محمد في المدينة

12,282 views

Published on

هذا الكتاب محاولة لسبر أغوار الماضي دون التعرض لضباب الكهانة والمعلومات المغلوطة

Published in: Education
1 Comment
8 Likes
Statistics
Notes
  • لا أدري لماذا الدولة بعيدة عن هؤلاء لماذا لم توفهم حقهم لماذا لم تكرمهم حتى اليوم .........
       Reply 
    Are you sure you want to  Yes  No
    Your message goes here
No Downloads
Views
Total views
12,282
On SlideShare
0
From Embeds
0
Number of Embeds
7
Actions
Shares
0
Downloads
243
Comments
1
Likes
8
Embeds 0
No embeds

No notes for slide

محمد في المدينة

  1. 1. ‫)صلى ال عليه وسلم(‬ ‫محم د‬ ‫ُ َ ّــــ ٌ‬‫في المدينة‬ ‫سنوات المدينة‬ ‫دراسة نقديــة‬
  2. 2. ‫الدكتور وجدى الفيشاوى‬
  3. 3. ‫إلـــى أمي وأبى‬‫َوْ ٌ و َيْحان‬ ‫ر ح ر‬
  4. 4. ‫مدخل‬‫فى كتابنا : سنوات مكة ، ناقشنا ما جاء فى كتب التراث وكذلك ما كتبه المستشرقون عن تلك الفترة من حياة‬ ‫النبى . وطالبنا بحذف الكثير مما جاء فى تلك الكتب التراثية ، وكذا بتنقيتها مما لحق بها وأضيف إليها من‬ ‫تشوهات تسئ إلى السلم وإلى شخصية النبى .‬ ‫كما عرضنا آراء المستشرقين وناقشناها فى حيادية تامة ، وأثبتنا بالدليل القاطع والبرهان الب ّن أن أغلبهم ،‬ ‫ي‬ ‫إن لم يكونوا جميعا – باستثناء القلة النادرة – يكتبون عن عدم إلمام وجهل ، أو عن ضيق أفق وحقد ، أو بدافع‬‫التعصب والنحياز الباطش لما يؤمنون به ، سواء كانوا ينتمون إلى يهودية أو مسيحية أو ل دينية ل هوية لها .‬ ‫قد يكون وراء هؤلء جميعا إحساس واحد ، يدفعهم – عنفا – فى اتجاه عدائى واحد: أل وهو الخوف من‬ ‫تأثير السلم وقوة نفوذه وسيطرته الربانية الجارفة على نفوس معتنقيه من أنقياء النفوس الذين َ ُرت قلوبهم‬ ‫طه‬ ‫وسمت أرواحهم فغ َوْا قدوة جاذبة ُخشى تأثير جاذبيتها على شعوب خضعت طوال قرون طويلة لسلطة‬ ‫ي‬ ‫د‬ ‫الكنيسة وطقوسها المستغلقة الغامضة .‬ ‫نحن ل نهاجم صاحب دين ، أيا كان هذا الدين ، ول نتهكم على أحد ، ول نسخر من أحد ، ول نتهم أحدا‬ ‫بالمروق والعصيان أو بالكفر والزندقة .‬ ‫إننا نناقش الرأى بالرأى ، ونقابل الدليل – إن ُجد – بالدليل ، ونواجه الحجة بالحجة ، ونزيح الستار عن‬ ‫و‬‫الجهل عندما نواجهه ، ونتصدى للتعصب والحقد بالحب والتسامح والغفران ، ل من مركز الضعف المستسلم ،‬ ‫ولكن من موقف القدرة العلمية القادرة .‬ ‫هذا الكتاب : سنوات المدينة ، يعتبر مك ّل لكتابنا : سنوات مكة . ولقد سرنا فيه على نفس النهج العلمى‬ ‫م‬ ‫التحليلى النقدى النزيه المحايد الذى ل يخضع إل لسلطان ال .‬‫ما أردنا بهذا كسبا دنيويا ، ما تاجرنا يوما بعلم ، ما تملقنا أبدا صاحب سلطان ، ما لنا من نور إل ذلك النور‬ ‫الذى يهدى به ال من يشاء .‬ ‫الشكر والتقدير للخ العزيز الروائى الديب الستاذ محمود عرفات الذى بذل جهدا وفيرا كى يخرج الكتاب‬ ‫فى صورته الحالية ، كما نذكر بكل اعتزاز وامتنان الروائى الديب الستاذ فخرى أبو شليب الذى بذل من‬ ‫الجهد ما أجهده حبا ، ليمانه بقيمة هذا العمل وإصراره على أن يرى النور .‬ ‫وال ولى التوفيق .‬ ‫وجدى الفيشاوى‬ ‫فيل الكرمتان – طنطا‬ ‫8002/3/62‬
  5. 5. ‫الدكتور وجدى الفيشاوى‬ ‫-ليسانس فى الدب النجليزى . آداب القاهرة .‬ ‫-ماجستير فى النقد النجليزى . آداب القاهرة .‬ ‫- دكتوراه فى النقد النجليزي . جامعة برمنجهام . إنجلترا .‬ ‫أستاذ النقد النجليزى . كلية اللغات والترجمة .‬ ‫-‬ ‫أهم ما نشر له :‬ ‫-محمد )ص( : سنوات مكة ، دراسة نقدية .‬ ‫-محمد )ص( : سنوات المدينة ، دراسة نقدية .‬ ‫-ل تصلبوا المسيح : دراسة نقدية .‬ ‫موسى فى الساطير السرائيلية : دراسة نقدية .‬ ‫-‬ ‫اليهودى ل يحب السلم : مسرحية مأساوية .‬ ‫-‬ ‫مأساة الفرعون : مسرحية .‬ ‫-‬ ‫رجل ل أعرفه : مسرحية عبثية.‬ ‫-‬ ‫-الجامعة والصعود إلى الهاوية : رواية.‬ ‫-منحرفون وبغايا . بصقة فى وجه الفساد : رواية .‬ ‫-الحزن فى عيون الرجال : رواية .‬ ‫-الطيران بل أجنحة : رواية مؤلفة بالنجليزية.‬‫د. هـ. لورانس : دراسة نقدية . مؤلف بالنجليزية .تقديم ستانلى ويلز ‪Stanley Wells‬‬ ‫-‬ ‫-الستاذ بجامعة أكسفورد والمدير السابق لـ ‪.The Shakespeare Institute‬‬‫-نقد النقد فى التراجيديا الشكسبيرية : مؤلف بالنجليزية. تقديم روبرت سمولود ‪Robert‬‬ ‫‪ Smallwood‬الستاذ بجامعة برمنجهام .‬ ‫مدخل إلى الملك لير : مؤلف بالنجليزية .‬ ‫-‬ ‫دراسات نقدية : مؤلف بالنجليزية .‬ ‫-‬ ‫مختارات من القصص القصيرة بالنجليزية . تقديم الدكتور وجدى الفيشاوى .‬ ‫-‬ ‫جورج برنارد شو: حياته بقلمه . مترجم من النجليزية .‬ ‫-‬ ‫قطة فوق صفيح ساخن : مسرحية مترجمة من الدب المريكي .‬ ‫-‬ ‫تحت الطبع :‬ ‫كتاب اللهة .‬ ‫-‬ ‫***‬
  6. 6. ‫الفصــل الول‬‫تكوين ا ُ ّـــة‬ ‫لم‬
  7. 7. ‫الفصــل الول‬ ‫تكوين المــة‬ ‫)1(‬ ‫بنـاء المسجد‬ ‫اختار النبى بناء المسجد حيث بركت ناقته "القصواء" التى قال عنها لمن هم حوله: دعوها تبرك حيث‬ ‫تشاء فإنها مأمورة. وبركت الناقة فى ِرْ َد 1. لغلمين يتيمين من بنى النجار كانا فى كفالة أسعد بن زرارة ،‬ ‫م ب‬ ‫أول من دعا للسلم فى المدينة قبل هجرة النبى إليها. وكان أسعد بن زرارة يصلى فى نفس المكان هو ومن‬ ‫أسلم و ُ َ ّع فيه الجمعة.‬ ‫يجم‬ ‫كان لذلك المربد جدارا ، ول سقف له ، وكان به نخل وقبور جاهلية وماء راكد. ويروى أن النبى قال‬‫لهم ، أى لبنى النجار : ثامنوني ، أى اطلبوا الثمن . فقالوا : ل نبتغي به ثمنا إل ما عند ال . رفضوا أن يأخذوا‬ ‫للمكان ثمنا. لكن رواية أخرى تقول إن النبى ابتاعه بعشرة دنانير من الغلمين اليتيمين وأمر أبا بكر أن‬ ‫2‬ ‫يعطيهما ذلك .‬ ‫تم تقطيع النخل ، ونبش القبور وتغييب ما بها من عظام ، كما تم التخلص من الماء الراكد، وإصلح‬ ‫الرض إعدادً للبناء.‬ ‫ا‬‫اشترك النبى فى بناء مسجده ، كى يكون قدوة لصحابه ، حمل معهم الحجارة ، وما كان لحد منهم بعد‬ ‫ذلك أن يتأخر أو يتكاسل أو ُحجم ، وكأن لسان حالهم يقول ، كما عبر عن ذلك أحدهم :‬ ‫ي‬ ‫مضلل‬ ‫لذاك منا العمل ال ُ َّ ُ‬ ‫ل‬ ‫لئن قعدنا والنبى يعم ُ‬ ‫وارتجز المسلمون وهو يبنون :‬ ‫اللهم أرحم النصار والمهاجرة‬ ‫ل عيش إل عيش الخرة‬ ‫وردد النبى معهم كلمات الرجوزة ، مع تغييره لكلمات المقطع الثاني ، فكان يقول: اللهم ارحم‬ ‫المهاجرين والنصار.‬ ‫وتعلق كارين أرمسترونج على تغيير النبى للكلمات بقولها : كان محمد يغير الشطر الثاني، فيقول : "‬ ‫اللهم ارحم المهاجرين والنصار " ، وهو التعديل الذى يبتعد بالكلم عن الوزن والقافية ، مما يبين أن محمدا‬ ‫3‬ ‫كان " أميا " فلم يكن شاعرا بالفطرة . والواقع أن نقص مهارته اللغوية يثبت مدي إعجاز القرآن .‬ ‫لم يكن أصحاب النبى من قريش قد اعتادوا جميعا هذا العمل اليدوي . لذا تردد البعض فى الشتراك ،‬‫كما بدا بوضوح فى حالة عثمان بن عفان ، زوج ابنة النبى الذى تعود حياة الثراء والنعيم والناقة والرفاهية ،‬ ‫فما كان له أن يرهق جسده المترف بحمل الحجارة . أو أن يلوث يديه الناعمتين بطين الرض . كان مثل هذا‬ ‫1 موضع يجفف فيه التمر .‬ ‫2 ابن سعد ، جـ ١ ، ص ٩٣٢.‬ ‫3 كارين أرمسترونج ، محمد ، ص ٣٣٢.‬
  8. 8. ‫العمل بالنسبة له‬ ‫يبدو مرهقا.‬ ‫كان فى مقدمة الذين يعملون بحماس متقد على بن أبى طالب وعمار بن ياسر. ومن كثرة الجهد ، شعر‬ ‫عمار بن ياسر بإرهاق شديد وقد أثقلوه بحمل الّ ِن .‬ ‫لب‬‫دخل عمار بن ياسر على النبى ، وهو فى حالة يرثي لها ، قال : يا رسول ال ، قتلوني ، يحملون على ما‬ ‫ل يحملون ، قالت أم سلمة : فرأيت رسول ال ينفض وفرته بيده ، وكان رجل جعدً . وهو يقول : ويح ابن‬ ‫ا‬ ‫سمية ، ليسوا بالذين يقتلونك ، إنما تقتلك‬ ‫4‬ ‫الفئة الباغية.‬ ‫انطلق عمار ، فى حماسه الدافق ، يعمل دون كلل. حاول أن يدفع بعض المتكاسلين إلى المشاركة فى‬ ‫البناء ، وكان من بينهم عثمان بن عفان ، لكن كبر على عثمان – وهو من هو فى قريش أصل وثرا ً – أن‬ ‫ء‬ ‫يستحثه إلى العمل عمار بن ياسر، وهو يعرف جيدا من هو ياسر ، ومن هى سمية أم عمار وزوجة ياسر ،‬ ‫وربما نسى أو تناسى أنهما- رغم فقرهما – كانا أول شهداء المسلمين . كانت ما تزال بعثمان بقايا نزعة‬ ‫جاهلية ، وإن كان السلم قد رققها وهذبها، لكن آثارها كانت غير خافية فى تعامله مع عمار. لقد هدد عمار‬‫بالضرب على أنفه بالعصا ، إن لم يكف . ويروى ابن إسحق أن عثمان قال : قد سمعت ما تقول منذ اليوم يا ابن‬ ‫سمية ، وال إنى لراني سأعرض هذه العصا لنفك .‬ ‫عندما سمع النبى بذلك غضب – رغم ندرة غضبه - وقال : ما لهم ولعمار، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه‬ ‫5‬ ‫إلى النار ، إن عمارا ِلْ َ ُ ما بين عينى وأنفى .‬ ‫ج دة‬‫تمت إقامة المسجد ، كان بنا ً بسيطا يخلو من أى مظهر من مظاهر البهة والفخامة المادية ، جدرانه من‬ ‫ء‬‫الطوب اللبن ، وعواميده من جذوع الشجر وسقفه من زعف النخيل ، طوله حوالى مائة ذراع وكذلك عرضه ،‬ ‫ألحقت به عدة حجرات تم بناؤها من نفس المواد : اللبن وجذوع النخل والجريد . وكما يروى ابن هشام ، كانت‬‫حجرات نساء النبى تسعا . ول نعرف لماذا حدد ابن هشام عدد الغرف منذ البداية بتسع، رغم أن النبى لم يكن له‬ ‫فى تلك الونة سوى زوجة واحدة هى سودة ، ولم يكن قد بنى بعائشة بعد .‬ ‫جعل النبى قبلة المسجد إلى بيت المقدس ، وجعل له ثلثة أبواب : بابا فى مؤخره، وبابا يقال له باب‬ ‫الرحمة ، وهو الباب الذى يدعى باب عاتكة ، والباب الثالث الذى يدخل فيه.‬‫أثناء بناء المسجد نزل النبى على أبى أيوب خالد بن زيد فى بنى غنْم بن النجار. ويقال إن النبى عاش فى‬ ‫َ‬ ‫دار أبى أيوب حوالى سبعة أشهر حتي تم بناء مسجده وحجراته، عندها انتقل من دار أبى أيوب إلى منازله .‬‫ويروى أن سرير النبى كان عبارة عن خشبات مشدودة بالليف ، ل أكثر من ذلك. نعيم الدنيا وبهرجها ما خطرا‬ ‫له على بال .‬ ‫ابن هشام ، جـ ٢ ، ص ٤١١.‬ ‫4‬ ‫ابن هشام ، جـ ٢ ، ص ٥١١.‬ ‫5‬
  9. 9. ‫المنبر وأول خطبة جمعة :‬‫كان النبى إذا خطب الجمعة ، يخطب مستندا إلى جذع نخلة فى المسجد . وعندما رأى بعض الصحابة أن‬ ‫القيام قد شق عليه ، قالوا: يا رسول ال إن الناس قد كثروا فلو اتخذت شيئا تقوم عليه إذا خطبت يراك الناس .‬‫فقال: ما شئتم . فقال له تميم الدارى: أل أعمل لك منبرا كما رأيت يصنع بالشام ؟ فشاور النبى المسلمين فى ذلك‬ ‫فرأوا أن يتخذه ، وتم عمل المنبر. كان عبارة عن درجتين ومقعدا ، ويقال ثلث درجات ، وموقعه هو نفس‬ ‫موقع المنبر الحالى .‬ ‫ويروى أن النبى قال : ل يحلف رجل على يمين آثمة عند هذا المنبر إل تبوأ مقعده من النار ولو على‬ ‫6‬ ‫سواك أخضر، وقال : ما بين بيتى ومنبرى روضة من رياض الجنة .‬ ‫نورد هنا أول خطبة جمعة خطبها النبى ، وكانت بقباء ، ربما يتعلم منها خطباء الجمعة فى أيامنا هذه فل‬ ‫يطيلون فى كلمهم ساعة وربما أكثر من ساعة دون مبالة بمن هم بين المصلين من مرضي وكبار سن‬ ‫وضعاف ل يتحملون كل هذه الطالة المبالغ فيها والتى ربما اعتبرها الخطيب من سمات البلغة والتمكن‬‫والسيطرة على مستمعيه من المصلين ، وما هى على كل ذلك بدليل ، على العكس ربما تكون إلى الحماقة أقرب‬ ‫لن فيها إيذاء لبعض المصلين والدين يسر ل عسر.‬ ‫يقول النبى فى أول خطبة له : أما بعد أيها الناس ، فقدموا لنفسكم تعلمن ، وال ليصْ َ َ ّ ) ليموتن (‬ ‫عفن‬ ‫أحدكم ، ثم ِ َ َع ّ غنمه ليس لها راع ، ثم ليقولن له ربه ، وليس له َرْ ُمان ول حاجب يحجبه دونه : ألم يأتك‬ ‫ت ج‬ ‫ليد ن‬ ‫رسولى فبّغك ، وآتيتك مال وأفْ َل ُ عليك، فما قدمت لنفسك ؟ فلينظرن يمينا وشمال فل يرى شيئا ، ثم‬ ‫ضت‬ ‫ل‬ ‫لينظرن ُ ّامه فل يرى غير جهنم. فمن استطاع أن يقى وجهه من النار ولو ِ ِ ّ تمرة فليفعل ، ومن لم يجد‬ ‫بشق‬ ‫قد‬ ‫7‬ ‫فبكلمة طيبة ، فإن بها تجزى الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، والسلم عليكم ورحمه ال وبركاته .‬ ‫أهل ال ّ ّـة:‬ ‫صف‬‫ُ ّ َ الركن المسقوف من المسجد ليواء الفقراء الذين لم يكونوا يملكون مسكنا، وعرف من نزلوا فيه‬ ‫خص ص‬ ‫بأهل ال ّ ّة . كان هذا الركن بمثابة مدرسة يقضى القائمون فيه ُ ّ وقتهم فى دراسة الدين والتبحر فيه ، أما‬ ‫جل‬ ‫صف‬ ‫إعالتهم فقد تكفل بها أغنياء المسلمين . ومن بين أهل الصفة خرج جماعة من الفقهاء الذين رفعوا راية السلم‬ ‫عاليا، وكان من أبرزهم أبو هريرة الذي ُقل عنه الكثير من أحاديث النبى . وكما سبق وقلنا ، لم يكن أهل‬ ‫ن‬ ‫الصفة يملكون مال أو يتكسبون معاشا ، وكثيرا ما كان أثرياء المسلمين يدعونهم لتناول الطعام .‬ ‫وعن أهل الصفة يقول المام أبو حامد الغزالى ، فى كتابه إحياء علوم الدين : كانوا نحو أربعمائه رجل‬ ‫لم تكن لهم مساكن بالمدينة ول عشائر. جمعوا أنفسهم فى المسجد كاجتماع الصوفية قديما وحديثا فى الزوايا‬ ‫والربط ، وكانوا ل يرجعون إلى زرع ول إلى ضرع ول إلى تجارة ، كانوا يحتطبون .. بالنهار ، وبالليل‬ ‫يشتغلون بالعبادة وتعلم القرآن وتلوته ، وكان رسول ال صلى ال عليه وسلم يواسيهم ويحث الناس على‬ ‫ابن سعد ، جـ ١ ، انظر ص ٩٤٢- ٤٥٢ .‬ ‫6‬ ‫ابن هشام ، جـ ٢ ، ص ٨١١.‬ ‫7‬
  10. 10. ‫مواساتهم ، ويجلس معهم ويأكل معهم .. وكان يفرقهم على أهل الجدة والسعة ، يبعث مع كل واحد ثلثة ومع‬ ‫8‬ ‫الخر أربعة ، وكان سعد بن معاذ يحمل إلى بيته منهم ثمانين يطعمهم "‬ ‫أفرا ٌ فى المسجد :‬ ‫ح‬‫عندما تم بناء المسجد ، احتفل بعض المسلمين بالزواج فيه . وهذا معناه أن المسجد كان دار عبادة ، ودار‬ ‫علم ، ودار لقاء النبى بأصحابه للتشاور فى أمور دينهم ودنياهم ، وهذا معناه أيضا أنه أصبح مركزا لتكوين‬ ‫المة ، إلى جانب كونه دارا للمناسبات الجتماعية.‬ ‫اقترح النبى على زيد أن يتزوج أمرأة أخرى إلى جانب أم أيمن ، وقد تقدمت بها السن ، وكانت تكبره‬ ‫بكثير. ولم يكتف النبى بأن يشير عليه بالزواج من زينب بنت جحش ، ابنة عمة النبى ، بل تقدم هو بنفسه‬ ‫لخطبتها نيابة عن زيد .‬ ‫رفضت زينب فى البداية ، كما رفض أخوها عبد ال ، لقد كانت على قدر كبير من الجمال ، كما كانت‬ ‫هاشمية ، ولم يكن فى زيد ما يغريها على الزواج منه . كانت تعلم جيدا أنه بيع فى بداية حياته عبدا إلى أن‬ ‫أعتقه النبى ، ولم يكن فى شكله العام ما يتناسب مع شدة جمالها، فقد كان أسمر اللون ، قصير القامة ، أفطس‬ ‫النف ، أى أنه كان يخلو من وسامة الرجل الذى كانت تطمح أن يكون زوجا لها . لكنها عندما علمت أن هذه‬‫هى رغبة النبى ، رضخت لمشيئته ، ووافق أخوها ، فما كان لهما أن يعترضا على ما ارتآه النبى . وتم الزواج‬ ‫الذى لم يكن موفقا ، لتعالى زينب على زيد وإعراضها عنه .‬‫وقام أبو بكر بتزويج ابنته أسماء إلى الزبير بن العوام ، أحد أقرباء النبى ، زيادة فى توثيق الصلة وتقوية‬ ‫الرابطة بينه وبين النبى .‬‫كما بنى النبى بعائشة ، وكان ذلك بعد مقدمه المدينة بثمانية أشهر ، فى ذى القعدة فى قول، وفى قول آخر‬ ‫: بعد مقدمه المدينة بسبعة أشهر فى شوال ، وكان قد خطبها بمكة قبل الهجرة بثلث سنين بعد وفاة خديجة.‬ ‫وانتقلت عائشة من بيت أبيها إلى بيت زوجها ، وكان مسكنها إلى جانب مسكن سودة التى وجدت فيها عائشة‬‫منذ البداية أما ودودا حانية ، لم تختلف معها أبدا . أما النبى فقد كان بالنسبة لهذه الزوجة الصغيرة زوجا عطوفا‬ ‫وأبا باراً ، لم يعترض يوما على لعبها بعرائسها أو لهوها مع من هن فى مثل سنها .‬ ‫)2(‬ ‫بداية تكوين المـة‬ ‫المؤاخاة بين المسلمين:‬ ‫المام أبو حامد محمد الغزالى ، إحياء علوم الدين ، الجزء الخامس ، ص ٥٨ ، مكتبة مصر ، القاهرة ، ٨٩٩١.‬ ‫8‬
  11. 11. ‫فى المدينة رأى النبى أنه لبد من قيام مجتمع مترابط تقوم على أساسه أمة ناهضة قوية يمكنها نشر دين‬ ‫ال القائم على دعائم الحق والعدل والمساواة بين البشر ، ل فضل لعربى على أعجمي ول لبيض على أسود ،‬ ‫الكل لدم وآدم من تراب ، للسيد حقوق وللمسود حقوق وكلهما أمام ال سواء ، ل كهنوت فى الدين ول‬ ‫وساطة بين الخالق والمخلوق ، فالمخلوق يلجأ إلى خالقة مباشرة فى أى وقت ويناجيه.‬ ‫والنبى بسلوكه كان قدوة للجميع ، فهو يخدم نفسه ، ويرتق ثوبه ، ويصلح نعله ، ويحلب شاته ، ويذهب‬‫إلى السواق لشراء ما يحتاج ، يتحدث إلى كل من يود التحدث إليه : أمة أو أرملة أو مسكين ، يقدم يد المساعدة‬ ‫ويقضى حاجة المحتاج ويعود المريض ، ما ورد بخاطره يوما أن تكون له أبهة ملك أو عظمة سلطان ، كان‬‫وأصحابه سواء حتى فى مجلسه ل يتميز عليهم فى شئ ويجلس حيث يجد المكان ، ل يسمح لحد منهم أن يخلى‬ ‫له مكانه .‬ ‫يروى أن رجل وقف بين يدى النبى يوما فأخذته رعدة وسيطر عليه ارتباك شديد، فما كان من النبى إل‬ ‫9‬ ‫أن قال له : َ ّن عليك فلست بملك ول جبار ، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد .‬ ‫هو‬ ‫ولكى يوجد صفوف المسلمين ، ويجعل بينهم مودة ورحمة وتعاطفا وقوة ، قرر النبي أن يؤاخي بينهم ،‬ ‫دعاهم إلى أن يتآخوا فى ال أخوين أخوين . ويقال إنه آخي بين المهاجرين بعضهم البعض ، وآخي بين‬ ‫المهاجرين والنصار على الحق والمؤاساة وإنكار الذات إلى حد التوارث بعد الممات دون ذوى الرحام . فلما‬ ‫وأ ل ل ح م ب ضه َ ل بب ض ف كت ب ل إن ل بكل ش ء‬ ‫كانت وقعة "بدر" وأنزل ال تعالى : " َُوُْواْ ا َرْ َا ِ َعْ ُ ُمْ أوَْى ِ َعْ ٍ ِي ِ َا ِ ا ّ ِ ّ ا ّ ِ ُ ّ َيْ ٍ‬ ‫َِي ٌ " نسخت هذه الية ما كان قبلها وانقطعت المؤاخاة فى الميراث ، ورجع كل إنسان إلى نسبة وورثه ذوى‬ ‫عل م‬ ‫01‬ ‫رحمه .‬ ‫عاش المهاجرون فى بيوت من آخوهم من النصار وشاركوهم معيشتهم . فأغلبهم قدم المدينة وهو ل‬ ‫يملك الكثير وربما ل يملك شيئا ، بعد أن تركوا ما يملكون فى مكة طوعا أو كرها. وكان كل ما حمله أبو بكر‬ ‫ل يزيد عن خمسة آلف درهم أنفق منها الكثير. لم يكن بين المهاجرين من هو على ثراء سوى عثمان بن‬ ‫عفان ، وكان صاحب مال وفير. أما حمزة وعل ّ وزيد ، وغيرهم كثيرون ، فما كانوا يملكون شيئا ، ويقال إن‬ ‫ى‬ ‫حمزة توجه يوما إلى النبى يطلب الطعام . أما عل ّ فيقال إنه كان يحمل الماء فى قربة على ظهره ويبيعه‬ ‫ى‬ ‫للناس .‬ ‫إتجه بعض المهاجرين إلى التجارة كى ل يكونوا عالة على النصار. ويروى أن عبد الرحمن بن عوف‬‫وسعد بن الربيع كانا أخوين ، آخي بينهما النبى ، وكان عبد الرحمن بن عوف قد وصل يثرب خاوى الوفاض ل‬ ‫يملك شيئا ، فعرض عليه سعد أن يقاسمه ماله ، فأبى ابن عوف وطلب من سعد أن يدله على السوق . وفى‬ ‫السوق بدأ عبد الرحمن يبيع أشياء بسيطة كالجبن والزبد ، واستطاع بمهارته كأحد تجار مكة أن يوسع دائرة‬ ‫بيعه وشرائه ، وأن ُنمي تجارته ، حتى نجح فى تكوين ثروة وأصبحت له قافلة تخرج بتجارته وتعود محملة‬ ‫ي‬ ‫9 مختصر تفسير ابن كثير ، جـ ١ ، ص ١٢١‬ ‫01 ابن سعد ، جـ ١ ، ص ٨٣٢.‬
  12. 12. ‫بما يحتاجه أهل المدينة . وكما فعل عبد الرحمن بن عوف ، فعل أكثر من مهاجر وهم تجار بحكم الطبيعة‬ ‫والتكوين . وسنرى فيما بعد كيف سينجحون فى الستقلل بسوق لهم فى المدينة ، مما سيثير غضب تجار‬ ‫اليهود وحنقهم.‬ ‫ويذكر بعض الرواة ، من أمثال الطبرى وابن سعد ، أن بعض المهاجرين ، ومن بينهم أبو بكر وعمر ،‬ ‫قد اشتغلت أسرهم بالزراعة فى أراضى النصار ، وبذلك تمكنوا من تدبير أمور معيشتهم .‬ ‫أما الفقراء والمعوزون الذين ل مال ول مأوى لهم ، فقد عاش أغلبهم فى المسجد، وأطلق عليهم – كما‬ ‫سبق وأشرنا – أهل ال ّ ّة ، وتكفل الثرياء القادرون بالنفاق عليهم .‬ ‫صف‬ ‫الزكـاة :‬‫وفى تلك الونة فرضت الزكاة التى كان بعض المسلمين فى أشد الحاجة إليها، أصبحت فريضة جوهرية‬ ‫من فرائض الدين . فالمسلم الذى يقيم الصلة لبد وأن يؤتى الزكاة : " وأقيموا الصلة وآتوا الزكاة " . وهكذا‬ ‫بدأ التكافل فى المجتمع. للفقراء حق معلوم فى أموال الغنياء .‬ ‫يقول الدكتور شوقى ضيف فيما يختص بفريضة الزكاة : لم ُجْ َل قانون الزكاة ثقيل بحيث يصعب على‬ ‫ي ع‬ ‫المسلمين تحمله ، إذا كان ول يزال - العشر فى حصيدة الرض التى تزرع باللت ، وربع العشر فى رؤوس‬ ‫11‬ ‫الموال وفى عروض التجارة.‬‫بجانب الزكاة كانت الصدقة ، وهى تعطي تطوعا ، سرا وجهرا ، دون استعلء أو غطرسة أو تجريح : "‬‫قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى" ، فالصدقة المصحوبة بالمن أو المهانة ل ثواب عليها عند ال‬ ‫، ول رضاء عنها لدى البشر ، حتى الذين يتلقون هذا النوع من الصدقة ل يسعدون ، وقد تشقى نفوسهم بها‬ ‫رغم احتياجهم إليها ، والكلمة الطيبة فى هذه الحالة أفضل .‬ ‫وعلى مانح الزكاة أن يعطي من أفضل ما عنده ل من أردئة ، ولو فعل ذلك سرا لكان الفضل عظيما‬ ‫والثواب أعظم ، وذلك حفاظا على كرامة المحتاج وحفظا‬ ‫لماء وجهه.‬ ‫د. شوقى ضيف ، محمد ، ص ٨٦١‬ ‫11‬
  13. 13. ‫الصيـام :‬ ‫فى شهر شعبان من السنة الثانية للهجرة ُ ِض الصيام ، وهو فريضة يتوحد فى أدائها المسلمون توحدا‬ ‫فر‬‫كامل ، فهم يمسكون عن الطعام فى وقت واحد ويتناولونه أيضا فى وقت واحد، تماما كما يتوحدون وهو يؤدون‬ ‫الصلة فى أوقاتها.‬ ‫والصوم فى اللغة ، كما يقول الشيخ الصابوني ، هو المساك عن الشئ والترك له .. ويقول أبو عبيدة :‬ ‫كل ممسك عن طعام أو كلم أو سير فهو صائم . وفى الشرع هو المساك عن الطعام والشراب والجماع ، مع‬ ‫النية من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وكماله باجتناب المحظورات وعدم الوقوع فى المحرمات .‬ ‫ويقول معاذ بن جبل إن رسول ال قدم المدينة فصام يوم عاشوراء وثلثة أيام من كل شهر ، ثم إن ال‬‫عز وجل فرض شهر رمضان .. وبذلك حل صوم شهر رمضان محل صوم يوم عاشوراء الذى أصبح بعد ذلك‬ ‫تطوعا يصومه من يريد وينصرف عن صومه من ل يريد ول لوم عليه .‬ ‫ويقال إن شهر رمضان سمى رمضانا لنه يرمض الذنوب أى يحرقها. ويقول الزمخشرى: لما نقلوا‬ ‫أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالزمنة التى وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر فسمي‬ ‫21‬ ‫رمضان .‬ ‫وشهر رمضان – الشهر التاسع فى السنة القمرية التى تفتتح بشهر المحرم- هو أفضل الشهور عند ال‬ ‫وعند المسلمين ، ذلك لنه هو الشهر الذى أنزل فيه القرآن ، لذلك وجب صومه.‬ ‫كان النبى عندما قدم المدينة – كما أشار معاذ بن جبل – قد وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم‬ ‫عن ذلك ، فأخبروه أنه اليوم الذى أهلك ال فيه فرعون وآله وأنقذ موسى وقومه من طغيان فرعون وجبروته ،‬‫فهو بالنسبة لهم يوم خلص يجب أن يتقربوا فيه إلى ال بالصيام . عندها – كما يحكي الرواة - قال النبى : نحن‬ ‫أحق بموسى منهم وأمر الناس بصوم يوم عاشوراء .‬‫لكن ابن سعد يذكر سببا آخر لصوم عاشوراء ، فهو يرجعه إلى الطوفان وخروج نوح ومن معه من الفلك‬‫، يقول : ثم ت َ ّا الطوفان ، فركب نوح السفينة ومعه بنوه .. فركبوا فيها لعشر ليال مضين من رجب ، وخرجوا‬ ‫َبد‬ ‫31‬ ‫منها يوم عاشوراء من المحرم، فلذلك صام من صام يوم عاشوراء .‬ ‫تقول كارين أرمسترونج : يبدو أن محمدا فى تلك الفترة كان يحاول أن يتخذ من حياة اليهود الدينية‬ ‫نموذجا لحياة المسلمين غير أنه قبل بدر بأيام قليلة حرر السلم من عادات العقيدة القديمة حينما غ ّر موضح‬ ‫ي‬‫القبلة ، وعقب النتصار بأيام قليلة ، فى يوم التاسع من رمضان ، أعلن محمد أن صوم عاشوراء ليس إجباريا ،‬ ‫وأنه بدل من ذلك سيصوم المسلمون رمضان ليحيوا ذكرى فرقانهم الخاص فى بدر. وأصبح صوم رمضان،‬ ‫41‬ ‫والتى بدأت مراعاة أدائه لول مرة فى مارس عام 526 ، أحد الممارسات الخمس الساسية فى السلم .‬ ‫21 الصابوني ، تفسير آيات الحكام ، جـ ١ ، ص ٨٨١- ٠٩١.‬ ‫31 ابن سعد ، جـ ١ ، ص ١٤.‬ ‫41 كارين أرمسترونج ، محمد ، ص ٩٦٢.‬
  14. 14. ‫وفى رده على بعض المستشرقين الذين ي ّعون أن محمدا قد بدأ الصوم فى المدينة تشبها بصيام اليهود ،‬ ‫د‬ ‫يقول الدكتور عبد الرحمن بدوى : فى الواقع أن صيام رمضان كان موجودا عند العرب قبل السلم وأن‬ ‫51‬ ‫محمدا خلل إقامته فى مكة كان يحافظ على هذه الشعيرة العربية قبل السلم .‬ ‫الدكتور بدوى يشير بقوله هذا إلى ما كان يفعله الحنفاء فى مكة قبل السلم من انقطاع للعبادة والصوم‬ ‫مدة قد تطول أو تقصر كل حسب استطاعته ، فلم تكن هناك شريعة محددة ، بل كان كل منهم يتصور حسب‬‫رؤاه ما كانت عليه شريعة إبراهيم عليه السلم . ولقد كتبنا من قبل، عن خلوة النبى وتعبده فى غار حراء شهرا‬ ‫61‬ ‫من كل عام ، وكان الشهر فى أغلب الحالت هو شهر رمضان .‬‫أصبح الصوم فريضة من فرائض السلم الساسية .. فى صيامه توحيد للمة ، وذلك بإتباع قانون إلهي‬ ‫يتسامي فيه المسلمون جميعا فوق ماديات الحياة ومتاعها وإغراءاتها ، مسيطرين على شهواتهم ، كابحين‬‫لنزواتهم ، فى نفس الوقت الذى يحسون فيه بما يحس الفقراء والمعوزون . هذه المشاركة فى الحساس تولد فى‬‫النفوس تعاطفا وحنوا ، فيمد القادر يده بالمساعدة لمن هو فى حاجة إليها ، ويخرج الغني من ماله برضاء نفس‬ ‫ما يسد حاجة الفقير ، وبذلك يتماسك المجتمع السلمي ويتوحد .‬ ‫ي أيه لذ من كت عل كم‬ ‫وتبين آيات القرآن الكريم حتمية هذه الفريضة . يقول جل شأنه : " َا َ ّ َا اّ ِينَ آ َ ُواْ ُ ِبَ ََيْ ُ ُ‬ ‫صي م كم كت عل لذ م ق لك لعلك تتق ن أي م م د د فم ك ن م ك مر ض أ عل سفر‬ ‫ال ّ َا ُ َ َا ُ ِبَ ََى اّ ِينَ ِن َبِْ ُمْ َ َّ ُمْ َ ّ ُو َ . َ ّا ًا ّعْ ُو َاتٍ َ َن َا َ ِن ُم ّ ِي ًا َوْ ََى َ َ ٍ‬ ‫َ ِ ّ ٌ ّنْ َ ّا ٍ ُ َ َ َ ََى اّ ِينَ ُ ِي ُو َ ُ ِدْ َ ٌ َ َا ُ ِسْ ِي ٍ َ َن َ َ ّعَ َيْ ًا َ ُ َ َيْ ٌ ّ ُ . ََن َ ُو ُواْ‬ ‫فعدة م أي م أخر وعل لذ يط ق نه ف ية طع م م ك ن فم تطو خ ر فهو خ ر له وأ تص م‬ ‫َيْ ٌ ّ ُمْ ِن ُن ُمْ َعَْ ُو َ " )البقرة : 381 – 481(‬ ‫خ ر لك إ ك ت ت لم ن‬ ‫زكـاة الفطر :‬ ‫بعد الصيام فرضت زكاة الفطر التى أوجبها ال على القادرين مساعدة منهم للفقراء والمحتاجين ، كى ل‬ ‫يشعروا بالحتياج فى ذلك اليوم الذى هو عيد يجب أن يسعد به الفقراء كما يسعد الغنياء وفى هذه الزكاة‬ ‫تخفيف لبعض العناء .‬ ‫صلة العيدين :‬ ‫وفى السنة الثانية للهجرة صلى النبى بالناس صلة العيدين : الفطر والضحي. وكانت الصلة قبل‬ ‫الخطبة بغير أذان .‬ ‫الذان :‬ ‫هنا نأتي إلى موضوع الذان وكيف تم التوصل إليه والمة ما تزال فى بداية نشأتها وتكوينها. يقول ابن‬ ‫اسحق : لما اطمأن رسول ال صلى ال عليه وسلم بالمدينة واجتمع إليه إخوانه من المهاجرين واجتمع أمر‬ ‫النصار ، استحكم أمر السلم ، فقامت الصلة ، وفرضت الزكاة والصيام ، وقامت الحدود ، وفرض الحلل‬ ‫د. عبد الرحمن بدوى ، دفاع عن محمد ، ص ٦٦١.‬ ‫51‬ ‫أنظر كتابنا : محمد – سنوات مكة – دراسة نقدية .‬ ‫61‬
  15. 15. ‫والحرام .. وقد كان رسول ال صلى ال عليه وسلم حين قدمها إنما يجتمع الناس إليه للصلة لحين مواعيدها‬‫بغير دعوة ، ف َ ّ رسول ال حين قدمها أن يجعل بوقا كبوق اليهود الذى يدعون به لصلتهم ، ثم كرهه ، ثم أمر‬ ‫هم‬ ‫71‬ ‫الناس بالناقوس َ ُ ِت ليضرب به للمسلمين للصلة .‬ ‫فنح‬ ‫لكن ابن سعد يقول إن النبى قد استشار أصحابه فى أمر الذان ، وقد كان يكتفى منذ قدومه بأن ينادي‬ ‫منادي : الصلة جامعة ، فيجتمع الناس . وقد ذكر أصحاب النبى أشياء يجمعون بها الناس للصلة ، فقال‬ ‫81‬ ‫بعضهم البوق وقال بعضهم الناقوس .‬ ‫كان بين الحضور عبد ال بن زيد الخزرجي ، الذى أهمه ما أهم النبى من أمر الصلة والذان ، فأخذ‬‫يفكر بعمق ، واستغرقه التفكير لدرجة أنه عندما عاد إلى بيته رفض أن يمس الطعام ، وأرهقه التفكير فنام . فى‬ ‫المنام طاف به طائف : مر به رجل عليه ثوبان أخضران وفى يده ناقوس . قال عبد ال للرجل : أتبيع هذا‬ ‫الناقوس ؟ قال الرجل: ماذا تريد به . قال عبد ال : أريد أن أبتاعه لكى أضرب به للصلة لجماعة الناس . قال‬‫الرجل : أفل أدلك على خير من ذلك ؟ سأل عبد ال : وما هو ؟ أجاب : تقول ال أكبر ال أكبر ، ال أكبر ، ال‬‫أكبر ، أشهد أن ل إله إل ال ، أشهد أن ل إله إل ال ، أشهد أن محمدا رسول ال ، أشهد أن محمدا رسول ال ،‬‫91‬ ‫حى على الصلة ، حى على الصلة ، حي علي الفلح ، حى على الفلح ، ال أكبر ال أكبر ، ل إله إل ال .‬ ‫لم ينتظر الخرزجي إلي الصباح ، توجه فى الليل إلى النبى وأخبره بالذى رأى. قال النبى: إنها لرؤيا‬ ‫حق ، إن شاء ال . وطلب منه أن يلقيها على بلل كى يؤذن بها، وأذن بلل للصلة ، وهو الذان القائم حتى‬ ‫اليوم ، ويقال إن بل ً فى الصبح زاد : الصلة خير من النوم، فأقرها النبى ، ولم تكن فيما رأى الخرزجي .‬ ‫ل‬ ‫وينقل ابن هشام ما ذكره بعض الرواة من أن الذان لم يكن رؤيا لرجل من النصار، إنما كان وحيا‬ ‫مباشرا لرسول ال. يقول ابن هشام : ائتمر النبى صلى ال عليه وسلم وأصحابه بالناقوس للجتماع للصلة ،‬‫فبينما عمر يريد أن يشترى خشبتين للناقوس إذ رأى عمر بن الخطاب فى المنام أن ل تجعلوا الناقوس بل أذنوا‬ ‫للصلة، فذهب عمر إلى النبى صلي ال عليه وسلم ليخبره بالذى رأى ، وقد جاء النبى صلى ال عليه وسلم‬ ‫الوحي بذلك ، فما راع عمر إل بلل يؤذن ، فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم حين أخبره بذلك : قد سبقك‬ ‫02‬ ‫بذلك الوحي .‬ ‫ابن هشام ، جـ ٢ ، ص ٨٢١.‬ ‫71‬ ‫ابن سعد ، جـ ١ ، ص ٦٤٢ .‬ ‫81‬ ‫المرجع السابق ، ص ٦٤٢.‬ ‫91‬ ‫ابن هشام ، جـ ٢ ، ص ٩٢١.‬ ‫02‬
  16. 16. ‫)3(‬ ‫دستـور المـة‬ ‫نجح النبى فى المدينة فى وضع أسس قوية لمة إسلمية ناشئة. كان المهاجرون والنصار خير عون له‬ ‫فى تنفيذ أوامر ال ، وتجنب ما نهي عنه ، كما كانت طاعتهم للنبى صادقة مخلصة ، دون شك أو تردد ، فقد‬ ‫كانوا يجدون فيه خير قدوة‬ ‫وأفضل مثل .‬ ‫لكن المدينة‬ ‫لم تكن مغلقة على مسلميها. كان هناك اليهود وهم أهل كتاب وأصحاب علم وخبرة وفكر وعقيدة من‬ ‫الصعب أن يرتضوا بغيرها بديل. كما كان هناك من رفضوا السلم تمسكا بدين الباء ، أى بالشرك الوثني ،‬ ‫وإلى جانبهم كان هناك من تظاهروا باعتناق السلم ولم تؤمن قلوبهم ، وهكذا كانت بداية النفاق فى المدينة .‬ ‫كان على النبى أن يواجه هؤلء جميعا فى صبر وحكمة ، وأن يحاول استيعابهم ، بحيث تندمج القبائل‬ ‫كلها - إن أمكن - فى كيان واحد ، وأمة واحدة موحدة .‬ ‫هنا ، كما يجمع المؤرخون شرقا وغربا ، يبرز دون النبى كسياسى ورجل دولة .‬ ‫12‬ ‫يقول أ. جيفرى : فى المدينة أصبح محمد رجل دولة وقائد أمة أكثر منه رسول ورجل دين .‬ ‫وتقول كارين ارمسترونج : كان محمد يتمتع بموهبة سياسية رفيعة القدر إذ تمكن من تغيير أحوال أمته‬ ‫تغييرا شامل وأنقذهم من العنف غير المجدي .. لكن نجاح محمد اعتمد على الرؤيا الدينية التى نقلها للعرب ..‬‫ولول أن العتبار الول للنبى ورفاقه المقربين كان للدين ما كتب لهم البقاء .. كان محمد مؤمنا بالوحي المباشر‬ ‫22‬ ‫التي من ال، لكنه كان عليه أيضا أن يوظف كل ملكاته الطبيعية .‬ ‫ويرى الدكتور طه حسين أن جهاد النبى فى المدينة لم يعد يقتصر على الجهاد الديني، بل شمل الناحيتين‬ ‫السياسية والقتصادية ، وهو وضع أملته طبيعة الشياء فى المدينة . وفى هذا يقول : منذ هاجر النبى إلى‬‫المدينة تكونت للسلم وحدة سياسية لها قوتها المادية وبأسها الشديد، وأحست قريش أن المر قد تجاوز الوثان‬ ‫والراء الموروثة والسنن القديمة ، إلى شيئ آخر كان فيما يظهر أعظم خطراً فى نفوس قريش من الدين وما‬ ‫يتصل به ، وهو السيادة السياسية فى الحجاز ، والطرق التجارية بين مكة وبين البلد التى كانت ترحل إليها‬ ‫بتجارتها فى الشتاء والصيف ... كان الجهاد فى مكة وثنيا خالصا .. فلما انتقل إلى المدينة أصبح هذا الجهاد‬ ‫32‬ ‫دينيا وسياسيا واقتصاديا .‬ ‫تبدو مقدرة النبى كسياسى فى السلوب الذى عالج به الوضع القائم فى المدينة. لقد حاول قدر المستطاع‬ ‫أن يضع نظاما تتوحد به المة ، ويخضع له كل أهل المدينة من مسلمين ومشركين ويهود ، دون أن يفرض‬ ‫3.‪A.Jeffery, p‬‬ ‫12‬ ‫كارين ارمسترونج .‬ ‫22‬ ‫طه حسين ، في الشعر الجاهلى ، ص ٩٤ .‬ ‫32‬
  17. 17. ‫على أحد قبول الدين الذى جاء به : ل إكراه فى الدين ، والدعوة إلى ال بالحكمة والموعظة الحسنة ، ل‬ ‫بالجبار والقهر. لكن هذا المجتمع لبد وأن يتوحد ، وأن يخضع كل فرد فيه لدستور عادل ينظم العلقة بين‬ ‫الفراد وكذلك بين القبائل والعشائر المسلمة وغير المسلمة ، ويحمي المدينة من أى خطر يتهددها سواء كان‬ ‫ذلك من داخلها أو من خارجها.‬ ‫هنا تكمن أهمية الكتاب أو الوثيقة التى وضعها النبى كدستور ، والتى تعتبر من الوثائق النادرة وغير‬‫المسبوقة فى تاريخ الديان ، خاصة وأنها تعلن ومنذ البداية عن تسامح النبى وعدم تعصبه وقبوله للخر حتى‬ ‫ولو اختلف معه فى أمور العقيدة : لكم دينكم ولى دين . هذا مبدأ جوهرى من أهم مبادئ السلم .‬‫لقد نصت الوثيقة ، بوضوح ل لبس فيه ، على أن لليهود مثل ما للمسلمين من حقوق وعليهم مثل ما على‬ ‫المسلمين من واجبات فى النواحي الجتماعية والقتصادية والسياسية ، مع احتفاظهم بحريتهم الدينية : ل‬ ‫يضارون فى دينهم ول يعتدي عليهم فى اعتقادهم . يقول ابن إسحق فيما يختص بنص هذا الكتاب أو هذا‬ ‫42‬ ‫الدستور :‬ ‫كتب رسول ال صلى ال عليه وسلم كتابا بين المهاجرين والنصار وا َ َ فيه يهود وعاهدهم ، وأقرهم‬ ‫دع‬‫على دينهم وأموالهم ، واشترط عليهم وشرط لهم : " بسم ال الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد النبى صلى‬ ‫ال عليه وسلم بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم ، إنهم أمة واحدة‬ ‫من دون الناس : - المهاجرون من قريش على ربعتهم )أى على شأنهم وعادتهم من أحكام الديات والدماء(‬ ‫يتعاقلون بينهم ) أى يدفعون دياتهم بعضهم مع بعض ( وهم يفدون عانيهم ) أسيرهم ( بالمعروف والقسط بين‬ ‫المؤمنين .‬ ‫- وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الولى ، وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين‬ ‫المؤمنين .‬ ‫- وبنو ساعدة على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الولى ، وكل طائفة منهم تفدى عانيها بالمعروف والقسط‬ ‫بين المؤمنين .‬ ‫وكرر النبى هذه العبارة فيما يختص بكل بطن من بطون النصار من أوس وخزرج ، إلى أن قال :‬ ‫- وإن المؤمنين ل يتركون ُفْ َحا )مثقل بالدين والعيال( بينهم أن يعطوه بالمعروف فى فداء أو عقل .‬ ‫مر‬‫- وإن المؤمنين المتقين على من بغي منهم أو ابتغي ظلما أو إثما أو عدوانا أو فسادا بين المؤمنين ، وإن‬ ‫أيديهم عليه جميعا ولو كان ولد أحدهم .‬ ‫- ول يقتل مؤمن مؤمناً فى كافر ، ول ينصر كافرا على مؤمن ، وإن ذمة ال واحدة : يجير عليهم‬ ‫أدناهم ، وإن المؤمنين بعضهم موالى بعض دون الناس .‬ ‫ابن هشام ، جـ ٢ ، ص ٩١١- ٣٢١ .‬ ‫42‬
  18. 18. ‫- وإنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والسوة غير مظلومين ول‬ ‫متناصر عليهم .‬‫- وإنه ل يجير مشرك )من بقى على شركه من أهل المدينة( ما ً لقريش ول نفسا ، ول يحول دونه على‬ ‫ل‬ ‫مؤمن .‬ ‫- وإنه من قتل مؤمنا عن بينة فإنه َ َ ٌ )قصاص( به إل أن يرضي ولى المقتول.‬ ‫قو د‬‫- وإنه ل يحل لمؤمن أق ّ بما فى هذه الصحيفة وآمن بال واليوم الخر أن ينصر محدثا ول يؤويه ، وإنه‬ ‫ر‬ ‫من نصره أو آواه فإن عليه لعنة ال وغضبه‬ ‫يوم القيامة .‬ ‫- وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين ، وإن يهود بنى عوف أمة مع المؤمنين : لليهود‬ ‫دينهم ، وللمسلمين دينهم ، مواليهم وأنفسهم ، إل من ظلم وأثم فإنه ل يو ِغ ) ُهِْك ( إل نفسه وأهل بيته .‬ ‫ت يل‬‫ويكرر النبى نفس العبارة بالنسبة ليهود بنى النجار ، ويهود بنى الحرث ، ويهود بنى ساعدة ، ويهود بنى‬ ‫جشم ، ويهود بنى الوس ، ويهود بنى ثعلبة .‬‫- إنه ل يخرج منهم )أي من اليهود( أحد إل بإذن محمد صلى ال عليه وسلم )أى ل يخرج أحد منهم لقتال‬ ‫إل بإذن من النبى( .‬ ‫- وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم ، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة ،‬ ‫وإن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الثم ، وإنه ل يأثم أمرؤ بحليفة ، وإن النصر للمظلوم .‬ ‫- وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين .‬ ‫- وإن يثرب حرام جوفها لهل هذه الصحيفة .‬ ‫- وإن الجار كالنفس غير مضار ول آثم . وإنه ل تجار حرمة إل بإذن أهلها.‬ ‫- وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى ال عز وجل وإلى‬ ‫محمد رسول ال صلى ال عليه وسلم .‬ ‫- وإنه ل تجار قريش ول من نصرها.‬ ‫- وإن بينهم النصر على من دهم يثرب . وإذا دعوا إذا صلح يصالحونه ويلبونه.‬ ‫- وإن يهود الوس : مواليهم وأنفسهم على مثل ما لهل هذا الكتاب .‬ ‫- وإن من خرج من المدينة آمن ومن قعد آمن ، إل من ظلم وأثم .‬ ‫وفى ختام هذا الدستور الشامل يقول النبى : وإن ال جار لمن بر واتقى ، ومحمد رسول ال .‬ ‫ولقد بّن هذا الكتاب ، أو هذا الدستور ، بوضوح كامل ، فيما يختص باليهود ، أن لهم ما لهل المدينة‬ ‫ي‬ ‫جميعا من حقوق مع احتفاظهم الكامل بحرية العقيدة ، لكن عليهم أن يلتزموا بالمبادئ والواجبات العامة التى‬
  19. 19. ‫تطبق على كل سكان المدينة ، فهم جزء من هذه المة الناشئة ومن المستحيل أن تكون لهم أحكام خاصة‬ ‫تتعارض مع النظام العام الذى نصت عليه الوثيقة.‬‫وبنفس الوضوح . نص هذا الدستور على أن اليهود قد أصبحوا ملتزمين أمام النبى، وأمام مجتمع المدينة‬‫أل يناصروا قريشا أو غيرها من المشركين ضد النبى ، وأن يشتركوا فى الدفاع عن المدينة إذا هوجمت ، وأن‬ ‫يساهموا فى نفقات الحرب لنهم جزء من مجتمعها ل انفصال بينهم وبين أهلها ، فإذا ما أخلوا بهذا العهد‬ ‫سقطت حقوقهم التى كفلها لهم النبى وفقدوا صفتهم كجزء من نسيج هذه المة ، وأصبح من حق المسلمين‬ ‫محاربتهم وقتلهم أو إخراجهم من المدينة إذا استدعي المر ذلك .‬ ‫كانت النصوص واضحة ، وقد قبلها اليهود بدليل أنهم لم يعترضوا عليها فى حينها، وقد كانوا آنذاك فى‬‫وضع قوى يمكنهم من العتراض أو الرفض ، لكنهم لم يعترضوا ولم يرفضوا، وهذا معناه أنهم قبلوا بما نص‬ ‫عليه النبى فى هذا الدستور الملزم .‬‫ويرى مونتجمرى وت أن احتواء الصحيفة على اليهود والشارة إليهم على أنهم جزء من المة معناه أن‬ ‫الوثيقة قد تم تحريرها قبل معركة بدر. لكن عدم ذكر القبائل الثلث التى تمثل أكثر الجماعات اليهودية – بنى‬ ‫قينقاع وبنى النضير وبني قريظة – يعني أن الصحيفة فى صيغتها الحالية تنتمي إلى فترة ما بعد القضاء على‬ ‫قريظة التى تم استئصالها تماما فى صيف عام 726م . وعلى ذلك فإن الوثيقة لبد وأن تكون قد أخذت شكلها‬ ‫52‬ ‫النهائى بعد هذا التاريخ .‬‫ويمكن الرد على ما يقوله مونتجمرى وت بأن القبائل والعشائر اليهودية ، وإن لم تذكر بالسم ، فقد تمت‬ ‫الشارة إليها كحلفاء للعشائر العربية مثل " يهود بنى النجار" أى اليهود الموالين لبنى النجار ، ويهود بنى‬ ‫الحرث ، ويهود بنى ساعدة ، ويهود الوس .. وفى هذا تضمين لكل يهود المدينة .‬ ‫هكذا وضع النبى دستوره الذى حاول بما جاء فيه أن يوحد بين مختلف قبائل المدينة وعشائرها ، وأن‬‫يخلق منها وحدة متكاملة متفهمة لما لها من حقوق وما عليها من واجبات. وكان هو على رأس هذه المة هاديا‬ ‫ومبشرا ونذيرا .‬ ‫52‬ ‫.39 .‪Montogmery Watt, Muhammad , Prophet and Statesman,p‬‬
  20. 20. ‫)4(‬ ‫الدفـاع عن المـة‬ ‫كان لبد وأن يكون للمة الناشئة قوة تحميها ، فالحق لبد وأن تناصره القوة، وبل قوة يستشرى الفساد‬‫ويسود الباطل ويسيطر الشرك ول يجد الذين آمنوا مكانا إل مكان المستضعفين الذلء ، وهذا ما يتناقض تماما‬ ‫مع اليمان بدين ال الواحد الحد القوى القادر. وما كان للمؤمنين أن يكونوا ضعافاً يرتعدون فى عجز إذا ما‬ ‫ركب الباطل خيله وشرع سيفه . ولهذا كان من الحتمي أن تعد هذه المة عدتها للدفاع عن النفس ، وحماية‬ ‫العقيدة ، والعيش فى أمان وإباء أو الموت فى سبيل ال .‬ ‫الذن بالقتـال :‬ ‫لقد ُخْ ِجَ المهاجرون من ديارهم بعد أن اض ُ ِدوا وُهينوا و ُ ّبوا و ُ ّد أغلبهم مما يملك ، وكان من‬ ‫جر‬ ‫عذ‬ ‫أ‬ ‫طه‬ ‫أ ر‬ ‫المستحيل أن ينسوا ما فعلته بهم قريش فقد ترك فى النفوس جراحا غائرة . ولو أن قريشا عادت إلى رشدها‬‫وأقلعت عن غيها وطغيانها وأظهرت ولو قليل من التسامح مع من حاولت أن تسحق من أهلها – فالذين هاجروا‬ ‫ما كانوا إل قطعا من أكبادها – .. لو فعلت قريش ذلك لبدت للمسلمين‬ ‫بارقة أمل فى أن يشمل ال بنوره أهل مكة .‬ ‫لكن قريشا ، على العكس من ذلك ، بدأت تتصل باليهود والمشركين من أهل المدينة ، وكذلك بالذين‬‫أسلموا نفاقا ولم تؤمن قلوبهم وعلى رأسهم عبد ال بن ُ َ ّ ابن سلول .. أخذت تحرض هؤلء جميعا على اتخاذ‬ ‫أبى‬ ‫موقف عدائى من محمد وأصحابه .‬ ‫ويقال إن قريشا أرسلت خطابا إلى عبد ال بن ُ َ ّ ، الذى كان سينصب ملكا على المدينة قبل وصول‬ ‫أبى‬ ‫النبى ، تقول فيه : لقد آويت رجلنا )تقصد محمدا( ، وعليك أن تقتله أو تخرجه من المدينة ، وإل فإننا نقسم أن‬ ‫62‬ ‫نغزوكم .. نقتل رجالكم ونسبى نساءكم فيصبحن لنا متاعا .‬ ‫لم يكتف القريشيون بذلك ، بل بدأوا التحرش بالمسلمين رغم بعد الشقة . أرسلوا بعض رجالهم فأغاروا‬ ‫على أطراف المدينة ، دمروا الشجار بما تحمله من ثمار ، واستولوا على أغنام وماشية .‬ ‫ووصلت الخبار إلى النبى ، ثم توالى وصولها : إن قريشا لن تترك المسلمين كي يعيشوا فى سلم ،‬ ‫لكنها بالتحالف مع قبائل أخرى ستقوم بالهجوم على المدينة بغية القضاء عليهم .‬ ‫بالطبع كان لقريش مخاوفها ، فقوافل تجار مكة تمر بصحراء المدينة وهى فى الطريق إلى الشام ، ولو‬ ‫قويت شوكة محمد وأصحابه لعترضوا طريق التجارة وتصدوا للقوافل وأغاروا عليها ، ولو فعلوا ذلك‬‫مالمهم أحد . وقريش ل تنسى – فالعهد قريب- أنها جردت أغلب هؤلء المهاجرين من أموالهم ، سلبتهم سلبا.‬ ‫فإذا ما حاول هؤلء استرداد ما سلبت قريش بالباطل لبدا عملهم مشروعا ، فهى محاولة بالحق لسترداد ما‬ ‫62‬ ‫. 52 .‪A. Husain, p‬‬
  21. 21. ‫سلب بالقهر. العين بالعين ، والسن بالسن ، والبادئ أظلم : هذا قانون يعرفه الجميع ، مسلمون ومشركون ويهود‬ ‫، ول ينكره أحد .‬ ‫لهذا كان اتصال القريشيين باليهود والمشركين من أهل المدينة ، في محاولة لتأليبهم على المسلمين ،‬ ‫ولهذا كان التحرش بأتباع النبى ومهاجمة أطراف المدينة وتخريب ونهب كل ما يمكن تخريبه ونهبه ، تهديدا‬ ‫وتخويفا وتمهيدا لضربة ساحقة تنهي مشكلت قريش وتقضى على مخاوف أهلها من خطر محمد وأصحابه .‬ ‫ونزل الوحي بالذن بالقتال دفاعا عن النفس : " ُ ِ َ ِّ ِينَ ُ َا َُو َ َِ ّ ُمْ ُِ ُوا َِ ّ ا َ ََى َصْ ِ ِمْ‬ ‫أذن للذ يق تل ن بأنه ظلم وإن ّ عل ن ره‬ ‫ل‬ ‫لقد ر لذ أ رج م دي ره بغ حق إل أ يق ل ربن ّ ول ل د ع ّ ن س ب ضه بب ض‬ ‫َ َ ِي ٌ . اّ ِينَ ُخْ ِ ُوا ِن ِ َا ِ ِمْ ِ َيْرِ َ ّ ِ ّ َن َ ُوُوا َ ّ َا ا ُ ََوْ َ َفْ ُ ا ِ ال ّا َ َعْ َ ُم ِ َعْ ٍ‬ ‫ل‬ ‫ل‬ ‫لهدم صو مع وبيع وصلو ت ومس جد ي كر ف ه م ّ كث ر ولي صرن ّ م ي صره إن ّ لقوي‬ ‫ّ ُ ّ َتْ َ َا ِ ُ َ ِ َ ٌ َ ََ َا ٌ َ َ َا ِ ُ ُذْ َ ُ ِي َا اسْ ُ ا ِ َ ِي ًا ََ َن ُ َ ّ ا ُ َن َن ُ ُ ُ ِ ّ ا َ َ َ ِ ّ‬ ‫ل‬ ‫ل‬ ‫ل‬ ‫َ ِي ٌ " )الحج : 93-04(.‬ ‫عز ز‬ ‫هذه أول آية نزلت في القتال. ويقول أبو بكر بن العربى : والصحيح أن أول آية نزلت آية الحج : "أذن‬ ‫للذين يقاتلون.." ثم نزل : " وقاتلوا فى سبيل ال الذين يقاتلونكم"، فكان القتال إذنا ، ثم أصبح بعد ذلك فرضا ،‬ ‫72‬ ‫لن آية الذن فى القتال مكية ، وهذه الية مدنية متأخرة .‬ ‫الواضح هنا ، بصورة جلية ل لبس فيها ، أن السلم دعا إلى القتال دفاعا عن النفس وحفظا للكرامة ،‬ ‫وفى سبيل ال ، وضد من يهددون دعوة الحق ويحاولون القضاء عليها . وينتهي القتال بانتهاء الدافع إليه ، فل‬ ‫انتقام ول ُثَْة ول حرق ول تدمير ول إبادة ، فالسلم هو جوهر السلم .‬ ‫مل‬‫وهنا- أيضا – تجدر الشارة ، ولو بصورة عابرة ، إلى ما َ ّج له كثرة من كتاب الغرب ، نتيجة حقد أو‬ ‫رو‬ ‫جهل وغالبا ما هو جهل لضعف معرفتهم بالدين الحق ، من أن محمدا قد أمسك بالسيف ورفعه منذرا ومهددا‬‫بإراقة الدماء كى يفرض ما جاء على مجتمع يبغضه ويرفضه . والصحيح هو عكس هذا الكلم ، فقد كان محمد‬ ‫وأصحابه هم المهددين دوما بالبادة والستئصال .‬ ‫لقد وضع السلم مبادئ سامية للقتال ، دفاعا ل اعتداء ، يندر وجودها فى أى شريعة أو دين . ومن أهم‬ ‫هذه المبادئ :‬ ‫1-السلم جوهرى وهو دعامة الحياة فى السلم ، أما الحرب فل يتم اللجوء إليها إل فى حالت‬ ‫الضرورة القصوى إذا ما ضاقت كل السبل وس ّت كل المنافذ ، فما جاء السلم إل لتوفير السكينة‬ ‫ُد‬ ‫والسلم للبشرية جمعاء . وكلمة السلم تعني السلم بين البشر والستسلم ، أى الطاعة ، لمشيئة‬ ‫ر و ت و و تع ون عل ل م و ع و و تق ل إن ل‬ ‫ال وإرادته : " َ َ َا َ ُواْ ََى الْب ّ َال ّقْ َى َلَ َ َا َ ُواْ ََى ا ِثْ ِ َالْ ُدْ َانِ َا ّ ُواْ ا ّ ِ ّ ا ّ‬ ‫وتع ون عل‬ ‫َ ِي ُ الْ ِ َا ِ ". )المائدة:2(.‬ ‫شد د عق ب‬ ‫2-حياة الفرد فى السلم لها قدرها واحترامها ، ويجب حمايتها وعدم الستهانة بها ، ل الفتك بها‬ ‫والقضاء عليها : " َاصْ َحْ َنْ ُمْ َ ُلْ َ َ ٌ َ َوْ َ َعَْ ُو َ " )الزخرف: 98(. وطالما احترم‬ ‫ف ف ع ه وق سلم فس ف ي لم ن‬ ‫الصابوني ، تفسير آيات الحكام ، ص ٠٣٢ .‬ ‫72‬
  22. 22. ‫النسان حق الخرين فى الحياة، فليس من حق أحد أن يعتدي عليه أو أن يقتله: " َ َ َقْ ُُواْ ال ّفْسَ‬ ‫ول ت تل ن‬ ‫اّ ِي َ ّ َ ا ّ ِ ّ ِالْ َ ّ َِ ُمْ َ ّا ُمْ ِ ِ َ َّ ُمْ َعْ ُِو َ " )النعام : 151( ، و " ِنْ أجْ ِ َِكَ‬ ‫م َ ل ذل‬ ‫لت حرم ل إل ب حق ذلك وص ك به لعلك ت قل ن‬ ‫كت ن عل بن إ ر ئ ل أنه م قتل ن س بغ ن س أ َس د ف ل ض فكأنم قتل ن س‬ ‫َ َبْ َا ََى َ ِي ِسْ َا ِي َ َ ّ ُ َن َ َ َ َفْ ًا ِ َيْرِ َفْ ٍ َوْ ف َا ٍ ِي ا َرْ ِ َ ََ ّ َا َ َ َ ال ّا َ‬ ‫َ ِي ًا َ َنْ َحْ َا َا َ َ َ ّ َا َحْ َا ال ّا َ َ ِي ًا " )المائدة : 23( . وهذا يؤكد قداسة الحياة فى‬ ‫جم ع وم أ ي ه فكأنم أ ي ن س جم ع‬ ‫السلم .‬ ‫3-لكن إذا ما ُ ّ َ المسلمون فى أنفسهم وفى مجتمعهم بمن يريد حربهم وتدميرهم، فإن الحرب فى هذه‬ ‫هدد‬ ‫الحالة ل تصبح اختيارا ، بل تصبح قدرا مقدورا . القتال فى هذه الحالة ل مفر منه لنه فرض على‬ ‫المسلمين فرضا ولم يكونوا هم بادئين بقتال : " ُ ِ َ ِّ ِينَ ُ َا َُو َ َِ ّ ُمْ ُِ ُوا َِ ّ ا َ ََى‬ ‫أذن للذ يق تل ن بأنه ظلم وإن ّ عل‬ ‫ل‬ ‫َصْ ِ ِمْ َ َ ِي ٌ " )الحج : 93( ، وهي أول آية نزلت فيما يختص بالقتال دفاعا عن النفس .‬ ‫ن ره لقد ر‬ ‫4-الحرب لم تشرع في السلم للعدوان ، وحتى فى حالة العتداء على المسلمين ومهاجمتهم يجب‬ ‫عدم اللجوء إلى السلح إل بعد أن تستنفد كل البدائل من أجل السلم ، فإذا فشلت كل المحاولت فى‬ ‫إقناع العدو بالجنوح إلى السلم فإن الحرب فى هذه الحالة تصبح حتمية ، وهى حرب دفاع ل اعتداء‬ ‫. لقد طلب النبى من أصحابه أل يتمنوا الحرب وأن يصلوا دوما من أجل السلم .‬ ‫5-أوصى النبى أصحابه أل يقتلوا رجل استسلم لهم دون قتال ، أو ألقى سيفه علمة على الخضوع‬ ‫وعدم المقاومة .‬ ‫6- َ ّمَ النبى قتل النساء والطفال والشيوخ والرهبان .‬ ‫حر‬ ‫7-تجنب إزهاق الرواح كان وما يزال من أهم سلوكيات الحرب عند المسلمين . فليس من أهداف‬ ‫السلم إراقة الدماء . ومن المعلوم تاريخيا أنه خلل خمس عشرة غزوة من غزوات النبى لم ترق‬ ‫قطرة دم واحدة . وفى معارك بدر وأحد والحزاب وحنين ، وهي معارك كبيرة ، بل إنها هي‬ ‫المعارك الرئيسية فى حياة النبى ، كان عدد القتلى 892 قتيل )711 من المسلمين و 181 من‬ ‫المشركين( .‬ ‫لقد كان عدد القتلى فى كل المعارك التى خاضها المسلمون فى عهد النبى منذ بدايتها إلى نهايتها 4101‬‫قتيل )552 من المسلمين و 957 من غير المسلمين(. وكان العدد الجمالى لسرى الحرب 4656 ، تم إطلق‬ ‫سراحهم جميعا باستثناء اثنين كانا قد ارتكبا جرائم فى السابق فتم قتلهما.‬ ‫إن تخليص شبه الجزيرة العربية من عبادة الوثان ، وهدايتها كى تتبع ديانة توحيدية خالصة وتجريدها‬‫من كل موبقات ممارساتها الجاهلية ، بهذه التضحيات شديدة الضآلة ، يعتبر عمل فذا من أروع أعمال العبقرية‬ ‫الخلقة .‬‫وعلى الذين يتشدقون " بدموية " النبى ، أن يخجلوا إذا ما ذكرناهم بالمليين من البشر الذين تمت إبادتهم‬ ‫فى حروب المدنيات الحديثة .‬
  23. 23. ‫وق تل ف سب ل‬ ‫8-حَرّمَ السلم العتداء على الدميين المسالمين الذين يريدون العيش فى سلم : " َ َا ُِواْ ِي َ ِي ِ‬ ‫ا ّ اّ ِي َ ُ َا ُِو َ ُمْ َ َ َعْ َ ُواْ ِ ّ ا ّ َ ُ ِ ّ الْ ُعْ َ ِي َ " )البقرة: 091( .‬ ‫ل لذ ن يق تل نك ول ت تد إن ل ل يحب م تد ن‬ ‫9-احترام العهود والمواثيق التى يتم عقدها بين المسلمين وغير المسلمين وعدم نقضها ، ما دام‬ ‫الطرف الخر يحترمها ول يخرج على ما جاء بنصوصها : " ... و ِ َهْدِ ا ّ َوْ ُواْ َِ ُمْ َ ّا ُم‬ ‫بع ل أ ف ذلك وص ك‬ ‫ِ ِ َ َّ ُمْ َ َ ّ ُو َ " )النعام 251( .‬ ‫به لعلك تذكر ن‬ ‫01-عدم قتل أسرى الحرب ومعاملتهم بمودة ورحمة : " ويطْ ِ ُونَ ال ّ َا َ ََى ُ ّ ِ ِسْ ِي ًا َ َ ِي ًا‬ ‫طع م عل حبه م ك ن ويت م‬ ‫عم‬ ‫ََ ِي ًا . ِ ّ َا ُطْ ِ ُ ُمْ ِ َجْ ِ ا ِ َ ُ ِي ُ ِن ُمْ َ َاء َ َ ُ ُو ًا " )النسان 8-9( .‬ ‫وأس ر إنم ن عمك لو ه ّ ل نر د م ك جز ول شك ر‬ ‫ل‬ ‫11-عدم مقاتلة العدو إذا ما ألقى السلح وأعلن عدم الرغبة فى الحرب : " فإ ِ اعْ َ َُو ُمْ ََمْ ُ َا ُِو ُمْ‬ ‫ن تزل ك فل يق تل ك‬ ‫82‬ ‫ََلْ َوْاْ َِيْ ُ ُ ال َّ َ َ َا َ َ َ ا ّ َ ُمْ ََيْ ِمْ َ ِي ً " )النساء:09( .‬ ‫وأ ق إل كم سلم فم جعل ل لك عل ه سب ل‬ ‫21-ينهي السلم عن وضع الغلل فى رقاب السرى إذلل لهم . يقول النبي لصحابه وهو خارجون‬ ‫للقتال : انطلقوا بإسم ال وعلى بركة ال . ل تقتلوا شيخا فانيا ول طفل ول امرأة . ول َ ِّوا ..‬ ‫تغل‬ ‫وأصلحوا إن ال يحب المصلحين.‬ ‫31-حرم السلم النهب وأوجب على المقاتلين أل يستولوا إل على ما يفى باحتياجاتهم ، كما نهى عن‬ ‫إتلف الزرع وقطع الشجار والفتك بالحيوان، ونهي عن الجهاز على الجريح .‬ ‫ومما سبق يبدو بوضوح أن قوانين الحرب فى السلم هى قوانين رحمة ، ل سوط عذاب: " وما‬ ‫أرسلناك إل رحمة للعالمين" .‬ ‫وإذا ما تمت المقارنة بين هذه التعاليم النسانية السامية وما جاء فى " التوراة " من قوانين خاصة‬ ‫بالحرب . نجد الفرق هائل ، بل مخيفا ومروعا. يقول النص التوراتي : " فتجندوا على مديان كما أمر الرب‬ ‫وق ّلوا كل ذكر ، وملوك مديان قتلوهم فوق قتلهم .. وسبى بنو إسرائيل نساء مديان وأطفالهم ونهبوا جميع‬ ‫ت‬ ‫بهائمهم وجميع مواشيهم وكل أملكهم . وأحرقوا جميع مدنهم بمساكنهم وجميع حصونهم بالنار. وأخذوا كل‬ ‫الغنيمة وكل النهب من الناس والبهائم " )عدد 13 : 7-11( .‬ ‫وفى سفر " التثنية " تنص التوراة على القتل والحرق والبادة الكاملة : " فضربا تضرب سكان تلك‬ ‫المدينة بحد السيف و ُح ّ ُها بكل ما فيها مع بهائمها بحد السيف. تجمع كل أمتعتها إلى وسط ساحتها وتحرق‬ ‫ت رم‬ ‫بالنار المدينة وكل أمتعتها كاملة للرب إلهك فتكون تل إلى البد ل تبنى بعد " )تثنية 31 : 51-61( .‬ ‫هذا ما نص عليه كتاب اليهود " المقدس " وهو أيضا مقدس بالنسبة للمسيحيين ، فالمسيحيون يؤمنون‬ ‫بالتوراة إيمانهم بالناجيل ، أى أن كل من اليهود والمسيحيين يؤمنون بما نصت عليه قوانين الحرب التوراتية‬ ‫من تدمير وحرق وإبادة شاملة دون رأفة أو رحمة. وهذا ما فعله اليهود خلل كل أطوار حياتهم كلما ملكوا‬‫82‬ ‫,1891 ,‪Afzalur Rahman, Muhammad, Ecycopadia of Seerah, vol. I, The Muslim School Trust, London‬‬‫.866 -566 .‪pp‬‬
  24. 24. ‫مقدرة الفعل ، وما يفعلونه بفلسطين اليوم من إبادة جماعية وهدم للمدن وتدميرها تدميرا كامل وقتل الطفال‬ ‫حتى الرضع منهم ، خير دليل على أنهم ينفذون التعاليم الشيطانية التى يعتقدون أن الرب قد أملها على نبيهم‬ ‫فى التوراة .‬ ‫ولقد فعل المسيحيون ما هو أسوأ أثناء الحروب الصليبية التى أبادوا فيها عشرات اللف من المسلمين‬‫إبادة كاملة دون شفقة أو رحمة ، معتقدين أنهم يحاربون فى سبيل الصليب ، ونسى السفهاء أن صاحب الصليب‬ ‫كان داعية سلم . كانوا ينفذون التعاليم الشيطانية التى اعتقدوا – كما اعتقد اليهود – أنها من وحي الرب .‬ ‫)5(‬ ‫الغـزوات والسـرايا‬ ‫" السرية " – كما يرى كتاب السيرة – هى مجموعة صغيرة من المقاتلين تحت إمرة واحد منهم يعينه‬ ‫النبى ، تخرج للستطلع والحراسة ، وأحيانا تقاتل إذا ما دعت الحاجة للقتال .‬ ‫أما " الغزوة " فهى التى يخرج فيها النبى بنفسه على رأس الجيش المقاتل ، وربما قاتلوا وربما لم‬ ‫يقاتلوا ، والذى حدث بالفعل هو أنه فى أغلب الغزوات لم يقاتل النبى ، ربما لفرار العدو أو لعقد الصلح أو‬ ‫لسباب خارجة عن قدرة الفريقين المتحاربين كما حدث فى غزوة الخندق عندما ثارت الطبيعة واشتدت الريح‬ ‫مما أدى إلى انسحاب الحزاب .‬‫ويروى ابن سعد ، عن آخرين ، أن عدد مغازى النبى التى غزا بنفسه كان سبعة وعشرين غزوة ، وكانت‬ ‫سراياه التى بعث بها سبعا وأربعين سرية ، وكان ما قاتل فيه من المغازى تسع غزوات : بدر القتال وأحد‬‫والمريسيع والخندق وقريظة وخيبر وحنين والطائف . فهذا ما اجتمع لنا عليه .92 وما ع ّ َ ابن سعد ثمانية فقط ،‬ ‫دد‬ ‫فكيف يقول إنها تسع ؟!!‬ ‫سرية حمـزة :‬‫ومما يدل على جنوح المسلمين للسلم وعدم نزوعهم للقتال ، هو أن أول سرية يأمر النبى بخروجها ، وقد‬ ‫عقد لواءها لعمه حمزة بن عبد المطلب ، لم تؤمر بقتال كما أن السرية التى تلتها ، وهى سرية عبيدة بن‬ ‫الحارث ، هى أيضا لم تقاتل .‬ ‫كان خروج حمزة فى الشهر السابع من الهجرة ، وقد خرج فى ثلثين رجل من المهاجرين ، ولم يخرج‬ ‫معهم من النصار أحد ، ذلك لن النصار كانوا قد تعاهدوا مع النبى على حمايته إذا ما هوجم فى المدينة .‬ ‫ابن سعد ، جـ ٢ ، ص ٥-٦ .‬ ‫92‬

×