• Share
  • Email
  • Embed
  • Like
  • Save
  • Private Content
The holy origami by jaafar hamza
 

The holy origami by jaafar hamza

on

  • 849 views

 

Statistics

Views

Total Views
849
Views on SlideShare
849
Embed Views
0

Actions

Likes
1
Downloads
70
Comments
0

0 Embeds 0

No embeds

Accessibility

Categories

Upload Details

Uploaded via as Adobe PDF

Usage Rights

© All Rights Reserved

Report content

Flagged as inappropriate Flag as inappropriate
Flag as inappropriate

Select your reason for flagging this presentation as inappropriate.

Cancel
  • Full Name Full Name Comment goes here.
    Are you sure you want to
    Your message goes here
    Processing…
Post Comment
Edit your comment

    The holy origami by jaafar hamza The holy origami by jaafar hamza Document Transcript

    • ‫ت�سميم و�خر�ج: ح�سن �أحمد‬‫تدقيق لغوي: مرت�سى ح�سن �لغريب - مريز� �لربي‬ ‫3341 ‪Ω 2012 - ` g‬‬
    • ‫‪‬‬ ‫�إىل �لإن�سان �ملتحرر من "�سندوقه �لأ�سود" لينطلق يف ميادين‬ ‫�حلياة ِب َنف�ص جديد كل يوم..‬ ‫َ ٍ‬‫�إىل �لإن�سان �مل�سلم �ملالك لأعظم طاقة فكرية ومنهج حياة ف�س َلى‬ ‫جُ‬ ‫مر�سومة يف كتاب �سماوي خالد.‬ ‫�إىل من ميتلك "�خلارطة �لينية" بحياة دنيا و�آخرة..‬ ‫�أقدم هذه "�لنافذة �ل�سغرية" على تلك �خلارطة �لعظمى...‬ ‫ّ‬ ‫جعفر حمزة - مملكة �لبحرين‬ ‫�سهر رم�سان �ملبارك ٣٣4١هـ ‪20١2 ‬م‬
    •    09 GPS 13    25   31   37  43 
    •   51  59   67   73  81  87   93
    •  101   "" 107    113   121    127  133   138
    • ‫‪‬‬ ‫‪...¬«pq Wh ¥QƒdG ™æ°U ÚH‬‬ ‫حترير �لإن�سان من قيود �لفكر �ملرت��سة بني يديه، و�لتي ت�سكل �أطر ً� لفهم ذ�ته وما حوله، نتيجة‬ ‫ّ جُ‬ ‫َّ‬ ‫جُ‬ ‫عرف �أو عقل جمعي منذ ولدته، كل ذلك يجعله يف "�سندوق �أ�سود" ي�سعب عليه �خلروج منه، �إل‬ ‫جُ‬ ‫يف حالة و�حدة فقط، وهي "�إذكاء �لفطرة" و�إطالقها بحريتها �لطبيعية لتبحث وت�ساأل مثل �آدم ل‬ ‫يتوقف حتى جُي�سبع َنهم �ملعرفة و�ل�سوؤ�ل عنده. �سوؤ�ل �لفطرة و�لعفوية �لد�فع لت�سكيل م�سار ه�سم‬ ‫َ‬ ‫معنى �لوجود و�لعمل على توظيفه يف �أف�سل �سورة.‬ ‫وقد ل تكون تلك �لفطرة كافية لتحرير �لطاقة �لكامنة يف �لإن�سان ل جُيدرك من �أين و�إىل �أين وكيف‬ ‫وماذ� وملاذ� وهل؟.‬ ‫فكان ل بد من معزز خارجي ‪ catalyst‬ي�ساعد يف "�سحب" تلك �لطاقة �إىل جانب "دفع" �لفطرة‬ ‫جُ ِّ‬ ‫من �لد�خل.‬ ‫ومت ََّثل �ملعزز �خلارجي يف �لأنبياء و�لر�سل حماولني "�سحب" تلك �لطاقة �لكامنة لتخرج من �أجل‬ ‫�لإعمار و�لإ�سالح و�ل�ستخالف �حلقيقي لالإن�سان على �لأر�ص.‬ ‫وكانت �أد�ة "�لتد ّبر" هي �لأد�ة �لناجعة يف حترير تلك �لطاقة من مكمنها �ملند�ص حتت ركام‬ ‫�لربجمة �لماعية و�لإن�سد�د �إىل ما هو "متفق" عليه يف �ملجتمع، فكان }بل قالو� �إِنا وجدنا‬ ‫َ ْ َ ُ َّ َ َ ْ َ‬ ‫�آباءنا علَى �أُمة و�إنا علَى �آثارهِ م مهتدُون{ �لزخرف 22‬ ‫َ َ َ َ ّ َ ٍ َ ِ ّ َ َ َ ِ ُّ ْ َ َ‬ ‫خارطة طريق �أولئك �لغا�سون �لطرف عن فهم طاقتهم �ملكبوتة.‬ ‫ومل تقت�سر مهمة �لأنبياء و�لر�سل على حترير �لإن�سان من عبوديته �لأوىل �ملتمثلة يف �لإنغالق‬ ‫على �لن�ص �حلركي للعقل �لمعي �ملوجود يف �ملجتمع، بل و��سل �سري ذلك �لتحرير بالدعوة لعدم‬‫9‬
    • ‫الإنغالق �أي�ض ًا يف فهم الن�صو�ص املقد�سة املتمثلة يف الكتب ال�سماوية، و�أبرزها و�آخرها القر�آن‬ ‫الكرمي، معجزة �آخر الأنبياء والر�سل، ومعجزة �آخر الزمان.‬‫وت�أتي دعوة "الت�أمل والتد ّبر" من نف�س الكتاب املقد�س وهو القر�آن الكرمي، كالم اهلل تعاىل، وكل‬‫ن�ص له قابلية ت�أويله، مما خلق تعدد ًا يف املدار�س الفكرية واملذاهب، وهذه طبيعة ب�شرية را�سخة،‬ ‫ٍّ ّ‬‫فلكل منا نافذته التي يطل عليها لنف�س الغرفة املقد�سة وهي القر�آن الكرمي، ويكون مدار احلديث‬ ‫عن نف�س الغرفة ال غريها.‬‫ومع وجود ن�ص ديني مقد�س وهو كالم اهلل املوجود يف القر�آن الكرمي، ومع وجود ن�صو�ص �أخرى‬‫من ال�سرية تف�سر كالم اهلل تعاىل، تبقى الدعوة للت�أمل والتدبر مفتوحة. وهذا ما مييز الإ�سالم‬ ‫ّ‬‫عن غريه، فلي�س هناك ن�ص وقفي يلزمه فهم وقفي �أي�ض ًا يف كل القر�آن الكرمي، بل هناك م�ساحة‬ ‫ٌ‬ ‫جُ ّ‬‫للتدبر والدخول يف عمق بحر لي يف كالم اهلل تعاىل، واحلديث هنا عن كالم اهلل تعاىل وعملية‬ ‫الإ�سقاط احلركي لآياته يف حياتنا املعا�صرة، ولي�س لتلك التي لها جنبة ت�شريعية وا�ضحة ومثبتة.‬‫وهذا ما ين�سف �أي �سلوك كهنوتي ُيبعد العقل عن التدبر والتفكري ويح�صر الأمر على فئة دون‬ ‫�أخرى.‬ ‫ومن منطلق الآية الكرمية }�أَفل يتدبرُ‌ون القرْ‌�آن �أَم علَى قلوبٍ �أَقفالهَا{ حممد 42‬ ‫َ اَ َ َ َ َّ َ ْ ُ َ ْ َ ُ ُ ْ َ ُ‬‫ت�أتي هذه التجربة املتوا�ضعة من فرد م�سلم م�ؤمن بتحرير الطاقة الكامنة يف التفكري والتمثيل‬ ‫العملي للآيات يف كل ع�صر وم�صر.‬ ‫ِ‬‫فالإ�سالم قدم القر�آن كتاب ًا �سماوي ًا خلامت الر�سل، وما زال هذا الكتاب يزخر ببحور ي�ستحق بناء‬ ‫ّ‬ ‫�سفن التدبر والعمل لها.‬‫الأوريغامي ‪ ،origami‬هو فنٌ ياباين لطي الورق، فمن ورقة عادية ميكن �أن يخرج منها �ألف‬‫�شكل و�شكل، وحتوي الآيات القر�آنية التي حتت�ضنها كل �صفحة من القر�آن قدرة هائلة من املعاين‬ ‫والدالالت التي ال تنتهي، لذا كان القر�آن الكرمي �صاحل ًا لكل زمان ومكان.‬ ‫01‬
    • ‫جتربة متوا�ضعة يحاول الكاتب �أن يطوي الورق بطريقته اخلا�صة ليقدمه للقاريء، والذي ب�إمكان‬ ‫الأخري �أي�ض ًا �أن يطوي عرب "التدبر" نف�س الآيات ليقدم �شكال �آخر وهكذا. لتطوف عقول املتدبرين‬ ‫ً‬ ‫حول �أقد�س و�أ�صفى ينبوع فتنهل منه �سلوك ًا وفكر ًا ير�سم مالمح منتجة يف الثقافة وال�سيا�سة‬ ‫ُ‬ ‫واالقت�صاد، وتبقى متعة التدبر والربط بالقر�آن الكرمي �أف�ضل "مترين" ميكن للفرد القيام به‬ ‫ليعي�ش كالم اهلل واقع ًا ملمو�س ًا ال بني دفتي م�صحف نلم�سه بجوارح ثالث فقط: اللم�س والنظر‬ ‫وال�سمع. بل تتعداه لتعي�ش يف البعد الثالث ومع التعمق فيه ن�صل للبعد الرابع واخلام�س و�أكرث.‬ ‫ّ‬ ‫ومن اجلدير بالذكر �أن بذرة الت�أمل والتدبر انطلقت قبل عام كامل من الآن ب�صورة ب�سيطة يف‬ ‫�صفحتي ال�شخ�صية يف الفي�س بوك، وكان التفاعل متوا�ضع ًا، لتكون امل�ساحة اجلديدة للت�أمل ون�شره‬ ‫عرب جمموعة �شبابية با�ستخدام برامج التوا�صل يف الهواتف الذكية. وكان �شهر رم�ضان قبل عام‬ ‫من ن�شر هذا الكتاب هي البيئة اخل�صبة للت�أمل وزراعة الأفكار ون�شرها، ليكون "احل�صاد" بعد‬ ‫ح ْول كامل يف �شهر رم�ضان جديد.‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫ويحوي هذا الكتاب ٨١ ت�أمال لبع�ض �آي الذكر احلكيم، وي�ستند الت�أمل يف كثري منه على طريقة‬ ‫"طي" الفهم للكاتب، ويف البع�ض الآخر على ت�شابك م�ستند على �سرد الآيات وق�صتها وربطها‬ ‫بالواقع.‬ ‫�إ�ضافة اىل التدبر، �أ�ضاف الكاتب تلخي�ص بع�ض ر�سالة الآيات عرب �أ�شكال هند�سية، تعطي‬ ‫ملخ�ص ًا ب�صري ًا عن الآية وداللتها الت�أملية.‬ ‫وكما هو بي من عنوان الكتاب، فهو مقدم لت�أمالت لبع�ض الآيات، ال تف�سري لها.‬ ‫ّ‬ ‫ِنّ‬ ‫جتربة ب�سيطة، �أ�أمل �أن تفتح �آفاق ًا �أرحب لل�شباب امل�سلم يف الت�أمل و"طي" التدبر كل ح�سب قدرته‬ ‫ٌّ‬ ‫وزاويته ليقدم "�أوريغامي - تد ّبر" جديد، يعي�شه �سلوك ًا وفكر ًا و�إنتاج ًا يف ميادين احلياة املختلفة.‬ ‫ّ‬ ‫جعفر حمزة‬ ‫�شهر رم�ضان ٣٣٤١هـ - �أغ�سط�س 2102م.‬ ‫مملكة البحرين‬‫11‬
    • 12
    •   GPS13
    • ‫حْ َ ْ ُ هَّ ِ َ ِّ ْ َ َ‬ ‫ْ ِ هَّ ِ َّ ْ َ ِ َّ ِ‬‫}بِ�سم الل الرحمن الرحِ يم (1) المد لِل رب العا مَلِني (2) الرحمن الرحِ يم (3) مَالِكِ يوم‬‫َِْ‬ ‫َّ ْ َ ِ َّ ِ‬‫الدّين (4) �إِياك نعبد و ِ�إياك ن�ستعني (٥) اهْ دِ نا ال�صر‌اط ا مْلُ�ستقِيم (٦) �صر‌اط الذِ ين �أَنعمتَ‬ ‫ِ َ َ َّ َ ْ َ ْ‬ ‫َ ِّ َ َ ْ َ َ‬ ‫َّ َ َ ْ ُ ُ َ َّ َ َ ْ َ ِ ُ‬ ‫ِ ِ‬ ‫َ ْ ِ ْ َ رْ ِ‌ ُ َ ْ ِ ْ َ اَ َّ ِيّ‬ ‫علَيهم غي ا مْل َْغ�ضوبِ علَيهم ول ال�ضال (٧){‬‫ب�سم اهلل الرحمن الرحيم هي �آية ا�شتعال حمرك كل فعل وعمل ونية لل�سماء على وجه الأر�ض، هي‬ ‫ّ‬‫العنوان العام املتحرك با�سم خالق الكون، وهي الب�ساط املمتد من قلب امل�ؤمن يف �صناعة كل قوالب‬ ‫العمل الر�سايل والتغيريي يف املجتمع.‬‫الب�سملة �أول �آية يف القر�آن الكرمي وهي جزء ال يتجز�أ من �أول �سورة، �إذ تُعد جزء من احلمد،‬ ‫ً‬‫وميكن اعتبار الرتكيبة الو�صفية لهذه الآية �إختزاال مل�سار العبد �إىل ربه، فابتداء الإ�ستعانة باخلالق‬‫عرب "الباء" يف ذكر ا�سمه الأعظم الذي ال ُيطلق على غريه حتى مع الآلهة املزيفة الإن�سية منها‬ ‫�أوامل�صنوعة، فال ُيقال "اهلل" �إال �إليه فقط، وهو اال�سم اجلامع لكل �صفاته تعاىل.‬‫فيبد�أ العبد بذكر ا�سم اهلل وتعقيب ًا ب�صفتني اثنتني كدائرتني حميطتني بالعبد، دائرة الرحمانية‬‫والرحيمية، الأوىل هي الدائرة الأكرب ال�شاملة لكل املوجودات مما يعطي الدفعة الكونية للعبد‬‫ملعرفة حقيقية بخالقه وا�سع الرحمة لكل موجود، فبالتايل تكون نظرته وواقعه وتفاعله مع الأمور‬‫خمتلف ًا ومنطلق ًا من موقع قوة الإميان باخلالق الذي �أحاط بكل �شيء دون ا�ستثناء. وهو نف�س الأمر‬‫الذي يهبه التحرك للإكت�شاف والتفاعل والتمازج مع الكون املحيط به، فمن خلقه هو من خلق هذا‬ ‫الكون، فيكون التفاعل مع املحيط مطلوب ًا قبل �أن يكون متوقع ًا.‬‫ويتحرك للداخل يف �أعماق ذاته عرب خ�صو�صية الرحيمية املوقوفة لعباد اهلل امل�ؤمنني، وبالتايل‬ ‫ّ‬‫تكون �شرارة التغيري ابتداء بذكر ا�سم واهب الطاقة و�صانعها ا�سم ًا "اهلل"، ويردفها العبد بذكر‬ ‫41‬
    • ‫دائرتي الرحمن والرحيم، ليكون كل ما ومن يتحرك �إليه وفيه وعنه ومعه �ضمن تلك الدائرتني ال‬ ‫غري وال يكون فعال �أو واقع ًا �إال بهما.‬ ‫ً‬ ‫الب�سملة عنوان امل�ؤمن مما يجعلها عنوان ًا حقيقي ًا لكل فعل، واحلديث "كل �أمر ذي بال مل ُيذكر‬ ‫فيه ب�سم اهلل فهو �أبرت"، ي�شري �إىل �أنّ النق�صان يف كل �أمر مرهون بعدم اكتمال معادلة الكون‬ ‫الأ�سا�سية يف النظر والعمل يف الأمور، وهو وجود اهلل ذكر ًا ونية وحركة وعمال فيما نقوم به.‬ ‫ً‬ ‫ومت ّثل الب�سملة كقول اعرتاف ًا وا�ضح ًا باخلط العملي للإن�سان، فال يقول ال�سارق ب�سم اهلل وهو‬ ‫ي�سرق، وال يقول الزاين ب�سم اهلل وهو يزين، وال يقول القاتل ب�سم اهلل وهو يقتل، �إال ا�ستثناء من‬ ‫حتوير الدين برمته �إىل دين م�ش َّوه للفتك بالآخر بعناوين مقد�سة، فتكون الب�سملة من الأدوات‬ ‫ُ‬ ‫امل�ش َّوهة –بفتح امليم-، فرنى الإرهابي يذبح بريئ ًا ويذكر ا�سم اهلل عليه!، ومع ذلك ال يقول الزاين‬ ‫َ‬ ‫�أو ال�سارق ب�سم اهلل وهو يقوم بفعله!‬ ‫الب�سملة خطة وم�سار وخارطة طريق للم�ؤمن، وجهر ُه بها �إعالن بخطه الر�سايل، وهو ما يجعل فعل‬ ‫اجلهر بها من �صفات امل�ؤمنني، كما ورد يف احلديث عن الإمام الع�سكري "عليه ال�سالم":‬ ‫ّ‬ ‫(عالمات امل�ؤمن خم�س: �صالة �إحدى وخم�سني، وزيارة الأربعني، والتختم باليمني، وتعفري‬ ‫اجلبني، واجلهر بـ }ب�سم اهلل الرحمن الرحيم{).‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫واجلهر �إعالن عن حالته التي هو فيها، ولو بالإمكان قولها �إخفات ًا. وما القول جهر ًا �إال �إعالن‬ ‫�صوتي عن اخلط والتوجه والفعل بعدها، وهي حالة حركية ظاهرية لإبراز م�سارها �أينما كان‬ ‫امل�ؤمن.‬ ‫فال تقت�صر الب�سملة على ذكر اللفظ، بل هي "الو�صفة" التي ال تُلفظ �إال لأجل فعل ر�سايل �إن�ساين‬ ‫�سماوي مغيرّ للأف�ضل. ف�أ�صبحت الب�سملة عنوان ًا فا�صال منذ بداية الر�سالة، فرف�ضت قري�ش‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫الب�سملة يف العهد املكتوب بينها وبني الر�سول الأكرم (�ص)، وجزء منها بقي دون م�سا�س يف وثيقة‬ ‫قري�ش يف الكعبة التي �أكلتها الأَر�ضة -احل�شرة-.‬ ‫َ َ‬ ‫وتبقى الب�سملة عنوان امل�ؤمن يف حركاته و�سكناته كتميمة �سماوية تُذكره باملن�ش�أ وتُعينه على امل�سري‬‫51‬
    • ‫بذكرها لنف�سه. وك�أنها "اخلتم" الذي ي�ضعه امل�ؤمن على كل عمل ُيقدم عليه، وما لذلك "اخلتم"‬ ‫من هدفية ومعنى ور�ؤية وتغيري.‬ ‫حْ َ ْ ُ هَّ ِ َ ِّ ْ َ َ‬ ‫} المد لِل رب العا مَلِني {‬ ‫هنا ذكر نتيجة بو�صف ال�سبب.‬‫مبعنى �أن احلمد ال يكون �إال ل�سبب �أمر �أ�صلي ال عار�ض وهي النعمة، ومل ُيذكر هنا ال�شُكر بل‬‫احلمد، واحلمد تعظيم لأجل ما �صدر من �صاحب الإنعام، �سواء و�صل للفرد مبا�شرة �أم  مل ي�صل،‬ ‫بعك�س ال�شكر، وهو تعظيم لأجل �إنعام ي�صل للفرد مبا�شرة. ‬‫وبوابة الفاحتة ت�أتي من خالل حمد اخلالق املو�صوف بالآية بـ "رب العاملني"، فحركة احلمد‬‫اخلا�صة باهلل يتبعها و�صف هلل تعاىل. ف�أي خالق �أحب  باحلمد هلل  كرب العاملني؟ وبعد �إطالق‬ ‫ّ‬‫�شرارة م�صباح هذه ال�سورة بالب�سملة ي�ستمر زيتها باحلمد والو�صف للخالق يف عملية متوا�صلة‬‫من و�ضع م�سرية العبد يف عالقته مع ربه، وذلك عرب هذه الآية الأوىل التي �ستكون "نربا�س" كل‬ ‫ال�سورة.‬‫فعنوانها التوحيد املطلق، ونبذ لكل �آلهة غري اهلل، لت�سقط كل الأ�صنام مادية كانت �أو معنوية ليبقى‬ ‫الرب احلقيقي املالك للوجود واملانح للحياة دون غريه وهو اهلل جل وعال.‬ ‫ّ‬‫وعند �إدراك التوحيد تربز قيمة الإن�سان ب�إن�سانيته احلقة، بحريته وكرامته و�سبيل تكامله. فتعدد‬‫الآلهة �أو �إنحراف الطريق لغري اهلل الواحد الأحد ُيف�ضي �إىل ا�ستنزاف طاقة الإن�سان يف غري‬‫موردها، ليتم ا�ستغالله من قبل حمرتيف �صناعة الآلهة من رجال دين �أو �سلطة حاكمة، ويكون‬ ‫النتاج الب�شري من�صب ًا يف تلك ال�سيا�سة الدينية املُعلنة، فيكون الإ�سفاف بالعقل والفطرة مع ًا.‬‫فلي�س هناك كرامة لإن�سان دون توحيد خال�ص هلل، فغيابه ت�شويه لهدف اخللقة بوجود التعددية‬‫�أو بغياب اخلالق يف املجتمع، و�إذا غاب الهدف احلركي واملُكرم للإن�سان يف حياته الدنيا ب�سبب‬ ‫ّ‬‫ذينك ال�سبيلني "التعددية �أو الإحلاد"، غاب "الإن�سان" و�أ�صبح كمثل �إن�سان "الغاب". ال هدفية،‬ ‫ال كرامة وال بناء ي�شعر الإن�سان بقيمته يف هذا الوجود.‬ ‫61‬
    • ‫وهذه الآية الكرمية راية توحيد وا�ضحة وخمت�صرة.‬ ‫} الرحمن الرحِ يم ِ{‬ ‫َّ ْ َ ِ َّ‬ ‫وي�ستمر زيت الو�صف بالتدفق يف و�صف اخلالق لي�ضيء م�صباح قلب هذا الإن�سان �أكرث، فمن‬ ‫ت�صف وكيف ت�صف؟ ‬ ‫رب العاملني، وبعدها "الرحمن الرحيم" فهو اخلالق للعامل كله، و�أي�ض ًا هو الرحمن به والرحيم‬ ‫عليه، جمع بني �صفتي القدرة والرحمة، ولي�س بذي قوة رحيم وال كل ذي رحمة به قوة، �إال اهلل‬ ‫تعاىل.‬ ‫و�إعادة ال�صفتني هنا لي�س تكرار ًا بل و�صف ًا تكميلي ًا للوحة كونية متنا�سقة بني و�صف ال�سبب ور�سم‬ ‫طريق من ي�سري عليه.‬ ‫ويف ذلك تربية يومية يذكرها الإن�سان امل�سلم يف �صالته كل يوم "�ستني مرة"، در�سُ الرحمة من‬ ‫الرب، ليعك�سها الإن�سان يف �سلوكه مع املحيط، من �إن�سان وحيوان ونبات وجماد. در�س يزرع يف‬ ‫ٌ‬ ‫الإن�سان الرحمة واللني.‬ ‫} مَالِكِ يوم الدّين {‬ ‫َِْ ِ ِ‬ ‫�ألي�س من املنطقي �أن يكون خالق الكون هو مالك يوم القيامة والآخرة؟‬ ‫بالطبع وما ذكره هنا �إال لت�أكيد ذلك بالفعل وهو م�ؤكد بالقوة –عند الإن�سان-، والآية ت�صف‬ ‫بلفظني فقط م�شهد ًا مذهال ومهوال عن يوم القيامة.‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫"مالك" واملالك �أي امل�سيطر واملتحكم وكل �شيء �إليه راجع، وتنقطع كل الأ�سباب الظاهرية‬ ‫وتتج ّلى املالكية احلقيقية هناك يف يوم القيامة والعدالة املطلقة.‬ ‫"يوم الدين" وهو يوم الإن�صاف والعدالة ويوم اجلزاء وجت ّلي الدين فيه بكل عناوينه وم�صاديقه. ‬ ‫هو اليوم الذي يعتدل فيه ميزان الكون برمته-والذي �أخ ّله الإن�سان بطغيانه وطمعه- وي�أخذ كل‬‫71‬
    • ‫ذي حق حقه، ولي�س هذا مبدعاة للتواكل، بل هو حجة وثواب وجزاء تقدمه ال�سماء لكل من ي�سعى‬ ‫لإحالل هذا التوازن الكوين و�إرجاعه �إىل طبيعته عرب الفطرة ال�سليمة للإن�سان.‬‫ذلك اليوم الذي يدفع الإن�سان امل�ؤمن حل�ساب نف�سه جيد ًا منذ الآن، ففي الدنيا عمل بال ح�ساب‬‫ويف الآخرة ح�ساب بال عمل. مبد�أ املعاد تذكره هذه الآية الكرمية بطريقة خمت�صرة جد ًا وفـي‬ ‫لوحة �إعجازية عميقة.‬‫�أمل ال يتوقف عن احلركة والإجناز للدنيا، وحما�سبة ال تغيب حلظ العني للآخرة. ميزان مثايل‬ ‫مبهر لإحداث التغيري الإيجابي عند الإن�سان امل�ؤمن، �إذا ما �أدرك حقيقة "مالك يوم الدين".‬ ‫ُ‬ ‫ومن الب�سملة �إىل هذه الآية خط خلق كامل:‬‫ابتداء با�سم اخلالق املك ِّون وحمد للخالق وو�صفه بالربوبية للعاملني جميع ًا، و�إكمال ذلك الو�صف‬ ‫ٌ‬ ‫ً‬ ‫بالرحمانية والرحيمية و�صوال �إىل �إقرار هذه العظمة مبالكيته ليوم الدين. ‬‫�أربع �آيات فقط ت�صف ابتداء امل�سرية �إىل نهايتها متهيد ًا خلارطة طريق وا�ضحة يف الآيات الأربع‬ ‫املتبقيات يف ال�سورة املباركة.‬ ‫َّ َ َ ْ ُ ُ َ َّ َ َ ْ َ ِ ُ‬ ‫} �إِياك نعبد و ِ�إياك ن�ستعني {‬ ‫ً‬‫و�أول اخلطوات العملية للتغيري هو تزويد حمرك العمل للإن�سان امل�ؤمن باهلل بوقود العبودية �أوال،‬ ‫ّ‬‫ومفهوم العبودية هلل هو �أ�صل احلرية يف الكون، فم�ساحة العبودية هلل هي بحجم كل الكون دون‬ ‫حدود. ‬‫"�إياك نعبد و�إياك ن�ستعني" ال تكون الإ�ستعانة �إال من ذي قوة، وهي فعل الطلب، وال يكون‬‫الطلب �إال بتحقق من لديه تلك القوة، لذا وجب تثبيت �صاحب القوة قبل اال�ستعانة. فكان‬ ‫الإقرار بالعبودية قبل طلب اال�ستعانة.‬ ‫ُ‬‫وتبد�أ هذه الآية  مبخاطبة الإن�سان لربه -�إياك-  يف خطاب مبا�شر به القرب ال ال ُبعد، خطاب‬‫العبودية قبل اال�ستعانة، �إذ ال تكون الإ�ستعانة �إال بقوي ج ّبار، لذا بد�أ خطاب الإن�سان امل�ؤمن‬ ‫بالإعرتاف بالعبودية العملية لتكون الإ�ستعانة باملعبود متحققة.‬ ‫81‬
    • ‫والإقرار بالعبودية هنا معناه ت�سليم مطلق للعبد امل�ؤمن لربه، مما ينعك�س على �إظهار قوته يف كل‬ ‫ميدان يف احلياة، �إذ تت�صاغر �أمامه كل الدنيا دون تعظيم "خمتلق" �أو �أخذ ب�أ�سباب �أر�ضية فقط،‬ ‫وهو ما يجعل امل�ؤمن ع�ص ِّي ًا على من يريد �إذالله وا�ستعباده يف الدنيا، ليكون حر ًا طليق ًا يف كل‬ ‫َ‬ ‫ميدان، ومنتج ًا فاعال �أينما كان يف كل جماالت احلياة، ليعي�ش العزة يف نف�سه دون ارتباط �أر�ضي‬ ‫ً‬ ‫يحد من حريته ك�إن�سان ميلك م�صريه، فيتحرر من كل قيود اال�ستعباد ب�شتى ال�صور يف ال�سيا�سة‬ ‫واالقت�صاد والثقافة.‬ ‫وتكرار اال�ستعانة ب�إياك بعد تكرار العبودية بها، ت�أكيد م�ستمر ومتوا�صل يف ذلك اخلط الذي يبد�أ‬ ‫ب�إقرار التمازج مع حركة الكون الطبيعية يف العبودية لتكون منطلق ًا للتغيري ب�أداة الإ�ستعانة.‬ ‫وعندما يقر العبد بعبوديته ملواله، ف�إن املوىل يهبه القدرة والت�صرف مبا يكون للموىل له هدف‬ ‫وللعبد به قدرة وتطور.‬ ‫ ‬ ‫َ ِّ َ َ ْ َ َ‬ ‫} اهْ دِ نا ال�صر‌اط ا مْلُ�ستقِيم {‬ ‫بعد و�صف هلل عروج ًا �إىل و�ضع حجر الأ�سا�س من اعرتاف حقيقي للعبودية �إىل دافعية اال�ستعانة،‬ ‫ت�صل الآيات �إىل مفرتق الطرق بعد كل تلك الآيات الكرميات التي وفرت الأر�ضية لتقدمي الأدوات‬ ‫للإن�سان من �أجل معرفة موقعه يف الكون -�إياك نعبد- وكيف يبد�أ -�إياك ن�ستعني-.‬ ‫يكون م�سار الإن�سان الر�سايل العابد العامل هو الو�صول �إىل ال�صراط امل�ستقيم، وال يكون ذلك‬ ‫بدون هداية، فال القلب وحده يكفي مبعزل عن العقل للو�صول �إىل ال�صراط امل�ستقيم، وال العك�س‬ ‫�صحيح.‬ ‫فالهداية يلزمها �ضلعان �أر�ضيان وثالث �سماوي وهو الأهم، فال�ضلعان الأر�ضيان هما القلب‬ ‫للإميان والعقل للر�سالة، وال�ضلع الثالث هو الهداية والتوفيق.وهل هناك �صراط غري م�ستقيم؟‬ ‫كل ال�س ُبل ولو كانت معبدة والتي تفتقد �إىل �إ�شارات �سماوية فيها تكون غري "م�ستقيمة"، �إذ يكون‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫من ورائها ب�شر، وبالتايل تكون نظرته قا�صرة، والنتيجة وجود �سبل وطرق غري حممودة العواقب‬‫91‬
    • ‫لنق�ص معبدها. ‬ ‫ُّ‬‫لذا ال بد للإن�سان من م�سار يكون عليه ال مبعنى اجلرب الفر�ضي، بل بعنوان ال�سنة الكونية التي‬ ‫ُ‬ ‫َّ َ َ ْ َ ُ َّ ِ َ َّ َ ِ ً َ َّ َ ُ ً‬‫يكون له مطلق اختيار ما يريد من م�سار } �إِنا هديناه ال�سبيل �إِما �شاكر‌ا و�إِما كفور‌ا {الإن�سان 3،‬ ‫فاالختيار بني يديه ال جرب مطبق وال تفوي�ض مطلق يف حركاته و�سكناته.‬ ‫ُ‬‫ فاختيار ال�صراط �أو امل�سار �سنة كونية ملعرفة �إىل �أين تتجه ومل تتجه وكيف تتجه؟ �إىل هدفية‬ ‫ُ‬‫الوجود �إليك، وال يعيق ذلك كل العوار�ض احلا�صلة يف احلياة من موت �أو مر�ض �أو �سجن �أو غريها‬‫من �أمور قد تبدو �أنها تُبطئ حركة ال�سري يف ذلك ال�صراط، لذا ترى الكثري من الآيات والأحاديث‬‫التي تدفع يف اجتاه امل�سري ولو اعرت�ض عار�ض فيه و�أدى �إىل الغياب الأر�ضي و�أنت ما زلت تعمل‬ ‫يف ذلك ال�سبيل.‬‫وما حديث �أمري امل�ؤمنني علي بن �أبي طالب (ع)  �إال مثال ود�ستور عملي جميل يبني ذلك ويقدمه‬‫بطريقة عملية "اعمل لدنياك ك�أنك تعي�ش �أبداً واعمل لآخرتك ك�أنك متوت غداً". تلك هي‬‫معادلة الإنتاج دون توقف. وال تكون �إال يف �صراط م�ستقيم ي�ضمن ا�ستمراريتها، ووقودها الذي‬ ‫ي�ضخه الإميان بحقانية هذا ال�صراط و�أزليته.‬‫فما دام ال�صراط الذي مت�شي عليه "م�ستقيم ًا" ف�ضمان نتاجه دني ًا ملمو�س ًا ولو بعد حني، ويف‬ ‫الآخرة م�ضمون ًا بلحاظ الوعد الإلهي يف ذلك. ‬‫وما دام ال�صراط امل�س�ؤول عنه من رب العاملني بقول "اهدنا"، فطلب الهداية هنا من رب العباد،‬‫ف�سيكون اجلواب يف حمله ال غري، ومع ذلك ي�أتي التو�صيف عرب الت�صنيف التايل ك�إ�شارات طريق،‬‫تلك "طريق غري معبدة" وتلك "�أمامك مرتفعات" وثالثة "الطريق غري �سالكة"، لذا ال بد من‬ ‫و�صف �أي �صراط هو املق�صود.‬‫ت�أتي الآية التالية لتو�ضيح ال�صراط وماهيته.} �صر‌اط الذِ ين �أَنعمتَ علَيهم {هو ال�صراط الذي‬ ‫ِ َ َ َّ َ ْ َ ْ َ ْ ِ ْ‬‫�سلكه ال�سائرون املُنعم عليهم من ف�ضل اهلل ونعمه التي ال تحُ�صى، وكما تذكر بع�ض التفا�سري هو‬ ‫َ‬ ‫ملن �شملته بالنعمة الإلهية وهم �أربع جمموعات ذكرتها الآية الكرمية يف �سورة الن�ساء، وهي:‬ ‫02‬
    • ‫ِ َ َ ّ َ ُ َ َ َ َ َ ّ َ َ ْ َ َ ُ َ ْ ِ ْ َ ّ َ ِ َ َ ِ ّ ِ ِ َ َ ُّ ِ‬ ‫}ومنْ يُطِ ع اهلل والر�سول ف�أُولئِك مع الذِ ين �أَنعم اهلل علَيهم مِ ن النبيني وال�صدّيقني وال�شهَداء‬ ‫ََ‬ ‫وال�صالني وح�سن �أُ‬ ‫َ َّ حِ ِ َ َ َ ُ َ ولئِك رفِيقاً{ الن�ساء 96.‬ ‫َ َ َ‬ ‫بداية ظهور النعمة تبد�أ بزلزال �أر�ض املجتمع بوجود الأنبياء و�إعالن الثورة، ومن ثم يكون ال�صف‬ ‫الثاين لهم ممن �أنعم اهلل عليـهم وهم ال�صديقون ملوا�صلة م�سرية الإ�صالح والثورة على ظلم‬ ‫الإن�سان لنف�س ــه وغريه، وبعدها ت�أتي مرحلة الت�ضحية والفداء بالـ ــروح عب ــر ال�شه ــداء لتثب ــيت‬ ‫هــذا الطريـق ودفــع ثمن ــه على الأر�ض، ويك ـ ــون املـ�ســار الأخ ـيـر هو ا�ستم ــرار لذلـك النهج عبـر‬ ‫} ال�صاحلني { العاملني يف املجتمع. وتلك املجموعات �أ�شار �إىل نكتتها �صاحب تف�سري الأمثل.‬ ‫} غي ا مْل َْغ�ضوبِ علَيهم {‬ ‫َ رْ ِ‌ ُ َ ْ ِ ْ‬ ‫من كان مغ�ضوب ًا عليه تنعدم معه الإ�شارات للو�صول �إىل طريق م�ستقيم، فعندما يتحرك العبد‬ ‫وهو مغ�ضوب عليه من اهلل، نتيجة �أي �سبب ي�ستلزم ذلك الغ�ضب، فال ميكن �أن يهتدي لل�صراط‬ ‫امل�ستقيم، لأنه بب�ساطة فقد "بو�صلة" الطريق.‬ ‫هم �أولئك الذين اختاروا العناد و�صم الآذان وتغييب العقل مع الفطرة من �أجل م�صاحلهم الآنية،‬ ‫�أولئك الذين ا�ستحبوا احلياة الدنيا على الآخرة، هم املعاندون املنافقون امل�شحونون حقد ًا و�سواد ًا‬ ‫على �سبيل ال�سماء، فكان الغ�ضب الإلهي ن�صيبهم. واليهود املعاندون هم �أبرز م�صداق لهذه الآية‬ ‫كما تذكر كثري من التفا�سري القر�آنية، بحكم �سلوكهم الدموي بقتلهم الأنبياء تارة وبحكم �سلوكهم‬ ‫الدعائي املقيت �ضد الأنبياء وامل�صلحني تارة �أخرى وهم الأمنوذج الأبرز لعنوان } غي ال َْغ�ضوبِ‬ ‫َ رْ ِ‌ مْ ُ‬ ‫علَيهم {. ومي�ضــي على هذا ال�سبـيل من انتهج فكرهم و�سلوكهم، ه ــم امل�صـداق الأو�ضح، و�صـور‬ ‫َ ِْْ‬ ‫} ا مْل َْغ�ضوبِ علَيهم { ال تتوقف يف كل زمان ومكان.‬ ‫ُ َ ِْْ‬ ‫َ اَ َّ ِّ‬ ‫} ول ال�ضالني {‬ ‫ وبعد ا�ستثناء املغ�ضوب عليهم ممن ال ميكنهم �أن يكونوا على �صراط �سوي وم�ستقيم، هناك الفئة‬ ‫الأخرى "ال�ضالني"، وما يحويه عنوان ال�ضالل من تخبط يف م�سار الفطرة الإن�سانية، و�ضياع‬ ‫بو�صلة ال�سري �إىل اهلل من خالل "�ضاللهم" يف �أنف�سهم وللآخرين. وهم املنحرفون من الن�صارى ‬ ‫كما ذكرت التفا�سري. ممن �ضلوا طريق الهداية والفهم احلقيقي لديانتهم، فيكون الت�شوي�ش‬ ‫ّ‬‫12‬
    • ‫والتزوير مالم�س ًا ل�سلوك �أولئك املنحرفني عن خط ال�سيد امل�سيح (ع). وت�سري م�صاديق } ول‬ ‫َ اَ‬ ‫ّ‬ ‫َّ ِّ‬ ‫ال�ضالني { على كل من �ضل ال�سبيل ومترت�س بالزيف.‬‫فمعادلة الو�صول �إىل ال�صراط امل�ستقيم. بعد و�صف رب العاملني وو�صفة العمل يف الدنيا عرب‬‫�إقرار بالعبودية واال�ستعانة به، يكون من خالل الو�صول �إىل نهاية هذه العملية برمتها، ال�صراط‬‫امل�ستقيم وما بعد ال�صراط امل�ستقيم �إال النهاية املتوقعة يف �آخر �سل�سلة ت�صنيع احلياة، وهي‬ ‫ر�ضوان اهلل والفالح الأكرب. ‬‫هي الفاحتة، فاحتة كل باب للتغيري هي فاحتة حكاية الب�شر كلهم، هي الد�ستور الكوين مل�سرية‬ ‫الإن�سان. هي خارطة الطريق لكل م�سار للتغيري.‬ ‫22‬
    • ‫‪≥jô£dG áWQÉN‬‬ ‫‪á–ÉØdG IQƒ°S‬‬ ‫�لإنطالقة‬ ‫معرفة م�سدر �لقوة‬ ‫(�لب�سملة)‬ ‫(�سفات �لرحمة)‬ ‫�لعمل بالعبودية‬ ‫�عرت�ف للتغيري‬ ‫(�حلمد و�لربوبية)‬ ‫(عبودية و��ستعانة)‬ ‫طاقة م�ساعفة‬ ‫ل�ستمر�ر �لعمل‬ ‫��ستثناء�ت �لطريق‬ ‫(مالك ّية يوم �لدين)‬ ‫(�ملغ�سوب عليهم‬ ‫و�ل�سالني)‬ ‫�ختيار �لطريق‬ ‫(�لهد�ية)‬‫32‬
    • 24
    •   25
    • ‫هناك ح�سابات يبدو من ظاهرها غري ما تُبطن، ما يجعل الفكر الب�شري وكثري ًا من التحليل‬‫املو�سوم باملنطقي �أو الواقعي يقف عاجز ًا عن �إدراكها بعد حني. فتدفع احلكيم للرت ّيث يف �إ�صدار‬ ‫احلكم �أو اال�ستعجال يف البناء على ظاهر الأمر.‬‫ويف هذا الأمر نكتة لها ربط متني بوجود قوة مهيمنة وحاكمة و�إن مل ندرك اخلط الزمني املتوا�صل‬‫ل�سري �أي حركة، فمهما بلغ الإن�سان من ب�صرية ومعرفة، يظل عاجز ًا وق�صري نظر عن �إدراك لوحة‬ ‫الكون الكلية �إن اعتمد فقط على قدرته الذاتية.‬‫مثله كمثل من ينظر �إىل ثقب �صغري وال يرى �إال لون ًا واحد ًا فقط، ويقنع نف�سه ب�أن ال �شيء ُيثري‬‫الإهتمام وراء الباب، فما هو �إال لون واحد ال غري. وهو ال ُيدرك �أن لوحة جميلة وغاية يف الدقة‬ ‫َّ‬‫وكبرية جد ًا من وراء ذلك الباب، وهو مل ير �سوى جزء منها، ولو �أدرك الأمر لتوقف عن النقد ملا‬ ‫َ‬ ‫يراه.‬‫وهذا املفهوم عنوان �أ�سا�سي يف حركة امل�صلحني كما التابعني لهم وامل�ؤمنني، لأنه ي�شكل "اخللطة‬‫ال�سرية" لل�صرب و�إدراك امل�صلحة بعد حني، ال مبعنى التواكل واال�ست�سالم، بل مبعنى فتح الإدراك‬ ‫خليارات ال ميكن للعقل الب�شري �إداركها.‬‫وبالتايل يكون الإن�سان  امل�ؤمن بهذه اخللطة مدرك ًا ملا هو �أبعد من "ثقب باب" احلياة التي يعي�شها.‬ ‫ُ‬‫�إنّ خط الإ�صالح الب�شري الذي تخطه ال�سماء لأهل الأر�ض، ي�أتي وفق "كوكتيل" بني الأ�سباب‬‫الأر�ضية والر�ؤية ال�سماوية، ويت�شكل هذا اخلط امل�ستقيم مع الوقت ويتكثف ليتحول �إىل دائرة هي‬‫نواة "الثقب الأ�سود ‪ "Black Hole‬اجلاذب �إليه كل ذي فطرة �سليمة يف املجتمع لإعمار الأر�ض‬‫و�إ�صالحها، �سواء كان من الطبقة احلاكمة �أو من عوام النا�س، وال �أدل على ذلك من اتباع‬‫الأنبياء من قبل طبقات ذات ثراء �أو جاه �أو منزلة و�سلطة، كامللكة بلقي�س وحتولها لدين نبي اهلل‬‫�سليمان و�أ�صحاب الكهف وهم يف مرتبة وزراء وقادة ع�سكريني وحتولهم �إىل ر�سالة ال�سيد امل�سيح‬ ‫ُ‬ ‫62‬
    • ‫وامر�أة فرعون وهي زوجة �أعلى �سلطة يف بالدها �سارت على خطى التوحيد لل�سماء.‬ ‫وقد تدمج "اخللطة ال�سرية" املتمثلة ب�إدراك امل�صلحة الغيبية يف احلا�صل من �أمور اخلارجة عن‬ ‫يد التغيري وبني "الثقب الأ�سود"، ليخرج من بني هذا وذاك مناذج تتمتع بح�س عميق فيما ت�ؤمن‬ ‫بغ�ض النظر عن حميطها الكابت لها.‬ ‫ومتثل امر�أة فرعون �أمنوذج ًا م�ؤمن ًا من ال�ضفة الأخرى يف املجتمع، من تلك الطبقة احلاكمة،‬ ‫ممن لها اجلاه واملال وال�سلطة والرفاهية والأمر. ومع كل ذلك فهي تختار مبلأ �إرادتها خط‬ ‫الفطرة املنادي للعدالة واحل�س الإن�ساين ال�سليم.‬ ‫و�ضمن �أحداث مت�صاعدة ي�صل النبي املوعود �إىل الق�صر الفرعوين، والذي �صدر منه قرار‬ ‫الت�صفية اجل�سدية لكل مولود جديد.‬ ‫ وذلك بتدبري من رب ال�سماء لو�صول مو�سى �إىل ق�صر فرعون ودخول امر�أة الأخري على خط‬ ‫َّ‬ ‫احلدث، يجتمع خطا التدبري من ال�سماء واحلركة على الأر�ض، ليخرج من بينهما احلدث املُغيرِّ.‬ ‫بقاء مو�سى وثورته بعد حني.‬ ‫والآية مو�ضوع التد ّبر حتكي مقطع ًا من م�شهد حدث داخل الق�صر الفرعوين.‬ ‫}وقالتِ امر�أَت فر‌عون قر‌ت عينْ ل ولك ل تقتلوه عَ�سى �أَن ينفعنا �أَو نتخِ ذه ولدًا وهُ م ل‬ ‫َ َ َ َ ْ َ َّ َ ُ َ َ َ ْ اَ‬ ‫َ َ َ ْ َ‌ ُ ِ ْ َ ْ َ ُ َّ ُ َ ٍ ِيّ َ َ َ اَ َ ْ ُ ُ ُ‬ ‫َُْ َ‬ ‫ي�شعرُ‌ون{ الق�ص�ص ٩‬ ‫خطاب يجري بني امر�أة فرعون م�صر مع زوجها، والبالد تبكي �أطفالها حتت قانون "الطواريء" ‬ ‫ٌ‬ ‫الذي �أ�صدره فرعون.‬ ‫قانون يق�ضي بقتل كل مولود ذكر، وذلك بناء على ر�ؤيا �أتت فرعون يف املنام، وكان تف�سريها‬ ‫مدعاة للقيام مبثل هذه املجزرة، خوف ًا من والدة "مخُ ّل�ص اليهود"الذي كان فرعون ي�ستعبدهم‬ ‫وي�سوموهم �سوء العذاب، ويتخذهم وقود ًا لإر�ضاء جربوته ف�ضال عن ت�سيري �أمور البالد الت�شغيلية،‬ ‫ً‬‫72‬
    • ‫كونهم من الطبقة الكادحة. قرار بالت�صفية الدموية لكل الأطفال الذكران من بني �إ�سرائيل، اعتمد‬ ‫ٌ‬‫فيه على "ر�ؤيا"، وهكذا هو حال املتجربين يف الأر�ض وامل�ستعلني غرور ًا وغطر�سة، فبقدر بط�شهم‬‫لإظهار قوتهم اخلارجية �إال �أنهم يعي�شون �أعلى درجات ال�ضعف والهوان والعجز، فيح�سبون كل‬‫�صيحة عليهم هم العدو، فاخل�شية من ظهور "�صوت معار�ض" يق�ض م�ضاجعهم، ويقبلون على كل‬ ‫جريرة وخطرية لأجل �إبقاء الأل�سن داخل �أفواهها.‬‫ومع كل البكاء والنحيب املمتزج ببكاء الأطفال الر�ضع يف �أرجاء كل حي، يكون طلب امر�أة فرعون‬ ‫ُ‬ ‫مبا�شر ًا وجريئ ًا بتبني طفل لهما!‬ ‫ّ‬ ‫} وقالتِ امر�أَت فر‌عون {‬ ‫َ َ َ ْ َ‌ ُ ِ ْ َ ْ َ‬‫مل يتم ذكر ا�سمها يف الآية ال�شريفة، بل هي زوجة فرعون الطاغية، والن�سبة لفرعون داللة على‬‫خط ما كانت عليه من مكانة وهي زوجة طاغية ع�صرها كله. وما لذلك من تبعات و�أزمات و�ضغط‬ ‫عليها وهي املر�أة امل�ؤمنة.‬‫لفة والتوافق وا�ستتمام‬ ‫ومن امللفت ذكر "امر�أة" فرعون ال زوجة، فالزوجة تُذكر يف حال حتقيق الأُ‬‫معنى الزوجية املعنوية يف جانب الأُلفة واملودة واملادية من جانب الإجناب، وهذا غري متحقق يف‬‫امر�أة فرعون، لذا مت ذكر "امر�أة" بدال من "زوج". فلم يكن هناك ت�آلف بينهما ال معنوي ًا وال‬ ‫ً‬ ‫مادي ًا، ال فكري ًا يف املنهج وال مادي ًا يف الإجناب.‬ ‫ُ َّ ُ َ ٍ ِيّ َ َ َ‬ ‫} قر‌ت عينْ ل ولك {‬‫تقدمي قرة العني لها للداللة على مكانتها يف قلب زوجها فرعون، و�أردفت "ولك"، لتُكمل �أُن�سها‬‫ب�أن�سه وفرحتها بفرحته،  وهذا يدل على الرغبة العارمة اخلفية لفرعون وزوجته يف تبني طفل‬ ‫ُ‬‫على �أقل تقدير، وهو ذلك ال�صراع بني ر�ؤية فرعون ب�أن يكون هالكه على مولود جديد يخ ّل�ص بني‬‫�إ�سرائيل منه، وبني �شعوره الأبوي وحنوه على زوجته بتلبية رغبتها، وتلك نكتة �إلهية يف �أن يكون‬ ‫الفرج حتى من عمق رغبة الطغاة يف �أمر ما.‬ ‫82‬
    • ‫اَ َ ْ ُ ُ ُ‬ ‫} ل تقتلوه {‬ ‫يبدو �أن قانون "الطواريء" ال�صادر من فرعون ال ي�ستثني زمان ًا �أو مكان ًا، فالقتل اجلماعي مل‬ ‫يكن خارج الق�صر الفرعوين فقط، بل �أن القتل ي�شمل كل ولد حتى لو كان يف الق�صر، وكان العقل‬ ‫اجلمعي حينذاك ق ْتل كل طفل مولود مهما كان و�أي ًا كان، ويدل على الوح�شية املتجذرة يف ذلك‬ ‫َ ُ‬ ‫الوقت دون رحمة لطفل. فكان خطاب اجلمع "ال تقتلوه" داللة على �أن �شركاء القتل للأطفال كُثرُ،‬ ‫من يت�سبب �أو ي�أمر �أو يقتل. كما ورد يف تف�سري امليزان للطباطبائي.‬ ‫} عَ�سى �أَن ينفعنا �أَو نتخِ ذه ولدًا{‬ ‫َ َ َ َ ْ َ َّ َ ُ َ َ‬ ‫تفكري براغماتي ظاهري من امر�أة فرعون، ت�ضرب به على الوتر احل�سا�س يف ا�ستجالب امل�صلحة‬ ‫اخلا�صة، ف�إما �أن يكون هناك نفع �أو اتخاذه ولد ًا، ويف كلتا احلالتني، تكون املنفعة لأهل فرعون ال‬ ‫غري.‬ ‫وما تقوله يبدو �إ�شارة �إىل عدم �إجنابهما للأوالد، وتلك اجلذبة من املحبة ملو�سى من امر�أة فرعون‬ ‫�آية من �آيات الكرامة لنبي اهلل مو�سى، وذلك من خالل قوله تعاىل } و�أَلقيتُ علَيك مبة مني‬ ‫َ ْ َ ْ َ ْ َ حَ َ َّ ً ِّ ِّ‬ ‫ولت�صنع علَى عينِي {. طه ٩٣ ‬ ‫َُِ ْ ََ َ َْ‬ ‫  ‬ ‫َ ْ اَ َ ْ ُ ُ َ‬ ‫}وهُ م ل ي�شعر‌ون{‬ ‫تتمثل �آية من �آيات اهلل الكربى يف �أن يدخل مو�سى "الثائر" قلب ق�صر فرعون "اجلائر". ليحت�ضن‬ ‫ق�صر الطاغية من �سيكون �سبب ًا يف هالكه. لذا عق ّبت الآية بـ "وهم ال ي�شعرون"، وكما يذكر‬ ‫تف�سري جممع البيان ب�أنهم ال ي�شعرون �أن هالكهم بني يدي مو�سى (عليه ال�سالم). ‬ ‫و�أفرد اهلل لهذه املر�أة العظيمة �سبب ًا لتكون و�سيلة �إنقاذ نبيه ومراعاته من داخل عرين الطاغية‬ ‫نف�سه، ونكتة �أخرى تدل على �أنها لها مكانة يف قلب فرعون ومهابة يف الق�صر، وهي ما زالت تخفي‬ ‫�إميانها، ف�أي عظمة هذه بني جنبي هذه املر�أة؟‬ ‫فقد كانت تتحرك لتكون طوق جناة لنبي مهدد بالقتل من �صغره، ُلي�ضاف �إىل تكتمها لإميانها دور‬ ‫ٌ‬ ‫ُ َّ‬ ‫ّ‬ ‫�آخر يت�سم باملخاطرة، وهي حماية هذا الطفل. فكانت طوق جناة لنبي، وامر�أة حتتفظ  بجذوة‬ ‫الإميان يف ق�صر من جليد.‬‫92‬
    • 30
    •  31
    • ‫}و�ضر‌ب اللَـه مثل للَذِ ين �آمنوا امر‌�أَت فرعون ِ�إذ قالتْ ر‌ب ابن ل عِ ندَك بيتا ف الجْنة وننِي‬ ‫َ َ ْ ً يِ َ َّ ِ َ جَ ِّ‬ ‫َ َ َ َ ّ ُ َ َ اً ِّ ّ َ َ ُ ْ َ َ ِ ْ‌ َ ْ َ ْ َ َ َ ِّ ْ ِ يِ‬ ‫َ ْ َ ْ ِ َّ‬ ‫ِ َ ْ َ َ َ َ ِ ِ َ جَ ِّ‬ ‫مِ ن فرْ‌عون وعمله وننِي مِ ن القوم الظالمِ ِني{ التحرمي ١١‬‫ميكن ت�شبيه التاريخ كالكرة، والنماذج الإن�سانية املتنوعة هبوط ًا و�صعود ًا، رقيا وانحطاط ًا نتوءات‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫بارزة على �سطح الكرة. والزمن هو الأر�ضية التي مت�شي عليها الكرة.‬ ‫لذا تتكرر النماذج وقد تعود للظهور عندما يالم�س "الأمنوذج -النتوء" �أر�ضية الزمن. ‬‫وتكون تلك النماذج قمم ًا يف الر�سالة واملعنى "�سلب ًا �أو �إيجاب ًا"، قد تتمثل يف موقف حتويه �أمة �أو‬ ‫ميكن �أن يحمله فرد. ‬‫لذا ت�أخذ هذه الأمثلة طريقها للخلود، فتُذكر يف تواريخ الأمم والديانات، ويتميز القر�آن الكرمي ‬ ‫ّ‬‫ب�ضربه للأمثلة التي تختزل كمية هائلة من الر�سائل البينة منها وتلك التي حتتاج لت�أمل، وك�أنها‬ ‫ملف م�ضغوط ‪ ،Compressed file‬حتتاج فتحه لتت�أمله بالرغم من �سال�سة بيانه وو�ضوحه.‬‫وق�صة امر�أة فرعون بالرغم من �سردها يف مواقع ب�سيطة �إال �أنّ لها من الأهمية بحيث ُي�ضرب بها‬‫املثل. لأنها ت�شكل فئة من امل�ؤمنني، ممن لهم مكانة دنيوية مميزة، جاه ًا �أو ماال �أو �سلطة بدرجة‬ ‫ً ُ‬ ‫ّ‬ ‫ما.‬‫ولهذه املر�أة مكانة مميزة كما اعتقد من حيث التحدي  واالختيار وال�صمود وموا�صلة الدرب.‬ ‫ّ‬‫وهي متثل �أمنوذج ًا ن�سوي ًا ا�شرتك يف االختيار مع �أمنوذج امللكة بلقي�س، �إال �أن الأخرية كانت بيدها‬ ‫ال�سلطة واحلل والعقد، يف حني �أن امر�أة فرعون كانت ال�سلطة لها من زوجها الفرعون فقط.‬‫فكان لها مكانة �أنْ ُي�ضرب بها املثل يف القر�آن الكرمي. فاملوقف الر�سايل ال يت�سم باملرونة عندما‬ ‫يتحرك وبال�صالبة عندما يثبت.   ‬ ‫َ َ َ َ ّ ُ َ َ اً ِّ ّ َ َ ُ‬ ‫}و�ضر‌ب اللَـه مثل للَذِ ين �آمنوا { ‬‫�ضرب املثل �أي اتخاذه �أمنوذج ًا على مدار الأزمنة والأمكنة، �أي �أن هذا املثل هو القيا�س  الأبرز‬ ‫ُ‬ ‫ملو�ضوع املثل.‬‫"للذين �آمنوا"، وهنا نكتة عظيمة يف �أن املثل امل�ضروب به عام للم�ؤمنني وامل�ؤمنات، الرجال‬ ‫23‬
    • ‫والن�ساء دون تفريق، مما يعني �أن على امل�ؤمن �أن ي�أخذ الأمنوذج كحالة �سلوكية وفكرية و�إميانية‬ ‫والتي ال يحدها جن�س ونوع �صاحب املثل، وهو هنا امر�أة.‬ ‫"امر�أة فرعون" ن�سبة هذه الإمر�أة لزوجها لي�س ا�ستنقا�ص ًا ل�ش�أنها، �إذ كان بالإمكان ذكر‬ ‫ا�سمها، �إال �أن لهذا ال�سرد يف الن�سبة معنى جميال ور�سالي ًا، وهو �أن من نتحدث عنه هي امر�أة‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫فرعون م�صر، بكل ما يعني ذلك من مغريات وتهديدات تعي�شها هذه املر�أة.‬ ‫َ َ ْ ً يِ َ َّ ِ‬ ‫ْ َ َ َ ِّ ْ ِ يِ‬ ‫} �إِذ قالتْ ر‌ب ابن ل عِ ندَك بيتا ف الجْنة {‬ ‫كانت �سرية "�آ�سية بنت مزاحم" زوج فرعون من �أول ما �أخذت نبي اهلل مو�سى وهو �صغري تدل على‬ ‫نقاء �سريرة هذه املر�أة، والتي ا�ستمرت يف هذا ال�سبيل دون هوادة، فما �إنْ علم فرعون ب�إميانها‬ ‫والذي ُيقال �أنها �أ�سلمت ملا عاينت معجزة مو�سى بع�صاه �أمام �سحرة فرعون، قام الأخري بنهيها‬ ‫عن اتخاذ �سبيل الإميان ف�أبت! قمة يف التحدي والت�ضحية والإميان، امر�أة جتري من بني يديها ما‬ ‫ْ‬ ‫تريد وزوجة فرعون دولة قوية وما عليها �إال الإ�شارة ليكون ما تود وت�شتهي، ومع كل ذلك اختارت‬ ‫�سبيل الإميان والر�سالة وكانت م�ستعدة متام ًا لدفع الثمن الأر�ضي من تعذيب وتَلقى كل ذلك بقلب‬ ‫ِّ‬ ‫م�ؤمن و�صابر. فلما رف�ضت طلب فرعون ب�صرف النظر عن �إميانها، �أوتدَ فرعون يديها ورجليها‬ ‫َ َ‬ ‫ب�أربعة �أوتاد و�ألقاها يف ال�شم�س، ثم �أمر �أن ُيلقى عليها �صخرة عظيمة، فلما اقرتب �أجلها }قالتْ‬ ‫ر‌ب ابن ل عِ ندَك بيتا ف الجْنةِ{، قمة �إميان جت�سدت يف هذه املر�أة العظيمة التي ترى بعني تبتعد‬ ‫ّ‬ ‫َ َ ْ ً يِ َ َّ‬ ‫َ ِّ ْ ِ يِ‬ ‫عن كل ح�ساب �أر�ضي، فرتى امل�ستقبل بقلب اختار الإميان طريق ًا دون غريه.‬ ‫َ ْ َ ْ ِ َّ‬ ‫ِ ْ َ ْ َ َ َ َ ِ َ جَ ِّ‬ ‫َ جَ ِّ‬ ‫}وننِي مِ ن فر‌عون وعم ِله وننِي مِ ن القوم الظالِـمِ ني{‬ ‫يبدو �أن حجم ال�ضيق والأذى الذي تعي�شه يف الق�صر الفرعوين من �سلوكيات وفكر وعقيدة كان‬ ‫كبري ًا، فتطلب النجاة من �أمرين فرعون ك�شخ�ص وفرعون كعمل، فلقد �أ�صبح م�صدر ًا للظلم‬ ‫والبط�ش، فكل ما ي�صدر منه �ضد امل�ؤمنني والر�ساليني هو �سيء و�شيطاين، لذا طلبت النجاة من‬ ‫فرعون يف �شخ�صه ملا يتمتع به من خ�صائ�ص �سلبية معينة، ومن كل "عمل" �صادر منه.‬ ‫"وجنني من القوم الظاملني"، ما كانت تعي�شه امر�أة فرعون ممتد من فرعون نف�سه �إىل كل‬ ‫ٌ‬‫33‬
    • ‫ما يف �لق�سر، فالعقل �لمعي �لر�سمي �ل�سلبي �آنذ�ك كان م�سيطر ً�، بد�ية من فرعون و�نتهاء‬ ‫باأ�سغر عامل يف �لق�سر. و�لظلم فيما هم ما�سون فيه وخائ�سون.‬‫فلي�ست هناك ر�حة لقلب �أبي�ص و�سط �سو�د يرتبع على �لقلوب، كما �أن �ل�سمعة ل ميكنها �لبقاء‬‫يف كهف جليدي، وهكذ� كانت �مر�أة فرعون، جذوة �إميان م�ستعلة و�سط كهف جليدي من م�ساعر‬ ‫باردة �فتقدت �لإن�سانية وكل ما ينتمي لل�سمري و�لعقل.‬‫فكانت �لغ َل َبة �لأر�سية لليد فرعون يف �إطفاء �سمعة "�آ�سية"، �إل �أن �سعلتها ظ ّلت خالدة و�ستكون‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫كذلك، لأن "حر�رتها" �آتية من �سغف �ل�سماء، وهو �ل�سغف �لذي ل يخبو� ول ينتهي �أبد ً�.‬ ‫�لتاريخ‬ ‫�لتجارب �لب�سرية‬ ‫�لزمن‬ ‫43‬
    • 35
    • 36
    •  37
    • ‫ال�شريط املُعاد �س َّنة احلياة مع اختالف الظروف والأ�شكال والبيئة، �إال �أن الإن�سان هو نف�سه، ذلك‬ ‫ِ‬‫الكائن احلاوي ل�صبغة ال�سماء و�أدمي الأر�ض، النور والظالم، اخلري وال�شر، وهو �ساحة ال�صراع‬‫التي تت�سابق فيها رايتان، راية حق وراية باطل، ومن له الغ َل َبة تكون رايته فوق هامة هذا الإن�سان.‬ ‫َ‬‫�سلوك الإن�سان هو ثبات يف تغري، �أو كمثل �صلب يف غاز، مكوناته الأ�سا�سية لها �صفاتها وميزاتها،‬ ‫ويكون الإحتكاك مب�سميات جديدة و�أ�شكال جديدة لأمور ثابتة.‬‫فقابلية الإ�صالح موجودة بالقوة يف الإن�سان، لكن يلزمها �أدوات لتكون فعال بالظاهر �أي�ض ًا. وقد‬ ‫ً‬‫تكون �أدوات البيئة املحيطة مهي�أة متام ًا لإحداث ذلك الإ�صالح، �إال �أن قابلية ذلك تكون مفقودة‬ ‫ً‬‫يف ذات الإن�سان لتغليبه كفة �إ�شباع الذات املحدودة بدال من امل�ضي يف كفة الرقي بها. وميكن �أن‬ ‫يحدث ذلك حتى مع من هو �أقرب �إىل منبع الإ�صالح ونا�شره، وهم الأنبياء.‬‫فالإ�صالح الذاتي والهداية لي�ست معادالت ريا�ضية بحتة، فكون امر�أة زوجة نبي ال ي�ستلزم �أن‬ ‫تكون هي �أي�ض ًا يف م�سرية الإ�صالح.‬ ‫وال �أدل على ذلك من هذه الآية الكرمية.. ‬‫} �ضر‌ب اللَـه مثل للَذِ ين كفر‌وا امر�أَت نوح وامر‌�أَت لوط كانتا تْتَ عبدين مِ نْ عِ بادنا �صالينْ‬‫َ ِ َ َ حِ َ ِ‬ ‫َ َ َ ّ ُ َ َ اً ِّ ّ َ َ َ ُ ْ َ‌ َ ُ ٍ َ ْ َ َ ُ ٍ َ َ َ حَ َ ْ َ ْ ِ‬ ‫َ َ َ َ َ َ ْ ُ ْ ِ َ َ ْ ُ َ َ ّ ِ َ ْ ً َ َ ُ اَ َّ َ َ َ‬ ‫فخانتاهُ ما فلَم يغنيا عنهما مِ ن اللَـه �شيئا وقِيل ادْخل النارَ‌ مع الدّاخِ لِني{ التحرمي ٠١‬‫م�ضرب املثل هنا يف الأمنوذج ال�سلبي للذين كفروا، من خالل ال�سلوك والعقلية التي اتبعتها‬‫امر�أتني لنبيني كرميني، وهما نوح ولوط، وما مييز بيئة هذين النبيني هو ال�صراع االجتماعي‬‫ال�سلبي جد ًا وال�شاذ، ففي جمتمع نوح �صوتٌ غريب عن الر�سالة وطول زمن امتد ملئات ال�سنني يف‬ ‫الدعوة.‬‫ويف جمتمع لوط قفزة �سلوكية �شاذة جتاه الرجال، والقاريء ل�سرية هذين املجتمعني، يتوقع �أن‬‫تكون زوجتي هذين النبيني معهما وب�شدة، فنوح مع طول الر�سالة وزوجته ت�شهد ذلك ب�أم عينها،‬‫من املتوقع �أن تكون معه وت�سانده. وعند نبي اهلل لوط كذلك، فالقوم اجتهوا نحو �شذوذ غريب‬‫يعترب الأول من نوعه يف ع�صرهم، مما كان متوقع ًا من زوجته �أن تكون مع زوجها النبي لإرجاع‬ ‫الفطرة حلالها يف املجتمع عرب ر�سالته.‬‫ومع ذلك كله، ف�إن املجتمع يف زمن هذين النبيني قد متكن من جر زوجتي النبيني لتكونا مع العقل‬ ‫ّ‬ ‫83‬
    • ‫اجلمعي العام ال�سائر يف اجتاه خمالف خلط الإ�صالح النبوي.‬ ‫} كانتا تْتَ عبدين مِ نْ عِ بادنا �صالينْ {، بالرغم من كون الزوجتني "حتت" والية زوجيهما‬ ‫َ ِ َ َ حِ َ ِ‬ ‫َ َ َ حَ َ ْ َ ْ ِ‬ ‫ال�شرعية، �إال �أن ذوبانهما يف املجتمع ال�سلبي �آنذاك كان �أكرث من الإندماج مع البيت الر�سايل‬ ‫الذي تع�شنَ فيه. فاخللل يف الإلتزام باخلط الر�سايل ي�أتي من غرفة القلب قبل �أن ي�أتي من غرفة‬ ‫البيت. فلي�ست هناك "ح�صانة دبلوما�سية" مطلقة من الزَ لل �أينما كان الفرد ولو حتت ظل بيت‬ ‫نبوي.‬ ‫ً‬ ‫"فخانتاهما"،  �أي خانتا الر�سالة لقربهما من م�صدرهما �أوال وخانتا الإميان بتلك الر�سالة‬ ‫ثاني ًا.‬ ‫فكانت امر�أة نوح تقول للنا�س �أن زوجها النبي جمنون، و�إذا �آمن �أحد بنوح �أخربت اجلبابرة من‬ ‫قومه، و�أما امر�أة لوط فكانت تدل قومه على �أ�ضيافه. ‬ ‫واخليانة ت�أتي عند وجود �أمانة يف يد الفرد، وهما كذلك، فكونهما زوجتا نبيني ولديهما ر�سالة،‬ ‫وعدم م�ساندتهما، بل الت�آمر عليهما ميثل خيانة للر�سالة، وذكر �صفتهما بامر�أتي نوح ولوط، دليل‬ ‫على عظم هذه اخليانة للأمانة التي ت�أتي من و�سط بيت املبلغ والر�سايل. وبنف�س النكتة ال�سابقة‬ ‫املذكورة عن "امر�أة" فرعون فكلتاهما مل تتحقق معنى الزوجية لذا مت و�صفها بـ "امر�أتي".‬ ‫}فلم يغنيا عنهما من اهلل �شيئ ًا{: د�ستور �سماوي وا�ضح من �أول اخلليقة متمثل يف قابيل، وهو �أن‬ ‫ٌ‬ ‫الن�سبة الدموية �أو الأ�سرية ال تغني �أو ت�سمن من جوع عند العدول عن خط الر�سالة. فاملهم اتباع‬ ‫الر�سالة ال ن�سب ال�شخ�ص عائلي ًا �إىل �صاحبها، وتلك اللفتة ال�سماوية العامة تتمثل يف �أن الر�سالة‬ ‫يجب �أن تُتبع بغ�ض النظر عن الن�سبة واملنزلة العائلية �أو االجتماعية، وبذا تتجرد الر�سالة عن كل‬ ‫رابط �أر�ضي قد ي�ؤثر يف خط �سريها، وهذا هو قوة منهج الأنبياء يف ر�ساالتهم املتعددة.‬ ‫"وقيل ادخال النار مع الداخلني"، والنتيجة لتلك اخليانة، هو الدخول يف النار مع كل الذين‬ ‫�سيدخلونها، ولي�س لهنّ �أي حبوة �أو "وا�سطة"  تفيد يف التخفيف من عذاب النار، والتي متثل‬ ‫احلالة امللكوتية لكل القلوب البعيدة عن اهلل، فيكون بعدها عن خط ال�سماء اقرتاب ًا �أكرث لنار كل‬ ‫القيم ال�سلبية.‬ ‫وذلك متثيل حقيقي للحديث الوارد عن الإمام علي بن احل�سني بن علي بن �أبي طالب عليه‬‫93‬
    • ‫ال�سالم: "�إن اهلل خلق اجلنة ملن �أطاعه ولو كان عبداً حب�شياً وخلق النار ملن ع�صاه ولو كان‬ ‫حراً قر�شياً".‬ ‫د�ستور ثابت، ومنهج ال ا�ستثناءات فيه.‬ ‫ّ‬ ‫ُي�سقط كل االعتبارات االجتماعية والأ�سرية وكل �شيءٍ �إال من العمل يف حد ذاته..‬ ‫وهذا هو �سبيل القر�آن لر�سم مكانة الإن�سان يف احلياة، املعيار هو العمل فقط..‬ ‫04‬
    • 41
    • 42
    •   43
    • ‫َ ْ َ َ مْ اَ ِ َ ُ َ َ ْ مَ ُ َّ ّ َ ْ َ َ َ َ َّ َ َ ْ َ َ َ َ ِ ْ َ َ‬‫} و�إِذ قالتِ الَلئكة يا مر‌ي �إِن اللَـه ا�صطفاكِ وطهر‌كِ وا�صطفاكِ علَى نِ�ساء العا مَلِني (24) يا‬ ‫َ‬ ‫َ مَ ُ ْ ُ ِ ِّ َ ْ ُ َ َ َ َ ّ ِ ِ َ‬ ‫مرْ‌ي اقنتِي لرَ‌بكِ وا�سجدِ ي وارْ‌كعِي مع الرَ‌اكعني { �آل عمران 24,34‬ ‫يِ‬ ‫ُ َ ْ ُ َ ْ مَ َ َ‬ ‫ْ َ َ اَ ِ َ ُ َ َ ْ مَ ُ َّ ّ َ ُ َ ِّ ُ َ َ ٍ ِّ ْ ُ ْ ُ ُ‬‫} �إِذ قالتِ ا مْلَلئكة يا مر‌ي �إِن اللَـه يب�شر‌كِ ِبك ِلمة منه ا�سمه ا مْلَ�سِ يح عِ ي�سى ابن مر‌ي وجِ يهًا ف‬ ‫ُّ ْ َ َ ْ َ‌ ِ َ َ مْ َ ّ ِ َ‬ ‫الدنيا والآخِ رة ومِ ن الُقرَ‌بني  { �آل عمران 54‬ ‫ { �آل عمران 64‬ ‫َ َ اً َ َ َّ حِ ِ َ‬ ‫} ويك ِّلم النا�س ف ا مْلَهْدِ وكهْل ومِ ن ال�صالني‬ ‫َ ُ َ ُ َّ َ يِ‬‫} قالتْ ر‌ب �أَنى يكون ل ولد ول ي�س�سنِي ب�شر قال كذلِكِ اللَـه يخلق مَا ي�شاء �إِذا ق�ضى َ�أمر‌ا‬ ‫ُّ َُُْ ََ ُ َ َ َ ًْ‬ ‫َ َ َ ِّ َّ َ ُ ُ يِ َ َ ٌ َ مَ ْ مَ ْ َ ْ َ َ ٌ‌ َ َ َ‬ ‫َ مَّ َ َ ُ ُ َ ُ ُ َ َ ُ ُ‬ ‫ف�إِنا يقول له كن فيكون  { �آل عمران 74‬‫�إفراد �سورة كاملة با�سم ال�سيدة مرمي املقد�سة هذه منزلة للفت النظر لهذه املر�أة و�سريتها ويف‬ ‫ٌ‬ ‫ُ ٌ‬‫ذلك معنى عظيم يف �ضرب املثال للمر�أة يف الكون، طهر واختيار و�صرب و�شجاعة وموا�صلة ر�سالة‬ ‫ً‬ ‫ون�صر م�ؤزر، ذلك خط مرمي عليها ال�سالم منذ �صغرها.‬ ‫ٌ‬‫لقد مت ذكر الإ�صطفاء مرتني يف الآية الكرمية، وكان ا�ستجابة لدعوة �أمها ويف هذا الإ�صطفاء‬‫داللة بينة يف القر�آن الكرمي �أنّ التكامل الب�شري ال يقت�صر على الذكر دون الأنثى، �إذ كون التكامل‬ ‫يتحرك مبعزل عن جن�س الإن�سان، فال نقي�صة لأنثى لكونها �أنثى، وال ميزة لذكر كونه ذكر ًا.‬‫واملنظور القر�آين لكال اجلن�سني يتحرك من معيار العمل والإميان دون النظر �إىل جن�س الإن�سان‬‫امل�ؤمن، وبالتايل تكون م�سرية التكامل من�صفة للذكر والأنثـى على حد �سواء، بعيد ًا عن معايري‬ ‫ُ‬‫التقييم الأخرى التي يغذيها الع ــرف تارة �أو مدار�س فكرية متنوعة تارة �أخرى، وذلك يف‬ ‫ُ‬‫حماولة تف�ضيل �أحدهما على الآخـ ــر. ومع وجود �أي تف�ضيل جلن�س يهتــز التوازن يف املجتمع،‬‫وتكون الهزّات النف�سية واالجتماعية وا�ضحة وتن�سحب على ميادين �أخرى، كال�سيا�سة واالقت�صاد‬ ‫والإعالم والثقافة.‬ ‫44‬
    • ‫ّ‬ ‫فو�ضع اجلن�سني على قدر امل�ساواة يف �شروط حت�صيل ر�صيد الإميان والرتقي يف التكامل هو عني‬ ‫ٍّ‬ ‫الإن�صاف و�إظهار القوة الفطرية لكل منهما دون متييز �أو تف�ضيل.‬ ‫َ َ ْ مَ ُ ْ ُ ِ َ َ ْ ُ َ ْ‌ َ َ َ َّ ِ ِ َ‬ ‫} يا مر‌ي اقنتِي لر‌ ِّبكِ وا�سجدِ ي واركعِي مع الر‌اكعني {‬ ‫ دعوة للعبادة واالبتهال هلل، ليكون كل ذلك معين ًا لها يف ظل ال�ضغط املجتمعي الرهيب فيما بعد.‬ ‫ً‬ ‫ذلك التوا�صل ال�سماوي �سيكون كفيال بتحمل ال�ضغط الأر�ضي عليها. و�صاحب كل ر�سالة ومبد�أ له‬ ‫وقته اخلا�ص الذي ي�ستمد من خالله طاقته التي تدفعه للم�ضي قدُم ًا يف �سبيل ر�سالته، ذلك الوقت‬ ‫ُ‬ ‫هو عندما يت�صل بال�سماء. فا�ستنزاف الطاقة من العنا�صر الأر�ضية املحيطة بالفرد الر�سايل‬ ‫ي�ستلزمه �إعادة �شحنها من م�صدر �سماوي.‬ ‫َ ِ ُ ْ ْ َ َ ْ ِ ِ ْ َ َ مَ َ ُ ْ َ ً‬ ‫قال تعاىل: } وبكفرِ‌هِ م وقولهم علَى مرْ‌ي بهتانا عَظِ يما{ الن�ساء 651‬ ‫ً‬ ‫حرب نف�سية كبرية يتم �شنها على �أطهر امر�أة يف ع�صرها، فيذكر القر�آن "بهتان ًا" ولي�س كذب ًا‬ ‫فقط، والبهتان �أعظم درجة من الكذب يف تلفيق التهم ون�سج �أمور ال �أ�سا�س لها وتدخل يف دائرة‬ ‫القذف والطعن يف العر�ض.‬ ‫ولعظم منزلة مرمي، ذكر القر�آن } بهتانا عَظِ يما { والبهتان يكفي للداللة على عظم الأمر �إال �أن‬ ‫ً‬ ‫َُْ ً‬ ‫و�صفه (عظيم) له داللة على خطر ما مت ذكره يف حقها.‬ ‫ٌ‬ ‫فقد جتاوز اليهود كل احلدود، فمن قتلهم للأنبياء وا�ستهزاء مبنزلتهم العظيمة �إىل رمي مرمي‬ ‫العذراء بتهمة �شنيعة و ُبهتان عظيم. فمن يقتل الأنبياء ال يرعوي عن �سوق التُهم والتعدي على‬ ‫ّ‬ ‫حرم امر�أة طاهرة كمرمي املقد�سة. وذلك ديدن من ي�سلك �سبيل الإنكار واجلحود وتغييب العقل‬ ‫ُُ‬ ‫ّ‬ ‫بغطاء من الدموية والوح�شية والتهكم وال�صالفة يف التعامل مع الآخر.‬ ‫ قال تعاىل:} واذكر‌ ف الكتابِ مر‌ي �إِذ انتبذتْ مِ نْ �أَهْ ِلهَا مكانا �شر‌قيا(61) فاتخذتْ مِ ن دُونهم‬ ‫ِِْ‬ ‫َ َّ َ َ‬ ‫َ َ ً َ ْ ِ ًّ‬ ‫َ ْ ُ ْ يِ ْ ِ َ َ ْ مَ َ ِ َ َ َ‬ ‫حِ جابا ف�أَر‌�س ْلنا �إِليهَا ر‌وحنا فتمثل لهَا ب�شر‌ا �سويا (71) قالتْ �إِن �أَعُوذ بِالر‌حمـن مِ نك �إِن كنتَ‬ ‫ُ َّ ْ َ ِ َ ُ‬ ‫َ َ ِيّ‬ ‫َ ً َ ْ َ َ َ ْ ُ َ َ َ َ َ ّ َ َ َ َ َ ً َ ِ ًّ‬‫54‬
    • ‫تقيا (81) قال �إِنا �أَنا ر‌�سول ر‌ ِّبكِ ِلأَهَب لكِ غلما زكيا (91) قالتْ �أَنى يكون ل غلم ول‬ ‫َ َ َّ َ ُ ُ يِ ُ اَ ٌ َ مَ ْ‬ ‫َ َ ُ اَ ً َ ِ ًّ‬ ‫َ َ مَّ َ َ َ ُ ُ َ‬ ‫َ ِ ًّ‬‫ي�س�سنِي ب�شر‌ ول َ�أك بغيا (02) قال كذلكِ قال ر‌بكِ هُ و علَي هي ولنجعلَه �آية للنا�س ور‌حمة‬ ‫َ َ َ َ ِ َ َ َ ُّ َ َ َّ َ ِنّ ٌ َ ِ َ ْ َ ُ َ ً ِّ َّ ِ َ َ ْ َ ً‬ ‫مَ ْ َ ْ َ َ ٌ َ مَ ْ ُ َ ِ ًّ‬‫منا وكان �أَمر‌ا مق�ضيا (12) فحملَته فانتبذتْ ِبه مكانا ق�صيا(22) ف�أَجاءهَا ا مْلَخا�ض �إِل جِ ذع‬ ‫َ ُ ىَ ْ ِ‬ ‫َ َ َ‬ ‫َ َ َ ْ ُ َ َ َ َ ِ َ َ ً َ ِ ًّ‬ ‫ِ ّ ّ َ َ َ َ ْ ً ّ َ ْ ِ ًّ‬‫النخلَة قالتْ يا ليتنِي مِ ت قبل هَـذا وكنتُ ن�سيا من�سِ يا (32) فنادَاهَا مِ ن ت ِتهَا �أَل تزن قد‬ ‫حَ ْ اَّ حَ ْ َ يِ َ ْ‬ ‫ََ‬ ‫ُّ َ ْ َ َ َ ُ َ ْ ً ّ َ ّ ً‬ ‫َّ ْ ِ َ َ َ َ ْ َ‬ ‫َُ‬ ‫ْ ِ ّ َ ْ ِ ُ َ ْ َ ْ ِ ُ َ ً َ ِ ًّ‬ ‫َ ِّ َ ْ‬‫جعل ر‌بكِ تتكِ �سر‌يا (42) وهُ زي �إِليكِ بِجِ ذع النخلَة ت�ساقِط علَيك ر‌طبا جنيا (52) فكلِي‬ ‫َ َ َ َ ُّ حَ ْ َ َ ِ ًّ‬‫وا�شر‌بِي وقر‌ي عينا ف ِ�إما تر‌يِن مِ ن الب�شر‌ َ�أحدًا فقول ِ�إن نذر‌ت لِلر‌حمـن �صوما فلَنْ �أُك ِّلم‬‫َ ْ َ َ َ ِّ َ ْ ً َ َّ َ َ َّ َ ْ َ َ ِ َ َ ُ يِ ِيّ َ َ ْ ُ َّ ْ َ ِ َ ْ ً َ َ َ‬‫اليوم �إِن�سِ يا (62) ف�أَتتْ ِبه قومهَا تمِ له قالوا يا مر‌ي لقد جِ ئتِ �شيئا فر‌يا (72) يا �أُختَ هَار‌ون‬ ‫ُ َ‬ ‫َ ْ‬ ‫َ َ ِ َ ْ َ حَ ْ ُ ُ َ ُ َ َ ْ مَ ُ َ َ ْ ْ َ ْ ً َ ِ ًّ‬ ‫ْ َ ْ َ ًّ‬ ‫مَا كان �أَبُوكِ امر�أَ �سوء ومَا كانتْ ُ�أمكِ بغيا (82) ف�أَ�شار‌تْ �إِليه قالوا كيف نك ِّلم مَن كان ف ا مْلَهْدِ‬ ‫َ َ يِ‬ ‫َ َ َ َِْ َ ُ َْ َ َُ ُ‬ ‫ْ َ‌ َ ْ ٍ َ َ َ ُّ َ ِ ًّ‬ ‫َ َ‬ ‫�صبيا (92) {. �سورة مرمي �آية 61- 92‬ ‫َ ِ ًّ‬‫بداية ال�سمو الروحي من خالل العبادة، وانتخاب املكان الأن�سب لذلك الإنعزال التام هلل تعاىل‬ ‫من �أجل العبادة.‬‫واملت�أمل للآيات يرى �أن امل َلك ت�ش َّبه لها ب�شر ًا "�سوي ًا" وك�أنه اختبار �آخر ملرمي، �إذ كان بالإمكان �أن‬ ‫َ‬‫ي�أتي على هيئة تدل على �أنه مالك ولي�س ب�شر ًا �سوي ًا فح�سب. ليكون ثقل الإبتالء ملرمي من العيار‬ ‫الثقيل فيمن كان يف مثل و�ضعها.‬ ‫وترد باال�ستعاذة بالرحمن �إنْ كان -من �أتاها- يتحرك �ضمن هيئته من دائرة التقوى.‬ ‫ُّ‬‫وت�أتي ال�صدمة عرب ر�سول ربها �أي الرب الذي تعبده، ب�أنه �سيكون منها غالم ًا زكي ًا، وبالتايل‬‫هناك ب�شارة القرب من اهلل، ولكنها خطرية ولها تبعات عليها خا�صة يف املجتمع الذي لن يفهم‬ ‫ً‬ ‫ما �سيجري لها �أ�صال.‬‫وتنفي مرمي �إمكانية الإجناب، ال عرب زواج "مل مي�س�سني ب�شر" وال عرب الطريق اخلط�أ "ومل �أك‬‫بغي ًا"، فهي املتبتلة، ويف حال ح�صول هذا الأمر، �سيكون �أع�سر و�أ�صعب ما ميكن �أن متر عليه يف‬ ‫جمتمعها قط.‬ ‫ّ‬‫وعند ح�صول هذا الأمر، متنت املوت ال مبعنى هروبها من التكليف الإلهي، لكن نتيجة ال�ضغط‬ ‫ُ‬‫واحلرب غري املتوقعة والتي مت�س يف �صميم كيانها واملعروف عنه بالطهر. و�سرعان ما كانت‬ ‫الطم�أنينة �آتية لها من ال�سماء لي�سكن روعها.‬ ‫64‬
    • ‫وبعد توفري املاء وال�شراب، كان هناك �إقرار لعينها وهو ر�ضا اهلل واختياره لها، وهــو �سبب‬ ‫الإطمئنان الأكرب.‬ ‫ومل يتوقف الإمتحان عند هذا بل باالختبار الأكرب وهو ال�صوم عن حمادثة �أي �أن�سي!‬ ‫فكيف تربر �إذ ًا وحتكي ما جرى لها؟‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ٌ‬ ‫ ذلك من �أ�شد و�أ�صعب االختبارات، �سمعة �شريفة ومقدرة عند النا�س، وعبادة وعفة. وفج�أة‬ ‫ُ ّ‬ ‫ح�صول �أمر ال يدركه النا�س، ومن ثم طعن يف ال�شرف ويف �أقد�س �شيء للمر�أة امل�ؤمنة، ومع كل‬ ‫ذلك مطلوب منها �أن ال تتحدث؟!!‬ ‫�سقوط �صورتها عند املجتمع بهذه الكيفية لي�س �سهال ال�سكوت عنه �أبد ًا وال�صوم عن الكالم. ‬ ‫ً‬ ‫وت�أخذها �شجاعة تنق�ص الرجال حتى لت�أتي قومها باملولود اجلديد، وتتوجه الأنظار لها والكالم‬ ‫اجلارح الذي بد�أ ومل ينته فيها وعنها ولها.‬ ‫وتبد�أ �إذاعة الإ�شاعات والتهم التي ال تتوقف عنها، ويتم �سرد �سرية �أهلها يف ذلك كنوع جارح يف‬ ‫القذف والتلميح والت�صريح مبا �أتت به، مل ي�س�ألوا ال�س�ؤال املفرت�ض: من �أين هذا الطفل؟ ال مبعنى‬ ‫َ َ‬ ‫�أنها هي �أتت به، رمبا تعرفه �أو مت تقدميها له. ال، لي�س هناك جمال للتفكري احل�سن عنها، فالتهم‬ ‫جاهزة وعلى املقا�س. فتم ذكر �أبيها و�أمها بخري كتجريح لها.‬ ‫ويكون جوابها  "ف�أ�شارت �إليه"، يف توجيه كل تلك التهم التي مت �إلقاءها جزاف ًا �إىل نقطة واحدة‬ ‫ومركزة، وهي الطفل عي�سى عليه ال�سالم. يف حتد غريب جد ًا وبيان مل يخطر على بال �أحد، يتم‬ ‫ٍّ‬ ‫اتهامها ب�شرفها، وبدل �أن جتيب توكل الإجابة �إىل وليدها مو�ضع االتهام!!‬ ‫تلك ذروة الإميان يف هذه املر�أة املقد�سة، يتم التجريح بها واالتهام املتوا�صل، يف قبال �صيامها‬ ‫عن اجلواب مما يعني عند الكثريين تثبيت التهمة عليها، وتوكل الأمر �إىل اهلل عرب الإ�شارة �إىل‬ ‫وليدها، الذي نطق بعد و�صول الق�ضية �إىل ذروتها و�أوجها. وك�أنها حالة انتقال عجيبة من كرامة‬ ‫امر�أة مقد�سة �إىل معجزة نبي قادم.‬‫74‬
    • ‫مرمي العذراء م ّثلت �أمنوذج الإن�سان الر�سايل الذي هي�أ الظروف من خالل تزكية النف�س بداية،‬‫ليتم الإنتخاب له ثاني ًا، ويدخل يف معرتك �صراع يف دائرتني متوازيتني: النف�س واملجتمع، لينت�صر‬ ‫على كليهما بالتوكل على اهلل والأخذ بالأ�سباب والتحمل الكبري.‬ ‫ّ‬‫مرمي العذراء در�س للذين مي�ضون دون هوادة يف �سبيل ر�سالتهم مع كل الأمل، حاملني بني جنباتهم‬‫الأمل، ويعي�شوا القيمة واملبد�أ على طول املطاف، ويكون الن�صر خمتزن ًا يف بع�ض املواقف، وراية‬ ‫الغ َل َبة يف نهاية الطريق.‬ ‫َ‬‫مرمي العذراء �أمنوذج ال�صرب الآخذ بالأ�سباب املتوكل متام ًا، مما يجعله نافذ ًا يف املجتمع بالرغم‬ ‫من كل ال�ضغوط املحيطة به. ‬ ‫ّ‬ ‫مرمي العذراء٫ عبري نفاذ بالرغم من كل الروائح الكريهة التي ي�صنعها املجتمع املحيط..‬ ‫مرمي العذراء، وردة اجلبل ال�صامدة يف ق�ساوة �صخر العرف ال�سلبي.‬ ‫ُ‬ ‫84‬
    • 49
    • 50
    •   51
    • ‫} وال تهنوا ف اب ِتغ�آء القوم �إِن تكونواْ ت�أْ مَلُون ف�إِنهم ي ْ�أ مَلُون كما ت ْ�أ مَلُون وترجون مِ ن اهلل مَا ال‬‫َ َ َ ِ ُ يِ ْ َ ِ ْ َ ْ ِ َ ُ ُ َ َ َ َّ ُ ْ َ َ َ َ َ َ َ َ ْ ُ َ َ ِ َ‬ ‫َْ ُ َ ََ َ ُ َ‬ ‫يرجون وكان اهلل علِيماً حكِيماً { �سورة الن�ساء401‬ ‫َ‬‫متتد �آيات القر�آن الكرمي التي ت�سرد احلدث �أو تطرح املبد�أ من مكان وزمان الفعل لرت�سم حينها‬‫خط ًا ُيولد من حادثة نزول الآية وميتد يف اجتاهني متقابلني �أحدهما للخلف ت�أكيد ًا ل�سرية الأولني‬‫ولأخذ العربة، والآخر للأمام تثبيت ًا خلارطة طريق لالحقني وتقدمي الفكرة. ف�آيات اهلل عر�ض‬ ‫ٌ‬ ‫نُ‬‫فعلي للفطرة وطرح مليزان القوى الكونية وال�سن الطبيعية يف الإن�سان وما حوله. "انظر ال�شكل يف‬ ‫ال�صفحة املقابلة"‬ ‫ُ‬‫وتلك هي �إحدى نوافذ القراءة احلركية لكالم اهلل، لتُ�شرق الآيات على كل غرف احلياة بكل‬ ‫م�ساحاتها و�أثاثها، ونتلم�س منها الطريق ويكون �سبيلنا معها ب ّين ًا ملا نريد وكيف نريد وملن نريد.‬ ‫ّ‬ ‫ً‬‫تقدم هذه الآية الكرمية �صورة يجتمع فيها ال�سبب العلمي الأر�ضي مع االرتباط الروحي ال�سماوي.‬ ‫ّ‬‫�إذ تدعو الآية للمرابطة املعنوية من خالل عدم الرتهّ ل يف كل �صور (االبتغاء) للطرف الآخر املُراد‬‫مواجهته، فال جمال لل�ضعف وال الوهن وال �أي مفردة كالمية �أو عملية يف ذلك، ولي�س للتلميح �أو‬‫الت�صريح من �سبيل للظهور، فيكون النهي عن الوهن بداية ال�سبيل الرا�سم بقوة للتحرك واملُ�ضي‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬‫للظفر من (القوم). فعدم الوهن، هو �ضمان اال�ستمرار يف �إكمال خارطة طريق (ابتغاء القوم)،‬‫ونتيجة للمواجهة �سيقع ال�ضــرر نتيجة االحتكــاك، وال يقت�صر وقــوع الأمل عليكم فقط، فهو واقع‬‫يف الطرف الآخر كنتيجة طبيعية وحتميــة، فال�ضــرر متبادل والأمل يف الطــرف الآخــر كما هو‬ ‫مَ ْ َ ْ ُ ْ َ ْ‌ ٌ َ َ ْ َّ ْ َ ْ َ َ ْ ٌ ِّ ْ ُ ُ‬‫فيكم } �إِن ي�س�سكم قرح فقد مَ�س القوم قر‌ح مثله { والتبادل يف القرح كما الأمل معادلة طبيعية‬‫و�سنة كونية، حتكمها قوانني التوازن يف الكون كما قوانني الفيزياء يف الفعل وردة الفعل، فمحال �أن‬ ‫ُ‬ ‫ُّ‬‫يكون رد الفعل غائب ًا حتى مع بط�ش الفعل وقوته، فهذا ال يكون، فردة الفعل �إما �أن تكون يف حلظة‬‫وقوع الفعل �أو تكون م�ؤجلة، وما يجمعها يف كلتا احلالتني هو حا�صل جمع �إحداث الفعل مع الزمن.‬‫فوقوع ال�ضرر �أو الأمل يف �أحد طريف املعادلة ينتقل حتم ًا ولو ب�صور خمتلفة يف الطرف الآخر،‬ ‫25‬
    • ‫‪äÉjB’G ôKCG OÉ©HCG‬‬ ‫نزول �لآيات‬ ‫�ملا�سي‬ ‫�مل�ستقبل‬ ‫�سرية �لأولني‬ ‫خارطة �لطريق‬ ‫(عربة)‬ ‫(خطة)‬ ‫لأن �لكون من طبيعته �لتو�زن، وعند �نحر�ف كفتي �مليز�ن تتاأثر �لأخرى، ليكون �ملجموع �لكلي‬ ‫للكفتني و�حدة بحكم �سنة �لتو�زن �لكوين. و�قعية �ل�سرر �ملتبادل تطرحه �لآية ع َلن ًا وتجُخربه تذكري ً�‬ ‫َ‬ ‫جُ‬ ‫وتاأكيد ً�، كما هو يف قانون نيوتن �لثالث (لكل قوة فعل قوة رد فعل، م�سا ٍو له يف �ملقد�ر ومعاك�ص له‬ ‫يف �لجتاه يعمالن يف نف�ص �خلط). وردة �لفعل لي�ست بال�سرورة تكون من نف�ص نوع حمدث �لفعل،‬ ‫جُ‬ ‫فعند �ل�سرب بقب�ستك على �لطاولة فهو �لفعل، وترد عليك �لطاولة ب�سوت و�أمل يتم ّثل فيك، وقد‬ ‫تك�سر �لطاولة وهو �لفعل، �إل �أنها �سترتك �لأمل ورمبا �لك�سر يف يديك وهو رد �لفعل.‬ ‫و��ستيعاب هذ� �لأمر �سروري للجبهة �لتي تن�سد �لتغيري يف �أي جمتمع يعي�ص �أي نوع من �حلر�ك‬ ‫�أكان �سيا�سي ًا �أو �جتماعي ًا �أو ثقافي ًا �أو ديني ًا �أو �قت�سادي ًا، وهذ� �ل�ستيعاب مهم يف جانبني:‬ ‫جُ‬ ‫�لأول: جانب �سناعة �لفعل‬ ‫�لثان: جانب رفع �لعنويات‬ ‫فعند �لإدر�ك �أنَّ �لطرف �لآخر يتاأثر بدرجة �أو باأخرى مبقد�ر نوع �لفعل �ملطروح، عندها جُيعمل‬‫35‬
    • ‫الفكر يف الإبداع يف �صناعة الفعل اجلديد منه وطرحه، و�أما احلالة النف�سية من معرفة هذا الأمر‬‫فهو مي ّثل تغذية راجعة داعمة ملوا�صلة �إحداث الفعل تلو الفعل، فما دام (الأمل) موجود ًا يف �ساحتي‬‫الطرفني، فهذا دافع لربجمة الأمل والأمل املتوقع حدوثه، ومن ثم التعامل معه على �أ�سا�س هذه‬ ‫املعادلة الكونية يف �ساحة التغيري والأزمات، مبا ي�ضمن التحمل ودرا�سة الأمل.‬ ‫ّ‬‫وتلك املعادلة القر�آنية يف وقوع القرح والأمل ت�سري على غري ميادين احلرب، بل يف �أي مواجهة من‬‫�أي نوع، وعندما نتحدث عن طرفني �أحدهما بيده ال�سلطة والآخر متثله الرع ّية ف�إن حجم القرح‬ ‫ُ ّ‬ ‫كبري ومقدار الأمل غري متوقع.‬‫و�إىل جانب �أهمية ذلك الإدراك العملي، هناك عامل م�ضاف جلبهة التغيري التي تبتغي العدالة‬ ‫ُ‬‫والإن�صاف وتفتقدها جبهة الت�سلط والطغيان والعدوان وهو االرتباط بال�سماء (وترجون من اهلل‬‫ما ال يرجون)، وفعل الرجاء هذا ُي�ضيف ر�صيد ًا يف جبهة امل�ؤمنني، و ُيعترب مدَ د ًا م�ستمر ًا لها من‬ ‫َ َ‬ ‫ُ‬‫ال�سماء، فبالتايل تكون احلركة ذات ُبعدين: بعد عملي واقعي يقر�أ متغريات الأر�ض، وبعد ي�ستمد‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫من ال�سماء قوة. وبهذين ال ُبعدين تكون معادلة الن�صر.‬ ‫ّ‬‫لذا يكون اال�ستيعاب احلركي ملعادلة (قانون الأثر املتبادل) �ضروري ًا يف توجيه دفة احلراك‬ ‫ّ ِ‬‫يف الرتكيز بدقة على �أمور ثالث طرحتها الآية الكرمية، ومت ّثل بحق مثلث التغيري وامت�صا�ص‬ ‫ال�صدمات وحتقيق الن�صر، و�أ�ضالع املثلث هي:‬‫َ اَ َ ِ ُ يِ ْ َ ِ‬‫ال�ضلع الأول: الرتكيز على الهدف ب�شدة، واال�ستمرار فيه والتخطيط له } ول تهنوا ف اب ِتغاء‬ ‫ّ‬‫القوم {. وي�شمل ذلك التخطيط العلوم الع�صرية التي ت�ساعد على بناء ذلك التخطيط، �سواء يف‬ ‫َِْْ‬‫�ساحات احلروب الفعلية �أو �ساحات املواجهة الثقافية والعلمية والفنية وغريها. واملواجهة هنا‬ ‫مبعنى تقدمي الأمنوذج الأقوى مقابل الأمنوذج القوي املطروح.‬‫ال�ضلع الثاين: �إدراك �أ�سلوب الفعل ورد الفعل والأمل املتبادل بني الطرفني، وهو الدافع لدرا�سة‬‫الأثر و�صداه } ِ�إن تكونوا ت�أْ مَلُون ف ِ�إنهم ي�أْ مَلُون كما ت�أْ مَلُون {. وين�سحب ذلك الأمر على جميع‬ ‫َ ُ ُ َ َ َ َّ ُ ْ َ َ َ َ َ َ‬ ‫مبادرات فهم الطرف الآخر و�إدراك ال�ضرر الواقع عليه مادي ًا ومعنوي ًا.‬ ‫َ‬‫ال�ضلع الثالث: الركون �إىل املدَ د املعنوي يف االرتباط باهلل، وهو ر�صيد �إ�ضايف  لفريق التغيري‬ ‫45‬
    • ‫و�إحد�ث �لتو�زن �لطبيعي يف �ملجتمع، وهذ� �لر�سيد ل ميلكه �لفريق �لثاين �لذي يفتقد هذ�‬ ‫�لنوع من �لرتباط، حيث ي�سقط يف يديه كل معاين �ل�سرب و�لن�سر �ملختزن مع مرور �لوقت،‬ ‫و�لنتيجة �أنَّ فريق �لتغيري يتفوق على فريق �لمود بخطوة مهمة و�إ�سافية وهو -�لرجاء �لد�عم-،‬ ‫�لرجاء �ملفتوح على كل �أ�سباب �لن�سر و�لتفوق و�لتقـدم يف �سوح �ملقابلــة} وترجون مِ ن �للَـه مَا‬ ‫ََْ ُ َ َ ِّ‬ ‫جُ‬ ‫ل يرجون {. ويلزم �ل�سخ يف هذ� �ل�سلع بطريقة منظمة م�ستندة على �لكم �لهائل من �ملوروث‬ ‫َ َْ ُ َ‬ ‫�لديني �لز�خر مبقومات �لقوة �لنف�سية،�ملعنوية للفرد �مل�سلم و�ملوؤمن.‬ ‫و�إذ� كان �ل�سلعان �لأوليان �سمن ح�سابات �لو�قع و�ملنطق و�ملتوقع �أو �ملخطط له يف �أي حركة‬ ‫جتابه مقاومة من طرف �آخر، فاإن �ل�سلع �لثالث هو عن�سر ل ميتلكه كثريون، وبالتايل ميزة‬ ‫�لثبات على �ملوقف و�ملتابعة؛ لها مدد معنوي كبري عرب (�لرجاء) �لباين و�ملجُعطي لقوة �لتحرك‬ ‫لالأمام، وهو �لوقود �لحتياطي حلركة �لفرد �لذي ي�ستنفذ قو�ه �لظاهرية يف �ملو�جهة، و�لتي‬ ‫ل تكون كافية، �إذ ل بد من مدَ د معنوي جُيكمل معادلة �لقوة و�لن�سر، عرب �لرتباط باهلل تعاىل‬ ‫َ‬ ‫مبا يكون �لرتباط د�فع ًا ل�ستخر�ج كل �لقوى �لد�خلية يف �لفرد وتقدميها يف �لو�قع �ملادي منها‬ ‫و�ملعنوي، فت�سميها بع�ص �لريا�سات بالطاقة �لد�خلية �لكامنة، فهي (�لت�سي ‪� )Chi‬ل�سينية �أو‬ ‫(�لكي) �ليابانية، وهي بلغتنا ثنائية (�عقلها وتوكل)، وهي �أكرث عملية و�أ�سد تاأثري ً�، وتتمثل يف‬ ‫ِ‬ ‫�لرتكيز على �لهدف‬ ‫�لركون �إىل �ملدد �ملعنوي‬ ‫�إدر�ك ��سلوب �لفعل‬ ‫ورد �لفعل‬‫55‬
    • ‫اجلمع بني حركة الأر�ض ومدد ال�سماء. ‬‫ ولالرتباط هذا ينابيع عدة من �شواهد تاريخية يكونُ املدد الإلهي فيها من �صُلب الأ�سباب الأر�ضية‬ ‫ّ‬ ‫�أو عرب فيو�ضات �إلهية تتخذ �أكرث من �شكل ولون.‬‫وبتلك الثالثية يكون امل�ضي قدم ًا يف ابتغاء القوم وحتمل الأمل واملدد من ال�سماء، يف حتقيق الن�صر‬ ‫ّ‬‫للمبد�أ يف كل موقف، هي الآلة والآية بني يدي كل م�ؤمن ي�سري على خارطة طريق االنت�صارين‬ ‫الداخلي واخلارجي. وبتلك الثالثية يكون حمرك البحث عن الن�صر يف كل ميدان وزمان.‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬‫لذا، و�إن حتركت كل الأحا�سي�س الطبيعية للإن�سان يف خ�ضم �أي مواجهة �أو مقابلة، والتي قد تدفعه‬‫للي�أ�س تارة �أو حل�سابات �أر�ضية قد حتد طموحه تارة �أخرى، ومع ذلك ف�إن اال�ستعرا�ض القر�آين‬‫يقدم واقعية املواجهة مع �إنارة اجلنبة اخلفية يف معادلة تلك املواجهة، وهي �سر ن�صر كل امل�ؤمنني‬ ‫ّ‬ ‫يف التاريخ، �أكان الن�صر مبعجزة �أو كرامة �أو بت�سبيب �سبب غري متوقع البتّة.‬‫وبهذا اجلمع بني �أ�ضلع مثلث الن�صر، ف�إن الي�أ�س مفقود فيه، والتباط�ؤ لي�س �ضمن قامو�سه،‬‫واملعنويات العالية �سمتُه، واالرتباط باهلل ديدنه.لذا يتحول هذا املثلث �إىل ر�أ�س �سهم الن�صر،‬ ‫ِ َ‬‫ويفتك بكل من يقاومه. وهذا ال�سهم بحاجة �إىل قو�س الفهم والإدراك والنية ال�صادقة. وتكون‬‫الر�سالة الكربى لهذه الآية �أنْ ال تي�أ�سوا؛ لأن الي�أ�س ال يكون يف �شخ�ص الإن�سان احلركي ال�سائر يف‬‫�إعمال العدل والإن�صاف يف الأر�ض، لذا يكون هذا الإن�سان قوي ًا �صلب ًا متما�سك ًا؛ لأن لديه ارتباط‬‫بعامل علوي، وال تقت�صر معرفته بالأ�سباب الأر�ضية، و�إال ف�ستكون �شكيمته معر�ضة للك�سر وال�ضعف‬ ‫ب�سرعة. فالي�أ�س �سرطان كل حركة تغيري، وال�صرب �إك�سريها.‬ ‫65‬
    • ‫‪ájhɪ°S áaÉ°VEÉH ådÉãdG øJƒ«f ¿ƒfÉb‬‬ ‫3‬‫�سري �حلدث‬ ‫1.2‬ ‫2‬ ‫1‬ ‫2.2‬ ‫�سري �لزمن‬ ‫1 ول تهنو� يف �بتغاء �لقوم‬ ‫2 �إن تكونو� تاأملون فاإنهم ياأملون كما تاأملون‬ ‫1.2 فريق �ملوؤمنني‬ ‫�لفريق �لآخر‬ ‫2.2‬ ‫وترجون من �هلل ما ل ترجون - ما يحت�سن كل هذه �حلركة هو ما يرجوه �ملوؤمنون باهلل‬ ‫3‬‫75‬
    • 58
    •  59
    • ‫} �إِذ �أَوى الفتية ِ�إل الكهْفِ فقالوا ربنا �آتنا مِ ن لدُنك رحمة وهيئ لنا مِ نْ �أَمرنا ر�شدًا‬ ‫َِْ ََ‬ ‫َّ َ َ ْ َ ً َ َ ِّ ْ َ َ‬ ‫ْ َ ْ ِ ْ َ ُ ىَ ْ َ َ َ ُ َ َّ َ ِ َ‬ ‫َ َ َ ْ َ َ َ ِ ِ ْ يِ ْ َ‬ ‫ف�ضربنا علَى �آذانهم ف الكهْفِ �سِ نني عددًا { الكهف 01‬ ‫ِ َ ََ‬ ‫ْ‬‫للكهف داللة مكانية يف ال�سورة، �إذ تقدم �أمنوذج ال�صرب وامل�أوى هلل رغم الظروف ال�صعبة‬ ‫وال�شديدة التي يعي�شها امل�ؤمنون.‬ ‫ّ‬‫لقد �شكل �إميان �أ�صحاب الكهف ثورة �سلمية من داخل ال�سلطة امللحدة الظاملة �آنذاك، وهز‬ ‫ّ‬‫عرو�شها دون حتى انقالب ع�سكري �أو حماولة لأخذ ال�سلطة بالقوة، مع ما لدى �أ�صحاب الكهف‬‫من �إمكانية ذلك، فكونهم وزراء ويف مرتبة راقية يف بالط امللك حينها، ف�إمكانية �إحداث الإنقالب‬‫�أو �أقلها �إحداث ال�ضرر املادي يف ال�سلطة الظاملة ممكن وب�صورة وا�ضحة. �إال �أن ذلك لن ُيحدث‬‫�أثر ًا بلحاظ الظروف والنتيجة املتوقعة ذات املردود الأكرب. فكان �إميانهم وتوحيدهم ثورة بحد‬ ‫ذاتها، وترك يف �أذهان النا�س �أ�سئلة كثرية تقودهم ملعرفة اهلل الواحد الأحد.‬ ‫َ َ‬‫هم وزراء الدولة ولهم الوجاهة واملنزلة واملال والقوة، ف ِلم تركوا كل ذلك من �أجل "توحيدهم"؟!‬‫ما هذا الإله الذي ي�ستحق ترك كل ذلك له؟ كان جمرد انت�شار خرب هروب �أ�صحاب الكهف‬‫وتوحيدهم ي�شكل �ضربة يف �صميم ال�سلطة امللحدة، فكان مثل ال َّنخر الذي مل ت�ستطع عالجه.‬ ‫ف�أظهر �ضعفها وهوانها �أمام النا�س.‬‫لذا كان البحث وتقفي �أثرهم مطلوب ًا وب�شدة من قبل ال�سلطات، من �أجل ا�سرتجاع هيبتها والنيل‬ ‫ِّ‬‫منهم �أمام مر�أى من النا�س وم�سمعهم. وت�أتي ال�ضربة الثانية بعجز هذه الدولة مع ما لها من‬‫�إمكانيات وجند وعدة وعتاد من البحث عن "جمموعة" �صغرية من وزراء "من�شقني" عنها، وذلك‬ ‫ُ‬‫�إ�سقاط لهيبة الدولة للمرة الثانية. مما جعل ق�صة وزراء موحدين تركوا منا�صبهم وامللذات‬ ‫والقدرة بني �أيديهم ليهربوا ب�إميانهم فقط خالدة على مر ال�سنني ومل تُن�س قط. ‬ ‫َ‬‫ا�ستعر�ضت الآية الكرمية حقيقة الإميان ومقت�ضياته الأ�سا�سية، وهو التوحيد املطلق هلل وعدم‬‫ال�شرك به، ويف مكانتهم ومنا�صبهم �إ�شارة جلواز العمل مع احلكومة الكافرة وا�ستعمال التقية،‬‫فهناك "فرج" للم�ؤمنني �إن كان من بينهم من هو يف ج�سم ال�سلطة الظاملة، مع حلاظ �أن �إميانهم‬ ‫ََ‬‫كان خمفي ًا ال معلن ًا، و�إال قد تتغري املعادلة وي�صبح وجودهم يف تلك ال�سلطة تقويــة وتقدمي‬ ‫ُ‬ ‫06‬
    • ‫م�صداقية لها.‬ ‫فا�ستعملوا التقية خدمة للدين وحقن ًا لدماء امل�ؤمنني، وهم م�ؤهلون لتلك املنا�صب، ثابتون على‬ ‫ً‬ ‫ٌَِْ َُ َ ِ ْ‬ ‫�إميانهم مبا ورد } فتية �آمنوا ِبر‌ ِّبهم {، واتخذوا منا�صبهم و�سيلة لإنقاذ امل�ؤمنني.‬ ‫وقد كانوا ثابتني على �إميانهم راف�ضني لالن�صياع ملعايري اجلماعة واملجتمع امللحد الذي هم يف‬ ‫كنفه، بل م�صرون على �إميانهم ويف مرحلة تكامل فيه} �آمنوا ِبر ِّبهم وزدناهُ م هُ دًى{، فهم‬ ‫َ ُ َ‌ ِ ْ َ ِ ْ َ ْ‬ ‫م�ؤمنون بربهم وكاف�أهم اهلل بزيادة الهدى لهم، وذلك رغم ال�ضغط االجتماعي الكبري ب�سبب‬ ‫معايري املجتمع وما يتبعه من �ضغوط نف�سية مزلزلة، فكان �سبيلهم الإنعزال كخيار �أخري للحفاظ‬ ‫على �إميانهم، فلج�أوا �إىل الكهف؛ اعتزاال عن جمتمعهم امللحد؛ وخوف ًا على �إميانهم.‬ ‫ً‬ ‫فعندما حتا�صرك الظروف وتكبت �أنفا�س �إظهار �إميانك، ويكون وجودك يف مثل تلك الظروف‬ ‫مدعاة النطفاء جذوة حركتك الر�سالية، فال بد من تغيري البيئة "�أمل تكن �أر�ض اهلل وا�سعة‬ ‫فتهاجروا فيها"، فمدار التغيري ال ميكن ق�صره على بقعة جغرافية دون �أخرى.فم�ساحة احلركة‬ ‫هي ب�سعة الأر�ض كلها دون حد.‬ ‫َََ ْ َ َ ُُ ِ ْ‬ ‫} ور‌بطنا علَى قلو ِبهم {، والربط ال يكون �إال للأمر العظيم املزلزل، وهو نعمة �إلهية ال تكون �إال‬ ‫للم�ؤمنني الذين ارتبطوا باهلل وانقطعوا �إليه في�أتيهم املدد من عنده بتوفري احل�صانة من التزلزل‬ ‫واالرتداد عن خط الهداية، فهم م�ؤمنون وزادهم اهلل هدى وربط على قلوبهم ليثبتوا على خط‬ ‫الهدى يف زلزال عظيم وبالء كبري.‬ ‫وقد و�صل بهم املقام �إىل �إعالن التوحيد جهار ًا، �إذ تقت�ضي امل�صلحة ح�سبما ر�أوها �أن الوقت قد‬ ‫حان لإعالن �إميانهم وحتمل كل النتائج املرتتبة على ذلك، وترك الدنيا وملذاتها  والهروب �إىل‬ ‫ّ‬ ‫اهلل. فجذوة التوحيد �إذا اتقدت ال ميكن تخفيف �أوارها يف قلوب امل�ؤمنني ال�صادقني، فتلك الطاقة‬ ‫تود اخلروج والتحرك العلني، فكانت "�ساعة ال�صفر" عندهم قد حانت ومت الإعالن عن م�سلكهم‬ ‫الفكري والديني املخالف لدين الدولة. اتخذوا هذا القرار وهم يف قمة القوة املادية واجلاه‬ ‫وال�سلطة املُك َنة بني �أيديهم، اتخذوا هذا القرار وهم يعلمون العواقب التي �ستجري عليهم -يف‬ ‫ْ‬ ‫ً‬ ‫حال القب�ض عليهم-، ف�ضال عن ال�ضرر الذي �سيلحق ب�أهلهم ومن يعز عليهم، اتخذوا هذا القرار‬ ‫بوعي وحكمة مع اندفاع املحب حلبيبه، فقد �ضاقوا ذرع ًا بالتكتم الذي كانوا فيه. وحينما دقت‬ ‫"�ساعة ال�صفر" لديهم، ط ّلقوا الدنيا ثالث ًا، وهربوا �إىل "اهلل"، وكان اهلل حا�ضنهم ومنقذهم‬‫16‬
    • ‫ومخُلدهم ونا�صرهم.‬‫َ ووا ِ�إل الكهْفِ ين�شر لكم ربكم من رحمتِه ويهيئ لكم‬ ‫ُ ىَ ْ َ َ ُ ْ َ ُ ْ َ ُّ ُ ِّ َّ ْ َ ُ َ ِّ ْ َ ُ‬ ‫َ ِ ْ َ َ ْ ُ ُ ْ َ َ ْ ُ َ َّ هَّ َ‬ ‫} و ِ�إذ اعتزلتموهُ م ومَا يعبدُون ِ�إال الل ف�أْ‬ ‫منْ �أَمركم مرفقا { الكهف 61‬ ‫ِّ ْ ِ ُ ِّ ْ َ ً‬ ‫تربز هنا نكتة جميلة �إذ كيف يكون الإيواء يف كهف ال مكان منا�سب ًا فيه للمبيت و الأكل؟‬‫فتتجلى العناية الإلهية هنا رغم انعدام مقومات احلياة  للإن�سان يف ذلك الكهف. �إذ ال يكون‬ ‫َ ُ ْ َ ُ ْ َ ُّ ُ ِ ّ‬‫املكان م�أوى �إال �إذا توافر فيه الطعام وال�سكن والأمان، ومما ي�ؤكد ذلك } ين�شر لكم ربكم من‬‫رحمتِه ويهيئ لكم منْ �أَمركم مرفقا {. فكان الن�شر للرحمة اخلا�صة بامل�ؤمنني �إذ هو �سبحانه‬ ‫َّ ْ َ ُ َ ِّ ْ َ ُ ِّ ْ ِ ُ ِّ ْ َ ً‬‫رحمان بالنا�س �أجمعني ورحيم بامل�ؤمنني، وكان متالزم ًا مع تهيئة ال�س ُبل لهم وك�أنه ن�شر �أفقي‬ ‫ٌ‬ ‫ُ‬ ‫عليهم جميع ًا مع حتديد عمودي لل�سبيل الذي �سيكون لهم.‬‫فكان الن�شر للرحمة بعد الذهاب والإيواء للكهف ال قبله، يف رمزية ب�أن ن�شر الرحمة ال يكون �إال‬ ‫بعد االنقطاع الفعلي هلل.‬‫والإيواء للكهف البد �أن يجهز مبا يتنا�سب وحالهم من انقطاع �إىل اهلل وهو على غري ذلك، وقد مت‬‫ّ‬ ‫بن�شر الرحمة وتهيئة مرفق من �أمرهم.‬ ‫} فابعثوا �أَحدكم ِبورقكم هَذِ ه �إِل ا مْلَدِ ينة ف ْلينظر �أَيهَا �أَزكى طعاما ف ْلي�أْتكم ِبرزقٍ منه وليتلَطفْ‬ ‫َ ِ َ َ ُ ْ ُّ ْ َ َ َ ً َ َ ِ ُ ِ ْ ِ ّ ْ ُ َ ْ َ َ ّ َ‬ ‫َ ْ َ ُ َ َ ُ َ ِ ِ ُ ْ ِ ىَ‬ ‫وال ي�شعرن بكم �أَحدًا { الكهف 91‬ ‫َ ُ ْ ِ َ َّ ِ ُ ْ َ‬‫هناك نكتة جميلة يف الآية} ف ْلينظر �أَيهَا �أَزكى طعاما ف ْلي ْ� ِأتكم ِبرزقٍ منه وليتلَطفْ وال ي�شعرن {..‬ ‫َ َ ُ ْ ُّ ْ َ َ َ ً َ َ ُ ِ ْ ِ ّ ْ ُ َ ْ َ َ ّ َ َ ُ ْ ِ َ ّ َ‬ ‫النكتة يف "فليتلطف".. ملاذا قيل ذلك ؟‬‫ املعنى هنا �أن يقوم �أحدهم بالذهاب لل�سوق.. ويكون �سلوكه حذر ًا وبه مداراة لكي ال يك�شفه �أحد،‬‫لأنهم يظنون �أنهم ما زالوا يف ع�صر طاغيتهم. والتلطف يف الأمر واملداراة والكيا�سة ونوع من‬ ‫التخفي وت�أكيدها جاء بعدها ب ـ } وال ي�شعرن ِبكم �أَحدًا {..‬ ‫َ ُ ْ ِ َ َّ ُ ْ َ‬‫ولينظر �أيها �أزكى طعام ًا؟ مل يقل �أي طعام بل �أيها �أزكى؛ لأنهم من رتبة معينة يف املعي�شة‬ ‫االجتماعية فطبيعي �أن يطلبوا طعام ًا من ذلك امل�ستوى، حيث الطعام الزكي �أي الطازج.‬ ‫مل يقل فلي�أت بل فلينظر �أي يتخري ويت�أمل ماذا ي�شرتي..‬‫ِ‬‫وحكمة ذلك �أنه و�صف دقيق ملجريات الق�صة ونف�سية �أهل الكهف ومكانتهم االجتماعية‬ ‫26‬
    • ‫واالقت�صادية. فهم من عل ّية القوم ومل تغر ّنهم احلياة يف وح�شة الدرب املنفرد وهو التوحيد.‬ ‫َ َ َ َ ْ رَ ْ َ َ ْ ِ ْ ِ َ ْ ُ َّ َ ْ َ هَّ ِ َ ٌّ َ َّ َّ َ َ َ ْ َ‬ ‫} وكذلِك �أَعثنا علَيهم ليعلَموا �أَن وعد الل حق و�أَن ال�ساعة ال ريب فِيهَا �إِذ يتنازعُون بينهم‬ ‫ْ َََ َ َ ََُْ ْ‬ ‫�أَمرهُ م فقالوا ابنوا علَيهِم بنيانا ربهم �أَعلَم ِبهم قال الذِ ين غلَبوا علَى �أَمرِهِ م لنتخِ ذن علَيهِم‬ ‫ْ َ ْ َ َ ُ ْ ُ َ ْ ُ ْ َ ً ّ َ ُّ ُ ْ ْ ُ ِ ْ َ َ ّ َ َ َ ُ َ ْ ْ َ َ ّ َ َ ّ َ َ ْ‬ ‫م�سجِ دًا { الكهف 12‬ ‫َّ ْ‬ ‫مل ي�ستنكر القر�آن قرار من غ َلب �أمرهم يف اتخاذ م�سجد على مكان �أهل الكهف، وبح�سب ما تذكر‬ ‫َ َ‬ ‫الروايات ف�إن اجلماعة التي تريد �أن تبقى ق�صة �أهل الكهف باقية يف الأذهان عرب بناء م�سجد‬ ‫عليهم، هم �أولئك امل�ؤمنون باملعاد اجل�سماين. ويف الآية للمت�أمل م�صارحة بجواز بناء م�سجد على‬ ‫القبور-وكان الكهف قرب ًا لأ�صحابه-.‬ ‫ ومفهوم امل�سجد موجود قبل الإ�سالم بفرتة �أي كانت من �ضمن حركات عبادتهم ال�سجود يف ذلك‬ ‫الوقت �أي�ض ًا وما اتخاذ امل�سجد �إال تذكري ًا للنا�س بهم كلما �صلوا، عرفان ًا واعرتاف ًا لهم ب�أ�سبقيتهم‬ ‫يف توحيد اهلل، وهنا يربز وعي للنا�س و�أغلبيتهم الذين قالوا باتخاذ م�سجد عليهم. ‬ ‫} غلَبوا علَى �أَمرِهِ م {.. فيها �إ�شارة �إىل كرثة عدد القائلني ببناء امل�سجد �أو وجاهة كبارهم‬ ‫َ ُ َ ْ ْ‬ ‫ووجهائهم �أو قوة الكلمة.‬ ‫َ َ ُ ُ َ َ َ ٌ َّ ُ ُ ْ َ ُ ُ ْ َ َ ُ ُ َ َ ْ َ ٌ َ ُ ُ ْ َ ُ ُ ْ َ ْ ً ْ َ ْ َ َ ُ ُ َ َ ْ َ ٌ‬ ‫} �سيقولون ثالثة را ِبعهم ك ْلبهم ويقولون خم�سة �سادِ�سهم ك ْلبهم رجما بِالغيبِ ويقولون �سبعة‬ ‫وثامِ نهم كلبهم قل ربي �أَعلَم بعدتهِم ما يعلَمهم �إِال قلِيل { الكهف 22‬ ‫َ َ ُ ُ ْ َ ْ ُ ُ ْ ُ َّ ِّ ْ ُ ِ ِ َّ ِ َّ َ ْ ُ ُ ْ َّ َ ٌ‬ ‫كان بالإمكان القول يقولون �سبعة ومعهم كلبهم ولي�س ثامنهم كلبهم! وال يتم االحت�ساب �إال من‬ ‫ً‬ ‫نف�س اجلن�س. نقول �سبعة رجال مثال، وال نقول �سبعة رجال وثامنهم كلب!‬ ‫هذا يدل على �أن الكلب له منزلة �أي�ض ًا و�إال مامت عده باللفظ هنا مع �أهل الكهف. والقول عن �أهل‬ ‫ّ ّ‬ ‫الكهف ي�شمل ما بالكهف �سواء �إن�سان �أو حيوان لذا مت العد بهذه الطريقة وقد مت ختم العد به �أي‬ ‫بالكلب.‬ ‫ويذكر �صاحب تف�سري الأمثل ال�شيخ نا�صر مكارم ال�شريازي، يف �إ�شارة لطيفة منه ب�أن الأبواب غري‬ ‫مغلقة �أبد ًا للمحبني ال�سالكني للحق، �سواء كانوا وزراء عند ملك ظامل كحال �أ�صحاب الكهف �أو‬ ‫الأكرثية الذين هربوا لإميانهم �أو كان راعي ًا ممن التحق بهم بعد حني وان�ضم �إليهم يف الكهف �أو‬ ‫حتى كلبه!‬‫36‬
    • ‫فجميع ذرات الوجود تذكر اهلل، وحتبه يف قلوبها و�صميم وجودها.‬ ‫ً‬‫جاء اخلالف على عددهم وجاء التفنيد القر�آين لينطق ف�صال يف ذلك. �إذ طول الزمن من بعد‬‫دخولهم الكهف، �إىل حني اكت�شافهم لهم، وتناقل الروايات من زمنهم لإكت�شافهم، فتواتر خربهم‬ ‫كحدث ت�أريخي قابل للمزايدة واملناق�صة.‬‫والعدد مل يكن مهم ًا �إذ مل يح�سم القر�آن عددهم بال�ضبط، مع ميل �إىل رجحان القول الثالث يف‬‫الآية الكرمية، بلحاظ �أن "رجم ًا بالغيب" َورد بعد القول الأول والثاين دون الثالث، ومع تعقيب‬ ‫ََ‬ ‫"ربي �أعلم بعدتهم" كما يذكر ذلك يف تف�سري الأمثل. ‬‫وقد مت الإف�صاح عن �سني َل ْبثهم يف الكهف بدقة.. } ثلث مِ ائة �سِ نني وازدَادُوا تِ�سعا { بينما‬ ‫ًْ‬ ‫َ اَ َ َ ٍ ِ َ َ ْ‬ ‫ِّ‬ ‫�أحجم عن الإف�صاح عن عددهم احلقيقي !!‬‫وجــاء نهي عن اجلدال وامل ــراء يف عددهــم ب�شــدة، �إذ العبــرة ليــ�س بالعدد بالرغ ــم من دقة‬ ‫ط ــرح الزمن!!‬‫لي�س املهم العدد بل الفرتة التي اكت�شف النا�س ق�صتهم.. يف فرتة االنفراج كتوثيق زمني بني‬ ‫الفرتتني.. و تبيان ًا للإعجاز!‬‫والناظر للآيات الكرمية يف �سرد ق�صة �أ�صحاب الكهف واملت�أمل فيها يرى �سياقات معرفية تقدم‬ ‫له م�ؤ�شرات عديدة يف جمال املقاومة ال�سلمية. ‬‫ه�ؤالء الفتية كانوا الرتياق يف ج�سد جمتمع نخرته الطبقية واال�ستئثار ال�سيا�سي واالقت�صادي‬‫واالجتماعي وحرية املعتقد، فكان املوحدون يتلقون التعذيب من قبل ال�سلطات احلاكمة �آنذاك.‬‫وكانوا حجة كربى على �سالكي درب التوحيد الراف�ض للجمود الفكري واال�ستعباد املربمج لل�سلطة.‬‫ف َلفظهم املجتمع، فالنا�س على دين ملوكهم؛ لأن معدته غري م�ؤهلة له�ضم املادة الغذائية الر�سالية‬ ‫َ ََ‬‫التي يقدمها ه�ؤالء الفتية، فلم يكن من �سبيل  يف ظل غياب التق ّبل و�إحداث الأثر �إال حفظ هذا‬ ‫الأمنوذج الر�سايل  بعيد ًا عن الإعدام واندثار �أثرهم.  ‬‫ف�أ�صبح الكهف داللة على "اللجوء ال�سيا�سي" لرب العاملني، جلوء ال ي�ضر معه �شيء ال يف الأر�ض‬‫وال يف ال�سماء، وحتول الكهف يف حينه وما بعده �إىل رمزية ملتناق�ضني، فرار من البط�ش ال�سيا�سي ‬ ‫ٌ‬ ‫ّ‬ ‫القائم �آنذاك، وذوبان �أكرث يف اخلط الإمياين بت�سليمه املطلق لل�سماء.‬‫وديدن الطغاة واملجتمعات املطبلة لها، هو ت�شويه كل ما يلم�سه امل�صلحون واملطالبون بحق التفكري‬‫احلر والعبودية املحررة للإن�سان من قوالب اال�ستهالك واال�ستعباد واال�ستحمار لأي نوع من‬ ‫46‬
    • ‫�ل�سلطة، �أكانت �سيا�سية �أو دينية �أو �قت�سادية. وكل ذلك خوف ًا من حتول "�ملوقف �لفكري" �إىل‬ ‫مرحلة �لرمزية �مللمو�سة عند �لنا�ص، و�لتي تعترب و�سيلة هامة للعقل �لب�سري للتذكر و�إحد�ث �لأثر‬ ‫بعد ��سرتجاع �لق�سية.‬ ‫فقتل �مل�سلحني وت�سفيتهم ج�سدي ًا �أو �لهجوم عليهم �جتماعي ًا تجُعترب �لو�سفة �لد�ئمة لل�سلطات‬ ‫للتنكيل وت�سويه �لر�سالة �لتي يحملها �أولئك �مل�سلحون.ويكون كل ذلك �سمن ��سرت�تيجية "�ل�سرب‬ ‫يف �لعلن"، وهي �ل�سيا�سة �ملبتورة و�لتي ل تاأتي بثمارها �إىل �لطغاة كما يرجون، فذ�ك فرعون �أر�د‬ ‫حتدي مو�سى ب�سحرته "ع َلن ًا " يف "يوم �لزينة " غرور ً� منه وجترب ً�، فكان "�لع َلن" هزمية على‬ ‫َ‬ ‫�لهو�ء مبا�سرة، و�لأمر باملثل لنمرود وحماولة �إلقاء نبي �هلل �بر�هيم يف �لنار، فتحول "غرور‬ ‫�لطاغي منرود" �إىل هزمية نارية على منرود �أي�س ًا، و�لأمر ي�سري على بقية �لطغاة مع �لأنبياء‬ ‫و�مل�سلحني.‬ ‫و�أهل �لكهف لي�ص ببدع من ذلك كله، لقد حتولت رغبة �ل�سلطة يف حمو �أثرهم �إىل �نطالقة لتخليد‬ ‫ق�ستهم، فبقت ذكر�هم �أثناء �لبط�ص وبعده، وحتول ذكرهم �إىل مالم�سة و�قع معا�ص بعدهم،‬ ‫جُ‬ ‫فكان تخليد ذكر�هم ببناء م�سجد عليهم.‬ ‫تلك �ملعادلة �لتي ما ز�لت م�ستمرة ونر�ها حتى يومنا هذ�، هي �سنة �إلهية، عالنية �لبط�ص �إ�سر�ع‬ ‫جُ‬ ‫يف �سقوط �أي عر�ص.‬ ‫و�لطغاة �حلمقى هم من يحولون كل ما يلم�سه �مل�سلحون و�لثائرون على �لظلم �إىل ذكرى ل تغيب‬ ‫ّ‬ ‫جُ‬ ‫�لبط�س‬ ‫�لإ�سلح‬ ‫�ل�سماء‬ ‫�ل�سمري‬‫56‬
    • 66
    •  67
    • ‫وتكون خالدة.‬ ‫} �إِنا �أَعطيناك الكوثرَ‌ { الكوثر 1‬ ‫َّ ْ َ ْ َ َ ْ َ ْ َ‬‫هو خطاب العطاء املتبوع بالتوا�صل مع ال�سماء وتزكية ذلك على الأر�ض ليكو َنا جناحا الرد على‬‫"التعيري" الذي رفعه �أعداء النبي الأكرم (�ص) يف جمتمع يتفاخر بالن�سل كامتداد للفرد ويعك�س‬ ‫"خلود" ا�سمه به.‬‫فالطبقة الربجوازية واملنتفعة من نظام العقل اجلمعي ال�سلبي املتبع لها والذي ي�صب يف م�صاحلها‬‫ترى يف �أي دعوة للإ�صالح تهديد ًا لها وتُربزه على �أنه تهديد لنظم املجتمع وثباته، ويكون اال�ستنفار‬‫يف �أوج ذروته، وتتخذ �أي ثغرة �أو نقي�صة -بلحاظ ر�أي العقل اجلمعي- مرتع ًا البتكار النقائ�ص‬‫تلو النقائ�ص يف عملية ح�سابية تهدف لت�سجيل النقاط �ضد امل�صلحني و�إبرازهم يف موقع ال�ضعف‬‫والهوان يف قبال ال�سلطة الربجوازية واحلاكمة يف املجتمع. وذلك ديدن ال�سلطات النفعية والباغية‬ ‫يف كل زمان ومكان.‬‫وعود ًا �إىل ال�سورة املباركة، ميكن �أن نرى ثالثية م�ستحكمة تر�سمها هذه الآيات عند الت�أمل فيها:‬ ‫ُ‬‫١. قمة العطاء: } �إِنا �أَعطيناك الكوثر‌ {، والكوثر تلك النعمة الكربى املتمثلة يف وجود ب�ضعته‬ ‫َّ ْ َ ْ َ َ ْ َ ْ َ َ‬‫فاطمة الزهراء ال�صديقة "�سالم اهلل عليها" على اعتماد تف�سري "الكوثر" ب�أنها ابنة الر�سول‬‫(�ص)، وهي الأمنوذج (ال�سما -�أر�ضي) للكوثر معنى ولفظ ًا، فعال وقوة، ت�صور ًا وت�صديق ًا. فهي‬ ‫ً‬ ‫ً‬‫النعمة املتحركة التي متتد يف الن�سل والفعل على حد �سواء لتب�سط معنى الكوثر يف كل دالالته‬‫وعطاياه، وتكون الرد العملي ملن رفعوا �شعار "الأبرت" بريق ًا �ضد النبي الكرمي (�ص). وهناك‬ ‫تفا�سري ت�شري �إىل �أن الكوثر هو اخلري الكثري �أو نهر يف اجلنة �أي�ض ًا.‬ ‫َ َ ِّ ِ َ َ َ ْ َ ْ‬‫٢. قمة الثناء وال�شكر: } ف�صل لر‌ ِّبك وانحر‌ {، جانبا الربط ال�سماوي بال�صالة واجلانب الأر�ضي‬‫بالنحر م َّثل تكافال اجتماعي ًا ورد ًا عملي ًا يف قبال نحر امل�شركني للأ�ضاحي �أمام �أ�صنامهم، على‬ ‫ً‬‫اعتبار �أن تف�سري النحر املرتبط بنحر الأ�ضاحي. وهناك تفا�سري �أخرى متيل �إىل كون النحر هو‬ ‫رفع اليد �أثناء التكبري.‬ ‫86‬
    • ‫و�سواء كان النحر و�صف دقيق حلركة يف ال�صالة �أو كونها نحر للأ�ضحية، فكالهما له املعنى‬ ‫احلركي لل�شكر على النعمة، حركة �شكر عمودية ت�ستند على االرتباط الروحي بني الفرد الر�سايل‬ ‫وال�سماء، وحركة �أفقية ت�أخذ بذلك ال�شكر وحتو ّله �إىل �سلوك منتج ُيرثي ال�ساحة واملجتمع، �سواء‬ ‫ُ‬ ‫من الناحية االجتماعية �أو االقت�صادية.‬ ‫َّ َ ِ َ َ َ َْ ْ رَ ُ‌‬ ‫٣. قمة الدعم والرد وطرح املفهوم: . } �إِن �شانئك هُ و الأبت { الكوثر 3 هو الأبرت، هنا يكون الرد على‬ ‫املفهوم، ب�إعادة تعريفه، ويف هذه الآية مكمن �أقوى، و�أهم �أ�سلوب ملواجهة الأنظمة واملنتفعني من‬ ‫التمييز الطبقي و�أي�ض ًا امل�ست�أثرين مب�صالح النا�س بالقوة �أو بالدين �أو بكليهما مع ًا. فامل�صطلحات‬ ‫التي تطلقها الأنظمة النفعية والبط�شية على امل�صلحني املعار�ضني ل�سيا�ستها ال بد من الرد عليها‬ ‫ب�إعادة  طرحها جمدد ًا ومن الزاوية الواقعية ملعناها، ال من زاوية الـ "‪ "Propaganda‬الر�سمية‬ ‫التي تروج لها ال�سلطة يف �أ�سواق �إعالمها. ‬ ‫وعند الت�أمل التفكيكي لل�سورة  من "نافذة" �أخرى، نرى الت�صور التايل:‬ ‫َ َ ِّ ِ َ َ َ ْ َ ْ‬ ‫} ف�صل لر‌ ِّبك وانحر‌ { الكوثر 2 دمج اخلطني العمودي والأفقي العمودي هي العبادة بال�صالة‬ ‫لل�سماء والأفقي هو النحر وحركته االجتماعية وت�أثريه يف الأر�ض.‬ ‫فبعد عطاء النعمة يكون امل�سلكني، العبادة لل�سماء والعمل يف الأر�ض. فال�صالة هي العبادة والعمل‬ ‫َ ٌَ‬ ‫هو النحر، تكاملية ثنائية ال تتوقف، �شرر من ال�سماء ونور منها يف الأر�ض.‬ ‫ٌ‬ ‫في�أتي الأمر املبا�شر �أي�ض ًا هنا للنبي ب�أن يحقق مقت�ضيات املنح والعطاء بال�شكر هلل، ويتحقق‬ ‫بال�صالة وقد يكون معنى ال�صالة الآخر هو الدعاء وطلب احلاجات من اهلل، �أي �أعطيتك النعم‬ ‫واخلري الكثري فادعني �شكر ًا لذلك �شكر ًا قلبي ًا يرتجمه القول بالدعاء والعمل بالنحر قربة له.‬ ‫} �إِن �شانئك هُ و الأَبت { الكوثر 3 وكل عدو لك يف طريق ا�ستالم النعمة و�إظهارها عليك و�شكرك لها‬ ‫َّ َ ِ َ َ َ ْ ْ رَ‬ ‫�سماء و�أر�ض ًا هو املنقطع-الأبرت-،لأنه قطع �صلته بهما، فهو امل�صداق الأكرب لهذا الذي يناوئك يف‬ ‫ً‬‫96‬
    • ‫خطك الر�سايل. وكل واقف �أو مانع لتلك النعمة �أن ت�صل هو الأبرت. وكل خمالف لهذه امل�سرية من‬‫تقبل النعمة و�شكرها والعمل على حمدها بطريقتيها ال�سماوية والأر�ضية، العبادية واملعامالتية،‬‫هو املبتور الذي ال ا�ستمرار ملنهجه.�إذ ًا هي نعمة معطاة من اهلل، بعدها �شكر للنعمة بجناحي‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ ُ‬ ‫املعامالت والعبادات ومن ثم تبيان للمناوئ يف قبالة النعمة وم�صريه.‬‫ومن يتحرك يف قبال قطع النعم الإلهية من وعي وعدالة وخري للنا�س وحماربة كل تلك القيم،‬‫فلي�س ببعيد عن دائرة م�صداق "الأبرت"، فال�شخ�صيات الواردة يف الآيات القر�آنية الكرمية هي‬‫"النماذج -‪ "Prototype‬التي متتد عرب الزمان واملكان ما دامت حتمل نف�س "احلم�ض النووي‬ ‫‪"DNA‬يف مواقفها و�أفعالها.‬‫مهم ًا وا�سرتاتيجية �أ�سا�سية يف‬ ‫هذه ال�سورة، وهي �أق�صر �سورة يف القر�آن الكرمي، متثل مبد�أً‬‫مواجهة احلرب النف�سية من القوى ال�سلبية امل�سيطرة على املجتمع، ويتم ذلك ح�سب الت�أمل يف‬ ‫هذه ال�سورة عرب املثلث التالية عنا�صره:‬ ‫١. الفهم احلقيقي للنعمة بني يدي الر�سايل:‬ ‫٢. الربنامج احلركي لت�أدية ال�شكر على النعمة وم�صاديقها العملية.‬‫٣. �إعادة طرح تعريف للمفاهيم وامل�صطلحات كجزء من رد على احلرب النف�سية املعلنة �ضد‬ ‫الر�ساليني.‬‫ويف الآية الأخرية مكمن قوة ومنهج م�سرية لر�سم خطة مواجهة �أمام الت�ضليل من الطرف‬‫املعادي للر�سالة واخلط الر�سايل، وذلك ب�إعادة تعريف ما يتم �إطالقه من اجلهات املناوئة خلط‬ ‫امل�صلحني.‬‫ �إذ تعمد القوى ال�سلبية يف املجتمع الب�شري للحفاظ على م�صاحلها ونفعيتها ب�إطالق �سل�سلة‬‫م�صطلحات تكون لها الأ�سبقية يف تعريفها و�إ�سقاطها على الطرف املعار�ض �أو املخالف لها يف‬‫التوجه، ومع التكرار يرتبط امل�صطلح الذي مت �إطالقه على امل�صداق املُ�سقط عليه ذلك امل�صطلح،‬ ‫َ‬ ‫ّ‬‫ويتحول �إىل جزء من حديث يتناوله املجتمع وك�أنه واقع ال ينفك. كحال م�صطلحات الإرهاب‬‫يف ع�صرنا احلا�ضر وغريها من م�صطلحات �أ�صبح تعريفها "وقف ًا" على منوذج مق�صود دون‬ ‫07‬
    • ‫�إن�ساف يف طرحه.‬ ‫وبالتايل تكون حرب "�مل�سطلحات" قائمة مذ بدء �خلليقة، و�لناظر ل�سري �لأنبياء يف �لقر�آن‬ ‫�لكرمي، يرى �ملخالفني و�ملحاربني لهوؤلء �مل�سلحني و�ملر�سلني من رب �لعاملني ي�سوقون م�سطحات‬ ‫�سلبية عنهم، مثل "�ساحر، �ساعر، جمنون، م�ص من �آلهتم فيه، �ل�سعف" �إىل غريها من‬ ‫َ ٌّ‬ ‫م�سطلحات تت�سم بالهو�ن. فتلك حرب نف�سية جُيجيدها حماربو �لإ�سالح ووعي �لفطرة، فديدنهم‬ ‫"�ل�سرب حتت �حلز�م" يف مو�جهة �أي م�سلح. وبدورهم يكون �لتفنيد و�لرد �لقوي من قبل‬ ‫�لأنبياء و�ملر�سلني عرب �ملنطق تارة، و�ملعجز�ت تارة �أخرى. وبهذ� تكون حرب "�ملفاهيم" �أو‬ ‫�مل�سطلحات قائمة على قدم و�ساق ول تنتهي، فاإل�ساق �ملفهوم �ل�سلبي على �لطرف �لآخر بد�ية‬ ‫ك�سر �سوكته لالنق�سا�ص عليه.‬ ‫و�لرد �لقر�آين للمتابــع لالآيات �ملتعلقــة باحلــو�ر �أو �لد�ل �لد�ئــر بني �لأنبياء و�أقو�مهم، يــرد‬ ‫على تلك �حلرب باإعادة طرح �ملفـه ــوم وتقدميه ب�ســورته �لو�قعية ل "�ملفربكة" �لتي جُيتقنها‬ ‫فهم �لنعمة‬ ‫�لرد على‬ ‫منكر �لنعمة‬ ‫جُ‬ ‫�سكر �لنعمة‬‫17‬
    • 72
    •  73
    • ‫حماربــو الإ�صالح.‬ ‫َّ َ َ َ ِ ْ َ ْ َ حْ َ ِّ ِ َ ْ ٍ ُ ْ ُ َ َّ ِ ْ َ ْ َ اَ يِ َْ ْ ِ َ َ َ َ‬‫} نتلو علَيك مِ ن نب�إِ مُو�سى وفر‌عون بِالق لقوم ي�ؤمِ نون. �إِن فر‌عون عَل ف الأر‌�ض وجعل‬ ‫َُْ َ ْ َ‬‫�أَهْ لَهَا �شِ يعا ي�ست�ضعِف طائفة منهم يذ ِّبح َ�أبناءَهُ م وي�ستحيِي نِ�ساءَهُ م �إِنه كان مِ ن ا مْلُف�سِ دِ ين.‬ ‫َ‬ ‫َ ْ َّ ُ َ َ َ ْ‬ ‫َ ً َ ْ َ ْ ُ َ ِ َ ً ِّ ْ ُ ْ ُ َ ُ ْ َ ْ َ َ ْ َ ْ‬‫ونر‌يد �أَن نن علَى الذِ ين ا�ست�ضعفوا ف الأر‌�ض ونعلَهم �أَئمة ونعلَهم الوارثني. ونكن لهم‬‫َ ُ ِ ُ مَّ ُ َّ َ َّ َ ْ ُ ْ ِ ُ يِ َْ ْ ِ َ جَ ْ َ ُ ْ ِ َّ ً َ جَ ْ َ ُ ُ ْ َ ِ‌ ِ َ َ مُ َ ِّ َ َ ُ ْ‬ ‫ف الأَرْ‌�ض ونرِ‌يَ فرعون وهَامَان وجنودَهُ ما مِ نهُم ما كانوا يحذرُ‌ون {الق�ص�ص 3 – 6‬ ‫َ َ ُ ُ َ ْ َّ َ ُ َ ْ َ َ‬ ‫يِ ْ ِ َ ُ ِ ْ‌ َ ْ َ َ‬ ‫ ‬ ‫ ‬ ‫قال تعاىل: } نتلو علَيك مِ ن نب ِ�إ مُو�سى وفرعون بِالق لقوم ي�ؤْمِ نون {.‬ ‫َّ َ َ َ ِ ْ‌ َ ْ َ حْ َ ِّ ِ َ ْ ٍ ُ ُ َ‬ ‫َُْ َ ْ َ‬‫ تالوة النب�أ، معناه ال�سرد بتفا�صيله التي ترفع �أي لب�س �أو �إجحاف بالواقع الذي حدث حينها،‬‫و�صيغة اجلمع يف كلمة-نتلوا- للتعبري عن الذات الإلهية �أي �أن م�صدر اخلرب هو رب العزة ال غري‬ ‫ومن دون و�سيط، وهذا كاف للتوثيق والتحقيق فيما جرى من �أحداث يف ذلك الزمن.‬ ‫ٍ‬‫وعملية االقرتان والتقدمي لها داللة عند ذكر -نب�أ مو�سى وفرعون- وك�أنه يقول ق�صة هابيل وقابيل‬‫يف ت�ضاد وو�ضعها يف منزلة الت�ضاد بني احلق والباطل و�ضمن خط واحد يف املواجهة، وتقدمي ا�سم‬ ‫مو�سى له داللة العزة والغ َل َبة له دون فرعون.‬ ‫َ‬‫لقوم ي�ؤمنون: ق�صة مو�سى وفرعون هي الأمنوذج للم�ؤمنني العاملني الر�ساليني املغريين هلل يف‬‫النا�س من �أجل �صاحلهم على الأر�ض، ومل يقل لقوم يعقلون �أو يتدبرون �أو يتفكرون، فالأحداث‬‫تت�سارع وتكرب وتخرج عن �إطار العقل واحل�سابات الأر�ضية، فيكون توجه الق�صة وال�صراع لأولئك‬‫امل�ؤمنني الذي يقطعون كل خيوط الأر�ض لريتبطوا بال�سماء وحدها، وال يكون ذلك �إال من خالل‬‫مت�سك باحلبل الأوحد وهو الإميان باهلل تعاىل. } �إِن فر‌عون عَل ف الأَر‌�ض وجعل �أَهْ لَهَا �شِ يعا‬ ‫ًَ‬ ‫َّ ِ ْ َ ْ َ اَ يِ ْ ْ ِ َ َ َ َ‬ ‫ُّ ٍ‬ ‫َ‬ ‫َ ْ َّ ُ َ َ َ ْ‬ ‫َْ ْ ََْ َْ‬ ‫ي�ست�ضعِف طائفة منهم يذ ِّبح �أَ‬ ‫َ ْ َ ْ ُ َ ِ َ ً ِّ ْ ُ ْ ُ َ ُ بناءَهُ م وي�ستحيِي نِ�ساءَهُ م ِ�إنه كان مِ ن ا مْلُف�سِ دِ ين {.‬ ‫} �إِن فر‌عون عَل ف الأَر‌�ض {‬ ‫َّ ِ ْ َ ْ َ اَ يِ ْ ْ ِ‬‫�إن فرعون عال يف الأر�ض: ت�ضاد عجيب يف الآية بحق، �إذ مت ذكر ا�سم �آدمي وهو فرعون وفعل ال‬ ‫ٌ‬ ‫47‬
    • ‫يتنا�سب مع بني الب�شر وهو العلو، وتذكري بجاذبية ما هو عليه وهي الأر�ض �أو حمدودية ما كان‬ ‫يحكم وهي �أر�ض م�صر.‬ ‫وتلك �إ�شارة �إىل حقيقة الإن�سان مهما جتبرّ وتغطر�س و�أخذ بكل �أ�سباب ما يعتقد ب�أنه رافعه دون‬ ‫غريه، ف�إن جاذبية الأر�ض تكون �سواء لكل بني الب�شر دون ا�ستثناء.‬ ‫َ َ‬ ‫َ َ‬ ‫َ‬ ‫و الآية مل تقل -تكبرّ- �أو - َبطر- �أو -ظ َلم-، و�إمنا عال، وهي داللة ت�شمل كل تلك امل�صاديق التي‬ ‫ظاهرها العلو والرفعة على الآخرين وباطنها االن�شداد للأر�ض والتثاقل �إليها وفيها وعليها.‬ ‫تلك هي �سنة اجلبابرة والطغاة، عقدة النق�ص تدفعهم لتغطيتها بالعلو والتجرب والظلم، ل�سد ذلك‬ ‫ُ‬ ‫النق�ص �إيهام ًا منهم لأنف�سهم ب�أنهم على حق وعلى قوة. فالظلم �أداة تعوي�ضية لنق�ص نف�سي فيمن‬ ‫يعمله، "�إمنا يحتاج �إىل الظلم ال�ضعيف".‬ ‫وال يكون العلو يف املجتمعات للطغاة �إال من خالل �إحداث خلل طبقي بني �أفراد املجتمع، فمن‬ ‫ذلك اخللل والنق�ص والزلزال االجتماعي تكون للطغاة الرفعة، �إذ ال ميكن للطاغي �أن يب�سط‬ ‫كل �سيطرته على املجتمع �إن كان الأخري بكل فئاته وطبقاته �ضده، لذا يتبع ه�ؤالء �أ�سلوب وتكتيك‬ ‫"فرق ت�سد"، فكلما �شرذمت املجتمع وجعلته يف كانتونات متباعدة جغرافي ًا �أو اجتماعي ًا �أو فكري ًا‬ ‫َ‬ ‫ّ ُ‬ ‫�أو مالي ًا �أو ديني ًا كانت القدرة على التالعب يف ذلك الت�شرذم كبري ًا، وبالتايل تكون عملية تقريب‬ ‫فئة و�إبعاد �أخرى ممكنة وبقوة، وبذلك يكون اال�ستناد على فئة و"ده�س" �أخرى. ف�إذا �أردت �أن‬ ‫ً‬ ‫ُ ً‬ ‫ت�أكل فيال. ما عليك �إال تقطيعه �إىل �أجزاء �صغرية ليمكنك القول بعدها "لقد �أكلتُ فيال ب�أكمله".  ‬ ‫تلك هي �سيا�سة الطغاة، تفكيك املفكك وجتزيء املجز�أ لي�سهل عليهم البط�ش والتحكم يف كل‬ ‫مكونات املجتمع.‬ ‫فقد كان املجتمع امل�صري �آنذاك مكون ًا من "الأقباط" وهم �سك َنة م�صر الأوائل و"الأ�سباط" وهو‬ ‫ََ ُ‬ ‫بنو ا�سرائيل الذين نزحوا مل�صر وعا�شوا فيها. وكان التمييز العن�صري فاقع ًا يف ذلك املجتمع،‬ ‫فالأ�سياد هم "الأقباط" والعبيد واخل َول هم "الأ�سباط".‬ ‫َ‬‫57‬
    • ‫وعمل فرعون على جعل املجتمع الذي يحكمه "�ش َيع ًا" �أي ِفرق ًا، وهذا يدل على عظم ما كان يخطط‬ ‫ََ‬ ‫ِ َ‬‫له ويعمل، �إذ جعل املجتمع امل�صري �أكرث من فرقة و�شتت �شملهم ب�سلوكيات وعقليات وطبقات‬‫خمتلفة، ومن هذا التفتيت يف الن�سيج املجتمعي كان الت�ضارب يف امل�صالح والتزاحم فيما بينها‬ ‫ليعلو فرعون على الأكتاف كلها، وك�أمنا ذلك التزاحم �أمواج متالطمة وفرعون ممتطيها برباعة.‬‫فما الفرق الأخرى �إذ ًا؟ مل حتدد الآيات �إال الفرق التي وقع عليها الظلم والبط�ش والتفرقة‬ ‫َِ‬ ‫َِ‬‫والقتل ك�أق�سى �صور ذلك ال�ضيم، فقدم ال�صورة الأبرز لها من خالل ذكره اال�ست�ضعاف من ذبح‬ ‫ّ‬‫للأطفال وا�ستحياء للن�ساء، �إذ �ضرب قادة �أي حياة يف �أي جمتمع "اجليل اجلديد واجليل املُنتج"‬ ‫َ َ َ‬ ‫�أي الأطفال والن�ساء، وبدونهما ال يكون جمتمع.‬‫مل يتوقف ف�ساد فرعون بتفتيت املجتمع وا�ستخدام �سيا�سية "فرق ت�سد" فقط، بل امتد ف�ساده �إىل‬ ‫ّ ُ‬ ‫قطع للن�سل وتفتيت لل ِعر�ض، فبالتايل ما الذي يتبقى للمجتمع؟‬ ‫ ‬‫ ال �شيء، وقد �أوقف فرعون �سل�سلة نتاج الأجيال اجلديدة عرب الذبح. وهنا نكتة ت�ستحق الإلتفات،‬‫فقول " ُيذ ّبح �أبنائهم" �أي �أبناء الطائفة امل�ست�ضعفة، ومل يقل " ُيقتّل �أبنائهم" فهل هناك بالفعل‬‫فرق بني القتل والذبح؟رمبا �إذن ن�ستدعي �آية ذبح البقرة لبني �إ�سرائيل، ومل ي�أمر بقتل بقرة،‬‫والقتل يكون وقعه �أكرب من الذبح بلحاظ اجلرمية والتعدي �إال �أن الذبح له داللة �أخرى، وهو ت�شبيه‬‫القتل بالذبح، مما يعني و�ضع عملية القتل يف �أق�سى درجاتها بو�ضع الإن�سان املقتول يف مرتبة‬ ‫ً‬‫"احليوان"، فيكون الذبح، وهو �سفك الدم و�إ�سالته. هذا ف�ضال عن �أن تكون عملية القتل متتابعة‬‫وعامة وبها عقل جمعي ال يتوقف، فيكون الذبح وك�أنه عرف، وهذا �أخطر �أنواع القتل. والذبح كان‬ ‫ُ‬ ‫ب�أمر مبا�شر و�إ�شراف من فرعون لذا �أتت " ُيذ ّبح" �أي ن�سبة الفعل �إليه ال غريه.‬‫ففي �آية ابراهيم و�إ�سماعيل، بقول ابراهيم  "�إين �أرى يف املنام �أين �أذبحك"، ومل يقل �أين �أقتلك.‬ ‫فقد يكون القتل دون �سفك دم، مثل الإحراق �أو الإغراق، بينما الذبح ي�ستلزم �إ�سالة الدم.‬ ‫67‬
    • ‫"�إ ّنه كان من املف�سدين" العلو مع التفرقة يف املجتمع و�صوال �إىل �أعلى درجات البط�ش والقتل‬ ‫ً‬ ‫وهو الذبح وا�ستحياء الن�ساء تكون تلك معادلة الف�ساد يف �أب�شع �صورها.‬ ‫ ‬ ‫} ونرِ‌يد �أَن نن علَى الذِ ين ا�ست�ضعفوا ف الأرْ‌�ض ونعلَهم �أَئمة ونعلَهم الوارثِني{ الق�ص�ص 5‬ ‫َ ُ ُ مَّ ُ َّ َ َّ َ ْ ُ ْ ِ ُ يِ َْ ِ َ جَ ْ َ ُ ْ ِ َّ ً َ جَ ْ َ ُ ُ ْ َ ِ‌‬ ‫بعد كل ذلك التفتيت والذبح وانتهاك احلرمات، بعد كل ذلك الزلزال الب�شري يف املجتمع امل�صري،‬ ‫تكون املعادلة الكونية الأبرز هي يف تقدمي وراثة الأر�ض للذين اُ�ست�ضعفوا ال غري، وتلك الوراثة ت�أتي‬ ‫عرب منٍّ �إلهي �أي عطاءٍ �سماوي، وهو وعد ال ريب فيه، بلحاظ كل ال�سنن الكونية التي تذهب يف‬ ‫ٌ‬ ‫�سري عملها �إىل التوازن و�إقامة العدل، وال تكون وراثة الأر�ض �إال بعمل و�سري حق على طريق اهلل،‬ ‫ونتيجته هو "اجلعل" �أي �أن يكون وجودهم يف ذلك الأمر واقع ًا ال حمالة من ال�سماء.‬ ‫ذلك املنُّ للم�ست�ضعفني ال ال�ضعفاء، للذين و�ضعوا حتت بط�ش وقيد وفتك، ومع ذلك فلهم القابلية‬ ‫ُ‬ ‫للحركة والعطاء ما �إنْ تُرفع عنهم �سال�سل الكبت واجلور عليهم.‬ ‫جعل الإمامة والوراثة: �أي احلاكمية ووراثة ما وراء من ظلمهم، وبالتايل تكون عقلية امل�ست�ضعفني‬ ‫َ‬ ‫دوم ًا البناء ال الهدم، كونهم ممن �سريث الأر�ض، وال يريد الإن�سان الوارث �أن ي�ستلم �أمر ًا غري‬ ‫مكتمل �أو به �ضرر. �إال �أن الظاملني ال يرتكون الأمر على حاله فيكون اخلراب والتخريب منهم يف‬ ‫ً‬ ‫حياتهم وعند قرب نهايتهم. وتلك �سيا�سة الباط�شني الطغاة على مر الع�صور، فال يبقون �أمال،‬ ‫و�إذا اقرتبت نهايتهم زادوا من هَ َو�س البط�ش وال�ضيم يف حركة �أ�شبه باجلنون، فيكون التدمري‬ ‫م�ضاعف ًا. تلك هي العقدة التي ال تنفك عن الظلمة و�أ�صحاب ال�سلطات الفا�سدة. ‬ ‫َ َ ُ ُ َ ْ َّ َ ُ َ ْ َ َ‬ ‫ِ ََْ َ‬ ‫} ونكن لهم ف الأَر‌�ض ونر‌يَ‬ ‫فرْ‌عون وهَامَان وجنودَهُ ما مِ نهُم ما كانوا يحذرُ‌ون { الق�ص�ص 6‬ ‫َ مُ َ ِّ َ َ ُ ْ يِ ْ ْ ِ َ ُ ِ‬ ‫التمكني مبعنى تقدمي الأدوات الالزمة للأخذ بالقوة يف الأر�ض، وال يكون التمكني �إال ملن له القدرة‬ ‫"بالقوة" وبحاجة �إىل متكني ليتحول �إىل "الفعل". ومعنى ذلك �أن امل�ست�ضعفني ال ي�ستلمون مفاتيح‬ ‫"التمكني" على طبق من ذهب، ففي حقبة اال�ست�ضعاف، ال بد من �إعداد الكوادر للأخذ بالتمكني‬ ‫فيما بعد، فمن رحم امل�أ�ساة والزلزال، يكون البناء والتفكري ملا بعد الفاجعة.‬ ‫َِ ِ‬‫77‬
    • ‫فالتمكني يكون يف يد من له القدرة على الأخذ به، فكر ًا واقت�صاد ًا وثقافة وحركة و�سلوك ًا.‬‫ومن �أ�سباب التمكني �أن يرى الظاملون النتيجة يف احلياة الدنيا ولي�س جزاءهم مقت�صر ًا على‬ ‫الآخرة فح�سب.‬‫"و ُنري فرعون وهامان وجنودهما" كانا ر�أ�سي ثعبان عظيم و�أرادا التهام م�صر ب�شعبها، مبا‬‫�شكاله من بط�ش وظلم وحيف يف حق جمتمعهم و�أنا�سه، "وجنودهما" وك�أنهما دولة داخل دولة‬‫متفقان على البط�ش، ولعظم جربوتهما كان لكل منهما جنود، و�إال كان بالإمكان القول يف الآية‬‫الكرمية "ونري فرعون وهامان وجنودهم" واهلل �أعلم. "ماكانوا يحذرون"، وهو �أق�سى ما ميكن‬ ‫للطغاة �أن يروه، احلذر املتوج�س اخلائف من رفعة املظلومني عليهم.‬‫ تلك عربة على مر التاريخ لكل الطغاة ب�أن ميزان العدالة الكونية باقٍ وم�ستمر كمعادلة ال تقبل‬ ‫اال�ستثناء.‬ ‫87‬
    • 79
    • 80
    •  81
    • ‫} وا مْلُ�ؤْمِ نون وا مْلُ�ؤْمِ نات بع�ضهم �أَولياء بع�ض ي ْ�أمرون بِا مْل َْعروف وينهون عَن ا مْلُنكر ويقِيمون‬‫ُ ِ ََْ َْ َ ِ َِ َُ ُ َ‬ ‫َ ُ َ َ َ ُ َْ ُ ُ ْ َِْ َْ ٍ َ ُ ُ َ‬ ‫َّ َ َ ُ ُ َ َّ َ َ َ ُ َ هَّ َ َ َ ُ َ ُ ْ َ َ َ رَ ْ َ ُ ُ ُ هَّ ُ َّ هَّ َ َ ٌ َ ٌ‬ ‫ال�صالة وي�ؤْتون الزكاة ويُطِ يعون الل ور�سوله �أُولئِك �سيحمهم الل �إِن الل عزِيز حكِيم {‬ ‫التوبة 17 ‬‫معادلة التغيري والإنتاج الر�سايل ال تتم �إال من خالل جمع عن�صري العمل وطرفيه وهم امل�ؤمنني‬‫وامل�ؤمنات، يف م�سرية طاعة اهلل ور�سوله من �أجل �إحداث حقيقي وترجمة ملمو�سة ملعنى "اخلالفة‬‫يف الأر�ض"، ولوجود طرفني �ضمن مظلة الإميان، فهما الأجدر بالقيام مبثل ذلك التغيري الأر�ضي‬ ‫لل�سماء.‬ ‫ُ‬‫"بع�ضهم �أولياء بع�ض": متثل البع�ضية هنا القرب والتفاهم والتخطيط والتنظيم الذي يكون‬‫ملعنى "�أولياء". وهو الدافع للحركة جتاه هدف حمدد ودقيق وهو "طاعة اهلل ور�سوله" التي‬‫متثل الغاية احلقيقية للخلق وما يتبعها من ذلك من ب�سط العدل والإعمار يف الأر�ض، ويكون ذلك‬‫عرب �آليات عملية على الأر�ض وهي "الأمر باملعروف والنهي عن املنكر" ك�آليتي دفع ورفع, �أي دفع‬‫الدخيل من �سلوكيات على الفطرة الإن�سانية ورفع لكل متجذر من عقلية يف املجتمع تكون كفيلة‬‫با�ستعباد الإن�سان لنف�سه �أو لقرينه نتيجة ظلم �أو تغرير، وتتبع تلك الآليتني اخلارجيتني من �سلوك‬‫امل�ؤمنني وامل�ؤمنات �سلوكان عباديان �آخران، �أحدهما مزود للطاقة الداخلية عرب ارتباط عمودي‬‫َّ َّ اَ َ‬‫بال�سماء وهي ال�صالة، وهي منبع الآليتني الأوليتني يف احلقيقة بلحاظ الآية الكرمية } �إِن ال�صلة‬‫تنهَى عَن الفح�شاء وا مْلُنكر‌ { واحلديث هنا عن "�إقامة" ال�صالة ال "�أدائها"، ومن يقيم ال�صالة‬ ‫ِ َْ ْ َ ِ َ َِ‬ ‫َْ‬‫تتحقق نتيجتها يف النهي عن الفح�شاء واملنكر، واملزود الأفقي للطاقة واجلاذبة لأفراد املجتمع نحو‬‫امل�ؤمنني وامل�ؤمنات هو "�إيتاء الزكاة" �ضمن ت�أ�صيل ترابط جمتمعي متني يرفع العوز االقت�صادي‬‫ويتقدم يف جمال االعتماد الذاتي املايل للمجتمع، �ضمن حت�صني عملي فعال �ضد �أي اخرتاق ي�أتي‬‫من باب الع َو ِز والفقر من �أي جهة خارجية.  ويف ذلك ت�أمل مفتوح لالكتفاء االقت�صادي عرب �إقامة‬ ‫َ‬‫م�شاريع تغني املجتمع وتتكفل �أموره املالية واالقت�صادية �ضمن عنوان "العزة للم�ؤمنني" بلحاظ‬ ‫28‬
    • ‫كل عناوين احلياة ومن �أهمها عنوان املال واالقت�صاد، والذي ت�شكل الزكاة فيه  م�صداق ًا لل�سيولة‬ ‫املادية من �أجل القيام باالكتفاء االقت�صادي  يف املجتمع امل�سلم وامل�ؤمن.‬ ‫ ‬ ‫وكل تلك الآليات من �أمر باملعروف ونهي عن منكر و�إقامة ال�صالة و�إيتاء الزكاة تكون حتت مظلة‬ ‫"طاعة اهلل ور�سوله"، ومل �إ�ضافة ر�سوله؟ �أمل يك كافي ًا ذكر طاعة اهلل؟‬ ‫ ال لي�س كافي ًا �إذ �أن طاعة الر�سول هي البو�صلة الأر�ضية احلقيقية ملعنى طاعة اهلل من خالل‬ ‫�سريته وكالمه وتوجيهاته، والعطف يف �آية "ويطيعون اهلل ور�سوله" داللة على �أن مرتبة طاعة‬ ‫الر�سول مثل مرتبة طاعة اهلل، وهذا معناه الت�سليم املطلق ملا يقوله الر�سول دون حماججة �أو‬ ‫مواربة يف قول �أو فعل معه. �إذ يتخذ البع�ض "طاعة اهلل" كما يريد من ت�أويل �إال �أن الفي�صل يف‬ ‫ال�ضبط والتوجيه هي طاعة الر�سول (�ص).‬ ‫} �أُولـئِك �سي‌حمهم اللَـه { �أي �أن جزاء الإ�صالحيني من امل�ؤمنني وامل�ؤمنات يف برناجمهم‬ ‫َ َ َ رَ ْ َ ُ ُ ُ ّ ُ‬ ‫ال�سيا�سي اليومي يف الدنيا من و�ضع الهدف الأ�سمى وهو طاعة اهلل ور�سوله عرب تطبيق �آليات‬ ‫ملمو�سة وعملية من �أمر مبعروف ونهي عن منكر و�إقام ال�صالة و�إيتاء الزكاة، كل ذلك �سيكون‬ ‫جزا�ؤه "رحمة" من اهلل عليهم، و�شمولهم للرحمة الإلهية �شاملة يف الدنيا والآخرة و�إن مل تُذكر‬ ‫يف الآية الكرمية، ومقت�ضى الرحمة الت�سديد والتوفيق يف العمل الر�سايل. وعدم �إيكالهم �إىل‬ ‫�أنف�سهم طرفة عني �أبد ًا، فاهلل جل وعال يريد من تلك الوالية بني امل�ؤمنني وامل�ؤمنات �إحداث‬ ‫التغيري والهزّة لإرجاع املجتمع �إىل فطرته و�إىل ال�صراط امل�ستقيم عرب كل �آليات التغيري املمكنة‬ ‫َ ِ حْ َ َ َ ِ‬ ‫ْ ُ ىَ َ ِ َ‌ َ حْ ِ ْ َ ِ َ‬ ‫ويف �شتى املجاالت، ومهما اختلفت الأداة } ادع �إِل �سبيلِ ر ِّبك بِالكمة وا مْل َْوعِ ظة ال�سنة {، فال‬ ‫جرب لتعزيز فطرة جمتمع قط.‬ ‫}�أُولـئِك �سي‌حمهم اللَـه {، نتيجة مكاف�أة للذين يعملون لل�سماء، والرحمة ت�شمل ت�سديد ًا �أر�ضي ًا‬ ‫َ َ َ رَ ْ َ ُ ُ ُ ّ ُ‬ ‫ودعم ًا لهم بالفطرة. فما يقومون به هو تعزيز �آدمية الإن�سان، ليعي�ش التوازن الكوين احلقيقي قدر‬ ‫الإمكان، وتكون الرحمة "�شكر ال�سماء" لأولـئك العاملني من ن�ساء ورجال.‬‫38‬
    • ‫وقول"�إن �هلل عزيز حكيم" دللة قوية على �أن �لت�سديد للموؤمنني و�ملوؤمنات ما�ص ل يتغري "�إن‬ ‫ٍ‬‫�لعزة هلل ولر�سوله وللموؤمنني" تلك هي حقيقة ل مر�ء فيها، "�لعزة" للموؤمنني و�ملوؤمنات، ومن‬‫هنا مت ذكر �سفة "عزيز" يف �لآية �لكرمية، و"حكيم" مدعاة لأخذ �لأمور باأ�سبابها وو�سعها يف‬‫�ملكان �ل�سحيح، ووجود تلك �لآليات وتو�فرها عند جموع �ملوؤمنني ي�ستدعي �لتدبر يف ��ستخد�م‬‫�أي �آلية تنا�سب �ملوقف �لفالين �أو غريه لإحد�ث �أثر �لتغيري �ملطلوب �سمن �لهدف �لأ�سمى وهو‬ ‫�لطاعة هلل ور�سوله.‬‫وما ذكر �سفات معينة للذ�ت �لإلهية يف هذه �لآية �أو يف كل �آية ت�سري �إىل موقف ر�سايل باملجتمع �إل‬‫من �أجل �أن ياأخذ �ملوؤمنون بها، من منطلق "ت�سبهو� ب�سفات �هلل" وهنا تاأتي �أ�سعب معادلة للتغيري‬ ‫بجمع "�لعزّة و�حلكمة" يف قلوب �لر�ساليني، فكان ختام �لآية بهاتني �ل�سفتني هلل عز وجل.‬ ‫‪Ò«¨àdG ádOÉ©e‬‬ ‫�لانب �لنف�سي و�لرتبوي و�لجتماعي‬ ‫‪‬‬ ‫‪‬‬ ‫‪          ‬‬ ‫‪‬‬ ‫‪‬‬ ‫‪     ‬‬ ‫‪ ‬‬ ‫‪  ‬‬ ‫�لانب �لقت�سادي‬ ‫�لانب �لجتماعي‬ ‫‪‬‬ ‫‪‬‬ ‫‪‬‬ ‫�لجتماعي‬ ‫‪ ‬‬ ‫48‬
    • 85
    • 86
    •  87
    • ‫} ونادَى نوح ربه فقال رب �إِن ابنِي مِ نْ �أَهْ لِي و�إِن وعدَك الق و�أَنتَ �أَحكم الاكِمِ ني. قال يا نوح‬‫َ َ َ َ ُ ُ‬ ‫ْ َ ُ حْ َ‬ ‫َ َّ َ ْ َ حْ َ ُّ َ‬ ‫َ َ ُ ٌ َّ َّ ُ َ َ َ َ ِّ َّ ْ‬‫�إِنه لي�س مِ نْ َ�أهْ لِك �إِنه عمل غي �صالِح فال ت�س َ�ألن مَا لي�س لك ِبه عِ ْلم ِ�إن �أَعِ ظك َ�أن تكون مِ ن‬ ‫َ َّ ُ َ َ ٌ َ رْ ُ َ ٍ َ َ َ ْ ْ ِ َ ْ َ َ َ ِ ٌ ِيّ ُ َ َ ُ َ َ‬ ‫َّ ُ َ ْ َ‬‫الجْاهِ ِلني. قال رب ِ�إن �أَعوذ ِبك �أَن �أَ�س�أَلك ما لي�س ل ِبه عِ ْلم و�إِال تغفر ل وترحمني �أَكن من‬ ‫َ َ َ َ َ ِّ ِيّ ُ ُ َ ْ ْ َ َ َ َ ْ َ يِ ِ ٌ َ َّ َ ْ ِ ْ يِ َ َ ْ َ ْ ِ ُ ِّ َ‬ ‫َ‬ ‫الا�سِ رِين { هود 54 - 74‬ ‫خْ َ‬ ‫ ‬‫هو �أمنوذج التجربة التي يخو�ضها الر�سايل يف حياته، عندما يتقاطع خط الر�سالة مع خط الن�سب‬‫والعائلة والدم والعرف والربجمة العامة، وي�ضرب هذا املثال الأبرز يف ذلك ال�صراع، �إذ يتالزم‬ ‫ُ‬‫خط الزمن -الدعوة ملئات ال�سنني- مع خط الن�سب- الأبوة والبنوة- مع خط الأزمتني العرفية-‬ ‫الكفر العام- وت�صل للذروة يف خط الكارثة -الطوفان.‬ ‫} ونادَى نوح ربه فقال رب �إِن ابنِي مِ نْ َ�أهْ لِي و�إِن وعدَك الق و�أَنتَ �أَحكم الاكِمِ ني {.  ‬ ‫َ‬ ‫ْ َ ُ حْ َ‬ ‫َ َّ َ ْ َ حْ َ ُّ َ‬ ‫َ َ ُ ٌ َّ َّ ُ َ َ َ َ ِّ َّ ْ‬‫مناداة رجاء لتلبية طلب، فكان نداء ال دعاء، فالدعاء يحت�ضن الطلب اخلال�ص هلل ال املت�أرجح �إن‬ ‫يكون فيه ذاك �أو ال. لذا ال دعاء هنا، بل نداء.‬‫وطلب نوح يف ندائه لربه ب�أن يكون "ابنه" ممن ي�ستثنيهم العذاب الواقع، �إذ حترك عنده احل�س‬ ‫ّ‬ ‫ً‬‫الأبوي الفطري يف نوح مع مزيج من الأمل �أنْ يكون ابنه حمال للعناية الإلهية بعد �إنقاذه، فالنبي‬‫ال�صابر ملئات ال�سنني يف الدعوة، له القدرة على ال�صرب على من هو من �صلبه.وظن نوح �أن وعد‬‫النجاة �شامال البنه �أي�ض ًا من حتت عنوان الأهل،  ورجع يف ذلك �إىل وعد اهلل له بالقول : } ق ْلنا‬ ‫ُ َ‬ ‫ً‬ ‫احمِ ل فِيهَا مِ ن كل زوجينْ اثنينْ و�أَهْ لَك �إِل مَن �سبق علَيه القول { يف نف�س ال�سورة.‬ ‫َ ََ َ ِْ َْْ ُ‬ ‫ُ ٍّ َ ْ َ ِ ْ َ ِ َ َ اَّ‬ ‫ْ ْ‬‫وبانتظار الإيفاء بذلك العهد والوعد له، ويف النهاية و�صف الرب ب�أنه �أحكم احلاكمني �أي ترك‬ ‫الأمر والت�سليم مطلق ًا له دون اعرتا�ض من نبي اهلل على ما �سيكون.‬‫والت�سليم املطلق من النبي لأي �أمر فهو جار ب�إذن اهلل وقدرته، والت�سليم خ�صو�ص ًا هنا باحلكمة‬‫من رب العاملني، ولي�س القدرة فقط، فالقدرة جارية بالفعل والقوة، ونحن نتحدث عن موقف‬‫نوح وهو يف قلب الطوفان، وو�صف الرب بالرحمة هنا، يف رحم الأزمة هو الت�سليم املطلق املميز‬ ‫88‬
    • ‫للأنبياء. ففي الأزمات يرى الأنبياء وال�صاحلني قمة احلكمة فيما يجري بت�سليم مطمئن، وهو ما‬ ‫ً‬ ‫يجعل لهم ال َنف�س الطويل، لريوا الن�صر حاال �أو بعد حني.‬ ‫َ َ‬ ‫ ‬ ‫} قال يا نوح �إِنه لي�س مِ نْ َ�أهْ لِك �إِنه عمل غي �صالِح فال ت�س َ�ألن مَا لي�س لك ِبه عِ ْلم ِ�إن �أَعِ ظك‬ ‫َ َّ ُ َ َ ٌ َ رْ ُ َ ٍ َ َ َ ْ ْ ِ َ ْ َ َ َ ِ ٌ ِيّ ُ َ‬ ‫َ َ َ ُ ُ َّ ُ َ ْ َ‬ ‫�أَن تكون مِ ن الجْاهِ ِلني {. ‬ ‫َُ َ َ َ َ‬ ‫هنا تبيان ل�سقف الأهل ودائرته املوعودة من اهلل للنبي، وو�ضع �أ�سا�سيات معنى الن�سب الر�سايل‬ ‫ال الن�سب الب�شري "�إنه عمل غري �صالح"، وهذا هو مقيا�س القرب وال ُبعد.كما يف احلديث"يدخل‬ ‫ُ‬ ‫اهلل اجلنة من كان عبد ًا حب�شي ًا لو �أطاعه، ويدخل النار من كان �سيد ًا قر�شي ًا لو ع�صاه" فال ن�سب‬ ‫يف م�سرية الر�سالة �إال من عنوان الطاعة والإلتزام بذلك اخلط ال غري.‬ ‫فمن تن�سحب عليه الآثار الأر�ضية ويتحرك العرق الن�سبي �سيكون عر�ضة للجهل والإغفال عن‬ ‫املعيار احلقيقي للن�سب الر�سايل امل�ؤثر والعملي، لذا �أتى قوله تعاىل "فال ت�س�ألن ما لي�س لك به‬ ‫ِ‬ ‫علم، �إين �أعظك �أن تكون من اجلاهلني"، وهذا ال ينبغي ل�صاحب الر�سالة من نبي �أو م�صلح،‬ ‫�إذ �أنَّ الكثري من العوائق تعرت�ض طريقه يف ذلك ال�سبيل و�أولها و�أقربها "�أهله"، �إذ تكون‬ ‫اجلاذبية لها كبرية جد ًا ومتع�سرة.‬ ‫واملُ�صلح هو مركز احلركة يف الإ�صالح، والقاعدة يف الت�أثري ال تكون بحكم امل�ساحات املتعارفة، �أي‬ ‫الأهل �أوال ومن ثم الأبعد والأبعد، فقوانني اجلذب هنا خمتلفة، فمن ميلك بذرة اجلاذبية للمركز‬ ‫ً‬ ‫يكون الأقرب ولو كان الأبعد ن�سب ًا وعرف ًا.‬ ‫ُ‬ ‫وهنا يكون العنوان املختلف ال�سماوي ملعنى الأهل، والأقرب املختلف عن التعريف واحلراك‬ ‫الأر�ضي لذينك املعنيني، ونتيجة لعدم الإملام بهذا الأمر، يكون غيابه وارد ًا عند النا�س �إال الأنبياء،‬ ‫وما قول اهلل تعاىل لنبيه بعدم ال�س�ؤال، والوعظ ب�أن ال يكون من اجلاهلني، ما هو �إال لأمرين، الأول‬ ‫كون النبي الأمنوذج الذي يتحقق فيه مزيج الأر�ض مع ال�سماء، فهو ب�شر يف النهاية، وتتحرك فيه‬ ‫م�شاعره الأر�ضية، التي طبع ًا ال تتناق�ض وال تخد�ش �أي خط �سماوي يف م�سريته، لأنها تقرتب منه‬‫98‬
    • ‫بطريقة �أو ب�أخرى، فيكون التذكري والأخذ بيد النبي عالي ًا من ذلك "اخلد�ش" �أو "امل�سا�س" حتى.  ‬ ‫َ‬‫ والأمر الآخر: النبي يكون الأمنوذج املتحقق من خالله ال ِعظة لكل الر�ساليني، وهو الأمنوذج‬‫الأقد�س يف خط التغيري والرقي بالإن�سان، لذا يكون هو م�ضرب املثل يف كل مقايي�سه املرتفعة لغريه‬‫كونه متب ِّوئ ًا ملنزلة املثل الأعلى. والتبيان كان وا�ضح ًا ومبا�شر ًا للنبي نوح بخ�صو�ص ابنه املبتعد عن‬‫دائرة الإميان، والتي لو كان فيها و�إنْ بن�سبة ب�سيطة لرمبا �شملته الرحمة. مما يدلل على ح�سب‬‫بيان بع�ض املف�سرين �أن ابن نوح قد كان غارق ًا حتى القاع يف خط املع�صية، ف�أتى الو�صف له بيان ًا‬ ‫وا�ضح ًا عن حالته "�إنه عمل غري �صالح". ‬ ‫ ‬ ‫} قــال رب ِ�إن �أَع ـ ــوذ ِب ـ ــك �أَن َ�أ�س َ�ألك مَا ليـ ــ�س ل ِبه عِ ْلم و ِ�إال تغف ـ ـر ل وترحمـ ـنِي �أَ‬‫َ َ َ ِّ ِيّ ُ ُ َ ْ ْ َ َ َ ْ َ يِ ِ ٌ َ َّ َ ْ ِ ْ يِ َ َ ْ َ ْ ك ـ ــن م ــن‬ ‫ُ ِّ َ‬ ‫َ‬ ‫الا�سِ رِين { هود 64‬ ‫خْ َ‬‫ هي "النقطة اخلفية" لغياب العلم حتى للأنبياء والر�سل، وذلك بهدف تقدمي "ب�شرية" الأنبياء‬‫والر�سل "ما �أنا �إال ب�شر مثلكم" يف الإحاطة بالعلم واحلكمة التي تتحرك يف داخل النبي ونف�سه،‬‫ومن ذلك مثال ق�صة نبي اهلل مو�سى واخل�ضر، حني قال اخل�ضر رد ًا على نبي اهلل مو�سى (ع):‬ ‫َ َ ْ َ َ ْ ُ َ َ مَ ْ حُ ِ ْ ِ ُ ً‬‫} وكيف ت�صبرِ علَى ما ل تط ِبه خبرْا { الكهف 86. تلك النقطة التي تتحرك يف حياة كل نبي‬ ‫ّ‬‫بن�سبة وبتوقيت حمدد من قبل اهلل تعاىل، حلكمة بالغة من لدنه يف  �أنبيائه ور�سله، ليكون احلراك‬ ‫الأر�ضي للنبي وا�ضح ًا يف ب�شريته.‬ ‫ ‬‫وتعوذ نوح من ال�س�ؤال مبا لي�س له به علم، هو االبتعاد عن دائرة عدم و�ضوح الر�ؤية، التي جتعل‬ ‫ُّ ُ‬‫النوايا وتتبعها القرارات مبا ال يتنا�سب مع خط النبوة املت�سم بالو�ضوح والدقة والت�سديد ال�سماوي‬ ‫قبلهما.‬‫وا�ستتبع موقف نداء نوح لربه يف �إنقاذ ابنه الذي "احت�سبه" �أنه من �أهله يف دائرة احل�سابات‬‫العرفية والعرقية، ا�ستتبع ذلك ثالثة �أمور نتائج ُيخ�شى عليه منها، وتلك الأمور الثالث، هي:‬‫التعوذ من ال�س�ؤال مبا لي�س به علم، والثاين طلب املغفرة، والثالث طلب الرحمة، والنتيجة املخ�شى‬ ‫ّ‬ ‫منها، وهي "اخل�سران".‬ ‫09‬
    • ‫ ‬ ‫فالتعوذ هي ع�صمة للر�سايل، ليدخل يف دائرة العلم املطلوب منه الدخول فيه، واملغفرة ح�صن ال‬‫ّ‬ ‫ينك�سر، والرحمة م�صعد �سماوي وتي�سري غري ح�سابي للر�سايل يف �أموره، وكل تلك الأمور ت�شكل‬ ‫"�أ�سلحة" الإن�سان املت�صل باهلل يف خطه التغيريي قبال كل احل�سابات الأخرى املناه�ضة، املتثاقلة‬ ‫للأر�ض.‬ ‫معادلة الر�سايل، هو �أن ُيذيب كل �أمر ي�شده �إىل غري �صراطه الذي مي�شي عليه، مهما كان ذلك‬ ‫الأمر، من ارتباط دنيوي يف مال �أو �أهل �أو عرف اجتماعي �أو عقيدة مناه�ضة خلطه.‬ ‫ُ‬ ‫وهذا ما يت�سم به اخلط الر�سايل عن بقية املدار�س الفكرية الب�شرية الأخرى، فنتاج الأخرية �أر�ضي‬ ‫ُ‬ ‫مهما عال وارتفع؛ مما يجعل جاذبية الأ�سباب املادية واردة وبقوة فيه، فتكون امل�صالح والن�سبية‬ ‫وغريه من �أمور م�شك ّلة ملالمح ذلك التفكري، يف حني �أن الأمر منتف يف الأمنوذج الر�سايل الذي‬ ‫ُ ٍ‬ ‫ُ‬ ‫ي�ضع معايري ترفع من قدر املجتمع والفرد قبل ذلك �إىل م�ستويات ين�شدها من �أجل التغيري.‬ ‫فال ير�سم التغيري �إال كل متعال عن جراحه وراحته، وعلى ر�أ�س تلك النماذج املُغية، والتي ت�أخذ‬ ‫ِرّ‬‫19‬
    • 92
    •  93
    • ‫"مركب" الب�شرية �إىل خط جديد، قد تذهب يف ذلك ال�سبيل �أرواحهم، هم الأنبياء والر�سل.‬ ‫هَّ َ َ َّ ُ َ ِ ِ َ َ ُ ُ َّ َّ َ ُ ُّ ْ ُ َ َ ْ َ ِ ُ‬‫} يا �أَيهَا الذِ ين �آمنواْ اتقـ ــواْ الل ح ـ ـق تقاته وال تمَوت ــن �إِال و َ�أنت ــم م�س ِلم ــون. واعت�صم ــواْ‬ ‫َ ُّ ّ َ َ َ ُ ّ َ ُ‬ ‫َ ْ هَّ ِ َ ً َ َ َ َ َّ ُ َ ْ ُ ُ ِ ْ َ َ هَّ ِ َ ْ ُ ْ ْ ُ ُ ْ ْ َ َّ َ َ َ ُ ُ ُ ْ‬‫بِحب ــلِ الل جمِ يعا وال تفـ ـرقواْ واذكرواْ نعم ـ ـة الل علَيك ـ ـم �إِذ كنتم �أَعدَاء ف�أَل ـ ــف بينْ قلو ِبك ـم‬ ‫َ ْ َ ْ ُ ِ ْ َ ِ ْ َ ً َ ُ ُ ْ َ َ َ َ ُ ْ َ ِّ َ َ ِ َ َ َ ُ ِّ ْ َ َ َ ُ َ ِنّ ُ هَّ ُ َ ُ ْ‬‫ف�أَ�صبحت ــم ِبنعم ِته ِ�إخوانا وكنتم علَى �شفا حفر ٍة من النـ ـّار ف َ�أنقذكم منهَا كذلِك يبي الل لكم‬‫�آياته لعلَ ـك ـ ـم تهتدُون. ولتكن منك ـ ـم �أُمة يدعُون ِ�إل الي وي�أْمـ ـ ـرون بِال َْعـ ـروف وينه ـ ـون عَن‬ ‫َ ِ ِ َ َ ّ ُ ْ َ ْ َ َ َ ْ َ ُ ِّ ُ ْ َّ ٌ َ ْ َ ىَ خْ َ رْ ِ َ َ ُ ُ َ مْ ُ ِ َ َ ْ َ ْ َ ِ‬ ‫الُن ـ ـكر و�أُولئ ــك هُ م الُفلِحون { �آل عمران 201 -401‬ ‫مْ َ ِ َ َ ِ َ ُ مْ ْ ُ َ‬ ‫ ‬ ‫ّ‬‫ت�سل�سل عجيب متقن يف الرتقي ملراتب بناء الذات و�إ�سقاط كل القوى الكامنة للفرد عرب واقع‬ ‫ُ‬‫من املفهوم احلقيقي‬ ‫ملمو�س منتج، يقوم على �أ�سا�س الر�ؤية العامة للدين الإ�سالمي �إنطالقاً‬ ‫ُ‬ ‫للإ�سالم والإميان كمرتبة �أو توليفة خا�صة منه.‬‫تتمتع الآية برتاتبية محُكمة احلياكة والن�سيج يف ر�سم لوحة حقيقية و�سبيل عملي للفرد واملجتمع.‬‫فتبد�أ الآية بالت�شديد على �ضمانة وجود "احلم�ض النووي" الذي له القدرة على التغيري واال�ستيعاب‬‫والتعمق يف املعنى احلقيقي لالرتباط الواقعي باهلل عرب عناوين عدة، قد تكون حجب من نور على‬ ‫ُ ُ ٌ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الإن�سان امل�ؤمن وتق ِّلل من اقرتابه من املعنى الكوين حلقيقة الوجود يف اال�ستخالف والإعمار.‬ ‫َ ُّ َّ َ َ ُ َّ ُ هَّ َ َ َّ ُ َ ِ ِ َ َ ُ ُ َّ َّ َ ُ ُّ ْ ُ َ‬ ‫} يا �أَيهَا الذِ ين �آمنواْ اتقواْ الل حق تقاته وال تمَوتن ِ�إال و�أَنتم م�س ِلمون {‬‫مناداة ملن؟ للذين �آمنوا، وطلب ماذا؟ تقوى. فقط؟ ال، بل حق التقوى، وما نهاية املطاف؟ وال‬ ‫متوتن �إال و�أنتم م�سلمون.‬‫مناداة وطلب من العلي القدير للذين �آمنوا يف مراجعة حقيقية ملخزونهم الإمياين يف كل جوانب‬‫احلياة، فالإميان نور، بحاجة �إىل بيئة تُدمي خا�صية الإنارة، وتُو�سعها �أي�ض ًا وتقويها، لذا ي�أتي‬‫النداء لأنا�س "م�ؤمنني" وطلب -التقوى- منهم، مع �أن الأمر متحقق يف "�إميانهم"، فالإميان‬‫به تقوى، والتقوى ال ي�أتي �إال من �إميان، لكن اخلطاب يتحدث عن مراتب �أعلى من التقوى "حق‬ ‫49‬
    • ‫تقاته"، وهذا النوع من التذكري والنداء مطلوب ومرغوب يف حث اخلطى يف ال�سري �إىل �سبيل‬ ‫التكامل والرتقي درجة بعد درجة، وهذا ما يجعل الإن�سان امل�ؤمن يف حركة دائمة ون�شطة، يتحرك‬ ‫يف ا�ستح�صال درجات الإميان بالتزكية، ال مبعزل عن �إنتاجه وحياته اليومية، �إذ "ال رهبانية يف‬ ‫الإ�سالم"، لذا يكون هذا املزيج اجلميل بني حتريك الإميان واالرتباط بال�سماء عرب م�صاديق‬ ‫�أر�ضية، حتريك النتاج الأر�ضي والعمل الأر�ضي بر�ؤية علوية، وبالتايل ال معنى للإميان والتقوى،‬ ‫ِ‬ ‫�إن كنت مبعزل عن ال�ساحة، فالإميان يبنغي �أن يتحرك يف ال�شارع ويف ال�سوق، ويف العمل ويف‬ ‫َ‬ ‫الريا�ضة، ويف ال�سيا�سة كما االقت�صاد، لذا ت�أتي �ضرورة التذكري ب�أ�صل التقوى مهمة حتى للذين‬ ‫�آمنوا.‬ ‫"وال متوتن �إال و�أنتم م�سلمون" تر�سيخ جميل وقوي للخط الزمني الذي يعي�شه الإن�سان امل�ؤمن،‬ ‫فذكر نهاية الرحلة الدنيوية "املوت" وربطها ب�أهمية �أن تكون يف مظلة "الت�سليم"، و�أهمية هذا‬ ‫ُ‬ ‫الأمر تت�ضح يف كثري من الآيات والأحاديث احلاثة على �أن "ميوت" الإن�سان وهو يف و�ضع الإ�سالم‬ ‫والإميان، وهذا �سر خا�صية الإنتاج لدى الإن�سان امل�ؤمن احلركي الذي ال تتوقف "ماكينة" �إنتاجيته‬ ‫من ا�ستيعابه لبذرة الإميان حلني �آخر - َنف�س فيه-، فتكون حياته حمطة عطاء ونتاج ال تتوقف.‬ ‫َ‬ ‫ولأهمية الرتكيز على نهاية خط احلياة الأر�ضية، ترى الت�أكيد بنهي وا�ستثناء "وال متوتن �إال و�أنتم‬ ‫م�سلمون" �أي ال يكون موتكم �إال و�أنتم يف حالة الت�سليم، مبا تعنيه من حركة على الأر�ض يف جماالت‬ ‫احلياة املختلفة، ومن تربية ذاتية عاقلة واعية وم�ؤثرة.‬ ‫ْ ِ ُ َ ِ َهّ ِ َ ً َ َ َّ ُ ْ ُ ُ ْ َ َ َهّ ِ َ ُ ْ ْ ُ ْ ْ َ َ َ‬ ‫} َواعتَ�صمو ْا ِبح ْبل الل جمِ يعا َوال َتفرقو ْا َواذكرو ْا ِنعمة الل ع َل ْيكم �إِذ كنتُم �أَعدَ اء ف�أَ َّلف َبينْ‬ ‫َ َ َ ُ ِّ َ َ َ َ نُّ َهُّ‬ ‫ق ُلو ِبكم ف�أَ�ص َبحتُم ِب ِنعم ِت ِه ِ�إخْ َوا ًنا َوكنتُم ع َلى �شفا حفر ٍة منَ ال َّنا ِر ف َ�أنقذكم م ْنها كذ ِلك ُي َب ِي الل‬ ‫ُ ْ َ َ َ َ ُ ْ َ ِّ‬ ‫َْ‬ ‫ُ ُْ َ ْ ْ‬ ‫َ ُ ْ َ ِ ِ َ َ َّ ُ ْ َ ْ َ‬ ‫لكم �آياته لعلكم تهتدُونَ { �آل عمران 301‬ ‫وتعقب �آية بناء الإميان احلقيقي يف احلياة حتى عند املمات يف دائرة الفرد ب�آية �أخرى تنطلق‬ ‫ّ‬ ‫يف الف�ضاء االجتماعي العام للوجود امل�سلم يف احلياة، فوجود دين واحد يجمع املنتمني �إليه يف‬ ‫عقيدته العامه وعناوينه امل�شرتكة لكل م�سلم مدعاة "للوحدة"، على الأقل يف ذلك الإطار.‬ ‫فالدين ي�أتي لإقرار العدالة وك�سر كل �صنم من حجر �أو ب�شر و�إذابة الربجوازية بكل �صورها،‬‫59‬
    • ‫وحتقيق معنى اخلالفة يف الأر�ض بالإعمار.‬‫وال يتحقق ذلك بوجود ت�شرذم يف التابعني لهذا الدين اخلامت، وهي الدعوة لالجتماع والتوحد‬ ‫ّ‬‫حتت العناوين امل�شرتكة وكثرية هي بني امل�سلمني باختالف م�شاربهم، فالدائرة امل�شرتكة موجودة‬‫عندهم، ما عليهم �سوى النظر للم�شرتك ليتحقق معنى "االعت�صام بحبل اهلل" عرب نظرة واقعية‬‫ملمو�سة، تُزيل �أ�سباب �ضعف هذه الأمة، والعمل بهذه الآية م�شدد من خالل ت�أكيد متوقع فيها‬ ‫ُ َّ‬‫"واعت�صموا" وت�أتي بعدها "وال تفرقوا"، فهل من يعت�صم يتفرق؟ �إمنا هو الت�أكيد على هذه العملية‬‫التي ت�ستهلك الكثري من الطاقة يف �صراعات نف�سية مرتاكمة �أو عرفية متزاحمة، مما يجعل عقل‬‫الإن�سان امل�سلم م�ش َّوه ًا، ولكي ال يرى نف�سه بعيد ًا عن كالم اهلل يف هذه الآية، يقوم ب�إ�سقاطها‬‫-مبيزة التحايل عند الإن�سان- على نف�سه ومن يقف يف دائرته فقط، فيكون االعت�صام بحبل اهلل‬ ‫متحقق ًا لديه -على امل�ستوى النف�سي - يف حماولة لإر�ضاء الذات ال �أكرث وال �أقل.‬ ‫ّ‬‫و ُيذكر القر�آن الكرمي باحلوادث التي جرت يف امل�سلمني الأوائل، والنعمة التي �أ�سبغها اهلل عليهم،‬‫فمن قبائل متناحرة كقطعان ذئاب متعط�شة لدم بع�ضها البع�ض �إىل ت�آلف عجيب �صنعه الإ�سالم‬ ‫فيهم؛ لي�صبحوا "�إخوان ًا".‬ ‫ فمن قبيلة تغزو �أخرى وتنهبها �إىل قبائل "مت�آخية"، تلك العقلية امللتهبة من حرارة �صحرائهم،‬ ‫كادت �أن تودي بهم �إىل حرارة من نوع �آخر "كنتم على �شفا حفرة"، �أي يف مرحلة "ال�سقوط‬ ‫امل�ؤكد" يف النار، ب�أي نار كانت �أو �ستكون، ف�إن كانت نار الدنيا فتلك هي نار احلقد والعداوة والقتل‬ ‫واالنتقام، و�إن كانت نار الآخرة، فتلك �أعظم.‬ ‫من و�ضعية مزرية وح�شية دموية �إىل ت�آخ و�إن�سانية راقية، تلك هي احلال املتبدلة للم�سلمني عندما‬ ‫ٍ‬ ‫ُ‬ ‫�أنعم اهلل عليهم بنبيه، تلك �آية ت�ستحق الت�أمل والتفكري.‬ ‫يقول "نهرو" العامل وال�سيا�سي الهندي الراحل يف هذا ال�صدد قائال:‬ ‫ً‬ ‫"�إن ق�صة انت�شار العرب يف �آ�سيا و�أوروبا و�أفريقيا واحل�ضارة الراقية واملدنية الزاهرة التي‬‫قدموها للعامل �أُعجوبة من �أعجوبات التاريخ، ولقد كان حممد واثق ًا بنف�سه ور�سالته، وقد هي�أ‬ ‫ّ‬ ‫بهذه الثقة وهذا الإميان لأُمته �أ�سباب القوة والعزّة واملنعة".  ح�ضارة العرب لغو�ستاف لوبون‬ ‫ّ‬‫ويف مكان �آخر، يذكر العامل الإجنليزي امل�شهور "جان ديون پورث": "لقد حول حممد العربي‬ ‫ّ‬ ‫69‬
    • ‫الب�سيط، القبائل املتفرقة واجلائعة، والفقرية يف بلدة �إىل جمتمع متما�سك منظم، امتازت - فيما‬ ‫بعد بني جميع �شعوب الأر�ض ب�صفات و�أخالق عظيمة وجديدة، وا�ستطاع يف �أقل من ثالثني عام ًا‬ ‫وبهذا الطريق �أن يتغلب على االمرباطورية الرومانية، ويق�ضي على ملوك �إيران، وي�ستويل على‬ ‫�سوريا وبالد ما بني النهرين، ومتتد فتوحاته �إىل املحيط الأطل�سي و�شواطىء بحر اخلزر وحتى‬ ‫نهر �سيحان (يف جنوب �شرقي �آ�سيا الو�سطى)". من اليح�ضره الفقيه: ج 4 �ص 863 باب النوادر‬ ‫حقيق �أن ُيقال �أن تلك معجزة اجتماعية، معجزة تتمثل يف �إطفاء نار جاهلية مت�أ�صلة يف �سلوكيات‬ ‫ٌ‬ ‫قبائل �صحراوية، وتكون لها الغ َل َبة �أمام ح�ضارات مت�أ�صلة يف املدنية من خالل توحد لقلوبهم‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫وكلمتهم حتت راية دين جديد خرج من بينهم.‬ ‫ ‬ ‫ } َو ْل َتكن منكم �أُمة َيدعونَ ِ�إلىَ الخْيرْ َو َي�أْمرونَ ِبالمْعروف َو َي ْنه ْونَ عن المُْنكر َو�أُ‬ ‫َ ْ ُ ِ َ َ ِ َ ِ و َل ِئك هُ م المُْف ِلحونَ {‬ ‫َ ُ ْ ُ‬ ‫َ ِ ُُ‬ ‫ُ ِ ّ ُ ْ َّ ٌ ْ ُ‬ ‫�آل عمران 401‬ ‫وليكون و�ضع الإميان محُافظ ًا عليه يف عناوين احلياة املختلفة، وليكون الدفع نحو االعت�صام بحبل‬ ‫اهلل ممكن ًا، البد من و�ضع �آلية ت�ضمن توافر تلك الأجواء. �آلية من املجتمع ويف املجتمع "�سدادة‬ ‫َّ‬ ‫�أمان" تتحرك وتدعو للخري وت�أمر باملعروف وتنهى عن املنكر ب�ضمان حتقيق كل �شروط ذلك،‬ ‫و�ضمن  التوازن بني عنواين "ال �إكراه يف الدين" و"�إن الدين عند اهلل الإ�سالم".‬ ‫تلك الأمة من "منكم" حجر الزاوية يف "الت�شذيب" و"التهذيب" املتحرك من عنوان الدعوة‬ ‫�إىل "اخلري" بكل م�ضامينه و�صوره يف املجتمع، فاخلري والأمر باملعروف والنهي عن املنكر. كل‬ ‫ب�شروطه يدفع املجتمع للإنتاج والتوا�صي باجلميل من الأمور والتذكري ب�إن�سانيته الفطرية يف‬ ‫التعامل مع ذاته والآخر.‬ ‫والبع�ض يتخذ من تلك العناوين "قراطي�س مقرط�سة"، ل ُيعيد غطر�سة "القوة الدينية" العمياء‬ ‫ال املب�صرة، ال�سوداء ال املُنرية، املتحجرة ال املُنبتة، حتى �أ�صبح الدين عندهم ت�ص َّلب يف الن�ص‬ ‫وجفاف يف املعنى والروح، وكهنوت له �سوق رائجة.‬ ‫"يدعون �إىل اخلري"، هذا هو العنوان واخلط العام حلركة الأمر باملعروف والنهي عن املنكر،‬‫79‬
    • ‫فالدعوة �إىل اخلري تتطلب فهم ًا وا�ستيعاب ًا للواقع والطرف املوجه �إليه اخلطاب، فكل ما ُي�سعد‬ ‫الإن�سانية وي�شعرها بكرامتها هو خري، وبذا يكون املنطلق على هذا الأ�سا�س.‬ ‫ّ‬‫وتلك هي املنهجية احلقة يف التغيري والأخذ مبعنيي الأمر باملعروف والنهي عن املنكر، فهما‬ ‫كالأج�سام امل�ضادة ‪ antibiotic‬يف ج�سم املجتمع.‬‫وختام الآية �إ�شارة  �إىل "فالح" من يدعو للخري وي�أمر باملعروف وينهي عن املنكر، هذه هي معادلة‬‫الإ�سالم الإن�ساين "دعوة للخري ب�آليتني وا�ضحتني كقطبي مغناطي�س، وهما "الأمر والنهي" ليكون‬ ‫الإن�سان من "املفلحني". ‬‫قدمت الآيات املباركات �صندوق �أدوات مقد�سة تُعني العاملني للتغري ومن ين�شد الوحدة احلقة على‬ ‫ا�ستخدامها وتوظيفها ب�أف�ضل و�سيلة.‬ ‫89‬
    • 99
    • 100
    •  101
    • ‫ ‬‫} ادع �إِل �سبيلِ ر ِّبك بِالكمة وا مْل َْوعِ ظة ال�سنة وجادلهُم بِالتِي هِ ي َ�أح�سن ِ�إن ربك هُ و َ�أعلَم‬‫َ ْ َ ُ َّ َ َّ َ َ ْ ُ‬ ‫َّ‬ ‫َ ِ حْ َ َ َ ِ َ َ ِ ْ‬ ‫ْ ُ ىَ َ ِ َ َ حْ ِ ْ َ ِ َ‬ ‫بَن �ضل عَن �سبيله وهُ و �أَعلَم بِالُهتدِ ين { النحل 521‬ ‫َ ِ ِ ِ َ َ ْ ُ مْ ْ َ َ‬ ‫مِ َ َّ‬‫هذه خطة ا�سرتاتيجية محُكمة املفا�صل يف جمال الدعوة والت�أثري على الطرف املقابل، وتعتمد‬‫على حتديد الهدف والفئة املخاطبة وتنوع �أ�ساليب اجلذب وطريقة التفاعل. في�أمر اهلل تعاىل‬ ‫ّ‬‫نبيه  بالدعوة �إىل "�سبيل الرب"، وهذه مبثابة "الت�سويق لب�ضاعة �سماوية"، بل هي جتارة مربحة ‬ ‫ُ‬ ‫للعاقلني امل�ؤمنني، وبذا يكون للدعوة �أدوات و�أ�ساليب جذب تهدف �إىل ذاك ال�سبيل.‬‫ت�أتي احلكمة بداية؛ لأنها تخاطب العقل وتقرتب من القلب، وخط الأنبياء العام هو ت�أ�صيل للعقل‬‫الداخلي فيهم ب�صورة خارجية تتمثل يف الأنبياء والر�سل، وكما ورد يف احلديث "العقل نبي داخل،‬ ‫والنبي عقل خارج".‬‫فتتقدم احلكمة لت�ستحثّ العقل يف الطرف املدعو، وهذا �أول دخول يف �ساحة الدعوة، �إم�ساك‬‫املنطقة امل�شرتكة بني العقل والقلب "احلكمة"، �أو ميكن ت�سميتها بح�سب علوم الت�سويق احلديث‬ ‫خماطبة الفئة امل�ستهدفة فكري ًا ‪.Intellectual‬‬‫وت�أتي املوعظة احل�سنة م�ؤازرة لهذه احلكمة يف الدعوة،  لتالم�س اجلنبة العاطفية ‪،Emotional‬‬‫وهي "اخلليط الثاين" اجلامع بني العقل والقلب، لتدفع يف اجتاه حتريك "الفطرة" و"ال�صبغة"‬‫الأ�صيلة للإن�سان، والتي تدفعه ل�سبيل الرب، لوال الغ�شاوات وكل الرتاكمات ذات الربجمة ال�سلبية‬ ‫التي متنعه عن قبول ذلك ال�سبيل والت�سليم له طوع ًا ال كره ًا.‬‫ويف الدعوة ال تتوقف عند حدود الطرف الآخر والكالم معه من بعيد، �إذ يكون الدخول يف نقا�ش‬ ‫201‬
    • ‫وحماورة و"اجلدال" �أمر ًا متوقع ًا. نحن نتحدث عن عقليات مربجمة ومواقف م�سبقة ملجتمعات‬ ‫ت�شر ّبت من بئر بعينها ال من غريها، فكيف ت�صرفها عنها �إىل بئر ال�سماء دون االقرتاب منها‬ ‫وطرح الر�أي؟ وتكون ردة الفعل "حماية" ما بفكرها "هذا ما وجدنا عليه �آبا�ؤنا".‬ ‫وتتحرك احلكمة واملوعظة على نطاق الطرح الذي ال يدخالن يف دائرة التفاعل املبا�شر مع الطرف‬ ‫الآخر، ونتيجة تطور مراحل الدعوة يقرتب الطرفان ويتداخالن لي�صال �إىل نقطة اجلدال، وهي‬ ‫نقطة التوتر وطرح الرباهني واحلجج من كال الطرفني، وهنا تختلف املعادلة متام ًا بني معنى‬ ‫احلكمة وحركة اجلدال، ففي احلكمة تب�صر للعقل وف�سحة الروح، ويف اجلدال حدة العقل وانقبا�ض‬ ‫ّ‬ ‫الروح، وليكون خط الدعوة مت�سق ًا ومنا�سب ًا، كان ال بد من "تطعيم" اجلدال باحل�سن، } وجادلهُم‬ ‫َ َ ِْ‬ ‫بِالتِي هِ ي �أَح�سن {، فهناك اجلدال غري احل�سن كما �أن هناك موعظة غري ح�سنة �أي�ض ًا، لذا يتم‬ ‫َ ْ َ ُ‬ ‫َّ‬ ‫الرتكيز يف هذه الآية بتقدمي احلجج بطريقة جذابة ‪ .Attractive Way‬فهناك املحتوى وطريقة‬ ‫تقدميه، وهما الثنائي املطلوب دائم ًا يف �أي �أمر يتم عر�ضه على الإن�سان، خماطبة العقل والذوق.‬ ‫ ‬ ‫وبعد كل هذا اجلهد وا�ستخدام الأدوات الالزمة يكون مثلث احلجة قد اكتمل بالدعوة باحلكمة،‬ ‫واملوعظة احل�سنة، واجلدال بالتي هي �أح�سن. لي�س ب�ضمان،  و�إن حتقق هذا املثلث �أن تكون هناك‬ ‫ا�ستجابة، ف�إكمال احلجة بالعقل والربهان، لي�س بال�ضرورة دافع ًا لتغيري املوقف، فهناك روابط‬ ‫وحبال عديدة ت�شد الإن�سان للبقاء على ما هو عليه و�إن خالف ذلك عقله.‬ ‫لذا �أتت الآية مكملة خلطة الدعوة اال�سرتاتيجية } �إِن ربك هُ و �أَعلَم بن �ضل عن �سبي ِله وهُ و‬ ‫َّ َ َّ َ َ ْ ُ مِ َ َ َّ َ َ ِ ِ َ َ‬ ‫�أَعلَم بِا مْلُهتدِ ين { يف �إ�شارة وا�ضحة �إيل كون النتيجة غري مكتملة النتائج بالكامل، فهناك الأ�سباب‬ ‫ْ ُ َْ َ‬ ‫اخلفية والعميقة التي ال ميكن لعقل �أو قلب �أن يغريها } ِ�إنك ل تهْدِ ي منْ �أَحببتَ {.‬ ‫َ ْ َْ‬ ‫َّ َ اَ َ‬ ‫وبالتايل هو الدر�س العملي والواقعي لكل ر�سايل، وذلك ب�أخذ الأ�سباب وو�ضع امل�ساحة الفارغة‬ ‫التي تتكفل بها ال�سماء بالكامل دون تدخل ب�شري فيها، وهي م�ساحة "لن تهدي من �أحببت" وهي‬‫301‬
    • ‫نف�ص م�ساحة "�إن ربك هو �أعلم مبن �سل عن �سبيله وهو �أعلم باملهتدين".‬‫�لآية �لكرمية تقدم " خارطة طريق �لدعوة "، ومن حتت كل عنو�ن تنبت كل �لعناوين �لد�عمة،‬‫فعند �حلديث عن �ملوعظة �حل�سنة، تدخل فيها فن �لإقناع، ومعرفة �لعلوم �لع�سرية �حلديثة ذ�ت‬ ‫�لأثر �لبني يف �سياغة �لقناعات وغريها من �لعلوم �لكالمية و�لب�سرية و�لت�سويقية.‬‫تلك هي �لعناوين �لعامة �لتي على �لر�سايل من �أي موقع كان �أن يحرك قدر�ته �لكامنة و�لظاهرة‬ ‫ّ‬‫يف �لعمل على "�لدعوة"، و�لتي تتعدد ول تتوقف عند �سورة معينة �أو طريقة بذ�تها.خذ �لعناوين،‬‫و�بحث يف �مل�ساديق و�ن�سر �ل�سبيل عرب �لدعوة �إليه، وما مل جتذبه �إىل �ساحة �لتجارة �لإلهية، ل‬ ‫�لكمة‬ ‫�لوعظة �ل�سنة‬ ‫�جلد�ل بالتي هي �أح�سن‬ ‫401‬
    • 105
    • 106
    • "" 107
    • ‫عليك، لقد �أمتمت ما عليك. ‬‫} �أَح�سِ ب النا�س �أَن يتكوا �أَن يقولوا �آمنا وهُ م ل يفتنون. ولقد فتنا الذِ ين مِ ن قب ِلهم فلَيعلَمن‬‫َ ُ ُ َ َّ َ ْ اَ ُ ْ َ ُ َ َ َ َ ْ َ َ َّ َّ َ َ ْ ِ ْ َ َ ْ َ َّ‬ ‫َ َ َّ ُ ُ رْ َ‌ ُ‬ ‫ّ ُ َّ َ َ َ ُ َ َ َ ْ َ َّ ْ َ ِ‬ ‫اللَـه الذِ ين �صدقوا وليعلَمن الكاذبِني{ العنكبوت 2-3‬‫}ومِ ن النا�س مَن يقول �آمنا بِاللَـه ف�إِذا ُ�أوذِيَ ف اللَـه جعل فتنة النا�س كعذابِ اللَـه ولئِن جاء‬‫ِّ ََ َ َ‬ ‫يِ ّ ِ َ َ َ ِ ْ َ َ َّ ِ َ َ َ‬ ‫َ ُ ُ َ َّ ّ ِ َ َ‬ ‫َ َ َّ ِ‬ ‫ن�صرٌ‌ من رَ‌بك ليقولن �إِنا كنا معكم َ�أولي�س اللَـه ب َ�أعلَم بَا ف �صدُور العالِني{ العنكبوت 01‬ ‫َ ْ ِّ ّ ِّ َ َ َ ُ ُ َّ َّ ُ َّ َ َ ُ ْ َ َ ْ َ ّ ُ ِ ْ َ مِ يِ ُ ِ‌ ْ َ مَ َ‬‫الفتنة لي�ست ب�أمر عار�ض على الإن�سان، بل هي مكون �أ�سا�سي يف احلياة الدنيا، و�سواء كنت م�ؤمن ًا‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫�أو غريه، �أو كنت م�سلم ًا �أو غريه، فالفتنة موجودة بالقوة وبالفعل.‬‫ويكون الفرق يف كيفية التعامل معها والنظر �إليها، �إذ يتفاعل الإن�سان بعفوية دون �صد مع الفتنة،‬‫للذي ال ينتمي �إىل منهج فكري ملتزم يف ال�سلوك، ويكون التفاعل بدرجة ذات �شدة �أكرب للإن�سان‬‫الذي متثل الفتنة عنده مكون ًا "طبيعي ًا" يف حياته اليومية، �أو على الأقل تلك التي ت�شكل له "�ضرر ًا"‬ ‫يف هويته.‬ ‫ّ‬‫فوجود الفتنة مكون واقع ال يتوقف عن النمو واالنت�شار والتنوع والت�شكل، ويكون دور الإن�سان امللتزم‬ ‫ّ‬‫بالإميان العملي املغيرِّ هو ا�ستعداده لوقوعه يف الفتنة �أو لوقوع الفتنة عليه، م َثله كمثل الريا�ضي‬ ‫َ‬‫يف �سباق املاراثون، �إذ ي�ضع يف االعتبار طول امل�سافة، وتعدد امل�شاق التي �سيالقيها من اختالف‬‫الأماكن ووعورة الطريق وغريها من �أمور قد يتوقعها �أو ال يتوقعها، لكن يف كل االحتماالت، هو‬‫ي�ستعد لها بالتمرين املتوا�صل واللياقة العالية، لكي يتجنب الإ�صابة ب�ضرر �أثناء ال�سباق، ال �أقلها‬ ‫من الإعياء �أو ال�شد الع�ضلي.‬ ‫وال ربط حقيقي بني �إميانك وابتعاد الفتنة عنك، فذلك َوهم. ‬ ‫ْ‬ ‫801‬
    • ‫ لذا ت�أتي الآية هنا لتخط عنوان ًا عام ًا لكل من ي�سري على خط االلتزام والإميان، وهو �أنْ نكون على‬ ‫�أهبة اال�ستعــداد دوم ُا، فالفتنـة �أمر واقع على اجلميــع دون ا�ستثـناء. وب�شقيـها الناعم واخل�شن،‬ ‫املُغري واملوح�ش.‬ ‫ولرفع وهم �أنْ ال فتنة مبجرد "قول" الإميان، ت�أتي هذه الآية الكرمية ب�صراحة متقنة بالقول‬ ‫ُ‬ ‫} �أَح�سِ ب النا�س �أَن يتكوا َ�أن يقولوا �آمنا وهُ م ل يفتنون {.‬ ‫َ ُ ُ َ َّ َ ْ اَ ُ ْ َ ُ َ‬ ‫َ َ َّ ُ ُ رْ َ‌ ُ‬ ‫وهنا لفتة مهمة، ففاقد ال�شيء ال ُيعطيه، فالقول ال يكفي �إن مل تكن مقومات الإميان موجودة،‬ ‫لذا ي�صف القر�آن ه�ؤالء بـ "النا�س" ولي�س بـ "امل�ؤمنني �أو امل�سلمني"، فهناك منهم من يقول فقط‬ ‫ويدعي، ومع ذلك ت�أتي الآية بو�صف قاطع ووا�ضح، ب�أن الذي يقول ب�أنه م�ؤمن وال يتوقع �أن تقع‬ ‫عليه فتنة �أو هو يقع عليها، فه�ؤالء من النا�س، وهذا هو ت�صنيفهم يف هذا الو�صف القر�آين ال غري.‬ ‫فقط "نا�س"، �إذ مل تت�شكل هويتهم بعنوان "الإميان" لي�صفهم القر�آن به، ولو يف �أدنى م�ستوى وهو‬ ‫"الت�سمية".‬ ‫وال يقت�صر الأمر على ه�ؤالء رافعي راية الإميان بالقول دون الفعل �أو اال�ستعداد لدفع ثمنه، فهذه‬ ‫"الفتنة" م�سار يخو�ضه امل�ؤمنون يف ماراثون دنياهم.‬ ‫وت�أتي الآية التابعة لها لتقدم تلك احلقيقة بالقول:‬ ‫ّ‬ ‫َِِْ ْ‬ ‫َ َ َ ْ َ َ َّ َّ َ‬ ‫} ولقد فتنا الذِ ين مِ ن قبلهم { العنكبوت 2-3‬ ‫هي �سنة كونية �إذ ًا. وال�سيناريو يتكرر دوم ًا، ما دمنا على خ�شبة م�سرح هذه احلياة.‬ ‫ُ‬ ‫ويف خو�ض التجربة يكون التمحي�ص وتكون معرفة الذات يف ذلك القول بالإميان، ف�إما �صدق و�إما‬ ‫كذب.‬ ‫}ومِ ن النا�س مَن يقول �آمنا بِاللَـه ف�إِذا ُ�أوذِيَ ف اللَـه جعل فتنة النا�س كعذابِ اللَـه ولئِن جاء‬ ‫ِّ ََ َ َ‬ ‫يِ ّ ِ َ َ َ ِ ْ َ َ َّ ِ َ َ َ‬ ‫َ ُ ُ َ َّ ّ ِ َ َ‬ ‫َ َ َّ ِ‬ ‫ن�صر‌ من ر‌ ِّبك ليقولن �إِنا كنا معكم َ�أولي�س اللَـه ِب َ�أعلَم بَا ف �صدُور العا مَلِني{‬ ‫َ ْ ٌ ِّ َّ َ َ َ ُ ُ َّ َّ ُ َّ َ َ ُ ْ َ َ ْ َ ّ ُ ْ َ مِ يِ ُ ِ‌ ْ َ َ‬ ‫ومن �صور الفتنة التي تالم�س من ي�سري يف هذا الطريق "فتنة النا�س" واملجتمع، والعقل اجلمعي‬ ‫ال�سلبي التي تُ�شكل اختبار ًا �صعب ًا وثقيال على الفرد الذي يكون حمل "اتهام" �أو "تهمي�ش" من قبل‬ ‫ً‬ ‫ّ‬‫901‬
    • ‫املجتمع، وبالتايل يعي�ش يف عزلة اجلماعة. وهذا ديدن املب�شرين واملر�سلني وامل�صلحني، حتى يتم‬ ‫�إحداث ثقب يف العقل اجلمعي الأ�سود، لي�ستخرج منه مكونات م�ؤيدة له يف اخلط.‬‫ٍ‬ ‫ً‬‫عند حتول العقل اجلمعي للنا�س �ضدك، لأنك اتخذت من طريق اهلل �سبيال، عليك �أن تتمتع بلياقة‬‫عالية وب َنف�س طويل ودراية �أر�ضية بامل�سببات وارتباط �سماوي بالتوفيق والت�سديد من اهلل ال غري.‬ ‫َ ٍ‬ ‫هو العقل اجلمعي املُ�سفه لنبي اهلل نوح يف دعوته.‬ ‫ِّ‬ ‫هو العقل اجلمعي املنقلب على نبي اهلل مو�سى بعد عودته من  لقاء ربه يف اجلبل. ‬ ‫هو العقل اجلمعي القاذف يف طهارة مرمي العذراء.‬ ‫هو العقل اجلمعي املت�آمر على قتل ال�سيد امل�سيح من قبل اليهود.‬‫هو العقل اجلمعي املُ�شوه واملقاتل لدعوة الرحمة ون�سف الربجــوازيــة القبلية يف زمــن النـبي‬ ‫ّ‬ ‫الأك ــرم (�ص).‬ ‫ ‬‫هو العقل اجلمعي �ضد كل تغيري �ضوئي يف ال�صندوق الأ�سود وبالغرفة املظلمة الذي يبيت فيها‬‫املجتمع، خمافة التغيري تارة، وحر�ص ًا على ا�ستئثار بامل�صالح تارة �أخرى، و�ضعف يف الرد باحلجة‬ ‫ملعتقدات جمتمع هي �أوهن من بيت العنكبوت تارة ثالثة.‬ ‫ ‬‫ونحتاج ل�صد "ت�سونامي" العقل اجلمعي ذاك قدرة على الت�صبرّ والتحمل والتوكل واحلكمة‬ ‫والتخطيط. وال يكون ذلك بـ"كلمة �سحرية": "�آم ّنا"!‬‫ال يكفي ذلك �أبد ًا دون متحي�ص  حقيقي، فال يخرج معدن الإميان �إال يف احتكاك حقيقي يف‬ ‫امليدان.‬ ‫و�إحدى �صور "الفتنة" �أن يجتمع عليها النا�س �ضدك ليلحقوا بك الأذى، و�أي �أذى؟‬‫هو الأذى يف اهلل، وهو �أرقى الأذى، ولتكون الدعوة �صريحة هنا، البد �أن يتحرك الإن�سان بعيد ًا عن‬‫كل امل�ؤثرات املحيطة به، والتي ت�شكل خطر ًا جوهري ًا يف حرف الإن�سان عن خطه، فهو "العذاب"‬‫الذي يخ�شاه مدعو الإميان، فمن تهمي�ش وعزلة وا�ستهداف، ولن يكون بال�سهولة عليهم "متابعة‬ ‫ّ‬ ‫التمثيل" والإدعاء بالإميان.‬ ‫011‬
    • ‫فهم ينهارون ب�سرعة �أمام فتنة �أذى النا�س، وله�ؤالء �سري التلون، فما �إنْ يتحول ميزان القوى‬ ‫ّ‬ ‫ل�صالح امل�ؤمنني، رفعوا ال�صوت عالي ًا وادعوا ثباتهم يف املوقف، وهكذا يكون الإمعة، وهي احلالة‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫غري امل�ستقرة التي ال ميكن حتويلها �إىل طاقة ميكن االعتماد عليها. �صورة غري ثابتة من املادة، ال‬ ‫هي بجماد وال �سائل وال غاز فال هوية لهم.‬ ‫ }�أَولي�س اللَـه ب�أَعلَم بَا ف �صدُور العالِني {؟ العنكبوت 01‬ ‫َ َ ْ َ ّ ُ ِ ْ َ مِ يِ ُ ِ‌ ْ َ مَ َ‬ ‫حقيقة ثابتة، فقد تنطلي حيل ه�ؤالء على بع�ض �أفراد املجتمع، ويبنون على ذلك "الذكاء" املدعى،‬ ‫�إال �أن حقيقة الك�شف موجودة عند اهلل، وبالتايل تك�شف الآية "م�ساحة الفراغ اخلفية" عن النا�س‬ ‫امل�ؤمنني وغريهم من �أولئك مدعوا الإميان.‬ ‫تختتم الآية ب�أمر مهم على امل�ؤمنني �إيكال الأمر �إىل اهلل تعاىل فيما ي�أتي �إليهم ويقول "�إنا معكم"،‬ ‫فمنهم من ميكن معرفة نواياه ب�سلوكه، وميكن ك�شفه، ومنهم من ال يعرفونه، فموكول �أمره �إىل‬‫111‬
    • 112
    •    113
    • ‫اهلل بعيد ًا عن الت�شكيك وكيل التهم، وهذا مما ُيفتت املجتمع واللحمة وي�أكل املجتمع بع�ضه بع�ض ًا.‬ ‫ّ‬‫ولتلك الزاوية اخلفية من حركة مدعي الإميان، ف�إن اهلل يتكفل بها عن امل�ؤمنني، ليم�ضي امل�ؤمنون‬ ‫ّ‬ ‫يف "ماراثونهم" دون توقف للعمل ب�أمل ومن �أجل التغيري.‬ ‫ْ َ َ َ َ َ َ ْ َ َ َ َ َ َ َ هَّ ِ َّ ُ َ‬‫} وراودته ال ِتي هُ و ف بي ِتها عن نف�سِ ه وغلَقتِ الأَبواب وقالتْ هيتَ لك قال معاذ الل �إِنه ر ِّبي‬ ‫َ يِ َ ْ َ َ َّ ْ ِ َ َ ّ َ‬ ‫َ َ َ َ ْ ُ َّ‬‫�أَح�سن مثوَايَ ِ�إنه ال يف ِلح الظالمِ ُون. ولقد همتْ ِبه وهم ِبهَا لوال �أَن ر َ�أى برهَان ر ِّبه كذلِك‬ ‫َّ ُ ْ َ َ ِ َ َ َ‬ ‫َْ‬ ‫َّ ُ َ ُ ْ ُ َّ َ َ َ َ ْ َ َّ ِ َ َ َّ‬ ‫ْ َ َ َْ‬ ‫ِ َ ْ َ َ ْ ُ ُّ َ َ ْ َ ْ َ ّ َ ُ‬ ‫لن�صرِف عنه ال�سوء والفح�شاء �إِنه مِ نْ عِ بادنا الُخلَ�صني { يو�سف 32-42 ‬ ‫َ ِ َ مْ ْ ِ َ‬ ‫ ‬‫هو ال�صراع على ري�ش نعام، هي ح َل َبة من خدَ ر و�سكر، هو امليدان الذي ُيرخي الأع�صاب –ال‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ق�سر ًا- بل م�ساج ًا متقن ًا من ت�أجيج "غريزة"، لتكون ال�شرر املتطاير كالق�صر.‬ ‫ََ‬ ‫ُ‬ ‫ ‬‫ فالغرائز طاقات ُيراد منها �أن تتحرك للبناء يف املكان ال�صحيح، وما �إن تنفلت حتى تهدم. هي‬ ‫"طاقة نووية" �إن مل ُيتمكن من التحكم بها وتوجيهها بطريقة �صحيحة للإنتاج دمرت.‬ ‫َّ‬ ‫ ‬‫هي النار املنت�شرة يف اله�شيم �إن حتقق لها مثلثها، �أي مثلث النار واالحرتاق، من تواجد احلرارة‬‫وهي الغريزة ذاتها، وتوافر الأك�سجني وهو التفكري فيها، وتواجد الوقود لها، وهو مادة احلدث‬ ‫نف�سه والعن�صر املتفاعل مع الغريزة واملحقق لها.‬ ‫ ‬‫وغريزة اجلن�س بكل درجاتها من الإ�شارة وهي ال�شرارة �إىل العناق وما وراء ذلك وهو االحرتاق،‬ ‫ّ‬‫لها القابلية للتك ّيف والت�شكل كوقود �سائل ي�أخذ لكل قالب �شكله �أو كوقود غاز ينت�شر مع الهواء، ويف‬‫حال تواجد مثلث االحرتاق للغريزة، ب�أي درجة كان، فال �ضمان من عدم االحرتاق �أبد ًا، ب�أي درجة‬‫من درجاته. ويف حال وجود عن�صر رابع يف مثلث االحرتاق وهو "ال�ضمان" لتدفق الوقود وا�ستمرار‬‫الأك�سجني ووجود احلرارة، يكون الإنفالت من "التفحم" �شبه م�ستحيل يف هذه احلالة �إال بتدخل‬ ‫ّ‬ ‫غري طبيعي من ال�سماء لإنقاذ املتعر�ض للحرق.‬ ‫ّ‬ ‫ ‬ ‫411‬
    • ‫وهو ما ح�صل مع نبي اهلل يو�سف (عليه ال�سالم)، واملت�أمل يف الآية الكرمية يرى �ضغط ًا هائال غري‬ ‫ً‬ ‫طبيعي يف موقف يو�سف املُ�شرتى من �سيده "عزيز م�صر"، فما كان الو�ضع عن "مربع االحرتاق"‬ ‫يف موقف يو�سف النبي؟‬ ‫ ‬ ‫َ َ َ َ ْ ُ َّ‬ ‫} وراودته ال ِتي هُ و ف بي ِتها عن نف�سِ ه {: حب زليخا ليو�سف جعلها مرا ِودة له املرة تلو الأخرى،‬ ‫َ يِ َ ْ َ َ َّ ْ ِ‬ ‫بتلميح �أو بغمز �أو �إ�شارة، وقد ا�ستنفذت كل حيل الإغراء جلذب يو�سف لـ"مغناطي�سها" الذي بدا‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫عاجز ًا وال يعمل يف يو�سف �أثر ًا.‬ ‫ ‬ ‫ فما كانت "مراودتها" �إال نتاج �شر ٍر بد�أ يكرب يف ق�صرها وقلبها بوجود �شاب له جمال مالئكي‬ ‫َ َ‬ ‫وخ ُلق وعقل وحكمة، فرتى هذا الأمنوذج الكامل بني يديها، بل تراه يف كل زاوية من ق�صرها،‬ ‫ُ‬ ‫وت�سمع عنه وتعاينه، حتى بات هذا ال�شرر "نار ًا" تريد �أن "ت�أكل" يو�سف!‬ ‫ ‬ ‫ويو�سف النبي موجود يف "بيتها" �أي �أن لها نقطة املكان ف�ضال عن نقطة املراودة، ونقطة ثالثة‬ ‫ً‬ ‫تقولها الآية �ضمن ًا، وهو "و�ضعية يو�سف املُ�شرتى لها"، فهو يف "عرينها" ب�صريح العبارة.‬ ‫ ‬ ‫هي تريده ب�شدة، فمن هي؟ زليخا �أجمل ن�ساء قومها ومن �أكرثهنّ ثراء و�سلطة. ومن هو؟ عبد‬ ‫ٌ‬ ‫ُ‬ ‫ا�شرتاه زوجها ويعمل يف ق�صرها.‬ ‫ ‬ ‫فاعتربته من "مقتناياتها" التي ميكن "ا�ستخدامه" كما يحلو لها، ومن ذا الذي يرف�ض طلب ًا‬ ‫لزليخا؟‬ ‫ ‬ ‫تلك الروحية التي غي ّبت العقل ورفعت الغريزة ك�أولوية بلحاظ "ال�سلطة" املوجودة. هي نف�س‬ ‫الروحية التي ي�سري عليها "الزليخيون" و"الزليخيات" يف كل ع�صر، بالبحث عن مادة لإ�شباع‬ ‫حرارتهم مع توافر �أك�سجينهم الذي يعملون له.‬ ‫وال يقت�صر الأمر يف "املراودة" من لفظ �أو �إ�شار ٍة بل ت�صل ملرحلة �إحداث فعل "احلرق" بالقوة،‬ ‫ٍ‬‫511‬
    • ‫فبعد ا�ستنفاذ القوى الناعمة لديها من �إغراء ومراودة و�صلت �إىل ا�ستخدام القوة اخل�شنة بفعلها‬ ‫ْ‬‫�أمر تغليق الأبواب، ويف ذلك �إ�شارة �إىل كرب املكان الذي كانا فيه، وطبيعة الت�صميم الهند�سي‬ ‫للمكان، عرب كرثة الأبواب.‬‫ فعمدت بعد ف�شل "املراودة" �إىل "املحا�صرة"، ظن ًا منها �أنها �ستخت�صر الأمر وتُزيل كل حجة من‬ ‫يو�سف ليكون مرامها دون ممانعة.‬‫ف�أخذت بتغليق الأبواب �أي الإحكام يف الإغالق، وك�أنّ ذلك حب�س لطائر مناها، و�أكملت �سيناريو‬ ‫ُ‬ ‫ٌ‬‫"املحرقة" لغريزتها عرب ت�صريح بعد تلميح، فاملراودة بها جنب اللطافة والنعومة وال ُبعد اخلفيف،‬ ‫يف حني "هيت لك" �صورة ال�شغف ال�صريح والقبيح يف الأخذ باملُراد.‬ ‫َ‬ ‫ ‬‫كانت زليخا يف تلك اللحظة �صورة الإجنراف للإحرتاق الكامل لغريزتها، فقد و�صلت ملرحلة‬‫ذوبانها لغريزتها بذوبانها الكامل ليو�سف، و�س ّلمت نف�سها للموقف الذي �صنعته وهي�أته لتظفر‬ ‫بخبزها املحروق عرب "اله ْيت" ليو�سف.‬ ‫َ‬ ‫ ‬ ‫وما خربك يا يو�سف النبي؟‬‫محُا�صر بني يدي �سيدته "زوجة من ا�شرتاه"، وهي الثائرة له وفيه ومنه وعليه، مت ا�ستدعائه‬ ‫ٌ‬‫لها "خلوة"، و�أحكمت �إغالق الأبواب "متهيد ًا للفاح�شة"، و�أخربته مبرادها "ال�ضوء الأخ�ضر‬ ‫واملغناطي�س ال�شيطاين" لعمل الفاح�شة وبر�ضى تام منها بل بجنون يف �أن يكون منها.‬ ‫ً‬ ‫ ‬ ‫فهل اكتمل مثلث االحرتاق؟ فكل الظروف ميه�أة لالحرتاق.. لي�س متام ًا‬ ‫ ‬‫فهو من عباد اهلل املخل�صني، املادة غري القابلة لال�شتعال ولو �صُب عليها كل وقود العامل، فهي ال‬ ‫ّ‬ ‫حترتق.‬ ‫ ‬ ‫} قال معاذ اللَـه �إِنه ر‌ ِّبي �أَح�سن مثوَايَ �إِنه ل يف ِلح الظالمِ ُون { ‬ ‫َّ ُ اَ ُ ْ ُ َّ َ‬ ‫َ َ َ َ َ ّ ِ َّ ُ َ ْ َ َ َ ْ‬‫كل ال�شرر يتطاير ورائحة دخان الغريزة يحاول �أن يطغي على املوقف ويكتم الأنفا�س ويخدرها‬ ‫611‬
    • ‫بغازات ال�سكر امل�سيلة للنفو�س، �إال �أن روح يو�سف كانت عالقة بالأعلى، للهواء الطلق النظيف،‬‫ُ‬ ‫فالتج�أ �إىل خالقه هارب ًا من املوقف، فمن ي�شم الهواء النقي، كيف له �أن يطيق �شم الدخان وروائح‬ ‫تُزكم الأنوف؟‬ ‫ "قال معاذ اهلل" كلمة �إطفاء لكل �أعواد كربيت الإغراء، قالها يف و�سط تلك الظروف "املحرتقة‬ ‫للغريزة"، وهو يف �أبرز نقطة من قو�س القوة يف مواجهة نقاط �ضعف الإن�سان، فعندما تتمنع‬ ‫من �إذكاء نار غريزتك وكل الظروف مواتية لك وتقول "ال" بكل ثقة، ف�أنت املالك للموقف ال‬ ‫هو مالكك، و�أنت امل�سيطر عليه ال العك�س، وبذا تنت�صر خلطك �أنت ال غري، وال يت�أتى ذلك �إال‬ ‫ّ‬ ‫من جماهدة نف�س وعزم و�إ�صرار، ففيه بالء عظيم، �إذ تزداد احتمالية توقف العقل عن التفكري‬ ‫ٌ‬ ‫حينها، وي�شتعل مرجل الغريزة بقوة.‬ ‫ ‬ ‫ِ ٍَ َ‬ ‫لذا ال تحَُم حول احلمى لكي ال تقع فيه، منْ لمَم �إىل ك ِلم.‬ ‫ْ‬ ‫ ‬ ‫"�إنه ربي �أح�سن مثواي"، �سواء املق�صود هنا بالرب هو �سيده الذي ا�شرتاه �أو رب العزة �سبحانه‬ ‫وتعاىل، فيو�سف النبي يقول، لي�س هكذا �أرد اجلميل لربي –العزيز-، فهو الذي �ضمني‬ ‫ّ‬ ‫ورعاين، فكيف �أرد له اجلميل؟ بقبول عر�ض زليخا؟ بالطبع ال‬ ‫ ‬ ‫َّ ُ اَ ُ ْ ُ َّ َ‬ ‫ويقدم نتيجة ال�سلوك ال�سلبي لو �أقدم عليه } �إِنه ل يف ِلح الظالمِ ُون { ، فال �إن�صاف يف النتيجة ملن‬ ‫ظلم نف�سه بتقدميها ملحرقة الغريزة، وتبعات ذلك على �أكرث من جهة يف حياته.‬ ‫�أقدمت عليه وهي�أت الظروف وتريد "الهيت" به، فردها بدعوة �إنقاذ ال�ضمري وحتريك العقل،‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫و�أ ّنى لذلك �أن يكون والعقل عند زليخا يف �سكر؟ �إذ مل تكتف بتهيئة اجلو والقول ال�صريح، حتى‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫�أطلقت جلوارحها الباقية �سباق االحرتاق، فهمت به واقرتبت وابتعد، �أرادت ف�صد، ذابت فارتفع،‬ ‫ّ‬ ‫هامت فامتنع.‬ ‫همت به مبا تريد من بعد كل هذه الرتتيبات، فكان همها متعمد ًا مرتب ًا، فرد عليها "وهم بها"‬ ‫ّ‬ ‫ُّ‬ ‫ّ‬‫711‬
    • ‫ً‬‫بالفطرة اللحظية للرجل ومل يتحقق �أ�صال المتناع �أمر وقوعه بوجود "ر�أى برهان ربه"، وك�أمنا‬ ‫الآية بهذه الطريقة:‬ ‫} لول �أَن ر�أَى بر‌هَان ر‌ ِّبه {‬ ‫َ ْ اَ َّ‌ ُ ْ َ َ ِ‬‫كانت حلظة تواجه "هم " زليخا احلارق يف الأر�ض و"هم" يو�سف ال�صاعد لل�سماء، فهي قد‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫انكف�أت بعد ف�ضيحة، وهو قد ارتفع ولو يف �سجن بعد حني. ‬ ‫وما النتيجة من تلك املواجهة؟‬ ‫َ َ َ ِ َ ْ ِ َ َ ْ ُ ُّ َ َ ْ َ ْ َ َ ّ َ ُ‬ ‫} كذلِك لن�صر‌ف عنه ال�سوء والفح�شاء �إِنه مِ نْ عِ بادنا ا مْلُخلَ�صي {‬ ‫َ َِ ْ ِ‬‫ليكون هو الأمنوذج ب�صرف ال�سوء والفح�شاء عن �ساحته بكل �صورهما، لتكون املح�صلة من كل‬ ‫هذه التجارب وهذه "جتربة زليخا" من �أق�ساها، ليكون من العباد املخل�صني.‬‫فبالتايل يتحرك يو�سف النبي من تلك احلبوة له، وتلك هي معادلة احلبوة �إنْ �أردت: تع ّلق باهلل،‬ ‫ٌ‬‫ابتعاد عن مثلث احرتاق الغريزة و�أنت يف و�سط النار حتّى، لتحظى مبلك م�صر يف نف�سك ويف كل‬ ‫ُ‬ ‫ٌ‬ ‫خطوة تخطوها.‬‫�إرادة يف قبال غريزة، �إميان يف قبال �ضعف وهوان، تلك هي معادلة �إيجاد الأثر وخط ال�سبيل‬ ‫ُ‬‫�إىل اال�ستقاللية والعزّة، فال ريب �أن مما ز ِّين للنا�س من ال�شهوات هن الن�ساء كما ورد يف القر�آن‬ ‫الكرمي، و�أتت على ر�أ�س قائمة مما مييل �إليه الإن�سان وي�شتهي.‬‫ومع ذلك يكون التقوى وتهذيب النف�س مطلوب ًا، لكي ال يقع الإن�سان الر�سايل يف بئر الهوى الفطري‬ ‫ُ‬‫الذي يلزمه اقتياد من عقل وتقوى ليكون يف منجى من �أي انحراف �أو اجنذاب نحو قطب بعيد عن‬ ‫ً‬ ‫ٌ‬‫ر�سالته، و�إال كان عر�ضة ملط ّبات الهوى، وبالتايل ر�ضوخ �إرادته لكل عوامل التعرية واملتقلبة من‬ ‫ُ‬ ‫حوله ويف النهاية ت�شتت لأ�صل هويته و�ضياع لهدف �سبيله.‬ ‫811‬
    • ‫‪Iƒ¡°ûdG ¥GÎMG ™Hôe‬‬ ‫�لهو�ء‬ ‫(�لتفكري) 2‬ ‫�حلر�رة‬ ‫3 (�لغريزة)‬ ‫�لوقود‬ ‫1‬ ‫(�حلدث)‬ ‫4 �ل�سمان‬ ‫(�ل�ستمر�رية)‬ ‫�لنتيجة (�لتفحم)‬‫911‬
    • 120
    •   121
    • ‫ّ‬‫�سورة يو�سف بق�صتها هي معادلة التمنع عن كل ما ال ُير�ضي ال�سماء، لتحظى مبا يعطيك اهلل على‬ ‫الأر�ض.‬ ‫مبنيٍ{ �سب�أ 42‬ ‫ُّ ِ‬ ‫} و�إِنا �أَو ِ�إياكم لعلَى هُ دًى َ�أو ف �ضللٍ‬ ‫ْ يِ َ اَ‬ ‫َ َّ ْ َّ ُ ْ َ َ‬‫تلك هي ال�صفة الأ�صعب يف تناولها "احليادية" والتحرك باجنذاب للحق "بتجرد"، تلك هي‬ ‫ّ‬‫بالفعل �أ�صعب و�أق�سى و�أجهد �أمر ميكن �أن يقوم به الإن�سان وهو يف حال ال�س ْلم. �إذ تكون ظروف‬ ‫ِ‬‫"الثبات" على املوقف-بغ�ض النظر عن �صحته من عدمه- �أمر ًا يدعمه العقل الظاهر للإن�سان من‬‫بيئة وجمتمع و"عقل" جمعي مربمج ليتخذ "نوعية" التفاعل مع الأفكار واملواقف وال�شخ�صيات‬‫واملفاهيم ب�صورة كلية، وتذوب ال�شخ�صية الفردية يف تكوين �شخ�صية املجتمع الذي يخلق‬ ‫"التابوهات" –املحرمات- من حوله بهدف حماية لحُمته وهويته.‬ ‫ ‬‫لذا تكون خماطبة عقل الآخر الذي يتخذ موقف ًا مغاير ًا عن خط الر�سالة الآتية من ال�سماء تتميز‬‫بال�صعوبة واخل�شونة �أي�ض ًا يف الت�صدي لهكذا موقف جديد. يك�شف لهم ال�ستار عن تراكمات‬‫مفاهمية واجتماعية واقت�صادية و�سيا�سية قد مت بنا�ؤها على �أ�سا�س يبتعد عن التكرمي احلقيقي‬‫للإن�سان ك�إن�سان له الكرامة واحلرية والإمارة و"اخلالفة" يف الأر�ض. ويكون �أكرث املت�صدين‬ ‫ّ‬‫للخطابات الر�سالية هم مغذوا الطبقية يف املجتمع املنتفعني منها وبها، فيتقدم يف مثل هذه احلالة‬‫املنت�سبون للفكر الديني يف املجتمعات ممن ي�سمونهم رهبان ًا �أو علماء دين �أو غري ذلك، ممن‬‫ميتلك املعبد واملعتقد، فهم اخلط الأمامي املدافع عن "م�صرفهم" الذي يغذيهم من الوجهاء‬ ‫والتجار ورجال الأعمال يف املجتمع واملتنفذين.‬‫لذا، ال ميكن ت�صور الأمر �إال ب�صعوبة الإقدام عليه من قبل املر�سلني واملب�شرين لأقوامهم، ويف هذه‬ ‫ّ‬‫الآية العظيمة منهج عايل امل�ستوى يف �آلية اخلطاب مع الطرف الذي نختلف معه. فلي�س هناك احتكار‬ ‫ٌ‬‫كامل للحقيقة-بالرغم من حتقق ذلك عند الأنبياء واملع�صومني، بلحاظ دورهم الالزم لتواجد ذلك‬ ‫221‬
    • ‫االحتكار الذي يقومون بن�شره طبع ًا-وما الآية هنا �إال من باب �إياك �أعني وا�سمعي يا جارة. هذا هو‬ ‫منهج النقا�ش واملجادلة واحلوار وكل �صيغة ممكنة للتفاعل بني طرفني خمتلفني يف الر�أي، �إذ ت�أتي‬ ‫ويف عقلك "احلقيقة" و�آتي ويف عقلي "احلقيقة"، فلم التحاور والنقا�ش واجلدال �إذ ًا؟!‬ ‫  �إما �أن تكون "احلقيقة" م�شرتكة، فال خالف يف املفهوم ويكون اللقاء لبحث الآليات.�أو �أن تكون‬ ‫"احلقيقة" خمتلفة يف العناوين الفرعية ال الأ�صلية، وبالتايل تكون م�ساحة اللقاء متوافرة و�إن‬ ‫�صغرت م�ساحتها. �أو �أن تكون امل�ساحة امل�شرتكة "�صفر ًا" بلحاظ "امتالك" احلقيقة عند كل‬ ‫طرف، وهنا ت�أتي الآية ويف ن�سج مثايل واقعي وجمايل يالم�س القلوب والعقول مع ًا، وب�أريحية‬ ‫�أخالق خامت الأنبياء �صلى اهلل عليه و�آله و�سلم. ت�أتي هذه الآية وبل�سان نبي الأخالق بالقول "و�إنا �أو‬ ‫�إياكم لعلى هدى �أو يف �ضالل مبني"، �أخرج النبي نف�سه وجترد من املوقف الذي هو عليه لي�سحب‬ ‫َ‬ ‫الطرف الآخر لنف�س الدائرة اجلديدة البعيدة عن كل امل�ؤثرات الثانوية. كمن ُيريد �أن ُي�سمع‬ ‫الآخر ما يقول، ف ُيخرجه من غرفته املليئة بال�ضو�ضاء وال�صور امل�شتتة عن الفكرة اجلديدة املُراد‬ ‫طرحها. ‬ ‫ليكون الطرفان يف م�ساحة م�شرتكة بي�ضاء وبتجرد، دون عالئق امل�سبقات الذهنية ودون جاذبية‬ ‫ّ‬ ‫الأفكار التي تر َّبوا عليها، وبهذه احلالة يكونان يف حالة ال�سباحة احلرة يف ف�ضاء الفكر واملنطق،‬ ‫و�أمام مفرتق طرق الآن، فلي�س الوقت نقا�ش �أنيّ خمتلف معك فيما تعتقد وهذا ُيبعدين عنك‬ ‫والعك�س �صحيح، بل الآن هو وقت الر�ؤية امل�شرتكة للأمور بتجرد. ‬ ‫فعلينا �أنا و�أنت �أن نبحث مع ًا ونرى �أي �أر�ض نقف عليها و�أي طريق �سنتخذه مع ًا ك�إن�سانني ين�شدان‬ ‫الهداية واالختيار بني الهدى �أو ال�ضالل. وتلك هي القاعدة الأعجوبة التي �سطرها القر�آن �ضمن‬ ‫�آليات اجلدال و�إقناع الآخر. وهي الآلية التي يتم اال�ستفادة منها يف علوم العقل والعاطفة الآن‬ ‫وماي�سمونه بالذكاء العاطفي. وهذه الآلية عامة يف التوا�صل والتفاعل مع الطرف الآخر مهما كان‬ ‫�ش�أن الطرفني، وقد قدم الباري عز وجل ر�سوله ليمثل هذا املوقف، وهو النبي املع�صوم املُ�سدد‬ ‫من رب العاملني، ومع ذلك يقول ب�أن هناك طريقني قد نقع يف �أحدهما، ف�إما الهداية �أو ال�ضالل! ‬‫321‬
    • ‫�إنه �أ�سلوب �لذب �لفطري بعد �لتجرد �لعقلي و�لإنعتاق من �مل�سبقات �لذهنية. وتلك �آلية‬ ‫ً‬‫�لدعوة، �أن تتو��سع وتاأخذ بيد �لطرف �لآخر وتكونان يف خندق و�حد للبحث عن �حلقيقة بدل من‬ ‫خندقني متو�جهني، وهذ� يدفع �لآخر لل�سعور بوحدة �حلركة يف �لبحث عن �حلقيقة مع ًا ل مفرد ً�.‬‫وهذ� �لبحث و�إن مل ي�سل لنتيجة موحدة، �إل �أنه زرع جتربة �سري م�سرتكة للبحث عن �حلقيقة،‬‫مما يجعل عملية �لت�سادم �أقل. فلي�ص �لهدف �أن متزج غريك بلونك �أنت، بل بلون �حلقيقة‬‫�مل�سرتكة بينكما، و�إن مل يح�سل فال �أقلها من �سمان �أن ل ياأتي �لطرف �لآخر وي�سكب عليك‬‫�سبغه �لأ�سود م�سوه ًا لك حاقد ً� عليك، و�حتمال ذلك �سعيف جد ً� بلحاظ �لتجربة �مل�سرتكة يف‬‫�لبحث عن �حلقيقة. هو در�ص �لتجرد من غرفة عقلك ودعوة �لطرف �لآخر للخروج من غرفة‬ ‫ّ‬ ‫عقله، لتلتقيان يف باحة منزل �لبحث عن �حلقيقة مع ًا.‬ ‫�لدفع للدخول يف د�ئرتك بالذوق و�ل�سلوك‬ ‫�لآخر‬ ‫�ل�ستك‬ ‫�أنت‬ ‫�لدفع للدخول يف د�ئرتك باملنطق‬ ‫421‬
    • 125
    • 126
    •  127
    • ‫} وال�سماء ذاتِ البرُوج واليوم ا مْل َْوعُود و�شاهِ دٍ ومَ�شهُود ق ِتل �أَ�صحاب الأُخدُود النار ذاتِ الوقود �إِذ‬ ‫ِ َ َ َ ْ ٍ ُ َ ْ َ ُ ْ ْ ِ َّ ِ َ ْ َ ُ ِ ْ‬ ‫َ َّ َ ِ َ ْ ُ ِ َ ْ َ ْ ِ‬ ‫َ ُ ٌ َ َ َ ُ ْ ُ ْ اَّ ْ ُ ْ ُ هَّ ِ ْ َ ِ‬‫هُ م علَيهَا قعود وهُ م علَى مَا يفعلون بِا مْلُ�ؤْمِ ِنني �شهُود ومَا نقموا مِ نهم �إِل �أَن ي�ؤمِ نوا بِالل العزِيز‬ ‫َْ َُ َ‬ ‫ْ َ ْ ُُ ٌ َ ْ َ‬‫ِ َ‬ ‫َّ َ ُ ُ ُ َّ َ َ َ ْ ْ ِ َ هَّ ُ َ ُ ِّ َ ْ ٍ َ ٌ َّ َّ َ َ َ ُ‬‫المِ يدِ الذِ ي له م ْلك ال�سماواتِ والأَر�ض والل علَى كل �شيء �شهِيد �إِن الذِ ين فتنوا ا مْلُ�ؤْمِ نني‬ ‫حْ َ‬ ‫َ َ ُ َّ مَ ْ َ ُ ُ َ ُ ْ َ َ ُ َ َ َّ َ َ َ ُ ْ َ َ ُ حْ َ‬ ‫وا مْلُ�ؤْمِ ناتِ ثم ل يتوبوا فلَهم عذاب جهنم ولهم عذاب الرِيقِ { الربوج 4-9 ‬‫تُقدم الآيات �إحدى �صور ال�صراع املتوا�صل بني جبهتي احلق والباطل، والذي ال يتوانَ فيها منا�صروا‬ ‫ّ‬‫الباطل واملطب ّلون له با�ستخدام "�أي و�سيلة" كانت من �أجل "فر�ض" ال�سيطرة على واقع ال�صراع.‬‫فال يهم الو�سيلة لأ�صحاب الباطل، املهم �أن تكون ن�شوة الغ َل َبة وال�سيطرة بادية يف الواقع وملمو�سة،‬ ‫َ‬‫ولو ظاهر ًا فقط. فا�ستخدام �أ�ساليب البط�ش والقمع والإرهاب والإبادة اجلماعية، �إحدى �أهم‬‫الأدوات التي يتخذها الباطل على يد منا�صريه والتابعني له. ويف ذلك �أكرب داللة على غياب احلجة‬‫واملنطق له�ؤالء، ويكون ح�ضورهم ظاهري ًا مرتبط ًا بوجود القوة والبط�ش وال�سيطرة، وما �إن تذهب‬ ‫تلك املظاهر يذهب معها كل "وهم" بغلبة الباطل.‬ ‫ً‬ ‫ََ‬ ‫ََ‬‫ويف روعة ال�سرد ورهبة امل�شهد، تبد�أ الآيات بق�سم تلو ق�سم، و�صوال �إىل تراجيديا �أ�صحاب الأخدود،‬‫وهي ا�سم ال�سورة املباركة، فتبد�أ با�ستعرا�ض عظمة الكون يف ال�سماء بربوجها وكواكبها، �إىل ذكر‬ ‫يوم القيامة وهي النتيجة احلتمية } واليوم ا مْل َْوعُودِ{، و�أي وعد ومن الذي وعد به؟‬ ‫َ َِْْ‬‫ذلك هو يوم القيامة الذي وعده خالق الكون كله. فال جمال للت�شكيك يف ذلك اليوم ال منطق ًا وال‬ ‫فطرة. ‬ ‫ويبد�أ امل�شهد املربع الأ�ضالع بالإكتمال من وحي هذه الآية } ق ِتل �أَ�صحاب الأُخدُود{:   ‬ ‫ُ َ ْ َ ُ ْ ْ‬ ‫١. ال�ضلع الإن�ساين: م�أ�ساوية امل�شهد يف نظرته العامة.‬ ‫٢. ال�ضلع املعتدي: وح�شية وق�ساوة املُحرقني للم�ؤمنني. ‬ ‫٣. �ضلع املعتدى عليه: امتحان ومتحي�ص للم�ؤمنني يف مواقفهم.‬ ‫ ٤. ال�ضلع ال�صامت: �صمت وعجز من ر�أى امل�شهد حينها.‬ ‫821‬
    • ‫ وت�ستمر الآية يف و�صف امل�شهد امل�أ�ساوي بتبيان طريقة "القتل"، وو�ضعية القتلة يف تلك احلالة،‬ ‫بالقول "النار ذات الوقود، �إذ هم عليها قعود، وهم على ما يفعلون بامل�ؤمنني �شهود" كانت ال�سلطة‬ ‫احلاكمة �آنذاك تُريد �إخماد �أي �صوت غري �صوتها، �أو �أي عقيدة خالف عقيدتها الر�سمية، وذلك‬ ‫يدل على �ضعف تلك املجتمعات يف عقائدها، فمن يكون �ضعيف ًا يف �إثبات ما لديه �أو احرتام ما لدى‬ ‫غريه، يلج�أ �إىل �أداة الوح�شية بالقتل ونفي الآخر. فبمقدار البط�ش والتنكيل يظهر م�ستوى ال�ضعف‬ ‫والهزال الداخلي ملن يبط�شون و ُينكلون، فال حجة لديهم ل�ضعف ُبنيانهم وعقيدتهم، فيكون اللجوء‬ ‫ُ‬ ‫للقوة و�سيلة لتربير ذلك ال�ضعف الداخلي. ‬ ‫ويف �سرد مروع للم�شهد، تنقل الآيات الكرميات احلادثة بتفا�صيلها، فالنار التي �أُ�ضرمت من الكرب‬ ‫ّ‬ ‫ما ُيوحي ب�أنها ذات وقود ال تخف وال ت�ضعف، فقد �أقدمت ال�سلطات الوح�شية �آنذاك على حفر‬ ‫�أخدود يف الأر�ض ورمي امل�ؤمنني فيه، وكان ميكن قتلهم بال�سيف �أو ما �شابه ذلك، و �إقدامهم على‬ ‫هذه الطريقة يف القتل داللة على �أمور، منها: ‬ ‫ً‬ ‫  �أوال: عدد امل�ؤمنني باهلل لي�س بالي�سري، فكان �أخدود النار �أ�سهل يف الق�ضاء عليهم وبدفعة واحدة.‬ ‫ثانياً: الإحراق ُيدخل اخلوف والرتاجع عند بع�ض النا�س، خ�صو�ص ًا عندما ي�سمعون �صرخات من‬ ‫يحرتق، فكان ذلك مدعاة لثني امل�ؤمنني عن �إميانهم.‬ ‫ثالثاً: كان الإحراق و�سيلة لإ�شباع "ال�سادية"  لدى �أ�صحاب الأخدود، فكان تلذذهم بتعذيب‬ ‫و�سماع عذابات الآخرين، فاتخذوا من نار الأخدود و�سيلة لإ�شباع مر�ضهم النف�سي. ويبدوا �أن‬ ‫مر�ضهم النف�سي "ال�سادية" والذي يعني التلذذ بعذاب الآخرين كان امل�سيطر على "حفلة ال�شواء"‬ ‫الوح�شية التي قامت بها ال�سلطات �آنذاك وك�أنها يف "حفل زار" ال يوقف.‬ ‫ومل كل هذه النقمة على �أولئك؟ ‬ ‫لأنهم �آمنوا!‬ ‫  لأنهم خرجوا عن "الن�سيج العام" يف ذلك املجتمع، وهو ما ي�سبب خلال يف ركيزة املعتقد‬ ‫ً‬ ‫ال�ضعيف الذي كان م�سيطر ًا ومهيمن ًا على املجتمع �آنذاك. وتبعات ذلك الإميان تن�سحب ح�سب‬ ‫ت�صور الباط�شني والقاتلني واملُهددة م�صاحلهم، �إىل هدم ال�صرح املعريف والطبقي واملفاهيمي‬‫921‬
    • ‫عند ال�سلطات �آنذاك.‬‫"وما نقموا منهم �إال �أن ي�ؤمنوا باهلل العزيز احلميد" ذلك هو "جرمهم"، وهو جرم كل‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬‫امل�ؤمنني على طول خط ال�سري الب�شري، فالإميان باهلل معناه �إقامة ميزان العدالة االجتماعية‬‫بني النا�س وهو اخلط الفطري، وهو ما ال يرت�ضيه املتنفذون واملتم�صلحون واملتفرعنون يف كل‬‫زمن ويف �أي جمتمع، هو ال�صراع الأبدي بني �إقامة "اخلالفة" بني النا�س مب�شاربهم ومعتقداتهم‬ ‫املختلفة، وبني ما يريده الربجوازيون من "خياطة" املجتمع كما يريدون هم ولهم ال ل�سواهم.‬ ‫ُ‬‫و ُتبينِّ الآيات هنا يف و�صف ملن ي�ؤمن به �أولئك امل�ؤمنون، فهم ي�ؤمنون باهلل العزيز احلميد، مل يك‬‫�إميانهم �سطحي ًا �أو عام ًا، بل كان را�سخ ًا، و�إال كان التهديد �أو التعذيب كافي ًا لردعهم �أو �صدهم �أو‬‫�إرجاعهم عن معتقدهم هذا، لكن ال يبدو  �أن ذلك واقع ًا بالن�سبة لهم، فهم م�ؤمنون بر�سوخ وتد يف‬‫اهلل العزيز احلميد، ومالكية ال�سماوات والأر�ض يف �إكمال الو�صف هلل ُيعطي الإطمئنان والثقة يف‬‫هذا الإميان، ومن مالكيته عليه بكل �شيء، فما يقع على امل�ؤمنني يعلمه اهلل  وي�شهده، ويف ذلك �سر‬ ‫�إطمئنان لدى امل�ؤمنني، فـ "كله بعني اهلل". ‬ ‫ََ‬‫ فبعد الق�سم وو�صف احلدث وذكر ال�سبب، يكون �سرد اجلزاء هنا لكال الطرفني، و�أولهم �أولئك‬‫الذين �أعملوا املجزرة باملحرقة للم�ؤمنني، فهم من �أحدثوا "الزلزلة" يف �أر�ض املجتمع، وذلك‬‫بالتنكيل بامل�ؤمنني �ضمن عملية "�إفتتان" لهم، ومع كل الذي فعلوه �أولئك "القتلة" تكون رحمة اهلل‬‫وا�سعه بقدر ال�سماوات والأر�ض بوجود �شرط "التوبة" واملُغيرِّة واملُكفرة عن الذنب بطريقة عملية‬ ‫ِّ‬‫واقعية. ف�إن حتقق يكون الإ�ستثناء من العذاب، وذلك يف قوله تعاىل "�إن الذين فتنوا امل�ؤمنني‬‫وامل�ؤمنات ثم مل يتوبوا، فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب احلريق"، لي�س العذاب من �صنف واحد‬ ‫هنا، عذاب جهنم وعذاب احلريق، وهما خمتلفان بلحاظ درجات العذاب يف يوم القيامة.‬‫ويف قبال هذه ال�صورة من الوعيد بوجود �شرط الإ�ستثناء، هناك الب�شارة للم�ؤمنني من كل ما‬‫يالقونه، وما يتطلبه دخول اجلنة هو �إميان وعمل �صالح. معتقد فكري مرتجم ل�سلوك عملي.‬ ‫ُ‬‫الأخذ باملبد�أ ونقله من ورق �إىل عرق، من �شروع �إىل م�شروع، من �أجل حتقيق معنى العبودية‬‫احلقة هلل ب�إيجاد "اخلالفة" يف الأر�ض للإن�سان بكرامته وب�إعمار يكون هو الباين ال الهادم، وهو‬ ‫املط ِّور ال املهم�ش.‬ ‫ّ‬ ‫031‬
    • ‫�لإميان �لذي يتبعه عمل �سالح جُيو�سل لنة �لدنيا قبل جنة �لآخرة، لأن �ملوؤمن يتحرك بعني �هلل،‬ ‫وبالتايل تتحول حركاته يف كل ميد�ن �إىل جنة ما �إن يطاأ قدمه عليها، وهذه "�لنات" �لأر�سية‬ ‫�لذي هو يعمل لها وفيها هنا يف �لدنيا، لها �سورتها �لأكرب يف �لآخرة له.‬ ‫وبعد �سرد �مل�سهد وذكر جز�ء كل طرف من معادلة �ل�سر�ع، ياأتي �لتذكري �حلقيقي باأ�سل مو�سوع‬ ‫"�إحر�ق" �ملوؤمنني، وهو �إميانهم باهلل وحده، فما �سفات �هلل؟‬ ‫بط�سه �سديد، هو �ملبديء و�ملعيد، وهو �لغفور �لودود، ذو �لعر�ص �ملجيد، وهو �لفعال ملا يريد.‬ ‫�سفات ت�سمل �لعد�لة �ملطلقة، و�ملجُلك �ملطلق و�لقوة �ملطلقة و�لرحمة و�لإر�دة، وهذه �ل�سفات‬ ‫تقدم و�سف ًا خمت�سر ً� دقيق ًا وعميق ًا للذي �آمن به �أولئك ومت تعذيبهم وقتلهم من �أجله.‬ ‫هذ� �ل�سيناريو "كوين" ل يتوقف، بل هو م�ستمر كا�ستمر�ر �لليل و�لنهار، وبالتايل يكون �لتعامل‬ ‫معه بحاجة �إىل �ل�ستناد �إىل قوة "كونية" للغلبة على �ل�ستثناء يف �لقاعدة.‬ ‫‪¿hÉ¡àdG ™∏ q°†e‬‬ ‫�سلع �ملعتدي‬ ‫�لإن�سان‬ ‫(�لوح�سية و�لق�ساوة)‬ ‫(ماأ�ساوية �مل�سهد)‬ ‫�إنت�سار‬ ‫�لإنحطاط‬ ‫�سلع �ل�سامت‬ ‫�سلع �لـمعتدى عليه‬ ‫جُ‬ ‫(�متحان ومتحي�ص)‬ ‫(�سمت وعجز)‬‫131‬
    • 132
    • 133
    • ‫َ ْ َ ْ َّ َ َ َ ُ ْ َّ َّ َ َ ُ َ ُ َّ حِ َ َ َ َ َ ْ حْ َ ِّ َ َ َ َ ْ‬‫} والع�صرِ. �إِن الإِن�سان لفِي خ�سرٍ. �إِال الذِ ين �آمنوا وعَمِ لوا ال�صالاتِ وتوا�صوا بِالق وتوا�صوا‬ ‫بِال�صبرْ { �سورة الع�صر‬ ‫َّ ِ‬ ‫ََ ٌ‬‫ق�سم من اخلالق بالع�صر، �سواء كان املق�صود به �صالة الع�صر �أو الفرتة من الزمن، ومن بعده‬‫�إعالن عام خل�سارة الإن�سان وا�ستثناء ب�شروط �أربع: �إميان وعمل �صالح وتوا�ص باحلق وتوا�ص‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫بال�صرب.‬ ‫ُ‬ ‫ََ‬ ‫تبد�أ ال�سورة بق�سم فتعميم بخ�سران يعقبه ا�ستثناء بتف�صيل.‬‫هذه ال�سورة ككب�سولة ح َوت الرتياق لإنقاذ الإن�سان من خ�سران طرحته الآية الكرمية يف �صيغة‬ ‫َ ْ‬ ‫َّ َ َ َ ُ ْ ٍ‬‫التعميم } �إِن الإِن�سان لفِي خ�سر {، ولعظم هذا الأمر �سبقتها �آية الق�سم بالع�صر } والع�صرِ{،‬ ‫َ َْ ْ‬‫وحال هذه الآية كبقية الآيات التي بها ق�سم مبوجودات الكون الفيزيائية مثل ال�شم�س والقمر‬‫والنجوم وغريها �أو الزمانية مثل الع�صر والليل وال�شفق �أو املكانية كالبيت املعمور والطور، وغريها‬‫من �أنواع الق�سم املتنوعة التي تلقي بظاللها على مو�ضوع الآية �أو ال�سورة، وك�أنها مبثابة رفع حلالة‬ ‫الإنذار للإنتباه مبا �سي�أتي بعد الق�سم. فال ق�سم �إال ب�شيء عظيم ول�شيء عظيم، فما ذاك؟‬‫حركة الإن�سان يف احلياة التي قد تو�صله للخ�سران، وال تكون خ�سارة �إال بعد ا�ستمالك بالقوة �أو‬‫الفعل، وال يكون يف غري ذلك، فمن ملك �شيئ ًا وفقده فقد خ�سره، ومن �أمكنه �أن ميلك �شيئ ًا ومل‬ ‫يحظ به فقد خ�سره �أي�ض ًا.‬ ‫َّ َ َ َ ُ ْ ٍ‬‫وت�أتي هذه الآية } �إِن الإِن�سان لفِي خ�سر {، نتيجة �إما �أن يكون الإن�سان مي�ضي يف طريق اخل�سران‬‫بالقوة �أو بالفعل، �أي �أنه يف �أ�صل وجوده خا�سر �أو �ضمن حركته يف الوجود قد يكون خا�سر ًا، وال‬‫يكون الأول لأن اهلل رفع منزلته ليكون مو�ضع �سجود مالئكته، والثاين ممكن مع قعود ال�شيطان له‬ ‫يف �صراط ال�سماء امل�ستقيم.‬ ‫431‬
    • ‫فهناك قابلية الإن�سان يف خ�سرانه املوجودة بالقوة  بحكم م�سريته يف احلياة التي ت�أخذه �أو هو‬ ‫ي�أخذها يف �سبيل ت�سلب منه كل مقومات خالفته يف الأر�ض وتوازنه مع الكون، ليكون هو �أ�صل بدء‬ ‫اخللل وفقدان التوازن يف احلياة، وبالتايل انعكا�سه على كل ما يحيط به، من �أقرب ما يكون �إليه‬ ‫�إىل �أبعد جرم �سماوي يف الكون. ‬ ‫ُ‬ ‫فاخللل احلا�صل من هذا املخلوق عظيم، �إذ هو يبتدع اخللل وال يكون من طبيعته املتوافقة مع‬ ‫الكون واملحيط، وتلك اخلا�صية تدفعه للإف�ساد دون غريه من املوجودات، وعندها يكون �إف�ساده‬ ‫خ�سارة ملكت�سب كوين ُي�سعفه يف م�سرية التكامل �إليه. ولو بانَ الف�ساد ن�صر ًا �أو زهو ًا �أو تطور ًا‬ ‫للإن�سان، �إال �أن هذا الإف�ساد يحمل يف طياته كل فريو�سات الهدم والت�آكل الداخلي لهذا الإن�سان.‬ ‫ وال يدركه �إال بعد انت�شاره ك�سرطان يف ج�سده. وال �أدل على ذلك من م�صداق الإف�ساد النف�سي‬ ‫واجل�سدي وال�سيا�سي واالقت�صادي والثقايف الذي تظهر �آثاره يوم ًا بعد يوم يف ع�صرنا احلا�ضر.‬ ‫فاخل�سران  مثل "فريو�س" ممكن توالده وتواجده بكرثة يف الهواء، لذا ال بد من "و�صفة �سماوية"‬ ‫يتم تقدميها للإن�سان يف �سبيل االبتعاد عن ذلك اخل�سران الذي ُيفنيه وجود ًا وفكر ًا وروح ًا.‬ ‫واخلطاب كوين ال يقت�صر على فئة دون �أخرى ب�إميان �أو جن�س �أو لغة �أو �أي عقلية اجتماعية كانت،‬ ‫لذا كان اخلطاب للإن�سان بعموم هذا املوجود.‬ ‫والو�صفة املرتقبة له �ستنت�شله من �أي خ�سران يف الذات واملحيط.‬ ‫ف�أي و�صفة تلك التي تقدمها ال�سورة يف ب�ضع �آيات ق�صار فقط؟‬ ‫ي�أتي الإ�ستثناء "العالج"، و"الإ�ستثناء" احلل و"الإ�ستثناء" الرتياق لهذا الإن�سان لت�أخذه من نار‬ ‫ابراهيم ومن بط�ش فرعون ومن بئر يو�سف ومن حقد اليهود ومن كفر قري�ش، فما تلك "الكب�سولة"‬ ‫العالج؟‬ ‫�أربع و�صفات:  الإميان وعمل ال�صاحلات والتوا�صي باحلق والتوا�صي بال�صرب.‬ ‫َ‬ ‫�أربع �إر�شادات للطريق هنا ولي�ست خيارات، بل هي و�صفة جامعة ال مفرقة -بفتح القاف-، في�أتي‬ ‫ً‬ ‫الإميان �أوال وهو العنوان العام الكفيل برفع الإن�سان من حالة اخل�سارة املرتقبة �أو املتوقعة فيه‬‫531‬
    • ‫وعليه، والإميان د�ستور �سماوي يطبق ب�آليات �أر�ضية، لذا يكون هو ال�ضمانة لعدم انزالق الإن�سان‬ ‫يف م�سريته احلياتية بكل ما ي�ؤدي للخ�سران يف البيت واملجتمع والقرية واملدينة والدولة.‬‫والإميان هو الراية الأوىل ال�ستالم الطريق ال�صحيح يف حياة الفرد الإن�سان، وهل يكفي الإميان‬ ‫وحده للخروج من اخل�سران؟‬‫لي�س كافي ًا �إن حترك يف الذهن دون الواقع، ودون تفعيل حقيقي لكل عناوينه  يف كل مظاهر احلياة‬ ‫ّ‬ ‫وقبلها يف الذات للفرد.‬‫لذا ت�أتي الو�صفة الثانية من رتبة الإميان �إىل رتبة العمل الفعلي "وعملوا ال�صاحلات"، وال يكون‬‫العمل �إال من �أمرين: النية والقدرة، والنية ت�أتي من معتقد و�إميان، والقدرة ت�أتي من توافر‬ ‫للآليات. لذا �أتى التنويع بالعمل ال�صالح بعد الإميان ال قبله.‬‫وما بعد و�صف الإميان �إىل م�صاديق لأي �إميان تعني الآية. هل هو �إميان �أبي ذر العامل املغري‬ ‫بالكلمة والعمل �أو �إميان �أبي �سفيان؟‬ ‫هل هو �إميان �سلمان املحمدي الذائب يف طريق الإ�سالم وقيمه �أم �إميان اخلوارج؟‬‫فلكل �إميانه و" َل ْياله" يف مدعاه، فقد يقتل �شخ�ص �شخ�ص ًا ويعتربه من الإميان، وت�أتى الآية التي‬ ‫َ‬ ‫ٍ‬ ‫بعدها لتحدد م�ساحة و�شكل وجمال هذا الإميان يف لوحة فنية بجهاتها الأربع.‬ ‫الإميان عرب عمل �صالح وتوا�ص من جهتني �أخريني احلق وال�صرب.‬ ‫ِ‬ ‫فهل يكفي الإميان �إذاً مع العمل ال�صالح؟ هل انتهت الو�صفة؟‬‫لي�س بعد، فالإميان كينبوع ماء، والعمل ال�صالح هو املاء، ومع ذلك يحتاج هذا الينبوع للمحافظة‬‫عليه رعاية و�صرب ًا، لذا �أتت ال�صفتني الأخريني لتعزيز ا�ستمرار الإميان يف الواقع وال يكون يف‬ ‫موقع �ضعف �أبد ًا.‬ ‫َ َ َ َ ْ حْ َ ِّ َ َ َ َ ْ َّ ِ‬ ‫} وتوا�صوا بِالق وتوا�صوا بِال�صبرْ {‬‫والتوا�صي تكون عملية لأكرث من فرد، ففيها التفاعل والرفع واجلذب للو�صول �إىل م�ستوى من‬ ‫631‬
    • ‫�ملطلوب يف �حلق و�ل�سرب، و�لتو��سي عملية جماعية تنت�سر وتت�سع لتكون عقال جمعي ًا فاعال‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫وموثر ً� يف �ملجتمع.‬ ‫هما �ل�سبيالن ل�ستمر�ر �مل�سري و�لبتعاد عن �خل�سر�ن، "�حلق و�ل�سرب" هما جناحا �لتغيري‬ ‫و��ستبد�ل زيت حمرك �لإميان يف كل حني.‬ ‫وهذه �ل�سورة تجُعترب بحق "رو�ستة" �لع�سر بو�سفاتها �لدقيقة و�ملرتبة.‬ ‫‪‬‬ ‫‪‬‬ ‫‪ ‬‬ ‫‪‬‬ ‫‪‬‬‫731‬
    • ‫م�ساحات �ل�ستفادة من م�ساريع �لتدبر �لقر�آين‬ ‫ً‬ ‫�لأوريغامي مثال‬ ‫�ملحا�سر�ت‬ ‫مادة للتباحث‬ ‫�لدرو�ص �لقر�آنية‬‫مادة علمية‬‫�أخرى...‬ ‫جل�سات �لتدبر‬ ‫ور�ص �لعمل‬ ‫831‬
    • ‫جعفر حمزة حممد، مو�ليد 779١، قرية �ملالكية،‬‫مملكة �لبحرين. بكالوريو�ص يف هند�سة �لكهرباء‬‫و�سهادة �حرت�فية يف �لقيادة و�لت�سويق. مهتم بالثقافة‬‫و�لفكر و�لإعالم. لديه موقع �إلكرتوين ين�سر فيه �أن�سطته‬ ‫و�أفكاره ومقالته.‬‫�سدر له كتاب "�أنا �أحب دميتي، �سرية ع�سق �لإن�سان‬‫ل�سورته �لدمية" وطبعه مركز �ل�سيخ �بر�هيم باملحرق،‬‫ومتت ترجمته للغة �لإنكلنيزية ون�سرته د�ر ن�سر �أملانية‬ ‫ومعرو�ص يف موقع ‪amazon.com‬‬‫يقدم حما�سر�ت وور�ص عمل يف جمال �لثقافة و�لت�سويق‬‫حائز على �لائزة �لف�سية يف جمال �لإبد�ع يف �لإعالن‬ ‫�لفردي من �لوليات �ملتحدة �لأمريكية.‬‫ولديه م�سروع "�أثر" ل�ست�سار�ت �لت�سويق، بالإ�سافة �إىل‬ ‫ت�سميم �ملالب�ص و�لطباعة عليها.‬ ‫موقعه �ل�سخ�سي ‪www.jaafar-hamza.com‬‬