العاقل، أما تعلم أن القدر غالب على كل شيء،‬‫ول يستطيع أحد أن يتجاوزه. وأنا اخبر الملك نبذلك رأيته: فإن أمر الملك‬ ‫أتيته نبالمال فأودعته في خزائنه. فقال الملك ذلك لك، وموفر عليك.‬ ‫هّ‬ ‫نباب الحمامة والثعلب ومالك الحزين‬ ‫وهو نباب من يرى الرأي لغيره ول يراه لنفسه. قال الملك للفيلسوف:‬ ‫قد لسمعت هذا المثل فاضرب لي مثل ف ً في شأن الرجل الذي يرى‬‫الرأي لغيره ول يراه لنفسه. قال الفيلسوف: إن مثل ذلك مثل الحمامة‬ ‫والثعلب ومالك الحزين. قال الملك: وما مثلهن?‬ ‫قال الفيلسوف: زعموا أن حمامة كانت تفرخ في رأس نخلة طويلة‬ ‫ذاهبة في السماء، فكانت الحمامة تشرع في نقل العش إلى رأس‬ ‫تلك النخلة، فل يمكن أن تنقل ما تنقل من العش وتجعله تحت البيض‬ ‫إل نبعد شدة وتعب ومشقة: لطول النخلة ولسحقها، فإذا فرغت من‬ ‫681‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬‫النقل نباضت ثم حضنت نبيضها، فإذا فقست وأدرك فراخها جاءها ثعلب‬‫قد تعاهد ذلك منها لوقت قد علمه نبقدر ما ينهض فراخها، فيقف نبأصل‬ ‫النخلة فيصيح نبها ويتوعدها أن يرقي إليها فتلقي إليه فراخها. فبينما‬ ‫هي ذات يو.م قد أدرك لها فرخان إذ أقبل مالك الحزين فوقع على‬ ‫النخلة. فلما رأى الحمامة كئيبة حزينة شديدة الهم قال لها مالك‬‫الحزين: يا حمامة، ما لي أراكي كالسفة اللون لسيئة الحال? فقالت له:‬ ‫يا مالك الحزين، إن ثعلبا دهيت نبه كلما كان لي فرخان جاء يهددني‬ ‫ويصيح في أصل النخلة، فأفرق منه فأطرح إليه فرخي. قال لها مالك‬ ‫الحزين: إذا أتاك ليفعل ما تقولين فقولي له: ل ألقي إليك فرخي،‬ ‫ا ِ‬ ‫فارق إلي وغرر نبنفسك. فإذا فعلت ذلك وأكلت فرخي، طرت عنك‬ ‫ َ‬ ‫ونجوت نبنفسي. فلما علمها مالك الحزين هذه الحيلة طار فوقع على‬ ‫شاطئ نهر. فأقبل الثعلب في الوقت الذي عرف، فوقف تحتها، ثم‬‫صاح كما كان يفعل. فأجانبته الحمامة نبما علمها مالك الحزين. قال لها‬ ‫الثعلب: أخبريني من علمك هذا? قالت: علمني مالك الحزين. فتوجه‬ ‫هّ‬ ‫الثعلب إلى مالكا الحزين على شاطئ النهر، فوجده واقفا. فقال له‬ ‫الثعلب: يا مالك الحزين: إذا أتتك الريح عن يمينك فأين تجعل رألسك?‬‫قال: عن شمالي. قال: فإذا أتتك عن شمالك فأين تجعل رألسك. قال:‬ ‫أجعله عن يميني أو خلفي. قال: فإذا أتتك الريح من كل مكان وكل‬‫ناحية فأين تجعله? قال: أجعله تحت جناحي. قال: وكيف تستطيع أن‬ ‫تجعله تحت جناحك? ما أراه يتهيأ لك. قال: نبلى: قال: فأرني كيف‬‫تصنع? فلعمري يا معشر الطير لقد فضلكم ا علينا. إنكن تدرين في‬ ‫781‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫لساعة واحدة مثلما ندري في لسنة، وتبلغن ما ل نبلغ، وتدخلن رؤلسكن‬ ‫تحت اجنحتكن من البرد والريح. فهنيئا لكن فأرني كيف تصنع. فأدخل‬‫الطائر رألسه تحت جناحه فوثب عليه الثعلب مكانه فأخذه فهمزه همزة‬ ‫دقت عنقه. ثم قال: يا عدوي نفسه، ترى الرأي للحمامة، وتعلمها‬ ‫الحيلة لنفسها، وتعجز عن ذلك لنفسك، حتى يستمكن منك عدوك، ثم‬ ‫أجهز عليه وأكله. فلما انتهى المنطق للملك والفيلسوف إلى هذا‬ ‫المكان لسكت الملك. فقال له الفيلسوف: أيها الملك عشت ألف لسنة،‬ ‫وملكت القاليم السبعة، وأعطيت من كل شيء لسببا، مع وفور‬ ‫لسرورك وقرة عين رعيتك نبك، ومساعدة القضاء والقدر لك، فإنه قد‬ ‫كمل فيك الحلم والعلم. وزكا منك العقل والقول والنية، فل يوجد في‬ ‫رأيك نقص، ول في قولك لسقط ول عيب. وقد جمعت النجدة واللين،‬ ‫فل توجد جبانا عند اللقاء، ول ضيق الصدر عندما ينونبك من الشياء.‬ ‫وقد جمعت لك في هذا الكتاب شمل نبيان المور، وشرحت لك جوانبا‬‫ما لسألتني عنه منها فأنبلغتك في ذلك غاية نصحي، واجتهدت فيه نبرأيي‬ ‫ونظري ومبلغ فطنتي، التمالسا لقضاء حقك وحسن النية منك. نبأعمال‬ ‫الفكرة والعقل. فجاء كما وصفت لك من النصيحة والموعظة مع أنه‬‫ليس المر نبالخير نبألسعد من المطيع له فيه، ول الناصح نبأولى نبالنصيحة‬‫من المنصوح، ول المعلم للخير نبألسعد من متعلمه منه. فافهم ذلك أيها‬ ‫الملك ول حول ول قوة إل نبالله العلي العظيم.‬ ‫قال الفيلسوف: زعموا أن حمامة كانت تفرخ في رأس نخلة طويلة‬ ‫ذاهبة في السماء، فكانت الحمامة تشرع في نقل العش إلى رأس‬ ‫881‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬‫تلك النخلة، فل يمكن أن تنقل ما تنقل من العش وتجعله تحت البيض‬ ‫إل نبعد شدة وتعب ومشقة: لطول النخلة ولسحقها، فإذا فرغت من‬‫النقل نباضت ثم حضنت نبيضها، فإذا فقست وأدرك فراخها جاءها ثعلب‬‫قد تعاهد ذلك منها لوقت قد علمه نبقدر ما ينهض فراخها، فيقف نبأصل‬ ‫النخلة فيصيح نبها ويتوعدها أن يرقي إليها فتلقي إليه فراخها. فبينما‬ ‫هي ذات يو.م قد أدرك لها فرخان إذ أقبل مالك الحزين فوقع على‬ ‫النخلة. فلما رأى الحمامة كئيبة حزينة شديدة الهم قال لها مالك‬‫الحزين: يا حمامة، ما لي أراكي كالسفة اللون لسيئة الحال? فقالت له:‬ ‫يا مالك الحزين، إن ثعلبا دهيت نبه كلما كان لي فرخان جاء يهددني‬ ‫ويصيح في أصل النخلة، فأفرق منه فأطرح إليه فرخي. قال لها مالك‬ ‫الحزين: إذا أتاك ليفعل ما تقولين فقولي له: ل ألقي إليك فرخي،‬ ‫ا ِ‬ ‫فارق إلي وغرر نبنفسك. فإذا فعلت ذلك وأكلت فرخي، طرت عنك‬ ‫ َ‬ ‫ونجوت نبنفسي. فلما علمها مالك الحزين هذه الحيلة طار فوقع على‬ ‫شاطئ نهر. فأقبل الثعلب في الوقت الذي عرف، فوقف تحتها، ثم‬‫صاح كما كان يفعل. فأجانبته الحمامة نبما علمها مالك الحزين. قال لها‬ ‫الثعلب: أخبريني من علمك هذا? قالت: علمني مالك الحزين. فتوجه‬ ‫هّ‬ ‫الثعلب إلى مالكا الحزين على شاطئ النهر، فوجده واقفا. فقال له‬ ‫الثعلب: يا مالك الحزين: إذا أتتك الريح عن يمينك فأين تجعل رألسك?‬‫قال: عن شمالي. قال: فإذا أتتك عن شمالك فأين تجعل رألسك. قال:‬ ‫أجعله عن يميني أو خلفي. قال: فإذا أتتك الريح من كل مكان وكل‬‫ناحية فأين تجعله? قال: أجعله تحت جناحي. قال: وكيف تستطيع أن‬ ‫981‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫تجعله تحت جناحك? ما أراه يتهيأ لك. قال: نبلى: قال: فأرني كيف‬ ‫تصنع? فلعمري يا معشر الطير لقد فضلكم ا علينا. إنكن تدرين في‬ ‫لساعة واحدة مثلما ندري في لسنة، وتبلغن ما ل نبلغ، وتدخلن رؤلسكن‬ ‫تحت اجنحتكن من البرد والريح. فهنيئا لكن فأرني كيف تصنع. فأدخل‬‫الطائر رألسه تحت جناحه فوثب عليه الثعلب مكانه فأخذه فهمزه همزة‬ ‫دقت عنقه. ثم قال: يا عدوي نفسه، ترى الرأي للحمامة، وتعلمها‬ ‫الحيلة لنفسها، وتعجز عن ذلك لنفسك، حتى يستمكن منك عدوك، ثم‬ ‫أجهز عليه وأكله. فلما انتهى المنطق للملك والفيلسوف إلى هذا‬ ‫المكان لسكت الملك. فقال له الفيلسوف: أيها الملك عشت ألف لسنة،‬ ‫وملكت القاليم السبعة، وأعطيت من كل شيء لسببا، مع وفور‬ ‫لسرورك وقرة عين رعيتك نبك، ومساعدة القضاء والقدر لك، فإنه قد‬ ‫كمل فيك الحلم والعلم. وزكا منك العقل والقول والنية، فل يوجد في‬ ‫رأيك نقص، ول في قولك لسقط ول عيب. وقد جمعت النجدة واللين،‬ ‫فل توجد جبانا عند اللقاء، ول ضيق الصدر عندما ينونبك من الشياء.‬ ‫وقد جمعت لك في هذا الكتاب شمل نبيان المور، وشرحت لك جوانبا‬‫ما لسألتني عنه منها فأنبلغتك في ذلك غاية نصحي، واجتهدت فيه نبرأيي‬ ‫ونظري ومبلغ فطنتي، التمالسا لقضاء حقك وحسن النية منك. نبأعمال‬ ‫الفكرة والعقل. فجاء كما وصفت لك من النصيحة والموعظة مع أنه‬‫ليس المر نبالخير نبألسعد من المطيع له فيه، ول الناصح نبأولى نبالنصيحة‬‫من المنصوح، ول المعلم للخير نبألسعد من متعلمه منه. فافهم ذلك أيها‬ ‫الملك ول حول ول قوة إل نبالله العلي العظيم.‬ ‫091‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫قال الفيلسوف: زعموا أن حمامة كانت تفرخ في رأس نخلة طويلة‬ ‫ذاهبة في السماء، فكانت الحمامة تشرع في نقل العش إلى رأس‬‫تلك النخلة، فل يمكن أن تنقل ما تنقل من العش وتجعله تحت البيض‬ ‫إل نبعد شدة وتعب ومشقة: لطول النخلة ولسحقها، فإذا فرغت من‬‫النقل نباضت ثم حضنت نبيضها، فإذا فقست وأدرك فراخها جاءها ثعلب‬‫قد تعاهد ذلك منها لوقت قد علمه نبقدر ما ينهض فراخها، فيقف نبأصل‬ ‫النخلة فيصيح نبها ويتوعدها أن يرقي إليها فتلقي إليه فراخها. فبينما‬ ‫هي ذات يو.م قد أدرك لها فرخان إذ أقبل مالك الحزين فوقع على‬ ‫النخلة. فلما رأى الحمامة كئيبة حزينة شديدة الهم قال لها مالك‬‫الحزين: يا حمامة، ما لي أراكي كالسفة اللون لسيئة الحال? فقالت له:‬ ‫يا مالك الحزين، إن ثعلبا دهيت نبه كلما كان لي فرخان جاء يهددني‬ ‫ويصيح في أصل النخلة، فأفرق منه فأطرح إليه فرخي. قال لها مالك‬ ‫الحزين: إذا أتاك ليفعل ما تقولين فقولي له: ل ألقي إليك فرخي،‬ ‫ا ِ‬ ‫فارق إلي وغرر نبنفسك. فإذا فعلت ذلك وأكلت فرخي، طرت عنك‬ ‫ َ‬ ‫ونجوت نبنفسي. فلما علمها مالك الحزين هذه الحيلة طار فوقع على‬ ‫شاطئ نهر. فأقبل الثعلب في الوقت الذي عرف، فوقف تحتها، ثم‬‫صاح كما كان يفعل. فأجانبته الحمامة نبما علمها مالك الحزين. قال لها‬ ‫الثعلب: أخبريني من علمك هذا? قالت: علمني مالك الحزين. فتوجه‬ ‫هّ‬ ‫الثعلب إلى مالكا الحزين على شاطئ النهر، فوجده واقفا. فقال له‬ ‫الثعلب: يا مالك الحزين: إذا أتتك الريح عن يمينك فأين تجعل رألسك?‬‫قال: عن شمالي. قال: فإذا أتتك عن شمالك فأين تجعل رألسك. قال:‬ ‫191‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫أجعله عن يميني أو خلفي. قال: فإذا أتتك الريح من كل مكان وكل‬ ‫ناحية فأين تجعله? قال: أجعله تحت جناحي. قال: وكيف تستطيع أن‬ ‫تجعله تحت جناحك? ما أراه يتهيأ لك. قال: نبلى: قال: فأرني كيف‬ ‫تصنع? فلعمري يا معشر الطير لقد فضلكم ا علينا. إنكن تدرين في‬ ‫لساعة واحدة مثلما ندري في لسنة، وتبلغن ما ل نبلغ، وتدخلن رؤلسكن‬ ‫تحت اجنحتكن من البرد والريح. فهنيئا لكن فأرني كيف تصنع. فأدخل‬‫الطائر رألسه تحت جناحه فوثب عليه الثعلب مكانه فأخذه فهمزه همزة‬ ‫دقت عنقه. ثم قال: يا عدوي نفسه، ترى الرأي للحمامة، وتعلمها‬ ‫الحيلة لنفسها، وتعجز عن ذلك لنفسك، حتى يستمكن منك عدوك، ثم‬ ‫أجهز عليه وأكله. فلما انتهى المنطق للملك والفيلسوف إلى هذا‬ ‫المكان لسكت الملك. فقال له الفيلسوف: أيها الملك عشت ألف لسنة،‬ ‫وملكت القاليم السبعة، وأعطيت من كل شيء لسببا، مع وفور‬ ‫لسرورك وقرة عين رعيتك نبك، ومساعدة القضاء والقدر لك، فإنه قد‬ ‫كمل فيك الحلم والعلم. وزكا منك العقل والقول والنية، فل يوجد في‬ ‫رأيك نقص، ول في قولك لسقط ول عيب. وقد جمعت النجدة واللين،‬ ‫فل توجد جبانا عند اللقاء، ول ضيق الصدر عندما ينونبك من الشياء.‬ ‫وقد جمعت لك في هذا الكتاب شمل نبيان المور، وشرحت لك جوانبا‬‫ما لسألتني عنه منها فأنبلغتك في ذلك غاية نصحي، واجتهدت فيه نبرأيي‬ ‫ونظري ومبلغ فطنتي، التمالسا لقضاء حقك وحسن النية منك. نبأعمال‬ ‫الفكرة والعقل. فجاء كما وصفت لك من النصيحة والموعظة مع أنه‬‫ليس المر نبالخير نبألسعد من المطيع له فيه، ول الناصح نبأولى نبالنصيحة‬ ‫291‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬‫من المنصوح، ول المعلم للخير نبألسعد من متعلمه منه. فافهم ذلك أيها‬ ‫الملك ول حول ول قوة إل نبالله العلي العظيم.‬ ‫قال الفيلسوف: زعموا أن حمامة كانت تفرخ في رأس نخلة طويلة‬ ‫ذاهبة في السماء، فكانت الحمامة تشرع في نقل العش إلى رأس‬‫تلك النخلة، فل يمكن أن تنقل ما تنقل من العش وتجعله تحت البيض‬ ‫إل نبعد شدة وتعب ومشقة: لطول النخلة ولسحقها، فإذا فرغت من‬‫النقل نباضت ثم حضنت نبيضها، فإذا فقست وأدرك فراخها جاءها ثعلب‬‫قد تعاهد ذلك منها لوقت قد علمه نبقدر ما ينهض فراخها، فيقف نبأصل‬ ‫النخلة فيصيح نبها ويتوعدها أن يرقي إليها فتلقي إليه فراخها. فبينما‬ ‫هي ذات يو.م قد أدرك لها فرخان إذ أقبل مالك الحزين فوقع على‬ ‫النخلة. فلما رأى الحمامة كئيبة حزينة شديدة الهم قال لها مالك‬‫الحزين: يا حمامة، ما لي أراكي كالسفة اللون لسيئة الحال? فقالت له:‬ ‫يا مالك الحزين، إن ثعلبا دهيت نبه كلما كان لي فرخان جاء يهددني‬ ‫ويصيح في أصل النخلة، فأفرق منه فأطرح إليه فرخي. قال لها مالك‬ ‫الحزين: إذا أتاك ليفعل ما تقولين فقولي له: ل ألقي إليك فرخي،‬ ‫ا ِ‬ ‫فارق إلي وغرر نبنفسك. فإذا فعلت ذلك وأكلت فرخي، طرت عنك‬ ‫ َ‬ ‫ونجوت نبنفسي. فلما علمها مالك الحزين هذه الحيلة طار فوقع على‬ ‫شاطئ نهر. فأقبل الثعلب في الوقت الذي عرف، فوقف تحتها، ثم‬‫صاح كما كان يفعل. فأجانبته الحمامة نبما علمها مالك الحزين. قال لها‬ ‫الثعلب: أخبريني من علمك هذا? قالت: علمني مالك الحزين. فتوجه‬ ‫هّ‬ ‫الثعلب إلى مالكا الحزين على شاطئ النهر، فوجده واقفا. فقال له‬ ‫391‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫الثعلب: يا مالك الحزين: إذا أتتك الريح عن يمينك فأين تجعل رألسك?‬‫قال: عن شمالي. قال: فإذا أتتك عن شمالك فأين تجعل رألسك. قال:‬ ‫أجعله عن يميني أو خلفي. قال: فإذا أتتك الريح من كل مكان وكل‬ ‫ناحية فأين تجعله? قال: أجعله تحت جناحي. قال: وكيف تستطيع أن‬ ‫تجعله تحت جناحك? ما أراه يتهيأ لك. قال: نبلى: قال: فأرني كيف‬‫تصنع? فلعمري يا معشر الطير لقد فضلكم ا علينا. إنكن تدرين في‬ ‫لساعة واحدة مثلما ندري في لسنة، وتبلغن ما ل نبلغ، وتدخلن رؤلسكن‬ ‫تحت اجنحتكن من البرد والريح. فهنيئا لكن فأرني كيف تصنع. فأدخل‬‫الطائر رألسه تحت جناحه فوثب عليه الثعلب مكانه فأخذه فهمزه همزة‬ ‫دقت عنقه. ثم قال: يا عدوي نفسه، ترى الرأي للحمامة، وتعلمها‬ ‫الحيلة لنفسها، وتعجز عن ذلك لنفسك، حتى يستمكن منك عدوك، ثم‬ ‫أجهز عليه وأكله. فلما انتهى المنطق للملك والفيلسوف إلى هذا‬ ‫المكان لسكت الملك. فقال له الفيلسوف: أيها الملك عشت ألف لسنة،‬ ‫وملكت القاليم السبعة، وأعطيت من كل شيء لسببا، مع وفور‬ ‫لسرورك وقرة عين رعيتك نبك، ومساعدة القضاء والقدر لك، فإنه قد‬ ‫كمل فيك الحلم والعلم. وزكا منك العقل والقول والنية، فل يوجد في‬ ‫رأيك نقص، ول في قولك لسقط ول عيب. وقد جمعت النجدة واللين،‬ ‫فل توجد جبانا عند اللقاء، ول ضيق الصدر عندما ينونبك من الشياء.‬ ‫وقد جمعت لك في هذا الكتاب شمل نبيان المور، وشرحت لك جوانبا‬‫ما لسألتني عنه منها فأنبلغتك في ذلك غاية نصحي، واجتهدت فيه نبرأيي‬ ‫ونظري ومبلغ فطنتي، التمالسا لقضاء حقك وحسن النية منك. نبأعمال‬ ‫491‬
  • ‫مكتبة مشكاة‬ ‫كليلة ودمنة لنبن المقفع‬ ‫اللسلمية‬ ‫الفكرة والعقل. فجاء كما وصفت لك من النصيحة والموعظة مع أنه‬‫ليس المر نبالخير نبألسعد من المطيع له فيه، ول الناصح نبأولى نبالنصيحة‬‫من المنصوح، ول المعلم للخير نبألسعد من متعلمه منه. فافهم ذلك أيها‬ ‫الملك ول حول ول قوة إل نبالله العلي العظيم.‬ ‫591‬