Your SlideShare is downloading. ×
محمد في المدينة
Upcoming SlideShare
Loading in...5
×

Thanks for flagging this SlideShare!

Oops! An error has occurred.

×

Introducing the official SlideShare app

Stunning, full-screen experience for iPhone and Android

Text the download link to your phone

Standard text messaging rates apply

محمد في المدينة

9,409
views

Published on

هذا الكتاب محاولة لسبر أغوار الماضي دون التعرض لضباب الكهانة والمعلومات المغلوطة

هذا الكتاب محاولة لسبر أغوار الماضي دون التعرض لضباب الكهانة والمعلومات المغلوطة

Published in: Education

1 Comment
5 Likes
Statistics
Notes
  • لا أدري لماذا الدولة بعيدة عن هؤلاء لماذا لم توفهم حقهم لماذا لم تكرمهم حتى اليوم .........
       Reply 
    Are you sure you want to  Yes  No
    Your message goes here
No Downloads
Views
Total Views
9,409
On Slideshare
0
From Embeds
0
Number of Embeds
0
Actions
Shares
0
Downloads
155
Comments
1
Likes
5
Embeds 0
No embeds

Report content
Flagged as inappropriate Flag as inappropriate
Flag as inappropriate

Select your reason for flagging this presentation as inappropriate.

Cancel
No notes for slide

Transcript

  • 1. ‫)صلى ال عليه وسلم(‬ ‫محم د‬ ‫ُ َ ّــــ ٌ‬‫في المدينة‬ ‫سنوات المدينة‬ ‫دراسة نقديــة‬
  • 2. ‫الدكتور وجدى الفيشاوى‬
  • 3. ‫إلـــى أمي وأبى‬‫َوْ ٌ و َيْحان‬ ‫ر ح ر‬
  • 4. ‫مدخل‬‫فى كتابنا : سنوات مكة ، ناقشنا ما جاء فى كتب التراث وكذلك ما كتبه المستشرقون عن تلك الفترة من حياة‬ ‫النبى . وطالبنا بحذف الكثير مما جاء فى تلك الكتب التراثية ، وكذا بتنقيتها مما لحق بها وأضيف إليها من‬ ‫تشوهات تسئ إلى السلم وإلى شخصية النبى .‬ ‫كما عرضنا آراء المستشرقين وناقشناها فى حيادية تامة ، وأثبتنا بالدليل القاطع والبرهان الب ّن أن أغلبهم ،‬ ‫ي‬ ‫إن لم يكونوا جميعا – باستثناء القلة النادرة – يكتبون عن عدم إلمام وجهل ، أو عن ضيق أفق وحقد ، أو بدافع‬‫التعصب والنحياز الباطش لما يؤمنون به ، سواء كانوا ينتمون إلى يهودية أو مسيحية أو ل دينية ل هوية لها .‬ ‫قد يكون وراء هؤلء جميعا إحساس واحد ، يدفعهم – عنفا – فى اتجاه عدائى واحد: أل وهو الخوف من‬ ‫تأثير السلم وقوة نفوذه وسيطرته الربانية الجارفة على نفوس معتنقيه من أنقياء النفوس الذين َ ُرت قلوبهم‬ ‫طه‬ ‫وسمت أرواحهم فغ َوْا قدوة جاذبة ُخشى تأثير جاذبيتها على شعوب خضعت طوال قرون طويلة لسلطة‬ ‫ي‬ ‫د‬ ‫الكنيسة وطقوسها المستغلقة الغامضة .‬ ‫نحن ل نهاجم صاحب دين ، أيا كان هذا الدين ، ول نتهكم على أحد ، ول نسخر من أحد ، ول نتهم أحدا‬ ‫بالمروق والعصيان أو بالكفر والزندقة .‬ ‫إننا نناقش الرأى بالرأى ، ونقابل الدليل – إن ُجد – بالدليل ، ونواجه الحجة بالحجة ، ونزيح الستار عن‬ ‫و‬‫الجهل عندما نواجهه ، ونتصدى للتعصب والحقد بالحب والتسامح والغفران ، ل من مركز الضعف المستسلم ،‬ ‫ولكن من موقف القدرة العلمية القادرة .‬ ‫هذا الكتاب : سنوات المدينة ، يعتبر مك ّل لكتابنا : سنوات مكة . ولقد سرنا فيه على نفس النهج العلمى‬ ‫م‬ ‫التحليلى النقدى النزيه المحايد الذى ل يخضع إل لسلطان ال .‬‫ما أردنا بهذا كسبا دنيويا ، ما تاجرنا يوما بعلم ، ما تملقنا أبدا صاحب سلطان ، ما لنا من نور إل ذلك النور‬ ‫الذى يهدى به ال من يشاء .‬ ‫الشكر والتقدير للخ العزيز الروائى الديب الستاذ محمود عرفات الذى بذل جهدا وفيرا كى يخرج الكتاب‬ ‫فى صورته الحالية ، كما نذكر بكل اعتزاز وامتنان الروائى الديب الستاذ فخرى أبو شليب الذى بذل من‬ ‫الجهد ما أجهده حبا ، ليمانه بقيمة هذا العمل وإصراره على أن يرى النور .‬ ‫وال ولى التوفيق .‬ ‫وجدى الفيشاوى‬ ‫فيل الكرمتان – طنطا‬ ‫8002/3/62‬
  • 5. ‫الدكتور وجدى الفيشاوى‬ ‫-ليسانس فى الدب النجليزى . آداب القاهرة .‬ ‫-ماجستير فى النقد النجليزى . آداب القاهرة .‬ ‫- دكتوراه فى النقد النجليزي . جامعة برمنجهام . إنجلترا .‬ ‫أستاذ النقد النجليزى . كلية اللغات والترجمة .‬ ‫-‬ ‫أهم ما نشر له :‬ ‫-محمد )ص( : سنوات مكة ، دراسة نقدية .‬ ‫-محمد )ص( : سنوات المدينة ، دراسة نقدية .‬ ‫-ل تصلبوا المسيح : دراسة نقدية .‬ ‫موسى فى الساطير السرائيلية : دراسة نقدية .‬ ‫-‬ ‫اليهودى ل يحب السلم : مسرحية مأساوية .‬ ‫-‬ ‫مأساة الفرعون : مسرحية .‬ ‫-‬ ‫رجل ل أعرفه : مسرحية عبثية.‬ ‫-‬ ‫-الجامعة والصعود إلى الهاوية : رواية.‬ ‫-منحرفون وبغايا . بصقة فى وجه الفساد : رواية .‬ ‫-الحزن فى عيون الرجال : رواية .‬ ‫-الطيران بل أجنحة : رواية مؤلفة بالنجليزية.‬‫د. هـ. لورانس : دراسة نقدية . مؤلف بالنجليزية .تقديم ستانلى ويلز ‪Stanley Wells‬‬ ‫-‬ ‫-الستاذ بجامعة أكسفورد والمدير السابق لـ ‪.The Shakespeare Institute‬‬‫-نقد النقد فى التراجيديا الشكسبيرية : مؤلف بالنجليزية. تقديم روبرت سمولود ‪Robert‬‬ ‫‪ Smallwood‬الستاذ بجامعة برمنجهام .‬ ‫مدخل إلى الملك لير : مؤلف بالنجليزية .‬ ‫-‬ ‫دراسات نقدية : مؤلف بالنجليزية .‬ ‫-‬ ‫مختارات من القصص القصيرة بالنجليزية . تقديم الدكتور وجدى الفيشاوى .‬ ‫-‬ ‫جورج برنارد شو: حياته بقلمه . مترجم من النجليزية .‬ ‫-‬ ‫قطة فوق صفيح ساخن : مسرحية مترجمة من الدب المريكي .‬ ‫-‬ ‫تحت الطبع :‬ ‫كتاب اللهة .‬ ‫-‬ ‫***‬
  • 6. ‫الفصــل الول‬‫تكوين ا ُ ّـــة‬ ‫لم‬
  • 7. ‫الفصــل الول‬ ‫تكوين المــة‬ ‫)1(‬ ‫بنـاء المسجد‬ ‫اختار النبى بناء المسجد حيث بركت ناقته "القصواء" التى قال عنها لمن هم حوله: دعوها تبرك حيث‬ ‫تشاء فإنها مأمورة. وبركت الناقة فى ِرْ َد 1. لغلمين يتيمين من بنى النجار كانا فى كفالة أسعد بن زرارة ،‬ ‫م ب‬ ‫أول من دعا للسلم فى المدينة قبل هجرة النبى إليها. وكان أسعد بن زرارة يصلى فى نفس المكان هو ومن‬ ‫أسلم و ُ َ ّع فيه الجمعة.‬ ‫يجم‬ ‫كان لذلك المربد جدارا ، ول سقف له ، وكان به نخل وقبور جاهلية وماء راكد. ويروى أن النبى قال‬‫لهم ، أى لبنى النجار : ثامنوني ، أى اطلبوا الثمن . فقالوا : ل نبتغي به ثمنا إل ما عند ال . رفضوا أن يأخذوا‬ ‫للمكان ثمنا. لكن رواية أخرى تقول إن النبى ابتاعه بعشرة دنانير من الغلمين اليتيمين وأمر أبا بكر أن‬ ‫2‬ ‫يعطيهما ذلك .‬ ‫تم تقطيع النخل ، ونبش القبور وتغييب ما بها من عظام ، كما تم التخلص من الماء الراكد، وإصلح‬ ‫الرض إعدادً للبناء.‬ ‫ا‬‫اشترك النبى فى بناء مسجده ، كى يكون قدوة لصحابه ، حمل معهم الحجارة ، وما كان لحد منهم بعد‬ ‫ذلك أن يتأخر أو يتكاسل أو ُحجم ، وكأن لسان حالهم يقول ، كما عبر عن ذلك أحدهم :‬ ‫ي‬ ‫مضلل‬ ‫لذاك منا العمل ال ُ َّ ُ‬ ‫ل‬ ‫لئن قعدنا والنبى يعم ُ‬ ‫وارتجز المسلمون وهو يبنون :‬ ‫اللهم أرحم النصار والمهاجرة‬ ‫ل عيش إل عيش الخرة‬ ‫وردد النبى معهم كلمات الرجوزة ، مع تغييره لكلمات المقطع الثاني ، فكان يقول: اللهم ارحم‬ ‫المهاجرين والنصار.‬ ‫وتعلق كارين أرمسترونج على تغيير النبى للكلمات بقولها : كان محمد يغير الشطر الثاني، فيقول : "‬ ‫اللهم ارحم المهاجرين والنصار " ، وهو التعديل الذى يبتعد بالكلم عن الوزن والقافية ، مما يبين أن محمدا‬ ‫3‬ ‫كان " أميا " فلم يكن شاعرا بالفطرة . والواقع أن نقص مهارته اللغوية يثبت مدي إعجاز القرآن .‬ ‫لم يكن أصحاب النبى من قريش قد اعتادوا جميعا هذا العمل اليدوي . لذا تردد البعض فى الشتراك ،‬‫كما بدا بوضوح فى حالة عثمان بن عفان ، زوج ابنة النبى الذى تعود حياة الثراء والنعيم والناقة والرفاهية ،‬ ‫فما كان له أن يرهق جسده المترف بحمل الحجارة . أو أن يلوث يديه الناعمتين بطين الرض . كان مثل هذا‬ ‫1 موضع يجفف فيه التمر .‬ ‫2 ابن سعد ، جـ ١ ، ص ٩٣٢.‬ ‫3 كارين أرمسترونج ، محمد ، ص ٣٣٢.‬
  • 8. ‫العمل بالنسبة له‬ ‫يبدو مرهقا.‬ ‫كان فى مقدمة الذين يعملون بحماس متقد على بن أبى طالب وعمار بن ياسر. ومن كثرة الجهد ، شعر‬ ‫عمار بن ياسر بإرهاق شديد وقد أثقلوه بحمل الّ ِن .‬ ‫لب‬‫دخل عمار بن ياسر على النبى ، وهو فى حالة يرثي لها ، قال : يا رسول ال ، قتلوني ، يحملون على ما‬ ‫ل يحملون ، قالت أم سلمة : فرأيت رسول ال ينفض وفرته بيده ، وكان رجل جعدً . وهو يقول : ويح ابن‬ ‫ا‬ ‫سمية ، ليسوا بالذين يقتلونك ، إنما تقتلك‬ ‫4‬ ‫الفئة الباغية.‬ ‫انطلق عمار ، فى حماسه الدافق ، يعمل دون كلل. حاول أن يدفع بعض المتكاسلين إلى المشاركة فى‬ ‫البناء ، وكان من بينهم عثمان بن عفان ، لكن كبر على عثمان – وهو من هو فى قريش أصل وثرا ً – أن‬ ‫ء‬ ‫يستحثه إلى العمل عمار بن ياسر، وهو يعرف جيدا من هو ياسر ، ومن هى سمية أم عمار وزوجة ياسر ،‬ ‫وربما نسى أو تناسى أنهما- رغم فقرهما – كانا أول شهداء المسلمين . كانت ما تزال بعثمان بقايا نزعة‬ ‫جاهلية ، وإن كان السلم قد رققها وهذبها، لكن آثارها كانت غير خافية فى تعامله مع عمار. لقد هدد عمار‬‫بالضرب على أنفه بالعصا ، إن لم يكف . ويروى ابن إسحق أن عثمان قال : قد سمعت ما تقول منذ اليوم يا ابن‬ ‫سمية ، وال إنى لراني سأعرض هذه العصا لنفك .‬ ‫عندما سمع النبى بذلك غضب – رغم ندرة غضبه - وقال : ما لهم ولعمار، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه‬ ‫5‬ ‫إلى النار ، إن عمارا ِلْ َ ُ ما بين عينى وأنفى .‬ ‫ج دة‬‫تمت إقامة المسجد ، كان بنا ً بسيطا يخلو من أى مظهر من مظاهر البهة والفخامة المادية ، جدرانه من‬ ‫ء‬‫الطوب اللبن ، وعواميده من جذوع الشجر وسقفه من زعف النخيل ، طوله حوالى مائة ذراع وكذلك عرضه ،‬ ‫ألحقت به عدة حجرات تم بناؤها من نفس المواد : اللبن وجذوع النخل والجريد . وكما يروى ابن هشام ، كانت‬‫حجرات نساء النبى تسعا . ول نعرف لماذا حدد ابن هشام عدد الغرف منذ البداية بتسع، رغم أن النبى لم يكن له‬ ‫فى تلك الونة سوى زوجة واحدة هى سودة ، ولم يكن قد بنى بعائشة بعد .‬ ‫جعل النبى قبلة المسجد إلى بيت المقدس ، وجعل له ثلثة أبواب : بابا فى مؤخره، وبابا يقال له باب‬ ‫الرحمة ، وهو الباب الذى يدعى باب عاتكة ، والباب الثالث الذى يدخل فيه.‬‫أثناء بناء المسجد نزل النبى على أبى أيوب خالد بن زيد فى بنى غنْم بن النجار. ويقال إن النبى عاش فى‬ ‫َ‬ ‫دار أبى أيوب حوالى سبعة أشهر حتي تم بناء مسجده وحجراته، عندها انتقل من دار أبى أيوب إلى منازله .‬‫ويروى أن سرير النبى كان عبارة عن خشبات مشدودة بالليف ، ل أكثر من ذلك. نعيم الدنيا وبهرجها ما خطرا‬ ‫له على بال .‬ ‫ابن هشام ، جـ ٢ ، ص ٤١١.‬ ‫4‬ ‫ابن هشام ، جـ ٢ ، ص ٥١١.‬ ‫5‬
  • 9. ‫المنبر وأول خطبة جمعة :‬‫كان النبى إذا خطب الجمعة ، يخطب مستندا إلى جذع نخلة فى المسجد . وعندما رأى بعض الصحابة أن‬ ‫القيام قد شق عليه ، قالوا: يا رسول ال إن الناس قد كثروا فلو اتخذت شيئا تقوم عليه إذا خطبت يراك الناس .‬‫فقال: ما شئتم . فقال له تميم الدارى: أل أعمل لك منبرا كما رأيت يصنع بالشام ؟ فشاور النبى المسلمين فى ذلك‬ ‫فرأوا أن يتخذه ، وتم عمل المنبر. كان عبارة عن درجتين ومقعدا ، ويقال ثلث درجات ، وموقعه هو نفس‬ ‫موقع المنبر الحالى .‬ ‫ويروى أن النبى قال : ل يحلف رجل على يمين آثمة عند هذا المنبر إل تبوأ مقعده من النار ولو على‬ ‫6‬ ‫سواك أخضر، وقال : ما بين بيتى ومنبرى روضة من رياض الجنة .‬ ‫نورد هنا أول خطبة جمعة خطبها النبى ، وكانت بقباء ، ربما يتعلم منها خطباء الجمعة فى أيامنا هذه فل‬ ‫يطيلون فى كلمهم ساعة وربما أكثر من ساعة دون مبالة بمن هم بين المصلين من مرضي وكبار سن‬ ‫وضعاف ل يتحملون كل هذه الطالة المبالغ فيها والتى ربما اعتبرها الخطيب من سمات البلغة والتمكن‬‫والسيطرة على مستمعيه من المصلين ، وما هى على كل ذلك بدليل ، على العكس ربما تكون إلى الحماقة أقرب‬ ‫لن فيها إيذاء لبعض المصلين والدين يسر ل عسر.‬ ‫يقول النبى فى أول خطبة له : أما بعد أيها الناس ، فقدموا لنفسكم تعلمن ، وال ليصْ َ َ ّ ) ليموتن (‬ ‫عفن‬ ‫أحدكم ، ثم ِ َ َع ّ غنمه ليس لها راع ، ثم ليقولن له ربه ، وليس له َرْ ُمان ول حاجب يحجبه دونه : ألم يأتك‬ ‫ت ج‬ ‫ليد ن‬ ‫رسولى فبّغك ، وآتيتك مال وأفْ َل ُ عليك، فما قدمت لنفسك ؟ فلينظرن يمينا وشمال فل يرى شيئا ، ثم‬ ‫ضت‬ ‫ل‬ ‫لينظرن ُ ّامه فل يرى غير جهنم. فمن استطاع أن يقى وجهه من النار ولو ِ ِ ّ تمرة فليفعل ، ومن لم يجد‬ ‫بشق‬ ‫قد‬ ‫7‬ ‫فبكلمة طيبة ، فإن بها تجزى الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، والسلم عليكم ورحمه ال وبركاته .‬ ‫أهل ال ّ ّـة:‬ ‫صف‬‫ُ ّ َ الركن المسقوف من المسجد ليواء الفقراء الذين لم يكونوا يملكون مسكنا، وعرف من نزلوا فيه‬ ‫خص ص‬ ‫بأهل ال ّ ّة . كان هذا الركن بمثابة مدرسة يقضى القائمون فيه ُ ّ وقتهم فى دراسة الدين والتبحر فيه ، أما‬ ‫جل‬ ‫صف‬ ‫إعالتهم فقد تكفل بها أغنياء المسلمين . ومن بين أهل الصفة خرج جماعة من الفقهاء الذين رفعوا راية السلم‬ ‫عاليا، وكان من أبرزهم أبو هريرة الذي ُقل عنه الكثير من أحاديث النبى . وكما سبق وقلنا ، لم يكن أهل‬ ‫ن‬ ‫الصفة يملكون مال أو يتكسبون معاشا ، وكثيرا ما كان أثرياء المسلمين يدعونهم لتناول الطعام .‬ ‫وعن أهل الصفة يقول المام أبو حامد الغزالى ، فى كتابه إحياء علوم الدين : كانوا نحو أربعمائه رجل‬ ‫لم تكن لهم مساكن بالمدينة ول عشائر. جمعوا أنفسهم فى المسجد كاجتماع الصوفية قديما وحديثا فى الزوايا‬ ‫والربط ، وكانوا ل يرجعون إلى زرع ول إلى ضرع ول إلى تجارة ، كانوا يحتطبون .. بالنهار ، وبالليل‬ ‫يشتغلون بالعبادة وتعلم القرآن وتلوته ، وكان رسول ال صلى ال عليه وسلم يواسيهم ويحث الناس على‬ ‫ابن سعد ، جـ ١ ، انظر ص ٩٤٢- ٤٥٢ .‬ ‫6‬ ‫ابن هشام ، جـ ٢ ، ص ٨١١.‬ ‫7‬
  • 10. ‫مواساتهم ، ويجلس معهم ويأكل معهم .. وكان يفرقهم على أهل الجدة والسعة ، يبعث مع كل واحد ثلثة ومع‬ ‫8‬ ‫الخر أربعة ، وكان سعد بن معاذ يحمل إلى بيته منهم ثمانين يطعمهم "‬ ‫أفرا ٌ فى المسجد :‬ ‫ح‬‫عندما تم بناء المسجد ، احتفل بعض المسلمين بالزواج فيه . وهذا معناه أن المسجد كان دار عبادة ، ودار‬ ‫علم ، ودار لقاء النبى بأصحابه للتشاور فى أمور دينهم ودنياهم ، وهذا معناه أيضا أنه أصبح مركزا لتكوين‬ ‫المة ، إلى جانب كونه دارا للمناسبات الجتماعية.‬ ‫اقترح النبى على زيد أن يتزوج أمرأة أخرى إلى جانب أم أيمن ، وقد تقدمت بها السن ، وكانت تكبره‬ ‫بكثير. ولم يكتف النبى بأن يشير عليه بالزواج من زينب بنت جحش ، ابنة عمة النبى ، بل تقدم هو بنفسه‬ ‫لخطبتها نيابة عن زيد .‬ ‫رفضت زينب فى البداية ، كما رفض أخوها عبد ال ، لقد كانت على قدر كبير من الجمال ، كما كانت‬ ‫هاشمية ، ولم يكن فى زيد ما يغريها على الزواج منه . كانت تعلم جيدا أنه بيع فى بداية حياته عبدا إلى أن‬ ‫أعتقه النبى ، ولم يكن فى شكله العام ما يتناسب مع شدة جمالها، فقد كان أسمر اللون ، قصير القامة ، أفطس‬ ‫النف ، أى أنه كان يخلو من وسامة الرجل الذى كانت تطمح أن يكون زوجا لها . لكنها عندما علمت أن هذه‬‫هى رغبة النبى ، رضخت لمشيئته ، ووافق أخوها ، فما كان لهما أن يعترضا على ما ارتآه النبى . وتم الزواج‬ ‫الذى لم يكن موفقا ، لتعالى زينب على زيد وإعراضها عنه .‬‫وقام أبو بكر بتزويج ابنته أسماء إلى الزبير بن العوام ، أحد أقرباء النبى ، زيادة فى توثيق الصلة وتقوية‬ ‫الرابطة بينه وبين النبى .‬‫كما بنى النبى بعائشة ، وكان ذلك بعد مقدمه المدينة بثمانية أشهر ، فى ذى القعدة فى قول، وفى قول آخر‬ ‫: بعد مقدمه المدينة بسبعة أشهر فى شوال ، وكان قد خطبها بمكة قبل الهجرة بثلث سنين بعد وفاة خديجة.‬ ‫وانتقلت عائشة من بيت أبيها إلى بيت زوجها ، وكان مسكنها إلى جانب مسكن سودة التى وجدت فيها عائشة‬‫منذ البداية أما ودودا حانية ، لم تختلف معها أبدا . أما النبى فقد كان بالنسبة لهذه الزوجة الصغيرة زوجا عطوفا‬ ‫وأبا باراً ، لم يعترض يوما على لعبها بعرائسها أو لهوها مع من هن فى مثل سنها .‬ ‫)2(‬ ‫بداية تكوين المـة‬ ‫المؤاخاة بين المسلمين:‬ ‫المام أبو حامد محمد الغزالى ، إحياء علوم الدين ، الجزء الخامس ، ص ٥٨ ، مكتبة مصر ، القاهرة ، ٨٩٩١.‬ ‫8‬
  • 11. ‫فى المدينة رأى النبى أنه لبد من قيام مجتمع مترابط تقوم على أساسه أمة ناهضة قوية يمكنها نشر دين‬ ‫ال القائم على دعائم الحق والعدل والمساواة بين البشر ، ل فضل لعربى على أعجمي ول لبيض على أسود ،‬ ‫الكل لدم وآدم من تراب ، للسيد حقوق وللمسود حقوق وكلهما أمام ال سواء ، ل كهنوت فى الدين ول‬ ‫وساطة بين الخالق والمخلوق ، فالمخلوق يلجأ إلى خالقة مباشرة فى أى وقت ويناجيه.‬ ‫والنبى بسلوكه كان قدوة للجميع ، فهو يخدم نفسه ، ويرتق ثوبه ، ويصلح نعله ، ويحلب شاته ، ويذهب‬‫إلى السواق لشراء ما يحتاج ، يتحدث إلى كل من يود التحدث إليه : أمة أو أرملة أو مسكين ، يقدم يد المساعدة‬ ‫ويقضى حاجة المحتاج ويعود المريض ، ما ورد بخاطره يوما أن تكون له أبهة ملك أو عظمة سلطان ، كان‬‫وأصحابه سواء حتى فى مجلسه ل يتميز عليهم فى شئ ويجلس حيث يجد المكان ، ل يسمح لحد منهم أن يخلى‬ ‫له مكانه .‬ ‫يروى أن رجل وقف بين يدى النبى يوما فأخذته رعدة وسيطر عليه ارتباك شديد، فما كان من النبى إل‬ ‫9‬ ‫أن قال له : َ ّن عليك فلست بملك ول جبار ، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد .‬ ‫هو‬ ‫ولكى يوجد صفوف المسلمين ، ويجعل بينهم مودة ورحمة وتعاطفا وقوة ، قرر النبي أن يؤاخي بينهم ،‬ ‫دعاهم إلى أن يتآخوا فى ال أخوين أخوين . ويقال إنه آخي بين المهاجرين بعضهم البعض ، وآخي بين‬ ‫المهاجرين والنصار على الحق والمؤاساة وإنكار الذات إلى حد التوارث بعد الممات دون ذوى الرحام . فلما‬ ‫وأ ل ل ح م ب ضه َ ل بب ض ف كت ب ل إن ل بكل ش ء‬ ‫كانت وقعة "بدر" وأنزل ال تعالى : " َُوُْواْ ا َرْ َا ِ َعْ ُ ُمْ أوَْى ِ َعْ ٍ ِي ِ َا ِ ا ّ ِ ّ ا ّ ِ ُ ّ َيْ ٍ‬ ‫َِي ٌ " نسخت هذه الية ما كان قبلها وانقطعت المؤاخاة فى الميراث ، ورجع كل إنسان إلى نسبة وورثه ذوى‬ ‫عل م‬ ‫01‬ ‫رحمه .‬ ‫عاش المهاجرون فى بيوت من آخوهم من النصار وشاركوهم معيشتهم . فأغلبهم قدم المدينة وهو ل‬ ‫يملك الكثير وربما ل يملك شيئا ، بعد أن تركوا ما يملكون فى مكة طوعا أو كرها. وكان كل ما حمله أبو بكر‬ ‫ل يزيد عن خمسة آلف درهم أنفق منها الكثير. لم يكن بين المهاجرين من هو على ثراء سوى عثمان بن‬ ‫عفان ، وكان صاحب مال وفير. أما حمزة وعل ّ وزيد ، وغيرهم كثيرون ، فما كانوا يملكون شيئا ، ويقال إن‬ ‫ى‬ ‫حمزة توجه يوما إلى النبى يطلب الطعام . أما عل ّ فيقال إنه كان يحمل الماء فى قربة على ظهره ويبيعه‬ ‫ى‬ ‫للناس .‬ ‫إتجه بعض المهاجرين إلى التجارة كى ل يكونوا عالة على النصار. ويروى أن عبد الرحمن بن عوف‬‫وسعد بن الربيع كانا أخوين ، آخي بينهما النبى ، وكان عبد الرحمن بن عوف قد وصل يثرب خاوى الوفاض ل‬ ‫يملك شيئا ، فعرض عليه سعد أن يقاسمه ماله ، فأبى ابن عوف وطلب من سعد أن يدله على السوق . وفى‬ ‫السوق بدأ عبد الرحمن يبيع أشياء بسيطة كالجبن والزبد ، واستطاع بمهارته كأحد تجار مكة أن يوسع دائرة‬ ‫بيعه وشرائه ، وأن ُنمي تجارته ، حتى نجح فى تكوين ثروة وأصبحت له قافلة تخرج بتجارته وتعود محملة‬ ‫ي‬ ‫9 مختصر تفسير ابن كثير ، جـ ١ ، ص ١٢١‬ ‫01 ابن سعد ، جـ ١ ، ص ٨٣٢.‬
  • 12. ‫بما يحتاجه أهل المدينة . وكما فعل عبد الرحمن بن عوف ، فعل أكثر من مهاجر وهم تجار بحكم الطبيعة‬ ‫والتكوين . وسنرى فيما بعد كيف سينجحون فى الستقلل بسوق لهم فى المدينة ، مما سيثير غضب تجار‬ ‫اليهود وحنقهم.‬ ‫ويذكر بعض الرواة ، من أمثال الطبرى وابن سعد ، أن بعض المهاجرين ، ومن بينهم أبو بكر وعمر ،‬ ‫قد اشتغلت أسرهم بالزراعة فى أراضى النصار ، وبذلك تمكنوا من تدبير أمور معيشتهم .‬ ‫أما الفقراء والمعوزون الذين ل مال ول مأوى لهم ، فقد عاش أغلبهم فى المسجد، وأطلق عليهم – كما‬ ‫سبق وأشرنا – أهل ال ّ ّة ، وتكفل الثرياء القادرون بالنفاق عليهم .‬ ‫صف‬ ‫الزكـاة :‬‫وفى تلك الونة فرضت الزكاة التى كان بعض المسلمين فى أشد الحاجة إليها، أصبحت فريضة جوهرية‬ ‫من فرائض الدين . فالمسلم الذى يقيم الصلة لبد وأن يؤتى الزكاة : " وأقيموا الصلة وآتوا الزكاة " . وهكذا‬ ‫بدأ التكافل فى المجتمع. للفقراء حق معلوم فى أموال الغنياء .‬ ‫يقول الدكتور شوقى ضيف فيما يختص بفريضة الزكاة : لم ُجْ َل قانون الزكاة ثقيل بحيث يصعب على‬ ‫ي ع‬ ‫المسلمين تحمله ، إذا كان ول يزال - العشر فى حصيدة الرض التى تزرع باللت ، وربع العشر فى رؤوس‬ ‫11‬ ‫الموال وفى عروض التجارة.‬‫بجانب الزكاة كانت الصدقة ، وهى تعطي تطوعا ، سرا وجهرا ، دون استعلء أو غطرسة أو تجريح : "‬‫قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى" ، فالصدقة المصحوبة بالمن أو المهانة ل ثواب عليها عند ال‬ ‫، ول رضاء عنها لدى البشر ، حتى الذين يتلقون هذا النوع من الصدقة ل يسعدون ، وقد تشقى نفوسهم بها‬ ‫رغم احتياجهم إليها ، والكلمة الطيبة فى هذه الحالة أفضل .‬ ‫وعلى مانح الزكاة أن يعطي من أفضل ما عنده ل من أردئة ، ولو فعل ذلك سرا لكان الفضل عظيما‬ ‫والثواب أعظم ، وذلك حفاظا على كرامة المحتاج وحفظا‬ ‫لماء وجهه.‬ ‫د. شوقى ضيف ، محمد ، ص ٨٦١‬ ‫11‬
  • 13. ‫الصيـام :‬ ‫فى شهر شعبان من السنة الثانية للهجرة ُ ِض الصيام ، وهو فريضة يتوحد فى أدائها المسلمون توحدا‬ ‫فر‬‫كامل ، فهم يمسكون عن الطعام فى وقت واحد ويتناولونه أيضا فى وقت واحد، تماما كما يتوحدون وهو يؤدون‬ ‫الصلة فى أوقاتها.‬ ‫والصوم فى اللغة ، كما يقول الشيخ الصابوني ، هو المساك عن الشئ والترك له .. ويقول أبو عبيدة :‬ ‫كل ممسك عن طعام أو كلم أو سير فهو صائم . وفى الشرع هو المساك عن الطعام والشراب والجماع ، مع‬ ‫النية من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وكماله باجتناب المحظورات وعدم الوقوع فى المحرمات .‬ ‫ويقول معاذ بن جبل إن رسول ال قدم المدينة فصام يوم عاشوراء وثلثة أيام من كل شهر ، ثم إن ال‬‫عز وجل فرض شهر رمضان .. وبذلك حل صوم شهر رمضان محل صوم يوم عاشوراء الذى أصبح بعد ذلك‬ ‫تطوعا يصومه من يريد وينصرف عن صومه من ل يريد ول لوم عليه .‬ ‫ويقال إن شهر رمضان سمى رمضانا لنه يرمض الذنوب أى يحرقها. ويقول الزمخشرى: لما نقلوا‬ ‫أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالزمنة التى وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر فسمي‬ ‫21‬ ‫رمضان .‬ ‫وشهر رمضان – الشهر التاسع فى السنة القمرية التى تفتتح بشهر المحرم- هو أفضل الشهور عند ال‬ ‫وعند المسلمين ، ذلك لنه هو الشهر الذى أنزل فيه القرآن ، لذلك وجب صومه.‬ ‫كان النبى عندما قدم المدينة – كما أشار معاذ بن جبل – قد وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم‬ ‫عن ذلك ، فأخبروه أنه اليوم الذى أهلك ال فيه فرعون وآله وأنقذ موسى وقومه من طغيان فرعون وجبروته ،‬‫فهو بالنسبة لهم يوم خلص يجب أن يتقربوا فيه إلى ال بالصيام . عندها – كما يحكي الرواة - قال النبى : نحن‬ ‫أحق بموسى منهم وأمر الناس بصوم يوم عاشوراء .‬‫لكن ابن سعد يذكر سببا آخر لصوم عاشوراء ، فهو يرجعه إلى الطوفان وخروج نوح ومن معه من الفلك‬‫، يقول : ثم ت َ ّا الطوفان ، فركب نوح السفينة ومعه بنوه .. فركبوا فيها لعشر ليال مضين من رجب ، وخرجوا‬ ‫َبد‬ ‫31‬ ‫منها يوم عاشوراء من المحرم، فلذلك صام من صام يوم عاشوراء .‬ ‫تقول كارين أرمسترونج : يبدو أن محمدا فى تلك الفترة كان يحاول أن يتخذ من حياة اليهود الدينية‬ ‫نموذجا لحياة المسلمين غير أنه قبل بدر بأيام قليلة حرر السلم من عادات العقيدة القديمة حينما غ ّر موضح‬ ‫ي‬‫القبلة ، وعقب النتصار بأيام قليلة ، فى يوم التاسع من رمضان ، أعلن محمد أن صوم عاشوراء ليس إجباريا ،‬ ‫وأنه بدل من ذلك سيصوم المسلمون رمضان ليحيوا ذكرى فرقانهم الخاص فى بدر. وأصبح صوم رمضان،‬ ‫41‬ ‫والتى بدأت مراعاة أدائه لول مرة فى مارس عام 526 ، أحد الممارسات الخمس الساسية فى السلم .‬ ‫21 الصابوني ، تفسير آيات الحكام ، جـ ١ ، ص ٨٨١- ٠٩١.‬ ‫31 ابن سعد ، جـ ١ ، ص ١٤.‬ ‫41 كارين أرمسترونج ، محمد ، ص ٩٦٢.‬
  • 14. ‫وفى رده على بعض المستشرقين الذين ي ّعون أن محمدا قد بدأ الصوم فى المدينة تشبها بصيام اليهود ،‬ ‫د‬ ‫يقول الدكتور عبد الرحمن بدوى : فى الواقع أن صيام رمضان كان موجودا عند العرب قبل السلم وأن‬ ‫51‬ ‫محمدا خلل إقامته فى مكة كان يحافظ على هذه الشعيرة العربية قبل السلم .‬ ‫الدكتور بدوى يشير بقوله هذا إلى ما كان يفعله الحنفاء فى مكة قبل السلم من انقطاع للعبادة والصوم‬ ‫مدة قد تطول أو تقصر كل حسب استطاعته ، فلم تكن هناك شريعة محددة ، بل كان كل منهم يتصور حسب‬‫رؤاه ما كانت عليه شريعة إبراهيم عليه السلم . ولقد كتبنا من قبل، عن خلوة النبى وتعبده فى غار حراء شهرا‬ ‫61‬ ‫من كل عام ، وكان الشهر فى أغلب الحالت هو شهر رمضان .‬‫أصبح الصوم فريضة من فرائض السلم الساسية .. فى صيامه توحيد للمة ، وذلك بإتباع قانون إلهي‬ ‫يتسامي فيه المسلمون جميعا فوق ماديات الحياة ومتاعها وإغراءاتها ، مسيطرين على شهواتهم ، كابحين‬‫لنزواتهم ، فى نفس الوقت الذى يحسون فيه بما يحس الفقراء والمعوزون . هذه المشاركة فى الحساس تولد فى‬‫النفوس تعاطفا وحنوا ، فيمد القادر يده بالمساعدة لمن هو فى حاجة إليها ، ويخرج الغني من ماله برضاء نفس‬ ‫ما يسد حاجة الفقير ، وبذلك يتماسك المجتمع السلمي ويتوحد .‬ ‫ي أيه لذ من كت عل كم‬ ‫وتبين آيات القرآن الكريم حتمية هذه الفريضة . يقول جل شأنه : " َا َ ّ َا اّ ِينَ آ َ ُواْ ُ ِبَ ََيْ ُ ُ‬ ‫صي م كم كت عل لذ م ق لك لعلك تتق ن أي م م د د فم ك ن م ك مر ض أ عل سفر‬ ‫ال ّ َا ُ َ َا ُ ِبَ ََى اّ ِينَ ِن َبِْ ُمْ َ َّ ُمْ َ ّ ُو َ . َ ّا ًا ّعْ ُو َاتٍ َ َن َا َ ِن ُم ّ ِي ًا َوْ ََى َ َ ٍ‬ ‫َ ِ ّ ٌ ّنْ َ ّا ٍ ُ َ َ َ ََى اّ ِينَ ُ ِي ُو َ ُ ِدْ َ ٌ َ َا ُ ِسْ ِي ٍ َ َن َ َ ّعَ َيْ ًا َ ُ َ َيْ ٌ ّ ُ . ََن َ ُو ُواْ‬ ‫فعدة م أي م أخر وعل لذ يط ق نه ف ية طع م م ك ن فم تطو خ ر فهو خ ر له وأ تص م‬ ‫َيْ ٌ ّ ُمْ ِن ُن ُمْ َعَْ ُو َ " )البقرة : 381 – 481(‬ ‫خ ر لك إ ك ت ت لم ن‬ ‫زكـاة الفطر :‬ ‫بعد الصيام فرضت زكاة الفطر التى أوجبها ال على القادرين مساعدة منهم للفقراء والمحتاجين ، كى ل‬ ‫يشعروا بالحتياج فى ذلك اليوم الذى هو عيد يجب أن يسعد به الفقراء كما يسعد الغنياء وفى هذه الزكاة‬ ‫تخفيف لبعض العناء .‬ ‫صلة العيدين :‬ ‫وفى السنة الثانية للهجرة صلى النبى بالناس صلة العيدين : الفطر والضحي. وكانت الصلة قبل‬ ‫الخطبة بغير أذان .‬ ‫الذان :‬ ‫هنا نأتي إلى موضوع الذان وكيف تم التوصل إليه والمة ما تزال فى بداية نشأتها وتكوينها. يقول ابن‬ ‫اسحق : لما اطمأن رسول ال صلى ال عليه وسلم بالمدينة واجتمع إليه إخوانه من المهاجرين واجتمع أمر‬ ‫النصار ، استحكم أمر السلم ، فقامت الصلة ، وفرضت الزكاة والصيام ، وقامت الحدود ، وفرض الحلل‬ ‫د. عبد الرحمن بدوى ، دفاع عن محمد ، ص ٦٦١.‬ ‫51‬ ‫أنظر كتابنا : محمد – سنوات مكة – دراسة نقدية .‬ ‫61‬
  • 15. ‫والحرام .. وقد كان رسول ال صلى ال عليه وسلم حين قدمها إنما يجتمع الناس إليه للصلة لحين مواعيدها‬‫بغير دعوة ، ف َ ّ رسول ال حين قدمها أن يجعل بوقا كبوق اليهود الذى يدعون به لصلتهم ، ثم كرهه ، ثم أمر‬ ‫هم‬ ‫71‬ ‫الناس بالناقوس َ ُ ِت ليضرب به للمسلمين للصلة .‬ ‫فنح‬ ‫لكن ابن سعد يقول إن النبى قد استشار أصحابه فى أمر الذان ، وقد كان يكتفى منذ قدومه بأن ينادي‬ ‫منادي : الصلة جامعة ، فيجتمع الناس . وقد ذكر أصحاب النبى أشياء يجمعون بها الناس للصلة ، فقال‬ ‫81‬ ‫بعضهم البوق وقال بعضهم الناقوس .‬ ‫كان بين الحضور عبد ال بن زيد الخزرجي ، الذى أهمه ما أهم النبى من أمر الصلة والذان ، فأخذ‬‫يفكر بعمق ، واستغرقه التفكير لدرجة أنه عندما عاد إلى بيته رفض أن يمس الطعام ، وأرهقه التفكير فنام . فى‬ ‫المنام طاف به طائف : مر به رجل عليه ثوبان أخضران وفى يده ناقوس . قال عبد ال للرجل : أتبيع هذا‬ ‫الناقوس ؟ قال الرجل: ماذا تريد به . قال عبد ال : أريد أن أبتاعه لكى أضرب به للصلة لجماعة الناس . قال‬‫الرجل : أفل أدلك على خير من ذلك ؟ سأل عبد ال : وما هو ؟ أجاب : تقول ال أكبر ال أكبر ، ال أكبر ، ال‬‫أكبر ، أشهد أن ل إله إل ال ، أشهد أن ل إله إل ال ، أشهد أن محمدا رسول ال ، أشهد أن محمدا رسول ال ،‬‫91‬ ‫حى على الصلة ، حى على الصلة ، حي علي الفلح ، حى على الفلح ، ال أكبر ال أكبر ، ل إله إل ال .‬ ‫لم ينتظر الخرزجي إلي الصباح ، توجه فى الليل إلى النبى وأخبره بالذى رأى. قال النبى: إنها لرؤيا‬ ‫حق ، إن شاء ال . وطلب منه أن يلقيها على بلل كى يؤذن بها، وأذن بلل للصلة ، وهو الذان القائم حتى‬ ‫اليوم ، ويقال إن بل ً فى الصبح زاد : الصلة خير من النوم، فأقرها النبى ، ولم تكن فيما رأى الخرزجي .‬ ‫ل‬ ‫وينقل ابن هشام ما ذكره بعض الرواة من أن الذان لم يكن رؤيا لرجل من النصار، إنما كان وحيا‬ ‫مباشرا لرسول ال. يقول ابن هشام : ائتمر النبى صلى ال عليه وسلم وأصحابه بالناقوس للجتماع للصلة ،‬‫فبينما عمر يريد أن يشترى خشبتين للناقوس إذ رأى عمر بن الخطاب فى المنام أن ل تجعلوا الناقوس بل أذنوا‬ ‫للصلة، فذهب عمر إلى النبى صلي ال عليه وسلم ليخبره بالذى رأى ، وقد جاء النبى صلى ال عليه وسلم‬ ‫الوحي بذلك ، فما راع عمر إل بلل يؤذن ، فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم حين أخبره بذلك : قد سبقك‬ ‫02‬ ‫بذلك الوحي .‬ ‫ابن هشام ، جـ ٢ ، ص ٨٢١.‬ ‫71‬ ‫ابن سعد ، جـ ١ ، ص ٦٤٢ .‬ ‫81‬ ‫المرجع السابق ، ص ٦٤٢.‬ ‫91‬ ‫ابن هشام ، جـ ٢ ، ص ٩٢١.‬ ‫02‬
  • 16. ‫)3(‬ ‫دستـور المـة‬ ‫نجح النبى فى المدينة فى وضع أسس قوية لمة إسلمية ناشئة. كان المهاجرون والنصار خير عون له‬ ‫فى تنفيذ أوامر ال ، وتجنب ما نهي عنه ، كما كانت طاعتهم للنبى صادقة مخلصة ، دون شك أو تردد ، فقد‬ ‫كانوا يجدون فيه خير قدوة‬ ‫وأفضل مثل .‬ ‫لكن المدينة‬ ‫لم تكن مغلقة على مسلميها. كان هناك اليهود وهم أهل كتاب وأصحاب علم وخبرة وفكر وعقيدة من‬ ‫الصعب أن يرتضوا بغيرها بديل. كما كان هناك من رفضوا السلم تمسكا بدين الباء ، أى بالشرك الوثني ،‬ ‫وإلى جانبهم كان هناك من تظاهروا باعتناق السلم ولم تؤمن قلوبهم ، وهكذا كانت بداية النفاق فى المدينة .‬ ‫كان على النبى أن يواجه هؤلء جميعا فى صبر وحكمة ، وأن يحاول استيعابهم ، بحيث تندمج القبائل‬ ‫كلها - إن أمكن - فى كيان واحد ، وأمة واحدة موحدة .‬ ‫هنا ، كما يجمع المؤرخون شرقا وغربا ، يبرز دون النبى كسياسى ورجل دولة .‬ ‫12‬ ‫يقول أ. جيفرى : فى المدينة أصبح محمد رجل دولة وقائد أمة أكثر منه رسول ورجل دين .‬ ‫وتقول كارين ارمسترونج : كان محمد يتمتع بموهبة سياسية رفيعة القدر إذ تمكن من تغيير أحوال أمته‬ ‫تغييرا شامل وأنقذهم من العنف غير المجدي .. لكن نجاح محمد اعتمد على الرؤيا الدينية التى نقلها للعرب ..‬‫ولول أن العتبار الول للنبى ورفاقه المقربين كان للدين ما كتب لهم البقاء .. كان محمد مؤمنا بالوحي المباشر‬ ‫22‬ ‫التي من ال، لكنه كان عليه أيضا أن يوظف كل ملكاته الطبيعية .‬ ‫ويرى الدكتور طه حسين أن جهاد النبى فى المدينة لم يعد يقتصر على الجهاد الديني، بل شمل الناحيتين‬ ‫السياسية والقتصادية ، وهو وضع أملته طبيعة الشياء فى المدينة . وفى هذا يقول : منذ هاجر النبى إلى‬‫المدينة تكونت للسلم وحدة سياسية لها قوتها المادية وبأسها الشديد، وأحست قريش أن المر قد تجاوز الوثان‬ ‫والراء الموروثة والسنن القديمة ، إلى شيئ آخر كان فيما يظهر أعظم خطراً فى نفوس قريش من الدين وما‬ ‫يتصل به ، وهو السيادة السياسية فى الحجاز ، والطرق التجارية بين مكة وبين البلد التى كانت ترحل إليها‬ ‫بتجارتها فى الشتاء والصيف ... كان الجهاد فى مكة وثنيا خالصا .. فلما انتقل إلى المدينة أصبح هذا الجهاد‬ ‫32‬ ‫دينيا وسياسيا واقتصاديا .‬ ‫تبدو مقدرة النبى كسياسى فى السلوب الذى عالج به الوضع القائم فى المدينة. لقد حاول قدر المستطاع‬ ‫أن يضع نظاما تتوحد به المة ، ويخضع له كل أهل المدينة من مسلمين ومشركين ويهود ، دون أن يفرض‬ ‫3.‪A.Jeffery, p‬‬ ‫12‬ ‫كارين ارمسترونج .‬ ‫22‬ ‫طه حسين ، في الشعر الجاهلى ، ص ٩٤ .‬ ‫32‬
  • 17. ‫على أحد قبول الدين الذى جاء به : ل إكراه فى الدين ، والدعوة إلى ال بالحكمة والموعظة الحسنة ، ل‬ ‫بالجبار والقهر. لكن هذا المجتمع لبد وأن يتوحد ، وأن يخضع كل فرد فيه لدستور عادل ينظم العلقة بين‬ ‫الفراد وكذلك بين القبائل والعشائر المسلمة وغير المسلمة ، ويحمي المدينة من أى خطر يتهددها سواء كان‬ ‫ذلك من داخلها أو من خارجها.‬ ‫هنا تكمن أهمية الكتاب أو الوثيقة التى وضعها النبى كدستور ، والتى تعتبر من الوثائق النادرة وغير‬‫المسبوقة فى تاريخ الديان ، خاصة وأنها تعلن ومنذ البداية عن تسامح النبى وعدم تعصبه وقبوله للخر حتى‬ ‫ولو اختلف معه فى أمور العقيدة : لكم دينكم ولى دين . هذا مبدأ جوهرى من أهم مبادئ السلم .‬‫لقد نصت الوثيقة ، بوضوح ل لبس فيه ، على أن لليهود مثل ما للمسلمين من حقوق وعليهم مثل ما على‬ ‫المسلمين من واجبات فى النواحي الجتماعية والقتصادية والسياسية ، مع احتفاظهم بحريتهم الدينية : ل‬ ‫يضارون فى دينهم ول يعتدي عليهم فى اعتقادهم . يقول ابن إسحق فيما يختص بنص هذا الكتاب أو هذا‬ ‫42‬ ‫الدستور :‬ ‫كتب رسول ال صلى ال عليه وسلم كتابا بين المهاجرين والنصار وا َ َ فيه يهود وعاهدهم ، وأقرهم‬ ‫دع‬‫على دينهم وأموالهم ، واشترط عليهم وشرط لهم : " بسم ال الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد النبى صلى‬ ‫ال عليه وسلم بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم ، إنهم أمة واحدة‬ ‫من دون الناس : - المهاجرون من قريش على ربعتهم )أى على شأنهم وعادتهم من أحكام الديات والدماء(‬ ‫يتعاقلون بينهم ) أى يدفعون دياتهم بعضهم مع بعض ( وهم يفدون عانيهم ) أسيرهم ( بالمعروف والقسط بين‬ ‫المؤمنين .‬ ‫- وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الولى ، وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين‬ ‫المؤمنين .‬ ‫- وبنو ساعدة على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الولى ، وكل طائفة منهم تفدى عانيها بالمعروف والقسط‬ ‫بين المؤمنين .‬ ‫وكرر النبى هذه العبارة فيما يختص بكل بطن من بطون النصار من أوس وخزرج ، إلى أن قال :‬ ‫- وإن المؤمنين ل يتركون ُفْ َحا )مثقل بالدين والعيال( بينهم أن يعطوه بالمعروف فى فداء أو عقل .‬ ‫مر‬‫- وإن المؤمنين المتقين على من بغي منهم أو ابتغي ظلما أو إثما أو عدوانا أو فسادا بين المؤمنين ، وإن‬ ‫أيديهم عليه جميعا ولو كان ولد أحدهم .‬ ‫- ول يقتل مؤمن مؤمناً فى كافر ، ول ينصر كافرا على مؤمن ، وإن ذمة ال واحدة : يجير عليهم‬ ‫أدناهم ، وإن المؤمنين بعضهم موالى بعض دون الناس .‬ ‫ابن هشام ، جـ ٢ ، ص ٩١١- ٣٢١ .‬ ‫42‬
  • 18. ‫- وإنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والسوة غير مظلومين ول‬ ‫متناصر عليهم .‬‫- وإنه ل يجير مشرك )من بقى على شركه من أهل المدينة( ما ً لقريش ول نفسا ، ول يحول دونه على‬ ‫ل‬ ‫مؤمن .‬ ‫- وإنه من قتل مؤمنا عن بينة فإنه َ َ ٌ )قصاص( به إل أن يرضي ولى المقتول.‬ ‫قو د‬‫- وإنه ل يحل لمؤمن أق ّ بما فى هذه الصحيفة وآمن بال واليوم الخر أن ينصر محدثا ول يؤويه ، وإنه‬ ‫ر‬ ‫من نصره أو آواه فإن عليه لعنة ال وغضبه‬ ‫يوم القيامة .‬ ‫- وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين ، وإن يهود بنى عوف أمة مع المؤمنين : لليهود‬ ‫دينهم ، وللمسلمين دينهم ، مواليهم وأنفسهم ، إل من ظلم وأثم فإنه ل يو ِغ ) ُهِْك ( إل نفسه وأهل بيته .‬ ‫ت يل‬‫ويكرر النبى نفس العبارة بالنسبة ليهود بنى النجار ، ويهود بنى الحرث ، ويهود بنى ساعدة ، ويهود بنى‬ ‫جشم ، ويهود بنى الوس ، ويهود بنى ثعلبة .‬‫- إنه ل يخرج منهم )أي من اليهود( أحد إل بإذن محمد صلى ال عليه وسلم )أى ل يخرج أحد منهم لقتال‬ ‫إل بإذن من النبى( .‬ ‫- وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم ، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة ،‬ ‫وإن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الثم ، وإنه ل يأثم أمرؤ بحليفة ، وإن النصر للمظلوم .‬ ‫- وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين .‬ ‫- وإن يثرب حرام جوفها لهل هذه الصحيفة .‬ ‫- وإن الجار كالنفس غير مضار ول آثم . وإنه ل تجار حرمة إل بإذن أهلها.‬ ‫- وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى ال عز وجل وإلى‬ ‫محمد رسول ال صلى ال عليه وسلم .‬ ‫- وإنه ل تجار قريش ول من نصرها.‬ ‫- وإن بينهم النصر على من دهم يثرب . وإذا دعوا إذا صلح يصالحونه ويلبونه.‬ ‫- وإن يهود الوس : مواليهم وأنفسهم على مثل ما لهل هذا الكتاب .‬ ‫- وإن من خرج من المدينة آمن ومن قعد آمن ، إل من ظلم وأثم .‬ ‫وفى ختام هذا الدستور الشامل يقول النبى : وإن ال جار لمن بر واتقى ، ومحمد رسول ال .‬ ‫ولقد بّن هذا الكتاب ، أو هذا الدستور ، بوضوح كامل ، فيما يختص باليهود ، أن لهم ما لهل المدينة‬ ‫ي‬ ‫جميعا من حقوق مع احتفاظهم الكامل بحرية العقيدة ، لكن عليهم أن يلتزموا بالمبادئ والواجبات العامة التى‬
  • 19. ‫تطبق على كل سكان المدينة ، فهم جزء من هذه المة الناشئة ومن المستحيل أن تكون لهم أحكام خاصة‬ ‫تتعارض مع النظام العام الذى نصت عليه الوثيقة.‬‫وبنفس الوضوح . نص هذا الدستور على أن اليهود قد أصبحوا ملتزمين أمام النبى، وأمام مجتمع المدينة‬‫أل يناصروا قريشا أو غيرها من المشركين ضد النبى ، وأن يشتركوا فى الدفاع عن المدينة إذا هوجمت ، وأن‬ ‫يساهموا فى نفقات الحرب لنهم جزء من مجتمعها ل انفصال بينهم وبين أهلها ، فإذا ما أخلوا بهذا العهد‬ ‫سقطت حقوقهم التى كفلها لهم النبى وفقدوا صفتهم كجزء من نسيج هذه المة ، وأصبح من حق المسلمين‬ ‫محاربتهم وقتلهم أو إخراجهم من المدينة إذا استدعي المر ذلك .‬ ‫كانت النصوص واضحة ، وقد قبلها اليهود بدليل أنهم لم يعترضوا عليها فى حينها، وقد كانوا آنذاك فى‬‫وضع قوى يمكنهم من العتراض أو الرفض ، لكنهم لم يعترضوا ولم يرفضوا، وهذا معناه أنهم قبلوا بما نص‬ ‫عليه النبى فى هذا الدستور الملزم .‬‫ويرى مونتجمرى وت أن احتواء الصحيفة على اليهود والشارة إليهم على أنهم جزء من المة معناه أن‬ ‫الوثيقة قد تم تحريرها قبل معركة بدر. لكن عدم ذكر القبائل الثلث التى تمثل أكثر الجماعات اليهودية – بنى‬ ‫قينقاع وبنى النضير وبني قريظة – يعني أن الصحيفة فى صيغتها الحالية تنتمي إلى فترة ما بعد القضاء على‬ ‫قريظة التى تم استئصالها تماما فى صيف عام 726م . وعلى ذلك فإن الوثيقة لبد وأن تكون قد أخذت شكلها‬ ‫52‬ ‫النهائى بعد هذا التاريخ .‬‫ويمكن الرد على ما يقوله مونتجمرى وت بأن القبائل والعشائر اليهودية ، وإن لم تذكر بالسم ، فقد تمت‬ ‫الشارة إليها كحلفاء للعشائر العربية مثل " يهود بنى النجار" أى اليهود الموالين لبنى النجار ، ويهود بنى‬ ‫الحرث ، ويهود بنى ساعدة ، ويهود الوس .. وفى هذا تضمين لكل يهود المدينة .‬ ‫هكذا وضع النبى دستوره الذى حاول بما جاء فيه أن يوحد بين مختلف قبائل المدينة وعشائرها ، وأن‬‫يخلق منها وحدة متكاملة متفهمة لما لها من حقوق وما عليها من واجبات. وكان هو على رأس هذه المة هاديا‬ ‫ومبشرا ونذيرا .‬ ‫52‬ ‫.39 .‪Montogmery Watt, Muhammad , Prophet and Statesman,p‬‬
  • 20. ‫)4(‬ ‫الدفـاع عن المـة‬ ‫كان لبد وأن يكون للمة الناشئة قوة تحميها ، فالحق لبد وأن تناصره القوة، وبل قوة يستشرى الفساد‬‫ويسود الباطل ويسيطر الشرك ول يجد الذين آمنوا مكانا إل مكان المستضعفين الذلء ، وهذا ما يتناقض تماما‬ ‫مع اليمان بدين ال الواحد الحد القوى القادر. وما كان للمؤمنين أن يكونوا ضعافاً يرتعدون فى عجز إذا ما‬ ‫ركب الباطل خيله وشرع سيفه . ولهذا كان من الحتمي أن تعد هذه المة عدتها للدفاع عن النفس ، وحماية‬ ‫العقيدة ، والعيش فى أمان وإباء أو الموت فى سبيل ال .‬ ‫الذن بالقتـال :‬ ‫لقد ُخْ ِجَ المهاجرون من ديارهم بعد أن اض ُ ِدوا وُهينوا و ُ ّبوا و ُ ّد أغلبهم مما يملك ، وكان من‬ ‫جر‬ ‫عذ‬ ‫أ‬ ‫طه‬ ‫أ ر‬ ‫المستحيل أن ينسوا ما فعلته بهم قريش فقد ترك فى النفوس جراحا غائرة . ولو أن قريشا عادت إلى رشدها‬‫وأقلعت عن غيها وطغيانها وأظهرت ولو قليل من التسامح مع من حاولت أن تسحق من أهلها – فالذين هاجروا‬ ‫ما كانوا إل قطعا من أكبادها – .. لو فعلت قريش ذلك لبدت للمسلمين‬ ‫بارقة أمل فى أن يشمل ال بنوره أهل مكة .‬ ‫لكن قريشا ، على العكس من ذلك ، بدأت تتصل باليهود والمشركين من أهل المدينة ، وكذلك بالذين‬‫أسلموا نفاقا ولم تؤمن قلوبهم وعلى رأسهم عبد ال بن ُ َ ّ ابن سلول .. أخذت تحرض هؤلء جميعا على اتخاذ‬ ‫أبى‬ ‫موقف عدائى من محمد وأصحابه .‬ ‫ويقال إن قريشا أرسلت خطابا إلى عبد ال بن ُ َ ّ ، الذى كان سينصب ملكا على المدينة قبل وصول‬ ‫أبى‬ ‫النبى ، تقول فيه : لقد آويت رجلنا )تقصد محمدا( ، وعليك أن تقتله أو تخرجه من المدينة ، وإل فإننا نقسم أن‬ ‫62‬ ‫نغزوكم .. نقتل رجالكم ونسبى نساءكم فيصبحن لنا متاعا .‬ ‫لم يكتف القريشيون بذلك ، بل بدأوا التحرش بالمسلمين رغم بعد الشقة . أرسلوا بعض رجالهم فأغاروا‬ ‫على أطراف المدينة ، دمروا الشجار بما تحمله من ثمار ، واستولوا على أغنام وماشية .‬ ‫ووصلت الخبار إلى النبى ، ثم توالى وصولها : إن قريشا لن تترك المسلمين كي يعيشوا فى سلم ،‬ ‫لكنها بالتحالف مع قبائل أخرى ستقوم بالهجوم على المدينة بغية القضاء عليهم .‬ ‫بالطبع كان لقريش مخاوفها ، فقوافل تجار مكة تمر بصحراء المدينة وهى فى الطريق إلى الشام ، ولو‬ ‫قويت شوكة محمد وأصحابه لعترضوا طريق التجارة وتصدوا للقوافل وأغاروا عليها ، ولو فعلوا ذلك‬‫مالمهم أحد . وقريش ل تنسى – فالعهد قريب- أنها جردت أغلب هؤلء المهاجرين من أموالهم ، سلبتهم سلبا.‬ ‫فإذا ما حاول هؤلء استرداد ما سلبت قريش بالباطل لبدا عملهم مشروعا ، فهى محاولة بالحق لسترداد ما‬ ‫62‬ ‫. 52 .‪A. Husain, p‬‬
  • 21. ‫سلب بالقهر. العين بالعين ، والسن بالسن ، والبادئ أظلم : هذا قانون يعرفه الجميع ، مسلمون ومشركون ويهود‬ ‫، ول ينكره أحد .‬ ‫لهذا كان اتصال القريشيين باليهود والمشركين من أهل المدينة ، في محاولة لتأليبهم على المسلمين ،‬ ‫ولهذا كان التحرش بأتباع النبى ومهاجمة أطراف المدينة وتخريب ونهب كل ما يمكن تخريبه ونهبه ، تهديدا‬ ‫وتخويفا وتمهيدا لضربة ساحقة تنهي مشكلت قريش وتقضى على مخاوف أهلها من خطر محمد وأصحابه .‬ ‫ونزل الوحي بالذن بالقتال دفاعا عن النفس : " ُ ِ َ ِّ ِينَ ُ َا َُو َ َِ ّ ُمْ ُِ ُوا َِ ّ ا َ ََى َصْ ِ ِمْ‬ ‫أذن للذ يق تل ن بأنه ظلم وإن ّ عل ن ره‬ ‫ل‬ ‫لقد ر لذ أ رج م دي ره بغ حق إل أ يق ل ربن ّ ول ل د ع ّ ن س ب ضه بب ض‬ ‫َ َ ِي ٌ . اّ ِينَ ُخْ ِ ُوا ِن ِ َا ِ ِمْ ِ َيْرِ َ ّ ِ ّ َن َ ُوُوا َ ّ َا ا ُ ََوْ َ َفْ ُ ا ِ ال ّا َ َعْ َ ُم ِ َعْ ٍ‬ ‫ل‬ ‫ل‬ ‫لهدم صو مع وبيع وصلو ت ومس جد ي كر ف ه م ّ كث ر ولي صرن ّ م ي صره إن ّ لقوي‬ ‫ّ ُ ّ َتْ َ َا ِ ُ َ ِ َ ٌ َ ََ َا ٌ َ َ َا ِ ُ ُذْ َ ُ ِي َا اسْ ُ ا ِ َ ِي ًا ََ َن ُ َ ّ ا ُ َن َن ُ ُ ُ ِ ّ ا َ َ َ ِ ّ‬ ‫ل‬ ‫ل‬ ‫ل‬ ‫َ ِي ٌ " )الحج : 93-04(.‬ ‫عز ز‬ ‫هذه أول آية نزلت في القتال. ويقول أبو بكر بن العربى : والصحيح أن أول آية نزلت آية الحج : "أذن‬ ‫للذين يقاتلون.." ثم نزل : " وقاتلوا فى سبيل ال الذين يقاتلونكم"، فكان القتال إذنا ، ثم أصبح بعد ذلك فرضا ،‬ ‫72‬ ‫لن آية الذن فى القتال مكية ، وهذه الية مدنية متأخرة .‬ ‫الواضح هنا ، بصورة جلية ل لبس فيها ، أن السلم دعا إلى القتال دفاعا عن النفس وحفظا للكرامة ،‬ ‫وفى سبيل ال ، وضد من يهددون دعوة الحق ويحاولون القضاء عليها . وينتهي القتال بانتهاء الدافع إليه ، فل‬ ‫انتقام ول ُثَْة ول حرق ول تدمير ول إبادة ، فالسلم هو جوهر السلم .‬ ‫مل‬‫وهنا- أيضا – تجدر الشارة ، ولو بصورة عابرة ، إلى ما َ ّج له كثرة من كتاب الغرب ، نتيجة حقد أو‬ ‫رو‬ ‫جهل وغالبا ما هو جهل لضعف معرفتهم بالدين الحق ، من أن محمدا قد أمسك بالسيف ورفعه منذرا ومهددا‬‫بإراقة الدماء كى يفرض ما جاء على مجتمع يبغضه ويرفضه . والصحيح هو عكس هذا الكلم ، فقد كان محمد‬ ‫وأصحابه هم المهددين دوما بالبادة والستئصال .‬ ‫لقد وضع السلم مبادئ سامية للقتال ، دفاعا ل اعتداء ، يندر وجودها فى أى شريعة أو دين . ومن أهم‬ ‫هذه المبادئ :‬ ‫1-السلم جوهرى وهو دعامة الحياة فى السلم ، أما الحرب فل يتم اللجوء إليها إل فى حالت‬ ‫الضرورة القصوى إذا ما ضاقت كل السبل وس ّت كل المنافذ ، فما جاء السلم إل لتوفير السكينة‬ ‫ُد‬ ‫والسلم للبشرية جمعاء . وكلمة السلم تعني السلم بين البشر والستسلم ، أى الطاعة ، لمشيئة‬ ‫ر و ت و و تع ون عل ل م و ع و و تق ل إن ل‬ ‫ال وإرادته : " َ َ َا َ ُواْ ََى الْب ّ َال ّقْ َى َلَ َ َا َ ُواْ ََى ا ِثْ ِ َالْ ُدْ َانِ َا ّ ُواْ ا ّ ِ ّ ا ّ‬ ‫وتع ون عل‬ ‫َ ِي ُ الْ ِ َا ِ ". )المائدة:2(.‬ ‫شد د عق ب‬ ‫2-حياة الفرد فى السلم لها قدرها واحترامها ، ويجب حمايتها وعدم الستهانة بها ، ل الفتك بها‬ ‫والقضاء عليها : " َاصْ َحْ َنْ ُمْ َ ُلْ َ َ ٌ َ َوْ َ َعَْ ُو َ " )الزخرف: 98(. وطالما احترم‬ ‫ف ف ع ه وق سلم فس ف ي لم ن‬ ‫الصابوني ، تفسير آيات الحكام ، ص ٠٣٢ .‬ ‫72‬
  • 22. ‫النسان حق الخرين فى الحياة، فليس من حق أحد أن يعتدي عليه أو أن يقتله: " َ َ َقْ ُُواْ ال ّفْسَ‬ ‫ول ت تل ن‬ ‫اّ ِي َ ّ َ ا ّ ِ ّ ِالْ َ ّ َِ ُمْ َ ّا ُمْ ِ ِ َ َّ ُمْ َعْ ُِو َ " )النعام : 151( ، و " ِنْ أجْ ِ َِكَ‬ ‫م َ ل ذل‬ ‫لت حرم ل إل ب حق ذلك وص ك به لعلك ت قل ن‬ ‫كت ن عل بن إ ر ئ ل أنه م قتل ن س بغ ن س أ َس د ف ل ض فكأنم قتل ن س‬ ‫َ َبْ َا ََى َ ِي ِسْ َا ِي َ َ ّ ُ َن َ َ َ َفْ ًا ِ َيْرِ َفْ ٍ َوْ ف َا ٍ ِي ا َرْ ِ َ ََ ّ َا َ َ َ ال ّا َ‬ ‫َ ِي ًا َ َنْ َحْ َا َا َ َ َ ّ َا َحْ َا ال ّا َ َ ِي ًا " )المائدة : 23( . وهذا يؤكد قداسة الحياة فى‬ ‫جم ع وم أ ي ه فكأنم أ ي ن س جم ع‬ ‫السلم .‬ ‫3-لكن إذا ما ُ ّ َ المسلمون فى أنفسهم وفى مجتمعهم بمن يريد حربهم وتدميرهم، فإن الحرب فى هذه‬ ‫هدد‬ ‫الحالة ل تصبح اختيارا ، بل تصبح قدرا مقدورا . القتال فى هذه الحالة ل مفر منه لنه فرض على‬ ‫المسلمين فرضا ولم يكونوا هم بادئين بقتال : " ُ ِ َ ِّ ِينَ ُ َا َُو َ َِ ّ ُمْ ُِ ُوا َِ ّ ا َ ََى‬ ‫أذن للذ يق تل ن بأنه ظلم وإن ّ عل‬ ‫ل‬ ‫َصْ ِ ِمْ َ َ ِي ٌ " )الحج : 93( ، وهي أول آية نزلت فيما يختص بالقتال دفاعا عن النفس .‬ ‫ن ره لقد ر‬ ‫4-الحرب لم تشرع في السلم للعدوان ، وحتى فى حالة العتداء على المسلمين ومهاجمتهم يجب‬ ‫عدم اللجوء إلى السلح إل بعد أن تستنفد كل البدائل من أجل السلم ، فإذا فشلت كل المحاولت فى‬ ‫إقناع العدو بالجنوح إلى السلم فإن الحرب فى هذه الحالة تصبح حتمية ، وهى حرب دفاع ل اعتداء‬ ‫. لقد طلب النبى من أصحابه أل يتمنوا الحرب وأن يصلوا دوما من أجل السلم .‬ ‫5-أوصى النبى أصحابه أل يقتلوا رجل استسلم لهم دون قتال ، أو ألقى سيفه علمة على الخضوع‬ ‫وعدم المقاومة .‬ ‫6- َ ّمَ النبى قتل النساء والطفال والشيوخ والرهبان .‬ ‫حر‬ ‫7-تجنب إزهاق الرواح كان وما يزال من أهم سلوكيات الحرب عند المسلمين . فليس من أهداف‬ ‫السلم إراقة الدماء . ومن المعلوم تاريخيا أنه خلل خمس عشرة غزوة من غزوات النبى لم ترق‬ ‫قطرة دم واحدة . وفى معارك بدر وأحد والحزاب وحنين ، وهي معارك كبيرة ، بل إنها هي‬ ‫المعارك الرئيسية فى حياة النبى ، كان عدد القتلى 892 قتيل )711 من المسلمين و 181 من‬ ‫المشركين( .‬ ‫لقد كان عدد القتلى فى كل المعارك التى خاضها المسلمون فى عهد النبى منذ بدايتها إلى نهايتها 4101‬‫قتيل )552 من المسلمين و 957 من غير المسلمين(. وكان العدد الجمالى لسرى الحرب 4656 ، تم إطلق‬ ‫سراحهم جميعا باستثناء اثنين كانا قد ارتكبا جرائم فى السابق فتم قتلهما.‬ ‫إن تخليص شبه الجزيرة العربية من عبادة الوثان ، وهدايتها كى تتبع ديانة توحيدية خالصة وتجريدها‬‫من كل موبقات ممارساتها الجاهلية ، بهذه التضحيات شديدة الضآلة ، يعتبر عمل فذا من أروع أعمال العبقرية‬ ‫الخلقة .‬‫وعلى الذين يتشدقون " بدموية " النبى ، أن يخجلوا إذا ما ذكرناهم بالمليين من البشر الذين تمت إبادتهم‬ ‫فى حروب المدنيات الحديثة .‬
  • 23. ‫وق تل ف سب ل‬ ‫8-حَرّمَ السلم العتداء على الدميين المسالمين الذين يريدون العيش فى سلم : " َ َا ُِواْ ِي َ ِي ِ‬ ‫ا ّ اّ ِي َ ُ َا ُِو َ ُمْ َ َ َعْ َ ُواْ ِ ّ ا ّ َ ُ ِ ّ الْ ُعْ َ ِي َ " )البقرة: 091( .‬ ‫ل لذ ن يق تل نك ول ت تد إن ل ل يحب م تد ن‬ ‫9-احترام العهود والمواثيق التى يتم عقدها بين المسلمين وغير المسلمين وعدم نقضها ، ما دام‬ ‫الطرف الخر يحترمها ول يخرج على ما جاء بنصوصها : " ... و ِ َهْدِ ا ّ َوْ ُواْ َِ ُمْ َ ّا ُم‬ ‫بع ل أ ف ذلك وص ك‬ ‫ِ ِ َ َّ ُمْ َ َ ّ ُو َ " )النعام 251( .‬ ‫به لعلك تذكر ن‬ ‫01-عدم قتل أسرى الحرب ومعاملتهم بمودة ورحمة : " ويطْ ِ ُونَ ال ّ َا َ ََى ُ ّ ِ ِسْ ِي ًا َ َ ِي ًا‬ ‫طع م عل حبه م ك ن ويت م‬ ‫عم‬ ‫ََ ِي ًا . ِ ّ َا ُطْ ِ ُ ُمْ ِ َجْ ِ ا ِ َ ُ ِي ُ ِن ُمْ َ َاء َ َ ُ ُو ًا " )النسان 8-9( .‬ ‫وأس ر إنم ن عمك لو ه ّ ل نر د م ك جز ول شك ر‬ ‫ل‬ ‫11-عدم مقاتلة العدو إذا ما ألقى السلح وأعلن عدم الرغبة فى الحرب : " فإ ِ اعْ َ َُو ُمْ ََمْ ُ َا ُِو ُمْ‬ ‫ن تزل ك فل يق تل ك‬ ‫82‬ ‫ََلْ َوْاْ َِيْ ُ ُ ال َّ َ َ َا َ َ َ ا ّ َ ُمْ ََيْ ِمْ َ ِي ً " )النساء:09( .‬ ‫وأ ق إل كم سلم فم جعل ل لك عل ه سب ل‬ ‫21-ينهي السلم عن وضع الغلل فى رقاب السرى إذلل لهم . يقول النبي لصحابه وهو خارجون‬ ‫للقتال : انطلقوا بإسم ال وعلى بركة ال . ل تقتلوا شيخا فانيا ول طفل ول امرأة . ول َ ِّوا ..‬ ‫تغل‬ ‫وأصلحوا إن ال يحب المصلحين.‬ ‫31-حرم السلم النهب وأوجب على المقاتلين أل يستولوا إل على ما يفى باحتياجاتهم ، كما نهى عن‬ ‫إتلف الزرع وقطع الشجار والفتك بالحيوان، ونهي عن الجهاز على الجريح .‬ ‫ومما سبق يبدو بوضوح أن قوانين الحرب فى السلم هى قوانين رحمة ، ل سوط عذاب: " وما‬ ‫أرسلناك إل رحمة للعالمين" .‬ ‫وإذا ما تمت المقارنة بين هذه التعاليم النسانية السامية وما جاء فى " التوراة " من قوانين خاصة‬ ‫بالحرب . نجد الفرق هائل ، بل مخيفا ومروعا. يقول النص التوراتي : " فتجندوا على مديان كما أمر الرب‬ ‫وق ّلوا كل ذكر ، وملوك مديان قتلوهم فوق قتلهم .. وسبى بنو إسرائيل نساء مديان وأطفالهم ونهبوا جميع‬ ‫ت‬ ‫بهائمهم وجميع مواشيهم وكل أملكهم . وأحرقوا جميع مدنهم بمساكنهم وجميع حصونهم بالنار. وأخذوا كل‬ ‫الغنيمة وكل النهب من الناس والبهائم " )عدد 13 : 7-11( .‬ ‫وفى سفر " التثنية " تنص التوراة على القتل والحرق والبادة الكاملة : " فضربا تضرب سكان تلك‬ ‫المدينة بحد السيف و ُح ّ ُها بكل ما فيها مع بهائمها بحد السيف. تجمع كل أمتعتها إلى وسط ساحتها وتحرق‬ ‫ت رم‬ ‫بالنار المدينة وكل أمتعتها كاملة للرب إلهك فتكون تل إلى البد ل تبنى بعد " )تثنية 31 : 51-61( .‬ ‫هذا ما نص عليه كتاب اليهود " المقدس " وهو أيضا مقدس بالنسبة للمسيحيين ، فالمسيحيون يؤمنون‬ ‫بالتوراة إيمانهم بالناجيل ، أى أن كل من اليهود والمسيحيين يؤمنون بما نصت عليه قوانين الحرب التوراتية‬ ‫من تدمير وحرق وإبادة شاملة دون رأفة أو رحمة. وهذا ما فعله اليهود خلل كل أطوار حياتهم كلما ملكوا‬‫82‬ ‫,1891 ,‪Afzalur Rahman, Muhammad, Ecycopadia of Seerah, vol. I, The Muslim School Trust, London‬‬‫.866 -566 .‪pp‬‬
  • 24. ‫مقدرة الفعل ، وما يفعلونه بفلسطين اليوم من إبادة جماعية وهدم للمدن وتدميرها تدميرا كامل وقتل الطفال‬ ‫حتى الرضع منهم ، خير دليل على أنهم ينفذون التعاليم الشيطانية التى يعتقدون أن الرب قد أملها على نبيهم‬ ‫فى التوراة .‬ ‫ولقد فعل المسيحيون ما هو أسوأ أثناء الحروب الصليبية التى أبادوا فيها عشرات اللف من المسلمين‬‫إبادة كاملة دون شفقة أو رحمة ، معتقدين أنهم يحاربون فى سبيل الصليب ، ونسى السفهاء أن صاحب الصليب‬ ‫كان داعية سلم . كانوا ينفذون التعاليم الشيطانية التى اعتقدوا – كما اعتقد اليهود – أنها من وحي الرب .‬ ‫)5(‬ ‫الغـزوات والسـرايا‬ ‫" السرية " – كما يرى كتاب السيرة – هى مجموعة صغيرة من المقاتلين تحت إمرة واحد منهم يعينه‬ ‫النبى ، تخرج للستطلع والحراسة ، وأحيانا تقاتل إذا ما دعت الحاجة للقتال .‬ ‫أما " الغزوة " فهى التى يخرج فيها النبى بنفسه على رأس الجيش المقاتل ، وربما قاتلوا وربما لم‬ ‫يقاتلوا ، والذى حدث بالفعل هو أنه فى أغلب الغزوات لم يقاتل النبى ، ربما لفرار العدو أو لعقد الصلح أو‬ ‫لسباب خارجة عن قدرة الفريقين المتحاربين كما حدث فى غزوة الخندق عندما ثارت الطبيعة واشتدت الريح‬ ‫مما أدى إلى انسحاب الحزاب .‬‫ويروى ابن سعد ، عن آخرين ، أن عدد مغازى النبى التى غزا بنفسه كان سبعة وعشرين غزوة ، وكانت‬ ‫سراياه التى بعث بها سبعا وأربعين سرية ، وكان ما قاتل فيه من المغازى تسع غزوات : بدر القتال وأحد‬‫والمريسيع والخندق وقريظة وخيبر وحنين والطائف . فهذا ما اجتمع لنا عليه .92 وما ع ّ َ ابن سعد ثمانية فقط ،‬ ‫دد‬ ‫فكيف يقول إنها تسع ؟!!‬ ‫سرية حمـزة :‬‫ومما يدل على جنوح المسلمين للسلم وعدم نزوعهم للقتال ، هو أن أول سرية يأمر النبى بخروجها ، وقد‬ ‫عقد لواءها لعمه حمزة بن عبد المطلب ، لم تؤمر بقتال كما أن السرية التى تلتها ، وهى سرية عبيدة بن‬ ‫الحارث ، هى أيضا لم تقاتل .‬ ‫كان خروج حمزة فى الشهر السابع من الهجرة ، وقد خرج فى ثلثين رجل من المهاجرين ، ولم يخرج‬ ‫معهم من النصار أحد ، ذلك لن النصار كانوا قد تعاهدوا مع النبى على حمايته إذا ما هوجم فى المدينة .‬ ‫ابن سعد ، جـ ٢ ، ص ٥-٦ .‬ ‫92‬
  • 25. ‫عقد النبى لحمزة لوا ً أبيض ، يقال إنه أول لواء عقد فى السلم. وخرج حمزة بمن معه إلى ساحل البحر‬ ‫ء‬‫الحمر واعترض عيراً لقريش قادمة من الشام فى طريقها إلى مكة ، وكان على رأس القافلة أبو جهل بن هشام‬ ‫فى ثلثمائة رجل ، ولم يحدث بين الفريقين قتال . ويقال إن ذلك كان بسبب تدخل مجدي بن عمرو الجهني‬ ‫وكان حليفاً للفريقين . انصرف أبو جهل بمن معه إلى مكة ، وعاد حمزة ومن معه إلى المدينة .‬ ‫سريـة عبيدة بن الحارث :‬ ‫وقد حدث نفس الشئ عندما خرجت سرية عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب فى الشهر الثامن للهجرة .‬ ‫وكان النبى قد عقد له لواء أبيض وأمره بالخروج على رأس ستين رجل من المهاجرين ، فلقى أبا سفيان بن‬‫حرب وهو في مائتين من أصحابه .. التقوا على ماء بالحجاز يقال له " أحياء " ولم يكن بين الفريقين قتال ، إل‬ ‫03‬ ‫أن سعد بن أبى وقاص رمي بسهم ، فكان أول سهم رمي به فى السلم ، ثم انصرف القوم عن القوم .‬ ‫غـزوة و ّان :‬ ‫د‬ ‫كما أن أولى غزوات النبى وهي غزوة ودان ، كانت للموادعة ، ولم يحدث بها أى قتال. خرج النبى فى‬ ‫هذه الغزوة فى صفر بعد أن مضى عليه فى المدينة إثنا عشر شهرا، واستعمل على المدينة سعد بن عبادة ..‬ ‫صحبه جمع من المهاجريم ليس بينهم أنصارى ، وقد حمل اللواء البيض حمزة بن عبد المطلب . بلغ النبى "‬ ‫البواء " وهى قرية علي بعد عشرين أو ثلثين ميل من المدينة . وهناك وادع مخش ّ بن عمرو الضمرى ،‬ ‫ى‬ ‫سيد بنى ضمرة ، على أل يغزو بنى ضمرة ول يغزوه . ول يكثروا عليه جمعا ، ول يعينوا عدوا ، وكتب بينه‬ ‫13‬ ‫وبينهم كتابا .‬‫هكذا نرى أن الخروج لم يكن لقتال ، إنما كان لعقد عهد أمان وسلم . هذا إلى جانب إشعار المشركين من‬ ‫قريش وغيرها أن المسلمين قد أصبحوا قوة قادرة على حماية نفسها والدفاع عن دينها وأرضها.‬ ‫بـدر الولي :‬ ‫ومما يطلق عليه " غزوة " وما هى بغزوة ، خروج النبى لطلب ُرْز بن جابر الفهرى ، فى شهر ربيع‬ ‫ك‬‫الول على رأس ثلثة عشر شهرا من الهجرة . أغار كرز بن جابر على سرح المدينة . كان السرح يرعي على‬ ‫بعد ما يقرب من ثلثة أميال من المدينة فاستاقه كرز ، وخرج النبى فى طلبه حتى بلغ واديا يقال له " سفوان "‬ ‫من ناحية بدر.‬ ‫وفاته كرز بن جابر فلم يدركه ، وعاد النبى إلى المدينة ويطلق كتاب السيرة على هذا الخروج عبارة "‬ ‫غزوة بدر الولى " .‬ ‫ول ندري لماذا أطلق عليها كتاب السيرة اسم " غزوة " ولم يكن بها لقاء من أي نوع فى ساحة قتال .‬ ‫كانت مجرد سرقة ، لص ماشية نجح فى سرقة بعض البل والغنم ونجح فى الفرار. وخرج النبي وبعض‬ ‫ابن هشام ، جـ ٢ ، ص ٤٢٢.‬ ‫03‬ ‫ابن سعد ، جـ ٢ ، ص ٨ .‬ ‫13‬
  • 26. ‫صحبه فى أثر اللص كى يستردوا ما سرق فلم يدركوه . فلماذا تسمي هذه غزوة ، تقف من حيث التسمية على‬ ‫قدم المساواة مع بدر وأحد والحزاب ، على سبيل المثال ؟‬ ‫سرية عبد ال بن جحش :‬ ‫لن نقدم سردا تفصيليا لكل ما ذكرته كتب التراث من سرايا وغزوات ، لننا بتكرارها لن نضيف شيئا ،‬ ‫وكتب التراث كلها مكتظة ومتشابهة فى هذا المجال . لكننا سنركز على المعارك الفاصلة التى كان لها أثر‬ ‫محوري بارز فى تاريخ السلم .‬ ‫هنا تجدر الشارة إلى سرية عبد ال بن جحش ، لما أثارته من جدل ، ولما نزل فيها من وحي .‬ ‫بعث النبى عبد ال بن جحش بن رئاب السدى – فى رجب من العام الثاني للهجرة – ومعه ثمانية من‬‫المهاجرين ليس فيهم من النصار أحد. ويرى الواقدى أن الذين خرجوا مع عبد ال بن جحش لم يكونوا ثمانية ،‬‫بل كانوا اثني عشر رجل. كتب النبى لعبد ال بن جحش كتابا وأمره أل ينظر فيه إل بعد مسيرة يومين ، بعدها‬ ‫ينظر فى الخطاب ويمضى لما أمر به ، بشرط أل يستكره أحدا من أصحابه .‬‫بعد مسيرة يومين ، فتح عبد ال الكتاب ، فإذا فيه : إذا نظرت فى كتابى هذا فسر حتى تبلغ نخلة بين مكة‬ ‫والطائف ، فترصد بها قريشا ، وتعلم لنا من أخبارهم .‬ ‫يلحظ هنا ، بمنتهي الوضوح أن هذه السرية لم تخرج لقتال ، بل كانت مجرد سرية استطلعية لمعرفة‬ ‫أخبار أهل مكة وما إذا كانوا يدبرون لكيد أو حرب ، وهذا مباح ومشروع ، بل ضرورى ومطلوب ، للحفاظ‬ ‫على أمن المسلمين وسلمة أمتهم الناشئة .‬ ‫ول ينكر أحد أن نظم الستطلع والتجسس وتجنيد العملء فى كل دول العالم حاليا – وخصوصا العالم‬ ‫الغربي الذى يتشدق المستشرقون فيه بأكذوبة انتشار السلم بحد السيف – قد بلغت درجة هائلة من التغلغل‬ ‫والقتحام عن طريق أحدث الجهزة المعقدة واستخدام المال والجنس والتهديد بالتصفية الجسدية ، وهم ل‬‫يبالون بفناء المئات، بل اللف من البشر فى سبيل تحقيق أهدافهم وضمان أمن بلدهم ، دون مراعاة لى مبدأ‬ ‫من مبادئ الخلق ، ذلك لن السياسة فى رأيهم ل ضمير ول خلق لها. ومع ذلك يخرج بعض سفهاء‬ ‫المستشرقين فى تلك البلد وهم يتصايحون ويولولون وينشرون الكاذيب عن " بشاعة السلم وقسوته " لن‬ ‫رجل واحدا من المشركين قد قتل أثناء تنفيذ هذه السرية لمهمتها .‬‫قال عبد ال بن جحش لمن معه : قد أمرني رسول ال صلى ال عليه وسلم أن أمضى إلى نخلة أرصد بها‬ ‫قريشا حتى آتيه منهم بخبر ، وقد نهانى أن أستكره منكم أحدا ، فمن كان يريد منكم الشهادة ويرغب فيها‬ ‫فلينطلق ، ومن كره ذلك فليرجع ، وأما أنا فماض لمر رسول ال صلى ال عليه وسلم .‬ ‫ومضى عبد ال بن جحش ومن معه ، لم يتخلف عنه منهم أحد ، لكن سعد بن أبى وقاص وعتبة بن‬ ‫غزوان أضلهما بعير لهما كانا يعتقبانه فتخلفا ، واستمر عبد ال وبقية أصحابه حتى نزل بنخلة .‬ ‫يعلق مونتجمرى وت على تعليمات النبى لهذه السرية بقوله :‬
  • 27. ‫أول ما يلحظ فى هذه القصة هو الحتياطات التى اتخذها محمد للحفاظ على السرية الكاملة . إنه لم يكتف‬ ‫بإعطاء قائد السرية تعليمات فى رسالة مغلقة ، لم يكن يعلم بمحتواها سواه هو نفسه وكاتب الرسالة وواحد أو‬ ‫اثنين من أقرب خلصائه ، لكنه أرسل السرية عن طريق نجد فى اتجاه الشرق ، رغم أن هدفهم النهائى كان فى‬ ‫الجنوب . لقد فعل ذلك ، دون أدني شك ، كى يضلل نظام التجسس المكي فل يمكنهم من اكتشاف ما هو مقبل‬ ‫عليه.‬ ‫أما السبب الذى أثار التردد فى نفوس بعض أفراد المجموعة ، عندما قرأوا تعليمات محمد، فقد كان‬ ‫بالتأكيد إدراكهم لخطورة ما هم مقدمون عليه . إن العربى جرئ إلى حد التهور عندما ينفعل ويثار دمه ، لكنه‬ ‫عندما يفكر فى هدوء يحاول دوما أن يتجنب مكامن الخطر. وهذا بلشك هو ما دعا محمدا إلى أن يطلب من‬ ‫عبد ال بن جحش أن ل يستكره أى شخص يراه مترددا فى قبول المهمة . وعلى ذلك فإن واقعة سعد بن أبى‬ ‫وقاص وصاحبه الذى كان يشاركه ركوب الناقة تستحق الهتمام . إن القصة التى قاما بروايتها عند وصولهما‬ ‫إلى المدينة – بعد أن عادت السرية وقد أدت مهمتها بنجاح – عن أن الناقة قد شردت وأنهما ذهبا يبحثان‬ ‫23‬ ‫عنهما ، وبذلك انقطعت صلتهما ببقية المجموعة .. هذه القصة يمكن الشك فى صدقها .‬ ‫فى " نخلة " حيث تمركز عبد ال بن جحش وصحبه ، مرت غير لقريش تحمل زبيبا وأدما وتجارة من‬ ‫تجارة قريش قدموا بها من الطائف ، فيها عمرو بن الحضرمى وعثمان بن عبد ال بن المغيرة وأخوه نوفل بن‬ ‫عبد ال بن المغيرة المخزوميان والحكم ابن كيْسان مولى هشام بن المغيرة .‬‫تشاور عبد ال ومن معه فى أمر القافلة . كان ذلك فى آخر يوم من رجب وهو من الشهر الحرم . ترددوا‬ ‫قليل وقد هابوا القدام ، ثم شجعوا أنفسهم وأجمعوا على الهجوم وقد قرروا الستيلء على القافلة ولو أدي ذلك‬ ‫إلى سفك الدماء .‬ ‫رمي واقد بن عبد ال التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله ، وكان أول دم أراقه المسلمون. تم أسر‬ ‫عثمان بن عبد ال والحكم بن كيسان ونجح نوفل بن عبد ال فى الفرار.‬ ‫وزع عبد ال بن جحش الغنيمة على أصحابه ، بعد أن حجز للنبى خمس العير، وذلك قبل أن ُفْ َض‬ ‫ير‬ ‫الخمس من المغانم . وطبقا لهذه الرواية يكون عبد ال بن جحش هو أول من فرض الخمس للنبى فى السلم .‬ ‫وفى هذه السرية ُ ّىَ عبد ال بن جحش أمير المؤمنين .‬ ‫سم‬ ‫فلما قدموا على النبى ، قال : ما أمرتكم بقتال فى الشهر الحرام . وقف العير والسيرين ورفض أن يأخذ‬ ‫من ذلك شيئا . فلما قال النبى ذلك سقط فى أيدى القوم وظنوا أنهم قد هلكوا ، وعنفهم المسلمون فيما صنعوا .‬ ‫قالوا لهم : صنعتم ما لم تؤمروا به وقاتلتم فى الشهر الحرام ولم تؤمروا بقتال !!!‬ ‫23‬ ‫.6 .‪Montgomery Watt, Muhammad at Madina, p‬‬
  • 28. ‫وقالت قريش : استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام ، فسفكوا فيه الدم ، وأخذوا فيه الموال ، وأسروا‬ ‫فيه الرجال . وقالت يهود : تفائل بذلك على رسول ال : عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد ال : " عمرو "‬ ‫33‬ ‫عمرت الحرب ، و" الحضرمي " حضرت الحرب، و" واقد بن عبد ال " وقدت الحرب .‬ ‫اشتد الغضب فى قريش ، كما كان الستياء قويا بين بعض النصار فى المدينة ، إذ تصوروا أن النبي قد‬‫انتهك ُرْمة شهر ُ ّ َ فيه القتال . وفات هؤلء جميعا أن النبى ل دخل له مطلقا بما حدث ، فقد أرسل أصحابه‬ ‫حرم‬ ‫ح‬ ‫للستطلع فقط ولم يأمرهم بقتال.‬‫ولقد قال ذلك صراحة لرجال السرية عندما عادوا : ما أمرتكم بقتال . فلماذا إذن يوجه اللوم للنبى وتهاجم‬ ‫مبادئ السلم ؟ لقد أخطأ ثمانية ، أو عشرة من الرجال ، ولم ينفذوا أوامر النبى ، وعليهم أن يتحملوا وزر ما‬‫فعلوا . ثم لماذا يتباكي أهل مكة على قتيل فى الشهر الحرام. وهم أنفسهم كانوا فى قتالهم ينتهكون المقدسات ول‬ ‫يراعون أشهرا حرما أو غير حرم ، بل كانوا ل يترددون مطلقا فى قتل أعدائهم جوار الكعبة داخل المسجد‬ ‫الحرام ؟!!‬‫ربما كان أهل المدينة أكثر تمسكا من أهل مكة بالعقائد القديمة ، لذا كان رد فعلهم تجاه ما حدث قويا ، مما‬ ‫جعل النبى يفكر مليا قبل أن يتخذ قراره النهائى فى شأن السرية والغنيمة . لقد كان للشهر الحرم )رجب ، ذو‬ ‫القعدة ، ذو الحجة ، المحرم( قدسيتها فى الديانة الوثنية القديمة، ولم يقم السلم بالتقليل من قدرها أو الخروج‬ ‫عليها.‬ ‫لكن لو افترضنا – يقول مونتمجري وت – أن محمدا عزم على انتهاك حرمة " الشهر الحرام " ، رغم‬ ‫أنه ل يوجد ما يبرهن على صحة ذلك ، فليس معني ذلك أنه كان ينوى شيئا مشينا. إن قدسية شهر رجب كانت‬‫مرتبطة بالديانة الوثنية التى يشجبها، وانتهاك الشهر "المقدس" يقف على قدم المساواة مع تحطيم الصنام . لكن‬ ‫– وعلى أساس هذا الفتراض – لماذا تردد محمد فى قبول خمس الغنيمة ؟ ل يمكن أن نكون عادلين إذا ما‬ ‫افترضنا أن محمدا قد تخلى عن أصحابه ، أو أنه كان خائفا من قريش .. كل ما فى المر هو أنه وجد أن‬ ‫الحساس كان قويا ضد انتهاك حرمة الشهر " الحرام " بين بعض النصار فى المدينة .. كان أقوى مما‬ ‫43‬ ‫يتوقع .‬ ‫ي أل ن عن ش ر حر قت ل ف ق قت ل ف ه كب ر وصد‬ ‫ونزل الوحي فحسم القضية بأكملها : " َسَُْو َكَ َ ِ ال ّهْ ِ الْ َ َامِ ِ َا ٍ ِيهِ ُلْ ِ َا ٌ ِي ِ َ ِي ٌ َ َ ّ‬‫َن َ ِي ِ ا ّ َ ُفْ ٌ ِ ِ َالْ َسْ ِ ِ الْ َ َا ِ َِخْ َا ُ َهِْ ِ ِنْ ُ َكْ َ ُ ِن َ ا ّ " )البقرة 712( . فإن كان المسلمون‬ ‫ع سب ل ل وك ر به و م جد حر م وإ ر ج أ له م ه أ بر ع د ل‬ ‫قد قتلوا قريشيا فى الشهر الحرام ، فقد ارتكبت قريش ما هو أقبح وأشنع من ذلك ، فقد أهانوا المسلمين‬ ‫وعذبوهم وأخرجوهم وفتنوهم عن دينهم والفتنة أكبر من القتل .‬‫فلما نزل القرآن بهذا المر وفرج ال تعالى عن المسلمين ما كانوا فيه من الخوف، قبض رسول ال العير‬ ‫والسيرين . وبعثت إليه قريش فى فداء عثمان بن عبد ال والحكم بن كيسان ، فقال النبى : " ل نفديكموهما‬ ‫33 الطبرى ، جـ ٢ ، ص ٦١.‬ ‫43‬ ‫.6.‪Montgomery Watt, Muhammad at Madina ,p‬‬
  • 29. ‫حتى يقدم صاحبانا " ، يعني سعد بن أبى وقاص وعتبة بن غزوان،" فإنا نخشاكم عليهما ، فإن تقتلوهما نقتل‬‫صاحبيكم" ، فقدم سعد وعتبة .. فأما الحكم بن كيسان فأسلم ، فحسن إسلمه وأقام عند رسول ال حتي قتل يوم‬ ‫بئر معونة شهيدا ، وأما عبد ال فلحق بمكة فمات بها كافرا .‬ ‫ويقول ابن هشام : وكانت هذه أول غنيمة ، غنمها المسلمون ، وعمرو بن الحضرمي أول من قتله‬ ‫53‬ ‫المسلمون ، وعثمان بن عبد ال ، والحكم بن كيسان أول من أسر المسلمون .‬ ‫***‬ ‫ابن هشام ، جـ ٢ ، ص ٢٤٢- ٣٤٢.‬ ‫53‬
  • 30. ‫الفصـل الثاني‬‫غزوة بدر الكبــرى‬ ‫الفصــل الثاني‬‫غزوة بدر الكبـرى‬
  • 31. ‫عرفت هذه الغزوة باسم "غزوة بدر الكبرى" كى يتم التفرقة بينها وبين "غزوة بدر الولى " التى لم تكن‬ ‫فى الواقع غزوة بالمعني الحقيقى للغزوات . ولقد ناقشنا هذه الحادثة فى صفحات سابقة.‬‫أما غزوة بدر الثانية 63، أو غزوة بدر الكبرى ، فهى غزوة فارقة فى تاريخ السلم والمسلمين ، ويومها‬‫يسمي بيوم الفرقان ، ذلك لنها فرقت بين الحق والباطل، أظهرت الحق قويا شامخا منتصرا رغم تفوق الباطل‬‫عددا وعدة ، ورغم أن الدللت المادية على أرض الواقع كانت كلها تشير بوضوح إلى أن تلك القلة التى اتبعت‬ ‫النبى ل يمكن أن تصمد فى وجه الزحف القريشى المتغطرس باستعلء الكثرة وقوى السلح ووفرة المال.‬ ‫لم يرد بخاطر طواغيت قريش ، بل لم يهدهم تفكيرهم القاصر إلى أن تلك القلة التى تواجههم تملك من‬ ‫السلح ما ل يملكون. لقد تحولوا تحت قيادة النبى إلى قوة روحية هائلة .. طوفان إيمانى يحرك أجسادهم‬ ‫فيقاتلون ببسالة نورانية وكأنهم سيوف ال فى الرض يجتثون الباطل حتى الجذور. والفرق هائل بين من آمن‬ ‫قلبه وامتل بنور ال فاستعلى على الدنيا ومن أظلمت روحه وجفت ينابيع الخير فى أعماقه فطغي فى عماء‬ ‫وتجبر فى جهل وهو ل يدرى أن فى جهله هلكه وأن فى طغيانه دماره. ما فكرت الكثرة الباغية من قريش‬ ‫لحظة ، أن الحق أحق أن يتبع . كان هذا أبعد ما يكون عن نهج القوة المتغطرسة.‬ ‫1- تاريخ المعركة ودوافعها :‬ ‫يري ابن إسحق أن وقعة بدر كانت يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة من رمضان . ونضيف أن ذلك كان‬ ‫فى العام الثاني للهجرة ، أما بيتى كيلين ‪ Betty Kelen‬فترى أن المعركة بدأت صباح الجمعة السادس عشر‬ ‫من رمضان ، الموافق الخامس عشر من مارس عام ستمائة وأربع وعشرين ميلدية. ولكن مونتجمرى وت‬ ‫يحدد ثلثة أيام فى رمضان ، هى السابع عشر والتاسع عشر والحادي والعشرين من العام الثاني للهجرة ، ول‬ ‫يجزم فى أى من هذه اليام وقعت المعركة ، يكتفى بالقول : وقعت فى إحداها.‬ ‫والختلف فى تاريخ المعركة ، بثلثة أو أربعة أيام. ل يمس جوهرها ، ول يغير فى قليل أو كثير من‬ ‫مسيرتها أو نتائجها ، بدليل أن الذين أرخوا لها لم يركزوا على هذا الختلف ، بل ولم يهتموا حتى بمجرد‬ ‫مناقشته. ونميل إلى الخذ برأى ابن إسحق فهو الشيخ السلطة فى هذا المجال .‬ ‫كانت بدر – فى رأى بيتى كيلين – هى أول المعارك الفاصلة : لقد تيقن محمد أنه لبد وأن يتخذ بعض‬ ‫المواقف التى تتسم بالقوة والحسم كى يمل بطون الجياع من المهاجرين . إنه ل يمكنهم العتماد إلى البد على‬ ‫إحسان إخوانهم فى الدين وقد كان أغلبهم من المزارعين الفقراء . وجاء الحل لمحمد فى صورة وحي من‬ ‫السماء . وكان هذا الوحي بداية التغيير فى سياسته ومواقفه : فى مكة ُ ّحَ له فقط بأن يبشر ويدعو ويتحمل‬ ‫صر‬ ‫الذى ، أما فى المدينة فقد أذن له بالقتال .‬ ‫63 بدر هى محلة بين مكة والمدينة تعرف ببئر منسوبة إلى رجل حفرها يقال له بدر بن النارين . قال الشعبى : بدر بئر لرجل يسمي بدرا‬ ‫)مختصر تفسير ابن كثير ، جـ ١ ، ص ٥١٣(.‬
  • 32. ‫فى كلمات أخرى ، أو بمعني آخر ، لن يحصل المهاجرون على طعامهم فى هذا الوقت العصيب من‬ ‫أصدقائهم اليثرييين ، لكنهم سيقتنصونه اقتناصا من أعدائهم القريشيين الذين ل تنقطع قوافلهم من المرور ذهابا‬ ‫وعودة من مكة إلى سوريا.‬ ‫خطة محمد هذه جعلت بعض المستشرقين يصفه بأنه لص وقاطع طريق ، وهذا ما ل نؤيده ، ذلك لن‬ ‫الغارة على القوافل فى زمنه كانت وسيلة معترف بها لسترداد الحقوق أو كسب العيش ومواصلة الحياة .‬ ‫إلى جانب هذا ، فقد كان بإمكان محمد أن يجادل بأن المهاجرين ل يريدون أكثر من تعويض عما فقدوه‬ ‫من ممتلكاتهم ووسائل كسب معيشتهم .. ومما يقوي وجهة النظر هذه هو أن المهاجرين فقط هم الذين اشتركوا‬ ‫73‬ ‫فى " الغارات " قبل أحد . ولم يشترك فيها أى من أهل المدينة .‬‫لقد أنصفت بيتى كيلين فى تحليلها للموقف ولم تنح منحي أغلبية المستشرقين وكتاب الغرب الذين تحاملوا‬ ‫على السلم وعلى نبى السلم ، كما أوضحنا من قبل فى كتابنا : محمد : سنوات مكة .‬ ‫النبى يريد أن يسترد بعض ما فقده أتباعه من أموال ومتاع .. أن يشعر المسلمون أن سنوات الهوان قد‬‫ولت وبل رجعة .. أن أيام التعذيب والذلل أبدا لن تعود .. وأنهم قد صاروا قوة قادرة على أن ترهب أعداء ال‬ ‫.. وأنهم قد غدوا قدر ال فى أرضه لعلء كلمة هذا الدين .‬ ‫2- أخرجوا إلى عير قريش :‬ ‫علم النبى أن قافلة كبيرة قد خرجت من مكة متوجهة إلى الشام يقودها أبو سفيان ويحرسها من أشداء‬ ‫قريش ما بين الثلثين والربعين وعدد العير ألف ، تقدر حمولتها بخمسين ألف دينار ، وهو مبلغ هائل‬ ‫بحسابات ذلك الزمان .‬ ‫أراد النبى اعتراض القافلة فى رحلة الذهاب ، لكنه لم يدركها. انتظر عودتها وقد عقد النية على أل تفلت‬‫منه .. ل الموال ، ول العير ، ول الرجال. قال لمن حوله : هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل ال‬ ‫ُ َ ّل ُ ُوها. وكما يروى ابن هشام: خف بعضهم وثقل بعضهم ذلك لنهم لم يظنوا أن رسول ال صلى ال عليه‬ ‫ينف كم‬ ‫وسلم‬ ‫يلقى حربا.‬ ‫خرج النبى يوم الثنين ، الثامن من رمضان ، على رأس أصحابه . استعمل على المدينة أبا لبابة ، كما‬ ‫استعمل عمرو بن أم مكتوم على الصلة بالناس. هذا ما رواه ابن هشام .83 لكن ابن سعد يقول : إن رسول ال‬ ‫صلى ال عليه وسلم خرج من المدينة يوم السبت لثنتي عشرة ليلة خلت من شهر رمضان ، على رأس تسعة‬ ‫عشر شهرا من مهاجرة .93 أما الطبرى فيروى- عن غير ابن اسحق - أن خروج النبى من المدينة كان لثلث‬ ‫04‬ ‫ليال خلون من شهر رمضان .‬ ‫73‬ ‫.811 -711 .‪Betty Kelen, pp‬‬ ‫83 ابن هشام ، جـ ٢ ، ص ١٥٢.‬ ‫93 ابن سعد ، جـ ٢، ص ٢١ .‬ ‫04 الطبرى ، جـ ٢ ، ص ٥٢.‬
  • 33. ‫وكما اختلفوا فى تاريخ الخروج ، اختلفوا أيضا فى عدد من خرجوا مع النبى. ذكر بعضهم أنهم كانوا‬ ‫ثلثمائة رجل وخمسة نفر ، وذكر آخرون أنهم ثلثمائة وثلثة عشر رجل ، وزاد البعض واحدا فأصبح العدد‬‫ثلثمائة وأربعة عشر رجل ، وزاد آخرون على الزيادة فجعلوهم ثلثمائة وثمانية عشر رجل ، واكتفى البعض‬ ‫بالقول : كانوا ثلثمائة وسبعة ، ولم يزيدوا . أما عامة السلف فقد قالوا : كانوا ثلثمائة رجل وبضعة عشر‬ ‫رجل. وهذا قول حسن ونفضل الخذ به .‬ ‫خرج مع النبى من المهاجرين ثلثة وثمانون رجل. أما البقية فقد كانوا من الوس والخزرج ، وكانت‬ ‫هذه أول مرة يخرج فيها جمع من النصار مع النبى للغزو. وأراد بعض المشركين أن ينضموا إلى النبى فى‬ ‫الغزو – من أجل الغنائم بالطبع – فأدرك ذلك وأبى .‬ ‫تخلف بعض المهاجرين والنصار عن الخروج لعّه ب ّنه ، وسمح لهم النبى وكان أبرز هؤلء عثمان بن‬ ‫ل ي‬ ‫عفان الذى تركه النبى كى يرعي زوجته رقية فى مرضها ، وقد أقام عليها حتى وافتها المنية ولقت ربها قبل‬ ‫عودة النبي .‬ ‫كانت البل سبعين بعيرا ، فكانوا يعتقبونها ، كل اثنين أو ثلثة أو أربعة يعتقبون بعيرا ، أى يتناوبون‬ ‫الركوب وكان النبى كأي رجل فى صحابته يعتقب بعيرا ، هو وعلى بن أبى طالب وزيد بن حارثة ، ل يمتاز‬ ‫عنهم فى شئ ول يقبل أن يعفوه من المسير. كان يقول : لست أقل منكم قوة ، ول أقل منكم طلبا للجر.‬ ‫أما عن الخيل ، فلم يكن معهم سوي فرسين فقط : أحدهما للمقداد بن عمرو والخر لمرْثد بن أبى مرثد‬ ‫الغنوي .‬ ‫دفع النبى باللواء - وكان أبيض – إلى ُص َب بن ُمير بن هاشم بن عبد الدار. وكان أمامه رايتان‬ ‫ع‬ ‫م ع‬ ‫سوداوان ، إحداهما مع على بن أبى طالب والخرى مع سعد‬ ‫بن معاذ .‬‫علم أبو سفيان بخروج النبى .. كانت له عيون تتحسس وتتجسس .. لن يحدث له ما حدث لبن الحضرمي‬‫عندما هاجمتهم سرية عبد ال بن جحش فقتلت وأسرت وساقت العير. أعمل أبو سفيان فكره .. تجنب طريق بدر‬ ‫وساحل بالعير ، أى شق طريقه بجوار ساحل البحر وترك بدرً بيسار .. أفلت بما معه ومن معه ونجا .. لكنه‬ ‫ا‬ ‫فى نفس الوقت وزيادة فى الحرص أرسل إلى قريش يستغيث بها كى تحمي مالها وتدافع عن شرف كرامتها‬ ‫ووجودها لو حدث ما لم يكن فى الحسبان وحم به القضاء على أيدى المسلمين .. استأجر ضمضم بن عمرو‬ ‫الغفاري فبعثه إلى مكة وأمره أن يأتي قريشا فيستنفرهم إلى أموالهم . ويخبرهم أن محمدا قد عرض لها فى‬ ‫أصحابه .‬ ‫خرج ضمضم سريعا إلى مكة ، وكي يلفت النظار ، ويدلل على فداحة ما هو مخبرهم به ، جدع بعيره‬ ‫أى قطع أنفه ، وحول رحله ، وشق قميصه ، وصرخ بأعلى صوته وهو واقف على بعيره : يا معشر قريش ،‬
  • 34. ‫اللطيمة اللطيمة – أى العير التى تحمل الحرير والطيب – قد عرض لها محمد فى أصحابه ، ل أرى أن‬ ‫14‬ ‫تدركوها ، الغوث الغوث !!‬ ‫فوجئت قريش بما لم يكن فى حسبانها ، طعنت فى صميم فؤادها بما لم يدر أبدا بخلدها : " طريد " مكة‬ ‫يخيف رجالها ، يهددها فى أموالها وثرواتها ، يطعن كبرياءها ، يجعلها أضحوكة بين قبائل العرب ، دون ذلك‬ ‫رقاب تقطع ورؤوس تطير من فوق أجسادها. لم يعد هناك أبو طالب أو عبد المطلب ، والعباس مرابى قريش‬ ‫ما زال يحيا بينهم فى ظل كبير عشيرته أبى لهب .‬ ‫أيظن محمد أن العير التى يقودها أبو سفيان كعير ابن الحضرمي ؟! كل واللت والعزي وكل أصنام‬ ‫الكعبة التي تقدسها قريش ، ليعلمن غير ذلك . هكذا وسْ َست لهم شياطينهم .‬ ‫و‬ ‫قادة قريش وأبطالها أعدوا أنفسهم للخروج .. هذا يوم الحزم والحسم .. يوم وجدت فيه قريش فرصتها ،‬‫ل لتعطي محمدا ومن معه درسا بحد السيف ، ولكن لتجتثه هو ومن معه فل تبقى لهم من باقية . لن يتخلف من‬ ‫أشرافها أحد . خرج العباس ابن عبد المطلب ليواجه ابن اخيه ، النبى ، واصطحب العباس معه طالب وعقيل‬ ‫ولدي أبى طالب أبناء عم النبى. لم يفكر العباس إل فى ماله الذى يتاجر ويرابى به فى ربوع مكة والذي خشى‬ ‫إن تأخر عن الخروج أن يضار فيه .‬ ‫لم يرغم أحد العباس على الخروج ، كما يدعي بعض كتاب السيرة فى محاولة ليجاد تعليل يزيل الحرج‬ ‫عن سلوك عم النبى. ولو تم إرغامه فعل ، لرغم من أرغمه أخاه أبا لهب كى يخرج هو أيضا ويرفع سيفه فى‬ ‫وجه ابن عبدال . لم يخرج أبو لهب رغم كل ما عرف عنه وعن مواقفه المتشددة ضد محمد ، اكتفي بأن بعث‬ ‫مكانه العاصى بن هشام بن المغيرة ، وكان قد أربى له بأربعة آلف درهم كانت له عليه أفلس بها ، فاستأجره‬ ‫24‬ ‫بها على أن يجزى عنه بعْثه ، فخرج عنه وتخلف أبو لهب .‬ ‫وخرج أيضا مع من خرج حكيم بن حزام ابن أخي السيدة خديجة ، وأبو العاصى ابن الربيع زوج زينب‬ ‫ابنة النبى ، وعبد الكعبة بن أبى بكر ، والعاصى بن هشام بن المغيرة خال عمر بن الخطاب .‬ ‫ويروي ابن هشام أن أمية بن خلف كان أجمع القعود ، وكان شيخا جليل جسيما ثقيل ، فأتاه عقبة بن أبى‬‫معيط وهو جالس فى المسجد بين ظهراني قومه بمجمرة يحملها فيها نار ومجمر حتى وضعها بين يديه ثم قال :‬ ‫- يا أبا على استجمر فإنما أنت من النساء . قال أمية :‬ ‫- قبحك ال وقبح ما جئت به !!‬ ‫وتقدم أبو جهل هو أيضا نحو أمية بن خلف وقدم له مكحلة ومزود ، وقال : اكتحل يا أبا على فإنما أنت‬ ‫امرأة !!‬ ‫ولم يتحمل أمية بن خلف قسوة السخرية المهينة ، فتجهز وخرج مع الناس .‬ ‫3- رؤيا عاتكـة :‬ ‫14 ابن هشام ، جـ ٢ ، ص ٧٤٢ .‬ ‫24 ابن هشام ، جـ ٢ ، ص ٧٤٢ .‬
  • 35. ‫خرج من مكة جيش قوامه نحو ألف رجل تحت قيادة أبى جهل بن هشام الذى سخر قبل خروجه من رؤيا‬ ‫رأتها عاتكة بنت عبد المطلب ، وبدل من أن تستوقفه كى يتدبر المر قليل أثارت غضبه وسخطه علي محمد‬ ‫وكل بيت بنى عبد المطلب .‬ ‫يقال إن عاتكة بنت عبد المطلب بن هاشم 34 قد رأت قبل قدوم ضمضم مكة بثلث ليال رؤيا أفزعتها ،‬ ‫فبعثت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب فقالت له : يا أخي ، وال لقد رأيت الليلة رؤيا أفظعتني ، وتخوفت أن‬‫يدخل على قومك منها شر ومصيبة ، فاكتم على ما أحدثك به. قال لها : ما رأيت ؟ قالت : رأيت راكبا أقبل على‬ ‫بعير له ، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه ، فبينما هم حوله َ َ َ به بعيره على ظهر الكعبة ، ثم صرخ بأعلى‬ ‫م ثل‬ ‫صوته : أن انفروا يا آل ُدر لمصارعكم .. ثم مثل به بعيره على رأس أبى قبيس فصرخ بمثلها ، ثم أخذ‬ ‫غ‬ ‫صخرة فأرسلها ، فأقبلت تهوي حتى إذا كانت بأسفل الجبل ار َ ّت فما بقى بيت من بيوت مكة ول دار من‬ ‫فض‬ ‫دورها إل دخلت منه فلقه .‬‫انتشر أمر الرؤية بين الناس وتحدثت بها قريش حتى وصلت أبا جهل فلم يتوان عن السخرية من بنى عبد‬‫المطلب وهو يخاطب العباس وجها لوجه . يقول أبو جهل للعباس ، حسب ما تذكر الرواية : يا بنى عبد المطلب‬‫، متى حدثت فيكم هذه النبية ؟! ويسأل العباس : وما ذاك ؟ يرد أبو جهل : الرؤيا التى رأت عاتكة .. يا بنى عبد‬‫المطلب ، أما رضيتم أن تتنبأ رجالكم ، حتى تتنبأ نساؤكم ؟! زعمت عاتكة فى رؤياها أنه قال : انفروا فى ثلث‬ ‫، فسنتربص بكم هذه الثلث ، فإن يكن ما قالت حقا فسيكون، وإن تمض الثلث ولم يكن من ذلك من شئ ،‬ ‫نكتب عليكم كتابا أنكم أكذب أهل بيت‬ ‫44‬ ‫فى العرب .‬ ‫لكن فى اليوم الثالث من رؤيا عاتكة ، أصيب أبو جهل بصدمة صادمة ما كان ليتوقعها هو أو غيره :‬ ‫ظهر ضمضم وقذف فى وجوههم بالخبر المشئوم .‬ ‫قد تكون هذه الرؤيا حقيقية ونحن ل ننكر الرؤى فهى جزء من التكوين اليمانى للصفياء فى كل‬ ‫الديان . وقد تكون جزءا من تراث الدب الشعبى المتداول فى تاريخ الشعوب ، فهى بل بينة فى آية من آيات‬ ‫القرآن ، وبل مرجع فى حديث من الحاديث ، حتى الذى ذكرها مجهول الهوية ، إذ يشير ابن إسحق إلى من‬ ‫رواها بقوله : وحدثني من ل أتهم .54 ونحن ل نعرف شيئا عن ذلك الذى ل يتهم .‬ ‫4- رؤيا جهم بن الصلت :‬‫تغوص كلمات عاتكة فى أعماق رجل هو أيضا من بنى عبد المطلب: ُ َيْم بن ال ّلت بن مخرمة بن عبد‬ ‫ص‬ ‫جه‬‫المطلب بن مناف .. تسيطر على وجدانه ، تترسب فى عقله الباطن مختلطة بخوفه من مغبة المعركة على محمد‬ ‫بن عبد ال بن عبد المطلب ، فيختلط القلق الفزع بكلمات عاتكة ويتجسد فى رؤيا جديدة يعلنها جهيم قبل‬ ‫34 تزوجها فى الجاهلية أبو أمية بن المغيرة ، ثم أسلمت بمكة وهاجرت إلى المدينة .‬ ‫44 الطبرى ، جـ ٢ ، ص ٣٢- ٤٢ .‬ ‫54 الطبرى ، جـ ٢ ، ص ٣ .‬
  • 36. ‫المعركة مباشرة ، يقول : إنى رأيت فيما يرى النائم وإنى لبين النائم واليقظان إذ نظرت إلى رجل قد أقبل على‬ ‫فرس حتى وقف ومعه بعير له ، ثم قال : قتل عتبة بن ربيعه ، وشيبة بن ربيعه ، وأبو الحكم بن هشام ، وأمية‬‫ابن خلف ، وفلن ، وفلن ، فعدد رجال ممن قتل يوم بدر من أشراف قريش ، ثم رأيته ضرب فى لبة بعيره ثم‬ ‫أرسله فى العسكر ، فما بقى خباء من أخبية العسكر إل أصابه نضْ ٌ من دمه . قال : فبلغت أبا جهل ، فقال :‬ ‫ح‬ ‫64‬ ‫وهذا أيضا نبى آخر من بني عبد المطلب ، سيعلم غدا من المقتول إن نحن التقينا .‬‫انتشر خبر هذه الرؤيا قبل المعركة مباشرة ، وكأن جهيم يريد أن يثبط بها عزيمة قريش فتعود أدراجها ،‬ ‫دون أن تسفك دماء أبنائها من المشركين ودماء المسلمين المهاجرين وهم أيضا من أبنائها.‬ ‫5- قريش تخرج إلى بدر :‬ ‫تجهز جيش قريش بالسلح والعتاد والمؤن وبدأوا المسير ، لكنهم فوجئوا برسول آخر من أبى سفيان‬‫يبلغهم أنه قد نجا بالعير ول حاجة لهم فى الخروج أو القتال : إنكم إنما خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم‬ ‫، فقد نجاها ال ، فارجعوا.‬ ‫قال أبو جهل بن هشام وكان يتزعم الجمع : وال ل نرجع حتى ن ِد بدرا ) وكان بدر موسما من مواسم‬ ‫ر‬‫العرب تجتمع لهم به سوق كل عام ( فنقيم عليه ثلثا ، فننحر الجزر ، ونطعم الطعام ، ونسقى الخمر ، وتعزف‬ ‫74‬ ‫علينا القيان ، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا ، فل يزالون يهابوننا أبدا بعدها ، فامضوا .‬ ‫6- النبى يستشير أصحابه :‬ ‫زاغ أبو سفيان ونجا ، هو والرجال والعير وما تحمل العير. وبدل من العودة بثراء الغنيمة إلى المدينة ،‬ ‫أتى النبى الخبر الذى لم يكن يتوقعه : لقد خرجت قريش عن بكرة أبيها كى تمنع عيرها ، ولن تعود حتى بعد‬ ‫نجاة العير.‬‫أرسل النبى عيونه تستطلع : على بن أبى طالب ، الزبير بن العوام ، سعد بن أبى وقاص .. ذهبوا إلى ماء‬ ‫بدر يلتمسون الخبر.‬ ‫64 ابن هشام ، جـ ٢ ، ص ٧٥٢ .‬ ‫74 ابن هشام ، جـ ٢ ، ص ٨٥٢ .‬
  • 37. ‫الجيش القادم ما بين التسعمائة واللف ، يضم صفوة أشراف قريش : عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ،‬ ‫وأبا ال َخْت ِى بن هشام ، والحكيم بن حزام ، ونوفل بن خويلد، والحرث بن عامر بن نوفل ، وطعيمة بن عدي‬ ‫ب ر‬ ‫بن نوفل ، والنضر بن الحرث، وزمعة بن السود ، وأبا جهل بن هشام ، وأمية بن خلف ، وسهيل بن عمرو ،‬ ‫وعمرو بن عبد ود .‬ ‫هذا معناه أن مكة قد جادت بصفوة صفوتها ، أو كما قال النبى : هذه مكة قد ألقت إليكم أفلذ كبدها.‬‫ماذا يفعل النبى فى مواجهة حشود مكة وما خرج لقتال ، وما معه من الرجال سوى ثلثمائة وبضعة نفر‬ ‫لم يعدوا إعداد نفسيا وماديا لمواجهة عدو يتفوق عليهم فى العدد والعدة ، وتدفعه رغبة متغطرسة فى الذلل‬ ‫والنتقام ؟!‬‫فرت العير ، وما بقى إل النفير. هل يعود بمن معه إلى المدينة ويتجنب مواجهة قريش ؟ لو فعل ، لنتشر‬ ‫الحساس بالمهانة بين المسلمين ، وما جاء هذا الدين إل مبشرا بقوة اليمان ورفعة من اتبعه من المؤمنين .‬ ‫كان على النبى أن يواجه قريشا. مواجهة الحق للباطل فى ساحة قتال أصبح لمفر منه ، ربما لحكمه‬ ‫ربانية ل تدركها عقول البشر. إنه ل يريد إراقة دماء ، وما بعث من أجل هذا . لكنها قريش هى التى فرضت‬ ‫المكان والزمان واستلت السيوف‬ ‫من أغمادها .‬ ‫صحبة النبى أغلبها من النصار ، ولم يعاهده النصار على القتال خارج حدود المدينة . لقد بايعوه على‬‫الحماية والقتال إذا مادهم العدو المدينة ، لكنهم ليسوا مجبرين على الخروج معه لقتال عدو لم يهدد أمن بلدهم .‬‫أراد النبى أن يتأكد .. أن يعرف فيما يفكر من هم حوله قبل أن يحدد خطوته التالية، فالموقف جد خطير :‬ ‫إنه مصير نبى وصحابة وأمة ناشئة ودعوة .‬ ‫على رأس المهاجرين قام أبو بكر .. تكلم .. فقال وأحسن .. ومن بعده قام عمر فأيد ما قاله أبو بكر وقال‬‫وأحسن . من بعدهما قام المقداد بن عمرو فقال : يا رسول ال أمض لما أراك ال فنحن معك ، وال ل نقول لك‬ ‫كما قالت بنو إسرائيل لموسى : "فاذهب أنت وربك فقاتل إنا ههنا قاعدون" ، ولكن اذهب أنت وربك فقاتل إنا‬ ‫معكما مقاتلون ، فوالذى بعثك بالحق لو سرْ َ بنا إلي َرْ ِ ال ِ َاد )موضع بناحية اليمن( لجالدنا معك من دونه‬ ‫ب ك غم‬ ‫ت‬ ‫حتى تبلغه .‬ ‫أثني النبى على المقداد بن عمرو ودعا له ، ثم صمت لحظات ينتظر.‬ ‫لكن سكت الناس .‬ ‫هنا قال النبى وهو يلتفت جهة النصار: " أشيروا على أيها الناس " كانت الشارة واضحة . إنه يريد‬ ‫النصار ولم يكن قد تكلم منهم أحد . إنه ل ينسى أنهم عندما بايعوه بالعقبة قالوا : يا رسول ال . إنا برآ ُ من‬ ‫ء‬ ‫ذمامك حتى تصل إلى ديارنا ، فإذا وصلت إلينا فأنت فى ذمتنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا.‬
  • 38. ‫انبري سعد بن معاذ 84، صاحب راية النصار، وزعيم الوس ، قال : وال لكأنك تريدنا يا رسول ال .‬ ‫قال النبى : أجل . قال سعد : لقد آمنا بك ، وصدقناك ، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق ، وأعطيناك على ذلك‬ ‫عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة ، فأمض يا رسول ال لما أردت فنحن معك ، فوالذى بعثك بالحق لو‬ ‫استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخصناه معك ما تخلف منا رجل واحد ، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا. إنا‬ ‫94‬ ‫لص ُ ٌ فى الحرب ، ص ّ ٌ فى اللقاء ، لعل ال يريك منا ما تقر به عينك ، فسر بنا على بركه ال .‬ ‫ُدق‬ ‫ُبر‬‫انشرح قلب النبى, سره كلم سعد ، قال : سيروا وأبشروا فإن ال تعالى قد وعدني إحدي الطائفتين ، وال‬ ‫لكأني الن أنظر إلى مصارع القوم .‬ ‫تمت عملية الشحن الروحي , لن يكونوا وحدهم فى المعركة ، معهم وعد ال ، وفي مقدمة صفوفهم يقف‬ ‫رسول ال ، وفوق رؤوسهم ترفرف راية ل إله إل ال . إنهم جند ال ، ولن يخذل ال جنده .‬ ‫ارتحل النبى – كما يروى ابن اسحق – حتى استقبل الصفراء – وهى قرية بين جبلين – ثم سلك ذات‬‫اليمين على واد يقال له َ ِ َان .. ثم ارتحل من ذفران فسلك على ثنايا يقال لها الصافر ، ثم انحط منها على بلد‬ ‫ذفر‬ ‫يقال لها ال ّ ّة 05.. ثم تحرك حتى إذا جاء أدنى ماء من بدر نزل به .‬ ‫دب‬ ‫هنا ، يبدى الحباب بن المنذر بن الجموح وجهة نظره ، ويستمع النبى .. و ّه الحباب إلى النبى سؤال ،‬ ‫ج‬ ‫يستفسر ، قال : يا رسول ال ، أرأيت هذا المنزل أمنزل أنزلكه ال ليس لنا أن نتقدمه ول نتأخر ، أم هو الرأى‬ ‫والحرب والمكيدة ؟ قال النبى : بل هو الرأى والحرب والمكيدة .‬‫تأكد ال ُباب أن اختيار الموقع ليس بنا ً على وحي من السماء ، عندها أشار بما يراه صوابا ، كفارس من‬ ‫ء‬ ‫ح‬ ‫فرسان المعركة التى يتم العداد لها وكجندي من جنود النبى الذى جاء معلما للجرأة فى قول الحق والشجاعة‬ ‫فى إبداء الرأى. قال ال ُباب : يارسول ال ، فإن هذا ليس بمنزل فانهض بالناس حتى نأتي أدني ماء من القوم‬ ‫ح‬ ‫فننزله ثم نع ّر )نفسد( ما وراءه من القلب ، ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء ، ثم نقاتل القوم ، فنشرب ول‬ ‫و‬ ‫يشربون.‬‫وجاء الرد فى صفاء نبوي يثني على ذلك الذى تحدث ، ويشعره بحسن ما أبدى من رأى. قال النبى : لقد‬ ‫أشرت بالرأى .‬‫نهض النبى ومن معه من الناس ، فسار حتى إذا أتي أدني ماء من القوم نزل عليه، ثم أمر بال ُُب َ ُ ّ َت‬ ‫قل فغور‬ ‫15‬ ‫، أى ردمت وأفسد ماؤها ، وبنى حوضا على القليب الذى نزل عليه فملئ ماء ثم قذفوا فيه النية .‬ ‫7- شقاق فى صفوف قريش :‬‫سرت همهمات فى صفوف قريش : نجت العير فعلم يكون القتال ؟ من أجل ماذا تراق الدماء ؟ ِ َ يواجه‬ ‫لم‬ ‫الب ابنه ، والبن أباه ، كل منهما يريد قتل الخر ؟ هل هناك ما هو أبشع من هذا السلوك ؟ ل َ يستل بنو عبد‬ ‫ِم‬ ‫84 تخلف سعد بن عبادة ، مدعيا أنه يعاني من عضة أفعي .‬ ‫94 ابن هشام ، جـ ٢ ، ص ٤٥٢.‬ ‫05 الطبرى ، جـ ٢ ، ص ٦٢ .‬ ‫15 ابن هشام ، جـ ٢، ص .٠٦٢.‬
  • 39. ‫المطلب السيوف ويرمون بالنبل والحراب يبتغون إزهاق أرواح بنى عبد المطلب ؟ ومحمد هذا ، حتى ولو لم‬ ‫يؤمنوا به ، أليست أمه من بنى زهرة ؟ إذن ، فلماذا يعمل بنى زهرة على اقتلع من نبت فى بستان زهرة ؟‬ ‫قريش تلتهم أبناءها ؟! هل هذا منطق العقلء ، وبين القوم حكماء مشهود لهم برجاحة العقل ، وسؤدد الرأى ،‬ ‫وعلو الشأن ؟!‬ ‫تحولت الهمهمات إلي أصوات ، ارتفع صوت الخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي ، وكان حليفا‬ ‫لبني زهرة ، قال : يا بنى زهرة ، قد نجي ال أموالكم وخلص لكم صاحبكم مخرمة بن نوفل ، وإنما نفرتكم‬ ‫لتمنعوه وماله ، فاجعلوا بي جبنها، وارجعوا فإنه ل حاجة لكم بأن تخرجوا فى غير ضيْعة ، ل ما يقول هذا‬ ‫َ‬ ‫25‬ ‫الرجل ، يعني أبا جهل ، فرجعوا ، فلم يشهدها زهرى واحد . أطاعوه وكان فيهم مطاعا .‬ ‫وتحاور طالب بن أبى طالب مع بعض قريش فتطاولوا عليه واتهموه بأنه خرج مرغما وأن هواه مع‬‫محمد ، قالوا : وال لقد عرفنا يا بنى هاشم وإن خرجتم معنا إن هواكم لمع محمد ، فغضب ، ورجع إلى مكة مع‬ ‫من رجع .‬ ‫اتبعت سائر قريش أبا جهل ، نزلوا بالعدوة القصوى خلف كثيب من الرمال . أرسل لهم ُفاف بن إيماء‬ ‫خ‬ ‫بن رحضة الغفاري – وكان حليفا لقريش – ابنا له بجزائر أهداها لهم ، عرض عليهم أن يمدهم برجال‬ ‫وسلح ، ولكنهم أبوا .. كانوا يثقون فى قوتهم ، ربما غرورا ، ويستخفون بمحمد ومن معه ، ربما حمقا‬ ‫وجهل .. أرسلوا إليه مع ابنه ، قالوا : أن وصلتك الرحم ! لقد قضيت الذى عليك ، فلعمرى لئن كنا نقاتل‬ ‫35‬ ‫الناس ، ما بنا من ضعف عنهم ، وإن كنا نقاتل ال – كما يزعم محمد – فما لحد بال من طاقة .‬ ‫وكأنهم كانوا ، دون وعي ، يتنبأون .‬ ‫أرسلوا ُ َير بن وهب ال ُ َ ّي يستطلع أخبار جيش محمد ، ويقص لهم خبر المسلمين . خرج عمير‬ ‫جمح‬ ‫غم‬ ‫واستجال بفرسه ، دار قدر ما يستطيع حول عسكر النبى ، ضرب فى الوادي أبعد ما يمكنه البعد ، ربما هناك‬‫كمين أو حشد آخر أو مدد .. أخبر قومه أن عدد أصحاب محمد ثلثمائة رجل ، ربما يزيدون قليل أو ينقصون ،‬‫ثم أضاف : لكني قد رأيت يا معشر قريش البليا 45 تحمل المنايا ، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع ، قوم ليس‬ ‫معهم منعة ول ملجأ إل سيوفهم ، وال ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجل منكم ، فإذا أصابوا منا‬ ‫أعدادهم فما خير العيش بعد ذلك ؟‬ ‫البليا تحمل المنايا .. كانت صيحة عمير الفازعة المفزعة .. الموت قادم على أعناق البل . لن يقتل من‬ ‫أصحاب محمد رجل إل إذا قتل من قريش رجل أو أكثر.. أصحاب محمد قد ح ّموا سيوفهم دفاعا عن دينهم‬ ‫ك‬‫وشرفهم وما خرجوا من أجله وهو استرداد ولو جزء يسير مما أخذ منهم عنوة واغتصابا ، وتجبرا واضطهادا .‬ ‫25 ابن هشام ، جـ ٢، ص ٨٥٢.‬ ‫35 الطبرى ، جـ ٢ ، ص ٠٣ .‬‫45 جمع بلية ، وهى الناقة أو الدابة تربط على قبر الميت فل تعلف ول تسقى حتى تموت. وتقول بعض العرب إن صاحبها يوم البعث سوف‬ ‫يحشر عليها.‬
  • 40. ‫لم تكن صيحة عمير مجرد صرخة رجل يهذى فى هلع مرتعب . لقد ُ ِذت مأخذ الجد ، وكان لها أثرها‬ ‫أخ‬‫فى نفوس كبيرة لبعض رؤساء القوم . مشى حكيم بن حزام فى الناس حتى أتى عتبة بن ربيعة ، وكل من حوله‬ ‫يعرف من هو عتبة بن ربيعة ، إنه فى قريش سيد مطاع وفارس من أمجد فرسانها. قال حكيم وهو يخاطب‬ ‫عتبة : يا أبا الوليد، إنك كبير قريش وسيدها المطاع فيها ، هل لك إلى أن ل تزال تذْكر فيها بخير إلى آخر‬ ‫ُ‬ ‫الدهر. قال : وما ذاك يا حكيم ؟ قال : ترجع بالناس وتحمل أمر حليفك عمرو ابن الحضرمي . قال: قد فعلت‬ ‫55‬ ‫أنت على بذلك ، إنما هو حليفي فعل ّ َقْله وما أصيب من ماله ، فأت أنت ابن الحنظلية .‬ ‫ىع‬ ‫ّ‬ ‫كان عمرو بن الحضرمي قد قتلته سرية عبد ال بن جحش – كما سبق وأوضحنا- وكان عتبة بن ربيعة‬ ‫ول ّه ، وبذلك أصبح من واجب عتبة أن يدفع ديتة وأن يعوض أهله عما فقد من ماله أو أن يثأر له.‬ ‫ي‬‫رأى عتبة ، فيما قاله حكيم ، حكمة بالغة .. يقدم لهل ابن الحضرمي من ماله ما يرضيهم ويزيد ، ويحقن‬ ‫دماء المئات من أهل قريش ، سواء كانوا فى جيش المكيين أو جيش المسلمين ، فقريش قد انقسمت على‬ ‫نفسها .. هذا قتال تعافه النفوس الزكية ، وترفضه العقول الواعية .‬ ‫العقبة الوحيدة فى طريق العودة بسلم هو " ابن الحنظلية " أبو جهل بن هشام . وعتبة يشير إليه فى هذا‬ ‫الموقف باسم أمه " أسماء بنت ُخ ّبة .. بن حنظلة " . وربما تدل الشارة إلى أبى جهل باسم أمه على ضيق‬ ‫م ر‬ ‫فى نفس عتبة وقدر من الستياء من موقف أبى جهل الذى لو تم له النصر لنفرد بزعامة مكة وفرض نفوذه‬ ‫عليها ، وهذا ما كان يثير المخاوف فى نفوس الكثرة ويولد فيهم الرغبة فى العودة دون قتال .‬ ‫لم يتوان عتبة بن ربيعة لحظة في إتباع ما يمليه عليه الحساس بخطورة الموقف. قام فى الناس خطيبا ،‬‫قال : يا معشر قريش ، إنكم وال ما تصنعون بأن تلقوا محمدا وأصحابه شيئا. وال لئن أصبتموه ل يزال الرجل‬ ‫ينظر فى وجه رجل يكره النظر إليه، قتل ابن عمه ، أو ابن خاله ، أو رجل من عشيرته . فارجعوا وخلوا بين‬ ‫محمد وبين سائر العرب . فإن أصابوه فذلك الذى أردتم ، وإن كان غير ذلك ألفاكم ولم ت َ ّضوا منه ما‬ ‫عر‬ ‫65‬ ‫تريدون .‬ ‫أشار عتبة على الناس بالرجوع . اختتم كلماته بقوله : ل تردوا نصيحتى ول تسفهوا رأيى .‬‫ثارت ثائرة أبى جهل. اتهم عتبة بالخوف من ملقاة ولده الذى يقاتل فى صفوف محمد ، قد يلتقيا فيقتل أى‬ ‫منهما الخر. اتهم أبو سفيان عتبة بالجبن ، وأقسم أن ل يرجع حتى يحسم المر بحد السيف . لقد استمع أبو‬ ‫جهل لصوت الشيطان فى داخله ، ولم يستمع لصوت الحكمة والعقل ، ولكى يقطع على الجميع خط الرجعة‬ ‫بعث إلى عامر بن الحضرمي وحفزه واستثاره ، أمره أن يستصرخ الناس مطالبا بثأر أخيه.‬ ‫انتقلت حمي الشر من أبى جهل إلى ابن الحضرمي ، قام ، انتفض ، صرخ بكل قواه : واعمراه ،‬ ‫واعمراه !! اجتمع أمر الناس من حوله ، سيطرت نعرة الجاهلية منبعثة من ظلمات النفوس ، واعمراه ،‬ ‫ابن هشام ، جـ ٢ ، ص ٢٦٢.‬ ‫55‬ ‫ابن هشام ، جـ ٢ ، ص ٣٦٢.‬ ‫65‬
  • 41. ‫واعمراه !! لبد وأن ترتوي رمال بدر بالدماء . تبخرت كلمات عتبة ، ما عاد يذكرها الناس. كان لبد وأن‬ ‫تنشب الحرب .‬ ‫8- النبي يسوى الصفوف:‬‫رأى المسلمون أن العدو قد أجمع على محاربتهم. ما كان عليهم إل الثبات ، هذا قدر ال ولبد من المتثال‬ ‫لقضائه ، وهم أصحاب حق يدافعون عنه ويقاتلون فى سبيله إذا ما أرغموا على القتال ، لن يرهبهم عدد العدو‬ ‫وعدته فالعدو ل يملك ما يملكون من قوة إيمان ، ولن يخذل ال نبيه ولن يتخلى عن عباده .‬ ‫بنى المسلمون الحوض ، كما أشار الحباب بن المنذر ، ثم غوروا ما وراءه من آبار كي يشربوا ول‬ ‫يشرب العدو. وكما أشار الحباب ببناء الحوض ، أشار سعد بن معاذ أن ُب َى للنبي عريش يكون فيه و ُ َد عنده‬ ‫تع‬ ‫ين‬ ‫ركائبه ، فتكون فى متناول يده إذا ما احتاجها عند الضرورة .‬ ‫يقول سعد : يا رسول ال : نبني لك عريشا من جريد فتكون فيه ، و ُع ُ عندك ركائبك ، ثم نلقى عدونا ،‬ ‫ن ِد‬‫فإن أعزنا ال وأظهرنا على عدونا كان ذلك مما أحببناه ، وإن كانت الخرى جلست على ركائبك ، فلحقت بمن‬ ‫وراءنا من قومنا ، فقد تخلف عنك أقوام يا نبى ال ما نحن بأشد لك حبا منهم ، ولو ظنوا أنك تلقى حربا ما‬‫تخلفوا عنك ، يمنعك ال بهم ، يناصحونك ويجاهدون معك .75 تم تنفيذ ما أشار به سعد بن معاذ ، وقد أثني عليه‬ ‫النبى ودعا له بالخير.‬ ‫تحركت قريش من وراء الكثيب حيث كمنت ، وظهرت فى انبساطة الوادي . عندها رفع النبى يديه إلى‬ ‫السماء متوسل بالدعاء : اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلئها وفخرها تحادك )تعاديك وتمتنع عن طاعتك(‬ ‫85‬ ‫وتكذب رسولك . اللهم فنصرك الذى وعدتني اللهم أ ِنْ ُم ) أهلكهم ( الغداة .‬ ‫حه‬ ‫أمر النبى أتباعه أن يعدوا أنفسهم للقتال فى صفوف متراصة ، وكان فى وجوده أمام جنده ، يسوى‬ ‫الصفوف ويعدلها بنفسه ، قوة ما بعدها قوة ، وقدوة ما بعدها قدوة ، فها هو ذا النبي يقف فى مقدمة الصفوف‬ ‫غير هياب ول وجل .‬ ‫ول يخلو الموقف ، رغم خطورته ، من شئ من الدعابة اللطيفة والحلم النبيل الذى اتصف به النبى .‬ ‫يروى ابن إسحق عن يوم بدر يقول إن رسول ال صلى ال عليه وسلم عدل صفوف أصحابه يوم بدر وفى يده‬‫ِدْ ٌ يعدل به القوم ، فمر بس ّاد بن غزية حليف بنى عدى بن النجار وهو مستنسل ) متقدم ( من الصف ، فطعن‬ ‫و‬ ‫قح‬‫فى بطنه بالقدح ، وقال : استو يا سواد . فقال سواد : يا رسول ال أوجعتني وقد بعثك ال بالحق والعدل فأقدني )‬ ‫أى اقتص لى من نفسك (. فكشف رسول ال صلى ال عليه وسلم عن بطنه وقال استقد . فاعتنقه ، فقبل بطنه ،‬ ‫فقال : ما حملك على هذا يا سواد ؟ قال : يا رسول ال ، حضر ما ترى . فأردت أن يكون آخر العهد بك أن‬ ‫يمس جلدك جلدى . فدعا له رسول ال صلى ال عليه وسلم بخير.‬ ‫الطبرى ، جـ ٢ ، ص ٠٣ .‬ ‫75‬ ‫ابن سعد ، جـ ٢ ، ص ٠٦٢- ١٦٢ .‬ ‫85‬
  • 42. ‫أع ّ النبي جنده للقتال . عاد إلى العريش فى صحبه أبى بكر رفع يديه إلى السماء مناشدا ربه : اللهم أنجز‬ ‫د‬ ‫ما وعدتني . اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم )يعني المسلمين( ل تعبد بعد اليوم . ولم يزل كذلك حتى سقط‬ ‫رداؤه . وأبو بكر من ورائه يقول : كفاك يا نبى ال ، بأبى أنت وأمي ، سينجز ال لك ما وعدك. فأنزل ال‬ ‫تعالى : " ِذْ َسْ َ ِي ُو َ َ ّ ُمْ َاسْت َا َ َ ُم .ْ َ ّي ُ ِ ّ ُم ِ َلْ ٍ م َ الْ َل ِ َ ِ ُرْ ِ ِي َ " )النفال :9( .‬ ‫إ ت تغ ث ن ربك ف َج ب لك أن ممدك بأ ف ّن م ئكة م دف ن‬‫وفى حديث آخر عن ابن عباس أن النبى قال وهو فى قبته يوم بدر : اللهم إنى أسألك عهدك ووعدك. اللهم‬‫إن شئت لم تعبد بعد اليوم !! فأخذ أبو بكر بيده ، ثم قال: حسبك يا نبى ال ، فقد ألححت على ربك .. فخرج وهو‬ ‫95‬ ‫يقول : سيهزم الجمع ويولون الدبر . بل الساعة موعدهم والساعة أدهي وأمر.‬ ‫9- القتـال والنصـر:‬ ‫خرج السود بن عبد السد المخزومي من صفوف قريش ، قال وهو يندفع فى شراسة عرف بها مقترنة‬ ‫بسوء خلق : لشربن من حوضهم أو لهدمنه أو لموتن دونه. وهو يقصد الحوض الذى بناه المسلمون كى‬ ‫يشربوا منه ول تشرب قريش. ولقد أراد بسلوكه هذا أن يظهر عدم اكتراث قريش بأصحاب محمد ، ولو نجح‬‫فيما حاول ، لثبت فعل صدق قوله . لكن حمزة عم النبى – الذى ترهبه قريش كلها إذا ما انتزع من الغمد سيفه‬ ‫– خرج إليه . عاجله بضربه سيف أطار بها نصف ساقة وهو دون الحوض، فوقع على ظهره لكنه فى عناد‬ ‫زحف إلى الحوض يريد أن يبر بقسمه فأتبع حمزة الضربة الولى بضربة ثانية فقضى عليه .‬ ‫هنا خرج فرسان قريش يطلبون المبارزة ، كما هى عادة العرب . تقدم عتبة بن ربيعة بين أخية شيبة بن‬ ‫ربيعة وابنة الوليد بن عتبة. وربما كان سبب خروجه أول من خرج أنه كان يريد أن يثأر لمقتل وليه ابن‬ ‫الحضرمي ، ولكي ينفي عن نفسه تهمه التردد والجبن التى وجهها إليه أبو جهل .‬ ‫خرج إليهم من صفوف المسلمين ثلثة فتية من النصار ، هم : عوف ومعوذ ابنا الحارث ، وأمهما‬‫عفراء ، وكان ثالثهم هو عبد ال بن رواحه. تقدموا فى ثبات ، غير هيابين. سألهم عتبة : من أنتم ؟ قالوا : رهط‬‫من النصار. رفض عتبة النزال . قال: ما لنا بكم من حاجة. إنه يريد أكفاء من قومه . وإن دل هذا السلوك على‬ ‫شئ فإنما يدل على كبرياء عتبة وأنفته وربما نبله أيضا ، فهو لن يرفع سيفه إل فى وجه من هو فى مثل مكانته‬ ‫رسوخا وشموخا ، ومن لها سوى أسد ال !!‬ ‫أمر النبى حمزة بالخروج : قم يا حمزة . قم يا على ، قم يا عبيدة بن الحرث.. أكفاء كرام ، فى مواجهة‬ ‫أكفاء كرام . ول يجب أن ننسى أن عتبة وشيبة ابنى ربيعة هما اللذان أمرا خادمهما أن يقدم لمحمد عنقود عنب‬ ‫عندما لجأ إلى بستانهما فى الطائف، بعد أن طارده سفاؤها وأدموا قدميه بالحجارة . ويجب أل ننسى أيضا أن‬ ‫عتبة ابن ربيعة هو الذى اعترض أبا جهل وقاومه ، بل واعتدي عليه ، عندما حاول "فرعون" قريش أن يمنع‬ ‫وصول الزاد إلى محمد وأهله وقد حاصرتهم قريش فى شعب من شعاب مكة ، وعتبة هو أيضا الذى حاول أن‬ ‫الطبرى ، جـ ٢ ، ص ٣٣.‬ ‫95‬
  • 43. ‫يثني عزيمة قريش ويعود بها دون قتال . وها هى ذى حتمية الحداث ترغمه على أن يكون أول من يطلب‬ ‫المبارزة .‬ ‫وفى لحظة خاطفة كلمح بالبصر، أو كطامة كاسحة من طامات القدر المرسوم لقريش ورجالها ، قتل‬ ‫حمزة شيبة ، وقتل عل ّ الوليد ، وأصاب عتبة عبيدة بن الحرث بجرح كان سبب موته فيما بعد . وكر حمزة‬ ‫ى‬ ‫وعلى بسيفيهما على عتبة فأردياه قتيل. ثلثة من كبار سادة قريش سقطوا فى سويعات قدرية فارقة .‬ ‫وتزاحف الناس علي الناس .. دنا بعضهم من بعض .. ثارت الدماء .. ما عاد هناك أمل فى العدول عن‬ ‫القتال .‬‫ولول مرة يقوم النبى بدور القائد الحربى ، على رأس الجند ، فى ساحة قتال . لقد دفعته قريش إلى ذلك‬‫دفعا ، وكان عليه فى سبيل رسالته وكي ينقذ أصحابه من هلك محدق ، أن يقوم بدور النبى المقاتل ، وما كان‬ ‫فى ذلك أول النبياء . لقد قاتل موسى من قبل ، كان نبيا وقائدا ، وكذا كان داود ، مع الفارق الهائل بين رحمة‬ ‫محمد ورأفته بصورة عامة فى معاملة من يحاربه. وعنف موسى وداود وقسوتهما التدميرية فى معاملة العدو‬ ‫كما جاء فى النص التوراتي .‬‫يقول الرب لموسى وهو يقود بنى إسرائيل فى إحدي معاركه : " ل تخف منه )عوج ملك باشان( لنى قد‬ ‫دفعته إلى يدك مع جميع قومه وأرضه. فتفعل به كما فعلت بسيحون ملك الموريين الساكن فى خشبون .‬ ‫فضربوه وبنيه وجميع قومه حتى لم يبق له شارد وملكوا أرضه " )عدد 12 : 43-53( .‬ ‫أما داود فيقطع أعداءه بالمناشير ويبيدهم حرقا فى أتون النار: " فجمع داود كل الشعب وذهب إلى ِ ّة‬ ‫رب‬ ‫وحاربها وأخذها. وأخذ تاج ملكهم عن رأسه .. وكان على رأس داود. وأخرج غنيمة المدينة كثيرة جدا .‬ ‫وأخرج الشعب الذى فيها ووضعهم تحت مناشير ونوارج حديد وفؤوس حديد وأ َ ّهم فى أتون ال ُ ّ وهكذا‬ ‫جر‬ ‫مر‬ ‫صنع بجميع مدن بنى عمون . ثم رجع داود وجميع الشعب إلى أورشليم " )صموئيل الثاني 21 : 03-13( .‬‫تحرك النبي القائد وسط جنده . وبعث وجوده فى نفوسهم قوة إيمانية هائلة بحتمية النصر، امتلت قلوبهم‬ ‫باليقين ففارقها الخوف وحل محله قوة إيمانية عظيمة أنستهم تفوق العدو فى عدده وعدته ، فتقدموا فى ثبات‬ ‫ويقين .‬ ‫ل تحملوا ، صاح النبى القائد ، حتى آمركم ، وإن اكتنفكم القوم فانضحوهم )أرموهم( عنكم بالنبل .‬ ‫وتبادل الفريقان الرمى بالنبل وسقط القتلى على الجبهتين . كان أول قتيل من المسلمين ِهْ َع مولى عمر بن‬ ‫مج‬ ‫الخطاب ، ُ ِي بسهم فقتل ، ثم قتل حارثة بن سراقة أحد بنى عدي بن النجار ، أصاب سهم نحره فسقط فى‬ ‫رم‬ ‫الحال .‬ ‫عندها أمر النبى أصحابه أن يحملوا على المشركين ، فاندفعوا فى ثبات غير وجلين، والنبى وسطهم‬ ‫يحثهم ويرفع من روحهم المعنوية إلى آفاق ما وعوها من قبل ، يقول : والذي نفس محمد بيده ل يقاتلهم اليوم‬ ‫رجل فيقتل صابرا محتسبا مقبل غير مدبر إل أدخله ال الجنة .‬
  • 44. ‫ويبلغ الحماس بأحد المسلمين أن يرمي بتمرات فى يده كان يأكلها ، ويقول : بخ بخ ) كلمة تقال عند الفخر‬ ‫( أفما بينى وبين أن أدخل الجنة إل أن يقتلني هؤلء . رمي بالتمرات وقاتل فى بطولة حتى قتل .‬ ‫جندي آخر يسأل النبى وهو وسط المعمعة : يا رسول ال ما يضحك الرب من عبده؟ ويرد النبى : غم ُ ُ‬ ‫ْسه‬ ‫يده فى العدو حاسراً . فما كان من الجندي إل أن نزع درعه وهاجم فى ضراوة وكأنه يريد أن يروى ظمأ‬ ‫سيفه . اخترق الصفوف وظل يقاتل‬ ‫حتى قتل .‬ ‫ل خوف اليوم ، ول تقهقر ، ول جبن ، فالجبن والخوف ل يحلن فى قلوب عمرت بإيمانها بخالقها‬ ‫وبثقتها فى قائدها . ويصل إليهم صوت النبى مدويا : شدوا .. شاهت الوجوه !! قالها النبى بعد أن أخذ حفنة من‬ ‫الحصباء واستقبل بها قريشا فلفحهم بها.. شاهت الوجوه !!‬ ‫وجال حمزة بن عبد المطلب .. صال وجال .. أطار الرؤوس وشق الهامات .. وما صمد له أحد ، وكأنه‬ ‫قضاء ال يحمل سيف عدله. ويسأل أمية بن خلف بعد أن تم أسره : َنْ الرجل منكم المعَْ َ بريشة نعامة فى‬ ‫لم‬ ‫م‬ ‫صدره ، ويرد عبد الرحمن بن عوف وهو آسره: ذاك حمزة بن عبد المطلب ، ويكون تعليق أمية : ذاك الذى‬ ‫فعل بنا الفاعيل .‬ ‫أما على بن أبى طالب فقد كان هو أيضا من أعلم المعركة ، لم يستطع أن يوقفه أحد ، قتل فيمن قتل ابن‬‫أبى رفاعة وحرملة بن عمر والعاص بن سعيد . وكان من المثير للدهشة أن يقتل عمر بن الخطاب خاله العاص‬ ‫بن هشام بن المغيرة . لكن ذلك لم يكن مستغربا بالنسبة لعمر.‬‫ارتفع صوت النبى محذرا وناهيا : ل تقتلوا بنى هاشم ، ل تقتلوا العباس ، ل تقتلوا أبا البخترى بن هشام .‬ ‫لم يكن ذلك محاباة لهله ، بل كان وفاء للذين آزروه وأحسنوا إليه ولم يؤذوه ، بل ساندوه رغم شركهم فى‬ ‫مواجهة مشركي مكة . لقد كان أبو البختري على رأس أولئك الذين طالبوا بنقض الصحيفة وفك الحصار عن‬ ‫محمد وآله ، رغم أنه لم يؤمن بما جاء به ، ولم يصدقه ، لكنه أبدا لم يؤذه بل حاول أن يكف أذى الناس عنه .‬ ‫ولقد أراد النبى ان يبقي عليه وفا ً بوفاء ونبل بنبل .‬ ‫ء‬ ‫سمع المسلمون صوت النبى وهو يعلن أنه شفيع هؤلء : إنى قد عرفت أن رجال من بنى هاشم وغيرهم‬ ‫قد ُخرجوا ُرْها ل حاجة لهم بقتالنا . فمن لقى منكم واحدا من بنى هاشم فل يقتله . ومن لقى أبا البختري بن‬ ‫ك‬ ‫أ‬ ‫هشام بن الحرث بن أسد فل يقتله . ومن لقى العباس بن عبد المطلب عم رسول ال فل يقتله ، فإنما ُخ ِج‬ ‫أ ر‬ ‫ُس َكْ َها .‬ ‫م تر‬ ‫لم يستوعب أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة كلمات النبى. لقد رأى أباه وهو يقتل أمام عينيه . قتله حمزة‬ ‫وعل ٌ فى بداية المعركة ، قطعاه بسيفيهما ولم يشفع له أحد ، رغم أنه لم يكن ليقل فى الشهامة والصالة والنبل‬ ‫ى‬ ‫عن أبى البخترى . انفلتت منه كلمات غاضبة محمومة مصبوغة بدم أبيه الذي لم يجف بعد ، قال : أنقتل آباءنا‬ ‫وأبناءنا وإخواننا وعشيرتنا ، ونترك العباس ! وال لئن لقيته للْ ِم ّه السيف !!!‬ ‫حن‬
  • 45. ‫ُ ِذ العباس أسيرا ، لم ُقتل ، ما صادفه أبو حذيفة كى يلحمه السيف ، رغم أنه لو قابله ما قتله لنه ندم‬ ‫ي‬ ‫أخ‬ ‫على ما فاه به من كلمات . أما أبو البخترى فقد رفض السر. شموخة رفض النحناء رغم سنوح فرصة‬ ‫النجاة . لقية الم ّذر بن زياد ال ََو ّ ، حليف النصار من بنى عدي . أخبره المجذر أن النبى قد نهى عن قتله‬ ‫بل ى‬ ‫ج‬ ‫وكان معه صاحب قد خرج معه من مكة . طلب منه المجذر أن يستأسر أو ينجو بنفسه . أشار أبو البخترى إلى‬ ‫صاحبه ، وسأل : وزميلى هذا ؟ وأجاب المجذر: ل وال ، ما نحن بتاركيه . وسيطر على أبى البخترى إباء‬‫نفسه فأبى أن ينجو أو يستأسر ، تاركا صاحبه كى يواجه قدره المحتوم وحده . رفض فى شموخ ، قال : ل وال‬ ‫، لموتن أنا وهو جميعا، ل ُ َ ّث عنى نساء قريش من أهل مكة أنى تركت زميلى حرصا على الحياة . وأبى‬ ‫تحد‬ ‫06‬ ‫إل القتال. فاقتتل وقتلة المجذر .‬ ‫هذا موقف ل يحسب للمجذر ، بل يحسب عليه ، وكلمات النبى كان يجب أن تطاع. فقد عرف النبى نفسه‬ ‫لبى البخترى قدره ونهي عن قتله. كان على المجذر أن يخلى سبيله، حتى ولو كان معه عشرة رجال ل رجل‬ ‫واحد . لكن الواضح أن العرابى قد طمع فى سلبه .‬ ‫أحاط أبو جهل- طاغية قريش- نفسه بكوكبه من الفرسان ، على رأسها ابنه عكرمة. كان من الصعب أن‬ ‫ُخلص إليه ، أى أن يصل إليه أحد ، لكن معاذ بن عمرو بن الجموح جعله هدفه ، صمم أن يصل إليه حتى ولو‬ ‫ي‬ ‫لقى فى هذا التصميم حتفه . شق طريقه نحوه حتى واجهه . ضربه ضربة أطاحت بقدمه ونصف ساقه. دافع‬ ‫عكرمة عن أبيه ، هاجم معاذ ، وجه إليه ضربة طرحت يده .‬‫أكمل ُع ّذ بن عفراء عمل معاذ . ضرب أبا جهل ضربة أثبتته . تركه على شفا الموت. وقاتل معوذ حتى‬ ‫مو‬ ‫ُتل ، ثم جاء عبد ال بن مسعود يبحث عن أبى جهل ، وقد أمر النبى أن ُلْ َمس بين القتلى ، فوجده فى آخر‬ ‫يت‬ ‫ق‬ ‫رمق . وضع ابن مسعود رجله على عنق أبى جهل وقد أذله ال ، ما عاد يخشاه أحد ، وقد كان يثير الرعب فى‬ ‫قلب من يشاء من جموع مكة . قال ابن مسعود وقدمه على عنق الطاغية : هل أخزاك ال يا عدو ال ؟ قال:‬ ‫وبماذا أخزاني ؟ أعْ َ ُ من رجل قتلتموه ؟ وعندما شعر بقدم عبد ال بن مسعود على رقبته ، قال فى سخريته‬ ‫مد‬‫الحادة التى ما فارقته حتى الموت : لقد ارتقي َ ُرْ َقىً صعبا يا ُ َيْ ِ ّ الغنم !! إجتز ابن مسعود رأس أبى جهل‬ ‫رو عي‬ ‫تم ت‬ ‫، وهلل المسلمون مسبحين بحمد ال .‬ ‫وفى الميدان يلتقى عبد سابق ، تعذب كثيرا ، وسيده الذى عذبه : بلل بن رباح وأمية بن خلف . ما نسى‬ ‫بلل أبدا قسوة أمية بن خلف ووحشيته وقد ُ ّ َت على ظهره ضربا بالسياط ، مازال بلل ، حتى تلك‬ ‫سطر‬ ‫اللحظة ، يحس بضلوعه وهى تكاد تثني وتنكسر تحت ثقل الصخرة الهائلة الجائمة فوق صدره ، وها هى ذى‬ ‫لحظة قدرية نادرة تبزغ فجأة وكأنها تناديه كى يأخذ ثأره ويتخلص من كل عذاباته .‬ ‫يدعي بعض من كتبوا فى تاريخ السيرة أن بلل خاض المعركة وسيفه بيده حتى واجه أمية بن خلف ،‬ ‫فبارزه وقاتله حتى قتله . فى مقدمة هؤلء يقف عبد الرحمن الشرقاوى ، إذ نراه يقول : اندفع بلل بن رباح‬ ‫الطبرى ، جـ ٢ ، ص ٤٣-٥٣ .‬ ‫06‬
  • 46. ‫نحو أمية بن خلف ، وقاتله حتى قتله .. وحمل رأسه على سيفه وهو يرقص طربا تحت غبار المعركة الذى أخذ‬ ‫16‬ ‫ينقشع الن وفرسان مكة يفرون وصفوف قريش تتراجع .‬ ‫لم يكتب الستاذ الشرقاوى بقلم المؤرخ ، ولم ينظر بعين الناقد ، بل تحرك الكاتب المسرحي فى داخله‬ ‫وأشعل خياله ، فمسرح موقفا لم يحدث ، وجسد بطولة لم يشر إليها أى من كتاب السيرة . دفعه الحماس المتقد‬ ‫ولم يخضع لسلطان المنطق ، فأبدع عنترة بن شداد من نوع جديد .‬ ‫لقد عرف بلل بأنه مؤذن الرسول ، واشتهر بورعة وقوة إيمانه وصلبته فى مقاومة الشرك ، لكنه لم‬‫يشتهر بفروسية فى ميدان قتال أو ببطولة فى استخدام السيف . لقد كان أمية بن خلف فى صحبة ابنه على ، كان‬‫البن يلزم أباه كظله . ولو واجه بلل الثنين معا ما استطاع قتلهما ، أو قتل أى منهما ، وربما كانت نهايته هو‬ ‫هى القرب إلى الواقع المنطقي فى هذا المجال .‬ ‫ما حدث ، وما أجمعت عليه كتب التاريخ الذى يعالج الوقائع بل مبالغة أو تحريف، هو أن أمية بن خلف‬ ‫عندما تأكد من انكسار جيش قريش وهزيمته ، قرر أن يستسلم هو وولده وهو يعلم جيدا أن للسير حقوقا ل‬ ‫يمكن أن ينكرها محمد وأصحابه . رأى عبد الرحمن بن عوف ، فى جيش المسلمين وقد كان صديقا له فى‬ ‫مكة ، وهو يحمل أدرعا قد استلبها . ناداه ، قال : هل لك ف ّ فأنا خير من هذه الدراع التى معك . قال : نعم ها‬ ‫ى‬ ‫26‬ ‫ال إذن .‬ ‫طرح عبد الرحمن بن عوف الدراع وأخذ بيد أمية بن خلف ويد ابنه . لقد استأسرا، والسير فى الحرب‬ ‫ثروة خصوصا إذا كان من سادة القوم وأثريائهم ، فبقدر المنزلة والثراء تكون الدية . ربما لم تدر هذه الفكرة‬‫بخلد عبد الرحمن بن عوف ، ربما قاد أمية بن خلف وولده محافظا على حياتهما وفا ً لصداقة سابقة وود قديم ،‬ ‫ء‬ ‫والنبل دائما متأصل فى نفوس الكبار.‬ ‫لكن بلل ، من سوء حظ أمية وولده ، لمحهما فى صحبه عبد الرحمن . عندها صرخ وولول ومل الدنيا‬ ‫صياحا : رأس الكفر أمية بن خلف ، ل نجوت إن نجا . حاول عبد الرحمن بن عوف أن يوقف صراخه : أى‬‫بلل أنه أسيري . لكن بلل لم يكترث . واستمر فى الصراخ . عندها صاح عبد الرحمن : أتسمع يا ابن السوداء‬ ‫36‬ ‫؟‬ ‫ولم يسمع ابن السوداء . صرخ بأعلى صوته : يا أنصار ال ، رأس الكفر أمية بن خلف . ل نجوت إن‬ ‫نجا .‬ ‫لم يكن بيد أمية بن خلف سيف كى يدافع به عن نفسه ، وكذا لم يكن بيد ولده . لقد استأسرا . ولم يدر‬ ‫بخلدهما أن يقتل السير وقد ألقى طواعية بالسلح . أحيط بهما من كل جانب وتدافعت السيوف. حاول عبد‬ ‫الرحمن أن يدافع عن صاحبه وولده لكن ما أغني عنهما شيئا . تكاثرت السيوف ، هبروهما هبرا حتى فرغوا‬ ‫الشرقاوي ، ص ٦٨١.‬ ‫16‬ ‫ابن هشام ، جـ ٢ ، ص ٢٧٢ .‬ ‫26‬ ‫نفس المرجع ، ص ٣٧٢ .‬ ‫36‬
  • 47. ‫منهما . وسعد بلل وهو يرى السيوف تمزق السيرين العزلين . أنساه عذابه القديم عدالة الحق فى معاملة‬ ‫السير .‬ ‫انهزمت قريش . أدار من بقى من رجالها أعنة الجياد ورقاب النوق ، ومن لم يملك فرسا أو ناقة أطلق‬ ‫ساقيه مسابقا الريح ، كل يريد النجاة . لقد حلت الطامة . لم تكن هذه الهزيمة الكاسحة فى حسبانهم . خيل إليهم‬‫أنهم ل يقاتلون رجال – وقد عرفوا من قبل معدن الرجال وعركوه – إنما يقاتلون قوي فوقية ل قبل لهم بها ، ل‬ ‫يستطيعون مقاومتها أو الصمود لها ، وإل فما هو السر فى هذه الهزيمة الكارثة ؟ إنهم ل يدركون ول يفهمون.‬ ‫ولم يكن هناك وقت للتأمل والتفكير. السرع والسلم هو الفرار ، النجاة ، وبعدها يكون موقف وتدبير.‬ ‫اندفع المسلمون يجمعون الغنائم ويأسرون ، وللسير ثمن وهم يعلمون. كان النبى يرقب الموقف وهو‬‫على باب العريش ، يحرسه سعد بن معاذ وجماعة من النصار. تأمل النبى وجه سعد بن معاذ فرأى فيه كراهية‬‫لما يصنع الناس . قال النبي: وال لكأنك يا سعد تكره ما يصنع القوم ، قال : أجل وال يا رسول ال . كانت أول‬ ‫واقعة أوقعها ال بأهل الشرك ، فكان الثخان فى القتل أحب إل ّ من استبقاء الرجال .‬ ‫ى‬ ‫ُتل من المشركين سبعون ، وُسر منهم سبعون ، واستشهد من المسلمين أربعة عشر ، من المهاجرين‬ ‫أ‬ ‫ق‬ ‫ستة نفر ، ومن النصار ثمانية نفر.‬ ‫أمر النبى بدفن شهداء المسلمين فى قليب )أى فى حفرة( وأعلن أنهم أحياء عند ربهم يرزقون ، فرحين‬ ‫بما آتاهم . وأمر أن تجمع جثث قتلي المشركين وتطرح فى ُُب . لن يترك جثثهم طعاما للجوارح والكواسر ،‬ ‫قل‬ ‫أو كى تنتن وتتحلل فى العراء ، فالجسد النساني – مهما كانت عقيدة صاحبه – له حرمته .‬ ‫طرحت جثث المشركين فى القلب ، وأهيل عليها التراب ، باستثناء جثة أمية بن خلف – وكان فى حياته‬ ‫ضخما جسيما – ذلك لن الجثة بعد مقتلة انتفخت وتفرقت أعضاؤها عندما حاولوا تحريكها . لذا أمر النبى أن‬ ‫يلقوا عليه من التراب والحجارة ما ُ َ ّ ُه ، أي ما يغطي الجثة ول يظهر منها شيئا.‬ ‫يغيب‬‫التفت النبى إلى أبى حذيفة بن ربيعة ، فإذا بالكآبة تشع من وجهة والحزن يطل من عينيه : كانوا يسحبون‬ ‫جسد أبيه عتبة بن ربيعة كى يلقى فى القليب . قال له النبى : يا أبا حذيفة ، لعلك دخلك من أمر أبيك شيئ . قال‬ ‫أبو حذيفة : ل وال يا نبي ال ، ما شككت فى أبى ول فى مصرعه ، ولكنى كنت أعرف من أبى رأيا وحلما‬ ‫وفضل ، فكنت أرجو أن يهديه ذلك إلى السلم ، فلما رأيت ما أصابه ، وذكرت ما مات عليه من الكفر بعد‬ ‫46‬ ‫الذى كنت أرجو له ، حزنني ذلك .‬ ‫ولقد كان أبو حذيفة على حق ، فقد كان أبوه صاحب فضل وحلم ، كما سبق وأوضحنا . لكن اليام لم‬ ‫تمهله فاشترك فى معركة ما كان يريد خوضها ، وقتل فى حرب حاول قدر المستطاع أن يتجنبها .. ولم‬ ‫يستطع .‬ ‫الطبرى ، جـ ٢ ، ص ٧٣.‬ ‫46‬
  • 48. ‫خرج النبى فى جوف الليل ، تجول حيث وقع القتال ، تأمل القلب حيث طرح سادة مكة وكبراؤها ، هؤلء‬‫الذين اضطهدوه وآذوه وأخرجوه ، ولم يكتفوا بذلك بل خرجوا إلى حيث كان كي يضعوا حدا لوجوده وما يدعو‬ ‫إليه . والنتيجة : هاهم العتاة الجبابرة جثثا يواريها التراب .‬ ‫وقف النبى على القلب ، وقد دارت بمخيلته أحداث السنين منذ بدء النبوة ، قال : يا أهل القليب ، بئس‬ ‫عشيرة النبي كنتم لنبيكم : كذبتموني وصدقني الناس ، وأخرجتموني وآواني الناس ، وقاتلتموني ونصرني‬ ‫الناس .. يا أهل القليب ، يا عتبة بن ربيعة ، ويا شيبة بن ربيعة ، ويا أمية بن خلف ، ويا أبا جهل بن هشام ..‬ ‫هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا ؟ فإنى قد وجدت ما وعدني ربى حقا .‬ ‫قال بعض من حضر وسمع : يا رسول ال ، أ ُنادى قوما َ ّفوا ؟ قال : ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ،‬ ‫جي‬ ‫ت‬ ‫56‬ ‫ولكنهم ل يستطيعون أن يجيبوني .‬ ‫إنهم ل يسمعون بالمعني المتعارف عليه كما يسمع البشر ، لنهم فقدوا بشريتهم بالموت : " وما أنت‬ ‫بمسمع من فى القبور" )فاطر : 22( ، لكن أرواحهم لبد وأن قد أدركت صدق ما يقول .‬ ‫أرسل النبى إلى أهل المدينة يبشرهم بنصر ال . بعث عبد ال بن رواحه إلى أهل "العالية" وزيد بن‬ ‫حارثة إلى أهل " السافلة " . وصل البشير وقد ماتت رقية وووريت التراب ، وكأن ال بهذه البشرى أراد أن‬ ‫يخفف من أحزان زوجها عثمان بن عفان الذى تخلف عن المعركة ، بإذن من النبي ، كى يرعاها فى مرضها‬ ‫الخير.‬ ‫انتشرت أخبار هزيمة قريش ونصر المسلمين . وسمي اليوم بحق يوم الفرقان. وكان يوم الفرقان هذا هو‬‫البداية ، بداية انتشار دين ال فى كل أنحاء جزيرة العرب ، ثم بعد ذلك فى كل أرجاء الدنيا ، ل توقفه قوة . كان‬ ‫قدر ال .‬ ‫ويعزي مونتمجرى وت أسباب نصر المسلمين فى موقعة بدر إلى عدة عوامل ، ل تزيد فى قليل أو كثير‬ ‫عما ذكرناه من قبل ، لكنا نشير إليها كمثل لما يسجله بعض الكتاب المنصفين فى الغرب ، فليس كل من َ َب‬ ‫كت‬ ‫فى الغرب تحامل وأساء ، وإن كانت القلة من صفوة الصفوة الفكرية هى التى سجلت حقائق التاريخ فى تجرد‬ ‫موضوعي غير متحيز .‬ ‫يقول مونتمجرى وت : عدة عوامل مجتمعة ساهمت فى النصر المؤ ّر الذى أحرزة المسلمون ، أهمها :‬ ‫ز‬ ‫1-نقص الوحدة فى صفوف القريشيين .. فبسبب ارتداد البعض نقص عددهم من ما يقرب 059 إلى ما‬ ‫يقرب 006 أو 007 وحتى هؤلء الذين لم ينسحبوا ، لم يكن أغلبهم يؤيد سياسة أبى جهل تأييدا‬ ‫كامل .‬ ‫ابن هشام ، جـ ٢ ، ص ٨٢١.‬ ‫56‬
  • 49. ‫2-كانت ثقتهم فى أنفسهم زائدة عن الحد بسبب ثرائهم العريض الذي كان يرجع جزئيا إلى سيطرتهم‬ ‫الكاملة على الجزء الغربى من شبه جزيرة العرب . هذا إلى جانب استهانتهم بهؤلء الذين‬ ‫يواجهونهم عددا وعتادا .‬ ‫3-لم يكن القريشيون قد خاضوا معارك جادة منذ حوالى عام 095م ، وربما أثر فيهم رغد العيش‬ ‫فأصبحوا أكثر نعومة .‬ ‫4-كان بين المشركين عدد كبير من كبار السن ، بينما كان أغلب المهاجرين شبابا فى قمة لياقتهم‬ ‫الجسدية .‬ ‫5-قيادة محمد الفاهمة الواعية جعلت المسلمين فى وضع تكتيكي أفضل .‬ ‫6-ربما عاني القريشيون من شدة العطش .‬ ‫7-كان المسلمون يحاربون بشجاعة مطلقة ، دون أدني خوف ، وذلك ليمانهم بالنصر أو الشهادة .‬ ‫66‬ ‫والموت فى سيبل ال يعني لهم الخلود فيما وعدوا به:الجنة.‬ ‫لم ينكر مونتمجرى على المسلمين شدة بأسهم بسبب قوة إيمانهم ، ونص صراحة على أنهم كانوا‬ ‫يحاربون دفاعا عن عقيدتهم لنصرة الدين الذي بشر به محمد . وبقوة إيمانهم أصبح أصحاب محمد ربانيين‬ ‫ليخشون من البشر أحدا ، أعماقهم تتوق إلى الشهادة ، رخيصة أرواحهم فى سبيل ال . وفى هذا رد شديد‬ ‫الوضوح ، شديد القوة ، شديد الوقع ، على من يدعون أن معركة بدر كانت فى سبيل متاع دنيوى رخيص‬ ‫وزائل.‬ ‫01- النفــال :‬ ‫قبل أن نسترسل فى شرح هذه النقطة نود أول أن نفسر معني كلمة "النفال". نرجع فى تفسيرنا هذا إلى‬ ‫ما ذكره الشيخ محمد علي الصابوني فى تفسير آيات الحكام ، حيث يقول : النفال جمع " نفل " ... والمراد‬ ‫هنا الغنيمة . وأصل " النفل " بالسكون الزيادة ، ومنه صلة النافلة لنها زيادة على الفريضة الواجبة .‬‫لكن هل الغنيمة والفئ شئ واحد ؟ قال بعضهم : الغنيمة ما أخذ عنوة من الكفار فى الحرب. والفئ ما أخذ‬ ‫بغير قتال أى عن صلح. وقيل : الغنيمة والفئ بمعني واحد . لكن الرأى الصحيح هو الرأى الول .‬ ‫والغنائم تخمس ومعني التخمس أن يصرف خمسها فيما ذكره ال لليتامي والمساكين وابن السبيل ..‬ ‫ويوزع الباقي وهو أربعة أخماس بين الغانمين . ورأي جمهور العلماء هو: أن يعطي الفارس سهمين ويعطي‬ ‫الراجل سهما واحدا ، ذلك لن الذى يركب الفرس يحتاج إلى نفقة لفرسه ويكون بلؤه فى الحرب أعظم ،‬ ‫76‬ ‫ولذلك فإن الشارع الحكيم راعي هذه الناحية فزاده فى القسمة فأعطي سهما له وسهما لفرسه .‬ ‫66‬ ‫.31 .‪Montgomery Watt, Muhammad at Madina, p‬‬ ‫76 الصابوني ، تفسير آيات الحكام ، جـ ١ ، ص ٠٠٦ .‬
  • 50. ‫انهزم المشركون مخلفين وراءهم ما جاءوا به من مكة : العير والسلح والمؤن ، والفا ّ ل يلوى على‬ ‫ر‬ ‫شئ ، ل يهمه إل النجاة والعودة بسلم ، إن استطاع ، من‬ ‫حيث جاء .‬‫وجد المسلمون أنفسهم أمام غنيمة كبيرة .. أول ما غنموه فى حرب ضروس . لم يكن لهذا الموقف سابقة‬ ‫يحتذون بها ويسيرون على نهجها ، لهذا اختلفوا : انقسموا إلى ثلث فرق ، قال من جمع ما تركه المشركون‬ ‫ومن سلب ، هو لنا. وما كانوا على صواب، إذ قال الذين كانوا يقاتلون العدو ويطلبونه : وال لول نحن ما‬ ‫أصبتموه ، لنحن شغلنا عنكم القوم حتى أصبتم ما أصبتم . وقال فريق ثالث ، هؤلء الذين كانوا يحرسون‬‫النبى : وال ما أنتم بأحق به منا ، لقد رأينا أن نقتل العدو إذ منحنا ال تعالى أكتافهم ، ولقد رأينا أن نأخذ المتاع‬ ‫حين لم يكن دونه من يمنعه ، لكنا خفنا على رسول ال صلى ال عليه وسلم َ ّة العدو ، فقمنا دونه ، فما أنتم‬ ‫كر‬ ‫86‬ ‫بأحق به منا .‬ ‫يوقف النبى كل هذا النزاع . فى الحال ، فكل ما غنموه ل يستحق الخصام وإثارة العداء . كان على‬ ‫و لم أنم غن ت م ش ء فأن ِ خمسه‬ ‫الجميع أن يسمعوا ويطيعوا . المر متروك ل والرسول : " َاعَْ ُواْ َ ّ َا َ ِمْ ُم ّن َيْ ٍ َ َ ّ ّ ُ ُ َ ُ‬ ‫ل‬ ‫سب ل إ ك ت م ت ب ل وم أ ز ن عل ع دن ي م‬ ‫َِل ّ ُولِ َِ ِي الْ ُرْ َى َالْ َ َا َى َالْ َ َا ِينِ َابْنِ ال ّ ِي ِ ِن ُن ُمْ آ َن ُمْ ِا ّ َ َا َن َلْ َا ََى َبْ ِ َا َوْ َ‬ ‫ول رس ولذ ق ب و يت م و مس ك و‬ ‫الْ ُرْ َا ِ َوْ َ الْ َ َى الْ َمْ َا ِ َا ّ ََى ُ ّ َيْ ٍ َ ِير " )النفال : 14( . هكذا ق ّم بينهم بالتساوى كل ما‬ ‫س‬ ‫ف ق ن ي م تق ج ع ن و ل عل كل ش ء قد‬‫جمعوه - مائة وخمسين من البل ، وعشرة خيول ، ومعدات ودروع – بعد أن أخذ منه الخمس لنفاقه فيما أمر‬ ‫ال .‬ ‫توجه سعد بن أبى وقاص إلى النبى بسؤال ، يستفسر ، قال : أتعطي فارس القوم الذىيحميهم مثل ما‬ ‫96‬ ‫يعطي الضعيف ؟ ورد النبي وهو يبتسم فى لطف : وهل ُنصرون إل بضعفائكم ؟‬ ‫ت‬ ‫11- السـري:‬ ‫انتهت مشكلة الغنائم ، شق النبى طريقة إلى المدينة ومعه السرى ، حتى إذا كان " بالروحاء " لقيه‬ ‫المسلمون ، كل يهنئ بالنصر وبما أفاء ال عليه وعلى المسلمين . عندها قال أحد أصحاب النبي – سلمة بن‬‫سلمة – وقد استخفه النصر : ما الذى تهنئوننا عليه . فوال إن لقينا إل عجائز ُلْعاً كالبدن المعلقة فنحرناها .‬ ‫ص‬ ‫قال النبى في أسي : " أى ابن أخي أولئك المل " ، أى أولئك أشراف قريش ورؤساؤها .‬‫كان بين المرموقين من أسرى بدر السبعين سهيل بن عمرو- سيد بن عامر- ابن عم سودة زوجة النبى ،‬‫وعمرو بن أبى سفيان ، والنصر بن الحرث ، وعتبة بن أبى معيط ، هؤلء إلى جانب العباس بن عبد المطلب‬ ‫ابن هشام ، جـ ٢ ، ص ٤٨٢.‬ ‫86‬ ‫شوقى ضيف ، محمد ، ص ٦١٢ .‬ ‫96‬
  • 51. ‫عم النبى ، وأبى العاص بن الربيع زوج زينب ابنة النبى. ولقد أصدر النبى أوامره بحسن معاملة السرى ،‬ ‫رغم وضعهم فى القيود .‬‫عندما وصل النبى " الصفراء " أمر بقتل النضر بن الحارث. ويقال إن الذى قتله هو على بن أبى طالب.‬ ‫والسبب فى المر بقتله هو أنه كان شديد العداء للسلم فى مكة. كان يسفه كلم النبي ويدعو الناس لزدرائه ،‬ ‫محاول إقناعهم أنه هو نفسه أكثر بلغة وأفصح لسانا ، وأن ما يقول به محمد ما هو إل أساطير الولين قصها‬ ‫عليه البعض ، وكل ما يفعله هو أن يحكي الرواية ويعيد القص .‬ ‫كان ال ّضْر بن الحارث كثير السفار ، واسع الطلع ، يعرف الكثير عن ملوك الفرس وما نسج حولهم‬ ‫ن‬ ‫من أساطير. وكلما انتهي النبى من حديثه جوار الكعبة ، كان ذلك النضر يجمع الناس حوله ويقص عليهم من‬‫الحكايات ما يحاول به إفساد كل تأثير تركه النبى فيمن حوله . كان يدعي أنه هو الكثر صدقا ، والعلى مقاما.‬‫هذا إلي جانب أنه كان حامل لواء قريش . لذا وجب قتله كي يكون فى قتله عبرة لهل الشرك ، وكى ل يعود –‬ ‫إذا ما وهبت له الحياة – فيفعل ما اعتاد فعله من قبل ، ويغدو سهما ساما موجها طوال الوقت إلى قلوب‬ ‫المسلمين .‬ ‫بعدها أمر النبى بقتل أسير آخر. هو عقبة بن أبى معيط ، وكان عقبة هذا ُوصف بأنه من شياطين‬ ‫ي‬‫قريش . اضطهد النبي فى مكة وأساء إليه فى تجبر ل أخلقي ، وفى جبروت وحشى ، وقد بلغت به القسوة الل‬‫إنسانية يوما أن وضع رجله على عنق النبى وهو ساجد يصلى ، وضغط بكل قواه حتى غامت الرؤيا أمام عينى‬ ‫النبى . كان سلوكه يتسم بالخسة والوضاعة ، إذ اختار لحظة ل يستطيع فيها النبي الدفاع عن نفسه . هذا إلى‬ ‫جانب أنه كان من كبار المحرضين على الحرب بغية القضاء على محمد .‬ ‫ويروي ابن إسحق أن عقبة ، حين أمر النبى بقتله ، قال : أتقتلني يا محمد من بين قريش ؟ قال : نعم .‬ ‫صاح عقبة : فمن للصبية يا محمد ؟ قال : النبى : النار!! فقتله عاصم بن ثابت النصارى ويقال قتله على بن‬ ‫07‬ ‫أبى طالب .‬ ‫صيحة عقبة : من للصبية يا محمد ، ورد النبى : النار ، يستحقان لحظة‬ ‫تفكير وتأمل .‬ ‫من أين أتي ابن إسحق بهذا الكلم ؟ ما هو مصدره ؟ من الذى رواه ؟ هل سمعه أحد الصحابة فرواه‬ ‫والصحابة مصدر ثقة من الصعب أن يكذبهم أحد ؟ هل أشار النبى بنفسه إلى ما دار – إذا كان فعل قد دار –‬ ‫بينه وبين عقبة قبل قتله ؟ هل تحدث به لمن ساروا معه فى طريق العودة أو صرح به للمسلمين وهم جلوس‬ ‫حوله فى المسجد ؟‬‫ابن إسحق ل يذكر مصدره ، ول يخبرنا بمن رواه . لم ينقل أى من الصحابة هذا الحوار ، ولو رواه النبى‬ ‫بنفسه لشاع بين المسلمين وتناقله الناس . هذا لم يحدث ، لنه لو كان قد حدث لذكر ابن إسحق أسماء من أخذ‬ ‫ابن هشام ، جـ ٢ ، ص ٧٨٢.‬ ‫07‬
  • 52. ‫عنهم ، كما هى عادته ، فهو يقول - على سبيل المثال – فى ذكر موقف سودة زوجة النبى حيال السارى :‬ ‫وحدثني عبد ال بن أبى بكر ، أن يحيى بن عبد ال بن عبد الرحمن بن أسعد بن زراده قال 17...‬ ‫ابن إسحق ، إذن ، في أغلب ما ينقل عنه ، يذكر اسم أو أسماء الرواة. أما فى هذا الموقف شديد الدقة ،‬ ‫شديد الحساسية ، فيما يختص بسلوك النبى ، فهو ل يذكر أحدا.‬ ‫وينقل عنه الطبرى يقول : قال محمد بن أبى إسحق : كما حدثني بعض أهل العلم من أهل مكة ، قال : ثم‬ ‫خرج رسول ال حتى إذا كان بعرْق الظبية ، قتل عقبة بن أبى معيط ، فقال حين أمر به الرسول أن يقتل : فمن‬ ‫للصبية يا محمد ، قال : النار.‬ ‫والسؤال هنا : من هم هؤلء بعض أهل العلم من أهل مكة ؟ الطبري بالطبع ل يعرف ، ولو قد عرف‬ ‫لذكر . وابن إسحق هو أيضا ل يعرف ، ولو قد عرف لكتب أسماء " أهل العلم من أهل مكة " ، كل السماء .‬ ‫والواضح أنه كان ل يعرف . وربما كان يعرف ثم تاهت من ذاكرته السماء ، عندها كان من الفضل له أل‬‫يكتب . إنه يكتب عن النبى الخاتم ، ل عن نبى من المعدودين بالعشرات فى بنى إسرائيل ، وكان عليه أن يدرك‬ ‫مقدار خطورة ما يكتب .‬ ‫على أية حال ، نحن ل نتفق مع ابن إسحق فى روايته . ل نأخذ برأيه ول نصدقه. فما ذنب الصبية الذين‬ ‫لم يسيئوا ، ولم يخطئوا ، ولم يقاتلوا ، وربما كانوا فى مرحلة الفطرة ل يدركون معني ما يحدث حولهم ، ول‬ ‫صلة لهم مطلقا بما فعل أبوهم ؟ ما جاء النبى سوط عذاب متلفعا بألسنة من نار جهنم حاشا ل. ما كتبه ابن‬ ‫إسحق ما كان يجب أن يكتب أبدا عن نبى المرحمة .‬ ‫المثير للستياء ، أن أغلب كتاب السيرة من القدامي ، كالطبري ، وأغلب كتاب السيرة من المحدثين ،‬ ‫وعلى رأسهم الدكتور محمد حسين هيكل ، نقلوا ما كتبه ابن إسحق نقل حرفيا دون تعليق ، أى دون دراسة أو‬ ‫تحليل أو تقييم ، وكأن المر رغم خطورته – فقد تلقفه المستشرقون وبالغوا فيه وأساءوا للنبى – ل يعنيهم فى‬ ‫قليل أو كثير. اكتفوا بالنقل والصمت ، إيثارا للسلمة ، إذ ربما ترتفع أصوات بعض المتفيقهين، المتشنجين ،‬ ‫المتسربلين بالجهل ، موجهين لهم التهام بالزندقة والكفر. وهذا جائز فى زمن يتم فيه التجار بالدين .‬‫لقد جذبت هذه النقطة بالذات انتباه كاتبة غربية ، أثارت دهشتها فلم تستطع تجازوها دون أن تعلق عليها ،‬ ‫على عكس مؤرخينا " الفاضل " الذين أحجموا عن التعليق. تقول بيتى كيلين : استعطف الرجل النبى كى ل‬ ‫يقتله قائل : من لولدى يا محمد. وكان رد النبى: النار . وهذه القصة الشهيرة مثار جدل ، وليس من اليسير‬ ‫27‬ ‫تصديقها ، ومن الصعب أيضا تفسير وجودها فى كتب التراث دون توثيق يعتد به .‬ ‫ويرى بعض المستشرقين أن قتل السيرين كان عمل بالغ القسوة ، إذ أظهر بوضوح ما يعتمل فى صدر‬ ‫محمد من رغبة فى إراقة الدماء . وبنا ً عليه أسسوا نظرياتهم الخائبة التى حاولوا أن يثبتوا بها أن محمدا قد‬ ‫ء‬ ‫نشر نفوذه بحد السيف .‬ ‫17 ابن هشام ، جـ ٢ ، ص ٧٨٢.‬ ‫27‬ ‫.921 .‪Betty Kelen, p‬‬
  • 53. ‫هؤلء المستشرقون لم يستوعبوا الموقف ، ولم يدرسوا الخلفية التاريخية لما حدث. ولم يستطيعوا تصور‬ ‫الزمان والمكان حيث وقعت الحداث ، وجهلوا جهل فاضحا ما فعله القريشيان بالنبى وأصحابه فى مكة .‬ ‫حكموا على الظاهر ، وعجزوا عن الخوض فى العماق لستجلء الحقيقة . ولو كان النبي دمويا كما‬ ‫يزعمون ، لذبح السرى جميعا دون أدني تردد أو تفكير ، لكنه لم يفعل كما سنشرح بالتفصيل .‬ ‫رغم ذلك نجد من بين المستشرقين من يتفهم الموقف ويصدر حكما موضوعيا فى غير انحياز. يقول‬‫مونتجمرى وت : لم يأمر محمد بقتل السرى ، على العكس ، كان يريد أن يكسب قلوب أهل مكة . لكنه استثني‬ ‫من سياسته اللينة الرقيقة عقبة بن أبى معيط الذى أعدم بسبب عدائه السابق لمحمد ، وعلى الخص بسبب‬ ‫القصائد التى ألفها فى هجاء " النبي" . ولقد أعدم كذلك النضر بن الحارث الذى أدعي أن قصصه عن بلد‬ ‫37‬ ‫فارس وما فيها ل تقل قدرا عن قصص القرآن .‬ ‫يناقش عباس محمود العقاد ما أخذه بعض المستشرقين على النبى من قتل بعض السرى بعد غزوة بدر‬ ‫وخروجه إلى ساحة القتال لرؤية صرعي المعركة بعد انتهائها ، بقوله : هو أمر ل يصح الحكم فيه إل بالنظر‬ ‫إلى موضعه وموقعه وأشخاصه ، لنه ليس بالحكم العام الذى اتبعه السلم فى جميع السري وجميع‬ ‫الحروب ، وإنما هى حالة أفراد كانوا معروفين بتعذيب المسلمين والتنكيل بهم فى غير مبالة ول نخوة .. فقتل‬ ‫السرى بعد بدر إن هو إل قصاص كقصاص المتهمين بالتعذيب وقد وقعوا فى أيدى من يتولى عقابهم من‬ ‫47‬ ‫الغالبين .‬ ‫والذين يتباكون من كتبه اليهود والنصارى على مقتل اثنين فقط من المشركين فى أول معارك النبى‬‫ويتهمونه بأنه يميل إلى سفك الدماء ، نسوا ما جاء فى كتابهم "المقدس" الذى يضم " العهد القديم " ، وهو كتاب‬ ‫اليهود ، و " العهد الجديد " وهو كتاب المسيحيين الذين يؤمنون أيضا بما جاء فى " العهد القديم " .. نسى‬ ‫هؤلء وهؤلء البشاعات الل إنسانية التى زعموا أن الرب قد أمرهم باقترافها ، فأقدموا عليها فى وحشية ل‬ ‫بشرية . تنفيذا – كما يقولون – لوامر الرب .‬ ‫فى سفر " التثنية " يقول الرب : " فضربا تضرب سكان تلك المدينة بحد السيف و ُح ّمها بكل ما فيها‬ ‫ت ر‬ ‫مع بهائمها بحد السيف . تجمع كل أمتعتها إلى وسط ساحتها وتحرق بالنار المدينة وكل أمتعتها كاملة للرب‬ ‫إلهك فتكون تل إلى البد ل تبنى بعد " )تثنية 31 : 51-61( .‬‫وفى سفر يشوع يأمر " الرب " جميع إسرائيل بالرجوع إلى "عاي" وبضربها بحد السيف: " فكان جميع‬ ‫الذين سقطوا فى ذلك اليوم من رجال ونساء اثني عشر ألفا جميع أهل عاي.. لكن البهائم وغنيمة تلك المدينة‬‫نهبها إسرائيل لنفسهم حسب قول الرب الذى أمر به يشوع. وأحرق يشوع عاى وجعلها تل أبديا خربا إلى هذا‬ ‫اليوم. و َِك عاى علقة على الخشبة إلى وقت المساء " )يشوع 8 : 52- 92( .‬ ‫مل‬ ‫37‬ ‫. 21 .‪Montgomery Watt, Muhammad at Madina, p‬‬ ‫47 عباس محمود العقاد ، محمد ، ص ١٥ .‬
  • 54. ‫الذين قام بنو إسرائيل بقتلهم حسب أمر الرب – كما يدعون – بلغوا إثني عشر ألفا فى يوم واحد. هذا إلي‬ ‫جانب حرق المدينة بأكملها ، وتعليق ملكها- أى صلبه – على الخشبة حتى المساء ، ثم طرح جثته عند باب‬ ‫المدينة .. كل هذا بأمر " الرب ".‬ ‫هذا ما جاء فى "الكتاب المقدس" الذى يؤمن به اليهود والمسيحيون سواء ، ولم يجرؤ كاتب واحد من‬ ‫كتبتهم على مناقشة هذه الوحشية الكاسرة . إثنا عشر ألفا تم قتلهم فى يوم واحد . ورغم ذلك يتباكى عبدة "‬ ‫الكتاب المقدس " لن محمدا أمر بقتل اثنين فقط ممن آذوه ، وأهانوا المسلمين . وأساءوا للسلم . اثنان فقط‬ ‫أصدر النبى حكما عادل عقابا لهم . لكن هذا السلوك أغضب " الرحماء " من عبدة رب " الكتاب المقدس "‬ ‫وهم بالطبع يتخيلون ان ل أحد غيرهم يقرأ كتابهم المغموس فى البشاعات الدموية لـ‬ ‫" رب الجنود ".‬‫ومن غرائب الشياء أن سللة هؤلء القتلة باسم الرب ، يعيدون الن نفس ما قام به أجدادهم ، منذ قرون‬ ‫طويلة ، بنفس الوحشية الهمجية ، باسم الرب تحت راية الصليب القائم على نجمة داود . ويعلن طاغوت القرن‬ ‫الحادي والعشرين أن الرب أوحي إليه بما أوحي فأقدم على فعل ما فعل : دمر المدن وحرقها ، كما فعل يشوع‬ ‫بن نون فى " العهد القديم " وإن كان يشوع قد قتل إثنا عشر ألفا من الرجال والنساء ، فإن يشوع العصر‬ ‫الحديث قد قتل أكثر من ستمائة ألف من الرجال والنساء والطفال والشيوخ فى أقل من عام . واقترف جنوده‬ ‫فى بلد ما بين النهرين تحت راية الصليب جرائم تعتبر سبة وعارا فى جبين البشرية . وسائل تعذيب السرى‬‫وازدرائهم وإذللهم ما تزال ماثلة فى الذهان : الصعق بالكهرباء ، تقطيع الوصال ، اغتصاب الرجال والنساء‬ ‫والصبية ، سحب الرجال من رقابهم بسلسل كما الكلب ، ممارسة الشذوذ الجنسى بكل أنواعه حسب ما‬ ‫تعلموه فى بلدهم المسيحي المتصهين .. كل هذا حدث ، ويحدث ، كما يقول رئيسهم ، تحت راية الصليب ، لقد‬ ‫أعلن " اليشوع الجديد " صراحة أنه يقوم بحرب صليبية تحت راية الرب .‬ ‫هل هناك فساد وانحطاط فى العقيدة والفكر والسلوك أكثر من هذا الفساد والنحطاط؟ ويتبارى معه ، بل‬ ‫ويبزه فى البادة والقتل والحرق والتدمير، سفاحو إسرائيل فى أرض فلسطين . ثم يتباكي كتبتهم لن النبى أمر‬ ‫بقتل اثنين فقط جزاءً لما اقترفوه من جرائم تستحق القتل .‬ ‫لن نلعنهم ، كما أمرهم " رب الجنود " بلعن أعدائهم وإبادتهم إبادة كاملة بالسيف والنار ، لكنا نقول : إن‬ ‫تلك المبراطورية التى بغى سادتها لن تعمر طويل ذلك لن بذور سقوطها مغروسة فى أعماقها .‬ ‫وصل السرى إلى المدينة . أمر النبى بحسن معاملتهم : استوصوا بالسارى خيرا. وبالغ أصحاب النبى‬‫فى إكرامهم لدرجة أن فضلهم البعض على نفسه فى المأكل والمشرب ، خصوهم بأفضل ما عندهم ، واكتفوا هم‬‫عند الضرورة بالتمر ، اتبعوا وصية النبى على أمل أن تلين قلوب الذين كفروا فيؤمنوا ويصبحوا قوة فاعلة فى‬ ‫نصرة السلم بدل من أن يستمروا فى عداوتهم له .‬
  • 55. ‫حزن النبى عندما رأى عمه العباس بن عبد المطلب ، وزوج ابنته أبا العاص بن الربيع ، مكبلين‬ ‫بالغلل ، لكنه لم يتخذ بشأنهما قرارا حتى يرجع إلى ما يقره المسلمون فى أمر السرى جميعا ، ولم يكن قد‬ ‫نزل فيما يخصهم وحي بعد .‬‫لكن حزن سودة ، زوج النبي ، على أسير من ذوى قرابتها أثار فيها موجة مفاجئة من موجات الغضب ،‬ ‫فعبرت باندفاع عما جال بخاطرها وسمعها النبى . كانت عند آل عفراء تواسيهم وتشترك فى مناحتهم على‬ ‫عوف ومعوز ابنى عفراء . وقد استشهدوا فى بدر. وعندما وصلت بيتها ، فوجئت بأبى يزيد سهيل بن عمرو ،‬ ‫ابن عمها، فى ركن الغرفة وقد قيدت يداه وجمعتا إلى عنقه بحبل . ما ملكت نفسها حين رأت سيد قومه فى هذه‬ ‫الحالة المزرية ، صاحت : يا أبا يزيد ، أعطيتم بأيديكم ، أل‬ ‫متم كراما !!‬ ‫كان النبى داخل البيت ، وفوجئ برنين الكلمات ، قال : يا سودة أعلى ال وعلى رسوله ؟ اعتبر أن فى‬ ‫كلماتها تحريضا. قالت وقد أرعدتها المفاجأة : يا رسول ال . والذى بعثك بالحق ما ملكت نفسى حين رأيت أبا‬ ‫57‬ ‫يزيد مجموعة يداه إلى عنقه بحبل أن قلت ما قلت .‬ ‫تدعي بيتى كيلين أن الخوف سيطر على سودة فبكت ، وبكت معها عائشة وهى ترجو النبى أن يصفح‬‫عنها فقد كانت تعتمد عليها فى الكثير من أمورها . وربما كان هذا هو الوقت الذى أّ ِقَ فيه على أن تكون سودة‬ ‫ُتف‬ ‫مجرد راعية لشئون البيت أكثر‬ ‫67‬ ‫منها زوجة .‬ ‫استشار النبى أصحابه فى أمر السرى : القتل : أو الفداء ، أو العفو. كان يريد أن يستمع إلى آرائهم قبل‬ ‫أن يتخذ قراره . قال أبو بكر: يا رسول ال ، قومك وأهلك ، استبقهم ، ع ّ ال يتوب عليهم. أما عمر فاشتد‬ ‫ل‬ ‫وطلب قتلهم ، قال : يا رسول ال ، أخرجوك وكذبوك ، فاضرب أعناقهم . ثم زاد عبد ال بن رواحة على ما‬ ‫قاله عمر فى شدة عنفه ، قال : يا رسول ال ، انظر واديا كثير الحطب فأدخلهم ثم أضرم عليهم نارا.‬‫استمع النبى إلى رأيين متناقضين : رأى أبى بكر وهو يطالب بالسماحة والرحمة والعفو ، فأصبح مثله –‬‫كما قال النبى – كمثل إبراهيم الذى قال : " َف َن َ ِ َ ِي َ ِ ّ ُ ِ ّي َ َنْ َ َا ِي َ ِ ّ َ َ ُو ٌ ّ ِي ٌ " )إبراهيم‬ ‫م تبعن فإنه من وم عص ن فإنك غف ر رح م‬ ‫: 63( ، وكمثل عيسى الذى قال : " ِن ُ َ ّبْ ُمْ َ ِ ّ ُمْ ِ َا ُ َ َِن َغْ ِرْ َ ُمْ َ ِ ّ َ َن َ الْ َ ِي ُ الْ َ ِي ُ "‬ ‫إ تعذ ه فإنه عب دك وإ ت ف له فإنك أ ت عز ز حك م‬ ‫)المائدة : 811( : الرحمة والمغفرة وترك المر لمن خلق العباد ، يغفر لهم أو يعذبهم ، كما تشاء قدرته .‬ ‫أما الرأي الخر ، وهو لعمر بن الخطاب ، فيحض على العنف ، بل وتصل درجة القسوة بابن رواحه ،‬ ‫رب ل‬ ‫فى تأييده لرأى عمر ، إلى المطالبة بحرقهم. وفى هذا يقول النبى : إن مثل عمر كمثل نوح ، قال : " ّ ّ َ‬ ‫57 الطبرى ، جـ ٢ ، ص ٩٣ .‬ ‫67‬ ‫.031 .‪Betty Kelen, p‬‬
  • 56. ‫)نوح : 62( ، وكمثل موسى. قال : " َ ّ َا اطْ ِسْ ََى‬ ‫ربن م عل‬ ‫َ َرْ ََى ا َرْ ِ ِ َ الْ َا ِ ِي َ َ ّا ًا"‬ ‫تذ عل لْ ض من ك فر ن دي ر‬ ‫َمْ َاِ ِمْ َاشْ ُدْ ََى ُُو ِ ِمْ َ َ ُؤْ ِ ُواْ َ ّى َ َ ُاْ الْ َ َا َ ا َِيم " )يونس : 88( .‬ ‫أ و له و د عل قل به فل ي من حت يرو عذ ب لل َ‬‫ما كان النبى ليأخذ برأى عمر ، ما كان متعطشا لسفك الدماء وتدمير البشر، ما لهذا جاء . لقد جاء رحمة‬ ‫للعالمين ، ل نذير دمار أو سوط عذاب. إنه الرحمة المهداة .‬‫اختار النبى الفداء لمن يستطيع وكان أغلب السرى على قدر من ثراء ، كما اختار الم ّ على من ل يملك‬ ‫ن‬ ‫مال أو من كان يظن أن فى المن عليه كسب للمسلمين . وكان بين من َ ّ عليهم النبى أبى عزة عمرو بن عبد‬ ‫من‬ ‫ال بن عثمان بن أهيب بن حذافة بن جمح ، وكان محتاجا ذا بنات ، قال : يا رسول ال ، لقد عرفت مالى من‬ ‫مال ، وإني لذو حاجة وذو عيال ، فامنن عل ّ . فم ّ عليه رسول ال صلى ال عليه وسلم وأخذ عليه أن ل‬ ‫ى ن‬ ‫يظاهر عليه أحد ) أى ل يعاديه ول يعين عليه أحدا ( ، فأمنه النبى وأطلق سراحه دون فداء . وكتب أبو عزة‬ ‫شعرا يمتدح النبى اعترافا بفضله .77 لكنه بعد أن أطلق سراحه نكث بعهده ، لم يوف بما وعد ، اشترك مع‬ ‫قريش فى معركة أحد ، وعاد لمحاربة النبى وقتال المسلمين ، وتم أسره . عندها أمر النبى بقتله جزاء خيانته‬ ‫وغدره .‬ ‫وم ّ النبى أيضا على بعض السرى مقابل أن يقوم كل واحد منهم بتعليم عشرة من أهل المدينة القراءة‬ ‫ن‬ ‫والكتابة ، هذا معناه أن النبى كان ُعد لقيام دولة قوامها اليمان، والقوة والعلم .‬ ‫ي‬ ‫من أشهر الشخصيات التى م ّ عليها النبى : أبو العاص بن الربيع ، زوج زينب ابنة النبي. وابن أخت‬ ‫ن‬ ‫السيدة خديجة . كانت السيدة خديجة هى التى سألت النبى أن يزوجه زينب ، وذلك قبل أن ينزل عليه الوحي ،‬ ‫فز ّج ُ لمكانته فى قريش ، إذ كان من رجال مكة المعدودين مال وأمانة وتجارة ، هذا إلى جانب أن النبى –‬ ‫و ه‬ ‫ُ ّا – كان يحاول قدر المستطاع إرضاء زوجته . لكن بعد الوحي ، آمنت زينب ، ولم يؤمن أبو العاص ، ظل‬ ‫حب‬ ‫على دين آبائه . وسعت إليه قريش تطلب منه أن يطلق ابنة محمد ، على أن يزوجوه أفضل نساء مكة ، كما‬ ‫سعوا إلى ابن أبى لهب وكان قد ارتبط بإحدي بنات النبى ، يقال رقية ويقال أم كلثوم. استجاب ابن أبى لهب‬‫لغراء قريش ، أما أبو العاص فرفض فى إباء وشمم ، قال : ل هال إذا ، ل أفارق صاحبتي ، وما أحب أن لى‬ ‫بامرأتي امرأة من قريش .‬ ‫موقف يتسم بالنبل ، ما كان لينساه النبى. تمسك أبو العاص بزوجته فى حب فاق كل إغراءات قريش ،‬ ‫احتفظ بزوجته التى وجد فيها من الصفاء والنقاء والحب ما يندر أن يوجد فى امرأة أخرى . اصطفاها وتمسك‬ ‫بها ، فاصطفته وتمسكت به ، كانا مثل نادرا فى الصدق والوفاء لدرجة أن النبى رأى أن ل يفرق بينهما : هو‬‫على شركة ، وهي على إسلمها ، لم تكن آية التفريق قد نزلت بعد : " َا َ ّ َا اّ ِي َ آ َ ُوا ِ َا َاء ُ ُ الْ ُؤْم َا ُ‬‫ي أيه لذ ن من إذ ج كم م ِن ت‬ ‫ُ َا ِ َاتٍ َامْت ِ ُو ُ ّ ا ُ َعَْ ُ ِِي َا ِ ِ ّ َِنْ َِمْ ُ ُو ُ ّ ُؤْ ِ َا ٍ َ َ َرْ ِ ُو ُ ّ َِى الْ ُ ّا ِ َ ُ ّ ِ ّ ّ ُمْ‬ ‫مه جر ف َحن هن ّ أ لم بإ م نهن فإ عل تم هن م من ت فل ت جع هن إل كف ر ل هن حل له‬ ‫ل‬ ‫َ َ ُمْ َ ِّو َ َ ُ ّ " )الممتحنة : 01( .‬ ‫ول ه يحل ن لهن‬ ‫77 ابن هشام ، جـ ٢ ، ص ٥٠٣.‬
  • 57. ‫علمت زينب بأسر زوجها ، وما كان لها أن تتركه ، وهو المحب الوفى. أرسلت المال، لكنها لم تكتف‬ ‫بالمال فقط . بل أرسلت قلدة ثمينة كانت خديجة قد أدخلتها بها على أبى العاص حين بنى بها . فوجئ النبى‬ ‫بقلدة خديجة أمام عينية. رق لها‬ ‫رقة شديدة .‬‫لكن النبى لم يشأ أن يطلق صراح أبى العاص ، وقد فعل ذلك مع غيره ، كى ل تثار القاويل فيما يختص‬ ‫بزوج ابنته . كان الذى أسر أبا العاص ِراش بن ال ّمة وكان له الحق فى الفداء . أخذ النبى رأى من حوله ،‬ ‫ص‬ ‫خ‬ ‫ترك لهم الخيار ، قال : إن شئتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها مالها فافعلوا . فقالوا : نعم يا رسول ال‬ ‫87‬ ‫فأطلقوه وردوا عليها الذى لها .‬ ‫إل أن النبى أخذ على ابن العاص عهدا : أن يخلى سبيل زينب كى تهاجر إلى المدينة . لقد كان أمل النبى‬ ‫أن يعلن أبو العاص إسلمه فى التو واللحظة بعد أن م ّ عليه النبي وصحبه ، ولكنه لم يفعل . ورأى النبي أنه‬ ‫ن‬ ‫من غير المستحب أن تعيش ابنته المسلمة مع زوج وثني مهما كان قدر رفعته ونبله . وافق أبو العاص وهو‬ ‫يعلم أن فراقه وزينب سيدميهما معا ويحزن ابنتهما " أمامه " ، لكنه وعد ووفى .‬ ‫أرسل النبي زيد بن حارثة كى يأتيه بزينب ، وذلك بعد " بدر " بحوالى شهر. كان أبو العاص قد أمرها‬‫أن تعد نفسها للرحيل . جاء بها زيد إلى المدينة ، بعد أن روعها أحد المشركين ، وهو هبار بن السود الفهرى ،‬ ‫بسهم وهى فى هودجها ، ويقال إنها كانت حامل فطرحت ما فى بطنها .‬ ‫ويقال إن النبي بعث سرية قال لمن خرج فيها : إن ظفرتم بهبار بن السود أو الرجل الذى سبق معه إلى‬ ‫زينب ) هو نافع بن قيس ، حسب قول ابن إسحق ( فحرقوهما بالنار. فلما كان الغد بعث إليهم يقول : إنى كنت‬ ‫أمرتكم بتحريق هذين الرجلين إن أخذتموهما ، ثم رأيت أنه ل ينبغي لحد أن يعذب بالنار إل ال فإن ظفرتم‬ ‫97‬ ‫بهما فاقتلوهما.‬ ‫أقام أبو العاص بمكة بعد أن فرق السلم بينه وبين زوجته ، لكن روحيهما لم تفترقا ، ما نسى أى منهما‬ ‫الخر. وقبيل الفتح خرج أبو العاص فى تجارة له إلى الشام ومعه رجال وأموال لقريش أبضعوها معه . فى‬‫طريق العودة ، اعترضته سرية من سرايا المسلمين فأصابوا ما معه ، لكنه نجح فى الفرار . وتحت جنح الظلم‬ ‫، نجح فى الوصول إلى حيث زوجته ، فاستجارها. أجارته وأعلنت ذلك على المل ، صرخت من ُ ّة النساء‬ ‫صف‬ ‫بعد أن ُ ّر لصلة الصبح أيها الناس إنى قد أجرت أبا العاص بن الربيع .‬ ‫كب‬‫إنه يجير على المسلمين أدناهم ، فما بال المسلمين بابنة النبي وهى تعلن بأعلى صوتها أنها قد أجارت من‬‫يعلمون جيدا مكانته عندها وقدره عند قومه . بعث النبى إلى الذين أصابوا مال أبى العاص . يستسمحهم. إنه لن‬ ‫يرغمهم على فعل شئ : عليهم أن يردوا ما أخذوا بسماحة ورضاء نفس ، أو أن يحتفظوا بما غنموا فهو حق‬‫لهم . قال النبى: " إن هذا الرجل ِ ّا حيث علمتم وقد أصبتم له مال. فإن تحسنوا وتردوا عليه الذى له فإنا نحب‬ ‫من‬ ‫87 ابن هشام ، جـ ٢ ، ص ٧٩٢ .‬ ‫97 ابن هشام ، جـ ٢ ، ص ٢٠٣ .‬
  • 58. ‫ذلك ، وإن أبيتم فهو فئ ال الذى أفاء عليكم فأنتم أحق به ". استجابوا لكلمات النبي وردوا على أبى العاص‬ ‫ماله ، فرحل به إلى مكة وأعطي كل ذى حق حقه ، ثم أعلن إسلمه وعاد إلى المدينة. ورد عليه النبى زوجته‬ ‫بعد فراق ست سنين .‬‫بدأت قريش تفدى أسراها. وكان الفداء أربعة آلف درهم للقادرين ، وقد يقل عن ذلك إلى اللف فى حالة‬ ‫من ل يملكون الكثير. وفى قبول الفداء الذى ارتضاه المسلمون، نزلت الية : " َا َا َ ِ َ ِ ّ َن َ ُو َ َ ُ‬ ‫م ك ن لنبي أ يك ن له‬‫َسْ َى ح ّى ُثْ ِ َ ِي ا َرْ ِ ُ ِي ُو َ َ َ َ ال ّنْ َا َا ّ ُ ِي ُ ال ِ َ َ َا ّ َ ِي ٌ َ ِي ٌ " )النفال : 76( ،‬ ‫أ ر َت ي خن ف ل ض تر د ن عرض د ي و ل ير د خرة و ل عز ز حك م‬‫وفيها ، كما هو واضح ، تأييد للرأي الذي أبداه سعد بن معاذ أثناء المعركة عندما بدت على وجهه علمات عدم‬ ‫الرضا لنشغال المسلمين بجمع الغنائم وأسر المشركين . كان الثخان فى القتل أحب إليه من أسر الرجال .‬ ‫يعلق المام محمد أبو زهرة على هذا الموقف بقوله : إذن كان الخطأ ، ل فى أنهم فدوهم ، ول فى أنهم‬ ‫منوا عليهم ، ولكن فى أنهم أخذوا السرى قبل الثخان ، أى قبل أن يثقلوهم بالجراح ، حتى ل يستطيعوا أن‬ ‫يثيروا عليهم معركة أخرى ، أو تكون صعبة عليهم لكثرة القتلى ، ومن بعد ذلك يكون السر ، ويكون المن أو‬ ‫الفداء ، كما قال ال سبحانه وتعالى : " فِذا َ ِي ُ ُ اّ ِينَ َ َ ُوا َ َرْبَ ال ّ َا ِ َ ّى ِ َا َثْ َن ُ ُو ُمْ َ ُ ّوا‬ ‫رق ب حت إذ أ خ تم ه فشد‬ ‫َإ لق تم لذ كفر فض‬ ‫08‬ ‫الْ َ َا َ َ ِ ّا َ ّا َعْ ُ َِ ّا ِ َاء َ ّى َ َ َ الْ َرْ ُ َوْ َا َ َا " )محمد:4( .‬ ‫وث ق فإم من ب د وإم فد حت تضع ح ب أ ز ره‬ ‫من سادة قريش بين السرى ، كان العباس بن عبد المطلب عم النبي . كان النبي قد نهي عن قتله أثناء‬‫المعركة لنه كما شاع بين القوم ، خرج ُكْ َها. ولقد ناقشنا هذه النقطة من قبل . وها هو ذا بين السرى موثوق‬ ‫مر‬ ‫اليدين . عز على النبي أن يكبل عمه ويلقى به فى أحد الركان . سيطر عليه أرق ممض ، لم يستطع أن ينام‬ ‫وهو يستمع إلى تضور العباس فى وثاقه . سأله أصحابه : يا رسول ال مالك ل تنا م؟ أخبرهم أن قد أحزنه ما‬ ‫آل إليه حال عمه العباس . وإكراما للنبي قاموا إلى العباس ففكوا وثاقه .‬ ‫كان الذى أسر العباس أبو الي َر كعب بن عمرو ، وكان بالنسبة للعباس ، من ناحية الحجم يعتبر ضئيل‬ ‫َس‬ ‫إذ كان العباس ضخما جسيما. سأله النبى : كيف أسرت العباس يا أبا اليسر؟ أجاب أبو اليسر : أعانني عليه‬ ‫رجل ما رأيته قبل ذلك ول بعده . قال النبى : لقد أعانك عليه ملك كريم18. وفى هذا الكلم إشارة إلى موضوع‬ ‫الملئكة وما يقال عن الدور الذى قاموا به فى معركة بدر. وسنناقش هذه النقطة بعد‬ ‫قليل بالتفصيل .‬ ‫طلب النبي من العباس أن يفدي نفسه فهو ذو مال ، لكن العباس حاول التملص والتخلص مدعيا أنه على‬ ‫دين السلم لكن القوم استكرهوه فخرج . صمم النبى على أن يدفع العباس الفدية ، رغم أن بعض المسلمين‬ ‫عرضوا على النبى أن يطلقه دون فداء ، لكن النبى رفض .‬ ‫قال النبي للعباس في كلمات قاطعة : يا عباس أفد نفسك وابني أخيك : عقيل بن أبى طالب ونوفل بن‬ ‫الحارث ، وحليفك عتبة بن عمرو .. فإنك ذو مال. فقال : يا رسول ال إنى كنت مسلما ، ولكن القوم‬ ‫08 أبو زهرة ، جـ ٢ ، ص ٢٧٥ .‬ ‫18 الطبري ، جـ ٢ ، ص ٢٧٥ .‬
  • 59. ‫استكرهوني . قال النبى : ال أعلم بإسلمك . إن يكن ما تذكر حقا فال يجزيك به فأما ظاهر أمرك فقد كان علينا‬ ‫، فافد نفسك .‬ ‫كان النبى قد أخذ منه عشرين أوقية ذهبا ، طلب العباس أن تحسب فى فدائه ومرة ثانية رفض النبي . لم‬‫يكن أمام العباس من خيار ، فدي نفسه وأبني أخيه وحليفه. ويروى ابن سعد أن الفدية كانت ثمانين أوقية ذهب ،‬ ‫28‬ ‫ويقال ألف دينار. ويقال إن العباس بعد أن وصل مكة رفض أن يدفع فداء حليفه .‬ ‫ومن الخبار ذات الدللت الموحية خبر يقول : كان العباس بن عبد المطلب حين قدم به فى الساري‬ ‫38‬ ‫ُِب له قميص ، فما وجدوا له قميصا بيثرب يقدر عليه إل قميص عبد ال بن ُبى ألبسه إياه فكان عليه .‬ ‫أ‬ ‫طل‬ ‫وكان عبد ال بن أبى ، رأس النفاق فى المدينة، قد أعلن إسلمه بعد نصر بدر خشية ونفاقا ، ل تبصرا وإيمانا.‬‫ورد فى مختصر تفسير ابن كثير أن رسول ال عندما نزل المدينة دعا أهلها إلى ال عز وجل وقرأ عليهم‬‫القرآن ، فقال له عبد ال بن أبى : أيها المرء إنه ل أحسن مما تقول إن كان حقا فل تؤذنا به فى مجالسنا ، ارجع‬‫الى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه.. فلما غزا رسول ال بدرا فقتل ال به صناديد قريش ، قال عبد ال بن أبى‬ ‫بن سلول ومن معه من المشركين وعبد ِ الوثان : هذا أمر قد توجه فبايعوا الرسول على السلم ، فبايعوا‬ ‫ة‬ ‫48‬ ‫وأسلموا .‬ ‫وظل ابن ُبى طوال حياته يثير القلقل بين المسلمين والمسلمين ، وبين المسلمين واليهود ، وينشر‬ ‫أ‬ ‫الشائعات التى تؤذى النبي ، لكنه طوال الوقت ظل ينافق النبي‬ ‫حتى مات .‬ ‫ولم يجدوا فى المدينة كلها قميصا يناسب العباس بن عبد المطلب ، عم النبى ، إل قميص عبد ال بن‬ ‫أبى !!‬‫رغم أن قريشا أعلنت أنها لن تندفع فى فداء أسراها حتى ل يشتد عليهم محمد ويغالى فى طلب الفداء ، إل‬‫أن البعض لم يكترث بما قررته قريش وسارع بالدفع . كان من بين هؤلء المطلب بن أبى وداعة الذى أنسل فى‬ ‫جوف الليل حتى قدم المدينة ، وكان أبوه بين السرى . دفع أربعة آلف درهم وكر عائدا فى صحبه أبيه. كما‬ ‫قدم ِك َز بن حفص بن الخْيف فى فداء سهيل بن عمرو .‬ ‫مر‬‫كان بين السرى عمرو بن أبى سفيان بن حرب ، أسره على بن أبى طالب. وكان من المستحيل أن يطلقه‬ ‫النبى َنً دون فداء مهما طال وقت احتجازه . طلب بعض أصحاب أبى سفيان منه أن يفدى ولده ، فرفض .‬ ‫ما‬ ‫وكانت حجته : أيجمع على دمي ومالى؟ قتلوا حنظلة وأفدى عمرا ؟ دعوه فى أيديهم ، يمسكوه ما بدا لهم .‬‫ترك أبو سفيان ولده محبوسا بالمدينة إلى أن حانت له فرصة العدو على شيخ مسلم - سعد بن النعمان أخو‬ ‫بنى عمرو بن عوف - فحبسه بابنه . ولم يفك أسره إل بعد أن تم فك أسر ابنه وعودته إليه .‬ ‫28 ابن سعد ، جـ ٤ ، ص ٤١.‬ ‫38 نفس المرجع ، ص ٣١ .‬ ‫48 مختصر تفسير ابن كثير ، جـ ١ ، ص ٤٤٣ .‬
  • 60. ‫21- قتـال الملئكـة :‬‫لم يتبق لنا فيما يختص بالقتال والمقاتلين يوم بدر إل نقطة واحدة ، نرى أنه ل مناص من مناقشتها ، رغم‬ ‫صعوبتها وخطورة تحليلها بمنطق عقلني واع ، وإبداء الرأى فيها باستنارة وصراحة ل مواربة فيها .. نقصد‬ ‫ما قيل عن اشتراك ثلثة آلف من الملئكة فى القتال ضد قريش .‬‫الصل فيما قيل بخصوص الملئكة يوم بدر ، هو ما أنزله ال سبحانه وتعالى من آيات لشد أزر المؤمنين‬ ‫، ومنها قوله تعالى : " ََ َدْ َ َ َ ُ ُ ا ّ ِ َدْرٍ ََن ُمْ َ ِّ ٌ َا ّ ُواْ ا ّ َ َّ ُمْ َشْ ُ ُو َ . ِذْ َ ُو ُ ِلْ ُؤْ ِ ِينَ ََن‬ ‫ولق نصركم ل بب وأ ت أذلة ف تق ل لعلك ت كر ن إ تق ل ل م من أل‬ ‫َكْ ِي ُمْ َن ُ ِ ّ ُمْ َ ّ ُم ِ َ َ َةِ آ َ ٍ ّ َ الْ َل ِ َةِ ُن َِينَ . ََى ِن َصْ ِ ُواْ َ َ ّ ُواْ َ َأْ ُو ُم ّن َوْ ِ ِمْ َ َا‬ ‫بل إ ت بر وتتق وي ت ك م ف ره هذ‬ ‫ي ف ك أ يمدك ربك بثلث لف من م ئك م زل‬ ‫ُمْ ِدْ ُمْ َ ّ ُم ب َمْ َ ِ آلفٍ ّ َ الْ َل ِ َةِ ُ َ ّ ِي َ . َ َا َ ََ ُ ا ّ ِ ّ ُشْ َى َ ُمْ َِ َطْ َ ِ ّ ُُو ُ ُم ِ ِ َ َا‬ ‫من م ئك مسوم ن وم جعله ل إل ب ر لك ولت مئن قل بك به وم‬ ‫ي د ك ربك ِخ سة‬ ‫ال ّصْ ُ ِ ّ ِنْ ِن ِ ا ّ الْ َ ِي ِ الْ َ ِي ِ " ) آل عمران : 321-621 ( .‬ ‫ن ر إل م ع د ل عز ز حك م‬ ‫اختلفت القاويل ، وتعددت التفاسير ، منها مال يتقبله العقل ول يستسيغه إذ يقوم على التفسير الحرفى‬ ‫المبالغ فيه للكلمات ، ومنها ما هو عقلني روحاني نوراني يبين تأثير فعل الكلمة الربانية فى نفوس المؤمنين‬‫وكيف تتحول فى أعماقهم إلى طاقة وقدرة فاعلة تبدو وكأنها فوق طاقة البشر. وهذه هى معجزة القدرة اليمانية‬ ‫: يصبح الرجل ربانيا يقول للشئ كن فيكون .‬ ‫قال ابن إسحق : وحدثني من ل أتهم.. قال : كانت سيماء الملئكة يوم بدر عمائم بيضا قد أرسلوها على‬‫ظهورهم . وقال ابن هشام : وحدثني بعض أهل العلم أن عل ّ ابن أبى طالب رضى ال عنه قال : العمائم تيجان‬ ‫ى‬ ‫العرب ، وكانت سيماء ، الملئكة يوم بدر عمائم بيضا قد أرخوها على ظهورهم ، إل جبريل فإنه كانت عليه‬ ‫58‬ ‫عمامة صفراء .‬ ‫ونحن ل نعرف من هم " بعض أهل العلم " هؤلء ، وابن هشام نفسه ل يعرف ، ولو عرف لذكر‬ ‫أسماءهم . الحديث إذن مأخوذ عن مجهول ، ومع ذلك يتوقع أن نصدقه هو وبعض " أهل العلم " الذين أخذ‬‫عنهم عندما يدعون أن عليا قد رأى جبريل وعليه عمامة صفراء . لم يذكر على نفسه أنه قد رأى جبريل يوما ،‬ ‫وحتى أهل بيته الملزمين له طوال حياته لم ُرْ َ عن أى منهم أن عليا قد رأى جبريل وعليه عمامة صفراء .‬ ‫ي و‬ ‫وحتى ابن إسحق عندما يقول : وحدثني من ل أتهم ، ل يذكر لنا اسما واحدا من أسماء هؤلء الذين ل‬ ‫يتهم .‬ ‫هذا كلم مرسل ، وغير موثق ول تدعمه أسانيد . لذا فهو غير موثوق به .‬ ‫يضيف ابن إسحق إلى ما سبق قوله عن الملئكة ، ينقل عن رجل من بنى غفار قال: أقبلت أنا وابن عم‬ ‫لى حتى أصْ َدْنا فى جبل يشرف بنا على بدر، ونحن مشركان، ننتظر الوقعة على ما تكون الدبرة فننهب ما‬ ‫ع‬ ‫58 ابن هشام ، جـ ٢ ، ص ٤٧٢.‬
  • 61. ‫ينتهب ، قال : فبينا نحن فى الجبل إذ دنت منا سحابة ، فسمعنا حمحمة الخيل ، فسمعت قائل يقول أقدم حيزوم ،‬ ‫فأما ابن عمى فانكشف قناع قلبه فمات مكانة ، وأما أنا فكدت أهلك ، ثم تماسكت .‬ ‫هنا أيضا يتم النقل عن مجهول : رجل من بنى غفار. أى رجل من بنى غفار؟ ل أحد يعرف ، حتى ابن‬‫إسحق نفسه. وهذا المجهول يحكي عن الخيل القادمة من فوق السحاب ، وصوت ذلك الذى يقول: أقدم حيزوم!!‬ ‫من هذا الحيزوم ؟ أهو ملك اسمه حيزوم ؟ إن كان ملكا حقا ، فهذه أول مرة نسمع أن بين الملئكة يوجد ملك‬ ‫اسمه "حيزوم". هذه معلومة لم ترد مطلقا إل على لسان ذلك المجهول من بنى غفار. وهذا "الحيزوم الملك"‬ ‫الذى لم يذكر من قبل ول من بعد ، يعتبر إضافة تهويمية لنه من تخاريف بعض الدعياء من الرواة . كل ما‬‫نأخذه على هذا الحيزوم هو أنه تسبب فى موت رجل ل صلة له – كما يقولون – بالعير أو النفير. سامح ال هذا‬ ‫الحيزوم ال ُفْت ِى أو المفترى عليه . وال أعلم ، كما يقول " السادة " .‬ ‫م ر‬ ‫ويحكي عن أبى أسيد بن مالك بن ربيعة ، وكان شهد بدرا ، قال بعد أن ذهب بصره : لو كنت اليوم ببدر‬ ‫ومعي بصرى لريتكم ال ّعْب )ما انفرج بين جبلين( الذي خرجت منه الملئكة ، ل أشك فيه ول أتمارى .‬ ‫ش‬ ‫ويحكي أيضا عن أبى داوود المازني ، وكان بين من شهدوا بدرا ، قال : إنى لتبع رجل من المشركين‬ ‫68‬ ‫يوم بدر لضربه إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفى فعرفت أنه قد قتله غيري .‬ ‫وفى تاريخ الطبرى ، نجد من يقول : لقد رأيتنا يوم بدر وإن أحدنا ليشير بسيفه إلي المشرك فيقع رأسه‬ ‫عن جسده قبل أن يصل إليه السيف . ومن يقول : كانت سيماء الملئكة يوم بدر عمائم بيضا قد أرسلوها فى‬ ‫ظهورهم ، ويوم حنين عمائم حمرا ، ولم تقاتل الملئكة فى يوم من اليام سوى يوم بدر.‬ ‫ونجد فى الطبرى أيضا من يعزي هزيمة المشركين إلى تدخل الملئكة وهى تقاتل على خيلها البلق .‬ ‫والهزيمة فى هذه الحالة أمر طبيعي ول لوم على الناس ، فالناس فى هذه المعركة ما كانوا يقاتلون الناس ، إنما‬ ‫كان يقاتلون ال متمثل فى جيش ملئكته . وبالطبع هم ل قبل لهم بقتال ال ، وما كان باستطاعتهم أن ينتصروا‬ ‫عليه .‬ ‫يحكي أحد المشركين الذين اشتركوا فى المعركة ، يقول : وال إن كان إل أن لقيناهم ، فمنحناهم أكتافنا ،‬ ‫يقتلوننا ويأسرون كيف شاءوا . وأيم ال مع ذلك ما لمت الناس، لقينا رجال بيضا على خيل بلق بين السماء‬ ‫78‬ ‫والرض ما تليق شيئا ول يقوم لها شئ . قال أبو رافع : ... تلك الملئكة .‬ ‫أما ابن سعد فيحكي بطريقة مشوقة عن الملئكة الذين كانوا فى ميمنة الجيش ، والملئكة الذين هاجموا‬‫من الميسرة ، والملئكة الذين كانوا فى القلب أمام النبي وحوله، يقول : وجاءت ريح لم ير مثلها شدة ، ثم ذهبت‬ ‫فجاءت ريح أخرى ، ثم ذهبت فجاءت ريح أخرى . فكانت الولى جبريل عليه السلم فى ألف من الملئكة مع‬ ‫رسول ال صلى ال عليه وسلم ، والثانية ميكائيل عليه السلم فى ألف عن ميمنة رسول ال )ص(، والثالثة‬ ‫إسرافيل فى ألف من الملئكة عن ميسرة رسول ال )ص( .‬ ‫68 ابن هشام ، جـ ٢ ، ص ٣٧٢.‬ ‫78 انظر الطبري ، جـ ٢ ، ص ٦٣- ٠٤ .‬
  • 62. ‫وكان سيماء الملئكة عمائم قد أرخوها بين أكتافهم خضر وصفر وحمر.. والصوف في نواحي خيلهم.‬ ‫فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم لصحابه: إن الملئكة قد س ّمت فس ّموا ، فأعلموا بالصوف فى مغافرهم‬ ‫و‬ ‫و‬ ‫88‬ ‫وقلنسهم. وكانت الملئكة يوم بدر على خيل بلق .‬ ‫وينقل الدكتور شوقى ضيف ما قاله السابقون عن الملئكة ، ويكتفى بذلك دون شرح أو تحليل أو تعليق.‬ ‫يقول : وأمدهم بألف من الملئكة مرْ َفين أى متبعين بألفين آخرين حتى بلغوا خمسة آلف كما فى صورة آل‬ ‫د‬ ‫عمران .. ويكثر حديث المسلمين عن نصرة الملئكة لهم ، فقائل يقول إنه سمع همهمة الخيل فى السحاب ،‬ ‫وقائل يشهد بأنه كان يتبع كافرا ليضربه بسيفه ، فإذا برأسه يسقط قبل أن يصل إليه السيف . وعن ابن عباس :‬‫بينما رجل من المسلمين يوم بدر يشتد فى أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط ، وخر المشرك‬‫مستلقيا ، يقول: ووصلت إليه ونظرت فإذ هو قد ُطم أنفه وشق وجهه كمن يضرب بالسيف. ولم تقاتل الملئكة‬ ‫ح‬ ‫98‬ ‫إل يوم بدر.‬ ‫هذا ما ذكره الدكتور ضيف نقل عن القدمين ، أما ما هو رأى الدكتور ضيف نفسه فيما نقل ، فل‬ ‫نعرفه ، وكأنه كأستاذ ناقد ل رأى له . إذ ما جدوي ما نقل . وهو معروف جيدا وقد نقله من قبله المئات ،‬‫وأصبح من الكلم المكرر المعاد إلى درجة أن تشبع الناس به ؟ ما هى إضافة الدكتور ضيف بعد أن نقل ما نقل‬ ‫؟ ما رأيه فى آلف الملئكة على ظهور الخيل وعلى رؤوسها العمائم وبأيديها السيوف تقطع بها رقاب أهل‬ ‫الشرك ؟ ل رأى له . لم يناقش لم يحلل ، لم ُق ّم ، لم يصدر حكما موضوعيا . وهذه أبسط مبادئ النقد .‬ ‫يي‬ ‫ربما خشى الدكتور ضيف أن يقترب من أرض خيل إليه أنه محرم عليه القتراب منها. ربما خاف ثورة‬ ‫بعض المتعالمين المتنطعين الذين يتخذون من الدين تجارة يكسبون من ورائها اللف وربما المليين. وربما‬‫خشى أن يتهمه بعض من نصبوا أنفسهم – أو تم تنصيبهم بالمر- سدنة وحراسا على كل ما يخص الدين ، وهم‬ ‫أبعد ما يكونون عنه بسلوكهم الدنيوي المتدني والمغرق – إلى حد الغثيان – فى ماديات الكسب الدنيوي .. ربما‬ ‫خشى أن يتهمه هؤلء بالزندقة والكفر، أو أن يصدروا قرارا بالتفريق بينه وبين زوجته ، أو أن يستحلوا دمه ،‬ ‫أو أن " يجعروا " بأعلى أصواتهم : ُن َى‬ ‫يف‬ ‫من الرض .‬‫هؤلء " السدنة " الذين يخشاهم الكثيرون ، رغم العلم بأنهم على درجة هائلة من الخواء المعرفى والقحط‬ ‫العلمي والتخلف الدراكي ، ل يجرؤ أحد أن يمسهم بكلمة سوء جهرا ، ذلك لنهم يخدمون فى بلط السلطان ،‬ ‫ولهم كامل حمايته ما داموا يصدرون كل ما هو مطلوب منهم من فتاوى وتشريعات وأحكام تأييدا للسلطان‬ ‫الملهم الذى ل يخطئ أبدا ، والفتوي فى هذا المجال مربحة .‬ ‫وطوبى للمساكين الذين ارتفعت هاماتهم فوق هامة السلطان فرفضوا المليين من فتوى الحرام .‬ ‫88 ابن سعد ، جـ ٢ ، ص ٦١ .‬ ‫98 شوقى ضيف ، محمد ، ص ١٢٢.‬
  • 63. ‫نعود إلى جيش الملئكة المقاتلة الثلثة آلف ، وعلى رؤوسهم العمائم : حمر وخضر وصفر ، أرخوها‬ ‫بين أكتافهم ، وقد امتطوا الخيل البلق ، وبأيديهم شرعت السيوف .‬ ‫ل ندري بالطبع لماذا وضعت الملئكة على رؤوسها عمائم . هل فعلوا ذلك كى يثبتوا أنهم ملئكة عرب‬ ‫مسلمون ؟ لكن ، ألم يكن على رؤوس المشركين أيضا عمائم ، وبذلك قد يختلط المر بين عمائم الملئكة‬ ‫وعمائم المشركين ؟ قد يقول قائل من المتعالمين: كانت عمائم الملئكة حمرا وخضرا وصفرا ، وهى ألوان‬ ‫حرم استخدامها علي المشركين . بالطبع ل نعرف من الذى حّ َ ومن الذى ح ّم ، ولكن عندما يفتي المتعالم ،‬ ‫ر‬ ‫لل‬ ‫فى حالة صدور مثل هذه الفتوى ، لبد وأن يصمت الجميع. لكل‬ ‫عصر رجال .‬‫غامض الهدف الكامن وراء استخدام هذه اللوان ، ول نعرف الحكمة فى استخدامها. هل أريد بها مثل أن‬ ‫تكون – بعد النصر- ألوان الراية التى يجب أن يستخدمها المسلمون ؟ لم يحدث هذا قبل أو بعد بدر. كانت راية‬ ‫المسلمين أما بيضاء وإما سوداء . هنا وقد ينتقض أحد المتعالمين ، صارخا بأعلى صوته ، وهو يتخيل أنه‬ ‫يبهرنا بفتح علمي نادر : البيض والسود .. هذا لون الخيل البلق التى كانت‬ ‫تمتطيها الملئكة !!‬ ‫ونحن نتساءل : هل كانت الملئكة فى حاجة إلى الهبوط ما بين السحاب - كما يدعي البعض – على‬ ‫ظهور الخيل ؟ هل هذا النوع من الملئكة يختلف عن الملئكة التى وصفت بأنها ذوى أجنحة مثني وثلث‬ ‫ورباع ؟‬ ‫هل كان جبريل ، عليه السلم ، الذى وصفه بعض كتبه التراث بأن له ستمائة جناح، فى حاجة إلى أن‬ ‫09‬ ‫يأتي إلى النبي بعد المعركة على : فرس أنثي حمراء ومعه رمحه قد عصم ثنّته الغبار .‬ ‫ي‬ ‫كيف عرف ذلك الخبارى " اللوذعي " أن الفرس التى امتطاها جبريل كانت أنثي؟ ما هو مصدره ؟‬ ‫القرآن ؟ الحديث ؟ لن يجرؤ أحد على التطاول وادعاء ذلك . إذن ، لماذا س ّد ابن سعد صفحات " طبقاته‬ ‫و‬ ‫الكبرى " بمثل هذه الخيلة ، دون أن يتحقق من صدق قائلها أو من سلطة مصادرها ؟‬ ‫ولماذا غ ّر جبريل الفرس ؟ لقد جاء فى بداية المعركة – كما يذكر ابن سعد نفسه – على فرس أبلق ،‬ ‫ي‬ ‫الن هو على فرس أنثي حمراء . من أين أتي بها جبريل ؟ هل هبطت له خصيصا من ما فوق السحاب ، أم أن‬ ‫جبريل أخذها غنيمة من جيش الكفار؟‬ ‫هذه " هلوسة " ، ل نقول هلوسة دينية . فالدين السلمي حق ل باطل فيه ، إنما هى هلوسة أصحاب‬ ‫العقول السقيمة ومن جاء بعدهم ممن ابتلع هذا الكلم فى عماء وجهل، دون أن يستخدم العقل الذى هو أغلى ما‬ ‫وهبه ال للنسان .‬ ‫09 ابن سعد ، جـ ٢ ، ص ٦٢ .‬
  • 64. ‫لم يجسر المتعالمون على مناقشة ما جاء فى كتب التراث ، لم يحاولوا تنقيتها مما جاء فيها ، ول صلة له‬ ‫بجوهر الدين ، على العكس رفعوها إلى مصاف الكتب "المقدسة" وجعلوا من أنفسهم سدنة وحراسا ، لنها‬ ‫بضاعتهم التى يجنون من ورائها الربح الوفير.‬ ‫و ُذ ّر هؤلء جميعا – إن كانوا ل يتذكرون – أن القرآن الكريم ، فى سورة التوبة، يشير إلى الملئكة‬ ‫نك‬ ‫ثم أن ل ل َك نته عل رس له وعل م من وأ زل‬ ‫على أنهم جنود ل يمكن للعين البشرية رؤيتها : " ُ َّ َ َز َ ا ّ س ِي َ َ ُ ََى َ ُوِ ِ َ ََى الْ ُؤْ ِ ِينَ ََن َ َ‬ ‫ُ ُو ًا ّمْ َ َوْ َا " )التوبة : 62(. وهذا يثبت بالدليل القاطع الذي ل يرقي إليك شك ، خطأ الذين ادعوا أنهم‬ ‫جن د ل تر ه‬ ‫رأوا الملئكة الثلثة آلف رأى العين وهم يحاربون فى صفوف المسلمين .‬‫على أية حالة ، طبقا لما جاء فى كتب التراث ، أصبح عدد جيش المسلمين - ملئكة وبشرا – ثلثة آلف‬ ‫وثلثمائة يزيدون قليل ، مقابل سبعمائة أو ثمانمائة فى جيش المشركين . هذا معناه أن المعركة قد أصبحت‬ ‫غير متكافئة ، ول لوم على القريشيين المشركين إذا ما هزموا ، بل إن هزيمتهم قد غدت حتمية حتى قبل أن‬ ‫تبدأ المعركة : إن ال قد بعث بجنده السماويين ، على خيل سماوية ، وبأيديهم سيوف سماوية ، كي يقاتلوا بشرا‬‫على الرض . وهذا معناه أن " ال " قد اشترك فى المعركة عن طريق ملئكته ، ول ِ َل لقريْش أو غير قريش‬ ‫قب‬ ‫بحرب يخوضها " ال ".‬‫هذه الخرافات التراثية ُ ِذت ، دون ريب ، من الهلوسات السرائيلية التى كتبنا عنها باستفاضة فى كتابنا‬ ‫أخ‬ ‫موسى فى الساطير السرائيلية . كان " رب الجنود " يحارب دوما وسط شعبه المختار ، حسبما تروى‬ ‫الساطير السرائيلية .‬ ‫يقول إله العبرانيين فى سفر الخروج " ولكنى أعلم أن ملك مصر ل يدعكم تمضون ول بيد قوية . فأمد‬‫يدى وأضرب مصر بكل عجائبى التى أصنع بها. وبعد ذلك يطلقكم " )خروج 3 : 91-02( والرب هنا- كما هو‬ ‫واضح – يضرب نيابة عن شعبه .‬ ‫وفى الصحاح الثالث والعشرين من نفس السفر ، يرسل الرب لموسى ومن معه ملكا نيابة عنه : " ها‬ ‫أنا مرسل ملكا أمام وجهك ليحفظك فى الطريق وليجئ بك إلى المكان الذى أعددته .. فإن ملكي يسير أمامك‬‫ويجئ إلى الموريين والحث ّن وال ِ ِ ّيين والكنعانيين والحو ّين واليبوس ّين . فأبيدهم " )خروج 32 : 02-32( .‬ ‫ي‬ ‫ي‬ ‫فرز‬ ‫ي‬ ‫الملك يقود ويحفظ، والرب يضرب ويدمر من أجل الشعب " المختار" .‬ ‫وفى سفر " العدد " يرسل بالق بن ِ ّور ، ملك موآب ، إلى بلْعام بن بعور، وقد كانت له نبوءات ، أن‬ ‫صف‬‫يحضر ويلعن له شعب إسرائيل ، لكن الرب يرسل ملكا وفى يده سيف مسلول كى يعترض طريق بلعام : " تم‬ ‫كشف الرب عن عينى بلعام فأبصر ملك الرب واقفا فى الطريق وسيفه مسلول فى يده فخر ساجدا على وجهه‬ ‫"‬ ‫)عدد 32 : 13( .‬
  • 65. ‫وفى سفر " التثنية " يقود الرب شعبه وهو يعبر الردن ويكون هو نفسه أمامهم نارا آكلة : " اسمع يا‬ ‫إسرائيل . أنت اليوم عابر الردن لكن تدخل وتمتلك شعوبا أكبر وأعظم منك ومدنا عظيمة ومحصنة إلى‬ ‫السماء .. فأعلم اليوم أن الرب إلهك هو العابر أمامك نارا آكلة .. هو بيدهم ويذلهم " )تثنية 9 : 1-3(.‬ ‫وفى إحدي معارك يشوع يشارك الرب فى القتال ، يضرب العداء ضربة مدمرة، ول يكتفي بذلك ، بل‬ ‫يرميهم بحجارة عظيمة من السماء : " فأزعجهم الرب أمام إسرائيل وضربهم ضربة عظيمة فى جبْعون‬ ‫وطردهم .. وبينما هم هاربون من أمام إسرائيل .. رماهم الرب بحجارة عظيمة من السماء .. فماتوا " )يشوع‬ ‫01: 01-11(.‬ ‫من هذا النبع " التوراتي" تدفقت الساطير السرائيلية متسربلة بجبروت " رب الرباب " تناقلتها‬ ‫اللسنة وترسبت فى عقول الرجال ، جيل بعد جيل . ولم تسلم من لفحاتها بعض كتب التراث ، إذ بدا لبعض‬ ‫العقول السقيمة أنه إذا كانت الملئكة قد قاتلت من أجل بنى إسرائيل ، فلماذا ل تقاتل أيضا من أجل المسلمين ،‬ ‫حتى يتساوى أولئك وهؤلء فى ميزان العجاز الرباني المجسد فى ملئكة ال الهابطة بعمائمها وخيلها‬ ‫وسيوفها من بين السحاب ؟!!!‬‫خلصة الموقعة : انتصر جيش الملئكة الثلثة آلف المضاف إليه جيش المسلمين الثلثمائة ، على جيش‬ ‫المشركين السبعمائة أو الثمانمائة. وليس فى هذا النصر ما يدعو إلى الدهشة أو النبهار أو حتى مجرد الزهو‬ ‫والعجاب .‬ ‫ونوجه بعض التساؤلت لهؤلء الذين كتبوا عن معركة " الملئكة " وهم فى حالة‬ ‫" دروشة " جماعية :‬ ‫-لقد تم قتل سبعين من المشركين ، فكم عدد الذين قتلهم المسلمون وكم عدد الذين قتلتهم الملئكة ؟‬ ‫-إذا كان عدد المقاتلين من الملئكة ثلثة آلف – ول داعي لن نقول خمسة آلف- فهذا معناه أنه‬ ‫كان فى مواجهة كل مشرك ملكان أو أكثر. فكيف ل ينجح هذا الجيش الجرار فى قتل أكثر من‬ ‫سبعين مشركا ؟ كيف لم ينجح هذا الجيش الهابط بسيوفه السماوية – حسب رواية كتب التراث –‬ ‫فى القضاء على جيش قريش بأكمله ؟ هل ملئكة الخباريين أولئك – ول نقول ملئكة ال . حاشا‬ ‫ل – كانوا غير مدربين على القتال ؟‬ ‫-وإذا كانت تلك الملئكة التى اخترعتها أخيلة المتدروشين من كتبه التراث ، قد هبطت فى صورة‬ ‫رجال ، وهم كما يدل حصاد المعركة غير مهرة فى فنون القتال – بدليل عجز الثلثة آلف عن‬ ‫إبادة سبعمائة – فكم قتل من هؤلء الملئكة ومن جرح ؟‬ ‫-إذا كانت قد وقعت إصابات فى جيش ملئكة الخباريين أى قتل بعضهم وهم فى صورة رجال‬ ‫فكيف تم دفنهم ؟ أم أن بقية ملئكة " الدراويش " قد حملوا قتلهم وعادوا بهم إلى ما فوق‬ ‫السحاب ؟‬
  • 66. ‫-إذا كانت الملئكة قد هبطت من السماء لقتال قريش ، أل يعني هذا إكبارا وإجل ً، ول نقول‬ ‫ل‬ ‫تقديسا ، لقدر قريش ، إذ أنها المرة الولى فى تاريخ البشرية الذى يهبط فيها جيش من ملئكة‬ ‫سماوية كى يقاتل جيشا من البشر . هذا تشريف من النادر أن يحدث . بل من المستحيل . لكن‬ ‫الخباريين أحدثوه ، وفى غباء وجهل لم يدركوا أن هذا أكبر إجلل وتشريف لقريش .‬ ‫-ثم ، ما هو دور وفضل أصحاب النبى فى هذه المعركة كما صورتها عقول بعض الحمقى من كتبة‬ ‫التراث ؟‬‫ل دور ول فضل . ودون أن يدرى " الكتبة " وجهوا أكبر إهانة لجيش النبى فى يوم الفرقان . وقد انتصر‬ ‫رجاله بسيوف تحركها سواعدهم الفتية وقد امتلت قلوبهم بنور ال فقاتلوا فى بطولة إيمانية نادرة أذهلت‬ ‫المشركين ودفعت بعضهم إلى العتقاد بأنهم يقاتلون قوى فوق بشرية يستحيل الصمود أمامها ، فقتل منهم من‬ ‫قتل ولذ‬ ‫الخرون بالفرار.‬ ‫لقد كانت قوة الصمود اليماني هائلة ، لدرجة فاقت كل تصورات قريش فانهزموا. وبعدها حكيت‬ ‫الحكايات ، ورويت الساطير وتفنن القصاصون فى البداع ، وانهمر سيل " الغيبيات " أو " ال ُغ ّبات " الذى‬ ‫مي‬ ‫ما زال يفيض حتى اليوم .‬ ‫لقد أمد ال المسلمين الثلثمائة بقوة إيمانية ثبتت بها قلوبهم ، وامتلت بها جوانحهم، وتشبع بها يقينهم ،‬‫فتضاعفت قوتهم مرات ومرات ، وكأن الواحد منهم قد حلت فيه قوة عشر من الملئكة ، فغدا الواحد منهم يملك‬ ‫من المقدرة ما يمكنه من أن يغلب عشرا أو عشرين من المشركين : " َا َ ّ َا ال ّ ِ ّ َ ّ ِ الْ ُؤْ ِ ِينَ ََى‬ ‫ي أيه نبي حرض م من عل‬ ‫الْ ِ َا ِ ِن َ ُن ّن ُمْ ِشْ ُونَ َا ِ ُو َ َغِْ ُواْ ِ َ َيْنِ َِن َ ُن ّن ُم ّ َ ٌ َغِْ ُواْ َلْ ًا ّ َ اّ ِينَ َ َ ُواْ ِ َ ّ ُمْ‬ ‫قت ل إ يك م ك ع ر ص بر ن ي لب مئت وإ يك م ك مئة ي لب أ ف من لذ كفر بأنه‬ ‫َوْ ٌ ّ َف َ ُو َ " )النفال : 56( .‬ ‫ق م ل ي ْقه ن‬ ‫النبي هو الذى يحرض المؤمنين على القتال ، والمؤمنون هم الذين يقاتلون ، والمائتان بفضل ال وصدق‬‫إيمانهم به يغلبون ألفين ـ أي أن الثلثمائة مسلم ، فى جيش النبي، كان بإمكانهم هزيمة جيش المشركين حتى لو‬‫كان تعداده ثلثة آلف . ل سبعمائة أو ثمانمائة . الذى حارب وانتصر، إذن ، هو جيش من رجال النبي ، ل من‬ ‫الملئكة ، كما يقول الخباريون .‬‫لهذا كان لنصر هؤلء القلة من المؤمنين معني ومغزي و َ ِ ّ . كان يوم الفرقان. وكان بداية انتشار راية‬ ‫دو ي‬ ‫السلم خفاقة ، ل فى شبه جزيرة العرب وحدها ، ولكن فى كل مكان وصلت إليه دعوة السلم القائمة على‬ ‫التقوى والمحبة والعدل والسلم .‬‫نختتم هذه النقطة بتعليق للعالم الجليل . المفكر المستنير . الشيخ أحمد حسن الباقوري الذى يقول عن قتال‬ ‫الملئكة يوم بدر : ونروى لك حول نزول الملئكة فى بدر وقتالهم مع المسلمين ما يكاد بعض أهل العلم ينسبه‬ ‫إلى الستاذ محمد عبده .. حيث قال : إن وحي ال إلى الملئكة بأن يثبتوا المؤمنين ، إنما هو بدء كلم خوطب‬
  • 67. ‫به النبي والمؤمنون ، تتمة للبشرى فى قوله " وما جعله ال إل بشري " فيكون المر بالضرب فى الية موجها‬ ‫إلى المؤمنين ل إلى الملئكة. وعليه المحققون الذين جزموا بأن الملئكة لم تقاتل فى يوم بدر .. وقد وردت‬ ‫روايات ضعيفة تدل على قتال الملئكة ، لم يعبأ المام الجليل ابن جرير بشئ منها ولم يجعلها خليقة بأن تذكر‬ ‫ولو لترجيح غيرها عليها.‬ ‫قال السيد رشيد : وما أدري أين يضع بعض العلماء عقولهم عندما يغترون ببعض الظواهر وبعض‬ ‫الروايات الغريبة التى يردها العقل ول يثبتها ماله قيمة‬ ‫من النقل .‬ ‫إنهم مبتعدون عن الصواب فى إدعائهم أن الية ظاهرة فى قتال الملئكة ، بدليل أن المام ابن جرير لم‬ ‫يعبأ بشئ من الروايات الضعيفة التى وردت فى هذا المجال دالة على قتال الملئكة . ولو أن الملئكة قد قاتلوا‬ ‫قتال حسيا مع المؤمنين فراحوا .. يقطعون من الكفار كل بنان ، لم تكن لهل بدر من أصحاب النبي فرية‬ ‫يفضلون بها سائر المؤمنين ، حتى يستحقوا قول رسول ال )ص( لعمر رضى ال عنه : وما يدريك يا عمر‬ ‫لعل ال عز وجل قد اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم .‬ ‫نسأل ال أن يكفينا شر هذه الروايات الباطلة التى شوهت التفسير وقلبت الحقائق ، وخالفت نص القرآن‬ ‫نفسه ، إذا كان ال تعالى يقول فى إمداد الملئكة : " وما جعله ال إل بشرى ولتطمئن به قلوبكم " ، وهذه‬ ‫الروايات تقول بل جعل ال الملئكة مقاتلين ، وإن هؤلء السبعين الذين قتلوا فى معركة بدر لم يمكن قتلهم إل‬ ‫باجتماع ألف أو ألوف‬ ‫من الملئكة .‬ ‫إل أن فى هذا من شأن تعظيم المشركين ورفع شأنهم والشادة بشجاعتهم ، مال يصدر عن عاقل إل إذا‬‫سلب بعض عقله لتصحيح روايات باطلة ل يصح لها سند ولم يرفع منها إلى رسول ال حديث ، وإنما ورد فيها‬ ‫حديث مرسل عن ابن عباس ذكره اللوسي وغيره بغير سند .‬ ‫وابن عباس لم يحضر غزوة بدر لنه كان صغيرا فرواياته عنها حتى فى الصحيح مرسلة ، وقد روى‬ ‫19‬ ‫عن غير الصحابة حتى روى عن كعب الحبار وأمثال كعب الحبار ممن ل يوثق برواياتهم .‬ ‫هذا ما قاله عالم دارس وفقيه متمكن وشيخ جليل ، أل يكفى هذا كى يخرس ألسنة المتفيقهين والمتعالمين‬‫والمتشنجين الذين نصبوا أنفسهم- أو نصبهم السلطان – سدنة وحراسا على بوابات الفتوى وشرح أمور الدين ؟‬ ‫31- آثــار بـدر :‬ ‫انتشر خبر انتصار المسلمين فى غزوة بدر انتشار العاصفة فى كل ربوع شبه جزيرة العرب . أصاب‬ ‫الجميع بالوجوم والذهول البالغ حد الخوف والرهبة . محمد بن عبد ال ، اليتيم الطريد ، المتهم من قريش‬ ‫بالدعاء والجنون ، وأتباعه المستضعفون المهانون الذين نكلت بهم قريش وأهانتهم وأذلتهم ، هؤلء‬ ‫19 أحمد حسن الباقوري ، ص ٩٧-١٨ .‬
  • 68. ‫المستضعفون فى مكة أبادوا خيرة سادة قريش فى أول مواجهة بالسلح فى بدر. كانت المعركة فاصلة وقاصمة‬ ‫، أصابت مكة كلها وما حولها بذهول يكاد يصل إلى حد الخبال . كان المستحيل بالنسبة لهم أن يحدث ما حدث‬ ‫ولكنه قد حدث . وما حدث أثار الذعر والرعب فى‬ ‫قلوب المشركين .‬‫ُ ِ َت مكة بالخبر النكبة . كان أول من قدم وتكلم الحي ُمان بن عبد ال الخزاعي. وبثقة من شهد بعينيه .‬ ‫س‬ ‫صعق‬ ‫أعلن وقوع الكارثة ، قال : قتل عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم بن هشام ، وأمية بن خلف ،‬ ‫وزمعة بن السود ، و ُبيْه وم َ ّه ابنا الحجاج ، وأبو البخترى بن هشام .‬ ‫ُنب‬ ‫ن‬ ‫سمعه صفوان بن أمية ، وكان جالسا بال ِجْر طلب من بعض من هم حوله أن يسألوا ذلك الذى جاء‬ ‫ح‬ ‫بالخبر إن كان صفوان بن أمية هو أيضا قد قتل . السؤال بالطبع ينم عن عدم التصديق المغلف بالسخرية . لكن‬ ‫الحيسمان تغاضي عن سخرية الزدراء التى يتضمنها السؤال . أشار إلى صفوان وأقسم أن قد رأى أباه وأخاه‬ ‫حين قتل .‬ ‫بعد أن تأكد صفوان من حقيقة ما حدث ، أقسم أن لبد وأن يأخذ بثأر أبيه وأخيه، وأن يسرع بالفعل‬ ‫منفردا قبل أن تجمع قريش أمرها ، ولتجمع بعد ذلك على ما تجمع. دم أبيه وأخيه يستصرخانه وعليه أن يقدم‬ ‫على ما تمليه عليه غضبته الجاهلية فى الخذ بالثأر. الدم بالدم ، ودم بلل لن يكون أبدا بدم أبيه. قتل بلل فى‬ ‫هذه الحالة فيه تشريف "للعبد" ، لبد من قتل محمد . نعم ، لبد من قتل محمد نفسه . وبذلك يريح صفوان‬ ‫ويستريح : يريح قريشا وينقذها من خطر قادم فى بلء قد ل يبقى ول يذر، ويستريح هو وقد فعل ما لم يجرؤ‬ ‫على فعله أحد ، أو جرؤ وما استطاع .‬‫تحدث صفوان بن أمية إلى عمير بن وهب ال ُمحي ، بعد حلول المصاب بوقت قصير. وكان عمير - كما‬ ‫ج‬ ‫يصفه ابن إسحق – شيطانا من شياطين قريش وممن كان يؤذي النبي وأصحابه ويلقون منه عناء وهو بمكة .‬ ‫هذا إلى جانب أن ابنه وهب كان بين السرى فى المدينة ، لم يطلق سراحه ، على أمل أن يأتي من يدفع الفدية‬ ‫ويح ّ وثاق السير. ولم يتقدم أحد .‬ ‫ل‬ ‫اتفق صفوان وعمير على أن يذهب عمير إلى المدينة ، ويستخدم كل ما يتفتق عنه ذهنه من حيلة ودهاء‬ ‫حتى يتمكن من قتل محمد وفك إسار ولده . مقابل ذلك يقوم صفوان بسداد كل ديون عمير ، بالضافة إلى أن‬ ‫يرعي عياله ما بقوا ، وكأنهم أولده ، ل يبخل عليهم بشئ .‬ ‫تم التفاق فى طي الكتمان . ما علم به أحد. شحذ عمير سيفه وغمسه فى السم . مجرد خدش مهما كان‬ ‫بسيطا وينتهي المر. مكروا وأجادوا المكر. ما دار بخلدهم أن مكرهم ضئيل هزيل إذا ما قورن بمكر "خير‬ ‫الماكرين".‬
  • 69. ‫قدم عمير المدينة . أناخ على باب المسجد متوشحا سيفه. لمحه الفاروق عمر. فى لمح البصر أدرك : هذا‬ ‫الكلب عدو ال عمير بن وهب ما جاء إل لشر. أمر رجال من النصار كانوا حول النبي أن يكونوا على يقظه‬ ‫تامة ويحذروا شر ذلك القادم من قريش.‬ ‫لكن النبي ، بطمأنينة الواثق بقدر ال ، قال : أدخله عل ّ . دخل وعمر آخذ بحمالة سيفه والمسلمون‬ ‫ي‬ ‫يحيطون به . ما كان باستطاعته فعل شئ . سأله النبي عن سبب مقدمه. أجاب بأنه ما جاء إل من أجل ولده‬ ‫السير. كان يكذب وكان النبي يعرف أنه يكذب ، لسبب واحد بسيط ، وهو أن النبي كان على علم بكل ما دار‬ ‫بينه وبين صفوان بن أمية. كان للنبي عيون فى مكة ترصد كل شئ ، مسلمون يكتمون إسلمهم ومسلمون‬‫أعلنوا إسلمهم وتحملوا كل بذاءات قريش ، ول يجب أن ننسى العباس بن عبد المطلب الذى اتهمه بعض كتاب‬ ‫السيرة أنه كان يتجسس لحساب النبي .‬ ‫افتضح أمر عمير. وبكل تأكيد تخيل دمه مراقا عند قدميه ، فقد أساء فى الماضى وبالغ فى الساءة ، ثم‬ ‫أضاف إلى ما سبق من جرائم شوهاء محاولة القدام على قتل النبي، وسيفه المسموم معلق فى عنقه ، شاهد‬ ‫صدق على جرم حامله .‬‫لم يكن أمام عمير من سبيل سوي العتراف . اعترف . أعلن إسلمه . أطلقوا له أسيره . أخذ ولده ورحل‬ ‫. ويقال إنه صدق فى إسلمه وجهر به فى مكة ، ثم أخذ يدعو إلى السلم . ويقول ابن إسحق إن عميرا آذي‬ ‫29‬ ‫من خالفه " أذى شديدا فأسلم على يديه ناس كثيرون ".‬ ‫ول نعرف بالطبع كيف يدعو إلى السلم ويؤذى من خالفه أذى شديدا ، وهذا ليس من جوهر الدين . إن‬ ‫ما قام بفعله كان ل يختلف كثيرا عما كانت تفعله قريش . لكن هذا ما يقوله ابن إسحق . ول نضيف . فقد مللنا‬ ‫كثرة التعليق .‬ ‫بلغت الهزيمة أبا لهب ، عم النبي وسيد بنى هاشم بعد موت أبى طالب . طلب من أبى سفيان بن الحارث‬‫أن يقص عليه كيف حدث ما حدث ، فالكرب هائل ووقوعه مذل مهين . قال أبو سفيان ، وقد بدا مسحوقا بذهول‬‫الصدمة : وال ما هو إل أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا كيف شاءوا ويأسروننا كيف شاءوا ، وأيم ال مع‬ ‫ذلك ما‬ ‫39‬ ‫لمت الناس .‬ ‫اهتز أبو لهب وارتعد ، وكأن الرض قد زلزلت زلزالها. خلل أسبوع واحد‬ ‫قتلته الحمي .‬ ‫وعن موت أبى لهب ، تقول بيتى كيلين : سقط عدد كبير من قريش قتلى فى معركة بدر ، أما عن أبى‬ ‫لهب ، عم محمد ، الذى لم يشترك في المعركة ومكث فى مكة ، فقد مات بالطاعون ، كما لو كانت يد ال قد‬ ‫29 ابن هشام ، جـ ٢ ، ص ٩٠٣ .‬ ‫39 ابن هشام ، ج ٢ ، ص ٩٠٣ .‬
  • 70. ‫أودت بحياته كى تخلص‬ ‫49‬ ‫محمدا منه .‬‫ناحت قريش على قتلها ، ثم كفوا . نواحهم يجب أل يبلغ محمدً وأصحابه فيشمتوا بهم. هكذا خيل لهم ،‬ ‫ا‬ ‫لنهم عجزوا عن فهم حقيقة السلم وجوهر رسالة النبي.‬‫تحجرت الدموع فى عينى هند بنت عتبة . لقد قتل أبوها وعمها وأخوها ، عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة‬ ‫والوليد بن عتبة بن ربيعة . أقسمت أن ل يقربها زوجها، وأن ل يمس جسدها طيب ، حتى تأخذ بثأرها وتنتقم‬ ‫لقتلها. خالفت فى ذلك نساء مكة اللئى غلبهن النواح على القتلى . ولقد ذهب بعضهن إلى هند يسألنها : أل‬ ‫تبكين على أبيك وأخيك وعمك وأهل بيتك ؟ قالت : أنا أبكيهم فيبلغ محمدا وأصحابه فيشمتوا بنا ويشمت بنا‬ ‫نساء الخزرج !! ل وال حتى أثأر من محمد وأصحابه. والدهن عل ّ حرام حتى نغزوا محمدا .‬ ‫ى‬ ‫وال لو أعلم أن الحزن يذهب من قلبى لبكيت ، ولكن ل يذهب حتى أرى ثأري بعيني من قتلة الحبة .‬ ‫ومكثت ل تقرب الدهن ول تقرب فرش أبى سفيان وتحرض الناس حتى كانت وقعة أحد .‬ ‫أما أبو سفيان ، الذى أصبح زعيم قريش بعد أن قتل كبراؤها ومات أبو لهب محموما ، فقد نذر أل يمس‬ ‫رأسه ماء من جنابة وأل يطعم دهنا ، حتى يغزو محمدا ويأخذ بالثأر . ولكنه لم يستطع أن يصبر طويل. أراد‬ ‫أن يبر بقسمة سريعا ، فخرج فى ذي الحجة فى مائتي راكب من قريش حتى اقترب من المدينة . ذهب تحت‬ ‫جنح الليل وحده إلى يهود بنى النضير، وهو يعرف مقدار عدائهم الكامن لمحمد رغم سكوتهم عليه. طرق باب‬ ‫ُ َ ّ بن أخطب فأبى أن يفتح له ، خاف مغبة ما قد يحدث . انصرف أبو سفيان إلى س ّم بن ِشْكم ، سيد بنى‬ ‫م‬ ‫ل‬ ‫حيى‬ ‫النضير آنذاك ، فاستقبله واحتفى به وأحاطه بخبر محمد وأصحابه .‬ ‫عندما عاد أبو سفيان إلى رفاقه ، بعث رجال منهم إلى ناحية من المدينة يقال لها "العريض" ، فحرقوا‬ ‫نخيلها وقتلوا رجل من النصار وصاحبا له كانا فى حرث لهما. ثم انصرف أبو سفيان ومن معه .‬ ‫وصل الخبر النبي فأسرع فى طلب أبى سفيان . لكن أبا سفيان أسرع بالفرار. ما أراد ، وما كان‬‫باستطاعته ، فى هذه الغزوة السريعة الضئيلة فى حصادها ، أن يواجه النبي وأصحابه . لذا تخلص من الزواد‬ ‫التى تزود بها هو ومن معه ، طرحوها كى يتخففوا منها طلبا للنجاة . وكان أكثر ما طرحوه من أزوادهم "‬ ‫السويق " ، وهو عبارة عن حنطة أو شعير مطحون يخلط باللبن والعسل والسمن ، وبذلك يصبح زادا مشبعا‬ ‫لسد رمق المسافرين .‬ ‫جمع المسلمون ما طرحه المشركون وهم يفرون ، لذا سميت هذه الغزوة الخائبة : غزوة السويق .‬‫ما سبق وقدمناه ، كان بعض ما ُمس من آثار لمعركة بدر فى مكة . أما عن آثارها فى المدينة ، وموقف‬ ‫ل‬ ‫اليهود والمنافقين والكارهين ، من النبى قبل المعركة وبعدها ، فنرى أن نفرد له فصل كامل .‬ ‫49. 431 .‪Betty Kelen, p‬‬
  • 71. ‫***‬ ‫الفصل الثالث‬‫ما بين بدْر وأ ُد‬ ‫ح‬ ‫َ‬
  • 72. ‫الفصــل الثالث‬ ‫ما بين بدر وأحد‬ ‫1- أفرا ٌ بعد بدر :‬ ‫ح‬ ‫بلغت فاطمة العشرين . كانت صغرى بنات النبي. حان وقت تزويجها. من يا ياترى يختاره النبي كى يكون‬‫زوجا لهذه الدرة الغالية ؟ تقدم لخطبتها عمر بن الخطاب. ومن بعده طلب يدها أبو بكر ، كما تقدم لها عدد من‬ ‫شباب المهاجرين وبعض النصار، كل يمني نفسه بالزواج من الزاهرة الجميلة ، وبالنتماء إلي بيت النبي .‬
  • 73. ‫لم يبد النبي موافقته على أى ممن تقدموا لها ، وكان حانيا فى رفضه : ربما لم يحن الوقت بعد. الوقت‬ ‫59‬ ‫المناسب – كما يقول لينجز ‪ - Ling‬سوف تحدده السماء .‬ ‫ربما كان يفكر فى ابن عمه ، على بن أبى طالب ، الذى تربى منذ صغره فى بيت خديجة ، ونشأ مع‬ ‫فاطمة فألفها وألفته حتى بلغت مرحلة الشباب ، وأصبحت فاطمة زهرة متفتحة عطرة ، وغدا على فارسا‬ ‫جسورا يخشاه العدو وتتجنب الكثرة مواجهته فى ميدان القتـال .‬ ‫َل ّ بالتأكيد يود أن يتزوج ابنة النبي ، لكنه يتردد . إنه ل يستطيع ، ل يملك مقدرة أن يتقدم ، يطلب‬ ‫عى‬ ‫يدها، يتزوج . السبب واضح وماكان بخافِ على النبي : لم يكن عل ّ يملك شيئا. كان يعاني من حالة فقر مادي‬ ‫ى‬‫شديد. هذه ليست مبالغة فى القول ، لكنها الحقيقة : لم يرث على شيئا من تركة أبيه ، لم يكن مسموحا له . المسلم‬ ‫ل يرث من مات على الشرك .‬‫شجعه النبي. أعطاه ناقتين من غنائم بدر. وخرج عل ّ يعمل عله يتكسب ما يعينه على نفقات وليمة عرسه‬ ‫ى‬ ‫. لكنه عاد يوما فإذا به يفاجأ بما لم يتوقع : لقد فجع فى ناقتيه. حمزة بن عبد المطلب قام بقطع سنام كل منهما‬ ‫وبقر الخاصر وأخذ الكبد. ارتاع على ، صدمة ما رأى ، سأل من فعل هذا . قالوا : حمزة بن عبد المطلب .‬ ‫أسرع على إلى النبي وأخبره ، كان حمزة فى بيت لهو وطرب ، يشرب الخمر ويستمع إلى غناء إحدي‬ ‫القيان ، غير مكترث بما فعل. انطلق النبى ، يتبعه على وزيد ابن حارثة ، حتى جاء البيت الذى به حمزة .‬ ‫ويصف البخارى الموقف الحرج بقوله : استأذن النبى ، فأذن له ، فطفق يلوم حمزة فيما فعل ، فإذا حمزة ثمل‬ ‫محمرة عينه. فنظر إلى النبي صلى ال عليه وسلم ثم صعد النظر فنظر إلى ركبتيه ، ثم صعد النظر إلى‬ ‫وجهه ، ثم قال : وهل أنتم إل عبيد لبى ، فعرف النبى صلى ال عليه وسلم أنه ثمل ، فنكص على عقبيه‬ ‫69‬ ‫القهقرى ، فخرج وخرجنا معه .‬ ‫بعدها كان لبد من تحريم الخمر تحريما مطلقا . ولم تكن قد حرمت من قبل بصورة قاطعة.‬ ‫ت ّ زواج على وفاطمة بعد أسابيع قليلة من طلب على يدها. ساعدها النبى قدر المستطاع . كان على َلى‬ ‫ع‬ ‫م‬‫أن يعمل بكل طاقته كى يخرج من حالة الحتياج التى فرضتها عليه ظروف الهجرة . يقول لينجز : ولكى يتغلبا‬ ‫على فقرهما كان عل ّ يتكسب بسحب الماء من البار وحمله إلى الناس ، أما فاطمة فقد عملت بطحن الغلل ،‬ ‫ى‬ ‫79‬ ‫وكانت تعمل حتى يبلغ منها الكلل مبلغة .‬ ‫ورغم حزن النبي على ابنته رقية التى فارقت الحياة أثناء غيابه فى غزوة بدر، إل أنه وجد شيئا من‬ ‫العزاء عندما عرض عليه عثمان أن يتزوج ابنته أم كلثوم ، وسر عثمان بموافقة النبى سرورا بالغا إذ وجد فى‬ ‫ذلك تقديرا له من النبي ، وقد كان حريصا على أن تستمر صلة نسبه ببيت النبوة .‬ ‫59 . 361 .‪Lings, p‬‬ ‫69 أبو زهرة ، جـ ٢ ، ص ٥٩٥ .‬ ‫79 . 361 .‪Lings, p‬‬
  • 74. ‫قبل أن يشيع خبر خطبة عثمان لم كلثوم ، ذهب عمر بن الخطاب إلى عثمان عارضا عليه أن يزوجه‬ ‫ابنته حفصة . كانت حفصة فى الثامنة عشرة من عمرها على قدر متميز من الجمال . وقد أخذت عن أبيها‬ ‫بعض صفاته كالكياسة والحزم والذكاء. وأيضا سرعة النفعال . كان زوجها خنيس بن حذافة قد تزوجها بعد‬ ‫عودته من الحبشة، ثم أصيب فى بدر وتوفى بعدها .‬ ‫لم يظفر عمر من عثمان على الموافقة المرجوة ، فتوجه مباشرة إلى أبى بكر وعرض أن يتزوج‬‫حفصة ، لكنه ووجه بنفس الموقف ، مما دفعه إلى الذهاب إلى النبي مباشرة يشكو إليه سلوك صاحبيه . وفوجئ‬ ‫عمر فى حضرة النبى بما لم يكن يتوقعه ، عرض عليه النبي ما لم يخطر له على بال : أن تكون حفصة زوجه‬‫له ، أى ُ ّا من أمهات المؤمنين . هكذا تتزوج حفصة من هو خير من عثمان ، ويتزوج عثمان من هى خير من‬ ‫أم‬ ‫حفصة . وأخبرأبو بكر عمر ، فيما بعد . أن إعراضه عن حفصة كان لسابق علمه أن النبي قد اختارها لنفسه .‬ ‫وبذلك تبدد ما بدا من جفاء وقد كان عارضا ، بين عمر وأبى بكر وعثمان .‬ ‫هكذا ارتبط صفوة الصفوة من الصحابة – أبو بكر وعمر وعثمان وعلى – ببيت النبوة ، وكانوا أعلم‬ ‫الخلفة فى فترة ما بعد النبي .‬ ‫2- سرية زيـد :‬‫بعد انتصار بدر . ذاع صيت المسلمين كمقاتلين أشداء ، يبعث بأسهم الرهبة فى قلوب المشركين . لذا فقد‬ ‫قررت قريش أن تغير طريق تجارتها إلى الشام ، تجنبا لخسائر ومعارك قد تفرض عليها دون أن تكون قادرة‬ ‫على التصدى لها. تركوا طريق البحر الحمر، واختاروا طريق نجد إلى العراق مرورا بشرق المدينة . كان‬‫الطريق طويل وشاقا ويحتاج إلى الكثير من الزاد والماء ، ولوعورته وخطورته كان لبد لمن يسلكه أن يستعين‬ ‫بدليل خبير على دراية بكل المسالك والدروب .‬ ‫خرجت إحدي قوافل قريش تحت إمرة صفوان بن أمية ، وقد اتخذوا من فرات بن حيان من بنى بكر بن‬ ‫وائل مرشدا لهم . كانت الغير ، وعددها كبير، تحمل من البضائع والفضة ما يقدر بمائة ألف درهم .‬ ‫وصل خبر القافلة إلى النبي عن طريق أحد عيونه من المسلمين . لم يكذب النبى الخبر، فعير قريش لم‬‫تمرفى طريقها إلى الشام فى ميعادها المعلوم. وكان النبى يعرف جيدا - بحكم النشأة والبيئة - متى تخرج تجارة‬ ‫قريش إلى الشام ومتى تخرج إلى اليمن. وبما أنها لم تمر فى ميعادها المعلوم ، فهذا معناه أنها بالفعل قد غيرت‬ ‫الطريق .‬ ‫أمر النبي زيد بن حارثة أن يسرع بالخروج كى يعترض القافلة ، فخرج فى مائة رجل . وهى أول قافلة‬ ‫يخرج فيها زيد بن حارثة أميرا. كان ذلك فى بداية جمادي الول فى السنة الثالثة من الهجرة .‬‫فاجأ زيد القافلة عند ماء من نجد يقال له ماء ال َرْدة . وما أن رآهم المشركون حتى تركوا العير وما عليها‬ ‫ق‬ ‫ولذوا بالفرار دون قتال . لم يفكر أى منهم فى الدفاع عن عير قريش وأموالها ، فالتصدى للمسلمين بعد بدر‬ ‫كان يشكل لهم نوعا من الخشية تصل إلى حد الرعب . وأضيف إلي خزي قريش فى بدر خزي جديد .‬
  • 75. ‫ظفر زيد بالعير وأحمالها ، وأفلت أعيان القوم باستثناء فرات بن حيان الذى ُ ِذ أسيرا. كان الخمس‬ ‫أخ‬‫حوالى عشرين ألف درهم أخذه النبى ، ووزع ما تبقى على رجال السرية . أما السير فقد أعلن إسلمه وبعدها‬ ‫أطلقه النبي .‬ ‫3- صغائر بعض الكارهين:‬ ‫يقول ابن إسحق إنه عندما قدم النبي للمدينة ، كان سيد أهلها عبد ال بن ُ َ ّ ابن سلول العوْفى .. ما‬ ‫أبى‬ ‫اختلف على شرفه اثنان ، ولم تجتمع الوس والخزرج قبله ول بعده على رجل من أحد الفريقين حتى جاء‬ ‫السلم ... ومعه فى الوس رجل هو فى قومه من الوس شريف مطاع . أبو عامر عبد عمرو بن صيْف ّ بن‬ ‫ي‬ ‫89‬ ‫النعمان .. وكان قد ترهب فى الجاهلية ولبس ال ُ ُوح. وكان يقال له الراهب .‬ ‫مس‬ ‫لم يتجاوب أبو عامر مع ما دعا إليه النبي ، لم يؤمن بما جاء به ، أظهر عداءه واضحا وأنكر أن محمدا‬ ‫يأتيه الوحي من السماء. ورأى النبي أنه ل يستحق لقب الراهب ، فسماه الفاسق .‬ ‫ويقال إن أبا عامر أتى النبي حين قدم المدينة ، سأله : ما هذا الدين الذى جئت به؟ قال النبي : جئت‬‫بالحنيفية دين إبراهيم . قال أبو عامر : فأنا عليها . قال النبى : إنك لست عليها . قال : بلى ، إنك أدخلت يا محمد‬‫فى الحنيفية ما ليس منها. أجاب النبى : ما فعلت ولكني جئت بها بيضاء نقية . قال أبو عامر يعرض بالنبي: إنك‬ ‫99‬ ‫ما جئت بها كذلك .‬ ‫خرج أبو عامر إلى مكة مباعدا النبي ، ومعه من التباع خمسة عشر رجل ، ويقال خمسون. حارب فى‬ ‫صفوف قريش ضد النبي فى معركة أحد . ويبدو أنه مكث فى خيبر بعض الوقت . وبعد فتح مكة رحل إلى‬ ‫الطائف ، وعندما خضعت هى أيضا رحل إلى سوريا ، وعاش بها غريبا وحيدا طريدا حتى مات .‬ ‫كان سلوك أبى عامر مختلف تمام الختلف عن سلوك قريبة من ناحية الم: عبد ال بن ُبى الخزرجي‬ ‫أ‬ ‫الذى رفض ترك المدينة منهزما كما فعل أبو عامر. كان ابن ُبى فى قومه صاحب مكانة عالية ، ل تطاول‬ ‫أ‬ ‫هامته هامة أى رجل من رجال المدينة. ولقد نظم له قومه الخرز كي يتوجوه عليهم ملكا ، لول قدوم النبي.‬ ‫توقف كل شئ . لم يعودوا فى حاجة إليه ملكا ، أو غير ملك ، انصرفوا عنه إلى السلم والتفوا حول النبي.‬ ‫هكذا خيل لبن ُبى أن النبي قد استلبه ُلْكا ، وهو الغريب الدخيل .. أخذ مال يستحق أن يأخذ ، واحتل‬ ‫م‬ ‫أ‬‫مكانة كان ابن أبى على وشك أن يحتلها ، رغم أن النبي لم ي ّع يوما أنه ملك أو أمير ، أنكر ذلك صراحة وبكل‬ ‫د‬ ‫001‬ ‫وضوح : لست بملك ول جبار. إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد .‬ ‫ضغن ابن ُبى على النبى ، لكنه عندما رأى قومه قد أبوا إل السلم دخل فيه كارها. أعلن إسلمه بعد‬ ‫أ‬ ‫بدر مباشرة ، لكنه لم يؤمن ، أسلم عن نفاق و ِغْن والحقد يمل قلبه .‬ ‫ض‬ ‫89 ابن هشام ، جـ ٢ ، ص ٦١٢.‬ ‫99 ابن هشام ، جـ ٢ ، ص ٧١٢ .‬ ‫001 مختصر تفسير ابن كثير ، جـ ١ ، ص ١٢١ .‬
  • 76. ‫دخل ابن ُبى السلم ، إذن ، كارها منافقا. أصبح رأس النفاق فى المدينة . بدرت منه تصرفات تسئ إلى‬ ‫أ‬‫النبي وإلى المسلمين وتثير غضبهم ، لكن النبي تحمله فى صبر الحليم ، يصفح عنه ويعفو ، ولو كان غير النبي‬ ‫لعاقب وبطش . وتمادي ابن أبى فى غيه لدرجة أن ابنه عبد ال عرض على النبي أن يقوم هو بنفسه بقتل أبيه‬ ‫لكن النبي رفض .. ظل يحسن معاملته حتى مات فصلى عليه قبل دفنه . وبذلك أحسن النبي وبالغ فى الحسان‬ ‫لمن نافق وأساء وبالغ فى الساءة والنفاق .‬ ‫نكتفى فى هذا المجال بمثل أو مثلين لوقاحات ابن أبى وتكبره المتغطرس وهو يعامل النبي ، وقد خدعه‬ ‫هدوء صاحب الدعوة ، الذى ل يتخذ من الغضب ملجأ ، وهو يدعو إلى ال .‬ ‫قيل للنبي لو أتيت عبد ال بن أبى ، فانطلق إليه ، وركب حمارا ، وانطلق معه المسلمون يمشون . فلما‬ ‫أتاه النبي ، قال ابن أبى فى صفاقة ووقاحة : إليك عني ، أى تنح وابتعد عني ، فوال لقد آذاني نتن حمارك .‬‫فقال له رجل من النصار : وال لحمار رسول ال أطيب منك ريحا. فغضب لعبد ال رجل من قومه ، وغضب‬ ‫101‬ ‫للنصارى آخرون من قومه ، فكان بينهم ضرب بالجريد واليدى والنعال .‬‫وعندما خرج النبى يوما كى يعود سعد بن عبادة وقد أل ّ به المرض ، مر فى طريقه بعبد ال بن ُبى وهو‬ ‫أ‬ ‫م‬ ‫جالس فى ظل ُ ُمة )حصنه(. نزل النبي عن حمار كان يركبه. فسلم ثم جلس . أخذ يتلو القرآن ، يدعو إلى‬ ‫أط‬ ‫ال ، مبشرا ونذيرا . استمع عبد ال بن ُبى فى صمت ، لم ينطق ، حتى إذا ما فرغ النبي من كلمه ، قال عبد‬ ‫أ‬ ‫ال :‬ ‫يا هذا !!‬ ‫وللقارئ أن يتصور ما فى عبارة " يا هذا " من سوء أدب وقلة حياء عندما توجه إلى نبي. ول يكتفى‬ ‫رأس النفاق المتغطرس بهذه العبارة ، بل يغلظ فى القول : يا هذا ، إنه ل أحسن من حديثك هذا ، إن كان حقا‬ ‫فاجلس فى بيتك فمن جاءك له فحدثه إياه ومن لم يأتك فل َغّه به .‬ ‫ت ُت‬ ‫قام النبي فى صمت ، دخل على سعد بن عبادة وعلي وجهه آثار كلمات عبد ال ابن أبى . ورأى ابن‬ ‫عبادة تغيرا في وجه النبي ، قال : وال يا رسول ال إنى لري فى وجهك شيئا لكأنك سمعت شيئا تكرهه ، قال‬ ‫النبى : أجل ، ثم أخبره بما قال ابن أبى. فقال سعد : يا رسول ال ، أرفق به ، فوال لقد جاءنا ال بك وإنا لننظم‬ ‫201‬ ‫له الخرز لنتوجه وإنه ليرى أنك قد سلبته ملكا .‬ ‫كان ذلك المنافق المتكبر يكره النبي ويشير إليه دوما بعبارة : ابن أبى كبشة . ول نعرف لماذا كان ابن‬ ‫ُبى يشير إلى النبي بهذا القول ، فى استخفاف محاول الستهانة به والتقليل من قدره . يرى مونتجمرى وت أن‬ ‫أ‬ ‫" كبشة " كان اسما نسائيا معروفا فى المدينة . لكن لم يحدث أن وجد هذا السم فى مكة .. وليس هناك ما يدل‬ ‫101 الصابوني ، تفسير آيات الحكام ، جـ ٢ ، ص ٧٧٤ .‬ ‫201 ابن هشام ، جـ ٢ ، ص ٩١٢- ٠٢٢.‬
  • 77. ‫على أيه صلة بين هذا السم وأبى كبشة مولى محمد ، الذى حارب كمسلم فى معركة بدر. وإطلق هذا السم‬ ‫301‬ ‫على محمد ربما يعني أن أبا محمد أو أحد أجداده لمه كانت كنيته " أبا كبشة".‬ ‫لم يكن عبد ال بن أبى هو أول من أطلق هذه العبارة على النبي ، إذ استخدمها من قبله أبو سفيان بن‬‫حرب. عندما قال ، بعد مقابلة له مع هرقل عظيم الروم سأله فيها عن النبي : لقد أ ّ ِ أمر ابن أبى كبشة . ويقرر‬ ‫مر‬ ‫المام الشيخ محمد أبو زهرة أن أبا كبشة هو زوج المرضع التى أرضعت النبي ، أى زوج حليمة السعدية401.‬ ‫وهذا أقرب تفسير لطلق هذه العبارة على النبي ، سواء فى مكة أو فى المدينة .‬ ‫كان ابن ُبى ، كما سبق وأوضحنا ، يكره النبي ويحاول فى أية لحظة مواتية أن يظهر زرايته به ، كما‬ ‫أ‬‫كان يكره المهاجرين ويعاملهم فى غرور وصلف ، مشيرا إليهم، عند الحديث عنهم ، بـ " الجلليب " استخفافا‬ ‫بهم وتحقيرا لشأنهم . ولقد استمر فى هذا السلوك المشين ، يكره وينافق وينشر الشائعات ويحاول الوقيعة بين‬ ‫المسلمين ، حتى آخر أيام حياته .‬ ‫ربما كان ابن أبى بمقاييس عصره ، وفى جاهليته ، علي درجة كبيرة من الرفعة والشرف, لكنه بمقاييس‬ ‫السلم لم يكن كذلك. إذ أنه من المستحيل أن يوصف بالشرف رجل امتلك دارا للبغاء تدر عليه ربحا وفيرا ،‬‫يطعم هو منه ويطعم من هم حوله ، والشريف - وهذا عرض سائد حتى بين العوام – ل يأكل من عرق الغواني‬ ‫ول يتاجر بأثداء النساء .‬ ‫وفى ست جوا ٍ لعبد ال بن ُبى ، أكرههن على البغاء ، نزلت الية الكريمة : " ول تكرهوا فتياتكم‬ ‫أ‬ ‫ر‬‫على ال ِغاء ، إن أردن َ َ ّنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن ال من بعد إكراههن غفور رحيم "‬ ‫تحص‬ ‫ب‬ ‫)النور: 33( . ويقال إن الجوارى الست هن : معاذة ، ومسيكة ، وأميمة ، وقتيلة ، وعمرة ، وأروى . كان ابن‬ ‫أبى يكرههن على الزنا ليستدر من ورائهن المال .‬‫والبغاء العام فى الجاهلية وحتى مقدم السلم وتحريمه له - كما يذكر الشيخ الصابوني- ينقسم إلى قسمين‬ ‫:‬ ‫الول : أن بعض السادة كانوا يفرضون على إمائهم مبلغا كبيرا من المال يتقاضونه منهن فى كل شهر ،‬ ‫فكن يكسبن بالفجور ، لنه ل يمكنهن أن يدفعن ما فرضه عليهن سادتهم بحرفة طاهرة ، فكن يحترفن البغاء .‬‫الثاني : أن بعض العرب كانوا يجلسون الفتيات الشابات من إمائهن فى الغرفات، وينصبون على أبوابهن‬ ‫رايات ، تكون علما لمن أراد أن يقضى منهن حاجته ، وكانت بيوتهن تسمي المواخير ، وكانوا يستدرون من‬‫ورائهن المال . فإذا أبت أحداهن أو تعففت عن ممارسة هذه الرذيلة ضربها سيدها وأكرهها على مزاولة الحرفة‬ ‫501‬ ‫حتى ل ينقطع عنه ذلك المورد الخبيث الذى كان يكسبه المال الوفير.‬ ‫301‬ ‫. 473 .‪Montgomery Watt, Muhammad at Madina, p‬‬ ‫401 أبو زهرة ، جـ ٣ ، ص ٩٥٨ .‬ ‫501 الصابوني ، تفسير آيات الحكام ، جـ ٢ ، ص ٦٩١.‬
  • 78. ‫معني هذا ، أنه فى بداية عهد النبي بالمدينة كانت هناك دور للبغاء يديرها عبد ال ابن ُبى ، وبالطبع‬ ‫أ‬ ‫كانت هناك دور أخرى . وما كان أهل المدينة يرون فى ذلك ما يقلل من قدر ابن أبى أو ينال من مكانته‬ ‫ورياسته وزعامته. كان المر مألوفا ، حتى ح ّمه القرآن . ونعتقد أن حمزة بن عبد المطلب - عندما تطاول‬ ‫ر‬ ‫على النبي ومن معه وهو سكران – كان فى بيت ابن ُبى يشرب الخمر ويستمع إلى القيان . وبعدها حرم‬ ‫أ‬ ‫السلم الخمر تحريما قاطعا ، كما حظر وحرم البغاء .‬ ‫ورغم نصر بدر الذى كان له دوى فى كل أرجاء شبه جزيرة العرب . إل أن القاويل الباطيل ظلت‬ ‫تلحق النبى من المشركين والمنافقين وعلى رأسهم عبد ال ابن أبى ، وكذلك من اليهود الذين أفزعهم انتصار‬ ‫النبي وأخافهم تزايد قوته وتملكتهم الخشية أن يبسط نفوذه وسطوته على المدينة وما حولها ، وفى هذا تهديد‬ ‫لوجودهم فى أرض اعتقدوا أنهم هم سادتها وسيظلون دون أن ينازعهم فى سلطانهم أحد .‬ ‫4- أحقاد اليهود :‬ ‫أشرنا من قبل إلى يهود يثرب وإلى وضعهم فى وثيقة العهد التى كتبها النبي بعد أن استقر به المقام فى‬ ‫المدينة .‬ ‫باختصار شديد ، نشير إلى أن اغلب المؤرخين ُرْ ِ ُون قيام المستعمرات اليهودية إلى القرن الول‬ ‫ي جع‬‫الميلدي. لكنه من غير الواضح وغير المحدد بصورة قاطعة كيفية وصول هؤلء اليهود إلى يثرب ، وعما إذا‬ ‫كانوا من أصول عبرانية خالصة .‬ ‫هذه النقطة الخاصة بأصل يهود يثرب كانت محل جدل كثير وطويل ، أثاره بعض المستشرقين ودارسو‬ ‫الديان فى بعض دول الغرب . ويرى مونتجمرى وت أن نقاش الطرفين لم يصل إلى اتفاق عام ، خصوصا‬ ‫وأن هناك بعض العشائر العربية التى يشار إليها على أنها عشائر يهودية ول تثير هذه الشارة دهشة أحد ،‬ ‫فعلى سبيل المثال تتضمن العشائر اليهودية : بنى مرثد ، وبنى معاوية ، وبني جذمع ، وبنى نغيصة ، وبنى‬ ‫زاعورة ، وبنى ثعلبة ، رغم أن أولى هذه العشائر جزء من قبيلة " بلى " العربية والثانية جزء من " َُيْم "‬ ‫سل‬ ‫601‬ ‫والثالثة والرابعة جزئ من عرب اليمن ، والعشيرتين الخيرتين من عرب غسان .‬ ‫وعندما قدم الوس والخزرج من الجنوب ، أى من اليمن إلى يثرب وجدوها تحت سيطرة اليهود ، رغم‬‫وجود قلة من العرب الذين لم يبلغ شأنهم شأن اليهود من حيث المكانة والعدد ، وقد اندمجوا بسهولة فى المجتمع‬ ‫اليهودي ، ومن المحتمل أنهم تزاوجوا واعتنق بعضهم الديانة اليهودية . وبناء عليه ، فل يوجد ما يثير الدهشة‬ ‫إذا ما تمت الشارة إلى بعض العشائر العربية على أنها عشائر يهودية .‬ ‫601‬ ‫. 291 .‪Montgomery Watt, Muhammad at Madina, p‬‬
  • 79. ‫القبائل اليهودية ذات الصيت والنفوذ ، أيام النبى ، كانت : بنى قريظة ، وبنى النضير، وبنى قينقاع . كان‬ ‫عدد البالغين فى القبائل الثلث ، التى يقال إنها من أصل يهودى خالص ، يزيد قليل عن اللفين : فى بنى‬ ‫قريظة ما بين سبعمائة وتسعمائة ، وفى بنى النضير حوالى سبعمائة ومثلهم تقريبا فى بنى قينقاع .‬ ‫لم تكن هذه القبائل على وفاق مع بعضها البعض ، لم تربطها يوما وشائج قوية سواء كانت سياسية أو‬ ‫اجتماعية ، إذ انحاز بنو قينقاع إلى الخزرج فى معركة بعاث ضد الوس الذين انحاز إليهم يهود بنى قريظة‬‫وبنى النضير ، وهى المعركة التى انتصر فيها الوس على الخزرج. ولم يتردد اليهود ، أثناء المعركة ، فى قتل‬ ‫بعضهم البعض . ولقد ترسبت مرارة تلك المعركة فى نفوس اليهود من الطرفين ، فلم يتوحدوا بعدها ، حتى‬ ‫عندما دعتهم الحاجة إلى التوحد فى عدائهم للنبي .‬ ‫كانت قبيلة بنى قينقاع ل تمتلك أرضا . لكنها كانت تسيطر على السوق التجارى بالمدينة وأبرز ما فيه‬ ‫صياغة الذهب . أما بنو قريظة وبنو النضير فقد كانوا يسيطرون على أخصب الراضى الزراعية التى‬ ‫استثمروا مساحات كبيرة منها فى زراعة النخيل. ويبدو أنهم كانوا أصحاب خبرة كبيرة ، أى روادا ، فى هذا‬ ‫المجال .‬‫قوة اليهود آنذاك . بالنسبة للعرب ، كانت تكمن فى وفرة ثرائهم وكثرة سلحهم ، إذ كانوا من أمهر صناع‬ ‫السلح . هذا إلى جانب عدد ل بأس به من الحصون المنيعة )ا ُ ُم( التى كانوا يعيشون فيها ويستخدمونها‬ ‫لط‬ ‫كقلع يصعب اختراقها فى حالة الحرب. وقد بلغت الطم التى أقاموها ما يقرب من الستين ، بينما لم يكن‬ ‫للعرب سوى ثلثة عشر أطما على أكثر تقدير.‬ ‫كان يهود يثرب يتقنون العربية إلى جانب لغتهم الصلية التى كانوا يستخدمونها فى الغراض الدينية‬ ‫والتعليمية. ولقد أمر النبي زيد بن ثابت أن يتعلم لغة اليهود. وقد قيل للنبي عن زيد : هذا من بنى النجار ، وقد‬ ‫قرأ سبع عشرة سورة ، فقرأت عليه فأعجبه ذلك ، فقال تعّم كتابة يهود ، فإني ما آمنهم على كتابى ، ففعلت .‬ ‫ل‬ ‫فما مضى لى نصف شهر حتى حذفته ، فكنت اكتب له إليهم ، وإذا كتبوا إليه قرأت . وفى حديث آخر عن زيد‬ ‫بن ثابت ، قال : قال لى النبي صلى ال عليه وسلم : إني اكتب إلى قوم فأخاف أن يزيدوا على أو ينقصوا ،‬ ‫ّ‬ ‫701‬ ‫فتعلم السريانية ، فتعلمتها فى سبعة عشر يوما.‬ ‫عندما وصل النبي المدينة ، كان يأمل أن يستقبله اليهود كنبي . وأن يتعاملوا معه كصاحب رسالة ، فما‬ ‫أنزل عليه – كما أخبره ورقة ابن نوفل – هو تنزيل كذلك الذى أنزل على موسى . كان النبي يدرك تمام‬ ‫الدراك أنه ليس من السهل عليهم أن يتركوا "توراة" موسى كى يتبعوا ما أنزل عليه ، لكنه كان يأمل فى أن‬‫ينجح فى اجتذابهم واستمالتهم ، فربما لنت قلوبهم وخشعت أفئدتهم واهتدوا إلى أن ما يقول به هو الحق من عند‬ ‫ال .‬ ‫701 أحمد أمين ، ص ٥٢٢- ٦٢٢.‬
  • 80. ‫ل يستطيع أحد أن ينكر أن قلة قليلة من اليهود أعلنوا إسلمهم وكان على رأس هؤلء عبد ال بن َ َم‬ ‫سل‬ ‫من بنى قينقاع . لكن أغلب تلك القلة التى أسلمت تحولوا إلى منافقين بعد أن ساروا فى درب عبد ال بن أبى‬ ‫رأس النفاق فى المدينة ، ويبدو أنهم كانوا من أصدقائه .‬ ‫كان عبد ال بن َ َم بن الحرث ، واسمه الحصين ، حبرا من أعلم أحبار يهود ، فلما أسلم سماه النبى‬ ‫سل‬ ‫عبد ال . ويقال – كما يذكر ابن إسحق – إن الحصين آمن بنبوة محمد وكان ينتظر مقدمة وقد عرف صفته‬‫واسمه وزمانه من كتب اليهود التى كان متبحرا فى دراستها وعندما وصل النبي إلى المدينة أخبر الحصين أهل‬‫بيته أن قد وصل النبى الذى هو مكتوب عندهم فى التوراة ، ثم خرج إلى النبي فسلم وأسلم ، وعاد إلى أهل بيته‬ ‫فدعاهم إلى السلم فأسلموا .‬ ‫يروى الحصين قصة إسلمه وكيف كتمها عن يهود ، وكيف ذهب إلى النبي وطلب منه أن ُدخله فى‬ ‫ي‬ ‫بعض بيوته ويغيبه عمن يستدعيهم من أحبار اليهود كى يسألهم عن الحصين وكيف هو فيهم قبل أن يعلموا‬ ‫أمرإسلمه . فأدخله النبي بعض بيوته ، ودخل اليهود على النبي فكلموه وسألوه . وسألهم النبي : أى رجل‬ ‫الحصين بن سلم فيكم . قالوا : سيدنا وابن سيدنا و َبْ ُنا وعالمنا. عندها خرج عليهم الحصين ، قال لهم: يا‬ ‫حر‬ ‫معشر يهود ، اتقوا ال واقبلوا ما جاءكم به ، فوال إنكم لتعلمون إنه لرسول ال ، تجدونه مكتوبا عندكم فى‬ ‫التوراه باسمه وصفته .. فقالوا كذبت . قال الحصين للنبي: ألم أخبرك يا رسول ال أنهم قوم ُهْت أهل غدر‬ ‫ب‬ ‫801‬ ‫وكذب وفجور .‬ ‫لم ينجح الحصين ، أو غير الحصين ، فى استمالة اليهود إلى دين محمد ، إذ لم يكن من المتوقع أن‬ ‫يعترف اليهود بنبي ل ينتمي إلى سللة إسحق ويعقوب . من المستحيل فى رأيهم أن يخرج من بين المميين ”‬ ‫‪ “ gentiles‬نبي .‬ ‫رغم ذلك ، عاملهم النبي برفق ، وتودد إليهم محاول استمالتهم على أمل أن تلين عقولهم ، وتهتدي‬‫نفوسهم ، وتطمئن أرواحهم إليه وإلى صحابته ، فيسيروا معهم على الدرب . بل مشاكسة أو مناجزة أو عداء ،‬ ‫فرسالة محمد ل تتناقض مع رسالة موسى ، ول تقوم على تقويض دعائمها أو هدمها. على العكس ، إنها تقوم‬ ‫على جلء جوهرها ، وتقويم ما أفسده البشر فيها ، والوصول بها إلى مرحلة الكمال والتمام .‬‫لم يختلف النبي مع اليهود فيما يختص بقبلتهم ، كان يصلى حتى وهو فى مكة وقبل أن يصل إلى يثرب ،‬‫ووجهه إلى بيت المقدس ، قبلة له فى الصلة . ولم يكن فى سلوكه هذا ما يدل على أنه متأثر بما يفعله اليهود أو‬ ‫مقلد لهم ، ذلك لن التجاه فى الصلة إلى بيت المقدس كان شائعا آنذاك بين المسيحيين أيضا ، ولم يكن‬ ‫مقصورا على اليهود . وكان المغزى من اتخاذ نفس القبلة هو الدللة على أن السلم متوحد مع ما سبقه من‬ ‫دين سماوي .‬ ‫801 ابن هشام ، جـ ٢ ، ص ٨٣١.‬
  • 81. ‫قبل وصول النبي إلى المدينة ، كان مصعب بن عمير يقوم على أمر الدعوة في المدينة ، وقد طلب من‬ ‫النبي أن يحدد له يوما جامعا للمسلمين يلقى عليهم موعظه أو درسا من دروس الدين قبل أن تقام الصلة . حدد‬ ‫له النبي يوم الجمعة ، وهو اليوم الذى يتجهز فيه اليهود ليوم " السبت " الذى يعتبرونه من المقدسات . وهكذا‬ ‫بدأ ما يمكن تفسيره على أنه صلة تواصل بين الجمعة والسبت ، أى بين السلم واليهودية.‬ ‫ول يوجد دليل قاطع يثبت أن النبي قد أقام الجمعة فى مكة ، وألقى على المسلمين خطبة ثم صلى بهم ،‬ ‫كما فعل فى المدينة. ولقد ذكرنا فى فصل سابق مكان وزمان أول صلة جمعة أقامها النبي بعد الهجرة ونقلنا‬ ‫أول خطبة له . ولم يذكرأى من كتاب السيرة أو المؤرخين أن النبي قد أقام صلة الجمعة فى مكة . ولو قد‬ ‫فعل ، لنقلوا لنا نص الخطبة دليل وإثباتا على صدق ما يقولون . لكن ذلك لم يحدث .‬ ‫ويدعي البعض ، من أمثال كارين أرمسترونج ، أن المسلمين فى مكة لم يكونوا يؤدون فريضة الصلة‬‫901‬ ‫إل فى الصباح والمساء فقط . ولكن بعد وصولهم إلى المدينة فرضت عليهم صلة الظهر ، كما يفعل اليهود .‬ ‫ويتفق مونتمجرى وت مع كارين أرمسترونج فى هذا الرأى عندما يقرر أنه ، طبقا لما يمارسه اليهود .‬ ‫فرضت صلة الظهر على المسلمين . ومن الواضح أنه فى مكة لم يكن هناك إل صلة فى الصباح وصلة فى‬ ‫011‬ ‫المساء . لكن فى المدينة أمر القرآن بصلة الظهر.‬‫الرأى السابق واضح الخطأ ويدل على عدم إلمام بما حدث قبل الهجرة ، وتجاهل أو جهل بما تم فى رحلة‬ ‫العروج إلى السماء ، وفرض الصلوات الخمس فرضا واجبا ل يقوم بدونه الدين . كان ذلك فى مكة وقبل‬ ‫الهجرة ، فكيف يقال أن صلة ثالثة ، وهى صلة الظهر ، قد أضيفت إلى صلتي الصباح والمساء احتذا ً بما‬ ‫ء‬ ‫يفعله اليهود ؟ كلم يخلو من المنطق ويكذبه صدق الوحي .‬‫لكن ليس من الممكن أن ننكر أن النبى أمر المسلمين بصوم يوم عاشوراء ، وهو يوم الكفارة عند اليهود ،‬ ‫فى العاشر من الشهرالسابع : تشرين . وقد أطلق عليه المسلمون يوم " عاشوراء " أى اليوم العاشر ، والكلمة‬ ‫كما يبدو معربة عن الرامية ، وكان بعض أهل المدينة يصومونة تماشيا مع ما يفعله اليهود ، وأمر النبي‬‫المسلمين بصومه تكريما للنبي موسى ، فكما قال : " نحن أحق بموسى منهم " ، أى من اليهود . وعندما فرض‬ ‫صيام رمضان ، لم يمنع صيام عاشوراء ، لكنه لم يعد فرضا واجبا.‬‫وزيادة فى التقارب مع اليهود ، وإظهارا لعدم النفور منهم أو العداء لهم ، سمح للمسلمين تناول طعام أهل‬ ‫الكتاب والزواج من نسائهم : " اليوم أجل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم‬‫والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا ءاتيمتوهن أجورهن محصنين غير‬ ‫مسفحين ول متخذى أخدان ومن يكفر باليمان فقد حبط عمله وهو فى الخرة من الخاسرين" )المائدة:5( .‬ ‫و ُ ّم على المسلمين من الطعام بعض ما حرم على اليهود : الدم والميتة ولحم الخنزير وما خنق وما ذبح‬ ‫حر‬ ‫للوثان ) أنظر سورة المائدة : 3-4( .‬ ‫901 كارين ارمسترونج ، ص ٤٢٢ .‬ ‫011‬ ‫. 991 .‪Montgomery Watt, Muhammad at Medina, p‬‬
  • 82. ‫هكذا حاول النبي أن يخلق نوعا من التجانس واللفة بين المسلمين واليهود ، وأن ليثير أى نوع من أنواع‬ ‫الشقاق بين أصحاب العقيدتين السماويتين ، فإن آمن اليهود بما أنزل عليه وصدقوه ، فهذا ما يصبوا إليه ، وإن‬ ‫لم يؤمنوا فل إكراه فى الدين .‬ ‫لم يؤمن اليهود ، ولم يكتفوا بعدم اليمان ، بل تمادوا فكذبوا النبي ، وزرعوا الحقاد ، وأثاروا العداء‬ ‫ونقضوا العهد الذى وقعوا عليه والذى نص عليه " الدستور" الذى وضعه النبي كي يكون ميثاقا يلتزم به كل‬ ‫أهل المدينة .‬ ‫وبدل من أن يؤمنوا بما جاء به محمد ، كذبوا وتطاولوا وتعالوا وخانوا . وكما يقول الستاذ محمود بن‬‫الشريف : نظر اليهود إلى أنفسهم والمجتمع السلمي وليد ، فوجدوا أنفسهم أكثر عددا وأوفر ثروة ، وأصحاب‬ ‫كتاب سماوي ، وعلى صلة بالنبياء وبأخبار المم الغابرة ، لذا ظنوا أن يجعلهم النبي خارج نطاق دعوته ،‬‫معتبرين أنفسهم أهدي من أن تشملهم ، وأمنع من أن يأمل النبي دخولهم فى دينه وانضوائهم تحت رايته. بل لقد‬ ‫كانوا يرون أن من حقهم أن ينتظروا انضمام محمد إليهم ، ولسيما حينما رأوه يصلى إلى قبلتهم ويعلن إيمانه‬ ‫111‬ ‫بأنبيائهم وكتبهم بلسان القرآن ، ويجعل ذلك جزءا ل يتجزأ من دعوته ، ويتلوا ذلك فيما يتلوه .‬ ‫استخف اليهود بالدين الذى جاء به محمد ، كما نظروا بحذر شديد إلى السلوك الحياتي لهؤلء الذين‬‫جاءوا معه من مكة ، وعرفوا باسم المهاجرين . لقد كانوا على قدر هائل من الصدق فى المعاملة والستقامة فى‬ ‫السلوك ، وكانوا تجارا حتى النخاع بحكم الطبيعة والتكوين .‬ ‫لم يكن فى المدينة كلها غير سوق واحد كبير يسيطرعليه اليهود بنى قينقاع ، فإذا ما دخل أصحاب محمد‬ ‫تجارا فى نفس السوق فهذا معناه أن المصالح فى أمور التجارة والمال قد تتضارب ، وربما مال الميزان إلى‬ ‫الصدق والعدل والكثر أمانة واستقامة، فالمسلمون ل يرابون ول يخدعون ول يغررون ، هذه هى أبسط‬ ‫قواعد السلم .‬‫دخل المكيون المهاجرون السوق ، باعوا واشتروا ، ووظفوا خبرتهم المكتسبة منذ نعومة أظفارهم ، فأقبل‬ ‫عليهم الناس ، وأصبح لهم فى السوق موقع خاص كاد أن يصبح سوقا مستقلة.‬ ‫هكذا بدأت المصالح تتضارب فى أمور التجارة والمال بين المسلمين واليهود. اتسعت الفجوة وازداد‬ ‫الشقاق. ولو اتجه المهاجرون إلى زراعة الرض كأغلب أهل المدينة ، ما اكترث بهم يهود بنى قينقاع ، لكنهم‬ ‫زاحموهم فى مصدر ثرائهم ونافسوهم فى منبع قوتهم ، وبذلك أصبحوا مصدر تهديد وخطر.‬ ‫بدأ اليهود يتحركون ، دفاعا عن مصالحهم ، يعملون سرا وعلنا ضد محمد وأصحابه، يحرضون الذين‬ ‫أسلموا والذين تعاونوا مع النبي – طبقا لما تمليه بنود دستور المدينة الذي ارتضوه – على أل يسهموا من‬ ‫أموالهم فى تكاليف النفاق العام، مدعين أنهم ليبغون إل الخير لهم . والتقت مصالح اليهود مع مصالح بعض‬ ‫111محمود بن الشريف ، ص ٧٤ .‬
  • 83. ‫التجار من المشركين . اتفقوا على أن يعملوا على تخريب هذا السوق الجديد وذلك بمحاصرته وصد الناس‬ ‫عنه .‬ ‫لكن العنف اليهودي ، الفاجر فى كيده ، كان موجها بصورة مباشرة إلى النبي فى محاولة لئيمة مستميتة‬ ‫لظهار عجزه وطعنه فى جوهر عقيدته . كانوا يعتقدون أنهم يقفون على أرض صلبة ، فهم أقويات وأثرياء‬ ‫وأصحاب دين قديم لم ينكره محمد ، بل على العكس أعلن إيمانه به وتصديقه له فيما جاء به من قرآن كما أن‬ ‫المدينة – كما يعتقدون – كانت مدينتهم ، وما محمد – فى رأيهم – إل دخيل .‬‫بدأ اليهود يتآمرون على السلم ، يشوهون كلمات القرآن ويسخرون من آياته ، ويستعلون على المسلمين‬‫ويعاملونهم بازدراء. دخلوا مع النبي فى جدل وحوار ، محاولين بكل ما أوتوا من علم وبكل ما كمن فى أعماقهم‬ ‫من لؤم وخبث أن يثبتوا أنه ل صلة له بالنبوة ، وأنه أبعد ما يكون عن دائرة النبياء .‬ ‫فى معالجته لهذا الموقف. يقول جورج مور ‪ : George Moore‬فى المدينة توقع محمد أن يعترف به‬ ‫اليهود وذلك بسبب التشابه الكبير بين تعالميه وتعاليمهم . توقع أن يعترفوا به كنبي فى تراث النبوة الحقة .. إنه‬ ‫ل يجد سببا مقنعا لعدم اعترافهم به وبقرآنه ما دام قد اعترف بموسى وتوراته .‬ ‫لكن اليهود – هذا ما يؤكد " مور"- أثبتوا أنهم قساة القلوب ، مصرون على المعصية ، ل مكان فى‬ ‫عقيدتهم لنبى أو مسيح عربى . كانوا يشعرون بنوع من الستمتاع الخبيث كلما كشفوا عن " جهل " محمد‬ ‫بالتاريخ التوراتي ، عند تعرضه لقصص الشخصيات التوراتية ، داحضين دعوته بأن قصصه وحي سماوي .‬ ‫وكان رده عليهم أن ما يقوله هو الجوهر الحقيقي ، وإذا ذكرت كتبهم خلف ما يقول فهذا معناه أنهم قد زيفوا‬ ‫211‬ ‫كتبهم " المقدسة " التي ما عادت مقدسة بعد ما قاموا بإعادة كتابتها طبقا لهوائهم .‬ ‫ونحن نؤيد " مور" فيما قال به ، وإن دل كلمه علي شئ فإنما يدل على سعة فى الدراك وعمق فى‬ ‫الفهم ، وعدم انحياز لكتاب " العهد القديم " ولقد شرحنا باستفاضة وعمق واتساع ، فى كتابنا : موسى فى‬‫الساطير السرائيلية ، كيف زيف اليهود أحداث التوراه وكيف طمسوا معالمها وحوروا تعاليمها فلم تعد بالنقاء‬ ‫المطلق الذى يجب أن يتصف به أى كتاب سماوى ، وسرى التناقض بين ما جاء فيها من وقائع ، واختلفت لغة‬ ‫الكلم مما يثبت أنها كتبت بأقلم متعددة وفى عصور مختلفة ربما امتدت إلى ما يقرب من ألف عام . ويمكن‬‫لمن يريد الستزاده فى هذا الموضوع أن يرجع إلى الفصل الول من كتابنا : موسى فى الساطير السرائيلية .‬ ‫تشير بيتى كيلين إلى اتساع الشقاق بين محمد واليهود ، قائلة: إنه حتى أولئك الحيار الذين أخذوه مأخذ‬ ‫الجد فى البداية . بدأوا يبتسمون وهم يستمعون إلى تفسيراته الغريبة لما جاء فى كتابهم المقدس .. وكان حزنه‬ ‫لرفضهم له بالغا ، يكاد يبلغ نفس القدر الذى اعتراه عندما رفضت قريش رسالته. قالوا له بوضوح فج : " لم‬ ‫تأتنا يا محمد بما يثبت أنك نبى مرسل .. ، وليس فيما تدعي أنه يوحي إليك ما يقنعنا بأن نتبعك " طلبوا منه فى‬ ‫تواضع مصطنع أن ينسى تلك الرسالة التى يبشر بها ، وأشاروا عليه أنه من الفضل له ولتباعه أن يعتنقوا‬ ‫211‬ ‫. 204 .‪George Moore, p‬‬
  • 84. ‫اليهودية ، ويؤمنوا بما آمن به اليهود ، وكفى. قالوا لعرب المدينة : إننا بصراحة ووضوح ل نعترف بأى شئ‬ ‫311‬ ‫مما يقول .‬ ‫لم يظهروا له أى ود مع مرور الوقت . هذا ما يقول به مونتجمرى وت : على العكس، أظهروا عداءهم‬ ‫ونشروا نقدهم وتكذيبهم لدعوة محمد . أنكروا تماما أنه نبي . ربما كان دافعهم إلى ذلك دافع ديني إلى حد ما ..‬ ‫لكن هذا المر كانت له أيضا نزعاته السياسية التى ل يشك المرء فى أهميتها بالنسبة لهم . لو نجح محمد فى‬ ‫نشر دعوته وترسيخ وجوده فى المدينة ، فهذا معناة أنه لن تسنح لهم الفرصة كى يكونوا هم القوة العظم ..‬‫وحتى قبيل معركة بدر ، كانت احتمالت نجاح محمد تفتقد إلى عنصر القوة.. لكن انتصار المسلمين فى معركة‬ ‫411‬ ‫بدر كان له َ ِ ّ قلب موازين القوى ، وشعر اليهود أنه لم يعد أمامهم سوى مواجهة الخطر.‬ ‫دو ى‬ ‫ويرى جونستون ‪ Johnstone‬أنه قد خاب أمل كل جانب من الجانبين فى الخر. كان محمد يأمل أن‬ ‫يتقبله اليهود كنبي عظيم : المسيح المنتظر ، الذى تنبأت بمقدمة تعاليمهم ، وكان اليهود يأملون – بما أنه قد‬ ‫أعلن أن هدفه إنما هو إحياء شريعة إبراهيم- أن يعتنق دينهم ويخدم طموحاتهم . ولم يخضع أى من الطرفين‬ ‫للخر. لن يؤمن اليهود بنبى ليس من نسل اسحق ، ولن يعتنق محمد أى دين آخر. وكان من الحتمي أن تبدأ‬ ‫511‬ ‫حرب معلنة .‬‫بدأت المجاهدة العقلية والجدلية بين محمد واليهود ، تلك التى لم يوقف سعيرها إل سعير الحرب والقتال :‬ ‫كما سنورد فيما بعد بالتفصيل .‬ ‫أخذ أحبار اليهود يسألون النبي ويتعنتونه ، فى محاولة مستميتة لحصار دعوته والقضاء عليها . دفعهم‬‫إلى ذلك الحسد والضغْن والبغي والحساس بالخطر. كان على رأس هؤلء ُ َ ّ بن أخْطب ، وسلم بن ِشْكم ،‬ ‫م‬ ‫حيي‬ ‫وكنانة بن الربيع بن أبى الحقيق ، وسلم بن أبى الحقيق ، وكعب بن الشرف .‬ ‫أعلن بعض أحبار اليهود إسلمهم ، نفاقا كى تتاح لهم فرصة الندساس بين المسلمين وتجسس أخبارهم‬ ‫ومجادلتهم ، وكأنهم يستفسرون وهم فى الواقع يكيدون ويشككون ويضللون ، يحاولون أن يهزوا ثقة المسلمين‬‫فى أنفسهم وفى نبيهم وفى صدق الدين الذى اعتنقوه . من بين هؤلء كان زيد بن الّصيْت الذى حاول أن يسخر‬ ‫ل َ‬ ‫علنية من النبي عندما ضلت ناقته . قال منافق يهود : يزعم محمد أنه يأتيه خبر السماء ، وهو ليدرى أين‬ ‫ناقته. وعندما وصل خبر مقولته إلى النبي ، كان رده عليه السلم : إن قائل قال " يزعم محمد أنه يأتيه خبر‬ ‫611‬ ‫السماء ول يدرى أين ناقته " وإنى وال ما أعلم إل ما علمني ال .‬ ‫كان منافقوا يهود ، وقد انضموا إلى منافقى الوس والخزرج تحت زعامة عبد ال بن ُبى – يحضرون‬ ‫أ‬‫إلى المسجد ، يستمعون . ويجادلون ثم يسخرون من المسلمين مستخفين بهم ومستهزئين بدينهم . رصدهم النبي‬ ‫يوما بالمسجد ، استرعي انتباهه أنهم يتهامسون وقد تقاربت رؤوسهم والتصق بعضهم ببعض ، طال الهمس ،‬ ‫. 311 .‪Betty Kelen , p‬‬ ‫311‬ ‫411‬ ‫.102 .‪Montgomery Watt, Muhammad at Madina, p‬‬ ‫511‬ ‫.69 .‪Jonhnstone, p‬‬ ‫611 ابن هشام ، جـ ٢ ، ص ٩٤١.‬
  • 85. ‫وسرت منهم كالفحيح همهمات ، عندها أمر النبي بإخراجهم من المسجد ، وقد أدرك بفطرته الزكية أنهم رجس‬ ‫يجب أل يتلوث به طهر المكان .‬ ‫أخرجهم المسلمون إخراجا عنيفا : ُحب أحدهم برجله ولطم وجهه ثم ُلقى به خارج المسجد ، وأقتيد‬ ‫أ‬ ‫س‬ ‫أحدهم من لحيته قودا عنيفا حتى أخرج ثم ل ِم فى صدره لدْ َة آذته فسقط على ركبتيه ، وُخذ أحدهم من قفاه‬ ‫أ‬ ‫م‬ ‫ُد‬ ‫ودفع فى عنف إلى خارج المسجد ، و ُحب آخرمن شعر رأسه على الرض حتى ُلقى بعيدا عن ساحة‬ ‫أ‬ ‫س‬ ‫المسجد . وفى هؤلء المنافقين نزلت آيات فى صدر سورة البقرة : " ومن الناس من يقول ، ءامنا بال وباليوم‬ ‫الخر وما هم بمؤمنين . يخدعون ال والذين ءامنوا وما يخدعون إل أنفسهم وما يشعرون... وإذا لقوا الذين‬ ‫ءامنوا قالوا ءامنا وإذا خَوْا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزءون" )البقرة : 8-41( .‬ ‫ل‬ ‫قرر أحبار اليهود أل يتركوا مح ّدا وشأنه ، لبد من إحراجه وتحجيمه وتصغيره وإعلن جهله وإظهار‬ ‫م‬‫ادعائه ، جهارا نهارا وعلى رؤوس الشهاد . لقد وقر فى قرارة نفوسهم أنهم هم الكثر علما، والصدق قول ،‬ ‫وأنه لن يستطيع مجاراتهم ، ولن يتحمل سطوة منطقهم وقوة حججهم . فإما أن يكف عما يدعو إليه ويرحل ،‬ ‫وإما أن يخضع لقولهم ويتبعهم .‬ ‫قالوا : يا محمد أخبرنا عن أربع نسألك عنهن فإن فعلت اتبعناك وصدقناك وآمنا بك .. قال : فاسألوا عما‬ ‫بدا لكم . قالوا : أخبرنا كيف يشبه الولد أمه وإنما النطفة من الرجل . قال : هل تعلمون أن نطفة الرجل بيضاء‬ ‫غليظة ونطفة المرأة صفراء رقيقة فأيتهما غلبت صاحبتها كان لها الشبه. قالوا : اللهم نعم . فأخبرنا كيف‬ ‫نومك . قال : تنام عيني وقلبى يقظان . قالوا : فأخبرنا عما ح ّم إسرائيل على نفسه . قال: هل تعلمون أنه كان‬ ‫ر‬‫أحب الطعام والشراب إليه ألبان البل ولحومها وأنه اشتكي شكوى فعافاه ال منها فحرم على نفسه أحب الطعام‬ ‫والشراب إليه شكرا ل فحرم على نفسه لحوم البل وألبانها .‬ ‫أظهروا تصديقهم لما قال ولم ينكروه ، لكنهم كانوا يحتفظون بما يعتبرونه سدا منيعا يحول بينهم وبين‬ ‫اليمان به ، قالوا : أخبرنا عن الروح .. قال : هل تعلمونه جبريل وهو الذى يأتيني . قالوا : اللهم نعم. ولكنه يا‬ ‫محمد هو لنا عدو. وهو ملك إنما يأتي بالشدة وبسفك الدماء ، ولول ذلك لتبعناك .‬‫أنكروا نبوته من أجل جبريل مدعين أن جبريل عدو لهم ، وهو عدو شديد البأس سافك دماء . ولم يذكروا‬ ‫كيف سفك جبريل دماءهم ومتى كان ذلك ؟ إن الذى كان يسفك دماء بنى إسرائيل لم يكن جبريل ، بل كان "‬‫يهوه " إلههم الدموي الذى لم يتورع عن إبادتهم باللف – حسب قول كتابهم المقدس - ذلك لنه رأى فيهم شعبا‬ ‫ُلْب الرقبة . وكان يهددهم دوما بالفناء: " وكان الرب قد قال لموسى قل لبنى إسرائيل أنتم شعب ُلْب‬ ‫ص‬ ‫ص‬ ‫الرقبة . إن صعدت لحظة واحدة فى وسطكم أفنيتكم " )خروج 33 : 5( .‬ ‫ويرتفع صوت إله إسرائيل غاضبا ، ساخطا ، مهددا ، ل حانيا ، كريما ، رحيما، رؤوفا ، أو ناصحا : "‬‫إن لم تسمع لصوت الرب إلهك لتحرص أن تعمل بجميع وصاياه وفرائضه التى أنا أوصيك بها اليوم تأتي عليك‬ ‫جميع هذه اللعنات وتدركك . ملعونا تكون فى المدينة وملعونا تكون فى الحقل ... يضربك الرب بال ّ ّ والحمي‬ ‫سل‬
  • 86. ‫وال ُرداء واللتهاب والجفاف والل َحْ والذبول فتتبعك حتى تفنيك .. أيضا كل مرض وكل ضربة لم تكتب فى‬ ‫ف‬ ‫ب‬‫سفر الناموس هذا يسلطه الرب عليك حتى تهِْك ... وكما فرح الرب لكم ليحسن إليكم ويكثركم كذلك يفرح الرب‬ ‫ل‬ ‫لكم ليفنيكم ويهلككم ف ُسْتأصلون من الرض التى أنت داخل إليها لتمتلكها ... ويردك الرب إلى مصر ..‬ ‫ت‬ ‫فتباعون هناك لعدائك عبيدا وإماءً وليس من يشترى " )تثنية 82 51-86( .‬‫الذى يتوعد ، ويهدد ، ويبيد ، ويفني فى توراة " لعهد القديم " هو إله إسرائيل ، هو الذى يفعل ذلك بنفسه‬ ‫دون مساعدة أو وسيط . وفى كل صفحات " التوراة " التى بين أيدينا، والتى يدعي اليهود أن موسى قد كتبها ،‬ ‫ل يوجد ذكر لذلك " الجبريل " المدمر الذى جاء ذكره على ألسنه اليهود فى جدلهم مع النبي- لم يكونوا أمناء -‬ ‫كانوا يكذبون .‬ ‫ون ّل رب العزة آيات تث ّت بها قلب نبيه . كى ل يعبأ بما ادعاه اليهود كذبا وافتراءا : " من كان عدو ل‬ ‫ب‬ ‫ز‬ ‫وملئكته ورسله وجبريل وميكل فإن ال عدو للكافرين " )البقرة : 89( .‬‫ويقال إن مناظرة جرت بين عمر واليهود فيما يختص بجبريل . قال عمر: كنت أشهد اليهود فى مدراسهم‬ ‫، فأعجب من التوراة كيف تصدق القرآن ومن القرآن كيف يصدق التوراة ، فبينما أنا عندهم ذات يوم قالوا : يا‬ ‫بن الخطاب ما من أصحابك أحد أحب إلينا منك . قلت : ولم ذلك ؟ قالوا: لنك تغشانا وتأتينا. وسألهم عمر عما‬‫يرون فى شأن محمد : هل ترون أنه رسول ال ؟ ... أجاب كبيرهم وعالمهم : نعم ، إنا نعلم أنه رسول ال . قال‬ ‫عمر: ويحكم إذً هلكتم . قالوا : إنا لم نهلك . قال عمر: كيف وأنتم تعلمون أنه رسول ال ول تتبعونه ول‬ ‫ا‬ ‫تصدقونه . قالوا : إن لنا عدوا من الملئكة . قال عمر: ومن عدوكم ومن ِلْمكم. قالوا: عدونا جبريل وسلمنا‬ ‫س‬ ‫ميكائيل .. إن جبريل ملك الفظاظة والغلظة والعسار والتشديد والعذاب ونحو هذا ، وإن ميكائيل ملك الرحمة‬ ‫والرأفة والتخفيف ونحو هذا . سأل عمر : وما منزلتهما من ربهما عز وجل ؟ قالوا : أحدهما عن يمينه والخر‬ ‫عن يساره . قال عمر : فوالذى ل إله إل هو إنهما والذى بينهما لعدو لمن عاداهما وسلْم لمن سالمهما .. وما‬ ‫711‬ ‫ينبغي لجبريل أن يسالم عدو ميكائيل ، وما ينبغي لميكائيل أن يسالم عدو جبريل .‬‫لم يتوقف اليهود عند مسألة عدائهم لجبريل واتخاذها سببا لعدم اتباع النبي ، بل زيادة فى التشكيك فى أمر‬ ‫نبوته سألوه عن الساعة متى تقوم : أخبرنا عن الساعة إن كنت نبيا ؟‬‫يسألونه عن الساعة ، وتوراة بنى إسرائيل التى بين أيدينا ل ذكر فيها لبعث أو قيام أو ساعة . يسألونه من‬ ‫باب التعجيز. وينزل جبريل بالحق الذى ل جدال فيه:‬‫" يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربى ل يجليها لوقتها إلهو، ثقلت فى السموات والرض‬ ‫ل تأتيكم إل بغتة. يسألونك كأنك حفى عنها. قل إنما علمها عند ال ولكن أكثر الناس ل يعلمون " )العراف :‬ ‫781( .‬ ‫711 الصابوني ، مختصر تفسير ابن كثير ، جـ ١ ، ص ٢٩.‬
  • 87. ‫وبنفس التعنت ومحاولة التعجيز يسألونه عما ل يمكن لبشر أن يعرفه : ما الروح يا محمد ؟ ومحمد ل‬ ‫يعرف ، وغير محمد ل يعرف ، ول هم أيضا يعرفون . لقد سألوا عن ما هو خارج عن نطاق الدراك‬ ‫البشرى ، فالروح سر من أسرار الخلق ، ول يعرف أسرار الخلق سوى الخالق : " ويسألونك عن الروح ، قل‬ ‫الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إل قليل " )السراء : 58( .‬ ‫أنكر أحبار اليهود أن النبي قد جاءهم بما يثبت نبوته. إنهم يريدون علمة ، يبتغون آية ب ّنة ، يطلبون أن‬ ‫ي‬ ‫يأتيهم محمد بكتاب من السماء. ولقد جاءهم بالفعل بكتاب من عند ال ، فقالوا ما هذا بكتاب نقرؤه . أنكروا‬ ‫الكتاب وكفروا بما فيه : " ولما جاءهم كتاب من عند ال مص ّق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين‬ ‫د‬ ‫كفروا فلما جاءهم ما َ َفوا كفروا به فلعنة ال على الكافرين" )البقرة : 98( .‬ ‫عر‬‫لم يكن سلوكهم هذا غريبا عن طبائعهم ، لقد ورثوه عن آبائهم الولين الذين جادلوا نبيهم موسى وحاوروه‬‫وكذبوه ، رغم كل ما فعل من أجلهم وكل ما أظهره لهم من آيات : " فتذمر كل جماعة بنى إسرائيل على موسى‬ ‫وهرون فى البرية. وقال لهما بنوا إسرائيل ليتنا متنا بيد الرب فى أرض مصر إذ كنا جالسين عند قدور اللحم‬ ‫نأكل خبزا للشبع . فإنكما أخرجتمانا إلى هذا القفر كى تميتا كل هذا الجمهور بالجوع "‬ ‫)خروج 61 : 3( .‬ ‫كان كل هذا الصراخ من أجل الطعام ، وعندما يتوفر لهم المن والسلوى ل يشكرون ، بل من جديد‬ ‫يتذمون ويصرخون : " فخاصم الشعب موسى وقالوا أعطونا ماء لنشرب فقال لهم موسى لماذا تخاصمونني .‬ ‫لماذا تجربون الرب . وتذمر الشعب على موسى وقالوا لماذا أصعدتنا من مصر لتميتنا وأولدنا ومواشينا‬ ‫بالعطش.. فصرخ موسى إلى الرب قائل ماذا أفعل بهذا الشعب. بعد قليل يرجمونني" )خروج 71: 3-4(.‬‫كانوا على وشك أن يرجموا نبيهم موسي . بل لقد وصل الهوس ببعضهم أن طالبوا بتعيين رئيس لهم غير‬‫موسي . كي يعود بهم ثانية إلى أرض مصر ، بعد أن أخرجهم موسى منها : " وقال لهما كل الجماعة ليتنا متنا‬‫فى أرض مصر أو ليتنا متنا فى هذا القفر . ولماذا أتى بنا الرب إلى هذه الرض لنسقط بالسيف . تصير نساؤنا‬ ‫وأطفالنا غنيمة . أليس خيرا لنا أن نرجع إلى مصر. فقال بعضهم لبعض نقيم رئيسا ونرجع إلى مصر. فسقط‬ ‫موسى وهرون على وجهيهما أمام كل معشر جماعة بنى إسرائيل " )عدد 41 : 2-5( .‬ ‫هكذا تعامل بنو إسرائيل مع موسى وهارون . وهكذا أساءوا ، فماذا يتوقع ممن يدعون أنهم أحفاء هؤلء‬ ‫وهم يتعاملون مع نبى لم يعترفوا به ولم يصدقوه . ونزلت آيات القرآن الكريم موضحة ، فى كلمات بّنة‬ ‫ي‬ ‫كاشفة ، كيف عاند اليهود وكيف جحدوا وكيف كابروا وأنكروا وهم يعلمون أنه الحق : " ولما جاءهم رسول‬ ‫من عند ال مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتب كتب ال وراء ظهورهم كأنهم ل يعلمون ... أم‬ ‫تريدون أن تسئلوا رسولكم كما ُئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر باليمن فقد ضل سواء السبيل " )البقرة :‬ ‫س‬ ‫98- 801( .‬
  • 88. ‫تمادي اليهود فى ضللهم وهم يجادلون النبي ، طالبين منه أن يظهر لهم آية قاطعة كى يؤمنوا ، ولم‬‫يتركوا للرسول خيارا ، بل حددوا هم نوع الية التى يريدون : إن كان محمد نبيا حقا فليطلب من ربه أن يتحدث‬ ‫إليهم مباشرة دون وسيط . قال رافع بن ُريملة اليهودي للنبي بالحرف الواحد : يا محمد ، إن كنت رسول من‬ ‫ح‬ ‫ال كما تقول فقل ل فليكلمنا حتى نسمع كلمه .‬ ‫هكذا !!! يريدون من رب محمد ، الذى هو رب الخلق أجمعين ، أن يتحدث إليهم مباشرة وأن يسمعهم‬ ‫صوته . يريد السفهاء أن يستمعوا إلى صوت الرب وهو يتكلم . بدوا وكأنهم يمثلون جيل جديدا من شعب‬ ‫إسرائيل الذى وصفه الرب بأنه شعب شرير متذمر ، وقضى أن تسقط فى القفر جثث الذين تذمروا : " فى هذا‬‫القفر تسقط جثثكم جميع المعدودين منكم حسب عددكم من ابن عشرين سنة فصاعدا. الذين تذمروا على " )عدد‬ ‫41 : 92( .‬ ‫تجبروا وكابروا ، وانتفخت أوداجهم فى ادعاء كاذب ، وهم يتحدون محمدا أن يطلب من ربه أن يتحدث‬ ‫إليهم جهرا حتى يسمعوا كلمه . ونسوا أن بني إسرائيل ، أيام موسى ، كانوا قد طلبوا نفس الطلب ، تمنوا أن‬ ‫يستمعوا إلى صوت الرب . ثم أنه لما رأوا الرعود والبروق والجبل يد ّن ودوى فى آذانهم صوت البوق ،‬ ‫خ‬ ‫ارتعدوا وابتعدوا: " وقالوا لموسى تكلم أنت معنا فنسمع ول يتكلم معنا ال لئل نموت " )خروج 02-91(.‬‫وأنزل سبحانه وتعالى فى ذلك قوله : " وقال الذين ل يعلمون لول يكلمنا ال أو تأتينا ءاية كذلك قال الذين‬ ‫من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم " )البقرة : 811( .‬ ‫وتحدث أحدهم – وهو عبد ال بن صورى ال ِطْيوْني – إلى النبي فى استعلء الدعي ، يقول ناصحا : ما‬ ‫ف‬ ‫الهدي إل ما نحن عليه ، فاتبعنا يا محمد تهتد .‬ ‫أراد اليهودي أن يعتنق محمد اليهودية ، أن يؤمن بما يؤمنون ويفعل ما يفعلون ، ويخضع للتعاليم‬ ‫والطقوس التى يفرضها عليه الكهنة والحبار ، وبذلك يصبح مجرد فرد وسط جموع قد ل تقيم له وزنا ول‬ ‫تحسب له أى حساب . فى لؤم وضيع ، تجاهل اليهودى حقيقة أنه يتحدث إلي نبي محاط بمهاجرة وأنصار ،‬‫وينطق بوحي كلمات القرآن الذى ل يقل ما جاء فى محتواها عن ما جاء فى التوراة ، بل يرجح ويزيد فهو ختام‬ ‫التنزيل .‬ ‫أنهي القرآن الموقف ، وقضى على دعوة اليهود وغيرهم فى حسم قاطع : " ولن ترضى عنك اليهود ول‬ ‫النصرى حتى تتبع ملتهم قل إن هدي ال هو الهدي ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذى جاءك من العلم مالك من ال‬‫من ولى ول نصير" )البقرة : 021( ، " وقالوا كونوا هودا أو نصرى تهتدوا قل بل مّة إبراهيم حنيفا وما كان‬ ‫ل‬ ‫من المشركين" )البقرة : 531( .‬ ‫محمد ومن آمن معه لن يكونوا يهودا من أتباع موسى ول نصارى من أتباع عيسى ، رغم تصديقهم لما‬‫جاء به موسى وعيسى وغيرهما من النبياء ، إنهم على ملة أبيهم إبراهيم الذى لم يكن يهوديا ول نصرانيا ، فقد‬
  • 89. ‫أرسله ال إلى قومه قبل موسى وعيسى بمئات السنين . ول يستطيع أحد أن يدعي أنه كان ينتمي إلى دين هذا أو‬ ‫ذاك ، إل إذا أقام ادعاءه على جهل بتاريخ المم وظهور النبياء وتسلسل الديانات .‬ ‫هنا يجدر بنا الحديث عن نقطة بالغة الهمية ، أل وهى التركيز الواضح على ملة إبراهيم ودين إبراهيم‬ ‫فى السور المدنية ، رغم أن ذلك لم يكن بنفس الوضوح ونفس التركيز فى السور المكية ، إذ كان موسى فى‬ ‫السور المكية هو النبى الذى كثيرا ما‬ ‫يشار إليه .‬ ‫تؤكد كارين أرمسترونج هذه النقطة بقولها : كان المسلمون فى مكة يفضلون النبى موسى. لكن إبراهيم‬ ‫شغل المكانة التى كان يتمتع بها فى المدينة ، ووجد محمد الجابة الكاملة على سخرية اليهود وتهكمهم . كان‬ ‫النبى ومن تبعة من المسلمين يرجعون إلى روح دين إبراهيم الحنيف )الخالص( الذى كان أول المسلمين .. ول‬ ‫يتضمن القرآن الشارة إلى إبراهيم قبل نزول السور المدنية .. ويبدو أن المسلمين كانوا يطلقون على دينهم فى‬ ‫811‬ ‫تلك الفترة " الحنيفية " ، أى الدين النقى الخالص الذى كان يتبعه إبراهيم .‬ ‫فى الجدل المحتدم بين النبى واليهود ، احتل مفهوم ديانة إبراهيم مكانا على قدر كبير من الهمية فى‬ ‫السور المدنية التى نزلت لتكذيب افتراءات اليهود . لقد أوْلت الفترة المكية اهتماما بالغا بموسى – كما يقول‬ ‫مونتجمرى وت – وجعلته فى وضع أكثر أهمية من إبراهيم بين النبياء ... إبراهيم هو ببساطة مجرد نبي بين‬ ‫كثرة من أنبياء ، والقوم الذين أرسل إليهم لم يحددوا تحديدا دقيقا. ول تشير آية من آيات القرآن إلى أنه أرسل‬‫إلى العرب ، إذ يذكر بوضوح أن محمدا قد أرسل إلى قوم لم يرسل إليهم من قبل رسول : " أم يقولون افتراه بل‬ ‫هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون " )السجدة : 3( ، " وما ءاتينهم من كتب‬ ‫يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير " )سبإ : 44( .‬‫وبالمثل ، فإن إسماعيل قد ذكر ، فى السور المكية ، فى قائمة النبياء ، وبخلف ما ذكر عن اشتراكه مع‬ ‫أبيه فى بناء الكعبة ل يذكر القرآن عن نبوته أية تفاصيل .‬ ‫يعتقد مونتجمرى وت أنه عندما حدث الشقاق مع اليهود فى المدينة ، أصبح إبراهيم ذا فائدة عظمي . لقد‬ ‫كان بالمعني الجسدى هو أبو العرب ، كما هو أيضا أبو اليهود. ولقد عاش قبل أن تنزل التوراة على موسى‬ ‫والنجيل على عيسى ، وعلى ذلك فهو ليس يهوديا ول نصرانيا.‬ ‫وبنا ً عليه فإن تعاليم القرآن إلى محمد والمؤمنين تنهي عن اتباع اليهود أو النصارى ، ذلك لنهم أمة‬ ‫ء‬ ‫متميزة عن المتين السابقتين . إنهم اتباع ملة إبراهيم الذى يوصف دوما بأنه كان حنيفا مسلما – أى خاضعا‬ ‫خضوعا كامل ل – وما كان من المشركين : " وقالوا كونوا هودا أو نصرى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا‬ ‫وما كان من المشركين " )البقرة : 531( .‬ ‫811 كارين ارمسترونج ، محمد ، ص ٢٤٢.‬
  • 90. ‫وأوضحت آيات السور المدنية أن إبراهيم هو الذى أقام " البيت المقدس " ، أى الكعبة ، فى مكة ،‬ ‫بمساعدة إسماعيل ، وهو الذى دعا ربه أن يرسل إلى أهل مكة نبيا رسول من سللته. وبذلك تعمق إيمان‬ ‫المسلمين بأنهم ينتمون إلى " أبيهم إبراهيم " .‬‫وبنا ً عليه ، فإن اتخاذ مكة قبله للصلة – عندما تم تغيير القبلة – أصبح قائما على أساس من أيديولوجية‬ ‫ء‬ ‫911‬ ‫فكرية هائلة .‬ ‫5- تحويل القبـلة :‬ ‫كان من المنطقى ، طبقا لسير الحداث وطاعة ليات القرآن الكريم أن يتحول المسلمون فى قبلتهم إلى‬‫البيت الذى بناه أبوهم إبراهيم ، أى إلى الكعبة . ت ّ ذلك قبل "بدر" فى منتصف رجب بعد سبعة عشر شهرا من‬ ‫م‬ ‫وصول النبى إلى المدينة . ويقال إن تغيير القبلة حدث فى بنى سلمة ، قبيلة البراء بن معرور الذى طالب قبل‬ ‫الهجرة أن تكون الكعبة هى قبلة المسلمين ، وصلى بالفعل وهو متجه إلى الكعبة . ولقد شرحنا هذه النقطة‬ ‫بالتفصيل فى كتابنا السابق : سنوات مكة .‬ ‫ويروى ابن سعد أن النبي كان يود أن يصرف ال وجهه عن قبله يهود ، وكلما صلى إلى بيت المقدس‬‫رفع وجهة إلى السماء ، فنزلت عليه : " قد نرى تقلب وجهك فى السماء فلنولينك قبله ترضاها " ، وتم توجيهه‬ ‫إلى المسجد الحرام .‬ ‫ويقال : صلى ال عليه وسلم ، ركعتين من الظهر فى مسجده بالمسلمين ، ثم ُ ِر أن ُو ّه إلى المسجد‬ ‫ي ج‬ ‫أم‬ ‫الحرام . فاستدار إليه ودار معه المسلمون . ويقال : بل زار رسول ال صلى ال عليه وسلم ، أم بشر بن البراء‬ ‫بن معرور فى بنى سلمة فصنعت له طعاما، وحانت الظهر فصلى رسول ال بأصحابه ركعتين ، ثم ُ ِر أن‬ ‫أم‬ ‫ُو ّه إلى الكعبة فاستدار إلى الكعبة واستقبل الميزاب ، فسمى المسجد مسجد القبلتين ، وذلك يوم الثنين‬ ‫ي ج‬ ‫021‬ ‫للنصف من رجب على رأس سبعة عشر شهرا .‬ ‫ويرى الشيخ الصابوني أن المسجد ذى القبلتين هو مسجد قباء ، إذ كان أهله فى صلة الصبح بالمدينة‬ ‫مستقبلين لبيت المقدس ، مستدبرين الكعبة ، فقيل لهم : إن القبلة قد حولت إلى الكعبة ، فاستداروا فى أثناء‬ ‫121‬ ‫الصلة من غير طلب دللة ، ولم ينكر النبى عليهم ، وسمي مسجدهم بذى القبلتين .‬‫ورأى الشيخ الصابوني يختلف مع ما جاء فى ابن سعد ، وكذلك ما ورد فى مختصر تفسير ابن كثير الذى‬ ‫يؤكد أن : تحويل القبلة نزل على رسول ال وقد صلى ركعتين من الظهر فى مسجد بنى سلمة ، فسمى مسجد‬ ‫القبلتين ، وأما أهل قباء فلم يبلغهم الخبر إلى صلة الفجر من اليوم التالى .‬‫ونميل إلى الخذ برأى ابن سعد ، وابن كثير ، وذلك تكريما للبراء بن معرور الذى طالب ، كما ذكرنا من‬ ‫قبل ، أن يتجه المسلمون فى صلتهم إلى الكعبة ، وكان ذلك قبل أن يصدر التوجيه السماوى .‬ ‫911‬ ‫. 602 -402 .‪Montgomery Watt, Muhammad at Madina, pp‬‬ ‫021 ابن سعد ، جـ ١ ، ص ٢٤٢ .‬ ‫121 الصابوني ، تفسير آيات الحكام ، جـ ١ ، ص ٦٢١.‬
  • 91. ‫عندما حدث هذا التحول ، تساءل اليهود ومعهم كثرة من أهل النفاق ، فى خبث لئيم : ما ولهم عن‬ ‫قبلتهم . ويجئ الرد وحيا من عند ال : " سيقول السفهاء من الناس ما ولهم عن قبلتهم التى كانوا عليها. قل ل‬ ‫المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صرط مستقيم . وكذلك جعلنكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس‬ ‫ويكون الرسول عليكم شهيدا. وما جعلنا القبلة التى كنت عليها إل لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه‬ ‫وإن كانت لكبيرة إل على الذين هدي ال وما كان ال ل ُضيع إيمنكم إن ال بالناس لرءوف رحيم " )البقرة :‬ ‫ي‬ ‫141- 341( .‬ ‫يورد الدكتور عبد الرحمن بدوى ، فى دفاع عن القرآن ، َعْم "جولد تسيهر" أن محمدا جعل بيت‬ ‫ز‬ ‫المقدس قبلة فى الصلة أول ليكسب مودة اليهود لنه فى المدينة كان يعتمد على مساندة اليهود ذوى المكانة‬ ‫221‬ ‫العالية .. ، ولما لم يحصل على تأييد اليهود غ ّر القبلة متجها إلى البيت الحرام فى مكة .‬ ‫ي‬ ‫الرأى السابق واضح الخطأ ، ويمكن أن يتوصل إلى ذلك القارئ العادي الملم بتاريخ السيرة النبوية ،‬ ‫حتى ولو كان من أبسط الناس فهما. لقد اتخذ النبي بيت المقدس قبلة ، وهو فى مكة ، كى يبتعد بالدين الجديد‬‫عن مركز الوثان الذى كانته الكعبة آنذاك، فقد كانت الصنام بداخلها وما حولها ، أكثر من ثلثمائة صنم . وما‬ ‫كان له هو وأتباعه أن يركعوا ويسجدوا فى ظلل الصنام عند الكعبة التي ح ّلها المشركون إلى معبد للوثنية‬ ‫و‬ ‫العربية . ولقد كان معروفا آنذاك أن بيت المقدس كان قبله النبياء‬ ‫قبل محمد .‬ ‫المسيح نفسه ، كما يؤمن أتباعه وكما تنص الناجيل ، كان من المستحيل أن "يصلب" خارج أسوار‬ ‫أورشليم حيث بيت المقدس : ومن لحظة دخوله أروشليم ، اشتد توتره النفسى .. لقد ارتفع وحلق ، بعمق رؤاه‬‫وشجاعته وحبه ، فوق ما هو مألوف ما بين الحياء ، وأصبحت أورشليم بالنسبة له مدينة الروح .. الوعاء الذى‬ ‫يحتوى دم النبياء ، الرمز والمحراب ، حيث يضحي " ابن ال الوحيد " بنفسه ، فداء عن آخرين ويسيل‬ ‫321‬ ‫دمه .‬ ‫إذن لم يتجه محمد إلى أورشليم ، وهو فى مكة ، كى يكسب ود اليهود أو يطمع فى تأييدهم له ، فلم يكن‬ ‫فى مكة يهود يعتد بنفوذهم ، ولم يبدأ تعامله مع اليهود إل بعد وصوله إلى المدينة حيث وجد أن اليهود يك ّنون‬ ‫و‬ ‫جزءا بارزا فى نسيج مجتمعها ، وكان من المستحيل تجنبهم أو تهميشهم ، كى ل يحدث تمزق ، وكي ل تثار‬ ‫فتن ل حاجة للمسلمين بها.‬ ‫لقد وصف بعضهم تحويل القبلة – كما تقول كارين أرمسترونج – بأنه الخطوة الدينية التى تفوق كل ما‬ ‫عداها إبداعا وإلهاما ، فتحول المسلمين إلى القبلة المكية كان يعني أنهم يعلنون ضمنا أنهم ل ينتمون إلى أى‬‫مجتمع من المجتمعات الراسخة ، بل يولون وجوههم شطر ال ذاته فحسب. وكان معني ركوعهم وسجودهم فى‬‫اتجاه الكعبة، وهى التى تتسم باستقللها عن عقيدتي التوحيد القديمتين .. أنهم يعودون اليوم إلى العقيدة الخالصة‬ ‫221 عبد الرحمن بدوى ، دفاع عن القرآن ، ص ٧٧ .‬ ‫321 انظر كتابنا ، ل تصلبوا المسيح ، ص ٦٦١.‬
  • 92. ‫النقية التى كان يتمتع بها الرجل الذى بنى الكعبة : " قل إنى هداني ربى إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم‬ ‫421‬ ‫حنيفا وما كان من المشركين " )النعام:06( .‬ ‫فوجئ اليهود وُخذوا من حيث ل يتوقعون . لم يدر بخلدهم أبدا أن محمدا قد ينصرف عن قبلتهم ، وقد‬ ‫أ‬ ‫كان توجهه إليها - من وجهة نظرهم – اعترافا بأنهم هم الهدي والقوم ، وبأن محمدا وأتباعه إنما يترسمون‬ ‫خطاهم ويسيرون على منهجهم ، ول يستطعيون إلى غير ذلك سبيل. ثم حدث ما حدث دون مقدمات : النبى‬‫يصلى ووجهه إلى بيت المقدس ، وأثناء الصلة يأتيه المر الرباني فيتحول فى نفس الصلة إلى الكعبة المشرفة‬ ‫.‬ ‫تحطم قيد الستعلء اليهودي . كان لسان حالهم يقول : يخالفنا فى ديننا لكنه يتبع قبلتنا ، ولول قبلتنا ما‬ ‫عرف إلى أين يتجه وهو يصلى . بيت المقدس هو قبلته ومحرابه ، وهو نفسه يؤكد ذلك فى تسابيحه وصلواته‬ ‫فِ َ يطلب أن نتبعه نحن ، ولم ل يكون هو واحدا من التابعين ؟!‬ ‫لم‬ ‫اعتبر اليهود ما حدث ضربا من ضروب التحدي الذى ل يمكن السكوت عليه . أعلنوا فى غضب جامح‬‫إنكارهم لنبوة محمد ، طعنوا فى صدق رسالته ، واتخذوا من تحويل القبلة ذريعة لتشكيك الناس فى أمر السلم‬‫كدين سماوى . أعلنوا أن بيت المقدس ل يضارعه فى كل أرجاء الرض بيت ، فحيث هو كانت النبوة والقداسة‬ ‫وستظل .. مهد النبياء كان من ذرية إبراهيم وإسحق ويعقوب والسباط ، الكل كان يعظم البيت ويصلى إليه ،‬ ‫ما خرج عن الجمع أحد .‬ ‫وحسم القرآن تشكك بعض المتسائلين : الكعبة أقدم من بيت المقدس ، إنها أول بيت وضع للناس : " إن‬ ‫أول بيت وضع للناس َّذى ببكه مباركا وهدي للعالمين " ) آل عمران : 69( ، وهى أولى أن يتجه إليها الناس‬ ‫لل‬ ‫فى صلتهم ، لشك فى ذلك ول جدال. الكعبة قبل بيت المقدس- بما يقرب من عشرة قرون – بناها إبراهيم‬ ‫واتخذها قبلته ، وجاء السلم فأحيا ملة إبراهيم . وكان لبد وأن يعود إلى قبلته " َو ّ وجهك شطر المسجد‬ ‫ف َل‬‫الحرام " أى شطر الكعبة ، وقد اعتبرها النبى قبلة لهل الرض جميعا ، عندما قال : البيت قبلة لهل المسجد ،‬ ‫521‬ ‫والمسجد قبلة لهل الحرم ، والحرم قبلة لهل الرض فى مشارقها ومغاربها من أمتي .‬ ‫ذهب بعض أحبار اليهود – من بينهم كعب بن الشرف ورافع بن أبى رافع – إلى النبي ، يتساءلون : يا‬‫محمد ، ما ولك عن قبلتك التى كنت عليها وأنت تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه ؟ ارجع إلى قبلتك التى كنت‬ ‫عليها نتبعك ونصدقك .‬ ‫ما كانوا ينوون اتباعه أو تصديقه . كانوا ينصبون شركا معتقدين أنهم عن طريق الكذب والتضليل‬‫يستطيعون إيقاعه فى براثنهم فيتراجع رغبة وطمعا أن يعترف به يهود ويعلنوا إيمانهم بنبوته . وهنا لو صح ما‬‫يتوقعون ، تكون فرصتهم فى العلن عن عدم صدقة وادعائه . كانوا يريدون فتنته عن دينه ، وإثارة الشك فى‬ ‫421 كارين ارمسترونج ، محمد ، ص ٤٤٢‬ ‫521 الصابوني ، تفسير آيات الحكام ، ص ١١١‬
  • 93. ‫قلوب المسلمين من حوله. ونزل القرآن مثبتا قلب النبي وصارفا عنه كيدهم : " سيقول السفهاء من الناس ما‬ ‫ولهم عن قبلتهم التى كانوا عليها قبل ل المشرق والمغرب.."‬ ‫كما كان فى قوله تعالى " وما كان ال ل ُضيع إيمنكم .." )البقرة : 341( ردا على الترهات التى نشرها‬ ‫ي‬ ‫أحباراليهود بين المسلمين ، عندما قالوا فى لؤم خبيث : أخبرونا عن صلتكم إلى بيت المقدس ، إن كانت على‬‫هدي فقد تحولتم عنه ، وإن كانت على ضللة فقد دنتم ال بها مدة ، ومن مات عليها فقد مات على ضللة . قال‬ ‫المسلمون إنما الهدي فيما أمر ال به والضللة فيما نهي عنه . قالوا : فما شهادتكم علي من مات منكم على‬ ‫قبلتنا621؟ وكان رد الرسول عندما وجه إليه المسلمون السؤال هو ما جاء فى الية الكريمة : " ما كان ال‬ ‫ليضيع إيمنكم " أى إيمان الذين آمنوا وهم يصلون إلى‬ ‫بيت المقدس .‬ ‫خابت آمال اليهود فى نشربذور التفرقة والفتنة بين المسلمين ، وبلغ الغضب أقصى مداه ، لدرجة أن‬ ‫صاح أحد اليهود فى ثورة محمومة : أتريد يا محمد أن نعبدك.. أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى بن مريم ؟‬ ‫لقد حاولوا بأسلوب إيمائى غير مباشر أن يدفعوه إلى منزلق تأليه البشر. فإذا كانت النصارى قد عبدت‬‫عيسي بن مريم بعد أن جعلت منه إلها ، فلماذا ل تغرس نفس الفكرة فى رأس محمد ، وتكون عامل من عوامل‬‫تدميره ؟ لكن رد النبي كان قاطعا ساطعا : " معاذ ال أن أعبد غير ال أو آمر بعبادة غيره، فما بذلك بعثني ول‬ ‫أمرني". ونزل الوحي مؤكدا كلمات النبي: " ما كان لبشر أن يؤتيه ال الكتب والحكم والنبوة ثم يقول للناس‬‫كونوا عبادا لى من دون ال ولكن كونوا ربن ّن بما كنتم ُ َّمون الكتب وبما كنتم تدرسون " ) آل عمران : 97 (‬ ‫تعل‬ ‫ي‬ ‫.‬ ‫وبعد انتصار المسلمين فى معركة بدر . تحدث النبي إلى جمع من يهود فى سوق بنى قينقاع ، وقد فاض‬ ‫الكيل بما يدبرون ويمكرون ويكيدون ، قال : يا معشر يهود ، أسلموا قبل أن يصيبكم ال بمثل ما أصاب به‬‫قريشا. قالوا : يا محمد ، ل يغرنك من نفسك أنت قتلت نفرا من قريش كانوا أغمارا ل يعرفون القتال ، إنك وال‬ ‫721‬ ‫لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس ، وأنك لم تلق مثلنا .‬ ‫هكذا اتخذ الحوار الفكرى والعقائدى منحا جديدا ، فبدل من اللجوء إلى العقل والمنطق والقناع ، بدأ‬ ‫اليهود يهددون باستخدام السيف : إنك وال لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس .‬ ‫كان التحدي واضحا صريحا ، مثيرا بنبرته المتسمة بالسخرية والستخفاف ، ولم يكن هناك مهرب من‬ ‫حتمية القتال .‬ ‫6- وفد نصارى نجران :‬ ‫621 محمود بن الشريف ، ص ٣٤‬ ‫721 ابن هشام ، جـ ٢ ، ص ٩٧١.‬
  • 94. ‫إبان احتدام الجدل بين النبي وأحبار يهود. قدم على النبي وقد نصارى نجران ، ستون رجل فيهم أربعة‬ ‫عشر من أشرافهم ، دخلوا على النبي فى مسجده حين صلى العصر ويقول بعض من رآهم من أصحاب النبى:‬ ‫ما رأينا وفدا مثلهم ، كانت عليهم ثياب ال َ َرات : ُ َ ٌ وأردية شديدة الناقة ، لفتة لجمال منظرها النظار.‬ ‫جبب‬ ‫حب‬ ‫821‬ ‫وقد حانت صلتهم ، فقاموا فى مسجد رسول ال صلى ال عليه وسلم . يصلون .‬ ‫حاول بعض المسلمين منعهم من الصلة فى المسجد ، لكن النبى قال : دعوهم . فصلوا إلى المشرق .‬ ‫هذا درس نتمني أن تعيه بعض العقول الخربة المتحجرة التى تعتقد فى بلدة وتخلف يثير اشمئزاز الدنيا‬ ‫بأسرها ، أن المسجد يجب أل يقربه يهودي أو نصراني لنهم رجس ونجس لبد وأن يبعد عن طهر المكان‬ ‫وقدسيته ونسوا أن اقتراب هؤلء وهؤلء من المسجد ، وإبدائهم الرغبة فى الدخول ، ربما تكون بداية هدايتهم‬ ‫إلى الصراط المستقيم . لقد أعطي النبي الدرس : فلْ ُ َ ّ النصارى فى مسجد النبي . وما أدراك ما مسجد‬ ‫يصل‬ ‫النبى . إنه أحد مساجد ثلث ل تشد الرحال إل إليها ، فليصلوا وليتعبدوا فى هذا المكان الطاهر ما شاء لهم أن‬ ‫يصلوا وأن يتعبدوا ، فالصلة فى هذا المسجد لن تكون إل ل ، ودعوة النبى لهم لن تكون إل بالحكمة‬ ‫والموعظة الحسنة ، كما كان منهجه دوما.‬ ‫تحاور وفد نصارى نجران مع النبي ، واشترك بعض يهود فى الحوار. وبدا المر كما لو كان مجمعا‬‫للديانات السماوية الثلث . تمسك اليهود بإنكارهم لى دين آخر غير ما جاء به موسى ، فل هم اعترفوا بعيسى‬ ‫بن مريم ، ول هم اقتنعوا بما جاء به نبى السلم . انصرفوا فى غضب ناقمين .‬‫واختلف النصارى والمسلمون حول طبيعة المسيح ، إذ كان من المستحيل أن يقر النبى بألوهية عيسى أو‬‫ببنوته ل أو أنه ثالث ثلثة كما يدعي أتباعه . تل عليهم النبي ما جاءه من وحي : " قل يا أهل الكتب تعالوا إلى‬ ‫كلمة سواء بيننا وبينكم أل نعبد إل ال ول نشرك به شيئا ول يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون ال فإن توّوا‬ ‫ل‬ ‫فقولوا اشهدوا بأ ّا مسلمون " )آل عمران : 46( .‬ ‫ن‬‫رفض النصارى أن يؤمنوا بما تل عليهم النبي . المسيح فى رأيهم هو إله وابن إله، نفوا بشريته ووحدانيه‬ ‫خالقه .‬ ‫دعاهم النبي إلى المباهلة ، أى الملعنة ، وهى الدعاء بلعنة ال على الكاذبين : " فمن حاجك فيه من‬ ‫بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت‬ ‫ال على الكذبين " )آل عمران: 16( .‬ ‫رفض النصارى قبول المباهلة ، توجسا وخيفة ، وعدم تيقن من أنهم على حق ، قالوا : يا أبا القاسم ،‬ ‫دعنا ننظر فى أمرنا ثم نأتيك بما نريد أن نفعل فيما دعوتنا إليه. فانصرفوا عنه ، ثم خلوا ب" العاقب " أمير‬ ‫القوم وصاحب مشورتهم . قالوا : يا عبد المسيح ، ماذا ترى ؟ قال : لقد علمتم أنه ما ل َ َ قوم نبيا قط فبقى‬ ‫عن‬ ‫كبيرهم ول نبت صغيرهم ، وإنه للستئصال منكم إن فعلتم . فإن كنتم قد أبيتم إل إلف دينكم والقامة على ما‬ ‫821 ابن هشام ، جـ ٢ ، ص ٦٠٢ .‬
  • 95. ‫أنتم عليه من القول فى صاحبكم فوادعوا الرجل ثم انصرفوا إلى بلدكم . فأتوا رسول ال صلى ال عليه وسلم ،‬ ‫921‬ ‫فقالوا : يا أبا القاسم ، قد رأينا أل نلعنك ، وأن نتركك على دينك ، ونرجع على ديننا .‬ ‫تركهم النبي يرحلون فى سلم ، بل زاد على ذلك أن أرسل معهم أحد أصحابه - أبا عبيدة بن الجراح -‬ ‫كى يعينهم على بعض أمورهم .‬‫ولعل فى سلوك النبى هذا ما يخرس بعض اللسنة المتطاولة التى تدعي أن السلم دين تعصب وبغضاء‬ ‫وعداء .‬ ‫7- غزوة بنى قينقاع :‬ ‫تطاول اليهود فى سوق بنى قينقاع على النبى والذين معه . قالوا فى استعلء وازدراء : إنا نحن الناس .‬ ‫لقد اعتقدوا - كما صورت لهم الخرافات السرائيلية – أنهم هم أبناء ال وأحباؤه وشعبه المختار ، إذ تنص‬ ‫كلمات كتابهم " المقدس " على أن الرب اتخذهم لنفسه شعبا واختار أن يكون لهم إلها ، يقول إله إسرائيل : "‬ ‫وأسكن فى وسط بنى إسرائيل وأكون لهم إلها. فيعلمون أنى أنا الرب إلههم الذى أخرجهم من أرض مصر‬ ‫لسكن فى وسطهم. أنا الرب إلههم " )خروج 92 : 54-64( . وفى سفر التثنية مكتوب أن الرب خاطب بنى‬ ‫إسرائيل بقوله : " أنت شعب مقدس للرب إلهك. إياك قد اختار الرب لتكون له شعبا أخص من جميع الشعوب‬ ‫الذين على وجه الرض ... ، مباركا تكون فوق جميع الشعوب " )تثنية 7 : 6-41( .‬ ‫العبارات السابقة فى كتاب " اليهود " هى التى جعلتهم يعتقدون أنهم بالفعل فوق جميع الشعوب ، لن‬ ‫الرب هو الذى اختارهم لنفسه شعبا وقرر بفرمان إلهي أن يكونوا: هم الناس .‬‫ونسوا أنه هو نفس الرب الذى هددهم ون ّ َ بهم وعذبهم عندما انحرفوا وعصوا ، عندما لم ينفذوا أوامره‬ ‫كل‬‫ولم يطيعوا تعاليمه : " لكن إن لم تسمعوا لى ولم تعملوا كل هذه الوصايا. وإن رفضتم فرائضي وكرهت أنفسكم‬ ‫أحكامي فما عملتم كل وصاياى بل نكثتم ميثاقي ، فإنى أعمل هذه بكم . أسلط عليكم رعبا وس ً وحمي تفني‬ ‫ل‬ ‫العينين وتتلف النفس.. وأجعل وجهي ضدكم فتنهزمون أمام أعدائكم ويتسلط عليكم مبغضوكم وتهربون وليس‬ ‫من يطردكم " )لوبين 62 : 41-71( .‬ ‫لقد تمردوا . ليس على نبيهم فقط ، بل أيضا على الرب الذي اختارهم شعبا ، فما كان من ذلك الرب إل‬ ‫أن ضربهم وبعنف : " وتكلم الشعب على ال وعلى موسى قائلين لماذا أصعدتمانا من مصر لنموت فى‬ ‫البرية .. فأرسل الرب على الشعب الحيات المحرقة فلدغت الشعب فمات قوم كثيرون من إسرائيل " )عدد‬ ‫12 : 5-6( .‬ ‫ويهددهم النبى موسى وينذرهم لنه يعلم أنهم شعب عصى صلب الرقبة ، من السهل أن يفعلوا الشر : "‬ ‫ويبددكم الرب فى الشعوب فتبقون عددا قليل بين المم التى يسوقكم الرب إليها " )تثنية 4 : 72( .‬ ‫921 ابن هشام ، جـ ٢ ، ص ٥١٢ .‬
  • 96. ‫كيف نتوقع ، إذن ، من سللة بنى إسرائيل – كما يدعون – أن يستمعوا إلى محمد، وأن يعترفوا بنبتوته ،‬ ‫أو أن يعاملوه بأمانة وشرف احتراما للعهد الذى قطعوه على أنفسهم والميثاق الذى وافقوا عليه بعد وصول‬ ‫النبى إلى المدينة ؟ وينزل جبريل بكلمات الوحي الكاشقة : "وقالت اليهود والنصرى نحن أبنؤا ال واحبؤه قل‬ ‫فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء" )المائدة : 81( .‬ ‫تحرك اليهود عمليا على أرض الواقع . لم يكتفوا بالجدل الفكرى والحوار العقائدى . كادوا للمسلمين‬ ‫وحاولوا الوقيعة بينهم ، كى تكون فتنة ويرفع المسلم سيفه فى وجه المسلم . اندسوا بين الوس والخزرج ،‬ ‫محاولين إثارة النعرة القبلية والخلف الذى قد يؤدى إلى الحرب بينهم ، كى تراق الدماء و ُغْ ِق أرض المدينة‬ ‫تر‬ ‫من جديد . لقد ك ُر على أحد شيوخ يهود ، وهو شاس بن قيس ، أن يرى الوس والخزرج فى مجلس واحد‬ ‫َب‬ ‫يتحدثون فى محبة وود ، غاظه ما رأى من ألفتهم وجماعتهم وصلح ذات بينهم على السلم ، بعد الذى كان‬‫بينهم فى الجاهلية . قال : قد اجتمع مل بنى َيْلة )قيلة هى أم النصار( بهذه البلد ، ل وال مالنا معهم إذا اجتمع‬ ‫ق‬ ‫ََ ُهم بها من قرار.‬ ‫ملؤ‬ ‫أمر شابا يهوديا أن يندس بينهم ، يذكرهم بيوم بعاث ، أي باليوم الذى اشتعلت فيه الحرب بين الوس‬ ‫والخزرج وانتهت بهزيمة الخزرج . نجح اليهودي فى إثارتهم فتفاخروا ، وتنازعوا ، وتواثبوا وغضب‬ ‫الفريقان جميعا لدرجة أن صاح أحدهم : السلح : السلح !!!‬ ‫بلغ ذلك رسول ال فخرج إليهم ، حتى جاءهم فقال : يا معشر المسلمين ، ال ال، َ ِ َعوي الجاهلية وأنا‬ ‫أبد‬ ‫بين أظهركم ، بعد أن هداكم ال للسلم وأكرمكم به وقطع به عنكم أمر الجاهلية واستنقذكم به من الكفر وَّف‬ ‫أل‬ ‫به بين قلوبكم .‬ ‫عرف القوم أنها نزعة من الشيطان وكيد من عدوهم ، فبكوا ، وعانق الرجال من الوس والخزرج‬ ‫031‬ ‫بعضهم بعضا .‬ ‫انطفأت نيران أول فتنة حاول اليهود إشعالها . لكنهم لم يتوقفوا ، استمروا فى كيدهم وعبثهم واستهتارهم‬ ‫بأقدار المسلمين ، اتصلوا بقريش يحرضونهم على النبي، يذكرونه بالسوء ، يذمونه ويسيئون إليه ، ثم تحول‬ ‫الكلم إلى الفعل .‬ ‫توجهت امرأة من العرب إلى سوق بنى قينقاع , جلست إلى صائغ بالسوق . حاول العبث بها وإجبارها‬‫على كشف وجهها . وعندما رفضت فى إباء ، عمد اليهود إلى حيلة تنم عن لؤم وصغار : عقد طرف ثوبها إلى‬ ‫ظهرها ، فلما قامت تعري جزء من جسدها ، انكشفت سوءتها ، وضحك اليهود ساخرين . صرخت المرأة‬ ‫مستنجدة بالمسلمين الذين أسرعوا إلى نجدتها حفاظا على كرامتها . وثب أحدهم على الصائغ اليهودي فقتله ،‬ ‫عندها شد اليهود على المسلم فقتلوه . وكان من الحتمي أن يقع الشر بين يهود بنى قينقاع وبين المسلمين .‬ ‫031 ابن هشام ، جـ ٢ ، ص ٤٨١ .‬
  • 97. ‫وأنزل ال على نبيه : " وإما تخافن من قوم خيانة فانْبذْ إليهم على سواء إن ال ل يحب الخائنين " ويروى‬ ‫ِ‬ ‫ابن سعد أن النبى قال : أنا أخاف بنى قينقاع ، فسار إليهم بهذه الية 131. كان يعلم أنهم أشجع يهود ، لذا حمل‬ ‫اللواء فى هذه الغزوة حمزة بن عبد المطلب ، أشجع من عرفت قريش والعرب آنذاك .‬ ‫استخلف النبى على المدينة أبا ُبابة بن عبد المنذر ال َمرى ، وخرج إليهم فى يوم السبت للنصف من‬ ‫ع‬ ‫ل‬ ‫شوال على رأس عشرين شهرا من مهاجره . حاصرهم خمس عشرة ليلة إلى هلل ذى القعدة . لجأوا إلى‬ ‫أطمهم وتحصنوا بها. حاربوا رميا بالنبل والسهام من خلف جدرانها . شدد النبى عليهم الحصار ، أحاط بهم‬ ‫المسلمون من كل جانب حتى امتلت قلوبهم بالرعب ، وتبدى عجزهم ذليل مهينا ، فنزلوا على حكم النبي.‬ ‫أمر النبى بالرجال فكتفوا ، أى تم شد وثاقهم ، وأمر بالموال أن يتم الستيلء عليها فهى ل ورسوله‬ ‫والمؤمنين ، أما النساء والذرية فقد أصدر عفوه فيما يختص بهم.‬‫تصور عبد ال بن ُبى أن النبى سيأمر بقتل الرجال ، وقد كانوا حلفاء ابن ُبى وخلصاءه الذين ارتضوا ،‬ ‫أ‬ ‫أ‬‫مع أهل المدينة قبل وصول النبى إليها ، أن يتوجوه ملكا. توجه ابن أبى فى انفعال غاضب إلى النبى ، صاح فى‬ ‫فظاظة أمام الجمع : يا محمد ، أحسن فى موال ّ .‬ ‫ى‬ ‫هكذا تطاول ابن أبى ، فى وقاحة متناهية ، فنادي النبى باسمه مجردا وكأنه ل يعترف بنبوته . وتجاهل‬ ‫النبي رأس النفاق الغاضب ، فأعاد ابن أبى قوله : يا محمد أحسن فى موالى . وأعرض عنه النبى ، عندها مد‬ ‫ابن أبى يده فى جرأة متهورة ، أدخلها فى جيب درع النبى ، قبض على ياقته وجذبه .‬ ‫هنا غضب النبى ، وهو الحليم الذى ل يستثار بسهولة غضبه . اشتد غضبه حتى رأوا لوجهه َُ ً ،‬ ‫ظلل‬ ‫قال : ويحك !! أرسلني . ورد رأس النفاق : ل وال ، ل أرسلك حتى تحسن فى موالى . أربعمائة حاسر ) بل‬‫درع ( وثلثمائة دارع قد منعوني من الحمر والسود تحصدهم فى غداة واحدة ؟ إنى وال امرؤ يخشى الدوائر‬ ‫231‬ ‫.‬ ‫أنهي النبي الموقف ، قال : هم لك . ثم أمر بإجلئهم عن المدينة . هنا حاول ابن أبى من جديد أن يثني‬ ‫النبى عن عزمه ويوقف تنفيذ المر ، لكن أحد المسلمين تعرض له وضربه فشجه .‬‫خرج بنو قينقاع مصطحبين نساءهم وأولدهم ، تاركين أموالهم وسلحهم وذهبهم الذى كانوا يصوغون .‬ ‫َِ َ إخراجهم من المدينة عبادة بن الصامت ، فلحقوا بأذْ ِعات على حدود الشام ، ولم يظل بقاءهم بها ،‬ ‫ر‬ ‫ولى‬ ‫ورحلوا إلى ما تسمي بأرض " المعاد " التى يحلم بالعيش فيها سللة من تصفهم كتب اليهود بـ" شعب ال‬ ‫المختار " .‬ ‫و ّع النبى الغنائم . لم يكن لبنى قينقاع أرض ، بل مال وسلح كثير وآلة صياغة . أخذ النبى " صفية "‬ ‫ز‬‫اليهودية والخمس ، ووزع أربعة أخماس على أصحابه ، وكان مما أخذ من سلحهم ثلث قس ّ ، وثلثة أسياف‬ ‫ى‬ ‫، وثلثة أرماح . فكان أول خمس ُ ّسَ بعد بدر.‬ ‫خم‬ ‫131 ابن سعد ، جـ ٢ ، ص ٩٢ .‬ ‫231 ابن هشام ، جـ ٢ ، ص ٨٢٤.‬
  • 98. ‫ويدعي بعض المستشرقين أن غزو بنى قينقاع والحصول علي ثرواتهم ثم إجلئهم عن المدينة ، لم يكن‬ ‫له ما يبرره ، فقد قتل من المسلمين رجل ومن اليهود رجل ، وكان من الواجب أن تتوقف المور عند هذا‬‫الحد ، ل أن تتطور إلى حرب تؤدى إلى اقتلع أناس من أرض عاشوا فيها طويل لدرجة أن اعتبروها مدينتهم‬ ‫هم ، ل مدينة النبي .‬ ‫ونسى هؤلء أن النبى لم يتحرش بهم ولم يبدأ بقتال ، هم الذين أساءوا الدب وتحرشوا وكشفوا سوأة‬‫امرأة عربية ، وهذا فى عرف العرب عار. وليس من المستغرب أن تثار حرب بسبب فرد ، رجل كان أو امرأة‬‫. ويجب أل ننسى أن الحرب العالمية الولى التى شملت أوروبا كلها قد اندلعت شراراتها بسبب مقتل فرد واحد‬ ‫هو ولي عهد النمسا عام 4191.‬ ‫8- قتل بعض الذين خانوا بين بدر وأحد وبعد أحد :‬ ‫1- عصماء بنت مروان : كانت - كما يصفها د. شوقى ضيف - من أقذع اليهود هجاء . هاجمت النبى‬ ‫وعابت رسالته ، وحرضت عليه فى شعرها ، فى ل مبالة واستخفاف ، وكأنها ل تكترث بما قد يحدث لها من‬ ‫جراء جرأتها وتواقحها وهى تصف النبى بأوصاف إن دلت على شئ فل تدل على ازدرائها له واحتقارها لما‬ ‫يدعو إليه .‬ ‫ويروى ابن إسحق أن النبى ، عندما ضاق بهجائها . قال : أل آ ِ ٌ لى من ابنة مروان . فسمع ذلك ُ َيْر‬ ‫عم‬ ‫خذ‬ ‫331‬ ‫بن عدى الْ َطْمي وهو عنده ، فقرر أن يخلص النبى والمسلمين من شرورها .‬ ‫خ‬ ‫جاءها عمير فى ظلمة الليل وهدأته ، ويقال إنه كان ضرير البصر. دخل عليها بيتها وحولها أولدها وقد‬ ‫ناموا ، باستثناء طفل كانت ترضعه من صدرها. جسها بيده ، نحي الطفل عنها ، ثم غرس سيفه فى صدرها‬‫حتي أنفذه من ظهرها . حدث ذلك فى الخامس والعشرين من رمضان ، على رأس تسعة عشر شهرا من مهاجر‬ ‫رسول ال .‬ ‫يذكر ابن سعد أن عميرا ، بعد أن قتل عصماء ، صلى الصبح مع النبي بالمدينة ، فقال له رسول ال ،‬ ‫صلى ال عليه وسلم ، أقتلت ابنة مروان ؟ قال : نعم ، فهل على فى ذلك من شئ ؟ فقال : ل ينتطح فيها‬ ‫431‬ ‫عنزان . فكانت هذه الكلمة أول ما سمعت من رسول ال .. وسماه رسول ال عميرا البصير .‬ ‫331 ابن هشام ، جـ ٤ ، ص ٣١٣ .‬ ‫431 ابن سعد ، جـ ٢ ، ص ٣١٣ .‬
  • 99. ‫يرى " مولى محمد " أن السانيد التى ساقها ابن هشام وابن سعد والواقدى للتدليل على صحة واقعة‬‫الغتيال هذه ، أسانيد غير صحيحة ، أى أنها غير مدعومة ول يمكن إثباتها. صحيح أن عصماء ، وهى شاعرة‬ ‫مرموقة من قبيلة الوس ، قد نظمت قصيدة هجت فيها النبى ، وقالت إنه أهرق دماء كثير من السادة ، قاصدة‬ ‫ما نال سادة قريش فى بدر.. وقيل إنها قتلت بقسوة ، قتلها عمير.. وقيل إن النبى هنأة على فعلته . هنا يؤكد "‬ ‫مولى محمد " أن الرواية غير صادقة ، ودليله على ذلك أن النبى أصدر أوامر مشددة بعدم قتل النساء ، تحت‬ ‫أية ظروف ، حتى ولو اشتركن اشتراكا فعليا فى القتال ضد المسلمين . كما يورد دليل آخر يثبت صدق قوله‬ ‫وهو أنه عندما خرجت جماعة من المسلمين لقتل ابن أبى الحقيق تصدت لهم زوجته محاولة منعهم من قتله .‬ ‫531‬ ‫كان بإمكانهم قتلها بمجرد طعنة لكنهم لم يفعلوا ، احتراما لمر النبى بعدم قتل النساء .‬‫2- أبو عفك : كان أبو عفك ، من بنى مروان بن عوف ، شيخا كبيرا بلغ المائة والعشرين من العمر. كان‬ ‫يهوديا يكتب الشعر ضد النبى ويحرض عليه ، وللشعر على مستمعية فى تلك الونة سطوة وسلطان . ضاق‬ ‫ى‬ ‫النبى بأمره ، فقال لمن حوله ، كما جاء فى رواية ابن إسحق : من لى بهذا الخبيث ؟ فقال سالم بن عمير؟ عل ّ‬ ‫631‬ ‫نذر أن أقتل أبا عفك أو أموت دونه .‬ ‫ترصد سالم أبا عفك كى يأخذه على غرة . سنحت له الفرصة فى ليلة صائفة عندما وجد أبا عفك نائما‬ ‫بفناء بيته . أسرع إليه ، وضع السيف على كبده ، مال عليه بكل ثقله حتى خ ّ فى الفراش ، قتله .‬ ‫ش‬ ‫لقد هاجم أبو عفك النبى فى ضراوة ، لم مستمعيه لنهم سمحوا لدخيل عليهم أن يسيطر على شئونهم‬‫وأن يسير أقدارهم ، اتهم النبى بالخلط بين الحق والباطل وبالسعي إلى السلطان والملك . لقد انكر أبو عفك نبوة‬ ‫محمد واتهمه بالحتيال والدعاء . نظم فى ذلك من القصائد ما يثير الغضب ويؤجج الثورة ، فاستحق الموت‬ ‫كعدو محارب ذلك لنه أعلن عداءه للنبى صراحة ومحاربته له . والحكم فى هذه الحالة عادل ولقد تم قتله بعد‬ ‫بدر وقبل غزوة بنى قنيقاع ، فى شوال على رأس عشرين شهر من مهاجر النبى .‬‫3- كعب بن الشرف : كان أحد أبناء العرب من قبيلة طيئ ، لكن أمه كانت من قبيلة بنى النضير ، وبذلك‬‫أصبح انتماؤه إلى قبيلة أمه اليهودية . كان يعتبر أحد قادة بني النضير ، ومن المتميزين أصحاب السطوة وذوى‬‫البأس الذين يخشى بطشهم ، سواء كان ذلك بالسيف فقد كان فارسا ، أو باللسان فقد كان شاعرا . ولقد هجا النبى‬ ‫بشعره هجاء مقذعا ، ورد عليه حسان بن ثابت وكانت لهما مناقضات ومساجلت .‬‫يروى ابن إسحق أنه لما اصيب أصحاب بدر وقدم زيد بن حارثة إلى أهل السافلة وعبد ال بن رواحة إلى‬‫أهل العالية بشي َيْن ... بفتح ال عز وجل وقتل من قتل من المشركين .. قال كعب بن الشرف حين بلغه الخبر :‬ ‫ر‬ ‫أ ُروْن أن محمدً قتل هؤلء الذين يسمي هذان الرجلن ؟- يعني زيدا وعبد ال بن رواحة – فهؤلء أشراف‬ ‫ا‬ ‫َت‬ ‫731‬ ‫العرب وملوك الناس ، وال لن كان محمد أصاب هؤلء القوم لبطن الرض خير من ظهرها.‬ ‫531 مولي محمد ، ص ١٣٢.‬ ‫631 ابن هشام ، جـ ٤ ، ص ٣١٣.‬ ‫731 ابن هشام ، ج ٢ ، ص ١٣٤ .‬
  • 100. ‫وعندما تيقن من صدق الخبر ، رحل غاضبا إلى مكة ، فنزل على المطلب بن أبى وداعة وعنده عاتكة‬ ‫بنت أبى العيص ، فرحبت به وأكرمته . وحيث نزل وأينما ذهب أخذ يحرض على النبى وينشد الشعار هاجيا‬ ‫وباكيا ، هاجيا النبى وباكيا أصحاب القليب من قريش الذين قتلوا فى معركة بدر .. نجح فى إثارة حزن‬ ‫القريشيين ، وأجج فى قلوبهم رغبة النتقام . ولم يمهله حسان بن ثابت فأطلق قصائده تهجو كعبا وتزدرى ما‬ ‫يقول ، وتسخر من هؤلء الذين رحبوا به واستضافوه . وهكذا أرغم كعب على العودة إلى المدينة .‬‫لكنه فى المدينة لم يهدأ ولم يهادن ، بل استمر فى إثارته وعدوانيته محاول تأليب الجموع وتحريضهم كى‬ ‫يتحركوا ضد محمد ومن معه . ولم يكتف بذلك ، بل بلغت به سفاهته ووقاحته أن تطاول على أم الفضل بنت‬ ‫الحارث فقال فيها شعرا فاحشا ، ثم شبب بنساء المسلمين حتى آذاهم .‬ ‫لم يكن كعب ، إذن ، يهوديا شريفا أمينا ، حافظا للعهد ، كان على عكس ذلك عدوانيا مستفزا يسوؤه‬ ‫انتشار السلم فى المدينة . ويقال إنه حالف المشركين عند أستار الكعبة على قتال محمد . ومعني وقوفه فى‬‫صفوف المشركين وتحالفه معهم أنه قد أصبح محاربا. يمثل خطرا يهدد أمن المسلمين . وكان من الطبيعي ، بل‬ ‫ومن الضرورى أن يحارب المحارب وأن يقتل إتقاء لشره .‬‫كان سلح الشعر فى شبه الجزيرة العربية من أشد السلحة فتكا وأكثرها تدميرا . لم ُخْف النبى استياءه ،‬ ‫ي‬ ‫قال : اللهم اكفني ابن الشرف . ثم التفت إلى من حوله وقال : من لى بابن الشرف فقد آذاني . فقال محمد بن‬ ‫831‬ ‫مسلمة : أنا به يا رسول ال وأنا قاتله . فقال : افعل إن قدرت على ذلك .‬ ‫وجاء فى تاريخ الطبرى أن محمدا بن مسلمة مكث ثلثا ل يأكل ول يشرب إل ما ُعّق به نفسه ، فذكر‬ ‫يل‬ ‫لرسول ال ، فدعاه فقال له : لم تركت الطعام والشراب ؟ قال : يا رسول ال . قلت قول ل أدرى أفى به أم ل .‬‫قال النبى : إنما عليك الجهد . قال : يا رسول ال ، إنه لبد لنا من أن نقول . قال: قولوا ما بدا لكم . فأنتم فى حل‬ ‫931‬ ‫من ذلك .‬ ‫لبد لنا من أن نقول ، أى لبد لهم من أن يقولوا كلما ضد النبى يستطيعون به كسب ثقة اليهودى حتى‬ ‫يركن إليهم وتطمئن نفسه ، وهو نوع من أنواع الخداع المسموح به فى التعامل مع العدو .‬‫اجتمع محمد بن مسلمة ونفر من الوس منهم عباد بن بشر وأبو نائلة ِلْكان بن سلمة والحارث بن أوس‬ ‫س‬‫بن معاذ ، وكان أبو نائلة أخا لكعب بن الشرف من الرضاعة . حدث ذلك فى الرابع عشر من شهر ربيع الول‬ ‫بداية العام الثالث الهجرى.‬ ‫أخبر أبو نائلة كعبا بأنه ضائق بأمر محمد ويتمني لو تخلصت منه المدينة . فقد جلب على أهلها البلء :‬ ‫حاربتنا العرب ورمتنا عن قوس واحدة ونحن نريد التنحي منه. وأضاف أبو نائلة ، وهو يتعامل مع اليهودي‬ ‫بنفس العملة اليهودية فى الكذب والتضليل , لقد تسبب وجود محمد فى حالة قحط وجدب وفقر أصاب عرب‬ ‫المدينة ، مما دفعه هو وبعض صحبه للجوء إلى كعب كى يبتاعوا منه طعاما وتمرا على أن يرهنوه ما يشاء .‬ ‫831 ابن سعد ، جـ ٢ ، ص ٢٣ .‬ ‫931 الطبري ، جـ ٢ ، ٣٥ .‬
  • 101. ‫أثار أبو نائلة غريزة الجشع فى أعماق اليهودي ، صاح كعب بن الشرف : أبناءكم ؟!! ترهنوني‬ ‫أبناءكم ! وغريزة الجشع هذه كامنة فى أعماق بنى إسرائيل منذ يعقوب " التوراتي" الذى كان يتعامل مع كل‬ ‫من هم حوله - حسب الحكاية التوراتية – بخسة متدنية . ولم يستثني من ذلك أخاه عيسو .‬‫يعود عيسو من الحقل مرهقا جائعا فيجد أمام يعقوب طبيخ عدس ، فيطلب منه أن يعطيه ما يسد الرمق ،‬ ‫إل أن يعقوب يرفض إل أن يقبض الثمن . إما أن يدفع عيسو ثمن وجبة الطعام أو يغرب عن وجهة ، فل شئ‬‫بل ثمن بالنسبة ليعقوب . إنه يطلب من أخيه أن يبيعه حق بكوريته ، أى حقه فى الوراثة ، مقابل أن يطعمه : "‬ ‫وطبخ يعقوب طبيخا فأتي عيسو من الحقل وهو قد أعيا . فقال عيسو ليعقوب أطعمني من هذا الحمر لنى قد‬ ‫أعييت .. فقال يعقوب بعني اليوم بكوريتك .. فباع بكوريته ليعقوب .. فأعطي يعقوب عيسو خبزا وطعام‬ ‫عدس . فأكل وشرب وقام ومضى " )تكوين 52 : 92- 43( .‬ ‫وإذا كان يعقوب " التوراتي " المسمي بإسرائيل – أبو السباط - على هذا القدر من التدني ، فماذا نتوقع‬ ‫من كعب بن الشرف وقد طالبة بعض " الجياع " العرب بقدر من تمر وطعام مقابل رهن يطلبه ؟ أبناءكم !!‬ ‫وجدها اليهودي فرصة كى يتخذ عددا من أبناء العرب عبيدا مقابل وجبة طعام .‬‫كان أبو نائلة على مستوى الحدث . تعامل مع اليهودي فى ذكاء واقتدار، قال : لقد أردت أن تفضحنا ! إن‬ ‫معي أصحابا لى على مثل رأيي ، وقد أردت أن آتيك بهم فتبيعهم وتحسن فى ذلك ، ونرهنك من الحلْقة‬ ‫)السلح( ما فيه لك وفاء . هكذا م ّد لوجود السلح معه ومع أصحابه .‬ ‫ه‬ ‫عاد أبو نائلة إلى كعب فى الليل ، ناداه طالبا منه أن يخرج إليهم من حصنة وكان حديث عهد بعرس .‬ ‫حذرته امرأته من الخروج وقد أحست فى داخلها بنذر شر, لكنه لم يكترث بتحذيرها وخرج إليهم . مشوا معه‬‫وحادثوه حتى أنس إليهم. فجأة حملوا عليه وقتلوه . لم يكتفوا بقتله . بل حزوا رأسه وحملوها معهم ، حتى بلغوا‬ ‫النبى وقد كان قائما يصلى . رموا برأس كعب بين يديه بعد أن انتهي من الصلة. قال النبى وقد بدت علمات‬ ‫الرتياح على وجهه : أفلحت الوجوه !‬ ‫هكذا تم اغتيال كعب بن الشرف . ُتل غدرا . هذا صحيح . لكن قتله غدرا كان أفضل من تركه كى‬ ‫ق‬ ‫يجلب الدمار على المدينة وأهلها .‬‫محارب هو ، انضم إلى صفوف العداء وأثار حمية المشركين كى يقطعوا دابر المسلمين ، فأرسل النبى‬ ‫إليه سرية لقتله . محاربون خرجوا لقتل محارب ، وكان عليهم أن يختاروا الوسيلة التى تمكنهم من توجيه‬‫ضربتهم فى سرية وكتمان كى ل يثيروا ثورة قبيلة بنى النضير بأكملها فتهب لنصرته ويراق دم كان المسلمون‬‫آنذاك فى غني عن إراقته. استدرجوه وقتلوه . واتخذوا من الوسائل ما كان مألوفا لديهم ومعترفا له فى عصرهم‬ ‫. لقد أثبت كعب بن الشرف ، بالكلمة والفعل ، أنه عدو ، وعدو محارب . لذا وجب قتله دفاعا عن النفس .‬ ‫4- أبو رافع سلم بن أبى ال ُقيق :‬ ‫ح‬
  • 102. ‫اغتال الوس كعب بن الشرف ، ورأت الخزرج ضرورة القدام على عمل مماثل ل يقل قوة وجرأة ،‬ ‫كى ل تتميز الوس وتذهب بها فضل عليهم .‬ ‫كان أبو رافع يؤذى النبى ويثير القبائل عليه . بعد طرده من المدينة مع بنى النضير ، استقر فى خيبر‬ ‫وأخذ يحرض غطفان وقبائل أخرى مجاورة على محاربة النبى، وقد وعد بأن يمدهم بما هم فى حاجة إليه من‬ ‫مال وسلح . لم يكن المسلمون ليأمنوا لؤمنه وضراوة شره وغدره .‬‫تطوع خمسة من النصار للخروج إليه وقتله . كان الرجال الخمسة من خزرج بنى سلمة ، وهم : عبد ال‬‫بن عتيك ، وعبد ال بن ُ َيْس ، وأبو قتادة ، والسود بن ُزاع ّ ، ومسعود بن سنان ، أ ّر النبى عليهم عبد ال‬ ‫م‬ ‫خ ي‬ ‫أن‬ ‫عتيك .‬‫يقول د. عبد الرحمن بدوى إن هذه السرية خرجت فى الرابع من ذى الحجة سنة أربع من الهجرة )4-41‬ ‫ذى الحجة سنة 4( .041 ونري أن الدكتور بدوى قد أخطأ فى تحديد تاريخ خروج هذه السرية ، إذ أن مقتل أبى‬ ‫رافع فى العام الرابع الهجرى ل يتفق مع حقائق التاريخ التى تثبت أن أبا رافع كان فيمن ح ّب الحزاب ضد‬ ‫ز‬ ‫النبى . لهذا نرى أن مقتلة كان بعد غزوة الحزاب فى السنة السادسة من الهجرة . ونأخذ بالرأى الذى أورده‬ ‫ابن سعد فى الطبقات الكبرى عندما حدد خروج سرية عبد ال بن عتيك إلى أبى رافع بن أبى الحقيق النضرى‬‫بخيبر فى شهر رمضام سنة ست من مهاجر رسول ال .141 ويبدو أن د. بدوى قد أخذ عن مونتجمرى وت الذى‬ ‫يحدد نفس التاريخ 4/21 هـ .‬ ‫كمن الخمسة من النصار فى خيبر حتى هدأت نفوسهم ، وفكروا مليا فيما هم مقدمون عليه . تحينوا‬‫الفرصة المناسبة لدخول بيت أبى رافع . قابلتهم امرأته . طلبوا منها أن تسمح لهم بالصعود إليه ليقدموا له بعض‬ ‫الهدايا . سمحت لهم بالدخول ، لكنها فزعت . روعها منظر هؤلء الخمسة المدججين بالسلح. طعنها أحدهم‬ ‫بخنجر ، ولم يجهز عليها ، ذلك لن النبى نهاهم عن أن يقتلوا رضيعا أو امرأة . هاجموه وهو فى فراشه. يقال‬‫إنه كان نائما غير مدرك لما يدور حوله . وحتى لو كان فى حالة وعي ويقظة كاملة ما كان باستطاعته أن يفعل‬ ‫شيئا ، فقد كان طاعنا فى السن ول طاقة له بمواجهة خمسة رجال وهو فى سريره أعزل . ضربوه جميعا‬ ‫بأسيافهم . غرز عبد ال بن أنيس سيفه فى بطن أبى رافع حتى أنفذه . مات فى الحال. هرب الذين اغتالوه .‬ ‫اختبأوا حتى كف اليهود عن البحث عنهم ، استغرقت هذه المهمة عشرة أيام .‬ ‫241‬ ‫5- ُ َيْر بن زارم :‬ ‫أس‬ ‫قتل أبو رافع ، تشاور يهود خيبر فى أمر الزعامة ، اختاروا سلم بن مشكم ، لكنه أبى ، رفض زعامة‬ ‫يهود لما فيها من مخاطر. عرضوا المر على أسير بن زرام فقبل بالمارة ، ثم سار فى غطفان وما جاورها‬ ‫من قبائل يحرضهم على النبى ويطلب منهم الستعداد لقتاله .‬ ‫041 عبد الرحمن بدوى ، دفاع عن محمد ، ص ١٢١.‬ ‫141 ابن سعد ، جـ ٢ ، ص ١٩ .‬ ‫241 هكذا ذكر السم فى ابن سعد ، أما ابن هشام فيشير إليه تحت اسم : اليسير ابن زارم .‬
  • 103. ‫بلغ أمره النبى . وكعادته أسرع يواجه الخطر قبل استفحاله . أرسل عبد ال بن رواحه فى صحبه ثلثة‬ ‫نفر إلى خيبر. كان ذلك فى رمضان من العام السادس الهجرى. تقصى ابن رواحه أخبار أسير عرف كل ما‬ ‫يمكن معرفته عن تحركاته ، وما يفعله علنا وما يدبره فى الخفاء . عاد وبلغ بذلك النبى .‬‫أنتدب ثلثون رجل على رأسهم عبد ال بن رواحه ، للسير إلى أسير والتعامل معه . قدموا عليه . قالوا :‬ ‫341‬ ‫نحن آمنون حتى نعرض عليك ما جئنا له ؟ قال : نعم ، ولى منكم مثل ذلك . قالوا : نعم .‬‫طلب كل فريق المان من الخر وحصل على وعد به. قدم عبد ال بن رواحه العطايا لسير . حدثه عما‬‫جاء من أجله وكان فى الحديث خدعة حتى يتمكن من الخروج به من خيبر. ادعي أن النبى يريده أن يخرج إليه‬‫كى يحسن إليه ويستعمله على خيبر. طمع أسير فيما عرض عليه ومال إلى تصديق ما قيل له . خرج معهم فى‬‫ثلثين رجل من يهود ، حتى إذا ما وصلوا قرْ َرة ِبار. وهى مكان يبعد ستة أميال عن خيبر، ساور الشك أسير‬ ‫ق ث‬ ‫وندم على خروجه معهم . حاول أن يستل سيفه كى تكون المبادرة ثم الغلبة والخلص ، لكى عبد ال بن أنيس‬‫عاجلة بضربة باترة فقطع فخده وساقه . سقط عن بعيره لكنه استطاع رغم ذلك أن يضرب عبد ال بفرع غليظ‬ ‫من شجر " الشوْحط " فشجة . هم المسلمون على أصحاب أسير فقتلوهم جميعا ، باستثناء رجل واحد نجح فى‬ ‫الفرار. لم ُق َل أحد من المسلمين . عادوا سالمين بعد أن تخلصوا من أسير. وقد نجاهم ال - كما أخبرهم‬ ‫يت‬ ‫الرسول - من القوم الظالمين .‬ ‫6- سفيان بن خالد بن نتيج الهذلى:‬‫لم يكن سفيان يهوديا ، لكنه كان مشركا ، أصر على شركه وأضمر العداء للنبى ، رغم أن النبى لم يمسه‬ ‫بسوء . كان ينزل فى ُ َ َة وما والها فى ناس من قومه . أخذ يجمع القبائل ويعدها للحرب . علم النبى‬ ‫عرن‬ ‫بتحركاته . رأى أن يتخلص منه قبل أن‬ ‫يستفحل خطره .‬‫يقال إن النبى أحضر عبد ال بن أنيس ، وقد اشترك بنجاح فى اغتالين سابقين ، وطلب منه أن يذهب إلى‬ ‫سفيان ويقتله. لم يكن عبد ال بن أنيس يعرف سفيان ، ما رآه أبدا من قبل . قال للنبى : يا رسول ال صفه لى‬ ‫441‬ ‫حتى أعرفه ، وجاء فى ابن سعد أن النبي قال له : إذا رأيته هبته وفرقت )ارتعدت( منه وذكرت الشيطان .‬ ‫خرج عبد ال بن أنيس قاصدا سفيان حيث هو – كان ذلك فى يوم الثنين لخمس خلون من المحرم على‬ ‫رأس خمسة وثلثين شهرا من مهاجر رسول ال - حتى إذا كان ببطن " عرنة " لقى سفيان يمشى ووراءه‬ ‫الحابيش وآخرون ممن انضووا تحت لوائه. عندما اقترب منه وتأمله ، اهتز من هيبته وسرت فى جسدة‬ ‫رعده ، وخيل إليه أنه بالفعل فى مواجهة الشيطان ، تماما كما حدثه النبى من قبل .‬ ‫لكن عبد ال بن أنيس- كما وصف هو نفسه – كان ل يهاب الرجال . قرر استخدام الخديعة وقد تم‬ ‫استخدامها من قبل فى اغتيالت سابقة . كما أنه كان قد استأذن النبى فى أن يتقول . سأله سفيان عندما اقترب‬ ‫341 ابن سعد ، جـ ٢ ، ص ٢٩.‬ ‫441 ابن سعد ، جـ ٢ ، ص ١٥ .‬
  • 104. ‫منه : من الرجل ؟ أجاب عبد ال : رجل من خزاعة . سمعت عنك وعن جمعك لمحمد فجئت لكون معك .‬ ‫قال : أجل إنى‬ ‫لجمع له .‬ ‫تأكد عبد ال بن أنيس أن هدفه قد أصبح فى متناول يده . كل ما عليه هو أن يحسن اختيار الفرصة كى‬ ‫ينفذ ما خرج من أجله. مشى مع سفيان وكسب ثقته بحلو الحديث ومعسول الكلمات . استحلى سفيان الحديث‬‫وأنس لوجود ابن أنيس معه ، اطمأن إليه حتى انتهي إلى خبائه وتفرق عنه أصحابه وهدأ الناس وناموا . عندها‬ ‫عاجلة ابن أنيس بضربة سيف . قتله. قطع رأسه . لذ بالفرار. اختبأ فى غار فى جبل . عندما شعر بأن البحث‬ ‫عنه قد هدأ ، شق طريقه إلى المدينة يسير ليل ويتوارى نهارا حتى قدم على النبي فى مسجده بالمدينة . ويقال‬‫إن النبى استقبله بعبارة : أفلح الوجه. فرد قائل : أفلح وجهك يا رسول ال . وكانت غيبته فى تلك السرية ثماني‬ ‫عشرة ليلة .‬ ‫يروى ابن سعد أن ابن أنيس ألقى برأس سفيان بين يدى النبى وأخبره خبره ، فقام النبى وأدخله بيته‬ ‫وأعطاه عصا . وقال : تحضر بهذه فى الجنة541. ويضيف الدكتور عبد الرحمن بدوى ، نقل عن مصدر نسى‬‫أن يذكره كى نسترشد به ، أن النبى قال لبن أنيس وهو يناوله العصا : هذه علمة بينى وبينك يوم القيامة وفى‬ ‫641‬ ‫هذا اليوم لن يحمل عصا إل قليل من الناس .‬ ‫أوصى عبد ال بن أنيس أهله أن توضع تلك العصا فى كنفه وتدفن معه عندما‬ ‫يحين أجله .‬‫وحكاية العصا هذه تبدو كحكايات " الحواديت " ونقول بصراحة واضحة إنه يصعب تصديقها. وربما ل‬‫نبالغ إذا ما أعلنا أن المنطق العقلني ينكرها إنكارا كامل ، ولو صدقت لوزع النبى العصى على المختارين من‬ ‫أصحابه ، ولذاع صيت فرقة من "أصحاب العصى" المميزين بعصيهم يوم القيامة . كما أنه من غير المعقول‬ ‫منطقيا أن يحتاج أحد المؤمنين إلى عصا تكون له علمة يعرفه بها النبى .‬ ‫هذا إلى جانب أنه لم يرد للعصى- كعلمات يوم القيامة - أى ذكر فى حديث نبوى مما ذكر واعتمد فى‬ ‫كتب أئمة الحديث ، بعيدا عن السرائيليات . ولو كانت العصى ، كعلمات يوم القيامة ، حقيقة مؤكدة لجاء‬ ‫ذكرها ولو فى آية واحدة من آيات القرآن . وربما تذ ّر من كتب هذه القصوصة عصا موسى أو عصا‬ ‫ك‬ ‫هارون ، فقال : ولم ل تكون لنا نحن أيضا عصا ، ثم قام بتأليف الحكاية. هذا مجرد افتراض ، ل يؤكده دليل‬ ‫قاطع يمكن قبوله أو رفضه . وعلى من يرفضه أن يقدم دليل قاطعا على صحة حكاية العصا التى سيحملها‬ ‫بعض الناس يوم القيامة كى تكون لهم علمة .‬ ‫7- محاولة اغتيال أبى سفيان :‬ ‫541 ابن سعد ، جـ ٢ ، ص ١٥ .‬ ‫641 عبد الرحمن بدوى ، محمد ، ص ٤٢١.‬
  • 105. ‫طبقا لما جاء فى بعض كتب التراث – الطبرى وابن سعد – قال أبو سفيان بن حرب لنفر من قريش : أل‬ ‫أحد يغتال محمدا فإنه يمشى فى السواق . فجاءه رجل من العراب معلنا عن رغبته فى قتل محمد بشرط أن‬ ‫يعينه أبو سفيان على ذلك ويقويه. وجد أبو سفيان فى الرجل ضالته . أعطاه بعيرا ونفقه وأغراه بالكثير إن هو‬‫نجح فيما خرج إليه. خرج الرجل ليل وبعد ستة أيام وصل إلى المدينة . أقبل يسأل عن النبى فدلوه على مكانه ،‬ ‫وقد كان فى مسجد بنى عبد الشهل .‬ ‫عندما رأى النبي العرابى ارتاب فى أمره. قال لم حوله : إن هذا ليريد غدرا. أحاط به أصحاب النبى.‬ ‫جذبه ُسيْد بن حضير من إزارة ، فإذا به يجد الخنجر الذى أعده الرجل كى يريق به دم النبى . أسقط فى يد‬ ‫أَ‬‫العرابى. طلب المان من النبى على أن يصدقه القول ، ثم أخبره بأمر أبى سفيان وما جعل له ، عفا النبى عنه‬ ‫وأمر بإطلق سراحة. ويقال إن الرجل أعلن إسلمه .‬ ‫وكرد فعل لما أقدم عليه أبو سفيان بعث النبى عمرو بن أمية وسلمة بن أسلم إلى أبى سفيان بن حرب.‬ ‫ويروى ابن سعد أن النبى قال لهما : أن أصبتما منه‬ ‫741‬ ‫غرة فاقتله .‬ ‫خرج عمرو بن أمية مع صاحبه ومعه بعير له ، وليس مع صاحبه بعير ، كانت برجل صاحبه هذا علة‬ ‫فكان عمر يحمله على بعيره . عندما وصل مكة أراد عمرو - كما تحكي روايته – أن ينطلق مباشرة إلى دار‬ ‫أبى سفيان ويفتك به ، لكن صاحبه طلب منه أن يذهبا أول إلى الكعبة ، يطوفا ويصليا ركعتين . رفض عمرو‬ ‫اقتراح صاحبه خشية أن يراه بعض أهل مكة فيشيع أمره . وقد كان فى الجاهلية رجل فاتكا متشيطنا يخشى‬ ‫الناس بأسه . لكن صاحبه ألح وبالغ فى إلحاحه مما دفعه للموافقة على الذهاب إلى الكعبة ليل . طافا وصليا .‬ ‫وأثناء خروجهما لمحه معاوية ابن أبى سفيان فعرفه. أخبر قريشا بمكانه فخافوه وخرجوا فى طلبه . أجمعوا‬ ‫على أنه من المستحيل أن يأتي عمرو لخير . حشدوا له وتجمعوا . وهرب عمرو وسلمة .‬ ‫فشلت مهمة عمرو ، كان من المستحيل عليه أن يصل إلى أبى سفيان بعد أن افتضح أمره . نجح فى‬‫الفرار والعودة إلى المدينة بعد أن قتل ثلثة رجال وأسر رجل قاده معه إلى المدينة ، وقد شد إبهام السير بوتر‬ ‫قوسه . ويقال أن النبى عندما نظر إلى السير وهو مشدود بوتر القوس ضحك حتى بدت نواجذه . ويقال أيضا‬ ‫841‬ ‫إنه دعا لعمرو ابن أمية بخير.‬ ‫القصة كما تبدو ضعيفة فى مصادرها ، ل سند لها ول دليل عليها ، مما يدفع القارئ إلى عدم تصديقها.‬‫هذا إلى جانب أنه من المستبعد أن يلجأ أبى سفيان – وهو كبير مكة وقائدها – إلى إعرابى ل شأن له ول ذكر ،‬ ‫كى يخلصه من محمد مقابل ناقة ومؤونه ووعد ببعض مال . ولو افترضنا جدل أن أبا سفيان قد اختل تفكيره‬ ‫فقاده إلى مثل هذا السلوك الذى يحط من قدره ، فمن المستحيل أن يسلك النبى نفس السلوك : يرسل إلى أبى‬ ‫سفيان رجل بخنجر كى يقتله . كما أرسل أبو سفيان إليه رجل بخنجر كى يقتله .‬ ‫741 ابن سعد ، جـ ٢ ، ص ٤٩١‬ ‫841 الطبرى ، جـ ٢ ، ص ٠٨ .‬
  • 106. ‫هذا أمر مضحك ، والقصة كلها تتسم بالضحالة ، وتعبر عن ملمح كاتبها وسذاجته الفكرية واستخفافه‬ ‫بعقل القارئ معتقدا أنه يقدم تاريخا مجيدا للسلم ، وهو فى الواقع يسئ وبطريقة مخزية . لقد استغل أعداء‬ ‫السلم أمثال هذه الحكايات لمهاجمة النبى والنيل منه .‬‫يقول جونستون ، على سبيل المثال ، كل هذه الغتيالت القائمة على الخيانة باركها محمد . ليس هذا فقط‬ ‫، بل لقد أرسل هو نفسه قاتل محترفا ومعروفا كى يذبح عدوه القديم ، أبا سفيان ، فى مكة . ويدعي البعض ،‬ ‫941‬ ‫دون أن يقدموا الدليل . أن ذلك كان رد فعل على محاولة مماثلة قام بها أبو سفيان لغتيال محمد .‬ ‫هذه الغتيالت – ومجرد القدام على إحداها كما تحكي كتب التراث - لم تقع كلها فى الفترة ما بين بدر‬ ‫وأحد . ولقد ذكرنا تاريخ كل منها على حدة . لكنا رأينا أنه من الفضل أن نضعها جميعا فى إطار واحد ونبين‬ ‫ملبساتها والدوافع التى دعت إليها ، كى يكون فى ذلك رد واضح على ادعاءات بعض المستشرقين وأعداء‬ ‫السلم الذين يتشدقون بفكرة أن السلم دين اغتيالت وسفك دماء. لكنهم فى نفس الوقت يغضون الطرف ،‬ ‫ويتعامون عما حدث ، ويحدث حتى الن ، للمسلمين على أيدى اليهود والصليبين من قتل واغتيال وحرق‬ ‫وتدمير بلغ حد البادة الكاملة لقرى وبلدان بأكملها.‬ ‫وإذا افترضنا أنه قد تم بالفعل قتل أربعة أو خمسة من أعداء المسلمين ، حفاظا على أمن دولة ناشئة ،‬ ‫فهذا ل يقارن مطلقا بما فعله اليهود فى فلسطين – وما زالوا يفعلون – من قتل وذبح لللف . بعد أن هدموا‬ ‫المنازل على من فيها وأشعلوا فيها النيران ، وأبادوا مدنا وقرى بأكملها ، بعد أن حصلوا على مباركة العالم‬ ‫المسيحي الذى هنأهم على " بطولتهم " وهم يحرقون النساء والشيوخ والطفال. طبقا لتعاليم " الرب ".‬ ‫وحملة الصليب اليوم ل يقلون شراسة وضراوة ووحشية عمن يدعون أنهم أحفاد " يهوذا " حملة‬ ‫الصليب يؤمنون بما جاء فى " العهد القديم " . وإله العهد القديم إله مدمر حارق متعطش دوما لسفك الدماء ،‬ ‫حتى ولو كان الدم هو دم الشعب الذى اختاره لنفسه واصطفاه :" أنتم تكونون لى مملكة كهنة وأمة مقدسة "‬ ‫)خروج 91 : 6(. ورغم ذلك فإن ذلك الله يدرك أنه قد اصطفى شعبا جاحدا متمردا صلب الرقبة ويهدد أن‬ ‫يفنيه : "فإني ل أصعد فى وسطك لنك شعب صلب الرقبة. لئل أفنيك فى الطريق " )خروج 13 " 3( .‬ ‫ويبلغ المر بهذا اللة المنتقم أن يهدد شعبه بما هو أسوأ : أن يدفعه إلى أكل لحم بنية وبناته إن لم يسمع‬‫ويطيع :" وإن كنتم بذلك ل تسمعون لى بل سلكتم معي بالخلف فأنا أسلك معكم بالخلف ساخطا وأؤ ّبكم سبعة‬ ‫د‬ ‫أضعاف حسب خطاياكم . فتأكلون لحم بنيكم . ولحم بناتكم تأكلون " )لويين 62 : 72- 92( .‬‫ل نتوقع من شعب كهذا ، مستوحش متوحش ، أن تأخذه رحمة أو شفقه بالشعوب الخرى . إن " الرب "‬‫الذى يعبدون هو نفسه يحضهم على " أكل " كل الشعوب وتدميرها دون رحمة أو شفقه : " وتأكل كل الشعوب‬ ‫الذين الرب إلهك يدفع إليك ل تشفق عيناك عليهم " )تثنية 7 : 61(.‬ ‫941‬ ‫. 811 .‪Johnstone, p‬‬
  • 107. ‫وطبقا لتعاليم " الرب " يدمر اليهود كل ما يمكن تدميره فى بلد " الشعوب " التى يدفعها الرب إليهم ،‬ ‫يحرقون ويقتلون ويغتالون باستخفاف شيطاني عابث ، وبحقد دوني ناقم ، واغتيالهم للشيخ ياسين ، وهو مجرد‬ ‫مثل واحد من آلف المثلة ، يؤكد صدق ما نقول ، والشيخ ياسين ، لمن ل يعرف ، هو رجل مريض مصاب‬ ‫بالعمي والشلل ، ل يستطيع الوقوف على قدميه . ورغم ذلك وجد فيه اليهود خطرا داهما يهدد وجودهم .‬ ‫فأطلقوا عليه صواريخ طائراتهم . عدة صواريخ وهو فوق كرسيه المتحرك ل يقدر على شئ ول يري . ولم‬ ‫يكن الشيخ الضرير المريض فى حاجة إلى طائرات وصواريخ كى يموت . لكنها دموية شعب أصبح أكثر‬ ‫ضراوة من الثعالب والذئاب .‬ ‫ويؤازر يهود " الشعب المختار " الصليبيون الجدد الذين يدعون أنهم أتباع المسيح. يتباكي بعض ك ّابهم‬ ‫ت‬ ‫من المستشرقين لن ثلثة أو أربعة من اليهود تم قتلهم دفاعا عن أمة ناشئة وحفظا لدين ال من آثامهم‬ ‫ومؤامرتهم التى ثبت بالفعل وقوعها ، فقد كانوا محاربين بالكلمة أو بالسيف ، أو بالكلمة والسيف معا ، وجاز‬ ‫عليهم ما يجوز‬ ‫على المقاتلين .‬ ‫ونسي ال ُ ُد من حملة الصليب ، أحفاد الصليبين ا ُ َل الذين أبادوا عشرات اللف من المسلمين ، أن "‬ ‫لو‬ ‫جد‬‫القس " الق ائد " رئيس الحرب " ، قد أباد ما يزيد عن ستمائة ألف من المسلمين فى بلد ما بين النهرين لمجرد‬‫الشك فى أن الحاكم يملك أسلحة دمار شامل . ولم يكن الحاكم يملك شيئا. ولم يكتف الصليبى المتغطرس بذلك ،‬ ‫بل صمم على إهانة وإذلل مئات المليين من المسلمين وذلك بتعليق الحاكم نفسه فوق الخشبة فى يوم النحر ،‬ ‫وكأنه يقول لهم فى اشمئزاز : أنت تنحرون الكباش ، أما نحن فبدل الكبس ننحر واحدا من أكبر زعمائكم .‬ ‫أعلن الرئيس الصليبى المتصهين ، صراحة ، أنها حرب صليبية ، انتقاما من أعداءه " الكفرة " وأباد‬‫أكثر من نصف مليون مسلم ، وهو يتباهي بأنه ينفذ تعاليم الرب وأن إلهه يباركه . إنه ل يتحرك من تلقاء نفسه .‬ ‫ول يذبح مئات اللف من المسلمين رغبة فى الذبح ، لكنه " الوحي " الذى هبط عليه بتعاليم الرب ، ومن‬ ‫المستحيل أن يعصى التعاليم عبد طائع . ولم يعلن " الرئيس القس " أن هدفه الرئيسي لم يكن فقط تنفيذ تعاليم‬ ‫الرب ومحاربة " الكفرة " أعداء الصليب ، بل كان الهدف الساسى هو سرقة ونهب ثروات ما بين النهرين .‬ ‫الحاكم الصليبى لص وقاطع طريق . لقد دمر دولة بكاملها ونهبها ، وهو في الطريق إلى تدمير دول أخرى‬ ‫ونهبها، تحت راية الصليب .‬ ‫ول يجب أن ننسى أن الرئيس " القس " هو حفيد للكاهن " القس " الذى ألف كتابا يهاجم فيه السلم‬ ‫ونبى السلم ، ل تدعمه حجة مقنعة ول دليل قاطع ، إنما يغذيه الحقد وتدفعه الكراهية . ول عجب أن يتحرك‬ ‫الصغير مدفوعا بميراث الحقد والغضب.‬ ‫***‬
  • 108. ‫الفصـل الرابع‬‫غــزوة ُ ُـد‬ ‫أح‬
  • 109. ‫الفصــل الرابع‬ ‫غـزوة أحــد‬ ‫1- قريش تعد جيشها وتخرج :‬ ‫بكت قريش قتلها الذى أصيبوا يوم بدر . كان مصابها فى أصحاب القليب ، وهم أكابرها وسادتها ، ل‬ ‫يعادله مصاب . ما نسي القريشيون هؤلء الذين سالت دماؤهم وقطعت أوصالهم وأزهقت أرواحهم من آباء‬ ‫وإخوة وأبناء وأصدقاء . الرغبة فى الثأر كانت تعتمل فى النفوس وتحرك ماكمن فيها من كراهية وحقد .‬ ‫كرامة أشراف مكة وسادتها التى أهينت وامتهنت لبد وأن تعود لها هيبتها وشموخها بين قبائل العرب ،‬ ‫والعويل على الدم المراق لن يوقفه إل دم مراق ، وثارات العرب عميقة دفينة ل تمحوها أيام أو سنون .‬ ‫من لمكة بعد أن قتل الكبار فى بدر ، وبعد أن سقط أبو لهب ضحية حمى‬ ‫الفجيعة ومات .‬‫لم يعد هناك سوى أبى سفيان بن حرب ، هو الذى استطاع أن يراوغ المسلمين وينجو بالعير وما تحمله ،‬‫وهو المشهود له بسعة الفق والذكاء والدهاء ، وهو الذى يستطيع أن يمكر ويخادع ويكرس دهاءه كله فى قيادة‬ ‫معركة فاصلة إن لم تنتصر فيها قريش تضيع ، وضياعها هذه المرة هو نهايتها بل أمل أو رجاء .‬ ‫لتكن القيادة لبى سفيان ، ولتتوحد عشائر قريش كلها وحلفاؤها تحت رايته ، وليعمل الجميع مهما علت‬ ‫هاماتهم تحت إمرته. ذهب إليه عبد ال بن أبى ربيعة ، وعكرمة بن أبى جهل ، وصفوان بن أمية ، فى صحبة‬‫جمع من قريش ممن كان لهم فى بدر مصاب . طلبوا منه ، ومن كل من كان له فى العير التى نجا بها تجارة ،‬ ‫أن توقف العير والموال كى يستعان بها على حرب محمد . لم يعترض أحد .‬ ‫بدأ إعداد الرجال : أبو سفيان للقيادة ، وتحت إمرته خيرة فرسان قريش وعلى رأسهم خالد بن الوليد‬‫وعمرو بن العاص وعكرمة وصفوان . وانضم إلى قريش من أطاعها من قبيلة عبد مناه من كنانة ، ومن ثقيف‬ ‫بالطائف انضم مائة من أشجع الرجال، هذا بالضافة إلى عدد ل يستهان به من الحابيش .‬
  • 110. ‫هناك شئ غامض فيما يختص بأصل الحابيش. ونرى أنه من المفيد أن نوضح هذا الغموض قدر ما‬ ‫نستطيع . لقد اختلفت آراء من كتبوا هذا المجال . يرى الدكتور شوقى ضيف أن الحابيش هم جماعة تحالفوا‬ ‫051‬ ‫مع قريش فى الجاهلية – أنهم يد معهم على من سواهم – عند جبل يسمى حبشى ، فسموا بالحابيش .‬ ‫وتشير إليهم كارين ارمسترونج كمجموعة من ثقيف وقبيلة عبد مناة151 ، ويعتبرهم أبو حسن على‬ ‫مجموعة من عرب الصحراء الذين كانوا يعيشون حول مكة ، ويرجع أصل بعضهم إلى كنانة وخزيمة ولهم‬ ‫صلة قرابة بعيدة بقريش . وكان أهل مكة فى حروبهم يستعينون بخدمات الحابيش .‬‫ولكن هـ. لمينز ‪ H. Lammens‬له رأى آخر. يقول : إن المكيين الذين اختلفوا مع محمد وعارضوه ثم‬‫قاتلوه لم يكونوا محاربين من النوع المتحمس لخوض المعارك ، لذا فقد اعتمدوا فى شئونهم العسكرية على قوة‬ ‫" الحابيش " ، وهى قوة تتكون فى مجملها من عبيد الحبشة والزنوج . إلى جانب المرتزقة من البدو الذين‬ ‫كانوا ل يفضلون اللصوص وقطاع الطرق إل فى القليل . وعلى ذلك فكلمة " أحابيش " هنا مرادفة لكلمة "‬ ‫العبيد " .‬‫ونعتقد أن الرأى السابق قد جانبه الصواب ، ذلك لن عبيد مكة كانوا يعيشون مع أسيادهم داخل مكة ذاتها‬ ‫. أما الحابيش فقد كانوا يعيشون فى حالة استقلل كامل خارج حدود مكة ، على مسافة تقارب مسيرة يومين .‬ ‫هذا إلى جانب أن الحابيش كان لهم سادتهم ، وكان لهؤلء السادة كلمة مسموعة ويحسب لها حساب فى أغلب‬ ‫الحيان . ويجب أل ننسى أن أبا بكر عندما ضاقت به السبل فى مكة وقرر الهجرة إلى الحبشة ، قابلة ابن‬‫الدغنة وأعادة إلى مكة وأجاره251. وابن الدغنة هو ابن الحارث بن عبد مناف بن كنانة. وكان فى تلك الونة هو‬ ‫سيد الحابيش . ومن المستحيل أن يجير عبد – لو كان الحابيش عبيدا – سيدا من سادة تميم .‬‫والحابيش – كما يروى ابن هشام – هم بنو الحارث بن عبد منات بن كنانة والهون بن خزيمة بن مدركة‬ ‫وبنو المصطلق من خزاعة . وسبب التسمية هو أنهم أقاموا تحالفا فى واد يسمى أحباش . من هنا جاءت‬ ‫تسميتهم بالحابيش .‬ ‫وفى نهاية هذه الغزوة ) أحد ( التى نكتب الن عن كيفية إعداد قريش لها ، نجد ال َُيْس سيد الحابيش –‬ ‫حل‬ ‫وقد اشترك هو وأتباعه فى القتال - يؤنب أبا سفيان ، زعيم قريش وقائد جيشها ، عندما رآه وهو يمثل بجثة‬‫حمزة . وتوقف أبو سفيان فى الحال واعترف بخطئة ، ولو كان الحليس عبدا ما جرؤ على أن يواجه سيد قريش‬ ‫ويلومه على شناعة ما فعل .‬ ‫وفى الحديبية نجد لسيد الحابيش موقفا حاسما فى مواجهة قريش . لقد هدد بالنضمام هو وأتباعه إلى‬ ‫محمد إن قاتله أهل مكة ومنعوه من تأدية الفريضة )العمرة( التى ما قصد مكة إل من أجلها وما جاء لقتال . ل‬‫يمكن أن يقال إن هذا هو سلوك العبيد. كان الحليس سيدا وتحدث كما يتحدث السادة فى شجاعة وقوة وتصميم .‬ ‫051شوقى ضيف ، ص ٩٨٢ .‬ ‫151 كارين ارمسترونج ، محمد ، ص ٩٧٢.‬ ‫251 انظر كتابنا ، سنوات مكة .‬
  • 111. ‫ل يوجد هناك ما يدعو – كما يقول مونتجمرى وت – إلى العتقاد أن الحابيش ليسوا عربا. هناك من‬ ‫الدلة الكثير مما يثبت عكس ذلك . إن لمينز ‪ Lammens‬يركز على اشتقاق الكلمة من " حبش " أى أهل‬ ‫الحبشة لكن هذا ليس هو الحتمال الوحيد.. إن أحابيش قد تكون جمع " أحبش " أو " أحبشة " ومعناها‬ ‫مجموعة من الرجال ل ينتمون إلى قبيلة واحدة . وحتى لو كانت الكلمة مشتقة من " حبش " فهذا ليس معناه‬‫بالضرورى أن تدل على أن هؤلء الناس كانوا زنوجا . ربما كانوا من نسل عربى خالص من ناحية البوة ومن‬ ‫أمهات حبشيات أو زنجيات . ومن هنا كانت سمرة بشرتهم . وبناء عليه فليس هناك ما يضطرنا إلى العتقاد‬ ‫351‬ ‫بأن الحابيش كانوا عبيدا تم جلبهم من الحبشة .‬ ‫نعود إلى جيش قريش . بلغ عدد الجيش ثلثة آلف مقاتل مدججون بأفضل السلح. أما المؤن فقد حملتها‬ ‫ثلثة آلف بعير. ولم ينس أبو سفيان الفرسان ، جهز مائتي فارس على صهوات جياد فتية ل يخيفها صليل‬ ‫السيوف . وكانت قيادة الفرسان لثنين من المشهود لهما بالشجاعة والجرأة والقدام : عكرمة بن أبى جهل‬ ‫وخالد بن الوليد .‬‫مع الجيش خرج الشاعر أبو عزة عمرو بن عبد ال الجمحي . وكان النبى قد م ّ عليه يوم بدر ، فك أسره‬ ‫ن‬‫وأطلقه دون دية لنه كان فقيرا وذا عيال ، شريطة أل يظاهر عليه ويقف فى صفوف أعدائه مرة أخرى . وقبل‬ ‫أبو عزة بالشرط وانصرف آمنا. والن ها هو ذا يخرج مرة أخرى لمحاربة النبى غير عابئ بالعهد الذى قطعه‬ ‫على نفسه . أغراه صفوان بن أمية ، م ّاه – إذا ما انتصروا – أن يغنيه . ولم يستطع أبو عزة أن يقاوم‬ ‫ن‬ ‫الغراء ، نسى ما وعد وخرج يسير فى تهامه ويدعو بنى كنانة ويثير القبائل بشعره، يدعوهم لمحاربة‬ ‫451‬ ‫محمد .‬ ‫فى بدر ُتل ُ َيْمة بن عدي ، قتله حمزة . لم ينس جبير بن مطعم ثأر عمه. ورغم أنه لم يخرج مع‬ ‫ق طع‬ ‫الجيش ، إل أنه أرسل مع المقاتلين غلما له حبشيا اسمه "وحشى" كان يجيد القذف بحربة له قذف الحبشة قلما‬ ‫يخطئ بها. وعده بالعتق إن هو قتل حمزة . قال له : أخرج مع الناس فإن أنت قتلت حمزة عم محمد بعمي‬ ‫طعيمة‬ ‫فأنت عتيق .‬ ‫ما كان للعبد الحبشى شأن بمحمد ، وما كان يعنيه قتال المسلمين ، وما خرج مع جيش قريش من أجل‬ ‫ذلك . كان همه الكبر أن يصبح حرا . وقد حدد سيده ثمن حريته وقبل هو بالثمن : أن يغتال حمزة .‬ ‫وجدت هند بنت عتبة ، زوجة أبى سفيان ، هى أيضا بغيتها فى وحشى . إنها تريد النتقام ، الثأر لمقتل‬ ‫أبيها عتبة بن ربيعة وأخيها الوليد بن عتبة وعمها شيبة بن ربيعة . لن يرضيها غير كبد حمزة تلوكه بأسنانها ،‬‫تشفى غليلها ، وتطفئ النار الملتهبة فى أحشائها . حربة وحشى هى أملها ، فالسيوف فى مواجهة حمزة ل قيمة‬ ‫لها. لن يصمد لسيف حمزة أحد ، فسيفه يطير الرقاب ويفلق الهامات ويخشاه العرب . حربة وحشى المختبئ‬ ‫351‬ ‫. 561 .‪Montgomery Watt, Muahmmad at Mecca, p‬‬ ‫451 ابن هشام ، جـ ٣ ، ص ٥ .‬
  • 112. ‫وراء صخرة أو شجرة ، والبعيد تماما عن ذراع حمزة وسيفه ، هى بلْ َمها الشافى . حمزة لن يسقط أبدا فى‬ ‫س‬‫الميدان إل بالغدر ، والغدر الوحشى يتجسد ضعة ونذالة وقذرا فى حربة هذا العبد . هى ل تكترث بمبدأ أو خلق‬ ‫أو ضمير، هي ل تعرف شيئا عن سلوك الفرسان فى الميدان ، هى فريسة حقد عاصف ، شهوة مدمرة ، رغبة‬ ‫مجنونة فى النتقام .‬ ‫وعدت هند وحشى بالكثير من الذهب والمال. وكانت كلما مرت به أو مر بها قالت: ويْها أبا َ َمة اشْف‬ ‫دس‬ ‫551‬ ‫واشْت ِ . وكان وحشى يكنى بأبى دسمة .‬ ‫ف‬ ‫كانت قريش قد أجمعت على إخراج ال ّعْن ، أى النساء ، فى رفقة الجيش ، ذلك لثارة حمية المقاتلين‬ ‫ظ‬ ‫وتذكيرهم بقتلى بدر وحثهم على الثبات والخذ بالثأر. خمس عشرة امرأة خرجن مع الجيش على رأسهن هند‬ ‫بنت عتبة بن ربيعة قتيل حمزة بن عبد المطلب. خرج بها أبو سفيان وهو قائد الناس . وخرج عكرمة بن أبى‬ ‫جهل بأم حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة ، وخرج الحارث بن هشام بن المغيرة بفاطمة بنت الوليد بن‬ ‫المغيرة، وخرج صفوان بن أمية ببرْ َة بنت مسعود بن عمير الثقفية وهى أم عبد ال بن صفوان بن أمية ،‬ ‫ز‬ ‫وخرج عمرو بن العاص بريْطة بنت ُنّه بن الحجاج وهى أم عبد ال بن عمرو ، وخرج طلحة بن أبى طلحة‬ ‫م َب‬‫بسلفة بنت سعد بن ُ َيْد النصارية ، وخرجت ُناس بنت مالك مع ابنها أبى عزيز بن ُ َير وهى أم مصعب‬ ‫عم‬ ‫خ‬ ‫شه‬ ‫651‬ ‫بن عمير ، وخرجت َ ُرة بنت علقمة إحدي نساء بنى الحارث بن عبد مناه بن كنانة.‬ ‫عم‬‫صفوة الصفوة من نساء قريش . رأينا أن نذكر بعض أسمائهن لتبيان مقدار خطورة الوضع لو هزم جيش‬ ‫قريش وتم امتهان حرمة العقائل من ذوات‬ ‫المكانة والشرف .‬ ‫وتحت لواء أبى سفيان انضم أبو عامر عبد عمرو بن صيفي بن مالك الوسى. كان قد اختلف مع النبى‬ ‫وناصبه العداء ، ثم خرج إلى مكة مباعدا ومعه خمسون من شباب الوس. كان ُعرف فى الجاهلية باسم‬ ‫ي‬ ‫الراهب ، وأطلق عليه المسلمون اسم "الفاسق" . ولقد كتبنا عنه بالتفصيل فى فصل سابق .‬ ‫لم ينس أبو سفيان أن يأخذ معه من مجمع آلهه الحجارة تمثالين لـ"اللت والعزى" تبركا بهما وهو‬ ‫يخوض حربه ضد المسلمين وكأنه يستنصر بهما. إنه لن يخوض الحرب وحدة . بل ستخوضها معه اللهة .‬‫هذا يذكرنا بما كان يفعله بنو إسرائيل وهم يحملون معهم " تابوت العهد " إلى أرض المعارك ، استشعارا منهم‬ ‫أن الرب فى وسطهم يقاتل معهم . ومن المستحيل بالطبع- هكذا اعتقدوا – أن يهزم جيش فى وسطه‬ ‫إله مقاتل .‬ ‫كان بنو إسرائيل يرتحلون ويقاتلون وتابوت عهد الرب راحل أمامهم : " وعند ارتحال التابوت كان‬ ‫موسى يقول قم يا رب فلتتبدد أعداؤك ويهرب مبغضوك من أمامك. وعند حلوله كان يقول ارجع يا رب إلى‬ ‫ربوات ألوف إسرائيل")عدد 01: 53(.‬ ‫551 ابن هشام ، جـ ٢ ، ص ٦.‬ ‫651 نفس المرجع ، نفس الصفحة .‬
  • 113. ‫لم يكتف إله إسرائيل بقيادة شعبه المختار وهو على غطاء التابوت ، بل كان يرسل رئيس جنده أيضا كى‬ ‫يقاتل : " وحدث لما كان يشوع عند أريحا أنه رفع عينيه ونظر وإذا برجل واقف قبالته وسيفه مسلول بيده .‬ ‫فسار يشوع إليه وقال له هل لنا أنت أو لعدائنا. فقال كل بل أنا رئيس جند الرب . الن أتيت . فسقط يشوع‬‫على وجهه إلى الرض وسجد وقال بماذا يكلم سيدى عبده . فقال رئيس جند الرب ليشوع اخَْع نعَْ َ من رجلك‬ ‫ل لك‬ ‫لن المكان الذى أنت واقف عليه هو مقدس . ففعل يشوع كذلك "‬ ‫)يشوع 5 : 31-51( .‬ ‫وكما فعل بنو إسرائيل ، فعل أبو سفيان ، حمل آلهته معه .‬ ‫فى الطريق من مكة إلي المدينة ، مر الجيش بقرية " البواء " حيث دفنت آمنه أم النبى. حاولت هند فى‬ ‫اندفاعه جاهلية أن تنبش قبر آمنة وأن تعبث بعظامها ، لكن أبا سفيان منعها من القدام على مثل هذه الشناعة‬ ‫التى لم يألفها العرب . والتى قد تصبح فيما بعد عارا يوصم به بيت أبى سفيان ، كما أقنعها أن آمنة ل دخل لها‬ ‫بما حدث فى بدر وما قد يحدث فى أحد ، فقد ماتت على دين الباء فى طفولة محمد ول صلة لها بدينه أو‬ ‫بمسلكه.‬ ‫وصل جيش قريش إلى مشارف المدينة فى أول شوال من السنة الثالثة للهجرة . وكانت الغزوة فى‬ ‫751‬ ‫منتصف الشهر. ويقال إنها كانت فى الحادي عشر منه .‬ ‫ويحدد المستشرقون الحادي عشر من مارس عام 526 ميلدية تاريخا لخروج القريشيين من مكة. كما‬ ‫يحددون الحادي والعشرين من نفس الشهر تاريخا لوصولهم إلى مشارف المدينة ، حيث تقدموا إلى وادي‬ ‫851‬ ‫العقيق وعسكروا فى الشمال ، فى السهل المواجه لجبل " أحد " على بعد خمسة أميال من المدينة .‬ ‫وفى الطبرى : كانت الغزوة فى شوال يوم السبت لسبع خلون منه من سنة ثلث من الهجرة ... نزلت‬‫قريش منزلها من " أحد " يوم الربعاء فأقاموا به ذلك اليوم ويوم الخميس ويوم الجمعة . وراح رسول ال حين‬ ‫951‬ ‫صلى الجمعة فأصبح بال ّعْب من أحد . فالتقوا يوم السبت للنصف من شعبان .‬ ‫ش‬ ‫وعن معني كلمة " أحد " – وهو الجبل المعروف بالمدينة – يقول الشيخ أحمد حسن الباقورى : ربما‬ ‫سمي بهذا السم لتواجده وانقطاعه عن جبال أخر هناك . وقد قال فيه رسول ال ، صلى ال عليه وسلم ، إنه‬ ‫جبل يحبنا ونحبه. والرسول يريد بهذا الحديث أهل الجبل وهم النصار ، فأطلق الجبل وأراد مجاوريه على‬ ‫سبيل التوسع فى‬ ‫061‬ ‫لغة العرب .‬‫تركت قريش إبلها وخيلها ترعي فى حقول المدينة ، ولم يكن أهل المدينة قد سمعوا عن تحرك قريش إل‬‫قبل وصول جيشها بأيام. وهذا معناه أنه لم يكن لديهم متسع من الوقت كى يجمعوا محاصيلهم أو يقيموا دفاعات‬ ‫751 أبو زهرة ، جـ ٢ ، ص ٠١٦.‬ ‫851 كارين ارمسترونج ، محمد ، ص ٩٧٢.‬ ‫951 الطبرى ، جـ ٢ ، ص ٩٥ .‬ ‫061الباقورى ، ص ٩٩ .‬
  • 114. ‫لتأمين زراعاتهم . كل ما استطاعوه هو جمع مالهم من ماشية وأغنام والتحصن داخل المدينة ترقبا لما يستجد‬ ‫من أحداث .‬ ‫2- موقف النبى والمسلمين فى المدينة:‬‫علم النبى بخروج جيش قريش لغزو المدينة ، وتتفق أغلب الراء على أن العباس ابن عبد المطلب . الذى‬ ‫لم يشترك فى هذه الغزوة ، هو الذى كتب بخبرهم إلى النبى . يذكر ابن سعد أن سعد بن الربيع هو الذى حمل‬ ‫كتاب العباس إلى النبي161. ويذكر الدكتور هيكل أن العباس حين رأي قريشا وقد أجمعت المسير فى هذا العدد‬ ‫العظيم ، وجد نفسه مدفوعا إلى أن يكتب كتابا يصف فيه صنيعهم وجمعهم وعدتهم وعديدهم ، ويدفع به إلى‬ ‫261‬ ‫رجل غفارى يسير به إلى النبى حتى يبلغ المدينة فى ثلثة أيام فيدفع الكتاب إليه .‬ ‫ويقول الدكتور شوقى ضيف إن الرسول لم يكن يعلم بنبأ هذا الجيش الجرار الذى تعده مكة لحربه .‬ ‫وبينما هو فى قباء بأوائل شوال من السنة الثالثة للهجرة إذ برسول أرسله إليه عمه العباس الذى أكرمه حين‬ ‫أ ِر فى غزوة بدر ، وكان معه كتاب من عمه، ففضه ، فإذا هو ينبئه فى كتابه بخبر الجيش المكي الذى تأهل‬ ‫ُس‬ ‫لحربه‬ ‫361‬ ‫وحرب المسلمين .‬ ‫لكن الشرقاوى يزعم أن رسائل سرية كانت ترد دوما من العباس بن عبد المطلب إلى النبى ، تحمل أنباء‬ ‫استعدادات قريش للقتال ، وحرص قريش على أن تظفر برأس محمد ورأس حمزة جميعا ، وسعي تجار مكة‬ ‫461‬ ‫لمحالفة يهود المدينة ومحالفة القبائل التى تضرب خيامها خارج المدينة .‬ ‫ويميل أغلب المستشرقين إلى القول بعمالة العباس ، أى أن وجوده فى مكه كان الهدف منه هو خدمة‬ ‫أهداف محمد والتجسس لصالحه . تقول بيتى كيلين : إن محمدا عرف مقدما بخبر تحرك الجيش ، ذلك لن‬ ‫561‬ ‫جاسوسا كان يكمن هناك فى صفوف أهل مكة. ذلك الجاسوس كان عمه العباس .‬ ‫ويذكر جونستون أنه فى العام التالى لمعركة بدر )الثالث الهجري( بعد اثني عشر شهرا من نصر بدر ،‬ ‫لقى محمد هزيمة منكرة فى معركة " أحد " رغم أن العباس ، عم محمد ، أرسل له في الوقت المناسب تحذيرا‬ ‫661‬ ‫من الهجوم المرتقب ، كى يأخذ حذره ويحاول مواجهته بكل ما يملك من قوى وإمكانيات .‬ ‫ويتحدث لينجز ‪ Lings‬عن الفارس الذى خرج من مكة وهو فى عجلة من أمره ، كى يقطع المسافة بين‬‫مكة والمدينة فى ثلثة أيام فقط ، وهى مسافة يقطعها المسافر فى عشرة أيام ، وهو يحمل خطابا مختوما للنبى.‬ ‫161 ابن سعد ، جـ ٢ ، ص ٧٣ .‬ ‫261 هيكل ، محمد ، ص ٧٣٢.‬ ‫361 ضيف ، ص ٠٤٢ .‬ ‫461 الشرقاوى ، ص ١٠٢.‬ ‫561‬ ‫. 271 .‪Betty Kelen, p‬‬ ‫661‬ ‫. 89 .‪Johnstone, p‬‬
  • 115. ‫كان الخطاب من العباس يحذر ابن أخيه من جيش مكي قوامه ثلثة آلف رجل على وشك الخروج لغزو‬ ‫761‬ ‫المدينة .‬ ‫هذا معناه أن النبى لم يفاجأ بالغزو ، وهذا رأى نميل للخذ به ، حتى ولو لم يكتب إليه العباس ، ذلك لن‬ ‫النبى كانت له عيون ترصد تحركات أهل مكة وما يجرى فى قريش . كان من المستحيل أن يخفى خبر جيش‬ ‫كهذا ، لم تشهده مكة من قبل .‬ ‫سأل رسول العباس عن النبى ، فعرف أنه بقباء . توجه إليه فوجده على باب المسجد.. دفع إليه خطاب‬‫العباس قرأه عليه أبى بن كعب ، طلب منه النبى أن يكتم الخبر، خشية أن ينتشر الفزع فى أرجاء المدينة . قصد‬ ‫النبى دار سعد بن الربيع وأخبره بما كتب العباس واستكمته ، لكن امرأة بالدار سمعت الحديث ، وكان من‬ ‫الطبيعي أن ينتشر الخبر وتج ّع الناس وبدأوا يتساءلون .‬ ‫م‬ ‫بعث النبى اثنين من رجاله – أنسا ومؤنسا ابنى فضالة ال ّفريين – يستطلعان أمر قريش ، وحقيقة عدد‬ ‫ظ‬ ‫جيشها وعدته. كان ذلك ليلة الخميس لخمس ليال مضين من شوال . عادا بخبر قريش وأنهم قد خّوا إبلهم‬ ‫ل‬ ‫وخيلهم فى الزرع بال ُريض حتى تركوه ليس به خضراء . استباحت قريش حقول المدينة ولم ترع حرمتها ،‬ ‫ع‬ ‫وكأنها أرادت أن تظهر قوتها وتجسد سطوتها منذ البداية . لقد عقدت العزم على تدمير الخضر واليابس ،‬ ‫وفرض جبروتها بقوة السلح .‬ ‫بعث النبى بثالث من رجالة ، وهو ال ُباب بن المنذر بن الجموح . عاد إلى النبى بخبرهم : طليعة جيش‬ ‫ح‬ ‫قريش على أبواب المدينة ، لو أراد اقتحامها لقتحمها .‬ ‫أمر النبى أن يحمل الناس السلح ، وأن تحرس المدينة طوال الليل وحتى الصباح. وبات سعد بن عبادة‬ ‫وسعد بن معاذ وأسيد بن خضير ، فى ِ ّة ليلة الجمعة ، عليهم السلح ، فى المسجد بباب رسول ال .‬ ‫عد‬ ‫فى تلك الليلة رأى النبى رؤيا أزعجته : رأى كأنه فى درع حصينة وكأن سيفه ذا الغفار قد انقصم من‬ ‫عند ُ َ ِه ، وكأن بقرا تذبح .. وكأنه مرْ ِف كبشا . فأخبر بها أصحابه ، وأولها لهم فقال : أما الدرع الحصينة‬ ‫د‬ ‫ظبت‬ ‫فالمدينة ، وأما انفصام سيفى فمصيبة فى نفسى . وأما البقر ال ُذ ّح فقت ٌ فى أصحابى ، وأما مردف كبشا فكبش‬ ‫ل‬ ‫مب‬ ‫861‬ ‫الكتيبة يقتله ال إن شاء ال .‬‫تشاور النبى مع أصحابه فى كيفية مواجهة الجيش المكى ، وقد عرفوا مقدار عدده وعدته. أدرك الجميع ،‬ ‫وخصوصا الكبار من ذوى التجربة والحنكة ، أنهم يواجهون موقفا خطرا ، إن لم يعالج بحكمة وقوة قد يؤدى‬ ‫إلى تدمير المدينة والقضاء على دولتها الناشئة .‬ ‫رأى النبى أن يتحصنوا ، وأل يخرجوا للقاء قريش فى قتال ملتحم قد تكون كفة قريش فيه هى الراجحة‬ ‫بسبب الفرق الهائل فى عدد المقاتلين وعدة السلح ، فإذا ما حاول المشركون اقتحام المدينة سهل قتالهم فيها‬ ‫فأهل المدينة أدرى بدروبها ومسالكها وقد يطول الحصار وينفد الزاد فيرتدوا خائبين .‬ ‫. 271 .‪Lings, p‬‬ ‫761‬ ‫861 ابن سعد ، جـ ٢ ، ص ٨٣.‬
  • 116. ‫أ ّد عبد ال بن ُبى رأى النبى ، وكان حاضرا فيما يمكن اعتباره مجلس حرب ، قال : يا رسول ال أقم‬ ‫أ‬ ‫ي‬‫بالمدينة ول تخرج إليهم ، فوال ما خرجنا منها إلى عدو لنا قط إل أصاب منا ، ول دخلها علينا إل أصبنا منه ،‬ ‫فدعهم يا رسول ال ، فإن أقاموا أقاموا بشر مجلس ، وإن دخلوا قاتلهم الرجال فى وجوههم ورماهم النساء‬ ‫961‬ ‫والصبيان بالحجارة من فوقهم ، وإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاؤوا .‬ ‫جنح الكبار إلى رأى ابن ُبى ، وأيدوا رأى النبى فى عدم الخروج . قال سعد بن معاذ صراحة : إن‬ ‫أ‬ ‫خرجتم ، فإنكم خارجون إلى الموت . تسيرون إليه بأقدامكم .‬ ‫لكن القل سنا والكثر حماسا من رجال المهاجرين والنصار رفضوا فكرة الخضوع للحصار وفيهم‬ ‫مقاتلون أشداء وأبطال . أخذتهم العزة ودفعهم شموخ البطولة إلي التحمس للخروج . لن يجبنوا أمام جماعة‬ ‫الشرك وهم جماعة اليمان وفى وسطهم نبى يوحي إليه من السماء . وإذا كان ال قد أمدهم ونصرهم فى بدر ،‬ ‫فلم ل ُث ّت أقدامهم وينصرهم فى أحد . لقد صالوا وجالوا فى بدر وذاقوا حلوة النصر ، فلم ل يتكرر النصر‬ ‫يب‬ ‫مرة أخرى ؟ وإذا كان العدو أكثر عددا ، فقد كان كذلك فى بدر، وإذا كان أكثر عدة فقد كان كذلك أيضا عندما‬‫ُ ِل سادته وكبراؤه وعظماؤه . وكيف يسمح لبل قريش وخيلها أن ترعي فى حقول المدينة ومزارعها وتدمرها‬ ‫قت‬ ‫، وكأنها فى نزهة للستمتاع ومل البطون ، ول يردعها أحد ؟‬ ‫ما هكذا يهون شأن المدينة ، وما هكذا تهان ، تعالت الصوات : أخرج بنا إلى أعدائنا يا رسول ال ، ل‬ ‫يرون أنا جبّا عنهم وضعفنا !! وطلب فتيان أحداث لم يشهدوا بدرا ، من النبي أن يخرج بهم إلى عدوهم وقد‬ ‫ُن‬ ‫رغبوا فى الشهادة .‬‫وفى تاريخ الطبرى : ذكرت رواية تختلف فى فحواها عما ذكرناه من قبل ، خصوصا فيما يتصل بعبد ال‬ ‫بن ُبى ، وطبقا لما جاء فى هذه الرواية : قال النبى لصحابه أشيروا على ما أصنع . فقالوا : يا رسول ال :‬ ‫أ‬ ‫أخرج بنا إلى هذه الكلب. وقالت النصار : يا رسول ال ما غلبنا عدو قط أتانا فى ديارنا ، فكيف وأنت فينا .‬ ‫فدعا رسول ال عبد ال بن أبى ابن سلول – ولم يدعه قط قبلها – فاستشاره فقال : يا رسول ال ، أخرج بنا إلى‬ ‫هذه الكلب . وكان رسول ال يعجبه أن يدخلوا عليه المدينة فيقاتلوا فى الزقة . فأتاه النعمان بن مالك‬ ‫النصارى قال : يا رسول ال ل تحرمني الجنة ، فوالذى بعثك بالحق لدخلن الجنة ، فقال له : بم ؟ قال : بأنى‬ ‫أشهد أن ل إله إل ال وأنك رسول ال ، وأنى ل أفر من الزحف .071 وطلب الخروج للقتال وقتل يومئذ .‬‫ول نعتقد أن ما جاء فى تاريخ الطبرى صحيح فيما يختص بعبد ال بن ُبى ونصحه للنبى بالخروج ، فلو‬ ‫أ‬ ‫كان ذلك كذلك ، أى لو كان هو الذى أشار على النبى بالخروج مع الذين أشاروا ، ما انهزم عنه وانسحب‬ ‫غاضبا قبل بدء المعركة برجاله الثلثمائة ، قائل : أطاعهم وعصاني .‬ ‫961 الطبرى ، جـ ٢ ، ص ٩٥.‬ ‫071 الطبرى ، جـ ٢ ، ص ٠٦ .‬
  • 117. ‫ويجب أن نضع فى الحسبان أن الذين دعوا للخروج والقتال عن عقيدة وإيمان دفاعا عن شرف الدعوة‬‫وصونا لمن المدينة ، قد ساندهم وحفزهم ، بل وربما دفعهم ، بعض الذين أغرتهم غنائم بدر وقد اشتركوا فيها‬ ‫وجنوا ثمار مكاسبها ، وبعض الذين لم يشهدوا بدرا لكنهم سمعوا فطمعوا وما طلبوا الخروج إل لذاك .‬ ‫ولن الذين طلبوا الخروج بدوا وكأنهم الكثرة ، إذ كانوا هم العلى صوتا والكثر حماسا ، نزل النبى‬ ‫على رأيهم وقرر الخروج للقتال .‬ ‫صلى النبى الجمعة بالناس ، ثم وعظهم ، وأمرهم بالجد والجهاد والصبر والمثابرة، وأخبرهم أن لهم‬ ‫النصر ما صبروا ، ثم صلى بهم العصر ، وبعدها دخل بيته فلبس لمته ويقال أن عمروأبا بكر دخل معه‬ ‫فعمماه ولبساه .‬ ‫فى انتظار خروج النبى ، كان الناس يتناقشون ، لم يهدأ الجدل . كرر سعد بن معاذ تحذيره القاطع‬‫الدللة : أنتم خارجون إلى الموت . كان يتحدث بخبرة المقاتل المجرب ، المدرك لخطورة ما هم مقدمون عليه .‬ ‫قال ُسيْد بن ُ َيْر : استكرهتم رسول ال ، صلى ال عليه وسلم ، على الخروج والمر ينزل إليه من‬ ‫خض‬ ‫أ‬ ‫السماء فردوا إليه المر.‬‫تردد الذين ارتفعت أصواتهم مطالبين بالخروج ، تملكهم شئ من الخوف . ليس المصير مصيرهم وحدهم‬ ‫، إنه مصير نبى ورسالة ، وقد يحدث بسبب اندفاعهم مال تحمد عقباه ، وما ل يمكنهم درأه .‬ ‫خرج النبى وقد لبس لمته وأظهر الدرع ، واعتم وتقلد السيف . اندفعوا إليه وقد ندموا على ما صنعوا .‬‫قالوا : ما كان لنا أن نخالفك فاصنع ما بدا لك . لقد تراجعوا بعد أن عقد النبى عزمه ، ولبس عده حربه ، وقرر‬ ‫بناء على مشورتهم الخروج وملقاة العدو. وما كان له أن يتردد هو أيضا ، فتضيع الهيبة وتهتز المكانة وتفتقد‬ ‫الثقة وتكون فرصة للحاقدين والمتآمرين والساخطين كى يتاجروا بأحقادهم وينفثوا سمومهم . لكن النبي أنهى‬ ‫الموقف فى حسم ، قال : ل ينبغي لنبى إذا لبس لمته أن يضعها حتى يحكم ال بينه وبين أعدائه .‬‫قضى المر. أصبح الخروج للقتال قدرا مقدورا . أنظروا ما أمرتكم به فافعــلوه -أضاف النبى – وامضوا‬ ‫على اسم ال فلكم النصر ما صبرتم .‬ ‫3- جيش المسلمين :‬ ‫عقد النبى ثلثة ألوية : دفع لواء الوس إلى أسيد بن حضير ، ولواء الخزرج إلى ال ُباب بن المنذر ،‬ ‫ح‬‫ويقال إلى سعد بن عبادة ، ولواء المهاجرين إلى على بن أبى طالب ويقال إلى مصعب بن عمير. استخلف على‬
  • 118. ‫المدينة عبد ال بن أم مكتوم كى‬ ‫يصلى بالناس .‬ ‫ركب النبى فرسه وتنكب قوسه على رأس جيش قوامه ألف رجل ، فيهم مائة دارع، ولم يكن معهم من‬ ‫الخيل إل فرسان : فرس النبى وفرس لبى بردة بن‬ ‫نيار الحارثي .‬ ‫كان الفارق هائل بين الجيشين فى العدد والعتاد ، ولكن المسلمين كانوا يأملون فى نصر ال ، كما‬ ‫نصرهم من قبل . وكان سعد بن معاذ وسعد بن عبادة يسيران أمام النبى لحمايته وكل منهما دارع والناس عن‬ ‫اليمين وعن الشمال .‬ ‫تقدم المسلمون فى الطريق إلي أحد ، حتى إذا كانوا بالشيخين )اسم موضع( ، أبصر النبى بكتيبة ل‬ ‫يعرف أهلها ، سأل عنهم ، فقيل له : هؤلء حلفاء ابن ُبى من يهود ، رفض النبى أن يشترك اليهود معه فى‬ ‫أ‬ ‫القتال . قال : " ل تستنصروا بأهل الشرك على أهل الشرك " كان عليهم أن يؤمنوا أول ثم يقاتلوا ، وفى هذه‬ ‫الحالة يكون قتالهم عن إيمان وعقيدة ، ل من أجل مأرب خاص أو غنيمة .‬ ‫وفى رواية ابن اسحق رأى النصار أن يستعينوا بحلفائهم من يهود لكن النبى رفض أن يشتركوا منذ البداية .‬‫ي أيه لذ ن من ل تتخذ بط نة م د نك ل ي ل نك َب ل‬‫قال : ل حاجة لنا فيهم ، مذكرا بقوله تعالى: " َا َ ّ َا اّ ِي َ آ َ ُواْ َ َ ّ ِ ُواْ ِ َا َ ً ّن ُو ِ ُمْ َ َأُْو َ ُمْ خ َا ً‬ ‫َ ّواْ َا َ ِ ّمْ َدْ َ َ ِ الْ َغْ َاء ِنْ َفْ َا ِ ِمْ َ َا ُخْ ِي ُ ُو ُ ُمْ َكْ َ ُ " )آل عمران : 811( .‬ ‫ود م عنت ق بدت ب ض م أ و هه وم ت ف صد ره أ بر‬ ‫هنا انخزل عبد ال بن أبى بثلث الناس . كانت حجته التى أقام عليها دعوى النسحاب، ووجه بها طعنة‬ ‫معنوية مؤثرة إلي جيش المسلمين : أطاعهم وعصاني .. عصاني وأطاع الولدان من ول رأى له . وال ما‬ ‫ندري علم نقتل أنفسنا هاهنا‬ ‫أيها الناس !!‬ ‫طلب عبد ال بن عمرو بن حرام من ابن أبى وأصحابه أل يخذلوا المسلمين وهم يواجهون العدو. وكان‬ ‫رد ابن أبى أنه لن يكون هناك قتال : لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم ، ولكنا ل نرى أن يكون قتال . استعصوا‬ ‫على عبد ال بن عمرو وأبو إل النصراف عنه . وما كان بوسعه إل أن يعود مهموما وهو يتمتم : أبعدكم ال‬ ‫171‬ ‫أعداء ال! فسيغني ال عنكم .‬‫موقف عبد ال بن أبى قد يدعو للتساؤل ، لكنه ل يدعو للندهاش . لقد نصح بعدم الخروج هو وكبار أهل‬‫المدينة . بل إن سعد بن معاذ - كما سبق وأشرنا- أعلن صراحة أن الخروج من المدينة ل مقابل له سوى الموت‬ ‫: إنهم سائرون إلى الموت . ولقد اعتبر ابن أبى نفسه غير ملزم برأى جانبه الصواب ، وعلي الذين اتخذوه أن‬ ‫يتحملوا نتائجه وحدهم . الوضع كارثي ، من وجهه نظره ، وعلي الذين صنعوا الموقف أن يتحملوا وحدهم‬ ‫نتائج الكارثة .‬ ‫171 الطبرى ، جـ ٢ ، ص ٠٦.‬
  • 119. ‫هذا إلى جانب أن ابن ُبى لم يكن بينه وبين قريش عداء ، وموقف الحياد بالنسبة له شخصيا ربما يكون‬ ‫أ‬‫فيه كسب كبير. لقد اتخذ موقفا حياديا من قبل فى معركة بعاث التى دارت بين الوس والخزرج ، بعد أن نصح‬ ‫بعدم القتال ، وكان هو الشخصية البارزة الوحيدة تقريبا التى كسبت احترام الجميع ، لدرجة أن صنعوا الخرز‬ ‫وأجمعوا على أن يتوجوه ملكا ، ولول وجود النبى لتحقق له ذلك ، وربما كان ذلك سببا من أسباب‬ ‫عدائه للنبي .‬ ‫إذن ، وقوف ابن ُبى على الحياد بين النبى وأعدائه من المشركين ، قد يخدم أغراضه فى حالة هزيمة‬ ‫أ‬ ‫المسلمين ، وهى فى رأية هزيمة مؤكدة لو بدأ القتال . عندها قد يزول نفوذ محمد ويستعيد ابن ُبى مكانته‬ ‫أ‬ ‫وهيبته ، أما إذا فكرت قريش فى غزو المدينة ، فإن ابن أبى فى هذه الحالة يستطيع الدفاع عن أرضه بمساعدة‬ ‫حلفائه من اليهود ، بعد أن يكون قد أعد الرجال وأحكم التحصينات ، كي يواجه وهو بكامل قوته جيشا أنهكه‬ ‫القتال .‬ ‫عندما انسحب ابن ُبى ، سرت روح الضعف فى طائفتين : بنى َِيمة وبنى حارثة. هموا بالنسحاب‬ ‫سل‬ ‫أ‬ ‫والعودة من حيث أتوا . لكن شعاعا من نور اليقين نفذ إلى قلوبهم فثبتوا. ونزل فيهم قوله تعالى: " َِذْ َ َوْتَ‬ ‫وإ غد‬ ‫ِنْ َهِْكَ ُ َ ّى ُ الْ ُؤْ ِ ِينَ َ َا ِ َ ِلْ ِ َا ِ َا ّ َ ِي ٌ َِي ٌ . ِذْ َ ّت ّآ ِ َ َا ِ ِن ُمْ َن َفْ َلَ َا ّ َِ ّ ُ َا‬ ‫م أ ل تبو ء م من مق عد ل قت ل و ل سم ع عل م هم ط ئفت ن م ك أ ت ش و ل وليهم‬ ‫وعل ل‬ ‫َ ََى ا ّ‬ ‫َلْ َ َ َ ّ ِ الْ ُؤْ ِ ُو َ " )آل عمران: 121- 221( .‬ ‫ف يتوكل م من ن‬ ‫على أية حال ، واصل المسلمون المسير. طلب النبى من أصحابه أن يسلكوا طريقا يجنبهم الصدام‬ ‫المتعجل مع قريش قبل أن يختاروا الموقع الذى يكون عونا لهم فى القتال ، فالرض فى أغلب الحوال تقاتل‬ ‫مع أصحابها إذا ما ح ُن الختيار.‬ ‫س‬ ‫نفذ بهم أبو خثيمة أخو بنى حارثة فى َ ّة بنى حارثة وبين أموالهم ، حتى نفذ فى أرض لرجل منافق‬ ‫حر‬‫ضرير البصر يسمى ِرْبع بن قيظي . وعندما أحس المنافق الضرير بالمسلمين فى أرضه , خرج إليهم غاضبا‬ ‫م‬ ‫يحثى فى وجوههم التراب . ويقول : إن كنت رسول ال فإني ل أحل لك أن تدخل حائطي ، ثم أخذ حفنة من‬‫تراب فى يده ، وقال : وال لو أنى أعلم أنى ل أصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها وجهك .271 حاول البعض‬‫قتله ، لكن الرسول نهاهم ، أمرهم بعدم إيذائه . وقد أسرع أحدهم – قبل صدور المر - فضربة بالقوس فشجه .‬ ‫لقد تم العتداء على ملكية خاصة ، وما كان ذلك ليحدث أو يسمح به النبى فى ظروف عادية ، ذلك لن‬ ‫المال الخاص له حرمته . لكن عندما أملت الضرورة ذلك ، ولم يكن للجيش من طريق آخر يسلكه حفاظا على‬ ‫أمنه وسلمته ، تمت استباحة المحظور ، حتى ولو اعترض صاحبه .‬ ‫سار النبي حتى بلغ " أحدا " فى ضوء الفجر . اجتاز مسالكه حتى نزل الشعب ، وجعل ظهره وعسكره‬‫إلى الجبل لحماية ظهورهم ، وأصبح مباشرة فى مواجهة العدو . َ ّ بعض الصبية ، لصغر السن ولم يسمح لهم‬ ‫رد‬ ‫271 ابن هشام ، جـ ٣ ، ص ٩ .‬
  • 120. ‫بالشتراك فى القتال . كان بين من ردهم أسامة بن زيد وعبد ال بن عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت أحد بنى‬‫مالك بن النجار والبراء بن عازب أحد بنى حارثة . لكنه أحاز رافع بن خديج و َ ُرة بن جندب وهما ابنا خمس‬ ‫سم‬‫عشرة سنة ، ذلك لن رافعا كان يجيد الرماية ، وكان َ ُرة قوى الجسم يستطيع أن يصرع من هو فى مثل سنه‬ ‫سم‬ ‫وربما من هو أكبر منه .‬ ‫وفى ُحد ، خرجت المرأة المسلمة لول مرة إلى ميدان القتال . شعرت ُ َيْبة بنت كعب المازنية ، وهى‬ ‫نس‬ ‫أ‬ ‫امرأة خزرجية أن مكانها لبد وأن يكون فى الميدان حيث زوجها وولداها. ولم يكن هذا هو السبب الرئيسي‬ ‫الذى دفعها للخروج . نساء أخريات كان لهن أزواج وأولد فى جيش النبي ، لكنهن رضين بالبقاء فى بيوتهن .‬ ‫كانت نسيبة إحدي امرأتين خرجتا مع السبعين رجل إلى بيعة العقبة الثانية ، ولم تجد فى طبيعتها ما يجعلها‬ ‫تتخلف عن موقف شديد الخطر كذلك الذى يواجهه المسلمون .‬ ‫استيقظت نسيبة مبكرة فى الصباح ، ملت قربة ماء وتوجهت إلى ميدان القتال ، قد تسقى عطشانا ، قد‬ ‫توقف نزف جرح ، قد تناول محاربا سيفا أو رمحا . وإلى جانب قربة الماء أخذت معها سيفا وقوسا وجعبة‬ ‫سهام. سألت عن الطريق الذى سلكه الجيش ، ولم تجد صعوبة فى الوصول بعد أن بدأت المعركة بقليل .‬‫امرأة أخرى ، هى أم سليم ، راودتها نفس الفكرة ، وصلت إلى ميدان المعركة – وهى تحمل قربة ماء –‬ ‫بعد وصول نسيبة ، وكانت خير عون لها.‬‫س ّى النبى صفوف الرجال ، أكد لهم أنه لبد لهم من اللتزام بتعليماته ، إذا أرادوا النصر على عدو يزيد‬ ‫و‬ ‫عدد جنده عن أربعة أضعاف عددهم : ل يقاتلن أحدكم حتى نأمره بقتال .‬‫وضع على شعب فى الجبل خمسين من الرماة . أ ّ َ عليهم عبد ال بن ُ َيْر. وهو ُعِْم يومئذ بثياب بيض‬ ‫مل‬ ‫جب‬ ‫مر‬‫. قال له النبى : ان َح الخيل عنا. ادفعهم بالنبل . ل يأتونا من خلفنا. إن كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك ل ُؤ َين‬ ‫ن ْت‬ ‫ْض‬ ‫من قبلك .‬ ‫أكد النبى على الرماة قوله ، وذلك لدراكه أهمية الدور الذى كلفوا بأدائه فى المعركة . لو استطاع جيش‬ ‫المشركين أن يلتف حولهم ويضربهم من المام ومن الخلف ، تكون الطامة التى ليس لها من دافع إل ال ، وقد‬ ‫يمحق فيها المسلمون محقا مهينا. قال لهم النبى : " قوموا على مصافكم هذه فاحموا ظهورنا ، فإن رأيتمونا قد‬‫غنمنا فل تشركونا . وإن رأيتمونا نقتل فل تنصرونا " كان المر حاسما قاطعا يجسد حجم الخطر والمخاطرة .‬ ‫لكنهم للسف استمعوا ولم يطيعوا ، وكانوا سببا من أسباب الكارثة .‬ ‫سأل النبى عن حامل لواء المشركين ، فقيل له طلحة بن أبى طلحة بن عبد العزي من بنى عبد الدار بن‬ ‫قصى . قال النبى : نحن أحق بالوفاء منهم . وأمر بأن يعطي اللواء إلى مصعب بن عمير وهو أيضا من بنى‬ ‫عبد الدار ، وكان اللواء مع على بن أبى طالب. حمل مصعب اللواء وتقدم به بين يدى النبى .‬ ‫أخذ النبى يحمس جنده ، يحضهم على الستبسال فى القتال : النصر أو الشهادة ، والشهداء ل يموتون ،‬ ‫إنما هو خلود فى جنة ال . من يأخذ هذا السيف بحقه ؟ قال النبى، وبيده سيف مشهر. هز السيف وثانية قال :‬
  • 121. ‫من يأخذ هذا السيف بحقه . تسابق إليه الرجال كل يبتغي شرف القتال بسيف رسول ال ، أمسكه عنهم . حتى‬‫تقدم إليه أبو دجانة ِماك بن َ َ َة أخو بنى ساعدة ، وقد كان بطل من المغاوير المشهور لهم فى ساحة الوغي‬ ‫خرش‬ ‫س‬‫، سأل : وما حقه يا رسول ال ؟ أجاب النبى : أن تضرب به العدو حتى ينحني . قال أبو دجانة بصوت الواثق :‬ ‫أنا آخذه بحقه يا رسول ال. أعطاه النبى السيف، كان يعلم أن قد أخذ السيف من يستطيع حمل أمانته وتحقيق‬ ‫وعده .‬ ‫كان أبو دجانه – كما يحكي ابن إسحق – رجل شجاعا يختال عند الحرب ، إذا كانت ، وكان إذا أعلم‬ ‫بعصابة له حمراء فاعتصب بها علم الناس أنه سيقاتل . فلما أخذ السيف من يد النبى ، أخرج عصابته تلك‬‫فعصب بها رأسه ، ثم جعل يتبختر بين الصفين. وحين رأى النبى أبا دجانة وهو يتبختر مختال ، كما هى عادته‬ ‫371‬ ‫، قال : إنها لمشية يبغضها ال إل فى مثل هذا الموطن ".‬ ‫أصبح الجيشان فى مواجهة ، وقد لمعت السيوف بعد أن ُزعت من أغمادها ، وصهلت خيل قريش ،‬ ‫ن‬ ‫وتحفز المسلمون للقتال . فريق يريد الثأر لقتله فى بدر يبلغ عدده ثلثة آلف معهم مائتا فرس على ميمنتها‬ ‫خالد بن الوليد وعلى ميسرتها عكرمة ابن أبى جهل ، وفريق ل يكاد يبلغ السبعمائة يدافعون عن دين ال وعن‬ ‫شرف الرض التى يعيشون عليها.‬ ‫4- القتــال :‬ ‫التقى الناس . كان أول من بدأ القتال من صفوف قريش أبو عامر عبد عمرو بن صيفي، وكان – كما‬ ‫ذكرنا من قبل- قد خرج من المدينة مغاضبا ومباعدا للنبى ، بعد أن أعلن عدم إيمانه بدعوته . انضم إلى قريش‬ ‫ومعه خمسون غلما من الوس ، ويقال كانوا خمسة عشر . كان يعد قريشا أنه لو لقى قومه ما اختلف عليه‬ ‫منهم أحد ، سيأخذون جانبه ويتخلون عن محمد .‬ ‫تقدم أبو عامر ما بين الجيشين ومعه أتباعه وعبدان أهل مكة والحابيش . نادي بصوت ُسْ ِع : يا معشر‬ ‫ي م‬ ‫الوس ، أنا أبو عامر!! تصور أن قومه سيجرون فى لهفة إليه، ويقومون بما يأمرهم به وهم بين يديه ، لكنه‬ ‫فوجئ بأصوات تتعالى : ل أنعم ال بك عينا يا فاسق !! دوت الكلمات كالرعد ، وانطلقت كالسهام ومعها سيل‬‫من الحجارة. وبدأ القتال الذى لم يتحمل " الفاسق " قسوته ، فدار على عقبيه وهو يقول : " لقد أصاب قومي من‬ ‫471‬ ‫بعدى شر ".‬ ‫اقترب أبو سفيان من حملة اللواء : قال موبخا ومحفزا : يا بنى عبد الدار ، إنكم قد وليتم لواءنا يوم بدر‬ ‫فأصابنا ما قد رأيتم . طلب منهم أن يتخلوا عن اللواء لمن يستطيع تحمل مسئولية قدره : إنما يؤتي الناس من‬ ‫قبل راياتهم , إذا زالت زالوا .‬ ‫371 ابن هشام ، جـ ٣ ، ص ١١ .‬ ‫471 ابن هشام ، جـ ٣ ، ص ٢١.‬
  • 122. ‫نجح تحريض وتوبيخ أبى سفيان ، رفض بنو عبد الدار تسليم اللواء . ازداد تمسكهم به ، قالوا فى استنكار‬ ‫: نحن نسلم إليك لواءنا : ستعلم غدا إذا التقينا‬ ‫كيف نصنع .‬ ‫وب ّ بنو عبد الدار بالوعد . خرج طلحة بن عثمان ، صاحب اللواء ، صاح فى المسلمين : يا معشر‬ ‫ر‬ ‫أصحاب محمد ، إنكم تزعمون أن ال يعجلنا بسيوفكم إلى النار ، ويعجلكم بسيوفنا إلى الجنة ، فهل أحد منكم‬ ‫يعجله ال بسيفي إلى الجنة أو يعجلني بسيفه إلى النار؟!‬ ‫قام إليه على بن أبى طالب . تبادل الضربات ، كان عل ّ ل يصمد له أحد . ضرب طلحة ضربة فاصلة‬ ‫ى‬ ‫أطارت أحد رجليه . سقط انكشفت عورته . صاح : أنشدك ال والرحم يا بن عم ! تركه على . لم يقتله . ك ّر‬ ‫ب‬ ‫النبى والمسلمون معه . ُئل عل ّ فيما بعد: ما الذى منعك أن تجهز عليه . أجاب : إن ابن عمى ناشدني حين‬ ‫ى‬ ‫س‬ ‫انكشفت عورته فاستحييت منه .‬ ‫ظهر التحدي واضحا من شخصية ل يخطئها أحد . تقدم أحد الفرسان من بين صفوف العدو ، صاح : أنا‬ ‫ابن عتيق ، هل من مقاتل !! كان عبد الكعبة أكبر أبناء أبى بكر والخ الشقيق لعائشة ، وهو الوحيد من أسرة‬ ‫أبى بكر الذى رفض اعتناق السلم .‬ ‫ألقى أبو بكر قوسه واستل سيفه . استعد للخروج لملقاة ولده . منعه النبى : ضع سيفك فى غمدك . عد‬ ‫إلى مكانك . نحن فى حاجة إليك 571. ما كان باستطاعة أبى بكر أن يخالف أمر النبى .‬ ‫التحم الناس . حمى الوطيس . خرجت نساء قريش ، وعلى رأسهن هند بنت عتبة، متزينات متعطرات ،‬ ‫يضربن بالدفوف وينشدن :‬ ‫إن تقبلوا نعانـق‬ ‫نحن بنات طارق‬ ‫أو تدبروا نفـارق‬ ‫ونبسط النمـارق‬ ‫فراق غير وا ِق‬ ‫م‬ ‫فى الكلمات ترغيب وإغراء ، فى حالة النصر نفرش النمارق ، أى نمد الوسائد فى انتظار لحظة الحب‬‫والعناق مكافأة لفحولة الرجال . أما فى حالة الفرار ، أى الهزيمة والنكسار ، فلن يكون هناك لقاء حب أو شوق‬ ‫. فل عطاء من الحسناوات المتعطرات للمنهزمين ، ول رغبة منهن فى ال ُ ّار المنكسرين .‬ ‫فر‬ ‫هذا ما فعلته نساء قريش أثناء القتال : ضرب الدفوف ، وتشجيع وغناء وتحفيز وإغراء ، ودعوة للثأر‬ ‫والنتقام . كن يزحفن كالجنيات من مؤخرة الصفوف إلى مقدمة الصفوف. وكلما تثاقل رجل كن يحطن به‬ ‫ويدفعنه دفعا إلى القتال .‬ ‫أما النساء فى جيش المسلمين فقمن بدور أكثر جدية من دور هند وصويحباتها فى جيش المشركين . لم‬ ‫يكن هناك غناء أو دفوف أو إغراء . كن يقمن فى صمت بمساعدة المقاتلين وبلغ بإحداهن الحماس مبلغه‬ ‫571‬ ‫. 481 .‪Lings, p‬‬
  • 123. ‫فاستلت سيفا واشتركت فى القتال.. على رأس النساء ، كانت فاطمة ابنة النبى ، وعائشة أم المؤمنين ، وأم سليم‬ ‫بنت ملحان ، يحملن الطعام والشراب على ظهورهن ، ويسقين الجرحي ، ويداوينهم ، وكذلك فعلت خمينة بنت‬ ‫جحش ، أما أم عمارة ، نسيبة بنت كعب ، فهى التى استلت سيفا وقاتلت مع المسلمين كالرجال عندما بدت‬ ‫علمات العياء على مقاتلة المسلمين . حجزت نسيبة ثوبها على وسطها ، وأخذت تذب عن الرسول بسيفها ،‬‫ورمت المشركين بقوسها ، وأبلت يوم أحد بل ً يندر بين نساء العرب ، وكان جهادها مفخرة من مفاخر السلم‬ ‫ء‬ ‫671‬ ‫. وذكر البعض أنها جرحت اثنى عشر جرحا ، ما بين طعنة برمح أو طعنة بسيف .‬ ‫قتل على – كما أسلفنا – طلحة بن أبى طلحة صاحب لواء المشركين . حمل اللواء بعده عثمان بن أبى‬‫طلحة . تلقاه حمزة بن عبد المطلب ، أسد ال وبطل أبطال العرب ، ضربة بالسيف على كاهله فقطع يده وكتفه ،‬ ‫ثم قضى عليه . أسرع بحمل اللواء أبو سعد بن أبى طلحة . فلم يمهله سعد بن أبى وقاص ، رماه بسهم أصاب‬ ‫حنجرته فأدلع لسانه - كما يقول ابن سعد – إدلع الكلب ، فقتله ، ثم حمله مسافع بن طلحة فرماه عاصم بن‬ ‫ثابت فقتله ، ثم حمله الحارث بن طلحة بن أبى طلحة فرماه عاصم بن ثابت فقتله ، ثم حمله كلب بن طلحة بن‬ ‫أبى طلحة فقتله الزبير بن العوام ، ثم حمله ال ُلس بن طلحة بن أبى طلحة فقتله طلحة بن عبيد ال ، ثم حمله‬ ‫ج‬ ‫أرطأة بن ُ َحبيل فقتله على بن أبى طالب771، وتوالى قتل حملة اللواء حتى اضطر إلى حمله غلم من‬ ‫شر‬ ‫غلمانهم وتم قتله هو أيضا .‬ ‫أقسمت سلفة بنت ُسافع بن طلحة ، بعد أن علمت أن قاتله هو عاصم بن ثابت ، أن ل تنسى أبدا ثأر‬ ‫م‬ ‫ولدها. نذرت إن أمكنها ال من رأس عاصم أن تشرب فيه خمرا .‬ ‫انطلق حمزة وعل ّ وأبو دجانة والزبير إنطلقا عاصفا ، يفرقون صفوف قريش ويحزون رقاب أبطالها.‬ ‫ى‬ ‫ما صمد لهم أحد . كاد أبو دجانة أن يقتل هند بنت عتبة . كانت تشجع الرجال على القتال ، وتثير حميتهم فى‬‫هوس محموم . اتجه إليها أبو دجانة. حمل سيفه على مفرق رأسها. ول َلتْ . أدرك أنها امرأة . سحب سيفه دون‬ ‫ْو‬ ‫أن يمسها . كان منطقه النبيل : أكرمت سيف رسول ال ، صلى ال عليه وسلم ، أن أضرب به امرأة .‬ ‫هذا النبل المتسامي يتناقض تناقضا مطلقا مع الخسة المتناهية فى سلوك هند وزوجها بعد مقتل حمزة ،‬‫ولو أدرك أبو دجانة المسطور فى قلب الغيب لقتلها وأراح المقاتلين والشهداء من آثامها وشرورها . نقول : لو.‬ ‫وما حدث عكس ما نتمني .‬ ‫عملت سيوف المسلمين فى رقاب مقاتلي قريش وفرسانها. تولهم الضطراب ، لما لم يتوقعوه من شده‬ ‫المقاومة وعنف القتال . ُمعت صرخات النساء وعويلهن وولولتهن مخافة المهانة والعار. سقط صنم قريش‬ ‫س‬ ‫الذى حملوه معهم على بعير وجعلوه وسطهم ، وكأنه الله المحارب لبنى إسرائيل . بدا كأن القلة المؤمنة على‬ ‫وشك أن توقع الهزيمة بالكثرة المشركة .‬ ‫671 د. السيد عبد العزيز سالم ، ص ٨٦٣.‬ ‫771 ابن سعد ، جـ ٢ ، ص ١٤.‬
  • 124. ‫ويصف لينجز ‪ Lings‬بطولة المسلمين فى بداية المعركة بأسلوب المبدع : حمزة وريشة النعامة التى‬ ‫تميزه .. وأبو دجانة والزبير وآخرون من المهاجرين والنصار كانوا تجسيدا حيا لصيحة الحرب . َ ِتْ .‬ ‫أم‬ ‫أمت . وبدا كأنه ليس باستطاعه أحد مقاومتهم . كانت ريشة عل ّ البيضاء ، وعمامة أبى دجانة الحمراء ،‬ ‫ى‬ ‫وعمامة الزبير الصفراء ، وعمامة حباب الخضراء ، تنتشر كأعلم نصر تمنح القوة للصفوف من خلفها ،‬‫وبالكاد استطاع أبو سفيان أن ينجو من سيف حنظلة الذى كان يقاتل فى مقدمة الجيش وقلبه ، كان على وشك أن‬‫يشق هامة أبى سفيان بسيفه عندما اندفع رجل من " ليث " من أحد الجناب ، وغرس حربته فى جسد حنظلة‬ ‫فأسقطه أرضا ، ثم قتله‬ ‫871‬ ‫بطعنة ثانية .‬ ‫5- مقتل حمزة وهزيمة المسلمين :‬ ‫يجمع المؤرخون وكتاب السيرة ، أو بأسلوب أدق ما قرأناه من آرائهم ورواياتهم فيما بين أيدينا من كتب‬ ‫ومجلدات ، على أن المسلمين قد انتصروا فى بداية المعركة انتصارا كاسحا وأن المشركين قد انهزموا وبدأوا‬ ‫بالفعل فى الفرار.‬ ‫ونرى أن المر لم يكن كذلك ، وأن ما بدا انهزاما وفرارا لم يكن إل دها ً ومكرا وخديعة. نتصور أبا‬ ‫ء‬ ‫سفيان ، عندما اشتدت مقاومة المسلمين وبدا واضحا عنف استبسالهم، وقد تشاور فى سرعة خاطفة مع دهاة‬ ‫قادته من أمثال عمرو بن العاص وخالد بن الوليد وعكرمة بن أبى جهل وصفوان بن أمية ، ووضعوا خطة‬ ‫تتواءم مع مجريات المور فى المعركة . تقوم الخطة فى جوهرها على التقهقر ، التظاهر بالهزيمة‬ ‫والنسحاب ، وبذلك يندفع المسلمون وراءهم دون روية فتتخلخل صفوفهم ويبتعدوا عن الجبل وعن الرماة‬ ‫الذين يحمون ظهورهم ، وبذلك يمكن اللتفاف حولهم ومحاصرتهم .‬ ‫و ُ ِع المسلمون بالفعل ، اندفعوا فى غير َوّة ، مكبرين مهللين ، وقد تعالت صيحاتهم : َ ِتْ ، أمت .‬ ‫أم‬ ‫ر ِي‬ ‫خد‬ ‫كانت الصيحة شعار أحد .‬‫خلف إحدي الصخور ، كان يكمن عبد حبشى فى يده حربة . لم يشترك فى القتال فالمعركة لم تكن تهمه ،‬ ‫ولم يكن ليكترث بمن ينهزم أو بمن ينتصر . كانت له مهمة محددة ، يعرف ثمنها مقدما لو نجح فى الداء . ل‬ ‫هدف له سوى حمزة .‬ ‫ما فكر العبد أبدا أن يواجه حمزة بن عبد المطلب وينازله ، هو بالتأكيد ليس بمجنون . كان يدرك إدراكا‬ ‫واعيا أن حمزة ل يصمد له أحد ، ومن واجهه من سادات قريش وكبرائها ذاق على يديه الموت . نظرة إلى‬‫وجه حمزة وسيفه كانت تصيب من يواجهه بالنهيار، قبل أن يهوى عليه السيف فى لمح خاطف ويحول وجوده‬ ‫إلى عدم .‬ ‫871‬ ‫.281 .‪Lings, p‬‬
  • 125. ‫كان العبد الحبشى خلف الصخرة يتابع حمزة بعينيه النافذتين . كامن هو ينتظر الفرصة . ما كان يستطيع‬‫الخروج والمواجهة . ل يتوقع من عبد أن يكون فارسا مقاتل أو محاربا نبيل . هذا أبعد ما يكون عن خلق العبيد‬ ‫.‬‫حانت الفرصة. رأى حمزة فى ُرْض الناس – كما وصفه فيما بعد – مثل الجمل الورق )الذى لونه بين‬ ‫ع‬ ‫الغبرة والسواد( يهد الناس بسيفه هدً ما يقوم له شئ . كان العبد ينتظر كى يدنو حمزة من مكمنة ويكون فى‬ ‫ا‬ ‫مرمي حربته . اقترب من حمزة – وكأنه يسعي إلى قدره المحتوم – َباع بن عبد العزي ، فلما رآه حمزة‬ ‫س‬ ‫صاح : هلم إلى يا ابن مقطعة البذور. ووجه إليه حمزة ضربة فصلت رأسه عن جسده .‬ ‫تقدم حمزة ثائرا هادرا ، كل من يواجهه يفر من أمامه أو يموت . حانت لحظة أصبح فيها مكشوفا على‬ ‫مرمي بصر العبد وفى مجال حربته . هز العبد الحرية حتى إذا رضى عنها دفعها . كان يقذف قذف الحبشة ،‬ ‫قلما يخطئ . وقعت الحربة فى ثّة حمزة ، أى ما بين السرة والعانة ، حتى خرجت من بين رجليه . لمح العبد .‬ ‫ُن‬ ‫اتجه نحوه ، لكنه ُِب فوقع . يقول العبد : وأمهلته حتى إذا مات جئت فأخذت حربتى ثم تنحيت إلى العسكر ،‬ ‫غل‬ ‫971‬ ‫ولم يكن لى بشئ حاجة غيره .‬‫سقط أسد ال شهيدا . لم يقدر على فعل ذلك أبطال قريش وفرسان العرب ، لكن عبدا تجرى الوضاعة فى‬ ‫دمه ، عندما حانت لحظة الغدر ، قدر.‬ ‫ول يشير المتعصبون من المستشرقين وأعداء السلم إلى قتل حمزة غدرا على يد عبد حبشى ، رغم‬ ‫أنهم يرفعون أصواتهم ويملون الدنيا ضجيجا لن النبى قتل أسيرين قاتله فى بدر وآذياه فى مكة ، إلى حد‬ ‫المتهان ، قبل بدر. ول يذكر المستشرقون ، أيضا، جلل السلم وعظمة قدره وتسامي نفوس أتباعه من‬ ‫المؤمنين حقا ، ونبل الرسول وصفحه عندما تم العفو عن قاتل حمزة ، رغم أنه كان قد نذر فى ثورة حزنة أن‬ ‫يثأر لعمه ثأرا يليق بمكانته وجلل قدره . لكنه عندما هدأ صفح ، وعندما قدر عفا.‬‫ولنستمع إلى كلمات العبد – الذى أعتقه الغدر – وهو يتحدث عن موقفه فى مواجهة النبى . يقول وحشى :‬ ‫لما قدمت مكة أعتقت ، ثم أقمت حتى إذا افتتح رسول ال ، صلى ال عليه وسلم ، مكة هربت إلى الطائف ،‬ ‫فمكثت بها ، فلما خرج وفد الطائف إلى رسول ال ليسلموا تع ّت عل ّ المذاهب ، فقلت ألحق بالشام أو اليمن أو‬ ‫ى‬ ‫ي‬‫ببعض البلد ، فوال إنى لفى ذلك من ه ّي إذ قال لى رجل : ويحك !! إنه وال ما يقتل أحدا من الناس دخل فى‬ ‫م‬ ‫دينه وتشهد شهادة الحق .‬ ‫يواصل حبشى حكايته : فلم ي ُعْه )أى النبى( إل بى قائما على رأسه أتشهد بشهادة الحق . هكذا نجا‬ ‫ر‬ ‫وحشى . أنقذته شهادة أن ل إله إل ال وأن محمدا رسول ال . ورغم بشاعة الجرم ، تم الصفح عنه . لكن العبد‬‫الغادر- رغم الصفح – لم ينج من بشاعة الحساس بالغدر . ظل يعب الخمر عبا ، وكأنه يحاول أن ينسى ، حتى‬ ‫قتلته . ما كان ال ليدع قاتل حمزة ، هكذا قال الفاروق عمر.‬ ‫971 الطبرى ، جـ ٢ ، ص ٦٦.‬
  • 126. ‫نعود إلى ميدان القتال ، وقد ُ ِذَ المسلمون بتقهقر جيش قريش ، فظنوا أن المشركين قد انهزموا ، وأن‬ ‫أخ‬ ‫نصرهم هم قد أصبح لشك فيه . كانت فرصة لضعاف النفوس من المسلمين ولمن خرجوا أساسا من أجل‬‫الغنيمة والسلب ، ل من أجل الدفاع عن العقيدة والرض . أغمدوا سيوفهم وأخذوا ينتهبون العسكر ويأخذون ما‬ ‫تصل إليه أيديهم من غنائم .. تركوا القتال لبى دجانة وعل ّ والزبير وسعد بن أبى وقاص والبطال من مقاتلة‬ ‫ى‬‫النصار .. لوى الطمع أعناق ضعاف النفوس فى جيش المسلمين وأحنى ظهورهم . فمالوا يجمعون وينتهبون ،‬ ‫وتركوا القتال .‬‫سال لعاب الرماة . خمسون راميا أمرهم النبى – أل يتركوا أماكنهم مهما حدث للمسلمين ، نصرا كان أو‬ ‫هزيمة . رأوا الكل ينتهب وخيل إليهم أن المعركة قد انتهت ، َِ َ ل يشتركون فى النهب مع الناهبين ، وكيف‬ ‫فلم‬‫يغنم من يرون ول يكونون هم أنفسهم مع الغانمين ؟ تملكهم شيطان الطمع ووسوس لهم فاهتزوا ، ثم تحركوا ،‬ ‫تركوا أماكنهم ، أسرعوا لجمع الحطام الدنيوى الذى ل تهواه إل صغار النفوس . حاول أميرهم عبد ال بن‬ ‫جبير أن يسيطر على انفلتهم ، فلم يستطع ، ما أطاعوه . عصوه وانطلقوا .‬‫هنا حلت الكارثة . حانت اللحظة التى كان ينتظرها خالد بن الوليد . انكشف المسلمون من الخلف . لم يعد‬ ‫هناك من يحمي ظهورهم . شد بفرسانه على من تبقى من الرماة فأجلهم وقتل أميرهم عبد ال . تبعه فى‬‫الهجوم عكرمة بن أبى جهل . صاح فرسان قريش صيحة المنتصر.. ومع الصيحة أدرك أبو سفيان أن حصار‬‫المسلمين قد أصبح فى متناول يده . استدار هو ورجاله . كان العدد - كما ذكرنا من قبل - كبيرا ولم يكن قد قتل‬ ‫منهم ما يزيد عن العشرين .‬ ‫حوصر المسلمون من كل جانب .. أذهلتهم صيحات النصر القرشية: ياللعزى ! يالهبل ! كانت الصدمة‬ ‫أكبر من أن يتحملها المسلمون . أصيب أغلبهم بما يشبه الخبال. حاول البعض الفرار. حاول البعض استلل‬‫السيف والقتال من جديد . كانت سيوف قريش أسرع إلى رقابهم. سيطر العجز على المسلمين وساد الفزع . إلى‬‫حد فقدان الدراك الواعي . قاتل بعضهم البعض . بدل من قتال العدو. وحصدت سيوف بعض المسلمين أرواح‬ ‫بعض المسلمين . ق ِ َ حامل اللواء مصعب بن عمير ، فحمله على‬ ‫ُ تل‬ ‫ابن أبى طالب .‬ ‫ويدعي كتبة الخرافات ، فى كتب التراث ، أن الذى أخذ اللواء بعد مقتل مصعب كان ملكا فى صورة‬ ‫081‬ ‫مصعب ، ويضيفون أن الملئكة حضرت يومئذ ولم تقاتل .‬ ‫هل هناك هزل أكثر إثارة للشمئزاز من هذا الهزل ؟!‬ ‫الملئكة حضرت يوم " أحد " ولم تقاتل . هذا ما يقوله ابن سعد نقل عن مصادره.‬ ‫وتمر مئات السنون و" علماء " المسلمين يقرأون هذا الكلم الرخيص ويأخذون به وينقلون عنه . لم‬‫يجرؤ أى منهم أن يتساءل أو يسأل - ربما خوفا ، ربما جبنا ، ربما جهل ، ربما هربا من تحمل مسئولية الكلمة‬ ‫081 ابن سعد ، جـ ٢ ، ص ٢٤.‬
  • 127. ‫– لماذا حضرت الملئكة ولم تقاتل ؟ وما أهمية الملئكة فى هذه الحالة وهو حضور ل قيمة ول خطر له ؟ هل‬ ‫حضرت لتتفرج على الهزيمة المهينة لجيش المسلمين ثم تنصرف فى سلم وكأن المر‬ ‫ل يهمها فى شئ ؟‬ ‫ثم ماذا عن الملئكة التى هبطت يوم بدر باللف – كما يدعي كتبة التراث - وعلى رؤوسها عمائم من‬ ‫كل اللوان : بيض وحمر وخضر ، وبأيديها سيوف تلمع كالبرق ، يقودها ثلثة من كبار الملئكة : جبرائيل‬‫وإسرافيل وميكائيل ؟ هل ملئكة يوم أحد يختلفون اختلفا كليا عن ملئكة يوم بدر؟ إذا كان المر كذلك ، فلماذا‬ ‫لم يوضح لنا جهابذة كتبة التراث الفرق بين النوعين ؟‬‫ثم – ومعذرة لتكرار الكلمة – كيف عرف ابن سعد أو هؤلء الذين أخذ عنهم ، أن الملئكة قد حضرت ؟‬ ‫لننحي أمر اشتراكهم فى القتال جانبا. ربما لم يكونوا فى حالة مزاجية تسمح لهم بالقتال . أو ربما لم تصدر لهم‬ ‫الوامر. أو ربما لم يتم تزويدهم بالعمائم والسيوف .‬‫ما هو الدليل الذى يقدمه ابن سعد ، ومن نقل عنهم ، كى يثبتوا أن الملئكة حضرت، كى يتم إقناع القارئ‬ ‫بصدق ما يقولون ؟‬ ‫ل إثبات ول دليل ، ل حجة ول برهان ، وكأنهم يكتبون أو يقصون على قطيع من الخراف التى ل تفقه‬ ‫شيئا. وربما تصوروا أن من سيقرأون كلمهم فى مستقبل اليام لن يجدوا فى أنفسهم الجرأة على مناقشته .‬ ‫الدهي من ذلك ، أن يدعى ابن سعد أنه عندما قتل حامل لواء المسلمين ، حمل اللواء بدل منه ملك فى‬ ‫صورة مصعب !! هذا الملك الذى تكرم بحمل اللواء ، لماذا لم يتكرم بحمل النبى عندما سقط وهو مصاب فى‬ ‫حفرة لم يستطع الخروج منها إل على ظهر طلحة بن عبيد ال وبمساعدة على بن أبى طالب ؟ ألم يكن من‬ ‫الشرف والكرم والنبل لهذا الملك أن يحمل النبى ويخرجه من الحفرة بدل من أن يكتفي بحمل اللواء ؟‬ ‫الكثر كارثية فى امتهان الفكر والستهانة بالعقل ، الذى كرم ال به النسان ، أن يدعي الطبرى – نقل‬ ‫عن مصادره – أن جبريل هو أيضا كان هناك ، أى أن جبريل حضر المعركة .‬ ‫يقول الطبرى إن رسول ال أبصر جماعة من مشركي قريش ، فقال ِ َِ ّ : احمل عليهم ، فحمل عليهم‬ ‫لعلي‬ ‫ففرق جماعتهم ، وقتل شيبة بن مالك أحد بنى عامر بن لؤى ، فقال جبريل : يا رسول ال ، إن هذه َلْمواساة ،‬ ‫ل‬ ‫181‬ ‫فقال رسول ال : إنه منى وأنا منه ، فقال جبريل : وأنا منكما .‬ ‫جبريل ، إذن حضر المعركة وتحدث مع النبى ، ولم يزد على ذلك شيئا . والسؤال: لماذا حضر؟ هل‬ ‫لمجرد أن يقول للنبى أنا منكما ، و يقف بعد ذلك كى يشاهد الهزيمة المهينة التي حلت بالمسلمين ؟ هل هذا هو‬ ‫جبريل الذى هبط يوم بدر- كما يقول الخباريون – على رأس ألف من الملئكة ، وهو يمتطي جوادا وبيده‬‫سيف مشهر، وقاتل المشركين ؟ لن نشير إلى ميكائيل وإسرافيل وجنودهما السماوية وما فعلوه فى بدر. فل ذكر‬ ‫لهما فى أحد . اكتفى الطبرى بجبريل .‬ ‫181 الطبرى ، جـ ٢ ، ص ٥٦.‬
  • 128. ‫وإذا كان جبريل قد حضر ، فلماذا لم يأخذ بيد النبى ويجنبه الوقوع فى الحفرة التى سقط فيها ، ولماذا لم‬‫يدفع عنه الضربات التى أصابت رأسه ووجهه وأسالت دمه ؟ لماذا لم ينشر ولو طرف جناح واحد من أجنحته‬ ‫الستمائة – التى يصفها لنا كتبة التراث- حول النبى كى يقيه أذى المشركين ؟‬ ‫لم يفعل جبريل شيئا من هذا . لنه فى " أحد " لم يكن هناك جبريل ، كما "يهلوس" الخباريون . التى‬ ‫فعلت كانت امرأة من النصار ، أمسكت سيفا وقاتلت دفاعا عن النبي، وقد فر الجمع من حوله باستثناء القلة‬ ‫النادرة .‬‫حتى عثمان بن عفان فر من المعركة ل يلوى على شئ ، ول يهمه شئ سوي النجاة بنفسه . اختفى ثلثة‬ ‫أيام كاملة ، وبعدها ظهر عندما تأكد أن القتال قد توقف ، وأنه ل خطورة على حياته ، أى أنه لن يقتل . ومن‬ ‫غرائب القدر أن يموت عثمان قتيل.‬ ‫هذا الكلم ليس من عندنا نقول هذا بصراحة ووضوح كى ل يتشنج " المنبعجون " تعاليا وأصحاب‬‫الفتاوى التى تحكم بتكفير كل من يكتب كلمة غير " لئقة " عن أحد الصحابة المقربين أو غير المقربين . الذى‬ ‫قال بفرار عثمان واختفائه إلى أن زال الخطر، هو " أبو جعفر " الذى أورد حديثه الطبرى ، قال أبو جعفر :‬‫وقد كان الناس انهزموا عن رسول ال .. وفر عثمان بن عفان وعقبة بن عثمان ، وسعد بن عثمان )رجلن من‬ ‫281‬ ‫النصار( حتى بلغوا الجعَْب )جبل بناحية المدينة( ، فأقاموا به ثلثا ثم رجعوا إلى رسول ال .‬ ‫ل‬ ‫هذا كلم كتب التراث ، فإذا أراد المتعالمون المتفيقهون أن يصرخوا ويتشنجوا ، فليصرخوا وليتشنجوا‬ ‫وليتظاهروا ضد ما جاء فى كتب التراث ، لو كانوا يجرؤون !!‬‫انكشف المسلمون وانهزموا وفعل بهم المشركون الفاعيل : قتل العشرات ، وجرح المئات ، وفر كل من‬ ‫استطاع الفرار.‬ ‫وجد المشركون فرصتهم سانحة للهجوم المباشر على النبى .. وصل إليه ابن قميئة الحارثى أحد بني‬ ‫الحارث بن عبد مناه بن كنانة ، فرماه بحجر فكسر أنفه ور َا ِ َ ُه )إحدي أسنانه الربعة فى مقدمة الفم( ،‬ ‫ُب عيت‬ ‫وشجه في وجهه ، و ُِ َت ) ُ ِحت( شفته .‬ ‫كلم جر‬ ‫يروى ابن هشام تفاصيل ما حدث للنبى فى ذلك اليوم العصيب يقول : إن عتبة ابن أبى وقاص رمى‬ ‫رسول ال يومئذ فكسر رباعيته اليمني السفلى وجرح شفته السفلى، وأن عبد ال بن شهاب الزهْ ِى شجه فى‬ ‫ّ ر‬ ‫جبهته ، وأن ابن ِ َئة جرح وجنته ، فدخلت حلقتان من حلق المغفر381 فى وجنته ، ووقع رسول ال فى حفرة‬ ‫قم‬ ‫من الحفر التى عمل أبو عامر ليقع فيها المسلمون وهم ل يعلمون . فأخذ علي بن أبى طالب بيد النبى ، ورفعه‬ ‫طلحة بن عبيد ال حتى استوى قائما. وم ّ مالك بن سنان الدم عن وجه النبى. ونزع أبو عبيدة بن الجراح‬ ‫ص‬ ‫281 الطبرى ، جـ ٢ ، ص ٩٦.‬ ‫381 شبيه بالدرع ذو حلق يلقيه المحارب على وجهه .‬
  • 129. ‫إحدي الحلقتين من وجه النبى فسقطت ثنيته ، ثم نزع الخرى فسقطت ثنيته الخرى ، فكان ساقط الثنيتين فى‬ ‫481‬ ‫مقدمة أسنانه .‬‫عندما سال الدم على وجه النبى ، أخذ يمسحه وهو يقول : كيف يفلح قوم خ ّبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم‬ ‫ض‬ ‫إلى ربهم ونزل قوله تعالى : " َيْ َ َ َ ِ َ ا َمْ ِ َيْ ٌ َوْ َ ُو َ ََيْ ِمْ َوْ ُ َ ّ َ ُمْ فِ ّ ُمْ َاِ ُو َ " )آل‬ ‫ل س لك من ل ر ش ء أ يت ب عل ه أ يعذبه َإنه ظ لم ن‬ ‫عمران : 821( .‬ ‫اشتد البلء وزاد الخطر . صاح النبى وقد أحيط به وغشيه القوم : َنْ ر ُل يشري لنا نفسه . قام خمسة‬ ‫م ج‬‫من النصار فقاتلوا دونه حتى قتلوا جميعا. وجعل أبو دجانة من نفسه درعا يقي النبى وقع النبال . كان النبل يقع‬ ‫فى ظهره ودمه يسيل ، وهو ل يتزحزح عن موقعه دفاعا عن النبى . ورمي سعد بن أبى وقاص دون النبى ،‬ ‫والنبى يشجعه وهو يناوله النبل ، يقول : ارم فداك أبى وأمي .‬ ‫قامت أم عمارة – ن َيْ َة بنت كعب المازنية – بالقتال دفاعا عن النبى . عندما وجدت نفسها فى قلب‬ ‫ُس ب‬ ‫موقف خطر ومهين بعد أن تفرق أغلب الرجال ولذوا بالفرار. ألقت بما فى يديها من سقاء فيه ماء ، استلت‬ ‫سيفا وباشرت القتال ، تحمي النبى بحد السيف وبرمي النبل ، معرضة جسدها النثوى لضربات العدو ، غير‬ ‫عابئة بما قد يصيبها . بدا أنه ما كان لها من هدف أكبر وأسمي فى هذا اللقاء الدموى الرهيب ، سوى أن ُشْهد‬ ‫ت‬ ‫و َشْهد وتستشهد : ُشهد الدنيا كلها على أنها قاتلت كما البطال وواجهت صناديد الرجال دفاعا عن دينها وعن‬ ‫ت‬ ‫ت‬ ‫الرجل الذى نزل عليه الوحي بهذا الدين .. وتشْهد هزيمة بعض الكبار ، وهروبهم واختبائهم فى الجبل حرصا‬ ‫َ‬ ‫على الحياة .. أما أملها الكبر وغاية مرادها وجائزتها فقد كانت الرغبة فى الستشهاد وهى مرفوعة الهامة ،‬ ‫منصوبة العود ، تقاتل فى سبيل ال حتى الرمق الخير.‬ ‫لم يكن فى صفوف المشركين الثلثة آلف من هو فى نبل وفروسية أبى دجانة ، الذى رفع السيف عن‬ ‫رأس هند بنت عتبة . رافضً أن يلوث سيف النبى بدم امرأة ، رغم خطورة ما كانت تفعله . لم يكن بينهم أبو‬ ‫ا‬‫دجانة ، أو حتى من يساوى شسع نعل أبى دجانة ، لذلك لم يرحموا أم عمارة ، لم يكترثوا بكونها امرأة ، وجهوا‬ ‫إليها سيوفهم وسهامهم وحرابهم ، حتى خلصت إليها الجراح وسال دمها ، وهى غير عابئة بما حل بها. ويعتبر‬ ‫قتال أم عمارة وصمودها مفخرة من مفاخر الجهاد فى التاريخ السلمي .‬‫واجهت أم عمارة ابن قميئة الليثي ، وقد اندفع كالعاصفة ، صارخا : أين محمد ؟ دلوني عليه ، فل نجوت‬‫إن نجا . اعترضته أم عمارة واجهته فى استبسال بطولى : ذراع بذراع ، وسيف بسيف . كان ابن قميئة – أقمأه‬ ‫ال ، كما قالت أم عمارة – هو السرع فى توجيه الطعنه. أحدث فى عاتقها جرحا كبيرا عميقا كان من الممكن‬ ‫أن يهلكها. شق طريقه نحو النبى . اعترضه مصعب بن عمير . وكان لواء المسلمين حتى تلك اللحظة معه .‬ ‫فقتله ابن قميئة . ويبدو أن ملمح وجه مصعب كانت قريبة الشبه من ملح وجه النبى ، ذلك لن ابن قميئة بعد‬ ‫أن قتل مصعبا ، صاح بأعلى صوته : قتلت محمدً !!!‬ ‫ا‬ ‫481 ابن هشام ، جـ ٣ ، ص ٧٢-٨٢ .‬
  • 130. ‫انتشرت الصيحة : تناقلتها الصوات فى جيش المشركين ، وبين من تبقى من أتباع النبى : ُتل محمد !!‬ ‫ق‬ ‫جلس أبو بكر الصديق ، وعمر بن الخطاب ، وطلحة بن عبيدال ، فى بعض رجال من المهاجرين‬ ‫والنصار ، فوق الصخور فى جانب الجبل ، بعيدا عن ضربات قريش ، وقد ألقوا ما بأيديهم من سلح. صاح‬ ‫فيهم أنس بن ال ّضْر : ما يجلسكم ؟ أى لماذا أنتم جلوس هكذا فى عجز المنهزم ؟ أجابوه : ُ ِل رسول ال .‬ ‫قت‬ ‫ن‬ ‫وكان رده القاطع : إذن ، قوموا فموتوا !! ماذا تصنعون بالحياة بعد . قوموا فموتوا على ما مات عليه.‬‫ورمي أنس بنفسه على العدو وقاتل ، حتى قتل فى سبيل ما آمن به ، وقد وجدوا فى جسدة يومئذ أكثر من‬ ‫581‬ ‫سبعين ضربة ، وما استطاع أحد أن يتعرف عليه ، أخته فقط عرفته ببنانه .‬‫جاء فى مختصر تفسير ابن كثير أن ابن قميئة قد ضرب النبى بالفعل فش ّه فى رأسه ، ورجع ابن قميئة‬ ‫ج‬ ‫إلى المشركين فقال لهم : قتلت محمداَ . وإنما كان قد ضرب رسول ال فشجه فى رأسه ، فوقع ذلك فى قلوب‬ ‫كثيرمن الناس ، واعتقدوا أن رسول ال قد قتل وجوزوا عليه ذلك .. فحصل ضعف ووهن وتأخر عن القتال ،‬ ‫ففى ذلك أنزل ال تعالى : " َ َا ُ َ ّ ٌ ِ ّ َ ُو ٌ َدْ ََتْ ِن َبِْ ِ ال ّ ُ ُ َ َِن ّا َ َوْ ُ ِ َ ان ََبْ ُمْ ََى‬ ‫وم محمد إل رس ل ق خل م ق له رسل أفإ م ت أ قتل قل ت عل‬‫َعْ َا ِ ُمْ " )آل عمران : 441( .. قال ابن نجيح عن أبيه : إن رجل من المهاجرين مر على رجل من النصار‬ ‫أ ق بك‬ ‫وهو يتشحط فى دمه فقال له: يا فلن أشعرت أن محمدا قد قتل ؟ فقال النصارى : إن كان محمد قد قتل فقد‬ ‫681‬ ‫بّغ، فقاتلوا عن دينكم .‬ ‫ل‬ ‫استمرت حالة اليأس بين المسلمين ، وسيطرت عليهم روح الهزيمة ، إلى أن رأى كعب بن مالك النبى‬ ‫وتعرف عليه . عندها صاح بأعلى صوته أن النبى ما زال على قيد الحياة . فى الحال ، التف حوله بعض من‬ ‫ثبت من أبطال المسلمين من أمثال عل ّ وأبو بكر والزبير وطلحة وأبى دجانة وزيد . أشار النبى إلى كعب أن‬ ‫ى‬ ‫يصمت ، كى ل ُعْ َف مكانة وتحاصره قريش وتحاول قتله من جديد . لكن التحذير جاء بعد فوات الوان .‬ ‫ير‬ ‫سمع الصيحة أحد مقاتلى قريش ، وقد كمن فى مكان قريب .‬ ‫هذا المقاتل ، الذى سمع الصيحة ، هو ُ َ ّ بن خلف وقد خرج يبحث عن جسد النبى كى يؤكد خبر‬ ‫أبى‬‫الموت . أمنية حياته كانت أن يقوم هو نفسه بقتل النبى . كان كثيرا ما يلقى النبى فى مكة ، قبل الهجرة ، فيهدده‬ ‫بالقتل ، وكأن قتل النبى قد أصبح شغل حياته الشاغل : يا محمد ، أن عندي " العوْذ " فرسا أعلفه كل يوم ..‬ ‫أقتلك عليه ، ويرد النبى فى هدوء : بل أنا أقتلك إن شاء ال .‬ ‫إتجه أ َ ّ نحو الجمع الذى أحاط بالنبى ، صاح : أين محمد ، ل نجوت إن نجا !!‬ ‫ُبى‬ ‫طلب عبيدة وعمر والزبير – كما يقول عبد الرحمن الشرقاوى – من النبى أن يأذن لحدهم فيبارز أبى‬ ‫بن خلف نيابة عنه ، لكن محمدا رفض ، وصمم على أن يبارزه هو بنفسه على الرغم مما فيه من جراحات ..‬ ‫581 ابن هشام ، جـ ٣ ، ص ١٣‬ ‫681 مختصر تفسير ابن كثير ، جـ ١ ، ص ٢٢٣.‬
  • 131. ‫وانتفض محمد يبارز أبى بن خلف ، جمع كل قوته فى ضربة واحدة ألقت بُب ّ بن خلف من على ظهر فرسه.‬ ‫أى‬ ‫781‬ ‫ولم يقم أبى بعد ذاك من سقطته تلك .‬‫هكذا صور الشرقاوى الموقف بأسلوبه المسرحي الممتع : النبى وهو يتقدم من حوله كى يبارز فارسا من‬ ‫العداء ، يقاتله ثم يصرعه . وهذه حالة نادرة الحدوث فى حياة النبى . ول نعتقد أن مبارزة بالمعني المعروف‬ ‫- كمبارزات حمزة وعلى وأبى دجانة على سبيل المثال – قد وقعت بالفعل .‬ ‫كل ما فى المر هو أن النبى عندما سمع تهديد ُبى ووعيده ، قال لمن حوله : دعوه. كان أبى على نفس‬ ‫أ‬ ‫الفرس الذى كان يعلفه كى يقتل النبى وهو عليه . اقترب ُبى. كان النبى ينتظر . وعندما دنا ُبى من النبى بما‬ ‫أ‬ ‫أ‬ ‫فيه الكفاية ، تناول النبى حربة من الحرث بن ال ّمة ثم استقبله بها . طعنة واحدة كانت القاضية . مات أبى‬ ‫ص‬ ‫881‬ ‫بسببها فى طريق العودة إلى مكة . كان تعليق القريشى المشرك قبل أن يموت : وال لو بصق على لقتلني .‬ ‫فى هذه المعركة ، اشترك فى صفوف المسلمين أناس من أهل المدينة ل صلة لهم بالسلم ، لم يخرجوا‬ ‫عن إيمان بما جاء به محمد ، كما أنهم لم يخرجوا طمعا فى سلب أو نهب أو غنيمة ، إنما خرجوا دفاعا عن‬ ‫الرض التى ينتمون إليها وكذا عن أحساب قومهم ، أو – كما فى حالة مخيريق – التزاما بالعهد الذى تم بين‬ ‫محمد ويهود المدينة .‬ ‫خرج مخيريق ، وهو أحد بنى ثعلبة ، يوم ُ ُد إلى قومه يذكرهم بالعهد الذى بينهم وبين محمد . جاء فى‬ ‫أح‬ ‫ابن هشام أن مخيريق قال لهم : يا معشر يهود ، وال لقد علمتم أن نصر محمد عليكم لحق . قالوا : إن اليوم‬ ‫سبت ، قال : ل سبت لكم ، فأخذ سيفه وعلقه ، وأوصى – إن ق ِل - بكل ماله لمحمد يفعل به ما يشاء . لحق‬ ‫ُت‬ ‫مخيريق بجيش المسلمين وقاتل حتى قتل. ويذكر بعض كتاب السيرة – من أمثال ابن سعد وابن هشام – أن‬ ‫النبى امتدحه عندما قال : مخيريق خير يهود .‬ ‫ول نتفق فى الرأى مع بعض المؤرخين الذين يعتقدون أن مخيريق قد أسلم قبل أن يقتل فى معركة أحد .‬ ‫يكتب المام محمد أبو زهرة . على سبيل المثال ، عن اليهود الذين اعتنقوا السلم عند حضور النبى إلى‬‫المدينة ، كعبد ال بن سلم وبعض من معه ثم يضيف : ومعهم عدد قليل أسلموا مخلصين فى شدة أحد ، ويذكر‬ ‫التاريخ‬ ‫981‬ ‫منهم مخيريق .‬‫ونميل إلى القول أن المام ، رغم توقيرنا لعلمه وفضله ، قد جانبه التوفيق . لقد غدا مخيريق – كما يقول‬ ‫ابن هشام – إلى رسول ال فقاتل معه حتى قتل . هذا كلم ل اعتراض عليه ، عرضنا له من قبل . أما إعلن‬ ‫إسلمه فهذا ما ل يوجد عليه دليل . ولو قد أعلن إسلمه أمام النبى ، أو قد عرف به النبى لعتبره من شهداء‬ ‫781 الشرقاوى ، ص ٠٢٢.‬ ‫881 ابن هشام ، جـ ٣ ، ص ٣٣ .‬ ‫981 أبو زهرة ، جـ ٢ ، ص ٤٢٦ .‬
  • 132. ‫المسلمين المبشرين بالجنه. ولخرجه من زمره اليهود ، ولما اكتفى بقوله : مخيريق خير يهود . والعبارة‬ ‫معناها بوضوح شديد أنه مات على يهوديته .‬‫ومن المشركين الذين خرجوا للقتال كان ُزْمان ، وهو – كما يقول ابن إسحق- رجل َ ِ ّ ، أى غريب ، ل‬ ‫أتى‬ ‫ق‬ ‫يدرى ممن هو . خرج يوم أحد وتقدم الصفوف حتى كان فى أولها . كان قزمان هذا مشهورا بالشجاعة‬ ‫والفروسية والثبات فى وجه العداء عند اللقاء. هاجم جيش قريش بضراوة شرسة وكأنه يريد أن يبيدهم جميعا‬ ‫بضربة سيف واحدة . قيل إنه قتل وحده سبعة أو ثمانية من المشركين ، ثم غلبته الجراح . مر به أحد المسلمين‬‫قبل أن يسلم الروح ، فقال : لقد أبليت اليوم يا قزمان فابشر. قال : بماذا أ َ ّر؟ إننى وال ما قاتلت علي دين . إن‬ ‫ُبش‬ ‫قاتلت إل على أحساب قومي ولول ذلك ما قاتلت . وعندما اشتد عليه ألم الجراح أخذ سهما من كنانته فقتل‬ ‫091‬ ‫نفسه . وكان النبى إذا ذكر له قزمان ، يقول إنه لمن أهل النار .‬ ‫كان قزمان مشركا ولم يعلن إسلمه . لذا تنتفى عنه صفة النفاق التي ألصقها به بعض الكتاب من أمثال‬ ‫191‬ ‫محمد حسين هيكل الذى يدعي أن قزمان كان أحد المنافقين الذين أظهروا السلم .‬ ‫أما المنافق الذى ظهر نفاقه بجلء يوم أحد ، فهو حاطب بن أميه بن رافع . كان ابنه يزيد قد اشترك فى‬‫المعركة وأصيب إصابة قاتلة ، فحمله البعض إلى دار قومه وهو على وشك الموت . التف حوله من حضر من‬ ‫المسلمين يبشرونه بالجنة : أبشر يا ابن حاطب بالجنة . لم تعجب البشرى أباه وكان شيخا طاعنا فى السن آلمه‬‫منظر ولده وهو يموت أمام عينيه . قال فى سخرية وضيق : بأى شئ تبشرونه ؟ أ ِ َ ّة من حرمل؟ َ َرْ ُم وال‬ ‫غر ت‬ ‫بجن‬ ‫هذا الغلم من نفسه . لم يؤمن بأن ولده سقط شهيدا لقد تم – فى رأية – خداع ولده والتغرير به.‬ ‫6- التمثيل بالقتلى:‬ ‫كانت هزيمة المسلمين فى أحد فرصة نادرة ، من المستحيل أن تتكرر ، بالنسبة لهند بنت عتبة زوج أبى‬‫سفيان وأم معاوية ، كى تشفى غليلها من قاتل أحب أحبائها حمزة بن عبد المطلب . أرسلت من يبحث عن جسده‬ ‫بين القتلى . عندما وجد من أرسلته جسد حمزة ، شق بطنه بنا ً على أمرها. طلبت كبد حمزة . ناولها الرجل‬ ‫ء‬‫الكبد . فتحت فاهها كالضوارى وبأسنانها مزقت الكبد ولكتها أى مضغتها . لكنها لم تستطع أن تبتلعها فلفظتها .‬ ‫ة‬ ‫لعقت دم حمزة ، لنها هكذا أقسمت بعد " بدر " أن تلوك كبده وتلعق دمه ، حتى تهدأ نفسها وتستريح . سيد ُ‬ ‫َ َ َةِ الدم هى ، أم معاوية خليفة المسلمين الذى كان العقل المدبر واليد الفاعلة والدافع الول إلى مقتل المام‬ ‫لعق‬ ‫على بن أبى طالب ، ابن عم النبى .‬‫هند بنت عتبة ، زوجة كبير قريش وأم من سيصبح " أمير المؤمنين معاوية " ، ل تتوقف عند هذا الحد .‬‫إنها تقوم بقطع عضو حمزة التناسلى .291 سلوك يدعو للندهاش والشمئزاز ويثير الكثير من التساؤلت : لماذا‬ ‫عضو حمزة التناسلى بالذات ؟ ماذا ستفعل به ؟ وما قيمة العضو التناسلى المقطوع بالنسبة لمرأة فى مثل‬ ‫091 ابن هشام ، ج،ـ ٣ ، ص ٧٣ .‬ ‫191 هيكل ، محمد ، ص ٢٤٤.‬ ‫291 كارين ارمسترونج ، محمد ، ص ٢٨٢.‬
  • 133. ‫سنها ؟ وكيف سمح لها زوجها بذلك ؟ وإن لم يكن قد سمح ، وفعلت ذلك فى غفلة منه ، فكيف سمح لها بذلك من‬‫هم حولها من رجالت قريش ؟ إن ما أقدمت عليه يخرج بكل المقاييس عن كل أعراف العرب ، وغير العرب .‬ ‫لم تكتف زوجة سيد مكة ، وأم " أمير المؤمنين ، القادم " بالعبث بالعضو التناسلى لفارس فرسان العرب‬ ‫وسيد شهداء الجنة ، بل قامت أيضا بقطع أنفه وأذنيه ، وحثت من حضرن من نساء قريش أن يفعلن بجثث‬ ‫القتلى ما فعلت هى بجثة حمزة ، واتخذت هى ومن معها من آذان القتلى وأنوفهم قلئد وأقراطا .‬ ‫كان سلوك النسوة القرشيات ، وعلى رأسهن لعقة الدم ، مثيرا لشمئزاز بعض قبائل البدو الذين لم‬ ‫يألوفوا مثل هذا السلوك المشين والمهين ، مما دفع أبا سفيان أن يعلن عدم مسئوليته عما حدث ، وهو يخاطب‬ ‫بعض المسلمين – بعد المعركة – وعلى رأسهم عمر. قال أبو سفيان : إنه قد كان فى قتلكم مثْ ٌ ، وال ما‬ ‫ل‬ ‫رضيت وما سخطت وما نهيت وما أمرت .‬‫بهذه الكلمات حاول أبو سفيان أن يبرئ نفسه من عار ما حدث. لكنه – في رأينا- لم يكن صادقا ، ذلك لن‬ ‫سلوكه هو نفسه تجاه جسد حمزة المقتول كان مثيرا للحتقار. مر به الحليس بن ز ّان ، وهو يومئذ سيد‬ ‫ب‬ ‫الحابيش ، فوجده يركل جثة حمزة بقدمه ويطعن بالرمح فى شدقه ، وهو يقول فى تش ّ : ذق ُ َق .‬ ‫عق‬ ‫ف‬ ‫قائد قريش يركل جثة عم النبى بقدمه ، ويطعن بالرمح شدقه ويسبه ، واصفا إياه بالعاق ، ولو كان حمزة‬ ‫على قيد الحياة ما استطاع هذا الدنئ أن يواجهه أو أن يصمد أمامه ، ول ُ ِعت رجله قبل أن يمدها ، ولقتحم‬ ‫قط‬ ‫الرمح قلبه قبل أن يصل إلى شدق حمزة. حمزة ما استطاع فارس فى الميدان أن يواجهه . حمزة قتله الغدر ،‬ ‫ولم يقتله فى ساحة الوغي أحد .‬‫لم يخف الحليس استياءه واحتقارة لسلوك أبى سفيان ، قال : يا بنى كنانة . هذا سيد قريش يصنع بابن عمه‬ ‫ما ترون لحْما ، أى وهو جثة ل روح فيه. فقال أبو سفيان، خشية العار : ويحك ! اكتمها عنى فإنها كانت‬ ‫391‬ ‫زلة .‬ ‫7- توقف القتال وانسحاب قريش :‬ ‫أوقفت قريش القتال . لقد نجحت فيما خرجت من أجله. وصلت إلي هدفها ، وحققت غرضها ، وانتقمت‬‫وشفت غليلها . ما فعلوه بحمزة وبقية أبطال المسلمين يكفى ويزيد . يوم بيوم بدر والحرب سجال . هذا ما أعلنه‬ ‫أبو سفيان ، وهو على وشك النصراف .‬ ‫لكنه أراد قبل الرحيل أن يتأكد من صحة إشاعة قتل النبى ، صاح بأعلى صوته ، وهو يعتلى صخور‬‫الجبل : أعْل ه َل ، ورد عليه عمر بصوته الجهورى : ال أعلى وأجل . عرف أبو سفيان لمن الصوت ، نادي :‬ ‫ُب‬ ‫هلم يا عمر . أمر النبى عمر أن يذهب إليه وينظر ما شأنه . سأله أبو سفيان عما إذا كان محمد قد قتل ، كما‬ ‫أعلن ابن قمئة . أكد له عمر أن النبى ما زال على قيد الحياة ولم يصبه سوء . ما كان أبو سفيان ليكذب عمر،‬ ‫قال : أنت عندي أصدق من ابن قمئة وأبر.‬ ‫391 ابن هشام ، جـ ٣ ، ص ٤٤.‬
  • 134. ‫وبما أن النبى لم يقتل ، والنصر لم يحسم ، صاح أبو سفيان لحظة انصرافه ومن معه : إن موعدكم بدر‬ ‫للعام القابل ، وكان الرد الذى أمر به الرسول : قل نعم هو بيننا وبينك موعد .‬ ‫انسحب أبو سفيان وجنده ، بعد أن انتصر . لكن النصر لم يكن مدمرا ساحقا للقوة السلمية وقيادتها ،‬ ‫كما تخيل البعض . هنا قد يثار سؤال : إذا كان الهدف من خروج قريش هو تدمير المسلمين تدميرا كامل ،‬ ‫فلماذا انسحبوا دون أن يحققوا هدفهم ؟‬‫ربما تكون الجابة ببساطة هى أن هدفا كهذا يصعب تحقيقه ، فتدمير المدينة بما فيها وعلى من فيها عمل‬ ‫ل تستطيعه قريش فهو أكبر من كل مقدراتها ، مهما جمعت من رجال وعدة وسلح . ويجب أل ننسى أن عبد‬‫ال بن ُبى قد انسحب ومعه ثلث الجيش بكامل العدة والسلح وما زالت قوتهم كاملة متحفزة . وإذا قاتل ابن ُبى‬ ‫أ‬ ‫أ‬ ‫، فلن يكون خصما سهل ، خصوصا وأنه سيصبح قائد الدفاع عن المدينة التى كاد يوما أن يتوج عليها ملكا ،‬ ‫ولن يفرط فى شبر منها دون أن تراق دماء غالبا ما ستكون دماء قريش ، فأهل المدينة يعرفون جيدا كيف‬ ‫يحاربون فى أزقتها وبيوتها وُ ُمها .‬ ‫أط‬ ‫وبجانب ابن ُبى وجيشه ، كان هناك عدد من الوس والخزرج الذين لم يخرجوا للقتال ، وهؤلء لن‬ ‫أ‬ ‫يسمحوا لمدينتهم أن تسلب وتنهب وهم فى موقف المتفرج .‬ ‫كان من المستحيل أن يحدث هذا ، وكانت قريش تعلم أن الهجوم على المدينة مخاطرة قد تنتهي‬ ‫بالهزيمة ، وتضيع نشوة النصر ، وهم يريدون العودة إلى مكة ورؤوسهم مرفوعة فى اعتزاز يتفاخرون ،‬ ‫ويقصون على من لم يغادر مكة حكايات البطولة فى يوم أحد .‬ ‫كما أن جيش قريش ، بعد المعركة ، لم يكن فى أوج قوته وعنفوانه كلحظة جاء . لقد قتل منهم ثلثة‬‫وعشرون ، ويقال اثنان وعشرون491 وأسر منهم رجل واحد وهو أبو عزة ال ُ َحي ، وكان قد أسر فى بدر فمن‬ ‫جم‬‫عليه النبى وأطلق سراحه شريطة أل يظاهر عليه أحدا ول يشترك فى قتال ضده. لكنه خرج يوم أحد وقاتل فى‬ ‫صفوف المشركين . وتوسل الذى خان العهد ولم يحفظه وغدر بمن أحسن إليه ، قال : ُ ّ على يا محمد قال‬ ‫ِن‬‫م‬‫النبى : ل وال ، ل ترجع إلى مكة تمسح عارضيك تقول : سخرت بمحمد مرتين . ثم أمر به عاصم بن ثابت بن‬ ‫أبى القلح فضرب عنقه .‬‫فإذا أضفنا إلى ذلك أن عدد جرحي المشركين كان كبيرا ، وأن الخيل لم تعد فى كامل لياقتها وحيوتها بعد‬ ‫أن أصابتها السهام وأنهكتها، لم يكن أمام قريش من اختيار إل أن تعود .‬‫ورغم ما حل بالمسلمين من بلء ، إل أنهم لم يسلموا بالهزيمة ولم يعترفوا بها. لقد قتل منهم ما يقرب من‬ ‫السبعين ، وبقية السبعمائة ما زالوا أحياء قادرين علي حمل السلح، وقد ارتفعت معنوياتهم بعد أن تأكدوا أن‬ ‫النبى ما زال بينهم . كما أن انسحاب قريش كان علمة : قريش اكتفت بما فعلت ول تستطيع معاودة الكرة ،‬ ‫ولو كانت تستطيع ما انسحب جيشها .‬ ‫491 ابن سعد ، ج ٢ ، ص ٣٤ .‬
  • 135. ‫كانت المعركة يوم السبت ، الخامس عشر من شوال سنه ثلث هجرية ، في يوم الحد غداة المعركة‬‫خرج النبى بمن قاتلوا معه فقط ، ولم يسمح لخرين بالنضمام ، يقتفى أثر الجيش المكي . لم يلتق الجيشان . لم‬ ‫يحدث قتال . عاد كل من حيث أتي . لكن كان لخروج النبى بمن قاتل معه من المسلمين دللة : إنهم لم ينهزموا‬‫ولو انهزموا لولوا الدبار ولذوا بالفرار. لكن هاهم يخرجون فى تصميم القادر على الستمرار فى القتال . لكن‬ ‫العدو هو الذى أنهي الموقف وفضل الرحيل .‬ ‫وتدعي كارين ارمسترونج أن سير محمد ومن معه فى أثر جيش قريش لمدة ثلثة أيام ، كان مجرد‬‫مطاردة رمزية كنوع من العزاء . لكن ذلك العزاء كان غير مجد ، فقد كان معظم المسلمين فى حالة كآبة شديدة‬ ‫بعد أحد ، وتساءلوا : إن كانت بدر آية للخلص فهل تعني هزيمة أحد أن ال قد تخلى عن محمد ؟ ورد القرآن‬ ‫على ذلك التساؤل فى سورة آل عمران ، موضحا أنه ليس لدي المسلمين من يلومونة سوى أنفسهم ، فقد كانوا‬ ‫مشاكسين عصاة غير منظمين طوال الحملة . غير أن " أحد " كانت " آية " فى حد ذاتها ، فقد ميزت بين‬ ‫المسلمين حقا والجبناء الذين فروا‬ ‫591‬ ‫مع ابن ُبى .‬ ‫أ‬ ‫ويتفق رأى كارين أرمسترونج مع رأى الشيخ الباقورى الذى يرى أن فى هذه الهزيمة حكمة : لو‬ ‫انتصروا دائما لدخل مع المسلمين غيرهم ممن لم يخلصوا فى اعتناق السلم ، فلم يتميز الصادق مع غير‬ ‫الصادق ، ثم لو أن أعداءهم انتصروا عليهم دائما لزالت دعوتهم بهزيمتهم المستمرة .. الهزيمة حينا والنصر‬ ‫691‬ ‫حينا آخر ليتميز أتباعهم المخلصون من أتباعهم غير المخلصين .‬ ‫على أية حال ، عادت قريش منقوصة النصر ، فل نصر بل غنيمة ، وهم لم يغنموا شيئا ، ول نصر بل‬‫أسرى ، وهم لم يستطيعوا أسر أحد . وهى ظاهرة تثير المعان فى التفكير والتأمل . لم يسمح الشمم والباء لى‬ ‫من المسلمين أن يستأسر. أما محمد الذى خرجت قريش لقتله فما زال على قيد الحياة ، بل إنه طاردهم – بعد‬ ‫المعركة - لمدة ثلثة أيام متتالية ، وما زال يحكم سيطرته على المدينة . هذا معناه أن قوافلهم التجارية إلى‬ ‫امبراطوريات الشمال ما زالت ، وستظل ، عاجزة عن شق طريقها فى سلم .‬ ‫وبالمثل ، لم تكن هزيمة المسلمين ساحقة ماحقة . لقد قتل منهم ما يزيد عن السبعين بقليل ، عدد يقارب‬ ‫عدد قتلى المشركين فى بدر ، تساوت الكفتان ، وما زال جيش المسلمين يلتف حول النبى فى صمود ، ينتظر‬ ‫الجولة التالية ، التى يستحيل أن يحدث فيها ما حدث ، لن يلدغوا من ذبابة سيف قريش مرتين .‬ ‫دفن القتـلى :‬ ‫591 كارين ارمسترونج ، محمد ، ص ٢٨٢ .‬ ‫691 الباقورى ، ص ٠٠١.‬
  • 136. ‫تراوح عدد قتلى المسلمين بين السبعين والثمانية والسبعين – ول يمكن تحديد العدد بصورة قاطعة فقد‬ ‫اختلف فى ذلك الخباريون وكتاب السيرة – ثمانية علي وجه التقريب من المهاجرين وسبعون من النصار.‬ ‫كان على رأس شهداء المهاجرين حمزة بن عبد المطلب . خرج النبى يلتمسه بين القتلى ، فوجده – كما يحكي‬ ‫ابن إسحق- ببطن الوادي وقد بقر بطنه عن كبده ، و ُ ّل به فجدع أنفه وأذناه..‬ ‫مث‬ ‫لم يكن أحد من المسلمين يتوقع أبدا أن يفعل هذا بحمزة ، عم النبى وسيد فرسان العرب . ولقد غضب‬ ‫النبى غضبا شديدا ، رغم أن سرعة الغضب ودفْعته ليسا من صفاته، ويقال إنه هدد بالنتقام من قريش انتقاما‬ ‫أبدا لن تنساه قبائل العرب .‬ ‫كان حمزة أسن من النبى بأربع سنين ، وقد قتل يوم أحد وهو يومئذ ابن تسع وخمسين . كان هو والنبى‬ ‫وأبو سلمة بن عبد السد أخوة من الرضاعة ، أرضعتهم "تويبة" مولة أبى لهب .‬ ‫وقف النبى على حمزة حيث استشهد ، فنظر إلى منظر لم ينظر إلى شئ قط أوجع لقلبه منه . ونظر إليه‬ ‫وقد ُ ّل به ، فقال : رحمة ال عليك ، فإنك كنت ما علمت، وصول للرحم فعول للخيرات ، ولول حزن من‬ ‫مث‬ ‫بعدك عليك ، وتكون سنة من بعدى ، لسرني أن اتركك حتى يحشرك ال من أرواح شتى . أما وال على ذلك‬ ‫791‬ ‫لمْ َُن بسبعين منهم مكانك .‬ ‫ثل‬ ‫وإ ع ق ت فع قب بم ل م ع ق ت به ولئ صب ت لهو خ ر‬ ‫فنزل جبريل بقوله تعالى : " َِنْ َا َبْ ُمْ َ َا ِ ُواْ ِ ِثْ ِ َا ُو ِبْ ُم ِ ِ ََ ِن َ َرْ ُمْ َ ُ َ َيْ ٌ‬‫ّل ّا ِري َ . َاصْ ِرْ َ َا َبْ ُ َ ِ ّ ِا ّ َ َ َحْ َنْ ََيْ ِمْ َ َ َ ُ ِي َيْ ٍ ّ ّا َمْ ُ ُو َ " )النحل : 621-‬ ‫ل ص ب ن و ب وم ص رك إل ب ل ول ت ز عل ه ول تك ف ض ق مم ي كر ن‬ ‫721( . وما كان على النبى ، بعد نزول الية ، إل أن يمسك عن الذى أراد ، ويصبر.‬ ‫ويقال إن النبى قال : رأيت الملئكة تغسل حمزة لنه كان جنبا ذلك اليوم . ويقال أيضا إنه قال : إن ال‬‫حرم على النار أن تذوق من لحم حمزة شيئا أبدا . وعندما علم أن هندا لكت جزءا من كبد حمزة ، سأل : أكلت‬ ‫891‬ ‫منها شيئا ؟ قالوا : ل ، قال : ما كان ال ليدخل شيئا من حمزة النار.‬ ‫أمر النبى بدفن الشهداء ، حيث قتلوا . وجاءت صفية بنت عبد المطلب تحمل كفن حمزة ، وكان أخاها‬ ‫لبيها وأمها . وطلب النبى من ولدها الزبير بن العوام أن يرد أمه كى ل ترى بشاعة ما أحدثته أحقاد قريش‬ ‫بجثة حمزة ، لكنها أزاحته عن طريقها وهى تقول : لقد بلغني أن قد ُ ّل بأخي وذلك فى ال . ولقد رضيت‬ ‫مث‬ ‫واحتسبت وصبرت.. ثم صلت على أخيها واستغفرت له .‬ ‫صلى النبى على حمزة . ويقال إنه صلى عليه سبعين صلة .991 ويقال إنه لم يصل على حمزة ول على‬ ‫أى من شهداء أحد ، ولم يصل على شهيد مات فى المعركة فى أى غزوة من الغزوات ، لن شهادته تغنيه عن‬ ‫002‬ ‫دعاء الحياء ، وصلة الجنازة دعاء وتضرع واستغفار .‬ ‫791 ابن سعد ، جـ ٣ ، ص ٣١- ٤١.‬ ‫891 ابن سعد ، جـ ٣ ، ص ٠١.‬ ‫991 ابن سعد ، جـ ٣ ، ص ٦١.‬ ‫002 ابو زهرة ، جـ ٢ ، ص ٦٤٦ .‬
  • 137. ‫ول نستطيع أن نفتى فى هذا الموضوع – ولسنا من أهل الفتيا – ذلك لن الئمة أنفسهم قد اختلفوا ، ولم‬ ‫يتفق لهم رأى فى هذا المجال ، مالك والشافعي وابن حنبل ل يجيزون الصلة على من سقط شهيدا فى ميدان‬ ‫القتال فاستشهاده يغنيه ، أما أبو حنيفة ومن اتبعه من الفقهاء فيرون عكس ذلك. وال أعلم ... لو سمح لنا‬ ‫السادة : " الفقهاء " باستخدام واحد من تعبيراتهم التى يختمون بها دوما أحاديثهم وفتاواهم .‬ ‫تم دفن الشهداء. وعاد النبى إلى المدينة . سمع البكاء والنواح على القتلي ، فبكي. كل بيكى قتيله ، لكن‬‫حمزة ل بواكي له . أمر بعض النصار نساءهم أن يذهبن إلى باب المسجد ويبكين حمزة . سمع النبى بكاءهن .‬ ‫فارتاحت نفسه بعض الشئ . دعا لهن وأمرهن بالعودة إلى بيوتهن ، فانصرفن راضيات .‬ ‫فى حجراته ، كانت فاطمة تنتظر مع زوجاته ، ناولها سيفه ، غسلن جراحه وبدلن ثيابه استلقى على‬ ‫فراشه . نام . كان فى حاجة إلى أن يستريح .‬ ‫***‬ ‫الفصـل الخامس‬
  • 138. ‫من آثـار أ ُـد‬ ‫ح‬ ‫الفصــل الخامس‬ ‫من آثار أحــد‬ ‫1- استخفاف المشركين واليهود بالمسلمين :‬ ‫رغم أن نصر المشركين لم يكن حاسما فى أحد ، إل أنهم عادوا إلى مكة عودة البطال الذين استردوا‬ ‫لقريش كبرياءها وهيبتها ، وقد سبقتهم هالت فخار دبجتها وأذاعتها ألسنة المفوهين من الشعراء : لقد انتقموا‬ ‫لقتلهم فى بدر ، انتصروا على جيش محمد ودحروه ، ضربوا المسلمين ضربة لن يستطيعوا النهوض بعدها‬ ‫أبدا . هكذا تصوروا ، وهكذا صوروا ، وهكذا أذاعوا بين قبائل العرب عن قوة قريش وبطشها ، ونفوذها‬‫وسلطانها وشجاعة رجالها وبطولة فرسانها . والدليل ، إضافة إلى هزيمة المسلمين ، هو ما حدث لمحمد نفسه :‬‫لقد أصيب وجرح وسال دمه ، ولول أنهم هم الذين أوقفوا القتال واكتفوا بما حققوه من نصر ، لتوا به إلى مكة‬
  • 139. ‫أسيرا أو قتيل . ألم يقتلوا حمزة ، سيد فرسان قريش ، ويمثلوا بجثته ويجدعوا أنفه ؟ ما كان باستطاعه أى من‬ ‫فرسان العرب أن يفعل هذا بحمزة ، لكنهم هم استطاعوا . وإن كان محمد قد فلت من أيديهم هذه المرة ، فهو لم‬ ‫يستطيع فى كرة أخرى .‬ ‫هكذا صورت لهم أخيلتهم المتضخمة بعجيج نصر غير مكتمل وتبارى الشعراء فى تصوير بطولت‬‫قريش . والشعراء فى تلك الونة كانوا هم الخطباء والحكماء والدعاة وأصحاب الكلمة المسموعة بين الجموع .‬ ‫الشعراء كانوا هم الناس . قال هبيرة ابن أبى وهب المخزومي فى قصيدة له :‬ ‫نحن الفوارس يوم الح ّ من ُ ُد‬ ‫ر أح‬ ‫هابت َ َ ّ فقلنا نحن نأتيها‬ ‫معد‬ ‫وأنشد عبد ال بن ال ّ َعرى :‬ ‫زب‬ ‫ما جد الجدين مقدام بطل‬ ‫كم قتلنا من كريم سيد‬ ‫... .... ... ... ...‬ ‫... ... ... .... ....‬ ‫وعدلنا ميْل بدر فاعتـدل‬ ‫فقتلنا ال ّعف من أشرافهم‬ ‫ض‬ ‫لو كررنا لفعلنا المفتعـل‬ ‫ل ألوم النفــس إل أننـا‬ ‫وترنم عمرو بن العاص مفاخرا بنصر المشركين فى أحد :‬ ‫102‬ ‫لدى جنب َلْع والماني تص ُق‬ ‫ْد‬ ‫س‬ ‫تمنت بنو النجار جهل لقاءنا‬ ‫كراديس خيل فى الزقة تمرق‬ ‫فما راعهم بالشر إل فجـاءة‬ ‫استخدمت قريش شعراءها كأبواق دعاية لها بين القبائل البدوية فى كل أرض الحجاز ، يذ ّرون بأمجاد‬ ‫ك‬ ‫قريش وعظمتها وقوتها ، ويغرون كل من يؤازرها بالرفعة وعلو الشأن . ولقد تم التأثير بالفعل فى قبائل شرق‬‫وشمال المدينة . وكذا اقتنعت قبائل سليم وغطفان وبنى ضمرة بأن محمدا – بعد أحد – لن يقدر على فعل شئ .‬ ‫نجحت قريش فى دعايتها . استجاب البدو لدعاءاتها . استهانوا بأمر المسلمين ، بعد أن كانت قلوبهم‬ ‫تمتلئ بالرعب عند سماعهم بأن سرية من جيش المسلمين تقترب من أرضهم . تغير الحال . لم يعودوا يكتفون‬ ‫بتكذيب محمد ، بل أظهروا استخفافهم به واستهانتهم بأمره . ثم تجرأوا بعد ذلك على سفك دماء المسلمين .‬ ‫مستخدمين أسلوب الخديعة والغدر فى جرأة وعلنية وقحة .‬ ‫وفى المدينة استغل المشركون والمنافقون واليهود الموقف ونشروا من الشائعات ما يكفى – فى رأيهم –‬‫لزلزلة الرض تحت أقدام محمد . إذا كانت " بدر " هى العلمة الفارقة ، الدالة على أن ال قد أعز جنده ونصر‬ ‫عبده ، فماذا عن هزيمة " أحد " ؟‬‫هل معناها أن " الرب " قد تخلى عن محمد ، وأنه وقف إلى جانب قريش وحارب بملئكته فى صفوفها ؟‬ ‫أليس معني هذا النصر- بمنطق الذين فسروا نصر بدر- أن الرب قد بارك قريشا ، كما بارك المسلمين من‬ ‫102 سلع : اسم جبل .‬
  • 140. ‫قبل ، ثم تخلى عنهم لنهم ل يستحقون أن يكونوا شعبه ؟ أل يدل نصر قريش بالمفهوم العقائدى أن محمدا ليس‬ ‫بنبي ، لنه لو كان نبيا حقا ما هزم ، وما تخلى عنه ربه ؟!!!‬ ‫ورغم أن نفوذ النبى فى المدينة كان ما يزال هو القوى ، إل أن المشركين والمنافقين واليهود لم يخفوا‬ ‫شماتتهم واستهانتهم بأمر المسلمين الذين عادوا من أحد ونبيهم نفسه تدميه الجراح . وبلغ من تواقح رأس‬ ‫النفاق ، عبد ال بن ُبى ، أن قام يوم الجمعة التالية ُ ُد يقدم للرسول قبل أن يلقى خطبته يقول : أيها الناس ،‬ ‫لح‬ ‫أ‬ ‫هذا رسول ال صلى ال عليه وسلم بين أظهركم أكرمكم ال به وأعزكم به ، فانصروه وع ّروه واسمعوا له‬ ‫ز‬ ‫واطيعوا .‬ ‫لقد تعود ابن أبى أن يلقى بهذه الكلمات كل جمعة ، قبل أن يقوم النبى كى يخطب فى الناس . وقد ُمح له‬ ‫س‬ ‫بذلك لما كان له من قدر وشرف بين أهل المدينة .‬ ‫لكنه عندما قام بعد هزيمة أحد كي يقول ما تعود قوله ، جذبه المسلمون من ثيابه وأسكتوه ، فقد كان نفاقه‬‫جليا وبصورة ممجوجة . كان استخفافه بأحزان النبى ومصيبة المسلمين فى قتلهم شديد الوضوح . ورغم ذلك‬ ‫فهو يدعو المسلمين إلى أن يسمعوا لنبيهم ويطيعوه ، وينصروه ويع ّروه ، وكأنه هو نفسه لم يكن عامل من‬ ‫ز‬ ‫عوامل الهزيمة عندما انسحب فى انخذال بثلث الرجال ، معلنا فى تواقح أن النبى قد عصاه : لقد أطاعهم‬ ‫وعصاني !!‬ ‫خرج ابن ُبى من المسجد ، يتخطي رقاب الناس ، وهو يتصنع الندهاش . كان الغضب ب ّنا والستياء‬ ‫ي‬ ‫أ‬ ‫واضحا على قسمات وجهه وهو يغادر المسجد . طلب منة رجل من النصار أن يرجع تائبا ويطلب من النبى‬ ‫أن يستغفر له ، لكنه رفض فى غطرسة متعالية ، قال : وال ما ابتغي أن يستغفر لى .‬ ‫كان ابن ُبى يعامل المهاجرين من أهل مكة فى استعلء ويشير إليهم فى ازدراء كلما ذكرهم بكلمة "‬ ‫أ‬ ‫الجلليب " تقليل من شأنهم وتهوينا من أمرهم ، وقد ازداد ذلك وضوحا بعد هزيمة أحد . ولم يسلم النبى نفسه‬‫من عجرفة ابن أبى وتطاوله وتعاليه . ولقد كتبنا عن سلوك ابن ُبى هذا بالتفصيل فى فصل سابق . وما كان ُبن‬ ‫ا‬ ‫أ‬ ‫أبى لينسى أبدا أنه لول وصول محمد لتم تتويجه ملكا .‬ ‫2- سرية أبى سلمة :‬ ‫كان على النبى أن يفعل شيئا كى يستعيد المسلمون هيبتهم ومكانتهم بين قبائل العرب. وعلى ذلك فما أن‬ ‫بلغه أن بنى أسد يجمعون الجموع ويعدون العدة للسير إليه ومهاجمته فى المدينة ، حتى دعا إليه أبا سلمة وعقد‬ ‫له لواء سرية بلغ عدد مقاتليها مائة وخمسين رجل من المهاجرين والنصار ، كان من بينهم أبو عبيدة بن‬‫الجراح وسعد بن أبى وقاص وُ َيْد ين ُ َيْر ، وأمرهم بشدة الحيطة والحذر حتى َفْ ِئوا العدو ول ُ َاجأوا هم‬ ‫يف‬ ‫يج‬ ‫خض‬ ‫أس‬ ‫به . ونفذ أبو سلمة المر فكان يسير ليل ويتخفى نهارا ، ويسلك طرقا غير مألوفة . وتحقق له ما أراد ، فإذا به‬ ‫يأخذ العدو على حين غرة ورجاله غير مستعدين لقتال .‬
  • 141. ‫خرجت هذه السرية بعد شهرين من أحد . فى المحرم من السنة الرابعة من الهجرة. كانت الحكمة من‬ ‫اختيار أبى سلمة لقيادة هذه السرية ضد بنى أسد ، أن أبا سلمه نفسه كان ينتمى إلى بنى أسد ، فهو أبو سلمة بن‬ ‫عبد السد السدى ، وبذلك أرسل النبى إلى القوم واحدا منهم يدعوهم إلى السلم والسلم ، فإن أطاعوا‬ ‫َِ ُوا ، وإن قاتلوا قوتلوا حتى يقضى ال أمره .‬ ‫سلم‬‫فاجأ أبو سلمة بنى أسد فى َ َاية الصباح وهم غير مستعدين لقتال ، فاختاروا الفرار طلبا للنجاة . تفرقوا‬ ‫عم‬ ‫فى كل ناحية ، ونجوا جميعا . تركوا خلفهم كل ما يملكون من إبل وغنم ، استولى أبو سلمة عليها .‬ ‫غ ِم المسلمون فى هذه السرية وعادوا إلى المدينة ورايتهم مرفوعة ، وهاماتهم منتصبة ، ووجوههم‬ ‫ن‬‫مستبشرة ، وقد ساقوا أمامهم الكثير من َ َم بنى أسد . وقد أعادت إليهم هذه السرية الكثير من ثقتهم فى أنفسهم ،‬ ‫نع‬ ‫فما زالوا هم المقاتلين الشداء الذين ل يخشون فى ال بطش مشرك أو منافق أو كافر.‬ ‫إل أن أبا سلمة لم يعش طويل بعد هذه السرية التى استمرت ما يقرب من عشرة أيام . كان قد جرح فى‬ ‫أحد ، والتأم الجرح التئاما ظاهريا ثم عاد فسال منه الدم بعد الجهد الكبير الذى بذله أبو سلمة وهو ينفذ أوامر‬ ‫النبى ، ظل الجرح ينزف دون توقف حتى قضى عليه .‬ ‫ونعتقد أنه لو قد علم النبى بخطورة جرح أبى سلمة ما أرسله ، لكنه قضاء ال ، وكان قدره أن يموت‬ ‫شهيدا ، بعد أن حقق للمسلمين نصرا كانوا – من الناحية النفسية على القل - فى أشد الحاجة إليه.‬ ‫3- زواج النبى من زينب بنت خزيمة وأم سلمة وزينب بنت جحش:‬‫تزوج النبى أم سلمة – هند بنت المغيرة – بعد أربعة أشهر من وفاة أبى سلمة. كانت مخزومية تنتمي إلى‬ ‫ما يمكن تسميته بالجماعة الرستقراطية بين القبائل العربية. كانت فى التاسعة والعشرين من عمرها ، أى فى‬ ‫قمة نضجها النثوى ، وعلى قدر من الجمال الذى ل تخطئة عين . ولقد تميزت بذكاء متوقد وعمق في التفكير‬ ‫واتزان فى ابداء الرأى والمشورة ، مما جعل النبى يفضل اصطحابها معه كلما خرج فى غزوة ذات خطورة .‬ ‫كان النبى ، بعد أحد وقبل زواجه من أم سلمة ، قد اتخذ لنفسه زوجة رابعة. وهي زينب بنت خزيمة‬ ‫المعروفة بأم المساكين ، ويذكر الطبرى أنها كانت عند الطفيل بن الحارث فطلقها 202 لكن يوجد بين المؤرخين‬ ‫من يؤكد أنها كانت أرملة عبيدة بن الحارث، شهيد بدر .302 لكنها توفيت بعد ثمانية شهور فقط من تاريخ‬ ‫زواجها من النبى ، وكانت الزوجة الوحيدة ، بعد خديجة التى ماتت فى حياته .‬ ‫يقول لينجز ‪ Lings‬فيما يختص بزواج النبى من زينب بنت خزيمة : عندما مات عبيدة بعد مبارزة مع‬ ‫عتبة ترك أرملة تصغره فى السن بكثير ، هى زينب بنت خزيمة من قبيلة عامر. كانت تتمتع بقدر كبير من‬ ‫الطيبة والكرم وكانت تعرف ، ما قبل السلم بأم المساكين . عندما عرض عليها النبى أن يتزوجها وافقت فى‬ ‫202 الطبرى ، جـ ٢ ، ص ٠٨ .‬ ‫302 انظر هيكل ، ص ١٦٢ وكارين ارمسترونج ، ص ٧٨٢ .‬
  • 142. ‫رضى. وكان هذا النسب الجديد بلشك هو الذى دفع أبا براء ، زعيم بنى عامر ، إلى أن يقوم‬ ‫402‬ ‫بزيارة محمد .‬‫بعد زواج النبى بأم سلمة ، بمدة ليست بالطويلة ، تزوج النبى زينب بنت جحش ابنة عمته أميمة بنت عبد‬‫المطلب ، بعد أن طلقها زيد بن حارثة . وقصة هذا الزواج متشعبة، كثرت فيها القاويل من بعض كتاب السيرة‬ ‫المسلمين الذين صوروها على أنها قصة حب جامح وغرام ملتهب . والتقط المستشرقون ما كتبه بعض‬ ‫المسلمين فى هذا المجال، وأضافوا إليه وحوروه ، فى محاولة ضارية للساءة لسمعة النبى وتصويره على أنه‬ ‫رجل شهواني يحلل لنفسه ما يحرمه على غيره ، ول يوقفه شئ إذا ما أراد أن ينال امرأة أعجبته.‬ ‫لقد ناقشنا هذا الموضوع بالتفصيل فى كتابنا : سنوات مكة . ولن نطيل فى هذا الكتاب فى الكتابة عن‬ ‫أزواج النبى ، فهذا الموضوع يتطلب بحثا خاصا ، قد نقدم عليه بإذن ال لو اتسع الوقت وطال العمر.‬ ‫وإ خ ت أل ت سط ف يت م ف كح م ط ب‬ ‫نعتقد أن آية الزواج من أربع نزلت بعد " أحد ": " َِنْ ِفْ ُمْ َ ّ ُقْ ِ ُواْ ِي الْ َ َا َى َان ِ ُواْ َا َا َ‬ ‫َ ُم ّ َ ال ّ َاء َثْ َى َ ُ َ َ َ ُ َا َ َ ِنْ ِفْ ُمْ َ ّ َعْ ُِواْ َ َا ِ َة َوْ َا ََ َتْ َيْ َا ُ ُمْ َِ َ َدْ َى َ ّ َ ُوُواْ "‬ ‫لك من نس م ن وثلث ورب ع فإ خ ت أل ت دل فو حد ً أ م ملك أ م نك ذلك أ ن أل تع ل‬ ‫)النساء : 3( . والمعروف - كما ذكرنا من قبل- أن ما يقرب من سبعين مسلما ق ِلوا فى معركة " أحد ". هذا‬ ‫ُت‬ ‫معناه أن عدد الرامل كان كبيرا ، هذا بالضافة إلى عدد البنات اللئى فقدن آباءهن . ولمواجهة هذا الموقف ،‬ ‫أى هذه الزيادة غير المتوقعة فى عدد النساء غير المتزوجات ، كان لبد من الحض على الزواج بأكثر من‬ ‫واحدة ، مثني وثلث ورباع ، ول يسمح للرجل أن يزيد ، بشرط أن يكون قادرا على إعالتهن وعادل فى‬ ‫التعامل معهن ، فإن خاف عدم العدل بينهن فعليه فى هذه الحالة الكتفاء بواحدة .‬ ‫وتضع الية حدا لممارسات قديمة ، إذ كان بإمكان الرجل فى الجاهلية أن يتزوج بأكثر من عشر نساء ،‬‫ولم يكن هناك من العراف أو التقاليد المتوارثة ما يجعله يتوقف عن أن يضيف إلي عدد نسائه أى عدد آخر من‬ ‫النساء . حدد القرآن العدد بأربع ، مع العدل، ول تجوز الزيادة ، لنها فى هذه الحالة تكون خروجا علي‬ ‫الشرع .‬‫يقول مونتجمرى وت إن الدارسين الغربيين وجدوا فى هذه الية حضا ل قصرا، فهى تشجع الرجل الذى‬ ‫عنده امرأة واحدة او اثنتين على أن يتزوج ثالثة ورابعة ، هذا بالضافة إلى أنه لم يكن فى المدينة حالت‬ ‫502‬ ‫واضحة لتعدد الزوجات .‬ ‫إدعاء المستشرقين قاصر ويفتقر إلى معرفة الظروف التاريخية والبيئية والمجتمعية. لقد كان تعدد‬ ‫الزوجات موجودا قبل السلم ، وبعد السلم . قبل السلم بقرون طويلة تزوج إبراهيم اثنتين وتزوج يعقوب‬ ‫أربعا منهن أختين ، وتزوج داود عشرا ، أما سليمان فقد امتلك ألفا من النساء . وفى حياة النبى احتفظ أحد‬ ‫رجال الطائف قبل إسلمه بثلثين امرأة زوجات له . وفى المدينة ، بعد السلم ، كان هناك من يحتفظ بأكثر‬ ‫من زوجة ، بدليل أن احد النصار عرض على أحد المهاجرين – وقد آخاه وعاش معه فى بيته – أن ُ َّق‬ ‫يطل‬ ‫.102 .‪Lings, p‬‬ ‫402‬ ‫502‬ ‫. 472 .‪Montgomery Watt. Muhammad at Madina, p‬‬
  • 143. ‫إحدي زوجاته كى يتخذها المهاجرى زوجة له . كان العرض دليل حب ومودة من النصارى ، وكان الرفض‬ ‫دليل إكبار وامتنان من المهاجري .‬ ‫بعد أحد – إذن – كان لبد من السماح بتعدد الزوجات ووضع شروط له ، حفظا لعفاف المرأة وصونا‬ ‫لكرامتها ، كى ل تمتهن وتجد نفسها مدفوعه إلى سوق الرذيلة ، خصوصا وأن أماكن اللذة الجنسية المحرمة‬ ‫والخمر والميسر كانت منتشرة فى أحياء اليهود وبين بيوت المشركين والمنافقين . ولقد أشرنا من قبل إلى أن‬ ‫عبد ال بن ُبى نفسه كان يمتلك بيتا من هذه البيوت. ول يجد فى ذلك ما يسئ . كان هذا السلوك مألوفا فى‬ ‫أ‬ ‫الجاهلية حتى منعه السلم وحرمه تحريما مطلقا.‬ ‫4- الغـدر بالمسلمين :‬ ‫شهداء الرجيع : رغم نجاح سرية أبى سلمة وعودته سالما غانما هو ورجاله ، إل أن تحريض قريش‬‫للقبائل كان فاعل ومؤثرا. أغروا العراب بالهدايا والعطايا ، تحريضا لهم على الغدر بالمسلمين قتل أو أسرا ،‬ ‫وقد وعدهم بعض أهل مكة بشراء السرى كى يقتلوهم بمن قتل لهم فى بدر. من هنا بدأت قصة الغدر المسماة‬ ‫بـ " يوم الرجيع ".‬ ‫تذكر كتب التراث أن وفدا من َ َل والقارة – وهما قبيلتان بدويتان نجديتان – قدم على النبى بعد أحد .‬ ‫عض‬ ‫أدعى الوافدون أن فيهم إسلما. وطلبوا من النبي أن يبعث معهم من يعلمهم القرآن ويفقههم فى أمور الدين .‬ ‫استبشر النبى خيرا ، فهم الذين أتوا إليه طائعين ل مرغمين ، راغبين ل مكرهين ، وتمني أن يكون مقدمهم‬ ‫بداية مبشرة بنشر السلم فى ربوع نجد .‬ ‫أرسل النبى معهم ستة رجال من خيرة أصحابه وهم : مرثد بم أبى َرْثد ال َ َ ِ ّ ، وخالد بن ال ُكيْر‬ ‫ب‬ ‫غ نو ي‬ ‫م‬ ‫اّليثي ، وعاصم بن ثابت بن أبى القلح ، و ُبيْب بن عدى ، وزيد بن ال ّ ِنة بن معاوية ، وعبد ال بن طارق ،‬ ‫دث‬ ‫خَ‬ ‫ل‬ ‫وأ ّر النبى عليهم مرثد بن‬ ‫م‬ ‫أبى مرثد الغنوي .‬ ‫كان ذلك فى صفر على رأس ست وثلثين شهرا من مهاجر النبى . ويذكر ابن سعد أن الذين خرجوا مع‬ ‫602‬ ‫وفد عضل والقارة كانوا عشرة ولم يكونوا ستة .‬ ‫خرج أصحاب النبي مع الوفد وهم آمنون ، مطمئنة قلوبهم ، راضية نفوسهم ، فهم حملة القرآن‬ ‫ومعلموه . ولم يدر بخلدهم أن غدرا يدبر لهم ، طمعا فى مال قريش ، أو أخذا بثأر. ربما كان الثأر لمقتل زعيم‬‫بنى لحيان من هذيل . كان النبى – كما يروى ابن سعد – قد أرسل عبد ال بن ُ َيْس لقتل سفيان بن خالد بن ُ َيح‬ ‫نب‬ ‫أن‬‫ال ُذلى بعد أن علم أن الهذلى قد جمع الجموع لمهاجمة المدينة . نجح عبد ال بن أنيس في اغتيال الزعيم الهذلي‬ ‫ه‬ ‫702‬ ‫واجتز رأسه وحملها معه ، ويقال إنه عندما وضعها بين يدى النبى فى المسجد ، قال النبى : أفلح الوجه .‬ ‫602 ابن سعد ، جـ ٢ ، ص ٥٥.‬ ‫702 انظر ابن سعد ، جـ ٢ ، ص ١٥.‬
  • 144. ‫ول نميل إلى تصديق رواية ابن سعد ، فما كان النبى من دعاة الخيانة والغدر. وإذا كان عبد ال بن أنيس‬ ‫قد غدر بالهذلى وقتله غيله فقد كان هذا سلوكا ذاتيا. ول نعتقد أن هذا كان بأمر مباشر من النبى . ول نصدق‬‫أيضا تلك الحكاية الخائبة ، التى أشرنا إليها من قبل ، والتى يدعي صاحبها أن النبى قد أرسل إلى مكة رجل أو‬ ‫رجلين لغتيال أبى سفيان فى عقر داره . هذا كلم يخلو من الحكمة والتعقل ، ول يقدم عليه صاحب رسالة‬ ‫سماوية يتبعها الن مئات المليين من البشر.‬ ‫ولو كان النبى من دعاة الغدر والغتيال ، لمر باغتيال أبى سفيان وقد قدم إليه فى المدينة بعد صلح‬ ‫الحديبية . كان من السهل إنهاء حياته بضربة سيف أو طعنه رمح أو انطلقه سهم وهو فى المدينة . ولم يكن‬ ‫حوله من الرجال من يستطيع حمايته . كما كان من السهل قتلة وهو فى طريق العودة إلى مكة والرحلة طويلة‬ ‫والطريق شاق . لكن النبى لم يفعل . وعاد أبو سفيان إلى مكة سالما .‬‫على أية حال. وصل أصحاب النبى مع الوفد الذى اصطحبهم إلى ماء لهذيل بالقرب من مكة ، فى ناحية‬ ‫تعرف باسم " الرجيع " وهناك بدأ الغدر الذى لم يتوقعه أحد. استصرخ عليهم مصاحبوهم هذيل التى كانت‬ ‫تتحين الفرصة للثأر. خرج إليهم بنو لحيان، فلم ي ُع القوم إل الرجال بأيديهم السيوف قد غشوهم .‬ ‫ر‬‫فوجئ أصحاب النبى ، وقد أحيط بهم استلوا سيوفهم . كان الموقف شديد الروع ، بالغ الخطورة . لم يكن‬ ‫أمامهم سوى القتال . لكن جماعة الغدر حاولت أن تأخذهم بالخديعة دون قتال ، خشية على أنفسهم من سيوف‬ ‫المسلمين. هذا بالضافة إلى أنهم كانوا يريدونهم أحياء . طمعا فيما قد تدفعة قريش. قالوا لهم: إنا وال ما نريد‬ ‫قتالكم ، إنما نريد أن نصيب بكم ثمنا من أهل مكة .‬ ‫وتمادي أهل الخيانة والغدر فى دناءتهم ، أضافوا : لكم منا العهد‬ ‫والميثاق أل نقتلكم .‬‫انقسم الستة الفقهاء إلى فريقين : فريق رفض أن يقبل عهدا من مشرك خان ، وفريق لنت عزيمته فمال‬ ‫إلى اختيار الحياة . عاصم ابن ثابت ، ومرثد بن أبى مرثد ، وخالد بن أبى ال ُكير، ومع ّب بن عبيد ، استلوا‬ ‫ت‬ ‫ب‬ ‫سيوفهم ، قالوا : وال ل نقبل من مشرك عهدا وعقدا أبدا.802 قاتلوا فى شمم وإباء حتى سقطوا جميعا شهداء .‬ ‫أما زيد بن الدثنة ، وخبيب بن عدى ، وعبد ال بن طارق فقد أعطوا بأيديهم ، أستأسروا . ربط‬‫المشركون أيدى ثلثتهم بالحبال. أرادوا رأس عاصم أيضا ليبيعوه . كانت سلفة بنت سعد قد نذرت نذرا : لئن‬ ‫قدرت على رأس عاصم بعد قتله لتشربن فى قحْ ِه الخمر كان عاصم بن ثابت قد قتل ابنا لها يوم أحد ، ويقال‬ ‫ف‬ ‫ابنين . رأس عاصم ، إذا ، لها ثمن . لهذا أراد خونة العراب قطعه وحمله معهم إلى مكة كى يبيعوه مع‬‫السرى . لكن قدرة ال القادر خيبت رجاءهم وأفشلت تدبيرهم : حامت ال ّبْر )جماعة النحل( حول جثة عاصم‬ ‫د‬ ‫بأعداد هائلة فمنعته ، حالت بينه وبين المشركين فعجزوا عن تحقيق ما أرادوا .‬ ‫802 ابن سعد ، جـ ٢ ، ص ٥٥.‬
  • 145. ‫فى الطريق إلى مكة شعر عبد ال بن طارق أنه أقدم على فعل ما كان يجب إل يفعل . لقد سلم يده للقيد ،‬‫ونفسه للسر ، وجسده للبيع ، كى تكون نهايته فى مكة القتل. هذا ما كان يجب أل يكون . لقد كان من الشرف‬ ‫والكرم أن يقاتل مع من قاتلوا ، ويقتل مع من قتلوا ، ول يقال أعطى يده لهل الشرك كى تقيد ، وهو صاغر‬ ‫مستسلم . ثارت نفسه وانفعل داخله فمزق قيده وانتزع سيفه ، وصاح : هيا ، قاتلوا !! وقد تبدت أمامه ثمار‬ ‫الجنة وامتل صدره بعطرها ، لكنهم للسف لم يقاتلوا . تأخروا عنه فزعا وجبنا ، رموه بالحجارة حتى قتلوه .‬ ‫أما خبيب وزيد ، فقد وصل بهم خونة العراب إلى مكة ، وعرضاهما للبيع . زيد بن الدثنة ابتاعه‬ ‫صفوان بن أمية كى يقتله بأبيه أمية بن خلف ، وخبيب بن عدى ابتاعه ُ َير بن أبى إهاب لبن أخته عقبة بن‬ ‫حج‬ ‫الحارث بن عامر بن نوفل ليقتله بأبيه . حبسوهما حتى مرت الشهر الحرم ، ثم أخرجوهما إلى التنعيم كى‬ ‫يقتل.‬ ‫بعث صفوان بن أمية زيد بن الدثنة مع مولى له إلى التنعيم كى يقتل هناك . ويقال إن جمعا من قريش‬ ‫اجتمع فى التنعيم كى يشهد نهاية زيد ، والموقف فيه مفارقة وشئ من التشابه يسترعيان النتباه . لقد قتل أمية‬‫بن خلف فى معركة بدر وهو أسير، أى بعد ان استسلم ، لكن بلل أّب عليه جموع المسلمين بصيحته المروعة‬ ‫ل‬ ‫: هذا هو أمية بن خلف ، ل نجوت إن نجا !! وأحاط المسلمون به وبولده وهبروهما بالسيوف. ولم يغن عنه‬ ‫آسره شيئا وقد كان صديقا له فى مكة .‬ ‫وها هو ذا زيد بن الدثنة بمكة ، بعد أن سلم نفسه واستأسر ، يساق إلى القتل .‬ ‫لكن المفارقة تكمن فى أن أمية بن خلف ذهب إلى بدر مقاتل . أما زيد فقد خرج مع من غدروا به معلما‬ ‫وهاديا ومرشدا .‬ ‫ويقال إن أبا سفيان تقدم إلى زيد قبل أن يقتل . طلب منه أن يعلن تكذيبه لما يقول محمد وأن ينكر دعوته‬‫ويرتد إلى دين الباء ، وعندها ُمْنح له الحياة . أبى زيد أن يكذب أو ينكر . أعلن إيمانه المطلق بسلطان الوحي‬ ‫ت‬ ‫المطلق . قرر أن يواجه قدره .‬ ‫تقدم منه أبو سفيان- كما يحكي ابن إسحق – قال : أنشدك ال يا زيد أتحب أن محمدا عندنا الن مكانك‬ ‫902‬ ‫تضرب عنقه وأنك فى أهلك .‬ ‫أنكر زيد تساؤل أبى سفيان واستعلى عليه . كان رده موجعا لبى سفيان ومن معه. قال زيد : وال ما‬ ‫أحب أن محمدا الن فى مكانه الذى فيه تصيبه شوكه تؤذيه وأنى جالس فى أهلى .‬ ‫هكذا انتهت حياة زيد . قتله نسطاس ، مولى صفوان بن أمية . وانضم إلى‬ ‫موكب الشهداء .‬‫أما ُ َيْب بن عدى ، وكان قد حبس فى بيت ماوية مولة ُجير بن أبى إهاب ، فتحكي عنه حكايات نعتقد‬ ‫ح‬ ‫خب‬‫أن قد أبدعتها قرائح بعد المتورعين . مما يحكي عنه - على سبيل المثال – أن ماوية اطلعت عليه يوما وهو فى‬ ‫902 ابن هشام ، جـ ٣ ، ص ٤٦١.‬
  • 146. ‫محبسه ل يقربه أحد فإذا بيده قطفا )عنقودا( من عنب فى حجم رأس الرجل ، يأكل منه . وما كان فى أرض ال‬ ‫012‬ ‫فى تلك اليام عنب يؤكل .‬ ‫كان فى مخيلة كتاب القصة السابقة ، بكل تأكيد ، صورة مريم ابنة عمران فى محرابها . يدخل عليها‬ ‫زكريا ، يجد عندها رزقا ، يسألها من أين لك هذا ؟ تقول : هو من عند ال . وتنعكس صورة مريم فى محرابها‬ ‫على خبيب فى محبسه . وبدل من زكريا تدخل ماوية فتجد عند خبيب رزقا ، فاكهه يأكل منها وما هو أوانها.‬ ‫أتاه رزقه ، كما أتي مريم ، من عند ال . ويقال أن ماوية أسلمت فيما بعد .‬ ‫ومما يثبت عدم صحة الرواية السابقة ، وأنها مجرد عملية إبداع جمالى ، ما ذكره ابن سعد من أن خبيبا‬ ‫لم يحبس فى بيت ماوية . وإنما حبس فى بيت موهب مولى الحارث بن عامر. ويورد ابن سعد قول موهب :‬‫قال لى خبيب وقد جعلوه عندي : يا موهب أطلب إليك ثلثً : أن تسقيني العذب وأن تجنبنى ما ذبح على النصب‬ ‫ا‬ ‫112‬ ‫وأن تؤذني إذا أرادوا قتلى .‬ ‫عندما حان وقت قتل خبيب ، خرجوا به إلى التنعيم . طلب منهم أن يبتعدوا عنه قليل ، سويعات قبل‬‫الموت . فعلوا . رفع يديه إلى السماء وك ّر. وحيدا . بين يدي ال . بدأ يصلى . ركع ركعتين ، أتمهما وأحسنهما.‬ ‫ب‬‫فلما رفعوه وأوثقوه . قال : اللهم إنا قد بلغنا رسالة رسولك فبلغه الغداة ما يصنع بنا . وقبل أن توجه إليه الحربة‬ ‫القاتلة ، كانت صيحته الخيرة : اللهم أحصهم عددا ، واقتلهم بددا ، ول تغادر منهم أحدا .‬ ‫زلزلت الصيحة الجمع الذى حضر من قريش ، ألقوا بأنفسهم إلى الرض فرقا ، فزعا من دعوة خبيب .‬ ‫كانوا يعتقدون أن الرجل إذا د ِي عليه فارتمي على جنبه نجا وزّت عنه .‬ ‫ل‬ ‫ُع‬‫مع الصيحة الخيرة ، اخترقت الحربة جسد خبيب ، انطلقت الروح إلى بارئها. انضم خبيب هو أيضا إلى‬ ‫موكب الشهداء .‬ ‫شهداء بئر معونة :‬ ‫كان ذلك فى صفر على رأس سته وثلثين شهرا من الهجرة ، على بعد أربعة أشهر من " أحد " ، وتبدأ‬‫قصة هؤلء الشهداء الربعين ويقال السبعين212 ، عندما قدم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر ، المعروف باسم‬ ‫ملعب السنة ، إلى المدينة وقد ربطته بالنبى صلة نسب عندما تزوج النبى زينب بنت خزيمة أرملة عبيدة بن‬ ‫الحارث - كما سبق وذكرنا – وكانت ابنة كبير قبيلة عمير.‬‫عرض النبى السلم على أبى براء ، فلم يستجب ، رفض الدخول فى السلم لكنه- كما يقول ابن إسحق‬ ‫– لم يبد نفورا منه ، أى بدا كأنه فى موقف حياد بين السلم والشرك ، ل يظهر عدا ً لى منهما .‬ ‫ء‬‫لكن الغريب فى المر أنه طلب من النبى أن يرسل بعضا من أصحابه إلى أهل نجد مؤمل أن يستجيبوا له‬ ‫ويؤمنوا بما جاء به . هذا هو وجه الغرابة فى موقف أبى براء . هو نفسه لم يؤمن رغم صلته بالنبى وتعامله‬ ‫012 ابن هشام ، جـ ٣ ، ص ٥٦١.‬ ‫112 ابن سعد ، جـ ٢ ، ص ٦٥.‬ ‫212 الطبرى ، جـ ٢ ، ص ١٨ .‬
  • 147. ‫المباشر معه ، ومع ذلك يتوقع أن يؤمن من ل يعرفون النبى ولم يروه ، ومن هم خاضعون لتأثير قريش‬‫ودعايتها وإغراءاتها. لو آمن هو أول ، لقلنا صدق الرجل ، وطلبه هذا دليل على حماسة للدين الجديد ، ورغبته‬‫فى أن ينتشر هذا الدين بين قبائل العرب . لكن هذا البى براء - الذى قال للنبى : يا محمد ، لو بعثت رجال من‬ ‫أصحابك إلى أهل نجد فدعوهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك – كان مشركا .‬ ‫والمنطق العقلني المتزن لبد وأن يدفع صاحبه إلى العتقاد بأنه من الصعب ، إن لم يكن من‬‫المستحيل ، أن يتحمس مشرك لنشر السلم ورفع رايته. وهذا ما عبر عنه النبى عندما قال : إنى أخشى عليهم‬ ‫312‬ ‫أهل نجد . وكان رد أبى براء : أنا جا ٌ لهم . فابعثهم فليدعوا الناس إلي أمرك .‬ ‫ر‬ ‫رد أبى براء فى حاجة إلى وقفة . إن إجارته لصحاب النبى الربعين ، أو السبعين، معناها أنه مسئول‬‫مسئولية كاملة عن سلمتهم فى ذهابهم وأثناء قيامهم بنشر الدعوة ، وأثناء عودتهم أيضا عندما تحين . فهل كان‬‫أبو براء يستطيع ؟ هل كان يمتلك من القوة والمنعة ورفعة الشأن ما يمكنه من حماية هذا الجمع من الدعاة وهم‬ ‫يتحركون فى ربوع نجد ؟ هل كان فى وعده هذا ما يجعل النبى وأصحابه يشعرون فى أعماقهم بالطمأنينة‬ ‫والمان ؟ هل كان من الممكن أن يشعر الدعاة جميعا بالثقة فى كلمات‬ ‫مشرك أجارهم ؟‬‫قد يقول قائل : لقد أجار مشرك النبى عندما عاد محزونا من الطائف ، ولم يجد بين المسلمين من يستطيع‬‫إجارته. كما لم يجد بين عشيرته – وقد مات أبو طالب - من يرغب فى التصدى لقريش بالعلن عن حمايته ،‬‫لم يفعلها العباس رغم تعاطفه ، ولم يقدم عليها حمزة رغم فتوته ، أما أبو لهب فقد كان من أشد المنكرين لرسالة‬ ‫ابن أخيه ومن أعنف الغاضبين عليه . هنا تقدم المطعم بن عدى وأعلن على المل أمام الكعبة أنه أجار محمدا .‬ ‫فعل ذلك ومحمد بيده ومن حولهما رجال المطعم بن عدى وسيوفهم فى أيديهم مشرعة . كان المطعم ابن عدى‬ ‫مشركا ، لكنه كان يملك من القوى والمنعة ما يمكنه من مقدرة الفعل . ولم ينس له النبى هذا الفضل ابدا . ولقد‬ ‫شرحنا ذلك بالتفصيل فى كتابنا : سنوات مكة .‬ ‫لكن أبو براء لم يكن المطعم بن عدي ، قوة ومكانة ورفعة ، كما أن الذى أجاره المطعم كان فردا واحدا‬ ‫يعيش فى جواره ويمكن بكل سهولة الدفاع عنه وحمايته ، أما الدعاة من أصحاب النبى فقد كانوا عددا كبيرا‬ ‫وكان عليهم أن يتحركوا فى مساحات شاسعة ، فكيف لبى براء بحماية كل هؤلء وقد أجارهم ؟‬ ‫نرى أن أبا براء كان يمتلك مقدرة الكلم ، لكنه كان ل يمتلك مقدرة الفعل . ويجدر بنا أن نذكر هنا‬ ‫المقولة الرائعة ، بالغة الصدق ، لعاصم بن ثابت ، وقد غدر به وبأصحابه العراب يوم الرجيع ، ووعدوهم‬ ‫بعدم القتل إذا ما استسلموا ، قال عاصم : وال ل نقبل من مشرك عهدا ول عقْدا أبدا .‬ ‫هذه المقولة كان يجب أن تحفر فى ذاكرة المسلمين حفرا كى ل تنسى ، وأن تغوص فى أعماقهم غوصا‬ ‫كى ل تمحي ، بعد كارثة أصحاب الرجيع ، وما كان يوم الرجيع ببعيد .‬ ‫312 ابن هشام ، جـ ٣ ، ص ٤٨١.‬
  • 148. ‫لقد انتشر ذكر أصحاب الرجيع ، وذاعت قصة الغدر بهم ، وحزن المسلمون ، ليس فقط لمقتل‬‫أصحابهم ، ولكن أيضا لما آل إليه حالهم بعد هزيمة ُ ُد من استخفاف العراب بهم وهوان أمرهم على الناس .‬ ‫أح‬ ‫كان يجب توخي الحذر ، وإطالة التفكير، واستشارة الصحابة ومعرفة رأيهم ، قبل التفكير فى إرسال بعث آخر‬ ‫– وبعدد ضخم – إلى أرض غير آمنة ، ل إسلم فيها ول سلم .‬ ‫لكن يبدو أن أبا براء ألح وزاد فى إلحاحه ، ووعد وبالغ فى وعده ، وأكد الجارة وتحمل مسئوليتها. ول‬ ‫نعتقد – إن لم نكن مخطئين – أن هدف أبا براء من ذلك كله هو نشر السلم وإعلء كلمته ، وإل لسلم هو‬ ‫نفسه أول ، قبل أن يطلب إرسال بعث لهداية غيره. ربما أراد أبو براء – ولم يعلن – أن يستعين بهؤلء‬ ‫الربعين ، أو السبعين، فى صراعه ضد بعض المنشقين المناوئين له فى قبيلته .‬ ‫لم يكن أبو براء قادرا على تنفيذ ما وعد . وهذا ما سيثبته الحدث . بعث النبى المنذر بن عمر الساعدى‬ ‫على رأس جماعة من خيار المسلمين ، منهم الحارث بن ال ّ ّة، وحرام بن ملحان أخو بنى عدى النجار ،‬ ‫صم‬ ‫وعروة بن أسماء بن الصلت ال َّمي ، ونافع بن ُ َيْل بن ورقاء الخزاعي ، وعامر بن ُهيرة مولي أبو بكر.‬ ‫ف‬ ‫بد‬ ‫سل‬ ‫ساروا حتى بئر معونة وهى أرض بين مكة والمدينة ، بين أرض بني عامر وحرة بنى َُيْم. وإن كانت‬ ‫سل‬ ‫إلى بنى َُيْم أقرب. عندها أرسلوا رسول لهم ، هو َرام بن ملحان، بكتاب النبي إلى عامر بن الطفيل ، وفيه‬ ‫ح‬ ‫سل‬ ‫عهد الجوار الذى قطعه أبو براء على نفسه.‬ ‫وكان عامر بن الطفيل ، فيما سبق ، وقد حسب النبوة ملكا ، قد خ ّر النبى بين ثلث: أن يكون للنبى أهل‬ ‫ي‬ ‫السهل وله أهل المدر ، أو أن يكون خليفة للنبى ، أو أن يغزو النبى بغطفان. ولم يحصل عامر من النبى على‬ ‫شئ مما طمع . وبناء عليه ، فما أن قدم عليه الصحابى الجليل بكتاب النبى ، حتى أقدم على قتله فى الحال ،‬ ‫دون أن ينظر فى كتابه ، ثم استصرخ بنى عامر وطلب منهم محاصرة المسلمين والقضاء عليهم. لكنهم – فيما‬ ‫يروى ابن سعد – أبوا أن ينقضوا عهد أبي براء ، قالوا : ل ُخْ َر جوار أبى براء . فاستصرخ عليهم قبائل من‬ ‫ي ف‬ ‫َُيْم ُ َ ّة ور ِلً و َكْوان فأجابوه . نفروا معه ورأسوه . واستبطأ القوم حراما فأقبلوا فى أثره ، فلقيهم القوم‬ ‫ع ذ‬ ‫سل عصي‬ ‫وأحاطوا بهم ، فكاثروهم ، فتقاتلوا ، ف ُتل أصحاب رسول ال ، صلى ال عليه وسلم ، وفيهم سليم بن ملحان‬ ‫ق‬ ‫والحكم بن كيسان، فى سبعين رجل . فلما أحيط بهم قالوا : اللهم إنا ل نجد من يبلغ رسولك منا السلم غيرك‬ ‫412‬ ‫فأقرئه منا السلم ، فأخبره جبرائيل بذلك .‬‫قتل أصحاب بئر معونة غدرا ، كما قتل أصحاب الرجيع ، ولم ينج منهم إل كعب بن زيد ، فقد تركه أتباع‬ ‫عامر بن الطفيل وبه رمق ، فعاش حتى غزوة الخندق ، ويومها سقط شهيدا .‬ ‫كان فى سرح أصحاب بئر معونة رجلن ، هما عمرو بن أمية الضمرى ورجل من النصار من بنى‬‫عمرو بن عوف ، عادا بسرحهما فوجدا صحبهم جثثا هامدة غارقة فى دمائها ، تحوم فوقها الطير، ورجال بنى‬‫عامر بن الطفيل واقفون يشهدون ما خلفته المذبحة المروعة . عز على النصارى أن يعود إلى المدينة حيا دون‬ ‫412 ابن سعد ، جـ ٢ ، ص ٢٥ .‬